معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

قتل معاوية حِجْر بن عدي وأصحابه ..

معاوية ومقتل حجر بن عدي

ان خلاصة قصة قتل حجر بن عدي رحمه الله مبنية على امر قد وقع منه , فتعامل معه معاوية رضي الله عنه بما يتناسب مع المصلحة العامة للامة , وحتى لا يحدث شق عصا المسلمين .

قال القاضي ابن العربي : " فإن قيل فقد قتل حجر بن عدي وهو من الصحابة، مشهور بالخير، صبرا أسيرا بقول زياد . وبعثت إليه عائشة في أمره فوجدته قد فات بقتله. قلنا: قد علمنا قتل حجر كلنا، واختلفنا فقائل يقول: قتله ظلما، وقائل يقول: قتله حقا. فإن قيل الأصل قتله ظلما إلا أن يثبت عليه ما يوجب قتله. قلنا: الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل ، ولو كان ظلما محضا لما بقي بيت إلا لعن فيه معاوية وهذه مدينة السلام دار خلافة بني العباس، وبينهم وبين بني أمية ما لم يخف على الناس، مكتوب على أبواب مساجدها: "خير الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم معاوية خال المؤمنين رضي الله عنه". ولكن حجرا فيما يقال رأى من زياد أمورا منكرة، فحصبه، وخلعه، وأراد أن يقيم الخلق للفتنة ، فجعله معاوية ممن سعى في الأرض فسادا، وقد كلمته عائشة في أمره حين حج، فقال لها: دعيني وحجرا حتى نلتقي عند الله " اهـ .[1]

ولم يقتل معاوية حجرا واصحابه الا بعد ان ثبت عنده ان السكوت على افعالهم يؤدي الى فتنة , فاستشار اصحابه في الحكم عليهم , ففي مسائل الامام احمد : " حَدثنَا صَالح قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة قَالَ حَدثنَا ابْن عَيَّاش قَالَ حَدثنِي شُرَحْبِيل بن مُسلم قَالَ لما بعث بِحجر بن عدي بن الأدبر وَأَصْحَابه من الْعرَاق إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان اسْتَشَارَ النَّاس فِي قَتلهمْ فَمنهمْ المشير وَمِنْهُم السَّاكِت فَدخل مُعَاوِيَة إِلَى منزله فَلَمَّا صلى الظّهْر قَامَ فِي النَّاس خَطِيبًا فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ جلس على منبره فَقَامَ الْمُنَادِي فَنَادَى أَيْن عَمْرو بن الْأسود الْعَنسِي فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَلا إِنَّا بحصن من الله حُصَيْن لم نؤمر بِتَرْكِهِ وقولك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أهل الْعرَاق أَلا وَأَنت الرَّاعِي وَنحن الرّعية أَلا وَأَنت أعلمنَا بدائهم وأقدرنا على دوائهم وَإِنَّمَا علينا أَن نقُول {سمعنَا وأطعنا غفرانك رَبنَا وَإِلَيْك الْمصير} فَقَالَ مُعَاوِيَة أما عَمْرو بن الْأسود فقد تَبرأ إِلَيْنَا من دِمَائِهِمْ وَرمى بهَا مَا بَين عَيْني مُعَاوِيَة ثمَّ قَامَ الْمُنَادِي فَنَادَى أَيْن أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ أما بعد فَلَا وَالله مَا أبغضناك مُنْذُ أَحْبَبْنَاك وَلَا عصيناك مُنْذُ أطعناك وَلَا فارقناك مُنْذُ جامعناك وَلَا نكثنا بيعتنا مُنْذُ بايعناك سُيُوفنَا على عواتقنا إِن أمرتنا أطعناك وَإِن دَعوتنَا أجبناك وَإِن سبقتنا أدركناك وَإِن سبقناك نظرناك ثمَّ جلس ثمَّ قَامَ الْمُنَادِي فَقَالَ أَيْن عبد الله بن مخمر الشرعبي فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وقولك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذِه الْعِصَابَة من أهل الْعرَاق إِن تعاقبهم فقد أصبت وَإِن تَعْفُو فقد أَحْسَنت فَقَامَ الْمُنَادِي فَنَادَى أَيْن عبد الله بن أَسد الْقَسرِي فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رعيتك وولايتك وَأهل طَاعَتك إِن تعاقبهم فقد جنوا أنفسهم الْعقُوبَة وَإِن تعفوا فَإِن الْعَفو أقرب للتقوى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تُطِع فِينَا من كَانَ غشوما لنَفسِهِ ظلوما بِاللَّيْلِ نؤوما عَن عمل الْآخِرَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الدُّنْيَا قد انخشعت أوتادها ومالت بهَا عمادها وأحبها أَصْحَابهَا واقترب مِنْهَا ميعادها ثمَّ جلس فَقلت لشرحبيل فَكيف صنع قَالَ قتل بَعْضًا واستحيى بَعْضًا وَكَانَ فِيمَن قتل حجر بن عدي بن الأدبر قَالَ قدم لتضرب عُنُقه فَقَالَ لَا تطلقوا عني حديدا وادفنوني وَمَا أصَاب الثرى من دمي فَإِنِّي ألتقي أَنا وَمُعَاوِيَة بالجادة قَالَ أَبُو الْمُغيرَة كَانَ ابْن عَيَّاش لَا يكَاد يحدث بِهَذَا الحَدِيث إِلَّا بَكَى بكاء شَدِيدا " اهـ .[2]

وقال الحافظ ابن عساكر : " وأنبأنا عبد الله حدثني أبو الحسن العطار نبأنا احمد بن شبوية حدثني سليمان بن صالح حدثني عبد الله بن المبارك عن عبيد الله بن أبي زياد عن ابن أبي مليكة أن معاوية جاء يستأذن على عائشة فأبت أن تأذن له فخرج غلام لها يقال له ذكوان قال ويحك ادخلني على عائشة فإنها قد غضبت علي فلم يزل بها غلامها حتى اذنت له وكان اطوع مني عندها فلما دخل عليها قال امتاه فيما وجدت علي يرحمك الله قالت غضبت عليك في انك جعلت منازل الحج قصورا وفجرت فيها العيون وجعلتها نخلا ووجدت عليك في شأن حجر واصحابه انك قتلتهم فقال لها أما قولك أني جعلت منازل الحاج بيوتا فان الحاج كانوا يقدمون فلا يجدون ظلا يستظلون فيه ولا يكون فيه امتعتهم وادواتهم ولا يستكنون من حر لا برد ولا مطر فجعلناها لهم ظلا يستظلون بها وما كان لي فيها قالت فان كنت إنما فعلت ذلك لذلك فلا بأس واما حجر واصحابه فاني تخوفت امرا وخشيت فتنة تكون تهراق فيها الدماء وتستحل فيها المحارم وأنت تخافيني دعيني والله يفعل بي ما يشاء قالت تركتك والله تركتك والله تركتك والله انتهى " اهـ .[3]

وفيه ايضا : " واخبرنا أبو عبد الله البلخي أنبأنا أبو القاسم بن العلاف أنبأنا علي بن احمد نبأنا أبو القاسم سالم نبأنا عبد الله بن احمد حدثنا أبي نبأنا عفان نبأنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية نبأنا ايوب عن عبد الله بن أبي مليكة أو غيره شك إسماعيل قال لما قدم معاوية دخل على عائشة فقالت اقتلت حجرا قال يا أم المؤمنين إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خير من استحيائه في فسادهم انتهى " اهـ .[4]

ولقد كان حجر بن عدي رحمه الله من الصالحين ولا اشك بذلك , ولكن فعله من شق عصا المسلمين يترتب عليه محظور شرعي لما ثبت عن النبي صلى الله عليه واله وسلم بعدم مشروعية شق عصا المسلمين , قال الامام مسلم  : " وحَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَرْفَجَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ» " اهـ .[5]

وفيه : " 59 - (1852) حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ،، وقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَرْفَجَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ» " اهـ .[6]

قال الامام النووي في شرح هذا الحديث : "  قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ) الْهَنَاتُ جَمْعُ هَنَةٍ وَتُطْلَقُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْفِتَنُ وَالْأُمُورُ الْحَادِثَةُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ) فِيهِ الْأَمْرُ بِقِتَالِ مَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ أَرَادَ تَفْرِيقَ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ قُوتِلَ وَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ شَرُّهُ إِلَّا بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ " اهـ .[7]

ولقد جاء ذكر حجر بن عدي في كتب الرافضة , وانه كان من طبعه الاعتراض , والغلظة مع الامراء , وقد نقل الرافضة اعتراض حجر بن عدي على الحسن رضي الله عنه , ومخاطبته له بسودت وجوه المؤمنين مرة , ومذل المؤمنين مرة اخرى ,  قال الشريف المرتضى : " فأشار المختار على عمه ان يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوخي سنة. فأبي عليه وقال للمختار: قبح الله رأيك أنا عامل أبيه وقد أئتمنني وشرفني، وهبني نسيت بلاء أبيه أأنسى رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أحفظه في ابن بنته وحبيبه ثم أن سعد بن مسعود أتاه عليه السلام بطبيب وقام عليه حتى برئ وحوله إلى بعض المدائن. فمن ذا الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم عن النصرة والمعونة ؟ وقد أجاب  (عليه السلام) حجر بن عدي الكندي لما قال له سودت وجوه المؤمنين، فقال عليه السلام ما كل أحد يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك، وانما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم " اهـ .[8]

وفي دلائل الامامة للطبري الشيعي : " 77 – 8 - قال أبو جعفر : حدثنا أبو محمد ، قال : أخبرنا عمارة بن زيد ، قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، قال : حدثنا محمد بن جرير ، قال : أخبرني ثقيف البكاء ، قال : رأيت الحسن بن علي ( عليه السلام ) عند منصرفه من معاوية ، وقد دخل عليه حجر ابن عدي ، فقال : السلام عليك يا مذل المؤمنين  . فقال : مه ، ما كنت مذلهم ، بل أنا معز المؤمنين ، وإنما أردت البقاء عليهم ، ثم ضرب برجله في فسطاطه ، فإذا أنا في ظهر الكوفة ، وقد خرج  إلى دمشق ومصر حتى رأينا  عمرو بن العاص بمصر ، ومعاوية بدمشق ، وقال : لو شئت لنزعتهما ، ولكن هاه هاه ، مضى محمد على منهاج ، وعلي على منهاج ، وأنا أخالفهما ؟ ! لا يكون ذلك مني " اهـ . [9]


1- العواصم من القواصم – ابو بكر محمد بن عبد الله المالكي – ص 326 .
2 - مسائل الامام احمد برواية ابي الفضل صالح بن احمد – احمد بن حنبل – ج 2 ص 328 – 331 .
3 - تاريخ دمشق – ابو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر – ج 12 ص 230 .
4 - تاريخ دمشق – ابو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر – ج 12 ص 229 .
5 - صحيح مسلم - بَابُ حُكْمِ مَنْ فَرَّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُجْتَمِعٌ – ج 3 ص 1480 .
6 - صحيح مسلم - بَابُ حُكْمِ مَنْ فَرَّقَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مُجْتَمِعٌ – ج 3 ص 1479 .
7 - شرح صحيح مسلم – ابو زكريا يحيى بن شرف النووي – ج 12 ص 241 .
8 - تنزيه الانبياء – الشريف المرتضى – ص 222 – 223 .
9 - دلائل الامامة - محمد بن جرير الطبري ( الشيعي) - ص 166 .


 حجر بن عدي هل له صحبة ؟ 

للعلماء في حجر بن عديّ وصحبته قولان:
الأول: أن له صحبة ؛ فقد ذكر ابن سعد ومصعب الزبيري ــ فيما رواه الحاكم عنه ــ أنه وفد على النبي صلى الله عليه و سلم هو وأخوه هانئ بن عدي، 
قال ابن سعد في ( الطبقات ):" وذكر بعض رواة العلم أنه وفد إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، مع أخيه هانئ بن عدي، وشهد حجر القادسية". وقال ابن عبدالبر في ( الإستيعاب): "كان حجر من فضلاء الصحابة وصغر سنه عن كبارهم ".
ومال إلى ذلك الحاكم في مستدركه وجمع فضائله بعنوان: " ذكر مناقب حجر بن عدي رضي الله عنه و هو راهب اصحاب محمد صلى الله عليه و سلم" ، وهو ما رجحه الذهبي .

والثاني: أنه تابعيّ؛ ذكر ذلك ابن معين والبخاري وابن أبي حاتم عن أبيه وخليفة بن خياط وابن حبان.
قال ابن حبان في ( مشاهير علماء الأمصار ) ( رقم - 648 ): " حجر بن عدى الكندي واسم عدى هو الادبر وهو الذي يقال له حجر بن الادبر من عباد التابعين ممن شهد صفين مع على بن أبى طالب قتل سنة ثلاث وخمسين" .

وإنما يصح القول بالصحبة بأحد أمور:
أحدها: أن يقول من يُظنّ صحبته : رأيت رسول الله، أو سمعتُ، أو حدثني، أو قال لي رسول الله ... مما يدل على السماع من النبي صلى الله عليه وسلم أو رؤيته.
الثاني: أن يقول التابعي: حدثنا فلان ، وكان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو نحوها مما يدلّ على أن من فوقه قد رأى النبي أو سمع منه.
الثالث: أن يشتهر بين العلماء القول برؤيته للنبي ؛ إما إجماعًا منهم أو شهرةً متكاثرة بحيث يُعدّ المخالف لهم شاذًّا.
وبخلاف ذلك لا يمكن الجزم بالقول بالصحبة، والله تعالى أعلم.

وإذ انتفت هذه الأمور عن حال حجر بن عديٍّ رحمه الله ورضي عنه، مع جزم أئمة هذا الشأن بأنه تابعي ــ كالبخاري وابن معين وأبي حاتم الرازي وابن حبان ــ ممن لا يبلغ مبلغهم ابن سعد ولا مصعب الزبيري ولا ابن عبدالبر الذين قالوا بصحبته ؛ ثم إنّ ابن سعد اختلف قوله فيه؛ فمرّة ذكر أنه صحابي ومرة ذكر أنه تابعي من أهل الكوفة ؟! كما في ( الطبقات الكبرى ) له.
ومما يُستأنس به في القول أنه تابعي وليس صحابيًّا أنه ليست له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كل رواياته عن عليّ وعمّار بن ياسر وشراحيل بن مرة ، من أصحاب النبي .

(تنبيه ) بالتتبع لم أجد لحجر بن عديّ رواية عن النبي؛ وإنما روايته عن أصحاب النبي رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ إلا رواية واحدة في ( مستدرك الحاكم ــ تحقيق الوادعي ) (6053) من طريق عباد بن عمرو ثنا عكرمة بن عمار ثنا مخشى بن حجر بن عدي عن أبيه : أن النبي صلى الله عليه و سلم خطبهم فقال : أي يوم هذا قالوا : يوم حرام قال : فأي بلد هذا قالوا : البلد الحرام قال : فأي شهر : قالوا شهر حرام قال : فإن دماءكم و أموالكم و أعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا كحرمة شهركم هذا كحرمة بلدكم هذا ليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" .
قال العلامة مقبل الوادعي في تعليقه على الرواية من المستدرك ( 3/ 576):" في السند ( عباد بن عمر ) وصوابه ( عبادة بن عمر ) كما في ترجمة شيخه ( عكرمة بن عمار ) من ( تهذيب الكمال ) ، وعبادة بن عمر مقبول كما في ( التقريب ) ومعنى مقبول: أي إذا توبِع، وإلاّ فليّن" إهـ كلام الوادعي.
قلت: وأيضًا ( مخشي بن حجر ) لم أجد له ترجمة؛ فهو مجهول .
فالحديث ضعيف، ولو ثبت لكان مرجّحًا لقول من قال بصحبته.
فالخلاصة :أن البقاء على الأصل ــ وهو عدم الصحبة ــ حتى يأتي ما يثبتها، هو الراجح، والله تعالى أعلم 


كيف يكونُ مُعاوِيةُ بنُ أبي سُفْيانَ رضيَ اللهُ عنه عدلًا، وقد قتَلَ حُجْرَ بنَ عَدِيٍّ؟

ثم أصبَحَ الشيعةُ يعتمِدون على ما وضَعوهُ واختلَقوهُ، مع المبالَغةِ والتهويلِ، يشنِّعون بذلك على مُعاوِيةَ رضيَ اللهُ عنه فاصِلينَ بين الأسبابِ والنتائج.

2- خروجُ حُجْرِ بنِ عَدِيٍّ الذي تَحتَجُّ به الشِّيعةُ على الطعنِ في مُعاوِيةَ، إنما كان بتأليبٍ مِن الشِّيعة:

فقد كان حُجْرُ بنُ عَدِيٍّ الكِنْديُّ مِن كبارِ التابِعينَ على الصحيح، وقيل: إنه صحابيٌّ، وكان مِن السادةِ العُبَّادِ الصالِحين، وهو أحدُ أمراءِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه يومَ صِفِّينَ، ثم بايَعَ للحسَنِ، وكان مِن المعارِضينَ لصُلحِهِ مع مُعاوِيةَ، ثم بايَعَ لمُعاوِيةَ، وبَقِيَ في طاعتِهِ عَشْرَ سنواتٍ، وكان شديدًا في الإنكارِ على الوُلاةِ عَلانِيةً؛ قولًا وفعلًا، ورُوِيَ عنه: أنه كان يَفعَلُ ذلك مع المُغيرةِ بنِ شُعْبةَ، الذي كان يحلُمُ ويسكُتُ عنه، ثم تُوُفِّيَ المُغيرةُ، وتولَّى الكوفةَ بعده زيادٌ - وقد كان مِثلَ حُجْرٍ مِن أمراءِ عليٍّ - وبَقِيَ حُجْرٌ على طريقتِه، فحذَّره زيادٌ، فلم يتغيَّرِ الوضعُ، واجتمَعَ بعضُ الشِّيعةِ على حُجْرٍ، فتكلَّم زيادٌ يومًا على المِنبَرِ، فقال: إن مِن حقِّ أميرِ المؤمِنينَ كذا، مِرارًا، فأخَذَ حُجْرٌ كفًّا مِن حَصًا، فحصَبَهُ، وقال: كذَبْتَ، كذَبْتَ، عليكَ لَعْنةُ الله، فانحدَرَ زيادٌ مِن المِنبَرِ وصلَّى، ثم دخَلَ دارَهُ، واستَدْعَى حُجْرًا فأبى، فلم يَزَلْ به حتى قَدِمَ، وأرسَلهُ مقيَّدًا مع جماعةٍ مِن أصحابِهِ إلى مُعاوِيةَ، وأتبَعَهُ زيادٌ برسائلَ سبَقَتْهُ إلى مُعاوِيةَ: «إنْ كان لك في الكوفةِ حاجةٌ، فاكْفِني حُجْرًا»، وجعَلَ يَرفَعُ الكُتُبَ إلى مُعاوِيةَ حتى ألْهَفَهُ عليه، فلما وصَلَ حُجْرٌ، قال: السلامُ عليكَ يا أميرَ المؤمِنين، قال مُعاوِيةُ مغضَبًا: أَوَأَمِيرُ المؤمِنينَ أنا؟! قال: نَعَمْ، ثلاثًا، وكان مُعاوِيةُ قد استشار وجوهَ أصحابِهِ في القادِمين، فأشار بعضُهم بالقتلِ، وسكَت بعضُهم مصرِّحًا بطاعتِهِ لِمَا سيحكُمُ به مُعاوِيةُ، ثم كان حُكمُهُ فيهم أنْ قتَلَ بعضَهم؛ وفيهم حُجْرٌ، واستبقى بعضَهم، ولم يخالِفْهُ مَن حوله، وقال حُجْرٌ قبل أن تُضرَبَ عُنُقُهُ: «دَعُوني أُصَلِّي رَكْعَتَيْن»، ثم قال: «لا تَحُلُّوا قيودي، ولا تَغسِلوا عنِّي الدمَ؛ فإني أجتمِعُ أنا ومُعاوِيةُ إذَنْ على المَحَجَّة»، وكان مَقتَلُهُ بمَرْجِ عَذْراءَ (واسمُها اليومَ: عَدْرا)، قُربَ دِمَشقَ سنةَ إحدى وخمسين. ينظر: «بغيةُ الطلَب» لابن العَدِيم (5/ 2119)، و«مختصَرُ تاريخ دِمَشقَ» لابن منظور (6/ 238).

وروَى الطبَرانيُّ في «المعجَمِ الكبير» (3/ 70 رقم 2691)، عن ابنِ عُيَينةَ، عن عُبَيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأصمِّ، عن عمِّه يَزيدَ بنِ الأصمِّ، قال: خرَجْتُ مع الحَسَنِ (يعني: ابنَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهما)، وجاريةٌ تَحُتُّ شيئًا مِن الحِنَّاءِ عن أظفارِه، فجاءَتْهُ إِضْبارةٌ مِن كُتُبٍ، فقال: يا جارِيةُ، هاتي المِخْضَبَ، فصَبَّ عليه ماءً، وأَلْقى الكُتُبَ في الماء، فلم يَفتَحْ منها شيئًا، ولم ينظُرْ إليه، فقلتُ: يا أبا محمَّدٍ، ممَّن هذه الكتُبُ؟ قال: مِن أهلِ العِراقِ، مِن قومٍ لا يَرجِعون إلى حقٍّ، ولا يقصُرون عن باطلٍ، أَمَا إنِّي لستُ أَخْشاهم على نَفْسي، ولكنِّي أَخْشاهم على ذلك، وأشار إلى الحُسَين»، قال الهَيثَميُّ في «المَجمَع» (6/ 243): «ورجالُهُ رجالُ الصحيح، غيرَ عبدِ اللهِ بنِ الحَكَمِ بنِ أبي زيادٍ؛ وهو ثِقةٌ».

ومِن هذا الخبَرِ يتبيَّنُ: أن الشِّيعةَ كانوا يَسعَوْنَ للفتنةِ، ويزيِّنون الخروجَ للحسَنِ رضيَ اللهُ عنه، وأنه كان يَعلَمُ منهم ذلك، ويَحذَرُهم، ويَخافُ منهم على أخيهِ الحُسَين، وقد حصَلَ ما كان يَخْشاهُ؛ فأخرَجوا الحُسَينَ، ثم خَذَلوهُ وأَسْلَموه، فكانوا السبَبَ المباشِرَ لاستشهادِهِ رضيَ اللهُ عنه.

كذلك: كان الأمرُ مع حُجْرٍ رحمه الله؛ فقد كانت الشِّيعةُ قد يَئِسَتْ مِن إخراجِ الحسَنِ رضيَ اللهُ عنه، وكان وجودُهُ كفيلًا برَدْعِ هؤلاءِ المتربِّصينَ للخروج، فلما مات، اجتمَعوا على حُجْرٍ، وصاروا يحرِّضونه، وقالوا له: «أنتَ شيخُنا، وأحقُّ الناسِ بإنكارِ هذا الأمر». ينظر: «أنسابُ الأشراف» للبلاذُريّ (5/ 247).

ومما يؤكِّدُ دَوْرَ أولئك الشِّيعةِ في التحريض، وأنهم ما أرادوا بذلك إلا الخروجَ على الجماعةِ وقتالَهم: ما رواهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ - ومِن طريقِهِ ابنُ عساكِرَ (12/ 220)، وابنُ العَدِيمِ في «بغيةِ الطلَب» (5/ 2124) - عن إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ: «أنه سأل شُرَحْبِيلَ بنَ مسلِمٍ، عن أصحابِ حُجْرٍ: ما كان شأنُهم؟ قال: وجَدُوا كتابًا لهم إلى أبي بِلالٍ: إن محمَّدًا وأصحابَهُ قاتَلوا على التنزيل، فقاتِلوهم أنتم على التأويل».

3- بيَّن مُعاوِيةُ رضيَ اللهُ عنه عُذرَهُ في قتلِ حُجْرٍ:

حيثُ أخرَجَ ابنُ عساكِرَ في «تاريخِهِ» (12/ 230)، بسندِهِ إلى ابنِ أبي مُلَيكةَ، قال: «عن مُعاوِيةَ: جاء يستأذِنُ على عائشةَ، فأبَتْ أن تأذَنَ له، فخرَجَ غُلامٌ لها يقالُ له: ذَكْوانُ، قال: وَيْحَكَ! أَدخِلْني على عائشةَ؛ فإنها قد غَضِبَتْ عليَّ، فلم يَزَلْ بها غُلامُها حتى أَذِنَتْ له، وكان أطوَعَ منِّي عندها، فلما دخَلَ عليها، قال: أُمَّتَاهْ! فيما وجَدتِّ عَلَيَّ يَرحَمُكِ الله؟ قالت: وجَدتُّ عليكَ في شأنِ حُجْرٍ وأصحابِهِ: أنك قتَلْتَهم، فقال لها: وأما حُجْرٌ وأصحابُهُ، فإنني تَخَوَّفتُ أمرًا، وخَشِيتُ فِتْنةً تكونُ، تُهَراقُ فيها الدماءُ، وتُستحَلُّ فيها المَحارِمُ، وأنتِ تخافيني، دَعِيني، واللهُ يَفعَلُ بي ما يشاءُ، قالت: ترَكْتُكَ واللهِ، ترَكْتُكَ واللهِ، ترَكْتُكَ واللهِ».

وأخرَجَ ابنُ عساكِرَ في «تاريخِهِ» (12/ 229): «لما قَدِمَ مُعاوِيةُ، دخَلَ على عائشةَ، فقالت: أقتَلْتَ حُجْرًا؟! قال: يا أمَّ المؤمِنينَ، إنِّي وجَدتُّ قَتْلَ رجُلٍ في صلاحِ الناسِ خيرًا مِنِ استحيائِهِ في فسادِهم». وأخرَجَ الحاكمُ (3/ 469 رقم 5980)، عن أبي زُرْعةَ بنِ عَمْرِو بنِ جَريرٍ، قال: «مَا وَفَدَ جَرِيرٌ قَطُّ إِلَّا وَفَدتُّ مَعَهُ، وَمَا دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ إِلَّا دَخَلْتُ مَعَهُ، وَمَا دَخَلْنَا مَعَهُ عَلَيْهِ إِلَّا ذَكَرَ قَتْلَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ».

مختصر الجواب

مضمونُ السؤال:

  هذه الشبهةُ قائمةٌ على جهلٍ بتاريخِ مُعاوِيةَ رضيَ اللهُ عنه، والواقعةِ المستشكَلة. 

مختصَرُ الإجابة:

الجوابُ عن هذه الشبهةِ يحتاجُ إلى كشفِ ملابَساتِ مَقتَلِ حُجْرِ بنِ عَدِيٍّ؛ فقد كان خروجُ حُجْرِ بنِ عَدِيٍّ على مُعاوِيةَ رضيَ اللهُ عنه بتأليبٍ مِن الشِّيعة؛ فقد حثُّوه على الخروج، ثم خذَلوه، وكان مُعاوِيةُ رضيَ اللهُ عنه متأوِّلًا في قتلِهِ: أن في ذلك إسكانًا للفتنة، ورُوِيَ عنه أنه نَدِمَ على ذلك.

خاتمة الجواب

خاتِمةُ الجواب - توصية:

وبعد كلِّ هذا: فهذه القضيَّةُ قضيَّةٌ تاريخيَّةٌ لها تفاصيلُ، ويصعُبُ الجزمُ باستكمالِ تفاصيلِها؛ وبالتالي: يصعُبُ الجزمُ بالحقِّ فيها أحيانًا، وكلاهما الآنَ عند حكمٍ عدلٍ لن يَضِيعَ لأحدٍ فيها مثقالُ ذرَّةٍ، وإنما يَحفَظُ المسلِمُ لسانَهُ عما لم يُحِطْ به عِلمًا. وكتُبُ التواريخِ تَحْوي الغَثَّ والسمينَ، ومؤرِّخو المسلِمينَ - كالطبَريِّ مثلًا - قد يَرْوي أحدُهم عن بعضِ الأَخْباريِّين الذين اشتهَرُوا بالتشيُّع، أو اتُّهِموا بالكذب، إذِ القصدُ حفظُ المرويِّ، لا إثباتُ صدقِه؛ مما يُوجِبُ التأنِّيَ والتريُّثَ حالَ التعامُلِ معهم ومع كُتُبِهم.
المصدر: مركز اصول.


زعمهم معاوية قتل حجر بن عدي

الشبهة:

قال الطباطبائي: «كانت لمعاوية اليد الطُّولَى في القتل وسفك الدماء، ومن أعماله الشنيعة قتله الصحابي الكبير حجر بن عدي»([1]). 


([1]) الشيعة - نص الحوار مع المستشرق كوربان، الطباطبائي (1/ 412).

الرد علي الشبهة:

حجر بن عدي لم تثبت له الصحبة، والشيعة يعتقدون أن الصحبة لا تُوجِبُ للشخص فضيلةً ولا مَنقبةً، قال النباطي العاملي: «فالصحبة لا توجب الفضيلة؛ لقول الله: [ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ] {الكهف:37} ...»([1]).

فالشيعة يعتقدون جواز الكفر والنفاق على الصحابي، فلا تغتر قولهم بتزيينهم لاسم حجر بالصحبة! فحتى لو ثبتت له الصحبة فلن تغني عنه شيئًا عندهم، بل ثبوت الصحبة له موجب للتهمة والطعن؛ إذ يعتقدون ردة كل الصحابة إلا ثلاثة، وليس منهم حجر هذا!

ونحن نقول: إن حجر بن عدي لم تثبت صحبته، يقول الحافظ ابن حجر: «أما البخاريّ وابن أبي حاتم عن أبيه وخليفة بن خياط وابن حبان فذكروه في التابعين»([2]).

وقال ابن كثير: «وَقَدْ ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَ لَهُ وِفَادَةً، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي الْأُولَى مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ ... وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ: أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ لَا يُصَحِّحُونَ لَهُ صُحْبَةً»([3]).

فلم يثبت لنَا من طريقٍ صحيحٍ كونه صحابيًّا، ولم يروِ عن رسول الله ق رواية واحدة صحيحة، بل لم يرو عن غير عليٍّ شيئًا كما يقول ابن كثير([4])، فادعاء الصحبة له غير ثابت.

كل الروايات التي تكلمت عن ثورة حجر بن عدي لا تخلو من مقال، فالقصة التي ساقها الطبري كانت من طريق ابن الكلبي عن شيخه أبي مِخنف عن المجالد بن سعيد والصقعب بن زهير وفضيل بن خديج، والحسين بن عُقْبَةَ المرادي([5]).

وهذا الإسناد مسلسل بالضعفاء والكذابين المتروكين بالإجماع([6])، فلا يُمكن آنذاك أن يُطعن في أصحاب النبي ق بأمور تاريخية نقلها هؤلاء الكذابون! فما هذا إلا فعل النَّوْكَى من الرافضة.

أجمعت الروايات التي ذكرت قضية حجر بن عدي أنه رجل شغبٍ وتأليب على الحكام وعدم طاعة لهم([7])، ولم يكن هذا مع معاوية فقط، بل كان يعترض على كل حاكم ولا يسمع ولا يطيع، لكن زاد الأمر وتفاقم في خلافة معاوية ا، حتى أنه كان من المؤلّبين على عثمان رضي الله عنه.

يقول الأميني: «وكان حجر بن عدي فيما رواه أبو مِخنف من جملة الذين كتبوا إلى عثمان من رجال أهل الكوفة ونساكهم وذوي بأسهم ينقمون عليه أمور وينصحونه وينهونه عنها»([8]).

بل وصل أمره إلى أن اعترض على الحسن بن علي باعتراضاتٍ مهينةٍ كما سيأتي، فمثل هذا لا بد أن يكون التعامل معه بحزم وشدة حتى لا تستمر الأمة في الهرج، ولا شك أن هذا مطلب شرعي.

وفعل حجر بن عدي مع الحكام مخالف لعقيدة الشيعة؛ إذ ورد النهي عن الخروج على الحاكم، ووجوب طاعته([9])، وإلا كان إهلاكًا للنفس، فإن صح قولهم في حجر بن عدي، فنقول: «قُتل حجر بشرع الرافضة ومخالفة أهل البيت».

وزد على هذا مخالفته لعمل أهل البيت، فإن علي بن موسى الرضا لما رأى أنه قد يقتل إذا رفض الولاية خشي أن يهلك نفسه([10])، إلا أن حجرًا ألقى بنفسه إلى التهلكة وعرض نفسه وأهله للقتل، وهذا محرم لا شك([11])، فهل كان حجر أتقى وأورع من الرضى؟!

زعْمُ الرافضة أن معاوية قتله مباشرة بطشًا وظلمًا بلا شهود زعمٌ باطل؛ إذ إنه قد حذره من الشغب مرارًا وتكرارًا، ومن ذلك أن زيادًا ابن أبيه أرسل وجهاء قبائل الكوفة إلى حجر، ولكنه حقرهم واستهان بهم.

يقول ابن كثير: «فَأَعْجَلَ زِيَادٌ السَّيْرَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمَّا وَصَلَ بَعَثَ إِلَيْهِ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَجَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيَّ، وَخَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِيَنْهَوْهُ عَنْ هَذِهِ الْجَمَاعَةِ، فَأَتَوْهُ فَجَعَلُوا يُحَدِّثُونَهُ وَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، بَلْ جَعَلَ يَقُولُ: يَا غُلَامُ، اعْلِفِ الْبَكْرَ. لِبَكْرٍ مَرْبُوطٍ فِي الدَّارِ. فَقَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: أَمْجَنُونٌ أَنْتَ؟ نُكَلِّمُكَ وَأَنْتَ تَقُولُ: يَا غُلَامُ، اعْلِفِ الْبَكْرَ! ثُمَّ قَالَ عَدِيٌّ لِأَصْحَابِهِ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا الْبَائِسَ بَلَغَ بِهِ الضَّعْفُ كُلَّ مَا أَرَى»([12]).

وذكر الطبري تمرده وإثارته للفتن وإيقاده لنار الحرب وخروجه بالسلاح على السلطان وعماله، فقال: «دعا -أي زياد- رؤوس الأرباع، فَقَالَ: اشهدوا عَلَى حجر بِمَا رأيتم مِنْهُ -وَكَانَ رءوس الأرباع يَوْمَئِذٍ: عَمْرو بن حريث عَلَى ربع أهل الْمَدِينَة، وخالد بن عرفطة عَلَى ربع تميم وهمدان، وقيس بن الْوَلِيد ابن عبد شمس بن الْمُغِيرَة عَلَى ربع رَبِيعَة وكندة، وأبو بردة بن أبي مُوسَى عَلَى مذحج وأسد- فشهد هَؤُلاءِ الأربعة أن حجرًا جمع إِلَيْهِ الجموع، وأظهر شتم الخليفة، ودعا إِلَى حرب أَمِير الْمُؤْمِنِينَ، وزعم أن هَذَا الأمر لا يصلح إلا فِي آل أبي طالب، ووثب بالمصر وأخرج عامل أَمِير الْمُؤْمِنِينَ»([13]).

* محاكمة علنية بشهادة الشهود:

روى صالحٌ ابن الإمام أحمد -بسند حسن شهادة صلحاء الكوفة على حجر لما قدم على معاوية- عن شُرَحْبِيل بن مُسلم قَالَ: «لما بعث بِحجر بن عدي بن الأدبر وَأَصْحَابه من الْعرَاق إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، اسْتَشَارَ النَّاس فِي قَتلهمْ، فَمنهم المشير وَمِنْهُم السَّاكِت، فَدخل مُعَاوِيَة إِلَى منزله، فَلَمَّا صلى الظُّهْر قَامَ فِي النَّاس خَطِيبًا، فَحَمِدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ جلس على منبره فَقَامَ الْمُنَادِي فَنَادَى: أَيْن عَمْرو بن الْأسود الْعَنسِي؟

فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَلا إِنَّا بحصن من الله حَصِين لم نؤمر بِتَرْكِهِ، وقولك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أهل الْعرَاق، أَلا وَأَنت الرَّاعِي وَنحن الرّعية، أَلا وَأَنت أعلمنَا بدائهم وأقدرنا على دوائهم، وَإِنَّمَا علينا أَن نقُول: [ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ] {البقرة:285}.

فَقَالَ مُعَاوِيَة: أما عَمْرو بن الْأسود فقد تَبرأ إِلَيْنَا من دِمَائِهِمْ وَرمى بهَا مَا بَين عَيْني مُعَاوِيَة، ثمَّ قَامَ الْمُنَادِي فَنَادَى: أَيْن أَبُو مُسلم الْخَولَانِيُّ؟

فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أما بعد، فَلَا وَالله مَا أبغضناك مُنْذُ أَحْبَبْنَاك، وَلَا عصيناك مُنْذُ أطعناك، وَلَا فارقناك مُنْذُ جامعناك، وَلَا نكثنا بيعتنا مُنْذُ بايعناك، سُيُوفنَا على عواتقنا إِن أمرتنا أطعناك، وَإِن دَعوتنَا أجبناك، وَإِن سبقتنا أدركناك، وَإِن سبقناك نظرناك، ثمَّ جلس.

ثمَّ قَامَ الْمُنَادِي فَقَالَ: أَيْن عبد الله بن مخمر الشرعبي؟

فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: وقولك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي هَذِه الْعِصَابَة من أهل الْعرَاق إِن تعاقبهم فقد أصبت، وَإِن تَعْفُ فقد أَحْسَنت.

فَقَامَ الْمُنَادِي فَنَادَى: أَيْن عبد الله بن أَسد الْقَسرِي؟

فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، رعيتك وولايتك وَأهل طَاعَتك، إِن تعاقبهم فقد جنوا على أنفسهم الْعقُوبَة، وَإِن تعفُ فَإِن الْعَفو أقرب للتقوى، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، لَا تُطِع فِينَا من كَانَ غشومًا لنَفسِهِ ظلومًا بِاللَّيْلِ نؤومًا عَن عمل الْآخِرَة، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِن الدُّنْيَا قد انخَشَعت أوتادُها، ومالت بهَا عمادُها، وأحبها أَصْحَابُهَا، واقترب مِنْهَا ميعادُها، ثمَّ جلس.

فَقلت لشرحبيل: فَكيف صنع؟ قَالَ: قتل بَعْضًا واستحيى بَعْضًا، وَكَانَ فِيمَن قتل حجر بن عدي بن الأدبر، قَالَ: قدم ليضرب عُنُقه»([14]).

وقد كان قتل حجر تنفيذًا لأمر رسول الله ق في قوله: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ»([15])، وفي رواية أخرى: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ»([16]).

فقد ثبت في كتب الشيعة أن عبد الله بن عباس اتهم عليًّا بقتل المسلمين؛ حيث جاء في البحار: «فكتب إليه -أي علي- عبد الله بن العباس: أما بعد، فإنك قد أكثرت عليَّ، ووالله لأَنْ ألقى الله قد احتويت على كنوز الأرض كلها من ذهبها وعقيانها ولجينها أحب إليَّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم، والسلام»([17]).

وفي رواية سبط ابن الجوزي قال: «فكتب إليه ابن عبّاس: لأن ألقى الله بكلّ ما على ظهر الأرض وبطنها أحبّ إليَّ من أن ألقاه بدم امرئ مسلم! فكتب إليه عليّ عليه السلام: «إنّ الدّماء التي أشرت إليها قد خضتها إلى ساقيك، وبذلت في إراقتها جهدك..» ...»([18]).

فهل مجرد اتهام الحاكم بالقتل ظلمًا مسقط لشرعيته؟

لماذا يدافع الشيعة عن حجر وهو على قواعدهم ناصبي نجس حلال الدم والمال والعرض؛ إذ قد سب الحسن بن علي ووصفه بصفات الكفار؟!

اخرج ابن شهرآشوب في المناقب: «فَقَالَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ: أَمَّا وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ مِتَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمِتْنَا مَعَكَ وَلَمْ نَرَ هَذَا الْيَوْمَ، فَإِنَّا رَجَعْنَا رَاغِمِينَ بِمَا كَرِهْنَا، وَرَجَعُوا مَسْرُورِينَ بِمَا أَحَبُّوا»([19]).

وهذا كلام لا يتفوه به إلا طاعن في أهل البيت وعصمتهم، فإن لم يكن هذا نصبًا عند الشيعة، فما عساه النصب إذًا؟!

بل وصف الحسن بأنه «مذل المؤمنين»، وهذه صفة الكفار لا المسلمين، ففي (مدينة المعاجز) عن ثقيف البكاء قال: «رأيت الحسن بن علي عليه السلام عند منصَرَفه من معاوية، وقد دخل عليه حجر بن عدي، فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين! فقال: مه، ما كنت مذلهم، بل أنا معز المؤمنين، وإنما أردت الإبقاء عليهم»([20]).

فلأجل بغض الشيعة لمعاوية يدافعون عن مُهين أئمتهم المعصومين؟! فما الشيعة في حقيقة أمرهم إلا ناصبة، فانظر إلى مخارج علماء الرافضة لهذا الطعان في الأئمة مع اعترافهم بأنه سوء أدب!

يقول محسن الأمين: «ولا شك أن هذا الكلام فيه سوء أدب من حجر مع الحسن، ولكنه دعاه إليه شدة الحب وزيادة الغيظ مما كان»([21]).

ولا تعجب من هذا التعليل العليل، فإن الرافضة هم النواصب على الحقيقة! 


([1]) الصراط المستقيم، علي بن يونس العاملي النباطي البياضي (٣/ 136).

([2]) الإصابة في تمييز الصحابة (2/ 33).

([3]) البداية والنهاية (11/ 228) ت التركي.

([4]) السابق نفسه.

([5]) تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (5/ 253).

([6]) يقول الدكتور سالم خليل الأقطش: «وفيما يتعلق بمصدر هذه الروايات ومن رواها، فإن معظم ما كتبه الطبري عن حجر بن عدي كان من رواية أبي مخنف لوط ابن يحيى، وهو معروف على علماء الجرح والتعديل بالتشيع والضعف وعدم الثقة، فقد قال عنه يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال أبو حاتم الرازي: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وهو شيعي محترق سكن الكوفة، وثمة من قال عنه: محالك، وجاء في (لسان الميزان) أنه إخباري تالف لا يوثق به، حتى أن الناظر في تصانيف أبي مخنف ليكاد يشتم رائحة التشيع بادية منه، فمن كتبه (الفتوح العراق) (وكتاب الجمل) (وكتاب صفين) (وكتاب مقتل علي) (وكتاب مقتل حجر بن عدي وأصحابه)، وغيرها.

كما أننا تتبعنا سلسلة السند ممن كان لهم النصيب الأكبر في نقل أخبار حجر بن عدي وأصحابه وهم: هشام بن محمد السائب الكلبي، والمجالد بن سعيد، وفضيل ابن خليج، والحسين بن عقبة المرادي، ففي هشام بن محمد الكلبي.

يقول أحمد بن حنبل: ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه، إنما هو صاحب سير، وقال الدارقطني: متروك، وجاء في (الكامل في ضعفاء الرجال) أن هشام بن السائب إنما هو صاحب سمر ونسب، وما ظننت أن أحدًا يحدث عنه، وقال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وليس عن مثله يروى الحديث، وذكره العقيلي في الضعفاء. أما مجالد بن سعيد بن عمير بن ذي مران الهمذاني، فهو كوفي، ضعيف، ولا يحتج بحديثه، وقد كان يحيى القطان يضعفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وقال النسائي: مجالد بن سعيد كوفي ضعيف، وقد ذكر الأشج أنه شيعي، وقال الدارقطني: إنه ضعيف، وفيما يتعلق بالصقعب بن زهير بن عبد الله بن سليم الأزدي الكوفي (ت ١٣١-١٤٠هـ)، فهو خال أبي مخنف، قال أبو زراعة: إنه ثقة، وقال أبو حاتم: الشيخ ليس بالمشهور، وذكره أبو حيان في الثقات، وروى له البخاري حديثًا واحدًا، وهو صدوق ثقة.

أما فضيل بن خديج فقد روي عن مولى الأشتر، وروى عنه أبو مخنف، وقد قيل هو مجهول روي عنه رجل متروك الحديث، وفي الحسن بن عقبة البصري الضرير فقد كان من أعيان الشيعة، وقد قرأ القرآن على يد الشريف أبي القاسم المرتضى، وحفظه، وله سبع عشرة سنة، وكان من أذكياء بني آدم وتوفي سنة (441هـ)، وقد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: شيخ يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات.

ويتضح لنا من خلال ما سبق أن رواة الطبري منهم الشيعي المتعصب، ومنهم الضعيف المتروك وليس بالثقة، وقليل منهم الثقة، ويتكشف لنا أن سلسلة الرواة الذين يذكرون حادثة مقتل حجر بن عدي غالبًا ما تكون قصيرة، وسرعان ما تنكمش وتتلاشي، ونجد كذلك أن كثيرًا من الحلقات بين سلسلة الرواة مفقودة، مما يفصل بين الحدث التاريخي وزمن الرواية، كذلك فإن سلسلة الرواة تنتزع حسب اختلاف الأحداث، وتتنوع الروايات الخاصة بها». مطاعن الجاحظ في معاوية بن أبي سفيان في رسالة الثابتة - دراسة وتحقق في قضية مقتل حجر بن عدي، د. سالم خليل الأقطش (ص٣٠٣).

([7]) نفس الروايات التي استدلت بها الشيعة هي التي ذكرت شغب وتمرد حجر وعدم طاعته للسلطان ولو تقية كما هو دين الشيعة! فقد كانت لحجر عدة مراحل من التمرد.

المرحلة الكلامية: وقد بدأ الأمر بمعارضته لصلح الحسن، ثم انتهى بحصب زياد ابن أبيه، يقول البلاذري عن أبي مخنف وغيره قالوا: «لم يزل حجر بن عدي منكرًا على الحسن بن علي بن أبي طالب صلحه لمعاوية، فكان يعذله على ذلك ويقول: تركت القتال ومعك أربعون ألفًا ذوو نيات وبصائر في قتال عدوك، ثم كان بعد ذلك يذكر معاوية فيعيبه ويظلمه، فكان هذا هجيراه وعادته». أنساب الأشراف، البلاذري (5/ 243).

فهذه الرواية تبين بوضوح نية حجر في الانقلاب على الحكم ومكث البيعة، وقد حصل.

وفيما يرويه الطبري أن حجرًا قد أظهر المعارضة لما استعمل معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة، فكان المغيرة إذا خطب يقوم إليه حجر ويشتمه هو ومعاوية: «فكان حجر بن عدي إذا سمع ذَلِكَ قَالَ: بل إياكم فذمم الله ولعن!». تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (5/ 254).

فلما ثار ثلثا الناس بصرخة حجر بن عدي قال المغيرة: «فدخل واستأذن عَلَيْهِ قومه، فأذن لَهُمْ، فَقَالُوا: علام تترك هَذَا الرجل يقول هَذِهِ المقالة، ويجترئ عَلَيْك فِي سلطانك هَذِهِ الجرأة! إنك تجمع عَلَى نفسك بهذا خصلتين: أما أولهما: فتهوين سلطانك، وأما الأخرى: فإن ذَلِكَ إن بلغ مُعَاوِيَة كان أسخط له عليه، وَكَانَ أشدهم لَهُ قولًا فِي أمر حجر والتعظيم عَلَيْهِ». تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (5/ 255).

وكرر حجر ذلك في ولاية عمرو بن حريث على الكوفة، يقول ابن الأثير: «ثُمَّ تُوُفِّيَ الْمُغِيرَةُ وَوَلِيَ زِيَادٌ، فَقَامَ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ عِنْدَ قُدُومِهِ ثُمَّ تَرَحَّمَ عَلَى عُثْمَانَ وَأَثْنَى عَلَى أَصْحَابِهِ وَلَعَنَ قَاتِلِيهِ. فَقَامَ حُجْرٌ فَفَعَلَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ بِالْمُغِيرَةِ، ورَجَعَ زِيَادٌ إِلَى الْبَصْرَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ، فَبَلَغَهُ أَنَّ حُجْرًا يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ شِيعَةُ عَلِيٍّ وَيُظْهِرُونَ لَعْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ، وَأَنَّهُمْ حَصَبُوا عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ، فَشَخَصَ زِيَادٌ إِلَى الْكُوفَةِ حَتَّى دَخَلَهَا، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَحُجْرٌ جَالِسٌ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ غَبَّ الْبَغْيِ وَالْغَيِّ وَخِيَمٌ، إِنَّ هَؤُلَاءِ جَمُّوا فَأَشِرُوا، وَأَمِنُونِي فَاجْتَرَءُوا عَلَى اللهِ، لَئِنْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لَأُدَاوِيَنَّكُمْ بِدَوَائِكُمْ، وَلَسْتُ بِشَيْءٍ إِنْ لَمْ أَمْنَعِ الْكُوفَةَ مِنْ حُجْرٍ، وَأَدَعْهُ نَكَالًا لِمَنْ بَعْدَهُ، وَيْلُ أُمِّكَ يَا حُجْرُ، سَقَطَ الْعَشَاءُ بِكَ عَلَى سِرْحَانٍ، وأَرْسَلَ إِلَى حُجْرٍ يَدْعُوهُ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أَتَاهُ رَسُولُ زِيَادٍ يَدْعُوهُ قَالَ أَصْحَابُهُ: لَا تَأْتِهِ وَلَا كَرَامَةَ». الكامل في التاريخ (3/ 70) ت تدمري.

المرحلة الفعلية: وبعد سكوت الولاة عنه وعدم تعرّضهم له، انتقل حجر إلى المرحلة التالية وهي المرحلة الفعلية، يقول ابن كثير: «وَجَعَلَ زِيَادٌ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ حُجْرٌ: كَذَبْتَ. فَسَكَتَ زِيَادٌ وَنَظَرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ زِيَادٌ: إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. يَعْنِي كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذَ حُجْرٌ كَفًّا مِنْ حَصًا فَحَصَبَهُ، وَقَالَ: كَذَبْتَ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللهِ. فَانْحَدَرَ زِيَادٌ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ الْقَصْرَ، وَاسْتَحْضَرَ حُجْرًا، وَيُقَالُ: إِنْ زِيَادًا لَمَّا خَطَبَ طَوَّلَ الْخُطْبَةَ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ لَهُ حُجْرٌ: الصَّلَاةَ. فَمَضَى فِي خِطْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: الصَّلَاةَ. فَمَضَى فِي خِطْبَتِهِ فَلَمَّا خَشِيَ حُجْرٌ فَوْتَ الصَّلَاةِ عَمِدَ إِلَى كَفٍّ مِنْ حَصَا، وَثَارَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَثَارَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ زِيَادٌ نَزَلَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ». البداية والنهاية (11/ 231) ت التركي.

وهكذا استمر شغبه وتمرده ونقضه للبيعة إلى أن قُتل.

([8]) أعيان الشيعة، محسن الأمين (٤/ 585).

([9]) قال محمد المشهدي في تفسيره: «وفي أمالي الصدوق بإسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: طاعة السلطان واجبة، ومن ترك طاعة السلطان فقد ترك طاعة الله في نهيه، إن الله D يقول: [ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ] {البقرة:195}». تفسير كنز الدقائق، محمد المشهدي (1/ 459)، الأمالي، الصدوق (ص٤١٨).

وفي تفسير نور الثقلين: «فيمن لا يحضره الفقيه في الحقوق المروية عن علي بن الحسين R وحق السلطان أن تعلم أنك جعلت له فتنة، وأنه مبتلى فيك بما جعله الله D له عليك من السلطان، وأن عليك أن لا تتعرض لسخطه فتلقي بيدك إلى التهلكة، وتكون شريكًا له فيما يأتي إليك من سوء». نور الثقلين (1/ 180).

([10]) قال الحويزي: «في عيون الأخبار في باب ذكر مولد الرضا (ع)، ملك عبد الله المأمون عشرين سنة وثلاثة وعشرين يومًا، فأخذ البيعة في ملكه لعلي بن موسى الرضا عليه السلام بعهد المسلمين من غير رضاء، وذلك بعد أن يهدده بالقتل وألح مرة بعد أخرى في كلها يأبى عليه، حتى أشرف من تأبيه على الهلاك، فقال (ع): (اللهم إنك قد نهيتني عن الإلقاء بيدي إلى التهلكة، وقد أكرهت واضطررت كما أشرفت من قبل عبد الله المأمون على القتل متى لم أقبل ولاية عهده». نور الثقلين (1/ 179).

([11])  قال الطباطبائي: «والمعنى: لا تلقوا أنفسكم بأيدي أنفسكم إلى التهلكة، والتهلكة والهلاك واحد، وهو مصير الإنسان بحيث لا يدري أين هو، وهو على وزن تفعُلة بضم العين، ليس في اللغة مصدر على هذا الوزن غيره، والكلام مطلق أريد به النهي عن كل ما يوجب الهلاك من إفراط وتفريط، كما أن البخل والإمساك عن إنفاق المال عند القتال يوجب بطلان القوة وذهاب القدرة، وفيه هلاك العدة بظهور العدو عليهم». تفسير الميزان (٢/ ٦٤).

([12]) البداية والنهاية (11/ 238) ت التركي.

([13]) تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (5/ 268).

([14]) مسائل الإمام أحمد - رواية ابنه أبي الفضل صالح (2/ 328، ٩٦١).

([15]) صحيح مسلم (3/ 1480) ت عبد الباقي.

([16]) صحيح مسلم (3/ 1479) ت عبد الباقي.

([17]) بحار الأنوار، المجلسي (٤٢/ 187).

([18]) تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة، سبط ابن الجوزي (١/ 572) ط المجمع العالمي.

([19]) المناقب، ابن شهرآشوب (٤/ 44)، بحار الأنوار، المجلسي (٤٤/ 59).

([20]) مدينة المعاجز، هاشم البحراني (٣/ 233).

([21]) أعيان الشيعة، محسن الأمين (٤/ 574).
موقع رامي عيسى ..

عدد مرات القراءة:
18069
إرسال لصديق طباعة
السبت 10 رجب 1435هـ الموافق:10 مايو 2014م 03:05:15 بتوقيت مكة
ابو الحق الطيب 
كله تبرير لخالكم معاوية حتى اختلط عليكم الحق من تعصبكم قاتلكم الله انى تأفكون
 
اسمك :  
نص التعليق :