معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

بين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه ..
الكاتب : عبدالرحمن بن آدم ..

بين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وأمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم 

     إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

وبعد ..

     علي رضي الله عنه هو إبن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل بيته ومن ساداتهم بل هو سيدهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الصحابة الأجلاء، ومن السابقين الأولين من المهاجرين، ومن العشرة المبشرين بالجنة، ومن أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ومن المجاهدين في صفوف المسلمين المؤمنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى عهد إخوانه الخلفاء الثلاثة المهديين الراشدين، وقد ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على حياته قيادة جيش المسلمين المؤمنين وأعطاه الراية لفتح خيبر، وزوجه بابنته وبضعته السيدة فاطمة رضي الله عنها، وهو أبو الحسن والحسين رضي الله عنهما سبطي النبي صلى الله عليه وسلم وريحانتاه، وهو رابع الخلفاء المهديين الراشدين، وأمير المؤمنين، وله ما صح من الفضائل الشيء الكثير، منها على سبيل المثال لا الحصر  :

     1- قول النبي صلى الله عليه وسلم له يوم خيبر " لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال : فبات الناس يدوكون ليلتهم : أيهم يعطاها ؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها، فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ قيل يشتكي عينيه، قال : فأرسلوا إليه. فأتى به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية .. " 

     2- " والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي إلي : أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق ".

     وهكذا معاوية رضي الله عنه فإنه من الصحابة الأجلاء المجاهدين، ومن كتاب الوحي، وقد ولاه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على عهده ولاية الشام، فبقي في ولايته على الشام حتى عهد الحسن رضي الله عنه، ثم أميرا حاكما خليفة  على بلاد المسلمين عامة بتنازل الحسن رضي الله عنه عن الإمارة والحكم والخلافة له، فهو أمير المؤمنين، وهو أول من آتاه الله عزوجل الملك من المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خلافة نبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء " وهو أول خلفاء بني أمية.

      فإن قلة في فضائله الروايات فإنه يكفيه قول الله عز وجل " وما لكم ألا تنفقوا في سبيل ولله ميراث السموات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير ".

     فالكلام عن سيرة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وسيرة أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه يطول وقد أعطى من كتب فيها من أهل السنة والجماعة المقام حقه وكفى ووفى إلا أننا وددنا أن نمر عليها بشيء منها مرورا سريعا.

     نعم، لا يداني ولا يوازي معاوية رضي الله عنه عليا رضي الله عنه في الفضل، فعلي رضي الله عنه أفضل من معاوية رضي الله عنه باتفاق أهل السنة والجماعة، حتى قال ابن كثير رحمه الله عند كلامه عن وقعة صفين: ... وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله عز وجل. (البداية والنهاية، 7 /358).
     إذن ما هو سبب الخلاف الذي وقع بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه ؟ الجواب : الخلاف الذي وقع بينهما هو خلاف في الرأي أدى إلى ما أدى إليه من معركة تسمى بمعركة صفين بين طائفتين عظيمتين من المسلمين.  

     فالكلام في هذه المسألة " معركة صفين " وما جرى فيها بين المسلمين وفي صفوفها يوجد رجال من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى إعادة النظر مرارا وتكرارا فيما رويت في حقها من أخبار مع جمعها إلى بعضعها البعض لتتضح هذه المسألة حتى تخرج بنتيجة قد تفهم من خلالها طائفة النواصب المبغضين لعلي رضي الله عنه وطائفة الروافض المبغضين لمعاوية رضي الله عنه. 

     فأصل الخلاف الذي وقع بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه هو في دم عثمان رضي الله عنه الذي قتله الخوارج الذين اندسوا فيما بعد في الصفوف مع جيش علي رضي الله عنه يدعون التشيع له ليحتموا به من معاوية رضي الله عنه، فعلي رضي الله عنه كان من رأيه أن يؤجل القصاص من هؤلاء الخوارج قتلة عثمان رضي الله عنه حتى يستتب أمر الخلافة وتسكن الأمور وتهدء النفوس لا أنه لا يريد الاقتصاص من قتلته ومعاوية رضي الله عنه كان من رأيه أن لا يؤجل القصاص والاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه.

     فدعوى علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه واحدة وهي الاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه إلا أنهم اختلفوا في وقت الاقتصاص، كما وأن دعواهما في الإسلام والإيمان واحدة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة دعواهما واحدة ". وجاء عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما كما في مصنف إبن أبي شيبة رقم( 37841 ) وهو يرد قول الرجل الذي قال " كفر أهل الشام "، " لا تقولوا ذلك : نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق،  فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه " قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم ج11 ص 18، " .. بل اعتقد كل فريق أنه المحق، ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيبا وبعضهم مخطئا معذورا في الخطأ، لأنه لاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه "، وجاء عند الشيعة عن علي رضي الله عنه : وكان بدء أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام . والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا في الاسلام واحدة . لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله صلى الله عليه وآله ولا يستزيدوننا . الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء (نهج البلاغة، ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى أهل الأمصار يقتص فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين).

     نعم، هناك من أهل العلم من أهل السنة والجماعة من يظهر لنا من قوله عند شرحه لحديث " ويح عمار تقتله الفئة الباغية " من أن معاوية رضي الله عنه ومن معه هم من يبغي على علي رضي الله عنه،  وأنهم هم الفئة الباغية، وهناك من يرى رأيا آخر وهو رأي لشيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله حيث يقول في مجموع الفتاوى ج 35 ص77 : " ثم ( إن عمارا تقتله الفئة الباغية ) ليس نصا في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه، بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها. ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار : كعبدالله بن عمرو بن العاص وغيره، بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار، حتى معاوية، وعمرو " فالواجب معرفة ان أخوة علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه باقية لم تزعزها هذا البغي والدليل على ذلك قول الله عز وجل " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون " كما وأن الآية تدل على أن هناك ثلاث طوائف، الغير باغية، والباغية، والساعية في الصلح بينهما. وعلى المسلم أن يعلم بأن معاوية رضي الله عنه على الحق في هذه الجزئية من المطالبة بالاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه يؤيده على ذلك لعلمه بقول الله سبحانه وتعالى " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " ولكنهما اختلفا في وقت الاقتصاص متى يكون. 

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى ج 4 ص 467، في تعقيبه على حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ( تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق )، " فهذا الحديث الصحيح دليل على أن كلتا الطائفتين المقتتلتين - علي وأصحابه، ومعاوية وأصحابه - على حق، وأن عليا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه "، وقال أيضا في ج 25 ص 305، 306 " فبين سبحانه وتعالى أنهم مع الاقتتال، وبغي بعضهم على بعض : مؤمنون إخوة، وأمر بالإصلاح بينهم، فإن بغت إحداهما بعد ذلك : قوتلت الباغية، ولم يأمر بالاقتتال إبتداء. 

     وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الطائفة المارقة [ الخوارج ] : يقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق، فكان علي بن أبي طالب ومن معه هم الذين قاتلوهم. 

فدل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على أنهم أدنى إلى الحق من معاوية ومن معه، مع إيمان الطائفتين ".
     قلت : جاء في أثر حنظلة بن خويلد العنزي في مسند الإمام أحمد رحمه الله وقد صححه العلامة أحمد شاكر رحمه الله، وهو مروي أيضا في مجمع الزوائد ورجاله ثقات، يقول فيه : " ( بينا أنا عند معاوية، جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما : أنا قتلته، فقال عبدالله بن عمرو : ليطب به أحدكما نفسا لصاحبه، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تقتله الفئة الباغية، فقال معاوية : فما بالك معنا ؟ قال : إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه، فأنا معكم، ولست أقاتل!! " وهذا يدل على أن من قتل عمار رضي الله عنه هو في جيش أو عسكر معاوية رضي الله عنه، ولم يأتي في الأثر ولو إشارة فضلا عن التصريح من أن الذي قتله هو صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر بين في الأثر، فلو كان هذين الرجلين من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين لصرح عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما باسمهما، وهذا يؤيد به قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله السابق " ليس نصا في أن هذا اللفظ في معاوية وأصحابه، بل يمكن أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته وهي طائفة من العسكر ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها، ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار : كعبدالله بن عمرو بن العاص وغيره، بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار، حتى معاوية، وعمرو "، فالصحابة رضي الله عنهم أجمعين كانوا مجتهدين يظن كل واحد منهم أنه على الحق فيما ذهب إليه ولم يخطر له أبدا بأنه على خطأ ما في جزئية ما في هذه المسألة أو القضية الواقعة بين الفئتين.

     فالحاصل أن الصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة في بعض الجزئيات من آراءهم قد وفقوا في إصابة الحق وفي بعضها الآخر لم يوفقوا في إصابة الحق ولكن أرى أن من اعتزل الفريقين ولازم بيته هو المصيب كليا، وذلك لخوفه من الوقوع في الفتن التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، كما في قوله " بادورا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا " ففروا من الوقوع في الكفر الذي قال فيه نبيهم صلى الله عليه وسلم " .. لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " وقال " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل : يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه " فهذه دوافع دفعت بهم إلى اعتزال الفريقين، لا سيما إذا تعذر عند الفريق الذي اعتزل الصلح بين الفريقين من المسلمين ورأى أن ذلك متعذر لا يمكن وقوعه وقد دخل فيه رؤوس الفتنة من الخوارج وانضمت إلى إحدى الفريقين وهو فريق علي رضي الله عنه لا إختيارا منه لهم رضي الله عنه، كلا، بل خطة مكر وخداع ودهاء من رؤوس الفتنة هؤلاء لتحقيق غايتهم في ضرب المسلمين واشغالهم ببعضهم البعض عن الانشغال بهم والتفرغ لهم، لذا لم تنجح رغبة من سعى للصلح، وذلك لوجود أمثال هؤلاء من رؤوس الفتنة في إحدى صفوف المسلمين حتى رجع من يريد الصلح بين الفريقين أو الفئتين من المسلمين فاقدا لأمل الصلح كأم المؤمنين السيدة عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين. قال إبن سيرين رحمه الله فيما نقله عنه الخلال في السنة ج2ص466، رقم الأثر 728، " هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف، فما حضر فيها مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين ". ولا أعتقد فيمن خاض هذه المعركة من الصحابة رضي الله عنهم أنه لم يندم على الخوض فيها، بل جاء عند الشيعة عن علي رضي الله عنه أنه ندم على الخوض في هذه المعركة حتى أن إبنه الحسن رضي الله عنه كان يذكره بأنه نهاه من الخوض في هذه المعركة  "  لما نزل علي عليه السلام بالربذة سألت عن قدومه إليها، فقيل : خالف عليه طلحة والزبير وعائشة، وصاروا إلى البصرة، فخرج يريدهم، فصرت إليه، فجلست حتى صلى الظهر والعصر، فلما فرغ من صلاته قام إليه ابنه الحسن بن علي عليهما السلام فجلس بين يديه، ثم بكى، وقال : يا أمير المؤمنين، إني لا أستطيع أن أكلمك، وبكى . فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : لا تبك يا بني، وتكلم، ولا تحن حنين الجارية . فقال : يا أمير المؤمنين، إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه، إما ظالمون أو مظلومون، فسألتك أن تعتزل الناس وتلحق بمكة حتى تؤوب العرب وتعود إليها أحلامها، وتأتيك وفودها، فوالله لو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب آباط الإبل حتى تستخرجك منه، ثم خالفك طلحة والزبير فسألتك أن لا تتبعهما وتدعهما، فإن اجتمعت الأمة فذاك، وإن اختلفت رضيت بما قضى الله، وأنا اليوم أسالك ألا تقدم العراق وأذكرك بالله أن لا تقتل بمضيعة (الأمالي، للطوسي، 52).

إذن من اعتزل هذه المعركة هو المصيب كليا.

     ولكن يبقى هذا السؤآل عند البعض ويتكرر، هل معاوية رضي الله عنه ومن معه هم الفئة الباغية التي بغت على علي رضي الله عنه ومن معه ؟ وهل أخطأوا في بغيهم ؟

     نعم، هم الفئة الباغية في رأي من يرى ذلك من أهل العلم عند شرحه لحديث " ويح عمار تقتله الفئة الباغية " وفي رأي غيرهم كشيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله كما سبق " ليس نصا في أن هذا اللفظ في معاوية وأصحابه، بل يمكن أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته وهي طائفة من العسكر، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها. "، وقد وقعت في الخطأ من بغت على الأخرى بلا ريب، وأما عن معاوية رضي الله عنه فلو سلم لولي الأمر الشرعي وهو علي رضي الله عنه زمام الأمور ووكل إليه الأمر في الاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه لكان أقوم وأسلم، ولكنه مشيئة الله عزوجل وأمره وكان أمر الله عزوجل قدرا مقدورا.

وقد يقول القائل : أن مشيئة الله عزوجل وأمره له سبب وهو بغي معاوية رضي الله عنه ومن معه على علي رضي الله عنه ومن معه.

     أقول : الجواب قد سبق من قول الله عز وجل " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون " ولا يوجد في الآية الكريمة من أن الفئة الباغية التي بغت على الفئة الأخرى الغير باغية أنها كافرة غير مؤمنة بل ان الآية الكريمة تخبرنا بإيمان الفئتين الباغية وغير الباغية، فلا تخرج الفئة الباغية عن مسمى الإيمان إلا بنص شرعي قطعي الدلالة، كما دخلته بنص شرعي قطعي الدلالة، والنص الشيعي السابق يؤيد النص الشرعي ويثبت إيمان معاوية رضي الله عنه ومن معه كما في نهج البلاغة عند الشيعة عن علي رضي الله عنه " .. لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله صلى الله عليه وآله ولا يستزيدوننا .. " لذا لا يجوز لأحد يدعي الإسلام أن يفتري على معاوية رضي الله عنه ويدعي في حقه كذبا وزورا وبهتانا ما لا برهان عليه ولا حقيقة له ولا صدق فيه، لأنه سوف يكون رضي الله عنه خصمه أمام الله عزوجل يوم القيامة.

أما عن قول إبن بطال رحمه الله في " شرح صحيح البخاري " ج2 ص98، 99، عند شرحه لحديث( ويح عمار تقتله الفئة الباغية )، " قوله : ( يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار )، إنما يصح ذلك في الخوارج الذين بعث إليهم علي عمارا ليدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من الصحابة، لأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل، لأنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أثنى عليهم وشهد لهم بالفضل، فقال تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) آل عمران/ 110.

قال المفسرون : هم أصحاب رسول الله، وقد صح أن عمارا بعثه علي إلى الخوارج يدعوهم إلى الجماعة التي فيها العصمة ".

فإن قوله في ( يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ) " إنما يصح ذلك في الخوارج .. " فيه نظر، وذلك لوجود  " ويح عمار تقتله الفئة الباغية " ابتداء في أول النص الذي تتمته " يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار "، فإذا قلنا : هذا الجزء المتمم للنص هو في حق الخوارج ، فإنه يلزمنا أن نقول بأن أول النص " ويح عمار تقتله الفئة الباغية " هو أيضا في حق الخوارج، لأنه بسياق واحد لنص واحد، فهذا لا يستقيم لأحد أن يقول به، وذلك لأثرحنظلة بن خويلد العنزي الذي في مسند الإمام أحمد رحمه الله، فالرجلين المتخاصمين في رأس عمار رضي الله عنه، قد دخلا على معاوية رضي الله عنه  وهما يتخاصمان ويقولان له بأنهما من قتل عمار رضي الله عنه، فكيف يكونان من الخوارج ويدخلان على معاوية رضي الله عنه وهو الذي يطلب الاقتصاص من الخوارج؟ 

أي نعم لا يصح هذا في حق الصحابة إلى آخر ما قاله ابن بطال رحمه الله لأنهم مجتهدون  غير متعمدين لفعل المعصية وغير حريصين على قتال وقتل إخوانهم فهم معذورون لما حصل أو وقع أو ظهر لهم من تأويل رضي الله عنهم أجمعين، ولكن لا يصح قوله أيضا في حق الخوارج لما تقدم وإن كانوا قد حادوا عن الحق إلى الباطل والضلال.

إلا إذا كان مراد ابن بطال رحمه الله من أن الحديث " ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " هو في حق الخوارج من باب أنهم هم رأس الفتنة البغاة الذين سعوا فيها فاشعلوها ابتداء حتى الانتهاء منها بين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وادخلوهم فيها من غير رغبة أو حرص أي منهم على الدخول فيها حتى راح ضحية فتنتهم ابتداء عثمان ثم عمار رضي الله عنهما، لا سيما وأنه قد صح عن علي رضي الله عنه كما يقول ابن بطال رحمه الله إرساله إلى الخوارج عمارا رضي الله عنه ليدعوهم إلى الجماعة.

فحينها لا مانع من أن يكون حديث " ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " هو في حق الخوارج . نعم، لا مانع.

فالقول الفصل الذي يجيب عن قول من يقول أن حديث " ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " هو في حق معاوية رضي الله عنه ومن معه، ما قاله شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله (عمار تقتله الفئة الباغية) ليس نصاً في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه، بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها. ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار : كعبدالله بن عمرو بن العاص وغيره، بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار، حتى معاوية، وعمرو "، وما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في الفتح ج1ص542، " فإن قيل كان قتله بصفين وهو مع علي والذين قتلوه مع معاوية وكان معه جماعة من الصحابة، فكيف يجوز  عليهم الدعاء إلى النار ؟ فالجواب : أنهم كانوا ظانين أنهم يدعون إلى الجنة، وهم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم، فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها وهو طاعة الإمام، وكذلك كان عمار يدعوهم إلى طاعة علي وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك، وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك، لكنهم معذرون للتاويل الذي ظهر لهم " وما قاله أيضا النووي رحمه الله في " المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج " ج11ص18، " واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخله في هذا الوعيد - يعتي قول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار -، ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون لم يقصدوا معصية، ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق، ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيبا وبعضهم مخطئا معذورا في الخطأ، لأنه لاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه ".

قلت : إذن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " .. يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " لا يفهم منه أن معاوية رضي الله عنه ومن معه كفار أو أنهم قد كفروا والعياذ بالله، فإن هذا لم يفهمه ولم يقل به حتى علي نفسه رضي الله عنه، بل العكس أثبت إيمان معاوية رضي الله عنه ومن معه فيما ذكره علماء الشيعة الإثني عشرية أنفسهم عن علي رضي الله عنه كما في نهج البلاغة، بل أن من علماء الشيعة الإثني عشرية من يقول أن عليا رضي الله عنه لم يكفر الخوارج ولم يسبي نساءهم وأن الخوارج هم من كفروه.

مع أنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخوارج أحكام غليظة، شديدة العبارة، مع هذا لم يكفر علي رضي الله عنه الخوارج عند علماء الشيعة الإثني عشرية، فكيف يراد من علي رضي الله عنه أن يكفر معاوية رضي الله عنه ومن معه؟

نعم، الخروج عن طاعة ولي الأمر المسلم الشرعي خطأ ومعصية وعليه وعيد في الشرع، ولكن لم يقل أحد من أهل العلم ممن يعتد بقوله بأنه كفر، وإنما هو معصية وللمعصية وعيد بالنار كسائر المعاصي، لذا قال : " يدعوهم إلى الجنة " أي إلى طاعة ولي الأمر المسلم الشرعي، " ويدعونه إلى النار " أي إلى عدم طاعة ولي الأمر المسلم الشرعي، ولكن من غير تعمد عدم الطاعة أو تعمد وقوع المعصية لأنهم لم يروا ذلك أنه معصية للتأويل الذي حصل أو وقع أو ظهر لهم وان كان في الأصل ما حصل لهم هو معصية سواء تعمدوه أو لم يتعمدوا فإن هذا هو الأصل، ولكن من باب إحسان الظن بأن الله جل شأنه لا يؤاخذ إلا من تعمد قلبه.

فكل الكلام الذي سبق حول رواية " ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " إنما اعتمادا على نسخة صحيح الإمام البخاري رحمه الله التي بين أيدينا وهي النسخة التي شرحها الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله والتي توجد فيها هذه الرواية، وإلا فإن هذه الرواية عند المحققين من أهل العلم من أهل السنة والجماعة لا تخلو من مقال بل حتى عند الحافظ ابن حجر العسقلاني نفسه رحمه الله الذي شرح نصها، كما وأن الحافظ ابن حجر رحمه الله رد قول إبن بطال رحمه الله : " .. وقد صح أن عمارا بعثه علي إلى الخوارج يدعوهم إلى الجماعة التي فيها العصمة ". إذن هناك خلاف بين أهل العلم من أهل السنة والجماعة حول هذه الرواية ذاتها وحول ما قيل في حقها من أقوال. 

ولكن لو رجعنا إلى ما قاله إبن بطال رحمه الله واعدنا النظر في قراءة ما قاله من جديد لوجدنا أن ما قاله جدير بأن ينظر ويتفكر المسلم فيه، حيث يقودنا إلى بداية أحداث الفتنة، لننظر ونتفكر ونتساءل من بدء الفتنة واشعل نارها، وايقظها من مضجعها، وسعى في تحقيق وقوعها، وسعى إلى قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وكان السبب في وقوع الخلاف بين الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في وقت الاقتصاص لاندساسه في جيش أو عسكر إحدى الفئتين، وكان السبب في اندلاع الحرب بين الفئتين لاشغالهم ببعضهم البعض عن الانشغال به حتى لا يقتص منه، والحرص والرغبة والرضى على اقتتال وقتل المسلمين لبعضهم البعض، وكان السبب في قتل عمار رضي الله عنه ؟ الجواب : إنهم الخوارج، لا الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. 

أينعم أن الحرب وقع بين علي ومعاوية ومع كل منهما رجال من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وقد قتل في هذا الحرب عمار رضي الله عنه، ولكنه وقع من غير حرص ورغبة ورضا منهم على وقوعه، لذا تجد علي رضي الله عنه يتبرأ من قتل عمار رضي الله عنه، ومعاوية رضي الله عنه كذلك.

نعم، فقول إبن بطال رحمه الله يدعو إلى إعادة النظر فيما نسب إلى معاوية ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من أنهم هم الفئة الباغية التي قتلت عمار رضي الله عنه يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، وأن نتفكر في قوله هذا " قوله : ( يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار )، إنما يصح ذلك في الخوارج ..، وليس يصح في أحد من الصحابة، لأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل، لأنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أثنى عليهم وشهد لهم بالفضل، فقال تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) آل عمران/ 110.

ونتفكر أيضا في قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله " ثم ( عمار تقتله الفئة الباغية ) ليس نصا في أن هذا اللفظ لمعاوية وأصحابه، بل يمكن أنه أريد به تلك العصابة التي حملت عليه حتى قتلته، وهي طائفة من العسكر، ومن رضي بقتل عمار كان حكمه حكمها. ومن المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار : كعبدالله بن عمرو بن العاص وغيره، بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار، حتى معاوية، وعمرو " لنخرج منها بنتيجة أن معاوية ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين لا يشملهم هذا النص النبوي " ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " وإنما يشمل رؤوس الفتنة وهم الخوارج الذين حرصوا على اقتتال وقتل المسلمين لبعضهم البعض ورغبوا فيه ورضوا به، كما ويشمل تلك العصابة التي هي في جيش أو عسكر معاوية رضي الله عنه والتي حملت على عمار رضي الله عنه حتى قتلته وهي راضية بقتله كما وقع للرجلين المتخاصمين عند معاوية رضي الله عنه في رأس عمار رضي الله عنه كلا منهما يريد أن ينسب إلى نفسه والعياذ بالله قتل عمار رضي الله عنه.

فالحاصل، لا يشمل هذا النص النبوي من لم يحرص ولم يرغب في الاقتتال وقتل المسلمين لبعضهم البعض ولم يرض به أصلا، لا سيما قتل عمار رضي الله عنه، كعلي  ومعاوية ومن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. 

فلو كانت لديهم الحرص والرغبة والرضى على الاقتتال وقتل المسلمين لبعضهم البعض من أصله، لشمل عليا ومعاوية ومن معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "  إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقلت : يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه " وهذا لا يمكن أن يقول به المسلم في حقهم يقينا.

إذن لا علي ولا معاوية ولا من معهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كان لديهم من الحرص والرغبة والرضى على الاقتتال وقتل المسلمين لبعضهم البعض، بخلاف رؤوس الفتنة الخوارج.

كما وأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين الذين شاركوا في المعركة لا ريب أن لهم من الحسنات ما يرجى أن يمحو الله عزوجل بها السيئات.

وأما عن قول معاوية رضي الله عنه عندما بلغه مقتل عمار رضي الله عنه المروي في مسند الإمام أحمد رحمه الله بتصحيح شعيب الارنؤوط له " .. أو نحن قتلناه ؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا، - أو قال : بين سيوفنا " وقول القائل : أن حجة علي رضي الله عنه أقوى من حجة معاوية رضي الله عنه حينما رد عليه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من جاء بحمزة رضي الله عنه في يوم أحد فهل قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

أقول : ماذا لو قال قائل : من أن الحجة مع معاوية رضي الله عنه، وأن حال عمار رضي الله عنه لا كحال حمزة رضي الله عنه، فحال عمار رضي الله عنه قد جاء في حقه النص الذي يخبر بأنه ستقتله الفئة الباغية، ولا ريب أن عليا رضي الله عنه حريص عليه وعلى غيره من المسلمين بأن لا تسفك دماؤهم فيقتلوا كما هو حال معاوية رضي الله عنه كذلك، فلو منع علي رضي الله عنه عمارا رضي الله عنه من الدخول ضمن الجيش أو العسكر وأمره بلزوم بيته حرصا منه وخوفا عليه من القتل لوجود هذا النص، لكان أصوب، لا سيما وأن هذا القتال ليس بين الإيمان والكفر حتى يكون للصحابة رضي الله عنهم أجمعين الرغبة والحرص على الدخول فيه طاعة لأمر الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم في قتال من كفر واشرك بالله عزوجل، وإنما هذا القتال سيقع بين فئتين من المسلمين المؤمنين ليس لأحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين الحرص والرغبة والرضى على الدخول فيه من أصله لأن الله عزوجل لم يأمر بقتال المسلمين مع بعضهم البعض ابتداء ولا رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما أمر بقتال من بغت بعد السعي في الصلح ولم تستجب للصلح " .. فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله .. "، وما وقع القتال بين الفئتين إلا لتأول كلا الفئتين من أن الفئة الأخرى هي الباغية التي عليها أن تقاتلها حتى تفيء إلى أمر الله، طاعة لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم. 

فإن قيل : أن عمارا رضي الله عنه لا ريب أنه سيقتل لاخبار النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى من أنه سيقتل. 

قيل : لا ريب في ذلك يقينا لأنه اخبار من النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، ولكن لا يعلم على اليقين متى وأين سيقتل ومن الفئة التي ستقتله، لذا كان منعه من الدخول ضمن الجيش أو العسكر أولى من الدخول فيه، فإن دخل بعد منعه من تلقاء نفسه دون علم علي رضي الله عنه ثم قتل ووقع وتحقق ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فحينئذ يقول علي رضي الله عنه ويجيب معاوية رضي الله عنه بأنه لم يأتي به، وأنه قد منعه ولكنه لم يمتنع، فأحب أن يكون ضمن الجيش أو العسكر الذي معه رغبة واختيارا منه دون أن يعلم به فقتل.

أليس هذا بأقوى في الحجة من تلك ؟ لا سيما وأن عمارا رضي الله عنه قد جاء النص في أنه ستقتله الفئة الباغية؟

فالحاصل أن هذا القول من معاوية رضي الله عنه ورد علي رضي الله عنه  لدليل على أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كانوا جميعهم منكرين لقتل عمار رضي الله عنه غير راضين به كما قال شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله " .. من المعلوم أنه كان في المعسكر من لم يرض بقتل عمار : كعبدالله بن عمرو بن العاص وغيره، بل كل الناس كانوا منكرين لقتل عمار، حتى معاوية، وعمرو " فعلي رضي الله عنه يتبرأ من أن يكون هو السبب في قتل عمار رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه كذلك، فلا يريد أي منهما أن يتحمل مسؤولية قتل عمار رضي الله عنه.

فالصحابة في الأصل كانوا متأولين جميعهم سواء أصابوا أو أخطأوا، فرضي الله عنهم أجمعين.

فأما ما يدندن حوله أهل الغل أعداء معاوية رضي الله عنه من أنه كان يسب عليا رضي الله عنه ويأمر به. 

أقول: كما قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة لا يوجد دليل صحيح صريح يصلح أن يكون حجة لهم عليه.

كيف ومعاوية رضي الله عنه هو من أراد أن يبلغ فضل علي رضي الله عنه ومنزلته ومكانته السامية في الإسلام إلى من في معسكره ممن يتناولون عليا رضي الله عنه فينالون منه، فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه والإمام الترمذي في جامعه رحمهما الله " أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟ فقال :  .. " الحديث .

     فكما ترى لا توجد في الرواية أن معاوية  رضي الله عنه أمر سعداً رضي الله عنه فقال له سب ابا تراب، وإنما قال له ما منعك أن تسب أبا تراب، أي ما هو المانع الذي منعك من أن تسب أبا تراب، فذكر له سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الموانع الثلاث ليسمع بذلك معاوية رضي الله عنه من يتناول علي رضي الله عنه وينال منه فيبلغه فضله ومنزلته ومكانته السامية في الإسلام، لذا لا تجد في الرواية أن معاوية رضي الله عنه خالف سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بقوله فيما ذكر له أو أنه كره منه أن يذكر له ذلك عن فضل ومنزلة ومكانة علي رضي الله عنه إطلاقا، فلو كان آمرا له بسبه بغضا له لما سمى عليا رضي الله عنه بلقب لقبه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لقب يحبه علي رضي الله عنه، فهذا لا يقول ولا ينطق به من ببغض علي رضي الله عنه إطلاقا، فإن كان مبغضا له آمرا بسبه للقبه وسماه باقبح الألقاب والأسماء فهذا ما يفعله المبغض لا العكس.   

فالمحبة والأخوة في الله عزوجل بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه قائمة ثابتة لا تزعزعها غل صدرور أعداءهم.

فما كان من شأن معاوية رضي الله عنه مع علي رضي الله عنه هنا هو عين شأن علي رضي الله عنه مع معاوية رضي الله عنه هناك في نهج البلاغة عند الشيعة "إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم : أللَّهمّ احقن دمائنا ودمائهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم" (نهج البلاغة، ومن كلام له عليه السّلام وهو المأتان والخامس من المختار في باب الخطب).

وكذلك ماسبق " والظاهر أن ربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة. لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله صلى الله عليه وآله ولا يستزيدوننا ".

وأما عن قول النبي صلى الله عليه وسلم في معاوية رضي الله عنه " .. لا أشبع الله بطنه .. " كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله وفي السلسلة الصحيحة للإمام الألباني رحمه الله، ليس فيه مثلبة أو ما يذم به معاوية رضي الله عنه، لهذه الأوجه :

1- الرواية هي عن إبن عباس رضي الله عنه وفيها يقول أنه كان يلعب مع الصبيان وكان يختبأ عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يراه.

 وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أن يدعو له معاوية رضي الله عنه ليكتب له، وفي الرواية أن ابن عباس رضي الله عنه يرى معاوية رضي الله عنه يأكل في المرتين فيخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأكل، فليس في الراوية أن ابن عباس رضي الله عنه قال لمعاوية رضي الله عنه أو كلمه بأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه وهو لا يستجيب لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، غاية ما في الرواية أن إبن عباس رضي الله عنه ينظر إلى معاوية رضي الله عنه وهو يأكل فيأتي ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى٠

2- هناك رواية يرويها الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم " إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه وكان ابن عمر : يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام ".

فهذا نداء الله عزوجل " حي على الصلاة " كما في آذان المؤذن  يدعوا عباده إلى الصلاة ومع هذا وجد فيه الرخصه حال حضور طعام العشاء  أن يبدأ بالطعام ويؤخر الدعوة والنداء إلى الصلاة.

فلماذا يبدأ الإنسان بطعام العشاء  قبل الصلاة ذلك لأجل الخشوع في الصلاة والتركيز في القراءة والذكر لا يشغله عنه الإحساس بالجوع، وهذا قد يصلح ان يكون سببا إذا بلغ معاوية رضي الله عنه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له ليأتيه فأخر الاستجابة لمانع إشباع بطنه من الجوع حتى يعلم ما يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ويركز فيه لا يشغله عن ذلك الإحساس بالجوع، ولا أعتقد إذا ما أعتذر معاوية رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم من أن المانع الذي منعه من استجابة دعوته هو الجوع أنه صلى الله عليه وسلم لا يعذره وهو قد رخص في ذلك كما علمت فيما سبق من البدء بطعام العشاء وتأخير دعوة الله عزوجل وندائه  إلى الصلاة.    

3- صدق الإمام الذهبي رحمه الله حينما قال " لعل هذه منقبة لمعاوية " كما في تذكرة الحفاظ.

قلت : لعل الإمام الذهبي رحمه الله يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم " أو ما علمت ما شارطت عليه ربي ؟ قلت : اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا ".

قلت : وزيادة عليه أن في رواية السلسلة الصحيحة للإمام الألباني رحمه الله ما يدل على المنقبة " .. بعث إلى معاوية ليكتب له .. " فاختار صلى الله عليه وسلم من بين جميع أصحابه وعلى رأسهم أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم معاوية رضي الله عنه ليكتب له وهذا شرف شرف الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وسلم معاوية رضي الله عنه به وأيما شرف.  

4- قال النووي رحمه الله " والثاني : أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية، كقوله : تربت يمينك وعقرى حلقى، وفي هذا الحديث لا كبرت سنك، وفي حديث معاوية لا أشبع الله بطنه ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف صلى الله عليه وسلم أن يصادف شيء من ذلك إجابة فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورا وأجرا، وإنما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه.

وأما دعاؤه على معاوية أن لا يشبع حين تأخر ففيه الجوابان السابقان أحدهما : أنه جرى على اللسان بلا قصد، والثاني : أنه عقوبة له لتأخره وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له. أنتهى من قول النووي.

قلت : قول النووي رحمه الله  "  والثاني : أنه عقوبة له لتأخره " هذا إذا بلغ معاوية رضي الله عنه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له من أصله فليس في الحديث كما سبق أن ابن عباس رضي الله عنه قال له أو كلمه بأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه. 

إذن هذا القول من النووي رحمه الله بعيد جدا يجاب عنه بما ذكره النووي نفسه رحمه الله " أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية " وبما مر آنفا مما ذكرنا تحت القول الأول،  والثاني، والثالث.

5- قال الإمام الألباني رحمه الله في السلسلة : وقد يستغل بعض الفرق هذا الحديث ليتخذوا منه مطعنا في معاوية رضي الله عنه، وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كاتب النبي صلى الله عليه وسلم ؟! ولذلك قال الحافظ ابن عساكر ( 61 / 349 / 2 ) " إنه أصح ما ورد في فضل معاوية " فالظاهر أن هذا الدعاء منه صلى الله عليه وسلم غير مقصود، بل هو ما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية، كقوله صلى الله عليه وسلم في بعض نسائه : " عقرى حلقى " و " تربت يمينك ".

وبمكن أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم بباعث البشرية التي أفصح عنها هو نفسه عليه السلام في أحاديث كثيرة متواترة. منها حديث عائشة رضي الله عنها قالت : دخل على رسول الله رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه، فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت : يا رسول الله، من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان ؟ قال : وما ذاك ؟ قالت : قلت : لعنتهما وسببتهما، قال : " أو ما علمت ما شارطت عليه ربي ؟ قلت : اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا "  إنتهى من السلسلة.

     فمعاوية رضي الله عنه شهد له إبن عباس رضي الله عنه بأنه فقيه فقد روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه " قيل لابن عباس : هل لك في أمير المؤمنين معاوية، فإنه ما أوتر إلا بواحدة ؟ قال : أصاب، إنه فقيه " وهذا لاريب في أنه من الخير الذي أراده الله عزوجل بمعاوية رضي الله عنه فقد روى الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه عن معاوية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " فشاهدة ابن عباس رضي الله عنه لمعاوية رضي الله عنه بالفقه في الدين هو شهادة فقيه قد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين، روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن إبن عباس رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء، فوضعت له وضوءا قال : من وضع هذا ؟ فأخبر فقال : اللهم فقهه في الدين".

عدد مرات القراءة:
483
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :