آخر تحديث للموقع :

الجمعة 12 رجب 1444هـ الموافق:3 فبراير 2023م 10:02:34 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الإستدلال بآية (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) ..

الاستدلال بروايات: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)

الاستدلال الثاني: هو نزول قولـه تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] الآيات، في شأن علي رضي الله عنه، وسنذكر أولاً الروايات من طرق القوم وندرس أسانيدها، ثم نتكلم في القصة:
الرواية الأولى: الصدوق، قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا بكر بن عبدالله، قال: حدثنا الحسن بن زياد الكوفي، قال: حدثنا علي بن الحكم، قال: حدثنا منصور بن أبي الأسود، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه قال: لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي قبضه الله فيه اجتمع إليه أهل بيته وأصحابه، فقالوا: يا رسول الله، إن حدث بك حدث فمن لنا بعدك؟ ومن القائم فينا بأمرك؟ فلم يجبهم جواباً وسكت عنهم، فلما كان اليوم الثاني أعادوا عليه القول فلم يجبهم عن شيء مما سألوه، فلما كان اليوم الثالث قالوا له: يا رسول الله، إن حدث بك حدث فمن لنا بعدك؟ ومن القائم فينا بأمرك؟ قال لهم: إذا كان غداً هبط نجم من السماء في دار رجل من أصحابي فانظروا من هو فهو خليفتي عليكم بعدي، والقائم فيكم بأمري، ولم يكن فيهم أحد إلا وهو يطمع أن يقول له: أنت القائم من بعدي، فلما كان اليوم الرابع جلس كل رجل منهم في حجرته ينتظر هبوط النجم إذ انقض نجم من السماء قد غلب ضوؤه على ضوء الدنيا حتى وقع في حجرة علي، فهاج القوم، وقالوا: والله لقد ضل هذا الرجل وغوى، وما ينطق في ابن عمه إلا بالهوى، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم:1-4] إلى آخر السورة([1]).
أقول: القطان، قال فيه الخوئي: هو من مشايخ الصدوق، وتوهم بعضهم حسن الرجل من ترحم الصدوق عليه، وهو عجيب! كيف وقد ترحم الأئمة لعموم الزائرين لقبر الحسين؟ بل أفرط بعضهم فذكر أن الصدوق وصفه بالعدل، وهذا أعجب! فإن الصدوق لم يصفه بالعدل، إنما ذكر أنه كان معروفاً بأبي علي بن عبدربه [عبدويه] العدل، ومعنى أن هذا العدل كان لقباً له -وكلمة العدل، وكلمة الحافظ والمقرئ ونحوهما من الألقاب- وأين هذا من وصفه بالعدالة؟ ولا يبعد أن يكون الرجل من العامة، كما استظهر بعضهم([2]).
وأحمد بن يحيى هو ابن زكريا القطان أبو العباس، وهو مجهول الحال([3])، وكذا بكر بن عبدالله بن حبيب المزني عند القوم([4]).
أما الحسن بن زياد فلم أجد من ترجم له، ولا أظنه الصيقل أو العطار الكوفي، فإنهما من أصحاب الصادق، وصاحبنا يروي عن الصادق بواسطتين([5]).
الرواية الثانية: الصدوق، حدثنا الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي الكوفي، قال: حدثنا فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن علي الهمداني، قال: حدثني الحسين بن علي، قال: حدثني عبدالله بن سعيد الهاشمي، قال: حدثني عبد الواحد بن غياث، قال: حدثنا عاصم بن سليمان، قال: حدثنا جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: صلينا العشاء الآخرة ذات ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سلَّم أقبل علينا بوجهه، ثم قال: أما إنه سينقض كوكب من السماء مع طلوع الفجر، فيسقط في دار أحدكم، فمن سقط ذلك الكوكب في داره فهو وصيي وخليفتي والإمام بعدي، فلما كان قرب الفجر جلس كل واحد منا في داره ينتظر سقوط الكوكب في داره، وكان أطمع القوم في ذلك أبي، العباسُ بن عبد المطلب، فلما طلع الفجر انقض الكوكب من الهواء فسقط في دار علي بن أبي طالب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: يا علي، والذي بعثني بالنبوة لقد وجبت لك الوصية والخلافة والإمامة بعدي، فقال المنافقون عبدالله بن أبي وأصحابه: لقد ضل محمد في محبة ابن عمه وغوى، وما ينطق في شأنه إلا بالهوى، فأنزل الله تبارك وتعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]([6]).
أقول: الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي لم يرد فيه سوى القول بأنه من مشايخ الصدوق، وقد ذكرنا لك قول الخوئي في هؤلاء([7])، وأضيف هنا -أيضاً- قول الصدوق نفسه في أحد مشايخه وهو أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضّبي المرواني: ما لقيت أحداً أنصب منه، وبلغ من نصبه أنه كان يقول: اللهم صل على محمد فرداً، ويمتنع من الصلاة على آله.([8])
وعلى هذا فأي حجة لمن يقول بتوثيق مشايخ الصدوق إذا كان يروي عن أمثال هذا الناصبي الكافر النجس عندهم؟!
أما فرات بن إبراهيم الكوفي، فهو صاحب التفسير، وقد مرَّ الكلام فيه.
والهمداني والحسين بن علي والهاشمي. لم أقف على ذكرهم في كتب الرجال، وجويبر ضعيف جداً، والضحاك صدوق كثير الإرسال.
الرواية الثالثة: الصدوق، حدثنا أحمد بن محمد بن الصقر العدل، قال: حدثنا محمد بن العباس بن بسام، قال: حدثني أبو جعفر محمد بن أبي الهيثم السعدي، قال: حدثني أحمد بن أبي الخطاب [أحمد بن الخطاب]، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن عبدالله بن عباس، بمثل الرواية السابقة إلا أنه قال في حديثه: يهوي كوكب من السماء مع طلوع الشمس فيسقط في دار أحدكم([9]).
أقول: أحمد بن محمد بن الصقر لم يرد فيه سوى كونه من مشايخ الصدوق([10])، وقد عرفت آنفاً أن ذلك لا يدل على وثاقة الرجل وعلى ذكر مشايخ الصدوق، فالصدوق نفسه لم يسلم من الطعن فيه، والخلاف في توثيقه، حتى توقف البعض فيه بحجة أنه لم يصرح بتوثيقه أحد من علماء الرجال، ونعته البعض بالكذب، حيث قال: الصدوق كذوب، وذكر آخر وهو أسد الله الكاظمي في (كشف القناع) أن الصدوق يقوم بالتغيير في الأحاديث مما يورث سوء الظن به، وخلص إلى القول بأن أمره مضطرب جداً([11])، أما ابن بسام والسعدي والخطاب فلم أجد من ترجم لهم عند القوم.
الرواية الرابعة: الصدوق، حدثنا أحمد بن الحسن القطان المعروف بأبي علي بن عبدالله عبدربه [عبدويه] العدل، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن زكريا القطان، قال: حدثنا بكر بن عبدالله بن حبيب، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الكوفي الجعفي، قال: حدثنا إبراهيم بن عبدالله السنجري [السحري] أبو إسحاق، عن يحيى بن الحسين المشهدي، عن أبي هارون العبدي، عن ربيعة السعدي، قال: سألت ابن عباس عن قول الله عز وجل: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]؟
قال: هو النجم الذي هوى مع طلوع الفجر فسقط في حجرة علي بن أبي طالب، وكان أبي العباسُ يحب أن يسقط ذلك النجم في داره، فيحوز الوصية والخلافة والإمامة، ولكن أبى الله أن يكون ذلك غير علي بن أبي طالب([12]).
أقول: أما أحمد بن الحسن، وأبو العباس القطان، وابن حبيب، فقد مرت ترجمتهم في تخريج الرواية الأولى، والسنجري أو السحري والمشهدي غير معروفين، والعبدي مجهول الحال عند القوم([13])، كذاب ومتروك الحديث عند أهل السنة، وكذا السعدي عند القوم([14])، ولم يرد في حقهما توثيق إلا ما قيل عن وثاقة كل من ورد في أسانيد تفسير القمي، وقد بينا بطلان هذه الدعوى فيما سبق، فراجعها.
الرواية الخامسة: فرات بن إبراهيم، حدثني جعفر بن أحمد معنعناً، عن عائشة قالت: بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس إذ قال له بعض أصحابه: من أخير الناس بعدك يا رسول الله؟ فأشار إلى نجم في السماء، فقال: من سقط هذا النجم في داره، فقال القوم: فما برحنا حتى سقط النجم في دار علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال بعض أصحابه ما قالوا: ما أشد ما رفع بضبع ابن عمه، فأنزل الله تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]([15]).
أقول: حسب الرواية هذه أنها من روايات تفسير فرات، فضلاً عن كونها معنعنة.
الرواية السادسة: فرات، حدثنا أبو الحسن أحمد بن صالح الهمداني معنعناً، عن عبدالله بن بريدة الأسلمي، عن أبيه رضي الله عنه قال: انقض نجم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من وقع هذا النجم في داره فهو الخليفة، فوقع النجم في دار علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقالت قريش: ضل محمد، فأنزل الله تبارك وتعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] ([16]).
الرواية السابعة: فرات، حدثنا علي بن أحمد بن خلف الشيباني معنعناً، عن نوف البكالي، عن علي بن أبي طالب قال: جاءت جماعة من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، انصب لنا علماً يكون لنا من بعدك لنهتدي ولا نضل كما ضلت بنو إسرائيل بعد موسى بن عمران، فقد قال ربك: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)) [الزمر:30]، ولسنا نطمع أن تعمر فينا ما عمر نوح في قومه، وقد عرفت منتهى أجلك ونريد أن نهتدي ولا نضل، قال: إنكم قريبو عهد بالجاهلية، وفي قلوب أقوام أضغان، وعسيت إن فعلت أن لا تقبلوا، ولكن من كان في منزلـه الليلة آية من غير ضير فهو صاحب الحق، قال: فلمَّا صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء وانصرف إلى منزلـه سقط في منزلي نجم أضاءت له المدينة وما حولها، وانفلق بأربع فلق انشعبت في كل شعبة فلقة من غير ضير، قال نوف: قال لي جابر بن عبدالله: إن القوم أصروا على ذلك وأمسكوا، فلمَّا أوحى الله إلى نبيه أن ارفع ضبع ابن عمك، قال: ياجبرئيل، أخاف من تشتت قلوب القوم، فأوحى الله تعالى إليه: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ)) [المائدة:67] قال: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً أن ينادي بالصلاة جامعة، فاجتمع المهاجرون والأنصار، فصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر قريش، لكم اليوم الشرف صفوا صفوفكم، ثم قال: يا معشر العرب، لكم اليوم الشرف صفوا صفوفكم، ثم قال: يا معشر الموالي، لكم اليوم الشرف صفوا صفوفكم، ثم دعا بدواة وقرطاس فأمر فكتب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال: شهدتم؟ قالوا: نعم، قال: أفتعلمون أن الله مولاكم؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فقبض على ضبع علي بن أبي طالب، فرفعه للناس حتى تبين بياض إبطيه، ثم قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، فأنزل الله تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] ([17]).
الرواية الثامنة: فرات، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم معنعناً، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت جالساً مع فتية من بني هاشم عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ انقض كوكب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من انقض هذا النجم في منزلـه فهو الوصي من بعدي، فقام فتية من بني هاشم، فإذا الكوكب قد انقض في منزل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قالوا: يا رسول الله، كل هذا رويت في علي، فأنزل الله تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] ([18]).
الرواية التاسعة: فرات، حدثنا محمد بن عيسى بن زكريا معنعناً، عن جعفر بن محمد قال: لما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يوم غدير خم، فذكر كلاماً، فأنزل الله تعالى على لسان جبرئيل عليه السلام، فقال له: يا محمد، إني منزل غداً ضحوة نجماً من السماء يغلب ضوؤه على ضوء الشمس، فأعلم أصحابك من سقط النجم في داره فهو الخليفة من بعدك، فأعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه غداً يسقط من السماء نجم يغلب ضوؤه ضوء الشمس، فمن سقط ذلك النجم في داره فهو الخليفة من بعدي، فجلسوا كلهم كل في منزلـه يتوقع أن يسقط النجم في منزلـه، فما لبثوا أن سقط النجم في منزل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة عليهما السلام، واجتمع القوم وقالوا: والله ما تكلم فيه إلا بالهوى، فأنزل الله تعالى على نبيه: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] ([19]).
جميع الروايات السابقة من تفسير فرات بن إبراهيم، وقد أوقفناك على قيمة تفسيره هذا، وكذا حال فرات نفسه، ومعظم رجال الأسانيد السابقة -رغم أنها مبتورة ومعنعنة- مجاهيل عند القوم([20]).
الرواية العاشرة: الماهيار، عن جعفر بن محمد العلوي، عن عبدالله بن محمد الزيات، عن جندل بن والق، عن محمد بن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر بن محمد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا سيد الناس ولا فخر، وعلي سيد المؤمنين، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، فقال رجل من قريش: والله ما يألو يطري ابن عمه، فأنزل الله سبحانه: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] ([21]).
فالزيات ليس له ذكر في كتب الرجال، وابن والق لم يترجم له القوم، وعند أهل السنة هو صدوق يغلط.
الرواية الحادية عشرة: الماهيار، حدثنا أحمد بن القاسم، عن منصور بن العباس، عن الحصين، عن العباس القصباني، عن داود بن الحصين، عن فضل بن عبد الملك، عن أبي عبدالله قال: لما أوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين يوم غدير خم افترق الناس ثلاث فرق، قالت فرقة: ضل محمد، وفرقة قالت: غوى، وفرقة قالت: بهواه يقول في أهل بيته وابن عمه، فأنزل الله سبحانه: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]([22]).
أقول: ابن القاسم مجهول([23])، ومنصور بن العباس لم يوثقه أحد، وقال البعض باضطرابه([24]).
ولا تغتر بقول الخوئي بوثاقة الرجل؛ لأنه وقع في إسناد كامل الزيارات لابن قولويه، لأن مبعث هذا القول عنده هو ما ذكره ابن قولويه في مقدمة كتابه المذكور من أنه لا يذكر فيه إلا ما ورد من طرق الثقات([25]).
وقد استظهر البعض فساد هذا القول باعتبارات عدة، منها: أن قولـه -أي: ابن قولويه- إنما هو محمول على مشايخه الذين صدر بهم سند أحاديث كتابه، لا كل من ورد في إسناد الروايات([26]).
وعلى أي حال، يذكر البعض أن الخوئي قد تراجع عن توثيقه لكل من وقع في أسانيد الكتاب المذكور.
والحصين اختلفت نسخ المصادر في ذكره، بين: الحصين، كما مرَّ عن البرهان وبعض نسخ تأويل الآيات، وبين: منصور بن العباس الحصين، كما في بعض نسخ التأويل، وبين: داود بن الحصين، كما في البحار والكنز والتأويل، ولا أظنه داود بن الحصين الأسدي الكوفي الوارد في السند نفسه، وهو رغم الاختلاف فيه يروي عن الصادق، أما صاحبنا فروايته عن الصادق بثلاث وسائط([27])، ولا يبعد أن يكون الحصين الأول إنما هو من سهو النساخ.
وعلى أي حال، فهذا السند كله ظلمات.
هذه كل الروايات التي جاءت بأسانيدها من طرق القوم في نزول قولـه عز وجل: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]، في شأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورأيت أنه لم يصح منها شيء، ولعلك رأيت أيضاً خلو مصادر القوم المعتبرة منها، واقتصارها على كتب الصدوق وتفسير فرات والماهيار.. فتأمل!
أما المتون فإليك التعليق عليها:
لن نتكلم بطبيعة الحال عن اختلاف الألفاظ، لأنك لن تجد روايتين متشابهتين، سواء التي ذكرناها أو تلك التي أعرضنا عنها لعدم ورودها بأسانيدها، وهذا بيّن.
وإنما حسبك الاضطراب في وقت نزول النجم.
ففي رواية: مع طلوع الفجر.
وفي رواية: بعد طلوع الفجر.
وفي رواية: أن وقت نزوله ضحوة حتى غلب على ضوء الشمس كما في الرواية التاسعة.
وأيضاً: الاضطراب بين كون القصة في أوائل العهد المكي -باعتبار أن سورة النجم من أوائل ما نزل من القرآن- وبين كونها في المدينة بعد الهجرة.
وأيضاً: الاضطراب بين كونها في فتح مكة، أو عند عودته من الفتح ونزوله صلى الله عليه وسلم غدير خم، أو في مرض موته صلى الله عليه وسلم، وهذا الأخير كما في الرواية الأولى -وهي أن نزولها كان في مرض موته صلى الله عليه وسلم- لا أظن أن القوم يسرهم ثبوتها؛ ذلك أنه على فرض ثبوتها يسقط كل ما يورده القوم من استدلالات في إثبات الإمامة قبل هذا النص بما في ذلك روايات غدير خم، وقد تحدثنا بعض الشيء عن هذه الرواية في الباب الأول وأوردنا هناك بعض الشبهات.
وإذا عرفت -أيضاً- أن سورة النجم من أوائل ما نزل من القرآن في مكة، حيث نزل بعدها [63] سورة مكية، و[28] سورة مدنية، كما يعرف ذلك من تسلسل نزول القرآن الكريم؛ عرفت استحالة رواية عبدالله بن عباس رضي الله عنهما لهذه القصة، فابن عباس رضي الله عنهما كان مولده بشعب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين، وعلى هذا فإما أنه لم يكن قد ولد بعد عند نزول هذه الآية، أو أن روايته لهذه القصة كانت في إحدى هذه السنين الثلاث في مكة، وهذا لا يقول به أحد.
كما لم يختلف أحد من المسلمين شيعة كانوا أم سنة في أن سورة النجم من السور المكية إلا الآية [32] على خلاف؛ وهي قولـه: ((الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ)) [النجم:32]، وإذا عرفت هذا أيضاً -أي: من شأن نزول هذه السورة في أوائل العهد المكي- فاعلم بأن الاستدلال بهذه القصة مخالف لادعاء القوم أن الإمامة آخر ما نزل من الأركان، وأن ذلك كان بعد فريضة الحج، حيث أنزل الله فيها بزعمهم: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً)) [المائدة:3]، أما في قصتنا هذه فلم تكن الزكاة والصوم والحج قد فرضت بعد.
وإذا تأملت هذا الاختلاف الشديد بين الروايات علمت أنها قد وضعت ونسبت إلى الأئمة، وكل ذلك لمحاولة إثبات هذه العقيدة المنحرفة؛ وقد قال سبحانه: ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82].
ومن الردود أيضاً: أن من قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: غويت، فهو كافر، والكفار لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالفروع قبل الشهادتين والدخول في الإسلام.
وبعيداً عن هذا كله: فمن المعلوم -حتى لدى الصغير- أن النجم عبارة عن كتلة مستديرة من غازات شديدة الحرارة، وأن هناك فرقاً بين الكواكب والنجوم، حيث إن النجوم ذات إضاءة ذاتية، بينما الكواكب تعكس ضوء النجوم، ولا ينبغي أن يكون النازل في أو على دار علي رضي الله عنه والذي غلب ضوؤه ضوء الدنيا أو الشمس لا ينبغي أن يكون كوكباً كما في بعض الروايات السابقة، لأنه كتلة حجرية غير مضيئة، إنما المضيء هو النجم، ولو افترضنا أن أصغر نجم هو بحجم الأرض، فأين تكون دار أمير المؤمنين رضي الله عنه في مكة أو المدينة من ذلك.
فضلاً عن أن النجوم والكواكب لا تزول عن مستقرها ومداراتها، وإنما قيل بانفصال شهب من الكواكب تكون رجوماً للشياطين، وليست فضيلة أو كرامة لأحد.
ولأجل كل هذا وغيره، فقد نزه الكثير من علماء القوم مصنفاتهم -رغم احتوائها على الكثير من المآخذ- عن إيراد مثل هذه السفاسف([28]).
بل ذهب بعضهم إلى التهكم بهذه الرواية قائلاً: إن أصغر النجوم هو أكبر من الأرض..فكيف يعقل استيعاب دار علي لنجم لا تستوعبه الأرض بأكملها([29])؟!
ومن الطرائف في قصتنا هذه، تحديد البعض لهذا النجم، فقد ذكر صاحب المناقب أن النجم كان الزهرة، وقيل: الثريا([30]).
ومن الروايات الطريفة في موضوعنا، رواية ذكرها صاحب إرشاد القلوب، عن الباقر قال: اجتمع التسعة المفسدون في الأرض في دار الأقرع بن حابس التميمي وكان يسكنها في ذلك الوقت صهيب الرومي، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وأيضاً ابن عوف الزهري، وأبوعبيدة بن الجراح([31])، فقالوا: لقد أكثر محمد في حق علي حباً حتى لو أمكنه أن يقول لنا: اعبدوه لقال، فقال سعد بن أبي وقاص: ليت محمداً أتانا فيه بآية من السماء كما آتاه الله في نفسه من الآيات مثل انشقاق القمر وغيره، وباتوا ليلتهم تلك، فنزل نجم من السماء حتى صار في ذروة جدار أمير المؤمنين معلقاً يضيء في سائر المدينة، حتى دخل ضياؤه في البيوت وفي الآثار وفي المغارات وفي المواضع المظلمة من بيوت الناس، فذعر أهل المدينة ذعراً شديداً، وخرجوا وهم لا يعلمون ذلك النجم على دار من نزل ولا هو متعلق، لكن يرونه على بعض منازل رسول الله، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ضجيج الناس خرج إلى المسجد ونادى في الناس: ما الذي أرعبكم وأخافكم، هذا النجم على دار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: أفلا تقولون لمنافقيكم التسعة الذين اجتمعوا في أمسكم في دار صهيب الرومي وقالوا فِيَّ وفي أخي علي بن أبي طالب ما قالوا؟
وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر مغلساً بها، وأقبل الناس يقولون: ما بقي نجم في السماء، وهذا النجم معلق، فقال لهم رسول الله: هذا حبيبي جبرئيل عليه السلام قد أنزل علي النجم قرآناً تسمعونه، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1] الآيات، ثم ارتفع النجم وهم ينظرون إليه والشمس قد بزغت وغاب النجم في السماء، فقال بعض المنافقين: لو شاء لأمر هذه الشمس فنادت باسم علي، وقالت: هذا ربكم فاعبدوه، فهبط جبرئيل عليه السلام وأخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بما قالوا، فاستدعى علياً وقال له: يا أبا الحسن، إن قوماً من منافقي أمتي ما قنعوا بآية النجم حتى قالوا: لو شاء محمد لأمر الشمس أن تنادي باسم علي وتقول: هذا ربكم فاعبدوه، وأمره أن يخرج إلى بقيع الغرقد في الغد ليخاطب الشمس وتخاطبه، فسمع الناس ما قال رسول الله وسمع التسعة المفسدون في الأرض، فقال بعضهم لبعض: لا تزالون تغرون محمداً بأن يظهر في ابن عمه كل آية ولبئس ما قال محمد في هذا اليوم، فقال اثنان منهم، وأقسما بالله جهد أيمانهما -وهما أبو بكر وعمر-: لا بد أن نحضر البقيع حتى ننظر ونسمع ما يكون من علي والشمس، فذكر خروجه ومخاطبته للشمس قائلاً: السلام عليك يا خلق الله الجديد، فأنطقها الله بلسان عربي مبين، فقالت: السلام عليك يا أخا رسول الله ووصيه، أشهد بأنك الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنك عبدالله وأخو رسوله حقاً... والقصة طويلة([32]).
أما الروايات الصحيحة في تفسير هذه الآية فإليك ما يلي:
ذكر الطبرسي أن هناك أقوالاً في قوله تعالى: ((وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)) [النجم:1]، منها: أن الله أقسم بالقرآن إذ أنزل نجوماً متفرقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، فسمي القرآن نجماً لتفرقه في النزول.
ومنها: أنه أراد الثريا، أقسم بها إذا سقطت مع الفجر، والعرب تطلق اسم النجمة على الثريا خاصة.
ومنها: أن المراد به جماعة النجوم إذا هوت، أي: سقطت وغابت وخفيت عن الحس وأراد به الخنس.
ومنها: أنه يعني به الرجوم من النجوم، وهو ما يرمى به الشياطين عند استراق السمع([33]).
ويقول الطباطبائي: إن المراد بالنجم هو مطلق الجرم السماوي المضيء، وقد أقسم الله في كتابه بكثير من خلقه.
ومنها: عدة من الأجرام السماوية كالشمس والقمر وسائر السيارات، وعلى هذا فالمراد بهويّ النجم سقوطه للغروب([34]).
ويقول مغنية: المراد بالنجم كل نجم؛ لأن الألف واللام للجنس، وأن معنى هوت النجوم أنها تسقط وتتناثر في الفضاء يوم القيامة بدليل قوله: ((وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ)) [الانفطار:2]([35]). وغيرها.
وكلها تدل دلالة واضحة على بُعد ما جاء في الروايات التي في موضوع الباب.
وعلى أي حال، ما كان أغنانا عن كل هذا لو لا أننا لازلنا نرى البعض يسود كتبه بأمثال هذه التخرصات التي لم يحتج بها الأمير نفسه في مواطن الاحتجاج في إثبات إمامته بزعم القوم.
وأخيراً فهذا الاستدلال يسقط الاستدلال السابق -أعني: حديث بدء الدعوة- لأن فيه أن الأمر الأول لم يكن أصلاً.. فتدبر!
_________________________________
([1]) أمالي الصدوق: (468)، البرهان: (4/224)، البحار: (35/273)، المناقب: (3/10)، إثبات الهداة: (2/70، 169، 178)، تأويل الآيات الظاهرة: (2/621)، نور الثقلين: (5/145).
([2]) معجم الخوئي: (2/86).
([3]) معجم الخوئي: (2/363).
([4]) معجم الخوئي:(3/349)،جامع الرواة:(1/127)،النجاشي:(1/271)،مجمع الرجال:(1/275).
([5]) معجم الخوئي: (4/331، 333)، مجمع الرجال: (2/111)، الكشي: ترجمة: (298)، النجاشي: (1/152)، الطوسي: (166، 183)، المناقب: (4/281)، جامع الرواة: (1/199، 200).
([6]) أمالي الصدوق: (453)، البرهان: (4/244)، البحار: (35/272)، تفسير فرات: (2/451) (الحاشية)، تأويل الآيات الظاهرة: (2/622)، بشارة المصطفى: (231)، نور الثقلين: (5/144)، إثبات الهداة: (2/68)، الصافي: (5/84).
([7]) معجم الخوئي: (5/115).
([8]) عيون أخبار الرضا: (2/312)، معاني الأخبار: (56)، علل الشرايع:(134)، معجم الخوئي: (2/92).
([9]) أمالي الصدوق: (453)، البرهان: (4/244)، البحار: (35/273)، تفسير فرات:(2/452) (الحاشية)، نور الثقلين: (5/145).
([10]) معجم الخوئي: (2/128، 284، 333)، جامع الرواة: (1/67).
([11]) معجم الخوئي: (16/323)، روضات الجنات: (6/136)، لؤلؤة البحرين: (374)، الخصال: مقدمة المحقق (صفحة:ب).
([12]) أمالي الصدوق: (454)، البرهان: (4/244)، البحار: (35/273)، تفسير فرات: (2/452) (الحاشية)، إثبات الهداة: (2/69)، مستدرك الوسائل: (7/256).
([13]) معجم الخوئي: (22/72)، جامع الرواة: (2/421).
([14]) معجم الخوئي: (7/180).
([15]) تفسير فرات: (2/449)، البحار: (35/280).
([16]) تفسير فرات: (2/449)، البحار: (35/281).
([17]) تفسير فرات: (2/450)، البحار: (35/281).
([18]) تفسير فرات:(2/451)، البحار:(35/283)، تأويل الآيات الظاهرة:(2/620)،الطرائف:(22) العمدة: (78)، البرهان: (4/246).
([19]) تفسير فرات: (2/451)، البحار: (35/283).
([20]) معجم الخوئي: (19/185).
([21]) تأويل الآيات الظاهرة: (2/623)، البحار: (24/322)، البرهان: (4/245)، كنز الفوائد:(314) (وفي البحار والكنز: محمد بن يحيى بدل ابن أبي عمير).
([22]) تأويل الآيات الظاهرة: (2/623)، البحار: (24/434)، البرهان: (4/245)، شرح الأخبار: (1/473).
([23]) معجم الخوئي: (2/190)(9/231)، الخلاصة: (205)، جامع الرواة: (1/58)، مجمع الرجال: (1/134).
([24]) معجم الخوئي: (18/350)، النجاشي: (2/353)، الفهرست: (197)، الطوسي: (407، 423، 515)، مجمع الرجال: (6/144).
([25]) معجم الخوئي: (1/50).
([26]) انظر إن شئت: خاتمة مستدرك الوسائل: (3/522)، كليات في علم الرجال: (299).
([27]) معجم الخوئي: (7/97)، النجاشي: (1/367)، تنقيح المقال: (1/408)، الطوسي: (349)، الفهرست: (97)، الخلاصة: (221)، مجمع الرجال: (2/280)، جامع الرواة: (1/302).
([28]) من هؤلاء: الطبرسي في مجمعه، والأميني في غديره، ومغنية في كشافه، والطباطبائي في ميزانه، وغيرهم.
([29]) الأخبار الدخيلة، للتستري: (217)، الموضوعات في الآثار والأخبار، لهاشم معروف: (151).
([30]) المناقب: (3/11)، البحار: (35/274).
([31]) علة تحديد أسماء هؤلاء دون بقية الصحابة غير خافية، فهؤلاء التسعة مبشرون بالجنة عند أهل السنة.
([32]) إرشاد القلوب: (269)، البحار: (35/276).
([33]) مجمع البيان: (9/260).
([34]) تفسير الميزان: (19/26).
([35]) التفسير الكاشف: (7/173).
نقلاً عن كتاب الإمامة والنص لفيصل نور
عدد مرات القراءة:
6256
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :