معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

بيعة علي لابي بكر رضي الله عنهما ..
الكاتب : أحمد بن عبدالله البغدادي ..

بيعة علي لابي بكر رضي الله عنهما

لقد بايع علي لابي بكر رضي الله عنهما بعد موت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , قال الامام الحاكم : " 4422 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ مِنْ طَاقَةٍ وَلَا يَدَ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالزُّبَيْرُ: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا قَدْ أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لِصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِيَ اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ بِشَرَفِهِ وَكِبَرِهِ، «وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ»
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ "
[التعليق - من تلخيص الذهبي] 4422 - على شرط البخاري ومسلم " اهـ .[1]

وقال الامام الحاكم : " 4457 - حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، ثنا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثنا وُهَيْبٌ، ثنا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، ثنا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ، يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالْآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ» ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ، فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَتَنُهُ أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصًا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعَهُ، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَسَأَلَ عَنْهُ حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنُ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَوَارِيُّهُ أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعَاهُ «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»
[التعليق - من تلخيص الذهبي] 4457 - سكت عنه الذهبي في التلخيص " اهـ .[2]

فأما اذا اعترض احد فقال ان بيعة علي رضي الله عنه كانت بعد ستة اشهر كما جاء في بعض الروايات , ومنها ما جاء في صحيح البخاري : " 4240 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ، وَفَدَكٍ وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا المَالِ»، وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلاَ يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ وَاللَّهِ لاَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ العَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى المِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ البَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلاَ إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ المَعْرُوفَ " اهـ .[3]

وقد جمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين فقال : " وَقَدْ تَمَسَّكَ الرَّافِضَةُ بِتَأَخُّرِ عَلِيٍّ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَنْ مَاتَتْ فَاطِمَةُ وَهَذَيَانُهُمْ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُدْفَعُ فِي حجتهم وَقد صحّح بن حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ عَلِيًّا بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ لَمْ يُبَايِعْ عَلِيٌّ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَةُ قَالَ لَا وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يُسْنِدْهُ وَأَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَوْصُولَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَصَحُّ وَجَمَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ بَايَعَهُ بَيْعَةً ثَانِيَةً مُؤَكِّدَةً لِلْأُولَى لِإِزَالَةِ مَا كَانَ وَقَعَ بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ كَمَا تَقَدَّمَ وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ لَمْ يُبَايِعْهُ عَلِيٌّ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ عَلَى إِرَادَةِ الْمُلَازَمَةِ لَهُ وَالْحُضُورِ عِنْدَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّ فِي انْقِطَاعِ مِثْلِهِ عَنْ مِثْلِهِ مَا يُوهِمُ مَنْ لَا يَعْرِفُ بَاطِنَ الْأَمْرِ أَنَّهُ بِسَبَبِ عَدَمِ الرِّضَا بِخِلَافَتِهِ فَأَطْلَقَ مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ وَبِسَبَبِ ذَلِكَ أَظْهَرَ عَلِيٌّ الْمُبَايَعَةَ الَّتِي بَعْدَ مَوْتِ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ لِإِزَالَةِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ " اهـ .[4]

فقد اثبت الحافظ ابن حجر البيعة الاولى بالسند الصحيح , واما البيعة الثانية فقد حملها على الملازمة , وقد نبه على انها من قول الزهري , وانها غير موصولة على عكس رواية ابي سعيد رضي الله عنه في البيعة بعد موت النبي صلى الله عليه واله وسلم فانها مسندة وقد صححها الامام ابن حبان , وانها اصح من رواية الزهري  .

وقال الامام البيهقي : " 12732 - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بِبَغْدَادَ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ , ثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ , ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , أنا مَعْمَرٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ فَاطِمَةَ وَالْعَبَّاسَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكٍ، وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ؛ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ " وَاللهِ إِنِّي لَا أَدَعُ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ بَعْدُ إِلَّا صَنَعْتُهُ، قَالَ: فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَهَجَرَتْهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَتْ، فَدَفَنَهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: فَكَانَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا انْصَرَفَ وُجُوهُ النَّاسِ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ. قَالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: كَمْ مَكَثَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: سِتَّةَ أَشْهُرٍ , فَقَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ: فَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَتَّى مَاتَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا؟ قَالَ: وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ مَعْمَرٍ , وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي قُعُودِ عَلِيٍّ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا مُنْقَطِعٌ , وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي مُبَايَعَتِهِ إِيَّاهُ حِينَ بُويِعَ بَيْعَةَ الْعَامَّةِ بَعْدَ السَّقِيفَةِ أَصَحُّ , وَلَعَلَّ الزُّهْرِيَّ أَرَادَ قُعُودَهُ عَنْهَا بَعْدَ الْبَيْعَةِ ثُمَّ نُهُوضَهُ إِلَيْهَا ثَانِيًا وَقِيَامَهُ بِوَاجِبَاتِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ " اهـ .[5]

فالبيعة الاولى قد تمت بسند صحيح كما قال العلماء , واما الثانية فهي منقطعة , ومن قول الزهري رحمه الله , وان قلنا بصحتها فهي محمولة على بيعة الملازمة والقيام بواجباتها كما قال الامام البيهقي .

واما الروايات الواردة في كتب الرافضة في بيعة علي رضي الله عنه , فأن في بعضها روايات مخزية , وسيئة جدا , ولا تليق بمقام علي رضي الله عنه , ولكني سأذكرها من باب الالزام لا اكثر , ففي كتاب سليم بن قيس : " كيفية بيعة أمير المؤمنين عليه السلام ثم قال : قم يا بن أبي طالب فبايع . فقال : فإن لم أفعل ؟ قال : إذا والله نضرب عنقك فاحتج عليهم ثلاث مرات ، ثم مد يده من غير أن يفتح كفه ، فضرب عليها أبو بكر ورضي بذلك منه . فنادى علي عليه السلام قبل أن يبايع - والحبل في عنقه - : ( يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني ) " اهـ .[6]

فهذه الرواية فيها اساءة لعلي رضي الله عنه اكثر مما لغيره , فأين الولاية التكوينية التي يقول بها الرافضة ؟ ! , وكيف يقبل شخص عنده القوة في دفع الشر عن نفسه ان يجعلوا الحبل في عنقه بمثل هذه الطريقة ؟ !!! .
وفي الكافي : " حَنَانٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ كَانَ النَّاسُ أَهْلَ رِدَّةٍ بَعْدَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله) إِلَّا ثَلَاثَةً فَقُلْتُ وَ مَنِ الثَّلَاثَةُ فَقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَرَفَ أُنَاسٌ بَعْدَ يَسِيرٍ وَ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَارَتْ عَلَيْهِمُ الرَّحَى وَ أَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوا حَتَّى جَاءُوا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مُكْرَهاً فَبَايَعَ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ " اهـ .[7]

كيف يكون الناس اهل ردة , ثم يأتون بعلي رضي الله عنه ليبايع مكرها , وقد ورد في كتب الامامية وصف اثنى عشر الف صحابي بوصف يتنافى مع كل ما يذكره الرافضة من وصف الصحابة الكرام ؟ !!! , قال الصدوق : " 15 - حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال: حدثنا علي ابن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله اثني عشر ألفا ثمانية آلاف من المدينة، و ألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجي ولا حروري ولا معتزلي، ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير " اهـ .[8]

اين ذهب هؤلاء الاثنى عشر الف صحابي ؟ !!! .

اثنى عشر الف صحابي بهذه المواصفات , ويتركون عليا رضي الله عنه يُسحب بالحبل ليبايع مكرها ؟ !!! .

وقال الطوسي : " 1109 / 16 -  أخبرنا جماعة ، عن أبي المفضل ، قال : حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن حفص الخثعمي الأشناني ، قال : حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي ، قال : أخبرنا علي بن هاشم بن البريد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مخارق ، عن هاشم بن  مساحق ، عن أبيه : أنه شهد يوم الجمل ، وأن الناس لما انهزموا اجتمع هو ونفر من قريش فيهم مروان ، فقال بعضهم لبعض : والله لقد ظلمنا هذا الرجل ونكثنا بيعته على غير حدث كان منه ، ثم لقد ظهر علينا فما رأينا رجلا كان أكرم سيرة ولا أحسن عفوا بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منه ، فتعالوا فندخل عليه ولنعتذرن مما صنعنا . قال : فدخلنا عليه ، فلما ذهب متكلمنا يتكلم قال . انصتوا أكفكم ، إنما أنا رجل منكم ، فإن قلت حقا فصدقوني ، وان قلت غير ذلك فردوه علي ، أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبض وأنا أولى الناس به وبالناس ؟ قالوا : اللهم نعم . قال : فبايعتم أبا بكر وعدلتم عني ، فبايعت أبا بكر كما بايعتموه ، وكرهت أن أشق عصا المسلمين ، وأن أفرق بين جماعتهم ، ثم أن أبا بكر جعلها لعمر من بعده ، وأنتم تعلمون أني أولى الناس برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبالناس من بعده ، فبايعت عمر كما بايعتموه ، فوفيت له ببيعته حتى لما قتل جعلني سادس ستة ، فدخلت حيث أدخلني ، وكرهت أن أفرق جماعة المسلمين وأشق عصاهم ، فبايعتم عثمان فبايعته ، ثم طعنتم على عثمان فقتلتموه ، وأنا جالس في بيتي ، ثم أتيتموني غير داع لكم ولا مستكره لاحد منكم ، فبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر وعثمان ، فما جعلكم أحق أن تفوا لأبي بكر وعمر وعثمان ببيعتهم منكم ببيعتي ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين ، كن كما قال العبد الصالح : ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين "  فقال : كذلك أقول : " يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " مع أن فيكم رجلا لو بايعني بيده لنكث باسته  يعني مروان  " اهـ .[9]

فهذه الرواية صريحة في بيعته رضي الله عنه .


1 - المستدرك على الصحيحين للامام ابي عبد الله الحاكم مع تعليقات الامام الذهبي - ج 3 ص 70 .
2 - المستدرك على الصحيحين للامام الحاكم ومعه تلخيص الامام الذهبي ج 3 ص 80 , وسنن البيهقي – ابو بكر احمد بن الحسين البيهقي - ج 8 ص 143 .
3 - صحيح البخاري – كتاب المغازي باب غزوة خيبر -  ج 5 ص 139 .
4 - فتح الباري – احمد بن علي بن حجر – ج 7 ص 495 .
5 - سنن البيهقي – ابو بكر احمد بن الحسين البيهقي – ج 6 ص 489 .
6 - كتاب سليم بن قيس - تحقيق محمد باقر الأنصاري - ص 157 – 158 .
7 - الكافي – الكليني – ج 8 ص 245 – 246 , وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن او موثق – ج 26 ص 213 .
8 - الخصال - الصدوق - ص639 – 640 .
9 - الأمالي - الشيخ الطوسي - ص 506 – 507 , وسنن الإمام علي  - لجنة الحديث معهد باقر العلوم - ص 225 – 226 .


تحقيق موقف علي بن أبي طالب من خلافة أبي بكر الصديق 
- عرض و نقد –

الدكتور خالد كبير علال – قسم التاريخ و الجغرافيا- المدرسة العليا للأساتذة –بوزريعة-

تضاربت الروايات التاريخية و الحديثية في تحديد موقف علي بن أبي طالب من تولي أبي بكر الصديق –رضي الله عنهما- للخلافة (سنة 11ه ) ، و اختلفت اختلافا كبيرا ، و قد قسّمتُها إلى أربع مجموعات ، الأولى ذكرت أن بني هاشم- من بينهم علي- رفضوا مبايعة أبي بكر .و الثانية قالت أن عليا بايعه تحت التهديد و الإكراه .و الثالثة ذكرت أنه سارع إلى مبايعته طواعية دون إكراه . و الرابعة قالت أنه تأخر عن البيعة 6 أشهر ثم بايعه . فأين الخبر الصحيح من بين هذه الروايات المتضاربة ؟ . 
أولا : عرض الروايات : 
تضم المجموعة الأولى خمس (05) روايات ، الأولى مفادها أن بني هاشم –من بينهم علي- لما بلغهم خبر بيعة الناس لأبي بكر الصديق غضبوا ،و قال العباس : فعلوها و رب الكعبة ؛ و قال بعضهم : نحن أولى بمحمد ،و قال آخر : بنو هاشم أولى بالخلافة ،و أن قريشا أخذتها بالتمويه . 
و الرواية الثانية مضمونها أن عليا و العباس تأخرا عن بيعة أبي بكر الصديق ، فشاور عمر بن الخطاب الصحابيين أبا عبيدة بن الجراح و المغيرة بن شعبة في أمر هؤلاء ، فقالا له : عليك بإعطاء العباس نصيبا في هذا الأمر ، يكون له و لعقبه ، لقطع الطريق أمام علي بن أبي طالب ؛ فاتصل عمر بأبي بكر الصديق و ذهب الجميع إلى العباس ليلا ،و كلّموه فيما اتفقوا عليه ، فرفض مطلبهم و قال لأبي بكر : إن كان هذا الأمر حقا للمسلمين فليس لك أن تحكم فيه ، و إن كان لنا فلا نرضى ببعضه ؛ ثم ذكّره بأنه من آل محمد ، فتركوه و خرجوا من عنده . 
و أما الثالثة –من المجموعة الأولى- فمفادها أنه لما جُددت البيعة لأبي بكر الصديق أمام عامة الناس ، خرج إليه علي بن أبي طالب ، فلم يُبايعه و قال له : أفسدت علينا أمورنا ،و لم تستشر ،و لم ترع لنا حقا ؛ فقال أبو بكر الصديق : بلى و لكن خشيتُ الفتنة . 
و الرواية الرابعة وردت في كتاب الإمامة و السياسة المنسوب لابن قتيبة الدينوري (ت276ه) ،و فيها أنه لما بايع بنو هاشم أبا بكر الصديق بالخلافة ، جيء بعلي بن أبي طالب ، فأبى أن يُبايع ، و قال : لا أبايعكم ،و أنتم أولى بالبيعة لي ، و أنكم غصبتم أهل البيت حقهم ، و أنكم حاججتم الأنصار بأنكم أولى منهم ، لأن الرسول منكم و من قرابتكم ؛و أنا أجادلكم بنفس المنطق ، فنحن أولى منكم بالرسول حيا و ميتا . فقال له بشير بن سعد الأنصاري : إن الأنصار لو سمعوا ما قلته الآن لبايعوك ، لكن الأمر قد فات بمبايعتهم لأبي بكر الصديق . ثم تزعم الرواية أن عليا –لما لم يُؤخذ برأيه- أركب زوجته دابة و خرج بها ليلا إلى مجالس الأنصار ، فكانت –أي فاطمة- تسأل الأنصار النصرة ، فيقولون لها : ( يا بنت رسول الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ،و لو أن زوجك و ابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ، ما عدلنا به )) ، فيقول علي بن أبي طالب : (( أفكنتُ أدع رسول الله –صلى الله عليه و سلم- في بيته لم أدفنه ، و أخرج أنازع الناس سلطانه ، فقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ،و قد صنعوا ما الله حسيبهم و طالبهم )) . 
و الرواية الخامسة هي الأخرى وردت في كتاب الإمامة و السياسة المنسوب لابن قتيبة ، و تزعم أن عليا و قوما معه رفضوا الخروج لبيعة أبي بكر الصديق ، فأرسل إليهم عمر بن الخطاب ، فناداهم فلم يخرجوا للبيعة ، فطلب –أي عمر- الحطب ليحرق الدار و من فيها ، فخرج من كان في الدار و بايعوا أبا بكر ،و لم يخرج علي لأنه (( زعم أنه قال : حلفتُ أن لا أخرج ،و لا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن ))، ثم منعت فاطمة عمر بن الخطاب من الدخول ، فرجع إلى أبي بكر و أخبره بالأمر ، فأرسل –أي أبو بكر- مولاه قنفد ليدعوا له عليا فأبى علي ، و رجع مولاه إليه ، فبعثه ثانية إلى علي ، فأبى المجيء ؛ ثم ذهب عمر مع جماعة إلى بيت علي ، فلما رأتهم فاطمة نادت بأعلى صوتها و استغاثت بالرسول-عليه الصلاة و السلام- ، فعاد بعض من كان معه و دخل الباقون إلى البيت ، و أخرجوا عليا و أخذوه إلى أبي بكر الصديق ، فأبى أن يُبايعه ،و هدده الحاضرون بالقتل ،و طلب عمر من أبي بكر أن يقتله ، فلم يوافقه و ترك عليا مادامت فاطمة إلى جنبه ، ثم تزعم الرواية أن عليا خرج إلى قبر النبي-صلى الله عليه و سلم- و هو يصيح و يبكي . 

و أما المجموعة الثانية التي ذكرت أنه حدث إكراه في دعوة علي لبيعة أبي بكر ، فتضم ثلاث (03) روايات ، أولها ما رواه المؤرخ ابن جرير الطبري ، عن زكريا بن يحي الضرير ، عن أبي عوانة ، عن داود بن عبد الله الأودي ، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري ، أنه عندما بايع الناس أبا بكر الصديق تخلّف علي بن أبي طالب و الزبير بن العوام ، و قال الزبير : لا أغمد سيفي حتى يُبايع علي فلما بلغ أمرهما لأبي بكر الصديق و عمر بن الخطاب ، قال عمر : خذوا سيف الزبير و اضربوا به الحجر ، ثم ذهب إليهما و قال لهما : لتبايعان طائعين ، أو لتبايعان كارهين ، فبايعا . 

و الرواية الثانية ذكرها الطبري ، و فيها : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن زياد بن كليب قال : ذهب عمر بن الخطاب إلى منزل علي ، و فيه الزبير و رجال من المهاجرين ، فقال لهم : و الله لأحرقن عليكم أو لتخرجنّ للبيعة ، فخرج الزبير حاملا سيفه ، فعثر و سقط السيف من يده ، فوثبوا عليه و أخذوه منه .و إلى هنا توقف الخبر ،و لا نعلم ما حدث بعد ذلك حسب ما زعمته هذه الرواية .

و الرواية الثالثة –من المجموعة الثانية – هي الأخرى رواها الطبري ، و فيها : حدثني ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن رجل ، عن عِكرمة ، عن عبد الله بن عباس أنه جرى بينه و بين عمر بن الخطاب –زمن خلافته- ، فكان مما قاله له ابن عباس : إن قريشا صرفت الخلافة عن بني هاشم حسدا و ظلما .و كلامه هذا يعني أن عليا و بني هاشم أُجبروا على البيعة و السكوت عن حقهم الذي زعمته الرواية . 
و أما المجموعة الثالثة –التي ذكرت أن البيعة تمت طواعية- فتضم ثلاث روايات ، أولها ما رواه الطبري من أن عليا ما إن سمع ببيعة الصديق خرج مسرعا لابسا قميصا دون إزار و لا رداء عليه ، كراهية أن يتأخر عن البيعة ، فذهب إليه و بايعه و جلس بجانبه ، ثم بعث يطلب ما ينقص من ثوبه . 

و الرواية الثانية مفادها أنه لما جلس أبو بكر الصديق للبيعة ولم ير عليا سأل عنه ، فقام أناس من الأنصار و أتوا به ، فقال له أبو بكر : ابن عم رسول الله و ختنه ، أردتَ أن تشق عصا المسلمين ؟ ! ، فقال علي : لا تثريب يا خليفة رسول الله – صلى الله عليه و سلم- ، و بايعه .و عندما لم ير الزبير بن العوام سأل عنه ، فجيء به إليه ، فقال له :ابن عمة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- و حواريه ، أردت أن تشق عصا المسلمين ؟ ! فقال له : لا تثريب يا خليفة رسول الله ،و بايعه . 
و الثالثة رواها الطبري ،و هي رواية عامة عن مواقف الصحابة من بيعة أبي بكر الصديق ، يندرج فيها موقف علي بن أبي طالب و بني هاشم ، مضمونها أنه لم يتخلف أحد من المهاجرين عن بيعة أبي بكر الصديق ، و أنهم تتابعوا على بيعته من غير أن يدعوهم . 
و أما المجموعة الرابعة - التي ذكرت أن عليا تأخر عن البيعة ستة أشهر- فتضم أربع روايات ، أولها ما رواه المؤرخ اليعقوبي من أنه لما سمع أبو بكر الصديق و عمر بن الخطاب ، أن جماعة من المهاجرين و الأنصار في بيت علي بن أبي طالب ، ذهبا مع بعض الناس إليه في بيته و هجموا على من فيه ، فخرج إليهم علي بالسيف ، فتصدى له عمر و كسر سيفه ،و دخلوا إلى البيت ، فخرجت إليهم فاطمة و قالت لهم : و الله لتخرجن أو لأكشفن شعري و ادعوا الله ، فخرجوا من بيتها ؛ ثم بقي من كان مع علي أياما دون بيعة ، ثم بايعوا أبا بكر فُرادى ، أما علي فلم يُبايعه إلا بعد ستة أشهر .
و الرواية الثانية ذكرها المؤرخ المسعودي ، و فيها انه لما جُددت البيعة لأبي بكر الصديق-بعد بيعة السقيفة- و بايعه الناس البيعة العامة ، خرج إليه علي بن أبي طالب ،و قال له : (( أفسدتَ علينا أمورنا ،و لم تستشر و لم ترع لمنا حقا )) ، فقال أبو بكر : بلى و لكن خشيتُ الفتنة )) . 
و الثالثة وردت في كتاب الإمامة و السياسة المنسوب لابن قتيبة الدينوري ، و فيها أن عليا رفض مبايعة أبي بكر ،و كان يخرج بزوجته فاطمة إلى الأنصار يطلب مساعدتهم له لأخذ حقه المغصوب ، و عندما حاول أبو بكر و عمر إجباره على البيعة رفض ، و خرج إلى قبر الرسول-عليه الصلاة و السلام- يصيح و يبكي ، لكنه عندما تُوفيت زوجته فاطمة ، أرسل إلى أبي بكر بأن يأتيه إلى البيت ، فلما حضر قال له علي : (( لم يمنعنا أن نبايعك إنكارا لفضيلتك ،و لا نفاسة –أي حسدا- عليك ،و لكنا كنا نرى أن لنا في الأمر حقا ، فاستبددت علينا )) ، ثم وعده بالبيعة غدا بالمسجد الجامع ، فلما حنان الوقت تكلّم علي ، و عظّم حق أبي بكر و ذكر فضيلته و سابقته ثم بايعه ، فقال له الناس : أصبت يا أبا الحسن و أحسنت ؛ ثم لما تمت البيعة بقي أبو بكر ثلاثة أيام يستقبل الناس و يقول لهم : قد أقلتكم في بيعتي ، هل من كاره ؟ ، هل من مُبغض ؟ ، فيقوم علي في أول الناس و يقول : و الله لا نقيلك و لا نستقيلك أبدا ،و قد قدمك رسول الله –صلى الله عليه و سلم- لتوحيد ديننا ، من ذا الذي يُؤخرك لتوجيه دنيانا )) . 

و الرواية الأخيرة –الرابعة من المجموعة الرابعة- هي ما رواه البخاري و مسلم في صحيحيهما ،و مفادها أنه لما تُوفي رسول الله –عليه الصلاة و السلام- أرسلت فاطمة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من أبيها ، فقال لها أنه سمع رسول الله يقول : (( لا نورث ما تركناه صدقة ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال )) ، و لم يُعطيها ما طلبت ، و قال أنه يتبع سنة الرسول-صلى الله عليه وسلم- في هذا المال ؛ فغضبت فاطمة و هجرته و لم تكلّمه إلى أن تُوفيت بعد ستة أشهر من وفاة رسول الله –عليه الصلاة و السلام- . فلما تُوفيت التمس علي بن أبي طالب مصالحة أبي بكر و بيعته ، إذ لم يكن بايعه في تلك الأشهر ، و كان له وجه عند الناس في حياة زوجته فاطمة-رضي الله عنها- ، فلما تُوفيت استنكر وجوه الناس و التمس مصالحة أبي بكر و بيعته ، فأرسل إليه بالمجيء إلى بيته ، فلما حضر أبو بكر ، اعترف له علي بفضله و قال له: إنني لم أحسدك على خير ساقه الله إليك ، لكنك (( استبددت علينا بالأمر ، و كنا نرى لقرابتنا من رسول الله –صلى الله عليه و سلم- نصيبا )) ، فقال له أبو بكر ، : إن قرابة النبي –عليه الصلاة و السلام- هي أحب إليّ من قرابتي ، و أما (( الذي شجر بيني و بينكم من هذه الأموال ، فلم آل فيها عن الخير ،و لم أترك أمرا رأيت رسول الله –صلى الله عليه و سلم- يصنعه فيها إلا صنعته )) ، ثم تكلم علي و وعده بالبيعة في المسجد بعد صلاة الظهر من نفس اليوم ، فلما حان الوقت قام أبو بكر في الناس و أخبرهم بأمر علي و تخلّفه ، فنهض علي بن أبي طالب و قال للناس ما كان قاله لأبي بكر في بيته ،و بايعه أمامهم ، ففرحوا به و استحسنوا فعله . 
ثانيا : تحقيق الروايات السابقة : 
كانت تلك الروايات هي أشهر الروايات التي ذكرتها المصنفات التاريخية و الحديثية عن موقف علي بن أبي طالب من بيعة أبي بكر الصديق ،و هي التي سأُخضعها للنقد –إسنادا و متنا- لنميز صحيحها من سقيمها . 
فالمجموعة الأولى – التي ذكرت أن عليا رفض البيعة- أول رواياتها ذكرها المؤرخ اليعقوبي بلا إسناد ، و هذا يعني أنها فقدت شرطا أساسيا من شروط تحقيق الخبر في علم الجرح و التعديل ، مما يُدخلها مباشرة في دائرة الضعيف أو الموضوع-أي المكذوب - . و أما متنها فهو الآخر لا يصح لأنه يخالف ما ثبت في القرآن الكريم و السنة النبوية و التاريخ الصحيح أن الرسول –عليه الصلاة و السلام –لم يوص لأحد من بعده بالخلافة ، و إنما هي شورى بين المسلمين تتم بالاختيار الحر . 
و الثانية هي الأخرى رواها اليعقوبي دون إسناد ، لذا فهي تدخل مباشرة في دائرة الضعيف أو الموضوع ، لأنه قطع الطريق أمامنا من إمكانية نقدها بواسطة الإسناد ، و أصبحت مجرد دعوى عارية عن الدليل ، و الدعوى لا يعجز عنها أحد . و أما متنها ففيه و صف لأبي بكر و عمر بالتآمر و الحرص على الخلافة ، و هذا غير صحيح لأنه يتنافى تماما مع الثابت من أخلاقهما الحسنة ،و قد صحّ الخبر أن الصحابة بايعوا أبا بكر و رضوا به ، دون إكراه و بلا طلب منه . 
و الرواية الثالثة-من المجموعة الأولى- رواها المؤرخ المسعودي بلا إسناد ، فهي إذا ضعيفة من حيث السند ؛ و أما متنها فإن كان المقصود من قولها أن عليا قال : (( لم ترع لنا حقا )) ، أنه أراد أن الخلافة حق له و أخذها منه أبو بكر ، فهو زعم باطل ترده النصوص الصحيحة الكثيرة التي تُثبت أن الخلافة شورى بين المسلمين ،و أن الرسول-عليه الصلاة و السلام – لم يوص لأحد من بعده بالخلافة . و إما إن كان المقصود من ذلك أن له حق المشاورة ، في اختيار الخليفة و لم يُدع إليه ، فهو كلام صحيح ، لكن غيابه لم يكن مقصودا ، فعندما بويع أبو بكر في السقيفة كثير من الصحابة لم يكن حاضرا ، منهم علي و الزبير ، فبايعوه في البيعة العامة في المسجد . 
و أما الرواية الرابعة فإسنادها لا يصح ، لأن من رجاله : أبو عون بن عمرو بن تميم الأنصاري ،و عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري ، الأول مجهول ،و الثاني ضعيف . و أما متنها فهو لا يصح أيضا ، لأنه سبق و أن ذكرنا أن عليا لم يدع الخلافة لنفسه و لا لأهل البيت ،و أن رسول الله عليه الصلاة و السلام لم يستخلف أحدا من بعده .و أما قولها أن الخلافة في قريش ، فهو أمر مقرون بما ذكرته الأحاديث الصحيحة من أن الخلافة في قريش مقرونة بإقامة الدين و العدل و عدم العصيان ؛ فهي ليست فيهم من باب التأبيد ، فإذا فقدت قريش أولويتها و أهليتها و كفاءتها ،و لم تلتزم بتلك الشروط انتقلت منها الخلافة إلى غيرها من القبائل و الشعوب الإسلامية ، و كلنا نعلم أن الخلافة خرجت من بني العباس و انتقلت إلي العثمانيين الأتراك . 
و الرواية الخامسة هي الأخرى إسنادها لا يصح ، لأن رجاله هم نفسهم رجال الرواية السابقة- أي الرابعة- و أما متنها فهو أيضا غير صحيح للمعطيات الآتية ، أولها هو أنني بحثت في عشرات المصادر من كتب التراجم و الرجال و التواريخ عن مولى لأبي بكر اسمه : قنفذ أو قنفد ، فلم أعثر له على أي ذكر . كما أنه من المستبعد جدا أن يبعث أبو بكر مولى له ليتوسط بينه و بين علي في أمر غاية في الأهمية ،و يترك كبار الصحابة الذين لهم مكانة لدي علي .
و المعطى الثاني هو أن الرواية زعمت أن عليا أبى الخروج من بيته حتى يجمع القرآن ،و هذا زعم لا مبرر له ، لأن القرآن الكريم لم يتهدده أي خطر و لم يكن في بيت علي ، لأنه كان محفوظا في الصدور ،و مكتوبا متفرقا عند كبار كُتاب الوحي زمن رسول الله –عليه الصلاة و السلام- ثم جمعه أبو بكر الصديق ،و وحد مصحفه عثمان بن عفان –رضي الله عنه- . 
و المعطى الثالث هو أن مقتضى هذه الرواية-أي الخامسة- أن عليا كان معاديا و مخاصما و مفارقا لأبي بكر ، و هذا زعم غير صحيح ، لأنه من الثابت تاريخيا أن عليا لم يكن مفارقا و معتزلا لأبي بكر بعيد توليه الخلافة ، بل كان مصاحبا له و في خدمته . و المعطى الرابع هو أن الرواية زعمت أن فاطمة استغاثت بالرسول –عليه الصلاة و السلام- ،و هذا تصرّف لا يصدر عنها ، لأنه لا يجوز شرعا الاستغاثة بالنبي و لا بغيره من الناس ، في حياتهم و مماتهم ،و لا تكون الاستغاثة إلا بالله تعالى .
و آخرها –أي المعطيات- هو أن التصرفات و السلوكيات المشينة التي نسبتها الرواية لأبي بكر و عمر و فاطمة و علي-رضي الله عنهم- تتنافى مع أخلاق الصحابة عامة ،و مع أخلاق هؤلاء الأربعة خاصة .و لا يُعقل أيضا أن يحدث ذلك النزاع المزعوم المصحوب بصراخ فاطمة و صياح علي و بكائه ،و تهديدات عمر بالحرق ، و المسلمون و بنو هاشم و بنو عبد مناف يتفرّجون دون حراك لنصرة علي و زوجته من ظلم أبي بكر و عمر المزعوم !! .
و أما روايات المجموعة الثانية –التي ذكرت أن عليا بايع مُكرها- فأولها رواية الطبري ، و إسنادها لا يصح لأن من رجاله : زكريا بن يحيى ،و حميد بن عبد الرحمن الحميري ، الأول ضعيف ،و الثاني لم يثبت أنه روى عن أبي بكر و عمر بن الخطاب . و أما متنها فلا يوجد فيه تصريح بالإكراه في بالبيعة ، و كل ما في الأمر أن الرواية زعمت أن عمر بن الخطاب جاء بعلي و الزبير و خيّرهما بين أن يُبايعا طائعين أو مُكرهين ، فبايعا دون ذكر للكيفية التي تمت بها البيعة . 
و الرواية الثانية إسنادها غير صحيح ، لأن من رجاله : محمد بن حميد الرازي (ت248ه) ،و زياد بن كليب (ت110 أو 120ه) ، الأول ضعيف كثير المناكير ،و الثاني بينه و بين الحادثة إنقطاع لم يكن شاهد عيان فيها ، و لم يرو عن الصحابة و إنما روى عن التابعين . و أما متنها فتخالفه الروايات الصحيحة في بيعة علي و الزبير لأبي بكر ، التي لم تذكر حكاية خروج الزبير بالسيف و سقوطه من يده . 
و الثالثة-من المجموعة الثانية- إسنادها غير صحيح ، لأن فيه رجلا مجهولا لم يُذكر اسمه ،و فيه محمد بن حميد الرازي ،و هو ضعيف كثير المناكير . و أما متنها فهو الآخر لا يصح ، لأن فيه ما يُشير إلى أن الصحابة أخذوا الخلافة من أهل البيت ظلما و حسدا و أجبروهم على البيعة ،و هذا غير صحيح لأنه ثبت بالنصوص الصريحة أن الرسول –عليه الصلاة و السلام- لم يستخلف أحدا من بعده ،و لا أوصى بالخلافة لأهل بيته . 
و أما روايات المجموعة الثالثة – التي ذكرت أن عليا سارع إلى البيعة- فأولها رواية الطبري و إسنادها لا يصح لأن من رجاله : سيف بن عمر التميمي ،و هو ضعيف متروك الحديث ، قيل عنه : فِلس خير منه . و أما متنها ففيه أن عليا خرج مسرعا لبيعة أبي بكر ، و هذا ترده الرواية الصحيحة التي ذكرت أن عليا و الزبير تباطآ بعش الشيء في بيعته ثم لما استدعاهما بايعاه . 
و الرواية الثانية إسنادها صحيح ، قال عنه الحافظ ابن كثير : و هذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة بن مالك عن أبي سعيد الخدري .و أما متنها فلا علة فيه و لا شذوذ ، و فيه تصريح بأن أبا بكر لما لم ير عليا و الزبير في البيعة العامة استدعاهما ،فحضرا و بايعاه طواعية .و قد قال أبو بكر بن خزيمة عن هذه الرواية (( جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث –أي هذه الرواية- فكتبته له في رقعة و قرأت عليه ؛ فقال : هذا الحديث يساوي بدنة-أي ناقة- فقلتُ : يسوي بدنة ، بل يسوي بدرة – كيس من الدراهم- )) . 
و الرواية الثالثة -من المجموعة الثالثة – إسنادها لا يصح ، لأن من رجاله : سيف بن عمر التميمي ،و الوليد بن عبد الله بن أبي ظبية البجلي ، الأول ضعيف و يروي عن المجهولين ،و الثاني مجهول .و أما متنها فهو يخالف الرواية الصحيحة السابقة الذكر ، و التي ذكرت أن عليا و الزبير تباطآ بعض الشيء ، فأرسل إليهما أبو بكر فحضرا و بايعاه . 
و أما روايات المجموعة الرابعة- التي ذكرت أن عليا تأخر عن البيعة 6 أشهر- فأولها رواية المؤرخ اليعقوبي ، فهي غير صحيحة ، لأنه رواها بلا إسناد ،و لأن متنها مُنكر و مُستبعد جدا ، و تخالفه الرواية الصحيحة في بيعة علي لأبي بكر في البيعة العامة بدون إكراه . 
و الرواية الثانية هي الأخرى لا تصح ، لأن المؤرخ المسعودي رواها بلا إسناد ،و لأن متنها ترده الرواية الصحيحة في بيعة علي لأبي بكر في البيعة العامة ، و لأن لعلي أقوال صحيحة في صحة خلافة أبي بكر و اعترافه بها سنذكرها قريبا . 
و الرواية الثالثة إسنادها لا يصح ، لأن من رجاله : أبو عون عمرو بن تميم الأنصاري ،و عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري ، الأول مجهول ،و الثاني مذكور في الضعفاء .و أما متنها فهو لا يصح أيضا ، لشذوذه و مخالفته لصحيح الأخبار ، لأنه أولا نص على أن عليا أدعى أنه صاحب الحق في الخلافة ،و أن أبا بكر أخذها منه ظلما و عدوانا ،و هذا زعم باطل تخالفه نصوص القرآن الكريم و السنة النبوية ،و الصحيح من التاريخ و أقوال علي بن أبي طالب . 
و ثانيا أن هذه الرواية فيها إهانة كبيرة لعلي بن أبي طالب ، فهل يُعقل أن صحابيا جليلا مثله ، يخرج بزوجته ليلا إلى الأنصار ، يستنصرهم بها على أبي بكر ؟! و أليس من العار و من الجبن و من النذالة و من الكذب و البهتان أن يُروى أن عليا خرج بزوجته يستجدي بها ،و أنه ذهب إلى قبر الرسول-عليه الصلاة و السلام- و هو يصيح و يبكي ؟ ! و لماذا ترك بني عمومته من بني العباس و بني أمية و ذهب إلى الأنصار الذين بايعوا أبا بكر ، ليطلب منهم المساعدة ؟ . و مما ينقض ذلك الزعم أنه قد صحّ الخبر أنه لما بُويع أبو بكر بالخلافة جاء أبو سفيان إلي علي و حّرضه على أبي بكر فأبى عليه و زجره .
و ثالثا أن في هذه الرواية تناقضا ، و ذلك أنها زعمت أن عليا اتهم الصحابة بظلمه ،و أنه خرج بزوجته يستجدي بها ،و أنه كان يصيح و يبكي و يشتكي ، ثم أنها تذكر في الأخير أنه –أي علي- بايعا أبا بكر بعد 6 أشهر ، و أنه قال له : (( و الله لا نقيلك و لا نستقيلك أبدا ، قدمك رسول الله-صلى الله عليه و سلم- لتوحيد ديننا ، من ذا الذي يؤخرك لتوجيه ديننا ؟ )) ؛ فإذا كان هذا هو موقفه من أبي بكر و خلافته ، فلماذا كل ذلك الإنكار و الامتناع ، و الصراخ و البكاء ،و العناد و الاتهامات ،و الاستجداء لطلب الأعوان ؟ ! . ألا يدل ذلك على أن الرواية برمتها محض افتراء و بهتان ؟ . 
و أما الرواية الرابعة – من المجموعة الرابعة- التي رواها البخاري و مسلم و نصّت على أن علي بن أبي طالب لم يبايع أبا بكر إلا بعد 6 أشهر ، فهي رواية صحيحة الإسناد ، لكن متنها يخالف الرواية الصحيحة- الثانية من المجموعة الثالثة- التي نصت على أن عليا بايع أبا بكر يوم البيعة العامة ، لذا فلابد من إزالة هذا الإشكال للجمع بين الروايتين . 
لكن قبل الجمع بينهما أذكر طائفة من الشواهد التاريخية الصحيحة تزيد الرواية الثانية من المجموعة الثالثة - التي نصت على بيعة علي لأبي بكر يوم البيعة العامة - تزيدها قوة و رجحانا ، أولها أنه قد صحّ الخبر أنه بعد وفاة الرسول-عليه الصلاة و السلام- بليال صلى أبو بكر صلاة العصر و معه علي ابن أبي طالب ، فلما انقضت الصلاة خرجا يمشيان معا ، فوجدا الحسن بن علي يلعب مع الأولاد في الطريق ، فحمله أبو بكر و قال : (( يا بابي شبه النبي ، ليس شبيها بعلي )) ،و علي يضحك . فهذه الحادثة جرت بعد ليال من وفاة رسول الله ، و لم تحدث بعد ستة أشهر ، فلو كان علي بن أبي طالب مخاصما لأبي بكر و غير مبايع له ، لأعتزله ،و لما وُجدت هذه العلاقة الأخوية الحميمة ، فهما : يصليان معا ،و يمشيان معا ،و يمزحان معا. 
و الشاهد الثاني هو أنه صحّ الخبر أن بعد شهرين و أيام من وفاة الرسول-عليه الصلاة و السلام- خرج أبو بكر الصديق إلى بلدة ذي القصة -بضواحي المدينة المنورة -، شاهرا سيفه لمحاربة المرتدين ، فاعترضه بعض الصحابة و نصحوه بالرجوع إلى المدينة و يتولوا هم المهمة ، فكان من بينهم علي بن أبي طالب ، فأخذ براحلة أبي بكر و قال له : إلى أين يا خليفة رسول الله ، أقول لك ما قاله رسول الله –صلى الله عليه و سلم- يوم أحد : لَم سيفك ، و لا تفجعنا بنفسك ، و أرجع إلى المدينة ، فوالله لئن فُجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدا ، فسمع منه و رجع . 
فهذا الخبر دليل قوي على مبايعة علي لأبي بكر في حياة زوجته فاطمة ، أي قبل 6 أشهر ، فهو قد خاطبه بالخلافة ، و أظهر حبه العميق له ، أيُعقل أن يكون علي منكرا لخلافة الصديق ،و مخاصما له ، ثم يصدر منه ذلك الفعل ؟ ‍‍‍، أوليس من صالحه-إن كان لم يُبايع- أن يترك أبا بكر يخرج للقتال لعله يُقتل ليتخلّص منه ؟ ، لكنه فعل عكس ذلك فدل على مبايعته لأبي بكر و حبه العميق له . 
و الشاهد الثالث هو أنه لما تُوفي الرسول-عليه الصلاة و السلام- ذهب العباس و فاطمة-رضي الله عنهما- إلى أبي بكر الصديق يطلبان منه ميراثهما من رسول الله ، و هو : أرضه من فدك ،و سهمه من خيبر ، فاعتذر و قال لهما أنه سمع النبي – عليه الصلاة و السلام- يقول : (( لا نورث ما تركناه صدقة،و إنما يأكل آل محمد في هذا المال )) . فذهابهما إليه طلبا للميراث دليل على أنهما يعترفان به خليفة للمسلمين . 
و الشاهد الرابع هو أنه رُوي بإسناد جيد أن أبا بكر الصديق –رضي الله عنه-لما بايعه الناس بالخلافة ، خطب فيهم و قال لهم أنه لم يكن حريصا على الإمارة و لا سألها ، فقبل الناس منه ، و تدخل علي و الزبير –رضي الله عنهما- و قالا (( ما غضبنا إلا أنا أُخرنا عن المشورة ،و أنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها ،و أنه لصاحب الغار ،و أنا لنعرف شرفه و خيره ، و لقد أمره رسول الله-صلى الله عليه و سلم- أن يصلي بالناس و هو حي )) . فكلامهما هذا يدل على أنهما غضبا بعض الشيء عندما لم يحضرا بيعة أبي بكر في السقيفة ، لأنهما كانا غائبين ككثير من الصحابة ، لكنهما مع ذلك قد بايعا أبا بكر في البيعة العامة ، و اعترفا له بالفضل و الخيرية ،و أنه أحق الصحابة بالخلافة . 
و الشاهد الخامس هو أنه رُوي-بإسناد صحيح- أنه لما بُويع أبكر بالخلافة ذهب أبو سفيان بن حرب إلى علي بن أبي طالب ، و قال له : ما بال هذا الأمر- أي الخلافة- في أقل قريش قلة و أذلها ذلا –أي قبيلة تيم التي ينتمي إليها الصديق- ، و الله لئن شئت لأملأنها عليه –أي أبي بكر- خيلا و رجالا ، فقال له علي : لطالما عاديت الإسلام و أهله يا أبا سفيان ، فلم يضره ذلك شيئا ، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا . فهذا الخبر فيه دلالة واضحة على أن عليا لم يكن رافضا لخلافة أبي بكر ، و أنه بايعه عندما نهر أبا سفيان و قال له : إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا ؛ فلو كان رافضا للبيعة ،و معتقدا أن أبا بكر اغتصب منه الخلافة ، لتعاون مع أبي سفيان للإطاحة بأبي بكر ، و سيتعاون معهما بنو أمية و بنو هاشم ،و هم أقوى قبائل قريش ، لكنه لم يفعل ذلك و أغلظ القول لأبي سفيان . و واضح من هذه الحادثة أنها تمت مباشرة بعد مبايعة أبي بكر بالخلافة و في حياة فاطمة بنت رسول الله ، و قد نص على ذلك ابن جرير الطبري صراحة ؛ مما يدل أن عليا قد بايع أبا بكر عندما بايعه الناس و لم يتخلف عن بيعته . 
و الشاهد السادس هو أنه لا يوجد أي مبرر شرعي يؤيد الزعم بأن عليا امتنع عن بيعة أبي بكر أو تأخر عنها ستة أشهر ، لأن القرآن الكريم قد حسم أمر الخلافة ، فقد جعلها شورى بين المسلمين ،و رسول الله –عليه الصلاة و السلام- تُوفي و لم يوص لأحد من بعده وصاية أمر و إلزام ، كما أنه قد صح الخبر أن علي بن أبي طالب ، كان يقول : خير الناس بعد الرسول-صلى الله عليه و سلم- أبو يكر و عمر .و قال : إن النبي –عليه الصلاة و السلام- لم يعهد لنا في الإمارة شيئا . فهل يصح بعد هذا أن يُقال أن عليا امتنع من بيعة أبي بكر ، أو تأخر عنها 6 أشهر ؟ . 
و الشاهد السابع هما خبران لا إسناد لها ، أذكرهما كدليلين ضعيفين مساعدين يتقويان بالشواهد السابقة و يندرجان فيها ، أولهما أنه عندما ارتدت العرب –علي إثر وفاة رسول الله- و أرسل أبو بكر جيش أسامة إلى شمال الجزيرة العربية ،و قلّ الجند بالمدينة المنورة ، و طمع فيها كثير من الأعراب و راموا الهجوم عليها ، عين أبو بكر على مداخل المدينة حراسا يبيتون بالعساكر لحمايتها ، فكان من بين الذين عينهم حراسا : علي بن أبي طالب ،و الزبير بن العوام ،و طلحة بن عبيد الله ،و سعد بن أبي وقاص،و عبد الرحمن بن عوف –رضي الله عنهم- ، فهل يُعقل أن يكون علي و الزبير من بين قادة أبي بكر المُعينين ،و هما لم يُبايعانه و لا يعترفان بشرعية خلافته ؟ ‍ . أفلا يدل وجودهما من بين حراس أبي بكر ، على أنهما بايعاه و كانا في خدمته ،و أنه كان يثق فيهما ،و أنهم كلهم كانوا اخوة متحابين متعاونين . 
و الخبر الثاني هو أنه رُوي أن أبا بكر الصديق لما ارتد العرب و طلبوا منه إعفائهم من دفع الزكاة ،و رفض مطلبهم ، أستشار كبار الصحابة في أمر هؤلاء ، فكان منهم : عمر بن الخطاب ،و علي بن أبي طالب ،و طلحة بن عبيد الله ،و الزبير بن العوام – رضي الله عنهم – فقالوا له : نعم نقبل منهم ذلك . لكنه عارضهم و أصر على قتالهم و رفض طلبهم . هذه الحادثة كانت مباشرة بعد وفاة النبي-عليه الصلاة و السلام- و مبايعة أبي بكر ، فلو كان علي و الزبير مخاصميّن له و رافضين لخلافته ، لاعتزلاه و ما كانا من بين مستشاريه . 
و بذلك يتبيّن لنا من تلك الشواهد أن عليا لم يتخلّف عن بيعة أبي بكر و لم يكن رافضا لخلافته ، و إنما كان من المعترفين بخلافته و من محبيه و مستشاريه ،و من كبار رجال دولته . 
و أما رواية البخاري و مسلم – الرواية الرابعة من المجموعة الرابعة- التي نصّت على أن عليا تخلّف عن بيعة أبي بكر ، و لم يُبايعه إلا بعد ستة أشهر- على إثر وفاة زوجته فاطمة – فهي رواية لا تناقض ما قلناه إذا ما أزلنا ما فيها من إشكال و التباس و غموض . 
أولا إن في هذه الرواية إدراجا لكلام الشهاب الزهري –أحد رواة الخبر- في متن الرواية دون إشارة لذلك ،فأصبح كلامه جزءا منها ؛ و الدليل على ذلك أن الرواية نفسها رواها الطبري في تاريخه و أبو عوانة في مسنده ،و عبد الرزاق الصنعاني في مصنّفه ، و ذكروا أن الزهري-أثناء روايته للخبر- سأله رجل: هل علي لم يُبايع أبا بكر إلا بعد 6 أشهر ؟ ، فقال له : نعم و لا أحد من بني هاشم بايعه ، حتى بايعه علي . فهذه الزيادة المقحمة في الخبر ليس لها إسناد ،و لا يٌعد الإسناد الأصلي إسنادا لها ؛ و مما يُؤكد ذلك أن الرواية نفسها رواها أحمد بن حنبل دون أن يذكر تلك الزيادة المقحمة . و ضعّفها الحافظ أبو بكر البيهقي ،و قال أنها زيادة لم يُسندها الشهاب الزهري . فهي إذا رواية مرسلة ،و من المعروف عند المحدثين أن الشهاب الزهري كان كثير الإرسال ،و أن مراسيله كالريح ليست بشيء . 
و ثانيا أننا إذا حذفنا من رواية البخاري و مسلم الزيادة المُقحمة- أي المدرجة- تصبح تشير بوضوح إلى أن سبب الخلاف بين علي و أبي بكر –رضي الله عنهما- ليس هو الخلافة و البيعة ،و إنما هو قضية الميراث ، لذا قال أبو بكر لعلي: (( … و أما الذي شجر بيني و بينكم من هذه الأموال ، فلم آل فيها عن الخير ،و لم أترك أمرا رأيتُ رسول الله –صلى الله عليه و سلم- يصنعه فيها إلا صنعته )) . لكنها-أي الرواية بلا زيادة- أشارت إلى أن عليا بايع أبا بكر في المسجد ، فما تفسير ذلك ؟ أجاب عن ذلك الحافظ ابن كثير ، فذكر أن عليا بايع أبا بكر مرتين ، و أن بعض الرواة لم يفهموا ذلك و اعتقدوا أن (( عليا لم يُبايع قبلها –أي بالبيعة الأولي- فنفى ذلك ، و المُثبت مُقدم على النافي ، كما تقدم و لما تقرر )) ، ثم أكد أن عليا بايع أبا بكر في أول يوم أو في الثاني من وفاة رسول الله –عليه الصلاة و السلام- لأنة-أي علي- لم يٌفارقه في وقت من الأوقات ،و لم ينقطع في الصلوات خلفه ،و خرج معه إلى ذي القصة لمحاربة المرتدين ، لكن بسبب الميراث و غضب فاطمة من أبي بكر ، راعى علي خاطرها بعض الشيء ، فلما تُوفيت بعد 6 أشهر من وفاة رسول الله –عليه الصلاة و السلام- رأى –أي علي – أن يجدد البيعة لأبي بكر كما هو وارد في الصحيحين . 
و ثالثا أن مما يٌؤيد ما قاله ابن كثير أن الحافظ ابن حجر العسقلاني وافقه فيما قاله عن بيعة علي لأبي بكر .و أنه سبق و أن أوردنا طائفة من الشواهد التاريخية الصحيحة التي نصت على أن علي بن أبي طالب بايع أبا بكر منذ الأيام الأولى من بيعة السقيفة و لم يتخلف عن بيعته طويلا ، ثم بعد هذه البيعة جدد له البيعة ثانية بعد 6 أشهر . 
و بذلك يتبين – مما سبق ذكره- أن عليا-رضي الله عنه- لم يكن يعتقد أنه هو الخليفة الشرعي بعد رسول الله ،و لم يكن رافضا لخلافة أبي بكر الصديق ، و قد بايعه طواعية من دون إكراه منذ البيعة العامة ، و أن التباطؤ الذي ظهر منه و من الزبير بن العوام سببه الغضب عندما فاتتهم المشورة يوم السقيفة . 
نشر المقال في مجلة الباحث ، العدد الأول ، سنة 2009 و مجلة محكمة ، تصدر عن المدرسة العليا للأساتذة .
الهوامش : 

اليعقوبي :تاريخ اليعقوبي ،بيروت، دار صادر، دت ، ج2 ص: 124 . 
نفس المصدر ، ج2 ص: 125، 126 
المسعودي : مروج الذهب و جواهر المعدن ، الجزائر ، دار موفم للنشر ، ج 2 ص: 355 . 
ط الجزائر ، دار موفم ، 1989 ج1 ، ص: 18، 19 . 
ج1 ص: 20 و ما بعدها . 
تاريخ الطبري ، ط1 بيروت ، دار الكتب العلمية 1407 ج2 ص: 233-234 . 
تاريخ الطبري ، ج 2 ص: 233 . 
نفس المصدر ، ج 2 ص: 578 . 
نفس المصدر ، ج2 ص: 236 . 
عبد الله بن أحمد : السنة ،ط1، الدمام، دار ابن القيم ، 1406 ج2 ص: 554 . الحاكم : المستدرك ،بيروت ، المكتبة العلمية 1990 ج 3 ص: 80 .و البيهقي : السنن الكبرى ، مكة، دار الباز، 1994 ج 8 ص: 183 .و ابن كثير : البداية ، بيروت ، مكتبة المعارف ، دت ،ج 5 ص: 261 . الذهبي : الخلفاء الراشدون ،ط1 بيروت، دار الجيل ، 1992 ص: 6 . السيوطي : تاريخ الخلفاء ، ط1 مصر، مطبعة السعادة، 1952 ص: 69 
تاريخ الطبري ، ج 2 ص: 235 . 
تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص: 126 . 
مروج الذهب ، ج 2 ص: 126 . 
الإمامة و السياسة ، ج1 ص: 19-25 . 
انظر : البخاري : الصحيح ، حققه ديب البغا، ط2 ، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1987 ج4 ص: 1549 .و مسلم : الصحيح ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي، د ت،ج3 ص: 1380 . 
انظر : تاريخ اليعقوبي ، ج2 ص: 124 . 
انظر : محمود الطحان : تيسير مصطلح الحديث ، الجزائر ، دار رحاب د ت ، ص: 33 . 
انظر : قوله تعالى (( و أمرهم شورى بينهم )) ،و (( أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم )) ، فأولي الأمر من المسلمين مطلقا دون تخصيص .و أنظر أيضا : ابن كثير : البداية ، ج 5 ص: 263 . و البخاري : المصدر السابق ، ج 1 ص: 53، 1110، 1157 .و السيوطي : تاريخ الخلفاء ، ص: 6 ، 7 . 
انظر : ابن حبان : صحيح ابن حبان ، حققه شعيب الأرناؤوط ، بيروت مؤسسة الرسالة ، ج 2 ص: 145 و ما بعدهما . و البخاري : الصحيح ، كتاب الحدود ، باب : رجم الحبلى في الزنا .و أحمد بن حنبل : المسند ، مصر مؤسسة قرطبة ، د ت مسند العشرة المبشرين بالجنة . 
انظر : مروج الذهب ، ج2 ص: 355 . 
سبقت الإشارة إلى بعضها ، و أنظر أيضا : عبد الله بن أحمد بن حنبل : السنة ، ص: 216 و ما بعدها . و ابن كثير : البداية ، ج 5 ص: 264 . أحمد بن حنبل : المصدر السابق ، ج 1 ص: 114 . 
انظر : ابن حبان : المصدر السابق ، ج2 ص: 145 .و البخاري : المصدر السابق ، كتاب الحدود ، باب رجم الحبلى في الزنا.
انظر : الإمامة و السياسة ، ج1 ص: 8 ، 17 . 
انظر : ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ، ج6 ص: 252 . و العقيلي : الضعفاء ، ط1 بيروت، مؤسسة الرسالة 1404ج 2 ص: 273 .و الذهبي : المغني في الضعفاء ،حققه نور الدين عتر ،د م، د ن، دت ج1 ص: 345 . 
سنذكر روايات أخرى عن ذلك قريبا . 
انظر: الضاء المقدسي : الأحاديث المختارة ، مكة المكرمة، مكتبة النهضة الحديثة، 1410ج 4 ص: 403-405 ، ج6 ص: 143-144 .و الهيثمي : مجمع الزوائد ، القاهرة، دار الريان للتراث ، 1407 ج 5 ص: 192 . 
انظر : البخاري : الصحيح ، كتاب التفسير ، باب (( لقد جاءكم رسول من أنفسكم )) ،و كتاب فضائل القرآن ، باب جمع القرآن . 
سنفصل ذلك قريبا . 
ابن تيمية : قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة ، الجزائر ، دار الشهاب ص: 199 و ما بعدها . 
أنظر: الذهبي : ميزان الاعتدال في نقد الرجال ، ط1 بيروت، دار الكتب العلمية 1995 ج2ص: 110 . و أبو الحجاج المزي : تهذيب الكمال ، حققه بشار عواد، بيروت ، مؤسسة الرسالة، 1980 ج 7ص: 382 
انظر : الذهبي : نفس المصدر ، ج 6ص: 126، 127 .و المِزي : المصدر السابق ، ج 9 ص: 505 . 
سنذكر الروايات الصحيحة التي تخالف ذلك لاحقا . 
الذهبي : المصدر السابق ، ج 6 ص: 126، 127 . 
سبق ذكر بعض تلك النصوص و سيأتي ذكر طائفة أخرى قريبا . 
الذهبي : نفس المصدر ، ج 3 ص: 353 . 
الرواية الصحيحة هي الرواية الثانية من هذه المجموعة . 
انظر : عبد الله بن أحمد بن حنبل : السنة ، ج2ص: 554 .و الحاكم النيسابوري : المستدرك على الصحيحين ، ج3 ص: 80.
البداية و النهاية ، ج 5 ص: 262 . 
نفس المصدر ، ج5 ص: 261 ، 293 . 
انظر : الذهبي : الميزان ، ج 3 ص: 353 .و ابن حجر العسقلاني: لسان الميزان ،ط 3 بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1986 ج6 ص: 223 . 
انظر: ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ، ج 2 ص: 129، 130 . العقيلي: الضعفاء، ج 2 ص: 273 .و الذهبي: المغني في الضعفاء، ج 1 ص: 345 . 
سنذكر قريبا بعض أقواله . 
السيوطي: تاريخ الخلفاء ، ص: 67 . 
ابن قتيبة : الإمامة و السياسة ، ج1 ص: 24-25 . و أشير هنا إلى أن هذا الكتاب منسوب لابن قتيبة الدينوري(ت276ه) ، و نسبته إليه غير ثابتة و الأرجح أنه منحول عليه ،و مؤلفه مجهول . 
احمد بن حنبل : المسند ، ج 1 ص: 8 . و البخاري : الصحيح ، ج 3 ص: 1036 ، 1370 . 
رواه الدارقطني و رجاله : عبد الله بن عمر ،و سعيد بن المسيب ،و الشهاب الزهري ، و هؤلاء كلهم ثقات ،و أما عبد الوهاب بن موسى الزهري ، فهو أيضا ثقة . انظر : ابن حجر : لسان الميزان ، ج 4 ص: 91 .و رواه أيضا زكريا الساجي ، ورجاله : عائشة أم المؤمنين ،و عروة بن الزبير ،و هشام بن عروة ،و عبد الوهاب بن موسى الزهري ، و هؤلاء كلهم ثقات ،و أما أبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، فهو أيضا ثقة . انظر : ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ، ج 5 ص: 49 . 
ابن كثير : البداية ، ج 6 ص: 707 .و السيوطي : تاريخ الخلفاء ، ص: 75 . 
مسلم : الصحيح ، ج 3 ص: 1381 .و أحمد : المسند ، مسند أبي بكر ، رقم الحديث : 55 . 
ابن كثير: المصدر السابق، ج 5 ص: 262 .و الذهبي: الخلفاء الراشدون ، ص: 8 . و الحاكم : المستدرك ، ج 3 ص: 70 .و البيهقي: السنن الكبرى ، ج 8 ص: 152 . 
السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص: 67 . 
تاريخ الطبري، ج 2 ص: 137 . 
عبد الله بن أحمد بن حنبل: السنة ، ج 2 ص: 570، 578 .و أبو بكر الخلال : السنة ، الرياض، دار الراية، 1410ج 1 ص: 289، 291 . 
ابن كثير: البداية ، ج 6 ص: 702 .و ابن الجوزي: المنتظم ،حققه عبد القادر عطا، ط1 بيروت، دار الكتب العلمية، 1992 ج 4 ص: 75 . 
ابن الجوزي: نفس المصدر، ج 4 ص: 74، 75 . 
انظر : تاريخ الطبري،ج 2 ص: 236، 237 .و مسند أبي عوانة ،ط1 بيروت، دار المعرفة، 1998 ج 4ص: 251 .و مصنف عبد الرزاق، ط2، بيروت، المكتب الإسلامي، 1403ج 5 ص: 473 . 
فضائل الصحابة ، ط1 بيروت، مؤسسة الرسالة، 1983 ج 1 ص: 362 . 
ابن حجر: فتح الباري ، بيروت ، دار المعرفة، 1379 ه ج7 ص: 494-495 . 
أي أنه أرسلها و أطلقها و لم يكن شاهد عيان لها ،و لم يذكر لنا من الذي رواها و كان شاهد عيان فيها . و المرسل في علم مصطلح الحديث هو الحديث الذي سقط منه الصحابي ، كأن يقول التابعي مباشرة : قال رسول الله . محمود الطحان: تيسير مصطلح الحديث، الجزائر ، دار رحاب د ت ، ص: 70 . 
أبو سعيد العلائي: جامع التحصيل ، ط2 بيروت، عالم الكتب، 1986 ج 1 ص: 37، 99 . 
ابن كثير: البداية، ج 5 ص: 262 ، 286 . 
فتح الباري ، ج 7 ص: 494-495 .
مصادر البحث : 
1- ابن قتيبة : الإمامة و السياسة- الكتاب غير ثابت النسبة لابن قتيبة- ، دار موفم ، الجزائر 1989 . 
2- ابن كثير : البداية ، ، مكتبة المعارف ، بيروت ، دت .
3-ابن حجر العسقلاني: لسان الميزان ،ط 3 ، مؤسسة الأعلمي، بيروت ، 1986 . 
4-ابن حجر: فتح الباري ، دار المعرفة، بيروت ، 1379 .
5-ابن الجوزي: المنتظم ،حققه عبد القادر عطا، ط1 ، دار الكتب العلمية، بيروت 1992 . 
6-ابن تيمية : قاعدة جليلة في التوسل و الوسيلة ، دار الشهاب، الجزائر .
7-ابن حبان : صحيح ابن حبان ، حققه شعيب الأرناؤوط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت.
8- أبو الحجاج المزي : تهذيب الكمال ، حققه بشار عواد، ، مؤسسة الرسالة ، بيروت، 1980.
9-أبو سعيد العلائي: جامع التحصيل ، ط2 ، عالم الكتب، بيروت ، 1986 . 
10-أبو بكر الخلال : السنة ، ، دار الراية، الرياض ، 1410 . 
11-أبو عوانة :مسند أبي عوانة ،ط1 ، دار المعرفة، بيروت ، 1998.
12-أحمد بن حنبل : المسند ، مؤسسة قرطبة ، مصر د ت .
13-أحمد بن حنبل : فضائل الصحابة ، ط1 ، مؤسسة الرسالة، بيروت ، 1983 .
14-البخاري : الصحيح ، حققه ديب البغا، ط2 ، مؤسسة الرسالة، بيروت ، 1987. 
15- البيهقي : السنن الكبرى ، دار الباز، ، مكة ، 1994.
16- الطبري :تاريخ الطبري ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1407 . 
17-الحاكم النيسابوري : المستدرك ، المكتبة العلمية،بيروت ، 1990 .
18--الذهبي : الخلفاء الراشدون ،ط1 ، دار الجيل ، بيروت ، 1992 .
19-الذهبي : ميزان الاعتدال في نقد الرجال ، ط1 ، دار الكتب العلمية ،بيروت 1995.
20-الذهبي : المغني في الضعفاء ،حققه نور الدين عتر ،د م، د ن، دت .
21- السيوطي : تاريخ الخلفاء ، ط1 ، مطبعة السعادة، مصر . 
22-الضياء المقدسي : الأحاديث المختارة ، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة ، 1410 .
23-عبد الله بن أحمد : السنة ،ط1 ، دار ابن القيم ، ، الدمام ، 1406.
24-عبد الرزاق الصنعاني: مصنف عبد الرزاق، ط2، ، المكتب الإسلامي، بيروت ، 1403 .
25-العقيلي : الضعفاء ، ط1 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1404 .
26-مسلم : الصحيح ، دار إحياء التراث العربي، ، بيروت .
27-محمود الطحان : تيسير مصطلح الحديث ، دار رحاب د ت ، الجزائر . 
28-المسعودي : مروج الذهب و جواهر المعدن ، دار موفم للنشر ، الجزائر . 
29-الهيثمي : مجمع الزوائد ، ، دار الريان للتراث ، القاهرة.
30-اليعقوبي :تاريخ اليعقوبي ،بيروت، دار صادر، دت .


بيعة علي بن أبي طالب لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما

السؤال

يدعي الكثير من الشيعة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يبايع أبدا أبا بكر رضي الله عنه ، وهم يقولون بأن قبضة يده كانت مغلقة ، وبأنه لم يبايع مطلقا . وكنت أتساءل ما إذا كان بوسع الشيخ مساعدتي في فهم ما حدث بالفعل إن شاء الله . جزاكم الله خيرا .

الجواب

الحمد لله.

أولا :

بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثابتة في الصحيحين وإن وقعت متأخرة بضعة أشهر.

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أن أباها أبا بكر رضي الله عنه دخل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أن دعاه :

( فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ فَقَالَ : إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصيبًا .

حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي ، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ : فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنْ الْخَيْرِ ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ .

فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ : مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ ، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَتَشَهَّدَ وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنْ الْبَيْعَةِ وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ ، وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ ، وَحَدَّثَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبًا ، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا ، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا ، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ ، وَقَالُوا : أَصَبْتَ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ ) رواه البخاري (3998) ومسلم (1759)

وفي رواية أخرى لمسلم في صحيحه :

( ثُمَّ قَامَ عَلِيٌّ فَعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ وَسَابِقَتَهُ ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالُوا : أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ فَكَانَ النَّاسُ قَرِيبًا إِلَى عَلِيٍّ حِينَ قَارَبَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ )

قال النووي رحمه الله :

" أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة : فقد ذكره علي في هذا الحديث ، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه .

ومع هذا : فتأخره ليس بقادح في البيعة ، ولا فيه :

أما البيعة : فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ، ولا كل أهل الحل والعقد ، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء ، والرؤساء ، ووجوه الناس .

وأما عدم القدح فيه : فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه ، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له ، وأن لا يظهر خلافاً ، ولا يشق لعصا .

وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته ، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً ، ولا شق العصا ، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث ، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره ، فلم يَجب عليه الحضور لذلك ، ولا لغيره ، فلما لم يجب : لم يحضر .

وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة ، ولا مخالفة ، ولكن بقي في نفسه عتب ، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب .

وكان سبب العتب : أنه مع وجاهته ، وفضيلته في نفسه في كل شيء ، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم ، وغير ذلك : رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته ، وحضوره ، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً ؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين ، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة ، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة ؛ لكونها كانت أهم الأمور ، كيلا يقع نزاع في مدفنه ، أو كفنه ، أو غسله ، أو الصلاة عليه ، أو غير ذلك ، وليس لهم من يفصل الأمور ، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء " انتهى.

" شرح مسلم " (12/77-78) .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة ، لشغله بها وتمريضها ، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم ؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث : رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه " انتهى.

" فتح الباري " (7/494)

ثانيا :

قد ورد أيضا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بايع أبا بكر في بداية الأمر ، ولم يتأخر عن البيعة ، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد .

فقد رُوي الحديث من طريق وهيب بن خالد ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد .

وأخذ الحديثَ عن وهيب بن خالد أربعةٌ من أصحابه ، ثلاثة منهم يرويه بسياق مختصر لا يشتمل على ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر رضي الله عنهم في بداية خلافته ، وهم :

عفان بن مسلم : كما سيأتي تخريج الرواية عنه ، وبيان أنَّ مَن ذَكر عن عفان بن مسلم أمرَ البيعة فقد وَهِمَ وأخطأ .

أبو داود الطيالسي في " المسند " (1/495، رقم/603) ، ومن طريقه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (19/314)

زهير بن إسحاق : وهو راو ضعيف – كما في " ميزان الاعتدال " (2/82) - يرويه من طريقه ابن عدي في " الكامل " (3/223) ويقول : " وهذا لا أعلم رواه عن داود غير زهير بن إسحاق ووهيب ، ولزهير أحاديث صالحة ، وأروى الناس عنه من البصريين محمد بن أبي بكر المقدمي ، وأرجو أنه لا بأس به ، فإن ابن معين إنما أنكر عليه حديثا مقطوعا كما ذكرته ، فأما حديثه المسند فعامته مستقيمة " انتهى.

وأما الراوي الرابع عن وهيب بن خالد فقد رواه بالسياق المطول المشتمل على ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر رضي الله عنهم جميعا .

وهذا الراوي هو المغيرة بن سلمة أبو هشام المخزومي : ثقة ثبت – كما في " تهذيب التهذيب " (10/261) – يرويه عنه الإمام البيهقي في " السنن الكبرى " (8/143) فيقول :

" أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي الحافظ الإسفرائيني ، ثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ ، أنبأ أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ، وإبراهيم بن أبي طالب ، قالا : ثنا بندار بن بشار ، ثنا أبو هشام المخزومي ، ثنا وهيب : فذكره بنحوه . 

قال أبو علي الحافظ : سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول :

جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث ، فكتبته له في رقعة ، وقرأت عليه ، فقال : هذا حديث يسوى بدنة . فقلت : يسوى بدنة !؟ بل هو يسوى بدرة – تامة كالبدر -" انتهى.

وقوله : ( فذكره بنحوه ) يريد به السياق الذي فيه ذكر البيعة كما وقع ذلك صريحا في رواية ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (30/277) من طريق الإمام البيهقي نفسه .

وقد قال الإمام الذهبي رحمه الله بعد أن ساق الرواية التي فيها ذكر البيعة :

" مع جودة سنده فيه أشياء تنكر ، فتدبره " انتهى.

" المهذب " (6/3239)

وأما بيان الاختلاف على عفان بن مسلم فهذا تفصيله :

اختلف على عفان بن مسلم على وجهين :

الوجه الأول : يرويه كبار الأئمة الذين أخذوا عن عفان بسياق مختصر ، ليس فيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر رضي الله عنهم جميعا ، ولفظه :

( لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ خُطَبَاءُ الأَنْصَارِ ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ! إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا بَعَثَ رَجُلاً مِنْكُمْ قَرْنَهُ بِرَجُلٍ مِنَّا ، فَنَحْنُ نَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الأَمْرَ رَجُلاَنِ ، رَجُلٌ مِنْكُمْ وَرَجُلٌ مِنَّا .

فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، فَكُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَإِنَّمَا يَكُونُ الإِمَامُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، نَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : جَزَاكُمُ اللَّهُ مِنْ حَيٍّ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ ، وَاللَّهِ لَوْ قُلْتُمْ غَيْرَ هَذَا مَا صَالَحْنَاكُمْ )

رواه عنه ابن أبي شيبة في " المصنف " (7/430).

والإمام أحمد في " المسند " (35/489) طبعة مؤسسة الرسالة .

وابن سعد في " الطبقات " (3/212) .

والبلاذري في " أنساب الأشراف " (3/318) ترقيم الشاملة .

أحمد بن القاسم بن المساور الجواهري : كما عند الطبراني في " المعجم الكبير " (5/114)

جعفر الصايغ : كما عند ابن عدي في " الكامل " (3/223) قال : ثناه علي بن أحمد بن مروان ثنا أبو الصقر الوراق وهو يحيى بن داود البغدادي وثنا محمد بن منير بن صغير ثنا جعفر الصايغ ثنا عفان .

وقال الذهبي في هذه الرواية :

" هذا إسناد صحيح " انتهى.

" سير أعلام النبلاء " (2/433)

وقال الهيثمي في هذه الرواية :

" رواه الطبراني وأحمد ورجاله رجال الصحيح " انتهى.

" مجمع الزوائد " (5/183)

الوجه الثاني : يرويه واحد من أصحاب عفان بن مسلم ، بسياق مطول ، وفيه ذكر بيعة علي بن أبي طالب والزبير لأبي بكر الصديق رضي الله عنهم جميعا ، وهذا لفظه :

( لَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ خُطَبَاءُ الأَنْصَارِ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلاً مِنَّا ، فَنُرَى أَنْ يَلِىَ هَذَا الأَمْرَ رَجُلاَنِ ، أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ ، وَالآخَرُ مِنَّا .

قَالَ : فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ .

فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَإِنَّ الإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم .

فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ .

ثُمَّ قَالَ : أَمَّا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ .

ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِى بَكْرٍ فَقَالَ : هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايِعُوهُ ، ثُمَّ انْطَلَقُوا .

فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِى وُجُوهِ الْقَوْمِ ، فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقَامَ نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ : ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَخَتَنَهُ ! أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ؟

فَقَالَ : لاَ تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ . فَبَايَعَهُ .

ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَسَأَلَ عَنْهُ حَتَّى جَاءُوا بِهِ ، فَقَالَ : ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَوَارِيَّهُ ! أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ : لاَ تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ . فَبَايَعَاهُ )

رواه جعفر بن محمد بن شاكر عن عفان على هذا الوجه المطول ، كذلك أخرجه الحاكم في " المستدرك " (3/80) ، وعنه وعن شيخه أبو محمد المقرئ رواه البيهقي في " السنن الكبرى " (8/143) قال الحاكم : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه " انتهى. وسكت عليه الذهبي في التلخيص .

وجعفر بن محمد بن شاكر - وإن وثقه الخطيب البغدادي وابن المنادي ومسلمة بن قاسم كما في " تهذيب التهذيب " (2/102) – إلا أنه خالف الأئمة الكبار الذين هم أحفظ لحديث عفان بن مسلم منه ، فالوجه الصحيح عن عفان بن مسلم هو اختصار الحديث ، وعدم ذكر بيعة علي بن أبي طالب لأبي بكر رضي الله عنه في ذلك الموقف .

هذا وقد تابع سعد بن إياس الجريري داود بن أبي هند في الرواية عن أبي نضرة ، وفي روايته ذكر بيعة علي والزبير لأبي بكر رضي الله عنهما ، كما في " تاريخ دمشق " (30/278) ، ولكن وفي سنده علي بن عاصم بن صهيب الواسطي ، وقد كان كثير الخطأ في الرواية ، قال فيه علي بن المديني : " كان على بن عاصم كثير الغلط ، وكان إذا غلط فرد عليه لم يرجع "، وهكذا كان حكم سائر النقاد فيه . انظر: " تهذيب التهذيب " (7/348)

ثالثا :

الحاصل أن بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه الثابتة هي الواردة في صحيحي البخاري ومسلم ، وأما البيعة الأولى الواردة في حديث أبي سعيد الخدري ففي ثبوتها بعض التردد .

أما الدعوى بأن بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت إكراها فهي دعوى زائفة باطلة ، صادرة عن مكابرة ظاهرة ، وعماية بالغة عن الحقائق المروية بالأسانيد الصحيحة .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" علم بالتواتر أنه لم يتخلف عن بيعته – يعني أبا بكر الصديق رضي الله عنه - إلا سعد بن عبادة ، وأما علي وبنو هاشم فكلهم بايعه باتفاق الناس ، لم يمت أحد منهم إلا وهو مبايع له ، لكن قيل : علي تأخرت بيعته ستة أشهر ، وقيل : بل بايعه ثاني يوم ، وبكل حال ، فقد بايعوه من غير إكراه " انتهى.

" منهاج السنة " (8/232)

والله أعلم . الإسلام سؤال وجواب ..


بيعة على لأبي بكر بعد ستة أشهر


صحيح البخاري (256 هـ) الجزء5 صفحة82
 
قال أبو عبد الله الضال السدر حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد أخبرني جدي أن أبان بن سعيد اقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فقال أبو هريرة يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل وقال أبان لأبي هريرة وأعجبا لك وبر تدأدأ من قدوم ضأن ينعى على امرأ أكرمه الله بيدي ومنعه ان يهينني بيده حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ان فاطمة ع بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال وأنى والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها على ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها وكان لعلى من الناس وجه حياة فاطمة فلما توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك كراهية لمحضر عمر فقال عمر لا والله لا تدخل عليهم وحدك فقال أبو بكر وما عسيتهم أن يفعلوا بي والله لآتينهم فدخل عليه أبو بكر فتشهد على فقال انا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ولكنك استبددت علينا بالأمر وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبا حتى فاضت عينا أبى بكر فلما تكلم أبو بكر قال والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي واما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها عن الخير ولم اترك أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته فقال على لأبي بكر موعدك العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر الظهر رقى المنبر فتشهد وذكر شأن على وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه ثم استغفر وتشهد على فعظم حق أبى بكر وحدث انه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارا للذي فضله الله به ولكنا كنا نرى لنا في هذا الأمر نصيبا فاستبد علينا فوجدنا في أنفسنا فسر بذلك المسلمون وقالوا أصبت وكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع الأمر بالمعروف


صحيح مسلم (261 هـ) الجزء5 صفحة153
 
حدثني محمد بن رافع أخبرنا حجين حدثنا ليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة انها أخبرته ان فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبى بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) في هذا المال وانى والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أبو بكر ان يدفع إلى فاطمة شيئا فوجدت فاطمة على ابن بكر في ذلك قال فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة اشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها على وكان لعلى من الناس وجهة حياة فاطمة فلما توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبى بكر ان ائتنا ولا يأتنا معك أحد (كراهية محضر عمر بن الخطاب) فقال عمر لأبي بكر والله لا تدخل عليهم وحدك فقال أبو بكر وما عساهم ان يفعلوا بي انى والله لآتينهم فدخل عليهم أبو بكر فتشهد علي بن أبي طالب ثم قال انا قد عرفنا يا أبا بكر فضيلتك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ولكنت استبددت علينا بالأمر وكنا نحن نرى لنا حقا لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبى بكر فلما تكلم أبو بكر قال والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى أن أصل من قرابتي وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فانى لم آل فيها عن الحق ولم اترك أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته فقال على لأبي بكر موعدكم العشية للبيعة فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن على وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه ثم استغفر وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبى بكر وانه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبى بكر ولا انكارا للذي فضله الله به ولكنا كنا نرى لنا في الامر نصيبا فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا فسر بذلك المسلمون وقالوا أصبت فكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع الأمر المعروف


صحيح مسلم (261 هـ) الجزء5 صفحة155
 
حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد قال ابن رافع حدثنا وقال الآخران أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر فقال لهما أبو بكر أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وساق الحديث بمثل معنى حديث عقيل عن الزهري غير أنه قال ثم قام على فعظم من حق أبى بكر وذكر فضيلته وسابقته ثم مضى إلى أبى بكر فبايعه فاقبل الناس إلى علي فقالوا أصبت وأحسنت فكان الناس قريبا إلى علي حين قارب الأمر المعروف


بيعة على لأبي بكر في أول يوم


المستدرك للحاكم النيسابوري (405 هـ) الجزء3 صفحة76
 
(حدثنا) أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا جعفر بن محمد بن شاكر ثنا عفان بن مسلم ثنا وهيب ثنا داود بن أبي هند ثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله قام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول يا معشر المهاجرين أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا فنرى أن يلي هذا الأمر " رجلان أحدهما منكم والآخر منا قال فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان من المهاجرين وان الإمام يكون من المهاجرين ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وآله فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار وثبت قائلكم ثم قال اما لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم ثم اخذ زيد بن ثابت بيد أبي بكر فقال هذا صاحبكم فبايعوه ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فاتوا به فقال أبو بكر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله فبايعه ثم لم ير الزبير بن العوام فسأل عنه حتى جاؤوا به فقال ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال مثل قوله لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله فبايعاه
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه


السنن الكبرى للبيهقي (458 هـ) الجزء8 صفحة143
 
(حدثنا) أبو عبد الله الحافظ إملاء وأبو محمد بن أبي حامد المقرى قراءة عليه قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا جعفر ابن محمد بن شاكر ثنا عفان بن مسلم ثنا وهيب ثنا داود بن أبي هند ثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول يا معشر المهاجرين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا فنرى ان يلي هذا الامر رجلان أحدهما منكم والآخر منا قال فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وان الامام يكون من المهاجرين ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار وثبت قائلكم ثم قال أما لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبى بكر فقال هذا صاحبكم فبايعوه ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر رضي الله عنه على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا رضي الله عنه فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به فقال أبو بكر رضي الله عنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه ثم لم ير الزبير بن العوام رضي الله عنه فسأل عنه حتى جاءوا به فقال ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال مثل قوله لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعاه


تاريخ الإسلام للذهبي (748 هـ) الجزء3 صفحة10
 
وقالت وهيب : ثنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام طباء الأنصار فجعل منهم من يقول : يا معشر المهاجرين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان منا ومنكم قال : وتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وإنما يكون الإمام من المهاجرين ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكر فقال : جزاكم الله خيرا من حي يا معشر الأنصار وثبت قائلكم أم والله لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم ثم أخذ زيد بيد أبي بكر فقال : هذا صاحبكم فبايعوه قال : فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به . فقال أبو بكر : ابن عم رسول الله وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال : لا تثريب يا خلفية رسول الله صلى الله عليه ) وسلم فبايعه ثم لم ير الزبير فسأل عنه حتى جاؤوا به فقال : ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال : لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه
روى منه أحمد في : مسنده إلى قوله لما صالحناكم عن عفان عن وهيب ورواه بتمامه ثقة عن عفان


البداية والنهاية لابن كثير (774 هـ) الجزء5 صفحة269
 
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحافظ الأسفراييني حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وابن إبراهيم بن أبي طالب . قالا : حدثنا ميدار بن يسار . وحدثنا أبو هشام المخزومي حدثنا وهيب حدثنا داود بن أبي هند حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري . قال : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال فقام خطيب الأنصار فقال : أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين ونحن كنا أنصار رسول الله ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره قال فقام عمر بن الخطاب فقال : صدق قائلكم ! أما لو قلتم على غير هذا لم نبايعكم وأخذ بيد أبي بكر وقال : هذا صاحبكم فبايعوه فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار . قال : فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير . قال : فدعا بالزبير فجاء . فقال : قلت ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال : لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فبايعه . ثم نظر وجوه القوم فلم ير عليا فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء . فقال : قلت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين . قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعه . هذا أو معناه . وقال أبو علي الحافظ سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول : جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأته عليه وهذا حديث يسوي بدنة بل يسوي بدرة ! وقد رواه البيهقي عن الحاكم وأبي محمد بن حامد المقري كلاهما عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم عن جعفر بن محمد بن شاكر عن عفان بن سلم عن وهيب به ولكن ذكر أن الصديق هو القائل لخطيب الأنصار بدل عمر . وفيه : أن زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال : هذا صاحبكم فبايعوه ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فسأله عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به فذكر نحو ما تقدم ثم ذكر قصة الزبير بعد علي . فالله أعلم . وقد رواه علي بن عاصم عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكر نحو ما تقدم وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري وفيه فائدة جليلة وهي مبايعة علي بن أبي طالب أما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة .
وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه كما سنذكره وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرا سيفه يريد قتال أهل الردة كما سنبينه قريبا ولكن لما حصل من فاطمة رضي الله عنها عتب على الصديق بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعلم بما أخبرها به الصديق رضي الله عنه . أنه قال : " لا نورث من تركنا فهو صدقة " فحجبها وغيرها من أزواجه وعمه عن الميراث بهذا النص الصريح كما سنبين ذلك في موضعه فسألته أن ينظر علي في صدقة الأرض التي بخيبر وفدك فلم يجبها إلى ذلك . لأنه رأى أن حقا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم . هو الصادق البار الراشد التابع للحق رضي الله عنه فحصل لها - وهي امرأة من البشر ليست بواجبة العصمة - عتب وتغضب ولم تكلم الصديق حتى ماتت واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشئ فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر رضي الله عنه كما سنذكره من الصحيحين وغيرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى معما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير . ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال : ما كنت حريصا على الامارة يوما ولا ليلة ولا سألتها في سر ولا علانية فقبل المهاجرون مقالته . وقال علي والزبير : ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخبره ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالناس وهو حي .إسناد جيد. ولله الحمد والمنة


بيعة علي رضي الله عنه لأبي بكر تحليل :
 
1- علي رضي الله عنه بايع أبا بكر رضي الله عنه، وهذا ما وضحناه بالأدلة السابقة.
2- تدعي فرق الإمامية (الإثنى عشرية فرقة من فرق الإمامية) أن علي رضي الله عنه إمام، منصوص على إمامته في القران الكريم وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نصبه خليفة وإمام من بعده بنصوص عديدة ويستدلون في ذلك بأحاديث ضعيفة وأخرى صحيحة يحملونها ما لا تحتمل.
3- لو سلمنا جدلا أن علي رضي الله عنه كان إمام ومنصب من عند الله فهذا يستدعي القول بضلال علي على أقل تقدير (وحاشاه)، ودليلنا في ذلك قوله عز وجل : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً [الأحزاب : 36]
إن كان علي بن أبي طالب إمام كما يدعي الإمامية، فليس له الخيار أن يبايع أبا بكر أو لا يبايع، بل كان مجبرا أن يتبع الكتاب والسنة - حسب زعم الإمامية - وأن يطالب بإمامته، لكن ما فعله علي هو أنه بايع أبا بكر الصديق، وهذا ما يثبت بطلان القول بإمامته بعد رسول الله مباشرة.
4- ممكن يرد الإمامية بقولهم أن بيعة علي لأبي بكر ليست حجة عليهم وهي من كتب أهل السنة والجماعة، عندها نقول أن الأحاديث التي يستدل بها الشيعة الإمامية لإثبات إمامة علي (حسب زعمهم) هي من كتب أهل السنة، وبيعته لأبي بكر من كتب أهل السنة أيضا.
5- هل الخلافة جزء من الإمامة :
- إن قال الإمامية (نعم) قلنا إذا علي ترك شيئا من الإمامة عندما بايع أبا بكر الصديق.
- إن قال الإمامية (لا) قلنا إذا خلافة أبي بكر شرعية عندكم بما أن الإمامة لا تستلزم الخلافة.

لا تنسونا من دعائكم أخوكم / نور الدين المالكي الجزائري

عدد مرات القراءة:
40113
إرسال لصديق طباعة
الجمعة 15 شعبان 1446هـ الموافق:14 فبراير 2025م 12:02:49 بتوقيت مكة
محمد علي  
"أكذوبة هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)"

هناك روايات ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض)، وهذه الروايات في ثبوتها بعض التردد. ونحن سوف نعرض هذه الروايات ونبين أسانيدها كالآتي:
• رواية البيهقي:
قال أبو بكر البيهقي في "السنن الكبرى" (263/8): "وَحَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صالحِ بْنِ هَانِئٍ، ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَيْهَقِيُّ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَخَطَبَ النَّاسَ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: وَاللهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا كُنْتُ فِيهَا رَاغِبًا، وَلَا سَأَلْتُهَا اللهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، وَلَكِنِّي أَشْفَقْتُ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَمَا لِي فِي الْإِمَارَةِ مِنْ رَاحَةٍ، وَلَكِنْ قُلِّدْتُ أَمْرًا عَظِيمًا مَا لِي بِهِ طَاقَةٌ، وَلَا يُدَانُ إِلَّا بِتَقْوِيَةِ اللهِ، ولَوَدِدْتُ أَنَّ أَقْوَى النَّاسِ عَلَيْهَا مَكَانِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْهُ مَا قَالَ، وَمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمُشَاوَرَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَثَانِي اثْنَيْنِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَكُبْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، قال فيه يحيى بن معين: فليح بن سليمان ضعيف وابنه مثله" انتهى من "تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز" (70/1 - 71)، وقال فيه أبو حاتم الرازي: "ما به بأس، ليس بذاك القوى" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (59/8).
2- موسى بن عقبة، وهو ثقة إلا إنه مُتهم بالتدليس، حيث ذكره ابن حجر العسقلاني في "طبقات المدلسين" (ص/26) ضمن المرتبة الأولى من المدلسين قائلاً: "موسى بن عقبة المدني: تابعي صغير، ثقة، متفق عليه، وصفه الدارقطني بالتدليس، أشار إلى ذلك الاسماعيلي" انتهى، وقد بيَّن ابن حجر العسقلاني هذه المرتبة من الموصوفين بالتدليس في كتابه "طبقات المدلسين" (ص/13) قائلاً: "الأولى: من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري" انتهى. بالإضافة إلى ذلك، فإننا لا نعلم لموسى بن عقبة سماعاً من سعد بن إبراهيم، حيث قال البخاري في "التاريخ الكبير" (292/7): "مُوسَى بْن عقبة اخو ابراهيم المطر في المدنى، سمع ام خالد وكانت لها صحبة، وأدرك ابْن عُمَر، وسهل بْن سعد. روى عنه الثوري، وشُعْبَة، ومالك، وابْن عيينة، وابْن المبارك، قَالَ علي: وقد سَمِعَ مُوسَى بْن عقبة من علقمة بْن وقاص" انتهى، وقال أبو نصر الكلاباذي في "الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد" (697/2 - 698): "مُوسَى بن عقبَة ابْن أبي عَيَّاش، أَبُو مُحَمَّد الْمَدِينِيّ مولَى الزبير بن الْعَوام الْقرشِي، أَخُو مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم، وَكَانَ إِبْرَاهِيم أكبر من مُوسَى. سمع أم خَالِد بنت خَالِد، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَسَالم بن أبي أُميَّة، ونافعا، وكريبا" انتهى، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن سعد بن إبراهيم منقطعة.

• رواية عبد الله بن أحمد بن حنبل:
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل في "السنة" (553/2): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: «وَغَضِبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَدَخَلَا بَيْتَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُمَا السِّلَاحُ، فَجَاءَهُمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ: أُسَيْدُ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ - وَهُمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ -، وَيُقَالُ: فِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ سَيْفَ الزُّبَيْرِ فَضَرَبَ بِهِ الْحَجَرَ حَتَّى كَسَرَهُ»".
وهذه الرواية في سندها محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي وموسى بن عقبة أيضاً، وقد سبق بيان حالهما، كما أننا لو راجعنا ترجمة موسى بن عقبة فإننا لن نجد له سماعاً من ابن شهاب الزهري، وبالتالي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري منقطعة أيضاً.
وبخصوص رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، يقول يحيى بن معين: "كتاب مُوسَى بن عقبة، عَنِ الزُّهْرِيّ من أصح هَذِهِ الكتب" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (120/29)، فنجد أن يحيى بن معين يصحح رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ومع هذا يقول ابن عبد البر في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (1842/4): "ليس مُوسَى بْن عُقْبَةَ فِي ابْن شهاب حجة إذا خالفه غيره" انتهى، وبهذا فإن رواية السير والمغازي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري قد تكون غير صحيحة، والله أعلم.
بالإضافة إلى ذلك، فإن ابن شهاب الزهري لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 50 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (326/5).

• رواية الطبري:
قال الطبري في "تاريخه" (202/3): "حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ كُلَيْبٍ، قَالَ: أَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَنْزِلَ عَلِيٍّ وَفِيهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَحْرِقَنَّ عَلَيْكُمْ أَوْ لَتَخْرُجُنَّ إِلَى الْبَيْعَةِ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ مصلتا بالسيف، فَعَثَرَ فَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فاخذوه".
وهذه الرواية في سندها محمد بن حميد الرازي، قال فيه البخاري في "التاريخ الكبير" (69/1): "فِيهِ نظر" انتهى، وترجم له الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (60/3) وقال: "أَخْبَرَنَا محمد بن أحمد بن يعقوب، قَالَ: أَخْبَرَنَا محمد بن نعيم الضبي، قَالَ: أَخْبَرَنِي علي بن محمد الحبيبي، قَالَ: وسألته، يعني: صالح بن محمد جزرة، عن محمد بن حميد الرازي، فقال: كان كلما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران، وما بلغه من حديث منصور يحليه على عمرو بن أبي قيس، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء، وعلى عنبسة. قَالَ أبو علي: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن زياد بن كليب - والذي يُعرف أيضاً بأبي معشر التميمي الحنظليّ الْكُوفِيُّ - لم يدرك الحادثة، حيث توفي زياد بن كليب سنة 119 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "تاريخ الإسلام" انتهى.

• رواية البلاذري:
قال البلاذري في "أنساب الأشراف" (586/1): "الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التيمى، وعن ابْنِ عَوْنٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ يُرِيدُ الْبَيْعَةَ، فَلَمْ يُبَايِعْ. فَجَاءَ عُمَرُ، ومعه فتيلة. فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الْخَطَّابِ، أَتُرَاكَ مُحَرِّقًا عَلَيَّ بَابِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَذَلِكَ أَقْوَى فِيمَا جَاءَ بِهِ أَبُوكِ. وَجَاءَ عَلِيٌّ، فَبَايَعَ وَقَالَ: كُنْتُ عَزَمْتُ أَنْ لا أَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِي حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ".
وهذه الرواية في سندها مسلمة بن محارب، ولم نعرف فيه جرحاً ولا تعديلاً سوى ذكر ابن حبان البستي له في "الثقات" (490/7).
بالإضافة إلى ذلك، فإن سليمان التيمي لم يدرك الحادثة جزماً، حيث توفي سليمان التيمي سنة 143 هـ كما قال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (188/7)، وسليمان التيمي ثقة، حيث قال فيه أحمد بن حنبل: "سليمان التيمي ثقة" انتهى من "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (125/4)، إلا أنه لا يمكن الاعتماد على مرسلاته؛ قال يحيى بن سعيد القحطان: "مرسلاته شبة لا شيء" انتهى من "تهذيب التهذيب" لأبن حجر العسقلاني (202/4).
كما أن عبد الله بن عون لم يدرك الحادثة أيضاً، حيث توفي عبد الله بن عون سنة 151 هـ، وهناك أقوال تنص على أن وفاته قبل ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (371/6).

• رواية ابن أبي الحديد نقلاً عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب "السقيفة وفدك":
قال ابن أبي الحديد في "شرح نهج البلاغة" (47/6 - 48): "وروى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثني أبو زيد عمر بن شبة قال، حدثني إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبى بكر بغير مشورة، وغضب علي والزبير، فدخلا بيت فاطمة، معهما السلاح، فجاء عمر في عصابة، فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن قريش، وهما من بنى عبد الأشهل، فاقتحما الدار، فصاحت فاطمة وناشدتهما الله، فأخذوا سيفيهما، فضربوا بهما الحجر حتى كسروهما، فأخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا. ثم قام أبو بكر، فخطب الناس، فاعتذر إليهم، وقال: أن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها، وخشيت الفتنة، وأيم الله ما حرصت عليها يوما قط، ولا سألتها الله في سر ولا علانية قط، ولقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة ولا يدان، ولقد وددت أن أقوى الناس عليه مكاني. فقبل المهاجرون، وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا في المشورة وأنا لنرى أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنا لنعرف له سنه، ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وآله بالصلاة وهو حي".
وهذه الرواية في سندها ابن لهيعة، وهو ضعيف، قال فيه أبو بكر البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (370/3): "لَا يُحْتَجُّ بِهِ" انتهى، وقال فيه الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" (ص/152): "كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ سَيِّءَ الْحِفْظِ وَاحْتَرَقَتْ كُتُبُهُ، وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الْأَخْذِ، وَأَيَّ كِتَابٍ جَاءُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ، فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ" انتهى، وقال فيه ابن حبان البستي: "سبرت أخباره فرأيته يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام ثقات قد رآهم، ثم كان لا يبالي ما دفع إليه قرأه، سواء كان من حديثه أو لم يكن" انتهى من "تهذيب التهذيب" لابن حجر العسقلاني (379/5).
بالإضافة إلى ذلك، فإن أبا الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل لم يدرك الحادثة، حيث إنه يعد من صغار التابعين، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (150/6).
وقال ابن أبي الحديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (56/2): "قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن شميل، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن [أبي] سلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر، كان علي، والزبير، وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم، فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم! فخرج الزبير مصلتا سيفه، فاعتنقه رجل من الأنصار، وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف، فصاح به أبو بكر وهو على المنبر: اضرب به الحجر، قال أبو عمرو بن حماس: فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه".
وهذه الرواية في سندها أكثر من علة:
1- أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي، قال فيه ابن عدي الجرجاني في "الكامل في ضعفاء الرجال" (283/1): "حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ بالبواطيل، وَكان يَسْرِقُ الحديث" انتهى، وذكر له رواية عن النضر بن شميل في السير وقال: "وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا الإِسْنَادِ بَاطِلٌ، وَهو حَانِثٌ فِي يَمِينِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّضْرِ غَيْرُ أَحْمَدَ هَذَا، وَالنَّضْرُ ثِقَةٌ" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (283/1).
2- محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، قال فيه علي بن المديني: "سألت يَحْيى بْنِ سَعِيد عَنْ مُحَمد بْنِ عَمْرو بن علقمة، كيف هُوَ؟ قَالَ: تريد العفو أو تشدد؟ قلت: لا بل أشدد، قَالَ: فليس هُوَ ممن تريد" انتهى من "الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (457/7)، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/243): "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه" انتهى، وقال فيه أحمد بن حنبل: "كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين" انتهى من "مسائل الإمام أحمد بن حنبل رواية إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري" (رقم/2320) (238/2)، وقال فيه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (433/5): "كان كثير الحديث، يستضعف" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة بضع وعشرين للهجرة، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (287/4).
وقال ابن أبي الحديد أيضاً في "شرح نهج البلاغة" (57/2): "قال أبو بكر: وحدثنا أبو زيد عمر بن شبة، قال: أخبرنا أبو بكر الباهلي، قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي، قال: سأل أبو بكر فقال: أين الزبير؟ فقيل: عند علي وقد تقلد سيفه، فقال: فقم يا عمر، قم يا خالد بن الوليد، انطلقا حتى تأتياني بهما، فانطلقا، فدخل عمر وقام خالد على باب البيت من خارج، فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ فقال: نبايع عليا فاخترطه عمر فضرب به حجرا فكسره، ثم اخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه، وقال: يا خالد دونكه فأمسكه ثم قال لعلي: قم فبايع لأبي بكر فتلكأ واحتبس فأخذ بيده، وقال: قم فأبى أن يقوم، فحمله ودفعه كما دفع الزبير، فأخرجه، ورأت فاطمة ما صنع بهما، فقامت على باب الحجرة، وقالت: يا أبا بكر، ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله! والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله. قال: فمشى إليها أبو بكر بعد ذلك وشفع لعمر، وطلب إليها فرضيت عنه".
وهذه الرواية في سندها إسماعيل بن مجالد الهمداني (أبو عمر الكوفي)، قال فيه النسائي في "الضعفاء والمتروكين" (ص/16): "لَيْسَ بِالْقَوِيّ" انتهى، وقال فيه الجوزجاني في "أحوال الرجال" (ص/114): "غير محمود" انتهى.
بالإضافة إلى ذلك، فإن عامر الشعبي - والذي يُعرف أيضاً بأبي عمرو الكوفي - لم يدرك الحادثة، حيث إنه ولد سنة 21 هـ، وهناك أقوال تنص على أن مولده بعد ذلك، انظر ترجمته عند الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (295/4 - 296).

وقد روى الطبراني رواية ورد فيها نَدَمُ أبي بكر (رض) على كشف بيت فاطمة (رض)، حيث قال الطبراني في "المعجم الكبير" (رقم/43) (62/1): "حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِيُّ، ثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَسَأَلْتُهُ كَيْفَ أَصْبَحْتَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقُلْتُ: أَصْبَحْتَ بِحَمْدِ اللهِ بَارِئًا، فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي عَلَى مَا تَرَى وَجِعٌ، وَجَعَلْتُمْ لِي شُغُلًا مَعَ وَجَعِي، جَعَلْتُ لَكُمْ عَهْدًا مِنْ بَعْدِي، وَاخْتَرْتُ لَكُمْ خَيْرَكُمْ فِي نَفْسِي فَكُلُّكُمْ وَرِمَ لِذَلِكَ أَنْفُهُ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لَهُ، وَرَأَيْتُ الدُّنْيَا قَدْ أَقْبَلَتْ وَلَمَّا تُقْبِلْ وَهِيَ جَائِيَةٌ، وَسَتُنَجِّدُونَ بُيُوتَكُمْ بِسُوَرِ الْحَرِيرِ، وَنَضَائِدِ الدِّيبَاجِ، وَتَأْلَمُونَ ضَجَائِعَ الصُّوفِ الْأَذْرِيِّ، كَأَنَّ أَحَدَكُمْ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ، وَوَاللهِ لَأَنْ يَقْدَمَ أَحَدُكُمْ فَيُضْرَبَ عُنُقُهُ، فِي غَيْرِ حَدٍّ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسِيحَ فِي غَمْرَةِ الدُّنْيَا» ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا عَلَى ثَلَاثٍ فَعَلْتُهُنَّ، وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ، وَثَلَاثٍ لَمْ أفْعَلْهُنَّ وَدِدْتُ أَنِّي فَعَلْتُهُنَّ، وَثَلَاثٍ وَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُنَّ، فَأَمَّا الثَّلَاثُ اللَّاتِي وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْهُنَّ: فَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ كَشَفْتُ بَيْتَ فَاطِمَةَ وَتَرَكْتُهُ…»".
قال نور الدين الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" (203/5) معلّقاً على هذه الرواية: "رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِيهِ عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَهَذَا الْأَثَرُ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ" انتهى.
فكما نرى أن رواية الطبراني مدارها على علوان بن داود البجلي (الكوفي)، قال فيه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (419/3): "عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ وَلَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ، وَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ. حَدَّثَنِي آدَمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ قَالَ: عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ - وَيُقَالُ عُلْوَانُ بْنُ صَالِحٍ - مُنْكَرُ الْحَدِيثِ" انتهى، وبهذا فإن رواية الطبراني من طريق علوان بن داود البجلي (الكوفي) فيما يخص كشف بيت فاطمة (رض) لا تصح.

كما روى ابن أبي شيبة رواية ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) ولم يرد فيها هجومه (رض) على دارها (رض)، حيث قال ابن أبي شيبة في "المصنف" (432/7): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ أَنَّهُ حِينَ بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُشَاوِرُونَهَا وَيَرْتَجِعُونَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: «يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيْنَا بَعْدَ أَبِيكِ مِنْكِ، وَايْمُ اللَّهِ مَا ذَاكَ بِمَانِعِي إِنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ عِنْدَكِ، أَنْ أَمَرْتُهُمْ أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِمِ الْبَيْتُ»، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ جَاءُوهَا فَقَالَتْ: تَعْلَمُونَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ جَاءَنِي وَقَدْ حَلَفَ بِاللَّهِ لَئِنْ عُدْتُمْ لَيُحَرِّقَنَّ عَلَيْكُمُ الْبَيْتَ وَايْمُ اللَّهِ لَيَمْضِيَنَّ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَانْصَرِفُوا رَاشِدِينَ، فَرَوْا رَأْيَكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَيَّ، فَانْصَرَفُوا عَنْهَا فَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ".
وهذه الرواية في سندها محمد بن بشر العبدي (أبو عبد الله الكوفي)، وهو ثقة إذا حدث من كتابه، حيث قال فيه عثمان بن أبي شيبة: "مُحَمّد بن بشر الْعَبْدي ثِقَة ثَبت إِذا كَانَ يحدث من كِتَابه" انتهى من "تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص/210). بالإضافة إلى ذلك، فإن رواية ابن أبي شيبة من طريق مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ… معلولة، وسبب العلة هو أن سماع الكوفيين من عبيد الله بن عمر العمري فيها شيء، حيث قال ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (772/2): "ومنهم عبيد الله بن عمر العمري، ذكر يعقوب بن شيبة أن في سماع أهل الكوفة منه شيئاً" انتهى. كما أن أسلم مولى عمر لم يكن في المدينة وقت أحداث البيعة، لأن محمد بن إسحاق قال: "بعث أبو بكر عُمَر سنة إحدى عشرة، فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه" انتهى من "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (530/2)، وبهذا تكون رواية ابن أبي شيبة من طريق مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَسْلَمَ… مرسلة.

وتجدر الإشارة إلى أنه لو راجعنا روايات هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) لوجدنا أن أغلبها قد أعطت أن علياً والزبير قد بايعا أبا بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية الأمر، كما أن رواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) ولم يرد فيها هجومه (رض) على دارها (رض) - قد أعطت أن علياً والزبير قد بايعا أبا بكر (رضي الله عنهم جميعاً) في بداية الأمر أيضاً، والصواب أن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض) الثابتة قد وقعت متأخرة بضعة أشهر، فقد وردت هذه البيعة في صحيحي البخاري ومسلم كالآتي:
"عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ فَاطِمَةَ، بِنْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَالِ». وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كانت عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، فَهَجَرَتْهُ فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وَجْهٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يُبَايِعُ تِلْكَ الْأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أَنِ ائْتِنَا وَلَا يَأْتِنَا أَحَدٌ مَعَكَ، كَرَاهِيَةً لِمَحْضَرِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَيْتَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي، وَاللَّهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا فَضْلَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ، وَكُنَّا نَرَى لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصِيبًا، حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَلَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الْخَيْرِ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةَ لِلْبَيْعَةِ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الظُّهْرَ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَتَشَهَّدَ عَلِيٌّ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَحَدَّثَ: أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَكِنَّا نَرَى لَنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدَّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا، حِينَ رَاجَعَ الْأَمْرَ الْمَعْرُوفَ".
أخرجه البخاري في "صحيحه" (رقم/3998) (1549/4)، ومسلم في "صحيحه" (رقم/1759) (1380/3)، من طريق اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ...
وهذه الرواية إسنادها صحيح.
قال النووي - رحمه الله - في "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (77/12 - 78): "أما تأخر علي رضي الله عنه عن البيعة: فقد ذكره علي في هذا الحديث، واعتذر أبو بكر رضي الله عنه. ومع هذا: فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه؛ أما البيعة: فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس. وأما عدم القدح فيه فلأنه لا يجب على كل واحد أن يأتي إلى الإمام فيضع يده في يده ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عقد أهل الحل والعقد للإمام الانقياد له، وأن لا يظهر خلافاً، ولا يشق لعصا. وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافاً، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفاً على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب لم يحضر. وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب. وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك؛ رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحاً؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كي لا يقع نزاع في مدفنه، أو كفنه، أو غسله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء" انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" (494/7): "وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث، رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه" انتهى.
وانظر موقع "الإسلام سؤال وجواب" الذي في أحد فتاويه يتكلم عن بيعة علي (رض) لأبي بكر (رض)، وذلك بالدخول على الرابط أدناه:
https://islamqa.info/amp/ar/answers/147540

الحاصل: إن الروايات التي ورد فيها هجوم عمر بن الخطاب (رض) على دار فاطمة (رض) - جميعها لم تثبت، وكذلك الحال بالنسبة لرواية ابن أبي شيبة التي ورد فيها تهديد عمر بن الخطاب (رض) بحرق دار فاطمة (رض) ولم يرد فيها هجومه (رض) على دارها (رض) ورواية الطبراني، فكلتاهما لم تثبت أيضاً.

………………………………………………………
 
اسمك :  
نص التعليق :