راغب حرب
عالم دين شيعي من جبل عامل، وأحد قادة المقاومة ضد الكيان الصهيوني، وقد اشتهر بشيخ الشهداء. تلقى دراسته الدينية في النجف الأشرف، ثم قاد حركة شعبية تطالب بالإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، واتخذ من قريته جبشيت وعدّة قرى أخرى قواعدَ لتوعية الأهالي دينياً ودعوته إيّاهم لمبايعة الإمام الخميني وحضّهم على المقاومة.
حاول الجيش الإسرائيلي التفاوض معه لإنهاء حِراكه ضد الإحتلال، فرفض أصل فكرة التفاوض، مطلقاً شعاره المشهور: "الموقف سلاح والمصافحة اعتراف".
في 16 شباط 1984م، تم اغتيال راغب حرب في قريته جبشيت، واتخذت حركة المقاومة خطّاً تصاعدياً بعد شهادته أدّى إلى تحرير القسم الأكبر من جنوب لبنان.
سيرته
ولد راغب حرب في قرية جبشيت، في جبل عامل، في 25 تشرين الأول عام 1952 م.
والده الحاج أحمد "أبو راغب"، كان شاباً متديّناً، وفلاحاً يربي المواشي ويعمل مزارعاً، وعرف بحبه للعلم والعلماء، فكانوا كثيراً ما يأتون إلى منزله. تزوّج الحاج أحمد ابنة خالته وابنة الحاج عبد الله حرب، الذي كان أحد أفراد الثلة المبارزة من عصابة أدهم خنجر الذين وقفوا ضد البريطانيين والفرنسيين، وصدوهم عن التوغل في البلاد الإسلامية.
دخل العدو الصهيوني عدّة مرات إلى بيت الحاج "أبو راغب" مداهماً له، و في أحد الأيام رموا على أم راغب الفرش ليخنقوها، ولكنها نجت من بين أيديهم. وقد كان بيت "أبو راغب" من البيوت التي يأوي إليها المجاهدون بعد دخول الجيش الإسرائيلي إلى جنوب لبنان.
أيام طفولته وفتوّتِه
قضى فترة الطفولة ما بين مدرسته في النبطية التي تبعد حوالي 5 كلم عن جبشيت، وبين مساعدة والده في العمل في أرضه. وفي بداية شبابه عمل بجالسة أصدقائه في المسجد، مستغلاً تلك الجلسات في التحدّث في الأمور الدينية والنضالية ضد العدو.
ولمّا بلغ راغب من العمر 13 سنة حمل السلاح مع الفدائيين في إحدى الأحزاب، وذهب ليقوم معهم بدورات عسكرية.
الهجرة لطلب العلم الديني
هاجر راغب إلى بيروت سنة 1969 م، وبقي فيها حوالي سنة، حيث درس فيها العلوم الدينية، وكان يأتي بين الحين والآخر إلى جبشيت، فيعقد مجالس الفقه والحوار بين مجموعة من الشباب. في سنة 1971م هاجر إلى النجف، وكان يراسل جماعته عبر الكتب والرسائل.
في سنة 1972م، أتى إلى لبنان وتزوّج من ابنة عمه (أم أحمد)، وهاجرت معه إلى النجف وبدأت بالدراسة على يد الشهيدة بنت الهدى.
المشاكل الأمنية في النجف
في النجف دسّت الحكومة بين صفوف العلماء، جواسيس متلبسين بزي الفقهاء، وذلك لتحصيل المعلومات والأخبار من العلماء اللبنانيين.
وقد دعي اللبنانيون إلى اجتماع مع محافظ كربلاء، وبعد أن عرض عليهم خدماته، انتهى الاجتماع وشكر الطلبة المحافظَ على اهتمامه، ولم يصرّحوا بشيء تجنباً لإثارة الفوضى، إلا أن راغب اعترض على السياسة الأمنية المتّبعة ضد الطلاب اللبنانيين، مطالباً بعدم ملاحقتهم واعتقالهم.
العودة إلى لبنان
بعد ثلاث سنوات من إقامته في النجف، تتلمذ فيها على يد عدد من العلماء وتعرف فيها على الشهيد السيد محمد باقر الصدر والسيد عباس الموسوي، رجع إلى لبنان.
وبعد مدّة أرسل النطام البعثي العراقي جاسوساً بعنوان أنه قارئ عزاء إلى قرية الشيخ، وبقي عنده ضيفاً حوالي العشرين يوماً وهو يتقرب إليه. وبعد هذه المدة التي عاشر فيها الجاسوسُ الشيخَ كتب له رسالة ووضعها تحت الفراش قائلاً: كنت مبعوثاً لاغتيالك. وخرج الجاسوس متخفياً دون أن يعلم به أحد.
وفي سنة 1974 م عمل على التدريس في قريته جبشيت للأخوة والأخوات، وكان هذا من باكورة أعماله، وكانت الدروس النسائية من الأمور المستجدة في القرية.
ثم سعى لإقامة صلاة الجمعة، في بداية الأمر كان هذا العمل مستغرباً إذ لم يعهد لها مثيل على مستوى لبنان، لذا استفتى الشيخُ المرجع السيد أبو القاسم الخوئي بإقامة صلاة الجمعة، فأذن له.وبدأ بإقامتها وإن كان الحضور قليلاً لا يتجاوز العشرين شخصاً، ثم كبر العدد ليصل إلى قرابة الألفي شخص في هذه القرية، وكانت الصلاة تقام في الحسينية لعدم وجود مسجد كبير في المنطقة يسع هذا العدد.
وبعد مدة صارت جبشيت مركز التجمع للصلاة في يوم الجمعة من قرى عديدة فأطلق عليها الكثير اسم "قم جبل عامل".
وعندما أصبح يعتمد على بعض الشباب المؤمنين في التدريس، هاجر إلى قرية مجاورة لجبشيت وهي "الشرقية" 1976م.
الهجرة إلى الشرقية
الشرقية هي قرية جنوبية تبعد حوالي 8كلم عن جبشيت، وقد قصدها راغب لنشر الوعي الإسلامي فيها. ولعلّ سر اختياره هذه البلدة لأنّها كانت مأوى لحزب البعث العراقي، إذ كان الكثير من أهاليها ينتمون إلى ذاك الحزب، فأسس حالة جديدة في القرية واستطاع أن يحوّل قلوب الناس إلى الإسلام، حتى وصل ببلدة الشرقية أن أنشأت فيها بعد استشهاد راغب حوزة للأخوات تستقطب أعداداً كبيرة من القرى المجاورة.
ورغم الرسالة التي أتت من إحدى الأحزاب في القرية ، وجاء فيها تهديدٌ بالقتل إن هو استمر على منهاجه وتدريسه وجمع الناس للصلاة حوله، ونبذ الأحزاب المعادية؛ إلا أنّ انفتاح على جميع مكونات القرية، حال دون القيام بذلك التهديد، بل أصبح مُرسل التهديد واحداً من أصدقاء الشيخ.
أما أهل قرية الشرقية، عندما رأوا منه السعي لرفع مستوى القرية، أقبلوا يشكون إليه عدم اعتناء الحكومة بمدارسهم، إذ المدرسة مؤلفة من غرفتين لا غير. فدعا حين ذلك إلى عمل جماعي وشاركهم في حفر أساس مدرسة على أرض وقف، مع جمع التبرعات من المؤمنين، وهكذا أنشأت مدرسة مؤلفة من طابقين.
وكان يعقد الجلسات في قرى عديدة أخرى، ويهيئ مجموعات في كل قرية من الذين يثق بهم للعمل الجهادي في القرية.
مبرّة السيدة زينب
عندما صار اليتم منتشراً جرّاء الحروب الإسرائيلية التي توالت على جبل عامل، بدأ بإحصاء عدد الأيتام، ليتكفلهم من جميع الجوانب الحياتية من طعام ولباس وتعليم وطبابة، فأحصى ما يقارب الثمانين يتيماً، خمسين من الفتيات، وثلاثين من الفتيان، وبدأ يفتش عن مأوى إلى أن يكتمل جزء بسيط من مبرة السيدة زينب .
ولم يجد مكاناً لهؤلاء الأيتام، ولم يقبل أحد بأن يؤجر بيته لهذا العدد الضخم، فاقترح على زوجته أم أحمد أن يكون بيتهم مأوى للفتيات، إذ كان قد بنى داراً بمؤازرة أبيه، غرفة مع مطبخ في جهة، للضيوف إذا احتيج الأمر، والجهة الأخرى ثلاث غرف مع مطبخ كبير للعائلة، فاستقرت اليتيمات في بيت العائلة، ومع زوجته وأولاده في القسم الآخر الصغير.
أمّا البنين فإنه جعل مأواهم في بناء قديم تحت الحسينية، الذي كان مدرسة القرية فيما مضى.
وفي سنة 1980م أنشئت مبرة السيدة زينب برعاية محمد مهدي شمس الدين وإشراف مباشر من الشهيد راغب حرب, وأقيمت في جبشيت لتستقبل أيتام الجنوب والمناطق اللبنانية كافة, إضافة إلى الحالات الاجتماعية الصعبة.
راغب وجهاده بعد الاحتلال الصهيوني
بينما كان راغب في زيارة إلى إيران لزيارة مرقد الإمام الرضا والالتقاء بالإمام الخميني رحمه الله، وإذ به يسمع بخبر دخول إسرائيل إلى الجنوب اللبناني واحتلاله. فأفل راجعاً إلى لبنان، بعد مدة دامت شهرين في إيران.
وعندما عاد إلى جبشيت صار يدخل بيوت القرية، مذكراً إيّاهم:أن "التعامل مع إسرائيل حرام"، وأن" يقاطعوا البضائع الإسرائيلية"، وأن "التصدي لليهود واجب"، و"الدفاع عن أرض الإسلام واجب ومن مات فهو شهيد"، وأن "إسرائيل لم تأت لسرقة لبنان فحسب، بل لسرقة ثروات المسلمين ككل". وقد أكدّ أن إسرائيل جاءت محتلة للبلاد، لأنّه فور دخولها بدأت بشق الطرقات لتغيير معالم الجنوب كما يحلو لها.
وأنشأت إسرائيل حرس وطني من عملائها، ولكن استطاع أن يحل هذا التنظيم الذي بدأت بتشكيله، ولم يعد له أي أثر على الصعيد اللبناني. وكذا بدأت بتصدير البضاعة الإسرائيلية للبنان، فحرّم الشراء من بضاعتهم.
أما من جهة العمل فقد أعطى أمراً لأهل القرية في جبشيت، بعد أن أعلن للشباب وجوب المقاومة، قائلاً: إذا رأيتم الدبابات قد دخلت القرية فعليكم بالتكبير فهذه الكلمة ترعبهم، وتصعق أرواحهم، وكل من يسمع التكبير من جاره، أو من أي مكان فعليه أن يكبر وينزل إلى الساحة العامّة.ودخل الجيش بدباباته كعادته يستعرض قوته.
وبدأ التكبير من الساحة، ومن الجبل و... و أحيطوا بالتكبير، وإذ بالحشود العارمة تنهال إلى الساحة وصيحات الله أكبر ترعب قلوبهم، فكان أول تصدي للدبابات في قرية جبشيت.أما الشهيد عبد الله حرب (أخو راغب) فقد صعد إلى الدبابة، وصار يضرب الجندي بيديه.عندئذٍ قال الضابط: "نريد أن نمر فقط من الطريق".
ولما أصبح التكبير عنواناً وشعاراً سواء دخلت إسرائيل بدباباتها أو أرادوا اعتقال أحد، صار الصهاينة يضعون الأعلام البيضاء على الدبابة إذا أرادوا دخول القرية!
الاعتقال
اعتقل راغب حرب ليلة الجمعة من شهر آذار/مارس 1983، من منزل ابن خالته السيد أحمد ترحيني، بعد أن روقب من قِبل العملاء، الذين جاؤوا مع الصهاينة للقبض عليه. فأخذوه بداية إلى معتقل أنصار، ثم إلى مركز المخابرات في صور وبقي راغب سبعة عشر يوماً في الاعتقال.
وفي أثناء اعتقاله دُعي الناس للاعتصام احتجاجاً على خطف راغب، في جبشيت. ثم تطور الأمر فصار هناك اضرابات عامة في عدة مناطق، وهياج عارم في جبل عامل وأصبح منعطفا في تاريخ الجهاد الإسلامي في محاربة إسرائيل، لذلك عاد الصهاينة إلى إطلاقه. وعندما تم الإفراج عن راغب، استمر في التوعية من خلال خطبه، فكان يتناول الآية أو الآيتين ويشرحهما، ويحرّض على مواصلة الجهاد.
التصعيد العملي للجهاد بعد المعتقل
لمّا عاد من المعتقل قال: "علينا أن نستمر في قرار المقاومة" وأعلن موقفه قائلاً: "إنّ إسرائيل وهمٌ مزقناه".
وأعطى المواقف الفعّالة بعد الاعتقال، فشارك في ذكرى الشهيد رائف مشيمش (من أهالي كفرصير في الجنوب) حيث قال: "إنّ دم الشهيد إذا سقط فبيد الله يسقط، وإذا سقط بيد الله فبيد الله ينمو ويدخر".
وشارك في اعتصام الحلوسية على أثر اعتقال عباس حرب رغم كل المخاطر، وأعلن الاستمرار في الاعتصام. بل بقي في تواصل دائم مع رجال المقاومة، والاهتمام بهم وتوجيههم، والتأكيد على اتباع السرية الدائمة في عمل المقاومة.
مقتله
كان جهد المخابرات لا يهدأ في الأشهر الأخيرة من حياة ومع ذلك يتنقل في القرى ليلاً ونهاراً، وكأنّ لا شيء حوله، ويقول للشباب حوله: "إنّ الإسرائيليين لن يعتقلونني ثانية ولكن سيغتالونني".
ليلة مقتله
في ليلة الجمعة 16 شباط 1984 م، وبعد انتهاء دعاء كميل، ذهب ليكمل سهرة ليلة الجمعة مع عدة من الشباب المؤمنين. وحوالي الساعة الحادية عشر ليلاً، وبعد أن انتهت السهرة قال: منذ مدّة لم أذهب إلى داري فهذه الليلة سأذهب إلى الدار، وما أن خرج من الدار بمفرده إلا وسمعت طلقات الرصاص. خرج الجميع من الدار فرأوا راغب قد اغتيل.
الثوب الذي استشهد فيه راغب حرب وقد ضرّج بدمه
تقول أمه: استمعت إلى دعاء كميل ـ ثم اضطرب قلبي ـ وكان للشيخ عندي غنمتان، فصارت الغنمة تسرس على نابها، وهدّلت قرناها ـ فاضطرب قلبي أكثر ـ وكأنّ مخبراً أخبرني أن ولدي في خطر.
فبعثت أخاه ليفتش لي عن ويقول له أمك بحاجة لك.
نظر إلى أخيه وقال: سلّم على أمي وقل لها: غداً صباحاً سأكون عندها، إن شاء الله.
وبعد قليل دُقّ الباب، فأُخبرت بأنّ ابنة كسرت رجلها، لكن لم أصدق.
هرعت من البيت إلى الساحة، وإلى المستشفى، ومع أنني لم أدر ما الخبر، لكنني قلت فوراً "الله أكبر قتل الحسين بن علي" وإذ بولدي راغب محمول على الأكف.
التشييع الحافل
وفي أيام القبضة الحديدية، وتحت ظل الاحتلال الإسرائيلي، كان يُمنع أهل الجنوب من الدخول إلى القرى إلا بتصريح من العملاء أو من الصهاينة أنفسهم، إذ كان حاجز "باتر" جزين من أعظم الحواجز الذي يقيمه الكيان الإسرائيلي، وإذا حاول أحد أن يتسلل منه فإنه كان يعتقل إذا لم يقتل.
تدفقت أهالي لبنان من بيروت والبقاع والشمال، على الحاجز فكانت السيارات حوالي خمسة آلاف سيارة وهي بانتظار أخذ الترخيص للمشاركة في تشييع الجثمان، لكن الصهاينة منعوهم من الدخول خوف تفجير الوضع عليهم.
وشيعه أهالي الجنوب في جبشيت بحضور شعبي حاشد.
راغب والخميني
كان الخميني يهتم باهتماماً كبيراً حتى أنّه أهدى له مرة عباءة، وهي العباءة نفسها التي استشهد وهو يرتديها. أما الشيخ، فكان من أكثر الناس تعلقًا به وهو كان يعبّر عن ذلك في مواضع عديدة:" نعلن تأييدنا الكامل للثورة الإسلامية المباركة في إيران، ونبايع قائدها الإمام روح الله الخميني قائداً للمسلمين وأميراً عليهم. وكان يحلو له القول إنه "عبد الله الخميني أمير المسلمين". وبلغ به الأمر أن قال يوماً:" العمامة التي لا تقول نعم للخميني، نسقطها ونحرقها". وبحسب موسى فحص، فإنّ راغب كان يتداول مع المحيطين به بيانات الإمام الخميني (قده) ورسائله وكتبه حتى قبل انتصار الثورة بسنوات طويلة.
من أقواله
"إننا لا نخشى قصف البيوت في الحياة الدنيا وإنما نخشى نسف الجبال يوم القيامة".
"الجو الذي قتل لنا طفلاً سوف نحيي بطفلنا المذبوح أطفال الأرض".
"دم الشهيد إذا سقط فبيد الله يسقط، وإذا سقط بيد الله، فبيد الله ينمو ويدخر".
كان يُسأل: وهل إسرائيل ستندحر من الجنوب؟ فيجيب الشيخ: "قولوا متى ستندحر من القدس".