شبهة أن الصحابة آذوا علياً وحاربوه وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم {من آذى علياً فقد آذاني}
اعلم أن أعظم ما تداولت الألسن من الاختلاف الواقع بين الصحابة رضي الله عنهم ما وقع في زمن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فنشأ منه وقعتان عظيمتان: وقعة الجمل، ووقعة صفين. وسبب ذلك مقتل عثمان رضي الله عنه، ولو أنكر ذلك من أنكر، وإنكار ذلك مكابرة لا يلقى لها بال، لأن الخبر متواتر في جميع مراتبه. وتلخيص الأول أنه لما قتل عثمان رضي الله عنه سار طلحة والزبير وعائشة نحو البصرة، فلما علم علي بمخرجهم اعترضهم من المدينة لئلا يحدث ما يشق عصا الإسلام، ففاتوه، وأرسل ابنه الحسن وعماراً يستنفران أهل المدينة وأهل الكوفة، ولما قدموا البصرة استعانوا بأهلها وبيت مالها، حتى إذا جاءهم الإمام رضي الله عنه حاول الصلح واجتماع الكلمة وسعى الساعون بذلك، فثار قتلة عثمان وكان ما كان، وانتصر علي رضي الله عنه، وكان قتالهم من ارتفاع النهار يوم الخميس إلى صلاة العصر لعشر خلون من جمادى الآخرة. ولما ظهر علي رضي الله عنه جاء إلى أم المؤمنين رضي الله عنها فقال: «غفر الله لك». قالت: (ولك. وما أردت إلا الإصلاح). ثم أنزلها دار عبد الله بن خلف في البصرة وزارها بعد ثلاث ورحبت به وبايعته وجلس عندها فقال رجل: يا أمير المؤمنين! إن بالباب رجلين ينالان من عائشة. فأمر القعقاع بن عمر أن يجلد كل واحد منهما مائة جلدة وأن يجردهما من ثيابهما ففعل. ولما أرادت الخروج من البصرة بعث إليها بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وأذن لمن نجا من الجيش أن يرجع إلا أن يحب المقام، وأرسل معها أربعين امرأة وسير معها أخاها محمداً. ولما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي رضي الله عنه فوقف على الباب في الهودج فودعت الناس ودعت لهم وقالت: «يا بني لا يغتب بعضكم بعضاً، إنه ما كان بيني وبين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه لمن الأخيار». فقال علي رضي الله عنه: «صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة»([1]) وسار معها مودعاً أميالاً. وكانت رضي الله تعالى عنها بعد ذلك إذا ذكرت ما وقع تبكي حتى تبل خمارها. ففي هذه المعاملة من أمير المؤمنين رضي الله عنه دليل على خلاف ما يزعمه مبغضوها من كفرها وفي ندمها وبكائها على ما كان دليل على أنها لم تذهب إلى ربها إلا وهي نقية من غبار المعركة، على أن في كلامها ما يدل على أنها كانت حسنة النية في ذلك. وقال غير واحد: إنها اجتهدت ولكنها أخطأت في الاجتهاد ولا إثم على المجتهد المخطئ بل له أجر على اجتهاده([2]). وأما طلحة والزبير ب فلم يموتا إلا على بيعة الإمام رضي الله عنه. فقد روى الحكم عن ثور بن مجزأة أنه قال: «مررت بطلحة يوم الجمل في آخر رمق فقال لي: من أنت؟ قلت: من أصحاب أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فقال: أبسط يدك أبايعك، فبسطت يدي فبايعني وقال: هذه بيعة علي، وفاضت نفسه. فأتيت علياً رضي الله عنه فأخبرته فقال: الله أكبر صدق الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أبى الله سبحانه أن يدخل طلحة الجنة إلا وبيعتي في عنقه». وأما الزبير رضي الله عنه فقد ناداه علي رضي الله عنه وخلا به وذكره قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم له: (لتقاتلن علياً وأنت له ظالم، فقال: لقد ذكرتني شيئاً أنسانيه الدهر، لا جرم لا أقاتلك أبداً)([3])، فخرج من العسكرين نادماً وقتل بوادي السباع مظلوماً قتله عمرو بن جرموز. وقد ثبت عند الفريقين أنه جاء بسيفه واستاذن على علي رضي الله عنه فلم ياذن له، فقال: أنا قاتل الزبير، فقال: أبقتل ابن صفية تفتخر؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (بشر قاتل ابن صفية بالنار)([4]). وروى أيضاً أن الأمير رضي الله عنه قال لما جاءه عمر بن طلحة بعد موت أبيه: «مرحباً بابن أخي، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ [الحجر : 47] ([5]) وهذا ونحوه يدل على أنهما رضي الله تعالى عنهما لم يذهبا إلا طاهرين متطهرين.
وأما تلخيص الواقعة الثانية فقد ذكر المؤرخون أن معاوية كان قد استنصر ابنا عثمان رضي الله عنه ووكلاه في طلب حقهما من قتلة أبيهما، فلما بلغه فراغ علي رضي الله عنه من وقعة الجمل ومسيره إلى الشام خرج عن دمشق حتى ورد صفين، فلما ورد علي رضي الله عنه دعاهم إلى البيعة فلم يفعلوا، وطلبوا منه قتلة عثمان وكثر القيل والقال حتى اتهم بنو أمية علياً رضي الله عنه بأنه الذي دلس على قتلة عثمان. وكان علي رضي الله عنه يبرأ من القتلة ويقول: «يا معاوية، لو نظرت بعين عقلك دون عين هواك لرأيتني أبرأ الناس من قتلة عثمان». ثم إنه قد وقع الحرب بينهم مراراً. وأهل السنة إلا من شذ يقولون: إن علياً رضي الله عنه في كل ذلك على الحق لم يفترق عنه قيد شبر، وعن مقاتليه في الوقعتين مخطئون باغون وليسوا بكافرين خلافاً لغيرهم، ولا فاسقين خلافاً للعمرية أصحاب عمر بن عبيد من المعتزلة. وأما أن الحق مع علي رضي الله عنه فغني عن البيان، وأما كون المقاتل باغياً فلأن الخروج على الإمام الحق بغي، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)([6]) وقد قتله عسكر معاوية. وأما كونه ليس بكافر فلما في نهج البلاغة أن علياً رضي الله عنه خطب يوماً فقال: «أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة»([7])، وقوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات : 9] فسمى الله تعالى الطائفتين المقتتلين (مؤمنين) وأمر بالإصلاح بينهما. ومما يدل على أن المحارب غير كافر صلح الحسن رضي الله عنه مع معاوية. وبعد هذا كله قد ثبت عند الجميع أن معاوية ندم على ما كان منه في المقاتلة والبغي على الأمير رضي الله عنه واتفق أن بكى عليه. ----------------
([1]) انظر: تاريخ الطبري 3/61.
([2]) إنها أجتهدت وأصابت، لأنها أرادت الإصلاح والتعاون مع أمير المؤمنين علي على إقامة حدود الله في القتلة المجرمين. والدماء التي سفكت في وقعة الجمل كانت جريمة أخرى من جرائم قتلة عثمان لا يلحق منها شيء بعلي ولا بعائشة ومن معها، ولو توفقوا إلى إقامة الحدود على قتلة عثمان، لتغيرت الحوادث بعد ذلك، ولما وجدت الخوارج وغيرهم، ولما قتل علي E. ولكن لله في كل شيء حكمه قد يطلعنا عليها وقد تخفى عنا.
([3]) انظر: مستدرك الحاكم 3/413، الاستيعاب لابن عبد البر 8/515، تاريخ الطبري 3/37.
([4]) رواه أحمد برقم 681.
([5]) الطبقات الكبرى لابن سعد 3/113.
([6]) رواه البخاري برقم 447.
([7]) نهج البلاغة، 236.
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video