معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

التهمة الكيدية في حرق عمر الفاروق لمكتبة الإسكندرية - علي الكاش ..
الكاتب : علي الكاش ..

التهمة الكيدية في حرق عمر الفاروق لمكتبة الإسكندرية - 1

     تمهيد قبل الدخول في هذا الموضوع لا بد من الإشارة الى أن المباحث التأريخية لا تقل صعوبة عن بقية العلوم البحتة، وربما تكون أحيانا أكثر صعوبة في حال عدم توفر المعلومات الكافية لموضوع البحث وتباينها وتضاربها بدرجة كبيرة مما يتطلب التأني والدقة والتحليل الهادئ والاستقصاء العلمي البعيد عن الأهواء الشخصية، والميول الدينية والقومية والمذهبية، والأهم من ذلك، عدم اعتبار رواية أي من الرواة والمؤرخين أمر مُسلم به، بغض النظر عن أهمية ومركز الراوي ودرجة الثقة التي تميزه عن غيره. مع العلم ان معظم الرواة الذين سطروا لنا الأحداث التأريخية، كان للعوامل الداخلية كالدين والمذهب والعنصر والقومية والعشائرية والأهواء الشخصية أثرا كبيرا على رواياتهم، علاوة على العوامل الخارجية مثل التقرب من الحكام والحصول على المزايا والمناصب العالية والحوافز المادية بالإضافة الى الخيانة التي تتجسد عبر التعاون من الأعداء او ما يسمى بالتجنيد لقوى خارجية، أي خيانة الأمة لسبب ما قد يكون ماديا، او دينيا، او مذهبيا، او قوميا. كما أن سند الرواية وما يسمى بالجرح والتعديل عامل مهم لمعرفة الرجال الذي ذكروا الرواية وتناقلوها من فم لفم، فأحيانا قد يزيدوا عن العشرة رجال، مما يتطلب التحري عنهم بدقة ومعرفة ميولهم ونزاهتهم ومدى تقربهم من الحكام. وهناك إشكال آخر يتعلق بالمخطوطات التأريخية، فأحيانا قد يكون الراوي نزيها لكن الناسخ غير نزيه، لاحظنا مثلا أن بعض الناسخين يزيد من تكريم وتبجيل أئمة الشيعة في حين لا يترحم أو يترضى عن بقية الصحابة بما فيهم الخلفاء الراشدين الثلاثة، وهنا يكون الناسخ قد تلاعب عن قصد مبيت في النسخ، فأساء للراوي إساءة بالغة ونقل لنا صورة غير حقيقية متلاعب بها، وغالبا ما تلاحظ مثل هذه الإساءات عند الناسخين، بل أن البعض منهم يغير من الأحداث فيحذف ما لا يتوافق مع أهوائه، ويضيف ما يراه متوافقا معها. وهذه الحالة موجودة حاليا عند بعض مراجع الشيعة، حيث يدلسوا في نقل الروايات، وقد أشرنا اليها في كتابنا (اغتيال العقل الشيعي)، مع الأخذ بنظر الاعتبار تشويه الحقائق من قبل دور النشر، وهذا ما لاحظناه في الطبعات الإيرانية للكتب الصادرة في العراق مثل الثورة العراقية الكبرى لعبد الرزاق الحسني وغيرها. بل حتى كتب التأريخ التي تعتبر موثوقة فأن فيها ثغرات كبيرة تستوجب توخي الحذر، وتتطلب الاستزادة من المصادر وتنوعها والتحليل العلمي والاعتماد على المنطق والاستقراء للتميز بين المعقول واللامعقول، وعزل اللامعقول، بين الذي يتوافق مع القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والذي لا يتوافق معهما، أي الذي يتقبله العقل والمنطق السليم والذي يرفضه، لذا قال الشاعر الكبير معروف الرصافي: ما كتب التأريخ في كل ما روت ... لقرائها إلا حديث ملــــــــفق نظرنا لأمـــر الحاضرين فرابنا ... فكيف لأمر الغابريـن نصدق نصح العلامة إبن خلدون الباحث في التأريخ بأنه" يحتاج إلى مآخذ متعدّدة ومعارف متنوّعة وحسن نظر وتثبّت يفضيان بصاحبهما إلى الحقّ وينكّبان به عن المهزلات والمغالط لأنّ الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرّد النّقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السّياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنسانيّ ولا قيس الغائب منها بالشّاهد والحاضر بالذّاهب فربّما لم يؤمن فيها من العثور ومزلّة القدم والحيد عن جادّة الصّدق وكثيرا ما وقع للمؤرّخين والمفسّرين وأئمّة النّقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرّد النّقل غثّا أو سمينا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النّظر والبصيرة في الأخبار فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيّما في إحصاء الأعداد من الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنّة الكذب ومطيّة الهذر ولا بدّ من ردّها إلى الأصول وعرضها على القواعد". (تأريخ إبن خلدون1/13). على سبيل المثال لو نظرنا في كتابات الجاحظ، وهو من شيوخ المعتزلة الذين يعادون بني أمية وقد أسس فرقة حملت اسمه (الجاحظية) سرعان ما فشلت وانتهت بموته، تجد في رسائله (رسائل الجاحظ) رسالته المسماة (تفضيل بني هاشم) التي لم يقتصر فيها على إتهام الخلفاء الأمويين بالفسوق والمجون واللهو، بل بالغ إلى حد تكفيرهم! للمزيد راجع تكفيره لمعاوية ويزيد وزياد وابنه عبيد الله ( رسائل الجاحظ 2/12). وكرر ما قاله المؤرخ الشيعي المسعودي عن عمر بن عبد العزيز بأنه أعور بين عميان، قال ابن خلدون" قد حكاه المسعوديّ مثله في أحوال بني أميّة عن أبي جعفر المنصور وقد حضر عمومته وذكروا بني أميّة فقال: أمّا عبد الملك فكان جبّارا لا يبالي بما صنع، وأمّا سليمان فكان همّه بطنه وفرجه، وأمّا عمر فكان أعور بين عميان، وكان رجل القوم هشام".(تأريخ ابن خلدون/258). ومثل هذا المؤرخ لا يعتد برسائله طالما تبع اهوائه، ويمكن الاخذ برواياته البعيدة عن سير الخفاء، أي الأدبية ذات الطرف والقصص الجميلة. لذا نجزم ان الجاحظ لم يكن أمينا في تدوين تأريخ الأمويين البتة. ويمكن تلخيص السبب الرئيس في موقفه هذا علاوة على الخلاف المذهبي، العطايا الكثيرة والمكانة العالية التي منحها العباسيون له. وينطبق على الجاحظ قول عبد الرحمن بن مهدي بصاحب الهوى" ثلاثة لا يحمل عنهم، الرجل المتهم بالكذب، والرجل كثير الوهم والخلط، ورجل صاحب هوى يدعو إلى بدعته". (العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل2/214). وهذا ما يقال عن المسعودي الذي ملأ كتابه بطعن بني أمية والكثير من الخرافات، قال ابن خلدون" وقد تعرّض المسعوديّ للبحث عن السّبب في خفّة السّودان وطيشهم وكثرة الطّرب فيهم وحاول تعليله فلم يأت بشيء أكثر من أنّه نقل عن جالينوس ويعقوب بن إسحاق الكنديّ أنّ ذلك لضعف أدمغتهم وما نشأ عنه من ضعف عقولهم وهذا كلام لا محصّل له ولا برهان فيه". (تأريخ ابن خلدون/109). قال المغربي" حكى المسعودي أن فيها شجراً يخرج منه نبات كالابرنج ويولد منه جوار يتعلقن بشعورهن، وتصيح الواحدة منهن واق واق، فإن قطعن شعورهن وفصلن من الشجرة مُتن". (كتاب الجغرافيا للمغربي/6). من الكتاب الجدد د. علي سامي النشار مؤلف (شهداء الإسلام في عصر النبوة) و (نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام) فهو يماشي الشعوبيين في نظرتهم للخلافة الأموية ويطعن في كاتب الوحي أمير المؤمنين معاوية بقوله" مهما قيل في معاوية، ومهما حاول علماء المذهب السلفي المتأخر، وبعض أهل السنة من وضعه في نسق صحابة رسول الله، فإن الرجل لم يؤمن أبداً بالإسلام، ولقد كان يطلق نفثاته على الإسلام كثيراً، ولكنه لم يستطع أكثر من هذا". (نشأة الفكر الفلسفي 2/19). ولم يلبث أن استلم أبو سفيان بشتيمته كأنه سبق أن عاشره أو رافقه في سفر أو جادله في أمر، بقوله" لقد كان أبو سفيان زنديقاً أي ممن يؤمنون بالمجوسية الفارسية". (نشأة الفكر الفلسفي 2/31). متجاهلا إن النبي (صلى الله عليه وسلم) عينه عاملا على نجران. وكذلك مواقفه البطولية في معركة اليرموك حيث شارك فيها وهو شيخ كبير السن متطوعا مع ابنيه يزيد ومعاوية وكان له أثرا كبيرا في نصرة المسلمين في اليرموك. (للمزيد رجع كتابنا اغتيال العقل الشيعي). هذا عن كبار الكتاب فما بالك بمن هم بدرجة أدنى! بالطبع النجار انطلق في رأيه الشعوبي هذا من كراهية الفرس لأبي سفيان، الكثير لا يعرف ان أبي سفيان كان مبعوثا من النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى كسرى الفرس وهذا دلالة على أهمية، فهو صاحب البيت الآمن، من دخله لا خوف عليه، فقد كان سيد قريش. قال ابن خلدون " في آخر سنة ست من الهجرة كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل كتابه من المدينة مع دحية الكلبي يدعوه إلى الإسلام، ونصّه على ما وقع في صحيح البخاري" بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أمّا بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرّتين فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيّين. ((ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله وَلا نُشْرِكَ به شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً من دُونِ الله فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)) 3/ 64 . فلمّا بلغه الكتاب جمع من كان بأرضه من قريش وسألهم عن أقربهم نسبا منه فأشاروا إلى أبي سفيان بن حرب، فقال لهم: إنّي سائله عن شأن هذا الرجل فاستمعوا ما يقوله. ثم سأل أبا سفيان عن أحوال تجب أن تكون للنبيّ صلى الله عليه وسلم أو ينزه عنها، وكان هرقل عارفا بذلك، فأجابه أبو سفيان عن جميع ما سأله من ذلك". (تأريخ ابن خلدون2/276). فهل يعتبر ان النبي (صلى الله عليه وسلم) اخطأ في اختيار أبي سفيان؟ عندما يخوض الكاتب في غير اختصاصه غالبا ما يقع في إخطاء، وهذا ما يمكن تشخيصه حتى عند كبار الرواة، على سبيل المثال قال إبن خلدون وهو مؤسس علم الاجتماع بلا جدل، كما إنه حجة في التأريخ " للأستاذ أبي الحسن عليّ بن هلال الكاتب البغداديّ الشّهير بابن البوّاب قصيدة من بحر البسيط على رويّ الرّاء يذكر فيها صناعة الخطّ وقواعدها من أحسن ما كتب في ذلك. رأيت إثباتها في هذا الكتاب من هذا الباب لينتفع بها من يريد تعلّم هذه الصّناعة، وأوّلها: يا من يريد إجادة التّحرير ويروم حسن الخطّ والتّصوير إن كان عزمك في الكتابة صادقا فارغب إلى مولاك في التّيسير أعدد من الأقلام كلّ مثقّف صلب يصوغ صناعة التحبير وإذا عمدت لبرية فتوخّه عند القياس بأوسط التّقدير انظر إلى طرفيه فاجعل بريه من جانب التّدقيق والتّحضير واجعل لجلفته قواما عادلا خلوا عن التّطويل والتّقصير والشّق وسطه ليبقى بريه من جانبيه مشاكل التقدير حتّى إذا أيقنت ذلك كله فالقطّ فيه جملة التدبير (تأريخ ابن خلدون/530). وهذ بالتأكيد من روائع الشعر، والقصيدة من بحر الكامل وليس من بحر البسيط حسبما تصور إبن خلدون. لأن التأريخ وعلم الاجتماع هو اختصاصه وليس الأدب فلا ملامة عليه، بل عتب قليل. وهذا ما يمكن قوله على الكتاب المحدثين ومنهم طه حسين، الذي كتب ( الفتنة الكبرى) بجزئين، وجاء كتابه فتنة كبرى لأنه اعتمد على الروايات الشيعية، وعلى تسعة مصادر في كتابه فقط! والأغرب منها إن ستة منها شيعية من بينها بحار الأنوار للمجلسي. ضاربا بمنهج الجرح والتعديل عرض الحائط، على العكس مما ذكره في مقدمة كتابه حول التضارب والتعارض في الروايات التأريخية وضرورة تمحيصها من قبل الكاتب. وكتابه الفتنة الكبرى هو قصة أقرب منه إلى بحث تأريخي يفتقر الى النظرة العلمية، وربما لأنه تعلم على أيدي المستشرقين في فرنسا والتزم بمنهج بعضهم التحريفي ضد المسلمين والإساءة اليهم. إن السند في الرواية مهم جدا، وعلم الجرح والتعديل من أهم العلوم في الدين والتأريخ، وهو الفيصل الحاسم في قبول الرواية أو رفضها، لابد من معرفة مصدر الرواية؟ وممن استقاها المؤرخ؟ وماهي مصداقية الراوي؟ وما هي ظروف الحادثة وظروف الراوي نفسه؟ وهل هناك مجاهيل في السند او غير أمينيين على نقل الحقائق؟ وهل هناك إدله قطعية على صحة الرواية؟ وما هو رأي بقية الرواة بنفس الحادثة؟ عند الإلمام بكل ذلك، يمكن عند ذاك الحكم على صحة الرواية من بطلانها. ومن الجدير بالإشارة أن أحاديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم) تعرضت للتحريف والزيادة والنقصان فما بالك ببقية الروايات التأريخية، ويمكن الجزم ان الدين الشيعي هو الأكثر تعرضا للتشويه وتزييف الحقائق، سيما ان معظم رواته من الفرس الغلاة والشعوبيين؟ من أشهر وضاع الحديث في العهد الأموي والعباسي وما بعده ابن أبي يحي ومقاتل بن سليمان ومحمد بن سعيد وابن الخطاب، وعبد الكريم ابن أبي العوجاء الذي اعترف لما أمر محمد بن سليمان بقتله في أوائل عصر الدولة العباسية سنة 153هـ بأنه وضع (4000) حديثا، حلل فيه الحرام وحرم فيه الحلال. علاوة على ذلك هناك العديد من الكتاب الشعوبيين الذين تفانوا في جهودهم لتشويه صورة الإسلام والعرب مثل يحي بن عدي، وابن البطريق، والكلبي، ويوحنا النقيوسي، والمئات غيرهم، مما يتطلب الحذر من رواياتهم. يضاف الى ذلك الأخذ بنظر الاعتبار مسألة النسخ وهو لا يتعلق بالقرآن الكريم فحسب، بل الأحاديث النبوية الشريفة أيضا، وهذا ما يفوت البعص من الكتاب. قال ابن خلدون" معرفة النّاسخ والمنسوخ من أهمّ علوم الحديث وأصعبها. قال الزّهريّ: أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من منسوخه". (تأريخ ابن خلدون/557) علاوة على ذلك كتابات المستشرقين، وهم صنفان: أولهما: صنف قدم خدمة كبيرة للذاكرة العربية من خلال الكشف عن الكتب القديمة وتحقيقها ونقدها وفهرستها ونشرها في المطابع الأوربية والعربية، غاياتهم الكشف العلمي والفائدة العامة، ومنهم من اكتشف اللغات القديمة، فقدم خدمة جليلة للفكر الإنساني. ثانيهما: صنف اهتم بالعلوم العربية بدفع من المخابرات الأجنبية (كالرحالة والمبعوثين وعلماء الآثار) سيما قبل فترة الاستعمار الحديث، للتعرف على تأريخ الشعوب التي ستصبح مستعمرات لاحقا بما فيها أخلاق تلك الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم وعشائرهم غيرها من المعارف. ويدخل ضمن هذا الإطار جهود بعض الحاقدين على العرب والإسلام من المتعصبين للديانتين اليهودية والمسيحية، وهؤلاء يمكن اعتبارهم امتدادا طبيعيا للشعوبيين الذين انتموا للإسلام ليس عن قناعة، بل لنخر جدرانه من الداخل، وقد نجح البعض منهم، مع ملاحظة ان جميع الفرق الشعوبية من الفرس. فقد كان لهم الدور الأخطر في هذا المضمار، وهذا لا يعني الفرس عموما، فالكثير من العلماء المسلمين يرجعون لأصول فارسية، لكنها الحقيقة التي تثبتها الشواهد التأريخية. في الوقت الذي لا يترحم ولا يترضى الرواة الشيعة العرب على كبار الصحابة. لاحظ ما يقول الراوي الفارسي ناصر خسرو عن القدس" فيها وَادي جَهَنَّم، وَقد سَأَلت عَمَّن أطلق هَذَا اللقب عَلَيْهِ فَقيل أَن عمر رَضِي الله عَنهُ أنزل جَيْشه أَيَّام خِلَافَته فِي سهل الساهرة هَذَا فَلَمَّا رأى الْوَادي قَالَ هَذَا وَادي جَهَنَّم، وَيَقُول الْعَوام إِن من يذهب إِلَى نهايته يسمع صياح أهل جَهَنَّم، فَإِن الصدى يرْتَفع من هُنَاكَ وَقد ذهبت فَلم أسمع شَيْئا". (السفرنامة/57). تذكر لنا كتب التاريخ أن يزدجر كسرى الفرس قال في مؤتمره الذي عقده في نهاوند، قولته الشهيرة " اشغلوا عمر بن الخطاب في بلاده وعقر داره". وكانت هذه الخطة التي قد ابتدعها كسرى الفرس تمثل نواة الفكر الشعوبي، وقد سار عليها أحفاده من بعده، ما تزال نافذة المفعول حتى الوقت الحاضر. قال ابن خلدون " كتب به عمر إلى أبي عبيدة بن المثنى حين وجهه الى حرب فارس: انك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والحيرة، تقدم على أقوام قد جرءوا على الشرّ فعلموه وتناسوا الخير فجهلوه، فانظر كيف تكون". (تأريخ ابن خلدون2/406). لا شك ان الشعوبية مصدرها الضعف والوهن والحقد الأعمى وعدم القدرة على مواجهة الخصم وجها لوجه، لذلك فهي تعتمد على المخادعة والرياء والدجل والتكتيك الطويل الأجل، علاوة على عقيدة التقية وهي أنواع فصلها محمد صادق روحاني" التقية الخوفية، والتقية الإكراهية، والتقية الكتمانية، والتقية المداراتية". (رسالة في التقية/148 ضمن كتاب الأمر بالعروف والنهي عن المنكر). ما أن تتعزز قوى الشعوبية وتتاح لها الفرصة المناسبة حتى تسفر عن وجهها القبيح البشع وأهدافها الحقيقية، وهذا ما أشار إليه محمد بن حبان بقوله" كان عمرو بن معد يكرب مع المسلمين في القادسية فجعل يحرض الناس على القتال ويقول: يا معشر المسلمين! كونوا أسودا، إن الفارسي تيس".( السيرة النبوية2/ 469). يُلاحظ أنه مهما كانت المناصب التي يحتلها الشعوبيين في دار الإسلام فأن جانبهم لا يؤتمن البتة، حيث تبقى نزعة الحقد متجذرة في أعماقهم المظلمة، وهناك الكثير من الشواهد التأريخية التي تدعم رأينا هذا، علاوة على شواهد الحاضر. مثلا في أوج عظمة البرامكة ونفوذهم خلال العصر العباسي الأول، لما همٌ الخليفة أبو جعفر المنصور بهدم إيوان كسرى، استشار خالد بن برمك في الفكرة، فنصحه بعدم الهدم. عندئذ قال له المنصور: أبيت إلى ميلا ً إلى العجمية! ومن ذلك أن يحيى بن خالد البرمكي لما حج مع الرشيد الى بيت الله، أشار عليه بإضاءة الكعبة بالنار، ولكن الرشيد فطن إلى هذه البدعة، التي تكشف عن حنين البرامكة إلى عبادة النار. وظل الشاعر الأصمعي يتقرب إلى البرامكة، ويمدحهم عن حق وعن باطل، فلما نكبوا قال فيهم : إذا ذكر الشرك في مجلـس... أضاءت وجوه بني برمك وإن تليـت عندهم آيــة أتوا .. بالأحاديث عن مــــــزدك ما هي الشعوبية؟ الحركات الشعوبية هي حركات معادية للإسلام، ويدخل ضمنها الطعن في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة وسيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأزواجه واصحابه، وكل ما يسيء للإسلام وقيمه العليا ويشوه الرموز الإسلامية وينسب لهم أحاديثا كاذبة، ويلفق لهم تهما باطلة. فالشعوبية تسيء الى العرب وتأريخهم عموما وتنسب لهم المثالب. لذا فهي بكلمة مختصرة معاداة الإسلام والعروبة معا. وهذ الأمر شاذ ففي كل الأديان يحترم الاتباع بل يقدسون حواري انبيائهم وصحبهم، ما عدا الدين الشيعي فهو يكفر جميع صحابة الرسول الأعظم الا ثلاثة، بمعنى ان الأئمة انفسهم وابنائهم واحفادهم، وآل بيت رسول الله جميعهم مرتدين وفق هذه النظرة الفارسية الضيقة. بلا شك أن كراهية العرب تعني كراهية لغتهم وقيمهم وثقافتهم ومعارفهم وتأريخهم وكل ما يمتٌ لهم بصلة، في الوقت الذي كرم الله تعالى العرب بلغتهم العربية، فقد جاء في سورة النحل/103 ((وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)). وفي سورة الشعراء/192ـ 195((وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)). وفي سورة يوسف/2 ((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)). وغيرها من الآيات الكريمة. قال إبن كثير" ذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات، وأبينها، وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس؛ فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات". (تفسير ابن كثير2/467). وذكر البيهقي " روى عبد الله بن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: أحبوا العرب فإني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي. وقال عليه السلام: من أحب العرب فيحبني أحبهم، ومن أبغضهم فيبغضني أبغضهم. وروى جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله أنه إذا زالت العرب زال الإسلام. وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: العرب نور الله في الأرض، فإذا ذهبت العرب أظلمت الأرض، وذهب ذلك النور". (لباب الأنساب والألقاب والأعقاب/13). وذكر القاضي أبو يوسف" قال عمر بن الخطاب في وصية لخليفته: اوصيه بالأعراب فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام" (كتاب الخراج/ 14). وهذا رأي كتاب الغرب أيضا، فقد ذكر السيد ميكاليس" استمد العرب القدامى مجدهم من ثلاثة أشياء هي: لغتهم وسيوفهم وضيافتهم". (مجموعة أسئلة حول الجزيرة العربية/ ترجمة عبير المنذر).


التهمة الكيدية في حرق عمر الفاروق لمكتبة الإسكندرية - 2

     العجم في اللغة والأدب يلاحظ أن كلمة الأعاجم، وأن أريد بها غير العرب لكن غالبا ما تستخدم في الإشارة إلى الفرس وهذا ما يتبين في قول علي بن أبي طالب لعمر الفاروق عندما قرر فتح بلاد فارس "إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك، وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين، فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره. وأما ما ذكرت من عددهم، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة". (نهج البلاغة/203). ذكر التوحيدي" الأمم عند العلماء أربع: الروم، والعرب، وفارس، والهند، وثلاث من هؤلاء عجم، وصعب أن يقال: العرب وحدها أفضل من هؤلاء الثلاثة، مع جوامع ما لها، وتفاريق ما عندها". (الإمتاع والمؤانسة1/70). وقال ايضا" كتب سعد بن أبي وقّاص إلى رستم صاحب الأعاجم: إسلامكم أحبّ إلينا من غنائمكم، وقتالكم أحبّ إلينا من صلحكم. فبعث إليه رستم: أنتم كالذّباب إذ نظر إلى العسل. (الإمتاع والمؤانسة1/70). وكتب العتّابي إلى المأمون: إن للعرب البديهة، وللعجم الرّويّة، فخذ من العرب آدابها ومباني كلامها، وخذ من العجم مكايدها ونتائج فكرها، تجتمع لك فصاحة العرب ورجاحة العجم". (البصائر والذخائر7/78). كما ذكر الشيخ البحراني الفرق بين العجمي والاعجمي " العجمي هو المنسوب الى العجم وان كان فصيحا، والاعجمي هو الذي لا يفصح وإن كان عربيا، الا ترى أن سيبويه كان عجميا، وكان لسانه لسان اللغة". (بهجة الخاطر ونزهة الناظر/182). وقال ابن قتيبة" في كتب العجم أن بعض ملوك فارس قال: صونوا أسراركم فإنه لا سرّ لكم إلا في ثلاثة مواضع: مكيدة تحاول، أو منزلة تزاول، أو سريرة مدخولة تكتم، ولا حاجة بأحد منكم في ظهور شيء منها عنه ظنّ ". (عيون الأخبار1/99). قال الشاعر: تنزو بها العجم في دكن مسعفة ... نزو الجنادب في أعناقها الصوف كما قال المظفر الحاتمي" العجم: الفرس. والدكن: الزقاق". (حلية المحاضرة/123). قال ابن عبد ربه" كانت العرب تسمي العجميّ إذا أسلم: المسلماني؛ ومنه يقال: مسالمة السواد، والهجين عندهم: الذي أبوه عربي وأمه أعجمية؛ والمذرّع: الذي أمه عربية وأبوه أعجمي وقال الفرزدق: إذا باهليّ أنجبت حنظليّة ... له ولدا منها؛ فذاك المذرّع والعجمي: النصراني ونحوه وإن كان فصيحا. والأعجمي: الأخرس اللسان وإن كان مسلما. ومنه قيل: زياد الأعجم؛ وكان في لسانه لكنة. والفرس تسمى الهجين: دوشن؛ والعبد: واش ونجاش. ومن تزوّج أمة: نفاش، وهو الذي يكون العهد دونه، وسمي أيضا: بوركان". (العقد الفريد7/141). وقال ابن سعيد المغربي" كتب عن مروان آخر خلفاء بنى أمية إلى فرق العرب حين فاض العجم من خراسان بشعار السواد قائمين بالدولة العباسية: أما بعد: فقد بلغكم قولا شائعا ثم فعلا فاضحا ما كان من ائتلاف كلمة هؤلاء المارقة بعد الشّتات. وظهور باطلهم بعد الغموض، وانسياح ضلالتهم في الأرض بعد الانكماش، وها هم قد تركوا خراسان رأس الدنيا ودار العجم وراءهم، وأقبلوا وراء رقعتكم ليجالدوكم عليها، ويزحزحوكم عنها بجيشي التمويه والسيف، فاتقوا الله في حمايتكم عن دينكم، واحذروا العار في أخذ دنياكم من أيديكم. وكونوا عند الوفاء لمن اعتدّ بكم، ولا تمكنوا ناصية الدولة العربية من يد الفئة العجميّة، واثبتوا ريثما تنجلي هذه الغمرة، وتصحو هذه السكرة، فسينضب السيل وتمحى آية الليل". (المقتطف من أزاهر الطرف/81). الشعوبية إذن وفق أبسط التعاريف هي كراهية العرب عموما وكل ما يتعلق بهم، هي كراهية الجنس العربي، واللغة العربية، والتراث والأدب، وكل المعارف والعلوم بما فيها الإسلامية، والشعوبية تتعارض مع ما جاء في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة تماما. والادعاء ان المسلمين حرقوا مكتبة الإسكندرية واحدة من افتراءات الشعوبيين وبعض المستشرقين المعادين للعرب والإسلام، كما سيتضح من خلال المبحث. يمكن تقسيم الفكر الشعوبي الى قسمين هما. 1. الفكر الشعوبي العربي. حيث توجد الكثير من الحركات الشعوبية التي ترتدي الجلباب العربي وأحيانا الإسلامي وهي تناصب العرب عموما الكراهية والحقد، وتستثمر كل الوسائل الممكنة للطعن بالعرب. ومن هؤلاء الشعوبيين عدد كبير من الكتاب العرب والمسلمين سواء كانوا داخل الوطن العربي أو خارجه، وهؤلاء أشد خطرا من غيرهم بسبب إتقانهم اللعة العربية، ومعرفة تفاصل حياة العرب من ثقافة واجتماع وأدب وعادات وتقاليد، لذا فأن صيدهم في الماء العكر يأتيهم بصيد أوفر من غيرهم. والبعض منهم كتاب مأجورين يتسلمون ثمن كتاباتهم من أذرع الأخطبوط الطويلة والممتدة داخل وخارج الوطن العربي. ومنهم من انسلخ من عروبته لأسباب ذاتية أو اقتصادية واجتماعية بسبب قضاء شطر كبير من حياته في الغرب، أو بسبب الظلم الاجتماعي الذي تعرض له في بلده العربي، او بسبب الحاجة والعوز، او الحصول على حياة افضل، وأسباب أخرى. 2. الفكر الشعوبي الأجنبي. وهو يتمثل بشكل واضح في حركات وأنشطة الاستشراق الأوربي، علاوة على الأفكار الأتاتوركيه والخمينية التي حاولت طمس الثقافة العربية بكل أشكالها وموروثها الفكري، بل اقتلعت تركيا وإيران الفكر العروبي وتراثه من جذوره. وصارت الأسماء العربية والتسميات العامة واللباس العربي جريمة في هاتين الدولتين الإسلاميتين. مما لا شك فيه أن الأنظمة العربية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عن هذه الانتكاسات الخطيرة. فقد أهملت العرب الموجودين في إيران وتركيا وبقية الدول، وتنصلت من مسؤوليتها اتجاههم، وهذا ما نجده حاليا في أوضاع العرب المأساوية في إيران الساسانية (عربستان) وتركيا العثمانية، رغم ان العرب لهم الفضل الأول في نشر الإسلام فيهما. الحقيقة المرة ان الفارسي والتركي يشتركان في خاصية كراهية العرب، بل هي السمة التي تجمعهما رغم العداء بينهما. الشعوبية قديما ليست الشعوبية وليدة العصر الحالي، بل هي قديمة وسبقت الإسلام وهذا ما يتجلى بوضوح في نظرة الملوك الفرس الى العرب، واشتدت الهجمة شراسة مع فجر الإسلام، ومن خلال إجابة كسرى الفرس على رسالة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عندما دعاه الى الإسلام، وكذلك في رسالة يزدجر الثالث الى عمر بن الخطاب بعد معركة القادسية والتي توضح نظرتهم الدونية الى العرب، كتب يزدجر (يزدجرد) الثالث الى: عمر بن الخطاب خليفة المسلمين10997 باسم (هورا مزدان) خالق الحياة و الحكمة " أنت في رسالتك كتبت أنك تريد إرشادنا الى ربك (الله أكبر) بدون أن تعرف حقيقة مَن نكون نحن وما نعبد. العجيب في الموضوع أنك جالس على كرسي خلافة العرب في حين أنّ مستوى فهمك (تفكيرك) هو مستوى فهم أي عربي من العوام. إنّ مستوى فهمك (تفكيرك) بالنسبة لنا هو مثل مستوى فهم رؤساء القبائل العربية المُشفَق عليهم. يا عُمر! أنت تدعوني الى عبادة إله الواحد الأحد من دون أن تعرف أن الفرس منذ آلاف السنين يعبدون إله الواحد الأحد ويسجدون لِربّهم في اليوم خمس مرات. العُرف والفن جزء من حياة الفرس منذ سنوات عديدة. عندما كنا نحن من صُنّاع العادات الفضيلة وحُسن الضيافة وحاملي راية (التفكير الحسن، القول الحسن، الفعل الحسن)، كنتم أنتم تأكلون السحلية والحشرات لأنه لم يكن لكم ما تأكلون غيرها، وكنتم تدفنون بناتكم البريئات. إن العرب لا يحترمون الإنسان، أنتم تذبحون مخلوقات الرب، بل حتّى أنكم تذبحون الأسرى وتعتدون على النساء وتدفنون بناتكم أحياءً وأنتم قطّاع طرق القوافل، تقتلون وتغنمون وتغتصبون أموال الناس. إن قلبكم من حجر. إننا نرفض كل هذه التصرفات الجنونية. كيف لكم أن تجدوا لنا إلهاً وأنتم تقومون بكل هذه الجرائم. أنت تقول لي بأن لا أسجد للنار! نحن نرى حب الخالق ونور الشمس في وهج النار. ان النور والنار تجعلاننا أن نرى شعاع الحقيقة والحق وأن نمنح قلوبنا الى الخالق لينوّرها ويساعدنا في أن نكون لطفاء مع بعضنا ونستنير كي يدوم الحب في قلوبنا الى الأبد. إنّ ربنا هو (هورا مزدان) الذي أنتم الآن عرفتموه وسميتموه (الله أكبر)، ولكن نحن لسنا مثلكم. نحن نطوّر الحب بين البشر. نحن ننشر ونطوّر المحبة على الارض. منذ آلاف السنين ونحن نقوم بتطوير ثقافتنا وعاداتنا وفي نفس الوقت نحترم عادات وثقافات غيرنا، ولكنكم أنتم باسم (الله) تُدمّرون وتنهبون على الأرض، تقتلوننا وتقتلون غيرنا وتأتون بالفقر والجوع، وباسم الإله تخلقون الرعب والفقر. هل أنّ هذا الإله يأمركم بالقتل؟ وهل يأمركم بالتخريب والنهب؟ هل أنتم تبعية الإله (الله)، تقومون باسمه بكل هذه التصرفات المشينة؟ أو باسمه هربتم من الصحراء القاحلة وعن طريق غزواتكم ورؤوس سيوفكم تعطون دروساً لِمحبة الله؟ نحن منذ آلاف السنين لنا ثقافتنا. قل لنا ما الذي سوف تُعلّموننا إياه عن طريق غزواتكم واعتداءاتكم وقتلكم باسم (الله أكبر)؟ ما الذي علّمتموه للمسلمين كي هم بِدورهم يعلّموا غيرهم؟ ما الذي تعلّمتموه أنتم كي تأتوا الآن وتعلّمون به غيركم عن طريق الإكراه؟ مع الأسف كل الأسف… جيشنا الآن قد ُهزم أمام جيشكم. الآن يجب على الناس (مواطنينا) أن يسجدوا لهذا الإله الذي جاء إلينا من خلال سيوف العرب. أقترح عليك ان تجمع جيشك وترجعوا الى صحرائك، المكان الذي كنتم تعيشون فيه، المكان الذي لا توجد فيه ثقافة غير الخوف من النار (نار جهنم)، المكان الذي تحكمه القبائل ويأكلون (قمقمك) ـ هو نوع من الحشرات التي تعيش في الصحراءـ . أنا لا أقبل أن يعيش جيشك في بلادنا الخيّرة. الناس العرب الذين أتيتَ بهم لغرض القتل والنهب، لا تقبل منهم ان يقوموا بهذه الاعمال باسم (الله). أُتركْ تصرفاتكم الإجرامية لأن الناس هنا يقبلون الاعتذار ويحسنون الضيافة. إنهم يزرعون بذور الصداقة أينما يذهبون. أنا أطلب منك ان تبقوا في الصحارى ولا تقتربوا من المدن الحضارية لأنّ معتقداتك رهيبة وهمجية. (ترجمها هاوڕێ كمال من الكردية الى العربية). ولأن معظم العرب من المسلمين، لذا تغلغلت الشعوبية الى الإسلامية، باعتبار أن تدمير الإسلام يعني تدمير العرب بالنتيجة. ونشط التحرك الشعوبي بعد وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) واشتد خلال الفتح الإسلامي لفارس وبقية الأمصار، وبدأت حملة تشويه الأحاديث النبوية وتلتها الإساءة الى الذات الإلهية والطعن في القرآن الكريم وأحكام الإسلام والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وأمهات المؤمنين وشملت بقية الصحابة الكرام الذين رضى الله عليهم، قال تعالى في سورة الفتح/ 18 (( لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا))، الله رضى على الصحابة والفرس والشيعة يكفرونهم باعتبارهم ارتدوا عن الإسلام، يا للعجب! امتدت الهجمة الى خلفاء بني أمية. وكان للفرس السبق والشدة في التوجه الشعوبي من خلال الحركات الهدامة التي أضعفت أمة العرب والإسلام، فمعظم الحركات الشعوبية ذات أصول فارسية مباشرة أو غير مباشرة واستمرت هذه الهجمة الشرسة لحد الوقت الحاضر، بل يمكن الجزم بأن هناك جبهة شعوبية داخلية وأخرى خارجية ولا تقل أحدهما خطرا عن الأخرى. والشعوبية يمكن أن تلاحظها في الكتب القديمة بوضوح من خلال التفريق والتمييز المشين بين الصحابة الأجلاء، فالكثير من المؤرخين القدامى بالغوا في كيل المدائح لعلي بن أبي طالب وذريته وترحموا عليهم دون أن يكيلوا مدحا أو مجرد رضوان على بقية الصحابة، سيما الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل. والغريب ان الكثير منهم محسوب على أهل السنة! ربما تكون هذه اللعبة القذرة من صنع الناسخ وليس المؤلف كما اوضحنا، ولكن من الصعب التوصل الى الحقيقة لأن هناك نسخ أحادية أو ثنائية من بعض المخطوطات مما يُصعب المهمة على الباحث. وهذه بعض الشواهد. إبن قتيبة قال ابن قتيبة" قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في عبد الله بن عباس: إنه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق".( عيون الأخبار1/91). و" كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتمثّل بهذين البيتين: ولا تفش سرّك إلّا إليك... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا فإني رأيت غواة الرجال ... لا يتركون أديما صحيحا ( عيون الأخبار1/97). لاحظ كيف يترضى على علي بن ابي طالب، ولا يترضى على ابن عمه! بل لا يترضى أيضا على عمر الفاروق! كما ذكر ايضا" قال عمر بن الخطاب: الرأي الفرد كالخيط السّحيل، والرأيان كالخيطين المبرمين، والثلاثة مرار لا يكاد ينتقض".(عيون الأخبار1/86). وقال ايضا " حدّثني محمد بن عبيد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح قال: لما أتي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلّبه بعود في يده ويقول: والله إن الذي أدّى إلينا هذا لأمين، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أنت أمين الله يؤدّون إليك ما أدّيت إلى الله فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت. حدّثني أبو حاتم قال: حدّثنا الأصمعي قال: لما أتي علي (ع) بالمال أقعد بين يديه الوزّان والنقّاد فكوّم كومة من ذهب وكومة من فضة وقال: يا حمراء ويا بيضاء احمري وابيضّي وغرّي غيري ".( عيون الأخبار1/115). وقال أيضا" وجدت في كتاب لعلي بن أبي طالب كرّم الله وجهه إلى ابن عباس حين أخذ من مال البصرة ما أخذ: إني أشركتك في أمانتي ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدوّ قد حرب قلبت لابن عمك ظهر المجنّ بفراقه مع المفارقين وخذلانهم مع الخاذلين واختطفت ما قدرت عليه من أموال الأمّة اختطاف الذئب الأزلّ دامية المعزى وفي الكتاب: ضحّ رويدا فكأن قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي به ينادي المغترّ بالحسرة ويتمنّى المضيعّ التوبة والظالم الرجعة". (عيون الأخبار1/121). في حين عندما يرد عمر بن الخطاب لاحظ كيف يذكره! قال" حضر باب عمر بن الخطاب جماعة منهم سهيل بن عمرو وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس فخرج الآذن فقال: أين صهيب؟ أين عمّار؟ أين سلمان؟ فتمعّرت وجوه القوم. فقال واحد منهم: لم تتمعّر وجوهكم؟ دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعدّ الله لهم في الجنة أكثر".( عيون الأخبار1/157). لكن ربما هذا الأمر من فعل الناسخ، وليس الكاتب والله اعلم. إبن الدجاجي قال ابن الدجاجي " قال عبد الله بن عمر: اتقوا من تبغضه قلوبكم. وقال يحيى بن خالد البرمكي رحمه الله: إذا كرهتم الرجل من غير سوء أتاه إليكم فاحذروه، وإذا أحببتم الرجل من غير سوء أتاه إليكم فاحذروه وإذا أحببتم الرجل من غير سبق منه إليكم فارتجوه". وذكر" قال سعد بن أبي وقاص لابنه: يا بني إذا طلبت الغني فاطلبه بالقناعة، فإن لم يكن لك قناعة فليس يغنيك مال".(سقط الملح/2). لاحظ ترحمه على البرمكي، وليس على الصحابيين سعد بن ابي وقاص وعبد الله! الشمشاطي ذكر الشمشاطي" قال عُمَر بن الخَطّاب لعَمْرِو بن مَعْدِ يكَرِبَ: أَخْبرْني عن السِّلاح، قال: سَلْ عما شِئْتَ منه، قال: الرُّمْح، قال: أَخوك وربّما خَانَك، قال: النَّبْل، قال: مَنَايَا تُخطِئُ وتصِيب، قال: التُّرْسُ، قال: ذاك المِجَنُّ، وعليه تَدُورُ الدَّوائر، قال: الدِّرْع، قال: مُشْغِلَةٌ للراجِل، مُتعِبَةٌ للفارِس، وإِنَّهَا لَحِصْنٌ حَصِينٌ، قال: السَّيْف، قال: ثَمَّ قَارَعَتْك أُمُّك عن الثُّكْل، يا أَميرَ المؤمنين، قال عُمر: بل أُمُّك، قال: الحُمَّى أَضْرَعَتْنِي لك". لاحظ لا أمير المؤمنين ولا خليفة ولا (رض). في حين عندما تكلم عن علي قال" قال أَمير المؤمنين عليٌّ (ع): السَّيْف أَنْمَى عَدَداً، وأَكْرم وَلداً. وذَكَرَ أَعرابيٌّ قَوْماً تَحَارَبُوا فقال: أَقْبَلَت الفُحُول، تَمْشي مَشْىَ الوُعول، فلمّا تَصَافَحُوا بالسُّيُوف فغَرَت المَنَايَا أَفواهَها. وذكَر آخَرُ قَوماً أَغارُوا على قومٍ فقال: جَعَلوا المُرَّان أَرْشِيَةً فاسْتَقَوا بها أَرْوَاحَهم". (الأنوار ومحاسن الأشعار1/1). وذكر" كتب عمر بن الخطّاب إلى عمرو بن العاص: إنّي أريد أن أغزي جيشاً من المسلمين البحر، فأخبرني عنه. فكتب إليه: إنّ البحر خلق عظيم، يركبه خلق ضعيف، دود على عود إن يمسكوا يفرقوا، وإن يصرعوا يغرقوا. فقال عمر: لا أحمل فيه مسلماً كارهاً أبداً". (الأنوار ومحاسن الأشعار/76) الشريف الادريسي قال الشريف الادريسي" سمي بجبل طارق لأن طارق بن عبد الله بن ونموا الزناتي لما جاز بمن معه من البرابر وتحصنوا بهذا الجبل أحس في نفسه أن العرب لا تثق به فأراد أن يزيح ذلك عنه فأمر بإحراق المراكب التي جاز فيها فتبرأ بذلك عما اتهم به". ( نزهة المشتاق2 /540). في حين ذكر الحميري" طارق بن زياد، قيل هو فارسي وقيل هو من الصدف وقيل ليس بمولى وقيل هو بربري من نفزة، فعقد له وبعثه موسى بن نصير في سبعة آلاف من البربر والموالي ليس فيهم عربي إلا القليل، فهيأ له يليان المراكب وحل بجبل طارق يوم سبت في شعبان من سنة اثنتين وتسعين وهو من شهور العجم شهر أغشت، وقيل في رجب من السنة، في اثني عشر ألفاً غير ستة عشر رجلاً لم يكن فيهم من العرب إلا قليل وأصاب طارق عجوزاً من أهل الجزيرة قالت: إنه كان لي زوج عالم بالحدثان وكان يحدث عن أمير يدخل بلدنا هذا ويصفه ضخم الهامة، وأنت كذلك، ومنها أن بكتفه الأيسر شامة عليها شعر فإن كانت بك هذه الشامة فأنت هو، فكشف طارق ثوبه فإذا بالشامة على كتفه كما ذكرت العجوز، فاستبشر بذلك هو ومن معه. وذكر عن طارق أنه كان نائماً في المركب فرأى في منامه النبي (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الأربعة يمشون على الماء حتى مروا به فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح وأمره بالرفق بالمسلمين والوفاء بالعهد، وفي حكاية أنه لما ركب البحر غلبته عينه فرأى النبي (صلى الله عليه وسلم) وحوله المهاجرون والأنصار قد تقلدوا السيوف وتنكبوا القسي فيقول له النبي (صلى الله عليه وسلم): يا طارق تقدم لشأنك"، ونظر إليه وإلى أصحابه قد دخلوا الأندلس قدامه، فهب من نومه مستبشراً وبشر أصحابه ولم يشك في الظفر، فنزل بالجبل شاناً الغارات في البسائط ولذريق يومئذ غائب في غزاة له واتصل به الخبر فعظم عليه أمره وفهم الخبر الذي منه أتي مع يليان، وأقبل مبادراً في جموعه حتى احتل بقرطبة أياماً والجنود تتوافى عليه، وكان لحينه ولى ششبوت بن الملك غيطشة ميمنته وأخاه ميسرته وهما موتوران قد سلبهما ملك أبيهما، فبعثا إلى طارق يسألانه الأمان إذا مالا إليه عند اللقاء بمن معهما وعلى أن يسلم إليهما ضياع والدهما غيطشة إن ظفر، فأجابهما طارق إلى ذلك، وعاقدهما عليه فلما التقى الجمعان انحاز هذان الغلامان إلى طارق فكان ذلك سبب الفتح، وكان الطاغية لذريق في ستمائة ألف فارس". ( الروض المعطار1/35). وقال الادريسي" شرب أهل المدينة من نهر صغير يأتي إليها من جهة المشرق جلبه عمر بن الخطاب وجاء به إليها من عين كبيرة إلى شمال المدينة وأجراه بالخندق المحتفر بها ومقدار مدينة يثرب على قدر نصف مكة ومياه نخيلهم وزروعهم من الآبار يسقيها العبيد وبقيع الغرقد خارج باب البقيع في شرقي المدينة". ( نزهة المشتاق /143). وقال أيضا " يتصل بأرض عمان من جهة الغرب ومع الشمال أرض اليمامة وهي بلاد الزرقاء اليمامة وكانت هذه الزرقاء اليمامة في عهد الجاهلية ولها أخبار مشهورة مذكورة في الكتب وتولى قتلها وسببها وأخذ أموالها وال من قبل عمر بن الخطاب". ( نزهة المشتاق /159). كما قال " إن مدينة سبيطلة كانت مدينة جرجيس ملك الروم الأفارقة وكانت من أحسن البلاد منظرا وأكبرها قطرا وأكثرها مياها وأعدلها هواء وأطيبها ثرى وكانت بها بساتين وجنات وافتتحها المسلمون في صدر الإسلام وقتلوا بها ملكها العظيم المسمى جرجيس". ( نزهة المشتاق /283). لاحظ يعظم الملك جرجيس ولا يترحم على عمر! وانظر الى رأيه في العرب " إن الذي تضمنه هذا الجزء الثالث من الإقليم الثالث من الأرضين أكثرها خلاء وعامرها قليل وأهلها عرب مفسدة في الأرض مغيرة على من جاورها، في وسط الرمل وماؤها ماء زعاق لا يسيغه شارب". ( نزهة المشتاق1/348). كذلك قول آخر عن عرب الأهواز" الأهواز: مدينة نزهة جدا ليس في خوزستان مدينة أكثر نزاهة منها. ذات نعم وفيرة وشكل حسن. أهلها صفر الوجوه. ويقال إن من أقام بالأهواز وجد في عقله نقصا". ( حدود العالم/149).


التهمة الكيدية في حرق عمر الفاروق لمكتبة الإسكندرية - 3

الحسن المهلبي الّف الحسن بن أحمد المهلّبي كتابه (المسالك والممالك) للعزيز بالله الفاطمي، في الفترة ما بين عامي 365 ـ 380 هجرية أي تاريخ وفاته كما تشير المصادر. ولذلك سمي بالكتاب (العزيزي). قال المهلبي" ان أبو عبيدة بن الجراح قد افتتح من فلسطين مدينة نابلس، وسفسطية، وبيت جبرين، ومدينة يافا، كل ذلك صلحا على أداء الجزية والخراج في الأرضين. وكان ذلك كله في أيام عمر بن الخطاب في سنة ست عشرة من الهجرة. وكان عمرو بن العاص قد افتتح غزة قبل ذلك في أيام أبي بكر صلحا على هذه الشريطة. ثم إن أبا عبيدة حاصر مدينة إيليا، وهي بيت المقدس. فطلب أهلها الصلح على مثل صلح الجند كله من أداء الجزيرة والخراج، على أن يكون عمر بن الخطّاب المتولّي للعقد بنفسه". (المسالك والممالك للمهلبي/70). وذكر أيضا " فأمّا الأقاليم التي هي منها، فإن من الإقليم الرابع حلب، وعرضها أربع وثلاثون درجة، فأما أهلها فهم أخلاط، من الناس من العرب والموالي، وكانت بها خطط لولد صالح بن علي بن عبد الله بن عباس، وتأثلت لهم بها نعمة ضخمة، وملكوا بها نفيس الأملاك". (المسالك والممالك للمهلبي/84). وقال" نزل المسلمون على دمشق لأربع عشر ليلة بقيت من المحرّم سنة أربع عشرة للهجرة، بعد أن فتحت غوطتها كلها عنوة. فنزل أبو عبيدة ابن الجراح على باب الجابية، ونزل خالد بن الوليد على باب شرقي، ونزل يزيد بن أبي سفيان على باب بسيان، ونزل شرحبيل بن حسنة على باب الفراديس، ونزل عمرو بن العاص على باب توما. وحصرها المسلمون مدة، ثم فتحها أبو عبيدة من ناحية باب الجابية". (المسالك والممالك للمهلبي/89). وقال أيضا" أمّا أهل البلد، فكانوا من سائر أقطار الأرض بخلق حسن وألوان صافية، وفيهم رقيق وأجسام عبلة، والأغلب على ألوانهم البياض والحمرة والسمرة الصافية. وكان في أكثرهم جفاء وغلظة على الغريب، إلا من كان منهم قريب عهد بالغربة، وكذلك الشحّ كان فيهم فاشيا إلّا في الغريب، وغلب على السوقة والمستخدمين قوم من الخوز وسفلة العجم. ومن كانت فيه فسولة عن الحرفة، وكسل عن طلب المعاش فأظهروا زهدا وورعا، وأعلنوا بالنصب، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. أمّا أهل البلد وأولاد المجاهدين وأولاد الغلمان وأولاد خراسان فكانوا من الأخلاق السمحة، والنفوس الكريمة، والهمم العالية والمحبة للغريب على ما ليس عليه أحد، ولكنهم كانوا في تقيّة من هؤلاء الأوباش، فهذا الأكثر من حال طرسوس". (المسالك والممالك للمهلبي/98). وعن الكوفة ذكر" الكوفة في القدر كنصف بغداد وقبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه منها عليه مشهد جليل يقصده الناس من أقطار الأرض". (المسالك والممالك للمهلبي/118). المسعودي يستشهد البكري في القسم الأول من المسالك بمؤلف آخر يتردد اسمه بكثرة في تاريخ مصر القديمة ويسمى الوصيفي وكثيرا ما يكتب اسمه الوصفي . والراجح أن هذا الشخص هو إبراهيم وصيف شاه صاحب كتاب العجائب الذي ترجمه كرادي فو. أما النص العربي فإن ناشره نسبه خطأ إلى المسعودي بعنوان أخبار الزمان. ابن وصيف شاه إبراهيم: مختصر عجائب البلدان، (نشر بعنوان أخبار الزمان للمسعودي) بيروت 1966. قصص سليمان وابن وهب قد دونها في بداية القرن العاشر الميلادي أبو زيد الحسن السيرافي من أهل البصرة، وقد التقى به المسعودي عام 303 هـ، وقد استفاد منه رواية ابن وهب الواردة في رحلته. قال الادريسي" جزائر الواق واق ولا يعرف ما بعدها وربما وصل أهل الصين إليها في الندرة وهي جزائر عدة ولا عامر بها إلا الفيلة وطيرها كثير جدا وبها شجر حكى المسعودي عنها أمورا لا تقبلها العقول من جهة الإخبار عنها لكن الله على ما يشاء قدير". ( نزهة المشتاق /91). ابن شداد قال ابن شداد" ولى على الشام والجزيرة الضحاك بن قيس الفهري. ولم يزل واليا عليها إلى أن قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. ووليّ عليٌ - عليه السلام - فأولاها مالكا الأشتر النخعي وقثم بن العباس. ولم تزل في أيديهما مدة خلافة عليّ (ع) وخلافه ولده الحسن - رضي الله عنه. وولي معاوية ومات" . (الاعلاق الخطيرة/159). لاحظ السلام والرضا على علي وولده وليس على عثمان ومعاوية! بل إنه يترحم على من هو لا يقارن بعثمان ومعاوية، حيث يذكر" وكز هولاكو بسيف كان في يده الملك الكامل فخرق بطنه. وأمر سونجق فضرب عنقه وبعث برأسه إلى الشام، فطيف به في البلاد، وعُلّق على باب الفراديس بدمشق، فبقي مدة. ثم سرقه مجد الدين - إمام مسجد رُقيّة ودفنه في طاقٍ إلى جانب محراب المسجد - رحمه الله" . (الاعلاق الخطيرة/192). وقوله" في آمد عين نائبا عنه ابن أخيه شمس الملوك، سيف الإسلام، أحمد ابن الملك الأعزِّ شرف الدين يعقوب ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب فحكم بها اثني عشر يوما ثم توفي، فدُفن على باب آمد - رحمه الله" . (الاعلاق الخطيرة/195). وفي حديثه عن حمدان بن حمدون بن الحارث التغلبي العدوي الذي حكم دارا ونصيبين وتحصن بقلعة ماردين ذكر" توفي - " رحمه الله " - في سنة اثنتين وثمانين ومائتين. وولي ولجه أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان وقلده المقتدر بالله الموصل وديار ربيعة والدينور والجبل والكوفة وطريق مكة" . (الاعلاق الخطيرة/200). وقال" توفي الملك السعيد نجم الدين إيلغازي في سادس عشر صفر سنة تسع وخمسين وقيل: في ذي الحجة من سنة ثمان وخمسين وستمائة. وكانت وفاته وتولية ولده في السنة الخالية - نقله الله إلى رضوانه ووفر حظّه من عفرانه - من وباء وقع في أهل القلعة، فأهلك أكثرهم" . (الاعلاق الخطيرة/204). ابن الفقيه قال ابن الفقيه" عندمّا نظر معاوية إلى عسكر أمير المؤمنين (ع) قال: من طلب عظيما خاطر بعظيمته- يعني برأسه-". (كتاب البلدان للهمداني/113). وقال" نزل الكوفة من الخلفاء والأئمّة عليّ والحسن (ع)، ومن الملوك والخلفاء معاوية، وعبد الملك، وأبو العبّاس، وأبو جعفر المنصور، والمهدي، وهارون الرشيد".(كتاب البلدان للهمداني/203). وعن عمر الفاروق يقول عندما خاطب أهل الكوفة" كتب إليهم عمر بن الخطّاب: أني اختبرتكم فأحببت النزول بين أظهركم، لما أعرف من حكم الله ولرسوله، وقد بعثت إليكم عمّار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود مؤذّنا ووزيرا، وهما من النجباء من أهل بدر، فخذوا عنهما واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي".(كتاب البلدان للهمداني/202). كذلك "حدّثني أشياخ من النّخع أن أهل الكوفة كانوا يوم الجمل تسعة آلاف رجل مع أمير المؤمنين (ع) ، وكان عليه ثلاثون ألفا مع طلحة والزبير وعائشة".(كتاب البلدان للهمداني/206). وذكر" دخل اليقظان بن ظهير على عائشة فقالت: ممن أنت؟ فقال: من أهل الكوفة. فقالت: وددت أن الله سلّط على أهل الكوفة عذابا مثل عذاب يوم الظلة". (كتاب البلدان للهمداني/224). وقال عن العرب في الأهواز" أهل الأهواز الأم الناس وأبخلهم. وهم أصبر خلق على الغربة والتنقل في البلدان. وحسبك أنك لا تدخل بلدا من سائر البلدان ولا إقليما من جميع الأقاليم إلّا وجدت في تلك المدينة صنفا من الخوز لشحهم وحرصهم على جمع المال. وذكر الأصمعي قال: الخوز هم الفعلة وهم الذين بنوا الصرح واسمهم مشتق من الخنزير. ذهب إلى أن اسمه بالفارسية خو، فجعلته العرب خوز وإلى هذا ذهبوا. وقال آخرون: معنى قولهم خوزي أي زيّهم زي الخنزير. وروى أبو خبرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ليس في ولد آدم شر من الخوز ولم يكن منهم نبي قط ولا نجيب". (كتاب البلدان للهمداني/400). قد فهمنا لم يكن منهم نبيا! لكن كيف لا يوجد منهم نجيبا؟ ويضيف" قال علي رضي الله عنه فيما روي عنه: على مقدمة الدجّال رجل خوزي يقال له مهران". لكنه يروى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: أسعد الناس بالإسلام أهل فارس. وأشقى العرب به بهراء وتغلب. ويضيف" قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : أبعد الناس من الإسلام الروم، ولو كان معلقا بالثريا لتناولته فارس. يعني الإسلام". روي عن ابن عباس في قول الله عزّ وجلّ «ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد» قال: أهل فارس". (كتاب البلدان للهمداني/403). ويذكر" كان أنوشروان إذا أفرض، يقدم الفارسي على رجلين من الديلم وعلى خمسة من الترك وعلى عشرة من الروم وعلى خمسة عشر من العرب وعلى الثلاثين من الهند. لأنهم كانوا أشجع ممن ذكرنا قلوبا وأعزهم نفرا وأعظمهم ملكا وأكثرهم عددا وأوسعهم بلدا وأخصبهم جنابا وأشدهم قلوبا وأرجحهم عقولا وأحسنهم تدبيرا وأصحهم جوابا وأطلقهم ألسنا". (كتاب البلدان للهمداني/403). المبرد قال المبرد "حدثني الرياشي في إسناد ذكره: قال عمر بن الخطاب للخنساء: ما أقرح مآقي عينيك؟ قالت: بكائي على السادات من مضر. قال: يا خنساء، إنهم في النار قالت: ذلك أطول لعويلي". (الفاضل/61). ويقول" يروى أن عمر بن الخطاب عزّى أبا بكر رحمة الله عليهما عن طفل له فقال: عوّضك الله منه ما عوّضه منك، فإن الطفل يعوّض من أبويه الجنّة. وقال رسول الله صلّى الله عليه: "إن الطفل لا يزال محبطنا" على باب الجنّة يقول: لا أدخل الجنة حتى يدخل أبواي".(الفاضل/ 66). قال المبرد" يروى أن ابن ملجم قال لعلىّ بن أبى طالب صلوات الله عليه". واخرى " يروى أن الحسن والحسين عليهما السلام لاما عبد الله بن جعفر في إسهابه في إعطاء المال". وان زاد قال " وهذا نظير ما يروى أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه". وقوله" يروى أن عبيد الله بن العباس كان عاملا لعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنه على اليمن".(الفاضل/ 65). ويقول" قد خضب أبو عبد الله الحسين بن علىّ صلوات الله عليهما".(الفاضل/77). ومنها" قال معاوية: لا رأى لذى هوّى. وقال أمير المؤمنين علىّ (ع): إنما أخشى عليكم الهوى".(الفاضل/123). قال المبرد" قالت الأنصار: فقدنا صدقة السرّ مذ مات علىّ بن الحسين صلوات الله عليه".(الفاضل/105). وقال أيضا " يروى أنه لما ورد عليه خبر علىّ بن أبى طالب، صلوات الله عليه صعد المنبر فقال: الحمد لله الذى أدالنا من عدوّنا، وردّ إلينا من زماننا، فقام اليه رجل من أهل الشام، فقال: ما ذاك من كرامتك على الله يا معاوية، فقال له عمرو بن العاص: اسكت يا جاهل، فو الله لأنت أنذل أهل الشام وأقطعهم عن الكلام، فتمثّل معاوية: إني أرى الحلم محمودا مغبّته ... والجهل أفنى من الأقوام أقواما (الفاضل/88). قال المبرد " حدثني الرياشي قال: دخل عقيل بن أبى طالب على معاوية- وكان من أحضر الناس جوابا- فقال له معاوية: يا عقيل، ما حال عمّك أبى لهب؟ وأين مكانه من النار؟ فقال: إذا أنت دخلتها فخذ على يسارك، فستجده مفترشا عمّتك حمّالة الحطب، فأطرق معاوية".(الفاضل/93). وقال "حدثني الرياشي عن أبى عمرو بن العلاء قال: قيل لشيخ قد بلغ ثلاثين ومائتي سنة: كيف رأيت عيشك؟ قال: عشت مئة سنة لا أصدّع، وأصابني في الثلاثين والمئة ما يصيب الناس. وحدثني الرياشّي قال: سمعت الأصمعي يقول: قال أبو عمرو: عاش ابن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم عشرين وثلاثمائة سنة".(الفاضل/68). اليعقوبي قال اليعقوبي" ولاة سجستان الربيع بن زياد الحارثي لعبد الله بن عامر بن كريز في خلافة عثمان، وربعي بن كاس العنبري الكوفي من قبل عبد الله بن عباس في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وعبد الرحمن بن سمرة أيضا في أيام معاوية ومات بها". (البلدان/104). وولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام على خراسان جعدة بن هبيرة بن عمرو بن عائذ المخزومي وكان قد قدم على علي بن أبي طالب (ع)، وهو بالبصرة ماهويه مرزبان مرو فصالحه، وكتب له كتابا وهو بمرو إلى هذه الغاية، ولما قتل علي (ع) ولى معاوية عبد الله بن عامر خراسان فوجه إليها ابن عامر عبد الله بن خازم السلمي وعبد الرحمن بن سمرة فسارا جميعا وحطا على بلخ حتى افتتحاها". (البلدان/127). لكن عن عثمان يذكر" مدينة كابل العظمى التي يقال لها: جروس افتتحها عبد الرحمن بن سمرة في خلافة عثمان بن عفان". (البلدان/121). وذكر: أول من دخل خراسان عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس كتب إليه عثمان بن عفان في سنة ثلاثين وكان يومئذ على البصرة، وكتب إلى سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وكان عامله بالكوفة يأمرهما بالنفوذ إلى خراسان ويقول لكل واحد منهما أنه إن سبق إلى خراسان فهو أمير عليها". (البلدان/127). وعن الفاروق وسعد بن ابي وقاص يذكر" كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص لما افتتح العراق يأمره أن ينزل بالكوفة ويأمر الناس أن يختطوها، فاختطت كل قبيلة مع رئيسها، فأقطع عمر أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكانت عبس إلى جانب المسجد، ثم تحول قوم منهم إلى أقصى الكوفة". (البلدان/147). كذلك " كتب عمر بن الخطاب إلى سعد أن يجعل سكك الكوفة خمسين ذراعا بالسواء، وجعلت السوق من القصر، والمسجد إلى دار الوليد إلى القلائين إلى دور ثقيف وأشجع وعليها ظلال بواري إلى أيام خالد بن عبد الله القسري فإنه بنى الأسواق وجعل لأهل كل بياعة دارا وطاقا وجعل غلالها للجند، وكان ينزلها عشرة آلاف مقاتل".. (البلدان/149). وقال عن دمشق " فتحت مدينة دمشق في خلافة عمر بن الخطاب سنة أربع عشرة افتتحها أبو عبيدة بن الجراح من باب لها يقال له: باب الجابية صلحا بعد حصار سنة ودخل خالد بن الوليد من باب لها يقال له: باب الشرقي بغير صلح فأجاز أبو عبيدة الصلح في جميعها وكتبوا إلى عمر بن الخطاب فأجاز ما عمل به أبو عبيدة". (البلدان/63). في الوقت الذي جرد الشيخين وبقية الصحابة من القابهم ورفض كتابة صيغة الرحمة عليهم، فإنه في هذه الفقرة يصف كسرى بـ (العظيم) بقوله" المدائن دار ملوك الفرس، وكان أول من نزلها أنو شروان وهي عدة مدن في جانبي دجلة، فالجانب الشرقي فيه المدينة التي يقال لها: العتيقة فيها القصر الأبيض القديم الذي لا يدرون من بناه، وفيها المسجد الجامع الذي بناه المسلمون لما افتتحت. وفي الجانب الشرقي أيضا المدينة التي يقال لها (أسبانير)، وفيها إيوان كسرى العظيم الذي ليس للفرس مثله، ارتفاع سمكة ثمانون ذراعا وبين المدينتين مقدار ميل، وفي هذه كان ينزل سلمان الفارسي، حذيفة بن اليمان وبها قبراهما". (البلدان/157). وذكر عن مصر " افتتحت كور مصر كلها في خلافة عمر بن الخطاب والأمير عمرو بن العاص بن وائل السهمي. وبلغ خراج مصر على يد عمرو في خلافة عمر في أول سنة من جزية رؤوس الرجال أربعة عشر ألف ألف دينار ثم جباها عمرو في السنة الثانية عشرة آلاف ألف فكتب إليه عمر يا خائن، وجباها عبد الله بن سعد بن أبي سرح في خلافة عثمان بن عفان اثني عشر ألف ألف دينار، ثم أسلم رجالها فبلغ خراج الأرض في أيام معاوية مع جزية رؤوس الرجال خمسة آلاف ألف دينار". (البلدان/178). علاوة على الطعن بالرشيد. قال ابن طولون. وحدث محمد (أحمد) بن أبي يعقوب الكاتب مثل هذا ما حكاه اليعقوبي قال: توجهت إلى باب حمدونة ابنة الرشيد فخرجت دقاق مولاتها وفي يدها مروحة مكتوب عليها في الوجه الأول: الحر أحوج إلى أيرين من الأير إلى حرين. وفي الجانب الثاني من المروحة مكتوب: كما أن الرحى أحوج إلى بغلين من البغل إلى رحيين". (البلدان/218). حيدر الحلي قال حيدر الحلي" قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) : الكريم لا يلين على قسر ولا يقسو على يسر".( العقد المفصل/9). كما ذكر" وقال معاوية لعمرو: ما السخاء يا أبا عبد الله عند العرب؟ قال: جهد المقل. ينظر فيه قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: جهد المقل أكثر من عفو المكثر".( العقد المفصل/10). وقال أيضا" إنّ عمر بن الخطّاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً، فمرّ بامرأة مغلق عليها بابها، فاستمع لها عمر وهي تقول: تطاول هذا الليل تسري كواكبه ... وأرقني أن لا ضجيع أُلاعبه".( العقد المفصل/166) هذا المظهر هو الأهون من إساءات بعض الرواة الى الصحابة من جهة، وتعظيم ائمة الشيعة من جهة أخرى. أما بقية الإساءات وكبار الكتاب الشعوبيين فقد استعرضناهم وكتبهم في كتابنا (اغتيال العقل الشيعي) ويمكن الرجوع اليه للزيادة في المعلومات. تنويه قبل الخوض في هذا الموضوع نوضح للقارئ الفاضل، بأننا راجعنا معظم كتب الرحلات والجغرافية القديمة وكتب التأريخ التي لها مساس بهذا الموضوع، وهذا ما سيتبين من خلال المصادر والمراجع العديدة التي رجعنا اليها، علما ان بعض المصادر لم تفدنا في بحثنا أو كانت ذات فائدة محدودة للغاية فعزفنا عن ذكرها في قائمة المصادر في ذيل المبحث. وسبق أن نشرنا الموضوع في موقع البرهان الموقر فقط، ولكننا بعد ذلك أعدنا كتابة الموضوع بعد العثور على طبعات قديمة وجديدة تتعلق بموضوعنا، قرأنا الجديد وأعدنا صياغة المبحث للاستزادة في الفائدة، ولتعزيز وإثبات وجهة نظرنا. سنركز على رحلة عبد اللطيف البغدادي، ومشاهدات الرحالة الذين سبقوه في زيارة مصر، سيما الإسكندرية موضوع بحثنا، وكذلك على الجغرافيين العرب ممن كتب عن الإسكندرية، ويلاحظ القارئ أن هناك أمورا متكررة في المشاهدات سيما منارة الإسكندرية وأعمدة الرخام، والمرآة العاكسة وغيرها من الصفات، باستثناء موضوع المكتبة التي انفرد بها بعض الرحالة والجغرافيين المتأخرين، كما سيتبين في المبحث بالتفصيل لغرض المقارنة من جهة، وإيجاد القواسم المشتركة عن أهم معالم الاسكندرية، لذا سوف نركز على أهم مشاهداتهم ووصفهم لمعالمها العمرانية. حقيقة دامغة يتفق المؤرخون الغربيون بأن حريق مكتبة الاسكندرية جرى في عهد قيصر خلال حصاره مدينة الاسكندرية، فقد ذكر المؤرخان (جورج فوت) و(جيمس أهلويلر) في كتابهما الموسوم (خطايا الأوربيين) التالي" قام الإفرنج بحرب طاحنة عَلَى الوثنيين وسفكوا الدماء فأمر الإمبراطور (تيود وسيس) بتحطيم أصنام الوثنيين وغيرها مما هو للوثنيين، فقاد بطريرك الإسكندرية أتباعه وتوجه إلى هيكل سيرابيس فدمروه على آخره، وبعدها توجهوا إلى مكتبة الاسكندرية وأحرقوها عن بكرة أبيها حتى خلت رفوفها من الكتب ولم يرها أحد بعد ذلك إلا تأسف عليها كل الأسف". وحملا المؤرخان البطريرك ثيوفيلوس المسؤولية بأمر الإمبراطور ثيوديس. وعلق المرحوم عبد الوهاب أفندي سليم عن الحدث بقوله" إن المكتبتين اللتين اسمهما البطالسة في الإسكندرية كان إحراقهما عن يد جيوش قيصر لما حاصر الإسكندرية وللتعويض عن هذا الخطأ أُهديت المكتبة التي جمعها يومياس ملك برغامة إلى الملكة كليوبترا عن يد الملك أنتوني، لكن حكم الدهر أو الجهل أن لا تبقى هذه المكتبة العظيمة أجيالاً فقد أحرقها البطريرك فيوفيلوس وأقام عَلَى أنقاضها كنيسة سماها كنيسة الشهداء". (خرافات الأوربيين). كذلك ورد في موسوعات المعارف الأجنبية عن مدينة الإسكندرية" لما حاصر يوليوس قيصر مدينة الإسكندرية احترق قسم عظيم من هذه المكتبة غير أنها جددت كما كانت عليه من خلال الكتب التي جمعها ملك برغامة وأهداها إلى الملكة كليوبترا وقد بقيت إلى زمن سيوديسيس الكبير، ولما أمر هذا الإمبراطور بهدم معابد الوثنيين في أنحاء المملكة كافة هدموا هيكل سيرابس حيث توجد فيها المكتبة فهدموا الهيكل وأحرقوا المكتبة في عام 391 ميلادية: (دائرة المعارف/ طبع تشم بيرس/ المجلد الأول). كما ذكر (المؤرخ بيتنس) في دائرة معارفه" عندما افتتح يوليوس قيصر مدينة الإسكندرية احترقت المكتبة الأولى وبقيت المكتبة الثانية التي أُسست بعدها، وقد زادت كتبها بالمجلدات التي أُهديت للملكة كليوبترا عن يد مارك أنطوني وصارت أعظم من التي احترقت وبقيت إلى سنة 390 بعد المسيح، حيث حارب الإفرنج الوثنيين وهدموا معابدهم كلها ومنها هيكل سيرابيس وأحرقوا مكتبة الاسكندرية). وذكر المؤرخ جورج مارتين أيضا" كان مصير مكتبة الإسكندرية أن أحرقها المتوحشون من الإفرنج، بأمر ثيودوسيوس سنة 390 بعد المسيح". (ترياق الخرافات). وهناك مصادر عديدة لم تخرج عن نطاق هذا الرأي، يمكن الرجوع اليها في كتب التأريخ القديمة باللغة العربية أو الأجنبية.


التهمة الكيدية في حرق عمر الفاروق لمكتبة الإسكندرية - 4

1. المصادر التأريخية عن حادثة حرق المكتبة أ. الرحالة عبد اللطيف البغدادي المتوفى (557 هـ/ 1162 ـ 629 هـ/ 1231) هو أول من ذكر في رحلته خلال زيارته لمصر" رأيت أيضا حول عمود السواري من هذه الأعمدة بقايا صالحة بعضها صحيح وبعضها مكسور ويظهر من حالها إنها كانت مسقوفة والأعمدة تحمل السقف وعمود السواري عليه قبة هو حاملها . وأرى إنه الرواق الذي كان يدرس فيه ارسطوطاليس وشيعته من بعده وأنه دار المعلم التي بناها الاسكندر حين بنى مدينته ، وفيها كانت خزانة الكتب التي أحرقها عمرو بن العاص بإذن عمر رضي الله عنه". (الإفادة والاعتبار/94). سنناقش هذه الفقرة لاحقا. ب. ابن العبري (1226 ـ 1286). وهو غريغوريوس ابو الفرج بن هارون العلامة اليسوعي صاحب كتاب (مختصر تأريخ الدول) جاء في الرواية حسب في طبعة بوك في اوكسانيا عام1663" عاش يحيى الغراماطيقي إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الاسكندرية ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم، فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أنسة ما هاله ففتن به وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطت بحواصل الاسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها ، فمالك به انتفاع فلا نعارضك فيه، وما لا انتفاع لك به فنحن أولى به. فقال له عمرو: ما الذي تحتاج إليه ؟ قال: كتب الحكمة التي في الخزائن الملوكية . فقال عمرو: هذا ما لا يمكنني أن آمر فيه إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب . فكتب إلى عمر وعرفه قول يحيى فورد عليه كتاب عمر يقول فيه : وأما الكتب التي ذكرتها فإن كان فيها ما وافق كتاب الله ؟ ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله؟ فلا حاجة إليه. فتقدم بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الاسكندرية وإحراقها في مواقدها فاستنفدت في مدة ستة أشهر". (تأريخ محتصر الدول/184). كما ورد في طبعة أخرى" في هذا الزمان (خلافة عمر الفاروق) اشتهر بين الإسلاميين يحيى المعروف عندنا غرماطيقوس"، أي النحوي. وكان إسكندريا يعتقد اعتقاد النصارى اليعقوبية ويشيد عقيدة سأورى. ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث، فاجتمع إليه الأساقفة بمصر وسألوه الرجوع عما هو عليه، فلم يرجع، فأسقطوه عن منزلته. وعاش إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية. ودخل على عمرو وقد عرف موضعه من العلوم، فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أُنْسَةٌ ما هَالَهُ ففُتِنَ به. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه، وكان لا يفارقه. ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطتَ بحواصل الإسكندرية وختمت على كل الأصناف الموجودة بها: فما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع به فنحن أولى به. فقال له عمرو: وما الذى تحتاج إليه؟ قال: كُتُب الحكمة التي في الخزائن الملوكية. فقال له عمرو: لا يمكنني أن آمر فيها إلا بعد استئذان عمر بن الخطاب. وكتب إلى عمر وعرَّفه قَوْلَ يحيى، فورد إليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التي ذكرتَها فإن كان فيه ما يوافق كتابَ الله ففي كتاب الله عنه غِنًى. وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتَقَدَّمْ بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها، فاستُوقِدَتْ في مدة ستة أشهر. فاسمع ما جرى واعجب". (تأريخ محتصر الدول. تحقيق انطوان صالحاني اليسوعي/175). ج. تقي الدين المقريزي (760 هـ/ 1364 ـ845 هـ/ 1442 ) هو بحق شيخ المؤرخين المصريين نقل نصا ما ذكره البغدادي" فكتب الخليفة عمر بن الخطاب كتابا إلى عمر بن العاص" إذا كانت هذه الكتب لا تحتوى على شيء غير المسطور في القرآن فهي كعدمها. وإذا كانت هذه الكتب تنافى ما جاء بالقرآن فهي ضاره ومؤذيه لا يجب حفظها. إذا فعلى كلتا الحالتين يجب حرقها وإبادتها من الوجود". وأمر عمرو بن العاص باستعمال هذه الذخائر والنفائس كوقود في حمامات الإسكندرية". (المواعظ والإعتبار1/159). د. أبو الفرج محمد بن اسحق المعروف بابن النديم (الولادة مجهولة ـ 438هـ /1074 م) وهو أديب وكاتب بغدادي، ومصنف وجامع فهارس، ذكر" وظلت الحمامات تستخدمها كوقود لمده ستة أشهر كامله فكتب عمر الى عمرو يقول له: واما الكتب التي ذكرتها فان كان فيها ما يوافق كتاب الله ففي كتاب الله عنه غنى ، وان كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة أليها فتقدم بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفريقها على حمامات الإسكندرية واحرقها في مواقدها، فذكروا أنها استنفذت في ستة أشهر". (الفهرست/334 ). هـ. حاجي خليفة ويعرف أيضا باسم كاتب جلبي (1017 هـ/1609م ـ 1068هـ/1657م) وهو جغرافي ومصنف كتب له كتاب مهم اسمه كشف الظنون قال فيه" ان المسلمين لما فتحوا بلاد فارس وأصابوا من كتبهم، كتب سعد بن أبى وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شانها وتنقيلها للمسلمين فكتب أليه عمر بن الخطاب :ان اطرحوها في الماء، فان يكن ما فيها هدى ؟ فقد هدانا الله تعالى بأهدى منه، وان يكن ضلال ؟ فقد كفانا الله تعالى. فطرحوها في الماء وفي النار فذهبت علوم الفرس فيها". (كشف الظنون1/446). وزاد في كلامه مسيئا للعرب المسلمين" انهم (أي المسلمين) احرقوا ما وجدوا من كتب في فتوحات البلاد". (المصدر السابق1/25). وفي كتاب حاجي خليفة الكثير من العثرات والأخطاء، فإنه على سبيل المثال تعثّر في تحديد وفاة ابن قتيبة فذهب إلى أنها كانت في سنة 276 هـ، ثم قال: توفي ابن قتيبة سنة 270 هـ. وفي مكان آخر يقول: توفي سنة 267 هـ، ثم ذكر سنة 266 هـ، وأخيرا حدّدها سنة 263 هـ. و. جمال الدين ابو الحسن علي بن يوسف القبطي (568هـ/1172م ـ 646هـ/1248م) وهو طبيب ومؤرخ عربي ولد في مصر وسكن حلب. جاء في كتابه (تاريخ الحكماء) الآتي " يحيى النحوي المصري الإسكندراني تلميذ سأوارى. كان أسقفا في كنيسة الإسكندرية بمصر، ويعتقد مذهب النصارى اليعقوبية، ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث لما قرأ كتب الحكمة واستحال عنده جًعْل الواحد ثلاثة، والثلاثة واحدا. ولما تحققت الأساقفة بمصر رجوعه عزَّ عليهم ذلك، فاجتمعوا إليه وناظروه، فغُلِب وزُيِّف طريقُه، فعَزَّ عليهم جهله واستعطفوه وآنسوه وسألوه الرجوع عما هو عليه وترك إظهار ما تحققه وناظرهم عليه، فلم يرجع، فأسقطوه من المنزلة التي هو فيها بعد خطوب جرت. وعاش إلى أنْ فتح عمرو مصر والإسكندرية، ودخل على عمرو، ورأى له موضعا، وسمع كلامه أيضا في انقضاء الدهر، ففُتِن به وشاهد من حججه المنطقية، وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها أُنْسَةٌ ما هَالَهُ. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر، فلازمه. وكان لا يكاد يفارقه، ثم قال له يحيى يوما: إنك قد أحطت حواصل الإسكندرية وختمتَ على كل الأصناف الموجودة بها: فأما ما لك به انتفاع فلا أعارضك فيه، وما لا انتفاع لكم به فنحن أولى به، فَأْمٌرْ بالإفراج عنه. فقال له عمرو: وما الذى تحتاج إليه؟ قال: كُتُب الحكمة التي في الخزائن الملوكية". ثم مضى يصف ما فيها من الكتب، ذاكرا من أنشأها ومن اعتنى بها. فـقال (عمرو): لا يمكنني أن آمر فيها إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وكتب إلى عمر وعرَّفه قولَ يحيى الذى ذكرناه واستأذنه ماذا يصنع فيها. فورد إليه كتاب عمر يقول فيه: وأما الكتب التي ذكرتَها فإن كان فيه ما يوافق كتابَ الله ففي كتاب الله عنه غِنًى. وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتَقَدَّمْ بإعدامها. فشرع عمرو بن العاص في تفرقتها على حمامات الإسكندرية وإحراقها فى مواقدها وذُكِرَت عِدّة الحمامات يومئذ، وأُنْسيتُها، فذكروا أنها استُنْفِدَتْ في مدة ستة أشهر. فاسمع ما جرى واعجب". (تأريخ الحكماء/354). المؤرخون الأوربيون يفندون مسؤولية المسلمين عن حرق المكتبة غالبية المؤرخين الأوربيين نفوا قيام المسلمين بحرق مكتبة الإسكندرية باستثناء البعض القليل ممن يغالي في تعصبه وحقده على العروبة والمسلمين معتمدين في رأيهم على مصادر عربية غير مهمة تناولت الموضوع بشكل هامشي وغير دقيق، سنناقشها لاحقا في المبحث. وهذا ما أكده المستشرق (ج. ج. سوندرز) بأن" هناك إجماعا بين الكتاب الـمُحْدَثين بأن المسلمين لم يحرقوا مكتبة الإسكندرية وأن القصة التي تزعم هذا هي قصة بغير أساس". كما ذكر المؤرخ (جون مسبرك) " المسلمون هم في حقيقة الأمر الذين أدخلوا العلوم والمعارف إلى أوربا، والفرنج هم الذين أحرقوا مكتبة الإسكندرية". (الادعاءات الكاذبة). وقال (جورج مرتين) " لقد أحرق المتوحشون الإفرنج بأمر أصدره ثيودوسيوس سنة 390 بعد الميلاد، والشواهد التأريخية تفضح الكذب الذي اختلقوه في رومية وزعموا أنها أُحرقت بأمر الخليفة عمر بن الخطاب، ولقد نسبوا هذه النسبة الكاذبة الخاطئة إليه زوراً وبهتاناً". (ترياق الخرافات). وأشار بتلر في كتابه" أن يوليوس قيصر كان محصوراً سنة 48 ق . م، في حي البر وكيون يحيط به المصريون من كل جانب تحت قيادة أخيلاس ، فأحرق السفن التي في الميناء لقطع خط الرجعة على يوليوس وقيل إن النيران امتدت إلى المكتبة (مكتبة المتحف أو المكتبة الأم) وأحرقت المكتبة وأفنتها أو قد فنيت تماماً فى القرن الرابع الميلادي. أما المكتبة الوليدة التي قامت فى السيريوم فإنها كانت في حجرات متصلة ببناء معبد السيريوم وقد أحرق هذا المعبد في عهد ثيودوسيوس عام 391 م على يد المسيحيين الذين كان يقودهم رئيسهم ثيوفيلوس". ( فتح العرب لمصر/303) وذكر زميله المؤرخ (هلسلي أستيفونس) عن الموضوع نفسه" الجهلاء الفرنج هم الذين أحرقوا مكتبة الإسكندرية الكبيرة الأثر، وقد أدى حرقها إلى فقدان أوربا شعلة العلوم، وبقيت أوربا تتخبط في ظلمات الجهل والأساطير، إلى أعاد المسلمون ضياء العلوم لها". (الفكر والأديان). وجاء في كتاب خطايا الأوربيين السابق ذكره " أن من أحرق مكتبة الإسكندرية هو ثيوفيلوس ولا علاقة للمسلمين بحرقها، لأن الإسلام لا يجيز حرق الكتب، لذا لم يذكر المؤرخون الأوائل شيئا عن مكتبة الإسكندرية، في حين إنهم تطرقوا لأمور أقل أهمية منها". (مجلة المقتبس/6 صفحة/ مجلد1). وذكر الفيلسوف أرنست رينان في خطاب له ألقاه في المجمع العلمي الفرنسي بعنوان العلم والإسلام " ذكر البعض أن عمرو بن العاص أحرق مكتبة الإسكندرية، وهذا كذب وافتراء محض لأن المكتبة المذكورة قد أُحرقت قبل زمانه بسنين عديدة". كما أن مؤرخ سيرة حياة يوليوس قيصر (درابر) ذكر أنه " عند قدوم يوليوس قيصر عند إلى مصر لنجدة كلوباترة، أحرق نصف المكتبة وقلده بطارقة الإسكندرية فأحرقوا البقية وذكر اورسيوس أنه رأى بعينه أماكن الكتب خالية منها بعد أن صدر أمر الإمبراطور ثوديوس بإحراقها". (يوليوس قيصر). كما ذكر (المؤرخ جيبون) في معرض حديثه عن اضمحلال الإمبراطورية الرومانية" أن نسبة الحريق لعمر أو لعمرو أكذوبة لفقها أبو الفرج (أي ابن العبري) رئيس أساقفة حلب على طائفة اليعاقبة إحدى الطوائف المسيحية بعد مضي نحو ستمائة سنة من الهجرة في تاريخ له ألفه بالعربية ولما نقل ما كتبه إلى اللاتينية انتشرت هذه الأغلوطة في أوربا، لا يخفى على أهل البصيرة أن مكتبة الإسكندرية احترقت قبل الميلاد وما زعمه رئيس أساقفة حلب من أن المسلمين أحرقوها لم يتعرض له مؤرخ واحد ممن ظهروا قبل أبي الفرج حتى أن افتيكيوس بطريرك الإسكندرية عند توسعه في الكلام على استيلاء المسلمين على الإسكندرية لم يذكر كلمة عن حرق عمرو بن العاص لهذه المكتبة". كما ذكر رئيس مدرسة آثينة الكلية في تاريخه العام عند كلامه على الإسكندرية من أن هذه المكتبة حرقت لدن وصول قيصر إلى مصر وأن ما بقي من الكتب تلف قبل استيلاء المسلمين على الإسكندرية بزمن طويل وأن ما يحكى من أن عمرو بن العاص حرقها إن هي إلا فقرة مدخلة بعد هذا. وقد عرب ما تقدم حباً بإظهار حقيقة طال البحث فيها وتعارضت الآراء بأمرها والحقيقة ضالة كل باحث ومستفيد". (اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية/الجزء 9). وذكر المؤرخ جوستاف لوبون" أن المكتبة لم تكن موجودة عند الفتح العربي، إذ كانت قد أُحرِقَت عام 48 ق. م عند مجيء يوليوس قيصر إلى الإسكندرية". (حضارة العرب/208). كما ذكر بلوتارخ ( Plutarch) في كتابه Life of Caesar بأن مكتبة الإسكندرية" قد احترقت بفعل الحريق الذي بدأه يوليوس قيصر لتدمير الأسطول المصري المرابط في ميناء الإسكندرية". وذكر المؤرخ الروماني اولوس جليوس Aulus Gellius " أن المكتبة الملكية الإسكندرية قد أُحرقت بطريق الخطأ عندما أشعل بعض الجنود الرومان التابعون ليوليوس قيصر بعض النيران". وهذا ما ثبته كذلك المؤرخ اميانوس مرسلينوس Ammianus Marcellinus والمؤرخ اوروسيوس Orosius بأن مكتبة الاسكندرية قد أُحرقت خطأً بسبب الحريق الذي بدأه يوليوس قيصر. العلامة الموسوعي الشهير( ول ديورانت) كان له نفس الراي بشأن حرق المسلمين لمكتبة الإسكندرية بقوله " ان معظم المؤرخين يرفضون هذه القصة ويرون انها من الخرافات الباطلة". (قصة الحضارة13/262). كما ذكر المستشرق زيغريد هونكه" كان العلماء المسلمين حريصين على اقتناء كتب العلم اليونانية والرومانية ودراسة ما فيها. ومن أمثال ذلك رجل العلم العظيم موسى بن شاكر وأولاده الثلاث محمد وأحمد وحسن فى عصر الخليفة المأمون. وقد برعوا في علم الفلك ودراسة طبقات الجو والرياضة، وكانوا يرسلون أتباعهم إلى بلاد البيزنطيين على نفقاتهم لشراء الكتب وترجمتها والاستفادة من علومهم. وترجم (ثابت بن قرة) لبنى موسى عدداً كبيراً من الأعمال الفلكية والرياضية والطبية لأبولونيوس وأرخميدس وإقليدس وتيودوسيوس وأرسطوطاليس وأفلاطون وجالينوس وأبقراط وبطليموس. كما أنه صحح ترجمات حنين بن اسحق وولده ثم شرع في وضع مؤلفات ضخمة له، فوضع 150 مؤلفاً عربياً و (10) مؤلفات باللغة السريانية في الفلك والرياضيات والطب. فهذا نموذجاً من النماذج المشرقة في صفحات علم العرب وتقديسهم للعلم. فهل يصدق أحد العقلاء أن المسلمين قاموا بإحراق مكتبة عظيمة مثل مكتبة الإسكندرية ثم بعد ذلك يتكبد علماؤهم مشقة البحث عن مؤلفات لنفس العلماء الذين حُرِقت كتبهم؟". (شمس العرب تشرق على الغرب/184). ذكر بلوتارخ ( Plutarch) في كتابه الشهير(حياة قيصر) Life of Caesar بأن مكتبة الإسكندرية" قد احترقت بفعل الحريق الذي بدأه يوليوس قيصر لتدمير الأسطول المصري المرابط في ميناء الإسكندرية". ويقول العلامة المستشرق (ماكس مايرهوف) " يكاد يكون من الحقائق التي أجمع عليها المؤرخون أنه لم تكن بالإسكندرية مكتبة كبرى عامة بعد نهاية القرن الرابع الميلادي، حيث كانت قد ضاعت معالم تلك المكتبة إبان الصراع الهائل بين المسيحية والوثنية على طول القرون الأربعة التي أعقبت الميلاد". وقالت الكاتبة والمؤرخة ( أ. ل . بتشر) في هامش كتابها " لا جدال بأن مكتبة الاسكندرية القديمة قد كان قد احرقها أوغسطس قيصر أول إمبراطور روماني وضع يده على مصر ولكن لم يمضِ وقت طويل حتى تجددت هذه المكتبة إذ نقلت مكتبة برغاموس إليها فصارت أشهر من الأولى وانفع". (تأريخ الأمة القطبية6/148). واخيرا ذكر فيليب حتي" اما القصة التي تقول ان عمرا احرق مكتبة الاسكندرية، بإشارة من الخليفة واحمي بها حمامات المدينة مدة ستة أشهر، فينكرها البحث العلمي". (تأريخ العرب المطول/222). هذه هي آراء أهم وأبرز مؤرخي الغرب حول حريق المكتبة، ونفوا مسؤولية العرب المسلمين عنها، لا نفهم لماذا يصر بعص الكتاب العرب على تحميل المسلمين مسؤولية حرق المكتبة؟ أليس هذا الموقف الشاذ يدعو إلى الريب؟ رجال الكنيسة يفندون مسؤولية المسلمين عن حرق المكتبة يذكر الدكتور نبيل لوقا بباوي" لقد وصل تسامح عمرو بن العاص مع الجنود الرومان البيزنطيين وأعدائه أنه نص في عقد الأمان المبرم مع قيرس أو المقوقس كما يطلق عليه أهل مصر الذي ابرم في عام 642م أنه سمح للجيش البيزنطي بالانسحاب من مصر وان يحمل جنوده أمتعتهم وأموالهم أن يتعهد المسلمون ألا يتعرضوا للكنائس الخاصة بهم هل يوجد تسامح أكثر من ذلك؟ أن تترك أعداءك يخرجون أمام عينيك بأمتعتهم وأسلحتهم وأنت تعلم مقدماً أنهم سوف ينظمون أنفسهم مرة أخرى لمقاتلتك وقتل الجيوش الإسلامية، ولكنها تعاليم الإسلام عندما تبرم عقد الأمان يجب الالتزام به وأن القتال ليس هدفاً لذاته بل هو خطوه للدفاع عن النفس ولتأمين الدولة الإسلامية الحديثة". (انتشار الإسلام بين الحقيقة والافتراء/158). ذكر الأستاذ عزيز سوريال عطية" يرتبط فتح العرب للإسكندرية بلغط أجوف حول حريق مكتبة المدينة على يد عمرو بن العاص، تنفيذاً لأوامر الخليفة عمر بن الخطاب، لكن هذه الرواية هي من نسيج الخيال وهي أقرب إلى الأساطير في كل تفاصيلها، وهي من حكايات الرحالة عبد الله اللطيف البغدادي ( ت 1231م) ومن كتابات الأسقف السورياني اليعقوبي بن العبري، وتزعم هاتان الروايتان أن الخليفة عمر بن الخطاب قد طلب من القائد عمرو بن العاص أن يبقي على هذه المكتبة إن كان ما فيها متفقاً مع ما ورد في القرآن الكريم وإلا فليقم بإحراقها، وعليه كما تزعم هاتان الروايتان قام عمرو بإحراق هذه الكتب . وواقع الأمر أنه لا يوجد مصادر معاصرة أو حولية تشير إلى هذا أو بشيء منه من قريب أو بعيد كما أنه من المشكوك فيه أصلاً أن تكون الإسكندرية عند وصول العرب إليها سنة 642م كانت لا تزال تحوي شيئاً من مكتبة البطالمة فلقد تم إحراق المكتبة منذ زمن بعيد على يد يوليوس قيصر عند هجوم على الإسكندرية لمساعد ة كلوباترة السابعة ضد أخيها سنة 48 ق.م يضاف إلى ذلك أنه في القرن الرابع للميلاد عندما صارت للمسيحية الغلبة في مدينة الإسكندرية على بقايا الوثنية , هجم المسيحيون على كل ما هو من بقايا الوثنية ودمروه تماماً ؛ ومن ذلك بطبيعة الحال ما كان قد تبقي من مكتبة البطالمة الوثنية. كما أن لفائف البردي واللفافات الأخرى التي قد تكون قد أفلتت من حرائق قيصر ومسيحيي القرن الرابع لابد وأنها كانت قد تهالكت وبليت بفعل الزمن وقت وصول العرب إلى مدينة الإسكندرية سنة 642م.وخلاصة كل هذا أن حكاية إقدام عمرو بن العاص على إحراق الكتب في أفران الحمامات بالإسكندرية مجرد تلفيق كاذب لا أساس له من الصحة تاريخياً" (تاريخ المسيحية الشرقية/103). وجاء في موسوعة (من تراث القبط) الاتي" يتضمن غزو العرب للإسكندرية واقعة حزينة تتعلق بحرق مكتبتها العظيمة بواسطة عمرو بن العاص، الذي قيل إنه إنما كان ينفذ أوامر الخليفة عمر، إلا أن هذه القصة الرومانسية تنتمي إلى عالم الأساطير فقد ظهرت لأول مرة في كتابات الرحالة الفارسي (عبد اللطيف البغدادي المتوفي عام 1331م) والمطران اليعقوبي بارهيبراوس (المتوفي 1286م) أي بعد الغزو بستة قرون، إذ يزعمان أنه بناء على تشاور الخليفة عمر مع قائد جيش المؤمنين في مكة بعث إلى قائده عمرو بقراره المعروف الذي يؤكد فيه بأنه إذا كانت محتويات المكتبة تتفق مع ما جاء في القرآن فهي أشياء لا ضرورة لها ومن ثم فهي تافهة، وإذا كانت تختلف مع القرآن، فلابد من التخلص منها على اعتبار أنها خطر يهدد روح الإسلام وفي كلتا الحالتين يجب إحراق هذه الكتب وبعد تسلم عمرو لهذه الرسالة تم التخلص من هذه المحتويات الضخمة باستخدامها كوقود للحمامات الشعبية بالإسكندرية ستة أشهر وهي مدة لا تصدق، ولم يشر أحد من المؤرخين المعاصرين إلى هذه القصة , فضلاً عن ذلك فمن الشكوك فيه أن تكون لمكتبة بطليموس أثار باقية حتى مجيء العرب والمعروف أن جزءاً كبيراً منها قد دمر في حروب يوليوس قيصر في سنة (48 ق. م)، وحدث في القرن الرابع الميلادي، أن المسيحيين المنتصرين قد قاموا بعمليات منظمة لإحراق المباني عمداً لإزالة كل أثر للمؤسسات الوثنية، التي لابد أنها قد أصابت المتحف muscone أو ما بقى من، إن طبيعة لفائف البردي والمخطوطات المتراكمة في المكتبة كان لابد أن تتحلل نتيجة استعمالها على مدى قرون عديدة والمخطوطات المتراكمة في المكتبة كان لابد أن تتحلل نتيجة استعمالها على مدى قرون عديدة قبل الفتح العربي، وبعبارة أخرى فإن قصة إشعال حمامات الإسكندرية بتراث مكتبة الإسكندرية قصة يجب رفضها باعتبارها بدعة غير تاريخية ولا أساس لها". (موسوعة من تراث القبط1/207). وقال المطران يوسف ضرغام" انتعشت الكنيسة القبطية وتنظمت في حكم عمرو بن العاص، فاعتقد الأقباط لفترة أن انتصار العرب أعاد لهم الحرية والكرامة والشخصية القومية ، لا سيما أن عمرو بن العاص اتبع وصية نبي الإسلام وعطفه على الأقباط إذ جاء في الحديث" إن الله عز وجل سيفتح مصر بعدي، فاستوصوا بقبطها خيراً فإن لهم منكم صهراً ونسباً. فقد كانت مارية القبطية زوجة للرسول وأنجبت له ولده الوحيد إبراهيم الذي توفى بعد سنة ونصف تقريباً. وقد ساعد الفتح العربي في بداية الأمر على نهضة اللغة القبطية على حساب اليونانية، فالقراءات الطقسية صارت تتلى بالقبطية وحدها، كما تُرجمت إليها أقوال الآباء، وقد بنيت عدة كنائس وجُددت كنائس أخرى. ففي ايام البطريرك أغاثون (661 – 667) عُمرت كنيسة أبي مقار، وبنيت كنيسة القديس مرقس بالإسكندرية في ولاية عمرو بن العاص". (دليل إلى قراءة تاريخ الكنيسة/167). كما ذكر الأب سهيل قاشا" إن العرب الذين وهبهم الله الملك يحترمون الديانة المسيحية، ويودون القسس والرهبان ويكرمون أولياء الله، ويحسنون إلى الكنائس والأديار". (الكنيسة العراقية إزاء الاضطهادات الفارسية/87) . لا بد من الإشارة في هذا الصدد بأن المطران يوسف الدبس علق على دعاوي البعض عن كيفية إحراق مكتبة الإسكندرية ونسبتها للمسلمين بقوله" روى هذه القصة كثير من المؤرخين النصارى وبعض المسلمين أيضاً عَلَى أن المدققين لم يقطعوا بصحتها". (تأريخ سوريا). كما أورد الأب نقولا أن علماء الإفرنج" يزيفون أقوال بعض أرباب الأهواء في نسبة الحريق للمسلمين ويبينون مأْخذ عبد اللطيف البغدادي وابن القفطي وابن العبري والحاج خليفة وليس لمكتبة الإسكندرية ذكر في عبارة أبي الفرج بن العبري الأصلية السريانية والنسخة العربية منقولة عنها كما أن بعض المخطوطات من تاريخه العربي لا أثر لهذه الرواية فيها والحاج خليفة لا ذكر للإسكندرية ومكتبتها في كتابه والبغدادي والقفطي نقلا عن رواية دسها عليهم بعض المتعصبين أو دسوها في عباراتهما. والمبحث مهم في ذاته يبين تعصب الإفرنج عَلَى الإسلام وبه يتم هذا المبحث الذي نشر المقتبس فيه عدة أبحاث أيضاً في سنيه الثلاث الأولى". (المقتبس46/47 عام 1909).


التهمة الكيدية في حرق عمر الفاروق لمكتبة الإسكندرية - 5

     الإسكندرية في كتب الرحلات والجغرافية كتاب الإشارات للهروي قال الهروي" قيل: إنها كانت في المدينة، وإن المدينة كانت سبع محجات فأكلها البحر، ولم يبق منها غير محجة واحدة، وكانت من موضع يعرف بأبي صير إلى أبى قير، ويقال: إن قبر الإسكندر بالمنارة مع أرسطاطليس، والله أعلم بذلك. يقول مؤلف هذا الكتاب على بن أبى بكر الهروي: إنما ذكروا منارة الإسكندرية من العجائب لما كان بها المرآة التي ذكروا أن المراكب إذا أقلعت من مسيرة أيام تظهر صورها فيها فيستعدوا للقائها، وقيل: إنها كانت تحرق المراكب، وهذا يمكن عمله، فإن المرآة إذا سامت شعاع الشمس أحرقت لا سيما ويعضدها البحر، فإن شعاع الشمس من صقال المرآة وضوء الماء ولمعانه تحرق ولا شك فيه، قيل: كانت المرآة ستين ذراعا وطول المنارة ثلاثمائة ذراع، والله أعلم. وإنما المنارة اليوم ليست من العجائب إنما هي على هيئة مثال برج على ساحل البحر على هيئة المرقب، بل المنائر العجيبة بمدينة القسطنطينية، منها منارة موثوقة بالرصاص والحديد في الضرم، وهو الميدان، إذا هبت الرياح تميلها شرقا وغربا وقبلة وشمالا من أصل كرسيّها، ويدخل الناس الخزف والجوز تحتها فتطحنه ومنارة أيضا في هذا الموضع من النحاس قد قلبت قطعة واحدة إلا أنها لا يدخل إليها. ومنارة قريبة من البيمارستان قد ألبست النحاس جميعها، وعليها قبر قسطنطين، وعلى قبره صورة فرس من النحاس وعلى الفرس صورته، وهو راكب على الفرس وقوائم الفرس محكمة بالرصاص على الصخر ما عدا يده اليمنى فإنها سائبة فى الهواء كأنه سائر، وقسطنطين على ظهره ويده اليمنى مرتفعة في الجو، وقد فتح كفه وهو يشير نحو بلاد الإسلام، ويده اليسرى فيها كرة، وهذه المنارة تبين عن مسيرة بعض يوم للراكب فى البحر، وقد اختلفت أقاويل الناس فيها فمنهم من يقول: في يده طلسم يمنع العدو أن يقصد البلد» ومنهم من يقول: «بل على الكرة مكتوب: ملكت الدنيا حتى بقيت في يدى مثل هذه الكرة وخرجت منها هكذا لا أملك شيئا منارة في سوق استبرين من الرخام الأبيض ومن أرضها إلى رأسها صور منبتة نابتة من جسمها أعجب صنعة تكون، ودربزينها من النحاس قطعة واحدة، وبها طلسم إذا طلع الإنسان عليها يقع نظره على المدينة بأسرها. بالإسكندرية في المحجة موضع يقال له: القمرة، به عامود عليه صورة طير يدور مع الشمس، وبها عامود السواري مصقول صقال الفصوص والعمد حوله، ويقال: هذا هو الرواق الذي بنته اليونان، ولهذا يقال في كتبهم: " قال أصحاب الرواق: وهذا العامود ذرعته وقد شذ عنى الآن بل أظنه ستين ذراعا، والله أعلم، وأظن دائرة ثلاثين ذراعا، وتحته قاعدة مربعة من الحجر المانع قطعة واحدة، وبها الباب الأخضر يزار، وبها مسجد التوبة والرحمة والرباط بها عظيم، وبها دار الإسكندر، وبظاهرها كنيسة أسفل الأرض عمارة عجيبة، ومسجد النحات، عنده شهداء لا تعرف أسماؤهم، وبجلبانتها من الأولياء والصالحين خلق كثير، وبها السمك الرعاد، من أمسكه ترعد يده إلى أن يلقيه منها". (الإشارات للهروي/45). رحلة بنيامين التطيلي قال: إسكندرية هي (نو أمون) أو (أمون نو) الواردة في التوراة. شيّدها الإسكندر المقدوني وجعلها من أجمل المدن وأمنعها فأطلق عليها اسمه. وبظاهر المدينة مدرسة أرسطو أستاذ الإسكندر. كانت مؤلفة من عشرين قسما يقصدها طلاب العلم من جميع أنحاء العالم لدرس فلسفة أرسطو. وبناؤها واسع جميل، معقود على أساطين من رخام. ومدينة إسكندرية مشيدة على طيقان معقودة، تحتها الكهوف والمغاور. وشوارعها مستقيمة لا يحد البصر آخرها لطولها. فالشارع الممتد من رشيد إلى باب البحر ينوف على الميل طولا. وفي مرساها رصيف يمتد في البحر إلى مسافة ميل أيضا. وفي إسكندرية برج مرتفع يدعى (المنارة)، ويسميه العرب منار الإسكندرية وقديما كان في أعلى البرج مرايا من زجاج، تراقب بوساطتها مراكب القرصان القادمة من أنحاء الروم وبلاد المغرب، من مسافة خمسين ميلا عن الشاطئ، فتتخذ الأهبة لمنازلتها. وبظاهر المدينة، على شاطئ البحر، يشاهد عمود كبير من رخام. عليه صور الطير والحيوان وكتابات ورموز قديمة، ليس بميسور أحد اكتناه طلاسمها، ويقال: إنها قبر ملك عاش قبل الطوفان، يبلغ طوله خمسة عشر شبرا بالطول وستة أشبار بالعرض". (رحلة بنيامين/358). المسالك والممالك للبكري قال البكري" إنّ الإسكندر لمّا استقام ملكه في بلاده سار يختار أرضا صحيحة الهواء والتربة والماء، فأتى موضع الإسكندرية فأصاب أثر وعمد رخام منها عمود عظيم مكتوب عليه بالقلم المسند- وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد- أنا شدّاد بن عاد شددت بساعدي الواد وقطعت عظيم العماد من الجبال الأطواد وبنيت إرم ذات العماد الّتي لم يخلق مثلها في البلاد. وبنى سورها آزاجا وطبقات قد عمل لها مخاريق ومتنفّسات للضياء يسير فيه الفارس بفرسه وبيده رمح لا يضيق به حتّى يدور جميع تلك الآزاج. وكذلك أسواقها وشوارعها وسككها مقنطرة كلّها لا يصيب أهلها شيء من المطر. وكانت الإسكندرية تضيء في الليل بغير مصباح لشدّة بياض الرخام، وربّما علّق فيها شقاق الحرير الأخضر لاختطاف بياض الرخام أبصار الناس. وقد كان لها سبعة أسوار من أنواع الحجارة المختلفة ألوانها بينها خنادق بين كلّ خندق وسور فصيل. اما منارة الاسكندرية فأمّا المنارة فذهب كثير من الناس أنّ الإسكندر بناها على حسب ما ذكرنا في المدينة، ومنهم من رأى أنّ دلوكه الملكة بنتها، وقال بعضهم إنّ العاشر من فراعنة مصر بناها، وهذه المنارة من دخلها تلف فيها إلّا أن يكون عالما بها لكثرة بيوتها وحجراتها وطبقاتها، قال البكري في منارة الاسكندرية مسجد في هذا الوقت يرابط فيه المطوّعة. وكان حول المنارة مغاوص تستخرج منها أنواع جوهر يتّخذ منه فصوص الخواتم منها الاسباذ جشم والكركهن والباقلمون، وهذا الباقلمون، حجر يتلوّن في المنظر ألوانا مختلفة كتلّون ريش الطاووس الهندية، فإنّها تتلوّن ألوانا لا تحصى ولا تشبه بلون من الألوان لما يترادف من تموّج الألوان في ريشها". (المسالك والممالك للبكري2/634). وتحدث عن القصر الأعظم بالإسكندرية اليوم خراب، وهو على ربوة عظيمة بإزاء باب المدينة، طوله خمسمائة ذراع وعرضه على النصف من ذلك أو نحوه، ولم يبق منه إلّا سواريه، فإنّها قائمة لم يسقط منها شيء، وعدد أساطين القصر أزيد من مائة أسطوانة غلظ كلّ أسطوانة نحو عشرة أشبار. بمدينة الإسكندرية كان الهيكل الأعظم الّذي اجتمع فيه ثلاثمائة أسقف وثمانية عشر أسقفا فأسّسوا القول بالتثليث وكفّروا من خالفهم، وذلك في زمن قيصر يولس. رأيت بالإسكندرية عند قصّاب ضرس إنسان يزن به اللحم زنته ثمانية أرطال. كان بالإسكندرية دار ملعب قد بنيت بضرب من الحكمة لا يرى أحد فيها شيئا دون صاحبه ووجه كلّ فيها تلقاء وجه صاحبه، إن عمل أحد منهم شيئا أو تكلّم أو نفث ونظر إليه جميعهم سماعا ونظرا متساويا قريبهم وبعيدهم. وكانوا يترامون فيها بالكرة، فإذا وقعت في كمّ أحد منهم فلا بدّ له من ولاية مصر". (المسالك والممالك للبكري2/641). وكان على الإسكندرية سور لا يعدل به في الحصانة والإتقان والمنع. فنذر عمرو لئن أظهره الله عليهم ليهدمنَّ سورها حتّى تكون مثل بيت الزانية يؤتى من كلّ مكان". (المسالك والممالك للبكري2/644). د. الاستبصار في عجائب الأمصار للمراكشي ذكر المراكشي" يقال إن أسقفا كان بالإسكندرية من أهل العلم بالكوائن، لما بلغه قدوم عمرو مع المسلمين إلى بلاد مصر كتب إلى القبط يعلمهم أن ملكهم قد انقطع، ويأمرهم بتلقي عمرو والطاعة له؛ فأطاعه كثير من القبط فاستعان بهم على من سواهم". (الاستبصار/79). وقال" كان أصل بنائها أن الإسكندر استقام له ملكه في بلاده، وكانت بلاده رومة وما إلى ذلك من بلاد الروم، وكان فيما يقال روميا، فيقال إنه خرج يختار أرضا صحيحة الهواء والتربة والماء يبنى بها مدينة يسكنها، فأتى موضع الإسكندرية فأصاب به أثر بنيان وعمد رخام منها عمود عظيم مكتوب عليه بالقلم المسند، وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد: أنا شداد بن عاد، سددت بساعدي الوادي وقطعت عظيم العماد من شوامخ الجبال والأوطاد، وبنيت إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد". (الاستبصار/92). ويضيف" اتخذ الإسكندر الطلسمات مصورة على أعمدة رخام على هيئة شجرة السرو، طول العمود منها 80 ذراعا، وهى باقية إلى هذه الغاية. يقال إنها على أعمدة نحاس قد خرقت الأرض فصورت، فيها أشكال وصور تمنع وتدفع. وبنى المنار على طرف اللسان الداخل في البحر من البر، وجعله على كرسي من زجاج على هيئة السرطان في جوف البحر، وجعل طوله في الهواء ألف ذراع، وجعل في أعلاه المرآة. وكانت المرآة قد ركبت من أخلاط غريبة فيبصر فيها ما يأتي من مراكب العدو على مسيرة أيام فيتأهب لهم، فإن قربت المراكب من البلد عملت أخلاط بأدهان يعرفونها وطليت بها المرآة وعكس شعاعها على تلك المراكب فأحرقتها.وجعل في المنار تماثيل من نحاس وطلاسم كثيرة تمنع وتدفع ولها خواص، فمنها تمثال قد أشار بسبابة يده اليمنى نحو الشمس حيث كانت من مشرق أو مغرب أو أفق فيدور معها، وتمثال يشير بيده نحو العدو إذا كان منه على مقدار ليلة، فإن دنا وأمكن أن يرى بالبصر يسمع لذلك التمثال صوت هائل على ميلين أو ثلاثة". (الاستبصار/94). وتحدث" القصر الأعظم الذي كان بالإسكندرية، لم يكن له على معمور الأرض نظير، هو اليوم خراب. ونحو الشمال منه أسطوانة عظيمة لم يسمع بمثلها، غلظها 36 شبرا وهى من العلو بحيث لا يدرك أعلاها قاذف بحجر، وعليها رأس محكم الصناعة يدل على أن بناء كان عليها، وتحتها قاعدة من حجر أحمر مربع الشكل محكم عرض كل ضلع من أضلاعه 20 شبرا في ارتفاع 8 أشبار. والأسطوانة منزلة فى عامود من حديد قد خرقت به الأرض، فإذا اشتدت الرياح رأيتها تتحرك وربما جعلت تحتها الحجارة فتطحنها لشدة حركتها. وهذه الأسطوانة من إحدى أعاجيب الدنيا، ويقال إن الجن صنعتها لسليمان بن داود عم". (الاستبصار/99). ويضيف" كان بالإسكندرية دار ملعب قد تهدم أكثرها، وكانت قد بنيت بضروب من الحكمة، وكانوا يجلسون فيها لقضاء حوائجهم، فكان كل جالس فيها إنما جلسوه تلقاء وجه صاحبه ولا يخفى على أحد منهم شيء من حال غيره، يتساوى قريبهم وبعيدهم في ذلك. وكان لهم يوم مهرجان يجتمعون فيه في هذا الملعب، ويحضره رؤساؤهم وأبناء ملوكهم وعامتهم، ويلعب فيه الصبيان والفتيان بالصوالج وبينهم كرة. فإن دخلت تلك الكرة كم رجل ممن حضر في ذلك اليوم فلابد له من ولاية مصر؛ كان هذا عيدهم معروف لا ينكره أحد". (الاستبصار/100). كتاب السفرنامة لناصر خسرو قال ناصر خسرو" تَقَع الْإسْكَنْدَريَّة على شاطئ بَحر الرّوم وشاطئ النّيل وتصدر مِنْهُمَا بالسفن فَاكِهَة كَثِيرَة لمصر وَفِي الْإسْكَنْدَريَّة مَنَارَة رَأَيْتهَا قَائِمَة وَأَنا هُنَاكَ وَقد كَانَ فَوْقهَا حراقة مرْآة محرقة فَكلما جَاءَت سفينة رُومِية من الْقُسْطَنْطِينِيَّة أصابتها نَار من هَذِه الحراقة فأحرقتها وَقد بذل الرّوم كثيرا من الْجد والجهد وَالْحِيلَة فبعثوا شخصا فَكسر الْمرْآة وَفِي عهد الْحَاكِم". (السفرنامة/84). فضائل مصر المحروسة. ابو عمر بن يعقوب الكندي المصري قال ابو عمر الكندي المصري عن عجائب مصر" من عجائب مصر" بها من الأبنية وآثار الحكمة: البرابي والهرمان، وليس على وجه الأرض بناء باليد حجراً فوق حجر أطول منهم. وبها منارة الإسكندرية، وبها عمود عين شمس". (فضائل مصر المحروسة/11). ونقل عن عبد الله بن عمرو" من أراد أن ينظر إلى الفردوس فلينظر إلى أرض مصر حين تخضر زروعها، ويزهر ربيعها، وتكسى بالنوار أشجارها وتغنى أطيارها". (المصدر السابق/9). ونقل عن ابي عمر الكندي المصري" ذكر أهل العلم والمعرفة والرواية أنه دخل مصر في فتحها ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة رجل ونيف. وقال يزيد بن أبي حبيب: وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. منهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وفضالة بن عبيد، وعقبة بن عامر وأبو ذر ومحمية بن جزء ونبيه بن صؤاب، ورافع بن مالك، وربيعة بن شرحبيل بن حسنة، وسعد بن أبي وقاص وعمرو ابن علقمة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب وخارجة بن حذافة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحمد بن مسلمة، ومسلمة بن مخلد، وأبو أيوب وروفع بن ثابت، وهبيب بن مغفل، وكعب بن ضنة، ومعاوية بن حديج، وعمار بن ياسر، وعمرو بن العاص، وأبو هريرة وغيرهم". (المصدر السابق/5). تاج المفرق في تحلية علماء المشرق. لخالد بن عيسى البلوي الملقب ابو البقاء زار ابو البقاء معالم الإسكندرية والتقى بمعظم علمائها وناقشهم في الكتب، ولكن لم يأت أحد منهم على ذكر مكتبة الاسكندرية ولا ابو البقاء نفسه. مما قاله" ذكر من عبد الله بن عمرو ابن العاص أنه قال عجائب الدنيا أربعة مرآة منار الإسكندرية كان الناس يجلسون تحتها فيرون من القسنطينة وبينهما عرض البحر، وفرس من نحاس بأرض الأندلس باسط يديه مقابل بكفييه أي، ليس خلفي مسلك فلا مسلك فلا يطأ أحد تلك الأرض إلا ابتلعته النمل، ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض عاد، فإذا كانت الأشهر الرحم هطل منها الماء فشرب الناس واستقوا وصبوا في الحياض فان انقطعت الأشهر الحرم انقطع ذلك الماء إلى آخر، وشجرة من نحاس بأرض رومة عليها زرزور من نحاس سودانية فإذا كان أوان الزيتون صفرت تلك السودانية من النحاس فيعصر أهل رومة ما يكفيهم من الزيت لأدمهم وسرجهم في كنائسهم إلى عام قابل، هذا الذي ذكره عبد الله بن عمرو بن العاص خبر مشهور موجود في كتب الحكماء، والمرآة التي كانت بمنار الإسكندرية صح خبرها بالتواتر خاصة، وإنما عمل الروم في إفسادها خوفا منها، ولهذه المدينة من المدارس والمساجد ما لا يستوفيه وصف ذكر الهروي في بعض تآلفيه أن مدينة الإسكندرية احتوت على أثني عشر ألف مسجد، وذكر أبو الربيع بن سالم الكلاعي في كتاب الاكتفاء له قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين فتح الإسكندرية، أما بعد فأني فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أني أصبت فيها أربعة آلاف منية بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية، وأربعمائة حلة للملوك، وعن أبى قبيل، ان عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية وجد فيها أثنى عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر) انتهى)، إلى غير ذلك من المعاهد والمفاخر والمشاهد والمآثر، وفيها تربة بعض الأنبياء عليهم السلام، وتربة بعض التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، استوفيت زيارة جميعهم وتردد إلى مبارك بقعيهم". (تاج المفرق/24) نزهة المشتاق للشريف الادريسي ذكر الادريسي" أما الإسكندرية فهي مدينة بناها الإسكندر وبه سميت وهي مدينة على نحر البحر الملح وبها آثار عجيبة ورسوم قائمة تشهد لبانيها بالملك والقدرة وتعرب عن تمكن وبصر وهي حصينة الأسوار نامية الأشجار جليلة المقدار كثيرة العمارة رائجة التجارة شامخة البناء رائعة المغنى شوارعها فساح وعقائد بنيانها صحاح وفرش دورها بالرخام والمرمر وحنايا أبنيتها بالعمد المشمر وأسواقها كثيرة الاتساع ومزارعها واسعة الانتفاع والنيل الغربي منها يدخل تحت أقبية دورها كلها وتتصل دواميس بعضها ببعض وهي في ذاتها كثيرة الضياء متقنة الأشياء وفيها المنارة التي ليس على قرار الأرض مثلها بنيانا ولا أوثق منها عقدا أحجارها من صميم الكدان وقد أفرغ الرصاص في أوصالها فبعضها مرتبط ببعض معقود لا ينفك التئامها والبحر يصدم أحجارها من الجهة الشمالية وبين هذه المنارة وبين المدينة ميل في البحر وفي البر ثلاثة أميال وارتفاع هذه المنارة ثلاثمائة ذراع بالرشاشي وهو ثلاثة أشبار وذلك أن طولها كله مائة قامة منها ست وتسعون قامة إلى القبة التي في أعلاها وطول القبة أربع قامات ومن الأرض إلى الحزام الأوسط سبعون قامة سواء ومن الحزام الأوسط إلى أعلاها ست وعشرون قامة يدخل الضوء عليها من خارج إلى داخل بحيث يبصر الصاعد فيها حيث يضع قدميه حين يصعد فيها وهذه المنارة من عجائب بنيان الدنيا علوا ووثاقة والمنفعة فيها أنها علم توقد النار بها في وسطها بالليل والنهار في أوقات سفر المراكب فيرى أهل المراكب تلك النار بالليل والنهار فيعملون عليها وترى من بعد مجرى لأنها تظهر بالليل كالنجم وبالنهار يرى منها دخان وذلك أن مدينة الإسكندرية في قعر الجون متصلة بها أوطئة وصحار متصلة لا جبل بها ولا علامة يستدل بها عليها ولولا تلك النار لضلت أكثر المراكب عن القصد إليها وهذه النار تسمى فانوسا ويقال إن الذي بنى هذه المنارة هو الذي بنى الأهرام التي في حد مدينة الفسطاط من غربي النيل ويقال أيضا إنها من بنيان الإسكندر عند بنيان الإسكندرية والله أعلم بصحيح ذلك وبالإسكندرية المسلتان وهما جران على طولهما مربعان وأعلاهما أضيق من أسفلهما وطول الواحدة منهما خمس قيم وعرض قواعدها في كل وجه عشرة أشبار محيط الكل أربعون شبرا وعليها كتابات بالخط السرياني وحكى صاحب كتاب العجائب أنهما منحوتتان من حجر جبل بريم في بلاد مصر وعليها مكتوب أنا يعمر بن شداد بنيت هذه المدينة حين لا هرم فاش ولا موت ذريع ولا شيب ظاهر وإذ الحجارة كالطين وإذ الناس لا يعرفون لهم ربا إلا يعمر فأقمت أسطواناتها وفجرت أنهارها وغرست أشجارها وأردت أن أطول على الملوك الذين كانوا بها بما أجعله فيها من الآثار المعجزة فأرسلت الثبوت بن مرة العادي ومقدام بن الغمر بن أبي رغال الثمودي إلى جبل بريم الأحمر فاقتطعا منه حجرين وحملاهما على أعناقهما فانكسرت ضلع الثبوت فوددت أن أهل مملكتي كانوا فداء له وأقامهما لي الفطن بن جارود المؤتفكي في يوم السعادة وهذه المسلة الواحدة في ركن البلد من الجهة الشرقية والثانية من هذه المسلات أيضا في بعض المدينة وقيل إن المجلس الذي بجنوب الإسكندرية المنسوب إلى سليمان بن داود أن يعمر بن شداد بناه ويقال أيضا إن سليمان بن داود حجران على طولهما مربعان وأعلاهما أضيق من أسفلهما وطول الواحدة منهما خمس قيم وعرض قواعدها في كل وجه عشرة أشبار محيط الكل أربعون شبرا وعليها كتابات بالخط السرياني وحكى صاحب كتاب العجائب أنهما منحوتتان من حجر جبل بريم في بلاد مصر وعليها مكتوب أنا يعمر بن شداد بنيت هذه المدينة حين لا هرم فاش ولا موت ذريع ولا شيب ظاهر وإذ الحجارة كالطين وإذ الناس لا يعرفون لهم ربا إلا يعمر فأقمت أسطواناتها وفجرت أنهارها وغرست أشجارها وأردت أن أطول على الملوك الذين كانوا بها بما أجعله فيها من الآثار المعجزة فأرسلت الثبوت بن مرة العادي ومقدام بن الغمر بن أبي رغال الثمودي إلى جبل بريم الأحمر فاقتطعا منه حجرين وحملاهما على أعناقهما فانكسرت ضلع الثبوت فوددت أن أهل مملكتي كانوا فداء له وأقامهما لي الفطن بن جارود المؤتفكي في يوم السعادة وهذه المسلة الواحدة في ركن البلد من الجهة الشرقية والثانية من هذه المسلات أيضا في بعض المدينة وقيل إن المجلس الذي بجنوب الإسكندرية المنسوب إلى سليمان بن داود أن يعمر بن شداد بناه ويقال أيضا إن سليمان بن داود بناه وأسطواناته وعضاداته باقية إلى الآن وصفته أنه مجلس مربع الطول في كل رأس منه ست عشرة سارية وفي الجانبين المتطاولين منه سبع وستون سارية وفي الركن الشمالي منه اسطوانة عظيمة ورأسها عليها وفي أسفلها قاعدة رخام في محيط تربيع وجوهها ثمانون شبرا في عرض كل وجه عشرون شبرا في ارتفاع ثمانين شبرا ودور محيط هذه السارية أربعون شبرا وطولها من القاعدة إلى رأسها تسع قيم والرأس منقوش مخرم بأحكم صنعة وأتقن وضع ولا أخت لها ولا يعلم أحد من أهل الإسكندرية ولا من أهل مصر ما المراد بوضعها مفردة في مكانها وهي الآن مائلة ميلا كثيرا لكنها ثابتة آمنة من السقوط والإسكندرية من عمالة مصر وقاعدة من قواعدها". (نزهة المشتاق /321). واضاف " ولأهل الإسكندرية في بحرهم سمكة مخططة لذيذة الطعم تسمى العروس إذا أكلت مشوية أو مطبوخة رأى آكلها في نومه كأنه يؤتى إن لم يتناول عليها شيئا من الشراب أو يكثر من أكل العسل". ( المصدر السابق1/344).


التهمة الكيدية في حرق عمر الفاروق لمكتبة الإسكندرية - 6

     الروض المعطار في خبر الأقطار للحميري قال الحميري" مدينة عظيمة من ديار مصر بناها الإسكندر بن فيلبش فنسبت إليه، وهي على ساحل البحر الملح، وذلك أن الإسكندر لما استقام له الملك في بلاده وهي رومة وما والاها من بلاد الروم وكان رومياً فيما يقال خرج يختار أرضاً صحيحة الهواء والتربة والماء ليبني فيها مدينة يسكنها فأتى موضع الإسكندرية فأصاب فيها أثر بنيان وعمد رخام منها عمود عظيم عليه مكتوب بالقلم المسند وهو القلم الأول من أقلام حمير وملوك عاد: أنا شداد بن عاد، شددت بساعدي الواد..... الخ. بنى أسوارها من أنواع الرخام الأبيض والملون وكذلك جميع قصورها ودورها فكانت تضيء بالليل بغير مصباح لشدة بياض الرخام وربما علق على أسوارها وقصورها شقق الحرير الأخضر لاختطاف بياضها أبصار الناس، وبنى الاسكندر عليها سبعة أسوار أمام كل سور خندق وسور فصيل، فيقال إنها كانت أعظم مدينة بنيت في معمور الأرض وأغربها بنياناً. وبنى المنار الذي ليس على قرار الأرض مثله على طرف اللسان الداخل في البحر من البر وجعله على كرسي من زجاج على هيئة السرطان في جوف البحر، وجعل طوله في الهواء ألف ذراع وجعل في أعلاه المرآة، وكانت المرآة قد ركبت من أخلاط عجيبة غريبة فيبصر فيها ما يأتي من مراكب العدو على مسيرة أيام فيتأهب لهم فإن قربت المراكب من البلد عملت أخلاط بأدهان يعرفونها وطليت بها المرآة وعكس شعاعها على تلك المراكب فأحرقها وجعل في المنار تماثيل من نحاس وطلاسم كثيرة تمنع وتدفع ولها خواص، منها تمثال مشير بيده نحو العدو فإذا صار منه على مقدار ليلة فإن دنا وأمكن أن يرى بالبصر سمع لذلك التمثال صوت هائل على ميلين وثلاثة، وتمثال آخر كلما مضى من الليل أو من النهار ساعة سمع له صوت طرب بخلاف الصوت الذي كان منه قبل ذلك، فمن الناس من يرى أن هذه المنارة من بناء الإسكندر ومنهم من يرى أن دلوكه الملكة بنتها ومنهم من يرى أن جيرون الملك بناها، وقيل إن الذي بنى الأهرام بمصر بناها، كان حول المنار مغايص يستخرج منها أنواع الأحجار، يتخذ منها فصوص الخواتم، وكان حول المنارة من تلك الجواهر كثير، فيقال إن الإسكندر غرق ذلك حول المنار ليوجد هناك إذا طلب فيكون ذلك الموضع أبقى لها ويرى الناس على مر الدهر عظم ملكه وما قدر عليه من وجود ما عز عند غيره، وقيل إنها كانت آلات شراب الإسكندر فلما مات كسرتها أمه ورمتها في تلك المواضع غيرة أن لا تصير لأحد بعده. والقصر الأعظم الذي بالإسكندرية الذي لا نظير له في معمور الأرض اليوم خراب، وهو على ربوة عظيمة بإزاء باب الموسم، طوله خمسمائة ذراع وعرضه على النصف من ذلك، ولم يبق منه إلا بعض سواريه. ورئي بالإسكندرية قصاب عنده ضرس إنسان يزن به اللحم زنته ثمانية أرطال. وكان بالإسكندرية دار ملعب قد تهدم أكثرها، وكانت قد بنيت بضروب من الحكمة، وكانوا يجلسون فيها لقضاء حوائجهم وأخذ آرائهم". ( الروض المعطار1/54) ,أضاف الحميري" منارة الإسكندرية، وضعه الله تعالى على يد من سخره لذلك آية للمتوسمين وهداية للمسافرين، ولولاه ما اهتدوا في البحر إلى بر الإسكندرية، ويظهر على أزيد من سبعين ميلاً، ومبناه في نهاية من الوثاقة طولاً وعرضاً، قيس أحد جوانبه الأربع فوجد نيفاً على خمسين باعاً، ويذكر أن طوله أزيد من مائة وخمسين قامة، وداخله مرأى هائل، اتساع معارج ودواخل، وكثرة مساكن، حتى أن المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربما ضل، وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه". (المصدر السابق/550). ويقال" إن أسقفاً كان بالإسكندرية من أهل العلم بالكوائن لما بلغه قدوم عمرو بالمسلمين إلى بلاد مصر، كتب إلى القبط يعلمهم أن ملكهم قد انقطع ويأمرهم بتلقي عمرو بالطاعة له، فأطاعه كثير من القبط، فاستعان بهم على من سواهم". (المصدر السابق/553). حدود العالم من الشرق الى المغرب. كاتب مجهول قال الكاتب المجهول" الاسكندرية مدينة متصلة ببحر الروم من جهة وبحيرة تنيس من جهة، وفيها منارة يقال إن ارتفاعها مئتا ذراع، مرتكزة على صخرة وسط الماء، وهي تتحرك كلما هبّ النسيم بحيث لا يمكن رؤية ذلك". ( حدود العالم/78). الاسكندرية في كتاب صورة الأرض لإبن حوقل قال ابن حوقل" من مشاهير مدن مصر وعجيب آثارها الإسكندريّة وهى مدينة على نحر بحر الروم رسومها بيّنة وآثار أهلها ظاهرة تنطق عن ملك وقدرة وتعرف عن تمكّن فى البلاد وسموّ ونصرة وتفصح عن عظة وعبرة كبيرة الحجارة جليلة العمارة وبها من العمد العظام وأنواع الأحجار الرخام الذي لا تقلّ القطعة منه إلّا بألوف ناس قد علقت بين السماء والأرض على فوق المائة ذراع ممّا يكون الحجر منها فوق رؤوس أساطين دائر الأسطوانة منها ما بين الخمس عشرة ذراعا الى عشرين ذراعا والحجر فوقه في عشر أذرع في سمك عشر أذرع بغرائب الألوان وبدائع الأصباغ،. فلو سئلت عن أهلها لرأيتها ... مخبّرة من حالهم بالعظائم ولها طرقات مفروشة بأنواع الرخام والحجر الملوّن وفى بيعها عمد لصفاء صقاله وحسن ألوانه يبين كالزمرّد الأخضر وكالجزع الأصفر منه والأحمر وجلّ أبنيتها بالعمد المسمّر ومنه شيء على قضبان نحاس قد دبّر بأنواع أخلاط لئلّا يغيّره الزمان وتحت الأسطوانة منه الثلاثة سرطانات نحاس وأربعة والاسطوانة في الهواء عليها ضروب الصور المعروفة والمجهولة، وفيها المنارة المشهورة المبنيّة بالحجارة المركّبة المضبّبة بالرصاص وليس بجميع الأرض لمنارتها نظير يدانيها أو يقاربها في أشكالها ومبانيها وعجائبها ومعانيها تشتمل على آية بيّنة ويستدلّ بها على مملكة كانت قاهرة لملك عظيم ذي حال جسيم وسلطان عقيم، وهى المنارة المشهورة في جمهور الأرض أخبارها التي جميع العامّة والخاصّة من أهل الدراية مجمعون على أنّ مؤسّسها اخترعها لرصد الفلك وأدرك ما أدركه من علم الهيئة بها وفيها وجميع ما أخبر به من حال الفلك فإنّما حصل له ولمن خلفه بانكشاف فضائها وسعة سمائها وقلّة أبخرة صحرائها لأنّ لكلّ ارض سرابا على مقدارها وليس لها سراب، وسمكها كان يزيد على ثلاثمائة ذراع فوقعت منه قبّة عظيمة كانت رأس المنارة لطول العهد لا كما يدّعى المحاليّون في حماقات ورقاعات مصنّفة أنّها بنيت لمرآة كانت فيها يرى سائر ما يدخل الى بحر الروم من درمون حمّال الى شلندى مستعدّ للقتال ويزعم قوم أنّ بانيها وبانى الهرمين ملك واحد ويروى آخرون غير ذلك". ( صورة الأرض/151). الإسكندرية في كتاب العمري (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) قال العمري" الاسكندرية مدينة قديمة جليلة عظيمة وكانت في القديم أكبر مما هي الآن وأعظم في كثرة الأهل والبنيان، بناها الاسكندر ذو القرنين على شاطئ البحر الرومي، وكان بها على ما يقال سرير ملكه ومستقر أمة وجميع بنايتها بالحجر والكلس، مبيضة البيوت باطنا وظاهرا، كأنها الحمامة البيضاء، ذات شوارع مشرعة الأرجاء، كل خط بذاته كأنها رقعة الشطرنج، يستدير بها أسوار متمنعة، وبروج محصنة، عليها الستائر المسترة، والمجانيق المنصوبة، وبها عسكر مستخدم لحفظها، وليس بالديار المصرية مدينة حاكمها مرسوم بنيابة السلطنة سوى الإسكندرية لا يزال أهلها على يقظة من أمور البحر، ومخالسة العدو، وبها الديار الجليلة، والجوامع والمساجد، والربط والخوانق، والمشاهد والفنادق، والرباع والأسواق الممتدة، ومعامل البز والقماش والطرز الفائق المثل، إليها تهوى ركاب التجار برا وبحرا من كل فج عميق ومكان سحيق، وليس في الدنيا نظير شربها، وطرازها المعمول بها والمحمول إلى أقطار الأرض شرقا وغربا، منها من الحفير المنسوج بالذهب والفضة والمقصب بالقصب، وطرد الوحش المنوع، والجر والمنقوش، والمنزج والمدفون والديبقى والمساذج، والمفرح والمقاطع، والممرش والشرب الخام والمقصور وبدلات المقانع وأنواع المقصبات والملون بالذهب والفضة والملاءات والغوط من كل ما لا شبيه لرقمه ولا نظير لحسنه، يباع في كل يوم فيها بآلاف مؤلفة من الذهب الأحمر، ولا ينفذ متاعها، ولا يقل موجودها وبالإسكندرية معاملة الدرهم السّواد حقيقة مقصورا عليها لا يخرج من سواها ولا يتعدى حاضرة أسوارها، وهو فيها كل درهمين سوداوين بدرهم واحد من نقد الدرهم المصري، يوجد بها الدراهم السود حقيقة اسم على مسمى". ( مسالك الابصار3 /491). ويضيف والاسكندرية لها بحر خليج من النيل تصل فيه المراكب من مصر إليها، ومنها إلى مصر، وفي أوان زيادة النيل يمتلئ هذا الخليج ، ويمد إلى صهاريج داخل المدينة معدة لاختزان الماء بها لشرب أهلها، نافذة من بعض الدور إلى بعض يمكن النازل إلى صهريج منها الصعود من أي دار اختار، وتحت الصهاريج الآبار النبع بالماء المملوح، فهي طبقات ثلاثة، طبقة الآبار عليها طبقة الصهاريج عليها طبقة البناء ولا يعتني أهل الاسكندرية ببناء الطبقات على أعالي أبنيتهم لقوة الأمطار بها، وتجويف قرارها. وعلى الاسكندرية البساتين الأنيقة والغيطان الفساح وفيها لجلة أهلها القصور الناهدة والجواسق الشاهقة، محصنة جميعها بأحكام البناء، وعلو الجدر خشية من طرّاق الفرنج ودعّار العرب. وبها من الفواكه المنتجة الثمار وهي تفوق مصر بحسن ثمراتها، ورخص الفواكه بها، وليس للإسكندرية من ازدراع القمح والشعير والحبوب إلا ما قل، وغالب أقواتها محمول من أرياف مصر. ثم ملك الاسكندر فزاد في بنائها، وأطال في منارتها وجعل فيها مرآة كان يرى منها مراكب العدو عن بعد، فإذا صارت بإزائها، وصدمها شعاعها أحرقها كما تحرق المهاة في الشمس ما قابلها من الخرق، وإن لم تتصل بها، فسميت الاسكندرية من حينئذ، وكان اسمها قبل ذلك وقوده، وبذلك يعرفها القبط في كتبهم القديمة". (المصدر السابق3/492). وتحدث العمري عن قصة حول هدم المرآة بعد غواية ملكها بوجود كنوز تحتها، وتحدث عن المنارة ومساحتها فقال" فقد أصبحت كلها أثرا بعد عين، سقطت أعلامها، ومحيت آثارها، ولم يبق من المنارة، إلا دون العشرين ذراعا، وأمر السلطان لها بالبناء، ولم يصرف إليها وجه الاعتناء وليس الناطور الآن إلا في منارة استحدثت على كوم عال داخل السور يعرف بكوم معلى لا له أساس ثابت ولا جدار معلى. وأما عمود الصواري فباق على حاله والطلل باق على هائل ولا طائل، وهو من الاسكندرية على مسافة ونصف يوم من غربها البر الأقفر المتصل ببرقه إلى الغرب الأقصى" ( المصدر السابق3/496). م. الاسكندرية في رحلة ابن بطوطة قال ابن بطوطة" لمدينة الإسكندرية أربعة أبواب باب السدرة وإليه يشرع طريق المغرب وباب رشيد وباب البحر والباب الأخضر وليس يفتح إلا يوم الجمعة فيخرج الناس منه إلى زيارة القبور ولها المرسى العظيم الشأن ولم أر في مراسي الدنيا مثله إلا ما كان من مرسى كولم وقاليقوط ببلاد الهند ومرسى الكفار بسرادق ببلاد الأتراك ومرسى الزيتون ببلاد الصين. ان منار الإسكندرية: قصدت المنار في هذه الوجهة فرأيت أحد جوانبه متهدما وصفته أنه بناء مربع ذاهب في الهواء وبابه مرتفع على الأرض وإزاء بابه بناء بقدر ارتفاعه وضعت بينهما ألواح خشب يعبر عليها إلى بابه فإذا أزيلت لم يكن له سبيل وداخل الباب موضع لجلوس حارس المنار وداخل المنار بيوت كثيرة وعرض الممر بداخله تسعة أشبار وعرض الحائط عشرة أشبار وعرض المنار من كل جهة من جهاته الأربع مائة وأربعون شبرا وهو على تل مرتفع ومسافة ما بينه وبين المدينة فرسخ واحد في بر مستطيل يحيط به البحر من ثلاث جهات إلى أن يتصل البحر بسور البلد فلا يمكن التوصل إلى المنار في البر إلا من المدينة وفي هذا البر المتصل بالمنار مقبرة الاسكندرية وقصدت المنار عند عودي إلى بلاد المغرب عام خمسين وسبعمائة فوجدته قد استولى عليه الخراب بحيث لا يمكن دخوله ولا الصعود إلى بابه وكان الملك الناصر رحمه الله قد شرع في بناء منار مثله بإزائه فعاقه الموت من إتمامه. عمود السواري الهائل: من غرائب هذه المدينة عمود الرخام الهائل الذي بخارجها المسمى عندهم بعمود السواري وهو متوسط في غابة نخل وقد امتاز عن شجراتها سموا وارتفاعا وهو قطعة واحدة محكمة النحت قد أقيم على قواعد حجارة مربعة أمثال الدكاكين العظيمة ولا تعرف كيفية وضعه هنالك ولا يتحقق من وضعه. قال ابن جزي: أخبرني بعض أشياخي الرحالين أن أحد الرماة بالإسكندرية صعد إلى أعلى ذلك العمود ومعه قوسه وكنانته واستقر هنالك وشاع خبره، فاجتمع الغفير لمشاهدته، وطال العجب منه، وخفي على الناس وجه واحتياله وأظنه كان خائفاً، أو طالب حاجة، فانتج له فعله الوصول إلى قصده لغرابة ما أتى به. وكيفية احتياله في صعوده أنه رمى بنشابة قد عقد بفوقها1 خيطاً طويلاً، وعقد بطرف الخيط حبلاً وثيقاً، فتجاوزت النشابة أعلى العمود معترضة عليه، ووقعت من الجهة الموازية للرامي، فصار خيطاً معترضاً على أعلى العمود، فجذبه حتى توسط الحبل أعلى العمود مكان الخيط، فأوثقه من إحدى الجهتين في الأرض، وعلق به صاعداً من الجهة الأخرى، واستقر بأعلاه وجذب الحبل، واستصحب من احتمله، فلم يهتد الناس لحيلته، وعجبوا من شأنه". (رحلة ابن بطوطة1/13). الاسكندرية في كتاب مراصد الاطلاع لصفي الدين البغدادي تحدث عموما عن المدن التي بناها الإسكندر ولم يتطرق الى معالمها الحضارية بقوله" بنى الإسكندر ثلاث عشرة مدينة وسمّاها كلّها باسمه، ثم تغيّرت أساميها بعده: واحدة بـ (أورنقوس). والتي تدعى المحصّنة. وأخرى ببلاد الهند. وأخرى في (جالينقوس). وأخرى في (بلاد السقوباسبيس). وأخرى على شاطئ النهر الأعظم. وأخرى بأرض بابل. وأخرى ببلاد (الصغد) وهى سمرقند. والتي تدعى مرعيلوس. وهى مرو. والتي في مجارى الأنهار بالهند. والتي سميّت كوش، وهى بلخ. والإسكندرية العظمى ببلاد مصر، فهذه ثلاث عشرة مدينة. والإسكندرية: قرية بين حلب وحماة. والإسكندرية: قرية على دجلة بإزاء الجامدة، بينها وبين واسط خمسة عشر فرسخا، والإسكندرية: قرية بين مكة والمدينة. والمشهورة بهذا الاسم الإسكندرية العظمى في بلاد مصر". (مراصد الاطلاع 1/76). الاسكندرية في رحلة ابن جبير ذكر ابن جبير عن الإسكندرية وآثارها " فأول ذلك حسن وضع البلد واتساع مبانيه حتى أنا ما شاهدنا بلدا اوسع مسالك منه ولا أعلى مبنى ولا أعتق ولا أحفل منه وأسواقه في نهاية من الاحتفال أيضا2. ومن العجب في وضعه أن بناءه تحت الأرض كبنائها فوقها وأعتق وامتن لأن الماء من النيل يخترق جميع ديارها وأزقتها تحت الأرض فتتصل الآبار بعضها ببعض ويمد بعضها بعضا. وعاينا فيها أيضا من سواري الرخام وألواح هـ كثرة وعلوا واتساعا وحسنا ما لا يتخيل بالوهم حتى أنك تلقى في بعض الممرات بها سواري يغص الجو بها صعودا لا يدري ما معناها ولا لما كان أصل وضعها وذكر لنا إنه كان عليها في القديم مبان للفلاسفة خاصة ولأهل الرئاسة في ذلك الزمان والله أعلم ويشبه أن يكون ذلك للرصد. ومن أعظم ما شاهدناه من عجائبها المنار الذي قد وضعه الله عز وجل على يدي من سخر لذلك آية للمتوسمين وهداية للمسافرين لولاه ما اهتدوا في البحر إلى بر الإسكندرية يظهر على أزيد من سبعين ميلا وبمناه في غاية العتاقة والوثاقة طولا وعرضا يزاحم الجو سموا وارتفاعا يقصر عنه الوصف وينحسر دونه الطرف الخبر عنه يضيق والمشاهدة له تتسع. ذرعنا أحد جوانبه الأربعة فألفينا فيه نيفا وخمسين باعا ويذكر أن في طوله أزيد من مائة وخمسين قامة. وأما داخله فمرآي هائل اتساع معارج ومداخل وكثرة مساكن حتى إن المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربما ضل. وبالجملة لا يحصلها القول والله لا يخليه من دعوة الإسلام ويبقيه. وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه طلعنا إليه يوم الخميس الخامس لذي الحجة المؤرخ وصلينا في المسجد المبارك المذكور. وشاهدنا من شأن مبناه عجبا لا يستوفيه وصف واصف". (رحلة ابن جبير/14). وأضاف " ومن الغريب أيضا في أحوال هذا البلد تصرف الناس فيه بالليل كتصرفهم بالنهار في جميع أحوالهم وهو أكثر بلاد الله مساجد حتى إن تقدير الناس لها يطفف3 فمنهم المكثر والمقلل فالمكثر ينتهى في تقديره إلى اثني عشر ألف مسجد والمقلل ما دون ذلك لا ينضبط فمنهم من يقول ثمانية الاف ومنهم من يقول غير ذلك. وبالجملة فهي كثيرة جدا تكون منها الأربعة والخمسة في موضع وربما كانت مركبة4 وكلها بأئمة مرتبين من قبل السلطان فمنهم من له فوق ذلك ومنهم من له دونه وهذه منقبة كبيرة من مناقب السلطان. إلى غير ذلك مما يطول ذكره من المآثر التي يضيق عنها الحصر". (المصدر السابق/17). الاسكندرية في كتاب خريدة العجائب وفريدة الغرائب لابن الوردي ذكر ابن الوردي" أما الإسكندرية فهي آخر مدن الغرب، وهي على ضفة البحر الشامي وبها الآبار العجيبة والروم الهائلة التي تشهد لبانيها بالملك والقدرة والحكمة. وهي حصينة الأسوار عامرة الديار كثيرة الأشجار غزيرة الثمار؛ وبها الرمان والرطب والفاكهة والعنب، وهي من الكثرة في الغاية، ومن الرخص في النهاية، وبها يعمل من الثياب الفاخرة كل عجيب، ومن الأعمال الباهرة كل غريب، ليس في معمور الأرض مثلها؛ ولا في أقصى الدنيا كشكلها، يحمل منها إلى سائر الأقاليم في الزمن الحادث والقديم، وهي مزدحم الرجال ومحط الرحال ومقصد التجار من سائر القفار والبحار، والنيل يدخل إليها من كل جانب، من تحت أقبية إلى معمروها، ويدور بها وينقسم في دورها بصنعة عجيبة وحكمة غريبة، يتصل بعضها ببعض أحسن اتصال لأن عمارتها تشبه رقعة الشطرنج في المثال. وإحدى عجائب الدنيا فيها وهي المنارة التي لم ير مثلها في الجهات والأقطار، وبين المنارة والنيل ميل واحد وارتفاعه مائة ذراع بالشاشي لا بالساعدي، جملته مائتا قامة إلى القبة. ويقال إنه كان في أعلاها مرآة ترى فيها المراكب من مسيرة شهرة، وكان بالمرآة أعمال وحركات لحرق المراكب في البحر، إذا كان عدواً، بقوة شعاعها. فأرسل صاحب الروم يخدع صاحب مصر ويقول: إن الإسكندر قد كنز بأعلى المنارة كنزاً عظيماً من الجواهر واليواقيت واللعب والأحجار التي لا قيمة لها خوفاً عليها، فإن صدقت فبادر إلى استخراجه، وإن شككت فأنا أرسل لك مركباً موسوقاً من ذهب وفضة وقماش وأمتعة، ولا يقوم، ومكني من استخراجه ولك من الكنز ما تشاء. فانخدع لذلك وظنه حقاً فهدم القبة فلم يجد شيئاً مما ذكر، وفسد طلسم المرآة؛ ونقل أن هذه المنارة كانت وسط المدينة؛ وأن المدينة كانت سبع قصبات متوالية وإنما أكلها البحر ولم يبق منها إلا قصبة واحدة وهي المدينة الآن، وصارت المنارة في البحر لغلبة الماء على قصبة المنارة. ويقال إن مساجدها حصرت في وقت من الأوقات فكانت عشرين ألف مسجد". (خريدة العجائب/82). وأضاف" ذكر الطبري في تاريخه أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما افتتحها أرسل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: قد افتتحت لك مدينة فيها أثنا عشر ألف حانوت تبيع البقل. وكان يوقد في أعلى هذه المنارة ليلاً ونهاراً لاهتداء المراكب القاصدة إليها. ويقولون: إن الذي بنى المنارة هو الذي بنى الأهرام. وبهذه المدينة المثلثان وهما حجران مربعان وأعلاهما ضيق حاد، طول كل واحد منها خمس قامات وعرض قواعدهما في الجهات الأربع كل جهة أربعون شبراً، عليها خط بالسرياني، حكي أنهما منحوتان من جبل برسم الذي هو غربي ديار مصر، والكتابة التي عليهما: أنا يعمر بن شداد، بنيت هذه المدينة حين لا هرم فاش، ولا موت ذريع، ولا شيب ظاهر، وإذا الحجارة كالطين وإذا الناس لا يعرفون لهم رباً، وأقمت أسطواناتها وفجرت أنهارها وغرست أشجارها، وأردت أن أعمل فيها شيئاً من الآثار المعجزة والعجائب الباهرة فأرسلت مولاي البتوت بن مرة العادي ومقدام بن عمرو بن أبي رغان الثمودي خليفة إلى جبل بريم الأحمر، فاقتطعا منه حجرين وحملاهما على أعناقهما فانكسرت ضلع من أضلاع البتوت، فوددت أن أهل مملكتي كانوا فداء له، وهما هذان. وأقامهما إلى القطن بن جارود المؤتفكي في يوم السعادة، وهذه المثلثة الواحدة في ركن البلد من الجهة الشرقية والمثلثة الأخرى ببعض المدينة. ويقال إن المجلس الذي بجنوب المدينة المنسوب إلى سليمان بن داود عليهما السلام، بناه يعمر بن شداد المذكور، وأسطواناته وعضاداته باقية إلى الآن، وهو سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وهو مجلس مربع في كل رأس منه ست عشرة سارية، وفي الجانبين المتطاولين سبع وستون سارية، وفي الركن الشمالي أسطوانة عظيمة ورأسها عليها، وفي أسفلها قاعدة من الرخام مربعة، جرمها ثمانون شبراً، وطولها من القاعدة إلى الرأس تسع قامات، ورأسها منقوش مخروم بأحكم صنعة، وهي مائلة من تقادم الدهور ميلاً كثيراً، لكنها ثابتة، وبها عمود يقال عمود القمر، عليه صورة طير يدور مع الشمس". (المصدر السابق/85).


التهمة الكيدية في حرق عمر الفاروق لمكتبة الإسكندرية - 7

     الاسكندرية في كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي ذكر ياقوت الحموي عن الاسكندرية بعد ان استعرض نشأتها" لأهل مصر بعد إفراط في وصف الإسكندرية وقد أثبتها علماؤهم ودوّنوها في الكتب، فيها وهم، ومنها ما ذكره الحسن بن ابراهيم المصري قال: كانت الإسكندرية لشدّة بياضها لا يكاد يبين دخول الليل فيها إلّا بعد وقت، فكان الناس يمشون فيها وفي أيديهم خرق سود خوفا على أبصارهم، وعليهم مثل لبس الرّهبان السواد، وكان الخيّاط يدخل الخيط في الإبرة بالليل، وأقامت الإسكندرية سبعين سنة ما يسرج فيها ولا يعرف مدينة على عرضها وطولها وهي شطرنجية ثمانية شوارع في ثمانية، قلت: أما صفة بياضها فهو إلى الآن موجود، فإن ظاهر حيطانها شاهدناها مبيّضة جميعها إلّا اليسير النادر لقوم من الصعاليك، وهي مع ذلك مظلمة نحو جميع البلدان. وقد شاهدنا كثيرا من البلاد التي تنزل بها الثلوج في المنازل والصحارى وتساعدها النجوم بإشراقها عليها إذا أظلم الليل أظلمت كما تظلم جميع البلاد لا فرق بينها، فكيف يجوز لعاقل أن يصدّق هذا ويقول به؟ قال: وكان في الإسكندرية سبعة حصون وسبعة خنادق، قال: وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: إني فتحت مدينة فيها اثنا عشر ألف بقّال يبيعون البقل الأخضر وأصبت فيها أربعين ألف يهودي عليهم الجزية. وروي عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم لما ولي مصر وبلغه ما كانت الإسكندرية عليه استدعى مشايخها، وقال:أحبّ أن أعيد بناء الإسكندرية على ما كانت عليه فأعينوني على ذلك وأنا أمدّكم بالأموال والرجال. قالوا: أنظرنا أيها الأمير حتى ننظر في ذلك. وخرجوا من عنده وأجمعوا على أن حفروا ناووسا قديما وأخرجوا منه رأس آدمي وحملوه على عجلة إلى المدينة، فأمر بالرأس فكسر وأخذ ضرس من أضراسه فوجد وزنه عشرين رطلا على ما به من النخر والقدم، فقالوا: إذا جئتنا بمثل هؤلاء الرجال نعيد عمارتها على ما كانت، فسكت. ويقال: إن المعاريج التي بالإسكندرية مثل الدّرج كانت مجالس العلماء يجلسون عليها على طبقاتهم فكان أوضعهم علما الذي يعمل الكيمياء من الذهب والفضة، فإن مجلسه كان على الدّرجة السّفلى. وأما خبر المنارة فقد رووا لها أخبارا هائلة وادّعوا لها دعاوى عن الصدق عادلة وعن الحق مائلة، فقالوا: إنّ ذا القرنين لما أراد بناء منارة الإسكندرية أخذ وزنا معروفا من حجارة ووزنا من آجرّ ووزنا من حديد ووزنا من نحاس ووزنا من رصاص ووزنا من قصدير ووزنا من حجارة الصّوّان ووزنا من ذهب ووزنا من فضة وكذلك من جميع الأحجار والمعادن، ونقع جميع ذلك في البحر حولا ثم أخرجه فوجده قد تغير كله وحال عن حاله ونقصت أوزانه إلّا الزجاج فإنه لم يتغير ولم ينقص، فأمر أن يجعل أساس المنارة من الزجاج، وعمل على رأس المنارة مرآة ينظر فيها الناظر فيرى المراكب إذا خرجت من أفرنجة أو من القسطنطينية أو من سائر البلاد لغزو الإسكندرية، فأضرّ ذلك بالروم فلم يقدروا على غزوها. وكانت فيها حمّة تنفع من البرص ومن جميع الأدواء، وكان على الرّوم ملك يقال له سليمان فظهر البرص في جسمه فعزم الرّوم على خلعه والاستبدال منه، فقال: أنظروني أمض إلى حمّة الإسكندرية وأعود فإن برئت وإلّا شأنكم وما قد عزمتم عليه، قال: وكان فعله هذا من إظهار البرص بجسمه حيلة ومكرا، وإنما أراد قلع المرآة من المنارة ليبطل فعلها، فسار إليها في ألف مركب، وكان من شرط هذه الحمة أن لا يمنع منها أحد يريد الاستشفاء بها، فلما سار إليها فتحوا له أبوابها الشارعة إلى البحر فدخلها، وكانت الحمة في وسط المدينة بإزاء المعاريج التي تجلس العلماء عليها، فاستحم في مائها أياما. ثم ذكر أنه قد عوفي من دائه وذهب ما كان به من بلوائه. ولما أشرف على هذه الحمة وما تشفي من الأدواء وكان قد تمكّن من البلد بكثرة رجاله، قال: هذه أضرّ من المرآة. ثم أمر بها فغوّرت وأمر أن تقلع المرآة ففعل وأنفذ مركبا إلى القسطنطينية وآخر إلى أفرنجة وأمر من أشرف على المنارة ونظر إلى المركبين إذا دخلا القسطنطينية وأفرنج وخرجا منها فأعلم أنهما لما بعدا عن الإسكندرية يسيرا غابا عنه، فعاد إلى بلاده وقد أمن غائلة المرآة. وقيل: إن أول من عمر المنارة امرأة يقال لها( دلوكة بنت ريّا)، وسيأتي ذكرها في هذا الكتاب في حائط العجوز وغيره. وقيل: بل عمرتها ملكة من ملوك الرّوم، يقال لها (قلبطرة،) وهي في زعم بعضهم التي ساقت الخليج إلى الإسكندرية حق جاءت به إلى مدينتها، وكان الماء لا يصل إلّا إلى قرية يقال لها كسا، والأخبار والأحاديث عن مصر وعن الإسكندرية ومنارتها من باب حدّث عن البحر ولا حرج، وأكثرها باطل وتهاويل لا يقبلها إلّا جاهل، ولقد دخلت الإسكندرية وطوّفتها فلم أر فيها ما يعجب منه إلّا عمودا واحدا يعرف الآن بعمود السّواري تجاه باب من أبوابها يعرف بباب الشجرة، فإنه عظيم جدا هائل كأنه المنارة العظيمة، وهو قطعة واحدة مدوّر منتصب على حجر عظيم كالبيت المربّع قطعة واحدة أيضا وعلى رأس العمود حجر آخر مثل الذي في أسفله، فهذا يعجز أهل زماننا عن معالجة مثله في قطعه من مقطعه وجلبه من موضعه ثم نصبه على ذلك الحجر ورفع الآخر إلى أعلاه ولو اجتمع عليه أهل الإسكندرية بأجمعهم، فهو يدل على شدة حامليه وحكمة ناصبية وعظمة همة الآمر به. وحدثني الوزير الكبير الصاحب العالم جمال الدين القاضي الأكرم أبو الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم الشيباني القفطي، أدام الله أيّامه، ثم وقفت على مثل ما حكاه سواء في بعض الكتب وهو كتاب ابن الفقيه وغيره: أنّه شاهد في جبل بأرض أسوان عمودا قد نقر وهندم في موضعه من الجبل طوله ودوره ولونه مثل هذا العمود المذكور، كأن المنية عاجلت بالملك الذي أمر بعمله فبقي على حاله. قال أحمد بن محمد الهمذاني: وكانوا ينحتون السواري من جبال أسوان وبينها وبين الإسكندرية مسيرة شهر للبريد ويحملونها على خشب الأطواف في النيل، وهو خشب يركّب بعضه على بعض وتحمل الأعمدة وغيرها عليه، وأما منارة الإسكندرية فقد قدمنا إكثارهم في وصفها ومبالغتهم في عظمها وتهويلهم في أمرها وكل ذلك كذب لا يستحيي حاكيه ولا يراقب الله راويه، ولقد شاهدتها في جماعة من العلماء وكلّ عاد منا متعجبا من تخرّص الرّواة، وذلك إنما هي بنيّة مربّعة شبيهة بالحصن والصّومعة مثل سائر الأبنية، ولقد رأيت ركنا من أركانها وقد تهدّم فدعمه الملك الصالح ابن رزيك أو غيره من وزراء المصريين، واستجدّه فكان أحكم وأتقن وأحسن من الذي كان قبله، وهو ظاهر فيه كالشامة لأن حجارة هذا المستجدّ أحكم وأعظم من القديم وأحسن وضعا ورصفا، وأما صفتها التي شاهدتها فإنها حصن عال على سنّ جبل مشرف في البحر في طرف جزيرة بارزة في ميناء الإسكندرية، بينها وبين البرّ نحو شوط فرس وليس إليها طريق إلّا في ماء البحر الملح، وبلغني أنه يخاض من إحدى جهاته الماء إليها، والمنارة مربّعة البناء ولها درجة واسعة يمكن الفارس أن يصعدها بفرسه، وقد سقفت الدرج بحجارة طوال مركبة على الحائطين المكتنفين الدّرجة فيرتقى إلى طبقة عالية يشرف منها على البحر بشرافات محيطة بموضع آخر، كأنه حصن آخر مربّع يرتقى فيه بدرج أخرى إلى موضع آخر، يشرف منه على السطح الأول بشرفات أخرى، وفي هذا الموضع قبة كأنها قبة الديدبان وليس فيها، كما يقال، غرف كثيرة ومساكن واسعة يضل فيها الجاهل بها، بل الدرجة مستديرة بشيء كالبئر فارغ، زعموا أنه مهلك وأنه إذا ألقي فيها الشيء لا يعرف قراره، ولم أختبره والله اعلم به، ولقد تطلّبت الموضع الذي زعموا أن المرآة كانت فيه فما وجدته ولا أثره، والذي يزعمون انها كانت فيه هو حائط بينه وبين الأرض نحو مائة ذراع أو أكثر، وكيف ينظر في مرآة بينها وبين الناظر فيها مائة ذراع أو أكثر، ومن أعلى المنارة؟ فلا سبيل للناظر في هذا الموضع، فهذا الذي شاهدته وضبطته وكلّ ما يحكى غير هذا فهو كذب لا أصل له. وذكر ابن زولاق أنّ طول منارة الإسكندرية مائتا ذراع وثلاثون ذراعا وأنها كانت في وسط البلد وإنما الماء طفح على ما حولها فأخربه وبقيت هي لكون مكانها كان مشرفا على غيره. وفتحت الإسكندرية سنة عشرين من الهجرة في أيام عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على يد عمرو بن العاص بعد قتال وممانعة، فلما قتل عمر وولي عثمان، رضي الله عنه، ولّى مصر جميعها عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاع، فطمع أهل الإسكندرية ونقضوا، فقيل لعثمان: ليس لها إلا عمرو بن العاص فإن هيبته في قلوب أهل مصر قوية. فأنفذه عثمان ففتحها ثانية عنوة وسلمها إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وخرج من مصر، فما رجع إليها إلا في أيام معاوية". (معجم البلدان1/186ـ 187). الاسكندرية في كتاب آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني (توفي عام 682 هـ) ذكر القزويني" هي المدينة المشهورة بمصر، على ساحل البحر. اختلف أهل السير في بانيها: فمنهم من ذهب إلى أن بانيها الإسكندر الأول، وهو ذو القرنين (اشك بن سلوكوس الرومي)، الذي جال الأرض وبلغ الظلمات ومغرب الشمس ومطلعها، وسد على يأجوج ومأجوج كما أخبر الله تعالى عنه، وكان إذا بلغ موضعاً لا ينفذ اتخذ هناك تمثالاً من النحاس ماداً يمناه مكتوباً عليها: ليس ورائي مذهب. ومنهم من قال بناها الإسكندر بن دارا ابن بنت الفيلسوف الرومي، شبهوه بالإسكندر الأول لأنه ذهب إلى الصين والمغرب ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة، والأول كان مؤمناً والثاني كان على مذهب أستاذه أرسطاطليس، وبين الأول والثاني دهر طويل. قيل: إن الإسكندر لما هم ببناء الإسكندرية، وكانت قديماً من بناء شداد بن عاد كان بها آثار العمارة والأسطوانات الحجرية، ذبح ذبائح كثيرة للقرابين، ودخل هيكلاً كان لليونانيين وسأل ربه أن يبين له أمر هذه المدينة هل يتم أم لا؟ فرأى في منامه قائلاً يقول له: إنك تبني هذه المدينة ويذهب صيتها في الآفاق، ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم، وتختلط الرياح الطيبة بهوائها ويصرف عنها السموم، ويطوى عنها شدة الحر والزمهرير ويكعم عنها الشرور حتى لا يصيبها من الشياطين خبل، وان جلبت الملوك إليها جنودهم لا يدخلها ضرر. فأتى الإسكندر موضعها وشاهد طيب هوائها وآثار العمارة القديمة وعمداً كثيرة من الرخام، فأمر بحث الصناع من البلاد وجمع الآلة واختيار الوقت لبنائها، فاختاروا وقتاً وعلقوا جرساً حتى إذا حرك الجرس الصناع، يضعون البناء من جميع أطرافها في وقت واحد، فإذا هم مترقبون طار طير وقع على الجرس فحركه فوضعوا البناء. قيل ذلك للإسكندر فقال: أردت طول بقائها وأراد الله سرعة خرابها، ولا يكون إلا ما أراد الله فلا تنقضوها. فلما ثبت أساسها وجن الليل خرجت من البحر دابة وخربت ما بنوا، فلم يزل يحكمها كل يوم ويوكل بها من يحفظها، فأصبحوا وقد خربت. فأمر الإسكندر باتخاذ عمد عليها طلسم لدفع الجن، فاندفع عنها أذيتهم. قال المسعودي" الأعمدة التي للطلسم عليها صور وأشكال وكتابة باقية إلى زماننا، كل عمود طوله ثمانون ذراعاً، عليها صور وأشكال وكتابة، فبناها الإسكندر طبقات تحتها قناطر بحيث يسير الفارس تحتها مع الرمح. وكان عليها سبعة أسوار، وهي الآن مدينة كثيرة الخيرات، قال المفسرون: كانت هي المراد من قوله تعالى: وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً. وكان بها يوم الزينة واحتجاج موسى والسحرة. وكان موسى قبل الإسكندر بأكثر من ألف سنة. بها مجلس سليمان، عليه السلام؛ قال الغرناطي: إنه خارج الإسكندرية، بنته الجن منحوتاً من الصخر بأعمدة الرخام لا مثل لها، كل عمود على قاعدة من الرخام وعلى رأسه مثل ذلك، والرخام أبيض منقط بحمرة وسواد مثل الجزع اليماني، طول كل عمود ثلاثون ذراعاً ودورته ثمانية أذرع، وله باب من الرخام وعتبته وعضادتاه أيضاً من الرخام الأحمر الذي هو أحسن من الجزع، وفي هذا المجلس أكثر من ثلاثمائة عمود كلها من جنس واحد وقد واحد، وفي وسط هذا المجلس عمود من الرخام على قاعدة رخامية، طوله مائة وإحدى عشرة ذراعاً ودوره خمسة وأربعون شبراً، إني شبرتها بشبري. ومن عجائبها عمود يعرف اليوم بعمود السواري قريب من باب الشجرة من أبواب الإسكندرية، فإنه عظيم جداً كأنه منارة عظيمة، وهو قطعة واحدة منتصب على قاعدة من حجر عظيم مربع، وعلى رأسه حجر آخر مثل القاعدة كأنه بيت، فإن تحت ذلك من مقطعه وانتصابه ورفع الحجر الفوقاني على رأسه يدل على أن فاعليه كانوا في قوة شديدة، وكانوا بخلاف أهل زماننا. ومن عجائبها ما ذكر أبو الريحان في الآثار الباقية ان بالإسكندرية اسطوانة متحركة، والناس يقولون إنها تتحرك بحركة الشمس، وإنما قالوا ذلك لأنها إذا مالت يوضع تحتها شيء، فإذا استوت لا يمكن أخذها، وإن كان خزفاً أو زجاجاً يسمع تقريعه، وكانت الإسكندرية مجمع الحكماء، وبها كان معاريجهم مثل الدرج، يجلس عليها الحكماء على طبقاتهم فكان أوضعهم علماً الذي يعمل الكيمياء، فإن موضعه كان على الدرجة السفلى. ومن عجائبها المنارة أسفلها مربع من الصخر المنحوت، وفوق ذلك منارة مثمنة، وفوق المثمنة منارة لطيفة مدورة، طول الأولى تسعون ذراعاً، والمثمنة مثل ذلك، وطول اللطيفة المدورة ثلاثون ذراعاً، وعلى أعلى المنارة مرآة وعليها موكل ينظر إليها كل لحظة، فإذا خرج العدو من بلاد الروم وركب البحر، يراه الناظر في المرآة ويخبر القوم بالعدو فيستعدون لدفعه. وكانت المرآة باقية إلى زمن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فأنفذ ملك الروم شخصاً من خواصه ذا دهاء، فجاء إلى بعض الثغور وأظهر أنه هارب من ملك الروم ورغب في الإسلام، وأسلم على يد الوليد بن عبد الملك واستخرج له دفائن من أرض الشام. فلما صارت تلك الأموال إلى الوليد شرهت نفسه فقال له: يا أمير المؤمنين إن ههنا أموالاً ودفائن للملوك الماضية. فسأله الوليد عن مكانه فقال: تحت منارة الإسكندرية، فإن الإسكندر احتوى على أموال شداد بن عاد وملوك مصر والشام فتركها في آزاج وبنى عليها المنارة. فبعث الوليد معه قوماً لاستخراجها فهم نقضوا نصف المنارة وأزيلت المرآة، فضجت الناس من أهل الإسكندرية. فلما رأى العلج ذلك وعلم أن المرآة أبطلت هرب بالليل في مركب نحو الروم وتمت حيلته. والمنارة في زماننا حصن عال على نيق جبل مشرف على البحر في طرف جزيرة، بينها وبين البر نحو شوط فرس، ولا طريق إليها إلا في البحر المالح، وهي مربعة ولها درج واسعة يصعدها الفارس بفرسه. وقد سقفت الدرج بحجارة طوال مركبة على الحائطين المكتنفين للدرجة، فترتقي إلى طبقة عالية مشرفة على البحر بشرفات محيطة، وفي وسطه حصن آخر يرتقى إليه بدرجة أخرى فيصعد إلى طبقة أخرى لها شرفات، وفي وسطها قبة لطيفة كأنها موضع الديدبان. وحكي أن عبد العزيز بن مروان لما ولي مصر جمع مشايخها وقال: إني أريد أن أعيد بناء الإسكندرية إلى ما كانت. فقالوا: انظرنا حتى نتفكر. فقال: أعينوني بالرجال وأنا أعينكم بالمال. فذهبوا إلى ناووس وأخرجوا منه رأس آدمي وحملوه على عجلة ووزنوا سناً من أسنانه فوجودها عشرين رطلاً على ما بها من النخر والقدم، فقالوا: جئنا بمثل هؤلاء الرجال حتى نعيدها إلى ما كانت. فسكت. بها عين مشهورة بعين الإسكندرية، فيها نوع من الصدف يوجد في كل وقت لا يخلو منه في شيء من الأوقات، يطبخ وتشرب مرقته تبريء من الجذام. والله الموفق". (آثار البلاد وأخبار العباد/ 143ـ147). نقد الرواة والروايات السابقة كما نوهنا اعتمد المؤرخون العرب ومن بعدهم الغربيون في دعوى حرق المسلمين مكتبة الاسكندرية على الرواة المذكورين في أدناه، وسوف نناقش وضع الكاتب ومدى صحة الرواية لكل منهم على حدة لتسنى لنا معرفة ميوله واتجاهاته، ونستشف من خلالها مدى مصداقيته، على أقل تقدير بما يتعلق بالكتاب الذي تضمن حادثة حرق مكتبة الإسكندرية. ولأن المصدر الرئيس للحادثة ورد في رحلة، فلا بد من الإشارة إلى أنه في أدب الرحلات توجد مناهج معتمدة في العمل أهمها: أ. منهج المشاهدة والرؤية العينية للرحالة فيما يتعلق بمشاهداته لأحداث ووقائع عاصرها في الأمصار التي زارها ولقاءاته مع الناس وتدوينها وفق التسلسل الزمني لزياراته المدن كرحلة ابن بطوطة، او حسب التوزيع الإقليمي او الجغرافي للأقاليم السبعة كالمسالك والممالك لابن خرداذبة، او وفقا لحروف الهجاء كمراصد الاطلاع لصفي الدين البغدادي، او حسب التضاريس الأرضية كمسالك الأبصار في ممالك الأمصار لشهاب الدين العمري. ب: منهج الرواية والنقل عن الرحالة الذين سبقوه في رحلته الى نفس الأماكن، وهذا ما تجده من خلال تكرار الحوادث والأحاديث كما في كتاب الروض المعطار في خبر الأقطار لأبي عبد الله محمد الحميري الذي لم يقم بأية رحلة للأمصار التي تحدث عنها في كتابه وإنما نقلا عن غيره. وهناك من ينقل ويشير الى المصدر والسند، وهناك من ينقل الرواية دون الإشارة الى المصدر او السند. على سبيل المثال: قال الادريسي" جزيرة القمر (من اعمال الهند) وبينهما مجرى سبعة أيام وهي جزيرة طويلة وملكها يسكن منها مدينة ملاي ويقول أهل هذه الجزيرة إن طولها مارّا مع المشرق أربعة أشهر أولها في الدبيحات وآخرها يعارض جزائر الصين في جهة الجنوب وملكها لا يحجبه ولا يقوم بخدمته في طعامه وشرابه وجميع أوامره إلا المخنثون يلبسون الثياب النفيسة من الحرير الصيني والعراقي وفي يمين كل واحد منهم سوار ذهب واسم السوار عندهم بلغة الهند اللكنكو ويسمون هؤلاء المخنثين التنبابة وهم يتزوجون الرجال عوضا من النساء ويخدمون الملك بالنهار ويرجعون بالليل إلى أزواجهم". ( نزهة المشتاق /71). وقال الحميري" ملاي: مدينة من جزيرة القمر من جزر الهند، وملكها لا يحجبه ولا يقوم بخدمته في طعامه وشرابه إلا المخنثون يلبسون الثياب النفيسة من الحرير الصيني والعراقي، وفي يمنى كل واحد منهم سوار ذهب، وهؤلاء المخنثون يتزوجون الرجال في عوض النساء، ويخدمون الملك بالنهار ويرجعون بالليل إلى أزواجهم". ( الروض المعطار1/546). ج. النقل عن الآخرين من الزوار والتجار واهل البلد من خلال سماع ما يذكروه من أحداث واحاديث قديمة او حديثة بالنسبة لزمانهم، قال العمري عن الهند قبل تأليف كتابه " كنت أسمع الأخبار الطائحة والكتب المصنفة، ما يملأ العين والسمع، وكنت لا أقف على حقيقة أخبارها، لبعدها منا، وتنائي ديارها عنا". ( مسالك الابصار 3/39). وعادة يتخذ الرحالة احد المواقف التالية التي تتجسد بوضوح في مشاهداته:ـ اولا. الأخذ بالرواية كاملة، والثقة بمن تحدث بها سواء كان الرحالة على صلة وثيقة به او مجرد معرفة وقتية بالراوي دون ان يقارنها بغيرها من الروايات او يتحقق من صحتها من الناس. ثانيا. رفض الرواية تماما بعد عرضها، لأنها تتنافى مع الواقع والمنطق والعقل السليم، كما ورد في تصويبات ابن حوقل لكثير من المشاهدات والأحداث في كتابه صورة الأرض. ثالثا. التأكد من الخبر عن طريق التجربة الذاتية، وهذا ما فعله ابن حوقل والعمري بعد أن باشرا في تدوين مشاهداتهما، فقد ذكر العمري" فلما شرعت في تأليفي هذا الكتاب، تتبعت ثقاة الرواة، ووجدت أكثر مما كنت أسمع وأجل مما كنت أظن وعادة كنت أسأل الرجل عن بلاده، ثم أسأل الآخر والآخر لأقف على الحق، فما اتفقت عليه أقوالهم، وتقاربت فيه أثبته، وما اختلفت فيه أقوالهم أو اضطربت تركته، ثم أنزل الرجل المسؤول مدة أناسيه فيها عما قال، ثم أعيد عليه السؤال عن بعض ما كنت سألت، فإن ثبت على قوله الأول، أثبت مقاله، وإن تزلزل أذهبت في الريح أقواله، كل هذا لأتروى في الرواية، وأتوثق في التصحيح". ( مسالك الابصار3/31). وهنا لابد من التأكيد مرة أخرى على ناسخ الكتاب ومدى نزاهته وكفاءته وأمانته في نقل الكتاب دون تحريف النصوص زيادة أو نقصانا أو نشويها وفقا لميوله الشخصية أو للحصول على امتيازات ما، على سبيل المثال كان ناسخ كتاب مسالك الابصار للعمري، شيعيا لذا فهو يضيف من عنده صفة "عليه السلام" عقب أي ذكر لأي من أئمة الشيعة حصرا دون غيرهم، وهذا لا يمكن أن يكون من المؤلف فهو عمري، وينتسب إلى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، ولا يُعقل ان لا يترضى عليهم عند ذكر اسمائهم. تقي الدين المقريزي يعتبر المقريزي شيخ المؤرخين المصريين وتتلمذ على يدية الكثير، وعُرف عنه التدقيق في الروايات التأريخية، والتحقق منها، والإشارة الى التفاصيل الدقيقة. لكن من المؤسف ان يقع المقريزي في الفخ الشعوبي بهذه السهولة، فقد نقل عن البغدادي الرواية بلا سند وتحقيق، رواها كما هي على علتها دون أن ينقدها كمؤرخ له ثقله ومكانته الكبيرة ويتبين مدى صحتها، سيما إنه مواطن مصري ويفترض أن يكون على دراية تامة بتأريخ أمته، لا يأخذ الأمور المهمة على عماها دون تحقيق وتحليل. وقد نقل عن المقريزي المؤرخ (لانجل) في كتابه فتوح الإسكندرية دون أن يشير الى حريق المكتبة. ويلاحظ ان المقريزي لم يعاصر الفتح الإسلامي لمصر وإنما نقل الأحداث عن غيره. جاء في كتابه (المواعظ والآثار) الآتي حول عمود السواري بالإسكندرية" وفيه خزانة كتب أحرقها عمرو بن العاص بإشارة من عمر بن الخطاب رضى الله عنه". لاحظ أنها نفس العبارة بالضبط استقاها من البغدادي على علاتها، وبخلاف ما اتبعه في معظم رواياته التأريخية. وهذا أمر يدعو للأسف لأنه مصري وأعرف من غيره ـ أو يفترض به هكذا ـ بحوادث بلاده. د. حاجي خليفة وهو عثماني موسوعي حجة في الفهرسة والتصنيف وأشهر كتبه (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) التي جمع فيها حوالي (18000) عنوانا للكتب، معظمها اطلع عليها بنفسه كما إدعى. والرجل يعد ثقة في الفهرسة ومعرفة الكتب، وليس كمؤرخ. وقد نقل رواية البغدادي دون سند، ويلاحظ ان عاش في زمن بعيد جدا عن الأحداث. لذا فأن روايته لا يؤخذ بها لأنه نقلها على عماها. الحقيقة ان كتابه رغم أهميته فيه الكثير من الأخطاء والتناقضات، لأنه يأخذ الرواية عن الناسخ والكثير من النساخ لا يلتزمون بضبط النسخ لأسباب عفوية أو مقصودة، لذا نجد اختلاف النسخ للكتاب الواحد، ويعتمد المحققون على عدة نسخ لضبط تحقيقهم. مثلا قال حاجي عند ذكر الإمتاع والمؤانسة" إن التوحيدي توفي سنة 380 وقال حين ذكر عنه في المقابسات" المتوفى بعد سنة أربعمائة تقريباً "، فأين الحقيقة ؟ وهناك أخطاء كثيرة في كتابه لسنا بصددها.


التهمة الكيدية في حرق عمر الفاروق لمكتبة الإسكندرية - 8

     عبد اللطيف البغدادي هو رحالة عراقي وحكيم ونحوي وعارف بالنبات والحيوان والتشريح، والفقه والأدب وعلوم القرآن والأدوية والروحانيات والكلام والفلك والفرق والبلاغة والسياسة والطبيعة والأحجار الكريمة والنفس والحواس والفلسفة والمنطق وغيرها العلوم مع إنه يقول" أياك أن تشتغل بعلمين دفعة واحدة وواظب على العلم الواحد". (عبد اللطيف/40). كما يقال ينصح الناس وينسى نفسه! ذكر المستشرق "ماكس مايرهوف" في كتابه (تراث الإسلام) بأن" البغدادي رحل من بغداد إلى القاهرة ليرى كبار العلماء وأرض مصر، كما وصف المجاعات والزلازل التي حدثت فيها. وقدم البغدادي معلومات نفيسة عن خواص العظام بعد دراسة لها في مقبرة قديمة تقع شمال غربي القاهرة، وراجع وصحح وصْفَ جالينوس لعظم الفك الأسفل وعظم العجز". لهذا يمكن الجزم بأن البغدادي ليس بمؤرخ. كما إنه في رحلته لم يراجع أو يصحح كتب جالينوس، بل تمنى ذلك! فقد ذكر البغدادي" وليت مكَّنتنا المقادير بالمساعدة ووضَعنا مقالةً في ذلك تحكي فيما شاهدناه وما علمنا من كتب جالينوس". ( الإفادة والاعتبار/61). كما هو معروف أن كتب الرحالة تحتوي على الكثير من الأخطاء التأريخية سيما في تسميات الأشخاص، والأماكن، وتفاصيل الحوادث، وتواريخها. فإذا قرأت كتاب عن مدينة ما، ستجد بعض الأسماء والتفاصيل تختلف في كتاب آخر، ولو بشكل محدود، بسبب اختلاف المشاهدات من قبل الراوي وتأريخ الرحلة واختلاف مصادر معلوماته. أدب الرحلات هو أحد فنون الأدب وليس التأريخ، ويتضمن وصف ومشاهدات الرحالة، وهو أقرب للجغرافية منه للتأريخ ويتضمن غالبا أمورا تتعلق بآداب الشعوب وثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، ونبذ عن النباتات والأعشاب والحيوانات، وقد يتطرق الرحالة إلى الأنساب والعشائر. يفترض بالرحالة أن ينقل مشاهداته وما عايشه ومرٌ به من حوادث، وليس حوادثا لا علاقة لها برحلته، بل سبقت ولادة الرحالة نفسه بقرون، وإن تحدث لسبب ما، عليه أن يذكر سند روايته ليعرف القارئ مصدرها ويحكم عليها. عاش البغدادي في القرن السابع الهجري أي بعد وقوع الحادثة المزعومة بأكثر من ستة قرون، كتب رحلته عام (600 هـ). وهو لا يذكر سند الرواية وممن سمعها أو استقاها، سيما ان المؤرخين القدامى العرب والأجانب والرحالة أيضا لم يشيروا إليها بتاتا. والكثير من المعلومات الواردة في رحلته يقول عنها حدثني احدهم، او حدثني بعض الثقاة، وجميعهم نكرة، لا أحد يعرفهم! أمثلة على ذلك: في حديثه عن عمود السواري في الإسكندرية أيضا بقوله" خبرني بعض الثقاة إنه قاس دوره فكان خمسا وسبعين شبرا". (كتاب الإفادة والاعتبار/94)، ثم يستمر في تكملة الخبر. وينقل البغدادي عن أحدهم دون ان يسميه" إِّني لأذكر في سنة تسعين ومائتين أنّ الشهب بمصر انتثرت وعمّت الجوَّ بأسره، فارتاع الناس ولم تزل تكثر فلم يمضِ لذلك جزءٌ من السنة يسير، حتى ظمئ الناس وبلغ نِيل مصر ثلاث عشرة ذراعا واضطربَ الناس اضطراباً، زالت به دولة الطولوني من مصر وانتشرت في سنة ثلاثمائة من سائر جهات الجو فنقص النيل أيضا ووقعت همرجات واضطرابٌ في المملكة، وهذه لعمري دلائل قوية ولكنّها عامة لجميع الأقاليم وليست خاصة بمصر فقط، على أنه أيضا قد وقع هذا الحادث بعينه في سنتنا هذه من تناثُرِ الكواكب في أوَّلها ونشيش الماء في آخرها". ( الإفادة والاعتبار /48). كذلك قوله" مما شاع أيضا نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم، وهذه البلية التي شرحناها وجدت في جميع بلاد مصر ليس فيها بلد إلّا وقد أكل فيه الناس أكلا ذريعا من أسوان وقوص واليوم والمحلة والإسكندرية ودمياط وسائر النواحي، وخبرني بعض أصحابي وهو تاجر مأمون حين ورد من الإسكندرية بكثرة ما عاين بها من ذلك، وأعجب ما حكى لي أنه عاين أرؤس خمسة صغارٍ مطبوخة في قدر واحدة بالتوابل الجيدة". ( الإفادة والاعتبار/52). وذكر" حكى لنا رجل أنه كان له صديق أدقع في هذه النازلة فدعاه صديقه هذا إلى منزله ليأكل عنده على ما جرت به عادتهما قبل، فلما دخل منزله وجد عنده جماعة عليهم رثاثة الفقر وبين أيديهم طبيخٌ كبير اللحم وليس معه خبز، فرابه ذلك وطلب المرحاض فصادف عنده خزانة مشحونة برمم الآدمي وباللّحم الطري فارتاع وخرج فارّاً. وظهر من هؤلاء الخُبثاء من يصيد الناس بأصناف الحبائل ويجلبونهم إلى مكانهم بأنواع المخاتل، وقد جرى ذلك لثلاثة من الأطبّاء ممّن ينتابني، أما أحدهم فإنّ أباهُ خرج فلم يرجع، وأما الآخر فإنّ امرأةً أعطته درهمين على أن يصحبها إلى مريضِها، فلما توغّلت به. ضايقَ الطرق استرابَ وامتنعَ عنها وشنّع عليها فتركت درهميها، وأما الثالث فإنّ رجلاً استصحبه إلى مريضه في الشارع بزعمه، وجعل في أثناء الطريق يصدف بالكسر ويقول اليوم يُغتنم الثوابُ ويتضاعفُ الأجرُ ولمثل هذا فليعمل العاملون، ثم كثر حتّى ارتاب منه الطبيب ومع ذلك فحسن الظن بقلبه وقوة الطمع تجذبه، حتى أدخله داراً خرِبة فزاد استشعاره وتوقّف في الدرج وسبق الرجل فاستفتح، فخرج اليه رفيقه يقول له: هل مع إبطائك حصل صيد ينفع، فخرج الطبيب لما سمع ذلك، وألقى نفسه إلى إصطبل من طاقة صادفها السعادة فقام إليه صاحب الإصطبل يسأله عن قضيته فأخفاها عنه خوفا منه أيضا، فقال: قد علمت حالك فإنّ أهل هذا المنزل يذبحون الناس بالحيل". ( الإفادة والاعتبار/52). لاحظ الأخطاء اللغوية! وقوله عن حوادث سنة خمس وتسعين وخمسمائة" حُكي لي أنه كان بمصر تسعمائة منسجٍ للحُصُر، فلم يبق إلّا خمسة عشر منسجا، وقِس على هذا سائر ما جرت العادة أن يكون بالمدينة من باعةٍ وخبازين وعطّارين وأساكفة وخيّاطين وغير ذلك من الأصناف، فإنه لم يبق من كلّ صنفٍ من هؤلاء إلّا نحو ما بقي من الحصريين أو أقل من ذلك". ( المصدر السابق/57). وقوله" حكي لي أن رجلا مصريا شارف الفقر فأُلهِم أن اشترى من الشام دجاجا بستين دينارا، وباعها بالقاهرة على القماطين بنحو ثمانمائة دينار". ( المصدر السابق /57). وقوله" سمعنا من الثقات عن الإسكندرية أن الإمام صلَّى يوم الجمعة على سبعمائة جنازة، وأن تركةً واحدة انتقلت في مدة شهر إلى أربعة عشر وارثا". ( المصدر السابق/57). وهكذا يستمر في أحاديثه الأخرى! بمعنى إنه الأصل في كلامه أن خبره الثقاة! لكن من هم الثقاة؟ وكيف نعرف إنهم حقا ثقاة؟ هل لأنه اعتقد بهذا الرأي، يلزمنا بقبول رأيه؟ ثم ما هو معياره في الحكم على الثقاة وهو رحالة لم يتعرف عليهم إلا خلال رحلته، ويرحل عنهم متنقلا الى مكان آخر بعد مضي فترة قصيرة؟ هذا كلام عبثي يتنافى مع الطرح العلمي والمنطق السليم. بل هو نفسه يعارضه! فهو يقول في كتابه (شرح تقدمة المعرفة) بأن" كل واضع كتاب علمي على جهة معدلة، فقصده تسهيله على المتعلم بثلاثة أوجه؛ الأول: أن يجتنب اللفظ الوحشي والملبس والمغلطة ويجتهد أن يصور المعنى في نفس المتعلم بغاية الإمكان. والثاني: أن يثبت الرأي بالحجج الممكنة والأدلة الواضحة، والثالث: أن يرتب الموضوع ترتيبًا يسهل حفظه ولا يصعب ضبطه". فهل فعل ذلك في رحلته؟ قال فارس الشدياق" إنها مصر الأمصار ومدينة المدن وعاصمة العواصم وشيء الأشياء إلى آخره. وما أدري فرق ذلك وكيف كان فيها مدينة غاصة باللذات السائغة متدفقة بالشهوات السابغة توافق المحرورين من الرجال خلافا لما قاله عبد اللطيف البغدادي. يجد بها الغريب ملهى وسكناً وينسى عندها أهلا ووطنا ومن خواصها أن ما يذهب من أجسام رجالها يدخل في أجسام نسائها فترى فيها النساء سمانا كالأقط بالسمن على الجوع والرجال كالحشف بالشيرج على الشبع، ومنها أن أسواقها لا تشبه رجالها البتة. فإن لأهلها لطافة وظرافة وأدبا وكياسة وشمائل مرضية وأخلاقاً زكية وأسواقها عارية عن ذلك رأسا".( الساق على الساق/89). كما قال البغدادي" إن ما تراه أعيننا أصدق بكثير مما نقرأه"، لكنه لم يطبقها على نفسه في موضوع حريق مكتبة القاهرة. ربما سمعها من عوام المصريين، فهو ينقل أحيانا ما يسمعه دون أن يتحقق منه. قال ابن ابي أصيبعة عنه " ألف الشيخ موفق الدين في ذلك كتاباً ذكر فيه أشياء شاهدها أو سمعها ممن عاينها تذهل العقل، وسمى ذلك الكتاب كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر". (عيون الأنباء في طبقات الأطباء). هذا بعض مما ورد في رحلته من غرائب لا تتوافق مع العقل والمنطق: ذكر بأن بعض الناس أخبروه" إن شجرة الموز في الأصل مركب من قلقاس ونوى النخيل، تجعل النواة في جوف القلقاس وتغرس، وان كان القول ساذجا من دليل يشهد له، فالحس يسوغه". (كتاب الإفادة والاعتبار/71). فهو يعتمد الحس بدلا عن التجربة وهذه مثلبة وهو كما يفترض عالم بالنبات! كما إنه خلط بين القلقاس والزنجبيل فاعتبرهما واحدا مع اختلاف حجم الورق كأبسط فرق! ومن عجيب ما ذكره: إن حمير مصر فارهة جدا وتركب بالسروج وقد تسبق في جريها الخيول والبغال النفيسة". (كتاب الإفادة والاعتبار/83) ومما قاله" التمساح حيوان مائي في الأصل لكنه يعيش في البر ويبيض في البر فيكون منه السقنور. الأسقنقور من نتاج التمساح". (المصدر السابق /85). ويضيف عبد اللطيف البغدادي" الاسقنقور ويكون بالصعيد وبأسوان كثيرا ويكون من نتاج التمساح في البر، وهو صنف من الورل، بل هو ورَلٌ إلّا أنه قصير الذنب". ( المصدر السابق/20). وفي حين أن السنقور والتمساح حيوانان مختلفان. كما أعتبر الصابئة من النصارى بقوله" لما كان النصارى معظمهم وجمهورهم أقباطا وصابئة، نزعوا إلى الأصل ومالوا إلى سنَّةِ آبائهم القديمة في اتخاذ التصاوير في بِيَعِهم وهياكل عبادتهم وبالغوا في ذلك وتفنَّنوا فيه، وربّما ترامَوا في الجهالة حتى يصوِّروا إلهَهُم والملائكةُ حوله بزعمِهم". (المصدر السابق/34). وهذا خطأ لا يُغتفر! ومن عجائب ما ذكره" أخبّرني الثقةُ (من المصريين) أنهم بينما كانوا يتقفّون المطالب عند الأهرام، صادفوا دنّاً مختوماً فقضوه فإذا به عسل، فأكلوا منه فعلق في إصبع أحدهم شعر فجذبه فظهر له صبي صغير متماسك الأعضاء رطب البدن عليه شيء من الحُلي والجوهر". (المصدر السابق /35). هل يوجد عسل يبقى آلاف السنين على حالة؟ ويبقى الجسم البشري فيه طريا! وحديث آخر عن السلحفاة جاء فيه " الترسة وهي سلحفاة عظيمة وزنها نحو أربعة قناطير، ورأيتها بالإسكندرية يُقطع لحمها ويباع كلحم البقر. وفي لحمها ألوان مختلفة ما بين أخضر وأحمر وأصفر وأسود وغير ذلك من الألوان، وتخرج من جوفها نحو أربعمائة بيضة". (المصدر السابق/22). من المعروف أن عدد البيض عند السلحفاة، تتراوح ما بين 1 ـ 30 بيضة بشكل عام تفقس ما بين 50 ـ120 يوما. وعن سمك السرب قال عبد اللطيف البغدادي" وهي سمكة تُصاد من بحر الإسكندرية يحدث لأكلها أحلام ردية مفزعة، ولا سيما الغريب ومن لم يعتدها". ( الإفادة والاعتبار/22). وعن فرس البحر قال" خبرني من اصطاد فرس البحر مرات وشقها وكشف عن أعضائها الباطنة والظاهرة أنه خنزير كبير وأن أعضاءها الباطنة والظاهرة، لا تغادر من صورة الخنزير شيئا إلّا في عظم الخلقة". ( الإفادة والاعتبار/21). ويصفها " بالجملة، هي أطول وأغلظ من الفيل، إلّا أن أرجلها أقصر من أرجل الفيل بكثير، ولكن في غلظها أو أغلظ منها". ( المصدر السابق/22). وصف عبد اللطيف البغدادي صلاح الدين بن أيوب بالجهل والانصياع لآراء اتباعه دون تحقيق وتمحيص بقوله " كأن الملك العزيز عثمان بن يوسف لما استقل بعد أبيه، سوّل له جهلة أصحابه أن يهدم هذه الأهرام فبدأ بالصغير الأحمر وهو ثالثة الأثافي. فأخرج إليه الحلبية والنقابين والحجارين وجماعة من عظماء دولته وأمراء مملكته وأمرهم بهدمه ووكّلهم بخرابه فخيّموا عندها وحشروا عليها الرجال والصنَّاع ووفروا عليهم النفقات، وأقاموا نحو ثمانية أشهر بخيلهم ورجلهم يهدمون كل يوم بعد بذل الجهد واستفراغ الوسع الحجر والحجرين، فقوم من فوق يدفعونه بالأسافين والأمخال، وقوم من أسفل يجذبونه بالقلوس والأشطان، فإذا سقط سُمع له جلبة عظيمة من مسافة بعيدة حتى ترتجف له الجبال وتزلزل الأرض ويغوص في الرمل فيتعبون تعبا آخر حتى يخرجوه ثم يضربون فيه الأسافين، بعد ما ينقبون لها موضعا ويبيتونها فيه، فيتقطع قطعا فتسحب كل قطعة على العجل حتى تُلقى في ذيل الجبل وهي مسافة قريبة، فلما طال ثوباؤهم ونفذت نفقاتهم وتضاعف نصبهم ووهنت عظامهم وخارت قواهم، كفّوا محسورين مذمومين لم ينالوا بغية ولا بلغوا غاية، بل كانت غايتهم أن شوهوا الهرم وأبانوا عن عجز وفشل، وكان ذلك في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة". (الإفادة والاعتبار/26). في حين يقول المقريزي عن العزيز عثمان" من عقلاء الدولة، له علم بالحديث والفقه، سمع الحديث من الحافظ السلفي وأبي عوف الزهري وابي محمد ابن بري النحوي ". الحقيقة أنه لم يبقَ من مؤلفات البغدادي إلا بعض الكتب القليلة، منها الكتاب السابق في وصف مصر، ومخطوطته في مكتبة البودليان في أكسفورد وقد ترجم إلى الألمانية عام 1790م، وإلى الفرنسية عام 1810م، وإلى الإنجليزية عام 1964م. من هذه التواريخ نستنتج بأن المؤرخين الغربيين لم يطلعوا أصلا على كتاب البغدادي! وإنما نقلوا ما قاله إبن العبري. من جهة أخرى قال عبد اللطيف البغدادي" رأيتُ أيضاً في الاسكندرية حول عمود السواري من هذه الأعمدة، بقايا صالحة بعضها صحيح وبعضها مكسور ويظهر مِن حولها أنها كانت مسقوفة والأعمدة تحمل السقف، وعمود السواري عليه قبة هو حاملها وأرى أنه الرواق الذي كان يدرس فيه أرسطوطاليس وشِيعته من بَعده". (الإفادة والاعتبار /28). لكنه يقول بعدها" اعلم أن الأهرام لم أجد لها ذِكراً في التوراة ولا في غيرها ولا رأيت أرسطو ذكرها، وإنما قال في أثناء قوله في السياسة: كما كان من سنَّة المصريين البناء". (الإفادة والاعتبار /38). علق الأستاذ نبيل الكرخي على هذا الأمر بقوله" احتوت رواية البغدادي على خطأين فذكرت الرواية انَّ أرسطو طاليس كان يدرس في مدرسة الاسكندرية أي المتحف الذي ذكرناه سابقاً وهذا الأمر غير صحيح ، لأن أرسطو طاليس (384 ـ 322) ق.م لم يحضر إلى الاسكندرية ولا إلى مصر. والخطأ الآخر هو أنها نسبت للإسكندر بنيانه وإنشائه للمكتبة وهو خطأ لأن الذي بناها هو بطليموس الثاني (فيلادلفوس) وقيل (بطليموس الاول سوتر). فإذا اخطأ البغدادي في معلومتين تأريخيتين فلا يستبعد انه قد اخطأ في المعلومة الثالثة ايضاً. فنجد انه من غير المجدي الاعتماد على رواية البغدادي هذه في إسناد التهمة للمسلمين بأنهم أحرقوا مكتبة الاسكندرية. ومن المحتمل أن يكون البغدادي قد ألف الحادثة من نفسه أو سمعها من أحد العوام دون أن يكلف نفسه التحقق منها. ولأن كتابه من أدب الرحلات فأنه غير معني أصلا بالحوادث السابقة". وقد جاء في سيرته الوحيدة " ترجمة كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر وفرغ من تأليفه من العاشر من شعبان سنة ثلاث وستمائة بالبيت المقدس". (عبد اللطيف/56). يبدو ان البغدادي خلط بين ارسطو وارسطبولس أو بطليموس. قال محمد مسعود" أنشأ بطليموس سوطر في الاسكندرية مكتبة عزيمة جمع فيها انواع كتب العلوم والفنون حتى بلغ عدد مجلداتها نيف واربعمائة الف وأسس محلا علميا سماه بمدرسة الاسكندرية وكان يتخرج منه اعظم البلغار والفلاسفة الذين نبغوا في جميع العلوم، وكان بطليموس نفسه يحضر دروس الهندسة على اقليدس معيرا أياه إذنا واعية وعينا صاغية، منتبها صامتا كأحد التلاميذ". (المنحة الدهرية/70) أضاف محمد مسعود" ممن يشار اليهم بالبنان في هذه العلوم دمتربوس دوفالير واريستارك في النحو، وهيروفيل وايرازسترات في الطب، وتيراك وارشتيد وهيبارقة وبطليموس وكانون في الهيئة، واقليدس وابوللونيوس وديوفانت في الهندسة، واراتوستين واسترابون في تخطيط المدن، وسنيزيديم وشكستوس وبوتامون وامونيوش ساكلس في الفلسفة، وممن نبغ بالمدرسة الاسرائيلية ارسطبولس وفيلون، وبالمدرسة المسيحية سان بنتان وكليمان". (المنحة الدهرية/95). الأغرب من هذا كله اطلعنا على أهم الطبعات لكتاب البغدادي ولم نجد ذكرا لموضوع حريق مكتبة الإسكندرية! منها أقدم طبعة وهي (الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر. عبد اللطيف البغدادي (توفي 629 هـ) . تحقيق. علي عمر. مطبعة وادي النيل. مصر 1286 هـ). في حين وردت إشارة لا تزيد عن سطر واحد في (كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور والمشاهدات والحوادث المعاينة بأرض مصر. موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي. إشراف وتقديم: د. عبد الرحمن الشيخ. الهيئة المصرية العامة للكتاب. الطبعة الثانية 1998). فهل إضاف أحد النساخ هذه الأكذوبة للبغدادي، او أن المحققين حذفوها؟ الله أعلم بالحقيقة، ولكن النسخة القديمة برأينا هي الأصح، وربما يجد بعض المحققين مخطوطة أخرى، ويوافينا بالحقيقة. ابن العبري فيلسوف ولاهوتي سرياني نال الشهادة الكهنوتية على يد البطريرك (اغناطيوس داوود الثاني) وصار أسقفا في مدينة جوباس ولاقبين ثم مطرانا على حلب، وتوفي في بلاد فارس. كتب في كل العلوم كالفلسفة والمنطق واللاهوت والنجوم والفلك والطب والأخلاق والقانون والصرف، والنحو، والأدب، والتأريخ. ومن أشهر كتبه (مختصر تأريخ الدول). طبع هذا التاريخ لأول مرة سنة 1663 في مدينة أكسفورد باللغتين العربية واللاتينية بمراجعة العلّامة پوكوك. ثم ترجمه بوّر الى الالمانية سنة 1783 وهو كتاب مقتضب لا نفع منه من الناحية التأريخية، فقد ذكر موجزا صغيرا عن الخلفاء من الراشدين الى نهاية الدولة العباسية على أيدي المغول، وقد استقى معلوماته من الرواة قبله، والكتاب يتحدث عن الأطباء الذين صَحبوا الخلفاء وأهم كتبهم ومعالجة أمراض الحكام والناس معا. في الكتاب معلومات متناقضة وبعضها لا سند لها لا، على سبيل المثال ادعائه" ان ملكيزدق كان في ايام نوح وانه كان ابن شام"، في حين يذكر بعدها" ان الكتاب الالهي اعرض عن ابانة نسب ملكيزدق وتاريخي ولادته ووفاته". كما ضم كتاب إبن العبري أخطاء تأريخية لا حصر لها، فقد ذكر مثلا في الصفحة (18) من كتابه المختصر" أن الافرنج هم من بني يافث"، في حين ذكر في الصفحة (14) من نفس الكتاب" ان الفرنج من الادوميين"! كما ذكر" ثم وجه الى المهدي بن المنصور بخبر وفاة المنصور وبالبيعة له ولابن عمه عيسى بن موسى بعده. فأبى عيسى بن موسى من البيعة للمهدي وامتنع بالكوفة وأراد ان يتحصن بها. فبعث المهدي أبا هريرة في ألف فارس فأخذه الى المهدي. ولم يزل يراوضه ويراوده حتى أجاب الى خلع نفسه. فعوضه عنها عشرة آلاف دينار وبايع للمهدي ولابنه موسى الهادي". (مختصر تأريخ الدول لأبن العبري/126). أمر مثير حقا! كيف أرسل أبو هريرة (19 ق هـ ـ 57 هـ) في ألف فارس وقد توفي أبو هريرة قبل ولادة المهدي بسبعين عاما (127 هـ 169 هـ)؟ وأخطاء تأريخية أخرى هي خارج موضوع بحثنا. لم يأتِ ابن العبري على ذكر مكتبة الإسكندرية في عدد من مخطوطات كتابه المذكور، بل لم يَشِر الى مدينة الإسكندرية إلا عرضا ومنها" لما بنى الإسكندر الاسكندرية رغب الناس في عمارتها لحسن هوائها وطيب مائها وكانت دار العلم والحكمة بمصر الى ان تغلّب عليها المسلمون واختط عمرو بن العاص على نيل مصر المدينة المعروفة بفسطاط عمرو فانسرب العرب والعجم لسكناها فصارت قاعدة مصر". (مختصر تأريخ الدول/14). عن حرق الكتب أشار في معرض حديثه عن الرياضي ارشيميديس بقوله" إنه يوناني أخذ الحكمة من المصريين. وقيل ان الذي اردم اراضي اكثر قرى مصر وأسس الجسورة المتوصل بها من قرية الى قرية في زيادة النيل ارشيميديس. وللعبري مصنفات عدة مثل كتاب الكرة والاسطوانة والمسبّع في الدائرة. وقيل ان الروم أحرقت من كتبه خمسة عشر حملا". ( المصدر السابق/38). ولم يتحدث عن عمر بن العاص إلا في حادثين بصورة مقتضبة بقوله" فتح عمرو بن العاص مصر عنوة وفتح الاسكندرية صلحا". (المصدر السابق/101). والثاني أشاد فيه الى نحب عمر للعلماء والأدباء وتقريبهم له بقوله" عاش الى ان فتح عمرو بن العاص مدينة الاسكندرية. ودخل على عمرو وقد عرف موضع غرماطيقوس النحويّ من العلوم فأكرمه عمرو وسمع من ألفاظه الفلسفية التي لم تكن للعرب بها انسة ما هاله ففتن به. وكان عمرو عاقلا حسن الاستماع صحيح الفكر فلازمه وكان لا يفارقه". (المصدر السابق/103). فهل يعقل أن يقوم (العاقل وحسن الاستماع وصحيح الفكر كما وصفه ابن العبري) الذي يقرب العلماء والأدباء ويرعاهم ويغدق عليهم الهدايا والعطايا، بحرق أكبر مكتبة في ذلك الزمان؟ كما قيل حدث العاقل بما لا يُعقل فإن صدق فلا عقل له. في الخطط الجديدة لمصر جاء ما يأتي" إن إحراق السرابيوم كان بأمر من البطريق (تيوفيل) بعد توقف كثير من العلماء والأهالي، ثم بنى محل السرابيوم كنيسة سميت (اركاديوم) من اسم القيصر اركاديوس المتولي تخت القيصرية بعد القيصر (تيودوز الأكبر) وجعل فيها دار كتب جمع ما أبقته النار، وشيئا كثيرا من كتب النصرانية، وهي التي نُسب إحراقها الى عمر بن العاص، لكن لم يعلم وجه انتساب ذلك اليه، فإن هذه الحادثة لم يتكلم عليها أحد من المؤرخين في عصره من النصارى وغيرهم، ولم يظهر ذلك إلا في القرن الثالث عشر من الميلاد من كتابة تُنسب الى أبي فرج بطريق مدينة حلب، مع إنه لم يذكرها في تأريخه العام". (المنحة الدهرية/98). الخلاصة هي محاولة من بطريق لرمي تهمة حريق المكتبة من قبل أقرانه على أعناق المسلمين. من العجب انه لم يتحدث عن غزو التتار للعراق الا على نحو يسير لا أهمية له بقوله" وفيها غزا التتار العراق ووصلوا الى تخوم بغداد الى موضع يسمّى زنكاباذ والى سرّمرّأى، فخرج إليهم مجاهد الدين الدويدار وشرف الدين إقبال الشرابيّ في عساكرهما فلقوا المغول وهزموهم وخافوا من عودهم فنصبوا المنجنيقات على سور بغداد. وفي آخر هذه السنة عاد التتار الى بلد بغداد ووصلوا الى خانقين فلقيهم جيوش بغداد فانكسروا وعادوا منهزمين الى بغداد بعد ان قتل منهم خلق كثير وغنم المغول غنيمة عظيمة وعادوا. وفيها حدث ببغداد مدّ دجلتها مدا عظيما هائلا وغرق دور كثيرة وغرق سفينتان فهلك فيهما نحو خمسين نسمة". (المصدر السابق/251). وهنا نتساءل هل يعقل ان يهمل ويتجاهل موضوع حرق دور الكتب في العراق التي تحدث عنها جميع الرواة مفصلا، ويتحدث عن حريق مكتبة الإسكندرية؟ لإعطاء صورة عن تدوينه للأحداث خلال عام 656 هـ أي عام غزو المغول للعراق، ذكر الآتي" توفّي الفائز عيسى بن الظافر اسماعيل صاحب مصر وكانت خلافته ستّ سنين وولي الأمر بعده بمصر عبد الله بن يوسف بن الحافظ ولقب العاضد لدين الله وهو آخر الخلفاء العلويّين بالديار المصريّة". (المصدر السابق/212). ولم يعرج على أي موضوع آخر خلال هذه الفترة المظلمة من تأريخ الأمة الإسلامية الخطير! ذكر الأستاذ نبيل الكرخي في نقده للرواية " الرواية تحوي على أخطاء تأريخية منها انها ذكرت أن يحيى الغراماطيقي قد عاصر الفتح الاسلامي وعاش بعده بينما تذكر المصادر أنَّ يحيى الغراماطيقي كان ميتاً في وقت الفتح الإسلامي لمصر، وهذه اول نقاط ضعف هذه الرواية وعدم مصداقيتها ، يضاف لذلك أن أبو الفرج الملطى عاش في القرن السابع الهجري أي بعد حوالي سبعة قرون من الحادثة فهو لا يستند إلى دليل معتبر في إسناد روايته ولم يذكر أي مصدر يستند عليه في روايته هذه. واما تفريق الكتب على الحمامات لغرض حرقها ، فهو عمل مخالف لأوامر الخليفة لأن تفريقها على الحمامات يوفر فرصة مهمة لإنقاذها من خلال شرائها ممن يقومون بالحرق، بالإضافة إلى ان من يقومون بالحرق هم مسيحيون يمكن ليحيى الغراماطيقي ان يؤثر عليهم بسهولة لإنقاذ الكتب. والأسهل على عمرو بن العاص هو جمع الكتب في ساحات او حتى في اماكنها وإحراقها بدلاً من معاناة نقلها وهي آلاف مؤلفة إلى مناطق تواجد الحمامات وهي مناطق متفرقة. فضلاً عن أن الكتب تصنع عادة من الصحف والاوراق التي لا تصلح لإيقاد قزانات الحمامات. فهي لا تصلح وقوداً لكي يتم إتلافها بهذه الطريقة التي تعرقل عمل الوقود الاصلي للحمامات وتتلفه". ويضيف د. إبراهيم عوض" من المعروف أن يوحنا النحوي لم يكن عربيا، فلم يكن يعرف العربية من ثم، مثلما لم يكن ابن العاص مصريا، وعليه لم يكن يعرف اللغة المصرية، كما لم يكن يعرف أية لغة أخرى غير العربية يمكنه التخاطب من خلالها مع يوحنا النحوي، فكيف إذن كانا يتفاهمان؟ كما يُفْهَم من كلام القفطي وابن العبري، قريبا جدا من دين المسلمين، إذ هو لا يؤمن بالتثليث ولا بالصليب، فمن المستبعد أن يرفض عمرو له طلبا كهذا كان يستطيع على الأقل أن يحققه له جزئيا فيتركه يأخذ من كتب المكتبة الإسكندرانية ما يكفى استعماله الشخصي مثلا دون أن يضر المسلمين ولا شخصه هو في شيء بدلا من أن يعقّد المسألة كل هذا التعقيد الذى تصوره الرواية، وفى نفس الوقت يتألف قلبه ولا يخزيه أمام الآخرين ممن يدينون بالصليب والثالوث. على أن الطريف لي المسألة هو أن يوحنا إنما تحدث عن حاجته هو وأمثاله إلى تلك الكتب، لنفاجا بابن الخطاب يتحدث كما لو كان العرض المقترح هو أن يستعملها المسلمون. ولكن ما دام لن يستعملها المسلمون، بل المصريون، فما معنى أن يقول إنها إن كانت توافق القرآن ففي القرآن غُنْيَةٌ عنها، وإن كانت تخالفه فلا يصحّ للمسلم قراءتها؟ إن ابن العاص يسأله عن شيء، فيجيبه هو عن شيء آخر لم يُسْتَفْتَ فيه ولا كان مطروحا أصلا للبحث". (مبحث بعنوان أسطورة إحراق المسلمين لمكتبة الإسكندرية). الكتاب بغض النظر عن اختلاف الطبعات، ليس من الكتب المعتبرة تاريخيا رغم معرفة الكاتب عدة لغات تساعده كما يفترض في التوسع بالمعلومات والتنوع في المصادر والاطلاع على الروايات باللغات الأخرى التي يجيدها. كما أنه عاش في عدة بلدان وعايش عدة ثقافات دون أن يجسدها في كتابه هذا على أقل تقدير. لذا يمكن الجزم أن الكتاب أقرب أن يكون سيرة للأطباء الذين عاصروا الخلفاء. فالكاتب لم يتحدث مطلقا عن حريق مكتبة الإسكندرية في النسخة العربية ما عدا نسخة اليسوعي التي أشرنا لها، وعندما كتب عن الفاروق عمر بن الخطاب، كان الحديث لا يتجاوز الصفحة الواحدة، ولا يتضمن معلومات اكثر من تلك التي يعرفها طالب في الابتدائية عن ظهر قلب. ولم يتحدث عن علاقة العمرين ببعضهما. وقد ذكر د. نبيل لوقا بباوي حول ما نسب لابن العبري حول قيام عمر بن العاص بحرق مكتبة الإسكندرية " وجدت هذا الخبر في دائرة المعارف البريطانية الطبعة/11 ثم حُذف من دائرة المعارف البريطانية في الطبعة/14 بعد أن تأكد المحققون من عدم صدق الخبر". (مقال بعنوان: هل أحرق عمر بن العاص مكتبة المستنصرية؟). ابن النديم عاش في بغداد وكان أديبا ومصنفا ونسحا وخطاطا وجامع كتب، ورث المهنة عن أبيه، تتلمذ على يد السيرافي وعلي بن هارون، له كتاب الفهرست الذي جمع فيه وصنف الكتب والدراسات العربية، ويعتبر ثاني كتاب في التصنيف بعد كتاب طبقات الشعراء. وهو أول من أدخل كلمة الفهرست الفارسية الى العربية. ومن المعروف عنه تشيعه، لم يتتلمذ على أي من علماء أهل السنة، كان يسمي الشيعة (الخاصة) واهل السنة (العوام) والحشوية، ويرفض استخدام تعبير أهل السنة، وكان يضيف على الأئمة لقب (ع)، ويسمي الرضا (مولانا). قال الحافظ ابن حجر" هذا أوضح الأدلة على أن النديم رافضي، لأن هذه طريقتهم يسمون أهل السنة عامة، وأهل الرفض خاصة". (لسان الميزان5/268). وقال عنه عباس القمي" هو أبو الفرج محمد بن اسحاق النديم المعروف بابن ابى يعقوب الوراق النديم البغدادي الكاتب الفاضل الخبير المتبحر الماهر الشيعي الامامي مصنف كتاب الفهرست الذي جود فيه واستوعب استيعابا يدل على اطلاعه على فنون من العلم وتحققه بجميع الكتب، حكي انه كانت ولادته في جمادي الآخرة سنة 297 وتوفي يوم الاربعاء لعشر بقين من شعبان سنة 385". (الكنى والألقاب/425). يحتوي كتابه على عشر مقالات من بينها المقالة الثالثة وتضم الكتب التأريخية والسير والجغرافيا وأخبار الإخباريين والملوك والندماء وآدابهم وسيرهو وأنسابهم. لذا فهو ليس مؤرخ بقدر ما هو مصنف، نقل اسماء الكتب والأخبار. ويبدو أن تشيعه والإفراط في محبة آل البيت، ومجافاة أهل السنة بما فيهم العلماء، جعل يضرب العمرين (الفاروق وابن العاص) بحجرة واحدة، فنقل الخبر على علاته من ابن العبري وعبد اللطيف البغدادي دون سند أو تحقيق. ابن القفطي جاء كلامه عن المكتبة في معرض حديثه عن يحي النحوي وعلاقته بعمرو بن العاص على الرغم من احدهما عاش في الحجاز والأخر في مصر. والحقيقة ان إبن العاص لم يعاصر النحوي مطلقا. فقد ولد عمر بن العاص عام (592م ـ682م) وكان فتح مصر عام (21هـ /642م) ووقع على معاهدة الاسكندرية مع المقوقس في نفس السنة. من الجدير بالإشارة أن العلامة (كريل) في دائرة المعارف البريطانية (ح/9 القسم التاسع 1764 ـ 1795) ذكر" من المحتمل أن يكون يوحنا النحوي قد ولد سنى 470 م، في إحدى المدينتين الواقعتين على البحر الأسود، وسافر وهو شابا الى الاسكندرية وتتلمذ على يد (أمونيوس)، ومن جماعته في الدراسة (سنبلقيوس)، و(اولمفيودورس). وانه اعتنق المسيحية عام 520 م". ورجح ان تكون وفاته ما بين عام 601 ـ 603 م. وهذا يعني أنه إذا افترضنا سفره للإسكندرية وهو شاب بحوالي (20) عاما، فهذا يعني انه كان في الإسكندرية عام 490 ميلادي. أي قبل فتح الإسكندرية بحوالي (152) عاما، وقبل ان يولد عمر بن العاص بحوالي (172) عاما. مما يبطل الروايات كلها. كما ذكر السيد حسين القابجي في مقال له نشره عام 2010 بعنوان (أول فيلسوف مسيحي اتبع المذهب الارسططالي) الآتي" إن الفيلسوف يحيى النحوي لم يلقَ عمرو بن العاص حين فتح الإسكندرية في سنة 640 م، ولم يعش مطلقاً في القرن السابع الميلادي والذي يدل على هذا أمران: الأول : ما ذكره يحيى النحوي نفسه في كتابه (( في قدم العالم ضد ابرقلس/579) من انه يكتب هذا الكلام في سنة 529 م . قد كتب هذا التاريخ بالحروف، لا بالأرقام ، مما يمنع أي تحريف أو غلط. الثاني : ما ذكره يحيى النحوي في شرحه على (السماع الطبيعي) لأرسطو ، حيث ذكر يوم العاشر من مايو سنة 517 م (شرح السماع الطبيعي/703). علي الكاش.


التهمة الكيدية في حرق عمر الفاروق لمكتبة الإسكندرية - 9 والأخيرة

     التهمة الكيدية في حرق مكتبة الإسكندرية/ 9 وهي الأخيرة علي الكاش الخلاصة 1. أعتمد المؤرخون على الروايات السابقة دون الرجوع الى بقية المصادر التأريخية التي تعتبر أقدم وأهم من الكتب التي اعتمدوا عليها وذلك لغاية في قلب يعقوب! فهم لم يشيروا مطلقا بأن هذه الرواية تفرد بها هؤلاء دون بقية الرواة، وان الرواة جميعا من المتأخرين عن الحادثة، ولا يوجد سند لرواياتهم. ويلاحظ أنه حتى الكتب الشعوبية التي تحدثت عن مثالب العرب والمسلمين لم تشر الى رواية حرق مكتبة الإسكندرية من قبل العمرين. لم ترد رواية حرق مكتبة الإسكندرية عند الرواة القدماء ومنهم المؤرخ الشيعي المسعودي (393هـ ـ346 هـ) صاحب كتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر)، وكان أقرب عهدا بالدولة الإسلامية من الرواة السابقين. ولا عند الطبري(839هــ 923) الذي سبقهم بقرون ويعتبر المؤسس الحقيقي لعلم التأريخ. ولم يروِ الرواية ابن كثير (701هـ ـ 774) في كتابه الموسوعي (البداية والنهاية) الذي أرخ فيه منذ بدأ الخليقة الى القرن الثامن الهجري. كذلك بالنسبة للمؤرخ أحمد اليعقوبي (توفي 248 هـ) وهو صاحب كتاب (تأريخ اليعقوبي) وكتاب (البلدان). ولا عند البلاذري صاحب كتاب (الأنساب)، كذلك لم يروِ الرواية كبار المؤرخين مثل أبن الأثير في كتابه (الكامل في التأريخ)، والإمام الذهبي في كتابه (تأريخ الإسلام) وطبقات أبن سعد وتأريخ دمشق لإبن عساكر، والمنتظم لأبن الجوزي، والعواصم من القواصم لأبن العربي، وسير أعلام النبلاء للإمام الذهبي، وهذه هي أمهات كتب التأريخ المعتمدة في الوقت الحاضر. لا يمكن اختزال التأريخ العربي والإسلامي بأربعة رواة وترك البقية. رواة حادثة حرق المكتبة لا ترتقي قيمتهم في السرد التاريخي ودقته إلى مستوى كبار الرواة والمتفق على أهميتهم عند العلماء والأكاديميين والباحثين. بمعنى أنه لا يمكن أن نجعل من رحالة ولاهوتي ومصنف كتب روادا في علم التأريخ ونرجحهم على كبار المؤرخين. أو أن ننزل الرحالة البغدادي وابن العبري والقفطي والمفهرسين إبن النديم وحاجي خليفة بمنزلة الطبري وابن الأثير، والبلاذري والذهبي والمسعودي. كما لا يمكن في الوقت نفسه أن ننزل الطبري والبلاذري والمسعودي والذهبي بمنزلة إبن النديم وحاجي خليفة في تصنيف وفهرسة الكتب. ولا أن ننزل هؤلاء الأخيرين بمنزلة إبن العبري في علوم اللاهوت والسريانية، لكل منهم اختصاص في مجال عمله ونشاطه الفكري. 2. لو كانت حادثة الحرق قد تمت فعلا بأمر من عمر الفاروق ونفذها عمر بن العاص لكان الرواة الشيعة الأقدمون وجدوها فرصة ثمينة للطعن في العمرين كالمسعودي واليعقوبي والكليني والأصفهاني والمجلسي، سيما إن بعضهم نسبوا للفاروق الكثير من القصص الكاذبة مثل كسر عظم الزهراء وإجهاضها وغيرها من الخرافات والأكاذيب. بلا شك إن تحميل الفاروق مسؤولية حريق الإسكندرية يمثل طُعما ثمينا للصائدين في المياه العكرة. وما كانوا تركوها تمر هكذا بسلام. وهذا ما يؤكد بأن حادثة الحرق المفبركة لم يكن لها ذكر في عصرهم. 3. لا يجهل أحد حب العرب للعلوم والمعارف قبل الإسلام وبعده، يذكرا للعلامة محمود شكري الألوسي من علوم العرب عِلم الطب، وكانوا ما يعلمونه منه مبنياً في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص ، متوارثاً عن مشايخ الحي وعجائزه. وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي، وكان لهم علم تام في معالجة الدواب، ومِن مشاهير أطباء العرب : الحارث بن كلدة ، وابن حذيم . ومِن علومهم: عِلم الريافة، وهو: معرفة استنباط الماء مِن الأرض بواسطة بعض الأَمارات الدالة على وجوده، فيُعرَف بُعده وقُربه بِشَم التراب، أو برائحة بعض النباتات فيه، أو بحركة حيوان مخصوص. ومِن علومهم: عِلم الاهتداء في البراري وهو: علم يُتعرف به أحوال الأمكنة مِن غير دلالة عليه بالأمارات المحسوسة دلالة ظاهرة أو خفية بقوة الشامة فقط لا يعرفها إلا مَن تدرب فيها كالاستدلال برائحة التراب، ومسامة الكواكب الثابتة، ومنازل القمر. ومِن علومهم: العِلم بخَلق الإنسان، فمَن نظر في كتب العرب أدرك عظيم إلمامهم ومعرفتهم بكيفية تركيب أجزاء البدن وترتيبها، ومِن علومهم: عِلم الملاحة، وأهل المعرفة به مِن العرب مَن سكن سواحل بحر القلزم وبحر الهند وبحر فارس. وكانت للعرب علوم باطلة كعلم العرافة، والكهانة، والعيافة، والزجر، والطرق بالحصى وغيرها". (راجع كتاب بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب). بعد الفتح الإسلامي تطورت العلوم والمعارف وتوسعت لتشمل آفاقا جديد من خلال الترجمة عن الإغريقية والفارسية، والهندية، والسريانية، وغيرها. إن الأمة التي تمجد العلوم والمعارف وتحترم من يعمل بها بهذا الشكل الرائع لا يعقل أن تحرقها. ولو زعم الشعوبيون بأن العمرين أحرقا كتب الهرطقة والإلحاد فقط! لكانت حجتهم أقوى وربما يتذرع بها البعض ويقبلها، ولكن الله تعالى اراد أن يفضح مآرب الشعوبيين الدنيئة وأكاذيبهم الرخيصة. كما ان عدد الكتب (700000) وبلغات متعددة يصعب معرفة وتمييز المفيد منها من غير المفيد. وليس من الحكمة حرق الكتب المفيدة منها، كما جاء في الوصية المزعومة للفاروق والتي أمر العاص أن يعمل بموجبها. 4. احتوت مكتبة الإسكندرية على أكثر من (700000) مجلدا وكان معظمها قد كُتب على أوراق النخيل والخشب والحجر ولحاء الأشجار والعظام والمعادن، وعرف عن المصريين استخدامهم قصب البردي للكتابة ومنها أنتشر في اليونان وروما واستمر الى أن تم اختراع الورق. وقد عرف العرب الورق بعد أسر عدد من الجنود الصينيين بسقوط سمرقند عام 705 م. ولم تعرف مصر الورق إلا في عصر هارون الرشيد. وهذا يكذب رواية ان الكتب استخدمت من قبل أصحاب الحمامات في الإسكندرية، فقد كان منها الواح ومعادن واحجار وعظام وقصب وليس ورقا، فما الذي يستفيد منه أصحاب الحمامات؟ لاحظ التالي: ذكرت الروايات بأن عدد الحمامات كان حينذاك (4000) حماما، هنا سوف نتوقف قليلا ونتساءل: أ. كيف تم نقل المجلدات وتوزيعها على أصحاب الحمامات؟ وهل راقب عمرو بن العاص عملية الحرق ليتأكد منها؟ وما الحكمة من كل هذا اللغو؟ ولماذا لم يذكر حكماء العصر واللاهوتيون والقساوسة حرق المكتبة سيما انها تضم الكتب المقدسة وشروحاتها؟ اليس بإمكان الخليفة ان يحرقها في مكانها دون الحاجة الى هذه الجهود الفائضة التي لا داعِ لها؟ ثم أن أصحاب الحمامات كانوا من الروم وليسوا من العرب، فلماذا لم يحتفظوا بها سيما ان بعضها يتضمن كتبهم المقدسة وشروحاتها بلغتهم، وهي تخص تأريخهم وآدابهم وعلومهم؟ اللوم هنا يقع أيضا على الروم أنفسهم الذين كانوا يملكوا الحمامات وحرقوا تأريخهم ومقدساتهم. هذا بالطبع على افتراض صحة الرواية. ب. لو افترضنا جدلا أن عدد الكتب فعلا (700000) مجلدا، وان عدد الحمامات (4000) حماما كما قال الرواة، فهذا يعني ان نصيب كل حمام سيكون (175) كتابا. وجاء في الرواية ان الحمامات اشتغلت بها (6) اشهر، فهذا يعني ان الحمام الواحد كان يستخدم (29) كتابا في الشهر الواحد، أي يحرق مجلد واحد في اليوم! أي حمام هذا الذي يدفئه مجلد واحد في اليوم؟ لو حرقت مائة مجلد هل ستسخن حماما واحدا لمدة ساعة واحدة؟ علما ان الحمامات عامة. يذكر محمد مسعود بهذا الصدد" أما دار الكتب الشهيرة فكانت موضوعة في (الميوزيوم) بالجزء المطل على الميناء، وذهب بعضمهم إلى ان مؤسسها هو بطليموس سوطر في القرن الرابع قبل الميلاد، وذهب البعض إلى أن مؤسسها إنما هو ابنه (فيلادلف)، وعلى أي حال فأن الذي جمع الكتب في الحقيقة هو الكاتب المنشيء (دمتريوس دوفالير) الذي أتى به في سنة 290 ق. م. الى بلاط الملك سوطر ملتمسا حماه، فقابله سوطر بالإكرام الزائد. فلما رأى دمتريوس منه فوق ما آمل عاونه على جمع مجموعة من الكتب كان قد صمم الاستحواذ عليها وبلغ عدد ما جمع (200000) مجلد، ولما كانت أيام (فيلادلف) أضيف إلى هذا العدد جميع كتب ارسطوطاليس التي حفظها (تيوفرست) زمنا طويلا واعطاها نيلة ابنه الى ملك مصر على سبيل التنازل، وكانت هذه المجموعة عظيمة جدا وتحتوي على ما تيسر لهذا الفيلسوف من جمعه من كتب الفلسفة والعلوم والفنون، وقد اختلف القدماء في عدد المجلدات التي كانت موجودة، فمن قائل إنها (500000) ومن قائل انها (750000) مجلد، ومن قائل غير ذلك. غير انه لا يجعل بنا ان نغتر بزيادة هذا العدد لأن اغلب المصنفات الكبيرة كانت مركبة من اجزاء صغيرة والتي حملهم على تقسيمها انما هو سرعة عطب ورق البردي وصعوبة مسك المصنف الكبير باليد والقراءة فيه. مثلا مصنفات (مارسيال) التي كانت ذات أبواب عديدة قسمت الى مجلدات بقدر عدد هذه الأبواب، وكذلك قصائد الشاعر هوراس، وبناء على ما أبديناه كانت دار كتب الاسكندرية اصغر بكثير من دور الكتب المتوسطة في عصرنا هذا". (المنحة الدهرية/96). 5. يلاحظ ان أهم مروجي حريق الاسكندرية عاصروا فترة الحروب الصليبية وأحدهم (ابن العبري) وهو كما قلنا راهبا ولاهوتيا، وعايش الحملة الصليبية الأولى التي قادها (جان جي برين) عام 615 هـجرية. وأراد أن يخدم أصحاب مذهبه وتحفيزهم لقتال المسلمين باعتبارهم أحرقوا مكتبة الإسكندرية التي كانت تضم آلاف النسخ من الكتاب المقدس وشروحاته وكتب أساطين الدين المسيحي. وهذا ما يقال عن البغدادي (557 هـ ـ629 هـ) والقفطي الذين عايشوا الحروب الصليبية، ومن المعروف أن شراء الذمم في الحروب أمر مفروغ منه. ونحن هنا لا نخون الرواة بقدر ما نقول انهم أخطأوا في حكمهم وفق مبدأ حسن النوايا الذي أوصانا به الإسلام، والله أعلم ما في النفوس. 6ـ لا أحد يجهل وصايا الرسول (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدين من بعده في عدم أيذاء الأمم والشعوب التي تخضع لنفوذهم، سواء كان الأذى عليهم أو على أرضهم أو ممتلكاتهم وزرعهم وحيواناتهم. وقد أتبع الفاتحون هذه الوصايا حرفيا خلال الفتوحات بشهادة النصارى واليهود أنفسهم، إلا بعض الحوادث التأريخية الشاذة التي لا تؤثر على جمال وكمال الصورة. وكان عمر بن الخطاب شديدا مع عماله في الأمصار، ومنهم عمر بن العاص الذي أحضره وحاسبه على شكوى من مواطن من العامة على أبنه، وطلب من الشاكي أن يضرب إبن الأكرمين. وسبق أن أرسل الفاروق كتاب (العهدة العمرية) لواليه في الشام وبقية الأمصار ذكر إبن القيم نصه، حيث يوصيهم فيه" الا يُحدِثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا يجدِّدوا ما خُرِّب، ولا يمنعوا كنائسهم من أن ينزلها أحدٌ من المسلمين ثلاث ليالٍ يطعمونهم، ولا يؤووا جاسوساً، ولا يكتموا غشاً للمسلمين، ولا يعلّموا أولادهم القرآن، ولا يُظهِروا شِركاً، ولا يمنعوا ذوي قرابتهم من الإسلام إن أرادوا، وأن يوقّروا المسلمين، وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبّهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنّوا بكناهم، ولا يركبوا سرجاً، ولا يتقلّدوا سيفاً، ولا يبيعوا الخمور، وأن يجُزُّوا مقادم رؤوسهم، وأن يلزموا زيَّهم حيثما كانوا، وأن يشدّوا الزنانير على أوساطهم، ولا يُظهِروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيءٍ من طرق المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفيفاً، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعانين، ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم، ولا يَظهِروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جَرَتْ عليه سهام المسلمين. فإن خالفوا شيئاً مما شرطوه فلا ذمّة لهم، وقد حلّ للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق". (أحكام أهل الذمة1/210). فكيف يجرأ الولاة على مخالفة أوامر الخليفة القوي الذي لا يخشى في الحق لوم لائم؟ وهل يحتاج عمر بن العاص لرأي الخليفة في حرق الكتب ولديه العهدة العمرية. وقد عرف عن عمر بن العاص شدة ذكائه وسعة تفكيره، فهو ليس بحاجة لمشورة الخليفة في أمر يدركه جيدا. 7. لم يشر الرواة والمؤرخون الأوربيون القدامى الى مسؤولية المسلمين عن حريق الإسكندرية، وإنما تحدثوا عن الحرائق التي سبقت الفتح الإسلامي، وهناك من اعتبرها ثلاثة، وآخرون أعدوها خمسة، كما أن أبرز مؤرخي تلك الفترة (جون فيكيو) المعروفة بدقة تفاصيله وتوسعها، لم يتحدث عن هذا الموضوع البتة، اما بقية المؤرخين اللاحقين فقد أخذوا بروايات ابن العبري والقزويني وليس عن مؤرخيهم الأوربيين. كما ان معظم المؤرخين الأوربيين أكدوا بأنه لم يكن للمكتبة أصلا أي وجود خلال الفتح الإسلامي كما استعرضنا. قال ابن خلدون" انقرض ملك اليونانيين بهلاكها، وذهبت علومهم إلّا ما بقي بأيدي حكمائهم في كتب خزائنهم حتى بحث عنها المأمون وأمر باستخراجها فترجمت له من (هروش يوش)". (تأريخ ابن خلدون2/226) ذكر محمد مسعود" اختلف الرواة في سبب اندثار دار الكتب، إنما اجتمعت الآراء عليه في أيامنا هو ان الكتب كانت التي كانت محفوظة في (البروخيوم) تلفت بسبب الحريق الذي حصل دوتنمة قيصر، حين ثار أهل الاسكندرية، ولكن هذا الخلل أصلح فيما بعد بكنب برغام التي أهداها الامبراطور مارك انطوان الى كيلوبترا، ووضعت برعاية هذه الملكة في السرابيوم. وزعم البعض أنه لما صارت كتب الاسكندرية الى هذا الحال دمرها عمر في القرن السابع من الميلاد وهو زعم أتفق مؤرخو عصرنا على بطلانه وعدم صحته. والحقيقة ان الكتب التي حُفظت في السرابيوم دمرها النصارى في القرن الرابع، أما الأخرى فهجرت الى سنة 868 من الميلاد وإذ ذاك أتلفها الأتراك لما احتلوا مدينة الاسكندرية. كما ذكر عبد الله بن خالد الملقب بالشامي (القرن 8 م) عن السرابيوم" كان رواق الحكمة يحتوي على كتب قديمة ونفيسة جدا مكتوبة بحروف لا يحل رموزها إلا العلماء والمنجمون، وقد دمر النصارى هذه الكتب خوفا من أن يتوصل سحرة الوثنيين بواسطتها إلى الإضرار بهم، ولأجل أن يتأكدوا من عدم بقاء كتاب من هذه الكتب، فقد هدموا الذي كان يحتوي عليها، وجعلوا أعاليه سافله، على أن الدهر لم يتجاوز ذنبهم، بل جازاهم بمثل ما فعلوا، فساق اليهم عمر بن العاص فأحرق خزانة الكتب التي أسسوها برسمهم". 8. في الرسائل المتبادلة بين العمرين لا توجد أية إشارة إلى مكتبة الإسكندرية، في حين وصف عمرو بن العاص للفاروق الكثير من مشاهداته في مصر كقوله عن الإسكندرية" في هذه المدينة أربعة آلاف حمام وأربعة آلاف دار لها شرفات وأربعون ألف إسرائيلي يدفعون الضرائب وأربعمائة مكان للرياضة والتنزه واثنا عشر ألف حديقة تخرج الأثمار فهل يعقل أن الرجل الذي لا يغفل في تقريره الحدائق والديار أن يهمل ذكر مكتبة الإسكندرية لو كانت موجودة في عهده على ما لها من الأهمية ونحن نختم هذه الرسالة ببيت من الشعر الإنكليزي: إننا نوجه إليهم سهام اللوم وليس جديراً باللوم سوانا". (مجلة المقتبس الجزء8/20 عام 1906). كما قال الهروي" سمعت على الشيخ أبى عبد الله محمد بن إبراهيم المقرئ قال: حدثنا أبو عثمان القاسم بن جعفر عن أبى داود سليمان بن الأشعث عن عبد الله عن نعيم بن سلامة الحميري عن محمد بن القاسم الثقفي عن عتبة بن مسعود عن مسلم بن عقبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى عمرو بن العاص وكان عامله على مصر يقول له: أما بعد يا عمرو، إذا أتاك كتابي هذا فابعث إلىّ جوابه تصف لى فيه صفة مصر وأوضاعها وما هي عليه حتى كأنني حاضرها» فأعاد عليه مكتوبا جواب كتابه يقول له: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنها برية غبراء وشجرة خضراء بين جبلين جبل رمل وجبل كأنه بطن أقب أو ظهر أجب مكتنفيها، ورزقها ما بين أسوان إلى منشأ من البر ونتج من البحر، يخط في وسطها نهر مبارك الغدوات ميمون الروحات، يجرى بالزيادة والنقصان كمجرى الشمس والقمر، له أوان تظهر إليه عيون الأرض وينابيعها مسخرة له بذلك ومأمورة له، حتى إذا ضخم عجاجه وتعاظمت أمواجه واغلولت لججه ولم يبق الخلاص إلى القرى بعضها إلى بعض إلا في خفاف القوارب أو صغار المراكب التي كأنها في الحبائل ورق الأبابيل، ثم عاد بعد انتهاء أجله نكص على عقبه كأول ما بدا في دربه وطما في سربه، ثم استبان مكنونها ومخزونها انتشر بعد ذلك، أمة محقورة وذمة مغفورة، لغيرهم ما سعوا به من كدهم وما ينالوا بجهدهم شعثوا بطون الأرض وروابيها ورموا فيها من الحب ما يرجون به التمام من الرب، حتى إذا أحدق وأبسق وأسبل قنواته، سقاه الله من فوقه الندى ورباه من تحته بالثرى، وربما كان سحاب مكفهر الوابل، وربما لم يكن، وذلك في زماننا يا أمير المؤمنين ما يغنى ذبابه ويدر حلابه، فبينما هي برية غبراء إذ هي لجة زرقاء، إذ هي مدرة سوداء، إذ هي سندسية خضراء، إذ هي ديباجة رقشاء، إذ هي درة بيضاء ( فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ(المؤمنون: 14) وفيها ما يصلح أحوال أهلها ثلاثة أشياء: أولها: لا يقبل قول خسيسها على رئيسها، والثاني: يؤخذ ثلث ارتفاعها يصرف في عمارة ترعها وجسورها، والثالث: لا يستأدى خراج كل صنف إلا منه عند استهلاله، والسلام". (الإشارات للهروي/50). يبدو ان هناك خلطا مقصودا بين رسالة عمر بن العاص الى عمر الفاروق، وبين رسالة سعد بن أبي وقاص لعمر الفاروق عندما فتح بلاد فارس، ووجد فيها الكثير من الكتب المجوسية فكتب للفاروق عنما يفعل بها؟ فأجابه" اطرحوها في الماء فإن يكون ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وأن يكن ضلالا فقد كفانا الله". وهذه الكتب مجوسية وليس لها علاقة بالأديان السماوية كالنصرانية واليهودية. 8. هناك الكثير من الحقائق التي تدحض قضية الحرق منها حرص ومحافظة المسلمين على المكتبات التي تعود الى المسيحيين واليهود وبقية الأديان في البلدان التي فتحوها ومنها مكتبة (معبد السيرابيوم)، والمكتبات الموجودة في المعابد والكنائس والأديرة، يذكر د. نبيل لوقا بباوى" من المعلوم كذلك أنه في عهد عمر بن الخطاب في ربيع الثاني من العام السادس عشر من الهجرة في عام‏ 637‏م تم فتح بيت المقدس‏،‏ وكان بيت المقدس به مكتبة كبيرة‏.‏ ولو كان من عادة المسلمين حرق المكتبات لحرقوا مكتبة بيت المقدس‏. وكذلك تم فتح دمشق في العام الرابع عشر من الهجرة في عام ‏635‏م‏،‏ وكان بها مكتبة كبيرة‏،‏ ولم يتم حرقها. وقد تم فتح دمشق بمعرفة أبو عبيدة بن الجراح. والثابت كذلك أنه تم فتح الشام في العام الثالث عشر من الهجرة في عام ‏634،‏ وكان بها مكتبة كبيرة ولم يتم حرقها، فلم يكن من عادة المسلمين والعرب حرق المكتبات. ففي أثناء غزوة يهود خيبر لنقضهم عقد الصحيفة في العام السابع الهجري في عام ‏628‏، وبعد انتصار الرسول والمسلمين علي سلام بن مشكم زعيم خيبر، كان من الغنائم صحائف التوراة وكتب اليهود: أمر الرسول بتسليمها إلي يهود خيبر‏. وهذا يدل علي أنه ليس من سياسة الإسلام حرق كتب ومكتبات الآخرين، وإلا كانوا قد أحرقوا كل المكتبات في بيت المقدس‏‏ وفي دمشق وفي الشام‏.‏ ولذلك فإن خبر أو واقعة أن عمرو بن العاص هو الذي أحرق مكتبة الإسكندرية بعد استئذان الخليفة عمر بن الخطاب واقعة مكذوبة، ولا أساس لها من الصحة لأن التاريخ ثابت، والتاريخ لا يكذب". ( مقال بعنوان هل أحرق عمرو بن العاص مكتبة الاسكندرية). من جهة أخرى هناك روايات تؤكد احترام المسلمين لمقدسات الآخرين، منها ما ذكره البكري" أبي مينى، وهي كنيسة عظيمة فيها عجائب من الصور والنقوش توقد قناديلها ليلا ونهارا لا تطفى، وفيها قبو عظيم في أحد مبانيها فيها صورة جملين من رخام عليهما صورة إنسان قائم رجلاه على الجملين، إحدى يديه مبسوطة والأخرى مقبوضة، يقال إنّها صورة أبي مينى، كلّ ذلك من رخام. وفي هذه الكنيسة صور الأنبياء عليهم السلام كلّهم، صورة زكريا ويحيى وعيسى في عمود رخام عظيم على ذات يمين الداخل يغلق عليها باب، وصورة مريم قد أسدل عليها ستران ، وصور سائر الأنبياء. ومن خارج الكنيسة صور جميع الحيوان وأهل الصناعات ، من جملتها صورة تاجر الرقيق ورقيقة معه وبيده خريطة مفتوحة الأسفل، يعني أنّ التاجر بالرقيق لا ربح له. وفي وسط الكنيسة قبّة فيها ثماني صور يزعمون أنّها صور ملائكة، وفي جهة من الكنيسة مسجد محرابه إلى القبلة لا يصلّي فيه إلّا المسلمون حولها ثمار كثيرة وعامّتها اللوز الأملس والخروب المعسّل الرطب ويعقّد منه الأشربة، وكروم كثيرة تحمل أعنابها وشرابها إلى مصر". (المسالك والممالك للبكري2/647). وما ذكره الرحالة اليهودي بنيامين التطيلي" على بعد نصف ميل من قبر حزقيال، قباب تحتها قبور (حننية)، (ميشائيل) و(عزرية) ( أي العزير) وهذه الأبنية كلها محافظ عليها من قبل اليهود والمسلمين. لا يمسها أحد بضرر حتى في أيام الحروب". (رحلة بنيامين/312). اقرأ ما يقول الشريف الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق عن مصر، مع أن فيه طعن كبير للعرب وذكر لمثالبهم خلال الفتوحات الإسلامية" إنما سميت بالفسطاط لأن عمرو بن العاصي لما استفتح مصر وأراد المسير إلى الإسكندرية أمر بالفسطاط أن يحط ويسار به أمامه فنزلت حمامة في أعلاه وباضت بيضتها فأخبر بذلك عمرو فأمر أن يترك الفسطاط على حاله إلى أن تخلص الحمامة فرخيها ففعل وقال والله ما كنا لنسيء لمن ألفنا واطمأن بجانبنا حتى نفجع هذه الحمامة بكسر بيضتها فترك الفسطاط وأقام بمصر إلى أن تخلص فرخ الحمامة ثم ارتحل". ( نزهة المشتاق 1/323). قال الحميري" مدينة من كور الجزيرة من أعمال الموصل والجزيرة ما بين دجلة والموصل، و(آمد) بمقربة من (ميافارقين) فتحها عياض بن غنم بعد قتال على مثل صلح الرها، فإنه لما أتى الرها خرج إليه أهلها فقاتلوه فهزمهم المسلمون حتى ألجأوهم إلى المدينة فطلبوا الأمان والصلح، فأجابهم عياض إليه وكتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من عياض بن غنم لأسقف الرها إنكم إن فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدوا لي عن كل رجل منكم ديناراً أو مد قمح فأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم ومن تبعكم، عليكم ارشاد الضال وإصلاح الجسور والطرق ونصيحة المسلمين شهد الله وكفى بالله شهيداً". ( الروض المعطار1/3). وفي كتاب عتبة بن فرقد لأهل اذربيجان" هذا ما أعطاه عتبة بن فرقد عامل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل أذربيجان، سهلها وجبلها وحواشيها وشعابها وأهل مللها كلهم، على الأمان على أنفسهم وأموالهم وشرائعهم على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ليس ذلك على صبي ولا امرأة ولا زمن ليس في يديه من الدنيا شيء ولا متعبد متخل ليس في يديه من الدنيا شيء، لهم ذلك ولمن سكن معهم، وعليهم قرى المسلم من جنود المسلمين يوماً وليلة ودلالته، ومن حشر منهم في سنة رفع عنه جزاء تلك السنة، ومن أقام فله مثل ما لمن أقام في ذلك ومن خرج فله الأمان حتى يرجع إلى حرزه". ( الروض المعطار1/21). 9. فيما يتعلق بالرواة المتأخرين. مع الأسف أن بعض منهم سار كالأعمى وراء البغدادي وابن العبري دون أن يتبين درب الحقيقة، ويتوخى الدقة ويتحقق من الرواة سيما عمالقة المؤرخين وأقدمهم وأقربهم للحدث. هؤلاء البعض منهم ربما جاء حكمه بسبب عدم المعرفة وتوخي الدقة، ودون أن يكلفوا أنفسهم عناء الرجوع الى المصادر التأريخية الرئيسة والمعتمدة. والبعض الآخر بسبب العداء للإسلام والعروبة، ومحاولة تشويه الصورة الناصعة لهما والطعن بكبار الرموز. هؤلاء المغرضون يحبون الصيد في المياه العكرة. ومنهم على سبيل المثال الكاتب جرجي زيدان وهو ماسوني، عمل مترجما مع المخابرات البريطانية ورافقهم في حملتهم الاستعمارية على السودان سنة 1884 وحصل على ثلاث أوسمة بريطانية على نشاطاته المريبة. ذكر محمد كرد علي عنه" في سنة 1884 سار مع الحملة إلى السودان لإنقاذ غوردون باشا بصفة مترجم بقلم المخابرات وعاد بعد عشرة أشهر إلى بيروت وفي صيف سنة 1886 زار لندرا وعاد في الشتاء إلى مصر فتولى إدارة مجلة المقتطف والمؤازرة فيها حتى سنة 1888 وفي سنة 1892 اصدر مجلة الهلال".(مجلة المقتبس الجزء89/38 السنة 1914). من الحدير بالإشارة أن جرجي زيدان واحد من أشهر الماسونيين وهو صاحب كتاب (تأريخ الماسونية العام)". (راجع صحوة الرجل المريض/340). علاوة على شاهين مكاريوس (آداب الماسونية) والأب اليسوعي لويس شيخو(السر المصون في شيعة الفرماسون، ومحمد عبدة (جردة المنار لرشيد رضا/ ج 8/ 410). علما بإن إدارة مجلة المنار في مصر طبعت الانتقادات الموجهة لكتب جرجي بك زيدان صاحب الهلال وورد" ان النقد مفيد في كل موضوع بكر به تنجلي الحقيقة ويدمث المسلك الوعر والأول من هذه الانتقادات بقلم شمس العلماء الشيخ شبلي النعماني من أساتذة الهند. قال عنه الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني" ليست مؤلفات زيدان إلا فهارس لا تنقع غلة ولا تبل أواما ولا تفيد المطلع عليها، وليتها بعد ذلك سلمت من معرة الخطأ وخلت من الغلط الفاحش الذي يرجع إلى الإهمال والعجلة. فلا هي جامعة فيرجع إليها عند الحاجة ولا صحيحة فيعتمد عليها ويوثق بها وكذلك ليست رواياته بأرفع مرتبة من سائر تصانيفه وتوليفه فكثيراً ما تجد القصة فيها مشوشة مضطربة لأنه لم يتولها بروية ولم يتعهدها بنظر ولا تدبر وذلك شأنه في كل شيء ولو كان زيدان ذا تؤدة وأناة لما استطاع أن يخرج لقرائه هذا العدد الكبير من الكتب والروايات. لم يكن زيدان عظيماً ولا فحلاً من فحولة الكتَّاب ولا من أصحاب المبادئ ولا من ذوي البسطة في العلم والرسوخ فيه، وإنما غاية ما نستطيع أن نقوله عنه أنه كان من أرباب الاجتهاد مطبوعاً على العمل كثير الدؤوب عليه، هذا فضله وتلك مزيته. وليست مؤلفاته من الإبداع والحسن بحيث تصبح عندنا في مرتبة آبائنا وأحبابنا وتجاربنا لما يتجلى فيها من سعة الروح التي تكاد تلتهم الدنيا وتساوي العالم الذي تصوره! كلا! ليست كتب زيدان من هذا الصنف وليس زيدان في الحق إلا رجلاً من الأوساط لم يرفعه الذكاء وقوة الذهن وسعة الروح إلى مرتبة العظماء والفحول، ولم يهبط به الغباء والبلادة إلى درجة العوام والغوغاء ". (مجلة البيان20/41). قال جرجي زيدان" أن عمرو بن العاص أحرق تلك المكتبة بأمر الخليفة عمر بن الخطاب". (تاريخ مصر الحديث). بل أنه افترض أمرا غريبا يعكس سوء تقديره بقوله " لكن المسلمين بعد تمدنهم حذفوا هذا الكلام تصورا منهم أنه يسئ إلى دينهم وكبار رجالهم". (تأريخ التمدن الإسلامي3/49). مع إن التأريخ الإسلامي يحوي الكثير من المصائب التي لم يحذفها الرواة وهي تسيء للمسلمين والإسلام معا! مع هذا فقد ردٌ عليه المستر بتلر مؤلف كتاب (الفتح العربي لمصر) داحض تلك التهمة الباطلة. وهناك من حمل الشيعة فبركة الحادثة ورجح مسؤوليتهم عن حادثة الحرق، مثل محمد حسن هيكل بقوله " لعل الأسطورة نجمت في بيئات الشيعة". (الفاروق عمر2/170). والحقيقة أنه لا صحة لهذا الرأي، لأن مصدر الرواية ابن العربي والبغدادي والقزويني والقفطي وهم ليسوا من الشيعة. فبعض الرواة الشيعة تناقلوها كابن النديم وحاجي خليفة، ومن المحدثين الشيخ الأميني، ولكنهم ليسوا مصدرها الرئيس. أما طه حسن فالرجل كما قلنا حجة في الأدب وليس في التأريخ، لذا رأيه التاريخي في حرق المكتبة لا قيمة علمية له، لأنه نقله بعينه ولم يتمكن من إثباته بعقله غير البصير. 10. تشير الروايات بأن عمرو بن العاص حرق المكتبة مع بداية الفتح الإسلامي، وهنا نتوقف قليلا لأمر مهم لابد من التذكير به، وهو انه مع نهاية الحرب او استعمار أو فتح دولة، تقوم القوى الغازية باستخدام أسلوبين في التعامل مع شعوب الدولة الجديدة الخاضعة لنفوذها. أ. أسلوب القوة والترهيب واستخدام العنف ضد المواطنين لأشاعه الخوف والجبن الروح الانهزامية في صفوفهم فلا يجرأوا على مقاومة الغزاة خشية البطش بهم، وغالبا ما تستخدم القوى الغازية هذا الأسلوب مع الشعوب التي تقاومها قبل إخضاعها واستعمارها. أو عندما تتكبد القوى الغازية خسائرا كبيرة في الأرواح والمعدات فتثأر لقتلاها وتنتقم من الشعوب الني قاومتها بعد أن تبسط سيطرتها، وهناك المئات من الشواهد التأريخية على هذا الأسلوب أبرزها الغزو المغولي للعراق. ب. أسلوب الترغيب والتعاطف مع الشعوب المحتلة واستمالتهم الى صفها لدرأ اية محاولة منهم للتصدي الى قواتها الغازية أو تشكيل جيوب لمقاومة المحتل، وهذا الأسلوب قد يكون صادقا كما في حال الفتح الإسلامي للقدس ومصر، او مخادعا كما هو عليه الأمر مع الشعوب التي خضعت للاستعمار القديم والحديث. وسبق أن تحدثنا عن معاهدة الإسكندرية التي عقدها عمرو بن العاص مع المقوقس، وكيف إنه اهتم بالمصريين واستمالهم الى صفه واهتم بالعلماء والأدباء، لذا فلو قام على سبيل الفرض بحرق المكتبة ومعظم المصريين كانوا غير مسلمين لأثار سخطهم، وهذا ما لم يحدث. من جهة أخرى غالبا ما يصاحب الفتح الإسلامي للأمصار، حتى لو كان سلميا فوضى سياسية واقتصادية بسبب التخوف من الفاتحين الجدد والتوجس من أهدافهم، ويكون القائد الفاتح منشغلا حينها في إدارة الدولة الجديدة وتنظيم شؤونها على مختلف الصُعد، لذا فأن موضوع وجود مكتبات وتحديد مصيرها لا يمكن أن تكون من اولويات مهامه. على العكس مما يتقول الشعوبيون، قال ابن خلدون" كان عمرو بن العاص لما فتح الاسكندرية كتب لبنيامين بطرك اليعاقبة بالأمان، فرجع بعد ثلاث عشرة من غيابه، وكان ولّاه هرقل في أوّل الهجرة كما قدمنا. وملك الفرس مصر والاسكندرية عشر سنين عند حصار قسطنطينية أيام هرقل، ثم غاب عن الكرسي عند ما ملك الفرس وقدموا الملكيّة، وبقي غائبا ثلاث عشرة سنة أيام الفرس عشرة وثلاث من ملكة المسلمين، ثم أمّنه عمرو بن العاص فعاد ثم مات في تاسعة وثلاثين من الهجرة، وخلفه في مكانه أغاثوا فملك سبع عشرة سنة". (تأريخ ابن خلدون2/270). والأهم من هذا وذاك هو ما يقوله مؤرخو الغرب عن عمر بن العاص. يذكر محمد مسعود" في الموسوعات الفرنسية العظمى في لفظة عمر جاء ما يأتي" كان عمر بن العاص شهما كريما حميد الأخلاق متحليا برداء التمدن، لذا يبعد عن الظن إنه هو الذي أحرق دار كتب الاسكندرية، التي كان قد دمرها النصارى من قبله بزمن مديد". (المنحة الدهرية/97). ملحق مهم مقالة مهمة للعلامة الشيخ شبلي النعماني أحد كبار دعاة الإصلاح في البلاد الهندية فند فيها أكذوبة حرق المسلمين مكتبة الإسكندرية، قام بتعريبها المرحوم محمد لطفي جمعة جاء فيها" أول من أشاع هذه الإشاعة في أوربا رجل اسمه أبو الفرج وهو ابن رجل من بني إسرائيل اسمه هرون الطبيب. وقد ولد أبو الفرج هذا في ملاطيه سنة 1226م. وانتحل أبوه المسيحية فنشأ الولد عليها وتفرغ في صباه لدرس فقهها وتمحيص حقاق تلك العقيدة وكان يحسن العربية والسريانية ولما ظهر علمه وبان فضله عين أسقفاً لجوبا وهو حينئذ في الحادية والعشرين من عمره ومازال يرتقي درجات الكهنوت حتى صار رئيس طائفة اليعاقبة ولم يكن فوقه سوى البطريرك وكتب أبو الفرج تاريخاً جمعه من مصادر شتى عربية وفارسية وسريانية ويونانية واختصره في سفر صغير كتبه بالعربية وسماه مختصر الدول وكان هو أول من ذكر خبر إحراق مكتبة الإسكندرية فلما نقل الكتاب إلى اللاتينية سنة 1664 بدأت الإشاعة تتفشى في أوربا بأسرها. وإليك ما ذكره جيبون في تاريخه بالحرف: وقد ذكر (ارفنح) و(كريستون) و(فلين) وغيرهم أن ما أشيع عن الإسلام والمسلمين من المساوئ لم يكن له ذكر قبل نقل هذا الكتاب مختصر الدول إلى اللاتينية ومن ذلك الحين ابتدأ الغربيون يبغضون المسلمين ويحتقرونهم وهاك ما جاء في مختصر الدول بهذا الشأن: ولما أحب عمرو يوحنا فيلوبونوس لعلمه وأدبه وقرَّبه من مجلسه وأدناه من نفسه وصارت ليوحنا دالة على عمرو لقيه يوماً وقال له: لقد ملكتم كل شيء في هذا البلد (الإسكندرية) بعد فتحه. فنحن لا نعارض في امتلاككم ما ينفعكم كما أنني لا أرى مانعاً من أن ننتفع بما لا تريدون فسأله عمرو عن غرضه فقال أريد ما في المكاتب الملكية من الكتب والمؤلفات الفلسفية. فقال عمرو لابد لي أن أسأل الخليفة في ذلك وكتب إليه يشاوره في الأمر فاتاه من عمر هذا الجواب. إذا كانت الكتب التي تشير إليها تتفق مع كتاب الله فلا حاجة لنا بها وإذا كانت تخالفه فإتلافها خير وأولى. فوزع عمرو الكتب على حمامات الإسكندرية وأمر بإحراقها لإحمائها فاستمرت النار ستة أشهر تأكل الكتب. فاقرأ وتعجب ما جاء في مختصر الدول. وقد انتشرت الإشاعة في أوربا على هذه الصورة وكان العلامة جيبون أول من نبه الناس إلى خطئها فإنه قال في كتابه إنني لا أعتقد بصحة هذه الرواية لأسباب قوية منها أن أبا الفرج بن هرون ولد بعد فتوح الإسكندرية بخمسة قرون وجاء قبله كثيرون من المؤلفين والمؤرخين ونحن لم نجد لهذه الإشاعة فيما كتبوه عن مصر ذكراً فكيف نعتمد على قوله ونحله من الصدق غير محله. وقد نبه جيبون بذلك أذهان علماء الغرب فانقسموا قسمين قسم نهض لمناصرة جيبون وقسم قام لمعارضته ومناهضته ومن هؤلاء (المستر كريستون) الذي كتب تاريخاً للإسلام فإنه قال: لو فرضنا أن أبا الفرج كاذب فيما قال واستغنينا عن روايته فإننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن غيره من كتاب المسلمين أنفسهم أمثال عبد اللطيف البغدادي والمقريزي وكلاهما ذكر القصة في تاريخه بالتطويل. وكذلك قال (الهير كيريل) وهو يقول أن عبد اللطيف أول من ذكر هذه الحادثة وهو أيضاً ولد بعدها بخمسة قرون. وإذ أن منبع هذه الإشاعة هو ما كتبه مؤرخو العرب فنحن أعلم بما كتبه هؤلاء من غيرنا والمثل العربي يقول وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. ونحن نعلم أن الإفرنج الذي أيدوا الإشاعة اعتمدوا في كتبهم على ما كتبه عبد اللطيف والمقريزي وحاجي خليفة وقد سرت عدوى التقليد إلى بعض جهال المؤلفين فنقل أحدهم خبر وعزاه إلى ابن خلدون مما دل على أنه لا يعرف من العربية وكتبها شيئاً. ومن العجيب أنه ينقل ما نقل عما كتبه ابن خلدون عن عمر هذا على شهرة الكتاب بين قراء العربية وعلمهم بأنه لم يحدث لهذه القصة الكاذبة ذكراً. أما كتاب المقريزي فها هو بين أيدينا ففي الجزء الأول من ص151 وصف المؤلف عمود السواري وهو أحد الأعمدة الشهيرة بالإسكندرية نقلاً عن عبد اللطيف البغدادي حرفاً بحرف. أما مكتبة الإسكندرية فقد ورد ذكرها عرضاً في تاريخ المقريزي ولذا يرى (الموسيو لانجل) أن ما كتبه المقريزي عن المكتبة لم يجيء في كتاب المقريزي إلا عرضاً أيضاً. ومن الغريب أن المؤلفين من الإفرنج ممن لم يروا تاريخ المقريزي مرة في حياتهم ويشيرون إليه في كتبهم وإلى سابقه تاريخ عبد اللطيف. أما المسيو لانجل فقد قرأ تاريخ المقريزي في لغته بالحرف ونقل منه تاريخ فتوح الإسكندرية نقلاً وافق فيه الأصل فلم يرد لمكتبة الإسكندرية في خلال ما كتب ذكر أو شبه ذكر. وعليه فلا يبقى لدينا إلا مؤرخان هما عبد اللطيف وحاجي خليفة وكثيراً ما يشير مؤرخو الإفرنج إلى الأخير، ولكنهم لا يقتبسون منه حرفاً. وقد أراحنا دي ساسي من عناء بحث طويل في هذا الموضوع بأن نقل ما كتبه حاجي خليفة بهذا الشأن وهو: اهتمَّ الناس في صدر الإسلام بدرس فروع الشريعة وفنون الطب لاحتياجهم إلى الأمرين وضربوا صفحاً عما سواهما. ولما كانت العقيدة لم تثبت بعد ولا تزال مقلقة في قلوب الكثيرين ممن انتحلوا هذا الدين رأى أولو الأمر أن يحرقوا ما وجدوه من كتب العلم والحكمة في مكاتب البلدان المغلوبة لئلا يجد الشك سبيلاً إلى قلوب المسلمين. ويرى القارئ أن حاجي خليفة نفسه لم يذكر الإسكندرية أو مكتبتها بحرف إنما ذكر أمر احتراق الكتب عامة ولم يعين مكاناً وهذا نوع من التعمية والنقص في التاريخ لا ينبغي الركون إليه أو الاعتماد عليه فلم يبق بعد إلا عبد اللطيف البغدادي وهو الذي كتب كتاباً فيما شهده في مصر وقد فرغ من تصنيفه في العاشر من شهر شعبان سنة 603 للهجرة. وقد جاء فيه من الأغلاط والأكاذيب في وصف منارة سافاري ونسبتها إلى أرسطو والاسكندر وغيرهما ما يزعزع الثقة فيما كتبه هذا الثقة. وقد ذكر هذا الهير كيريل في رسالته التي قرأها على أعضاء مؤتمر علماء المشرقيات. على أن لدينا دليلاً آخر لهدم ما بناه عبد اللطيف لو فرضنا صدقه. أن عبد اللطيف لم يكن مؤرخاً بل كان كتابه عبارة عن مجموعة حوادث رآها في عصره وأحب أن يدونها بدون إمعان نظر أو أعمال فكرة". من الرسالة يتضح ضعف المصادر التي أعتمد عليها المؤرخون الغربيون في ترويج أكذوبة حرق المسلمين لمكتبة الإسكندرية التي لم يكن لها وجود أصلا في زمن العمرين. أهم مصادر المبحث ـ القرآن الكريم. ـ الأحاديث النبوية في الصحاح والسنن والمساند. ـ تأريخ مختصر الدول. غريغوريوس ابن أهرون المعروف بأبن العبري. دار الشروق. بيروت 1992 ـ تأريخ مختصر الدول. غريغوريوس ابن أهرون المعروف بأبن العبري. تحقيق أنطوان صالحاني اليسوعي. دار الرائد اللبناني . بيروت 1994 ـ تأريخ الحكماء. جمال الدين القفطي. طبعة خانة اصفية سرمار. حيدر آباد الدكن. تأريخ الحكماء. جمال الدين القفطي. مطبعة السعادة. مصر 1326 هـ. ـ الفهرست. ابن النديم. دار المعرفة للطباعة والنشر. ـ المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار للمقريزي. طبع بولاق 1272هجريه . ـ المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار. أحمد بن علي العبيدي تقي الدين المقريزي. دار الكتب العلمية. بيروت. 1481 هـ ـ كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون. حاجي خليفة. دار إحياء التراث العربي. بيروت 1941 ـ تأريخ ابن خلدون. طبعة أبناء الشيخ محمد عبد الخالق. مصر. 1930 ـ تاريخ المسيحية الشرقية. عزيز سوريال عطية. ترجمة إسحق عبيد ـ موسوعة من تراث القبط، مجموعة من المؤرخين والعلماء المتخصصين. الدكتور الأستاذ سمير فوزي جرجس. الدكتور: موريس أسعد. الجزء الأول. ـ دليل إلى قراءة تاريخ الكنيسة، تحت اشراف المطران يوسف ضرغام، ونيافة الأنبا يوحنا قلتة، والمستشار الأب فاضل سيداروس اليسوعي، ترجمة الأب صبحي حموي اليسوعي. الجزء الثاني: ـ حضارة العرب. جوستاف لوبون. طبعة باريس. 1884. ـ الكنيسة العراقية إزاء الاضطهادات الفارسية. الأب سهيل قاشا ـ أحكام أهل الذمة. ابن قيم الجوزية. تحقيق: يوسف البكري. أحمد بن توفيق. دار رمادي. الدمام 1997. ـ كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور والمشاهدات والحوادث المعاينة بأرض مصر. موفق الدين عبد اللطيف بن يوسف البغدادي. إشراف وتقديم: د . عبد الرحمن الشيخ. الهيئة المصرية العامة للكتاب. الطبعة الثانية 1998. ـ الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر. عبد اللطيف البغدادي (توفي 629 هـ) . تحقيق. علي عمر. مطبعة وادي النيل. مصر 1286 هـ ـ اغتيال العقل الشيعي. علي الكاش. دار النشر: أي للكتب. لندن 2015 ـ مقال بعنوان هل أحرق عمرو بن العاص مكتبة الاسكندرية. د. نبيل لوقا. جريدة الأهرام المصرية في 18/9/2003. ـ قصة الحضارة ، ول ديورانت: ترجمة د. زجي نجيب محمود. ومحمد بدران. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. جامعة الدول العربية. ـ تأريخ العرب. فيليب حتي. جبرائيل جبور. أدور جرجي. دار الكشاف للنشر والطباعة. 1 ط بيروت 1958. ـ تفسير إبن كثير. لإسماعيل بن عمر الدمشقي (8 أجزاء). دار طيبة 2002 ـ كتاب الخراج للقاضي ابي يوسف يعقوب بن إبراهيم. دار المعرفة. بيروت. بلا ـ لسان الميزان. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة. مكتب المطبوعات الإسلامية. 2002 ـ الكنى والألقاب. عباس القمي. مؤسسة الوفاء. بيروت 1983 ـ رسائل الجاحظ. عمرو بن بحر ابو عثمان. تحقيق عبد السلام محمد هارون. مكتبة الخانجي. القاهرة 1964. ـ ديوان المبتدأ والخبر في تأريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر. عبد الرحمن ابن خلدون. تحقيق خليل شحادة. دار الفكر. بيروت 1988 ـ الإشارات الى معرفة الزيارات. ابو الحسن الهروي (توفي 611 هـ) . تحقيق. علي عمر. مكتبة الثقافة الدينية. مصر 1423 هـ ـ رحلة بنيامين بن يونة التطيلي. الرابي بنيامين التطيلي . تقديم عباس العزاوي. المجمع الثقافي. أبو ظبي. 2002 ـ السفرنامة. ابو معين الدين ناصر خسرو المرز وي. تحقيق: د. يحي الخشاب. دار الكتاب الجديد. بيروت 1983 ـ تاج المفرق في تحلية علماء المشرق. خالد بن عيسى البلوي الملقب ابو البقاء (767 هـ). . المكتبة الشاملة. ـ فضائل مصر المحروسة. ابو عمر بم يعقوب الكندي المصري. المكتبة الشاملة. ـ تأريخ المستبصر. ابن المجاور الشيباني (690هـ). . المكتبة الشاملة. ـ المسالك والممالك. أبو عبيد عبد الله البكري. دار الغرب الاسلامي. 1992 ـ المسالك والممالك (الكتاب العزيزي). الحسن بن احمد المهلبي (متوفي 380 هـ). المكتبة الشاملة. تعليق. تيسير خلف. 2005 . ـ كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار. كاتب مراكشي (توفي قبل القرن السادس هـ). تحقيق: سعد زغلول عبد الحميد. دار الشؤون الثقافية. بغداد. 1986 ـ حدود العالم من الشرق الى المغرب. كاتب مجهول. ترجمه عن الفارسية يوصف الهادي. الجار الثقافية. القاهرة . 1423 هـ. ـ الروض المعطار في خبر الأقطار. أبو عبد الله محمد الحميري (متوفي 900 هـ). تحقيق: احسان عباس. مؤسسة ناصر للثقافة. بيروت 1980. ط2 ـ نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. الشريف الإدريسي. (توفي 560 هـ). عالم الكتب. بيروت 1409 هـجرية. ـ صورة الأرض. محمد بن حوقل البغدادي (متوفي بعد 367 هـ). دار صادر. بيروت 1938 ـ مسالك الأبصار في ممالك الأمصار. شهاب الدين العمري (700ـ 749 هـ). تحقيق د. أحمد عبد القادر الشاذلي. المجمع الثقافي. ابو ظبي 1423 هـ ـ تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الأسفار. محمد بن عبد الله الطنجي (ابن بطوطة المتوفي 779 هـ). دار الشرق العربي. ـ مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع. عبد المؤمن بن عبد الحق صفي الدين البغدادي. دار الجيل. بيروت. 1412 هـ. ـ رحلة ابن جبير. محمد بن احمد بن جبير (المتوفي 614 هـ). دار بيروت للطباعة والنشر. بيروت الطبعة الأولى. ـ خريدة العجائب وفريدة الغرائب. سراج الدين بن المظفر بن الوردي (المتوفي852 هـ). تحقيق: أنور محمود زناتي حسني التونسي. مكتبة الثقافة الاسلامية. مصر 2008. ـ معجم البلدان. شهاب الدين ابو عبد الله ياقوت الحموي(المتوفي 626 هـ). دار صادر بيروت. 1995 ـ المنحة الدهرية في تخطيط مدينة الاسكندرية. محمد مسعود. المطبعة الحلمية. الاسكندرية. 1308 ـ المقتطف من أزاهر الطرف. ابن سعيد المغربي الأندلسي (توفي685 هـ). منشورات شركة أمل. القاهرة. 1425 هـ. ـ الساق على الساق فيما هو الفارياق. أحمد فارس بن يوسف الشدياق. (المتوفي1304 هـ). المكتبة الشاملة ـ بهجة الخاطر ونزهة الناظر. الشيخ يحي بن حسين البحراني. تحقيق: السيد امير رضا زاده. مجمع البحوث الاسلامية. مشهد. 1430 هـ علي الكاش.

عدد مرات القراءة:
1118
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :