الكاتب : فيصل نور ..
المسائل السروية
كتاب لمحمد بن محمد بن نعمان ابن المعلم، المعروف عند الشيعة بالمفيد (ت : 413 ه )، وأختلف في إسم الكتاب إلى عدة أقوال :
-
أجوبة المسائل السروية : ورد هذا العنوان في صدر النسخة أحد النسخ. وهكذا عرفه أيضا الحر العاملي (ت : 1104 هـ ) في "إثبات الهداة".
-
الأسئلة السروية : هكذا عرفه آقا بزرك الطهراني في الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
-
جوابات المسائل السروية : هكذا ذكره آقا بزرك الطهراني في الذريعة أيضاً.
-
رسالة في أجوبة المسائل السروية : هكذا جاء في النسخة المطبوعة في النجف الأشرف .
-
المسائل السروية : عرفه بهذا الاسم ابن شهرآشوب في "معالم العلماء"، الطهراني في "الذريعة"، وجاء أيضا في صدر احد النسخ.
من أين جاءت تسميتها ب ( السروية ) ؟
-
ما تصدر النسخة المطبوعة ، ونصه : رسالة في أجوبة المسائل السروية التي وردت من سيد فاضل في سارويه . وعلى هذا فقد جاءت هذه التسمية نسبة إلى مدينة سارويه التي يقطنها السائل .
-
أنها نسبة إلى ( سارية ) وهو اسم الرجل الذي بعث بهذه الأسئلة إلى المفيد ، حيث جاء في بعض النسخ : المسائل السروية الواردة من الشريف السيد الفاضل سارية .
-
أن هذه التسمية جاءت نسبة إلى مدينة ( سارية ) التي ينتسب إليها الفاضل باعث هذه المسائل . فجاء في صدر بعض النسخ : أجوبة المسائل السروية الواردة من الشريف الفاضل بسارية .
وخلص محقق الكتاب إلى القول تحت نتيجة البحث : أمكننا مما تقدم أن نقطع بأن الاسم الصحيح لهذا الكتاب هو : ( المسائل السروية ) ، وأن هذه التسمية جاءت نسبة إلى مدينة ( سارية ) من مدن مازندران ، التي ينتسب إليها السائل[1].
وهذا الكتاب أجاب فيه المفيد عن أسئلة وردت في أبواب شتى شملت علوم القرآن ، والفقه ، والحديث ، والعقائد ، والكلام . وهذا تفصيل المسائل :
المسألة الأولى : في المتعة والرجعة.
المسألة الثانية : في الأشباح والذر والأرواح.
المسألة الثالثة : في ماهية الروح.
المسألة الرابعة : في ماهية الإنسان.
المسألة الخامسة : في عذاب القبر.
المسألة السادسة : في حياة الشهداء.
المسألة السابعة : حكم من قال بالجبر وجوز الرؤية .
المسألة الثامنة : الاختلاف في ظواهر الروايات .
المسألة التاسعة : في صيانة القرآن من التحريف.
المسألة العاشرة في تزويج أم كلثوم بنت أمر المؤمنين بنات الرسول.
المسألة الحادية عشرة : في أصحاب الكبائر .
جولة في الكتاب :
المسألة التاسعة : صيانة القرآن من التحريف.
ما قولة - أدام الله تعالى حراسته - في القرآن : أهو ما بين الدفتين ، الذي في أيدي الناس ، أم هل ضاع مما أنزل الله تعالى على نبيه منه شئ ، أم لا ؟ وهل هو ما جمعه أمير المؤمنين عليه السلام ، أم ما جمعه عثمان بن عفان على ما يذكره المخالفون ؟
الجواب :
لا شك أن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله تعالى وتنزيله ، وليس فيه شئ من كلام البشر ، وهو جمهور المنزل . والباقي مما أنزله الله تعالى عند المستحفظ للشريعة ، المستودع للأحكام ، لم يضع منه شئ .
وإن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله في جملة ما جمع لأسباب دعته إلى ذلك ، منها : قصوره عن معرفة بعضه . ومنها : شكه فيه وعدم تيقنه. ومنها : ما تعمد إخراجه منه .
وقد جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن المنزل من أوله إلى آخره ، وألفه بحسب ما وجب من تأليفه ، فقدم المكي على المدني ، والمنسوخ على الناسخ ، ووضع كل شئ منه في محله. فلذلك قاد جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام : " أما والله لو قرئ القرآن كما أنزل لألفيتمونا فيه مسمين كما سمي من كان قبلنا ".
وقال عليه السلام : " نزل القرآن أربعة أرباع : ربع فينا ، وربع في عدونا ، وربع سنن وأمثال ، وربع فرائض وأحكام ، ولنا أهل البيت كرائم القرآن".
لزوم التقيد بما بين الدفتين
غير أن الخبر قد صح عن أئمتنا عليهم السلام أنهم أمروا بقراءة ما بين الدفتين ، وأن لا يتعداه إلا زيادة فيه ولا نقصان منه حتى يقوم القائم عليه السلام فيقرأ للناس القرآن على ما أنزله الله تعالى وجمعه أمير المؤمنين عليه السلام.
وإنما نهونا عليهم السلام عن قراءة ما وردت به الأخبار من أحرف تزيد على الثابت في المصحف لأنها لم تأت على التواتر ، وإنما جاء بها الآحاد ، وقد يغلط الواحد فيما ينقله .
ولأنه متى قرأ الإنسان بما خالف ما بين الدفتين غرر بنفسه وعرض نفسه للهلاك . فنهونا عليهم السلام عن قراءة القرآن بخلاف ما ثبت بين الدفتين لما ذكرناه .
وحدة القرآن وتعدد القراءات
فإن قال قائل : كيف يصح القول بأن الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة ، من غير زيادة فيه ولا نقصان، وأنتم تروون عن الأئمة عليهم السلام أنهم قرأوا : "كنتم خير أئمة أخرجت للناس" ، و "كذلك جعلناكم أئمة وسطا" . وقرأوا : "يسألونك الأنفال ، وهذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس؟
قيل له : قد مضى الجواب عن هذا ، وهو : أن الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحتها، فلذلك وقفنا فيها ، ولم نعدل عما في المصحف الظاهر على ما أمرنا به حسب ما بيناه[2].
المسألة العاشرة :
في تزويج أم كلثوم وبنات الرسول صلى الله عليه وآله ، ما قوله - أدام الله تعالى علاه - في تزويج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام ابنته من عمر بن الخطاب . وتزويج النبي الله عليه وآله ابنتيه : زينب ورقية من عثمان؟
الجواب :
إن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر غير ثابت ، وطريقه من الزبير بن بكار، ولم يكن موثوقا به في النقل ، وكان متهما فيما يذكره ، وكان يبغض أمير المؤمنين عليه السلام ، وغير مأمون فيما يدعيه على بي هاشم.
وإنما نشر الحديث إثبات أبي محمد الحسن بن يحيى صاحب النسب ذلك في كتابه ، فظن كثير من الناس أنه حق لرواية رجل علوي له ، وهو إنما رواه عن الزبير بن بكار .
والحديث بنفسه مختلف ، فتارة يروى : أن أمير المؤمنين عليه السلام تولى العقد له على ابنته. وتارة يروى أن العباس تولى ذلك عنه. وتارة يروى : أنه لم يقع العقد إلا بعد وعيد من عمر وتهديد لبني هاشم. وتارة يروى أنه كان عن اختيار وإيثار .
ثم إن بعض الرواة يذكر أن عمر أولدها ولدا أسماه زيداً.
وبعضهم يقول : إنه قتل قبل دخوله بها.
وبعضهم يقول : إن لزيد بن عمر عقبا.
ومنهم من يقول : إنه قتل ولا عقب له.
ومنهم من يقول : إنه وأمه قتلا.
ومنهم من يقول : إن أمه بقيت بعده.
ومنهم من يقول : إن عمر أمهر أم كلثوم أربعين ألف درهم.
ومنهم من يقول : مهرها أربعة آلاف درهم .
ومنهم من يقول : كان مهرها خمسمائة درهم.
وبدو هذا الاختلاف فيه يبطل الحديث ، فلا يكون له تأثير على حال .
ثم إنه لو صح لكان له وجهان لا ينافيان مذهب الشيعة في ضلال المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام : أحدهما : أن النكاح إنما هو على ظاهر الإسلام الذي هو : الشهادتان ، والصلاة إلى الكعبة ، والاقرار بجملة الشريعة . وإن كان الأفضل مناكحة من يعتقد الإيمان، وترك مناكحة من ضم إلى ظاهر الإسلام ضلالا لا يخرجه عن الإسلام، إلا أن الضرورة متى قادت إلى مناكحة الضال مع إظهاره كلمة الإسلام زالت الكراهة من ذلك ، وساغ ما لم يكن بمستحب مع الاختيار . وأمير المؤمنين عليه السلام كان محتاجا إلى التأليف وحقن الدماء ، ورأي أنه إن بلغ مبلغ عمر عما رغب فيه من مناكحته ابنته أثر ذلك الفساد في الدين والدنيا ، وأنه إن أجاب إليه أعقب صلاحا في الأمرين ، فأجابه إلى ملتمسه لما ذكرناه .
والوجه الآخر : أن مناكحة الضال - كجحد الإمامة ، وادعائها لمن لا يستحقها - حرام ، إلا أن يخاف الإنسان على دينه ودمه ، فيجوز له ذلك ، كما يجوز له إظهار كلمة الكفر المضاد لكلمة الإيمان ، وكما يحل له أكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورات ، وإن كان ذلك محرما مع الاختيار. وأمير المؤمنين عليه السلام كان مضطرا إلى مناكحة الرجل لأنه يهدده ويواعده ، فلم يأمنه أمير المؤمنين عليه السلام على نفسه وشيعته ، فأجابه إلى ذلك ضرورة كما قلنا إن الضرورة تشرع إظهار كلمة الكفر ، قال تعالى : ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ).
فصل : زواج بنات الرسول صلى الله عليه وآله.
وليس ذلك بأعجب من قول لوط عليه السلام - كما حكى الله تعالى عنه - : ( هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ) فدعاهم إلى العقد عليهم لبناته وهم كفار ضلال قد أذن الله تعالى في هلاكهم. وقد زوج رسول الله صلى الله عليه وآله ابنتيه قبل البعثة كافرين كانا يعبدان الأصنام ، أحدهما : عتبة بن أبي لهب ، والآخر : أبو العاص بن الربيع.
فلما بعث صلى الله عليه وآله فرق بينهما وبين ابنتيه . فمات عتبة على الكفر ، وأسلم أبو العاص بعد إبانة الإسلام ، فردها عليه بالنكاح الأول. ولم يكن صلى الله عليه وآله في حال من الأحوال مواليا لأهل الكفر ، وقد زوج من تبرأ من دينه، وهو معاد له في الله عز وجل . وهاتان البنتان هما اللتان تزوجهما عثمان بن عفان بعد هلاك عتبة وموت أبي العاص، وإنما زوجة النبي صلى الله عليه وآله على ظاهر الإسلام ، ثم إنه تغير بعد ذلك ، ولم يكن على النبي صلى الله عليه وآله تبعة فيما يحدث في العاقبة . هذا على قول بعض أصحابنا . وعلى قول فريق آخر : إنه زوجه على الظاهر ، وكان باطنة مستورا عنه .
وليس بمنكر أن يستر الله عن نبيه نفاق كثير من المنافقين ، وقد قال سبحانه : ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ، فلا ينكر أن يكون في أهل مكة كذلك ، والنكاح على الظاهر دون الباطن ، على ما بيناه .
للرسول خصوصية
ويمكن أن يكون الله تعالى قد أباحه مناكحة من ظاهره الإسلام وإن علم من باطنه النفاق ، وخصه بذلك ورخص له فيه كما خصه في أن يجمع بين أكثر من أربع حرائر في النكاح ، وأباحه أن ينكح بغير مهر ، ولم يحظر عليه المواصلة في الصيام ولا في الصلاة بعد قيامه من النوم بغير وضوء ، وأشباه ذلك مما خص به وحظر على غيره من عامة الناس . فهذه الأجوبة الثلاثة عن تزويج النبي عليه وآله الصلاة والسلام ، لعثمان ، وكل واحد منها كاف بنفسه ، مستغن عما سواه[3].
[1] المسائل السروية، للمفيد، مقدمة المحقق صائب عبد الحميد
[2] المسائل السروية، للمفيد، 78
[3] المسائل السروية، للمفيد، 86