معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

الكتب الأربعة ..
الكاتب : فيصل نور ..

الكتب الأربعة

     موسوعات حديثية تتمتع بمكانة رفيعة في الأوساط العلمية الشيعية، و تُعتبر من أهم المصادر الحديثية عندهم. وهذه الكتب هي:

  1. الكافي : لمحمد بن يعقوب الكليني (ت : 329 هـ). ويحتوي على 16199 حديثا.

  2. من لا يحضره الفقيه : لإبن بابويه القمي الملقب بالصدوق (ت : 381 هـ). 5998 حديثاً.

  3. تهذيب الأحكام : للطوسي، الملقب عندهم بشيخ الطائفة الطوسي (ت : 460 هـ).  ويحتوي على 13905 حديثا.

  4. الاستبصار : للطوسي أيضاً. ويحتوي على 5511 حديثا.

من أقوال علماء الشيعة في هذه الكتب:

  • زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني (ت : 965 هـ) :  كتب الحديث الأربعة هي عماد الدين، وأساس دعائم الإسلام، وهي الكافي، والفقيه، والتهذيب، والاستبصار[1].

  • الفيض الكاشاني (ت : 1091 هـ) : إن مدار الأحكام الشرعية اليوم على هذه الأصول الأربعة وهي المشهود عليها بالصحة من مؤلفيها[2].

  • الحر العاملي (ت : 1104 هـ) : ما تقدم من شهادة الشيخ، والصدوق، والكليني، وغيرهم من علمائنا بصحة هذه الكتب والأحاديث، وبكونها منقولة من الأصول والكتب المعتمدة . ونحن نقطع - قطعا، عاديا، لا شك فيه - : أنهم لم يكذبوا، وانعقاد الإجماع على ذلك إلى زمان العلامة[3].

  • عبد الحسين شرف الدين الموسوي (ت : 1377 هـ) : الكتب الأربعة التي هي مرجع الإمامية في أصولهم وفروعهم من الصدر الأول إلى هذا الزمان وهي الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه، وهي متواترة ومضامينها مقطوع بصحتها والكافي أقدمها وأعظمها وأحسنها وأتقنها[4].

  • آقا بزرك الطهراني (ت : 1389 هـ) : الكتب الأربعة والمجاميع الحديثية عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الاثني عشرية منذ عصر المؤلف حتى اليوم[5].

  • مرتضى المطهري (ت : 1400 هـ) :  ان أهم مصادرنا المقدسة بعد القران في الحديث هي الكتب الأربعة وهي الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار[6].

  • محمد جواد مغنية (ت : 1400 هـ) : وعند الشيعة الإمامية كتب أربعة للمحمدين الثلاثة: محمد الكليني، ومحمد الصدوق، ومحمد الطوسي، وهي: الاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه، والكافي، والتهذيب، وهذه الكتب عند الشيعة تشبه الصحاح عند السنة[7].

  • محمد صادق الصدر (ت : 1419 هـ) : إن الشيعة مجمعة على اعتبار الكتب الأربعة وقائله بصحة كل ما فيها من روايات غير إنها لا تطلق عليها اسم الصحاح[8].

  • حسين بحر العلوم (ت : 1422 هـ) : ان الاجتهاد لدى الشيعة مرتكز على الكتب الأربعة، الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والتهذيب، والاستبصار للطوسي، وهي من الأصول المسلمة كالصحاح الستة لدى العامة[9].

 
الكلام في صحة روايات الكتب الأربعة.
 
     اختلف علماء الشيعة في هذه المسألة إختلافاً كبيراً. وهذا بيان ببعض ذلك:
 
القائلون بصحة جميع روايات الكتب الأربعة وحججهم:

  1. أنا قد علمنا علما قطعيا بالتواتر والأخبار المحفوفة بالقرائن : أنه قد كان دأب قدمائنا وأئمتنا عليه السلام، في مدة تزيد علي ثلاثمائة سنة، ضبط الأحاديث وتدوينها في مجالس الأئمة وغيرها . وكانت همة علمائنا مصروفة في تلك المدة الطويلة في تأليف ما يحتاج إليه من أحكام الدين لتعمل بها الشيعة. وقد بذلوا أعمارهم في تصحيحها وضبطها وعرضها على أهل العصمة . واستمر ذلك إلى زمان الأئمة الثلاثة أصحاب الكتب الأربعة، وبقيت تلك المؤلفات بعدهم أيضا مدة . وأنهم نقلوا كتبهم من تلك الكتب المعلومة، المجمع على ثبوتها . وكثير من تلك وصلت إلينا . وقد اعترف بهذا جمع من الأصوليين، أيضا .

  2. أنا قد علمنا بوجود أصول، صحيحة، ثابتة، كانت مرجع الطائفة المحقة يعملون بها بأمر الأئمة . وأن أصحاب الكتب الأربعة وأمثالها، كانوا متمكنين من تمييز الصحيح من غير غاية التمكن . وأنها كانت متميزة، غير مشتبهة . وأنهم كانوا يعلمون : أنه مع التمكن من تحصيل الأحكام الشرعية بالقطع واليقين - لا يجوز العمل بغيره . وقد علمنا : أنهم لم يقصروا في ذلك، ولو قصروا لم يشهدوا بصحة تلك الأحاديث، بل المعلوم من حال أرباب السير والتواريخ : أنهم لا ينقلون من كتاب غير معتمد مع تمكنهم من النقل من كتاب معتمد فما الظن برئيس المحدثين، وثقة الإسلام ورئيس الطائفة المحقة؟ ثم نقلوا من غير الكتب المعتمدة كيف يجوز عادة أن يشهدوا بصحة تلك الأحاديث ؟ ويقولوا : إنها حجة بينهم وبين الله ؟ ومع ذلك يكون شهاداتهم باطلة ولا ينافي ذلك ثقتهم وجلالتهم؟ هذا عجيب ممن يظنه بهم .

  3. أن مقتضى الحكمة الربانية وشفقة الرسول والأئمة عليهم السلام بالشيعة أن لا يضيع من في أصلاب الرجال منهم، وأن تمهد لهم أصول معتمدة يعملون بها زمن الغيبة . ومصداق ذلك هو ثبوت الكتب المشار إليها وجواز العمل بها .

  4. الأحاديث الكثيرة الدالة على أنهم أمروا أصحابهم بكتابة ما يسمعونه منهم وتأليفه، والعمل به، في زمان الحضور والغيبة . وأنه : ( سيأتي زمان لا يأنسون فيه إلا بكتبهم ) . وما قد علم - بما تقدم - من نقل ما في تلك الكتب إلى هذه الكتب المشهورة . مع أن كثيرا من الكتب التي ألفها ثقات الإمامية في زمان الأئمة عليهم السلام موجودة الآن موافقة لما ألفوه في زمان الغيبة .

  5. الأحاديث، الكثيرة، الدالة على صحة تلك الكتب، والأمر بالعمل بها . وما تضمن من أنها عرضت على الأئمة عليهم السلام وسألوا عن حالها عموما، وخصوصا .

  6. إن أكثر أحاديثنا كان موجودا في كتب الجماعة الذين أجمعوا على تصحيح ما يصح عنهم وتصديقهم، وأمر الأئمة عليهم السلام بالرجوع إليهم، والعمل بحديثهم، ونصوا على توثيقهم كما مر . والقرائن ذلك كثيرة ظاهرة، يعرفها المحدث الماهر .

  7. أنه لو لم تكن أحاديث كتبنا مأخوذة من الأصول المجمع على صحتها، والكتب التي أمر الأئمة عليهم السلام بالعمل بها، لزم أن يكون أكثر أحاديثنا غير صالح للاعتماد عليها . والعادة قاضية ببطلانه، وأن الأئمة عليهم السلام وعلماء الفرقة الناجية لم يتسامحوا ولم يتساهلوا في الدين إلى هذه الغاية، ولم يرضوا بضلال الشيعة إلى يوم القيامة .

  8. أن رئيس الطائفة في كتابي الأخبار وغيره من علمائنا، إلى وقت حدوث الاصطلاح الجديد بل بعده كثيرا ما يطرحون الأحاديث الصحيحة عند المتأخرين ويعملون بأحاديث ضعيفة على اصطلاحهم . فلولا ما ذكرناه لما صدر ذلك منهم عادة . وكثيرا ما يعتمدون على طرق ضعيفة مع تمكنهم من طرق أخرى صحيحة.

  9. ما تقدم من شهادة الشيخ، والصدوق، والكليني، وغيرهم من علمائنا بصحة هذه الكتب والأحاديث، وبكونها منقولة من الأصول والكتب المعتمدة . ونحن نقطع - قطعا، عاديا، لا شك فيه - : أنهم لم يكذبوا، وانعقاد الإجماع على ذلك إلى زمان العلامة . والعجب أن هؤلاء المتقدمين بل من تأخر عنهم كالمحقق والعلامة، والشهيدين، وغيرهم : إذا نقل واحد منهم قولا عن أبي حنيفة، أو غيره من علماء العامة، أو الخاصة، أو نقل كلاما من كتاب معين، ورجعنا إلى وجداننا نرى أنه قد حصل لنا العلم بصدق دعواه وصحة نقله، لا الظن، وذلك علم عادي - كما نعلم أن الجبل لم ينقلب ذهبا، والبحر لم ينقلب دما - فكيف يحصل العلم من نقله عن غير المعصوم، ولا يحصل من نقله عن المعصوم غير الظن ؟ مع أنه لا يتسامح ولا يتساهل من له أدنى ورع وصلاح في القسم الثاني، وربما يتساهل في الأول ؟ والطرق إلى العلم واليقين كانت كثيرة بل بقي منها طرق متعددة كما عرفت . وكل ذلك واضح لولا الشبهة والتقليد ؟ ! . فكيف إذا نقل جماعة كثيرة واتفقت شهادتهم على النقل والثبوت والصحة؟.

  10. أنا كثيرا ما نقطع في حق كثير من الرواة : أنهم لم يرضوا بالافتراء في رواية الحديث . والذي لم يعلم ذلك منه يعلم أنه طريق إلى رواية أصل الثقة الذي نقل الحديث منه، والفائدة في ذكره مجرد التبرك باتصال سلسلة المخاطبة اللسانية ودفع تعيير العامة الشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة، بل منقولة من أصول قدمائهم ! .

  11. أن طريقة القدماء موجبة للعلم، مأخوذة عن أهل العصمة لأنهم قد أمروا باتباعها وقرروا العمل بها، فلم ينكروه، وعمل بها الإمامية في مدة تقارب سبعمائة سنة منها في زمان ظهور الأئمة - قريب من ثلاثمائة سنة . واصطلاح الجديد ليس كذلك قطعا، فتعين العمل بطريقة القدماء .

  12. أن طريقة المتقدمين مباينة لطريقة العامة، والاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد العامة واصطلاحهم، بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتتبع، وكما يفهم من كلام الشيخ حسن وغيره . وقد أمرنا الأئمة عليهم السلام باجتناب طريقة العامة . وقد تقدم بعض ما يدل على ذلك في القضاء في أحاديث ترجيح الحديثين المختلفين وغيرها.

  13. أن الاصطلاح الجديد يستلزم تخطئة جميع الطائفة المحققة في زمن الأئمة، وفي زمن الغيبة كما ذكره المحقق في أصوله، حيث قال : أفرط قوم في العمل بخبر الواحد . إلى أن قال : واقتصر بعض عن هذا الإفراط، فقالوا : كل سليم السند يعمل به . وما علم أن الكاذب قد يصدق ولم يتفطن أن ذلك طعن في علماء الشيعة، وقدح في المذهب إذ لا مصنف إلا وهو يعمل بخبر المجروح، كما يعمل بخبر العدل.

  14. أنه يستلزم ضعف أكثر الأحاديث، التي قد علم نقلها من الأصول المجمع عليها، لأجل ضعف بعض رواتها، أو جهالتهم أو عدم توثيقهم، فيكون تدوينها عبثا، بل محرما، وشهادتهم بصحتها زورا وكذبا . ويلزم بطلان الإجماع، الذي علم دخول المعصوم فيه - أيضا – كما تقدم . واللوازم باطلة وكذا الملزوم . بل يستلزم ضعف الأحاديث كلها عند التحقيق لأن الصحيح - عندهم - : ( ما رواه العدل، الإمامي، الضابط، في جميع الطبقات ) . ولم ينصوا على عدالة أحد من الرواة، إلا نادا، وإنما نصوا على التوثيق، وهو لا يستلزم العدالة قطعا بل بينهما عموم من وجه، كما صرح به الشهيد الثاني وغيره . ودعوى بعض المتأخرين : أن ( الثقة ) بمعنى ( العدل، الضابط ) . ممنوعة، وهو مطالب بدليلها . وكيف ؟ وهم مصرحون بخلافها حيث يوثقون من يعتقدون فسقه، وكفره وفساد مذهبه ؟ ! وإنما المراد بالثقة : من يوثق بخبره ويؤمن منه الكذب عادة، والتتبع شاهد به وقد صرح بذلك جماعة من المتقدمين والمتأخرين . ومن معلوم - الذي لا ريب فيه عند منصف - : أن الثقة تجامع الفسق بل الكفر . وأصحاب الاصطلاح الجديد قد اشترطوا - في الراوي - العدالة فيلزم من ذلك ضعف جميع أحاديثنا لعدم العلم بعدالة أحد منهم إلا نادرا . ففي إحداث هذا الاصطلاح غفلة من جهات متعددة كما ترى . وكذلك كون الراوي ضعيفا في الحديث لا يستلزم الفسق بل يجتمع مع العدالة، فإن العدل، الكثير السهو، ضعيف في الحديث والثقة والضعف غاية ما يمكن معرفته من أحوال الرواة . ومن هنا يظهر فساد خيال من ظن أن آية ( إن جائكم فاسق بنبأ ) تشعر بصحة الاصطلاح الجديد . مضافا إلى كون دلالتها بالمفهوم الضعيف المختلف في حجيته. ويبقى خبر مجهول الفسق : فان أجابوا : بأصالة العدالة . أجبنا : بأنه خلاف مذهبهم ولم يذهب إليه منهم إلا القليل . ومع ذلك : يلزمهم الحكم بعدالة المجهولين، والمهملين وهم لا يقولون به . ويبقى اشتراط العدالة بغير فائدة .

  15. أنه لو لم يجز لنا قبول شهادتهم في صحة أحاديث كتبهم وثبوتها، ونقلها من الأصول الصحيحة والكتب المعتمدة وقيام القرائن على ثبوتها، لما جاز لنا قبول شهادتهم في مدح الرواة وتوثيقهم . فلا يبقى حديث صحيح، ولا حسن، ولا موثق، بل يبقى جميع أحاديث كتب الشيعة ضعيفة . واللازم باطل، فكذا الملزوم . والملازمة ظاهرة، وكذا بطلان اللازم . بل الإخبار بالعدالة أعظم وأشكل وأولى بالاهتمام من الإخبار بنقل الحديث من الكتب المعتمدة، فإن ذلك أمر محسوس ظاهر، والعدالة عندهم أمر خفي، عقلي، يتعسر الاطلاع عليه . وهذا إلزام لا مفر لهم عنه عند الإنصاف .

  16. أن هذا الاصطلاح مستحدث في زمان العلامة، أو شيخه أحمد ابن طاووس كما هو معلوم، وهم معترفون به . وهو اجتهاد وظن منهما فيرد عليه جميع ما مر في أحاديث الاستنباط، والاجتهاد، والظن في كتاب القضاء وغيره . وهي مسألة أصولية لا يجوز التقليد فيها ولا العمل بدليل ظني، اتفاقا من الجميع، وليس لهم هنا دليل قطعي، فلا يجوز العمل به . وما يتخيل - من الاستدلال به لهم - ظني السند أو الدلالة، أو كليهما، فكيف يجوز الاستدلال بظن على ظن، وهو دوري ؟ ! مع قولهم عليهم السلام : شر الأمور محدثاتها.

  17. أنهم اتفقوا على أن مورد التقسيم هو خبر الواحد الخالي عن القرينة . وقد عرفت : أن أخبار كتبنا المشهورة محفوفة بالقرائن، وقد اعترف بذلك أصحاب الاصطلاح الجديد في عدة مواضع قد نقلنا بعضها . فظهر ضعف التقسيم المذكور وعدم وجود موضوعة في الكتب المعتمدة . وقد ذكر صاحب ( المنتقى ) أن : أكثر أنواع الحديث المذكورة في دراية الحديث بين المتأخرين من مستخرجات العامة، بعد وقوع معانيها في أحاديثهم، وأنه لا وجود لأكثرها في أحاديثنا. وإذا تأملت وجدت التقسيم المذكور من هذا القبيل .

  18. إجماع الطائفة المحقة - الذي نقله الشيخ والمحقق وغيرهما – على نقيض هذا الاصطلاح، واستمر عملهم بخلافه، من زمن الأئمة عليهم السلام إلى زمن العلامة، في مدة تقارب سبعمائة سنة . وقد علم دخول المعصوم عليه السلام في ذلك الإجماع كما عرفت .

  19. أن علماءنا الأجلاء الثقات إذا نقلوا أحاديث وشهدوا بثبوتها وصحتها - كما في أحاديث الكتب المذكورة سابقا - لم يبق عند التحقيق فرق - في الاعتماد ووجوب العمل - بين ذلك، وبين أن يدعوا : أنهم سمعوها من إمام زمانهم : لظهور علمهم وصلاحهم وصدقهم، وجلالتهم . وكثرة الأصول، المتواترة، المجمع عليها في زمانهم . وكثرة طرق تحصيل اليقين، والعلم عندهم . وعلمهم بأنه مع إمكان العلم لا يجوز العمل بغيره . وليس هذا بقياس، بل عمل بعموم النص وإطلاقه . وقد وردت الأحاديث الكثيرة - جدا - في الأمر بالرجوع إلى روايات الثقات مطلقا - كما عرفت - فدخلت روايتهم عن المعصوم، وروايتهم عن كتاب معتمد .

  20. أن نقول : هذه الأخبار الموجودة في الكتب المعتمدة التي هي باصطلاح المتأخرين صحيحة لا نزاع فيها، والتي باصطلاحهم غير صحيحة : إما أن يكون موافقة للأصل، أو مخالفة له . فإن كانت موافقة له : فهم يعملون بالأصل ( الذي لم تثبت حجيته، بل ثبت عدمها ) ويعملون بها، لموافقتها له، ولا يتوقفون فيها . ونحن نعمل بهذه الأحاديث، التي أمرنا بها . ومآل الأمرين واحد هنا . وإن كانت مخالفة للأصل : فهي موافقة للاحتياط ونحن مأمورون بالعمل به كما عرفت في القضاء، وغيره، ولم يخالف أحد من العقلاء في جواز العمل به، سواء قالوا بحجية الأصل أم لا . ولا يرد : أنه يلزم جواز العمل بأحاديث العامة والكتب التي ليست بمعتمدة ؟ لأنا نجيب بالنص المتواتر في النهي عن العمل بذلك القسم، فإن لم يكن هناك نص كان عملنا بأحاديث الواردة في الاحتياط .

  21. أن أصحاب الكتب الأربعة وأمثالهم قد شهدوا بصحة أحاديث كتبهم، وثبوتها ونقلها من الأصول المجمع عليها . فان كانوا ثقاتا : تعين قبول قولهم وروايتهم ونقلهم لأنه شهادة بمحسوس . وإن كانوا غير ثقات : صارت أحاديث كتبهم - كلها - ضعيفة لضعف مؤلفيها، وعدم ثبوت كونهم ثقات بل ظهور تسامحهم وتساهلهم في الدين وكذبهم في الشريعة . واللازم باطل فالملزوم مثله .

  22. أن من تتبع كتب الاستدلال علم - قطعا - أنهم لا يردون حديثا لضعفه - باصطلاحهم الجديد - ويعملون بما هو أوثق منه . ولا مثله، بل يضطرون إلى العمل بما هو أضعف منه، هذا إذا لم يكن له معارض من الحديث . ومعلوم أن ترجيح الأضعف على الأقوى غير جائز . وقد ذكر أكثر هذه الوجوه بعض المحققين من المتأخرين وإن كان بعضها يمكن المناقشة فيه فمجموعها لا يمكن رده عند الانصاف . ومن تأمل وتتبع علم أن مجموع هذه الوجوه بل كل واحد منها، أقوى وأوثق من أكثر أدلة الأصول، وناهيك بذلك برهانا ! فكيف إذا انضم إليها الأحاديث المتواترة السابقة في كتاب القضاء . وعلى كل حال فكونها أقوى - بمراتب - من دليل الاصطلاح الجديد لا ينبغي أن يرتاب فيه منصف[10].

 
القائلون بعدم صحة جميع روايات الكتب الأربعة وحججهم:

  1. يراد بالتصحيح هنا اعتداد جميع ما في الكتب الأربعة من أحاديث رويت عن أهل البيت عليهم السلام معتبرة ومقطوعا بصدورها عن الأئمة.. ونقطة الخلاف في واقعها هي : هل أن تصريحات المشايخ الثلاثة هي شهادة منهم بصحة أحاديثهم وتوثيق رواتها، فيؤخذ بها بناء على قبول شهادة العدل الواحد في مثل هذه المقام، أو أنها اجتهاد منهم قائم على منهج خاص بهم، فلا يكون حجة في حق غيرهم . قال السيد في ( المفاتيح ) : إن إخبار الكليني بصحة ما دونه في الكافي كما يمكن أن يكون باعتبار علمه بها، وقطعه بصدورها عن الأئمة، فيجوز الاعتماد عليها والحال هذه كسائر أخبار العدول، كذلك يمكن أن يكون باعتبار اجتهاده، وظهورها عنده ولو بالدليل الظني، فلا يجوز إذن الاعتماد عليه، فإن ظن المجتهد لا يكون حجة على مثله، كما هو الظاهر من الأصحاب، بل ومن العقلاء وحيث لا ترجيح للاحتمال الأول وجب التوقف .

  2. أنه لما طالت الأزمنة بين من تأخر والصدر السالف، وآل الحال إلى اندراس بعض كتب الأصول المعتمدة، بتسلط حكام الجور والضلال، والخوف، من إظهارها وانتساخها، وانضم إلى ذلك اجتماع ما وصل إليهم من كتب الأصول في الأصول المشهورة في هذا الزمان، فالتبست الأحاديث المأخوذة من الأصول المعتمدة بالمأخوذة من غير المعتمدة، واشتبهت المتكررة في الأصول بغير المتكررة، وخفي عليهم  كثير من تلك الأمور التي كانت سبب وثوق القدماء بكثير من الأحاديث، ولم يمكنهم الجري على أثرهم في تمييز ما يعتمد عليه عما لا يركن إليه، فاحتاجوا إلى قانون تتميز به الأحاديث المعتبرة عن غيرها، والموثوق بها عما سواها، فقرروا لنا ذلك الاصطلاح الجديد، وقربوا علينا البعيد، ووضعوا الأحاديث الواردة في كتبهم الاستدلالية، بما اقتضاه ذلك الاصطلاح من الصحة والحسن والتوثيق. فلابد - والحال هذه - ومن باب الاحتياط للدين، ولصيانة السنة الشريفة أن يدخلها ما ليس منها، من إعادة النظر في واقع المرويات .

  3. وأما ما ذكر من شهادة محمد بن يعقوب بصحة جميع روايات كتابه وأنها من الآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام، فيرده: أولا: إن السائل إنما سأل محمد بن يعقوب تأليف كتاب مشتمل على الآثار الصحيحة عن الصادقين سلام الله عليهم، ولم يشترط عليه أن لا يذكر فيه غير الرواية الصحيحة، أو ما صح عن غير الصادقين عليهم السلام، ومحمد بن يعقوب قد أعطاه ما سأله، فكتب كتابا مشتملا على الآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام في جميع فنون علم الدين، وإن اشتمل كتابه على غير الآثار الصحيحة عنهم عليهم السلام، أو الصحيحة عن غيرهم أيضا استطرادا وتتميما للفائدة، إذ لعل الناظر يستنبط صحة رواية لم تصح عند المؤلف، أو لم تثبت صحتها. ويشهد على ما ذكرناه: أن محمد بن يعقوب روى كثيرا في الكافي عن غير المعصومين. وثانيا: لو سلم أن محمد بن يعقوب شهد بصحة جميع روايات الكافي فهذه الشهادة غير مسموعة، فإنه إن أراد بذلك أن روايات كتابه في نفسها واجدة لشرائط الحجية فهو مقطوع البطلان، لان فيها مرسلات وفيها روايات في اسنادها مجاهيل، ومن اشتهر بالوضع والكذب، كأبي البختري وأمثاله. وإن أراد بذلك أن تلك الروايات وإن لم تكن في نفسها حجة، إلا أنه دلت القرائن الخارجية على صحتها ولزوم الاعتماد عليها، فهو أمر ممكن في نفسه، لكنه لا يسعنا تصديقه، وترتيب آثار الصحة على تلك الروايات غير الواجدة لشرائط الحجية، فإنها كثيرة جدا. ومن البعيد جدا وجود أمارة الصدق في جميع هذه الموارد، مضافا إلى أن إخبار محمد بن يعقوب بصحة جميع ما في كتابه حينئذ لا يكن شهادة، وإنما هو اجتهاد استنبطه مما إعتقد أنه قرينة على الصدق. ومن الممكن أن ما اعتقده قرينة على الصدق لو كان وصل إلينا لم يحصل لنا ظن بالصدق أيضا، فضلا عن اليقين. وثالثا: أنه يوجد في الكافي روايات شاذة لو لم ندع القطع بعدم صدورها من المعصوم عليه السلام فلا شك في الاطمئنان به. ومع ذلك كيف تصح دعوى القطع بصحة جميع روايات الكافي، وأنها صدرت من المعصومين عليهم السلام. ومما يؤكد ما ذكرناه من أن جميع روايات الكافي ليست بصحيحة: أن الشيخ الصدوق - قدس سره - لم يكن يعتقد صحة جميع ما في الكافي وكذلك شيخه محمد بن الحسن بن الوليد على ما تقدم من أن الصدوق يتبع شيخه في التصحيح والتضعيف. والمتحصل أنه لم تثبت صحة جميع روايات الكافي، بل لا شك في أن بعضها ضعيفة، بل إن بعضها يطمأن بعدم صدورها من المعصوم عليه السلام. والله أعلم ببواطن الأمور.

  4. النظر في صحة روايات من لا يحضره الفقيه وقد استدل على أن روايات كتاب من لا يحضره الفقيه كلها صحيحة - بما ذكره في أول كتابه - حيث قال: (ولم أقصد في قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته، وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي تقدس ذكره، وتعالت قدرته، وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع .. وغيرها من الأصول والمصنفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي رضي الله عنهم). والجواب: أن دلالة هذا الكلام على أن جميع ما رواه الشيخ الصدوق في كتابه - من لا يحضره الفقيه - صحيح عنده، وهو يراه حجة - فيما بينه وبين الله تعالى - واضحة، إلا أنا قد ذكرنا: أن تصحيح أحد الاعلام المتقدمين رواية لا ينفع من يرى اشتراط حجية الرواية بوثاقة راويها أو حسنه، على أنا قد علمنا من تصريح الصدوق نفسه - على ما تقدم - إنه يتبع في التضعيف والتصحيح شيخه ابن الوليد، ولا ينظر هو إلى حال الراوي نفسه، وأنه ثقة أو غير ثقة. أضف إلى ذلك أنه يظهر من كلامه المتقدم: أن كل رواية كانت في كتاب شيخه ابن الوليد أو كتاب غيره من المشايخ العظام والعلماء الاعلام يعتبرها الصدوق رواية صحيحة، وحجة فيما بينه وبين الله تعالى. وعلى هذا الأساس ذكر في كتابه طائفة من المراسلات، أفهل يمكننا الحكم بصحتها باعتبار أن الصدوق يعتبرها صحيحة؟ وعلى الجملة: إن أخبار الشيخ الصدوق عن صحة رواية وحجيتها إخبار عن رأيه ونظره، وهذا لا يكون حجة في حق غيره.

  5. النظر في صحة روايات التهذيبين وقد استدل على ما قيل من صحة جميع روايات التهذيبين بما حكاه المحقق الكاشاني في الوافي عن عدة الشيخ - قدس سره - من أنه قال فيه: (إن ما أورده في كتابي الاخبار إنما آخذه من الأصول المعتمد عليها)، فإن في هذا الكلام شهادة على أن جميع روايات كتابيه مأخوذة من هذه الكتب فهي صحيحة. والجواب: أولا: أنا لم نجد في كتاب العدة هذه الجملة المحكية عنه. والظاهر أن الكاشاني نسب هذه الجملة إلى الشيخ لزعمه أنه المستفاد من كلامه، فإن الشيخ - بعد ما ذكره اختياره - وهو حجية خبر الواحد إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، وكان ذلك مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله، أو عن أحد الأئمة عليهم السلام، وكان ممن لا يطعن في روايته، ويكون سديدا في نقله، قال: (والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة، فإني، وجدتها مجمعة على العمل بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم، ودونوها في أصولهم لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه، حتى أن واحدا منهم إذا أفتى بشئ لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم إلى كتاب معروف أو أصل مشهور وروايته، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا وسلموا الامر في ذلك، وقبلوا قوله .. ). وقال بعد ما ذكر جملا من الاعتراض على حجية الخبر وأجاب عنها: (ومما يدل أيضا على جواز العمل بهذه الاخبار التي أشرنا إليها ما ظهر من الفرقة المحقة من الاختلاف الصادر عن العمل بها، فإني وجدتها مختلفة المذاهب في الاحكام، ويفتي أحدهم بما لا يفتي به صاحبه في جميع أبواب الفقه من الطهارة إلى باب الديات من العبادات والاحكام والمعاملات والفرائض وغير ذلك، مثل اختلافهم في العدد والرؤية في الصوم، واختلافهم في أن التلفظ بثلاث تطليقات هل يقع واحدة أم لا، ومثل اختلافهم في باب الطهارة في مقدار الماء الذي لا ينجسه شئ، ونحو اختلافهم في حد الكر، ونحو اختلافهم في استئناف الماء الجديد لمسح الرأس والرجلين، واختلافهم في اعتبار أقصى مدة النفاس، واختلافهم في عدد فصول الأذان والإقامة وغير ذلك في سائر أبواب الفقه حتى أن بابا منه لا يسلم إلا وجدت العلماء من الطائفة مختلفة في مسائل منه أو مسألة متفاوتة الفتاوي. وقد ذكرت ما ورد عنهم عليهم السلام في الأحاديث المختلفة التي يختص الفقه في كتابي المعروف بالاستبصار وفي كتاب تهذيب الأحكام ما يزيد على خمسة آلاف حديث، وذكرت في أكثرها اختلاف الطائفة في العمل بها، وذلك أشهر من أن يخفي). فقد تخيل المحقق الكاشاني دلالة هاتين الجملتين على: أن الشيخ لا يذكر في كتابيه إلا الروايات المأخوذة من الكتب المعتمدة، المعول عليها عند الأصحاب، ولكن من الظاهر أن هذا تخيل لا أساس له، ولا دلالة في كلام الشيخ على أن جميع روايات كتابيه مأخوذة من كتاب معروف أو أصل مشهور، بل ولا إشعار فيه بذلك أيضا. على أن الشيخ ذكر أن عدم إنكار الحديث الموجود في كتاب معروف أو أصل مشهور إنما هو فيما إذا كان الراوي ثقة، فأين شهادة الشيخ بأن جميع روايات الكتاب المعروف، أو الأصل المشهور صحيحة، ولا ينكرها الأصحاب؟. ومما يؤيد ما ذكرناه أن الشيخ ذكر في غير مورد من كتابيه: أن ما رواه، من الرواية ضعيف لا يعمل به، وقد رواها عن الكتب التي روى بقية الروايات عنها، فكيف يمكن أن ينسب إليه أنه يرى صحة جميع روايات تلك الكتب؟ وثانيا: لو سلمنا أن الشيخ شهد بصحة جميع روايات كتابيه، فلا تزيد هذه الشهادة على شهادة الصدوق بصحة جميع روايات كتابه، فيجري فيها ما ذكرناه في شهادة الصدوق من أن الشهادة على صحة الحديث وحجيته لا تكون حجة في حق الآخرين، بعد ما كانت شرائط الحجية مختلفة بحسب الأنظار. وقد تحصل من جميع ما ذكرناه أنه لم تثبت صحة جميع روايات الكتب الأربعة، فلا بد من النظر في سند كل رواية منها، فإن توفرت فيها شروط الحجية أخذ بها، وإلا فلا.

  6. أن أصحاب الكتب أنفسهم لم يكونوا يعتقدون بصحة كل ما جاء فيها. فهذا الكليني يظهر من مقدّمته على الكتاب عدم جزمه بقطعية صدور جميع أحاديثه، حيث قال: «فاعلم يا أخي أرشدك اللّه أنّه لا يسع أحداً تمييز شيء ممّا اختلف الرواية فيه عن العلماء ـ عليهم السَّلام ـ برأيه إلاّ على ما أطلقه العالم بقوله ـ عليه السَّلام ـ: «أعرضوها على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه عزّوجلّ فخذوه وما خالف كتاب اللّه فردّوه». وقوله ـ عليه السَّلام ـ: «دعوا ما وافق القوم، فإنّ الرشد في خلافهم». وقوله ـ عليه السَّلام ـ: «خذوا بالمجمع عليه، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه». و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلاّ أقلّه، ولا نجد شيئاً أحوط ولا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى العالم ـ عليه السَّلام ـ، وقبول ما وسع من الأمر فيه بقوله: «بأيّما أخذتم من باب التسليم وسعكم» وقد يسّر اللّه ـ وله الحمد ـ تأليف ما سألت، وأرجو أن يكون بحيث توخّيت». وهذا الكلام ظاهر في أنّ محمّد بن يعقوب الكليني لم يكن يعتقد بصدور روايات كتابه عن المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ جزماً، وإلاّ لم يكن وجه للاستشهاد بالرواية على لزوم الأخذ بالموافق من الروايتين عند التعارض، فإنّ هذا لا يجتمع مع الجزم بصدور كلتيهما، فإنّ موافقة الكتاب إنّما تكون مرجّحة لتمييز الصادر عن غيره، ولا مجال للترجيح بها مع الجزم بالصدور.

  7. كيف يمكن أن يقال بأنّ روايات الكافي مثلاً قطعية الصدور، مع أنّ الشيخ الصدوق لم يكن يعتقد بذلك، فانّه قال في باب «الوصيّ يمنع الوارث»: ما وجدت هذا الحديث إلاّ في كتاب محمد بن يعقوب، و ما رويته إلاّمن طريقه[11].  فلو كانت روايات الكافي كلّها قطعية الصدور، فكيف يصحّ ذلك التعبير من الشيخ الصدوق؟!

  8. أنّ كون الرواية أو الروايات صحيحة عند أحدهم لا يكون دليلاً على كونها صحيحة عند الآخرين بعد ما كانت شرائط الحجّية مختلفة في الأنظار، حيث أنّ الصحيح عند القدماء غير الصحيح عند المتأخّرين. فقول الصدوق مثلاً : ولم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أُفتي به وأحكم بصحته، واعتقد فيه أنّه حجّة فيما بيني و بين ربّي تقدّس ذكره وتعالت قدرته، وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع، مثل كتاب حريز بن عبداللّه السجستاني ... وغيرها من الأُصول والمصنّفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي وأسلافي ـ فيلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ المدّعى هو كون روايات الفقيه قطعية الصدور بمعنى تواترها أو محفوفة بالقرائن التي تفيد العلم بالصدور، والمتبادر من العبارة هو اعتقاد الصدوق بصحّة ما أورده فيه، والصحيح أعمّ من القطعيّ; لأنّ كون الرواية صحيحة عند المؤلّف غير كونها قطعية الصدور، فالمراد من الصحة هي اعتبارها عنده وكونها حجّة بينه و بين ربّه، وهو غير كونها قطعية الصدور. ثمّ إنّ تصحيح أحد الأعلام المتقدّمين كالكليني والصدوق للرواية لا يكون حجّة إلاّ عليهم لا على غيره، بعدما كانت شرائط الحجّية مختلفة الأنظار، فربّ حديث، صحيح عند الصدوق وليس كذلك عند المتأخّرين وبالعكس، فعلى المستنبط أن يتحرّى حتى يقف على صحّة الرواية وعدمها. فتلخّص من ذلك: انّ الصدوق لم يدّع قطعية الروايات الواردة في «الفقيه» وإنّما ادّعى اعتبارها، لكن كون الرواية معتبرة عند مجتهد لا يكون دليلاً على اعتبارها عند المجتهد الآخر.

  9. أنّ أحاديث كتاب «الفقيه» لا تتجاوز عن 5963حديثاً، منها 2050حديثاً مرسلاً، وعند ذلك كيف يمكن الركون إلى هذا الكتاب والقول بقطعية مراسيله أو اعتبارها؟! وأمّا «التهذيب» و «الاستبصار» اللّذان يعدّان من الكتب الأربعة فهما من تأليف الشيخ محمد بن الحسن الطوسي وهو لم يدّع قطعية الأخبار الواردة فيهما ولا صحتها; بل صرّح في مقدّمة كتابه بأنّ بعض ما أورده فيهما ضعيف سنداً، وقسم منها عمل الأصحاب على خلافها[12].

  10. كيف يُعوّل في تحصيل العلم عليهم وبعضهم يكذّب رواية بعض بتكذيب بعض الرواة في بعض الطبقات، فلا نعلم أنّ القطع يحصل بقول القائل أو بقول من نسب الرواية إلى الباطل . ورواياتهم بعضها يضاد بعضاً، كرواية أنّ دم الحيض من الأيمن والقرح من الأيسر، ورواية العكس من الشيخ والكليني  (أنظر : التهذيب 1 : 385 ح 1185 ذكر رواية الأيسر، الكافي 3 : 94 ح 3 ذكر رواية الأيمن، وانظر الوسائل 2 : 560 أبواب الحيض ب 16 ح 1، 2 ).

  11. أنّه يظهر من تضاعيف كلامهم في كتبهم خلاف ما ذكروه في أوائلها، فهو مبنيّ إمّا على العدول، أو التنزيل على إرادة الجنس، أو إرادة العلم بالحكم الظاهري، أو تسمية المظنون علماً .

  12. ثمّ إنّ كتبهم قد اشتملت على أخبار يقطع بكذبها، كأخبار التجسيم، والتشبيه، وقِدَم العالم، وثبوت المكان والزمان، فلا بدّ من تخصيص ما ذكر في المقدّمات، أو تأويله على ضرب من المجازات، أو الحمل على العدول عمّا فات، أو المقصود العلم بالحكم الظاهري كما ذكرنا، مضافاً إلى أنّ الاستمرار على النقد من الصلحاء الأبرار أبين شاهد على بقاء الغش على الاستمرار . وأنّه لا يجب على الأئمّة عليهم السلام المبادرة إليهم بالإنكار، ولا تمييز الخطأ من الصواب لمنع التقيّة.

  13. أن المفيد والشيخ كانا يعاملان مع روايات الكافي والفقيه وغيرها من الروايات المودعة في الكتب والأصول معاملة الخبر غير القطعي فإن كان راويها من الضعفاء أو كانت الرواية مرسلة طرحاها، سواء كانت الرواية مروية في الكافي أو الفقيه أو غيرهما من الكتب والأصول المعروفة والمشهورة . وليت شعري إذا كان مثل المفيد والشيخ - قدس سرهما -، مع قرب عصرهما، وسعة اطلاعهما لم يحصل لهما القطع بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين عليهم السلام، فمن أين حصل القطع لجماعة متأخرين عنهما زمانا ورتبة ؟ أو ليس حصول القطع يتوقف على مقدمات قطعية بديهية أو منتهية إلى البداهة ؟ . وقد ذكر صاحب الوسائل لاثبات ما ادعاه من صحة ما أودعه في كتابه من الاخبار، وصدورها من المعصومين عليهم السلام وجوها، سماها أدلة، ولا يرجع شئ منها إلى محصل، ولا يترتب على التعرض لها والجواب عنها غير تضييع الوقت.

 
والكلام في الباب طويل.
 
     أنظر أيضاً : الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب، الإستبصار.


[1] رسائل الشهيد الثاني، للشهيد الثاني، 2 /1149

[2] الوافي، للفيض الكاشاني، 1/ 11

[3] وسائل الشيعة، للحر العاملي، 30 /257

[4] المراجعات، لعبدالحسين شرف الدين الموسوي، 419 (المراجعة 110)

[5] الذريعة إلى تصانيف الشيعة، لآقا بزرك الطهراني، 2 /14

[6] معرفة القران، لمرتضى المطهري، 19

[7] كتاب الوحدة الإسلامية، مقال لمحمد جواد مغنية، 261

[8] الشيعة، لمحمد صادق الصدر، 127

[9] تلخيص الشافي،  للطوسي، مقدمة حسين بحر العلوم، 29

[10] أنظر : الفوائد المدنية والشواهد المكية، لمحمد أمين الإسترآبادي، 371، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 30 /191، 248

[11] من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 4/ 223 

[12] أنظر : معجم رجال الحديث، للخوئي، 1 /33، 79، أنظر : أصول الحديث، لعبد الهادي الفضلي، 210، كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، لجعفر كاشف الغطاء، 1 /220، كليات في علم الرجال، لجعفر السبحاني، 27، 35، 351


عدد مرات القراءة:
1583
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :