الكاتب : فيصل نور ..
المسائل الصاغانية
كتاب لمحمد بن محمد بن نعمان ابن المعلم، المعروف عند الشيعة بالمفيد (ت : 413 ه )، وهو عبارة عن جملة مسائل أرسلها للمفيد وكيله من ناحية ( صاغان ) ، وكان قد أدلى بها فقيه الأحناف في ذلك البلد.
وصاغان أو صاغانيان اسم لموضعين :
الأول : كورة عظيمة بما وراء النهر ، وإليها ينسب الحافظ في اللغة الحسن بن محمد ابن الحسن الصاغاني ، صاحب كتاب ( العباب الزاخر ) في اللغة.
الثانية : قرية بمرو ، أو سكة بها ، وهو - أي صاغان - معرب چاغان أو چاغان كوه، ولعلها : هي التي تعرف الآن ب ( طاغان ) وتقع في الشمال الغربي لمدينة نيشابور ، على بعد حوالي (60 كم) منها .
وقد تشتبه النسبة بين هذين الموضعين . ومن المرجح أن يكون البلد الثاني هو البلد الذي وردت منه هذه المسائل إلى المفيد، وذلك لعدة قرائن :
الأولى : ورود ابن الجنيد - الجنيدي - نيسابور ، واجتماع الفقيه الحنفي – صاحب المسائل - به هناك ، كل هذا يناسب قرب ( صاغان ) من نيسابور .
الثانية : ذكر المؤلف ( خراسان ) من بين بقية البلدان ، وذلك عند تعرضه للجهال المنتمين إلى المذاهب الأخرى في - أواخر المسألة الأولى - ، وهو ينبئ عن وجود مناسبة ، ولا مناسبة إلا كون صاغان من أعمال ذلك الإقليم .
والذي يغلب على الظن أن الفقيه الحنفي صاحب هذه الأقوال هو : أبو العباس الفضل بن العباس بن يحيى بن الحسين الصاغاني الحنفي ، له عدة تصانيف ، سمع الحديث بنيسابور ، وحدث بخراسان ، قدم بغداد حاجا سنة عشرين وأربعمائة ، وحدث بها ، وسمع منه الخطيب البغدادي.
ويؤيده :
أولا : إن أبا العباس الصاغاني - هذا - هو الفقيه الحنفي الوحيد في ذلك البلد ، والمبرز فيه ، وأيضا هو من معاصري المفيد، حيث قدم بغداد سنة 420 .
ثانيا : اللقاء الذي جرى بين الفقيه الحنفي - صاحب الأقوال - وابن الجنيد في نيسابور يؤيد ذلك أيضا ، لأن أبا العباس الصاغاني سمع الحديث بنيسابور ، فلعل اجتماعه بالجنيدي كان أيام سماعه الحديث بها .
لكن التاريخ المذكور لورود ابن الجنيد نيسابور وهو سنة 340 قد لا يتناسب مع تاريخ مجئ الصاغاني إلى بغداد وهو سنة 420 ، إذ يلزم منه أن يكون الصاغاني قد دخل بغداد وعمره ناهز المائة أو جاوزها ، ودخول معمر - يروم الحج - بغداد وعدم تنبه الخطيب البغدادي أو تنبيهه على ذلك ، مع سماعه الحديث منه واجتماعه به ، غريب جدا .
فيتوجه احتمال التقاء الصاغاني بابن الجنيد بعد وصوله نيسابور بعدة سنوات . علما بأن وفاة ابن الجنيد كانت سنة 380 . وأيضا يتوجه احتمال التصحيف أو التحريف لتاريخ ورود ابن الجنيد نيسابور ، عن تاريخ متأخر عن ذلك .
ثالثا : اهتمام المفيد في رد هذه الأقوال ، ونقضها ، وسوق الشواهد الوافرة على بطلانها ، وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن قائلها ذو شأن في بلاده أو غيرها، وقد سمعت أن أبا العباس الصاغاني هو الفقيه الحنفي الوحيد في هذا البلد .
الثالثة : المرسل لهذه المسائل من صاغان إلى المفيد، فهذا الذي لم أهتد إليه .
ولعل دراسة شاملة للشيخ المفيد ولتلامذته ونوابه ومدى نفوذه في الأطراف ، هي التي ترشدنا إلى ذلك .
محتويات الكتاب
إن هذا الكتاب هو جملة مسائل وردت المفيد، وهي عشر مسائل من مختلف أبواب الفقه ، وهي على الترتيب :
المسألة الأولى : في نكاح المتعة .
المسألة الثانية : عدم بطلان نكاح الذمي إذا أسلمت زوجته .
المسألة الثالثة : إعارة الإماء بين الجواز والحرمة .
المسألة الرابعة : جواز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها .
المسألة الخامسة : الطلاق الثلاث في مجلس واحد طلاق واحد .
المسألة السادسة : عدم وقوع الطلاق والظهار موقع اليمين .
المسألة السابعة : الزوجة لا ترث من رباع الأرض .
المسألة الثامنة : الحبوة للولد الأكبر .
المسألة التاسعة : في قتل الرجل المرأة ، القصاص ونصف الدية على المقتص .
المسألة العاشرة : دية التنكيل بالميت دية الجنين .
وكانت أجوبة المفيد عن هذه المسائل العشر وكافة فروعها غنية ومشبعة بالاستدلال الفقهي الرصين ، ولم تكن مصادر استدلاله تتجاوز الأدلة الأربعة المألوفة لدى استنباط الأحكام الشرعية ، ألا وهي : الكتاب ، والسنة ، والإجماع والعقل .
ولم يكتف بالإجابة المشفوعة بالدليل والبرهان ، بل أضاف إلى المسائل العشر خاتمة ، بين فيها جملة وافرة من فروع الفقه ، التي خالف فيها أبو حنيفة – بزعمه - مصادر التشريع الإسلامي والحكم الشرعي .
نسخ الكتاب :
توجد لهذا الكتاب عدة نسخ متناثرة هنا وهناك ، ولكن الذي تناولته يدي – والكلام لمحقق الكتاب - منها أثناء التحقيق ثلاثة :
الأولى : نسخة قديمة نفيسة ، مجهولة الناسخ والتاريخ ، يرقى تاريخها إلى القرن السابع أو الثامن الهجري كتبت بخط النسخ ، عليها عدة تملكات ، أقدمها تملك علي بن الحسين الولياني بتاريخ غرة محرم سنة 888 ه . وتقع النسخة ضمن مجموعة من رسائل المفيد ، وكلها بخط واحد . في 36 ورقة ، والمجموعة في 153 ورقة ، مختلفة الأسطر ، بمقياس 5 / 24 * 17 سم . وهي من مخطوطات مكتبة آية الله العظمى النجفي المرعشي ( قدس سره ) برقم ( 255 ) . وقد رمزت لها بحرف ( أ )
الثانية : مجهولة الناسخ والتاريخ أيضا ، يرقى تاريخ نسخها إلى القرن الثالث عشر الهجري ، كتبت بخط النسخ ، وتقع ضمن مجموعة من رسائل الشيخ المفيد أيضا . في 36 ورقة ، والمجموعة في 179 ورقة ، 17 سطر ، بمقياس 5 / 18 * 12 سم . وهي من مخطوطات مكتبة النجفي المرعشي أيضا ، برقم ( 78 ) ، وقد رمزت لها بحرف ( ب ) .
ويبدو لي واضحا أن هذه النسخة كتبت على النسخة الأولى ، كما يبدو أن الناسخ كان من أهل المعرفة ، حيث نراه قد صحح موارد الخطأ في نسخته ، ولم يعتمد كليا على النسخة التي نقل عنها .
الثالثة : مجهولة الناسخ والتاريخ ، يرقى تاريخها إلى القرن الحادي عشر الهجري ، كتبت بخط النسخ ، عليها عدة تملكات ، أقدمها بتاريخ 1122 ه ، عليها ختم مربع في وسطه [ اللهم صل على محمد وآل محمد سنة 1094 ] ، وتقع هذه النسخة ضمن مجموعة من رسائل الشيخ المفيد أيضا . في 55 صفحة ، والمجموعة في 422 صفحة ، 23 سطر ، بمقياس 3 / 13 * 2 / 26 سم . وهذه النسخة من مخطوطات مكتبة إمام جمعة خوي المهداة إلى المجلس النيابي ( شوراي اسلامي ) بطهران ، تحت الرقم العام 63615 ، وقد رمزت لها بحرف ( ج ) .
وهذه النسخة كسابقتها كتبت على النسخة الأولى ، بيد أن ناسخها على ما يظهر لم يكن من أهل المعرفة والفن ، فهو يحاول رسم الكلمة التي تعسر قراءتها عليه رسما موافقا للنسخة التي ينقل عنها فهو والحالة هذه يزيد في الطين بلة كما يقال[1].
مقدة المصنف :
فقد وقفت على ما ذكرت عن شيخ بناحيتك من أصحاب الرأي ، وما هو عليه من التحريك في عداوة أولياء الله منهم ، والتبديع لهم ، فيما يذهبون إليه من الأحكام المأثورة عن أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام ، وأنه قد لج بذكر عشر مسائل ، عزى إليهم فيها أقوالا قصد بها التشنيع ، وحكم عليهم فيها بالتضليل ، وادعى أنهم خارجون بها عن الإيمان ، مخالفون بمقالهم فيها نصوص القرآن .
وسألت - بعد ذكرك في كتابك إلي على التفصيل والبيان - أن أقفك على الحقيقة من ذلك بما يرفع الريب فيما تعمده من التخرص علينا والبهتان . وأنا مجيبك أيدك الله إلى ما سألت ، ومبين عين وجه الحق فيما فصلت وأجملت ، وموضح عن القول فيه كما أحببت والتمست . ومبين لك بعد الفراغ من ذلك - بمشيئة الله - أقوالا ابتدعها إمام هذا الشيخ المتعصب على أهل الحق في الأحكام ، خالف فيها سائر فقهاء الإسلام ، وباين برأيه فيها جميع علماء الأنام ، بدعه بها ذوو العقول والأفهام ، لتكشف - أيدك الله - بها عن عواره ، عند أصحابه المغترين به وأتباعه ، وتهتك بها قناع ضلاله ، عند المعظمين له بجهالتهم من أشياعه ، وتخرسه الفضيحة بها عن الشناعات ، التي يلجأ إليها بعجزه - في المناظرة - عن الحجاج بانقطاعه. وبالله التوفيق[2].
[1] المسائل الصاغانية، للمفيد، 11 ، مقدمة محقق الكتاب محمد القاضي
[2] المسائل الصاغانية، للمفيد، 29