معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

ابتداع عمر للطلاق الثلاث في مجلس واحد ..

ابتداع عمر للطلاق الثلاث في مجلس واحد

قال الرافضي:

ولماذا تقبلون ابتداعه للطلاق الثلاث في مجلس واحد؟

الردّ:

لم يَبْتَدِع عُمر رضي الله عنه ذلك، وما كان عمر رضي الله عنه ليَبْتَدِع، بل لا يُعرف في الصحابة مُبتدِعاً.

وما فعله عمر رضي الله عنه يُعتبر من السياسة الشرعية لا من التشريع، وبينهما فَرْق.

ما هوالفرق بين التشريع وبين السياسة الشرعية؟

التشريع: هوسنّ أمر لم يكن في شريعة الإسلام، كأن يأتي أحد فَيَسُنّ ويُشرِّع للناس الحج لغير مكة، كالحج إلى كربلاء أوإلى النجف!

أوفَرْض خُمس في أموال الناس، ونحوذلك!

والسياسة الشرعية: أن يأخذ الناس بالحزم في أمر مشروع.

وهذا باب واسع عند أهل العلم، بل عند العقلاء.

فللحاكم أن يأخذ الناس بالسياسة الشرعية، ويُلزِمهم بأمر رآهم توسّعوا فيه، ولهذا أصل في السنة النبوية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الوصال في الصيام، فقال له رجال من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقين، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصَلَ بهم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: لوتأخر لزدتكم، كالمنكل بهم حين أبوا. رواه البخاري ومسلم.

ومثل ذلك ما يُفرض على الناس من عقوبات إذا تساهلوا في أمر كان لهم فيه سَعة.

بل للحاكم العفوعن الحدود في سِنيّ المجاعات، وهذا ما عمِل به عُمر، والرافضة تعيب عُمر رضي الله عنه بذلك!

عابوا عُمر بأنه تَرَك إقامة الحدود عام المجاعة!

وتلك شَكَاة ظاهر عنك عارها أبا حفص!

فإن الحدود تُدرأ وتُدفع بالشُّبُهات، والمجاعة شُبهة أن الجائع ما دَفَعه على السرقة إلا الجوع.

وهذا موافق لِهَدْيِه عليه الصلاة والسلام:

كما أن هذا له أصل في الشريعة، فقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ماعز رضي الله عنه وقد اعترف ماعز بما اقترف.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: لعلك قبلت، أوغمزت، أونظرت. رواه البخاري.

فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يُلقنه، وهومع ذلك يُردّه.

وكان عُمر رضي الله عنه يقول: لأن أُعَطِّل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أُقيمها بالشبهات

ولم يَنْفَرِد عمر رضي الله عنه بهذا، فقد جاء هذا عن معاذ وعبد الله بن مسعود وعقبة بن عامر أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحدّ فادرأه. رواه ابن أبي شيبة.

وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما: ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإذا وجدتم للمسلم مَخْرَجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام إذا اخطأ في العفوخير من أن يخطئ في العقوبة. رواه ابن أبي شيبة.

ومن باب السياسة الشرعية إلزام الناس بالطلاق الثلاث، أي بإيقاعها.

وهذا ليس تشريعا، فإن التشريع لوأن أحداً قال: يُزاد طلقة رابعة - مثلا - فإن هذا هوالتشريع.

أما إلزام الناس بأمر مشروع فهذا ليس من باب التشريع، وإنما هومن باب السياسة الشرعية، والناس إذا رأوا أنه ضُيِّق عليهم في أمر كان لهم فيه سَعة كان أدعى للزّجر.

وهذا الذي ذَهَب إليه عمر رضي الله عنه.

قال ابن عباس: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلوأمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. رواه مسلم.

وهذا قد وافقه عليه الصحابة وهم مُتوافرون.

كما أن عمر رضي الله عنه لم يزعم نسخ العمل بالثلاث أن تكون واحدة، وإنما أخذ بذلك.

وهذا كالذي يأخذ بأمر واحد من كفارة اليمين، أويَصرف الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية.

فالذي يُكفِّر عن يمينه بالإطعام، ويلتزم هذا لا يُعتبَر مُشرِّعاً، وإنما أخذ ببعض ما شُرِع، وتركه لبعض ما فيه اختيار.

وكذلك الذي يصرف الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية [أهل الزكاة] لا يُعتبر مُعطّلاً لما شرعه الله، وإنما أخذ ببعض ما له فيه خيار.

وكذلك القول بالنسبة للطلاق الثلاث، وما اختاره عُمر رضي الله عنه فيها.

وقد أذِن لنساء بني إسرائيل الخروج إلى أماكن العبادة، ثم مُنِعن لما توسّعن في الزينة والطِّيب.

قالت عائشة رضي الله عنهما: لوأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل. قال يحيى بن سعيد: فقلت لعمرة: أنساء بني إسرائيل منعهن المسجد؟ قالت: نعم. رواه البخاري ومسلم.

وإنما مُنعت نساء بني إسرائيل من المساجد لما أحدثن وتوسعن في الأمر من الزينة والطيب وحسن الثياب. ذكره النووي في شرح مسلم.

قال ابن حجر في موضوع آخر مشابه: وفائدة نهيهن - أي النساء - عن الأمر المباح خشية أن يَسْتَرْسِلْن فيه فيُفضي بهن إلى الأمر المحرَّم لضعف صبرهن، فيستفاد منه جواز النهي عن المباح عند خشية إفضائه إلى ما يحرم. اهـ.

وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم عندما تلاعب الناس بالطلاق، فقد أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبانا، ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ رواه النسائي.

ثم إن اعتبار الثلاث واحدة له أصل في السنة، ففي قصة الملاعنة أن الرجل طلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين. رواه البخاري.


عمر والطلاق بالثلاث

ثم يقول التيجاني ((وزاد عمر في الطين بلة عندما ولي أمور المسلمين فأحل ما حرّم الله ورسوله وحرّم ما أحل الله ورسوله)) ثم يشير بالهامش بقوله ((كقضية إمضائه الطلاق الثلاث وكتحريمه متعة الحج ومتعة النساء)) (2)، فأقول:

1ـ بالنسبة لادعاء التيجاني أن عمر حرّم متعة الحج ومتعة النساء فقد أجبت عن ذلك وافياً فيما مضى (3) بما يغني عن الاعادة هنا.

__________

(1) سنن الترمذي ـ باب ـ مناقب عمر بن الخطاب برقم (369) وانظر صحيح الترمذي برقم (2913).

(2) ثم اهتديت ص (167).

(3) راجع الكتاب ص (33).

2ـ وبالنسبة لامضائه الطلاق الثلاث فعن ابن عباس قال ((كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلوأمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم)) (1)، هذا الحديث يبين أن الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثاً تقع طلقة واحدة، وظل الأمر على ذلك حتى جاءت خلافة عمر وفي السنتين الأولتين أبقى عمر الطلقة الواحد البائنة، ولكن عندما رأى تهاون الناس في التطليق وعبثهم فيه أراد أن يشدد عليهم في ذلك تأديباً وردعاً لهم فأوقع الطلاق ثلاثاً وهذا من اجتهاده وفقهه رضي الله عنه وقد وافقه الصحابة في زمانه على ذلك ـ ولا شك أن علياً واحداً منهم ـ وليس ذلك تحليلاً لما حرم الله ورسوله فإنه لم ينسخ الحكم إنما جعله مرتبطاً بالعلة وهوأعلم بمراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك إضافةً إلى أنه الامام المسؤول عن رعيته أمام الله عز وجل، فيجب عليه أن يسوسهم ويرشدهم لما يصلحهم وأن يردهم للصواب إن تقاعسوا عن المطلوب أوقصّروا في الحقوق، وأن يعمل على ما يصلحهم وينفعهم، وعمر قد ثبت أنه من أفاضل الصحابة وأعلمهم بالدين، واجتهاده هذا اجتهاد سائغ، وعلى فرض أنه أخطأ فهذا من الخطأ الذي يرفع الله به المؤاخذة، وقد اعترف بفضله وعلمه خيار الصحابة، فقد روى الشعبي عن عليّ قال ((ما كنّا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر)) (2) وقال ابن مسعود ((كان عمر أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين الله وأعرفنا بالله، والله لهوأبين من طريق الساعين، يعني أن هذا أمر بيّن يعرفه الناس)) (3) وقال أيضاً ((لوأن

__________

(1) صحيح مسلم بشرح النووي كتاب الطلاق برقم (1472).

(2) فضائل الصحابة لأحمد جـ1 ص (249) رقم (31) وقال المحقق: إسناده صحيح.

(3) مجمع الزوائد للهيثمي جـ9 ص (72،82) وقال: رواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح.

علم عمر وُضع في كفّة ميزان ووضع علم أهل الأرض في كفّة لرجح عليهم ـ وقال إني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهب يوم ذهب عمر)) (1) وقال مجاهد ((إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به)) (2) وقال أبوعثمان النهدي ((إنما كان عمر ميزاناً لا يقول كذا ولا يقول كذا)) (3) ولكن لعل التيجاني لن يقتنع بهذا الكلام، فسأضطر لكي أنقل من كتب الرافضة الاثني عشرية والمعتمدة لديهم رأي أهل البيت في عمر، يقول وصي القوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه واصفاً زمن حكم عمر بقوله ((لله بلاء فلان (4) فقد قوّم الأوَد وداوى العمَد، خلّف الفتنة وأقام السنّة، ذهب نقيَّ الثوب قليل العيب أصاب خيرها وسبق شرّها، أدّى إلى الله طاعته، واتقاه بحقّه، رحل وتركهم في طرقٍ متشعّبة، لا يهتدي فيها الضاّل ولا يستيقن المهتدي)) (5) وقال عنه أيضاً ((ووليهم والٍ فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرّانه)) (6) وفي كتاب (الغارات) لإمام القوم ابراهيم الثقفي يذكر أن علياً وصف ولاية عمر بقوله (( ... وتولى عمر الأمر وكان مرضيّ السيرة، ميمون النقيبة)) (7)، وعندما شاوره عمر في الخروج إلى غزوالروم قال له ((إنك متى تسر إلى هذا العدوبنفسك، فتَلْقَهُم بشخصك فتُنكب، لا تكن للمسلمين كانفة (8) دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه،

__________

(1) مجمع الزوائد جـ9 ص (72) وقال الهيثمي (رواه الطبراني بأسانيد ورجال، وهذا رجال الصحيح، غير أسد بن موسى، وهوثقة).

(2) الفضائل لأحمد برقم (342) جـ1 ص (264) وقال المحقق: إسناده صحيح.

(3) الفضائل لأحمد رقم (332) جـ1 ص (259) وقال المحقق: إسناده صحيح.

(4) في هامش كتاب النهج (هوالخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه)!!.

(5) نهج البلاغة جـ2 ص (59) ط. مكتبة الألفين.

(6) نهج البلاغة جـ4 ص (794).

(7) الغارات للثقفي جـ1 ص (37) (رسالة علي (ع) إلى أصحابه).

(8) كانفة: عاصمة يلجأون إليها.

فابعث إليهم رجلاً محْرَباً، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهرك الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأُخرى كنت ردءاً (1) للناس ومثابة للمسلمين)) (2) ويقول أمامهم الآخر محمد آل كاشف الغطاء في كتابه (أصل الشيعة وأصولها) الذي ادعى التيجاني أنه تمتع بقراءته! ((وحين رأى (أي عليّ بن أبي طالب) ـ أن الخليفتين ـ أعني الخليفة الأول والثاني (أي أبوبكر وعمر!) بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجنود وتوسيع الفتوح ولم يستأثرا ولم يستبدا (انظر؟!) بايع وسالم)) (3) لذلك زوّج علي ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب (4)، وليس ذلك وفقط بل وسمى أحد أولاده باسم عمر باعتراف الأربلي (5) تدليلاً على حبه وتقديره للخليفة عمر بن الخطاب فهل بعد ذلك يشك أحد بأنّ الله وضع الحق على لسان عمر وقلبه؟!

__________

(1) الردء: الملجأ.

(2) نهج البلاغة ص (296 ـ 297).

(3) أصل الشيعة وأصولها ص (124).

(4) أنظر الفروع من الكافي كتاب النكاح ـ باب ـ تزويج أم كلثوم جـ5 ص (346).

(5) كشف الغمة للأربلي جـ2 ص (68).


زعمهم مخالفة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه للسنة في طلاق الثلاث

الشبهة: يزعم علماء الرَّافضة أن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ابتدع قولًا مخالفًا للشرع في مسألة طلاق الثلاث؛ حيث جعله نافذًا ثلاثًا، قال التيجاني: «ثم كانت خلافة عمر بن الخطَّاب نتيجة حتمية لذلك الاجتهاد؛ إذ إن أبا بكر اجتهد برأيه، وأسقط الشورى التي كان يستدل بها هو نفسه على صحة خلافته، وزاد عمر في الطين بلة، عندما ولي أمور المسلمين، فأحل ما حرم الله ورسوله، وحرم ما أحل الله ورسوله»، ويقول في الهامش موضحًا كلامه: «كقضية إمضائه الطلاق الثلاث، صحيح مسلم باب الطلاق الثلاث، سنن أبي داوود (1/ 344)» .
وهو يشير إلى ما رواه مسلم وغيره، عن ابن عبَّاسٍ قال: «كان الطّلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثّلاث واحدةً، فقال عمر بن الخطَّاب: إنّ النَّاس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم» .

الرد علي الشبهة:

أولًا: كان طلاق الثلاث في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وزمن خلافة أبي بكر وشطرًا من خلافة عمر رضي الله عنه يعتبر طلقةً واحدةً، ثم لما رأى عمر بن الخطَّاب تساهل الناس في هذا الأمر العظيم، رأى أنه من المصلحة الشرعية إنفاذ الطلاق ثلاثًا تأديبًا وزجرًا وردعًا، قال ابن القيم: «ولكن رأى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنَّ النَّاس قدِ استهانوا بأمر الطَّلاق، وكثر منهم إيقاعه جملةً واحدةً، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أنَّ أحدهم إذا أوقعه جملةً بانت منه المرأة، وحرّمت عليه حتَّى تنكح زوجًا غيره نكاح رغبةٍ يراد للدّوام لا نكاح تحليلٍ، فإنَّه كان من أشدّ النَّاس فيه، فإذا علموا ذلك كفّوا عنِ الطَّلاق المحرّم، فرأى عمر أنَّ هذا مصلحةٌ لهم في زمانه»[1].

ثانيًا:  إن قول ابن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ....» إخبارٌ عن تغير فعل الناس، لا عن تغير الحكم الشرعي، أي: أن الناس في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكونوا يطلقون إلا تطليقة واحدة، فلما كان في زمن عمر رضي الله عنه صاروا يطلقون الثلاث دفعة، فأمضاه عمر عليهم؛ لإحداثهم لهذه البدعة.

فالحديث ما هو إلا إخبارٌ عن تغير حال الناس، وليس إخبارًا عن تغير تشريع ثابت.

قال الباجي: «معنى الحديث: أنّهم كانوا يوقعون طلقةً واحدةً بدل إيقاع النَّاس ثلاث تطليقاتٍ، ويدل على صحّة هذا التَّأويل أنَّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال: إنّ النَّاس قدِ استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطّلاق استعجال أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو كان حالهم ذلك من أوّل الإسلام في زمن النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قاله، ما عاب عليهم أنَّهم استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ»[2].

وقال الزرقاني: «وحاصله: أنَّ المعنى أنَّ الطّلاق الموقع في زمن عمر ثلاثًا كان يوقع قبل ذلك واحدةً؛ لأنّهم كانوا لا يستعملون الثّلاث أصلًا، وكانوا يستعملونها نادرًا، وأمّا في زمن عمر فكثر استعمالهم لها»[3].

ثالثًا:   ما صنعه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يندرج تحت باب السياسة الشرعية لا باب التشريع، وبينهما فرق، ولذلك أقرّه الصحابة في وقته، ولم ينكروا عليه بدعوى أنه شرع حكمًا جديدًا، أو ناقض حكم الله تعالى.

قال ابن القيم: «فهذا ممّا تغيّرت به الفتوى لتغيّر الزّمان، وعلم الصَّحابة رضي الله عنهم حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيّته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به، وصرّحوا لمنِ استفتاهم بذلك، فقال عبد الله بن مسعودٍ: من أتى الأمر على وجهه فقد بيّن له، ومن لبس على نفسه جعلنا عليه لبسه، والله لا تلبسون على أنفسكم ونتحمّله منكم، هو كما تقولون»[4].

رابعًا:   ورد في كتب الرَّافضة ما يدل على أن المستخف بأمر الطلاق المتساهل فيه، إذا طلق ثلاثًا يقع طلاقه ثلاثًا، فقد روى الطوسي بإسناده، عن عبد الأعلى عن أبي عبد الله S قال: «سألته عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا؟ قال: إن كان مستخفًا بالطلاق ألزمته ذلك»[5]، والحديث قال عنه المجلسي: «مجهول، أو حسن»[6].

فهل يقول الرَّافضة: إن جعفر الصادق شرع حكمًا، أو خالف السُّنَّة في الطلاق؟! أم أن هذا كان من السياسة الشرعية تأديبًا للناس وردعًا لهم؟!

خامسًا:  ورد في كتب الرَّافضة أن طلاق الثلاث مطلقًا يقع ثلاثًا، فقد روى الطوسي بإسناده، عن أبي العبّاس البقباق قال: «دخلت على أبي عبد الله S فقال لي: اروِ عنِّي أنَّ من طلّق امرأته ثلاثًا في مجلسٍ واحدٍ فقد بانت منه»[7].

والحديث حكم عليه المجلسي بقوله: «الحديث التاسع والمائة: موثق».

 ثم حاول إيجاد مخرج له؛ لأنه يخالف ما يقول به علماء الرَّافضة فقال: «قوله S: فقد بانت منه أي: بثلاث فيحمل على التقية، أو على ما إذا كان المطلق مخالفًا، ويحتمل أن يكون المراد وقوع الطلاق والبينونة به، فيكون موافقًا لما مر من مذهب الشيخ وسائر الأخبار»[8].

وما ذكره المجلسي محض احتمالات بعيدة يأباها النص، فلا يمكن أن يحمل على التقية، أو على ما إذا كان المطلق من المخالفين، بقرينة قوله: «ارو عني»، فما الداعي أن يروى عنه هذا الأمر ويشاع ويذاع إن لم يكن صحيحًا في نفس الأمر؟!

سادسًا:  إن كان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه حسب زعم الرَّافضة، قد خالف الشرع في أمر الطلاق، وخالف قول الله تعالى: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖ ﴾ [البَقَرَةِ: 229]]، فما جوابهم عما رواه الكليني بإسناده، عن أبي بصير قال: «سألت أبا جعفر S عن الطلاق الذي لا يحل له حتى تنكح زوجًا غيره؟ فقال: أخبرك بما صنعت أنا بامرأة كانت عندي وأردت أن أطلقها، فتركتها حتى إذا طمثت وطهرت طلقتها من غير جماع وأشهدت على ذلك شاهدين، ثم تركتها حتى إذا كادت أن تنقضي عدتها راجعتها ودخلت بها، وتركتها حتى إذا طمثت وطهرت، ثم طلقتها على طهر من غير جماع بشاهدين، ثم تركتها حتى إذا كان قبل أن تنقضي عدتها راجعتها ودخلت بها، حتى إذا طمثت وطهرت، طلقتها على طهر بغير جماع بشهود، وإنما فعلت ذلك بها أنه لم يكن لي به حاجة»[9].

فقد كان الإمام الباقر-حسب هذه الرواية- يطلق هذه المرأة، ثم يراجعها ليطلقها بعد ذلك مرة أخرى، ويقر بأنه لم يكن له فيها حاجة، مع أنه كان بإمكانه أن يطلقها في الأولى، ثم تعتد، ثم تبين منه بينونة صغرى ويفترقان، فلماذا كان يراجعها بعد الطلاق وهو لا ينوي أصلًا إبقاءها؟! أليس في هذا إضرار بالمرأة ومخالفة للنص القرآني: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖ ﴾ [البَقَرَةِ: 229]؟! وهذا الحديث حسنه المجلسي في «مرآة العقول»[10].

وقد حمل هذا الإشكال الكبير البيّن في هذا الحديث، أحد علماء الرَّافضة على القول بأنه موضوع مكذوب، قال التستري: «والدليل على وضعه أنه تضمن أن الباقر S عمل ما هو منزه عن عمل مثله، فإن ما فيه ضرار نهى الله تعالى عنه...، ويدل على وضعه أيضًا سوى ما مرّ ما ذكر فيه من العلة من قوله: (وإنما فعلت ذلك بها؛ لأنه لم يكن لي بها حاجة)، فكان يكفيه طلاق واحد، فالمرأة إذا لم ترد الرجل فليس بيدها نزع نفسها، وأما الرجل فإذا لم يرد المرأة جعل الله ذلك له نزعها منه بطلاق واحد»[11].

فبناءً على زعم الرَّافضة وقولهم في هذه المسألة؛ قد خالف الإمام الباقر -حسب رواية «الكافي» التي حسنها المجلسي- الشرع في أمر الطلاق، وخالف السُّنَّة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهل يتجرأ الرَّافضة على الطعن فيه؟! 


[1]   «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (3/ 35).

[2]   «المنتقى شرح الموطأ» (4/ 4).

[3]   «شرح الزرقاني على الموطأ» (3/ 254).

[4]   «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (3/ 35).

[5]   «تهذيب الأحكام» (8/ 59).

[6]   «ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار» (13/ 120).

[7]   «تهذيب الأحكام» (8/ 59).

[8]   «ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار» (13/ 120).

[9]   «الكافي» (6/ 76).

[10]  «مرآة العقول» (21/ 128).

[11]  «مستدرك الأخبار الدخيلة» (3/ 307- 308).
موقع رامي عيسى ..

عدد مرات القراءة:
9168
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :