تحديد عدد الأئمة وجواز مبايعة القرشي وإن كان فاسقاً
وأما قوله : (( ولم يجعلوا الأئمة محصورين في عدد معين )) فهذا حق. وذلك أن الله تعالى قال : [يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُم] ، ولم يوقّتهم بعدد معين.
وكذلك قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الأحاديث الثابتة عنه المستفيضة لم يوقِّت ولاة الأمور في عدد معين. ففي الصحيحين عن أبي ذر قال : (( إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيا مجدّع الأطراف ))([1]).
( فصـــل )
وأما قوله عنهم ((كل من بايع قرشيا انعقدت إمامته ووجبت طاعته على جميع الخلق إذا كان مستور الحال ، وإن كان على غاية من الفسق والكفر والنفاق )).
فجوابه من وجوه :
أحدها : أن هذا ليس من قول أهل السنة والجماعة ، وليس مذهبهم أنه بمجرد مبايعة واحد قرشي تنعقد بيعته ، ويجب على جميع الناس طاعته ، وهذا وإن كان قد قاله بعض أهل الكلام ، فليس هو قول أهل السنة والجماعة، بل قد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (( من بايع رجلا بغير مشورة المسلمين ، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغِرَّة أن يُقتلا )). الحديث رواه البخاري ، وسيأتي بكماله إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني : أنهم لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به ، بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة ، فلا يجوّزون طاعته في معصية الله وإن كان إماما عادلاً ، وإذا أمرهم بطاعة الله فأطاعوه: مثل ان يأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، والصدق والعدل والحج والجهاد في سبيل الله ، فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله ، والكافر والفاسق إذا أمر بما هو طاعة لله لم تحرم طاعة الله ولا يسقط وجوبها لأجل أمر ذلك الفاسق بها ، كما أنه إذا تكلم بحق لم يجز تكذيبه ولا يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله فاسق ، فأهل السنة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقا ، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم.
كما قال تعالى:] أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُم[([2])
فأمر بطاعة الله مطلقا ، وأمر بطاعة الرسول لأنه لا يأمر إلا بطاعة الله ]منْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله [ ([3]) و جعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك ، فقال : (وَأُوليِ الأَمْرِ مِنْكُم ) ولم يذكر لهم طاعة ثالثة ، لأن ولي الأمر لا يطاع طاعة مطلقة ، إنما يطاع في المعروف.
كما قال النبي صلى الله تعالىعليه وسلم:((إنما الطاعة في المعروف))([4]) وقال:(( لا طاعة في معصية الله ))([5])و((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))([6]) وقال : (( من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه ))([7]) .
وقال هؤلاء الرافضة المنسوبين إلى شيعة علي ّرضي الله عنه أنه تجب طاعة غير الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم مطلقا في كل ما أمر به ، أفسد من قول من كان منسوبا إلى شيعة عثمان رضي الله عنه من أهل الشام من أنه يجب طاعة ولي الأمر مطلقا ، فإن أولئك كانوا يطيعون ذا السلطان وهو موجود ، وهؤلاء يوجبون طاعة معصوم مفقود.
وأيضا فأولئك لم يكونوا يدّعون في أئمتهم العصمة التي تدعيها الرافضة ،بل كانوا يجعلونهم كالخلفاء الراشدين وأئمة العدل الذين يقلدون فيما لا تعرف حقيقة أمره ، أو يقولون : إن الله يقبل منهم الحسنات ويتجاوز عن السيئات. وهذا أهون ممن يقول : أنهم معصومون ولا يخطئون.
فتبين ان هؤلاء المنسوبين إلى النصب من شيعة عثمان ، وإن كان فيهم خروج عن بعض الحق والعدل ، فخروج الإمامية عن الحق والعدل أكثر وأشد ، فكيف بقول أئمة السنة الموافق للكتاب والسنة ،وهو الأمر بطاعة ولي الأمر فيما يأمر به من طاعة الله ، دون ما يأمر به من معصية الله.
(1 ) مسلم ج1 ص 448 وج3 ص 1467 وأبو داود ج2 ص 955.
(1 ) الآية 59 من سورة النساء.
(2 ) الآية 80 من سورة النساء.
(3 ) المسند ج4 ص426 ، 427 ، 436.
(4 ) المسند ج4 ص426 ، 427 ، 436.
(5 ) المسند ج5 ص 66.
(6 ) المسند ج3 ص67 وابن ماجة ج2 ص 955.