الكاتب : فيصل نور ..
تبريز
تبريز (بالفارسيَّة الفهلويَّة: تَپَريز) هي إحدى أهم وأبرز المدن في إيران وعاصمة مُحافظة أذربيجان الشرقيَّة. تقع في غرب محافظة أذربيجان الشرقيَّة.
تصل مساحة المدينة إلى حوالي 237,45 كيلومتر مُربَّع (91.506 أميال مُربَّعة)، وبذلك فهي ثالث أكبر مُدن إيران بعد كُلٍّ من طهران ومشهد. وأكبر مدينة في شمال غرب البلاد.
تُشكِّلُ المدينة إحدى أقطاب الاقتصاد الإيراني، فهي تشتهر بأعمالها الإداريَّة والتجاريَّة والصناعيَّة، وبقطاع الاتصالات، ومن أبرز صناعاتها صناعة الإسمنت والبتروكيماويَّات وتجميع السيَّارات والآلات.
تشتهر تبريز بتاريخها العريق الإسلامي وقبل الإسلامي، بما في ذلك العهود الأشكانيَّة والساسانيَّة، ومن ثمَّ العبَّاسيَّة والخوارزميَّة والمغوليَّة والإلخانيَّة والتيموريَّة، والجلائريَّة والقره قويونليَّة والآق قويونليَّة والصفويَّة والقاجاريَّة وغيرها.
وقد اتُخذت عاصمةً لإيران خلال عدَّة مراحل من التاريخ الإسلامي أبرزها المرحلتين الصفويَّة والقاجاريَّة.
يتراوح عدد سكَّان تبريز اليوم قريب من مليونين نسمه. ولطالما كانت ذات كثافة سكانية عالية، وهي من أكبر مدن الشرق الأوسط، فخلال العهد الصفوي في القرن السادس عشر أصبحت المدينة من أكبر المدن في العالم، وخلال العهد القاجاري أصبحت أكبر مدن إيران وأكثرها كثافةً بالسكَّان.
يُشكِّلُ التُرك الآذر الأغلبيَّة الساحقة من سكَّان المدينة، وتُشير بعض الدلائل الأثريَّة، وفق ما استنتجه البعض من العلماء، أنَّ سكَّانها الأوائل كانوا من أصولٍ إيرانيَّة لاطورانيَّة.
كذلك فقد استوطنتها قبائل عربيَّة أبَّان الفتح الإسلامي أبرزها الأزد.
تبريز في العهد الإسلامي :
عام 22 هـ، تمكن المسلمون بقيادة الصحابي نعيم بن مُقَرِّن المزني من فتح تبريز وضّمِّها إلى حظيرة الدولة الإسلاميَّة الراشدة، بعد أن هزموا الفُرس الساسانيَّين في عدَّة وقعات.
استمرَّت تبريز قرية عاديَّة طيلة العهد الأموي، حتى جاء العهد العبَّاسي وزمن الخليفة أبو الفضل جعفر المتوكل على الله، عندما قدمت المدينة مجموعة من قبيلة الأزد اليمنيَّة العربيَّة بقيادة زعيمهم الروَّاد، واستقرَّت بالمدينة، فعلا شأنها وأخذت بالازدهار من حينها، وشُيِّدت فيها القصور والأبنية الجديدة، وشُيِّدَ حولها سورٌ لحمايتها من الغزوات.
استمرَّ المُتحدرون من نسل الروَّاد الأزدي سادة تبريز طيلة العهد العبَّاسي، وقد تكرَّدوا (أي أصبحوا أكرادًا) مع مرور الزمن واقتبسوا الهويَّة والقوميَّة الكرديَّة، وبحلول سنة 422 هـ المُوافقة لسنة 1031 م، بدأت طلائع القبائل التركيَّة الغزيَّة تنزح إلى المنطقة، ووافق ذلك عهد الحاكمين أبو منصور وَهْسوذان ابن مملان. وقد أحسن أبو منصور استقبال التُرك الغزّ عندما وصلوا إليه في عاصمته تبريز، وصاهرهم بهدف أن يستعين بهم لدرء خطر شعوب الأبخاز والكرج والأرمن التي كانت تغزو بلاده من ناحيتها الشمالية، على أنَّه وقعت بينه وبين الغزّ عدَّة إشكالات في وقتٍ لاحق بسبب ممارسات بعض القبائل غير المحمودة. ثبَّت التُرك سيطرتهم على المدينة سنة 446 هـ المُوافقة لسنة 1054 م، وبالتحديد عندما بلغ الزعيم السلجوقي طُغْرل بك أذربيجان أثناء توجهه نحو العراق للقضاء على البويهيين وغزو الروم، فعرَّج على تبريز، حيث أحسن وهسوذان استقباله ودخل في طاعته، وخطب له وحمل إليه من الأموال ما أرضاه. وأعطاه ولده رهينة على إخلاصه. وفي سنة 525 هـ المُوافقة لسنة 1030 م توفي السلطان محمود الغزنوي وتولّى ابنه داود إمارة المدينة، لكن حكمه لم يدم طويلًا، فبعد وفاة طغرل بك السلجوقي تولّى زعامة السلاجقة ألب أرسلان، وبعد أن قضى على بضعة فتن داخليَّة في الدولة العبَّاسيَّة تحرّك في عام 456 هـ متجهًا إلى أرمينيا لمحاربة الروم، وعندما وَصل إلى أذربيجان دخل تبريز وأنهى حكم الروَّاديين والغزنويين فيها. تذخر المؤلَّفات السلجوقيَّة بالحديث عن تبريز، فقد ذُكِر على سبيل المثال أنَّ طغرل بك أقام حفل زفاف ابنة أخيه جاغري بك، خديجة أرسلان خاتون على الخليفة العبَّاسي القائم بأمر الله في المدينة، بعد أن عزم على مصاهرة العبَّاسيين.
خلال السنوات الأوائل من القرن السابع الهجري، وصلت طلائع الجيش المغولي العرمرمي إلى أسوار تبريز، وقد ضرب المغول الحصار على المدينة مرَّتين وفشلوا في اقتحامها حتى كانت سنة 627 هـ عندما تمكنوا من إخضاع كافَّة أذربيجان بما فيها المدينة، التي ارتكبوا فيها مجزرة فظيعة حيث قتلوا عدد هائل من السكَّان. بعد استتباب الأمر للمغول في إيران والقسم الأعظم من المشرق الإسلامي، عادت تبريز للازدهار مرَّة أخرى، وحلَّت مكان مراغة كعاصمة للإلخانات من عام 1265 م حتى عام 1306 م، بعد أن اختارها الألخان الرابع أباقا خان، لتكون عاصمة ممالكه بسبب موقعها المُميَّز في الأراضي العشبيَّة الشماليَّة الغربيَّة.
وفي سنة 1295 م جعلها الألخان محمود غازان المركز الإداري الرئيسي لامبراطوريَّته المُمتدَّة من الأناضول غربًا إلى نهر جيحون شرقًا، ومن القوقاز شمالًا إلى المحيط الهندي جنوبًا. تحت رعاية وإدارة الألخان سالف الذِكر، شُيِّدت أسوار جديدة حول المدينة، وبُنيت الكثير من الدوائر والمباني الحكوميَّة والمرافق العموميَّة، بما فيها المدارس والمساجد والحمَّامات والخانات والفنادق المُخصصة لنزول التجَّار المتجهين شرقًا على طول طريق الحرير. وقد قصد بعض الأجانب من غير المسلمين المدينة خلال العهد المغولي طالبين العلم، ومن أشهر هؤلاء الأسقف جرجس خونيادس الرومي، الذي قصد بلاد فارس لدراسة الرياضيَّات والعلوم الفلكيَّة، وشغل منصب أسقف تبريز الأرثوذكسي خلال فترة إقامته فيها.
سنة 1392 م حلَّ بتبريز الدمار والخراب مُجددًا بعد أن انقضَّت عليها الجيوش التيموريَّة بزعامة القائد الكبير تيمورلنك ونهبتها وأحرقت معالمها وقتلت الآلاف من أهلها.
تنقَّلت تبريز خلال المرحلة الحديثة من التاريخ العالمي بين سيطرة عدَّة دول وإمارات إسلاميَّة تركيَّة، لعلَّ أبرزها وأكثرها تأثيرًا وبعدًا كان الدولة الصفويَّة التي شكَّلت هيمنتها على المدينة مرحلةً فاصلة في تاريخها وثقافتها. وكانت في بداية هذه الفترة قد خضعت لإمارة الخرفان البيض (الآق قويونلو) التركمانيَّة، ومن ثمَّ إمارة الخرفان السود (القره قويونلو)، المُنشقَّة عن الدولة التيموريَّة، وشيدت فيها بعض معالمها البارزة مثل المسجد الأزرق.
العهدان الصفوي والعثماني
دبَّت النزاعات الأسريَّة الحادَّة داخل إمارة الخرفان البيض في أواخر عهدها، الأمر الذي ساعد القائد الشاب إسماعيل بن حيدر الصفوي، صاحب الحركة الثوريَّة الشيعيَّة، على هزيمة هذه الإمارة والقضاء عليها، فتقابل مع الميرزا ألوند علي قائد الخرفان البيض عند شرور في وادي أراكس يوم 1 محرَّم 907 هـ الموافق ليوم 17 يوليو 1501 م، وجرى بينهما قتالٌ ضارٍ انتهى بهزيمة ألوند وهربه إلى أرزنجان. وزحف إسماعيل بعد انتصاره إلى تبريز عاصمة الخرفان البيض، فدخلها واستولى عليها واتخذها عاصمةً له، واستقبله أهلها استقبال الفاتحين، ولعلَّهم أرادوا التخلّص من الفوضى التي سببَّها حكم الخرفان البيض. فرض إسماعيل، بعد أن استولى على تبريز، المذهب الشيعي الاثنا عشري على شعبه، وأعلنه مذهبًا رسميًا للدولة في إيران، وكانت ردود الفعل عنيفة خاصة وأن كثيرًا من سكان المدن الرئيسية في إيران مثل تبريز كانوا سنّة، ولا يدرون شيئًا من تعاليم المذهب الشيعي. لكن الشاه كان صارمًا وحازمًا في هذا الموضوع، فأجبر سكَّان تبريز على التشيّع وعلى وضع علامة القزلباش، واضطهد مخالفيه من أهل السنَّة وقتل منهم نحو عشرين ألفًا وكان يمتحنهم بطرق شتّى، وأمر بإخراج جثث رؤساء الخرفان البيض من القبور وإحراقها. وأمر بإضافة الشهادة الثالثة (أشهدُ أنَّ عليًّا وليُّ الله) عند الأذان في مساجد المدينة ولعن الخلفاء الراشدين الثلاثة: أبو بكر وعمر وعثمان. وقد فرَّ عدد كبير من أهل السنَّة بما فيهم العلماء الربَّانيّون إلى الأراضي العثمانيَّة طلبًا للأمان.
كانت المُمارسات الصفويَّة قد أثارت غضب السُلطان العثماني سليم الأوَّل، وبعد وصوله إلى سدة الحكم احتدم الصراع السياسي والمذهبي بين الدولتين الصفويَّة والعثمانيَّة، فأعلن سليم الحرب وسار إلى إيران على رأس جيش كبير حيث التقى بالشاه في صحراء چالديران في أذربيجان قرب ماكو شرقيّ تبريز، ودارت بينهما رحى معركة عنيفة أسفرت عن انتصار العثمانيين وانسحاب الشاه إلى داخل إيران بعد أن تبيَّن له استحالة الدفاع عن عاصمته.
فتحت تبريز أبوابها أمام الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم أحمد دوقاقين باشا الذي استهلَّ الدخول إليها وطرد ما بقي من الصفويين منها، ثمَّ دخلها السلطان سليم في 15 رجب 920 هـ الموافق 4 سبتمبر 1514 م، فأعطى الأمان لسكَّانها، واستولى على خزائن الشاه وأرسلها إلى الآستانة، ثمَّ عزم على الإقامة في المدينة لتدبير شؤون الأقليم المفتوحة وإعادة تنظيم الجيش تمهيدًا للتوسّع في الأراضي الإيرانيَّة.
غير أنَّ خطَّة السلطان لم يُكتب لها النجاح، بفعل عدَّة عوامل منها تمرّد جنود الإنكشاريَّة وامتناعهم عن التقدم وبسبب قلة المؤن، وخلّو تبريز من الأطعمة الكافية للجيش العثماني الضخم إذ كان جنود القزلباش المنسحبين من المعركة قد أحرقوا بأمرٍ من الشاه إسماعيل جميع المؤن والأرزاق والمحصولات الزراعية في تبريز وضواحيها، ثم حلَّ فصل الشتاء ولم تتوافر الألبسة الملائمة للجنود، وكذلك أثرت الغارات الليلية الي كان يشنها جنود القزلباش على القوات العثمانية، ودخولهم تبريز لخطف وقتل الجنود العثمانيين. لذلك قرر السلطان إخلاء المدينة بعد أسبوع فقط من احتلالها ناقلًا معه آلافًا من أبرز تجَّارها وحرفييها وعلمائها إلى الآستانة، كما كانت عادة السُلالات التركيَّة والمغوليَّة من قبلهم في كل بلدة يفتحونها. عادت تبريز إلى حظيرة الدولة الصفويَّة مرَّة أخرى بعد خروج العثمانيين منها، وفي هذه المرحلة كان السُنَّة قد اقتُلعوا منها تمامًا. استمرَّت تبريز عاصمة الدولة الصفويَّة حتى سنة 1548 م عندما نقل الشاه طهماسب بن إسماعيل الصفوي مركزه إلى مدينة قزوين، بعد أن قهره الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم إبراهيم باشا الفرنجي بأمر من السلطان سليمان القانوني. وكان الصدر الأعظم قد دخل تبريز بلا مُقاومة في 1 محرَّم سنة 941 هـ الموافق فيه 13 يوليو سنة 1534 م، ولحق به السلطان بعد ذلك حيث نظَّم شؤون المدينة وعيَّن ابن أمير شَروان قائدًا لحاميتها.
وفي يوم 8 رجب سنة 962 هـ الموافق ليوم 29 مايو سنة 1555 م عقد الصفويّون والعثمانيّون صلحًا عُرف باسم "صُلح أماسيا" نصَّ على احتفاظ الدولة العثمانيَّة بتبريز، فكان لهذا أثرٌ في انتعاش التجارة العثمانيَّة البريَّة نظرًا لأنَّ تبريز كانت مركز تجمّع الحرير، وبقيت المدينة خاضعة للعثمانيين بموجب هذه المُعاهدة زهاء عشرين سنة، حتى استعادها الشاه عبَّاس الأوَّل الصفوي في 18 جمادى الأولى سنة 1012 هـ الموافق فيه 24 أكتوبر سنة 1603 م. وقد اعتنى الشاه سالف الذِكر بالمدينة عناية كبيرة، فازدهرت مُجددًا وعادت لتكون من أهم مراكز التجارة العالميَّة وصلة وصل بين الدولة العثمانيَّة وروسيا وآسيا الوسطى والهند.
عاد العثمانيَّون لضم تبريز إلى دولتهم خلال الفترة الممتدة بين عاميّ 1724 و 1725 م، وذلك بموجب اتفاقيَّة أبرمها السلطان أحمد الثالث مع القيصر الروسي بطرس الأكبر لاقتسام الأراضي الإيرانيَّة المُتاخمة لحُدود بلاد كلٍّ منهما بعد أن ضعفت الدولة الصفويَّة.
وفي سنة 1144 هـ المُوافقة لسنة 1731 م أبرم الصفويّون معاهدة مع العثمانيَّون تنازلوا فيها عن تبريز، لكنهم عادوا واستعادوا المدينة في عهد نادر خان الأفشاري، فانقض الجيش العثماني على المدينة وطرد الحامية الصفويَّة منها، وفي سنة 1145 هـ المُوافقة لسنة 1732 م أُبرمت مُعاهدة أخرى بين العثمانيين والصفويين أُعيدت بموجبها تبريز إلى الدولة الأخيرة.
خلال أوائل العهد القاجاري، نقل الآغا محمد خان قاجار مركز العاصمة من تبريز إلى طهران. لعبت تبريز دورًا بارزًا في الحركة الثوريَّة التي قامت في إيران خلال هذا العهد، وكانت مقرّ وليّ العهد الإيراني الذي كان غالبًا ما يجمع بين ولاية العهد وحكم أذربيجان. وعندما قُتل محمد خان عام 1211 هـ المُوافق لعام 1796 م سلك كل قائد من قادته العسكريين طريقًا، فارتحل حجّي إبراهيم خان إلى طهران على عجل، بينما اتجه صادق خان الشقاقي إلى أذربيجان وأعلن بها سلطنته من تبريز، لكن عهده لم يدوم طويلًا، إذ سرعان ما استرجعها منه بابا خان بن حسين قلي خان جهانسوز، الشهير بالشاه فتح علي خان. وفي عهده اشتدَّ الخطر الروسي على إيران وعلى تبريز بالذَّات، إذ كان الروس قد سيطروا على القوقاز وجاوروا أذربيجان، وفي سنة 1826 م تمكنوا من احتلالها، فجنح فتح علي شاه إلى السلام فعقد صلح مع روسيا يوم الخميس في 5 شعبان 1243 هـ المُوافق فيه 21 فبراير 1828 م، وكان من جملة الشروط تخلي إيران عن خانيَّتيّ إيروان ونقجوان، ودفع ثمانية ملايين روبل غرامة لروسيا، وتخويلها إدخال سفنها الحربية في بحر قزوين، وبناءً على هذا انسحب الروس من المدينة.
المرحلة المُعاصرة:
أصبحت تبريز مركز ومعقل الحركة الثوريَّة الدستوريَّة في إيران خلال الفترة المُمتدة بين عاميّ 1905 و 1911 م، بعد أن قام الشاه محمد علي قاجار بإغلاق مجلس الشورى وإلغاء الدستور نظرًا لأنَّه يتعارض مع الشريعة الإسلاميَّة، فقصف المجلس بالمدفعيَّة بمُباركة وموافقة كلٌّ من روسيا وبريطانيا. فاستاء الإصلاحيَّون من ذلك، وثاروا في تبريز وعدَّة مدن إيرانيَّة مُطالبين بعودة الحياة الدستوريَّة، وفي شهر يوليو سنة 1909 م انطلقت قوَّة من الثوَّار المؤيدين للدستور من تبريز بقيادة ستَّار خان وباقر خان الأذريين، ويپرم خان داويديان الأرمني، وشيخ الإسلام أبو الحسن علي بن هلال الجزائري، وبلغوا طهران حيث خلعوا الشاه وأعادوا العمل بالدستور.
بدايةً من عام 1978 م أخذ وطيس الثورة يحمى في إيران، واشتعلت المدن الكبرى مُطالبةً برحيل الشاه محمد رضا البهلوي وإقامة الدولة الإسلاميَّة. وكانت تبريز من أبرز المُدن الثائرة على الحكم الملكي في البلاد، وسقط عدد من أبنائها قتيلًا خلال المواجهات المُستمرَّة بينهم وبين الشرطة والقوَّات الحكوميَّة الأخرى، ففي اليوم الرابع عشر من الاحتجاجات سقط 19 شخصًا من المُتظاهرين، ولوحق الكثير منهم في مُختلف أنحاء المدينة وقُبض عليهم وتمَّ سوقهم إلى السجن.
بعد نجاح الثورة الخمينية وإطلاق سراح المُعتقلين، استمرَّ أبناء المدينة يُطالبون بالمزيد من الإصلاحات وفي مُقدمتها الاعتراف بحقوق التُرك الآذر في إيران، كما شهدت المدينة بعض الاضطرابات بسبب دعم أبنائها آية الله العظمى محمد كاظم الشريعتمداري، وهو عالمٌ ليبرالي كان يُعارض هدف الحكومة الجديدة الهادف إلى مزج الدين بالدولة، وقد انتهت حركته وقمعتها الحكومة بحلول سنة 1980 م.
من المعالم المعماريّة لتبريز :
مسجد السيِّد حمزة إمام زاده الجامع : وهو مسجدٌ جامع يقع في مُقاطعة ششگلان بوسط تبريز، يشتهر بضمّه ضريح السيِّد أبو القاسم حمزة بن موسى الكاظم، سابع أئمة الشيعة الاثنا عشريَّة. عني الصفويّون بتجميل المسجد بعد أن تمَّ لهم السيطرة على إيران، فقاموا بتزيينه وتجميله.
أمَّا الضريح نفسه فيرجع إلى القرن الرابع عشر الميلادي الموافق للقرن الثامن الهجري، ويُلاحظ فيه تأثير الفن الصفوي والقاجاري.
مقبرة الشعراء : عبارة عن نصبٍ تذكاريّ ضخم دُفن أسفله عددٌ من الشُعراء والصوفيين والمشاهير الإيرانيين. شُيِّد النصب الضخم خلال أواسط عقد السبعينيَّات من القرن العشرين خلال عهد سكريتير الثقافة والفنون في محافظة أذربيجان الشرقيَّة طهماسب دولتشاهي. ذُكرت المقبرة لأوَّل مرَّة خلال القرون الوسطى من قبل الجغرافي حمد الله المستوفي في مؤلَّفه حامل عنوان "نزهة القلوب". من أبرز من دُفنوا فيها: أسدي الطوسي وقطران التبريزي وأنوري الأبيوردي وهمَّام التبريزي وعلي بن موسى التبريزي، وغيرهم كُثر.
مسجد صاحب الأمر : يُعرف أيضًا باسم مسجد الشاه طهماسب، ويُقصد باسمه الإشارة إلى آخر أئمة الشيعة الاثنا عشريَّة، وهو محمد المهدي. شُيِّد عام 1636 م، وقد تدمَّر وأُعيد إنشاؤه عدَّة مرَّات: عند الفتح العثماني لتبريز خلال عهد السُلطان مراد الرابع، وبسبب زلزال ضرب المدينة بعد ذلك بفترة. وفي سنة 1850 م أُضيفت عدَّة مرايا إلى ممر المسجد وتمَّ ترميم ما انهار من طوب ورخام القِباب.
أشهر مساجدها :
من أبرز مساجد تبريز الباقية حتّى اليوم: مسجد الأستاذ والتلميذ (بالفارسيَّة: مسجد استاد و شاگرد)، ومسجد إسماعيل خاله أوغلي، ومسجد ثقة الإسلام، ومسجد جامع، ومسجد الحاج صفر علي حجَّة الإسلام، ومسجد حسن پادشاه، ومسجد خزينة، ومسجد دال ذال، ومسجد سيد المُحققين، ومسجد صاحب الأمر (الشاه طهماسب الأوَّل)، ومسجد شاهزاده، ومسجد صادقيَّه، ومسجد ظهيريَّة، ومسجد علي شاه، ومسجد کاظميَّة، والمسجد الأزرق، ومسجد مجتهد، ومسجد مقبرة، ومسجد مُلَّا باشي، ومسجد الميرزا صادق آقا، ومسجد الميرزا مهدي قاري، ومسجد قراملك، ومسجد الشهداء. وهذه المساجد تعود بمُعظمها للعهدين الصفوي والقاجاري.
المكتبات :
تُعدُّ مكتبة تبريز الوطنيَّة (المعروفة أيضًا بمكتبة تبريز المركزيَّة) أكثر المكتبات المرموقة شهرةً في تبريز، وهي من أهم المكتبات بالنسبة للباحثين المُختصين بالتاريخ الإيراني في العالم نظرًا لما تحتويه من كتب مخطوطة قديمة تعود لحقبات مُختلفة من تاريخ البلاد. وهناك أيضًا مكتبات عامَّة أخرى مثل: مكتبة التربية، ومكتبة الهلال الأحمر، ومكتبة شهريار، ومكتبة الجعفريَّة.
الأعلام :
خرج من تبريز عددٌ كبير من العُلماء والأدباء والفنّانين ورجال الدين، ومن أبرزهم :
قطران التبريزي، شاعر بلاط اشتهر بمديحه الأمراء والمُلوك الفارسيّون، عاش خلال القرن الحادي عشر.
شمس الدين مُحمَّد التبريزي، عالمٌ مُسلم صوفي ومن أشهر شُعراء بلاد فارس، وهو المُعلّم الروحي لجلال الدين الرومي.
زكريَّا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، المشهور بلقب "الخطيب التبريزي" عند العامَّة، هو لُغوي عربي، عاش خلال القرن الحادي عشر وقام على خزانة الكتب بالمدرسة النظاميَّة في بغداد.
همَّام التبريزي، شاعرٌ غزليّ عاصر عهد الإلخانات في بلاد فارس.
"ثقة الإسلام" علي بن موسى التبريزي، رجل دين شيعي إصلاحي، كان من ضمن الداعمين للثورة الدستوريَّة في البلاد، ومن مُقاومي الغزو الروسي. أُعدم شنقًا على يد الروس سنة 1911 م.
ستَّار خان قره داغي، أحد زُعماء الثورة الدستوريَّة في العهد القاجاري، يعتبره الكثير من الإيرانيين بطلًا قوميًّا.
ناصر الدين شاه القاجاري، رابع الملوك القاجاريين على إيران.
الميرزا أحمد شاه القاجاري، آخر الملوك القاجاريين على إيران.
محمد حسين الطباطبائي، علَّامة ومرجع شيعي كبير ومن أهم عُلماء عصره، صاحب كتاب "الميزان في تفسير القرآن".
أحمد الكسروي، أحد أشهر اللغويين والمؤرخين الإيرانيين.
محسن هشترودي، عالم رياضيَّات إيراني.
جواد الطباطبائي، نائب عميد كُليَّة الحقوق والعلوم السياسيَّة في جامعة طهران، حائز على شهادة الدكتوراة في العلوم السياسيَّة من جامعة السوربون في فرنسا.
موسى غني نجاد، اقتصادي إيراني، ورئيس تحرير الجريدة الاقتصاديَّة "دُنيا الاقتصاد".
مهدي قاليبافيان، مُهندس مدني إيراني، يشتهر بكونه أوَّل من أدخل الخرسانة المُسلَّحة إلى إيران.