التبيان في تفسير القرآن
لإبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي الملقب عند الشيعة بشيخ الطائفة (ت : 460 هـ). يقع في عشرة مجلدات ضخمة تحتوي على (٥٣١٢) صفحة. قال في مقدمته، ذاكراً الأسباب التي دعته غى تصنيفه: أما بعد ، فان الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب اني لم أجد أحدا من أصحابنا - قديما وحديثا - من عمل كتابا يحتوي على تفسير جميع القران ، ويشتمل على فنون معانيه وإنما سلك جماعة منهم في جميع ما رواه ونقله وانتهى إليه في الكتب المروية في الحديث ، ولم يتعرض أحد منهم لاستيفاء ذلك ، وتفسير ما يحتاج إليه . فوجدت من شرع في تفسير القرآن من علماء الأمة ، بين مطيل في جميع معانيه ، واستيعاب ما قيل فيه من فنونه - كالطبري وغيره - وبين مقصر اقتصر على ذكر غريبه ، ومعاني ألفاظه . وسلك الباقون المتوسطون في ذلك مسلك ما قويت فيه منتهم وتركوا مالا معرفة لهم به فان الزجاج والفراء ومن أشبههما من والنحويين ، أفرغوا وسعهم فيما يتعلق بالاعراب والتصريف . ومفضل بن سلمة وغيره - استكثروا من علم اللغة ، واشتقاق الألفاظ . والمتكلمين - كأبي علي الجبائي وغيره - صرفوا همتهم إلى ما يتعلق بالمعاني الكلامية . ومنهم من أضاف إلى ذلك ، الكلام في فنون علمه ، فادخل فيه ما لا يليق به ، من بسط فروع الفقه ، واختلاف الفقهاء - كالبلخي وغيره - وأصلح من سلك في ذلك مسلكا جميلا مقتصدا ، محمد ابن بحر ، أبو مسلم الاصفهاني ، وعلي بن عيسى الرماني ، فان كتابيهما أصلح ما صنف في هذا المعنى ، غير أنهما أطالا الخطب فيه ، وأوردا فيه كثيرا مما لا يحتاج وسمعت جماعة من أصحابنا قديما وحديثا ، يرغبون في كتاب مقتصد يجتمع على جميع فنون علم القرآن ، من القراءة ، والمعاني والاعراب ، والكلام على المتشابه ، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه ، وأنواع المبطلين ، كالمجبرة ، والمشبهة والمجسمة وغيرهم ، وذكر ما يختص أصحابنا به من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذاهبهم في أصول الديانات وفروعها. وأنا إن شاء الله تعالى ، أشرع في ذلك على وجه الايجاز والاختصار لكل فن من فنونه ، ولا أطيل فيمله الناظر فيه ، ولا اختصر اختصارا يقصر فهمه عن معانيه وأقدم امام ذلك ، فصلا يشتمل على ذكر جمل لابد من معرفتها دون استيفائها ، فان لاستيفاء الكلام فيها مواضع هي أليق به ومن الله استمد المعونة ، وأستهديه إلى طريق الرشاد ، بمنه وقدرته إن شاء الله تعالى[1]. بعض ما يميز تفسير التبيان:
وبهذا يكون التبيان أوّل محاولة تفسيرية كاملةٍ عند الشيعة الإماميّة التي لازالت موضع تقدير العلماء وإجلالهم[2]. النزعات الشيعية في تفسير التبيان. يميل البعض إلى إعتبار تفسير التبيان من أقرب تفاسير الشيعة إلى أصول تفاسير أهل السنة من حيث خلوه أو يكاد من التأويل الباطني والمُتناقضات ومُحالات العقول، وكذلك إكثاره من النقل عن الصحابة والتابعين، في مقابل قلة النقل عن أئمة الشيعة، إلا ما وافقت فيه أقوالهم أقوال أهل السنة. ولا شك أن هذا القول فيه شيء من الصحة، ولكن هناك مسائل يجب أن يقف عليها القاريء، ليُكَون صورة واضحة عن حقيقة هذا التفسير. من ذلك أن علماء الشيعة أو بعضهم ذهب إلى القول أن تفسير التبيان وضع على طريقة التقية ومداراة أهل السنة. يقول النوري الطبرسي : لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان - وهو الكتاب الذي ادعى فيه الطوسي بأن القرآن غير محرف - أن طريقته فيه على نهاية المداراة والمماشاة مع المخالفين؛ فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن جريج والجبائي والزجاج وابن زيد وأمثالهم، ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية، ولم يذكر خبراً عن أحد من الأئمة عليهم السلام، إلا قليلا في بعض المواضع لعله وافقه في نقله المخالفون، بل عد الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذين حمدت طرائقهم ومدحت مذاهبهم وهو بمكان من الغرابة، فلو لم يكن على وجه المماشاة فمن المحتمل أن يكون هذا القول منه نحو ذلك[3]. ويقول ابن طاووس : ونحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب التبيان وحملته التقية على الاقتصار عليه من تفصيل المكي من المدني والخلاف في أوقاته وما اقتصر عليه من الأقاويل في عدد آياته[4]. ومنها إنتصاره لعقائد طائفته، ولو على حساب الطعن في الصحابة رضي الله عنهم في بعضها. من ذلك قوله في تفسير قول الله عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ). قال : وروى أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهم الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله فلذلك أوجب الله تعالى طاعتهم بالاطلاق ، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك . ولا يجوز ايجاب طاعة أحد مطلقا إلا من كان معصوما مأمونا منه السهو والغلط ، وليس ذلك بحاصل في الامراء ، ولا العلماء ، وإنما هو واجب في الأئمة الذين دلت الأدلة على عصمتهم وطهارتهم ... وقوله : ( فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) فمعنى الرد إلى الله هو إلى كتابه والرد إلى رسوله هو الرد إلى سنته ... والرد إلى الأئمة يجري مجرى الرد إلى الله والرسول ، ولذلك قال في آية أخرى " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " ولأنه إذا كان قولهم حجة من حيث كانوا معصومين حافظين للشرع جروا مجرى الرسول في هذا الباب[5]. وفي قوله تعالى : (إلا تنصروه فقد نصره الله إذا أخرجه الذين كفروا تاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم). قال : ليس في الآية ما يدل على تفضيل أبي بكر ، لان قوله " ثاني اثنين " مجرد الاخبار أن النبي صلى الله عليه وآله خرج ومعه غيره ، وكذلك قوله " إذ هما في الغار " خبر عن كونهما فيه ، وقوله " إذ يقول لصاحبه " لا مدح فيه أيضا ، لان تسمية الصاحب لا تفيد فضيلة ألا ترى أن الله تعالى قال في صفة المؤمن والكافر " قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك " وقد يسمون البهيمة بأنها صاحب الانسان كقول الشاعر ( وصاحبي بازل شمول ) وقد يقول الرجل المسلم لغيره : ارسل إليك صاحبي اليهودي ، ولا يدل ذلك على الفضل ، وقوله " لا تحزن " إن لم يكن ذما فليس بمدح بل هو نهي محض عن الخوف ، وقوله " إن الله معنا " قيل إن المراد به النبي صلى الله عليه وآله ، ولو أريد به أبو بكر معه لم يكن فيه فضيلة ، لأنه يحتمل أن يكون ذلك على وجه التهديد ، كما يقول القائل لغيره إذا رآه يفعل القبيح لا تفعل إن الله معنا يريد أن متطلع علينا ، عالم بحالنا . والسكينة قد بينا أنها نزلت على النبي صلى الله عليه وآله بما بيناه من أن التأييد بجنود الملائكة كان يختص بالنبي صلى الله عليه وآله فأين موضع الفضيلة للرجل لولا العناد[6]. وفي قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم). قال : واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية على أربعة أقول.. – وذكر منها - : قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام وروي ذلك عن عمار وحذيفة ، وابن عباس : أنها نزلت في أهل البصرة ومن قاتل عليا عليه السلام فروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : يوم البصرة " والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم " وتلا هذه الآية . ومثل ذلك روى حذيفة ، وعمار وغيرهما . والذي يقوي هذا التأويل أن الله تعالى وصف من عناده بالآية بأوصاف وجدنا أمير المؤمنين عليه السلام مستكملا لها بالاجماع ، لأنه قال : " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين " وقد شهد النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام بما يوافق لفظ الآية في قوله وقد ندبه لفتح خيبر بعد فرار من فر عنها واحدا بعد واحد ( لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يديه ) فدفعها إلى أمير المؤمنين ، فكان من ظفره ما وافق خبر الرسول صلى الله عليه وآله . ثم قال " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين " فوصف من عناه بالتواضع للمؤمنين والرفق بهم ، والعزة على الكافرين . والعزيز على الكافرين هو الممتنع من أن ينالوه مع شدة نكايته فيهم ووطأته عليهم ، وهذه أوصاف أمير المؤمنين عليه السلام التي لا يدانى فيها ولا يقارب . ثم قال " يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم " فوصف - جل اسمه من عنا بهذا الجهاد وبما يقتضي الغلية فيه ، وقد علمنا أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله بين رجلين : رجلا لا عناء له في الحرب ولا جهاد . والآخر له جهاد وعناء ، ونحن نعلم قصور كل مجاهد عن منزلة أمير المؤمنين عليه السلام في الجهاد ، فإنهم مع علو منزلتهم في الشجاعة وصدق البأس لا يلحقون منزلته ولا يقاربون رتبته لأنه عليه السلام المعروف بتفريج الغمم ، وكشف الكرب عن وجه الرسول صلى الله عليه وآله وهو الذي لم يحم قط عن قرن ، ولا نكص عن هول ، ولا ولى الدبر ، وهذه حالة لم تسلم لاحد قبله ولا بعده فكان عليه السلام بالاختصاص بالآية أولى لمطابقة أوصافه لمعناها . فاما من قال أنها نزلت في أبي بكر فقوله بعيد من الصواب ، لأنه تعالى إذا كان وصف من أراده بالآية بالعزة على الكافرين وبالجهاد في سبيله مع اطراح خوف اللوم كيف يجوز أن يظن عاقل توجه الآية إلى من لم يكن له حظ في ذلك الموقف لان المعلوم أن أبا بكر لم يكن له نكاية في المشركين ، ولا قتيل في الاسلام ، ولا وقف في شئ من حروب النبي صلى الله عليه وآله موقف أهل البأس والفناء ، بل كان الفرار شيمته ، والهرب ديدنه ، وقد انهزم عن النبي صلى الله عليه وآله في مقام بعد مقام ، فانهزم يوم أحد ويوم حنين ، وغير ذلك ، فكيف يوصف بالجهاد في سبيل الله - على ما يوصف في الآية - من لا جهاد له جملة . وهل العدول بالآية عن أمير المؤمنين عليه السلام مع العلم الحاصل بموافقة أوصافه لها إلى غيره إلا عصبية ظاهرة . ولم يذكر هذا طعنا على أبي بكر ( رضي الله عنه ) ولا قدحا فيه ، لان اعتقادنا فيه أجمل شئ ، بل قلنا أليس في الآية دلالة على ما قال[7]. وفي قوله تعالى : (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين). قال : استدل أصحابنا بهذه الآية على أن الامام لا يكون إلا معصوما من القبائح ، لان الله تعالى نفى ان ينال عهده - الذي هو الإمامة - ظالم ، ومن ليس بمعصوم فهو ظالم : إما لنفسه ، أو لغيره . فان قيل : إنما نفى ان يناله ظالم - في حال كونه كذلك - : فاما إذا تاب وأناب ، فلا يسمى ظالما ، فلا يمتنع أن ينال . قلنا : إذا تاب لا يخرج من أن تكون الآية تناولته - في حال كونه ظالما - فإذا نفي ان يناله ، فقد حكم عليه بأنه لا ينالها ، ولم يفد انه لا ينالها في هذه الحال دون غيرها ، فيجب ان تحمل الآية على عموم الأوقات في ذلك ، ولا ينالها وإن تاب فيما بعد[8]. قوله تعالى : (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون). قال : اعلم إن هذه الآية من الأدلة الواضحة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي بلا فصل . ووجه الدلالة فيها أنه قد ثبت أن الولي في الآية بمعنى الأولى والأحق . وثبت أيضا أن المعني بقوله " والذين آمنوا " أمير المؤمنين عليه السلام فإذا ثبت هذان الأصلان دل على إمامته ، لان كل من قال : ان معنى الولي في الآية ما ذكرناه قال إنها خاصة فيه . ومن قال باختصاصها به عليه السلام قال المراد بها الإمامة[9]. قوله تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فان الله هو موليه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير. قال : وروت الخاصة والعامة أن المراد بصالح المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وذلك يدل على أنه أفضلهم[10]. قوله تعالى : (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين). قال : قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام إن الله تعالى : لما أوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله أن يستخلف عليا كان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعا له على القيام بما أمره بأدائه . والآية فيها خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وإيجاب عليه تبليغ ما أنزل إليه من ربه وتهديد له إن لم يفعل وانه يجري مجري إن لم يفعل ولم يبلغ رسالته[11]. قوله تعالى : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما ). قال بعد أن ذكر أن ( فما استمتعتم به منهن ) هو المتعة إلى أجل مسمى ، وهو مذهبنا: وأما الخبر الذي يروونه أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن المتعة ، فهو خبر واحد لا يترك له ظاهر القرآن ، ومع ذلك يختلف لفظه وروايته فتارة يروون أنه نهى عنها في عام خيبر ، وتارة يروون أنه نهى عنها في عام الفتح ، وقد طعن أيضا في طريقه بما هو معروف ، وأدل دليل على ضعفه قول عمر : ( متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما ) فأخبر أن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنه الذي نهى عنهما ، لضرب من الرأي . فان قالوا . إنما نهى لان النبي صلى الله عليه وآله كان نهى عنهما ، قلنا : لو كان كذلك لكان يقول : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فنهى عنهما ، وأنا أنهى عنهما أيضا ، فكان يكون آكد في باب المنع ، فلما لم يقل ذلك دل على أن التحريم لم يكن صدر عن النبي صلى الله عليه وآله ، وصح ما قلناه . وقال الحكم بن عتيبة ، قال علي عليه السلام لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي[12]. بقيت مسألة وهي كيفية إنتقال روايات أهل السنة إلى تفاسير الشيعة ونسبتها إلى الأئمة، من خلال تفسير التبيان للطوسي؟ المعلوم أن الطوسي ينقل كثيراً عن تفسير الطبري رحمه الله، ويقول قال أبو جعفر (أي الطبري)، او رواه أبو جعفر. وظن من جاء بعد الطوسي من مفسري الشيعة أو النُسّاخ أو المحققين، أن المقصود من أبي جعفر هنا هو الباقر رحمه الله، فنقله على أنها عن الباقر. مثال على هذا: قال الطبري رحمه الله : أن آدم أمر ابنه قابيل أن ينكح أخته توأمة هابيل ، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قابيل . فسلم لذلك هابيل ورضى ، وأبي قابيل ذلك وكرهه ، تكرما عن أخت هابيل ، ورغب بأخته عن هابيل ، وقال : نحن ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض ، وأنا أحق بأختي ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول : كانت أخت قابيل من أحسن الناس ، فضن بها على أخيه وأرادها لنفسه ، فالله أعلم أي ذلك كان . فقال له أبوه : يا بني إنها لا تحل لك فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه ، فقال له أبوه : يا بني فقرب قربانا ، ويقرب أخوك هابيل قربانا ، فأيكما قبل الله قربانه فهو أحق بها . وكان قابيل على بذر الأرض ، وكان هابيل على رعاية الماشية ، فقرب قابيل قمحا وقرب هابيل أبكارا من أبكار غنمه وبعضهم يقول : قرب بقرة فأرسل الله نارا بيضاء ، فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل ، وبذلك كان يقبل القربان إذا قبله[13]. وجاء الطوسي في التبيان وقال : ... قال أكثر المفسرين ورواه أبو جعفر وغيره من المفسرين : أنه ولد لكل واحد من قابيل وهابيل أخت توأم له فأمر آدم كل واحد بتزويج أخت الآخر . وكانت أخت قابيل أحسن من الأخرى ، فأرادها ، وحسد أخاه عليها ، فقال آدم قربا قربانا ، فأيكما قبل قربانه فهي له ، وكان قابيل صاحب زرع فعمد إلى أخبث طعام . وعمد هابيل إلى شاة سمينة ولبن وزبد ، فصعدا به الجبل فأتت النار فأكلت قربان هابيل ، ولم تعرض لقربان قابيل[14]. فجاء الطبرسي مثلاً وقال في تفسيره بعد أن نقل القصة : روي ذلك عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، وغيره من المفسرين[15]. مثال آخر: قال الطبري : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم . . . الآية ، قال : كان عدي وتميم الداري وهما من لخم نصرانيان يتجران إلى مكة في الجاهلية . فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حولا متجرهما إلى المدينة ، فقدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص المدينة ، وهو يريد الشام تاجرا . فخرجوا جميعا ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية ، فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه ، ثم أوصى إليهما . فلما مات ، فتحا متاعه ، فأخذا ما أرادا . ثم قدما على أهله فدفعا ما أرادا ، ففتح أهله متاعه ، فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به ، وفقدوا شيئا فسألوهما عنه ، فقالوا : هذا الذي قبضنا له ودفع إلينا قال لهما أهله : فباع شيئا أو ابتاعه ؟ قالا : لا . قالوا : فهل استهلك من متاعه شيئا ؟ قالا : لا . قالوا : فهل تجر تجارة ؟ قالا : لا . قالوا : فإنا قد فقدنا بعضه فاتهما ، فرفعوهما إلى رسول الله ( ص ) ، فنزلت هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت . . . إلى قوله : إنا إذا لمن الآثمين[16]. قال الطوسي : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين). قال : ذكر الواقدي وأبو جعفر ( ع ) أن سبب نزول هذه الآية ما قال أسامة بن زيد عن أبيه قال : كان تميم الداري وأخوه عدي نصرانيين وكان متجرهما إلى مكة ، فلما هاجر رسول الله ( ع ) إلى المدينة قدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص المدينة وهو يريد الشام تاجرا فخرج هو وتميم الداري وأخوه عدي حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض ابن أبي مارية فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى اليهما ودفع المال اليهما وقال أبلغنا هذا أهلي ، فلما مات فتحا المتاع وأخذا ما أعجبهما مناه ثم رجعا بالمال إلى الورثة ، فلما فتش القوم المال فقدوا بعض ما كان خرج به صاحبهم ، ونظروا إلى الوصية فوجدوا المال فيما تاما وكلموا تميما وصاحبه ، فقالا : لاعلم لنا به وما دفعه الينا أبلغناه كما هو ، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وآله فنزلت هذه الآية[17]. فجاء الطبرسي وقال : سبب نزول هذه الآية أن ثلاثة نفر خرجوا من المدينة تجارا إلى الشام : تميم بن أوس الداري ، وأخوه عدي ، وهما نصرانيان ، وابن أبي مارية ، مولى عمرو بن العاص السهمي ، وكان مسلما ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، مرض ابن أبي مارية ، فكتب وصيته بيده ، ودسها في متاعه ، وأوصى إليهما ، ودفع المال إليهما ، وقال : أبلغا هذا أهلي . فلما مات ، فتحا المتاع ، وأخذا ما أعجبهما منه ، ثم رجعا بالمال إلى الورثة . فلما فتش القوم المال ، فقدوا بعض ما كان قد خرج به صاحبهم ، فنظروا إلى الوصية ، فوجدوا المال فيها تاما ، فكلموا تميما وصاحبه ، فقالا : لا علم لنا به وما دفعه إلينا أبلغناه ، كما هو ، فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فنزلت الآية ، عن الواقدي ، عن أسامة بن زيد ، عن أبيه ، وعن جماعة المفسرين ، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام[18]. فظن أن المقصود بأبي جعفر هنا هو الباقر وليس الطبري، وكذلك من أشرف على تحقيق وطباعة التبيان ظن ذلك ووضع كلمة (ع) ، والنسخ القديمة للتبيان ليس فيها (ع). وقد تفطن بعض علماء الشيعة لهذا[19]. ولعل الأمر يحتاج إلى مزيد من البحث.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video