معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

العباس بن عبدالمطلب وذريته ..
الكاتب : فيصل نور ..

العباس بن عبدالمطلب وذريته 

     أبو الفضل العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولد قبل عام الفيل بثلاث سنين وكان إليه في الجاهلية السقاية والعمارة، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم وشهد بدرًا مع المشركين مكرهًا فأسر فافتدى نفسه ورجع إلى مكة، ويقال: إنه أسلم وكتم ذلك وصار يكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأخبار ثم هاجر قبل الفتح بقليل وشهد الفتح. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن العباس كان يوم حنين آخذاً بلجام بغلة النبي صلى الله عليه وسلم وثبت معه حتى نزل النصر.
     وروى البخاري في صحيحه من حديث أنس أن عمر رضي الله عنه استسقى فقال:  "اللهم إنا كنا إذا قَحطنا على عهد نبيك توسلنا به وإنا نستسقي إليك بعم نبيك العباس فاسقنا، قال: فيسقون ".
     توفي رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة وله ست وثمانون سنة فصلى عليه عثمان رضي الله عنه، ودفن بالبقيع.
 
     موقف الشيعة من العباس رضي الله عنه وذريته:
     كشأن جل روايات الشيعة وأقوالهم، هناك تعارض في موقفهم من العباس وذريته، تبينه هذه النقول.
 
     بعض ما جاء في مدح العباس رضي الله عنه أو ما قد يحمل على ذلك :
     قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيها الناس، إن شفاعتي ليرجوها رجاءكم، أفيعجز عنها أهل بيتي؟ ما من أحد ولده جدي عبد المطلب يلقى الله موحدا لا يشرك به شيئا إلا أدخله الجنة ولو كان فيه من الذنوب عدد الحصى وزبد البحر[1].
     وعن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : يا بني عبد المطلب ، إني سألت الله عز وجل ثلاثا أن يثبت قائلكم ، وأن يهدي ضالكم ، وأن يعلم جاهلكم ، وسألت الله تعالى أن يجعلكم جوداء نجباء رحماء ، فلو أن امرءا صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ، ثم لقي الله عز وجل وهو لأهل بيت محمد مبغض ، دخل النار[2].
     وعن أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني بإسناده الصحيح عن رجال ثقة أن النبي صلى الله عليه وآله خرج في مرضه الذي توفي فيه إلى الصلاة متوكئا على الفضل بن عباس وغلام له يقال له ثوبان، وهي الصلاة التي أراد التخلف عنها لثقله ثم حمل على نفسه وخرج، فلما صلى عاد إلى منزله فقال لغلامه: اجلس على الباب ولا تحجب أحدا من الأنصار وتجلاه الغشي وجاءت الأنصار فأحدقوا بالباب وقالوا: استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: هو مغشي عليه وعنده نساؤه، فجعلوا يبكون فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله البكاء فقال: من هؤلاء؟ قالوا: الأنصار. فقال من هيهنا من أهل بيتي؟ قالوا: علي والعباس، فدعاهما وخرج متوكئا عليهما فاستند إلى جذع من أساطين مسجده - وكان الجذع جريد نخل - فاجتمع الناس وخطب فقال في كلامه: (معاشر الناس) إنه لم يمت نبي قط إلا خلف تركة، وقد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي، ألا فمن ضيعهم ضيعه الله[3].
     قال ابن عباس: فقبضت فاطمة عليها السلام من يومها، فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله. فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان عليا عليه السلام ويقولان له: (يا أبا الحسن، لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله). فلما كان في الليل دعا علي عليه السلام العباس والفضل والمقداد وسلمان وأبا ذر وعمارا، فقدم العباس فصلى عليها ودفنوها[4].
     وعن الرضا عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : احفظوني في عمي العباس فإنه بقية آبائي[5].
     وعن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : من اذى العباس فقد اذاني ، إنما عم الرجل صنو أبيه[6] .
     وعن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي وفاطمة والحسن والحسين والعباس بن عبد المطلب وعقيل : أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم[7].
     وبهذا الاسناد عن النبي صلى الله عليه وآله قال : خير إخواني علي ، وخير أعمامي حمزة ، والعباس صنو أبي[8].
     وذكر ابن شهرآشوب أن العباس أنشد في النبي صلى الله عليه وآله :
من قبلها طبت في الظلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبط البلاد لا بشر * أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرفت الأرض * وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي * النور وسبل الرشاد نخترق
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا يفضض الله فاك[9].
     وعن ابن عباس ، قال : وقع رجل من الأنصار في أب للعباس في أمر الجاهلية ، فغضب العباس فلطمه ، فقال قومه : لنلطمنه كما لطمه ، ولبسوا الساح ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فصعد المنبر ، فقال : أيها الناس تعلمون أي أهل الأرض أكرم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قالوا : أنت اعلم. قال : فان العباس مني وانا منه ، لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحيائنا، فالقوا السلاح ، وقالوا : يا رسول الله نتوب إلى الله واليك فاستغفر لنا[10].
     وعن عبد عبد الله بن الحارث أن العباس شكا عمر إلى النبي ، فقال رسول الله : ما دخل قلب عبد الايمان ، ولم يحبكم لله ولرسوله ، ثم خطب الناس وهو محمر وجهه ، فقال : من آذى العباس فقد آذاني ، احفظوني في عمي العباس ، فإن عم الرجل صنو أبيه[11].
     وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول الله ، ما لنا ولقريش إذا تلاقوا تلاقوا بوجوه مستبشرة ، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك ؟ فغضب النبي صلى الله عليه وآله ثم قال : والذي نفسي بيده ، لا يدخل قلب رجل الايمان حتى يحبكم لله ولرسوله[12].
     وعن الباقر عليه السلام : لما أمر العباس بسد الأبواب ، وأذن لعلي عليه السلام في ترك بابه جاء العباس وغيره من آل محمد صلى الله عليه وآله فقالوا : يا رسول الله ما بال علي يدخل ويخرج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ذلك إلى الله فسلموا له تعالى حكمه  ... إياك يا عم رسول الله وأن تجد له في قلبك مكروها فتصير كأخيك أبي لهب فإنكما شقيقان ... فقال العباس : قد سلمت ورضيت يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عم انظر إلى السماء . فنظر العباس ، فقال : ماذا ترى يا عباس ؟ فقال : أرى شمسا طالعة نقية من سماء صافية جلية . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عم رسول الله إن حسن تسليمك لما وهب الله عز وجل لعلي من الفضيلة أحسن من هذه الشمس في هذه السماء ، وعظم بركة هذا التسليم عليك أعظم وأكثر من عظم بركة هذه الشمس على النبات والحبوب والثمار حيث تنضجها وتنميها وتربيها ، واعلم أنه قد صافاك بتسليمك لعلي قبيلة من الملائكة المقربين أكثر عددا من قطر المطر وورق الشجر ورمل عالج ، وعدد شعور الحيوانات وأصناف النباتات ، وعدد خطى بني آدم وأنفاسهم وألفاظهم وألحاظهم كل يقولون : اللهم صل على العباس عم نبيك في تسليمه لنبيك فضل أخيه علي . فاحمد الله واشكره ، فلقد عظم ربحك ، وجلت رتبتك في ملكوت السماوات. والرواية طويلة أخذنا منها مواضع الحاجة[13].
      دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمه العباس وأولاده بالستر من النار . فقالت حيطان البيت آمين[14].
     وعن أبي عبد الله عليه السلام قال في هذه الآية : " يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم " قال : نزلت في العباس وعقيل ونوفل وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى يوم بدر أن يقتل أحد من بني هاشم وأبو البختري فاسروا فأرسل عليا عليه السلام فقال : انظر من ههنا من بني هاشم قال : فمر علي عليه السلام على عقيل بن أبي طالب كرم الله وجهه فحاد عنه فقال له عقيل : يا ابن أم علي أما والله لقد رأيت مكاني قال : فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : هذا أبو الفضل في يد فلان وهذا عقيل في يد فلان وهذا نوفل بن الحارث في يد فلان فقام رسول الله صلى الله عليه وآله حتى انتهى إلى عقيل فقال : له : يا أبا يزيد قتل أبو جهل قال : إذا لا تنازعون في تهامة فقال : إن كنتم أثخنتم القوم وإلا فاركبوا أكتافهم فقال : فجيئ بالعباس فقيل له : افد نفسك وافد ابن أخيك فقال : يا محمد تتركني أسأل قريشا في كفي فقال : أعط مما خلفت عند أم الفضل وقلت لها : إن أصابني في وجهي هذا شئ فأنفقيه على ولدك ونفسك ، فقال له : يا ابن أخي من أخبرك بهذا ؟ فقال : أتاني به جبرئيل عليه السلام من عند الله عز وجل ، فقال ومحلوفه : ما علم بهذا أحد إلا أنا وهي أشهد أنك رسول الله ، قال : فرجع الاسرى كلهم مشركين إلا العباس وعقيل ونوفل كرم الله وجوههم وفيهم نزلت هذه الآية " قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا - إلى آخر الآية - "[15].
     وقال محمد صالح المازندراني في شرحه للرواية السابقة : قوله : ( يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ) : جمع الأسير كالمرضى جمع المريض ( أن يعلم الله في قلوبكم خيراً ) أي إيماناً خالصاً ( يؤتكم خيراً مما أخذ منكم من الفداء ) نقل أن العباس بعد حسن حالة وكثرة ماله ، قال : صدق الله أعطانا خيراً مما أعطينا من الفداء[16].
     بعض ما جاء في ذم العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه:
     عن علي عليه السلام لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله مال الناس إلى أبي بكر فبايعوه وأنا مشغول برسول الله صلى الله عليه وآله بغسله ودفنه . ثم شغلت بالقرآن ، فآليت على نفسي أن لا أرتدي إلا للصلاة حتى أجمعه في كتاب ، ففعلت . ثم حملت فاطمة وأخذت بيد ابني الحسن والحسين ، فلم أدع أحدا من أهل بدر وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا ناشدتهم الله في حقي ودعوتهم إلى نصرتي . فلم يستجب لي من جميع الناس إلا أربعة رهط : سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير ، ولم يكن معي أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به ، أما حمزة فقتل يوم أحد ، وأما جعفر فقتل يوم مؤتة ، وبقيت بين جلفين جافيين ذليلين حقيرين عاجزين : العباس وعقيل ، وكانا قريبي العهد بكفر[17].
     وفي رواية عن سدير قال : كنا عند أبي جعفر عليه السلام فذكرنا ما أحدث الناس بعد نبيهم صلى الله عليه وآله واستذلالهم أمير المؤمنين عليه السلام فقال رجل من القوم : أصلحك الله فأين كان عز بني هاشم وما كانوا فيه من العدد ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام : ومن كان بقي من بني هاشم إنما كان جعفر وحمزة فمضيا وبقي معه رجلان ضعيفان ذليلان حديثا عهد بالاسلام : عباس وعقيل وكانا من الطلقاء أما والله لو أن حمزة وجعفرا كانا بحضرتهما ما وصلا إلى ما وصلا إليه ولو كانا شاهديهما لأتلفا نفسيهما[18].
     وفي رواية قال أمير المؤمنين عليه السلام : لو كان لي حمزة وجعفر حيّين ما سلّمت هذا الأمر أبداً ولا قَعَد أبو بكر على أعوادها ، ولكنّي ابتليت بجلفين حافيين : عقيل والعباس[19].
     وعن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه ، فكان رأسه في حجري والعباس يذب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأغمي عليه إغماءة ثم فتح عينيه ، فقال : يا عباس يا عم رسول الله ، اقبل وصيتي واضمن ديني وعداتي . فقال : يا رسول الله ، أنت أجود من الريح المرسلة ، وليس في مالي وفاء لدينك وعداتك . فقال النبي عليه السلام ذلك ثلاثا يعيده عليه والعباس في كل ذلك يجيبه بما قال أول مرة . فقال النبي صلى الله عليه وآله : لأقولنها لمن يقبلها ، ولا يقول - يا عباس – مثل مقالتك . قال : فقال : يا علي ، اقبل وصيتي ، واضمن ديني وعداتي . قال : فخنقتني العبرة ، وارتج جسدي ، ونظرت إلى رأس رسول الله صلى الله عليه وآله يذهب ويجئ في حجري ، فقطرت دموعي على وجهه ، ولم أقدر أن أجيبه ، ثم ثنى فقال : يا علي ، اقبل وصيتي واضمن ديني وعداتي . قال . قلت : نعم بأبي وأمي . قال : أجلسني ، فأجلسته ، فكان ظهره في صدري ، فقال : يا علي ، أنت أخي في الدنيا والآخرة ، ووصيي وخليفتي في أهلي . ثم قال : يا بلال ، هلم سيفي ودرعي وبغلتي وسرجها ولجامها ومنطقتي التي أشدها على درعي ، فجاء بلال بهذه الأشياء ، فوقف بالبغلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : قم يا علي فاقبض . قال : فقمت وقام العباس فجلس مكاني ، فقمت فقبضت ذلك ، فقال : انطلق به إلى منزلك ، فانطلقت ثم جئت فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله ، فنظر إلي ثم عمد إلى خاتمه فنزعه ثم دفعه إلي ، فقال . هاك يا علي هذا في الدنيا والآخرة ، والبيت غاص من بني هاشم والمسلمين ، فقال : يا بني هاشم ، يا معشر المسلمين ، لا تخالفوا عليا فتضلوا ، ولا تحسدوه فتكفروا ، يا عباس قم من مكان علي . فقال . تقيم الشيخ وتجلس الغلام ! فأعادها عليه ثلاث مرات ، فقام العباس فنهض مغضبا وجلست مكاني ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا عباس ، يا عم رسول الله ، لا أخرج من الدنيا وأنا ساخط عليك ، فيدخلك سخطي عليك النار ، فرجع فجلس[20].
      وعن طاووس قال : كنا على مائدة ابن عباس ، ومحمد بن الحنفية حاضر ، فوقعت جرادة فأخذها محمد ، ثم قال هل تعرفون ما هذه النقط السود في جناحها ؟ قالوا الله أعلم . فقال : أخبرني أبي علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان مع النبي صلى الله عليه وآله ثم قال : هل تعرف يا علي هذا النقط السود في جناح هذه الجرادة ؟ قال : قلت الله ورسوله أعلم . فقال عليه السلام : مكتوب في جناحها أنا الله رب العالمين ، خلقت الجراد جندا من جنودي أصيب به من أشاء من عبادي ، فقال  ابن عباس : فما بال هؤلاء القوم يفتخرون علينا يقولون أنهم أعلم منا ، فقال محمد : ما ولدهم الا من ولدني . قال : فسمع ذلك الحسن بن علي عليه السلام فبعث إليهما وهما في المسجد الحرام ، فقال لهما : أما أنه قد بلغني ما قلتما إذ وجدتما جرادة ، فأما أنت يا ابن عباس ففيمن نزلت هذه الآية " فلبئس المولى ولبئس العشير " في أبي أوفي أبيك ؟ وتلي عليه أيات من كتاب الله كثيرا . ثم قال : أما والله لولا ما نعلم لا علمتك عاقبة أمرك ما هو وستعلمه ، ثم انك بقولك هذا مستنقص في بدنك ، ويكون الجرموز من ولدك ، ولو أذن لي في القول لقلت ما لو سمع عامة هذا الخلق لجحدوه وأنكروه[21].
     عن أبي جعفر عليه السلام قال : أتى رجل إلى أبي عليه السلام فقال : أن فلانا يعنى عبد الله بن العباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن في أي يوم نزلت وفيم نزلت . قال : فسله فيمن نزلت " ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا " وفيم نزلت " ولا ينفعكم نصحي ان أردت أنصح لكم " وفيم نزلت " يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ". فأتاه الرجل وقال : وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأسائله ، ولكن سله ما العرش ومتى خلق وكيف هو ؟ فانصرف الرجل إلى أبي فقال له ما قال ، فقال : وهل أجابك في الآيات ؟ قال : لا . قال : ولكني أجيبك فيها بنور وعلم غير المدعى والمنتحل ، أما الأوليان فنزلتا في أبيه ، وأما الأخيرة فنزلت في أبي وفينا ... أما أن في صلبه وديعة قد ذرئت لنار جهنم سيخرجون أقوام من دين الله أفواجا كما دخلوا فيه ، وستصبغ الأرض بدماء الفراخ من فراخ آل محمد ، تنهض تلك الفراخ في غير وقت وتطلب غير ما تدرك ، ويرابط الذين آمنوا ويصبرون لما يرون حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. والرواية طويلة أخذنا منها موضع الشاهد[22].
     وعن العسكري عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما بنى مسجده بالمدينة وأشرع فيه بابه ، وأشرع المهاجرون والأنصار أبوابهم أراد الله عز وجل إبانة محمد وآله الأفضلين بالفضيلة ، فنزل جبرئيل عليه السلام عن الله تعالى بأن سدوا الأبواب عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن ينزل بكم العذاب . فأول من بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وآله يأمره بسد الأبواب العباس بن عبد المطلب فقال : سمعا وطاعة لله ولرسوله ، وكان الرسول معاذ بن جبل . ثم مر العباس بفاطمة عليها السلام فرآها قاعدة على بابها ، وقد أقعدت الحسن والحسين عليهما السلام ، فقال لها : ما بالك قاعدة ؟ انظروا إليها كأنها لبوة بين يديها جرواها تظن أن رسول الله صلى الله عليه وآله يخرج عمه ، ويدخل ابن عمه[23].
     وروى الطبرسي أن النبي ، أمر بسد أبواب جميع الناس التي كانت مشرعة إلى المسجد ما خلا باب علي عليه السلام ، فسأله أبو بكر أن يترك له كوة لينظر منها إلى رسول الله فأبى عليه ، وغضب عمه العباس من ذلك[24].
     وعن جعفر بن محمد قال : " قال أبي : كان النبي صلى الله عليه وآله أخذ من العباس يوم بدر دنانير كانت معه ، فقال : يا رسول الله ، ما عندي غيرها . فقال : فأين الذي استخبيته عند أم الفضل ؟ فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله ، ما كان معها أحد حين استخبيتها"[25].
     بعض ما جاء في مدح عبدالله بن عباس رضي الله عنهما:
     مر بعضها عند الكلام عن أبيه، وهذه أخرى:
     عن ابن عباس ، قال : دعا لي رسول الله صلى الله عليه وآله أن يؤتيني الله الحكمة[26].
     وعن عن أبي عبد الله عليه السلام ان ابن عباس لما مات واخرج : خرج من كفنه طير أبيض يطير ينظرون إليه يطير نحو السماء حتى غاب عنهم . فقال : وكان أبي يحبه حبا شديدا ، وكانت أمه تلبسه ثيابه وهو غلام ، فينطلق إليه في غلمان بني عبد المطلب ، قال فأتاه بعدما أصاب بصره فقال : من أنت ، قال : أنا محمد بن علي بن الحسين ، فقال : حسبك من لم يعرفك فلا عرفك[27].
     وعن عبد الله بن عبد يا ليل رجل من أهل الطائف ، قال أتينا ابن عباس رحمة الله عليهما نعوده في مرضه الذي مات فيه قال ، فأغمي عليه في البيت فاخرج إلى صحن الدار ، قال ، فأفاق . فقال : ان خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله قال : اني سأهجر هجرتين وأني سأخرج من هجرتي : فهاجرت هجرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهجرة مع علي عليه السلام ، وأني سأعمي : فعميت ، وأني سأغرق : فأصابني حكة فطرحني أهلي في البحر فغفلوا عني . فغرفت ثم استخرجوني بعد . وأمرني أن أبرأ من خمسة : من الناكثين وهم أصحاب الجمل ، ومن القاسطين وهم أصحاب الشام ، ومن الخوارج وهم أهل النهروان ، ومن القدرية وهم الذين ضاهوا النصارى في دينهم فقالوا لاقدر ، ومن المرجئة الذين ضاهوا اليهود في دينهم فقالوا الله أعلم . قال ثم قال : اللهم إني أحيى على ما حيى عليه علي بن أبي طالب وأموات على ما مات عليه علي بن أبي طالب ، قال : ثم مات فغسل وكفن ثم صلى على سريره ، قال : فجاء طائران أبيضان فدخلا في كفنه فرأى الناس ، انما هو فقهه فدفن[28].
     ومن جوده أن معاوية حبس عن الحسين عليه السلام صلاته حتى ضاقت عليه فقيل له لو وجهت إلى ابن عمك ابن عباس لكفاك وقد قدم بنحو ألف ألف فقال عليه السلام وما مقدارها عنده وأسخى من البحر إذا زخر ثم وجه إليه رسوله وقال أنا نحتاج إلى مائة الف ، فقال لقهرمانه إحمل إلى الحسين عليه السلام نصف ما نملكه من ذهب وفضة ودابة وأخبره إني شاطرته ملي فان أقنعه ذلك والا أحمل إليه الشطر الآخر فلما وصل الرسول إلى الحسين عليه السلام قال ثقلت على ابن عمى فاخذ الشطر من ماله وهو أول من فعل هذا في الاسلام[29].
     وعن عثمان بن المغيرة قال : لما دخل شهر رمضان ، كان أمير المؤمنين عليه السلام يتعشى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن العباس[30].
     وعن محمد بن بشر ، قال : لما سير ابن الزبير بن عباس رحمه الله إلى الطائف ، كتب إليه محمد بن الحنفية رحمه الله : أما بعد ، فقد بلغني أن ابن الجاهلية سيرك إلى الطائف ، فرفع الله جل اسمه بذلك لك ذكرا ، وأعظم لك أجرا ، وحط به عنك وزرا ، يا بن عم ، إنما يبتلى الصالحون ، وإنما تهدى الكرامة للأبرار ، ولو لم تؤجر إلا فيما تحب إذ ن قل أجرك ، قال الله تبارك وتعالى " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم " وهذا لست أشك أنه خير لك عند بارئك ، عزم الله لك على الصبر في البلوى ، والشكر في النعماء ، إنه على كل شئ قدير . فلما وصل الكتاب إلى ابن عباس أجاب عنه ، فقال : " أما بعد ، فقد أتاني كتابك تعزيني فيه على تسييري ، وتسأل ربك جل اسمه أن يرفع به ذكري ، وهو تعالى قادر على تضعيف الاجر ، والعائدة بالفضل ، والزيادة من الاحسان ، وما أجب أن الذي ركب مني ابن الزبير كان ركبه مني أعداء خلق الله لي احتسابا لذلك في حسناتي ، ولما أرجو أن أنال به رضوان ربي ، يا أخي ، الدنيا قد ولت ، وإن الآخرة قد أظلت ، فاعمل صالحا ، جعلنا الله وإياك ممن يخافه بالغيب ، ويعمل لرضوانه في السر والعلانية ، إنه على كل شئ قدير"[31].
     بعض ما جاء في ذم عبدالله بن العباس رضي الله عنهما:
     مر بعضها عند الكلام عن أبيه رضي الله عنهما، وإليك المزيد:
     عن الزهري ، قال : سمعت الحارث يقول : استعمل علي عليه السلام على البصرة عبد الله بن عباس ، فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة ولحق بمكة وترك عليا عليه السلام ، وكان مبلغه ألفي ألف درهم . فصعد علي عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك فبكي ، فقال : هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله في علمه وقدره يفعل مثل هذا ، فكيف يؤمن من كان دونه ، اللهم إني قد مللتهم فأرحني منهم ، واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول[32].
     وقال : أما بعد فإني كنت أشركتك في أمانتي ، وجعلتك شعاري وبطانتي ، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي لمواساتي وموازرتي ، وأداء الأمانة إلي . فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب ، والعدو قد حرب ، وأمانة الناس قد خزيت ، وهذه الأمة قد فنكت وشغرت قلبت لابن عمك ظهر المجن ففارقته مع المفارقين ، وخذلته مع الخاذلين ، وخنته مع الخائنين . فلا ابن عمك آسيت ، ولا الأمانة أديت . وكأنك لم تكن الله تريد بجهادك . وكأنك لم تكن على بينة من ربك . وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم وتنوي غرتهم عن فيئهم . فلما أمكنتك الشدة في خيانة الأمة أسرعت الكرة ، وعاجلت الوثبة ، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم وأيتامهم اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة ، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله غير متأثم من أخذه كأنك لا أبا لغيرك حدرت إلى أهلك تراثا من أبيك وأمك . فسبحان الله ! أما تؤمن بالمعاد ؟ أو ما تخاف نقاش الحساب؟ أيها المعدود كان عندنا من ذوي الألباب كيف تسيغ شرابا وطعاما وأنت تعلم أنك تأكل حراما وتشرب حراما ؟ وتبتاع الإماء وتنكح النساء من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال وأحرز بهم هذه البلاد . فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم ، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لأعذرن إلى الله فيك ، ولأضربنك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلا دخل النار . ووالله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة ولا ظفرا مني بإرادة حتى آخذ الحق منهما وأزيح الباطل من مظلمتهما . وأقسم بالله رب العالمين ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم حلال لي أتركه ميراثا لمن بعدي . فضح رويدا فكأنك قد بلغت المدى ودفنت تحت الثرى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة ، ويتمنى المضيع الرجعة ولات حين مناص[33].
     فكتب إليه عبد الله بن عباس ، أما بعد - فقد أتاني كتابك ، تعظم علي إصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة : ولعمري أن لي في بيت مال الله أكثر مما أخذت ، والسلام . قال : فكتب إليه علي بن أبي طالب عليه السلام اما بعد - فالعجب كل العجب من تزيين نفسك ، أن لك في بيت مال الله أكثر مما أخذت وأكثر مما لرجل من المسلمين : فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل ، وادعاؤك مالا يكون ينجيك من الاثم ، ويحل لك ما حرم الله عليك ، عمرك الله أنك لانت العبد المهتدي إذا . فقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا وضربت بها عطنا تشتري مولدات مكة والطائف ، تختارهن على عينك ، وتعطي فيهن مال غيرك ، وأني لاقسم بالله ربي وربك رب العزة : ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثا ، فلا غرو وأشد باغتباطك تأكله رويدا رويدا ، فكأن قد بلغت المدا وعرضت على ربك والمحل الذي يتمنى الرجعة والمضيع للتوبة كذلك وما ذلك ولات حين مناص - والسلام . قال : فكتب إليه عبد الله بن عباس ، اما بعد - فقد أكثرت علي فوالله لان ألقي الله بجميع ما في الأرض من ذهبها وعقيانها أحب إلي أن القي الله بدم رجل مسلم[34].
     وعن الفضيل بن يسار ، عن أبي جعفر عليه السلام قال ، سمعته يقول : قال أمير المؤمنين عليه السلام : اللهم العن ابني فلان ، وأعمم أبصارهما ، كما عميت قلوبهما الأجلين في رقبتي واجعل عمى أبصارهما دليلا على عمى قلوبهما[35].
      وعن أبي جعفر محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام : " أن ابن عباس بعث إليه من يسأله عن هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ). فغضب علي بن الحسين عليه السلام ، وقال للسائل : وددت أن الذي أمرك بهذا واجهني به ، ثم قال : نزلت في أبي وفينا ، ولم يكن الرباط الذي أمرنا به بعد وسيكون ذلك ذرية من نسلنا المرابط ، ثم قال : أما إن في صلبه - يعني
ابن عباس - وديعة ذرئت لنار جهنم ، سيخرجون أقواما من دين الله أفواجا ، وستصبغ الأرض بدماء فراخ من فراخ آل محمد عليهم السلام ، تنهض تلك الفراخ في غير وقت ، وتطلب غير مدرك ، ويرابط الذين آمنوا ويصبرون ويصابرون حتى يحكم الله ، وهو خير الحاكمين "[36].
     وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : بينا أبي جالس وعنده نفر إذا استضحك حتى اغرورقت عيناه دموعا ثم قال : هل تدرون ما أضحكني ؟ قال : فقالوا : لا ، قال زعم ابن عباس أنه من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا. فقلت له : هل رأيت الملائكة يا ابن عباس تخبرك بولايتها لك في الدنيا والآخرة ، مع الامن من الخوف والحزن ، قال فقال إن الله تبارك وتعالى يقول : " إنما المؤمنون إخوة " وقد دخل في هذا جميع الأمة ، فاستضحكت . ثم قلت : صدقت يا ابن عباس أنشدك الله هل في حكم الله جل ذكره اختلاف قال : فقال : لا ، فقلت : ما ترى في رجل ضرب رجلا أصابعه بالسيف حتى سقطت ثم ذهب وأتى رجل آخر فأطار كفه فأتى به إليك وأنت قاض ، كيف أنت صانع ؟ قال : أقول لهذا القاطع : أعطه دية كفه وأقول لهذا المقطوع : صالحه على ما شئت وابعث به إلى ذوي عدل ، قلت : جاء الاختلاف في حكم الله عز ذكره ، ونقضت القول الأول ، أبى الله عز ذكره أن يحدث في خلقة شيئا من الحدود و ليس تفسيره في الأرض ، اقطع قاطع الكف أصلا ثم أعطه دية الأصابع هكذا حكم الله ليلة تنزل فيها أمره ، إن جحدتها بعدما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله فأدخلك الله النار كما أعمى بصرك يوم جحدتها علي بن أبي طالب قال : فلذلك عمي بصري ، قال : وما علمك بذلك فوالله إن عمي بصري إلا من صفقة جناح الملك . قال : فاستضحكت ثم تركته يومه ذلك لسخافة عقله .. الرواية[37].
ياسر الحبيب (معاصر): وقد سأله أحدهم: ذكرتم في أحد أجوبتكم مانصه وأما (تفسير ابن عباس لآية الخيانة فغير ملزم، سيما وأن الرجل من المنحرفين عن أهل البيت عليهم السلام والمتأكلين بهم وسرقته لبيت مال البصرة مشهورة وذمّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه له ظاهر، وهو لم ينسب قوله هذا إلى معصوم حتى يؤخذ به أو يُلتفت إليه. فهل المقصود بابن (عباس) هو عبدالله بن عباس؟ فإذا كان هو فما الدليل على خيانته؟ فأجاب: نعم إن المقصود من كلامنا هو عبد الله بن عباس نفسه لا أخوه عبيد الله، والتحقيق الدقيق يؤكد ما ذهبنا إليه من أنه من المنحرفين عن أهل البيت صلوات الله عليهم والمتأكّلين بهم، أي ممن يرغب أن يجعل من أهل البيت جسرا لبلوغ أمانيه الدنيوية ليس إلا. وتنقيح الكلام في شأنه يكون إن شاء الله تعالى ببيان أمور هي: أنه مذموم في الروايات ومنعوت بالخائن والخاسر والحائر والمدّعي والمنتحل وغير ذلك ... أن ابن عباس ادّعى منزلة فوق منزلته وطمع أن يكون إماما يستغني الناس بعلمه دون الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم، وهو ليس سوى مدّعٍ زاعم، ومنتحل لولاية أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وخائن خاسر أو حائر. وقد ناقش بعض الرجاليين في سند هذه الرواية، وضعّفوها من جهة بعض الرواة أملا في إسقاطها، والحال أن بعض من ضعّفوه - كإبراهيم بن عمر اليماني - موثق عند آخرين كالنجاشي وغيره. كما أن الرواية مروية بطرق مختلفة تنتهي إلى الباقر صلوات الله عليه، وليس في رواتها مذموم، بل مجهول أو مسكوت عنه أو ضعيف، وتعدد الأسناد يجبرها مع وجود النظائر، ويُطمأن إلى صدورها عن المعصوم عليه السلام، ولذا تجد المحقق الداماد يقول عنها: وبالجملة هذا الحديث الشريف طريقه صحيح على الأصح، ومسائله الغامضة من الحكمة منطوية في متنه ... أن ابن عباس زعم أنه من المستقيمين والإمام الباقر صلوات الله عليه يثبت العكس، فيبيّن جهله ويصفه بسخافة العقل ويكشف أن ملكا من الملائكة أعماه يوم ردّ على المولى أمير المؤمنين صلوات الله عليه وأنكر نزول الأوامر الإلهية على أهل البيت في ليلة القدر بعد مضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ينبئه الإمام بأنه هالك في النار، وسيهلك معه خلقا أيضا، ولهذا تجد العامة قد أخذوا منه كثيرا حتى أسموه (حبر الأمة) وتركوا أهل البيت صلوات الله عليهم، وكل من أخذ العلم من غير أهل البيت هلك. وههنا تمايز ينبغي أن تكون ملتفتا له، بين خط أهل البيت عليهم السلام وخط ابن عباس وأشباهه - كالحسن البصري - الذين طالما ادّعوا موالاة أهل البيت ليصعدوا في الأمة، غير أنك إذا تفحّصت ما جاءوا به وجدته مغايرا لتعاليم الأئمة صلوات الله عليهم ومتمايزا عنها، ومجرّد قبول العامة بهم كل هذا القبول وتقديسهم كل هذا التقديس يجعل ذا اللبّ والخبرة يرتاب في شأنهم، فإن المخالفين كانوا يبتعدون عن كل من ينتسب إلى أهل البيت صلوات الله عليهم ويتلقّى العلم منهم، ولهذا صنعوا لأنفسهم فقهاء بديلين، كان من أوائلهم ابن عباس وأمثاله، ومن أواخرهم أبو حنيفة وأضرابه. فتأمل. وقد ناقش بعض الرجاليين في سند هذه الرواية أيضا من جهة تضعيف الحسن بن العباس بن حريش مع أن الراوي ليس بمتّهم في شيء، ومع ذا نقول أنها مشمولة بالاعتبار لورودها في الكافي الشريف الذي هو عندنا الأصل في رواياته الصحة لمدحه وتوثيقه الإجمالي من إمام العصر صلوات الله عليه إلا أن يقوم الدليل القطعي القوي على طرح بعضها، ويبقى المطروح أيضا تحت إمكان التوجيه والحمل لردّ الاعتبار. وأما محاولة بعضهم إسقاط هذه الرواية من باب أن الباقر صلوات الله عليه لم يكن عمره آنذاك يتجاوز الحادية عشرة فكيف يتخاطب وابن عباس المسن ويجتمع إليه الناس والحال أنه لم يكن إلا صغير السن حينها وقبل إمامته؟ فأقول: إن المحاولة هذه واهية إذ كيف خفي على المحاول أن الأئمة المعصومين عليهم الصلاة والسلام كان الناس يجتمعون إليهم والمسنّون يختلفون عليهم وهم في أقل من هذا السن كالجواد صلوات الله عليه في الثامنة؟! فالعمر بالنسبة إلى المعصومين لم يكن يوما من الأيام بحاجب الناس عنهم، بل الجميع كان يتعامل معهم على أنهم كبار بل عمالقة لا أطفال أو صبيان - معاذ الله - كما أن التاريخ حدّثنا عن اختلاف بعض الناس ومحاورات بعض الأئمة مع رموز المخالفين قبل امتلاكهم زمام الإمامة - كما وقع بين الكاظم عليه السلام وأبي حنيفة (لعنه الله) والكاظم كان حينها صغيرا أيضا وقد أبهره بعلمه - وعليه فلا يستبعد صدور هذا الحديث سيما وأنه من جنس ذلك الحديث إذ الغرض فيه تبيان علم الإمام - ولو كان صغيرا وقبل إمامته - في مقابل علم غير الإمام ولو كان كهلا أو شيخا مسنّا. كما أنه لا مانع من التحقيق في أشباه هذا الحديث فلعلّ الغلط وقع من النسّاخ وكان المقصود بلفظة (أبي) السجّاد لا الباقر صلوات الله عليهما. ومن هذا القبيل كثير في مصادرنا كما لا يخفى. ومما ورد في ذمّه ما رواه الكشي عن أمير المؤمنين عليه السلام: اللهم العن ابني فلان - أي العباس - وأعمِ أبصارهما، كما أعميت قلوبهما، الآجلين (الآكلين) في رقبتي واجعل عمى أبصارهما دليلا على عمى قلوبهما". غير أني لا أعتمد على هذا الحديث كثيرا إذ قد نسلّم بأن اللعنة تشمل عبد الله ابن عباس بعد حادثة سرقته لبيت مال البصرة وهروبه إلى الحجاز - كما سيأتي إن شاء الله - بيْد أنه كيف يمكن التسليم بلعنه عليه السلام لعبيد الله بن عباس وقد استعمله الحسن عليه السلام في ما بعد على الجيش ولم يكن قد صدر منه شيء بعد حال توليّه اليمن؟ ولو كان ملعونا على لسان الأمير علنا لما استعمله المجتبى أبدا، إلا أن يوجّه أحد الرواية بتوجيه آخر لم يصل إليه نظري القاصر. كما قد وردت روايات أخرى في ذمّه منها رواية (الجراد) التي يقول فيها الحسن صلوات الله عليه) لابن عباس: أما والله لولا ما نعلم لأعلمتك عاقبة أمرك ما هو، وستعلمه، ثم إنك بقولك هذا مستنقص في بدنك، ويكون الجرموز من ولدك، ولو أذن لي في القول لقلت ما لو سمع عامة هذا الخلق لجحدوه وأنكروه. والجرموز على الظاهر هو أحد طغاة بني العباس، وفي الجزء الأخير من الرواية ما يدلّ على تعاظم شعبيته في أوساط المخالفين حتى أنه لو قال الإمام الحسن صلوات الله عليه فيه القول الحق وعرّفهم حقيقته لجحدوا قوله وأنكروه. وفي هذا مزيد دلالة على أن الرجل إنما هو صاحبهم لا صاحبنا، وعلى هذا تدل السيرة ومجريات التاريخ. أما سرقته لبيت مال البصرة عندما كان واليا عليها بأمر أمير المؤمنين صلوات الله عليه وهروبه بالمال إلى الحجاز فشهير ومعروف، فقد نقل التاريخ لنا كتاب أمير المؤمنين صلوات الله عليه الذي عنّفه وتوعّده فيه بالعذاب العظيم من الله تعالى. وقد رُوي أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه عندما بلغته سرقته صعد المنبر وبكى وقال: هذا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في علمه وقدره يفعل مثل هذا! فكيف يؤمن من كان دونه؟! اللهم إني قد مللتهم فأرحني منهم، واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول. وقد حاول بعضهم التشكيك في هذا الخبر من جهة أنه مروي عن طريق الشعبي المنحرف، غير أنّا نقول أن الخبر يُطمأن لصدوره لاشتهاره حتى أدرجه الشريف الرضي في النهج، وكونه واردا من طرق أهل الخلاف مع جلالة قدر ابن عباس عندهم يساعد على هذا الاطمئنان، والمحدّثون من أصحابنا لم يشككوا فيه لاشتهاره، ولذا تراهم عبّروا عن التوقّف فيه والحيرة ولم يقدروا على دفعه لأن من أوضح الواضحات أن الكتاب يفصح عن لسان أمير المؤمنين صلوات الله عليه لا لسان غيره. وحتى المحدّث الخبير الشيخ عباس القمي رحمه الله رغم أنه اعتبر ابن عبّاس من جملة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام إلا أنه عبّر عن حيرته وتوقّفه في شأن سرقته لبيت مال البصرة، إذ قال: أما قصة حمله المال من بيت مال البصرة وذهابه إلى مكة، وكتابة أمير المؤمنين عليه السلام إليه بهذا الخصوص، وجوابه له، وبهذه العبارات الجسورة، فأمر حيّر المحقّقين. وقد حاول بعضهم أيضا ادعاء أن هذا الكتاب من الأمير عليه السلام إنما وجهه إلى عبيد الله بن عباس، لا عبد الله، وهو قول غير دقيق لأن عبيد الله إنما كان على اليمن واليا لا البصرة، كما أنه لو كان كذلك لما أمّره الحسن المجتبى صلوات الله عليه على الجيش كما أسلفنا إذ تكون جريمته ظاهرة. فهذه جملة من روايات ذمّه وإظهار فساده وانحرافه بل وارتداده وهلاكه. وتقابلها بضع روايات في مدحه، ولو سلّمنا بوقوع التعارض؛ فنقول: إن روايات مدحه كلها غير صحيحة، وقد أقرّ بذلك السيد الخوئي في المعجم رغم ميلانه إلى حفظ ابن عباس من الخدش والجرح، فقال: ونحن وإن لم نظفر برواية صحيحة مادحة، وجميع ما رأيناه من الروايات في إسنادها ضعف، إلا أن استفاضتها أغنتنا عن النظر في إسنادها، فمن المطمأن به صدور بعض هذه الروايات عن المعصومين إجمالا. وبازاء هذه الروايات روايات قادحة. ونحن إنما نتمسّك بالطائفة الأولى من الروايات حتى وإن لم تعدّ عندهم صحيحة سندا، ونغض النظر في أسنادها اعتمادا على ما قرّروه من الاطمئنان بصدورها إجمالا عن المعصومين بعد الاستفاضة، وهذا متحقق فيها. وأما ترجيحنا لها على الطائفة الثانية فمن واقع ملاحظة السيرة ومجريات التاريخ حيث لا نجد لابن عباس موقعا حقيقيا في التشيع بل نرى موقعه عند أهل الخلاف أعظم، وخدمته لابن الخطّاب لعنة الله عليه حتى كان مستشاره الأوّل تثير الريب أكثر، ولا يُقال أن ذلك كان كأمر سلمان عليه السلام في قبوله الاستعمال فإن الفرْق بيّنٌ بين المثاليْن، فسلمان كان مجازا من الأمير عليه السلام على الأظهر وقد خدم الإسلام لا ابن الخطاب، في حين أن ابن عباس لم يُجَز ونراه قد أضحى له خير ظهير ومعاون يخدمه ويمتدحه ويترحّم عليه. هذا ولا نجد له ذكرا في الدفاع عن الزهراء البتول صلوات الله عليها يوم أن تعرّضت للهجوم، وحتى إن قيل أنه كان يومذاك في مقتبل الفتوّة فكيف يُرجى منه مثل ذلك؟ فنقول: وما كان يمنعه أن يصنع كما صنع أسامة بن زيد وهو يقاربه في العمر؟ ولو أدرنا الوجه عن ذلك سألنا عن سبب كثرة رواياته عن طرق أهل الخلاف ومحدوديتها عن طرقنا، وهذا وحده كافٍ لتبيان موقعه وعلى أي الطرفين هو محسوب، إذ لو كان من رجال التشيّع حقا لطغت رواياته من طرقنا على التي من طرقهم، إلا أن الواقع يكشف عن أنه من رجالهم وأصحابهم، ويزيدك يقينا في هذا أن الروايات المادحة له عندنا والتي عرفت أنها ضعيفة، إنما هي واردة من طرقهم وفي مصادرهم، كزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا له بالعلم ومعرفة التأويل وما أشبه ذلك، فكون هذه الروايات واردة من طرقهم وفي مصادرهم يكفي في طرحها مقابل روايات الذم الواردة من طرقنا وفي مصادرنا بملاك جلالة قدره عندهم، وذلك لما قُرر في محلّه في علم الرواية والدراية أن من مسوّغات الطرح وجود النظير في كتب أهل الخلاف فيكون الأمر مشمولا بقاعدة دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم كما ورد عن المعصوم عليه السلام. ويزيدك أنه لم يطلق عليه أحد من الأئمة صلوات الله عليه ألقابه المشتهرة عند أهل الخلاف كحبر الأمة أو ترجمان الوحي وما أشبه، بل ليس له أدنى مقام عندهم وبالمثال نفسه لاحظ أنه لم يرد إلينا خبر تردّده على الأئمة المعصومين كالحسن والحسين والسجّاد والباقر صلوات الله عليهم بالمستوى الذي نرى فيه جابرا يتردّد عليهم، وكلاهما كانا مكفوفيْن، فيما ابن عباس غائب عن ذلك كلّه وكأنه يرى نفسه أعظم شأنا من الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين فيفسّر القرآن برأيه ويفتي بهواه ويدخل الأمة في مهالك الظنون؟! أما عن القول بأنه قد لازم أمير المؤمنين صلوات الله عليه وكان يختلف عليه طلبا للعلم، فلا شأن له بما نحن بصدده إذ إن جمعا عظيما كان يأخذ من الأمير ومن الأئمة صلوات الله عليهم ما ينفعهم وحتى الحسن البصري كان يأخذ ما يساعده على ترويج نفسه واكتساب الشهرة حتى وُصف على لسان الإمام عليه السلام بأنه سامريّ هذه الأمة، وحتى أبو حنيفة كان يصنع ذلك، فمن هم من هذا الصنف تراهم يخالطون أهل بيت الوحي عليهم السلام للاستفادة والتأكّل ليس إلا، وليكتسبوا شيئا من العلم يكون لهم زادا في باطلهم عندما يضيفون إليه آراءهم وظنونهم ويكيّفونه بأهوائهم. فمن هذه القرائن وغيرها مما يثبت أن الرجل إنما كان أقرب إليهم ولم نرَ في تاريخه انسجاما مع رجال التشيّع وأعلامه في التواصي والتواصل والمخالطة كما لمسناه في ما بينهم، وحيث قد بان لنا أنه في طريق يغاير الطريق العام لأهل البيت صلوات الله عليهم فإننا نرجّح روايات الذم ونجدها أقرب إلى العقل وتصديق الواقع. وعلى فرض التنزّل فإن التعارض وحده كاف لإعمال التساقط، فلا تكون له جلالة ويُتوقّف على الأقل في أمره. وعليك أن تكون نبيها في أن اشتباه بعض الأعلام في مدحه وتوثيقه وتجليله إنما جاء مما ورد من بعض مواقفه التي يُستشف منها نصرة أهل البيت عليهم السلام كموقفه مع عائشة عليها لعائن الله بعد حرب الجمل، وموقفه معها يوم جنازة الحسن عليه صلوات الله وبعض مواقفه مع معاوية لعنه الله وما أشبه، لكنك إذ عرفت أنه من المتأكّلين فليس بالوسع استبعاد أنه إنما صنعها تزلّفا لأهل البيت عليهم السلام حتى ينال منهم ما ينفعه في الدنيا وما يتزيّن به في أعين الناس. وحتى لو سلّمنا أن مواقفه تلك كانت صادقة فلا يبعد أن يكون حاله حال الزبير لعنه الله الذي ساءت عاقبته بعد الاستقامة وبعد أن كان "سيفا طالما كشف الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد. فإن قيل أن الأمير عليه السلام اختاره بدوا لمناظرة عمرو بن العاص عليهما اللعنة في التحكيم بعد صفّين وهو ما يشهد على جلالته ووثاقته؛ قلنا: إن ترتيب هذا على ذاك غير صحيح وإلا لكان اختيار الحسن صلوات الله عليه لعبيد الله بن عباس وتأميره إياه على الجيش شاهدا على جلالته ووثقاته، ولا يقول بهذا قائل. وإنما كان اختيار الأمير عليه السلام لابن عباس للمناظرة لما رآه فيه من فطنة وكياسة في كسر الخصم، والاستعانة بذوي الفطنة حتى وإن لم يكونوا من أهل الإيمان الخالص جائز من أجل تحقيق المصلحة الإسلامية العليا، ولذا استعان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ببعضهم مع الإجماع على كونهم منافقين أو منحرفين. وابن عباس مشمول بحديث الارتداد الشهير الذي فيه أن الناس بعد استشهاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارتدّوا وكفروا إلا ثلاثة ليس ابن عباس من بينهم. فعن أبي جعفر الباقر صلوات الله عليه) أنه قال: ارتدّ الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ثلاثة نفر، المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي. ثم إن الناس عرفوا ولحقوا بعدُ. وملاحظة تاريخ الرجل في ما بعد توجب استبعاده عن المعرفة واللحوق، فإنما كان يلتصق بالسلطان لينال منه نصيبا من الدنيا، ولمّا أن عادت الخلافة إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه التصق به أيضا، حال حال الخوارج الذين عظّموا أبا بكر وعمر عليهما اللعنة ولما أصبحت السلطنة بيد علي صلوات الله عليه والوه ثم لما وجدوه يناقض تطلعاتهم عادوه. فهم ليسوا إلا متأكّلين. فإن قيل أن له مواقف وملاسنات مع عمر لعنه الله مما ينبئ عن اعتقاده بالولاية وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وأحقيّته بالخلافة؛ قلنا: إن عمر نفسه وفي نفس تلك المحاورات أو الملاسنات كان يعترف بحقّ الأمير ولا ينكره، بل وحتى أبو سفيان وأمثاله عليهم اللعنة فكيف يدفع الحق ابن عبّاس مع أنه ابن عمّه ومن أوائل المستفيدين من إثباته؟! وهذا الإقرار منه بمجرّده ليس كافيا لتعديله أو توثيقه أو مدح شأنه، فلطالما أقرّ أعداء أهل البيت عليهم السلام بحقّهم حتى كأمثال معاوية عليه لعائن الله. أضف إلى هذا أن العصبية الجاهلية كانت آنذاك سائدة لا تزال في المجتمع الإسلامي، فعندما يحين موعد الانتصار للقوم والعشيرة كان عرق التعصب ينبض، وإنما كان أمثال ابن عباس من بني هاشم يجرّونها إلى أنفسهم كما رفع بنو العباس أنفسهم في ما بعد شعار الولاية لآل محمد وآل علي صلوات الله عليهم وإنما كانوا يجرّونها إلى أنفسهم. والحصيلة أنه بملاحظة هذه السيرة وهذا التاريخ، وبالتمعّن في القرائن والشواهد، نستبعد تماما كونه من الأجلاء اعتمادا على روايات غير صحيحة ومنحولة وأصلها من طريق أهل الخلاف، ونأخذ بما صحّ معنى واستفاض رواية في ذمّه على لسان أهل بيت الوحي صلوات الله عليهم فيكون ابن عباس منحرفا وخائنا[38].
 
     بعض ما جاء في ذم عبيدالله بن العباس رضي الله عنهما:
     مرت رواية في ذمه، وهذه أخرى.
     ان الحسن لما قتل أبوه عليه السلام خرج في شوال من الكوفة إلى قتال معاوية ، فالتقوا بكسكر وحاربه ستة أشهر ، وكان الحسن عليه السلام جعل ابن عمه عبيد الله بن العباس على مقدمته ، فبعث إليه معاوية بمائة ألف درهم فمر بالراية ولحق بمعاوية وبقي العسكر بلا قائد ولا رئيس . فقام قيس بن سعد بن عبادة فخطب الناس وقال : أيها الناس لا يهولنكم ذهاب عبيد الله هذا لكذا وكذا ، فان هذا وأباه لم يأتيا قط بخير ، وقام بأمر الناس[39].
     وذكر صاحب مقاتل الطالبيين تفاصيل أخرى فقال : ارسل معاوية إلى عبيد الله بن العباس ان الحسن قد راسلني في الصلح وهو مسلم الامر إلي فان دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا وإلا دخلت وأنت تابع ولك إن جئتني الآن ان أعطيك الف ألف درهم ، يعجل لك في هذا الوقت النصف وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر ، فانسل عبيد الله ليلا فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعده فأصبح الناس ينتظرون ان يخرج فيصلي بهم فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ثم خطبهم فقال : أيها الناس : لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع أي الجبان إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط ، إن أباه عم رسول الله صلى الله عليه وآله خرج يقاتله ببدر فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري فأتى به رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين ، وإن أخاه ولاه علي أمير المؤمنين على البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين فاشترى به الجواري وزعم أن ذلك له حلال وإن هذا ولاه على اليمن فهرب من بسر بن أرطأة وترك ولده حتى قتلوا وصنع الآن هذا الذي صنع . قال فتنادى الناس : الحمد لله الذي أخرجه من بيننا فانهض بنا إلى عدونا فنهض بهم[40].
 
     بعض ما جاء في ذم بني العباس:
     عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله " فلما نسوا ما ذكروا به " قال : لما تركوا ولاية علي عليه السلام وقد أمروا بها " أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " قال : نزلت في ولد العباس[41].
     وعن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " فلما نسوا ما ذكروا به " إلى قوله " فإذا هم مبلسون " قال : اخذ بنى أمية بغتة ، ويؤخذ بنى العباس جهرة[42].
     وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : ولد المرداس من تقرب منهم أكفروه ومن تباعد منهم أفقروه ومن ناواهم قتلوه ومن تحصن منهم أنزلوه ومن هرب منهم أدركوه ، حتى تنقضي دولتهم[43].
     قال المازندراني : قوله : (ولد المرداس) أريد بالمرداس : السفاح وهو أول خليفة من ولد العباس[44]. وقال المجلسي : التعبير عن ولد العباس بولد مرداس كناية بعيدة - لشدة التقية - لابن عباس ابن مرداس ، من الصحابة ، فروعي لاشتراك الاسم بين العباسين[45].
     وعن أبي جعفر عليه السلام في قوله "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) قال مكر بني فلان[46]. وجاء في الأمالي للطوسي : يعني بذلك ولد العباس[47]. وقال المجلسي : المراد ببني فلان إما بنو العباس كما هو الظاهر ، أو بنو أمية[48].
     وعن الصادق عليه السلام في قوله تعالى : ( فكبكبوا فيها هم والغاوون ) : نزلت في قوم وصفوا عدلا ثم خالفوه إلى غيره وفي خبر آخر قال : هم بنو أمية " والغاوون " هم بنو فلان[49]. وفي تفاسير أخرى : والغاوون بني العباس[50].
     وقال المجلسي في شرح رواية الصادق: نحن بنو هاشم وشيعتنا العرب وسائر الناس الاعراب[51]. قوله عليه السلام : " نحن بنو هاشم " أي ما ورد في مدح بني هاشم فالمراد أهل البيت عليهم السلام ، أو من تبعهم على الحق أيضا ، لا من خرج من أولاد هاشم عن الحق وكفر بالله بادعاء الإمامة بغير حق ، كبني عباس وأضرابهم[52].
     وعن علي بن إبراهيم القمي (ت: 329 هـ): في قوله تعالى: (وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ * هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ [صـ: 58 - 59]) وهم بنو السباع[53]. قال المجلسي: بنو السباع كناية عن بني العباس[54].
     محمد بن مرتضى المعروف بالفيض الكاشاني (ت: 1091 هـ): ثم تلقّفها بنو العباس السالكون مسالك أولئك الأرجاس أخذوها بسيف الخراساني كما ملك من قبلهم بصولة فظاظة الثاني، وكان العلم في هذه المدة المتطاولة مكتوما وأهله مظلوما، لا سبيل لهم إلى إبرازه إلا بتعميته والغازه[55].
     المجلسي (ت: 1111 ه) : ان القوم أي بني العباس وأتباعهم فساق : أي خارجون من الدين[56].
     ويقول : الشيصبان اسم الشيطان أي بني العباس الذين هم شرك شيطان[57].
     نعمة الله الجزائري (ت: 1112 ه) : وقد صنف استاذنا المحقق صاحب التفسير الموسوم بنور الثقلين كتابا في هذه أن هذه الحالة (ممن يؤتى في دبره) كانت مع الخلفاء الأمويين والعباسيين بأجمعهم واستشهد بشواهد من الشعر والنثر على وجود تلك الصفة لكل واحد[58].
     وقال الجزائري أيضاً : وقال الصادق عليه السلام : أن لنا حقاً ابتزه منا معادن الأبَن. وفيه غشارة إلى أن هذه الفضيلة ابتدأت من الثاني، وانتهت بإنتهاء خلفاء بني العباس[59].
     أبو الحسن العاملي (ت: 1138 هـ): إعلم أن لفظة "الشجر" في القرآن وردت ومع الذم والمدح وبدونهما .. فالأولى مؤولة باعداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من الذين حاولوا اطفاء نور الله بافواههم كالثلاثة وبني أمية وطغات بني العباس[60].
     الخميني (ت: 1410 ه) : إن الظالم قد يكون ممن يتلبس بظلم ما ، وقد يكون شغله ذلك كالسارق القاطع للطريق ، وقد يكون سلطانا أو أميرا جائرا ، وقد يكون مدعى الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله ويكون غاصبا لولاية أئمة الحق كخلفاء بني أمية و بني العباس لعنهم الله[61].
     يحي عبّود (معاصر): جمع العباسيون القوة، وأعدوا وسائل الغلبة، ورفعوا شعارات آل محمد، فاستولوا على منصب الخلافة بالقوة والقهر وكونوا دولة خاصة بآل العباس بحجة وبمبررات مفادها أنهم أحفاد العباس عم النبي، ولما قال لهم أهل بيت النبوة، بأننا أحفاد النبي نفسه وأحفاد عم النبي الشقيق، وأنتم رفعتم شعاراتنا، وتعرفون حقنا، وأننا الأولى منكم، وكنتم تتفرجون علينا ونحن نقتل ونسام سوء العذاب!! فيغضب العباسيون ويصبون على آل محمد فيضا جارفا من النقم والقتل والعذاب، وكأنه ليس بين العباسيين وبين عترة النبي أية قرابة[62].
     علي أكبر الغفاري (معاصر) في تعليقه على رواية "سئل الصادق عليه السلام " عن  الصلاة في القلنسوة السوداء ؟ فقال : لا تصل فيها فإنها لباس أهل النار". قال : لعل المراد بأهل النار خلفاء بنى العباس لان السواد شعارهم[63].
 
     والمسألة فيها طول، وفيما أوردناه كفاية.


[1] كتاب سليم بن قيس - سليم بن قيس الهلالي الكوفي 237

[2] الأمالي، للطوسي، 247

[3] الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج 1/ 89

[4] كتاب سليم بن قيس - سليم بن قيس الهلالي الكوفي 393

[5] الأمالي، للطوسي، 362

[6] الأمالي، للطوسي، 273

[7] عيون أخبار الرضا، للصدوق، 2/64 وقال : قال الصدوق رحمه الله : ذكر العباس وعقيل غريب في هذا الحديث لم أسمعه إلا عن محمد بن عمر الجعابي في هذا الحديث.

[8] عيون أخبار الرضا، للصدوق، 2/66

[9] مناقب آل أبي طالب، لإبن شهر آشوب، 1/27

[10] المسترشد، لمحمد بن جرير الطبري الشيعي، 689

[11] المصدر السابق، 691

[12] الأمالي، للطوسي، 48

[13] تفسير الإمام العسكري، 20

[14]  الصراط المستقيم، لعلي بن يونس العاملي النباطي البياضي، 1/54 ، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، للحر العاملي، 1/410

[15] الكافي، للكليني، 8/202

[16] شرح أصول الكافي، للمولي محمد صالح المازندراني، 12/268

[17] كتاب سليم بن قيس، لسليم بن قيس الهلالي الكوفي، 216

[18] الكافي، للكليني، 8/189

[19]  العقد النضيد والدر الفريد، لمحمد بن الحسن القمي، 153

[20] الأمالي، للطوسي، 572

[21]  اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي، 1/276

[22] المصدر السابق، 1/273 ، انظر أيضاً تفسير القمي، 2/23 ، الإختصاص، للمفيد ، 71

[23] تفسير الإمام العسكري، 17

[24] الإحتجاج، للطبرسي، 2/145

[25] قرب الإسناد، للحميري، 19

[26] الأمالي للطوسي، 274

[27]  اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي،  1/277 ، انظر أيضاً : الإختصاص، للمفيد، 71

[28] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي،  1/276

[29] زهر الربيع، لنعمة الله الجزائري، 643 ، انظر أيضاً : الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة، لعلي خان المدني الشيرازي، 149

[30] الإرشاد، للمفيد، 1/14 وفي بعض النسخ عبدالله بن جعفر، أنظر أيضاً : مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، 2/106

[31] الأمالي، للطوسي، 119

[32] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي،  1/279

[33] نهج البلاغة، 65 (ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله) إي إبن عباس كما في الشروح والمصادر الأخرى

[34] اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي،  1/280

[35] المصدر السابق ، 1/270 ، واورد الخوئي الرواية تحت ترجمة عبدالله وعبيدالله بن العباس، انظر معجم رجال الحديث، 11/255 ، 12/81

[36] الغيبة، للنعماني، 205

[37] الكافي، للكليني، 1/247

[38]   www.alqatrah.org/question/indexphp?id=34

[39] ا اختيار معرفة الرجال ( رجال الكشي )، للطوسي،  1/329

[40] مقاتل الطالبيين، لإبي الفرج الأصفهاني، 42

[41] تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 1/360

[42] تفسير العياشي، لمحمد بن مسعود العياشي، 1/360

[43] الكافي، للكليني، 8/341

[44]  شرح أصول الكافي، للمولي محمد صالح المازندراني، 12/485

[45] بحار الأنوار، للمجلسي، 31/534 ، مرآة العقول، للمجلسي، 26/502

[46] تفسير القمي، 2/372

[47] الأمالي، للطوسي، 667

[48] بحار الأنوار، للمجلسي، 31/513

[49] تفسير القمي، 2/123

[50] نور الثقلين، للحويرزي، 4/59 ، تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، لمحمد القمي المشهدي، 9/488 ، تفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 4/42

[51] الكافي، للكليني، 8/166

[52] مرآة العقول، للمجلسي، 26/35

[53] تفسير القمي، للقمي، 2/242

[54]  بحار الأنوار، للمجلسي، 30/ 154

[55] مختصر المحجة البيضاء، للفيض الكاشاني، 420

[56] بحار الأنوار، للمجلسي، 48/165 ، مرآة العقول، للمجلسي، 4/157

[57] بحار الأنوار، للمجلسي، 52/46

[58] زهر الربيع، لنعمة الله الجزائري، 284 ، انظر أيضاً : بحار الأنوار، 31/95 (الحاشية) ، شجرة طوبى، لمحمد مهدي الحائري، 1/69

[59] المصدر السابق

[60] مرآة الأنوار، لأبي الحسن العاملي، 196

[61] المكاسب المحرمة، للخميني، 2/93

[62] تأهب للظهور المهدي على الأبواب، لأم نور الحسني ويحي عبود، 190

[63] من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 1/251 (الحاشية)


عدد مرات القراءة:
1510
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :