معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

الإمامة ..
الكاتب : فيصل نور ..

الإمامة

     يعتقد الشيعة أن الإمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص وأنها مثلها لطفٌ من الله عزوجل، ولا يجوز أن يخلو عصر من إمام مفروض الطاعة، وليس للبشر حق اختيار الإمام وتعيينه. بل وليس للإمام نفسه حق تعيين من يأتي من بعده.
وقد وضعوا على لسان أئمتهم عشرات الروايات في ذلك، منها ما نسبوه إلى الإمام محمد الباقر رحمه الله أنه قال: أترون أن هذا الأمر إلينا نجعله حيث نشاء؟ لا والله، ما هو إلا عهد من رسول الله، رجل فرجل مسمى حتى تنتهي إلى صاحبها.
وفي أخرى نسبوها إلى ابنه جعفر الصادق رحمه الله أنه قال: إن الإمامة عهد من الله عز وجل معهود لرجلٍ مُسمى ليس للإمام أن يزويها عمن يكون من بعده[1].
ويعتقد الشيعة الاثنا عشرية أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد نصَّ على الأئمة من بعده، وعينهم بأسمائهم، وهم اثنا عشر إمامًا لا ينقصون ولا يزيدون، وهم:
1- علي بن أبي طالب [المرتضى-أمير المؤمنين] (23 قبل الهجرة-40 هـ).
2- الحسن بن علي [الزكي-المجتبى] (2-50 هـ).
3- الحسين بن علي [سيد الشهداء] (3-61هـ).
4- علي بن الحسين [زين العابدين-السجاد] (38-95هـ).
5- محمد بن علي [الباقر-أبو جعفر] (57-114هـ).
6- جعفر بن محمد [الصادق-أبو عبد الله] (83-148هـ).
7- موسى بن جعفر [الكاظم] (128-183هـ).
8- علي بن موسى [الرضا] (148-203هـ).
9- محمد بن علي [الجواد] (195-220 هـ).
10- علي بن محمد [الهادي] (212-254 هـ).
11- الحسن بن علي [العسكري] (232-260هـ).
12- محمد بن الحسن [المهدي-الحجة-القائم-الغائب-المنتظر] (256-؟).
 
ويرى الشيعة أن الإيمان بولاية الأئمة أصل من أصول الدين، ولا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، شأنها في ذلك شأن باقي الأركان، وقد وضعوا على لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة أنهم قالوا: بني الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج إلى البيت، وولاية علي بن أبي طالب[2].
بل إنهم جعلوها أعظم هذه الأركان، فزعموا أن الله عزوجل قد أوصى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالإمامة أكثر من أي شيء آخر. فعن الصادق قال: عرج بالنبي إلى السماء مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله عزوجل فيها النبي بالولاية لعلي والأئمة أكثر مما أوصاه بالفرائض[3].
ووضعوا روايات ترخص في جميع الأركان ما عداها، كقولـهم عن الباقر: بني الإسلام على خمس: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، والولاية لنا أهل البيت، فجعل في أربع منها رخصة ولم يجعل في الولاية رخصة[4].
وعليها جعلوا مدار قبول الأعمال من العباد، فنسبوا إلى الصادق قولـه: إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله عن الصلوات المفروضات، وعن الزكاة المفروضة، وعن الصيام المفروض، وعن الحج المفروض، وعن ولايتنا أهل البيت، فإن أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله منه شيئًا من أعماله[5].
ونسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قوله: التاركون ولاية علي خارجون عن الإسلام[6].
وإلى الصادق قولـه: الجاحد لولاية علي كعابد وثن[7].
لذا حكى شيخهم المفيد إجماع الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة فهو كافر ضال، مستحق للخلود في النار[8].
والروايات في الباب تطول، حتى عقد بعضهم أبوابًا خاصة في بيان هذه المسألة، كباب: أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية[9].
رغم هذا فقد اضطرب القوم واضطربت رواياتهم في إثبات هذه المسألة بشكل لا يكاد يضبط.
ويتمثل هذا الإضطراب في مسائل عدة، منها تحديد متى كان النص؟ ومنها جهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة أنفسهم وأهل بيتهم وأصحابهم بهذه المسألة، ومنها خلو القرآن عن ذكر الإمامة رغم المنزلة العظيمة التي جعلوها لها كما مر بك. وغيرها، وهذا بيان موجز لهذا.
فيما يتعلق بمتى كان النص؟ وجهل أصحاب الشأن بمسألة الإمامة، قالوا أن أول ذلك كان في يوم الدار أو بدء الدعوة، لما نزل قولـه تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء : 214 ) حيث روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا بني عبد المطلب وهم يومئذٍ أربعون رجلًا، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، وكان قد أولَم لهم، وبعد أن أكلوا وشربوا، قال: يا بني عبد المطلب، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني يكن أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي. فأحجم القوم جميعًا إلا عليًا قال: أنا يا نبي الله، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم برقبته، وقال: هذا أخي ووزيري ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا.
وهذا يعني أنه لم يكن وزيره ولا وصيه قبل ذلك. ولما أخذت الدعوة منحىً عامًا أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه على القبائل، فجاء إلى بني كلاب، فقالوا: نبايعك على أن يكون لنا الأمر بعدك، فقال: الأمر لله، فإن شاء كان فيكم أو في غيركم، فمضوا ولم يبايعوه، وقالوا: لا نضرب لحربك بأسيافنا ثم تحكم علينا غيرنا[10].
فما الذي اضطره صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذا القول مع ما تقدم؟ ألم يكن عليه أن يبين أن هذا الأمر قد تم قبل أشهر في يوم الدار الذي مر بك!؟
ويستمر مسلسل خفاء النص عليه صلى الله عليه وآله وسلم، ففي ليلة الإسراء والمعراج وفي طريق العودة إلى الأرض وفي السماء الرابعة يروون أنه ناداه ربه: يا محمد، قال: لبيك ربي، قال: من اخترت من أمتك يكون من بعدك لك خليفة؟ قال: اختر لي ذلك، فتكون أنت المختار لي، فقال: اخترت لك خيرتك علي بن أبي طالب[11].
وفي ليلة الهجرة، روى الشيعة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي رضي الله عنه: أرضيت أن أُطلب فلا أُوجد وتوجد فلعله أن يبادر إليك الجهال فيقتلوك؟ قال: بلى يا رسول الله، رضيت أن تكون روحي لروحك فداء، ونفسي لنفسك فداء[12].
ووجه الدلالة غير خافٍ في الرواية، فافتراض القتل هنا-وفي روايات عدة أخرى- لا يمكن توجيهه باعتبار أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يلي الخلافة بعده صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف يمكن أن يقع افتراض أن يقتل أو يموت قبله؟!
فهذا يدل على خفاء النص على النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يزعمون أنه نص على إمامة علي رضي الله عنه وهو في مكة قبل الهجرة للمدينة.
أما بعد الهجرة، فقد رووا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله تبارك وتعالى أوحى إليَّ أنه جاعل لي من أمتي أخًا ووارثًا وخليفةً ووصيًا، فقلت: يا رب، من هو؟ فأوحى إليَّ عزوجل: يا محمد، إنه إمام أمتك، وحجتي عليها بعدك، فقلت: يا رب، من هو؟ فأوحى إلي عزوجل: يا محمد، ذاك من أحبه ويحبني، ذاك المجاهد في سبيلي، والمقاتل لناكثي عهدي، والقاسطين في حكمي، والمارقين من ديني، ذاك وليي حقًا، زوج ابنتك، وأبو ولدك علي بن أبي طالب[13].
ولا أقل من أن تاريخ هذه الرواية بعد السنة الثالثة للهجرة، بدليل قول الله عزوجل: زوج ابنتك وأبو ولدك، فكيف غاب ذلك عمن كان سببًا في النص على إمامة علي رضي الله عنه، بل إنه يستفصل ويسأل حتى يبين الله أوصافه، ثم يذكر له اسمه!!
     وفي يوم الخندق في السنة الخامسة للهجرة ذكر القوم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لما انتدب عمروٌ للمبارزة، وجعل يقول: هل من مبارز؟ والمسلمون يتجاوزون عنه، فركز رمحه على خيمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: ابرز يا محمد، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي؟[14]
وفي الغزوة نفسها وبعد أن خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه لمبارزة عمرو، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وهذا أخي علي بن أبي طالب، رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين[15]. فكيف يخاف صلى الله عليه وآله وسلم من موته وهو الخليفة بعده.
ثم نراه في غدير خم وقد هبط عليه جبرئيل عليه السلام بأمر الله عزوجل بنصب علي رضي الله عنه وليًا بزعمهم، متسائلًا عن هذا الولي الذي سيكون من بعده، حيث قالوا: إن جبرئيل عليه السلام نزل يوم غدير خم، فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تعلم أمتك ولاية من فرضت طاعته ومن يقوم بأمرهم من بعدك، فقال: إي ربي، ومن ولي أمرهم بعدي؟ [16].
ولم يكن حال علي رضي الله عنه بأفضل من حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا، حيث يروي الشيعة أنه رضي الله عنه لما بات في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي، فأسرعت إلى ذلك مطيعًا له مسرورًا لنفسي بأن أقتل دونه[17].
وفي رواية: فلما نامت العيون جاء أبو طالب ومعه أمير المؤمنين، فأقام رسولَ الله واضطجع أمير المؤمنين مكانه، فقال أمير المؤمنين: يا أبتاه، إني مقتول[18].
ورروا عنه رضي الله عنه أنه قال: قلت لرسول الله: أوليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحِيزت عني الشهادة فشق ذلك عليَّ، فقلت: أبشر، فإن الشهادة من ورائك... الرواية[19].
وفي رواية: بأبي أنت وأمي كيف حرمت الشهادة[20]؟.
وفي غزوة وادي الرمل أو ذات السلسلة لما أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون فيها بكت الزهراء رضي الله عنها، فدخل النبي وهي على تلك الحال، فقال لها: مالك تبكين؟ أتخافين أن يقتل بعلك، كلا إن شاء الله، فقال علي: لا تنفَسْ علي بالجنة يا رسول الله، ثم خرج[21].
ثم يروي لنا القوم بشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم له رضي الله عنه لما كان مع أخيه جعفر وعمه العباس رضي الله عنهم في البقيع، حيث قال: ألا أبشرك، ألا أخبرك يا علي؟ قال: بلى يا رسول الله، فقال: كان جبرائيل عندي آنفًا، وخبرني أن القائم الذي يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا من ذريتك من ولد الحسين، فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، ما أصبنا قط خيرًا من الله إلا على يدك[22].
ولا شك أن تاريخ هذه الرواية قريب من السنة الثامنة من الهجرة حيث معركة مؤتة التي استشهد فيها جعفر ا، ويقينًا حصولها بعد الهجرة بدلالة إسلام العباس وعودة جعفر من الحبشة أثناء غزوة خيبر، وذكر البقيع، رغم ذلك فدلالات عدم علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأمير بالأئمة واضحة، هذا برواية القوم أنفسهم!
وفي موطن آخر وبعد أن قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قد استجاب الله لي فيك وفي شركائك الذين يكونون من بعدك، قال: يا رسول الله، ومن شركائي من بعدي؟ قال: الذين قرنهم الله عزوجل بنفسه وبي، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ.. الآية) (النساء : 59 ) فقلت: يا رسول الله، من هم؟ فقال: الأوصياء مني، فقلت: يا رسول الله، سمّهم لي؟ فقال: ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسن، ثم ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسين، ثم ابن لـه يقال لـه: علي، سيولد في حياتك، فأقرئه مني السلام، ثم يكمله اثنا عشر إمامًا[23].
وما زال صلى الله عليه وآله وسلم يبين ذلك وما زال هو رضي الله عنه يَسأل ويَسأل، ففي رواية قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، أمِنَّا الهداةُ أم من غيرنا[24]؟. وفي أخرى: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أولو الأمر؟ قال: أنت يا علي أولهم[25]. وأخرى: قال: يا رسول الله، فكم يكون بعدي من الأئمة[26]. وأخرى: قلت لرسول الله: أخبرني بعدد الأئمة بعدك؟[27].
نعود إلى مسألة افتراض الموت.
فقد روى القوم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنفذ عليًا في خيلٍ عند محاصرته أهل الطائف، وأمره أن يكسر كل صنم وجده، فلقيه جمعٌ كثير من خثعم، فبرز لـه رجل من القوم، وقال: هل من مبارز؟ فلم يقم أحد، فقام علي، فوثب أبو العاص بن الربيع زوج بنت النبي، فقال: تكفاه أيها الأمير؟ فقال: لا، ولكن إن قتلت فأنت على الناس[28].
ثم ها هو الحسن بن علي بن أبي طالب ب، يروي القوم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي: أنت وارث علمي، ومعدن حكمي، والإمام بعدي، فإذا استشهدت فابنك الحسن، فإذا استشهد الحسن فابنك الحسين، فإذا استشهد الحسين فابنه علي، يتلوه تسعة من صلب الحسين أئمة أطهار، فقلت: يا رسول الله، فما أسماؤهم؟..الرواية[29].
فالحسن رضي الله عنه ولد في السنة الثالثة من الهجرة، ووفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانت في السنة الحادية عشرة من الهجرة، فتأمل كم كان عمر الحسن رضي الله عنه عندما سمع هذا الحديث ووعاه، فلا أقل من أن ذلك كان في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، رغم ذلك نرى عدم علم الأمير رضي الله عنه بالأئمة ما زال آخذًا مأخذه، وحتى لو كان السائل هو الحسن، فالأمر سيان.
والإمام الحسن رضي الله عنه -إضافة إلى ما سبق- نراه وهو إمام منصوب ومنصوص عليه من الله عزوجل يبايع معاوية بن أبي سفيان[30] الذي هو إمام ليس من الله، وهو يعلم -كما يروي القوم عن أبي جعفر- قوله: قال الله تبارك وتعالى: لأعذبن كل رعية في الإسلام أطاعت كل إمام ليس من الله، وإن كانت الرعية بارة تقية[31].
لذا عاتبه أصحابه، فهذا سليمان بن صرد الخزاعي يقول له: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاويةَ ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة كلهم يأخذ العطاء، وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز[32].  وذاك يسمي الحسن رضي الله عنه بمذل المؤمنين، وآخر يقول له: يا مسود وجه المؤمنين. وآخر: سودت وجوه المؤمنين. وآخر وهو سفيان بن ليلى قال له: يا مذل المؤمنين. وفي رواية: ومسود وجوه المؤمنين[33]. وهذا حجر بن عدي رضي الله عنه يقول لـه: أما والله لوددت أنك مت في ذلك اليوم ومتنا معك ولم نر هذا اليوم[34].
والحسن رضي الله عنه رغم كل هذا كان يقول: أرى والله معاوية خيرًا لي من هؤلاء[35].
ومن كلامه رضي الله عنه -أيضًا- ما كتبه في كتاب الصلح لمعاوية: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحدٍ من بعده عهدًا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين... إلى آخر ما جاء في كتابه[36].
فأنت ترى أن هذا الأمر للحسن، فسلمه لمعاوية، ثم أمره بأن يسير بسيرة الخلفاء الذين هم الراشدون عند الحسن، ويأمره أن يجعل الأمر شورى من بعده، ليسقط كل ما ذكرناه من أول البحث. وكون الأمر إليه ليس بنص من الله أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، يؤكده قولـه رضي الله عنه عن نفسه حيث يقول لأصحابه: إن هذا الأمر الذي أختلف فيه أنا ومعاوية إما أن يكون حق امرئ فهو أحق به مني، وإما أن يكون حقًا هو لي فقد تركته[37].
كان مما وقع للحسن رضي الله عنه أن رجع جماعة من أصحابه عن القول بإمامته، ودخلوا في مقالة جمهور الناس[38].
وكذلك تتكرر مسألة افتراض موت أو قتل اللاحق هنا أيضًا، فها هو أبوه رضي الله عنه يقول في معركة صفين: فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلا مخافة أن يقتل هذان -وأومأ بيده إلى الحسن والحسين- فينقطع نسل رسول الله وذريته من أمته[39].
وتكررت المسألة في وصيته رضي الله عنه حيث يقول: وإن حدث بحسن حدث وحسين حي فإنه إلى -وفي لفظ: من قام بالأمر بعده- الحسين بن علي[40].
وعلى ذكر الوصية، فقد روى القوم عن الباقر، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جمع بنيه وهم اثنا عشر ذكرًا، فقال لهم: إن الله أحب أن يجعل فِيَّ سنة من يعقوب؛ إذ جمع بنيه وهم اثنا عشر ذكرًا، فقال لهم: إني أوصي إلى يوسف فاسمعوا لـه وأطيعوا، وأنا أوصي إلى الحسن والحسين فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقال لـه عبد الله ابنه: دون محمد بن علي؟ يعني: ابن الحنفية، فقال له: أجرأة عليّ في حياتي؟([41]).
فها هو ابن الخليفة والوزير وصاحب الدار والغدير يعترض عليه حتى استوجب غضبه، ذاهلًا عن أن هؤلاء قد نص الله على إمامتهم، وقديمًا قالوا: أهل البيت أدرى بما فيه. وتأخر تاريخ هذه الرواية واضح فتدبّر.
أما شأن الحسين رضي الله عنه فأَعْجَب! فقد روى القوم عنه أنه لما أنزل الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ..) (الأنفال : 75 ) قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تأويلها. فقال: والله ما عنى بها غيركم وأنتم أولو الأرحام، فإذا مت فأبوك علي أولى بي وبمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولى به، فإذا مضى الحسن فأنت أولى به، قلت: يا رسول الله، فمن بعدي أولى بي؟ وفي رواية: يا رسول الله، من بعدي؟[42].
وروى القوم عنه -أيضًا- أنه رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله وهو متفكر مغموم، فقلت: يا رسول الله ما لي أراك متفكرًا؟ فقال: يا بني، إن الروح الأمين قد أتاني، فقال: يا رسول الله؛ العلي الأعلى يقرئك السلام، ويقول لك: إنك قد قضيت نبوتك، واستكملت أيامك، فاجعل الاسم الأكبر، وميراث العلم، وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب؛ فإني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي وتعرف به ولايتي؛ فإني لم أقطع علم النبوة من الغيب من ذريتك كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم، قلت: يا رسول الله، فمن يملك هذا الأمر بعدك؟ قال: أبوك علي بن أبي طالب أخي وخليفتي[43].
ولن أجدني مضطرًا إلى بيان تأخر هذه الرواية وقربها من وفاته صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن لا يفوتني أن أبدي حيرتي وتعجبي من سؤاله رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وآله وسلم عمن يملك هذا الأمر بعده، رغم ذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لقول جبرئيل: فاجعل الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة عند علي بن أبي طالب، وكأن واضع الرواية يريد أن يقول: إن الحسين رضي الله عنه لم يفهم أن من جعل عنده كل هذا فإنه أولى بالإمامة.
أما الطامة الكبرى، فهي هذه الألوف المؤلفة من الرسائل التي بعث بها شيعة أبيه وأخيه ي، يسألونه المجيء إلى العراق للبيعة، وأنهم ليس عليهم إمام بعد الحسن رضي الله عنه ([44]).
ألم يعلم هؤلاء أن بيعتهم لـه لازمة في أعناقهم بعد الحسن، بنص الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، سواء أتى الكوفة أو لم يأتها؟
ولم يكن شأن أمهما الزهراء رضي الله عنها أيضًا بأحسن حالًا منهما أو من بعلها وأبيها صلوات الله عليهم أجمعين، كما يتبين ذلك من روايات القوم، فقد ذكروا أنها بكت لما عادت أباها صلى الله عليه وآله وسلم في مرض موته، حتى أرضاها بالبشرى بجعل بعلها وصيًا له، فذكروا أنها أتته في مرضه تعوده، فلما رأت ما برسول الله من المرض والجهد استعبرت وبكت حتى سالت دموعها على خديها، فقال لها النبي: يا فاطمة، إني لكرامة الله إياك، زوّجتك أقدمهم سلمًا، وأكثرهم علمًا، وأعظمهم حلمًا، إن الله تعالى اطلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختارني منها فبعثني نبيًا، واطلع ثانية فاختار بعلك فجعله وصيًا، فسرّت فاطمة واستبشرت([45]).
فما الذي استوجب سرورها واستبشارها -وهي في هذا الموقف- سرورًا طغى على ألم مصيبة فقدها أباها صلى الله عليه وآله وسلم ؟ هل أن أباها صلى الله عليه وآله وسلم قد أتى بأمرٍ جديد كانت تجهله؟ أو أمر كانت تعلم أن مدار قبول الأعمال على الإيمان به، وأن الله قد افترضه، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يزال ينادي به منذ بدء الدعوة؟ ومن ثم لا نجد في ذكره أمرًا ذا بالٍ يستوجب سرورها واستبشارها.
أما فيما يتعلق بزين العابدين رحمه الله، فقد روى القوم عن أحمد بن إبراهيم، قال: دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن صاحب العسكر، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ فقالت: إلى الجدة أم أبي محمد، فقلت: أقتدي بمن وصيته إلى امرأة؟ فقالت: اقتدِ بالحسين بن علي، والحسين بن علي أوصى إلى أخته زينب بنت علي في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسين من علم ينسب إلى زينب سترًا على علي بن الحسين.
وفي رواية عن الباقر: إن الحسين لما حضره الذي حضره دعا ابنته فاطمة الكبرى، فدفع إليها كتابًا ملفوفًا ووصية ظاهرة، وكان علي بن الحسين مريضًا لا يرون أنه يبقى بعده، فلما قتل الحسين ورجع أهل بيته إلى المدينة، دفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين، ثم صار ذلك الكتاب والله إلينا[46].
أقول: إذًا أين تلك النصوص كلها التي تقول: إن الإمامة بعد الحسين تكون في زين العابدين؟ وتلك القائلة: إن معرفة ذلك ركن من أركان الدين ولا يتم إيمان المؤمن إلا بها؟ وأين هو محل هذه الوصية -ظاهرة كانت أم باطنة- من أمر قد عُلِمَ مسبقًا فيمن تكون؟ ولِم لَمْ ينكر أحد من الشيعة جعل الوصاية إلى امرأة، حتى لو كانت زينب، أم فاطمة الكبرى على الخلاف الذي مرَّ بك في الروايتين، وهم يعلمون سلفًا بأن الأئمة مسمَّون بأسمائهم، وبوصية نزلت من السماء، وعهدٍ من رسول الله رجل فرجل مسمَّى حتى تنتهي إلى صاحبها، وليس للإمام أن يزويها عمن يكون من بعده، كما مرَّ بك؟
وعلى ذكر ما جاء في الرواية بأنهم لا يرون أن زين العابدين يبقى بعده، فقد كان للحسين موقف شبيه بموقف جده من وصييه، وأبيه منه ومن أخيه صلوات الله عليهم أجمعين، هذا الموقف هو افتراض موت اللاحق قبل السابق.
ففي فاجعة كربلاء خرج زين العابدين وكان مريضًا لا يقدر أن يقل سيفه وأم كلثوم تنادي خلفه: يا بني، ارجع، فقال: يا عمتاه، ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله، فقال الحسين: يا أم كلثوم، خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[47].
فهل غاب عنه رضي الله عنه أن زين العابدين سيكون الإمام من بعده نصًا من الله ورسوله، وأن الأرض لا تخلو من حجة من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإلا لساخت؟!
ونقترب إلى حال أهل بيته وهم من لا يفترض أن يغيب عنهم أو يخفى عليهم أمر النص. فذكرهم أبلغ في المقصود.
فها هو ابنه عمر بن علي زين العابدين يسأل أباه -كما يزعم القوم- عن علة تسمية أخيه الباقر بهذا الاسم. فيرد عليه أبوه: يا بني، إن الإمامة في ولده إلى أن يقوم قائمنا، فيملأها قسطًا وعدلًا، وإنه الإمام، وأبو الأئمة، ومعدن الحلم، وموضع العلم، يبقره بقرًا، والله لهو أشبه الناس برسول الله، فقال: فكم الأئمة بعده.. الرواية([48]).
كيف رضي أن يبقى ابنه جاهلًا بأعظم أركان الدين دون أن يبين لـه حتى كان هو الذي سأله، أوكان تاركه يموت على ضلالة لو لم يكن قد سأله؟! وعمر هذا قال عنه المفيد: وكان عمر بن علي بن الحسين فاضلًا جليلًا، وولي صدقات النبي صلى الله عليه وآله وصدقات أمير المؤمنين عليه السلام، وكان ورعًا سخيًا، وقد روى داود بن القاسم، قال: حدثنا الحسين بن زيد، قال: رأيت عمي عمر بن علي بن الحسين يشترط على من ابتاع صدقات علي عليه السلام أن يثلم في الحايط كذا وكذا ثلمة، ولا يمنع من دخله أن يأكل منه[49].
وعن جرير القطان قال: سمعت عمر بن علي بن الحسين يقول: المفرط في حبنا كالمفرط في بغضنا، لنا حق بقرابتنا من جدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحق جعله الله لنا، فمن تركه ترك عظيمًا، أنزلونا بالمنزل الذي أنزلنا الله به، ولا تقولوا فينا ما ليس فينا، إن يعذبنا الله فبذنوبنا، وإن يرحمنا الله فبرحمته وفضله([50]).
ولعل في قولـه: أنزلونا بالمنزل الذي أنزلنا الله به، ولا تقولوا فينا ما ليس فينا، ما يزيل شبهة عدم علمه بالأئمة، واللبيب بالإشارة يفهم.
وهذا عمر آخر، وهو عمه، سترى أنه لم ينكر إمامته فحسب، بل ورأى منازعته في الصدقات، فقد روى القوم أن عمر بن علي خاصم علي بن الحسين إلى عبد الملك في صدقات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا ابن المصدق وهذا ابن ابن، فأنا أولى بها منه، فتمثل عبد الملك بقول ابن أبي الحقيق:
لا تجعل الباطل حقّا ولا  ***  تلطّ دون الحقّ بالباطل
     أما محمد بن علي بن أبي طالب (ابن الحنفية) رحمه الله فقد زعموا أنه إدعى الإمامة. تقول رواية القوم: إنه لما قتل الحسين بن علي أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين فخلا به، وقال له: قد قتل أبوك ولم يوص، وأنا عمك وصنو أبيك، وولادتي من علي في سني وقدمتي، وأنا أحق بها منك في حداثتك، لا تنازعني في الوصية والإمامة ولا تجانبني، فقال له علي بن الحسين: يا عم، اتق الله ولا تدّع ما ليس لك بحق، إني أعظك أن تكون من الجاهلين، إن أبي -يا عم- قد أوصى إليَّ في ذلك قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إليَّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله عندي، فلا تتعرض لهذا؛ فإني أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال، إن الله تبارك وتعالى لما صنع الحسن مع معاوية ما صنع أبى أن يجعل الوصية والإمامة إلا في عقب الحسين[51].
     اما الباقر رحمه الله فروي الشيعة عن مالك بن أعين الجهني قال: أوصى علي بن الحسين ابنه محمد بن علي، فقال: بني، إني جعلتك خليفتي من بعدي، لا يدَّعي فيما بيني وبينك أحد إلا قلَّده الله يوم القيامة طوقًا من نار، فاحمد الله على ذلك واشكره[52].
ولا أدري هل كان الأمر له يضعه حيث يشاء، أم إنه الإمام من بعده من الله عزوجل. ولو لم يوص إليه أكان سيخلفه من بعده؟!
لا شك أنك ترى مما مرَّ بك من أول الباب أن قولـه: إني جعلتك خليفتي من بعدي، مثل قوله: إني جعلت الصوم في شهر رمضان، فإما أن يكون هذان الأمران مفروضين من الله عزوجل، وليس لبشرٍ فيهما شأن، وإما الآخر، وهذا لا يقول به مسلم.
إذًا.. لا يبقى إلا أن ينتفي الآخر، أي: بطلان النص، وسيأتيك ما يدعمه.
والغريب أنه قد نسي الأمرين على افتراضهما، أي: سواء النص من الله عزوجل، أو وصية السجاد، فعندما سأله أبو حنيفة رحمه الله: أنت الإمام؟ قال: لا، قال: فإن قومًا بالكوفة يزعمون أنك إمام، قال: فما أصنع بهم؟ قال: تكتب إليهم تخبرهم، قال: لا يطيعوني[53].
فلا أعرف وجهًا لهذا الإنكار، فأبو حنيفة رحمه الله لم يكن أبدًا من رجال السلاطين حتى يتقيه، فقد كان هواه مع آل البيت، وموقفه المؤيد لخروج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه على هشام بن عبد الملك، وخروج عبد الله بن الحسن وولديه: محمد المعروف بالنفس الزكية وإبراهيم على المنصور، ورفضه تولي القضاء وتعذيبه حتى موته في الحبس -كما في بعض الروايات- أمور لا تخفى على من له أدنى قراءة لتاريخ الرجل.
لم يقتصر الجهل بالأئمة الاثني عشر على الأصحاب فحسب، بل طال أهلَ البيت، فهذا يحيى بن زيد بن علي زين العابدين -رحمهم الله- يقول: سألت أبي عن الأئمة؟ فقال: الأئمة اثنا عشر: أربعة من الماضين وثمانية من الباقين، قلت: فسمهم يا أبه؟ قال: أما الماضون: فعلي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومن الباقين: أخي الباقر، وبعده جعفر الصادق ابنه، وبعده موسى ابنه -ثم ذكر بقية الأئمة-. قال: فقلت له: يا أبه، ألست منهم؟ قال: لا ولكني من العترة، قلت: فمن أين عرفت أساميهم؟ قال: عهد معهود عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ([54]).
فتدبر في الروايات السابقة وقارن بينها وبين ما يدعيه القوم من النص، وانظر هل يمكن التوفيق بينها، وهل يستقيم خفاء تلك النصوص على المقربين؟ وهل يستقيم القول باللطف ووجوب معرفة إمام الزمان مع تعسر معرفته إلا بسؤال أو تنبيه من إمام؟ فما مصير صلاة وصيام وزكاة وحج وسائر أعمالِ مَن جهل بهم حتى يسأل أو يعلم؟
ولا شك أنهم لم يسألوا عن شهر الصيام أو الحج أو نصاب الزكاة وعدد ركعات العصر، ولعلَّ ما يخرجك من الحيرة أو يزيدها مزيد من روايات القوم.
عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن الصادق، قال: إن أبي استودعني ما هناك، فلمَّا حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودًا، فدعوت أربعة من قريش، فيهم: نافع مولى عبد الله بن عمر،.. فقال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة:132، وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد، وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه يوم الجمعة، وأن يعممه بعمامته، وأن يرفع قبره، ويرفعه أربع أصابع، وأن يحل عنه أطماره عند دفنه، ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت لـه: يا أبت، ما كان في هذا أن يشهد عليه، فقال: يا بني، كرهت أن تغلب، وأن يقال: لم يوصِ إليه، وأردت أن تكون لك الحجة([55]).
أقول: لم أقف على علة الوصية هذه والتي فيها أمور لم يأخذ بها القوم حتى يومنا هذا، ولا الإشهاد عليها، ألم يعلم الناس وهؤلاء الأربعة من قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نصَّ على الصادق بعد أبيه، حتى اضطر الباقر إلى ذلك خشية أن يغلب أو يقال: لم يوصِ إليه وتكون الحجة له؟ وإن لم تكن حجة الله ورسوله مجزئة فماذا تكون حجة الباقر؟ ثم اسأل نفسك: ما هي هذه الحجة التي كانت للباقر أصلًا وأرادها لابنه؟
والباقر لم يسلم من خروج إخوته وأهله وخلافهم عليه، شأنه في ذلك شأن بقية الأئمة، وسأورد عليك بعضًا من تلك الروايات، ولن أحتاج معها إلى تعليق، ثم انظر إن كنت تستطيع أن تخرج منها بالقول بالنص أو عدمه.
روى القوم عن الصادق أنه قال: لما حضر علي بن الحسين الموت، قبل ذلك أَخْرَج السفط أو الصندوق عنده، فقال: يا محمد، احمل هذا الصندوق، قال: فحمل بين أربعة رجال، فلما توفي جاء إخوته يدعون في الصندوق؟ فقالوا: أعطنا نصيبنا من الصندوق، فقال: والله ما لكم فيه شيء، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه إليَّ، وكان في الصندوق سلاح رسول الله وكتبه[56].
وعن الباقر قال: كان فيما أوصى أبي إلي: إذا أنا مت فلا يلي غسلي أحد غيرك؛ فإن الإمام لا يغسله إلا إمام، واعلم أن عبدالله أخاك سيدعو إلى نفسه فدعه؛ فإن عمره قصير[57].
     وبعد وفاته رحمه الله إفترق الشيعة، وهو الأمر الذي يتعارض والقول بالنص. يقول النوبختي: فلما توفي أبو جعفر افترقت أصحابه فرقتين: فرقة منها قالت بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الخارج بالمدينة المقتول بها، وزعموا أنه القائم، وأنه الإمام المهدي، وأنه لم يقتل، وقالوا: إنه حي لم يمت، مقيم بجبل يقال له: العلمية، وهو الجبل الذي في طريق مكة ونجد الحاجز عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة، وهو الجبل الكبير، وهو عنده مقيم فيه حتى يخرج؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: القائم المهدي اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، وكان أخوه إبراهيم بن عبدالله بن الحسن، خرج بالبصرة ودعا إلى إمامة أخيه محمد بن عبدالله، واشتدت شوكته، فبعث إليه المنصور بالخيل، فقُتل بعد حروب كانت بينهم، وكان المغيرة بن سعيد قال بهذا القول لما توفي أبو جعفر محمد بن علي وأظهر المقالة بذلك، فبرئت منه الشيعة أصحاب أبي عبدالله جعفر بن محمد رضي الله عنه ورفضوه، فزعم أنهم رافضة، وأنه هو الذي سمَّاهم بهذا الاسم، ونصب بعض أصحاب المغيرة إمامًا، وزعم أن الحسين بن علي أوصى إليه، ثم أوصى إليه علي بن الحسين، ثم زعم أن أبا جعفر محمد بن علي أوصى إليه، فهو الإمام إلى أن يخرج المهدي، وأنكروا إمامة أبي عبدالله جعفر بن محمد، وقالوا: لا إمامة في بني علي بن أبي طالب بعد أبي جعفر محمد بن علي، وأن الإمامة في المغيرة بن سعيد إلى خروج المهدي، وهو عندهم محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن وهو حي لم يمت ولم يقتل، فسموا هؤلاء المغيرية باسم المغيرة بن سعيد مولى خالد بن عبدالله القسري، ثم تراقى الأمر بالمغيرة إلى أن زعم أنه رسول نبي، وأن جبرائيل يأتيه بالوحي من عند الله، فأخذه خالد بن عبدالله القسري فسأله عن ذلك فأقر به ودعا خالدًا إليه، فاستتابه خالد فأبى أن يرجع عن قولـه فقتله وصلبه، وكان يدَّعي أنه يحيي الموتى، وكان يقول بالتناسخ، وكذلك قول أصحابه إلى اليوم.
وأما الفرقة الأخرى من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي فنزلت إلى القول بإمامة أبي عبدالله جعفر بن محمد، فلم تزل ثابتة على إمامته أيام حياته غير نفر يسير منهم، فإنهم لما أشار جعفر بن محمد إلى إمامة ابنه إسماعيل، ثم مات إسماعيل في حياة أبيه، رجعوا عن إمامة جعفر، وقالوا: كَذبنا ولم يكن إمامًا؛ لأن الإمام لا يكذب ولا يقول ما لا يكون، وحكموا على جعفر أنه قال: إن الله عزوجل بدا له في إمامة إسماعيل، فأنكروا البداء والمشيئة من الله، وقالوا: هذا باطل لا يجوز.[58].
وكذا حال الصادق رحمه الله. فهذا عيسى بن عبدالله بن عمر بن علي بن أبي طالب يقول للصادق كما يروي القوم: إن كان كون ولا أراني الله يومك فبمن أأتم؟ فأومأ إلى موسى، فقلت لـه: فإن مضى فإلى من؟ قال: فإلى ولده، قلت: فإن مضى ولده وترك أخًا كبيرًا وابنًا صغيرًا فبمن أأتم؟ قال: بولده، ثم هكذا أبدًا، فقلت: فإن أنا لم أعرفه ولم أعرف موضعه فما أصنع؟ قال: تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك من ولد الإمام الماضي، فإن ذلك يجزيك[59].
وهنا أتساءل: أليسوا مسمَّيْن كما سبق؟
وآخر هو علي بن عمر بن علي سأله: جعلت فداك، إلى من نفزع ويفزع الناس بعدك؟[60].
ولم يقتصر الأمر على ما مرَّ بك، بل اقرأ هذا: عن الصادق: العجب لعبدالله بن الحسن ابن الحسن يقول: ليس فينا إمام صدق وما هو بإمام ولا كان أبوه إمامًا، يزعم أن علي بن أبي طالب لم يكن إمامًا ويردد ذلك[61].
ويبدو أن أمر الخلاف والمنازعة بين بني الحسن وبني الحسين كان مستفحلًا، وإليك المزيد مما يؤيد ذلك:
عن علي بن سعيد قال: كنت جالسًا عند أبي عبدالله، فقال رجل: جعلت فداك، إن عبدالله بن الحسن يقول: ما لنا في هذا الأمر ما ليس لغيرنا، فقال أبو عبدالله -بعد كلام-: أما تعجبون من عبدالله، يزعم أن أباه عليًا لم يكن إمامًا، ويقول: إنه ليس عندنا علم، وصدق والله ما عنده علم، ولكن والله -وأهوى بيده إلى صدره- إن عندنا سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيفه ودرعه، وعندنا والله مصحف فاطمة ما فيه آية من كتاب الله، وإنه من إملاء رسول الله وخطه علي بيده، والجفر وما يدرون ما هو، مسك من شاة، أو مسك من بعير[62].
وعن علي بن جعفر قال: بعث عبدالله بن الحسن إلى أبي: يقول لك أبو محمد: أنا أشجع منك، وأنا أسخى منك، وأنا أعلم منك، فقال لرسوله: أما الشجاعة فوالله ما كان لك موقف يعرف به جبنك من شجاعتك، وأما السخيّ فهو الذي يأخذ الشيء فيضعه في حقه، وأما العلم فقد أعتق أبوك علي بن أبي طالب ألف مملوك، فسم لنا خمسة منهم، وأنت عالم، فعاد إليه فأعلمه، ثم عاد إليه، فقال: يقول: إنك رجل صحفي، فقال له أبو عبدالله: قل: إي والله، صحف إبراهيم وموسى وعيسى ورثتها عن آبائي[63].
وكان بنو الحسن يرشدون ويدلون الناس إليهم، فعن عبدالرحمن بن كثير أن رجلًا دخل يسأل عن الإمام بالمدينة، فاستقبله رجل من ولد الحسن، فدله على محمد بن عبد الله، فصار إليه وساءله هنيهة، فلم يجد عنده طائل. فاستقبله فتىً من ولد الحسين، فقال له: يا هذا، إني أراك تسأل عن الإمام، قال: نعم، قال: فأصبته؟ قال: لا، قال: فإن أحببت أن تلقى جعفر بن محمد فافعل، فاستدله فأرشده إليه، فلما دخل عليه قال له: إنك دخلت مدينتنا هذه تسأل عن الإمام، فاستقبلك فتىً من ولد الحسن فأرشدك إلى محمد بن عبدالله، فسألته وخرجت، فإن شئت أخبرتك بما سألته عنه وما رده عليك، ثم استقبلك فتى من ولد الحسين، وقال لك: إن أحببت أن تلقى جعفر بن محمد فافعل، قال: صدقت، كان كل ما ذكرت ووصفت[64].
وكذلك شأن محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب مع الصادق، فكما فعل أبوه من قبل، فعل هو مع الصادق، حيث قال له: والله إني لأعلم منك وأسخى وأشجع[65].
ولما بويع -أي: محمد بن عبدالله بن الحسن- على أنه مهدي هذه الأمة، جاء أبوه عبدالله إلى الصادق وقد كان ينهاه، وزعم أنه يحسده، فضرب الصادق يده على كتف عبدالله، وقال: إيهًا والله، ما هي إليك ولا إلى ابنك، وإنما هي لهذا -يعني: السفاح- ثم لهذا -يعني: المنصور- يقتله على أحجار الزيت[66].
رغم هذا كان يبارك خروج ابنه ويؤيده، فلما بلغ أبا مسلم موت إبراهيم الإمام وجه بكتبه إلى الحجاز، إلى جعفر بن محمد، وعبدالله بن الحسن، ومحمد بن علي بن الحسين يدعو كلَّ واحد منهم إلى الخلافة، فبدأ بجعفر، فلما قرأ الكتاب أحرقه، وقال: هذا الجواب، فأتى عبدالله بن الحسن، فلما قرأ الكتاب قال: أنا شيخ ولكن ابني محمد مهدي هذه الأمة، فركب وأتى جعفرًا فخرج إليه ووضع يده على عنق حماره، وقال: يا أبا محمد، ما جاء بك في هذه الساعة؟ فأخبره، فقال: لا تفعلوا؛ فإن الأمر لم يأتِ بعد، فغضب عبدالله بن الحسن، وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، ولكنه يحملك على ذلك الحسد لابني[67].
وكان الناس يرون إمامته دون الصادق، فعن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، قال: كنت عند أبي عبدالله بمكة، إذ دخل عليه أناس من المعتزلة فيهم: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وحفص بن سالم، وأناس من رؤسائهم، وذلك حين قتل الوليد واختلف أهل الشام بينهم، فتكلموا وأكثروا وخطبوا فأطالوا، فقال لهم أبو عبدالله جعفر بن محمد: إنكم قد أكثرتم عليَّ وأطلتم، فأسندوا أمركم إلى رجل منكم فليتكلم بحجتكم وليوجز، فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد فأبلغ وأطال، فكان فيما قال أن قال: قتل أهل الشام خليفتهم، وضرب الله بعضهم ببعض، وتشتت أمرهم، فنظرنا فوجدنا رجلًا له دين وعقل ومروءة ومعدن للخلافة وهو محمد بن عبدالله بن الحسن، فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه، ثم نظهر أمرنا معه وندعو الناس إليه[68].
وقد خرج أخوه إبراهيم أيضًا، فعن عبيد بن زرارة قال: لقيت أبا عبدالله في السنة التي خرج فيها إبراهيم بن عبدالله بن الحسن، فقلت له: جعلت فداك، إن هذا قد ألف الكلام وسارع الناس إليه، فما الذي تأمر به؟ قال: فقال: اتقوا الله واسكنوا ما سكنت السموات والأرض[69].
ويبدو أن الصادق قد ضاق ذرعًا بهذا الأمر، فما زال يفتش ويبحث في كتبه عمن يملك من بني الحسن، وما زال يقول بـحسدهم، فلما سُئِلَ عنهم وعما إذا كانوا يعرفون لمن الحق؟ قال: بلى. ولكن يمنعهم الحسد[70].
وفي أخرى: فقال له بعضنا: يعرف هذا ولد الحسن؟ قال: نعم، كما يعرفون أن هذا ليل، ولكن يحملهم الحسد، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيرًا لهم، ولكنهم يطلبون الدنيا[71].
أما شأن كتاب الملوك الذين يملكون الأرض، ونظر الصادق فيه، فإليك بعض هذه الروايات:
عن خنيس قال: كنت عند أبي عبدالله إذ أقبل محمد بن عبدالله بن الحسن فسلم عليه ثم ذهب، ورق له أبو عبدالله ودمعت عينه، فقلت له: لقد رأيتك صنعت به ما لم تكن تصنع؟ قال: رققت له؛ لأنه ينسب في أمرٍ ليس له، لم أجده في كتاب علي من خلفاء هذه الأمة ولا ملوكها([72]).
وفي رواية: عن الصادق أنه سئل عن محمد؟ فقال: إن عندي لكتابين فيهما كل نبي وكل ملك يملك، لا والله ما محمد بن عبدالله في أحدهما([73]).
وأخرى: عن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبدالله يقول: إن عندي لصحيفة فيها أسماء الملوك، ما لولد الحسن فيها شيء([74]).
وذكر النزاع بين بني الحسن والحسين ب يطول.
والغريب أن بني الحسن قد ملكوا عبر التاريخ، وأسسوا الممالك والدول، كدولة الأدارسة في المغرب، والتي أنشأها إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ي، وملوك المغرب في أيامنا هذه، ولا أدري لماذا أغفلهم كتاب الملوك هذا!!
ولم يقتصر الأمر عليهم، بل امتد إلى سائر بني هاشم بما فيهم بنو الحسين ي، فها هو محمد الباقر يحذر جعفر الصادق من أخيه، حيث يروي القوم عن الصادق أنه قال: قال لي أبي: اعلم أن عبدالله أخاك سيدعو الناس إلى نفسه، فدعه؛ فإن عمره قصير، فكان كما قال أبي، وما لبث عبدالله إلا يسيرًا حتى مات[75].
وهذا عمه عبدالله، يروي القوم عن الوليد بن صبيح قال: كنا عند الصادق في ليلة، إذ يطرق الباب طارق، فقال للجارية: انظري من هذا؟ فخرجت ثم دخلت، فقالت: هذا عمك عبدالله بن علي، فقال: أدخليه، وقال لنا: ادخلوا البيت، فدخلنا بيتًا، فسمعنا منه حسًا ظننا أن الداخل بعض نسائه، فلصق بعضنا ببعض، فلما دخل أقبل على أبي عبدالله، فلم يدع شيئًا من القبيح إلا قاله في أبي عبدالله، ثم خرج وخرجنا، فأقبل يحدثنا من الموضع الذي قطع كلامه، فقال بعضنا: لقد استقبلك هذا بشيء ما ظننا أن أحدًا يستقبل به أحدًا، حتى لقد همَّ بعضنا أن يخرج إليه فيوقع به، فقال: مه، لا تدخلوا فيما بيننا[76].
ولابن عبدالله هذا محمدٍ الملقب بالأرقط شأن مع الصادق، وهو سبب تسميته بهذا اللقب، فقد جرى بينه وبين الصادق أمر، فبصق في وجه الصادق، فدعا عليه الصادق فصار أرقط الوجه، به نمش كريه المنظر[77].
وعن عمر بن علي قال: إن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء، وفيهم: إبراهيم بن محمد بن علي بن عبدالله بن عباس، وأبو جعفر المنصور، وصالح بن علي، وعبدالله بن الحسن، وابناه: محمد وإبراهيم، ومحمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان، فقال صالح بن علي: قد علمتم أنكم الذين تمد الناس إليهم أعينهم، وقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاعقدوا بيعةً لرجلٍ منكم تعطونه إياها من أنفسكم، وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، فحمد الله عبدالله بن الحسن وأثنى عليه، ثم قال: قد علمتم أن ابني هذا هو المهدي فهلم لنبايعه، وقال أبو جعفر: لأي شيء تخدعون أنفسكم، والله لقد علمتم ما الناس إلى أحدٍ أصور أعناقًا ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى -يريد به محمد بن عبدالله- قالوا: قد والله صدقت، إن هذا الذي نعلم، فبايعوا محمدًا جميعًا، ومسحوا على يده، قال عيسى: وجاء رسول عبدالله بن الحسن إلى أبي: أن ائتنا فإنا مجتمعون لأمر، وأرسل بذلك إلى جعفر بن محمد، وقال غير عيسى: إن عبدالله بن الحسن قال لمن حضر: لا تريدوا جعفرًا؛ فإنا نخاف أن يفسد عليكم أمركم، قال عيسى بن عبدالله بن محمد: فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا له. فجئتهم ومحمد بن عبدالله يصلي على طنفسة رحل مثنية، فقلت لهم: أرسلني أبي إليكم أسألكم لأي شيء اجتمعتم؟ فقال عبدالله: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبدالله، قال: وجاء جعفر بن محمد، فأوسع له عبدالله بن الحسن إلى جنبه، فتكلم بمثل كلامه، فقال جعفر: لا تفعلوا؛ فإن هذا الأمر لم يأتِ بعد، إن كنت ترى -يعني: عبدالله- أن ابنك هذا هو المهدي فليس به، ولا هذا أوانه، وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضبًا لله وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك في هذا الأمر، فغضب عبدالله بن الحسن، وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، والله ما أطلعك على غيبه، ولكن يحملك على هذا الحسد لابني([78]).
فانظر كيف توفق بين هذه الرواية والقول بالنص على الاثني عشر. 
نختم حديثنا عن مدعي الإمامة من أهل البيت أيام الصادق بذكرنا قصة زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رحمه الله.
 يروي القوم أن الباقر عند الوفاة دعا بابنه الصادق ليعهد إليه عهدًا، فقال له أخوه زيد بن علي: لو امتثلت في تمثال الحسن والحسين رجوت أن لا تكون أتيت منكرًا، فقال له: يا أبا الحسين، إن الأمانات ليست بالتمثال، ولا العهود بالرسوم، وإنما هي أمور سابقة عن حجج الله عزوجل[79].
فواضح لمن تدبر في رواية القوم هذه أنه يهيئ لأمرٍ ما، أما مسألة انتفاء النص فلن نكرره عليك.
نعود إلى روايتنا، حيث يبدو أن الباقر قد فط ن إلى ذلك، فقد روى القوم عنه أنه قال: سيخرج زيد أخي بعد موتي، ويدعو الناس إلى نفسه، ويخلع جعفرًا ابني، ولا يلبث إلا ثلاثًا حتى يقتل ويصلب، ثم يحرق بالنار، ويذرى في الريح، ويمثل به مثلة ما مثل بها أحد قبله[80].
وفي رواية: إن زيدًا سيدعو بعدي إلى نفسه، فدعه ولا تنازعه؛ فإن عمره قصير[81].
ولا شك أن الباقر يذكر يوم أن دخل عليه زيد ومعه كتب أهل الكوفة يدعونه فيها إلى أنفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج، فقال له: هذه الكتب ابتداء منهم، أو جواب ما كتبت به إليهم ودعوتهم إليه؟ فقال: بل ابتداء من القوم لمعرفتهم بحقنا وبقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولما يجدون في كتاب الله عزوجل من وجوب مودتنا وفرض طاعتنا، ولما نحن فيه من الضيق والضنك والبلاء، فقال الباقر: فلا تعجل؛ فإن الله لا يعجل لعجلة العباد، ولا تسبقن الله فتعجزك البلية فتصرعك، فغضب زيد عند ذلك، ثم قال: ليس الإمام منا من جلس في بيته، وأرخى ستره، وثبط عن الجهاد، ولكن الإمام منا من منع حوزته، وجاهد في سبيل الله حق جهاده، ودفع عن رعيته، وذب عن حريمه[82].
ثم ها هو يجس نبض الأصحاب، فيقول لزرارة كما يروي القوم: ما تقول يا فتى في رجل من آل محمد استنصرك؟ فقلت: إن كان مفروض الطاعة نصرته، وإن كان غير مفروض الطاعة فلي أن أفعل ولي ألا أفعل، فلما خرج قال الصادق: أخذته والله من بين يديه ومن خلفه وما تركت له مخرجًا[83].
وعن مؤمن الطاق عند القوم، أن زيدًا قال له: ما تقول إن طرقك طارق منا أتخرج معه؟ قال: قلت له: إن كان أباك وأخاك خرجت معه، قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج أجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي، قال: قلت: لا أفعل جعلت فداك، قال: فقال لي: أترغب بنفسك عني؟ قال: فقلت له: إنما هي نفس واحدة، فإن كان لله عزوجل في الأرض معك حجة فالمتخلف عنك ناج، والخارج معك هالك، وإن لم يكن لله معك حجة فالمتخلف عنك والخارج معك سواء، قال: فقال لي: يا أبا جعفر، كنت أجلس مع أبي على الخِوان، فيلقمني اللقمة السمينة، ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد من شفقته عليَّ، ولم يشفق عليَّ من حر النار إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟ قال: فقلت له: من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك؛ خاف عليك ألا تقبله فتدخل النار... إلى أن قال: فحججت، فحدثت أبا عبدالله بمقالة زيد وما قلت له: فقال لي: أخذته من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن يساره، ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه، ولم تترك له مسلكًا يسلكه[84].
وكان قبل ذلك يقول بأن الأئمة أربعة، ثلاثة مضوا والرابع هو القائم[85]. ففي الرواية دليل على معتقده في أن من لم يخرج بالسيف ليس بإمام، لذا فهو لم يعد أباه زين العابدين إمامًا.
وكان يقول: من أراد الجهاد فإليّ، ومن أراد العلم فإلى ابن أخي جعفر[86].
ويقول: جعفر إمامنا في الحلال والحرام[87].
ولم يكن يرى رحمه الله من قولـه: إمامنا بأنه إمام بمفهوم القوم المستوجب للخلافة العامة، بل كان يبين شرائط الإمامة العامة في قولـه: ليس الإمام منا من أرخى عليه ستره، إنما الإمام من شهر سيفه[88].
ثم شرع فيما عقد العزم عليه، فكانت هذه الحادثة التي يرويها معتب، حيث يقول بزعم القوم: قُرِع باب مولاي الصادق فخرجت، فإذا بزيد بن علي، فقال الصادق لجلسائه: ادخلوا هذا البيت وردوا الباب، ولا يتكلم منكم أحد، فلما دخل قام إليه فاعتنقا وجلسا طويلًا يتشاوران، ثم علا الكلام بينهما، فقال زيد: دع ذا عنك يا جعفر، فوالله لئن لم تمد يدك حتى أبايعك أو هذه يدي فبايعني لأتعبنك ولأكلفنك ما لا تطيق، فقد تركت الجهاد، وأخلدت إلى الخفض، وأرخيت الستر، واحتويت على مال الشرق والغرب، فقال الصادق: يرحمك الله يا عم، يغفر الله لك يا عم[89].
ولم يكن يأبه بتحذير الصادق له: يا عم، أعيذك بالله أن تكون المصلوب بالكناسة، وكانت أم زيد ترد: والله ما يحملك على هذا القول غير الحسد لابني، ويرد: يا ليته حسدًا، يا ليته حسدًا، ثلاثًا..[90].
إلى أن جاءت الأخبار بخروجه وادعائه الإمامة، فعن داود الرقي قال: دخلت على جعفر بن محمد، فقال: ما الذي أبطأ بك عنا يا داود؟ فقلت: حاجة عرضت لي بالكوفة هي التي أبطأت بي عنك، جعلت فداك، فقال لي: ماذا رأيت بها؟ قلت: رأيت عمك زيدًا على فرس ذنوب، قد تقلد مصحفًا، وقد حف به فقهاء الكوفة، وهو يقول: يا أهل الكوفة، إني العلم بينكم وبين الله تعالى، قد عرفت ما في كتاب الله من ناسخه ومنسوخه، فقال أبو عبد الله: يا سماعة بن مهران، ائتني بتلك الصحيفة، فأتاه بصحيفة بيضاء، فدفعها إليَّ، وقال لي: اقرأ هذه بما أخرج إلينا أهل البيت، يرثه كابر عن كابر من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقرأتها فإذا فيها سطران:
السطر الأول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والسطر الثاني: أسماء الأئمة مكتوبة من قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فقال أبو عبدالله: فأين يتاه بزيد ويذهب به؟ إن أشد الناس لنا عداوة وحسدًا الأقرب إلينا فالأقرب[91].
وعن أبي الصباح قال: دخلت على أبي عبد الله، فقال: ما وراءك؟ فقلت: شر ورائي من عمك زيد، خرج يزعم أنه ابن ستة، وأنه قائم هذه الأمة، وأنه ابن خيرة الإماء، فقال: كذب، ليس هو كما قال، إن خرج قتل[92].
وقبل أن نختم حديثنا عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لابد من بيان حاله وذكر منزلته حتى تستقيم المسألة.
فعن الحسين بن علي رضي الله عنه قال: وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على صلبي، فقال: يا حسين، يخرج من صلبك رجل يقال لـه: زيد، يقتل شهيدًا، فإذا كان يوم القيامة يتخطى هو وأصحابه رقاب الناس ويدخل الجنة([93]).
وعن حذيفة بن اليمان قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى زيد بن حارثة، فقال: المقتول في الله المصلوب في أمتي والمظلوم من أهل بيتي سمي هذا -وأشار بيده إلى زيد بن حارثة- فقال: ادن مني يا زيد، زادك اسمك عندي حبًا، فأنت سمي الحبيب من أهل بيتي[94].
وعن محمد بن الحنفية قال: ليقتلن من ولد الحسين رجل، يقال لـه: زيد بن علي، وليصلبن بالعراق، من نظر إلى عورته فلم ينصره أكبه الله على وجهه في النار[95].
وعن زين العابدين قال: يخرج من ولدي رجل يقال له: زيد، يقتل بالكوفة، ويصلب بالكناسة، يُخرج من قبره نبشًا، تفتح لروحه أبواب السماء، يبتهج به أهل السموات، يجعل روحه في حويصلة طير خضر يسرح في الجنة حيث يشاء[96].
وعن أبي الجارود -وكان رأس الزيدية- قال: كنت عند أبي جعفر جالسًا، إذ أقبل زيد ابن علي، فلما نظر إليه أبو جعفر قال: هذا سيد أهل بيتي، والطالب بأوتارهم[97].
أما الصادق فقد جاء عنه في زيد رحمه الله الكثير، منها: أنه لما جاءه خبر استشهاده بكى، وقال: مضى والله زيد عمي وأصحابه شهداء مثلما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه[98].
وقال فيه أيضًا: إنا لله وإنا إليه راجعون! عند الله أحتسب عمي، إنه كان نِعم العم، إن عمي كان رجلًا لدنيانا وآخرتنا، مضى والله عمي شهيدًا كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعلي والحسن والحسين([99]).
وفرَّق من ماله في عيال من أصيب معه من أصحابه ألف دينار([100]).
وقال في هشام الذي قتله: إن الله نزع منه الملك([101]).
وسأل أبا ولاد الكاهلي: رأيت عمي زيدًا؟ قال: نعم، رأيته مصلوبًا، ورأيت الناس بين شامت حنق، وبين محزون محترق، قال: أما الباكي فمعه في الجنة، وأما الشامت فشريك في دمه([102]).
وما زال يبكيه كلما تذكره أو ذكروه به، فعن حمزة بن حمران قال: دخلت إلى الصادق، فقال لي: يا حمزة، من أين أقبلت؟ قلت: من الكوفة، قال: فبكى حتى بلَّت دموعه لحيته، فقلت له: يا ابن رسول الله، ما لك أكثرت البكاء؟ فقال: ذكرت عمي زيدًا وما صنع به فبكيت([103]).
ويترحم عليه ويقول: رحمه الله، أما إنه كان مؤمنًا، وكان عارفًا، وكان عالمًا، وكان صدوقًا، أما إنه لو ظفر لوفى، أما إنه لو ملك لعرف كيف يضعها([104]).
ويكفيك من قولـه: وكان صدوقًا، من أنه لم يكن كاذبًا في خروجه وادعائه رحمه الله.
وكان الرضا لا يرضى أن يقاس به أحد حتى لو كان أخاه.
فعن ابن عبدون قال: لما حمل زيد بن موسى بن جعفر إلى المأمون وقد كان خرج بالبصرة وأحرق دور ولد العباس، وهب المأمون جرمه لأخيه علي بن موسى الرضا، وقال له: يا أبا الحسن، لئن خرج أخوك وفعل ما فعل، لقد خرج قبله زيد بن علي فقتل، ولولا مكانتك مني لقتلته، فليس ما أتاه بصغير، فقال الرضا: يا أمير المؤمنين، لا تقس أخي زيدًا إلى زيد بن علي؛ فإنه كان من علماء آل محمد، غضب لله عزوجل، فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله([105]).
وعن أبي هاشم الجعفري قال: سألت الرضا عن المصلوب؟ فقال: أما علمت أن جدي صلَّى على عمه[106]، إشارة إلى قول الصادق فيه: صلى الله عليه ولعن قاتله[107].
ونجتزئ بهذه الأمثلة من الروايات الدالة على منزلته رحمه الله[108].
ونختم حديثنا عنه بهذا التساؤل الذي لا شك أنه قد أخذ منك مأخذًا، وهو: كيف لرجل مثل زيد بن علي رحمه الله وهو بهذه المنزلة العظيمة أن يدعي الإمامة وهو من أهل البيت، وابن إمام من الأئمة الاثني عشر الذين نصَّ الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بأسمائهم بزعم القوم؟
وقبل أن نسترسل في هذا التساؤل -بل التساؤلات وهي لا شك كثيرة- نورد هذه الرواية؛ فسنجد فيها جواب كل ذلك؛ بل الجواب لكل ما مرَّ بك في الكتاب وما سيمر.
تقول رواية القوم هذه: قيل لمؤمن الطاق: ما الذي جرى بينك وبين زيد بن علي في محضر أبي عبدالله؟ قال: قال زيد بن علي: يا محمد بن علي، بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إمامًا مفترض الطاعة؟ قال: قلت: نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم، فقال: وكيف وقد كان يؤتى بلقمة وهي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها، أفترى أنه كان يشفق عليَّ من حرِّ اللقمة ولا يشفق علي من حر النار؟!.
وفي رواية: قال زيد: ويحك! فما كان يمنعه من أن يقول لي، فوالله لقد كان يؤتى بالطعام الحار فيقعدني على فخذه ويتناول البضعة فيبردها ثم يلقمنيها، أفتراه كان يشفق عليِّ من حرِّ الطعام ولا يشفق عليَّ من حرِّ النار؟![109].
فأمعن النظر في الروايتين ثم استشف منهما متى وضعت عقيدة القول بالنص على الأئمة، هذه العقيدة التي لم يعرفها آل البيت أنفسهم كما واضح من الرواية، حيث إن زيد بن علي رحمه الله قتل سنة (121) للهجرة، وحسبنا هذه الرواية في الدلالة على بطلان القول بالنص على الاثني عشر.
من كل ما مرَّ بك من ادعاء بعض أهل البيت الإمامة؛ اضطر الصادق إلى القول ردًا على من قال له: ما يزال يخرج رجل منكم أهل البيت فيقتل ويقتل معه بشر كثير، فأطرق طويلًا، ثم قال: إن فيهم الكذابين[110]. وكان ينهى أن يخرج أحد مع من يخرج من أهل البيت قبل المهدي[111]. وقبله كان أبوه يتهكم بالخارجين من أهل البيت، فيقول: مثل من خرج منا أهل البيت قبل قيام القائم مثل فرخ طار ووقع في كوة فتلاعبت به الصبيان[112].
عاد بنا الحديث إلى الصادق وأصحابه، ولكن نتحدث هذه المرة عن مسارٍ آخر، وهو: اعتقاد أصحابه في الإمامة في أبنائه.
فعن هشام بن سالم قال: كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبدالله أنا ومؤمن الطاق وأبو جعفر، والناس مجتمعون على أن عبدالله صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون عند عبدالله، وذلك أنهم رووا عن عبدالله أن الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة، فدخلنا نسأله عما كنا نسأل أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ قال: في مائتين خمسة، قلنا: ففي مائة؟ قال: درهمان ونصف، قلنا له: والله ما تقول المرجئة هذا. فرفع يده إلى السماء، فقال: لا والله ما أدري ما تقول المرجئة، قال: فخرجنا من عنده ضُلالًا، لا ندري إلى أين نتوجه، أنا وأبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى من نقصد وإلى من نتوجه، نقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى الزيدية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج، قال: فنحن كذلك إذ رأيت رجلًا شيخًا لا أعرفه يومئ إليَّ بيده، فخفت أن يكون عينًا من عيون أبي جعفر، وذلك أنه كان لـه بالمدينة جواسيس ينظرون على من اتفق شيعة جعفر فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم، فما زلت أتبعه حتى ورد بي على باب أبي الحسن موسى، ثم خلَّاني ومضى، فإذا خادم بالباب، فقال لي: ادخل رحمك الله، قال: فدخلت، فإذا أبو الحسن، فقال لي ابتداء: لا إلى المرجئة، ولا إلى القدرية، ولا إلى الزيدية، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، إليَّ، إليَّ، إليَّ، قال: فقلت له: جعلت فداك، مضى أبوك؟ قال: نعم، قلت: جعلت فداك، من لنا بعده؟ فقال: إن شاء الله أن يهديك هداك، قلت: جعلت فداك، إن عبدالله يزعم أنه من بعد أبيه، قال: يريد عبدالله أن لا يعبد الله، قال: قلت لـه: جعلت فداك، فمن لنا بعده؟
فقال: إن شاء الله أن يهديك هداك أيضًا، قلت: جعلت فداك، أنت هو؟ قال لي: ما أقول ذلك، قلت في نفسي: لم أصب طريق المسألة، قال: قلت: جعلت فداك، عليك إمام؟ قال: لا، فدخلني شيء لا يعلمه إلا الله، إعظامًا له وهيبة، أكثر مما كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه، قلت: جعلت فداك، أسألك عما يسأل أبوك؟
فقال: سل تخبر ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح، فسألته فإذا هو بَحْر، قال: قلت: جعلت فداك، شيعتك وشيعة أبيك ضُلال، فألقي إليهم وأدعوهم إليك، فقد أخذت علي بالكتمان؟ قال: من آنست منهم رشدًا فألق عليهم، وخذ عليهم بالكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح -وأشار بيده إلى حلقه- ثم ذكر أنه لقي الناس وأخبرهم بذلك ودخلوا عليه وقطعوا عليه إلا طائفة، مثل: عمار وأصحابه، فبقى عبدالله لا يدخل عليه أحد إلا قليلًا من الناس، قال: فلما رأى ذلك وسأل عن حال الناس، قال: فأخبر أن هشام بن سالم صدَّ عنه الناس، فقال هشام: فأقعد لي بالمدينة غير واحد ليضربوني[113].
وعبدالله هذا قد ادعى الإمامة بعد أبيه كما سيأتي.
أما ابنه الآخر وهو إسماعيل فقضيته أطم وبليته أعم، ولعلَّ أغرب ما في قصة إسماعيل هذا، أن أباه الصادق كان يجله ويقدمه أكثر من غيره من إخوته، بل وتذكر لنا روايات القوم أنه استمات دعاء الله عزوجل لأجل أن تكون الإمامة فيه، وهو اضطراب كبير، وتشويش خطير، لا أظن أن أحدًا ممن يدعي النص يستطيع أن يوجهه، ولا بأس من ذكر مثال على ذلك.
يروي القوم أن الصادق قال: إني ناجيت الله ونازلته في إسماعيل ابني أن يكون من بعدي، فأبى ربي إلا أن يكون موسى ابني[114].
وفي رواية قال: سألته وطلبت وقضيت إليه أن يجعل هذا الأمر إلى إسماعيل، فأبى الله إلا أن يجعله لأبي الحسن موسى[115].
وسيأتيك مثال آخر قريبًا، بل يبدو أن الأمر كان له من بعده فعلًا، لولا أنه توفي في عهد أبيه.
يروي القوم عن الصادق قولـه: ما بدا لله بداء أعظم من بداء بدا له في إسماعيل ابني[116].
فهذه النصوص من أعظم الدلائل التي يحتج بها الإسماعيلية، وهم يعدون بالملايين، ومنتشرون في أنحاء العالم، وقد أدت هذه التلبيسات إلى اعتقاد الكثير من أصحاب الصادق الإمامة فيه، وأن أباه قد أوصى إليه، كما ذكر ذلك الوليد بن صبيح، حيث قال: كان بيني وبين رجل يقال له: عبد الجليل صداقة في قدم، فقال لي: إن أبا عبدالله أوصى إلى إسماعيل في حياته قبل موته بثلاث سنين[117].
ولشدة ما كان من اعتقاد الأصحاب في إمامته وكون هذا الأمر مسلمًا به بينهم، كان الشيعة الذين يخالفونهم في تسلسل الإمامة يعيرونهم بوفاته وتركهم بلا إمام، فهذا هارون بن خارجة قال: قال لي هارون بن سعد العجلي: قد مات إسماعيل الذي كنتم تمدون إليه أعناقكم، وجعفر شيخ كبير يموت غدًا أو بعد غد، فتبقون بلا إمام، فلم أدرِ ما أقول[118].
ولم يقتصر استغلال موته على شياطين الإنس فحسب، بل يبدو أن ذلك قد طال شياطين الجن أيضًا.
فقد زعم القوم أن الصادق قال: إن شيطانًا قد ولع بابني إسماعيل يتصور في صورته ليفتن به الناس، وإنه لا يتصور في صورة نبي ولا وصي نبي، فمن قال لك من الناس: إن إسماعيل ابني حي لم يمت، فإنما ذلك الشيطان تمثل له في صورة إسماعيل، ما زلت أبتهل إلى الله عزوجل في إسماعيل ابني أن يحييه لي ويكون القيم من بعدي فأبى ربي ذلك[119].
ولما توفي الصادق رحمه الله افترقت شيعته بعده عدة فرق:
ففرقة قالت: إن جعفر بن محمد حي لا يموت حتى يظهر ويلي أمر الناس، وإنه المهدي، وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال: إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه؛ فإني أنا صاحبكم، وإنه قال لهم: إن جاءكم من يخبركم عني أنه مرضني وغسلني وكفنني فلا تصدقوه؛ فإني صاحبكم صاحب السيف. وهذه الفرقة تسمى الناووسية.
وفرقة زعمت أن الإمام بعد جعفر بن محمد ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه؛ لأنه خاف فغيَّبه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم؛ لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده، وقلَّدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم، والإمام لايقول إلا الحق، فلما ظهر موته علمنا أنه صدق، وأنه القائم، وأنه لم يمت، وهذه الفرقة هي الإسماعيلية.
وفرقة زعمت أن الإمام بعد الصادق محمد بن إسماعيل، وقالوا: إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه، فلما توفي قبل أبيه جعل الصادق الأمر لمحمد بن إسماعيل، وكان الحق له، ولا يجوز غير ذلك؛ لأنها لا تنتقل من أخٍ إلى أخ بعد الحسن والحسين، ولا تكون إلا في الأعقاب، ولم يكن لأخوي إسماعيل عبدالله وموسى في الإمامة حق، كما لم يكن لمحمد بن الحنفية حق مع علي بن الحسين، وهذه الفرقة تسمى المباركية.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الصادق محمد بن جعفر، وهي السمطية.
وفرقة قالت: إن الإمامة بعد جعفر في ابنه عبدالله بن جعفر الأفطح، وذلك أنه كان عند مضي الصادق أكبر ولده سنًا، وجلس مجلس أبيه، وادعى الإمامة ووصية أبيه، وهذه الفرقة تسمى الفطحية.
وقد مال إلى هذه الفرقة جُلَّ مشايخ الشيعة وفقهائها، ولم يشكوا في كون الإمامة في عبدالله بن جعفر وفي ولده من بعده، فمات عبدالله ولم يخلف ذكرًا، فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته.
وفرقة قالت بإمامة موسى بن جعفر بعد أبيه، وأنكروا إمامة عبدالله وخطئُوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه وادعائه الإمامة. وغيرها من الفرق، وقد انبثقت من هذه الفرق فرق أخرى يطول ذكرها[120]
جاء دور الحديث عن الإمام موسى الكاظم رحمه الله، الإمام السابع وأصحابه وأهل بيته. وسنقتصر على ذكر من نازعه وخرج عليه من أهل البيت، فإليك أمثلة على ذلك:
عن محمد بن الحسن العلوي قال: كان السبب في أخذ موسى بن جعفر أن الرشيد جعل ابنه في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث، فحسده يحيى بن خالد البرمكي، وقال: إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي ودولة ولدي، فاحتال على جعفر بن محمد -وكان يقول بالإمامة- حتى داخله وآنس إليه وكثر غشيانه في منزلـه، فيقف على أمره فيرفعه إلى الرشيد ويزيد عليه بما يقدح في قلبه، ثم قال يومًا لبعض ثقاته: أتعرفون لي رجلًا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرّفني ما أحتاج إليه؟ فدل على علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد، فحمل إليه يحيى بن خالد مالًا، وكان موسى يأنس إليه ويصله، وربما أفضى إليه بأسراره كلها، فكتب ليشخص به، فأحس موسى بذلك، فدعاه فقال: إلى أين يا ابن أخي؟ قال: إلى بغداد، قال: وما تصنع؟ قال: عليّ دين وأنا مملق، قال: فأنا أقضي دينك، وأفعل بك وأصنع، فلم يلتفت إلى ذلك، فقال له: انظر يا ابن أخي لا تؤتم أولادي، وأمر له بثلاثمائة دينار وأربعة آلاف درهم، فلما قام من بين يديه قال أبو الحسن موسى لمن حضره: والله ليسعين في دمي ويؤتمن أولادي[121].
وكذا شأن أخيه محمد، فعن علي بن جعفر بن محمد قال: جاءني محمد بن إسماعيل بن جعفر يسألني أن أسأل أبا الحسن موسى أن يأذن له في الخروج إلى العراق وأن يرضى عنه ويوصيه.. إلى أن قال: فقال محمد بن إسماعيل: يا عم، أحب أن توصيني؟ فقال: أوصيك أن تتقي الله في دمي، فقال: لعن الله من يسعى في دمك، ثم قال: يا عم، أوصني؟ فقال: أوصيك أن تتقي الله في دمي، ثم ذكر خروج محمد بن إسماعيل إلى العراق وملاقاته لهارون الرشيد، وقولـه له: يا أمير المؤمنين، خليفتان في الأرض: موسى بن جعفر بالمدينة يجبى له بالخراج، وأنت في العراق يجبى لك الخراج، فقال: والله؟ فقال: والله[122].
أما من خرج في أيامه ودعا الناس إلى بيعته من أهل البيت فإليك بيانه:
عن عبدالله بن المفضل مولى عبدالله بن جعفر بن أبي طالب قال: لما خرج الحسين بن علي المقتول بفخ([123]) واحتوى على المدينة دعا موسى بن جعفر إلى البيعة، فأتاه فقال له: يا ابن عم، لا تكلفني ما كلف ابن عمك عمك أبا عبدالله فيخرج مني ما لا أريد كما خرج من أبي عبدالله ما لم يكن يريد، فقال له الحسين: إنما عرضت عليك أمرًا، فإن أردته دخلت فيه، وإن كرهته لم أحملك عليه، والله المستعان، ثم ودعه[124].
وللحسين بن علي صاحب الفخ هذا رحمه الله منزلة عظيمة، حيث أورد فيه القوم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه مرَّ بفخ فنزل فصلَّى ركعة، فلما صلَّى الثانية بكى وهو في الصلاة، فلما رأى الناس النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبكي بكوا، فلما انصرف قال: نزل عليّ جبرئيل لما صليت الركعة الأولى، فقال لي: يا محمد، إن رجلًا من ولدك يقتل في هذا المكان، وأجر الشهيد معه أجر شهيدين[125].
كما رووا عن الصادق أنه قال لنضر بن قرواش وهو في طريقه إلى المدينة: يا نضر، إذا انتهيت إلى فخ فأعلمني. فلما وصل وأبلغه بذلك قال: ناولني الإداوة والركوة، فتوضأ وصلى ثم ركب، فقلت له: جعلت فداك، رأيتك قد صنعت شيئًا، أفهو من مناسك الحج؟ قال: لا، ولكن يقتل ههنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة[126].
وذكروا أن الكاظم جاء إلى الحسين صاحب الفخ فانكب عليه شبه الركوع، وقال: أحب أن تجعلني في سعة وحل مِنْ تخلفي عنك، فأطرق الحسين طويلًا لا يجيبه، ثم رفع رأسه إليه، فقال: أنت في سعة[127].
ولعل في إطراقه الطويل هذا تساؤلًا عن سر رفضه الأول ثم ندمه، وهو إمام معصوم لا يصدر عنه فعلان متضادان كما يزعم الشيعة، ولما عرضت عليه رأسه رحمه قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! مضى والله مسلمًا صالحًا صوامًا آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله[128].
وقال فيه الجواد: لم يكن لنا بعد اللطف مصرع أعظم من فخ[129].
ومنهم: أخوه عبدالله المعروف بالأفطح، وقد ذكرنا نبذة عنه عند كلامنا عن موقف الشيعة بعد الإمام الصادق، ونزيد هنا رواية المفضل بن عمر، قال: لما مضى الصادق كانت وصيته في الإمامة لموسى، فادعى أخوه عبدالله الإمامة، وكان أكبر ولد جعفر في ذلك الوقت، فأمر موسى بجمع حطب كثير في وسط داره، فأرسل إلى عبدالله يسأله المصير إليه، فلما صار عنده مع جماعة من وجوه الإمامية، فلما جلس إليه أخوه عبدالله أمر موسى أن تضرم النار في ذلك الحطب فأضرمت، ولا يعلم الناس ما سبب ذلك حتى صار كله جمرًا، ثم قام موسى وجلس بثيابه في وسط النار وأقبل يحدث الناس ساعة، ثم قام فنفض ثيابه ورجع إلى المجلس، فقال لأخيه عبدالله: إن كنت تزعم أنك الإمام بعد أبيك فاجلس في ذلك المجلس؟ قالوا: فرأينا عبدالله تغير لونه، ثم قام يجر رداءه حتى خرج من دار موسى([130]).
رجع بنا الحديث إلى موقف الشيعة بعد وفاة الكاظم، فقد ذكر القوم أن الشيعة افترقت بعد وفاته إلى عدة فرق:
فرقة منهم: قالوا بوفاته في حبس السندي بن شاهك، وأن يحيى بن خالد البرمكي سمَّهُ في رطب وعنب بعثهما إليه، وأن الإمام بعده هو علي الرضا. وهذه الفرقة سميت بالقطعية؛ لأنها قطعت على وفاته وعلى إمامة الرضا.
وفرقة قالت: إن الكاظم لم يمت وإنه حي ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها، ويملأها كلها عدلًا كما ملئت جورًا، وإنه القائم المهدي، وزعموا أنه خرج من الحبس ولم يره أحد نهارًا ولم يعلموا به، وأن السلطان وأصحابه ادعوا موته وموهوا على الناس وكذبوا، وأنه غاب عن الناس واختفى، ورووا في ذلك روايات عن أبيه الصادق أنه قال: هو القائم المهدي، فإن هدهد رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا؛ فإنه القائم.
وقال بعضهم: إنه القائم، وقد مات، ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع، وزعموا أنه قد رجع بعد موته، إلا أنه مختفٍ في موضع من المواضع، حيٌ يأمر وينهى، وأن أصحابه يلقونه ويرونه، واعتلوا في ذلك بروايات عن أبيه أنه قال: سمي القائم قائمًا؛ لأنه يقوم بعدما يموت.
وقال بعضهم: إنه قد مات، وإنه القائم، وإن فيه شبهًا من نبي الله عيسى ابن مريم ×، وإنه لم يرجع ولكنه يرجع في وقت قيامه فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وإن الله قال: إن فيه شبهًا من عيسى ابن مريم، وإنه يقتل على يدي ولد العباس، فقد قتل، وأنكر بعضهم قتله، وقالوا: مات ورفعه الله إليه، وإنه يرده عند قيامه، فسموا هؤلاء جميعًا الواقفة؛ لوقوفهم على موسى بن جعفر أنه القائم، ولم يَأتَمُّوا بعده بإمام، ولم يتجاوزوه إلى غيره، وقد قال بعضهم ممن ذكر أنه حي: إن الرضا ومن قام بعده ليسوا بأئمة ولكنهم خلفاء، واحدًا بعد واحد إلى أوان خروجه.
وفرقة قالت: لا ندري أهو حي أم ميت؛ لأنا قد روينا أخبارًا كثيرة تدل على أنه القائم المهديَ، فلا يجوز تكذيبها، وقد ورد علينا من خبر وفاة أبيه وجده والماضين من آبائه في معنى صحة الخبر، فهذا أيضًا مما لا يجوز رده وإنكاره لوضوحه وشهرته وتواتره من حيث لا يكذب مثله ولا يجوز التواطؤ عليه، والموت حق، والله عزوجل يفعل ما يشاء، فوقفنا عند ذلك على إطلاق موته وعلى الإقرار بحياته، وقالوا: ونحن مقيمون على إمامته لا نتجاوزها حتى يصح لنا أمره، وأمر هذا الذي نصب نفسه مكانه، وادعى الإمامة -يعنون علي بن موسى الرضا- فإن صحت لنا إمامته كإمامة أبيه من قبله بالدلالات والعلامات الموجبة للإمامة بالإقرار منه على نفسه بإمامته وموت أبيه لا بأخبار أصحابه سلمنا له ذلك وصدقناه.
وفرقة قالت: إن موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس، وإنه حي غائب، وإنه المهدي، وإنه في وقت غيبته استخلف على الأمر محمد بن بشير وجعله وصيه وأعطاه خاتمه وعلمه جميع ما تحتاج إليه رعيته، ولما توفي أوصى إلى ابنه سميع بن محمد بن بشير، ومن أوصى إليه سميع فهو الإمام المفترض الطاعة، وهكذا.. إلى وقت خروج الكاظم([131]).
وفرقة قالت بإمامة أحمد بن موسى الكاظم، وأن الكاظم أوصى إليه وإلى الرضا وأجازوها في أخوين، وجعله أبوه الوصي بعد علي بن موسى([132]).
وكذا إبراهيم بن الكاظم الذي خرج باليمن ودعا الناس إلى بيعة محمد بن إبراهيم طباطبا، ثم دعا الناس إلى بيعة نفسه([133]).
وإبراهيم هذا من الذين أنكروا موت أبيه، حيث يروي القوم عن بكر بن صالح قال: قلت لإبراهيم بن أبي الحسن موسى بن جعفر: ما قولك في أبيك؟ قال: هو حي، قلت: فما قولك في أخيك أبي الحسن؟ قال: ثقة صدوق، قلت: فإنه يقول: إن أباك قد مضى؟ قال: هو أعلم وما يقول، فأعدت عليه فأعاد علي، قلت: فأوصى أبوك؟ قال: نعم، قلت: إلى من أوصى؟ قال: إلى خمسة منا، وجعل عليًا علينا[134].
أما هذه الوصية التي أشار إليها فقد رواها القوم عن يزيد بن سليط الزيدي، أنه قال: لقيت موسى بن جعفر، فقلت: أخبرني عن الإمام بعدك بمثل ما أخبر به أبوك، قال: فقال: كان أبي في زمن ليس هذا مثله. قال يزيد: فقلت: من يرضى منك بهذا فعليه لعنة الله، قال: فضحك، ثم قال: أخبرك يا أبا عمارة أني خرجت من منزلي فأوصيت في الظاهر إلى ابني، وأشركتهم مع علي ابني، وأفردته بوصيتي في الباطن، ولو كان الأمر إليّ لجعلته في القاسم ابني لحبي إياه ورأفتي عليه، ولكن ذلك إلى الله عزوجل يجعله حيث يشاء، وقد جاءني بخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدي علي حيث قال لي: الأمر قد خرج منك إلى غيرك، فقلت: يا رسول الله، أرنيه أيهم هو؟ فقال رسول الله: ما رأيت من الأئمة أحدًا أجزع على فراق هذا الأمر منك، ولو كانت الإمامة بالمحبة لكان إسماعيل أحب إلى أبيك منك، ولكن من الله[135].
فأين القول بالنص مع كل هذا التمويه؟ ولعل أمثال هذه الوصايا هي التي جرأت أبناء الأئمة للخروج وادعاء الإمامة كما مرَّ بك، وكما هو شأن صاحبينا إبراهيم وأخيه زيد ابني موسى الذي خرج بالبصرة ودعا إلى نفسه، وحرق دورًا وعبث، ثم ظُفِرَ به وحُمِلَ إلى المأمون. 
وكان لشأن هذه التلبيسات أن وقف فريق كبير من الشيعة على الكاظم وهم الواقفة، وهؤلاء قد أتعبوا من جاء بعده، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
فعن ابن أبي نجران وصفوان قالا: حدثنا الحسين بن قياما وكان من رؤساء الواقفة، فسألنا أن نستأذن له على الرضا ففعلنا، فلما صار بين يديه، قال له: أنت إمام؟ قال: نعم، قال: فإني أشهد الله أنك لست بإمام، وكان الحسين بن قيامًا هذا واقفًا في الطواف، فنظر إليه أبو الحسن الأول، فقال له: ما لك حيرك الله تعالى؟ فوقف عليه بعد الدعوة[136].
وفي رواية: قال: دخلت على علي بن موسى الرضا، فقلت له: يكون إمامان؟ قال: لا إلا وأحدهما صامت، فقلت له:هو ذا أنت ليس لك صامت، ولم يكن ولد له أبو جعفر بعد، فقال: والله ليجعلن الله مني ما يثبت به الحق وأهله ويمحق به الباطل وأهله، فولد له بعد سنة أبو جعفر، فقيل لابن قياما: ألا تقنعك هذه الآية؟ فقال: أما والله إنها آية عظيمة، ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه؟[137].
وفي رواية: أنه كتب إلى الرضا كتابًا يقول فيه: كيف تكون إمامًا وليس لك ولد؟ فأجابه أبو الحسن شبه المغضب: وما علمك أنه لا يكون لي ولد؟ والله لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني ولدًا ذكرًا[138].
وعن عبدالله بن المغيرة قال: كنت واقفيًا وحججت على ذلك، فلما صرت بمكة اختلج في صدري شيء، فتعلقت بالملتزم، ثم قلت: اللهم قد علمت طلبتي وإرادتي فأرشدني إلى خير الأديان، فوقع في نفسي أن آتي الرضا، فأتيت المدينة، فوقفت ببابه، فقلت للغلام: قل لمولاك: رجل من أهل العراق بالباب، فسمعت نداءه وهو يقول: ادخل يا عبدالله بن المغيرة، فدخلت، فلما نظر إليَّ قال: قد أجاب الله دعوتك وهداك لدينه، فقلت: أشهد أنك حجة الله وأمين الله على خلقه[139].
والغريب أن ابن المغيرة هذا له منزلة عظيمة عند القوم، وكل من ترجم له قال فيه: شيخ جليل ثقة، من أصحاب الكاظم، لا يعدل به أحد في جلالته ودينه وورعه، صنَّف ثلاثين كتابًا، وهو ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه[140].
أقول: لا أدري لم وقف على الكاظم وهو من هو في الورع والدين وجلالة القدر، دون أن يقف على كفر من أنكر واحدًا من الأئمة الاثني عشر بزعم القوم!
وعلى أي حال، فإن كلتا الوقفتين عجيبة!
على أي حال، لسنا بصدد حصر كل أمثال هذه الروايات، ونكتفي بهذا القدر الضئيل، ولكن لنتساءل عن العلة التي من أجلها وقف هؤلاء والتبس الأمر عليهم، حتى قال من قال منهم كابن قياما الواسطي: ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه؟ كما مرَّ بك قولـه آنفًا، بل وقول الكاظم: أما إنهم يفتنون بعد موتي، فيقولون: هو القائم، وما القائم إلا بعدي بسنين[141].
ترى ماذا قال الصادق رحمه الله -أو بالأحرى ماذا نسب إليه- حتى وقف هؤلاء على ابنه، وقالوا بأنه المهدي؟
اقرأ معي هذه الروايات لتقف على حقيقة هذا الأمر:
عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبدالله يقول: لا ينسجني والقائم أب.
وعن يزيد الصايغ قال: لما ولد لأبي عبدالله أبو الحسن رضي الله عنه عملت له أوضاحًا وأهديتها إليه، فلما أتيت أبا عبدالله بها قال لي:يا يزيد، أهديتها والله لقائم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وعن أبي سعيد المدايني قال: سمعت أبا جعفر يقول: إن الله استنقذ بني إسرائيل من فرعونها بموسى بن عمران، وإن الله مستنقذ هذه الأمة من فرعونها بسميه.
وعن أبي جعفر قال: إن الله تعالى عرض سيرة قائم آل محمد على موسى بن عمران، فقال: اللهم اجعله من بني إسرائيل، فقال له: ليس إلى ذلك سبيل، فقال: اللهم اجعلني من أنصاره، فقيل له: ليس إلى ذلك سبيل، فقال: اللهم اجعله سميي، فقيل له: أعطيت ذلك.
وعن أبي جعفر قال: قال رجل: جعلت فداك، إنهم يروون أن أمير المؤمنين قال بالكوفة على المنبر: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلًا مني يملؤها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، فقال أبو جعفر: نعم، قال: فأنت هو؟ فقال: لا، ذاك سمي فالق البحر. أي: موسى بن عمران على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وعن علي بن الحسين قال: إن قارون كان يلبس الثياب الحمر، وإن فرعون كان يلبس السودَ ويرخي الشعور، فبعث الله عليهم موسى، وإن بني فلان لبسوا السواد وأرخوا الشعور، وإن الله تعالى مهلكهم بسميه.
وعن علي بن الحسين قال: إن اسم القائم اسم لحديدة الحلاق.
وعن أبي عبدالله قال: ابني هذا -يعني: أبا الحسن- هو القائم، وهو من المحتوم، وهو الذي يملؤها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا[142].
وعنه أيضًا قال: من المحتوم أن ابني هذا قائم هذه الأمة وصاحب السيف، وأشار بيده إلى أبي الحسن.
وعن أبي الوليد الطرائقي قال: كنت ليلة عند أبي عبدالله، إذ نادى غلامه، فقال: انطلق فادع لي سيد ولدي، فقال له الغلام: من هو؟ فقال: فلان -يعني: أبا الحسن- فلم يلبث حتى جاء بقميص بغير رداء.. إلى أن قال: ثم ضرب بيده على عضدي، وقال: يا أبا الوليد، كأني بالراية السوداء صاحبة الرقعة الخضراء تخفق فوق رأس هذا الجالس، ومعه أصحابه يهدون جبال الحديد هدًا، لا يأتون على شيء إلا هدوه، قلت: جعلت فداك، هذا؟ قال: نعم، هذا يا أبا الوليد، يملؤها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا، يسير في أهل القبلة بسيرة علي بن أبي طالب، يقتل أعداء الله حتى يرضي الله، قلت: جعلت فداك، هذا؟ قال: هذا، ثم قال: فاتبعه وأطعه وصدقه وأعطه الرضا من نفسك؛ فإنك ستدركه إن شاء الله.
وعن عبدالله بن غالب قال: أنشدت أبا عبدالله هذه القصيدة:
فإن تك أنت المرتجى للذي نرى ***  لك التي من ذي العلى فيك نطلب
فقال: ليس أنا صاحب هذه الصفة، ولكن هذا صاحبها، وأشار بيده إلى أبي الحسن.
وعن إسماعيل البزار قال: قال أبو عبدالله: إن صاحب هذا الأمر يلي الوصية وهو ابن عشرين سنة، فقال إسماعيل: فوالله ما وليها أحد قط كان أحدث منه، وإنه لفي السن الذي قال أبو عبدالله.
وعن إسماعيل بن منصور الزبالي قال: سمعت شيخًا بأذرعات قد أتت عليه عشرون ومائة سنة، قال: سمعت عليًا يقول على منبر الكوفة: كأني بابن حميدة قد ملأها عدلًا وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، فقام إليه رجل، فقال: أهو منك أو من غيرك؟ فقال: لا، بل هو رجل مني.
وعن أبي عبدالله قال: كأني بابن حميدة على أعوادها قد دان له شرق الأرض وغربها[143].
وحميدة هي أم الكاظم[144].
وعن يحيى بن إسحاق العلوي، عن أبيه، قال: دخلت على أبي عبدالله فسألته عن صاحب هذا الأمر من بعده؟
قال: صاحب البهمة، وأبو الحسن في ناحية الدار ومعه عناق مكية، ويقول لها: اسجدي لله الذي خلقك، ثم قال: أما إنه الذي يملؤها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.
وعن عبدالله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله وذكر البداء لله، فقال: فما أخرج الله إلى الملائكة وأخرجه الملائكة إلى الرسل، فأخرجه الرسل إلى الآدميين، فليس فيه بداء، وإن من المحتوم أن ابني هذا هو القائم.
وعن الصادق قال: على رأس السابع منا الفرج.
وعن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبدالله: من جاءك فقال لك: إنه مرّض ابني هذا وأغمضه وغسله ووضعه في لحده ونفض يده من تراب قبره فلا تصدقه.
وفي رواية: عن الكاظم نفسه قال: يا علي، من أخبرك أنه مرضني وغمضني وغسلني ووضعني في لحدي ونفض يده من تراب قبري فلا تصدقه.
وعن أبي عبدالله قال: أما إنه -أي: الكاظم- صاحبكم، مع أن بني العباس يأخذونه فيلقى منهم عنتًا، ثم يفلته الله من أيديهم بضرب من الضروب، ثم يُعمَّى على الناس أمره حتى تفيض عليه العيون، وتضطرب فيه القلوب، كما تضطرب السفينة في لجة البحر وعواصف الريح، ثم يأتي الله على يديه بفرج لهذه الأمة للدين والدنيا.
وعن الباقر قال: صاحب الأمر يسجن حينًا ويموت ويهرب حينًا.
وعنه أيضًا قال: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أما موسى فخائف يترقب، وأما يوسف فالسجن، وأما عيسى فيقال: مات ولم يمت، وأما محمد فالسيف[145].
ومعلوم أن مهدي القوم لم يسجن، أما الكاظم فقد سجن، بل ويبدو أن ذلك كان من المسلمات لولا أن بدا لله فيه كما يزعم القوم، فمن أدعية زيارته كما يُروى عن أبي الحسن: السلام عليك يا من بدا لله في شأنه[146].
وعلى أي حال، نجتزئ بما أوردناه حتى لا نمل القارئ، ولعل بما ذكرنا التماسًا للعذر لابن قياما الواسطي في قولـه: ولكن كيف أصنع بما قال أبو عبدالله في ابنه؟ وكذا سائر الواقفة.
لنشرع الآن في التكلم عن ابنه الإمام علي الرضا المتوفى سنة (203) للهجرة.
أقول: لم يشذ شيعة الرضا عن شيعة أبيه وأجداده بخفاء النص على الأئمة الاثني عشر عليهم مما يستوجب بطلان هذا الاعتقاد أصلًا كما سترى باعتبار روايات القوم أنفسهم. وسنتقتصر على ذكر ما يتعلق بأهل بيته.
فعن علي بن إبراهيم، عن أبيه قال: لما مات أبو الحسن حججنا، فدخلنا على أبي جعفر وقد حضر خلق من الشيعة من كل بلد لينظروا إلى أبي جعفر، فدخل عمه عبدالله بن موسى وكان شيخًا كبيرًا نبيلًا، عليه ثياب خشنة وبين عينيه سجادة، فجلس، وخرج أبو جعفر من الحجرة وعليه قميص قصب، ورداء قصب، ونعل جدد بيضاء، فانتدب رجل من القوم، فقال لعمه: أصلحك الله، ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ فقال: تقطع يمينه ويضرب الحد، فغضب أبو جعفر، ثم نظر إليه، فقال: يا عم، اتق الله.. اتق الله، إنه لعظيم أن تقف يوم القيامة بين يدي الله عزوجل، فيقول لك: لم أفتيت الناس بما لا تعلم؟ فقال له عمه: أليس قال هذا أبوك؟ فقال أبو جعفر: إنما سئل أبي عن رجل نبش قبر امرأة فنكحها، فقال أبي: تقطع يمينه للنبش ويضرب حد الزنا، فإن حرمة الميتة كحرمة الحية، فقال: صدقت يا سيدي وأنا أستغفر الله، فتعجب الناس، فقالوا: يا سيدنا، أتأذن لنا أن نسألك؟ فقال: نعم، فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف مسألة فأجابهم فيها، وله تسع سنين[147].
وننهي كلامنا عن الرضا بذكر منازعة أخيه العباس لـه، فعن الجعفري قال: قال العباس ابن موسى لابن عمران القاضي الطلحي: إن أسفل هذا الكتاب -أي: وصية الكاظم- كنز لنا وجوهر يريد -أي: الرضا- أن يحتجزه دوننا، ولم يدع أبونا شيئًا إلا جعله لـه وتركنا عالة، فوثب عليه إبراهيم بن محمد الجعفري فأسمعه، ووثب إليه إسحاق بن جعفر ففعل به مثل ذلك، فقال العباس للقاضي: أصلحك الله، فض الخاتم واقرأ ما تحته، فقال: لا أفضه لا يلعنني أبوك، فقال العباس: أنا أفضه، قال: ذلك إليك، ففض العباس الخاتم -رغم قول أبيه الكاظم: وليس لأحدٍ أن يكشف وصيتي ولا ينشرها وهو على ما ذكرت وسميت، فمن أساء فعليه، ومن أحسن فلنفسه، وما ربك بظلام للعبيد، وليس ذلك لأحد من سلطان ولا غيره أن يفض كتابي الذي ختمت عليه أسفل، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله وغضبه والملائكة بعد ذلك ظهير وجماعة المسلمين والمؤمنين- ففض العباس الخاتم، فإذا فيه إخراجهم من الوصية، وإقرار علي وحده وإدخاله إياهم في ولاية علي إن أحبوا أو كرهوا أو صاروا كالأيتام في حِجره وأخرجهم من حد الصدقة وذكرها، ثم التفت علي بن موسى إلى العباس، فقال: يا أخي، أعلم أنه إنما حملكم على هذا الغرام والديون التي عليكم، فانطلق يا سعد فتعين لي ما عليهم واقضه عنهم، واقبض ذكر حقوقهم، وخذ لهم البراءة، فلا والله لا أدع مواساتكم وبركم ما أصبحت أمشي على ظهر الأرض، فقولوا ما شئتم، فقال العباس: ما تعطينا إلا من فضول أموالنا ومالنا عندك أكثر، فقال: قولوا ما شئتم، فالعرض عرضكم، اللهم أصلحهم وأصلح بهم، وأخسئ عنا وعنهم الشيطان، وأعنهم على طاعتك، والله على ما نقول وكيل، فقال العباس: ما أعرفني بلسانك وليس لمسحاتك عندي طين، ثم إن القوم افترقوا[148].
لذا لم يذكره بخير كل من ترجم له[149]، ورغم هذا يقول المفيد في إرشاده: (إن لكل واحد من أولاد الكاظم فضلًا ومنقبة)[150].
أما عن موقف الشيعة بعد وفاة الرضا، فإليك البيان:
فرقة منهم كانت قد قطعت عليه وعلى موت أبيه، ولما توفي الرضا رجعوا إلى الوقف بعد موسى بن جعفر، وهذه الفرقة تسمى المؤلفة.
وثانية تسمى: المحدثة، كانوا من أهل الإرجاء من أصحاب الحديث، فدخلوا في القول بإمامة موسى بن جعفر، وبعده بإمامة علي بن موسى، وصاروا شيعة رغبة في الدنيا وتصنعًا، فلما توفي علي بن موسى الرضا رجعوا إلى ما كانوا عليه.
وفرقة كانت من الزيدية الأقوياء منهم والبصراء، فدخلوا في إمامة الرضا عندما أظهر المأمون فضله وعقد بيعته تصنعًا للدنيا واستكانوا الناس بذلك دهرًا، فلما توفي الرضا رجعوا إلى قومهم من الزيدية. وفرقة ائتمت بأحمد بن موسى.. وهكذا([151]).
     اما الجواد رحمه الله فقد افترق الشيعة بعد وفاته رحمه الله. فقد نزل أصحابه الذين ثبتوا على إمامته إلى القول بإمامة ابنه ووصيه علي بن محمد، فلم يزالوا على ذلك سوى نفر يسير منهم عدلوا عنه إلى القول بإمامة أخيه موسى بن محمد، ثم لم يلبثوا على ذلك إلا قليلًا حتى رجعوا إلى إمامة علي بن محمد ورفضوا إمامة موسى بن محمد، فلم يزالوا كذلك حتى توفي علي بن محمد[152].
وهذا الإمام علي الهادي رحمه الله المتوفى سنة (254) للهجرة وأصحابه لا نراهم يختلفون عمن سبق. وسنتقصر في هذا المختصر كشأن البقية على ذكر ما يتعلق بأهل بيته. فقد طال آل أبي طالب وبني العباس، بل وطال الهادي وابنه كما سترى:
فعن علي بن عبدالله بن مروان الأنباري قال: كنت حاضرًا عند مضي أبي جعفر بن أبي الحسن، فجاء أبو الحسن فوضع له كرسيًا فجلس عليه، وأبو محمد قائم في ناحية، فلما فرغ من أبي جعفر التفت أبو الحسن إلى أبي محمد، فقال: يا بني، أحدث لله شكرًا، فقد أحدث فيك أمرًا[153].
وفي رواية: قال: إن الله قد جعل فيك خلفًا منه فاحمد الله[154].
وعن سعيد بن عبدالله، عن جماعة من بني هاشم، منهم الحسن بن الحسين الأفطس، أنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن وقد بسط له في صحن داره والناس جلوس حوله، فقالوا: قَدَّرْنَا أن يكون حوله من آل أبي طالب وبني العباس وقريش مائة وخمسين رجلًا سوى مواليه وسائر الناس، إذ نظر إلى الحسن بن علي وقد جاء مشقوق الجيب حتى جاء عن يمينه ونحن لا نعرفه، فنظر إليه أبو الحسن بعد ساعة من قيامه، ثم قال: يا بني، أحدث لله شكرًا فقد أحدث فيك أمرًا، فبكى الحسن واسترجع، وقال: الحمد لله رب العالمين، وإياه أشكر تمام نعمته علينا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فسألنا عنه؟ فقيل لنا: هذا الحسن ابنه، وقدرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة ونحوها، فيومئذٍ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه([155]).
ولقد أحدثت روايات الهادي في إمامة ابنه محمد دون العسكري اضطرابًا كبيرًا عند شيعته بعد موته.
وكشأن بقية الأئمة افترقوا الشيعة بعد وفاة الهادي رحمه الله، فقالت فرقة من أصحابه بإمامة ابنه محمد، وقد كان توفي في حياة أبيه بسر من رأى، وزعموا أنه حي لم يمت، واعتلوا في ذلك بأن أباه أشار إليه وأعلمهم أنه الإمام من بعده -كما مرَّ بك- والإمام لا يجوز عليه الكذب ولا يجوز البداء فيه، فهو وإن كانت ظهرت وفاته لم يمت في الحقيقة، ولكن أباه خاف عليه فغيبه وهو القائم المهدي، وقالوا فيه بمثل مقالة إسماعيل بن جعفر، وقال سائر أصحاب علي بن محمد بإمامة الحسن بن علي وأثبتوا له الإمامة بوصية أبيه، وكان يكنى بأبي محمد، سوى نفر يسير قليل، فإنهم مالوا إلى أخيه جعفر بن علي، وقالوا: أوصى إليه أبوه بعد مضي محمد وأوجب إمامته وأظهر أمره، وأنكروا إمامة محمد أخيه، وقالوا: إنما فعل ذلك أبوه اتقاء عليه ودفاعًا عنه، وكان الإمام في الحقيقة جعفر بن علي[156]
رجع بنا الحديث إلى الإمام العسكري الحسن بن علي رحمه الله المتوفى سنة (260) للهجرة، وموقف أصحابه وأهل بيته.
لقد أدى الارتياب والشك عند شيعة الهادي في الإمام بعده إلى التطلع بلهفة إلى أي شخص كان لبيان الحق لهم، وكأن تلك النصوص التي مرَّت بك منذ أول الكتاب لم تكن.
فعن أحمد بن إسحاق قال: دخلت على أبي محمد، فقال لي: يا أحمد، ما كان حالكم فيما كان الناس فيه من الشك والارتياب؟ قلت: لما ورد الكتاب بخبر مولد سيدنا، لم يبق منا رجل ولا امرأة ولا غلام بلغ الفهم إلا قال بالحق، قال: أما علمتم أن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى[157].
رغم ذلك فقد كان الحسن نفسه خائفًا -بزعم القوم- من أن يخرج من الدنيا دون أن يرى الخلف من بعده[158].
وآخر لا يدري إن كان له ولد أصلًا أو لا، فعن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي محمد: جلالتك تمنعني عن مسألتك فتأذن لي أن أسألك؟ قال: سل، قلت: يا سيدي، هل لك ولد؟ قال: نعم، قلت: فإن حدث حدث فأين أسأل عنه؟ فقال: بالمدينة[159].
بل طال ذلك خَدَمَه الذين لا يفترض ذلك منهم، فعن أبي الأديان قال: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأحمل كتبه إلى الأمصار، فدخلت إليه في علته التي توفي فيها، فكتب معي كتبًا، وقال: تمضي بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يومًا فتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الناعية في داري، وتجدني على المغتسل، قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي، فإذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم بعدي، قلت: زدني، فقال: من يصلي علي فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي، ثم منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان؟ وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها، ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي، فإذا أنا بالناعية في داره، وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار والشيعة حوله يعزونه ويهنئونه، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد حالت الإمامة؛ لأني كنت أعرفه بشرب النبيذ، ويقامر في الجوسق، ويلعب بالطنبور، فتقدمت فعزيت وهنيت فلم يسألني عن شيء، ثم خرج عقيد، فقال: يا سيدي، قد كفن أخوك فقم للصلاة عليه، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله.. الخبر[160].
وجعفر هذا ادعى الإمامة[161] بعد أخيه العسكري، وأنكر أن يكون لأخيه عقب وقد حاز على ميراثه، ولا غرابة في هذا لما مر بك من ادعاء الكثير من أهل بيت النبوة للإمامة، حتى رووا عن الصادق: لا يخرج القائم حتى يخرج اثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه[162].
وفي رواية: خروج اثني عشر من آل أبي طالب كلهم يدَّعي الإمامة لنفسه[163].
وقد عرفت منزلةَ بعض هؤلاء الذين خرجوا عند حديثنا عنهم، ويسمى جعفر هذا بالكذاب تمييزًا له عن الصادق، وروى القوم في ذلك أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، منها قولـه: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق؛ فإنه يكون في ولده سمي له يدعي الإمامة بغير حقها ويسمى كذابًا.
وفي رواية: فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراء على الله وكذبًا عليه، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله[164].
وقد ورد في قدحه عن الأئمة من الروايات الكثير، إلا أن هناك رواية تفسد كل هذا، فقد روى القوم عن إسحاق بن يعقوب: أنه سأل القائم عن مسائل أشكلت عليه، فورد التوقيع بخط القائم: أما ما سألت عنه -أرشدك الله وثبتك- من أمر المنكرين من أهل بيتنا وبني عمنا فاعلم أنه ليس بين الله عزوجل وبين أحدٍ قرابة، ومن أنكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح، وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف[165].
ووجه الدلالة غير خافية في الرواية، فالكتاب العزيز قد دلَّ على توبة إخوة يوسف عليه السلام، وواضع هذه الرواية فاته الحديث السابق الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: جعفر الكذاب المفتري على الله. بزعمهم.
أما موقف الشيعة بعد وفاة العسكري المتوفى سنة (260) للهجرة، فإليك بيانه بإيجاز:
افترق أصحابه إلى فرق كثيرة جاوزت العشر، منها:
فرقة قالت: إن الحسن بن علي حي لم يمت وإنما غاب، وهو القائم، ولا يجوز أن يموت، ولا ولد له ظاهرًا؛ لأن الأرض لا تخلو من إمام.
وفرقة قالت: إن العسكري مات وعاش بعد موته وهو القائم المهدي؛ لأنا روينا أن معنى القائم هو أن يقوم من بعد الموت ويقوم ولا ولد له، ولو كان له ولد لصح موته ولا رجوع؛ لأن الإمامة كانت تثبت لخلفه، ولا أوصى إلى أحدٍ فلا شك أنه القائم، والحسن بن علي قد مات لا شك في موته ولا ولد له ولا خلف ولا أوصى؛ إذ لا وصية له ولا وصي، وأنه قد عاش بعد الموت.
وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي، والإمام بعده أخوه جعفر، وإليه أوصى الحسن، ومنه قبل الإمامة وعنه صارت إليه.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن جعفر، وإن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخيه محمد ولا من قبل الحسن ولم يكن إمامًا ولا الحسن أيضًا؛ لأن محمدًا توفي في حياة أبيه، وتوفي الحسن ولا عقب له، وإنه كان مدعيًا مبطلًا، والدليل على ذلك: أن الإمام لا يموت حتى يوصي ويكون له خلف، والحسن قد توفي ولا وصي له ولا ولد، فادعاؤه الإمامة باطل، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهرًا معروفًا مشارًا إليه، ولا يجوز أيضًا أن تكون الإمامة في الحسن وجعفر؛ لقول أبي عبدالله وغيره من آبائه: إن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين، فدلنا ذلك على أن الإمامة لجعفر، وأنها صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخويه.
وفرقة قالت: إن الإمامة في محمد بن علي المتوفى في حياة أبيه، وزعمت أن الحسن وجعفر ادعيا ما لم يكن لهما، وأن أباهما لم يشر إليهما بشيء من الوصية والإمامة، ولا روي عنه في ذلك شيء أصلًا، ولا نص عليهما بشيء يوجب إمامتهما ولا هما في موضع ذلك، وخاصة جعفر؛ فإن فيه خصالًا مذمومة وهو بها مشهور، ولا يجوز أن يكون مثلها في إمام عدل، وأما الحسن فقد توفي ولا عقب له، فعلمنا أن محمدًا كان الإمام، وقد صحت الإشارة من أبيه إليه، والحسن قد توفي ولا عقب له، ولا يجوز أن يموت إمام بلا خلف.
وفرقة قالت: إنه ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر، وإن الذين ادعوا له ولدًا في حياته كاذبون في حياته مبطلون في دعواهم؛ لأن ذلك لو كان لم يخف كما لم يخف غيره ولكنه مضى ولم يعرف له ولد، ولا يجوز أن يكابر في مثل ذلك ويدفع العيان والمعقول والمتعارف، وقد كان الحبل فيما مضى قائمًا ظاهرًا ثابتًا عند السلطان وعند سائر الناس، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك حتى بطل بعد ذلك عند السلطان وخفي أمره، فقد ولد له ابنٌ بعد وفاته بثمانية أشهر، وقد كان أمر أن يسمى محمدًا وأوصى بذلك وهو مستور لا يُرى، واعتلوا في تجويز ذلك وتصحيحه بخبرٍ يُروى عن أبي الحسن الرضا أنه قال: ستبلون بالجنين في بطن أمه والرضيع.
وفرقة قالت: إنه لا ولد للحسن أصلًا؛ لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه فلم نجده، ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن وقد توفي ولا ولد له: إن له ولدًا خفيًا لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف، ولجاز مثل ذلك في النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقال: خلف ابنًا نبيًا رسولًا، وكذلك عبدالله بن جعفر بن محمد أنه خلف ابنًا، وأن أبا الحسن الرضا خلَّف ثلاثة بنين غير أبي جعفر، أحدهم: الإمام؛ لأن مجيء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخلف ذكرًا من صلبه ولا خلف عبدالله بن جعفر ابنًا ولا كان للرضا أربعة بنين، فالولد قد بطل لا محالة.
وفرقة قالت:إن الحسن بن علي قد صحت وفاة أبيه وجده وسائر آبائه، فكما صحت وفاته بالخبر الذي لا يكذب مثله، فكذلك صح أنه لا إمام بعد الحسن، وذلك جائز في العقول والتعارف كما جاز أن تنقطع الإمامة، وقد روي عن الصادقين أن الأرض لا تخلو من حجة إلا أن يغضب الله على أهل الأرض بمعاصيهم، فيرفع عنهم الحجة إلى وقت، والله عزوجل يفعل ما يشاء، وليس في قولنا هذا بطلان الإمامة، وهذا جائز أيضًا من وجه آخر، كما جاز ألا يكون قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما بينه وبين عيسى عليه السلام نبي ولا وصي، ولما روينا من الأخبار أنه كانت بين الأنبياء فترات، ورووا ثلاثمائة سنة، وروي مائتا سنة ليس فيها نبي ووصي، وقد قال الصادق: إن الفترة هي الزمان الذي لا يكون فيه رسول ولا إمام، والأرض اليوم بلا حجة إلا أن يشاء الله فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفرقة قالت: إن أبا جعفر محمد بن علي الميت في حياة أبيه كان الإمام بوصية من أبيه إليه وإشارته ودلالته ونصه على اسمه وَعَيْنِه.
وفرقة قالت: لما سئلوا: هل الإمام جعفر أم غيره؟ لا ندري ما نقول في ذلك أهو من ولد الحسن أم من إخوته، فقد اشتبه علينا الأمر، إنا نقول: إن الحسن بن علي كان إمامًا وقد توفي، وإن الأرض لا تخلو من حجة ونتوقف، ولا نقدم على شيء حتى يصح لنا الأمر ويتبين.
وفرقة قالت: إن الحسن بن علي توفي وإنه كان الإمام بعد أبيه، وإن جعفر بن علي الإمام بعده كما كان موسى بن جعفر إمامًا بعد عبد الله بن جعفر؛ للخبر الذي روي أن الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى، وإن الخبر الذي روي عن الصادق أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين صحيح لا يجوز غيره، وإنما ذلك إذا كان للماضي خلف من صلبه فإنها لا تخرج منه إلى أخيه بل تثبت في خلفه، وإذا توفي ولا خلف له رجعت إلى أخيه ضرورة؛ لأن هذا معنى الحديث عندهم، وكذلك قالوا في الحديث الذي روي أن الإمام لا يغسله إلا إمام، وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره، وأقروا أن جعفر بن محمد غسله موسى، وادعوا أن عبدالله أمره بذلك؛ لأنه كان الإمام من بعده وإن جاز أن من يغسله موسى؛ لأنه إمام صامت في حضرة عبدالله، وهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين إذا لم يكن الأكبر منهما خلّف ولدًا، والإمام عندهم جعفر بن علي على هذا التأويل.
وفرقة قالت: إن الإمام بعد الحسن ابنه محمد وهو المنتظر غير أنه مات وسيحيا ويقوم بالسيف، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.
وفرقة قالت: ليس القول كما قال هؤلاء كلهم؛ بل لله عزوجل في الأرض حجة، وإن للحسن ابن علي ابنًا سماه محمدًا ودلَّ عليه، وليس الأمر كما زعم من ادعى أنه توفي ولا خلف له، ومحمد هذا هو القائم، وإن له غيبتين: الصغرى منهما يوم توفي أبوه العسكري، والكبرى بدأت من وفاة أبي الحسين علي بن محمد السمري آخر السفراء الأربعة، ولا يعلم انتهاءها إلا الله عزوجل ([166]).
 
ومن كل ما مر، رغم إختصارنا الشديد، يتبين فساد القول بالنص على الأئمة، أما ما يتعلق بالإمامة والقرآن الذي رووا فيه عن الصادق رحمه الله انه قال : ما ترك الله شيئًا تحتاج إليه العباد حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن إلا وقد أنزله الله فيه[167]. إلا أننا لا نجد في القرآن أي ذكر لهذه العقيدة.
فأمام هذه الحقيقة الخطيرة المتمثلة في خلو القرآن الكريم عن آحاد الآيات المؤيدة لعقيدة الشيعة في الإمامة، والتي تؤكدها صراحة بعض الروايات، كرواية أبي بصير الذي سأل الصادق: إن الناس يقولون: لِمَ لم يسم علي وأهل بيته في كتاب الله عزوجل ؟ فقال: قولوا لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثًا ولا أربعًا، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسر ذلك، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهمًا درهم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسَّر ذلك لهم، ونزل الحج... إلى آخر الرواية، حيث ذكر فيها بيان إمامة علي بالسنة لا بالقرآن[168].
فأمام هذه الحقيقة لجأ الشيعة إلى وسائل ثلاث لحل هذا الإشكال، وقد عبرتُ عنها بالاتجاهات.
الاتجاه الأول: أَوّلَ معظمَ آيات القرآن الكريم، وجعلها لا تخلو من كون نزولها في أهل البيت سواء في بيان منزلتهم أو ولايتهم.. أو ما شابه ذلك، بحيث تتعلق بهم على نحوٍ ما، أو في ذم أعدائهم من الصحابة رضوان الله عليهم، أو المخالفين للمذهب بزعمهم.. وهكذا.
وأصحاب هذا الاتجاه اجتهدوا في لَيِّ أعناق معظم آيات القرآن وتأويلها بحيث لا تخرج عن غرضهم، وأيسر السبل التي انتهجها هؤلاء في بيان ذلك هو وضع الأحاديث على لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة، بدءًا ببسملة سورة الفاتحة، وانتهاءً بالمعوذتين. وقد أعرضنا عن ذكر أمثلة على هذا الاتجاه، لسهولة الوقوف عليها في أكثر التفاسير الشيعية المطبوعة والتي لا تخلو منها، وبالأخص تلك التي جعلت حكرًا على الآيات التي تمثل هذا الاتجاه، كتأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة، وهو مطبوع في مجلدين، وحوالي تسعمائة صفحة من الحجم المتوسط، وغيره.
أما الاتجاه الثاني: فهو اتجاه خطير في العقيدة يؤدي بصاحبه إلى الكفر والخروج من الملة، والذي اضطر أصحابه إلى الأخذ به والقول به هو قناعتُهم التامة بخلو القرآن الكريم من الحجج والبراهين التي تؤيد عقيدتهم في الإمامة وتعارضه مع كثير من العقائد الأخرى المنبثقة عن القول بالإمامة.
وأصحابنا هؤلاء لم يقنعوا بالاتجاه الأول لفساده البين فجاءوا بأفسد منه، ولا شك أن اضطرارهم إلى هذا من أبين الدلائل وأظهرها على فساد القول بالإمامة والنص.
ويتمثل هذا الاتجاه بالقول بتحريف القرآن.
ويبدأ أصحابنا هؤلاء بالتوطئة القائلة بأن القرآن الموجود بين الدفتين ليس هو القرآن الذي أنزله الله عزوجل على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا القرآن الموجود بين أيدينا قد حذفت منه آيات كثيرة، بل وسور فيها ذكر الإمامة وآل محمد واسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكذلك فضائح المهاجرين والأنصار وغيرهم، مما سيتبين لك قريبًا، وأن القرآن كما أنزل إنما جمعه أمير المؤمنين علي، ثم توارثه الأئمة، وهو عند المهدي الآن وسيظهره عند خروجه.
وأيدوا قولهم هذا بروايات وضعوها على لسان الأئمة، كقول الباقر: ما من أحدٍ من الناس يقول: إنه جمع القرآن كله كما أنزل الله إلا كذاب، وما جمعه وما حفظه كما أنزل الله إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده.
وفي رواية: ما أحد من هذه الأمة جمع القرآن إلا وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[169].
وأكدوا من حيث لا يشعرون بخلو القرآن الكريم من ذكر الإمامة، حيث رووا عن الصادق أنه قال: إن في القرآن ما مضى وما يحدث وما هو كائن، كانت فيه أسماء الرجال فألقيت[170]. وقوله: لو قرىء القرآن كما أنزل لألفيتنا فيه مسمَّين[171].
وعلى أي حال، لابد من ذكر نماذج من هذا الاتجاه، ففيها صلة بموضوع الباب، فمن الآيات التي ادعى القوم حذف كلمة بني هاشم منها: ما روي عن الصادق: ولو نشاء لجعلنا من بني هاشم ملائكة في الأرض يخلفون، قال الراوي: ليس في القرآن بني هاشم؟ فقال أبو عبدالله: محيت والله فيما محي[172].
ومن الآيات التي ادعى القوم حذف كلمة آل محمد منها: قول الأمير عليه السلام في رواية الزنديق الطويلة: وكذلك قولـه: سلام على يس؛ لأن الله سمى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: يس والقرآن الحكيم، إنك لمن المرسلين؛ لعلمه بأنهم يسقطون قول الله: سلام على آل محمد، كما أسقطوا غيره[173].
وعن الصادق أنه قرأ: إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد على العالمين، قال: هكذا نزلت. وفي رواية: فأسقطوا آل محمد من الكتاب. وفي أخرى: فمحوها وتركوا آل إبراهيم وآل عمران. وفي أخرى: فوضعوا اسمًا مكان اسم. وفي أخرى: حرفًا مكان حرف[174].
وعن أمير المؤمنين عليه السلام في قولـه تعالى: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون لآل محمد، فحذفوا آل محمد[175].
ومن الآيات التي ادعى القوم حذف ما يتعلق بالإمامة والأئمة منها: قول الباقر: في قراءة علي عليه السلام وهو التنزيل الذي نزل به جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون الوصية لرسول الله، والإمام بعده[176].
وفي رواية: عن الكاظم أنه قال لبعض أصحابه: كيف تقرأ هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ماذا؟ قال: مسلمون، فقال: سبحان الله! يوقع عليهم الإيمان فيسميهم مؤمنين ثم يسألهم الإسلام، والإيمان فوق الإسلام، قال: هكذا يُقرأ في قراءة زيد، قال: إنما هي في قراءة علي صلوات الله عليه وهو التنزيل الذي نزل به جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إلا وأنتم مسلمون لرسول الله ثم الإمام من بعده([177]).
وعن الصادق: ولتكن منكم أئمة([178]).
وعن ابن سنان قال: قرأت عند أبي عبدالله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران:110]. فقال: خير أمة تقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين ابْنَيْ علي؟. قال: فقلت: جعلت فداك، كيف نزلت؟ قال: نزلت: كنتم خير أئمة أخرجت للناس، ألا ترى مدح الله لهم: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله([179]).
وعن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) [الفرقان:74]، قال: لقد سألت ربك عظيماً، إنما هي: واجعل لنا من المتقين إماماً. وفي رواية: قد سألوا عظيماً أن يجعلهم للمتقين أئمة، فقيل له: كيف هذا يا ابن رسول الله؟ قال: إنما أنزل الله: واجعل لنا من المتقين إماماً[180].
ونختم ذلك بذكر نماذج من الآيات التي حذف منها اسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بزعم القوم، من ذلك:
قولـه تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي، فإن لم تفعل عذبتك عذابًا أليمًا، فطرح العدوي اسم علي[181].
وعن جابر قال: فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون بعلي. وفي رواية: بعلي منتقمون. وفي أخرى: محيت والله من القرآن واختلست والله من القرآن[182].
وعن الباقر: نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية هكذا: ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله في علي، إلا أنه كشط الاسم[183].
وقولـه: إن علي إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل، فمحي اسمه وكشط عن هذه الموضع[184].
وعن علي عليه السلام قال: ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابيًا، فحرفوها، فقالوا: ترابًا، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من مخاطبتي بأبي تراب[185].
     وعن المقداد بن الأسود قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: اللهم اعضدني، واشدد أزري، واشرح صدري، وارفع ذكري، فنزل جبرئيل، وقال: اقرأ يا محمد: ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، الذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك بعلي صهرك، فقرأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأثبتها ابن مسعود، وانتقصها عثمان[186].
ولا نطيل عليك، ففيما أوردناه كفاية لبيان المقصود.
      أما الاتجاه الأخير وهو أعدلها، فيتمثل في القول بنزول بعض الآيات في فضائل الأمير رضي الله عنه وولايته تأويلًا، مستدلين على ذلك التأويل بروايات تدلل على نزولها فيه وفي إمامته رضي الله عنه.
     والروايات هذه لا تخلو من كونها إما موضوعة لا يصح منها شيء، أو صحيحة ولكن لا تخدم غرضهم، وليس فيها الدلالة المذكورة.
من هذه الآيات:
قولـه تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)) [المائدة:3].
وقولـه: ((إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)) [المائدة:55].
وقولـه: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)) [المائدة:67].
وقولـه: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) [الأحزاب:33]، وغيرها.
وهذه الدلائل بزعم الشيعة، لا يكاد يخلو منها كتاب، وهي عمدة القوم في إثبات مسألة الإمامة من القرآن الكريم.
وأنت ترى للوهلة الأولى خلوها تمامًا من اسم علي رضي الله عنه والأئمة أو ما يفيد نزولها فيهم، لذا اضطر القوم إلى الاستدلال بها عن طريق الأحاديث والروايات التى لا تخلوا من كلام في السند او المتن، أو ادعاء حذف اسم الأمير رضي الله عنه من بعضها كما مر بك.
وخلاصة الكلام أن أعظم أركان الدين عند الشيعة ليس لها نصيب في القرآن الكريم، ولا أدل على هذا من بطلان هذا المعتقد، ونحن نعلم يقينًا أن الله عزوجل لم يدع من شئون المسلم شيئًا إلا بينه، حتى بين حكم المحيض، حيث قال عز من قائل: : ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى)) [البقرة:222]، وهذا مصداق قوله عز وجل: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ)) [النحل:89].
فهل أذى المحيض أشد عند الله من أذى المسلمين بالفتن والحروب والتناحر والاختلاف لعشرات السنين بسبب الإمامة حتى يُغفل ذكرها ويبين أذى المحيض؟!
ثم أعلم إن عليًا لم يفهم من كل ما مر أن ولايته واجبة وخلافها كفر وبطلان، وهو القائل: أما بعد؛ فإن الله سبحانه بعث محمدًا، فأنقذ به من الضلالة، ونعش به من الهلكة، وجمع به بعد الفرقة، ثم قبضه الله إليه وقد أدى ما عليه، فاستخلف الناس أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة وعدلا في الأمة، وقد وجدنا عليهما أن توليا الأمر دوننا ونحن آل رسول الله وأحق بالأمر، فغفرنا ذلك لهما[187]. وفي موطن آخر قال: ثم إن المسلمين من بعده استخلفوا أميرين منهم صالحين أحييا السيرة ولم يعدوا السنة[188]. وقال فيهما: فتولى أبو بكر تلك الأمور، وسدد وقارب واقتصد، وتولى عمر الأمر، فكان مرضي السيرة، ميمون النقيبة[189].
لم يفهم أنه أحق بالخلافة، وهو لا يزال يردد القول بكراهيته لها، وهو يعلم يقينًا قول الله تعالى: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)) [الأحزاب:36].
وقولـه: ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [القصص:68].
وقولـه: ((وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)) [الزخرف:31].
 حيث قال للمهاجرين والأنصار وقد جاءوا لبيعته: لا حاجة لي في أمركم، أنا بمن اخترتم راض[190]؟!. وقوله لما برز الناس للبيعة عند بيت المال: ابسط يدك للبيعة، فقال له طلحة: أنت أحق بذلك مني، وقد استجمع لك الناس ولم يجتمعوا لي[191].
فهل كان له الاختيار والأمر في أن يبايع هذا أو يتركه لذاك ؟!
ألم يعلم أنه منصوص من الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: أتيتموني لتبايعوني، فقلت: لا حاجة في ذلك، ودخلت منزلي فاستخرجتموني، فقبضت يدي فبسطتموها وتداككتم علي حتى ظننت أنكم قاتلي، وأن بعضكم قاتل بعض، فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ولا جذل، وقد علم الله سبحانه أني كنت كارهًا للحكومة بين أمة محمد[192]؟!
ألم يعلم كل ذلك وهو يقول لما أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان: دعوني والتمسوا غيري؛ فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا[193]؟!
فهل رأى أن اختياره أو اختيار الصحابة خير من اختيار الله عزوجل، وهو يقرأ: ((وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ)) [القصص:68]؟!
حتى قال لابن عباس وقد رآه يخصف نعله: ما قيمة هذه النعل؟ فقال: لا قيمة لها، فقال: والله لهي أحب إلي من إمرتكم([194]).
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزعمهم: إن الله خلق آدم من طين كيف يشاء، ثم قال: ويختار، إن الله اختارني وأهل بيتي على جميع الخلق فانتجبنا، فجعلني الرسول وجعل علي بن أبي طالب الوصي، ثم قال: ما كان لهم الخيرة، يعني: ما جعلت للعباد أن يختاروا ولكن أختار من أشاء[195].
فهل رأى ذلك؟ وهل هذا إلا كمن يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قال لهذا أو ذاك: ابسط يدك للنبوة؟!
أبدًا لم يكن يرى أن مشروعية خلافته مستمدة من تلك النصوص التي زعمها القوم له، وأنه لو كان من ذلك شيء حق لقاتل عليها حتى لو تظاهرت العرب كلها عليه، بل كان يرى أن شرعية خلافته مستمدة من مبدأ الشورى الذي أقره القرآن وأكده الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بهديه وسنته.
كيف لا وهو القائل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من جاءكم يريد أن يفرق الجماعة، ويغصب الأمة أمرها، ويتولى من غير مشورة فاقتلوه؛ فإن الله عزوجل قد أذن ذلك[196].
ويقول لمعاوية: إن الناس تبع المهاجرين والأنصار، وهم شهود للمسلمين في البلاد على ولاتهم وأمراء دينهم، فرضوا بي وبايعوني. فلما بلغ معاوية ذلك قال: ليس كما يقول، فما بال من هو ههنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر؟ فقال: ويْحَكُم! هذا للبدريين دون الصحابة، وليس في الأرض بدري إلا وقد بايعني وهو معي، أو قد أقام ورضي، فلا يغرنكم معاوية من أنفسكم ودينكم[197].
وقال لمعاوية في موطنٍ آخر: إن بيعتي لزمتك بالمدينة وأنت بالشام؛ لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار؛ فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضًا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرًا[198].
فهو يرى أن إجماع المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم على رجل هو رضًا لله.
بل ولا يرى بيعته دون رضاهم كما قال: إن بيعتي لا تكون إلا عن رضا المسلمين وفي ملأ وجماعة[199].
وهو القائل: وما كان الله ليجعلهم على ضلال ولا يضربهم بعمى[200]. وقال له في موطن آخر: إن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة وأنت أمير لعمر على الشام، وكما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر بالمدينة وهو أمير لأبي بكر على الشام[201].
وكذلك قال ابنه الحسن لمعاوية في كتاب الصلح الذي استقر بينهما وقد مر ذكره وفيه: وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدًا، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين[202].
فهل ترى بعد كل هذا أن الأمير أو ابنه رضي الله عنهما يرون رأي من زعموا أنهم من شيعتهم، وهو أن الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم قد نصا عليهما رضي الله عنهما، أو أنهم يقررون مبدأ الشورى، وبه يستمدون شرعية إمامتهم للمؤمنين دون أن يتطرقوا إلى ذكر أي نص من تلك النصوص التي زعمها القوم لهم، وهم في تلك الحال من الخلاف، وفي موطن هم بأمس الحاجة فيه إلى ذكر نص من تلك النصوص لو وجدت؛ ليرد به على معاوية الذي احتج عليه بعدم اجتماع أهل الشام عليه؟!
وبهذا تكون أقوال الأمير السابقة قد أسقطت كل ما أوردناه من أول البحث من أحاديث وروايات منسوبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والأئمة رضي الله عنهم. وأكد إقراره بمنهج القرآن الكريم: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران:159]. و: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)) [الشورى:38].
لذا فلا عجب من أن يردد: إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضًا.
ولا عجب من أن يقول لمعاوية في المهاجرين والأنصار: وما كان الله ليجعلهم -وفي لفظ: ليجمعهم- على ضلالة ولا يضربهم بالعمى[203].
ويقول للخوارج وقد خطئوه وضللوه: فإن أبيتم إلا أن تزعموا أني أخطأت وضللت فلم تضللون عامة أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بضلالي[204]؟
كيف لا وهو قد سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تجتمع أمتي على ضلالة[205].
وختاماً.. فقد أوقفناك على شيء من عقيدة الشيعة الإمامية الاثني عشرية في الإمامة، وقد أعرضنا عن ذكر كثير من النصوص المتصلة بموضوع البحث، فضلًا عن النصوص المتعلقة بالعقائد الأخرى ذات الصلة بالإمامة، وهي سائر العبادات والمعاملات.
وقد تبين لك من كل ذلك مدى الاضطراب الحاصل عند الشيعة في هذه العقيدة التي هي أساس في دين الإمامية. وكيف أن هذه النصوص يسقط بعضها بعضًا، وتتعارض كل رواية مع الأخرى، وكيف أن أهل البيت أنفسهم قد أنكروا نسبة أمثال هذه العقائد إليهم، وكيف أن عقيدة التقية لا تسعف القوم في رد أمثال هذه الروايات.
ثم تبين لك موقف القوم من القرآن الذي لم يرد فيه ذكر لهذا المعتقد، رغم منزلته العظيمة حتى اضطروا للزعم بأن الصحابة رضوان الله عليهم وعلى رأسهم الشيخان حذفوا الآيات الدالة على إمامة علي، وغيرها من مسائل.


[1] بصائر الدرجات، للصفار، 492، قرب الاسناد، للحميري القمي، 352، بحار الأنوار، للمجلسي، 23/ 68

[2] الكافي، للكليني، 2/ 18، 21، 22، 32، الأمالي، للصدوق، 221، 279، 510

[3] علل الشرايع، للصدوق، 149، الخصال، للصدوق، 601، البصائر، للصفار، 23

[4] الخصال، للصدوق، 278، بحار الأنوار، للمجلسي، 68/ 376، 332

[5] الأمالي، للصدوق،، 154، بحار الأنوار، للمجلسي، 24/ 51 ، 27/ 167 ، 54/ 390 ، 83/ 10، 19

[6] المحاسن، للبرقي، للبرقي، 89، بحار الأنوار، للمجلسي، 27/ 238 ، 39/ 302 ، 72/ 134

[7] البصائر، للصفار، 105، بحار الأنوار، للمجلسي، 24/ 123 ، 27/ 181 ، 54/ 390

[8] أوائل المقالات، للمفيد، 44

[9] بحار الأنوار، للمجلسي، 27/ 166-202 وفيه 71 رواية

[10] بحار الأنوار، للمجلسي، 23/ 74، إثبات الهداة، للعاملي، 1/ 142، المناقب، لإبن شهرآشوب، لإبن شهر آشوب، 1/ 257

[11] الأمالي، للصدوق،، 352، الأمالي، للطوسي، 218، بحار الأنوار، للمجلسي، 18/ 341، 371 36/ 160 37/ 291 38/ 108 40/ 13

[12] تفسير العسكري، 466، بحار الأنوار، للمجلسي، 19/ 81

[13] الأمالي، للصدوق،، 327، بحار الأنوار، للمجلسي، 38/ 107، إثبات الهداة، للعاملي، 2/ 67

[14] بحار الأنوار، للمجلسي، 41/ 88

[15] بحار الأنوار، للمجلسي، 20/ 215 38/ 300، 309 39/ 3، تأويل الآيات، لشرف الدين الحسيني، 1/ 329

[16] كشف اليقين، لإبن طاووس، 372، بحار الأنوار، للمجلسي، 37/ 324

[17] الاختصاص، للمفيد، 165، الخصال، للصدوق، 367، بحار الأنوار، للمجلسي، 38/ 169

[18] الفصول المختارة، للمفيد، 33، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 46

[19] نهج البلاغة، 275، بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 24141/ 772/ 138

[20] الاختصاص، للمفيد، 159، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 2640/ 114

[21] إعلام الورى، للطبرسي، 116، بحار الأنوار، للمجلسي، 21/ 81، الإرشاد، للمفيد، 61

[22] الغيبة، للنعماني، 165، بحار الأنوار، للمجلسي، 51/ 77، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 542

[23] كمال الدين، للصدوق، 1/ 284، الغيبة، للنعماني، 51، إثبات الهداة، للعاملي، 1/ 512، 621، 643، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 257، 276 92/ 99

[24]كمال الدين، للصدوق، 134، إثبات الهداة، للعاملي، 1/ 496، بحار الأنوار، للمجلسي، 23/ 4232/ 24351/ 93

[25] إثبات الهداة، للعاملي، 2/ 200

[26] إثبات الهداة، للعاملي، 1/ 590

[27] الأمالي، للصدوق،، 502، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 232

[28] الإرشاد، للمفيد، 1/ 152، إعلام الورى، للطبرسي، 124، بحار الأنوار، للمجلسي، 21/ 163، 169، المناقب، لإبن شهرآشوب، 1/ 211

[29] كفاية الأثر، 22، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 340، إثبات الهداة، للعاملي، 1/ 592، منتخب الأثر، 113

[30] بحار الأنوار، للمجلسي، 10/ 143 44/ 29، 57، 61، 66، كشف الغمة، للإربلي، 2/ 145، الأمالي، للطوسي، 571، 577، 578، الفصول المختارة، 274

[31] الاختصاص، للمفيد، 259، ثواب الأعمال، للصدوق، 198، المحاسن، للبرقي، 94، الغيبة، للنعماني، 64، الأمالي، للطوسي، 46، بحار الأنوار، للمجلسي، 25/ 110 26/ 349 27/ 193، 201

[32] بحار الأنوار، للمجلسي، 44/ 29، 57، نور الثقلين، 5/ 193

[33] بحار الأنوار، للمجلسي، 18/ 127 44/ 23، 26، 28، 58، 59 78/ 287، إعلام الورى، للطبرسي، 46

[34] نور الثقلين، 5/ 193، بحار الأنوار، للمجلسي، 44/ 57

[35] الاحتجاج، 148، بحار الأنوار، للمجلسي، 44/ 20

[36] كشف الغمة، للإربلي، 2/ 145، بحار الأنوار، للمجلسي، 44/ 65

[37] كشف الغمة، للإربلي، 2/ 141، بحار الأنوار، للمجلسي، 44/ 62، نور الثقلين، 3/ 468

[38] فرق الشيعة، 24

[39] الخصال، للصدوق، 380، الاختصاص، للمفيد، 180، نهج البلاغة، 399، بحار الأنوار، للمجلسي، 33/ 319

[40] الكافي، للكليني، 7/ 49، نهج البلاغة، 460، بحار الأنوار، للمجلسي، 41/ 41 42/ 72، 254

[41] بحار الأنوار، للمجلسي، 41/ 296 42/ 87، إثبات الهداة، للعاملي، 2/ 457

[42] كفاية الأثر، 23، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 344، إثبات الهداة، للعاملي، 1/ 593، منتخب الأثر،113

[43] كفاية الأثر، 24، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 345، إثبات الهداة، للعاملي، 2/ 4 2/ 19، 110، 112، البصائر، للصفار، 468، منتخب الأثر، 70

[44] انظر تفاصيل هذه المراسلات في بحار الأنوار، للمجلسي، 44/ 333، 334 ج،48

[45] الأمالي، للطوسي، 154، 618، بحار الأنوار، للمجلسي، 22/ 497، 502 37/ 41، منتخب الأثر، 199، تفسير فرات، 2/ 464، وانظر رواية أخرى، كمال الدين، للصدوق، 250

[46] كمال الدين، للصدوق، 275، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 2040/ 1951/ 363، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 506، الغيبة، للطوسي، 138، إعلام الورى، للطبرسي، 252، 4/ 172، الكافي، للكليني، 1/ 303، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 18

[47] مقاتل الطالبيين، للأصفهاني، 64، بحار الأنوار، للمجلسي، 45/ 46

[48] كفاية الأثر، 31، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 389

[49] الإرشاد، للمفيد، 2/ 170، بحار الأنوار، 46/ 167، كشف الغمة، للإربلي، 2/ 341

[50] الإرشاد، للمفيد، 267، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 167

[51] بحار الأنوار، للمجلسي، 42/ 77، 82، معجم الخوئي، 16/ 48، إثبات الهداة، للعاملي، 2/ 5 3/ 6، 11، 15، 21، 28، 32، الكافي، للكليني، 1/ 348، البصائر، للصفار، 502، الغيبة، للطوسي، 16، 119، الإمامة والتبصرة، للقمي، 194، إعلام الورى، للطبرسي، 253

[52] كفاية الأثر، 319، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 231، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 35

[53] المناقب، لإبن شهرآشوب، 3/ 331، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 356

[54] بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 198، إثبات الهداة، للعاملي، 1/ 604

[55] الإرشاد، للمفيد، 289، الكافي، للكليني، 1/ 307

[56] البصائر، للصفار، 4/ 48، الكافي، للكليني، 1/ 305

[57] كشف الغمة، للإربلي، 2/ 347، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 269

[58] فرق الشيعة، للنوبختي، 62

[59] كمال الدين، للصدوق، 382، الإرشاد، للمفيد، 309، الكافي، للكليني، 1/ 286، 309

[60] الإرشاد، للمفيد، 309، الغيبة، للنعماني، 178، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 20، الكافي، للكليني، 1/ 308

[61] بحار الأنوار، للمجلسي، 26/ 42 47/ 271

[62] البصائر، للصفار، 3/ 41، بحار الأنوار، للمجلسي، 26/ 40 47/ 271

[63] الكافي، للكليني، 2/ 155، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 298

[64] بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 120، المناقب، لإبن شهرآشوب، 4/ 221

[65] المناقب، لإبن شهرآشوب، 4/ 228، إعلام الورى، للطبرسي، 272، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 131، 275

[66] المناقب، لإبن شهرآشوب، 4/ 228، مقاتل الطالبيين، للأصفهاني، 255، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 131،160، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 110

[67] المناقب، لإبن شهرآشوب، 4/ 229، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 132

[68] الاحتجاج، 197، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 213 100/ 18، الكافي، للكليني، 5/ 23

[69] عيون أخبار الرضا، 1/ 310، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 27452/ 189، وانظر أيضًا، بحار الأنوار، للمجلسي، 52/ 188 وفيه خروج محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب

[70] الاحتجاج، 374، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 180 47/ 273

[71] إعلام الورى، للطبرسي، 261، الكافي، للكليني، 1/ 305، بحار الأنوار، للمجلسي، 26/ 37 46/ 230

[72] البصائر، للصفار، 169، بحار الأنوار، للمجلسي، 26/ 155 46/ 189 47/ 272، 278 54/ 364، الإرشاد، للمفيد، 277، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 133

[73] البصائر، للصفار، 169، بحار الأنوار، للمجلسي، 26/ 155 47/ 272

[74] البصائر، للصفار، 46، بحار الأنوار، للمجلسي، 26/ 156

[75] المناقب، لإبن شهرآشوب، 4/ 224، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 269 47/ 255، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 134، 214

[76] الخرائج والجرائح، 232، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 184 47/ 96

[77] بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 156 الحاشية، وانظر أيضًا، سر السلسلة العلوية، 50

[78] إعلام الورى، للطبرسي، 272، الإرشاد، للمفيد، 294، مقاتل الطالبيين، للأصفهاني، 205، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 187 47/ 278

[79] عيون أخبار الرضا، 1/ 47، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 193 47/ 12، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 73، كمال الدين، للصدوق، 288، الاحتجاج، للطبرسي، 37

[80] بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 252

[81] إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 66

[82] الكافي، للكليني، 1/ 356، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 204

[83] رجال الكشي، 101، المناقب، لإبن شهرآشوب، 1/ 223، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 193

[84] الكافي، للكليني، 1/ 174، الاحتجاج، 376، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 181، معجم الخوئي، 7/ 354، وقوَّى إسناد الرواية، ولكنه اضطرب في تأويلها

[85] رجال الكشي، 224، 225، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 195

[86] بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 199

[87] رجال الكشي، 231، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 197

[88] رجال الكشي، 261، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 197، المناقب، لإبن شهرآشوب، 1/ 260 وانظر، الكافي، للكليني، 1/ 356 بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 203

[89] المناقب، لإبن شهرآشوب، 4/ 224، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 128

[90] الأمالي، للصدوق،، 43، عيون أخبار الرضا، 1/ 227، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 168

[91] منتخب الأثر، 34، الغيبة، للنعماني، 42، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 173 47/ 141

[92] الغيبة، للنعماني، 229، بحار الأنوار، للمجلسي، 51/ 42، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 125، وانظر روايات وأقوال أخرى في خروجه، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 52، الاحتجاج، 372

[93] كفاية الأثر، 327، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 170، 199، إثبات الهداة، للعاملي، 1/ 264، 324، عيون الأخبار، 1/ 226

[94] مستطرفات السرائر فيما استطرفه من رواية أبي القاسم ابن قولويه، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 192

[95] الأمالي، للصدوق،، 275، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 170، 209

[96] الأمالي، للصدوق،، 40، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 168، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 9

[97] رجال الكشي، 151، معجم الخوئي، 7/ 348، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 170، 194، الأمالي، للصدوق،، 275

[98] الأمالي، للصدوق،، 349، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 171، عيون الأخبار، 1/ 228

[99] عيون أخبار الرضا، 1/ 248، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 175

[100] الإرشاد، للمفيد، 269، معجم الخوئي، 7/ 346، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 187

[101] ثواب الأعمال، للصدوق،، 198، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 182

[102] كشف الغمة، للإربلي، 2/ 442، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 193

[103] الأمالي، للصدوق،، 321، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 172، الأمالي، للطوسي، 446

[104] رجال الكشي، 184، معجم الخوئي، 3/ 178 7/ 347، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 326 52/ 301

[105] عيون أخبار الرضا، 1/ 248، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 174، الاحتجاج، 372 الحاشية

[106] الكافي، للكليني، 3/ 215، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 205 82/ 3، العيون، 1/ 255

[107] الكافي، للكليني، 8/ 161، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 205

[108] انظر المزيد من الروايات في مدح زيد، الأمالي، للطوسي، 682، الروضة، 142، 220، الإرشاد، للمفيد، 251، 252، الاحتجاج، 372، 373 الحاشية

[109] رجال الكشي، 164، 165، معجم الخوئي، 7/ 349 17/ 35، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 189، 193 47/ 405

[110] الاحتجاج، 204، بحار الأنوار، للمجلسي، 46/ 179

[111] الروضة، 310، نور الثقلين، 4/ 46، بحار الأنوار، للمجلسي، 52/ 304

[112] بحار الأنوار، للمجلسي، 52/ 139، الغيبة، للنعماني، 199، المناقب، لإبن شهرآشوب، 4/ 188

[113] رجال الكشي، 182، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 263، 343، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 173، إعلام الورى، للطبرسي، 291، المناقب، لإبن شهرآشوب، 4/ 290

[114] كتاب زيد النرسي، 49، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 269، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 170

[115] البصائر، للصفار، 472، بحار الأنوار، للمجلسي، 23/ 72 48/ 25، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 165

[116] كتاب زيد النرسي، 49، بحار الأنوار، للمجلسي، 4/ 108، 122 37/ 13 47/ 269102/ 9، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 170، كمال الدين، للصدوق، 75

[117] الغيبة، للنعماني، 178، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 22

[118] الغيبة، للطوسي، 28، معجم الخوئي،19/ 227، بحار الأنوار، للمجلسي، 49/ 26، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 162،240

[119] أصل زيد النرسي، 49 من الأصول الستة عشر، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 269، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 170، كمال الدين، للصدوق، 76، المناقب، لإبن شهرآشوب، 1/ 266

[120] انظر تفصيل ذلك إن شئت في: فرق الشيعة، 66-79، الفصول المختارة، 247-253، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 258

[121] الغيبة، للطوسي، 21، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 231

[122] الكشي، 170، الكافي، للكليني، 8/ 124، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 239، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 176، عيون الأخبار، 1/ 72

 [123] فخ، موقع قريب من مكة

[124] الكافي، للكليني، 1/ 366، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 160، وقال، والحسين هو ابن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن ابن علي، وأمه زينب بنت عبدالله بن الحسن، وخرج في أيام موسى الهادي بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، وخرج معه جماعة كثيرة من العلويين، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 174

[125] مقاتل الطالبيين، للأصفهاني، 366، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 170

[126] مقاتل الطالبيين، للأصفهاني، 367، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 170

[127] مقاتل الطالبيين، للأصفهاني، 375، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 169

[128] مقاتل الطالبيين، للأصفهاني، 445، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 165

[129] عمدة الطالب، لإبن عنبة، 172، سر السلسلة العلوية، لأبي نصر البخاري، 14، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 165

[130] إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 196، 212، الخرائج والجرائح، 200، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 25148/ 65، 67، وانظر روايات أخرى في خروجه، بحار الأنوار، للمجلسي، 47/ 127، 242، 243، 256، 257، 261 48/ 299، الإمامة والتبصرة، 209، الغيبة، للطوسي، 57، كمال الدين، للصدوق، 105، الكافي، للكليني، 1/ 355

[131] انظر تفصيل ذلك في: فرق الشيعة، 79، الفصول المختارة، 254

[132] فرق الشيعة، 85، 87، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 279 الحاشية، 308

[133] بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 307

[134] عيون أخبار الرضا، 1/ 46، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 282 49/ 22، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 239

[135] عيون أخبار الرضا، 1/ 34، الكافي، للكليني، 1/ 313، إعلام الورى، للطبرسي، 306، بحار الأنوار، للمجلسي، 49/ 11 48/ 310، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 230

[136] عيون أخبار الرضا، 2/ 209، بحار الأنوار، للمجلسي، 49/ 34، 272، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 184، إعلام الورى، للطبرسي، 311

[137] الكافي، للكليني، 1/ 321، 354، بحار الأنوار، للمجلسي، 49/ 68، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 247

[138] الكافي، للكليني، 1/ 320، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 247، بحار الأنوار، للمجلسي، 50/ 22، الإرشاد، للمفيد، 298

[139] الكافي، للكليني، 1/ 355، عيون أخبار الرضا، 2/ 219، الخرائج والجرائح، 207، كشف الغمة، للإربلي، 3/ 135، الاختصاص، للمفيد، 84، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 273 49/ 39، رجال الكشي، ترجمة، 486 معجم الخوئي، 10/ 338

[140] شرح مشيخة الفقيه، 56، معجم الخوئي، 10/ 336، رجال النجاشي، 2/ 11

[141] رجال الكشي، 286، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 561، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 266

[142] الغيبة، للطوسي، 29، 30، 31، 32، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 163، بحار الأنوار، للمجلسي، 38/ 16

[143] الغيبة، للطوسي، 32، 33، 34، 35، 36، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 163

[144] بحار الأنوار، للمجلسي، 37/ 16 47/ 241 48/ 1، 6، 7، 9، 228 49/ 7، كشف الغمة، للإربلي، 2/ 378 3/ 3، إعلام الورى، للطبرسي، 302، الإرشاد، للمفيد، 288، 307، 328، الكافي، للكليني، 1/ 476، عيون الأخبار، 1/ 26، 104، كمال الدين، للصدوق، 289، المناقب، لإبن شهرآشوب، 1/ 266 4/ 323

[145] انظر هذه الروايات في: الغيبة، للطوسي، 40، 261، بحار الأنوار، للمجلسي، 51/ 216، كمال الدين، للصدوق، 306، 308، إعلام الورى، للطبرسي، 403

[146] كامل الزيارات، 301، بحار الأنوار، للمجلسي، 102/ 9، وقال، قوله، «يا من بدا لله»، يمكن أن يكون إشارة إلى ما ورد في بعض الأخبار أنه كان قدر له أنه القائم بالسيف ثم بدا لله فيه، وأن يكون إشارة إلى البداء الذي وقع في إسماعيل؛ فإن البداء في إسماعيل يستلزم البداء فيه

[147] الاختصاص، للمفيد، 102، بحار الأنوار، للمجلسي، 50/ 85 79/ 79

[148] عيون أخبار الرضا، 1/ 33، بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 280

[149] بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 278، 313

[150] بحار الأنوار، للمجلسي، 48/ 278 الحاشية

[151] انظر تفصيل ذلك كله في: فرق الشيعة، 86، وما بعدها، الفصول المختارة، 256

[152] فرق الشيعة، 91

[153] بصائر الدرجات،473، الغيبة، للطوسي، 122، الإرشاد، للمفيد، 315، 350، إعلام الورى، للطبرسي، 350، الكافي، للكليني، 1/ 326، بحار الأنوار، للمجلسي، 50/ 240، 243، 244، وقال، «فقد أحدث فيك أمرًا»، أي، جعلك إمامًا بموت أخيك الأكبر قبلك، فرق الشيعة، 100 الحاشية، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 391، 392، 395

[154] الكافي، للكليني، 1/ 327، الإرشاد، للمفيد، 316، إعلام الورى، للطبرسي، 350، بحار الأنوار، للمجلسي، 50/ 246، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 392

[155] إعلام الورى، للطبرسي، 351، الكافي، للكليني، 1/ 326، الإرشاد، للمفيد، 316، بحار الأنوار، للمجلسي، 50/ 245، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 393

[156] فرق الشيعة، 94

[157] كمال الدين، للصدوق، 128، بحار الأنوار، للمجلسي، 23/ 38 50/ 335

[158] كمال الدين، للصدوق، 376، بحار الأنوار، للمجلسي، 51/ 161

[159] الغيبة، للطوسي، 139، بحار الأنوار، للمجلسي، 51/ 161، الكافي، للكليني، 1/ 328، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 441

[160] كمال الدين، للصدوق، 431، بحار الأنوار، للمجلسي، 50/ 332 52/ 67، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 485

[161] انظر روايات أخرى في جعفر وادعائه الإمامة وافتتان الناس به، كمال الدين، للصدوق، 301، 405، الغيبة، للطوسي، 133، إثبات الهداة، للعاملي، 3/ 363

[162] الغيبة، للطوسي، 267، الإرشاد، للمفيد، 358، بحار الأنوار، للمجلسي، 52/ 209

[163] الإرشاد، للمفيد، 357، بحار الأنوار، للمجلسي، 52/ 220

[164] علل الشرايع، 234، كمال الدين، للصدوق، 184، 300، الخرائج والجرائح، 195، الاحتجاج، 173، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 386 47/ 8، 9 50/ 227، إثبات الهداة، للعاملي، 1/ 275، 295

[165] الاحتجاج، 163، الغيبة، للطوسي، 176، بحار الأنوار، للمجلسي، 50/ 227 53/ 180، كمال الدين، للصدوق، 439

[166] انظر تفصيل هذه الفرق في: فرق الشيعة، 96 وما بعدها، الفصول المختارة، 261 وما بعدها، بحار الأنوار، للمجلسي، 37/ 20 وما بعدها 50/ 336

[167] الكافي، للكليني، 1/ 59، نور الثقلين، 3/ 74، الصافي، 1/ 56،151، المحاسن، للبرقي، 267، بحار الأنوار، للمجلسي، 68/ 237 92/ 81

[168] الكافي، للكليني، 1/ 286، إثبات الهداة، للعاملي، 1/ 441، بحار الأنوار، للمجلسي، 35/ 211، تفسير نور الثقلين،1/ 502، تفسير العياشي، 1/ 276، تفسير الميزان، للطباطبائي، 4/ 411، تفسير البرهان، 1/ 385، تفسير فرات، 1/ 110، تفسير الصافي، 1/ 462، إثبات الهداة، للعاملي، 1/ 441

[169] البصائر، للصفار، 137، بحار الأنوار، للمجلسي، 92/ 48، 88، 89، الكافي، للكليني، 1/ 228، مرآة الأنوار، للعاملي، 37، تفسير البرهان، لهاشم البحراني، 1/ 15 4/ 551، تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، 2/ 455

[170] تفسير العياشي، للعياشي، 1/ 13، مشارق الشموس، لعدنان البحراني، 127، بحار الأنوار، للمجلسي، 92/ 55، 95، 97، مرآة الأنوار، للعاملي، 37، تفسير الصافي، للكاشاني، 1/ 41، تفسير البرهان، للبحراني، 1/ 15، 20

[171] تفسير العياشي، للعياشي، 1/ 13، فصل الخطاب، للنوري الطبرسي، 237، مشارق الشموس، لعدنان البحراني، 126، بحار الأنوار، للمجلسي، 92/ 55، 74، 115، مرآة الأنوار، للعاملي، 37، تفسير الصافي، للكاشاني، 1/ 41، تفسير البرهان، للبحراني، 1/ 22

[172] تفسير البرهان، 4/ 151، فصل الخطاب، 328، تأويل الآيات، لشرف الدين الحسيني، 2/ 569، بحار الأنوار، للمجلسي، 35/ 315

[173] الاحتجاج، 253، بحار الأنوار، للمجلسي، 92/ 46، 93/ 120، تفسير البرهان، 4/ 34، تفسير الصافي، 4/ 282، فصل الخطاب، 322

[174] تفسير القمي، للقمي، 1/ 108، تفسير البرهان، لهاشم البحراني، 1/ 277، تفسير الصافي، للكاشاني، 1/ 328، تأويل الآيات، لشرف الدين الحسيني، 1/ 105، نور الثقلين، للحويزي، 1/ 274، بحار الأنوار، للمجلسي، 11/ 2423/ 222، 225، تفسير العياشي، للعياشي، 1/ 193، تفسير فرات، لفرات الكوفي، 1/ 78

[175] بحار الأنوار، للمجلسي، 93/ 27، فصل الخطاب، 270

[176] بحار الأنوار، للمجلسي، 2/ 206 23/ 258، المناقب، لإبن شهرآشوب، 3/ 207، تفسير البرهان، للبحراني، 1/ 156

[177] تفسير الصافي، للكاشاني، 1/ 365، تفسير التبيان، للطوسي، 2/ 544، تفسير البرهان، للبحراني، 1/ 304، تفسير العياشي، للعياشي، 1/ 217، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/ 206 23/ 358

[178] تفسير البرهان، للبحراني، 1/ 308، مجمع البيان، للطبرسي، 1/ 807، تأويل الآيات، لشرف الدين الحسيني، 1/ 118

[179] تفسير القمي، 1/ 22، 110، البرهان، للبحراني، 1/ 34، 308، الصافي، للفيض الكاشاني، 1/ 370، 268، العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 1/ 195، بحار الأنوار، للمجلسي، 24/ 153، 154 92/ 60، 75، مرآة الأنوار، للعاملي، 48

[180] البرهان، للبحراني، 1/ 34، 3/ 177، جوامع الجامع، للطبرسي، 2/ 182، الصافي، للفيض الكاشاني، 4/ 27، تفسير القمي، للقمي، 1/ 22، 2/ 117، بحار الأنوار، للمجلسي، 92/ 62

[181] تفسير القمي، 1/ 23، المناقب، لإبن شهرآشوب، 2/ 41، والمقصود بالعدوي، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وانظر أيضًا، كشف الغمة، للإربلي، 1/ 326، بحار الأنوار، للمجلسي، 35/ 58

[182] جوامع الجامع، 2/ 513، مجمع البيان، 9/ 75، البرهان، 4/ 144، فصل الخطاب، 328، بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 313، تأويل الآيات، لشرف الدين الحسيني، 2/ 560

[183] البرهان، للبحراني، 4/ 182، الصافي، للفيض الكاشاني، 5/ 22، تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، 2/ 278، بحار الأنوار، للمجلسي، 23/ 38524/ 32136/ 87، نور الثقلين، للحويزي، 5/ 31

[184] تفسير القمي، 2/ 259، الصافي، للفيض الكاشاني، 4/ 397، بحار الأنوار، للمجلسي، 24/ 39989/ 277، نور الثقلين، للحويزي، 4/ 609، البرهان، للبحراني، 4/ 151

[185] بحار الأنوار، للمجلسي، 35/ 51، 60 92/ 62 93/ 27

[186] البرهان، لهاشم البحراني، 4/ 375، بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 116

[187] بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 456

[188] بحار الأنوار، للمجلسي، 33/ 535

[189] بحار الأنوار، للمجلسي، 33/ 568

[190] بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 31

[191] بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 32

[192] بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 63

[193] نهج البلاغة، 178، من كلام له لما أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان ا، بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 8، 23، 3541/ 116، المناقب، لإبن شهرآشوب، 2/ 110

[194] بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 76، 113، الإرشاد، للمفيد، 132

[195] بحار الأنوار، للمجلسي، 36/ 167

[196] عيون أخبار الرضا، للصدوق، 2/ 67

[197] بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 450

[198] بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 36833/ 76، وانظر أيضًا، نهج البلاغة، 446

[199] بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 23

[200] بحار الأنوار، للمجلسي، 32/ 38033/ 78، شرح النهج للبحراني، 4/ 356، نهج السعادة، 4/ 94

[201] بحار الأنوار، للمجلسي، 33/ 81، 82

[202] كشف الغمة، للإربلي، 2/ 145، بحار الأنوار، للمجلسي، 44/ 65

[203] سبق تخريجه

[204] بحار الأنوار، للمجلسي، 33/ 373

[205] الاحتجاج، للطبرسي، 450، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/ 225 5/ 20، 68 16/ 350، 399 44/ 36


عدد مرات القراءة:
683
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :