آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 6 ذو الحجة 1443هـ الموافق:5 يوليو 2022م 08:07:09 بتوقيت مكة

جديد الموقع

حديث الحوض ..

حديث الحوض


    من الشبهات التي تُثار كثيراً حول الصحابة رضي الله عنهم حديث الحوض. فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ليرِدنّ عليّ ناسٌ من أصحابي الحوض، حتى عرفْتُهُمُ اخْتُلِجوا دوني فأقول: أُصيحابي، فيقول: لا تَدْري ما أحدثوا بعدك)([1]).
    وعن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إني فرطكم على الحوض، من مرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفونني، ثم يُحال بيني وبينهم. قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم. فقال: أشهَدُ على أبي سعيد الخدري لسمعتُهُ وهو يزيد فيها: فأقول: إنهم مني. فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي)([2]).
    وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّي على الحوض حتى انظر مَنْ يَرِد عليّ منكم، وسيؤخذ ناسٌ دوني، فأقول: يا ربّ! منّي ومن أُمتي؟ فيُقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما بَرِحوا يرجعون على أعقابهم. فكان ابن أبي مُليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نُفتن عن ديننا)([3]).
    وفي رواية ابن مسعود رضي الله عنه: (وليُرفَعَنّ رِجال منكم)([4]). وفي أخرى: (يرد عليّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي، فيُجلون عن الحوض)([5]) وفي ثالثة: (فإذا زُمرةٌ حتى إذا عرفتهم)([6]).
    وفي رواية ابن المُسَيّب عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يَرِد على الحوض رجال من أصحابي فيُحلؤون عنه)([7]). وغيرها من الألفاظ.
    فقال أصحاب الشبهات: إن المتمعن في هذه الأحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده صلى الله عليه وآله وسلم، إلا القليل الذي عبر عنه بهمل النعم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال حمل هذه الأحاديث على القسم الثالث وهم المنافقون؛ لأن النص يقول: فأقول: أصحابي، ولأن المنافقين لم يبدلوا بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فأصبح المنافق بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمناً.
 
ردود العلماء على هذه الشبهة:
  ولكن قبل بيان ردود العلماء على هذه الشبهة لا بد من بيان موجز عن مفهوم ومعنى الصحبة.
 
تعريف الصحابي:
    عرفاً: هو من طالت صحبته وكثرت ملازمته على سبيل الاتباع([8]). واصطلاحاً كما عند جمهور المحدثين: هو من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة، مؤمناً به، بعد بعثته، حال حياته، ومات على الإيمان([9]).
    إذا عرفت هذا فيكون الكلام في حديث الحوض. لا شك في صحة روايات الحوض، فقد رواها عشرات الصحابة رضي الله عنهم، وللعلماء في تأويل هذه الروايات أقوال ليس منها أنهم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، منها:
*  أنه كيف يجوز أن يرضى الله عزوجل عن أقوام ويحمدهم، ويضرب لهم مثلاً في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم وهذا هو شر الكافرين.

*  لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين، ويدل قوله: (أصيحابي) على قلة عددهم([10]). وليس كل من ورد الحوض. وجاء في رواية أخرى بلفظ (رهط) فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي. فيقول: أنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى)([11])، والرهط كما هو معلوم ما دون العشرة من الرجال.

*  إنا لا نسلم أن المراد بالأصحاب ما هو المعلوم في عرفنا، فالصحبة اسم جنس ليس له حد في الشرع ولا في اللغة، والعرف فيها مختلف، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقيد الصحبة بقيد ولا قدّرها بقدْرٍ بل علّق الحكم بمطلقها ولا مطلق لها إلا الرؤية. بل المراد بهم مطلق المؤمنين به صلى الله عليه وآله وسلم المتبعين له، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة: أصحاب أبي حنيفة، ولمقلدي الشافعي: أصحاب الشافعي، وهكذا وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب: أصحابنا، مع أنه بينه وبينهم عدة من السنين، ومعرفتة صلى الله عليه وآله وسلم لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم... ولو سلمنا أن المراد بهم ما هو المعلوم في العرف، فهم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق، وقوله: أصحابي أصحابي، لظن أنهم لم يرتدوا كما يُؤْذِن به ما قيل في جوابه: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
    وإذا ثبت هذا فاعلم أن العلماء قد اختلفوا في أولئك المذادين عن حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد اتفاقهم أن الصحابة رضي الله عنهم غير مرادين بذلك. فقالوا:

*  أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسيما التي عليهم، كما يوضحها الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ترد عليَّ أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله، قالوا: يا نبي الله أتعرفنا؟ قال: نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون عليّ غراً محجلين من آثار الوضوء. وليُصدَّن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي فيجبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟)([12]). فهذا الحديث يفيد أن أهل الأهواء والنفاق يحشرون بالغرة والتحجيل، وقوله: (منكم) الميم ميم الجمع وهذا يعني أنهم يحشرون جميعاً بنفس سيما المؤمنين كما في حديث الصراط في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (... وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها)([13]). فدل على أنهم يحشرون مع المؤمنين. وما من شكٍّ أن المنافقين ليسوا بحالٍ من أقسام الصحابة ولا يدخلون عند أهل السنة في الصحابة، ولا يشملهم مصطلح (الصحبة) إذا ما أطلق. فالصحابي كما مر بك من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام. ولكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذكرهم وذكر المرتدين في بعض روايات الحديث «بأصيحابي» أو بـ «من صاحبني» لأنهم صحبوه ورأوه في الدنيا وذلك تصغيراً لهم وتحقيراً لا تعظيماً ولا يقول ذلك لأصحابه من المهاجرين والأنصار الذين كانت لهم رواياته في حقهم بصيغة الإجلال والتقدير والتعظيم والتكريم. وذلك أن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قال الله جل وعلا: إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون : 1]. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعرف بعض المنافقين، ولم يكن يعرفهم كلهم، ولذلك قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ [التوبة : 101] فبين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم جميع المنافقين، وكان يظن أن أولئك من أصحابه وليسوا كذلك بل هم من المنافقين.

*  قد يكون المعنى أن كل من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو لم يتابعه، وإن كان النبي يعلم ذلك كعبد الله بن أبي ابن سلول وهو كما هو معلوم رأس المنافقين وهو الذي قال: لإن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وهو الذي قال: ما مثلنا ومثل محمد وأصحابه إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك. فهذا سماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه، فيكون هذا هو المقصود، ولذلك إن تعريف الصحابة بأنه كل من لقي النبي مؤمناً به ومات على ذلك تعريف متأخر. وأما كلام العرب كل من صحب الرجل فهو من أصحابه مسلماً أو غير مسلم متبع له أو غير متبع هذا أمر آخر. ولذلك لما قال عبد الله بن أبي ابن سلول كلمته الخبيثة: «ليخرجن الأعز منها الأذل» قام عمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بلغته هذه الكلمة قال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يا عمر، لا يقول الناس: إن محمدا يقتل أصحابه)([14])، فسماه من أصحابه صلوات الله وسلامه عليه وهو رأس المنافقين، فهو غير داخل في الذين نحن نسميهم صحابة رضي الله عنهم.

*  قيل أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ارتد بعده فيناديهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه صلى الله عليه وآله وسلم في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك).

*  يقول الطبرسـي (وهـو من أكابر علماء الشيعة) في تفسيره (مجمع البيان) عند تفسير قولـه تعـالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ... [آل عمران : 106]: (اختلف فيمن عنوا به على أقوال) فذكر أربعة أقوال وذكر في آخرها أنهم أهل البدع والأهـواء مـن هـذه الأمـة ثم استدل على ذلك من حديث «الارتداد» فقال: (ورابعها أنهم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة عن علي عليه السلام ومثله عن قتادة أنهم الذين كفروا بالارتداد، ويروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده ليردن على الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رأيتهم اختلجوا دوني فلأقولن: أصحابي أصحابي أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعد، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى) ذكره الثعلبي في تفسيره فقال أبو أمامة الباهلي: هم الخوارج ويروي عن النبي أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية..)([15]).

*  أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله عزوجل فيدخلهم الجنة بغير عذاب) ([16]).‎‎

*  لا يمتنع أن يكون أولئك المذادون عن الحوض هم من مجموع تلك الأصناف المذكورة، فإن الروايات محتملة لكل هذا، ففي بعضها يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقول: (أصحابي) أو (أصيحابي -بالتصغير-)، وفي بعضها يقول: (سيؤخذ أناس من دوني فأقول: يا ربي مني ومن أمتي) وفي بعضها يقول: (ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني)، وظاهر ذلك أن المذادين ليسوا طائفة واحدة. وهذا هو الذي تقتضيه الحكمة، فإن العقوبات في الشرع تكون بحسب الذنوب، فيجتمع في العقوبة الواحدة كل من استوجبها من أصحاب ذلك الذنب. كما روى عن طائفة من الصحابة منهم عمر وابن عباس رضي الله عنهم في تفسير قوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [الصافات : 22]: قالوا: «أشباههم يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر»([17])، وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين أن سبب الذود عن الحوض هو الارتداد كما في قوله: (إنهم ارتدوا على أدبارهم)، أو الإحداث في الدين كما في قوله: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، فمقتضى ذلك هو أن يُذاد عن الحوض كل مرتد عن الدين سواء أكان ممن ارتد بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأعراب، أو من كان بعد ذلك، يشاركهم في هذا أهل الإحداث وهم المبتدعة. قال ابن عبد البر رحمه الله وغيره: (وكل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، والله أعلم. وأشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم مثل الخوارج على اختلاف الفرق.. إلى أن قال: فهؤلاء كلهم يبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور والظلم وتطميس الحق وقتل أهله وإذلالهم والمعلنون بالكبائر المستخفون بالمعاصي وجميع أهل الزيغ والأهواء والبدع؛ كل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بهذا الخبر)([18]).
    وإذا ما تقرر هذا ظهرت براءة الصحابة من كل ما يرميهم به أعداؤهم، فالذود عن الحوض إنما هو بسبب الردة أو الإحداث في الدين، والصحابة من أبعد الناس عن ذلك، بل هم أعداء المرتدين الذين قاتلوهم وحاربوهم في أصعب الظروف وأحرجها بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما روى الطبري في تاريخه بسنده عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: (قد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم وقلتهم وكثرة عدوهم)([19]).
    ومع هذا تصدى أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهؤلاء المرتدين وقاتلوهم قتالاً عظيماً وناجزوهم حتى أظهرهم الله عليهم، فعاد للدين من أهل الردة من عاد، وقتل منهم من قتل، وعاد للإسلام عزه وقوته وهيبته على أيدي الصحابة رضي الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء. يقول سعد القمي وهو من علماء الإمامية: (وارتد قوم فرجعوا عن الإسلام، ودعت بنو حنيفة إلى نبوة مسيلمة، وقد كان ادعى النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبعث أبو بكر إليهم الخيول عليها خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، فقاتلهم وقُتل من قُتل ورجع من رجع منهم إلى أبي بكر فسمّوا أهل الردة)([20]). وقال علي رضي الله عنه: «فمشيت عند ذلك-أي عندما ارتد من ارتد من العرب- إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسّر وسدد وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً»([21]).
    وهذه المواقف العظيمة للصحابة من أهل الردة وأهل البدع، من أكبر الشواهد الظاهرة على صدق تدينهم، وقوة إيمانهم، وحسن بلائهم في الدين، وجهادهم أعدائه بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى أقام الله بهم السنة وقمع البدعة، الأمر الذي يظهر به كذبهم في رميهم لهم بالردة والإحداث في الدين، والذود عن حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بل هم أولى الناس بحوض نبيهم لحسن صحبتهم له في حياته، وقيامهم بأمر الدين بعد وفاته.
وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)([22]) والاحتجاج به على تكفير الصحابة إلا القليل منهم فلا حجة له فيه، لأن الضمير في قوله: (منهم) إنما يرجع على أولئك القوم الذين يدنون من الحوض ثم يذادون عنه، فلا يخلص منهم إليه إلا القليل، وهذا ظاهر من سياق الحديث فإن نصه: (بينما أنا قائم فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلَمّ فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم). فليس في الحديث للصحابة ذكر، وإنما ذكر زمراً من الرجال يذادون من دون الحوض ثم لا يصل إليه منهم إلا القليل. قال ابن حجر رحمه الله في شرح (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم): يعني من هؤلاء الذين دنوا من الحوض وكادوا يردونه فصدوا عنه... والمعنى لا يرده منهم إلا القليل، لأن الهَمَل في الإبل قليل بالنسبة لغيره)([23]).
    وأخيراً: لو قال أحد النواصب وهم الذين يبغضون آل البيت رحمهم الله : إن هؤلاء الذين ارتدوا وهؤلاء الذين يذادون عن الحوض هم علي والحسن والحسين كيف تردون عليهم؟؟! فيرد عليهم بأنهم ليسوا من هؤلاء بل هؤلاء جاءت فيهم فضائل. وكذلك نحن نقول: أبو بكر وعمر وعثمان وأبو عبيدة جاءت فيهم فضائل، فما الذي يخرج علياً ويدخل أبا بكر وعمر!!
فالقصد إذاً أن حديث الحوض لا يشمل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.


([1]) رواه البخاري برقم 6582 واللفظ له، ومسلم برقم 2304.

([2]) رواه البخاري برقم 6585.

([3]) رواه البخاري برقم 6593 واللفظ له، ومسلم برقم 2293.

([4]) رواه البخاري برقم 6576.

([5]) رواه البخاري برقم 6585.

([6]) رواه البخاري برقم 6587.

([7]) رواه البخاري برقم 6586.

([8]) جامع الأصول لابن الأثير 1/74 .

([9]) انظر: فتح المغيث 4/74 وما بعدها، والباعث الحثيث، 169و172 هامش رقم 1، ودفاع عن السنة، 108، والإصابة 1/6 وغيرها من الكتب

([10]) ولفظ "أصيحابي" مذكور في كتب الإمامية: بحار الأنوار للمجلسي 8/27، 28/22، 29/566، 1/99، العدد القوية لعلي بن يوسف الحلي ص198، تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي 395، شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي 18/37، وغيرها كثير.

([11]) رواه البخاري برقم 6585.

([12]) صحيح مسلم رقم 247.

([13]) رواه البخاري برقم 806، ومسلم برقم 182.

([14]) رواه البخاري برقم 3518، ومسلم برقم 2584.

([15]) تفسير مجمع البيان للطبرسي 2/360، تفسير نور الثقلين للحويزي 1/382.

([16]) شرح النووي على صحيح مسلم 3/136، 137.

([17]) انظر: تفسير ابن كثير 4/7.

([18]) التمهيد 20/262، التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة 1/348

([19]) تاريخ الأمم والملوك 2/245.

([20]) المقالات والفرق لسعد القمي، 4.

([21]) الغارات لأبي إسحاق إبراهيم الثقفي الكوفي الأصبهاني 1/307، منار الهدى لعلي البحراني، 373، ناسخ التواريخ للميرزا تقي 3/532.

([22]) رواه البخاري برقم 6587.

([23]) فتح الباري لابن حجر 11/475.


شبهة حديث الحوض ومعنى الارتداد والذي استدل به الموسوي على ردة الصحابة

 

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

هذا بيان لمعنى الاتداد المذكور فى حديث الحوض والذى استدل به الموسوى ظلما وعدوانا على إرتداد الصحابة رضوان الله عليهم

نص الحديث من صحيح البخارى
1- 6099‏ حدثنا ‏ ‏إبراهيم بن المنذر الحزامي ‏ ‏حدثنا ‏ ‏محمد بن فليح ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبي ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏هلال بن علي ‏ ‏عن ‏ ‏عطاء بن يسار ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏
عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏(( ‏بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم فقلت أين قال إلى النار والله قلت وما شأنهم قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم قلت أين قال إلى النار والله قلت ما شأنهم قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ‏))

قال الحافظ بن حجر فى تعليقه على الحديث

‏قوله ( بينا أنا نائم ) ‏

‏كذا بالنون للأكثر وللكشميهني " قائم " بالقاف وهو أوجه , والمراد به قيامه على الحوض يوم القيامة , وتوجه الأولى بأنه رأى في المنام في الدنيا ما سيقع له في الآخرة . ‏
‏قوله ( ثم إذا زمرة , حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم ) ‏
‏المراد بالرجل الملك الموكل بذلك , ولم أقف على اسمه .

‏قوله ( إنهم ارتدوا القهقرى ) ‏
‏أي رجعوا إلى خلف , ومعنى قولهم رجع القهقرى رجع الرجوع المسمى بهذا الاسم وهو رجوع مخصوص وقيل معناه العدو الشديد .

‏قوله ( فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم ) ‏
‏يعني من هؤلاء الذين دنوا من الحوض وكادوا يردونه فصدوا عنه , والهمل بفتحتين الإبل بلا راع

وقال الخطابي : الهمل ما لا يرعى ولا يستعمل ويطلق على الضوال

والمعنى أنه لا يرده منهم إلا القليل , لأن الهمل في الإبل قليل بالنسبة لغيره

2- ‏6045 ‏حدثني ‏ ‏محمد بن بشار ‏ ‏حدثنا ‏ ‏غندر ‏ ‏حدثنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏المغيرة بن النعمان ‏ ‏عن ‏ ‏سعيد بن جبير ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عباس ‏ ‏قال ‏
‏قام فينا النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يخطب فقال ‏ ‏إنكم محشورون حفاة عراة غرلا ‏
‏كما بدأنا أول خلق نعيده ‏
الآية وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة ‏ ‏إبراهيم ‏ ‏وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ‏
‏وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ‏إلى قوله ‏الحكيم
قال فيقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم


إختلف العلماء في حـقيقة الردة المذكورة في الحديث

قال الحافظ ابن حجر

‏قوله ( قال فيقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم ) ‏
‏وقع في رواية الكشميهني " لن يزالوا " ووقع في ترجمة مريم من أحاديث الأنبياء

قال الفربري ذكر عن أبي عبد الله البخاري عن قبيصة قال :

هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر يعني حتى قتلوا وماتوا على الكفر . وقد وصله الإسماعيلي من وجه آخر عن قبيصة .

وقال الخطابي : لم يرتد من الصحابة أحد وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المشهورين .

ويدل قوله " أصيحابي " بالتصغير على قلة عددهم .

وقال غيره : قيل هو على ظاهره من الكفر والمراد بأمتي أمة الدعوة لا أمة الإجابة .

ورجح بقوله في حديث أبي هريرة " فأقول بعدا لهم وسحقا " ويؤيده كونهم خفي عليه حالهم ولو كانوا من أمة الإجابة لعرف حالهم بكون أعمالهم تعرض عليه .

وهذا يرده قوله في حديث أنس " حتى إذا عرفتهم " وكذا في حديث أبي هريرة . وقال ابن التين يحتمل أن يكونوا منافقين أو من مرتكبي الكبائر .

وقيل هم قوم من جفاة الأعراب دخلوا في الإسلام رغبة ورهبة .

وقال الداودي : لا يمتنع دخول أصحاب الكبائر والبدع في ذلك .

وقال النووي , قيل هم المنافقون والمرتدون فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل لكونهم من جملة الأمة فيناديهم من أجل السيما التي عليهم فيقال إنهم بدلوا بعدك أي لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه .

قال عياض وغيره : وعلى هذا فيذهب عنهم الغرة والتحجيل ويطفأ نورهم .

وقيل لا يلزم أن تكون عليهم السيما بل يناديهم لما كان يعرف من إسلامهم

وقيل هم أصحاب الكبائر والبدع الذين ماتوا على الإسلام وعلى هذا فلا يقطع بدخول هؤلاء النار لجواز أن يذادوا عن الحوض أولا عقوبة لهم ثم يرحموا ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل فعرفهم بالسيما سواء كانوا في زمنه أو بعده

ورجح عياض والباجي وغيرهما ما قال قبيصة راوي الخبر إنهم من ارتد بعده صلى الله عليه وسلم ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما لأنها كرامة يظهر بها عمل المسلم .

والمرتد قد حبط عمله فقد يكون عرفهم بأعيانهم لا بصفتهم باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضا من كان في زمنه من المنافقين وسيأتي في حديث الشفاعة " وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها "

فدل على أنهم يحشرون مع المؤمنين فيعرف أعيانهم ولو لم يكن لهم تلك السيما فمن عرف صورته ناداه مستصحبا لحاله التي فارقه عليها في الدنيا

وأما دخول أصحاب البدع في ذلك فاستبعد لتعبيره في الخبر بقوله " أصحابي " وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده . وأجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعم واستبعد أيضا أنه لا يقال للمسلم ولو كان مبتدعا سحقا

وأجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قضي عليه بالتعذيب على معصية ثم ينجو بالشفاعة فيكون قوله سحقا تسليما لأمر الله مع بقاء الرجاء وكذا القول في أصحاب الكبائر .

وقال البيضاوي ليس قوله " مرتدين " نصا في كونهم ارتدوا عن الإسلام بل يحتمل ذلك ويحتمل أن يراد أنهم عصاة المؤمنين المرتدون عن الاستقامة يبدلون الأعمال الصالحة بالسيئة انتهى .

وقد أخرج أبو يعلى بسند حسن عن أبي سعيد " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم " فذكر حديثا فقال ( يا أيها الناس إني فرطكم على الحوض فإذا جئتم قال رجل : يا رسول الله أنا فلان بن فلان وقال آخر : أنا فلان ابن فلان فأقول أما النسب فقد عرفته ولعلكم أحدثتم بعدي وارتددتم)


وقال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر صاحب التمهيد

كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الأهواء

وقال أبو اسحاق الشاطبي :

الأظهر أنهم من الداخلين في غمار هذه الأمة، لأجل ما دلّ على ذلك فيهم، وهو الغرة والتحجيل، لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر المحض، كان كفرهم أصلاً أو ارتداداً، لقوله ( قد بدلوا بعدك )، ولو كان الكفر لقال: قد كفروا بعدك، وأقرب ما يحمل عليه تبديل السنة وهو واقع على أهل البدع ومن قال إنه النفاق، فذلك غير خارج عن مقصودنا لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقية لا تعبداً، فوضعوها في غير موضعها وهو عين الابتداع

وعلى ذلك فالمراد بالمرتدين في الحديث يشمل الصنفين المرتدين والمنافقين، بالإضافة لأهل الأهواء والمبتدعة ... إنتهى

بعض اقوال علماء الشيعة في الحديث

قال الفضل الطبرسـي : في تفسيره ( مجمع البيان ) عند تفسير قولـه تعـالى
{ فأما الذين اسودت وجـوههم أكفرتم بعد إيمانكم } ...فقال :

اختلف فيمن عنوا به على أقوال فذكر أربعة أقوال وذكر في آخرها أنهم أهل البدع والأهـواء مـن هـذه الأمـة ثم استدل على ذلك من حديث ( الارتداد )

فقال :
ورابعها أنهم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة عن علي (ع) ومثله عن قتادة أنهم الذين كفروا بالارتداد

ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده ليردن على الحوض ممن صحبني أقوام حتي إذا رأيتهم اختلجوا دوني فلأقولن أصحابي أصحابي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعد إيمانهم ارتدوا على أعقابهم القهقري

ذكره الثعلبي في تفسيره فقال أبو أمامة الباهلي:

هم الخوارج ويروي عن النبي أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية..انتهى

فهذا هو تفسير الطبرسي لهذا الحديث أنهم الأهواء كالخوارج ونحوهم وهذا هو عين تفسير أهل السنة لهذه الآية وهذا الحديث

ولم يشر ولو مجرد إشارة إلى أنهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

وهذا العلامة الكاشانى عند تفسيره للآية السابقة

يستدل من خلال هذا الحديث على أنهم من أهل الأهواء فيقول:

((
في المجمع عن أمير المؤمنين (ع)
هم أهل البدع والأهواء والآراء الباطلة من هذه الأمة
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
والذي نفسي بيده ليردن على الحوض ممن صحبني حتى إذا رأيتهم اختلجوا دوني فلأقولـن أصحابي أصحابي فيقال لي إنك لا تدري ما أحـدثوا بعـدك انهم ارتـدوا على أعقابهم القهقري، ذكره الثعلبي في تفسيره.. انتهى

فهذا هو قول قدماء علماء الشيعة فيمن يقع عليهم معنى الارتداد فى الحديث

وليس كما يزعم الموسوى وغيره ممن يؤولون الحديث كما تهوى أنفسهم ويطبقونه على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

الصحابي هو من لقي رسول الله مؤمنا به ومات على ذلك

وهذا تعريف الصحابي بإجماع أهل السنة والجماعة

والحديثة الذي تكلم عن ارتداد من يرتد وصده عن الحوض ليس في الصحابة حتما

لأن الصحابة هم من اجتمعوا برسول الله مؤمنين به وماتوا على ذلك الأيمان

فالصحابة ليسوا هم المقصودين في الحديث

ثم إن الحديث الذي جاء به الموسوي لا يوجد لفظة أصحابي


أما بالنسبة للحديث الثاني الذي فيه لفظة أصحابي

وقوله (( أصحابي )) ليس بالمعنى الشرع

خاصة أنه قال قبل ذلك (( ‏وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ))

فهو يتكلم عن رجال من أمته ارتدوا

وليس أصحابه المؤمنين به وماتوا على إيمانهم

والدليل قوله عليه الصلاة والسلام بعد ذلك (( فأقول يا رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا ))

خاصة أن الحديث جاء بلفظ آخر فيه قوله عليه الصلاة والسلام (( أمتي أمتي )) وفي لفظ ((أمتي))

صحيح البخاري [ جزء 6 - صفحة 2587 ]
6641 -
حدثنا علي بن عبد الله حدثنا بشر بن السري حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال قالت أسماء
: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أنا على حوضي أنتظر من يرد علي فيؤخذ بناس من دوني فأقول أمتي فيقول لا تدري مشوا على القهقرى ) . قال ابن أبي مليكة اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن.

مسند أحمد بن حنبل [ جزء 6 - صفحة 121 ]
24945 -
حدثنا عبد الله حدثني أبي قال ثنا عفان ثنا وهيب قال ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن بن أبي مليكة عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اني على الحوض انتظر من يرده على منكم فليقطعن رجال دوني فلأقولن يا رب أمتي أمتي فليقالن لي انك لا تدري ما عملوا بعدك ما زالوا يرجعون على أعقابهم .
تعليق شعيب الأرنؤوط : حديث صحيح


فهذه اللفظة ((أمتي)) و لفظة ((أمتي أمتي)) توضح لنا معنى اللفظ الأخر ((أصحابي أصحابي))

فالأصحاب إذا أُضيفت إلى نبي قد تعني الأمة أي أمة الدعوة

بينما الصحابة الذين اجتمعوا بالرسول مؤمنين به وماتوا على ذلك الأيمان فهم أمة الإجابة

قال تعالى (( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم )) (101) سورة التوبة.


حديث الحوض

كيف يمكن لنا أيضاً أن نحكم على عدالة وصدق من حكم الله على ردتهم وتبديلهم لدينهم يوم القيامة، مثلما هووارد في حديث الحوض، والذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي)، ثم أتاه الجواب الحاسم من ربه: إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم؟

الجواب:

يمكن توجيه هذا الاستدلال إلى الفهم الصحيح من خلال الآتي:

أولاً: أن المراد بالأصحاب هنا هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تبارك وتعالى: ((إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)) [المنافقون:1].

والمنافقون فيهم من عَلِمَ النبي صلى الله عليه وسلم باطنه - وهم الأكثر- وفيهم من لم يعلمه وأولئك الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي) كانوا من المنافقين الذين خفي باطنهم على النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال جل وعلا: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)) [التوبة:1.1].

فالذين قال فيهم (أصحابي) عند الحوض كانوا من المنافقين المتواجدين في المدينة، والذين كان يظن صلى الله عليه وسلم أنهم من الصحابة، ولم يكونوا كذلك، لعدم معرفته صلى الله عليه وسلم للغيب وأحوال الناس الباطنة، وكان الحكم الشرعي يقتضي الحكم على الظاهر فقط.

ثانياً: قد يكون المراد بالأصحاب هنا أولئك الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كحال الكثير من العرب المرتدين، وممن أسلموا في السنوات الأخيرة.

روى المجلسي في البحار عن السيد ابن طاوس أنه قال: ذكر العباس بن عبد الرحيم المروزي في تاريخه: لم يلبث الإسلام بعد فوت النبي صلى الله عليه وسلم في طوايف العرب إلا في أهل المدينة وأهل مكة وأهل الطائف، وارتد ساير الناس.

ثم قال: ارتد بنوتميم والرباب واجتمعوا على مالك بن نويرة اليربوعي، وارتدت ربيعة كلها، وكانت لهم ثلاث عساكر، باليمامة مع مسيلمة الكذاب، وعسكر مع معرور الشيباني، وفيه بنوشيبان وعامة بكر بن وايل وعسكر مع الحطيم العبدي، وارتد أهل اليمن ارتد الأشعث بن قيس في كندة، وارتد أهل مأرب مع الأسود العنسي وارتد بنوعامر إلا علقة بن علاثة (1).

ثالثاً: قد يراد بكلمة (أصحابي) كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الطريق القويم، ولولم يره، ويدل على هذا رواية: (أمتي، أمتي) ورواية: (إنهم أمتي).

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعرفهم)، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه يعرف هذه الأمة من آثار الوضوء.

وهذا كما قال الله عز وجل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ((وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً)) [الفرقان:3.] فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يقصد بالقوم أصحابه ومن كان في زمنه، بل يقصد ما سيحدثه أتباعه من أمته من بعده بهجرانهم للقرآن.

فهؤلاء هم الذين يقول فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي). فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك .. أي: إنهم لم يزالوا مرتدين على أدبارهم منذ فارقتهم.

__________

(1) بحار الأنوار (28/ 11).


حديث الحوض

... 87) أشرتم إلى حديث الحوض والذي فيه ألا ليذادُنَّ رجال عن حوضي كما يُذاد البعير الضال فأناديهم: ألا هلم فيقال: إنَّهم قد بدَّلوا بعدك فأقول سحقًا سحقًا) (1)

... ثمَّ أوردتم فيه كلامًا كثيرًا انتهيتم فيه إلى أنَّ المقصود بأصحابي في الحديث هم الذين صحبوا النبي - صلى الله عليه وسلم -.

... وأوردتم أحاديث صحيحة وأخرى ضعيفة أومكذوبة ولسنا هنا في بيان الأحاديث الضعيفة والمكذوبة ولا أظن أنَّها تخفى عليكم لكنَّكم تستبيحون الاستدلال بكل حديث أوأثر يحقق مقصودكم وهذا في منهجنا الإسلامي مرفوض.

... ولكنني هنا سأقف معكم وقفات عقلية لبيان عدم سلامة منهجكم وأنَّه منهج صالح لهدم الدين لا لنصرته وقد تكرر معنا معنى هذا الكلام أكثر من مرة لكن المقام يتطلب التكرار أحيانًا:

... أولاً: قد ورد في القرآن الكريم عشرات الآيات تؤكد إيمان الصحابة وتقرر مرضاة الله - عز وجل - عليهم وأنَّه حبب إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وأنَّهم راشدون وأنَّهم خير أمَّة وأمَّة وسط ـ أي عادلة خيرة ـ وأنَّه سيستخلفهم إن آمنوا وعملوا الصالحات وقد استخلفهم كما وعد فدل على إيمانهم وأنَّه سيقيم رجالاً مؤمنين مجاهدين في حالة حدوث الارتداد إلى آخر ما ورد في هذه النصوص.

... فهل هذه النصوص حق وتحقق موعودها أم لا؟

... ثانيًا: وردت عشرات الأدلة النبوية الصحيحة تثني على عظماء الصحابة وأبي بكر وعمر وعثمان ... وتؤكد فضلهم وتقرر إيمانهم ومحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم وكلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يتناقض.

__________

(1) صحيح مسلم/3/ 111/

... فكيف تتنكرون لهذه النصوص القطعية الواضحة العينية والتي تثبت هذه الفضائل للصحابة بأعيانهم ثمَّ تأتون إلى أحاديث بل حديث واحد يمكن أن يحمل على أي شخص ثمَّ تحملونه على من ثبت فضله وإيمانه ومحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - له وتجعلون هذا الحديث فيه وفي إخوانه؟!

... والحديث يحتمل من آمن ممن لم يثنِ عليهم الله - عز وجل - ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - وتتركون هذا الاحتمال الذي هوالراجح لعدم ما يمنع من حمله عليهم؟! أليس هذا دليل الحقد والبغض لعظماء الأمَّة؟!

... ثالثًا: لوأراد شخص أن يحمل هذا الحديث على عليّ - رضي الله عنه - فقال: إنَّ عليًّا هوالمقصود بالحديث ولفظه دال عليه وأنتم قد أوردتم النص من الصحيحين وفيه أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنَّهم منِّي) (1) وهذا اللفظ يدل على أنَّ المقصود من أهل بيتي لأن لفظة: (منِّي) لا تحتمل غير هذا.

... وفي رواية أسماء: (فأقول: يارب: منِّي ومن أمَّتي) (2).

... وهذا دليل على عليّ - رضي الله عنه - وعلى الذين قاتلوا معه فأراقوا الدماء يغير حق!!

... فهل تستطيع أن ترد على هذه الدعوى بغير الاستدلال بمن اعتقدت أنَّهم ارتدوا؟؟!!

... رابعًا: لوأراد يهودي أونصراني أن يطعن في هذا الدين وأنَّه دين فاشل وأهله مرتدون وغير أهل لحمل هذا الدين فهل يمكن أن يجد أسلوبًا غير أسلوبك لحرب هذا الدين واستمع إلى نفسك:

... فقد قلتُم: (متن روايات الحوض وغيرها تثبت بأنَّ المراد بالصحابة هم الذين صحبوه/21/) فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لم يكن مطمئنًا لما ينتهي إليه أمر أصحابه بعده/25/)

__________

(1) صحيح البخاري/7/ 2.7/ومسلم/7/ 65/

(2) صحيح البخاري/7/ 2.9/ومسلم/7/ 66/

... وقلتُم: (ورد في آيات الحوض: أيضًا لا تدري بما أحدثوا إنَّهم ارتدوا على أدبارهم وفي قوله تعالى: (وما محمد إلاَّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أوقُتل انقلبتم على أعقابكم) [سورة آل عمران (آية144)] وكانت هذه الأحاديث واردة مورد التفسير لهذه الآية ومؤكدة لتحقق مضمونها بعد وفاته/25/) أي حصول الردة.

... وأوردتم قولاً للبراء بن عازب يعترف بالتقصير ولا يزكي نفسه ثمَّ قلتم: (يشهد على نفسه وغيره من الصحابة بأنَّهم أحدثوا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - كي لا يغتر بهم الناس ـ سبحان الله ـ وهومن أكابر الصحابة ومن السابقين الأولين والذين بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة).

... ثمَّ قلتم: (إنَّ صحبته ومبايعته تحت الشجرة لا تمنعان من ضلالة الصحابي وارتداده).

... ثمَّ أكدتم أنَّه لا يمكن حمل الردة هنا على من حاربهم الخليفة أبوبكر: (لمنافاته بصراحة رواية أبي هريرة التي صرحت بقولها: (فلا أراه يخلص إلاَّ مثل همل النعم) وهي أبلغ كناية عن القلة ومعنى هذا أنَّها حكمت على أكثرهم بالارتداد ومعلوم أنَّ هؤلاء المرتدين الذين حاربهم الخليفة لا يشكلون إلاَّ أقل القليل وأخيرًا ختمت بأن اقتطعت كلامًا للسندي على سنن النسائي وهو: (إنَّ الإسلام لن ـ لعلها لم ـ يتمكن في قلوبهم) ثمَّ زدت من عندك ـ يعني الصحابةـ) وفوق أنَّ هذه الزيادة اعتداء على النص ليست صحيحة وإنَّما الحديث عن مسلمة الفتح.

... فلوقال هذا اليهودي أوالنصراني هذا التقرير الذي أنقله من أستاذ جامعي أفقدني الثقة بكل ما نقله هؤلاء الأصحاب لأنَّني لا أدري من هوالباقي الذي لم يرتد والروايات التي رووها كلها لا أثق فيها لأنَّ من شرط قبول الرواية: (إسلام الراوي وعدالته) وهؤلاء قد شككت فيهم بما نقلته عن هذا الأستاذ الجامعي؟!

... فكيف ترد على هذا الكافر وتقنعه بصحة دينك؟!

... خامسًا: فرق بين أن يحكمك الشرع وبين أن تحكمه.

... والذي يقف على كلامك يرى أنَّك توجه النصوص حسب المعتقد وليس المعتقد هوالتابع للشرع ومثال ذلك:

... قلتم في تعريف الأصحاب: (إنَّما الكلام في كلمة: "الأصحاب" الواردة في لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا الواردة في اللغة أولسان التابعين بعد مضي سنوات .. ).

... فهنا تريد أن تقرر أنَّ المقصود بالأصحاب في حديث الردة أنَّهم أصحابه الذين صحبوه لترد على من أورد احتمال أنَّ المراد مطلق الصحبة وذلك يشمل كل أمته.

... ثمَّ عندما أتيت إلى كلمة: "لم يزالوا مرتدين على أدبارهم" أخذت تبحث عن الآراء الشاذة التي تقرر معتقدك فوجدت من يقول إنَّ المراد: "أي متخلفين عن بعض الواجبات ولم يُردْ ردة الكفر" ثمَّ قلت: (فالمراد منها هي ترك وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - في عليّ وأهل بيته).

... قلتُ: هذا التفسير لا يوجد في الشرع فأين في الشرع أن ترك واجب من واجبات الدين يسمَّى: "ردة"؟!

... جميع الآيات الواردة في كتاب الله - عز وجل - إنَّما يقصد بها الكفر وترك الدين بإجماع المفسرين.

... قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ... ) فأي مفسر فسَّر هذه الكلمة بأنَّه ترك واجب؟!

... وقال تعالى: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهوكافر ... ) فالآية نص واضح في أنَّ: "الارتداد" هوالكفر.

... وفي السنَّة ورد في بعض أحاديث الفتن: (ويكون عند ذلك ردة).

... وفي صحيح البخاري سؤال هرقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (وهل يرتد أحد سخطة لدينه).

... وفي عشرات الآثار عن الصحابة تسمية ما حدث من ترك الدين بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ردة".

... وكذلك في لسان التابعين وجميع الفقهاء تسمية من خرج من الدين أوفعل فعلاً يناقض الدين سموه: "ردة" وقد عقدوا بابًا في الفقه سموه: "باب الردة" ولم يذكروا فيه ترك الواجبات!!!

... ثمَّ لواعتمدنا هذا التفسير الغريب في كل من ترك واجبًا وسميناه مرتدًا: لهلك أكثر الناس.

... فمن لم يُعفِ لحيته ترك واجبًا فهل يسمَّى مرتدًا؟!

... ومن لم يَردَّ السلام ترك واجبًا فهل يسمَّى مرتدًا؟!

... وهكذا وهكذا ..

... الحمد لله!!

... سادسًا: وهل الإمامة حكمها كحكم إعفاء اللحية واجبة فقط؟!

... وهل نقسم الأمة إلى طائفتين لأجل واجب؟!

... وهل يُذاد الناس يوم القيامة عن الحوض لأجل ترك واجب؟!

... سبحان الله العظيم؟!

... وهل هذه الحملة الشرسة من الشيعة على الصحابة وعظماء الأمَّة بسبب ترك واجب؟!

... أليس المسلمون في جميع الطوائف لا يكاد يخلومنهم أحد من ترك واجب فهل ينقسمون ويتعادون لأجل ترك واجب؟! الحمد لله!!

... سابعًا: أوردتم قولاً للبراء بن عازب أنَّ المسيب قال له: (طوبى لك صحبت النبي - صلى الله عليه وسلم - وبايعته تحت الشجرة! فقال: يا ابن أخي إنَّك لا تدري ما أحدثنا بعده) ثمَّ عقبتم عليه.

... قلتُ: ضع معه هذا النص ثمَّ انظر:

... عن قيس الخارفي عن عليّ قال: سبق رسول الله وصلى أبوبكر وثلَّث عمر ثمَّ خبطتنا فتنة يعفوالله عمَّن يشاء) قال أبوعبدالرحمن قال أبي قوله: ثمَّ خبطتنا فتنة: أراد أن يتواضع (1).

... ورواه عمروبن سفيان عن عليّ (2).

... ورواه عبد خير عن علي (3).

... ورواه سعيد بن قيس الخارفي عن عليّ (4).

... هل عليّ - رضي الله عنه - يعترف بأنَّه قد حاد وأنَّه قد دخل في أمر هومعصية ويسأل الله أن: "يعفوعنه".

... ثمَّ انظر إلى أهل السنَّة أصحاب القلوب النظيفة التي تحمل كلام العظماء على أحسن المحامل:

__________

(1) رواه أحمد/ المسند/1/ 2../

(2) المرجع السابق/1/ 237/

(3) فضائل الصحابة/1/ 214/

(4) المرجع السابق/1/ 387/

... بعد أن أورد الإمام أحمد بن حنبل حديث عليّ السابق عقَّبَ عليه بقوله: (أراد أن يتواضع) يعني أنَّه إنَّما قال ذلك تواضعًا وتذللاً لله - عز وجل - يمتثل أمر الله - عز وجل -: "ولا تزكوا أنفسكم".

... منهجٌ صحابيٌ واحد لجميع الصحابة تواضع وهظم للنفس.

... ثمَّ قول البراء بن عازب: (يا ابن أخي إنَّك لا تدري ما أحدثنا بعده) هل ما حدث من الخلاف كان سرًا لا يعلمه أحد أم كان مكشوفًا معروفًا؟!

... فكيف يقول: لا تدري وكل الناس يعلمون ما حدث؟!

... لوأراد أن يشير إلى أمر معلن لقال: إنَّك تدري ما حدث منَّا.

... ثمَّ هذه أحاسيس إيمانية لا يتذوقها أصحاب القلوب المريضة الجاهلة بربها.

... ثمَّ أرأيت أنت في خاصة نفسك لوأثنى عليك شخص أكنت تقبل وتزكي نفسك وأنت لا تعلم من نفسك ارتكاب معصية ظاهرة لكنَّك تستشعر التقصير في حق الله - عز وجل - فترفض التزكية! هذا الظن بك!

... أليس هذا سيد البشر وإمام العظماء نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - يقول: (لن يُنجي أحدًا منكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلاَّ أن يتغمدني الله برحمته .. ) (1).

... وفي لفظ: (إلاَّ أن يتغمدني منه بمغفرة ورحمة) (2).

... رواه عنه أبوهريرة وأبوسعيد الخدري وجابر بن عبدالله وعائشة كما في الصحاح والسنن والمسانيد.

... أترى يمكن أن تقول: (يشهد على نفسه .. كي لا يغتر به الناس .. ).

... سبحان الله ما أحوجنا إلى مراجعة هذه المواقف الخطيرة!!!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

... 88) قلتم: (وقد مدح الله سبحانه وتعالى في كتابه طوائف من الصحابة ونحن نذكرها على ترتيب ما جاءت في رسالتكم ثمَّ نقوم بالتحليل.

__________

(1) رواه البخاري/13/ 83/ومسلم/17/ 134/

(2) رواه البخاري/13/ 83/ومسلم/17/ 133/

... الآية الأولى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدَّ لهم جنَّات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم) [سورة التوبة (1..)].

... ثمَّ قلتم: (فقد أثنى الله سبحانه في هذه الآية على طوائف ثلاث:

... الأولى: السابقون الأولون من المهاجرين: وهم الذين هاجروا أيام هجرة النبي أوبعدها بقليل وبما أنَّ لفظة: "من" في: "من المهاجرين" للتبعيض فهويخرج المتأخرين من المهاجرين. فالآية تثني على السابقين من المهاجرين لا على عامة المهاجرين.

... وبعبارة أخرى: إنَّما يصح الاستدلال بشمول الثناء في الآية لجميع المهاجرين والأنصار إذا ثبت بدليل قطعي أن: "من" بيانية لا تبعيضية وأي دليل قطعي على ذلك؟).

... أولاً: قررتم أنَّ الآية: (تثني على السابقين من المهاجرين لا على عامتهم) وقلتم قبل ذلك: (وهم الذين هاجروا أيام هجرة النبي أوبعدها بقليل).

... ونحن هنا نتنزل معكم في الخطاب: فمن هم السابقون من المهاجرين؟ الذين هاجروا أيام هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أوبعدها بقليل!!

... أبوبكر وعمر وعثمان وسعد بن أبي وقاص والزبير ... إلخ العشرة الذين هاجروا قبل هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقليل أومعه فهل هم داخلون في هذه الآية أم لا؟

... أم المقصود: عمَّار وأبوذر والمقداد فقط لأنَّ سلمان من الأنصار؟!

... ثانيًا: الآية الكريمة قد وعدتهم بوعدين:

... الأول: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) والله - عز وجل - عالم الغيب سبحانه لا يعد إنسانًا بالرضى عنه إلاَّ إذا علم أنَّه يعيش على الإيمان والتقوى وإلاَّ فإن تجرأنا ـ ونعوذ بالله من ذلك ـ وتعقبنا الله - عز وجل - وقلنا يارب أنت أطلقت هنا وهؤلاء لا يستحقون الرضوان لأنَّهم سيغيرون الوصية ـ المكذوبة عليك وعلى نبيك ـ ولن ينفذوها فكان ينبغي أن تقيد وأن تقول: (إذا نفذوا وصيتي في عليّ)!!

... أونقول كما قال أبوالمهدي ـ كما سيأتي ـ (غير أنَّ وعد الله سبحانه بالحسنى مشروط بحسن خواتيم العمل)!!!

... الله - عز وجل - يعد قومًا بأعيانهم برضوانه عليهم وبأنَّهم سيرضون عنه - عز وجل - فهل يملك بشر أن يقيد ما أطلقه الله - عز وجل - في حق أشخاص بأعيانهم؟! نعوذ بالله من الضلال.

... إلاَّ إذا قلنا إنَّ الله - عز وجل - لا يعلم الغيب وأنَّ علم الغيب قد أعطاه: "للأئمة" فإنَّهم يعلمون ما كان وما سيكون وقد تنازل الله - عز وجل - لهم قياسًا على تنازله سبحانه لهم عن التشريع للخلق كما يثبته أصح كتاب عند الشيعة ويؤكده زعيم الثورة الإيرانية الخميني:

... قال الكليني في إدارة الكون: عن أبي جعفر الصادق أنَّه قال: (إنَّ الله تعالى لم يزل متفردًا بوحدانيته ثمَّ خلق محمدًا وعليًّا وفاطمة فمكثوا ألف دهر ثمَّ خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوض أمورها إليهم فهم يحلُّون ما يشاءون ويحرمون ما يشاءون ولن يشاءوا إلاَّ أن يشاء الله تبارك وتعالى .. ) (1).

... أوأنَّ الله - عز وجل - بدا له أن يغير وعده لهم إذ ذلك معتقد عبدالمطلب الذي لم يَحضَ بالإيمان وقد شرع للشيعة هذه العقيدة.

... فقد أورد الكليني في أصح الكتب الشيعية ـ الكافي ـ عن أبي عبدالله أنَّه قال: (إنَّ عبدالمطلب أول من قال بالبداء يبعث يوم القيامة أمَّة وحده عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء) (2).

... يبدوأنَّ كل آل البيت أصبحوا أئمة ولم يبقَ إلاَّ أبولهب لولا أنَّه أنزل فيه سورة لربَّما نسبت إليه التقية أوالرجعة حتَّى تكون عقائد الشيعة مأخوذة من آل البيت مؤمنهم وكافرهم!!

... الله - عز وجل - عالم الغيب ولا يغير وعده وإذا وعد قومًا بأعيانهم بالرضى فلابد أن يتحقق.

__________

(1) الكافي/1/ 441/أوردها الخميني وأقرها/كشف الأسرار/92/

(2) الكافي/1/ 447/

... الوعد الثاني: قال تعالى: (وأعد لهم جنَّات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم).

... فأكد سبحانه أنَّه: "أعد لهم" فهل يجرؤ شخص بعد ذلك أن يقول إنَّه لابد من: "القيد" أو: "التخصيص" (1) لأنَّهم لم ينفذوا: "الوصية" التي لا وجود لها إلاَّ في أذهان تقبلت روايات مكذوبة لتؤسس عقيدة تحارب كل من يخالفها بل وتتهمه إن لم يعلنها حتَّى لوكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما سبق عن الخميني ...

الحمد الله على نعمة الهداية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

... 89) قلتم: (الثانية: السابقون من الأنصار وهم الذين سبقوا في نصرة النبي بالإنفاق والإيواء ولا يدخل مطلق الأنصار ولا أبناؤهم وحلفاؤهم وذلك لأنَّ تقرير الآية: (والسابقون الأولون من الأنصار)

... فالآية تثني على السابقين الأولين من الأنصار لا على عامتهم .. )

... ثمَّ استطردتم تؤكدون هذا المعنى.

... وهنا وقفات:

... الأولى: من هم هؤلاء السابقون من الأنصار الذين استحقوا هذا التكريم؟!

... لا نجد أحدًا من الأنصار ضمن الصحابة الذين استثنتهم الشيعة من: "الهالكين" الذين هم جميع الصحابة فقد هلكوا: "لم ينصروا الوصي" كما زعموا إلاَّ أربعة ليس منهم أنصاري إلاَّ سلمان، وسلمان - رضي الله عنه - كان مولى لم يشارك في: "الإيواء" لأنَّه لم يكن يملك شيئًا وعلى ذلك فلم ينجُ أحد من الأنصار الذين آووا النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين الذين وعدهم الله - عز وجل - بـ: "رضي الله عنهم ورضوا عنه" و: "وأعد لهم جنات" لأنَّ الله - عز وجل - إمَّا لم يكن يعلم أنَّهم سيخذلون الوصي أوأنَّه بدا له أن: "يتراجع" عن وعده إكرامًا للشيعة!!

استغفر الله استغفر الله استغفر الله.

الثانية: هل تشتمل كتب الشيعة على بيان بأسماء هؤلاء السابقين من الأنصار الذين أثنى الله - عز وجل - عليهم؟!

__________

(1) للرازي بحث بهذا المعنى/التفسير/16/ 13./

الثالثة: هل يستطيع الشيعة أن يفرقوا بين من آمن ونصر من الأنصار ومن وصف بالنفاق؟! ومن أي مرجع يمكنهم ذلك؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

... 9.) قلتم: (الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان وهذه الطائفة: عبارة عمن أسلم بعد بدر إلى بيعة الرضوان أوإلى فتح مكة فلا تشمل الوافدين من العرب في العام ا لتاسع ... هم الذين صلحت سيرتهم وسلوكهم فصاروا بعيدين عن اقتراف الذنوب ومساوئ الأخلاق فاتبعوهم بإحسان).

... قلت هنا وقفات:

... أولاً: من هم هؤلاء الذين اتبعوهم بإحسان؟! وأنتم لم تُعدِّلوا إلاَّ أربعة أشخاص لأنَّ أحدًا من هؤلاء كإخوانهم المهاجرين والأنصار لم_ينصروا الوصي_ بزعمكم بل لم يعلموا هذه الوصية لأنَّه لا يعقل أنَّ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لا يعلن واحد أوأكثر منهم نصرة الوصي طوال حياة الثلاثة!!

... ثانيًا: شهدت بأن التابعين ـ أي الصحابة الذين هاجروا بعد ـ للسابقين بإحسان بأنَّهم (صلحت سريرتهم وسلوكهم .. ) فهل يمكن أن تذكر منهم عشرة أشخاص من كتبكم؟! وكيف عرفتم أنَّه صلحت سريرتهم وسلوكهم؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

... 91) قلتم: (وأين هذه الآية من تعديل عشرة آلاف صحابي سجلت أسماؤهم في المعاجم أومائة ألف صحابي صحبوا النبي في مواقف مختلفة ورأوه وعاشروه؟

... هذا هوالمفهوم من الآية حسب الفوائد التي تعرفتموها).

... قلت:

... هنا ثلاثة مواقف في تعديل الصحابة:

... الأول: أنَّ جميع الذين صحبوه وآمنوا به عدول لشرف صحبتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولقبولهم للإسلام ورضاهم به.

... وهذا هوالظاهر لنا من عموم النصوص الشرعية إضافة إلى ما قاموا به من حفظ الدين والجهاد في سبيله كل في مجاله وحسب طاقته.

... وهذه آثارهم شريعة محفوظة وبلاد مفتوحة فقد بلغ عدد المسلمين اليوم مليار مسلم وقبلهم آباؤهم وأجدادهم لا يحصون كثرة دخلوا الإسلام بسببهم ثم كل عمل يعملونه في ميزان حسنات أولئك الأصحاب فنحن نشهد لهم بالخير والفضل ونشهد آثارهم وليس عندنا وصية مزعومة خالفوها أوعاندوها.

... والثاني: عكس هذا الموقف وقال إنَّ جميع الصحابة الذين هم (1.....) عشرة آلاف صحابي المدونة أسماؤهم في الكتب و(1......) مائة ألف الذين عاصروه ورأوه كلهم ـ إلاَّ أربعة ـ ارتدوا أوخانوا الوصية أولم يرتدوا ولكنَّهم عاندوا ومنعوا تنفيذ "الوصية" ـ الوهمية طبعًا ـ ولهذا فليسوا أهلاً للعدالة فهم إمَّا كفار وإمَّا فاسقون فتكون النتيجة أنَّ عدد الناجحين من مدرسة سيد البشر وعظيم الإنسانية عدد (4) أشخاص من (1......) مائة ألف والراسبون (99.996) راسبًا على حسب معتقد الشيعة!!

... الثالث: من خص المهاجرين والأنصار بالعدالة وخاصة الأولين منهم إلى بيعة الرضوان أوفتح مكة أوالذين لازموه طوال حياته صلوات الله وسلامه عليه وبعضهم وضع قيودًا أخرى ولكنَّها جميعها لا تخرج عظماء الصحابة المشهورين كالخلفاء وبقية العشرة وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان.

... هذه هي الأقوال في عدالة الصحابة:

... الأول: يقول به جمهور أهل السنَّة ويرون أنَّ من يخرج عنه فهوشاذ أومبتدع.

... والثاني: هوقول الشيعة ـ وخاصة الإمامية ـ وقد تفرق في البحث كلام للشيعة يؤكد هذا الموقف.

... والثالث: لبعض أهل السنَّة وهوقول مرجوح ولا تستطيع الشيعة الإمامية أن تقول به لأنَّه يتعارض مع عقيدة: "الإمامة".

... فأي هذه الأقوال يا ترى هوالصحيح؟

ــــــــــــــــــــــــــــــ

... 92) أوردتم كلامي في تقرير عدالة الصحابة وهو: (أثنى - عز وجل - على جميع المهاجرين وجميع الأنصار بدون قيد لأنَّ: "ال" للعموم فيما دخلت عليه وجميع الذين اتبعوهم بإحسان.

... فالمتبعون قيدهم بالإحسان.

... وهذا أصل فلا يُخرج أحد من المهاجرين والأنصار إلاَّ بدليل قطعي.

... والآية في غاية الوضوح.

... ثمَّ أثنى الله - عز وجل - على الذين اتبعوهم بإحسان والذين اتبعوهم هم: أهل السنَّة وليسوا الشيعة.

... لأنَّ الشيعة ما بين مكفر لهم وذام لهم أعني الشيعة الإمامية بدون استثناء)

... ثمَّ قلتم بعد إيراد كلامي: ( ... يلاحظ عليه سبحانه أنَّه يثني لا على عامة المهاجرين ولا على عامة الأنصار بل على صنف خاص منهم وهم: السابقون الأولون فحسب .. ).

... قلت:

... قولكم إنَّه - عز وجل - يثني على: "صنف خاص منهم وهم: السابقون الأولون .. "

... فمن هم هؤلاء الذين أثنى عليهم وهل منهم: أبوبكر وعمر وعثمان وبقية العشرة أم ليسوا منهم؟!

... فإن قلت منهم فكيف تجمع بين هذا الثناء واعتقاد أنَّهم خانوا الوصية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

... 93) أوردتم جزءًا من قولي وهو: (وهذا أصل فلا يخرج أحد من المهاجرين والأنصار إلاَّ بدليل قطعي) ثمَّ قلتم: (نعم هذا أصل لا في عامة المهاجرين والأنصار بل في خصوص السابقين الأولين منهم فلا يعدل عن هذا الأصل إلاَّ بدليل قطعي:

... مثلاً إذا دل دليل على أنَّ صحابيًا من السابقين والأولين عدل عن الحق فيؤخذ بالدليل الثاني.

... فإذا دل الدليل على أنَّ حارث بن سويد من الصحابة البدريين قتل المجذر بن زياد المسلم يوم أحد لثأر جاهلي يحكم بخروجه من الآية. [الإصابة/ترجمة الحارث بن سويد]

... أودل على أنَّ قدامة بن مظعون البدري شرب الخمر وهكذا دواليك .. ). [الاستيعاب/3/ 1276]

... قلت وهنا وقفات:

... أولاً: هل دليل الإمامة قطعي يمكن أن يُبنى عليه إخراج جميع الصحابة من العدالة بسبب عدم تسليمهم الإمامة لعليّ - رضي الله عنه - أم لا؟

... فإن كان قطعيًا فلم يبقَ أحد ممن دخلت عليه: "ال" عدلاً وإن لم يكن قطعيًا بطلت الإمامة.

... فبأيها تقول؟!

... ثانيًا: "المجذر بن زياد" قتله شخص اسمه: "الحارث بن سويد بن الصامت" غيلة يوم أحد ثمَّ ارتد ثمَّ جاء مسلمًا يوم الفتح فقتله النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) به فأي دليل في هذا؟!

... رجل خان وارتد فهل يشكك في عدالة عظماء الأمَّة وإخوانهم بالآلاف لأجل رجل ارتد وهل قال أحد إنَّ هذا الشخص: "عدل"؟!

... هل ترضون بأن نسقطه من العدالة؟ ـ أسقطناه ـ هل تكتفون بهذا الرجل؟!

... ثالثًا: لم يرد هناك نص صحيح أنَّه هوالذي قتل ولذلك اختلف العلماء في قاتل المجذر فقد قال ابن حجر بعد أن أورد قول ابن الأثير إنَّ أهل النقل اتفقوا على أنَّه هوالذي قتل: "المجذر" قال: (وفي جزمه نظر لأنَّ العدوي وابن الكلبي والقاسم بن سلام جزموا بأنَّ القصة إنَّما وقعت لأخيه: "الجُلاس" لكن المشهور أنَّها للحارث) (2).

... رابعًا: لم يصح في إسلام الحارث بن سويد حديث وأهل السير اختلفوا في إسلامه أصلا.

... فابن إسحاق يرى أنَّه لم يسلم أصلاً وإنَّما أظهر الإسلام.

... قال ابن إسحاق: (وكان الحارث بن سويد بن صامت منافقًا فخرج يوم أحد مع المسلمين فلما التقى الناس عدا على المجذر بن زياد البلوي وقيس بن زيد أحد بني ضُبيعة فقتلهما ثمَّ لحق بمكة بقريش .. ) (3).

... فهذا هو: "الحارث بن سويد" اختلف في إسلامه ولم يحضر غزوة بدر وقد ذكر البخاري أسماء من شهد بدرًا ممَّن صح عنده فذكر أربعة وأربعين رجلاً (4) ليس هذا منهم.

وأورد الهيثمي أسماءهم على قسمين: قسم قال فيه: "رجاله رجال الصحيح" وقسم فيه: "ابن لهيعة" وقال فيه: (وقد ضُعِّف وحديثه حسن باعتبار الشواهد) وليس في كلا القسمين (5) فمن أين عرفت أنَّه بدري؟! أليس هذا مجازفة لا تليق؟!!

__________

(1) أسد الغابة/4/ 47/

(2) الإصابة/2/ 158/

(3) سيرة ابن هشام/2/ 89/

(4) صحيح البخاري/كتاب المغازي/باب تسمية من سُمِّي من أهل بدر/

(5) مجمع الزوائد/6/ 93/

... خامسًا: "قدامة بن مظعون" كان زوجًا لأخت عمر بن الخطاب أسلم في مكة وهاجر إلى الحبشة ثمَّ إلى المدينة وشهد بدرًا وجميع المشاهد، استعمله عمر على البحرين فقدم الجارود سيد عبدالقيس إلى عمر فقال له: "إنَّ قدامة" شرب الخمر فقال من يشهد معك فشهد أبوهريرة فاستقدمه عمر، ثمَّ إنَّ الجارود طلب من عمر إقامة الحد فقال عمر: (أخصم أنت أم شهيد؟) فكرر الجارود طلبه إقامة الحد، ممَّا شكك عمر في شهادته فأرسل عمر إلى زوجته فشهدت على زوجها.

... فقال عمر: (إنِّي حادك). فقال: لوشربت كما يقولون ما كان لكم أن تحدوني.

... فقال عمر: لم؟

... قال قدامة: (قال الله - عز وجل -: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) الآية).

... قال عمر: أخطأت التأويل إنَّك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك.

... ثمَّ أخَّر عمر عنه الجلد لكونه كان مريضًا ثمَّ خاف أن يموت قبل أن يستوفي منه الحد فجلده.

... ثمَّ إنَّ قدامة هجر عمر ثمَّ رأى عمر رؤيا ثمَّ اصطلحا وعاش قدامة إلى عام ستة وثلاثين.

... قال أيوب السختياني: (لم يحد في الخمر أحد من أهل بدر إلاَّ قدامة بن مظعون) (1).

... هذه قصة: "قدامة" أخطأ في فهمه وشرب الخمر مرة واحدة وقد شارك في نصرة هذا الدين وشهد بدرًا وببيعة الرضوان وقد جاءت الأحاديث في تجاوز الله - عز وجل - عمن شهد هاتين الوقعتين بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد حصل ما هوأعظم من شرب الخمر من: "حاطب" فعذره النبي - صلى الله عليه وسلم - لصدقه وشهوده غزوة بدر.

... فهل ترد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حاطب وتخرجه من هذا التكريم؟!

... غفر الله لقدامة ورضي الله عنه وإنَّه والله لعدل أخطأ ثمَّ تاب وقد أخطأ آدم - عليه السلام - فتاب وتاب الله - عز وجل - عليه.

__________

(1) الاستيعاب/3/ 1../

... سادسًا: هذه وقائع مفردة من آحاد الصحابة أقيم الحد على صاحبها والحد يكفر الله - عز وجل - به الذنب ولا يجوز لمن حُد في معصية أن يُعيَّر.

... ثمَّ ما هي النماذج الأخرى التي ارتكبت المعاصي؟!

... ثمَّ هل يعني أنَّ غير قدامة عندكم عدل؟! أم أنَّ بقية الصحابة ارتكبوا الفواحش كذلك؟!

... سابعًا: تعامل الشيعة مع الصحابة تعامل غير منصف فهم لا يرون إلاَّ أخطاءهم مع أنَّ تلك الأخطاء محصورة في أفراد، فلا ينظرون إلى هذا الجيل المؤمن المجاهد الذي نصر الله - عز وجل - به الدين وحفظ به الشريعة وفتح العالم إلاَّ من خلال: "صحابي" شرب الخمر، أو: "صحابي" زنى، أو: "صحابي" قتل .. وهذا ظلم في تقييم الأشخاص لوطبق علينا في الدنيا والآخرة لهلكنا.

... ثامنًا: إنَّ جميع الخير في الأرض لكل صحابي شارك في الدفاع عنه أوفي نقله مثله لأنَّهم هوالسبب في نشره فكم سيكون من الحسنات جرَّاء ذلك الخير، فإذا وُضعت تلك السيئة في كِفَّة وتلك الأعمال العظيمة في كِفَّة فما عسى أن تفعل تلك السيئة.

... ضع: "مليار" حسنة في كِفَّة و: "سيئةً واحدةً" في كِفَّة وانظر الراجح.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

... 94) أوردتم قولي: (ثمَّ أثنى الله - عز وجل - على الذين اتبعوهم بإحسان والذين اتبعوهم هم أهل السنَّة) ثمَّ قلتم: (يلاحظ عليه: أنَّ قوله سبحانه: "والذين اتبعوهم بإحسان" فعل ماض يحكي عن تحقق التبعية بإحسان عند نزول الآية فلابد أن يكون التابعون بإحسان من جملة الصحابة فكيف تفسرونه بأهل السنَّة إلى يوم القيامة ثمَّ تخرجون الشيعة مع أنَّ الطائفتين خارجتين! عن مفاد الجملة وإلاَّ لكان اللازم أن يقول - عز وجل -: (والذين يتبعونهم بإحسان) .. إلخ.

... قلت:

... أولاً: لقد ذكر جميع المفسرين أنَّ: "الذين اتبعوهم" يشمل الأمَّة إلى قيام الساعة سواء قلنا إنَّها تشمل من أسلم من غير المهاجرين أوأنَّها خاصة بجيل التابعين ثمَّ من تبعهم.

... ثانيًا: قولكم: (فلابد أن يكون التابعون بإحسان من جملة الصحابة) وإلاَّ: (لكان اللازم أن يقول الله - عز وجل -: "والذين يتبعونهم بإحسان") فهذا قصور في معرفة اللغة العربية وما كان لكم أن تقتحموا حمى القرآن الكريم بمثل هذه الجرأة وسيأتي توضيحه في: "رابعًا".

... ثالثًا: جميع المفسرين من أعلام العربية لم يقل أحد منهم مثل قولكم ابتداءً بالصحابة - رضي الله عنهم - وانتهاء بآخر مفسر من علماء الأمَّة فهل جهلوا أمرًا عرفتموه؟!

... ولعلَّ ممَّا أكرم الله به العربية أنَّ جميع موسوعاتها التي حفظتها وكذلك الكتب التي تضبط قواعدها من جهود أهل السنَّة، وأهل التشيع عالة على مصنفاتهم.

... ولوقدر أن ينحاز أهل الشيعة إلى بقعة من الأرض وأهل السنَّة إلى بقعة أخرى ويحمل كل منهما ما حفظه من الدين لعجز الشيعة عن معرفة الدين.

... فالقرآن جمعه أهل السنَّة.

... واللغة العربية هم جامعوا مفرداتها ومقعدوا قواعدها.

... رابعًا: لبيان خطأ فهمكم في أنَّ الفعل الماضي لا يدل على المستقبل نضرب لكم بمثال واحد من كتاب الله - عز وجل -.

... قال تعالى: (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) [سورة النحل (1)].

... قال الطبري: (أتى أمر الله فقرب منكم أيها الناس ودنا .. ) (1).

... وقال القرطبي: (أتى بمعنى يأتي) (2).

... وقال ابن كثير: (يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها بصيغة الماضي الدال على التحقق) (3).

... وهكذا على هذا النهج بقية التفاسير.

... ولهذه الآية نظائرها في كتاب الله - عز وجل - ومنها:

... قوله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل) أي: وننزع.

__________

(1) التفسير/14/ 52/

(2) الجامع لأحكام القرآن/1./ 65/

(3) التفسير/4/ 476/

... وقوله تعالى: (وقالوا الحمد الله الذي هدانا) أي: يقولون.

... وقوله تعالى: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنَّة).

... وقوله تعالى: (ونادى أصحاب الأعراف رجالاً) (1).

... وغيرها كثير.

... وبهذا يتبين أنَّ قوله تعالى: (والذين اتبعوهم) فعلٌ يدل على المستقبل مطلقًا وأنَّه يشمل كل من جاء بعد السابقين إلى قيام الساعة وأنَّ دعوى الانتهاء لا توجبه اللغة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

... 95) أوردتم قولي: (والآية في غاية الوضوح) ثمَّ قلتم: (إنَّ هذا التعبير من سماحتكم في غاية الغرابة. كيف تصفون الآية بغاية الوضوح وقد اختلف المفسرون في تعيين المراد من الآية اختلافًا شديدًا وسوف نذكره ليتبين مدى صحة قضائكم في معنى الآية بأنَّه في غاية الوضوح).

... ثمَّ أوردتم قول ابن الجوزي أنَّ الآية فيها ستة أقوال ثمَّ قلتم في نهاية الأقوال: (وفي الختام نحن لا نصدق هذه الأقوال .. ) قلتُ: لأنَّها لا تحقق مقصودكم. [زاد المسير/3/ 333]

... الجواب من أوجه:

... أولاً: الآية في غاية الوضوح في الثناء على: "الصحابة" الذين كفَّرتموهم أوفسَّقتموهم سواءٌ كان ذلك في الثناء على: "طبقة" منهم وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أوفيهم وفي الذين جاءوا من بعدهم.

... وأهل السنَّة اختلفوا في تعيين: "الطبقة" لا في نفي: "الثناء" عن جميع الصحابة كما هومعتقد الشيعة الإمامية ـ ما عدا أربعة ـ

... وهذا هوخلافنا الأساسي معكم.

... ثانيًا: هذه الأقوال جميعها ليس واحد منها قولاً للشيعة الإمامية فهي كلها في مقابل أقوال الإمامية.

... وجميع المفسرين المذكورة أقوالهم في الآية لم يطعن أحد منهم في عدالة الصحابة الآخرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

__________

(1) هذه كلها في آيات متتابعة من سورة الأعراف/43 - 48/

... 96) ثمَّ قلتم: (هذا كله بِغضّ النظر عمَّا ذهب عدة من المفسرين والمؤرخين بأنَّ المراد من السابقين: هو: علي بن أبي طالب وأنَّه أول من أسلم كما عن الثعلبي والقرطبي والخطيب وأبي نعيم وغيرهم قال الحاكم النيسابوري لا أعلم خلافًا بين أصحاب التواريخ أنَّ عليًّا أولهم إسلامًا. [تفسير الثعلبي/خ/تفسير القرطبي/8/ 236/ المستدرك/3/ 183/ ... ]

... وصرَّح ابن تيمية في رسالة رأس الحسين بقوله: (ثمَّ علي وحمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث هم من السابقين الأولين فهم أفضل من الطبقة الثانية من سائر القبائل). [رأس الحسين/23]

... قلت هنا وقفات:

... أولاً: عزوك إلى هؤلاء المفسرين أنَّهم قالوا: (المراد من السابقين هو: علي بن أبي طالب .. ) ليس صحيحًا ولا أظن أنَّك تعمدت هذا الخطأ.

... قال الثعلبي: (واختلف العلماء في السابقين الأولين من هم؟

... فقال أبوموسى الأشعري وسعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين: هم الذين صلُّوا القبلتين.

... وقال عطاء بن أبي رباح: هم الذين شهدوا بدرًا.

... وقال الشعبي: هم الذين شهدوا حجة الرضوان "أي بيعة الرضوان").

... ثمَّ قال: (واختلفوا أيضًا في أول من آمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... فقال بعضهم: علي بن أبي طالب .. ).

... فأين في تفسير الثعلبي تفسير الآية: بعليّ بن أبي طالب؟!!

... أمَّا القرطبي فقد قال بعد إيراد الآية: (فيه سبع مسائل) أورد في ثلاث منها معنى الآية ولم يذكر فيها علي بن أبي طالب وإنَّما ذكر الأنصار والمهاجرين على حسب ما ذكره المفسرون الآخرون ثمَّ قال: (الرابعة: وأمَّا أولهم إسلامًا فروى مجالد عن الشعبي قال: سألت ابن عباس من أول الناس إسلامًا؟ قال: أبوبكر أوما سمعت حسانًا .. ) ثمَّ أورد أبياتًا تدل على سبق أبي بكر. ثمَّ أورد أقوال جماعة من العلماء أكدوا أولية إسلام أبي بكر على غيره ثمَّ قال: (وبه قال إبراهيم النخعي: وقيل أول من أسلم عليّ .. ثمَّ ذكر أقوالاً أخرى فيمن أول من أسلم .. ) (1).

... فأين فسر القرطبي الآية بعليّ؟!

... ثمَّ ها هوقدَّم أبا بكر فإنَّه ذكر أنَّه أول من أسلم فهل يجوز لنا أن نقول إنَّ الآية تفسر بأبي بكر فقط؟! لا نستجيز هذا المسلك فالآية أعم من ذلك.

... وقول الخطيب وأبي نعيم لا يخرج عن ذكر أول من أسلم والأقوال فيه فهل دعواك إذن من أنَّ العلماء فسروا الآية بعليّ صحيح؟!

... ثانيًا: هذه العقلية الشيعية أن تفسر آيات المدح في كتاب الله - عز وجل - بـ: "شخص واحد" عقلية عجيبة.

... مئات وآلاف المهاجرين والأنصار توجه الآية ثناءها عليهم تختفي ليكون المخاطب هو: "عليّ - رضي الله عنه -" عليّ هو: "السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار" سبحان الله؟!!

... لكن لا غرابة فالذي يطلع على كتب الأحاديث والآثار الشيعية الإمامية يرى أنَّ القرآن كله نزل في الأئمة وأتباعهم وقد أوردتُ في غير هذا الموضع نماذج من ذلك.

... ولا بأس بنموذج آخر هنا من أصح كتب الإمامية.

__________

(1) تفسير القرطبي/8/ 235/

... روى الكليني بسنده عن أبي عبدالله في حديث طويل: (ما من آية نزلت تقود إلى الجنَّة ولا تذكر أهلها بخير (هكذا) إلاَّ وهي فينا وفي شيعتنا. وما من آية نزلت تذكر أهلها بشرّ ولا تسوق إلاَّ إلى النار (هكذا) إلاَّ وهي في عدونا .. ) (1). سبحان الله!!

... (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه) [سورة المائدة (18)].

ــــــــــــــــــــــــــــــ

... 97) ذكرتم الآية التي أوردتُها في إجابتي إليكم وهي قوله تعالى: (محمد رسول الله والذي معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرةً وأجرًا عظيمًا).

... ثمَّ أوردتم قولي: (ذكر - عز وجل - أنَّه رباهم ورعاهم كما يرعى النبتة التي تخرج من الأرض حتى نضجت واكتملت وأنَّ ذلك سيكون سببًا لغيظ الكفار فمن كرههم أوغاضهم لحقه الوعيد).

... ثمَّ قلتم: (يلاحظ عليه: أنَّ ظاهر كلامكم أنَّه سبحانه وتعالى في هذه الآية يصف جميع الصحابة بأنَّه رباهم ورعاهم كما يرعى النبتة التي تخرج من الأرض ولكنَّه غير تام للوجوه الآتية:

أ) هل المراد من قوله سبحانه: "والذين معه" هوالمعية الجسمانية أوأن المراد المعية الروحية فتنطبق على الذين كانوا معه في صلابة الإيمان والعقيدة والعمل والسيرة. وبما أنَّه لا قيمة للمعية في الجسم تختص الآية بالطائفة الثانية ولم يكن كل الصحابة على هذا الخط بدليل الأصناف العشرة التي قدمنا عناوينها وذكرنا موضع الآيات وأرقامها).

... هنا وقفات: ...

__________

(1) الكافي/8/ 36/

... أولاً: الآية نص على أنَّ: "الذين معه" هذه أوصافهم ونحن نرى في جميع الأحاديث والمواقف أنَّ "الذين معه" أول من يدخل فيها هم: "أبوبكر وعمر وعثمان وعلي" فهم معه في كل المواقف والمشاهد: آمنوا به ونصروه وأحبوه وأحبهم وأثنى عليهم وكان يستشيرهم ويسمع كلامهم ولم يفارقوه سفرًا ولا حضرًا_إلاَّ نادرًا_ وظاهرهم الإيمان وشهد لهم الصحابة وأثنوا عليهم وكان بينهم من الود والحب ما ظهر على حياتهم من التعاون والتزاوج والتسمية بأسماء بعضهم إلى آخر ما هناك من علامات الأخوة الإيمانية.

... فهل هؤلاء تشملهم الآية أم لا؟! لأنَّّ هذا هومفتاح الخلاف فالصحابة جيش عظيم مقدمته هؤلاء العظماء ونحن عندما نتحدث معكم في الصحابة فإنَّ أول ما يتبادر إلى أذهاننا هؤلاء ثمَّ من ورائهم بقية إخوانهم.

... ثانيًا: هل المراد .. (هوالمعية الجسمانية أوأنَّ المراد هوالمعية الروحية فتنطبق على الذين معه في صلابة الإيمان والعقيدة والسيرة؟؟!!)

... قلت: من هم هؤلاء الجماعة الذين أشاد بهم القرآن وأنَّهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ هل أبوبكر وعمر وعثمان منهم أم هم: "عليّ" فقط على منهجكم؟!!

... القرآن يذكر جماعة فهل هذه الجماعة تتقلص في حسكم وتفكيركم لتصبح رجلاً واحدًا؟! أم أنَّها جماعة؟! وهل هذه الجماعة من ذكرنا أم أنَّها: "أبوذر وسلمان وعمَّار والمقداد"؟ على حسب الروايات الشيعية؟!

... ثالثًا: أكدتم أنَّ المراد بالآية المعية الروحية!

... قلت: الخطاب واضح الدلالة أنَّ المقصود هم الذين معه بأجسامهم وأرواحهم والذين عاشوا معه واشتهرت معيتهم له بالإيمان والنصرة والمحبة أولهم هم الخلفاء الأربعة الذين أصبحوا عظماء في الأمَّة وارتضت خلافتهم وإمامتهم، نصروا وجاهدوا وفتحوا الأرض ونشروا الإيمان والدين، ولا ينشر الإيمان منافق ولا كافر فهل تستطيع أن تنكر ذلك؟!

... إنَّني على يقين أنَّ تعظيم هؤلاء وحبهم لا يجتمع ودعوى: "الوصية" المكذوبة لأنَّهما عقيدتان متضادتان.

... فإمَّا: "تعظيم لهؤلاء" وسلامة صدر واعتراف بالجميل ودعاء بالمغفرة.

... وإمَّا: "دعوى وصية" وكُره لهؤلاء واتهام يتسلسل حتَّى يصل إلى سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه ثمَّ إلى رب العالمين.

... رابعًا: قولكم: (ولم يكن كل الصحابة على هذا الخط بدليل الأصناف العشرة .. ).

... قلت: لا زال هذا الخيال العجيب يتملك مشاعرك وتفكيرك!!

... الأصناف العشرة في المنافقين وليست في المؤمنين وحديثنا عن الصحابة الذين لقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا به وأمَّا المنافقون فقد لقوه ولكنَّهم لم يؤمنوا به! نعم ادعوا الإيمان وفرق بين كلمة: "آمن" و:"ادعى".

... وهل يخفى إيمان أبي بكر وعمر وعثمان .. وإخوانهم العظماء؟! وهل يزعم مسلم أنَّهم منافقون؟!

... وهل يمدح الله - عز وجل - الذين معه مطلقًا وفي مقدمتهم هؤلاء فيخدع الناس ويغرر بهم بالثناء على من معه ونحن نرى هؤلاء معه في حله وترحاله وسفره وإقامته وحربه وسلمه وليس لدينا مجهر يكشف ما في القلوب حتَّى نستطيع أن نميز ما في داخلها ويكون هؤلاء منافقين فنخدع بمدحه لهم والثناء عليهم فنعظمهم ونثني عليهم بل قد عظمهم الصحابة قبلنا وأثنوا عليهم ودفنوا العظيمين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكان واحد فهل هناك أعظم من هذه الأدلة على أنَّهما داخلان في هذا الثناء؟!

... إنَّنا لوفقدنا الثقة في هذه العبارات لا نستطيع أن نصدق أي لفظ آخر في كتاب الله - عز وجل -.

... خامسًا: في الآية قوله تعالى: (ليغيظ بهم الكفار) جعل الله - عز وجل - هذه التقوية لعلة وهي: "إغاظة الكفار" فهل يغيظ الكفار أربعة أشخاص: "أبوذر وسلمان وعمَّار والمقداد" أم: "عليّ" فقط أم جموع كثيرة أخافوا الكفر وأهله وكسروا الدول وفتحوا البلاد وهدوا العباد؟!

... هل هؤلاء هم المقصودون أم غيرهم؟!

... تأمل بعين بصيرتك ثمَّ حدد من هم الذين أغاظ الله - عز وجل - بهم الكفار؟!

... هل هم الصحابة وأتباعهم من السنَّة أم الشيعة؟؟؟ ومتى أغاظ الله - عز وجل - بالشيعة الكفارَ؟!!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

... 98) قلتم: (إنَّه سبحانه يذكر من سماتهم أنَّهم: "رحماء بينهم" فهل كان الصحابة عامة موصوفين بهذا الوصف؟ أوأنَّهم قاتل بعضهم بعضًا وكم من بدري قُتِل بيد الصحابة هذا هومقتل الخليفة الثالث وحروب الناكثين والقاسطين والمارقين قتل فيها كثير من الصحابة بيد الصحابة).

... قلت هنا وقفات:

... أولاً: لوأراد شخص: "كافر" أن يطعن في الإسلام ووقف عند هذه الآية وكان قد قرأ المذهب الشيعي فما هوالسؤال الذي يمكن أن يطرحه للتشكيك في القرآن أوالإسلام غير هذا السؤال؟!

... سيقول هذا الكافر: القرآن وصف رسولكم ومن معه بقوله: "رحماء بينهم" ونحن نرى أنَّ: (بعضهم قاتل بعضًا وكم من بدري قتل بيد الصحابة) ـ طبعًا هذه عبارتكم ـ فأين الرحمة؟!

... إمَّا أنَّ القرآن غير صادق.

... وإمَّا أنَّ الصحابة الذين وصفهم القرآن غير هؤلاء الذين قرأنا عنهم في كتب الشيعة؟!

... أرأيت كيف تفعل العقائد الضالة بدين الله - عز وجل -؟!

... ثانيًا: ثمَّ لوقال ناصبي: إنَّ القرآن وصف الصحابة بأنَّهم "رحماء بينهم" وقد رأينا هذه الرحمة في عهد الخلفاء الثلاثة أوالخليفتين الأولين ولم نرها في خلافة الرابع فقط رأينا علي بن أبي طالب وطلحة والزبير ومعاوية قد تقاتلوا واستباح بعضهم دماء بعض ولم نرَ الرحمة فيهم ممَّا يشككنا في دخول هؤلاء في المدح؟! وهذا يؤكد لنا أنَّ هؤلاء لم يشملهم معنى الآية!

... أليس معتقد الشيعة في اتهام الصحابة بأنَّه قتل بعضهم البعض الآخر وأنَّه لا ينطبق على جميعهم هذا الوصف؟ هذا هوالسبب في مثل هذا السؤال؟! فما هوجوابكم؟!

... ثالثًا: أمَّا نحن أهل السنَّة فلا يرد علينا هذان السؤالان لأنَّنا نخالف هذا الفهم الشيعي ونقول: إنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - كما أخبر - عز وجل - عنهم وأنَّهم رحماء بينهم رضي الله عنهم وأرضاهم وذلك يتضح بالتفصيل الآتي:

عاش الصحابة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة والمدينة قرابة عشرين سنة وهم إخوة متحابون لا نرى بينهم إلاَّ الخير والأخوة الإيمانية وكان ذلك سر انتصارهم على أعدائهم وحصول هذا الثناء الربَّاني الذي صدر من الحكيم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية.

ولا يعكر عليه وجود أشخاص ليسوا من المسلمين قد يشاركونهم في السكنى بالمدينة أوفي بعض الغزوات لأنَّهم ليسوا من المؤمنين أصلاً، وليسوا المقصودين بالثناء.

ثمَّ توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفه أفضل البشر وأعظمهم بعد الأنبياء صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ بعثته ورفيقه في هجرته وضجيعه في حجرته - رضي الله عنه - ورفع درجته أبوبكر الصدِّيق فكان الصحابة معه على مثل ما كانوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نصر الدين والتعاون على البر والتقوى ولم ينتقص من سيرتهم شيء - رضي الله عنهم -.

ولا يعني ذلك أن لا يحدث بين شخصين أوأكثر خلاف أوخصومة لكن الحكم للغالبية.

ثمَّ خلف بعد ذلك الفاروق واستمرت الحياة والصحابة على نفس المسيرة - رضي الله عنهم - حتى استشهد - رضي الله عنه - عام خمسة وعشرين تقريبًا فوفى بذلك مع الصدِّيق خمسة عشر عامًا.

... فإذا أضفنا هذه الفترة إلى فترة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصبحت خمسًا وثلاثين سنة تقريبًا.

... ثمَّ حكم ذوالنورين صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوج ابنتيه قرابة ثلاث عشرة سنة وقع آخرها فتنة انتهت باستشهاده - رضي الله عنه -.

... فإذا أضفنا فترة خلافة عثمان - رضي الله عنه - إلى الفترة السابقة أصبحت ثمانيًا وأربعين سنة كان الصحابة - رضي الله عنهم - خلالها إخوة متحابين، نصر الله - عز وجل - بهم الدين وفتح الأرض، ولولم يكونوا متحابين رحماء بينهم لما تمكنوا من غلبة أعدائهم.

... فأين هذه الفترة الذهبية التي تسطر بمداد من نور ألم يكونوا رحماء بينهم؟!

... إنَّ القرآن كلام الله أصدق الكلام وإنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا كما ذكر الله - عز وجل -.

في عام خمسة وثلاثين هجرية وقعت الفتنة ونتج عنها مقتل عثمان - رضي الله عنه - وليس ذلك من الصحابة بل كان بسبب رجل يهودي اسمه: "عبدالله بن سبأ" عمل على إثارة الفتنة كما رواه الطبري رحمه الله وغيره من المؤرخين.

فقد روى الطبري بسنده عن يزيد القعسي قال: (كان عبدالله بن سبأ يهوديًا من أهل صنعاء: أمه سوداء فأسلم زمان عثمان ثمَّ تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم.

... فبدأ بالحجاز ثمَّ البصرة ثمَّ الكوفة ثمَّ الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتَّى أتى مصر فاعتمر فيهم.

... فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أنَّ عيسى يرجع ويكذِّب بأنَّ محمدًا يرجع وقد قال الله - عز وجل -: (إنَّ الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى قال: فقُبل ذلك عنه ووضع لهم: "الرجعة" فتكلموا فيها.

... ثمَّ قال لهم بعد ذلك إنَّه كان ألف نبي ولكل نبي: "وصي" وكان: "علي وصي محمد" ثمَّ قال: محمد خاتم الأنبياء وعليّ خاتم الأوصياء.

... ثمَّ قال بعد ذلك: من أَظلمُ ممن لم يُجز وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووثب على وصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وتناول أمر الأمَّة!

... ثمَّ قال لهم بعد ذلك: إنَّ عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانهضوا في هذا الأمر فحرِّكوه وابدؤوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر.

... فبثَّ دعاته وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم ... واستمر على هذا المنهج.

... ثمَّ بلغ عثمان فأرسل رسله إلى الأمصار لاستطلاع الأمر ومنها مصر ورجع كل الرسل إلاَّ رسول مصر وهو: "عمَّار بن ياسر" لم يرجع (1) ـ إن صحت الرواية ـ.

... هذا هوأصل الفتنة وقد نتج عنها مقتل عثمان وظهور عقيدة الرجعة والوصية ولكنها في بدايتها.

ثمَّ تولى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - الخلافة وامتنع معاوية عن البيعة ما لم يقتص من قتلة عثمان.

وقد خرجت عائشة والزبير وطلحة ومن معهم من الصحابة قاصدين العراق لمحاربة الذين قتلوا عثمان ثمَّ اتجه عليّ - رضي الله عنه - إلى العراق لما بلغه الخبر وكان يريد قبل ذلك الشام ولمَّا تلاقى الجيشان اتفقا على الصلح لكن المفسدين الذين كانوا في جيش عليّ أدركوا خطورة الصلح فاتفقوا على إعلان الحرب آخر الليل واتهام جيش عائشة وطلحة والزبير بأنَّهم هم الذين بدؤوا وأنَّهم قد خدعوا عليًا - رضي الله عنه - (2).

... هذا ملخص الفتنة.

... الذين أثاروا الفتنة على عثمان هم الذين أثاروها على عليّ وكانت النتيجة أن وقع القتال.

... فأين في هذه الأحداث تعمد القتل؟! أليس كلا الجيشين قد جُرَّ إلى الفتنة بدون رغبته؟

... هذه كتب التواريخ فهل عندكم روايات أصدق منها وأصح تقول بأنَّ الصحابة تعمدوا القتال؟ واستباحوا دماء بعضهم؟!

__________

(1) تاريخ الطبري/أحداث سنة (35هـ)

(2) تاريخ الطبري/أحداث سنة (36هـ) ص [458 - 5.6]

... رابعًا: هذا القتال قد شارك عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - فيه فهل يُقال إنَّه ليس ممن قال الله - عز وجل - فيهم: (رحماء بينهم) وأنَّه قد قتل الصحابة؟!

... ما يعتذر به لعليّ - رضي الله عنه - يعتذر به لإخوانه وإن كنا نعتقد أنَّه - رضي الله عنه - هوأحق من الآخرين لكنا لا نؤثِّم الآخرين ولا ندعي أنَّهم تعمدوا القتال لما ظهر منهم من حسن الصحبة وفضلها وما ورد فيهم من مدح وثناء وأنَّهم هم مع إخوانهم كانوا قاعدة الإسلام ورواته وأنصاره وما وقع من فتنة لعل الله - عز وجل - يعفوعنهم ويغفر لهم فإنَّنا لا نعتقد أنَّهم تعمدوا تلك الأحداث.

... خامسًا: أشرت إلى قتال: (الناكثين والقاسطين والمارقين) وكأنَّك تشير إلى حديث عن عليّ - رضي الله عنه - أنَّه قال: (عهد إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين) (1).

... قلت: هذا الحديث كغيره من الأحاديث التي تستدل بها الشيعة التي لا تصح.

... فهذا الحديث رواه أبويعلى بسند لا يصح فيه "الربيع بن سعيد" مجهول الحال.

... ورواه أبويعلى (2) عن عمار بن ياسر وفيه: "الخليل بن مرة" قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن حبان: (يروي عن جماعة من البصريين والمدنيين من المجاهيل). وقد طول ابن عدي في ترجمته وأورد له مناكير (3).

وأورده الهيثمي وقال: (رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد وثقه ابن حبان) (4) وذكره الهيثمي من عدة طرق وكلها لا تخلومن علة وقول الهيثمي رحمه الله فيه قصور وابن حبان متساهل في التوثيق.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

99) قلتم: (ومن سماتهم أيضًا (سيماهم في وجوههم من أثر السجود)، فهل كان هذا الوصف متوفرًا في عامة الصحابة؟

__________

(1) رواه أبويعلى/1/ 397/وعن عمار/3/ 194/

(2) مسند أبي يعلى3/ 194/

(3) تهذيب التهذيب

(4) مجمع الزوائد/5/ 338/

د: نحن نفترض وجود هذه السمات في عامة الصحابة، ولكن ذيل الآية يشهد على أنَّ الثناء على قسم منهم بقوله سبحانه: (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرًا عظيمًا).

قال لفظة: "من" في قوله: "منهم" للتبعيض وما يقال من أن: "من بيانية غير صحيح؛ لأنَّها لا تدخل على الضمير مطلقًا في كلامهم وإنَّما تدخل على الاسم الظاهر كما في قوله: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان).

وهنا وقفات:

أولاً: سؤالكم عن سمات السجود هل هي متوافرة: "في عامة الصحابة"؟

قلت: من هم الصحابة الذين توافرت فيهم عندكم؟!

هل توافرت في أبي بكر وعمر وعثمان والمشهورين معهم؟! أم لم تتوافر إلاَّ في: عليّ أوفيه وفي: الأربعة: أبي ذر وسلمان وعمار والمقداد؟!

ثناء رب العالمين ومدحه لأمَّة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعدون بالآلاف كم منهم توافرت فيه هذه الصفات؟

ثانيًا: قلتم: إنَّ: (لفظة: "من" للتبعيض ... )

قلت: نعم هذا الوعد للتبعيض لكن الثناء السابق لم يُقيد بمن فهل يعني أنَّك تقر بعمومها أم أنَّك أخرجتها بتأويل آخر وهو: أنَّ المعية يراد بها المعية الروحية!!

فلابد من التأويل مرة بتقييد اللفظ المطلق وأخرى بصرف المعنى بدعوى التبعيض.

ثالثًا: الآية وعدت بعضهم بالمغفرة والأجر العظيم: فمن هم الذين تعتقد أنَّها تشملهم من الصحابة؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1..) قلتم: (والذين آووا ونصروا)، والمراد هم الأنصار الذين آووا، وهذا يختص بمن نصر وآوى وقد انقطع بترحيل بني النضير عن أراضي يثرب، في السنة الرابعة؛ فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قسَّم أراضيهم بين المهاجرين في تلك السنة، فاستغنوا بذلك عن إيواء الأنصار.

(والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم)، والمراد هم الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بعد السابقين الأولين، فيشير هذا المقطع من الآية إلى ما ورد في الآية الأولى، أعني قوله: (والذين اتبعوهم بإحسان) وبما أنَّ الهجرة قد انقطعت بعد الفتح فالآية لا تثني على الطلقاء، ولا أبناء الطلقاء، ولا الأعراب، ولا الذين آمنوا بعد الفتح. فيتحد مفاده مع قوله سبحانه: (والذين اتبعوهم بإحسان).

فهذه الآيات الثلاث تثبت أنَّ الصحابة كالتابعين، فيهم عادل، وغير عادل، لا كلهم عدول، ولا كلهم فسقة.

قلتم: (أوليس هذا ثناء من الله - عز وجل - على المهاجرين والأنصار وتأكيد إيمانهم)، كيف يكون ثناء على كل المهاجرين والأنصار؛ بل ثناء على السابقين منهما، والذين اتبعوهم بإحسان، وعندئذٍ لودل دليل على عدم التبعية أوشككنا في كونه تابعًا بإحسان، فالآية لا تكون دليلاً على العدالة في مورد الشك، فإذا كان قيد الموضوع (بالإحسان) مشكوكًا فيه، لا يحكم بالدخول؛ لأنَّ الحكم لا يثبت موضوعه، كما بيَّن في علم الأصول، نعم إن أحرزت التبعية بإحسان لعمته الآية.

قلت هنا وقفات:

أولاً: قلتم: (والمراد هم الأنصار الذين أووا ... ) هل هؤلاء الأنصار الذين وردت أسماؤهم في كتب الحديث وتراجم الرجال وهم يعدون بالمئات هل تُقر بأنَّهم: "مؤمنون حقًا" فلا فسق فيهم ولا نقص في إيمانهم وهم عدول تقبل شهادتهم ورواياتهم مع إخوانهم المهاجرين الأوائل، أم عندكم نظر في شهادة الله - عز وجل - فهي تحتاج إلى: "قيد" الإطلاق بأنَّهم: "الذين لم يغيروا" ثمّ نطبق عليهم أنَّهم قد: خانوا ولم ينصروا الإمام فكان ينبغي على الله - عز وجل - أن يقيد!!

استغفر الله.

ثانيًا: عقبتم على الآية بقولكم: (والمراد هم الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بعد السابقين الأولين) فهل تعترفون بأنَّ أشخاصًا آمنوا وهاجروا وجاهدوا وثبتوا على إيمانهم وأنَّ وعد الله - عز وجل - متحقق لهم أم أنَّه يحتاج إلى تقييد هذا الإطلاق بأنَّهم الذين لم يغيروا ولم يبدلوا؟!

إنَّ جميع النصوص الشرعية التي وردت في مدح طوائف المؤمنين لا أظنها تسلم من قيد وتأويل في مذهبكم لأنَّ عقيدة الوصية لا تقبل أي ثناء على غير الأربعة ... ولهذا فقد زعمتم هنا أنَّها لابد من تقييدها بآية أخرى وكأنَّ الله - عز وجل - لا يعلم حتَّى يذكِّره الشيعة ـ استغفر الله ـ.

ثالثًا: قلتم: (فالآية لا تثني على الطلقاء ولا أبناء الطلقاء ولا الأعراب ولا الذين آمنوا بعد الفتح)

قلت: والذين آمنوا قبل الفتح وليسوا من الطلقاء فهل تشملهم الآية وتعترفون بأنَّهم عدول؟!

إنَّ الخلاف معكم ليس في الطلقاء وأبناء الطلقاء وإنَّما في العظماء: أبي بكر وعمر وعثمان وبقية العشرة ومن كان معهم من الأخيار وأمَّا من بعدهم فالخطب فيهم أيسر من هؤلاء!

وعند التأمل لا يمكن أن يقبل ـ عند الشيعة ـ أي آية فيها ثناء ومدح فإنَّها كلها مصروفة مقيدة.

وإذا كانت شهادات القرآن لا تقبل في الحقيقة وإن تظاهر الشيعة بعبارات غامضة وألفاظ محتملة والسنَّة عندهم مردودة كذلك لا تفيد يقينًا ولوصحت إلاَّ إذا كانت تثبت الوصية ولوكانت مكذوبة فمن أين تعرف الحقيقة؟! فالله المستعان.

فقد أصبحت هذه العقيدة هي الأصل والقاعدة فما وافقها قبل وما خالفها رد أوأول ولوكان كلام الله - عز وجل -.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1.1) قلتم: (الآية الثالثة: وقال تعالى: (إنَّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ... ) إلى أن قال: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقًا لهم مغفرة ورزق كريم).

أقول: إنَّ مفاد الآية قريب ممَّا جاء في سورة الحشر التي قدمناها سابقًا، وهي تصف معشرًا من الصحابة وتثني عليهم، لا على جميعهم، وإليك مقاطع من الآية يوضح ما ذكرنا.

(إنَّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) فالمراد هم السابقون الأولون، لا مطلق من هاجر وجاهد، بشهادة ذكر الهجرة في الصنف الثالث كما سيوافيك، وهذه قرينة على أنَّ المراد هم السابقون في الهجرة، لا مطلق من هاجر.

قلت هنا وقفات:

أولاً: الله - عز وجل - وصف من هاجر وجاهد في سبيل الله - عز وجل -_فقيد الهجرة والجهاد بأن يكونا في سبيله_ بأنَّهم مؤمنون حقًا فمن هم يا ترى الذين تنطبق عليهم هذه الصفات عندكم؟!

ثمَّ ذكر الذين آووا نصروا بدون هذا القيد فهل يمكن لكم أن تقيدوه؟

وهل هناك أحد من المنافقين آوى مهاجرًا؟!

إنَّ الآية أطلقت ولم تقيد ممَّا يؤكد أنَّ جميع من آوى داخل تحت هذا الوصف والوعد.

إلاَّ إذا ذكَّرتم الله - عز وجل - بأمر نسيه وهوأنَّ هناك منافقين ربَّما أووا فلابد من القيد!! استغفر الله.

ثانيًا: قلتم: (إنَّ المراد هم السابقون في الهجرة لا مطلق من هاجر)

قلت: سبحان الله: أين هنا القيد: بالسابقين؟!

الله - عز وجل - أطلق: أنَّ من آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله فهومؤمن حقًا والله - عز وجل - أعلم بخلقه وهوصاحب الفضل يعد من يشاء ويتوعد من يشاء لا معقب لحكمه.

فأحيانًا سبحانه: "يقيد" لحكمة وأحيانًا: "يطلق" لحكمة فإذا قيد فلا إطلاق وإذا أطلق فلا قيد وهذا هوالأدب مع الله - عز وجل -.

لا ينبغي أن نستحدث تصورًا نجعله مقياسًا لأحكام الله - عز وجل - فنفسر كل آياته تحت مظلته فإذا تطلب هذا المقياس أن نقيد قيدنا وإذا تطلب أن نطلق أطلقنا فنجعل القرآن تابعًا لمقاييسنا وعقائدنا (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1.2) قلتم: (الآية الرابعة: قال تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى)).

7 - قلتم: هذه الآية الكريمة تمدح الذين آمنوا قبل الفتح، وأنفقوا في سبيل الله، وقاتلوا لإعلاء كلمة الله - عز وجل -، وأنَّ من لحقهم بعد ذلك لا يدرك فضلهم، وهذه شهادة عظيمة من الله - عز وجل -.

يلاحظ عليه: أنَّ الآية تدل على عدم التسوية بين الفريقين، وهذا ممَّا لا ريب فيه، كما يدل على أنَّه سبحانه وعد الكل الحسنى، غير أنَّ وعده سبحانه بالحسنى مشروط بحسن خواتيم العمل، فإنَّه سبحانه وعد لكل من عمل صالحًا بالحسنى ولكن بشرط أن يكون باقيًا على ما كان عليه.

وقد دل الذكر الحكيم على أنَّ رجالاً مؤمنين انقلبوا على أعقابهم بعد فترة، يقول سبحانه: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين).

فالآية تخبر عن مصير من أوتي الآيات، ولكنَّه انسلخ منها، فمن وعده الله سبحانه الحسنى في الآية ليس بأفضل من هذا الرجل الذي بلغ في العلم والعمل بمكان نال آية من الله سبحانه وقد زلت أقدامه في آخر حياته.

وقد عقد البخاري في صحيحه بابًا باسم "العمل بالخواتيم"، فطالعوا ما ورد فيه من الرواية رزقنا الله سبحانه حسن العاقبة) [صحيح البخاري/7/ 212/].

قلت وهنا وقفات:

أولاً: الآية الكريمة خاطبت فئة معينة بذكر صفاتها ووعدت أصحابها بالحسنى: أي الجنَّة.

وهذا الخطاب لأقوام بأعيانهم وفي ذلك بشارة لهم بأنَّهم يعيشون على الإيمان ويموتون عليه.

أمَّا إذا جاءت الآيات مطلقة ولم تخاطب قومًا بأعيانهم فذلك يكون بشرط الاستمرار على الصفة التي وعدوا بالثواب عليها.

فإذا قال الله - عز وجل -: يا أبا بكر وعدتك بالحسنى ثمَّ جاء الشيعي وقال: لا يارب: لابد أن يستمر على الإيمان!!

فكأنَّ الله - عز وجل - لا يعلم الغيب ولا يدري أنَّ هذا الشخص سيستمر على الاستقامة أم لا فحاله كحالنا فلابد من القيد!!

إنَّ هذه العقلية عقلية قد سجنت في سرداب مظلم لن تدرك حقائق الوجود إلاَّ إذا خرجت منه إلى فسيح الأرض لترى الوجود على حقيقته ومهما قُوِّمت أوجُلِّيت الحقائق فإنَّها لا تراها لبعدها عن نور الحقيقة والتي اكتشفها صادقون من أتباع هذا المذهب صدقوا الله فصدقهم. أمثال البرقعي وإخوانه كما بين في هذا المبحث.

الله - عز وجل - يخاطب قومًا بأعيانهم ويعدهم بالجنَّة، والشيعة الإمامية نصبوا أنفسهم مستدركين على الله - عز وجل - يقيدون كل إطلاق ويصححون كل خطاب.

فعندما يخاطب الله - عز وجل - فئة بعينها فلابد أن يتحقق الموعود لأنَّه صادر من العليم الخبير.

أمَّا إذا وعد الله - عز وجل - وعدًا مطلقًا فلا شك أنَّه مقيد بتحقق ذلك الوعد.

فمثلاً قوله تعالى: (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [سورة البقرة (38)].

قلنا إنَّ هذا الوعد مشروط بالاستمرار على هذه الصفة.

وقوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوالصالحات أولئك أصحاب الجنَّة هم فيها خالدون) [سورة البقرة (82)].

قلنا إنَّ هذا وعد مشروط بهذه الصفة .. وهكذا.

أمَّا إذا قال لقوم: أنتم وعدتكم الجنَّة فلا يليق بالمسلم أن يقول: لابد من قيد الإحسان فإنَّ هذا جرأة على الله - عز وجل -.

وعلى هذا فقولكم: (غير أنَّ وعده سبحانه بالحسنى مشروط بحسن خواتيم العمل) غير لائق بكم أن تستدركوا على الله - عز وجل - لأنَّه يخاطب أشخاصًا بأعيانهم لا يخاطب أشخاصًا بأوصافهم غير معروفين.

ثانيًا: قولكم: (وقد دل الذكر الحكيم أنَّ رجالاً مؤمنين انقلبوا على أعقابهم .. ثمَّ ذكرتم الآية).

إنَّ هذا القول من أفسد الأقوال وأبعدها عن معنى الآية التي نحن بصددها وذلك من عدة أوجه:

أنَّ الآية التي في الصحابة - رضي الله عنهم - قد وعدتهم بأعيانهم فإنَّ الصفة التي ذكرها - عز وجل - تتمثل في أشخاص بأعيانهم وعدوا بجنَّات النعيم.

أنَّ الذي انقلب على عقبيه لم يسبق له من الله - عز وجل - وعد بالجنَّة بشخصه وإلاَّ فلووعده الله - عز وجل - بشخصه لتحقق وعد الله سبحانه.

لواتبعنا قاعدتكم هذه في بقية الآيات فأخرجناها عن معناها واعتقدنا أن لا وعد ولا ثناء على أحد من الصحابة وأنَّهم جميعًا معرضون للردة رغم دلالة الآيات على نجاتهم وإيمانهم ومطابقة الأحاديث لمعنى الآيات بالثناء على أهل بدر وأهل بيعة الرضوان لوفعلنا ذلك لشككنا في جميع الصحابة ولأمكن للكفار والمنافقين أن يشككوا في إيمان جميع الصحابة.

وهذا من الأسباب التي جعلت مذهب التشيع بوابة مفتوحة لكل طاعن وزنديق وإن كنَّا لا نصف الشيعة بذلك لكن المذهب قابل لذلك.

ثالثًا: استدلالكم بما في البخاري من قوله: "العمل بالخواتيم" فيمن لم يشهد له القرآن والسنَّة وأمَّا ما شهد له القرآن والسنَّة أوأحدهما فليس داخلاً في ذلك الباب قطعًا.

ولوتأملتم المسألة بعيدًا عن تأثير المذهب لربَّما انكشفت لكم الحقيقة.

تضرعوا إلى الله وادعوه أن يهدينا وإيَّاكم لما اختُلف فيه من الحق فإن من صدق الله - عز وجل - صدقه.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1.3) الآية الخامسة: (قال سبحانه: (للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون - والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممَّا أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولوكان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون - والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنَّك رؤوف رحيم).

فهذه الآيات الثلاث نظير ما تقدم من الآيات لا تثني على عامة الصحابة، بل على فريق منهم: أمَّا المهاجرون، فتثني على فقرائهم بشرط التمتع بالصفات التالية:

(الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم).

(يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا).

(وينصرون الله ورسوله).

فمن تمتع بهذه الصفات الثلاث من المهاجرين فقد أثنى القرآن عليه، وبما أنَّ من أبرز صفاتهم، كونهم مشردين من ديارهم وأموالهم، فيكون المقصود هم الذين هاجروا قبل وقعة "بدر".

وأمَّا الأنصار فإنَّما تثني على من تمتع بالصفات التالية:

(والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم) أي آمنوا بالله ورسوله، فخرج بذلك من اتهم بالنفاق وكان في الواقع منافقًا.

(يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممَّا أوتوا)

(ويؤثرون على أنفسهم ولوكان بهم خصاصة).

وبما أنَّ من أبرز صفاتهم، هوإيواء المهاجرين، وإيثارهم على الأنفس، فيكون المراد من آمنوا بالنبي وآووه وآووا المهاجرين، فينطبق على من آوى وآمن من قبل غزوة بدر؛ لانتفاء الإيواء بعدها.

قلت هنا وقفات:

أولاً: هل وجد من المهاجرين من تمتع بهذه الصفات أم لا؟

وإذا قلنا وجد فمن هم؟ وهل أبوبكر وعمر وعثمان وبقية عظماء الصحابة كسعد بن أبي وقَّاص والزبير وطلحة منهم أم لا؟

ثانيًا: إذا كانوا منهم فقد تحقق فيهم قوله تعالى: (أولئك هم الصادقون) وهووصف ثناء ومدح ثابت لهم إلى أن يلقوا الله - عز وجل - لأنَّ الله سبحانه لا يثني على من يعلم أنَّه يغير إلاَّ إذا اعتقدتم أنَّه لا يعلم الغيب فرأيتم أنَّه لابد من قيد: "بشرط أن لا يغيروا" فاستدركتم على الله - عز وجل - ـ استغفر الله ـ.

ثالثًا: قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا لله وكونوا مع الصادقين) [سورة التوبة (119)] وهذا أمر من الله - عز وجل - للصحابة عمومًا ممن لم يكن منهم أن يكون معهم.

فإنَّه سبحانه قد أخبرهم أنَّ هؤلاء المهاجرين الأولين: "صادقون" فعرفوهم ثمَّ أمرهم أن يكونوا معهم ممَّا يؤكد أنَّهم سيعيشون على الحق والصدق.

وقد كان: "عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -" منهم وقد عاش معهم - رضي الله عنه - ولم يخرج عنهم.

رابعًا: الأنصار الذين آووا هل تحقق فيهم حكم الله - عز وجل - ووعده بأنَّهم: "مفلحون" وهل وجد من توافر فيهم هذه الصفات منهم أم لا؟

فإن قلتم: نعم؛ فمن هم؟ وهل يحتاج الحكم إلى قيد أم لا؟

خامسًا: هل يمكن معرفة الأنصار وتمييزهم عن المنافقين أم لا يمكن؟ أم يمكن تمييز بعضهم؟ وإذا قلنا يمكن تمييز بعضهم فمن هم الذين تستطيع ذكرهم منهم؟

سادسًا: بعد أن توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - هل بقي هؤلاء: "صادقين مفلحين" أم تغيروا بسبب: "الوصية"؟!

سابعًا: إذا سددت على نفسك باب الثقة فيهم هل تستطيع أن تعرف الدين؟! القرآن الذين كتبوه والسنَّة التي نقلوها.

ثامنًا: إذا فقدنا الثقة فيهم فهل الدين الذي نشروه وفتحوا به البلاد وهدوا به العباد هل هودين حق أم دين باطل؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1.4) قلتم: فالاستدلال بهذه الآية على أنَّ القرآن أثنى على الصحابة جميعهم من أولهم إلى آخرهم ـ الذين ربَّما جاوز عددهم المائة ألف ـ غفلة عن مفاد الآيات فأين الدعاء والثناء على لفيف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم المتمتعين بخصوصيات معينة، من الثناء على الطلقاء والأعراب وأبناء الطلقاء والمتهمين بالنفاق؟!

قلت: هنا وقفات:

أولاً: سورة التوبة ذكرت قسمين: سابقين أولين من المهاجرين والأنصار، وتابعين لهم بإحسان.

وفي سورة الحشر ذكرت ثلاثة أقسام: مهاجرين وأنصارًا وأتباعًا.

وفي سورة الأنفال ذكرت ثلاثة أقسام: مهاجرين وأنصارًا ومهاجرين آخرين.

فآيات التوبة والحشر دلالاتها متقاربة.

وآيات الأنفال قررت أنَّ المهاجرين قسمان: فدل على أنَّ الهجرة قد كانت مرتين.

فإذا كان تعداد الأمَّة قد بلغ أكثر من مليار مسلم ويمثل الشيعة جزءً يسيرًا منهم.

هذا الجزء اليسير اختار تكفير جميع الصحابة أوتضليلهم ما عدا أربعة أشخاص لأنَّ هؤلاء جميعًا لم ينفذوا الوصية الموهومة فاستحقوا عند هذا الجزء اليسير الحكم عليهم بالضلال.

والأمَّة بكاملها اختارت تعظيم جميع الصحابة واعتقاد إيمانهم واستقامتهم ما لم يظهر منهم بالدليل القاطع ما يخالف ذلك وإن كانوا يرون أنَّ الصحابة ليسوا كلهم على درجة واحدة بل درجات متفاوتة. فمن هوالصادق منهم يا ترى؟!

ثانيًا: المفسرون يؤكدون أنَّ آيات سورة الحشر شملت الأمَّة بكاملها إذ لا يخلوالمسلم من أن يكون: مهاجرًا أوأنصاريًا أوتابعًا لهم بإحسان وأهل السنَّة يعتقدون أنَّ الآيات تدل على هذه الأقسام الثلاثة وهذا لسلامة قلوبهم للأمَّة أولها وآخرها.

نعم قد يحصر بعض العلماء التابعين بإحسان في فترة زمنية لكن يبقى رأي الأكثرية وفهمها هوالراجح.

ثالثًا: خلاف أهل السنَّة مع الشيعة ليس في الطلقاء والأعراب والمتهمين بالنفاق وإنَّما في جميع الأصناف الثلاثة فأين في كتب الشيعة تزكية لأحد هذه الأصناف بأعيانهم فيسمَّى: أبوبكر بعينه وعمر بعينه وعثمان بعينه وإخوانهم الآخرون؟

إنَّ هذا: "الخلاف" الذي أشرت إليه وإن كان يمثل جزءً من الخلاف لكن هذا خلاف يسير بالنسبة للخلاف العظيم الذي جعل أهل التشيع فرقة تضاد الأمة بكاملها.

رابعًا: الطلقاء وأبناء الطلقاء والأعراب إذا حسن إيمانهم واستقامت أخلاقهم فلا يمنع القول بعدالتهم وتأخر إسلامهم لا يحرمهم الفضل إذا أخلصوا النية وأحسنوا العمل.

خامسًا: المتهمون بالنفاق ليسوا من الصحابة ولا يطلق أهل السنَّة عليهم هذا الوصف ولا يخفى المنافق من المؤمن إلاَّ عند جاهل أوسيء النية فأين في دواوين الأمَّة المسلمة وصف منافق واحد بأنَّه مؤمن؟

إنَّ هذه الدعوى: أنَّ الآيات تعدل متهمين بالنفاق من أقبح الدعاوى.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1.5) قلتم: (فلنرجع إلى كلامكم ثمَّ أوردتم قولي وهو: (أرأيت هذا التقسيم العجيب لطوائف المؤمنين:

مهاجرون

أنصار

متبعون، يحبونهم ويدعون لهم، ولا يكرهونهم.

أين مكان الإمامية هنا؟؟ وأين مكان أهل السنَّة هنا؟)

ثمَّ قلتم: قولكم: "مهاجرون" والصحيح: "المهاجرون الأولون السابقون" لأنَّه سبحانه يصفهم بقوله: (الذين أُخرجوا من ديارهم) فأين مطلق المهاجرين من هذه الآية؟

قولكم: "أنصار" والصحيح: "السابقون الأولون من الأنصار" لأنَّه سبحانه يصفهم بقوله: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم) وليس كل أنصاري آوى المهاجرين، بل انقطع الإيواء بعد إجلاء بني النضير، كما مرَّ، فمن آمن من الأنصار من بعده، فهوخارج من مدلول الآية.

قولكم: "متبعون يحبونهم يدعون لهم ولا يكرهونهم"، والصحيح:"والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ... ").

هنا وقفات:

أولاً: عندما أشرتُ إلى تقسيم الآيات للأمَّة إلى ثلاثة أقسام: مهاجرين وأنصار وأتباع، صححتم هذا التقسيم بتقييد الأوصاف، (المهاجرون السابقون الأولون) و: (السابقون الأولون من الأنصار).

قلت: لا بأس بتصحيحكم فهل يمكن أن تذكر لنا هؤلاء المهاجرين السابقين والأنصار السابقين من هم؟!

في الحقيقة لا يمكن لشيعي أبدًا أن يعرف الفضل لهؤلاء السابقين إلاَّ على سبيل التقية لأنَّ عقيدة الشيعة لا تفسح مجالاً في قلوب أهلها لمعرفة فضل عظماء الأمَّة فلواعترفوا بفضلهم لاختلت عقيدتهم.

إنَّ: "عقيدة الشيعة" ـ أعني الإمامية ومن نحا نحوهم تضاد: "عقيدة السنَّة" ويستحيل أن يجتمعا.

فالخلاف أساسي وليس فرعيًا كما يحاول بعض الشيعة أوبعض الكُتَّاب الذين لا يعرفون الحقيقة أن يدَّعوه.

ثانيًا: أوردتم قولي: (متبعون يحبونهم ويدعون لهم ولا يكرهونهم) ثمَّ قلتم: والصحيح: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ... ).

قلت: عجيب هذا التصحيح وهل يمكن أن يعتقد أخوتهم له ثمَّ يدعولهم بالمغفرة وهويكرههم؟ أليس هذا دليلاً على أنَّ قلوب الشيعة قد حرمت من حب عظماء الأمَّة الذين نصروا الدين ونقلوه وفتحوا الأرض لأنَّ "عقيدة الوصية" تلاحقهم عند كل موقف؟!

ألا نحب من نصر الدين وكان السبب في إسلامنا وإسلام أبائنا وحفظ الدين ونقله إلينا؟!

إذا لم نحب هؤلاء فمن يا ترى يستحق أن يُحب من أفراد الأمَّة؟!

أورد القرطبي عن ابن أبي يعلى أثرًا قال في آخره: (كن مهاجريًا فإن قلت: لا أجد فكن أنصاريًا فإن لم تجد فاعمل كأعمالهم فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمرك الله) (1).

وقال السمرقندي: (وفي الآية دليل: أنَّ من ترحم على الصحابة واستغفر لهم ولم يكن في قلبه غل لهم فله حظ في المسلمين وله أجر مثل أجر الصحابة، ومن شتم أولم يترحم عليهم أوكان في قلبه غل لهم ليس له حظ في المسلمين) (2).

__________

(1) تفسير القرطبي/18/ 31/

(2) تفسير السمرقندي/3/ 422/

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1.6) قلتم: كلمة قارصة: ثمَّ قلتم تعقيبًا على كلامي: (ثمَّ إنَّكم ذكرتم في ذيل كلامكم هاتين الجملتين:

أين مكان الإمامية هنا؟؟

وأين مكان أهل السنَّة هنا؟)

قد تعرفتم أنَّ الطائفتين غير داخلتين في هذه الآية، فالسؤال ساقط بعد الموضوع؛ فإنَّ المقابلة بين الطائفتين يعرب عن أنهما طائفتان متضادتان لا تشاركان في أصل أوأصول، وأنَّهما كمعسكري الشرق والغرب لكلّ "أيدلوجيّة" خاصة وليست الشيعة إلاَّ نفس المسلمين الأوّل الذين بقوا على وصيّة الرسول في حق أهل بيته، وليست السنَّة إلاَّ نفس المسلمين الأول، ولكنَّهم خالفوا وصيّة الرسول ولم ينفذوا وصيته في حق عليّ وأهل بيته، ولوأغمضنا عن ذلك فالطائفتان صنوان على أصل واحد.

قلت: هنا وقفات:

أولاً: دعوى أنَّ "الطائفتين غير داخلتين في الآية مردودة.

قال القرطبي: (قوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم) يعني من التابعين ومن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة) (1).

وقال ابن كثير: (فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لأثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة الداعون لهم في السر والعلانية) إلى أن قال: (وما أحسن ما استنبط الإمام مالك رحمه الله من هذه الآية الكريمة: أنَّ الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في الفيء نصيب) (2).

وقال الرازي: (واعلم أنَّ هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين .. ) (3).

... وقال الثعالبي: (قال جمهور العلماء: أراد من يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة) (4).

... وقال البغوي: (يعني التابعين: وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة) إلى أن قال: (فكل من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنَّه ليس ممن عناه الله بهذه الآية) (5).

__________

(1) تفسير القرطبي/18/ 31/

(2) تفسير ابن كثير/8/ 98/

(3) تفسير الرازي/29/ 51./

(4) تفسير الثعالبي/سورة الحشر/

(5) تفسير البغوي/سورة الحشر/

وقد ذكر بعض المفسرين أنَّ المراد بالذين جاءوا من بعدهم في عصر النبوة ولكن الجمهور على خلاف ذلك وهوالذي يظهر لنا صحته.

ثانيًا: قولكم: (فإنَّ المقابلة بين الطائفتين يعرب عن أنَّهما طائفتان متضادتان .. )

... قلت: نعم يستحيل أن تلتقيا مع تصديق: "خرافة الوصية" التي تستأصل الدين من أساسه ولقد أحكم الذين وضعوا هذه الوصية هذه الخرافة بما بثوه من الأحاديث التي ندين الله - عز وجل - أنَّها لا تصح بالدليل.

... فأمَّا من كتبنا فجميع أسانيدها لا تصح.

... وأمَّا كتبكم فجميع رواة العقيدة والتاريخ التي أقمتم مذهبكم عليها مجاهيل كما اعترف السيد محمد الصدر.

... وأمَّا من تاريخ الصحابة فإنَّا نرى أنَّ الخلفاء الأربعة عاشوا إخوة متحابين.

... وأمَّا من معرفتنا بِعليّ - رضي الله عنه - فليس جبانًا ولا خائنًا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولربه بحيث يجبن عن إعلان الحق وقد جاءت مواقف تتطلب أن يعلن ممَّا يدل على أنَّه لا علم له بهذه الوصية.

... فعلى من أحدثها وفرق الأمَّة من الله ما يستحق.

... ثالثًا: قولكم: (وليست الشيعة إلاَّ نفس المسلمين الأول الذين بقوا على وصية الرسول في حق أهل بيته .. ) قول غير سليم.

... فلوكانت هناك وصية بمعنى: "الإمامة" فلماذا يا ترى يجمع قرابة عشرة آلاف صحابي على كتمها أوالامتناع عن تنفيذها وقد أعلنوا إسلامهم وتركوا أديانهم إلى دين الإسلام؟!

... ما هوالمكسب الديني أوالدنيوي الذي حصلوا عليه مقابل ترك الوصية؟!

... أبوبكر عاش فقيرًا زاهدًا مجاهدًا لنصرة الدين واجتمع الصحابة حوله يطيعونه وينفذون أمره وهوليس رسولاً ولا صاحب مال ولا صاحب عشيرة أكثر من عليّ فلماذا هويترك تنفيذ الوصية ويبقى على نصرة الدين؟!

... ثمَّ لماذا يسكت عشرة آلاف صحابي عن الوصية؟ أكلهم أشرار؟ أكلهم جبناء؟ أليس فيهم رجل رشيد؟!

... ثمَّ: "يوصي" أبوبكر إلى عمر وهوليس رسولاً ثمَّ يطيع الناس أبا بكر وقد عصوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قبل ـ حسب زعمكم ـ ولا يستنكر مستنكر فيقول كفاك يا أبابكر اغتصابًا للإمامة فلا تغتصبها لغيرك؟!

... ثمَّ عمر: "يوصي" إلى ستة ولا يستنكر مستنكر وعمر قد طعن لم يعد يستطيع معاقبة أحد فَلمْ يعلن أحد هذه الوصية؟ َ

... وعليّ يقبل أن يدخل في ضمن مرشحين للخلافة ولم يعترض؟!

... أهذه أمَّة مسلمة تؤتمن على دين الله - عز وجل - وهي تتوارث الباطل بالإجماع؟! معاذ الله.

... أليست هذه فاطمة رضي الله عنها طالبت بنصيب من الدنيا وأعلنت موقفها؟ َ أيُظن بها أن تكون الدنيا عندها أعظم من دينها فتغضب لها ولا تغضب على اغتصاب الإمامة لوكان هناك إمامة؟

... ثمَّ هذا عليّ بقي مع الصحابة مؤتمًًا بهم، مستشارًا لهم، مُزوِّجًا منهم، متزوجًا من سبيهم، مسميًا أولاده بهم أيُظن به أن يفعل كل ذلك وهويرى باطلاً قائمًا؟! متوارثًا؟!

... سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.

... رابعًا: قولكم: (وليست السنَّة إلاَّ نفس المسلمين الأول ولكنَّهم خالفوا وصية الرسول ولم ينفذوا وصيته في حق عليّ وأهل بيته).

... قلت: إن كان مرادكم من الوصية هي: "الإمامة" فهي وصية عندنا مكذوبة ولا وجود لها في حقيقة الأمر.

... وإن كان مرادكم أنَّهم يكرهون آل البيت ولا يعرفون لهم فضلهم فهذه دعوى باطلة فأهل السنَّة يعظمون أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنَّهم آمنوا به وصحبوه وقد أثبتوا لهم درجة عالية بسبب صحبتهم له - صلى الله عليه وسلم - فكيف لا يقدرون أهل بيته؟! فأين وجدت أحدًا من أهل السنَّة يسيء إليهم؟!

... إنَّ أهل السنَّة يتقربون إلى الله - عز وجل - بحبه وحب رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحب الصالحين من آل بيته ويدعون لآل البيت في كل صلاة، وكل صلاة لا يدعى فيها لآل البيت ففي صحتها خلاف ولووجد فرد أوأفراد يسيئون إليهم فهذه معصية يحمل وزرها من يرتكبها ولا تمثل الآلاف ومئات الآلاف من أهل السنَّة التي تمتلء كتبهم بذكر فضائل آل البيت والدعاء لهم والترضي عنهم في كل كتابٍ "عقيدة" لا تقية.

... أمَّا الأحداث التي وقعت في صدر الإسلام فهي فتن لم يتعمدها من شارك فيها من الصحابة ولولم يكن الشيعة قد تحزَّبوا على عقيدة: "الإمامة" لما كان موقفهم من تلك الأحداث إلاَّ نفس موقف أهل السنَّة.

... وهناك حالات فردية لم يرضَ عنها جمهور الصحابة ولا أهل السنَّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1.7) قلتم: (إلى هنا تبين مفاد الآيات وأنَّ الإمامية لا تخالفها، قيد شعرة لا تبغض الصحابي، والصحابية؛ ولكن لا تعتقد بعدالة الكل وتقول إنَّ وزانهم كوزان التابعين).

قلت: إنَّ هذه دعوى لا يمكن قبولها ما دامت الشيعة تعتقد بخيانة الصحابة - رضي الله عنهم - وأنَّهم خالفوا وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كانوا يفدونه بأرواحهم وينصرونه بسيوفهم وأموالهم لا يعصونه في أمر ولا يقدمون عليه أهلاً ولا مالاً ثمَّ إذا بهم ينقلبون على أمره ـ حسب زعمكم ـ ويتنكرون لفضله وقد أنقذهم الله - عز وجل - به من الكفر وأخرجهم به من الضلال؟!

إنَّ هذا خيال غريب وتصور عجيب لا يقبله ذوحس سليم وقلب مستقيم ولا يمكن أن يجتمع في قلب مع اعتقاد عدالتهم.

ولواعتقدتم عدالتهم لقبلتم رواياتهم.

ولوقبلتم رواياتهم لانتقضت عقائدكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1.8) الاستدلال بالسنة

قلتم: (عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تسبوا أصحابي، فلوأنَّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه). [صحيح البخاري/ح/3673/ومسلم/ح/2541]

أقول: إنَّ الحديث أوضح دليل على أنَّ بعض الصحابة يسبّ بعضهم، ولأجل ذلك نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالدًا لسبِّه عبدالرحمن بن عوف، وكلاهما من الصحابة، وهذا أظهر دليل على عدم عدالة الكل بوصف الكلية.

وهذا هوسعد بن عبادة سيد الخزرج يخاطب سعد بن معاذ بقوله: كذبت لعمر الله، وهذا هوأسيد بن حضير وهوابن عم سعد بن معاذ، يخاطب سعد بن عبادة بقوله: لعمر الله لنقتلنَّه فإنَّك منافق. [صحيح البخاري/تفسير سورة النور]

غير أنَّ المهم هوالتفريق بين سبّ الصحابة ونقد حياتهم، فأسلوب السب والشتم غير أسلوب النقد، فالأول: وليد العصبية ونتاج الغيظ والحقد والهوى، وأمَّا الثاني: فهوقائم على أسس صحيحة وموازين سليمة، وهوقبلة الطالبين للحقيقة.

قلت: هنا وقفات:

أولاً: الصحابة - رضي الله عنهم - لم يتجردوا من بشريتهم ولم يصبحوا بدخولهم الإسلام ملائكة فإنَّ البشرية لا تنفك عن الأنبياء فما بالك بغيرهم.

فهذا موسى - عليه السلام - قال عنه - عز وجل -: (ولمًَّا بلغ أشده واستوى آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين - ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوِّه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنَّه عدوٌ مضلٌ مبين) [سورة القصص (14_15)]

والصحابة - رضي الله عنهم - قد يقع منهم الخطأ ثمَّ يصحح لهم من الله - عز وجل - أومن رسوله- صلى الله عليه وسلم -.

وأمَّا دعوى أنَّ ذلك دليل عدم عدالة الكل فغير مسلم فكما أنَّ موسى - عليه السلام - لم ينقص من مكانته ما أخطأ به واعترف أنَّه من عمل الشيطان فكذلك الصحابي فإنَّه لم يقل أحد إنَّ الصحابي لا يقع منه الخطأ إذ ذلك يسمَّى: "عصمة" وأهل السنَّة لا يدَّعون العصمة فيهم - رضي الله عنهم -.

وهكذا كل عمل نُقل عن بعضهم وهوقليل في جانب حسناتهم وفضلهم.

ثانيًا: قولكم: (أنَّ المهم هوالتفريق بين سب الصحابة ونقد حياتهم .. ) كلام نظري لا رصيد له من الواقع.

فإنَّ دعوى: "خيانة الوصية" والامتناع عن تنفيذها وتآمر جميع الصحابة ـ ما عدا أربعة أشخاص ـ على إخفائها أعظم من كل سب.

فإنَّك لوسببت شخصًا ما لكان فعلاً شخصيًا لا يترتب عليه كبير ضرر.

أمَّا إذا اتهمت إنسانًا بخيانة دين وعصيان رسول فإنَّ ذلك أشد أنواع السباب.

وهذه العبارات التي أوردتموها لا تغير الحقيقة.

فإنَّ موقف الشيعة من الصحابة يترتب عليه نقض الدين بكامله.

لأنَّه: "وليد العصبية ونتاج الغيظ والحقد والهوى" كما ذكرتموه عن أسباب السب والشتم.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1.9) قلتم: عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خير الناس قرني ثمَّ الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم ... ). [صحيح البخاري/ح/2653/ومسلم/ح/2533]

إنَّ هذا الحديث مهما صح سنده وإن رواه الإمام البخاري يخالف الواقع الملموس من تاريخ الصحابة والتابعين، ونحن نعرض النظر عن تاريخ الصحابة ونعطف النظر إلى قوله: (ثمَّ الذين يلونهم، فالمراد منهم التابعون، وفيهم الأمويون، فهل يمكن أن نعد عصر الأمويين خير القرون؟! وقد لونوا وجه الأرض بدماء الأبرياء، وقتلوا سبط النبي - صلى الله عليه وسلم - في كربلاء عطشانًا، وذبحوا أولاده وأصحابه، وهتكوا حرمة الكعبة.

هنا وقفات:

أولاً: الحديث رواه ستة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم: عبدالله بن مسعود (1) والنعمان بن بشير (2) وعمران بن حصين (3) وعمروبن شراحيل (4) وجعدة بن هبيرة (5) وعائشة (6).

فالحديث لم يتفرد بروايته صحابي واحد ولا محدث واحد.

ولولم يروه إلاَّ صحابي واحد أومحدث واحد وصح السند لكان كافيًا في قبوله فكيف وقد رواه جماعة من الصحابة وخرجه أصحاب الصحاح؟!

ثانيًا: هذا الموقف واضح الدلالة على أنَّ المنهج الذي يحتكم إليه المخالفون لأهل الحق إنَّما هوالهوى لا المنهج العلمي الذي يقوم على أسس علمية وإنَّما هوأوهام عارضت حقائق فلتلغَ الحقائق متابعة للأوهام فبينما نراهم يستدلون بأحاديث ضعيفة لإثبات عقائد باطلة يردون أحاديث صحيحة لسوء فهمها أولمخالفتها لمعتقداتهم.

ثالثًا: إنَّ المتأمل لمعنى الحديث بعيدًا عن الموروثات العقدية يتضح صدقه بل لولم يرد الحديث لكان حال الأمَّة كما ورد فيه.

فالقرون الثلاثة ـ بصرف النظر عن مدة القرن ـ هي أساس هذا الخير الذي نعيش فيه.

فقد ظهر الإسلام غريبًا محاربًا فاتبعه طائفة من الناس ضحوا بأنفسهم وأموالهم وأرضهم فداءً لهذا الدين.

ثمَّ جاهدوا في سبيله ونصروا رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحملوا شريعته ونشروا دينه وانطلقوا مجاهدين ففتحوا الأرض.

هذا هوالجيل الأول جيل الصحابة والذي استمر إلى نهاية القرن الأول.

__________

(1) رواه البخاري/ح/26../ومسلم/ح/6424/وأحمد/ح/4128/وابن ماجه/ح/2353/وابن حبان/ح/71.8/-الإحسان-

(2) رواه أحمد/ح/18..7/وابن حبان/ح/6613/

(3) رواه البخاري/ح/7/ 348/رواه أحمد/ح/19445/والترمذي/ح/2255/

(4) رواه ابن حبان/ح/28151/

(5) رواه ابن حميد/1/ 148/

(6) رواه مسلم/ح/2225/

فظهر العلماء والعباد والقادة والشهداء والصالحون وجيوش الحق تفتح البلدان وتبلغ الدين وتعلم الشرع فكانت المساجد عامرة بالمؤمنين والحلقات العلمية التي يتدارس أهل العلم فيها العلوم الشرعية منتشرة وهذا حال الشعب المسلم.

نعم ظهرت فتن في الجانب السياسي عكرت صفوهذا الخير وأنقصت منه لكنَّها لم تقضِ عليه، فكل خير في الأمَّة بعد ذلك فإنَّما وصلنا عن هذه القرون فلهم مثل أجور من عمل بالخير الذي حفظوه ورووه ولهم مثل أجور من أدخلوه الإسلام.

هذه القرون الثلاثة هي أساس الأمَّة.

فكان القرن الأول أنفعها وأبركها ثمَّ تناقص الخير بعد ذلك.

الأمويون جزء من الأمَّة لا كل الأمَّة، والأمَّة أكبر وأوسع من المفهوم الذي ذكرتموه.

وأمَّا الأحداث التي وقعت فلا شك أنَّها شر لكن لا ينكر الخير العظيم الذي في الأمَّة بسبب بعض الشر.

قال السندي: (قلت لابد من تخصيص الكلام بالمؤمنين والمراد أنَّ مؤمني زمانه - صلى الله عليه وسلم - خير من الذين بعدهم، ثمَّ خيرية قرن الصحابة لا تقتضي خيرية كل واحد من الآحاد بل يكفي خيرية الغالب وإلاَّ لكان كل من كان في وقت التابعين خيرًا ممن بعده مع أنَّ في وقتهم الحجَّاج الظالم ولعلَّه لا يوجد له نظير في بابه) (1).

إذن ليس المراد أنَّ كل واحد من أهل كل قرن خير من كل واحد بعده وإنَّما المراد عموم أهل القرن ولا يعني انتفاء الشر كذلك.

رابعًا: منهج الشيعة منهج غريب:

فالأخطاء التي وقعت في عهد الصحابة والتي لا تساوي ذرة في بحر حسناتهم جرحتهم وألغت عدالتهم إلاَّ عددًا يسيرًا.

والأخطاء التي وقعت من بعض أمَّهات المؤمنين جرحتهن وأنقصت من فضلهن.

والأخطاء التي وقعت من طائفة من الأمَّة أفسدت كل خير في الأمَّة.

فمنظارهم لا يكتشف إلاَّ المعايب؛ فسبحان من نوَّع الخلق وفاضل بين عقولهم.

__________

(1) شرح سنن ابن ماجه/ح/2353/

أرأيت النحل فإنَّه لا يقع إلاَّ على الزهر مع أنَّ هناك ما لا يليق، لكنَّه نظيف شريف فليتنا نكون: "نحلاً".

خامسًا: قد وقعت فتن قبل قتل سبط النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقُتِل من أصحاب الفضل قبل الحسين الكثير ولم يحكم بأنَّه شر القرون.

فقد قُتِل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - عمه: "حمزة" ولم يكن عصره شر العصور.

وقد قُتِل: "عمر" ولم يكن شر العصور.

وقد قُتِل: "عثمان" ولم يكن شر العصور.

وقد قُتِل: "عليّ" ولم يكن شر العصور.

إنَّ قتل هؤلاء عظيم وحادث جلل لكن ما في الأمَّة من الخير أعظم من الأشخاص.

فالخير في الأمَّة كله يرجع إلى هذه العصور فكيف يتناسى الخير ويُضخم الشر؟!

وبهذا يتبين أنَّ فهمكم غير سليم وحكمكم غير مستقيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

11.) قلتم: (وهذا هوالحجَّاج صنيعة أيديهم اقترف من الجرائم البشعة ما يندى لها جبين الإنسانية، ولا أطيل الكلام في ذلك والتاريخ خير شاهد على كذب هذه الرواية ووضعها من قبل سماسرة الحديث، لتطهير الجهاز الحاكم الأموي ممَّا ارتكبه.

ويكفي في ذلك ما علَّقه أبوالمعالي الجويني على هذا الحديث قائلاً:

وممَّا يدل على بطلانه، أنَّ القرن الذي جاء من بعده بخمسين سنة شر قرون الدنيا، هوأحد القرون التي ذكرها في النص، وكان ذلك القرن هوالقرن الذين قُتِل فيه الحسين، وأوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه المنصَّبون في منصب النبوة الخمور، وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية، ويزيد بن عاتكة، ووليد بن يزيد، وأُريقت الدماء الحرام، وقُتِل المسلمون وسُبي الحريم، واستُعبِد أبناء المهاجرين والأنصار، ونُقشت على أيديهم كما ينقش أيدي الروم، وذلك في خلافة عبدالملك وإمرة الحجَّاج).

قلت هنا وقفات:

أولاً: زعمتم أنَّ التاريخ خير شاهد على كذب الرواية ولعلَّ الصحيح هوالعكس كما مر.

ثانيًا: اتهامكم لعلماء الأمَّة وثقاتها بأنَّهم يصنعون الأحاديث لتطهير الجهاز الحاكم دعوى مردودة عارية عن الدليل والمنهج العلمي يردها ولا يليق بمسلم أن يسلك هذا المسلك الخطير بإطلاق الاتهامات بدون دليل.

ولوفتح هذا الباب لرد كل شخص ما لا يتفق مع عقله أومعتقده بمجرد المخالفة ونحن نلتزم ونلزم في كل مسألة خلافية أن نخضعها للمنهج العلمي في كل باب بحسبه فباب الرواية نخضعها لدراسة رواتها قبل إطلاق الأحكام.

ورواة هذا الحديث ثقات أعلام والطرق متعددة فأنَّى يصح هذا الحكم الذي أطلقتموه في حديث توارد على روايته أصح الكتب بعد كتاب الله - عز وجل - من خلال رواة كلهم ثقات حفاظ لمجرد نظرة غير دقيقة.

فقد ورد هذا الحديث عن قرابة عشرة من الصحابة خرج البخاري ومسلم حديث اثنين منهم والأخرى وردت في المسانيد والسنن نكتفي بالإشارة إلى روايات الصحيحين:

الأولى: عن عبدالله بن مسعود مدارها على إبراهيم بن يزيد النخعي والذي أثنى عليه العلماء قال العجلي: (كان رجلاً صالحًا فقيهًا متوقيًا قليل التكلف ومات وهومختف من الحجاج) (1) فالذي يعادي الحجاج وهوأحد ولاة بني أمية سيكذب لهم؟!

وشيخه الذي رواه عنه هو(عَبيدة السلماني) وهومن الرواة عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حتى قال ابن المديني والفلاس: (أصح الأسانيد: محمد بن سيرين عن عَبيدة عن علي) (2).

هذا الحديث رواه عن إبراهيم بن يزيد النخعي أربعة من الثقات من رجال الصحيحين: شيبان والأعمش ومنصور وابن عون (3) أهؤلاء يكذبون؟!

__________

(1) تهذيب الكمال/1/ 378/

(2) تهذيب التهذيب/4/ 112/

(3) رواها البخاري/ح/26..و6281و6282و651./ومسلم/ح/6422و6424و6427/

الثانية: عن عمران بن حصين رواها عنه شخصان: زَهدَمُ بن مضرِّب وهلال بن يساف ثم رواه عنهما: أبوجمرة والأعمش ثمَّ رواه عنهما شعبة بن الحجاج (1) .. أهؤلاء يكذبون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم أعلام المحدثين؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!!

ثالثًا: إذا خَفي على الجويني فهْم مراد الحديث ولم يتَّسع نظره لفهْم الحقيقة فقد فهمها أعلام الأمَّة من محدثين وشراح بالعشرات إن لم يكونوا بالمئات ومخالفة شخص لجمهور العلماء يعتبر شذوذًا لا يغير الحقيقة.

وإلاَّ فلورجح كل رأي شاذ لما بقي للأمَّة شيء من دينها.

والشيعة يتركون أقوال جهابذة علماء الأمَّة إلى الأقوال الشاذة بصرف النظر عن صحة المنهج الذي اتبعه ذلك المخالف أوضعفه وهذا منهج ضعيف.

رابعًا: وأمَّا ما ورد في كلام الجويني من مزاعم كلها أخبار تاريخية لا تثبت عند التمحيص ولوثبت بعضها فلا يلغي الخير العظيم الذي في الأمَّة لفساد شخص أوانحرافه.

خامسًا: حدوث بعض الشر لا يجوز أن يلغي الخير العظيم من الأمَّة كما مر: روايات للدين وفتوحات للبلدان وجهاد في سبيل الله وعُبَّاد وشهداء وصالحون هم أضعاف أضعاف أعداد الأشرار. أيُلغى هؤلاء لشر وقع من أفراد؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــ

111) قلتم: (وإذا تأملت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية شرًا كلها، لا خير فيها، ولا في رؤسائها وأمرائها، والناس برؤسائهم وأمرائهم أشبه، والقرن خمسون سنة، فكيف يصح هذا الخبر). [شرح ابن أبي الحديد/2./ 3 - 12/]

قلت:

أولاً: المتأمل لكتب التواريخ يرى تلك الأحداث ويرى بجانبها أعمالاً فاضلة خيرة:

علماء وعباد ومجاهدون في سبيل الله.

وفيه بقية الصحابة وبقية من آل البيت.

__________

(1) رواه البخاري/ح/6281/ومسلم/ح/6427/

هذه الفترة لوكانت شرًا لا خير فيها فكيف وصل إلينا هذا الدين الذي حفظه أهل هذه الفترة فتعلموه وعلَّموه وحمله عنهم أهل القرن الذين بعدهم فكيف يُقال: لا خير فيه: إنَّ هذا حكم متعجل!

إنَّ الحركة العلمية والدينية غير الحركة السياسية فقد تفسد السياسة ويبقى الخير في الأمَّة، فلا ينبغي أن يحكم على الأمَّة بكاملها من خلال الطبقة السياسية.

بل وحتَّى الطبقة السياسية فيها شر وخير فقد استمر الجهاد في تلك العصور رغم ما حدث فيهم من فساد وينبغي أن يحكم بالقسط والعدل.

قال تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا)، وقال تعالى: (ولا يجرِمنَّكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا).

وقد تقدم مزيد بيان لهذا الجانب.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

112) إضافة بعض الآيات في فضل الصحابة للإيقاظ:

ويحسن أن نضيف بعض الآيات الدالة على عدالة الصحابة وخاصة عظماءهم وقادتهم معتمدين في ذلك على الفهم المباشر الذي يتبادر إلى ذهن كل عالم أوطالب علم خالي الذهن من كل ما يفسده.

قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمَّة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا .. ) [سورة البقرة (آية"143")].

قال الطبري: (وأمَّا الوسط في كلام العرب: الخيار ... وقال زهير بن أبي سلمى في الوسط:

هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... ... ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم .. ) (1)

وقال الثعالبي: (وجعلناكم أمَّة وسطًا: أي عدولاً، روي ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتظاهرت به عبارات المفسرين والوسط الخيار والأعلى من الشيء ... ) (2).

وقال السمرقندي: (والوسط: هوالعدل ... والعرب تقول: فلان أوسط قومه أي: خيارهم وأعدلهم .. ) (3).

وقد أجمع المفسرون على هذا المعنى أنَّهم فسَّروا: "الوسط" بالخيار والعدل.

وقد استطرد الرازي في تقرير هذين المعنيين (4).

__________

(1) تفسير الطبري/2/ 5/

(2) تفسير الثعالبي/تفسير سورة البقرة/آية (143) /

(3) تفسير السمرقندي/1/ 99/

(4) التفسير الكبير/4/ 83/

قلت: هذا الثناء من الله - عز وجل - بأنَّه جعل: "هذه الأمَّة أمَّة خيارًا عدولاً" والخطاب كان موجهًا لجيل الصحابة - رضي الله عنهم - هل يدخل فيه: "هذا الجيل المؤمن أم لا؟ ": وخاصة خيارهم: أبوبكر وعمر وعثمان وعليّ وسعد بن أبي وقَّاص والزبير بن العوام .. إلخ أفاضل الصحابة أم لا؟

فإن قلتم إنَّهم داخلون فيهم فقد وافقتم بقية الأمَّة وإن قلتم: لا. فما هوالدليل؟!

فإن قلتم: الدليل إنَّهم قد غيروا وبدلوا ومنعوا عليًّا حقه.

قلنا: ما هوالدليل أنَّ عليًّا له حق منعوه إيَّاه؟!

فإن قلتم: الإمامة.

قلنا: من روى هذا الحق؟

فإن قلتم: الصحابة أنفسهم!

قلنا: هم قد رووا أنَّه لم يُوصَ إليه بشيء.

فإن قلتم: عليّ - رضي الله عنه - روى ذلك الحق.

قلنا: وعليّ - رضي الله عنه - قد روى أنَّه لا حق له وأنَّه لا فرق بينه وبين إخوانه بقية الصحابة.

والروايات التي رويت في إبطال الوصية أصح سندًا من تلك الروايات التي تزعم إمامته.

ثمَّ إنَّ الحال الذي عاش عليه الصحابة لا يدل على وجود شيء من هذه المزاعم وقد تقدم ما يقرر ذلك في عدة مواطن_وسيأتي كذلك بمشيئة الله تعالى_.

ثمَّ كيف يثني - عز وجل - على هذه الأمة بأنَّها: "خيار عدول" ويكون أولها فاسقين ظلمة؟!

وهم الذين عايشوا التنزيل وعانوا في سبيل إيمانهم أنواع البلاء وقد استمرت حياتهم على الزهد في الدنيا والجهاد في سبيل الله وقد قتل آلاف منهم في أقطار الأرض بعيدين عن أرضهم وديارهم فأي دنيا كانوا يريدون بذلك الجهاد؟؟!!

أيُعقل أن لا يكون لهذه الكثرة التي هي بالآلاف نصيب في هذا المدح والثناء من الله - عز وجل -؟!

أليس هذا اتهامًا لله - عز وجل - بأنَّه أثنى بلفظ الكثرة الذي لا ينطبق إلاَّ على: أربعة أشخاص؟! فينخدع الناس بهم ويعظمونهم ويعدلونهم ويقبلون رواياتهم وهم على خلاف ذلك حسب زعمكم؟!

قال تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوعليكم آياته ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) [سورة البقرة (آية"151")].

هذه الآية تقرر عدة أمور:

الأول: امتنان الله - عز وجل - على الأمَّة وفي مقدمة الأمَّة الجيل الأول الذي وجه إليه الخطاب: (رسولاً منكم .. عليكم .. يزكيكم ويعلمكم ... ).

ولا أظن أنَّ عاقلاً يزعم أنَّ: "المخاطبين" غير داخلين في هذا الامتنان.

ثانيًا: من أنواع الامتنان التي امتن الله - عز وجل - بها عليهم: أنَّ رسوله صلوات الله وسلامه عليه: "يزكيهم" أي يطهرهم فهل تحققت هذه النعمة فزكاهم أم لا؟!

قال ابن كثير: (ويزكيهم: أي يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية ... ) (1).

قد يقال: وهل زكى كل من معه حتى المنافقين؟

قلنا: الخطاب للمؤمنين الذين معه واشتهروا في الأمة وعرفوا بصحبتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهم أول من يدخل في الخطاب.

قال تعالى: (كنتم خير أمَّة أُخرجت للناس ... ) [سورة آل عمران (آية"11.")].

اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية:

... فمنهم من قال: إنَّهم: (الذين هاجروا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة ... ) (2).

... ومنهم من قال: إنَّ ذلك جميع هذه الأمَّة (3).

... وهذان المعينان لا تكاد تخرج عنهما أقوال المفسرين.

... فالله - عز وجل - أثنى إمَّا على الصحابة المهاجرين، وإمَّا على كامل الأمَّة.

... والظاهر أنَّ الجيل الأول كان له النصيب الأوفر فهم أنصار الدين ورواته، وقد توافر لهم من أسباب الصلاح والتقوى ما لم يتوافر لغيرهم.

... والله - عز وجل - قد أطلق الثناء بضمير الخطاب فهل يُعقل أن يثني - عز وجل - على الأمَّة مخاطبًا أولها بقوله: "كنتم" ولا يشمل الخطاب إلاَّ: "أربعة أشخاص"؟! والبقية إمَّا كفار مرتدون، وإمَّا ظلمة فُسَّاق!!

__________

(1) التفسير/1/ 335/

(2) تفسير الطبري/11/ 29/

(3) تفسير الطبري/11/ 29/

قال تعالى: (ولا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير) [سورة الحديد (آية"1.")]

قال الرازي: (واعلم أنَّ الآية دلت على أنَّ من صدر عنه الإنفاق في سبيل الله والقتال مع أعداء الله قبل الفتح يكون أعظم حالاً ممن صدر عنه هذان الأمران بعد الفتح).

... إلى أن قال: (وكل واحد من الفريقين: (وعد الله الحسنى) أي المثوبة وهي الجنَّة مع تفاوت الدرجات) (1).

... قلت: فالآية نصت على فضل من قاتل من الصحابة - رضي الله عنهم - وأنفق من ماله لنصرة دينه قبل فتح مكة_أوحادثة الحديبية على قول_وعلى من فعل ذلك بعد ذلك مع وعد كل منهما بالحسنى وهي الجنَّة.

... هل هذا الوعد لجماعة كبيرة أم لأربعة أشخاص؟!

... وهل يدخل فيها أبوبكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - أم لا؟

... فإن قيل: نعم يدخلون فهذا مفهوم الآية.

... وإن قيل "لا": فما هوالدليل؟ ثمَّ لوقال شخص إنَّهم غير داخلين لا هم ولا عليّ - رضي الله عنهم - فما هوالجواب؟

... فإن قيل: الدليل من السنَّة أنَّ عليًّا منهم.

... قيل: وكذلك السنَّة تدل على أنَّ هؤلاء منهم.

قال تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا) [سورة الفتح (آية"18")].

وردت هذه البيعة في أغلب كتب السنن والتفاسير.

وقد ورد عددهم في صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله أنَّه قال: "كنَّا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه" (2).

... قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة) (3).

__________

(1) التفسير/29/ 22./

(2) صحيح مسلم/ص"1483"/

(3) تفسير ابن كثير/7/ 342/

وهذا خبر من الله - عز وجل - بأنَّه رضي عن هؤلاء المؤمنين وذلك يقتضي تقرير إيمانهم ورضاه عنهم وإذا رضي الله - عز وجل - عن شخص أوقوم فإنَّه لا يسخط عليهم لأنَّ رضاه - عز وجل - دليل على استمرارهم على الإيمان.

... فهل هؤلاء الذين بايعوا كلهم مؤمنون؟ أم أكثرهم؟! أم أقلهم؟ وما هوالدليل؟

... وكيف سبحانه يخاطبهم بهذه الألفاظ التي تقرر رضاه عن الجميع ويكون المراد: أربعة أشخاص؟!

قال تعالى: (واعلموا أنَّ فيكم رسول الله لويطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون - فضلاً من الله ونعمة والله عليم حكيم) [سورة الحجرات (آية"7")].

يمتن الله - عز وجل - على الصحابة أنفسهم بأنَّه حبب إليهم: "الإيمان" و: "وزينه في قلوبهم" .. إلخ هذه النعم!

فهل تحقق ذلك لجيل الصحابة أم لا؟

فإن تحقق فهل يجوز أن يُتهموا في عدالتهم ودينهم ويُعتقد أنَّهم سيغيرون ويبدلون ويعصون رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟!

أيمتن الله - عز وجل - بما لا حقيقة له؟!

أويمتن بما يعلم أنَّهم سيتخلون عنه؟!

إنَّنا نشهد أنَّه - عز وجل - قد أنعم عليهم وقد تحققت نعمته وأنَّهم عاشوا عليها وماتوا عليها وأنَّهم أزكياء أبرار - رضي الله عنهم - وألحقنا بهم في دار كرامته.

قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذوالفضل العظيم) [سورة المائدة (آية"54")].

أولاً: في الآية جملة شرطية وجوابها يعني أنَّه إذا وُجد فعل الشرط وُجد جوابه لا محالة.

وقد حدثت ردة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - من كثير من العرب ثمَّ إن الله - عز وجل - أقام أبا بكر - رضي الله عنه - لهذه الردة ومعه إخوانه من عظماء الصحابة فقاتلوا المرتدين حتَّى أعادوهم إلى الدين.

فإن قال الشيعة: إنَّ الردة قد وقعت وهي هذه وأقروا بالحقيقة فقد اعترفوا بفضل الصدِّيق - رضي الله عنه -.

وإن أنكروا فلا يستحقون المناظرة لأنَّ إنكار البديهيات يسقط أهلية المخالف للحوار.

وإن قالوا: إنَّ أبا بكر وإخوانه ارتدوا.

قلنا: قد وعد الله - عز وجل - وشرط أنَّه إن وقعت ردة فإنَّه لابد أن يأتي بمن يجاهد أهلها فأين من قاتل الصدِّيق؟!

ثانيًا: إنَّ المتأمل في سيرة الصدِّيق - رضي الله عنه - وأخلاقه يرى هذه الصفات متوافرة فيه - رضي الله عنه -.

فقد كان سهلاً لينًا على إخوانه المؤمنين، مهابًا تخافه الدول، وقد سيَّر الجيوش تجاهد في سبيل الله ولم يتوانَ عن حرب الردة رغم قلة المسلمين آنذاك.

ثالثًا: إنَّ هذه الأوصاف إنَّما تحققت في جيش الصدِّيق وجيش عمر وجيش عثمان - رضي الله عنهم -، وقد كان علي - رضي الله عنه - معهم وبعض من قاتل معه بعد ذلك.

وقد كانت هذه الأخلاق متوافرة في عهود الثلاثة - رضي الله عنهم - ثمَّ توقف بعضها في خلافة عليّ - رضي الله عنه - إن لم تتوقف بكاملها.

وذلك أنَّ الآية قيدت مجيء هؤلاء الأقوام بالردة ولم يحدث في عهده - رضي الله عنه - ردة وإنَّما وقعت فتنة بدون اختياره - رضي الله عنه -.

فالشاهد أنَّ هذا الوعد تحقق وتمت نعمة الله - عز وجل - على الصدِّيق وإخوانه ممَّا يؤكد فضلهم وإيمانهم وعدالتهم.

رابعًا: كثير من الشيعة الإمامية يزعمون أنَّ الصحابة ارتدوا، ثمَّ زعموا أنَّ عليًّا ترك قتالهم تقية وحرصًا على وحدة المسلمين؟!!!! فلِمَ قاتل الصدِّيق المرتدين ولم يقاتل عليّ؟! لأنَّه لا ردة.

الحمد لله على العافية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بين شيئًا) [سورة النور (آية"55")].

أولاً: وعد الله - عز وجل - من آمن من الصحابة وعمل الصالحات أن يستخلفهم ويمكن لهم .. إلخ الموعود.

وقد قيد تحقق تلك الوعود بالإيمان والعمل الصالح فهل تحقق ذلك الموعود؟

وذلك يعني: أنَّه إذا وُجِد الإيمان والعمل الصالح وُجِدت تلك الوعود، وإن وُجِدت تلك الوعود يعني: تحقق الإيمان والعمل الصالح.

... ثانيًا: هل تحقق هذا الوعد؟

... لا شك أنَّه قد استخلف الله - عز وجل - الصحابة ومكَّن لهم الدين وعاشوا في حياة الخلفاء الراشدين آمنين وفتح بهم الأرض.

... وهذا دليل تحقق الإيمان والعمل الصالح لأنَّ المخاطبين بهذا الوعد إن كان للأمَّة فالصحابة إليهم وجِّه الخطاب أولاً وإن كان لهم خاصة كما هوظاهر النص فهم الموعودون.

... ثالثًا: تحقق الموعود على أيديهم شهادة لهم بالإيمان - رضي الله عنهم -، وإيمانهم لا شك فيه عند الأمَّة إلاَّ من ضل وابتدع وما كان لنا أن ندافع عن إيمانهم لولا ما ابتُليت به الأمَّة من مرضى القلوب وفاسدي العقائد والله المستعان.

... رابعًا: هذه الآية من دلائل الإعجاز في أخبار القرآن الكريم حيث أخبر - عز وجل - بتمكين هذه الأمَّة فتحقق كما أخبر وهذا من أخبار الغيب.


أصحابي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. إنهم ما زالوا مرتدين

السؤال الأول لمن يفرطون في محبة وتعظيم علي:

هل بايع علي مرتدين؟ وزوج أحدهم ابنته؟ وسمى أبناءه بأسمائهم؟

المرتدون هم جماعة ارتدوا بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأرسل أبوبكر في حربهم. وكان ممن حاربهم علي الذي كانت تحته امرأة من سبيهم وهي خولة بنت جعفر أم محمد بن علي الأكبر (شرح الأخبار3/ 295 للقاضي النعمان المغربي) ونسب المجلسي هذا القول إلى المحققين من الرواة وجعله هوالقول الأظهر (بحار الأنوار42/ 99).

السؤال الثاني: هل يتناقض القرآن؟ كيف يفهم من هذا ارتدادهم وهوالذي أثنى عليهم مهاجرين وأنصارا؟ كيف يمكن الله للمنقلبين أن يتملكوا المنصب الإلهي ويحرم منه من وعدهم بالتمكين؟

فهل عندكم من مخرج سوى القول بالبداء؟

حديث أصحابي عام. والقرآن خص بالثناء المهاجرين والأنصار فهل الرافضة يخصصونهم بالثناء موافقة للقرآن؟

القرآن أثبت وجود منافقين كانوا يتظاهرون بالآية لا تفيد تحقق الارتداد. فقد قال تعالى] أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين [. فلماذا أخذتم القرآن عنهم وهم مرتدون محرفون للنصوص؟ وهل عندكم بدائل عنهم؟


حديث الحوض

... قال الرافضي ص119 تحت عنوان: (رأي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الصحابة).

... «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم).

... وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي).

... فالمتمعن في هذه الآحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده - صلى الله عليه وسلم -، إلا القليل الذي عبر عنه بهمل النعم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال حمل هذه الآحاديث على القسم الثالث: وهم المنافقون لأن النص يقول: فأقول أصحابي، ولأن المنافقين لم يبدلوا بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلا

فأصبح المنافق بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً».

... والجواب: (أن هذين الحديثين اللذين ذكرهما صحيحان أخرجهما البخاري في صحيحه (1)، وأخرج مسلم الثاني منهما (2)، وللحديثين روايات أخرى أخرجهما الشيخان وغيرهما من الأئمة في كتب السنة، ولا حجة في هذه الأحاديث -بحمد الله- على مازعم هذا الرافضي من القول بردة الصحابة إلا القليل منهم، كما هومعتقد سلفه من الرافضة أخزاهم الله. وذلك أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مما لا يقبل النزاع في عدالتهم أوالتشكيك في إيمانهم بعد تعديل العليم الخبير لهم في كتابه، وتزكية رسوله - صلى الله عليه وسلم - لهم في سنته، وثناء الله ورسوله عليهم أجمل الثناء، ووصفهم بأحسن الصفات، مما هومعلوم ومتواتر من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما تقدم نقل بعض النصوص في ذلك. (3)

... ولهذا اتفق شراح الحديث من أهل السنة، على أن الصحابة غير معنيين بهذه الأحاديث وأنها لا توجب قدحاً فيهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)... صحيح البخاري: (كتاب الرقاق، باب في الحوض) فتح الباري 11/ 464 -... 465، ح 6584 - 6587.

(2)... صحيح مسلم: (كتاب الفضائل، باب إثبات الحوض) 4/ 1793،

... ح229.

(3)... انظر ص 215 - 217، 345 - 348.

... قال ابن قتيبة في معرض رده على الرافضة في استدلالهم بالحديث على ردة الصحابة: «فكيف يجوز أن يرضى الله -- عز وجل -- عن أقوام ويحمدهم، ويضرب لهم مثلاً في التوراة والإنجيل، وهويعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم وهذا هوشر الكافرين». (1)

... وقال الخطابي: «لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، ممن لانصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين، ويدل قوله: (أصيحابي) على قلة عددهم». (2)

... وقال الدهلوي: «إنا لا نسلم أن المراد بالأصحاب ماهوالمعلوم في عرفنا، بل المراد بهم مطلق المؤمنين به - صلى الله عليه وسلم - المتبعين له، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة أصحاب أبي حنيفة، ولمقلدي الشافعي أصحاب الشافعي، وهكذا وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب أصحابنا، مع أنه بينه وبينهم عدة من السنين، ومعرفتة - صلى الله عليه وسلم - لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)... تأويل مختلف الحديث ص279.

(2)... نقله عنهمابن حجر في فتح الباري 11/ 385.

... إلى أن قال: ولوسلمنا أن المراد بهم ما هوالمعلوم في العرف، فهم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق، وقوله: أصحابي أصحابي، لظن أنهم لم يرتدوا كما يُؤْذِن به ما قيل في جوابه: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

... فإن قلت: إن (رجالاً) في الحديث كما يحتمل أن يراد منه من ذكرت من مرتدي الأعراب، يحتمل أن يراد ما زعمته الشيعة أجيب: إن ما ورد في حقهم من الآيات والآحاديث وأقوال الأئمة مانع من إرادة ما زعمته الشيعة». (1)

... ثم ساق الآيات والأحاديث في فضل الصحابة.

... وإذا ثبت هذا فاعلم أيها القارئ: أن العلماء قد اختلفوا في أولئك المذادين عن حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - -كما في الأحاديث- بعد اتفاقهم أن الصحابة -- رضي الله عنه -- غير مرادين بذلك.

... قال النووي في شرح بعض روايات الحديث عند قوله - صلى الله عليه وسلم -: (هل تدري ما أحدثوا بعدك): «هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:

... أحدها: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي - صلى الله عليه وسلم - للسيما التي عليهم، فيقال: ليس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)... مختصر التحفة الإثني عشرية ص272 - 273.

هؤلاء مما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك: أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.

... والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ارتد بعده فيناديهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه - صلى الله عليه وسلم - في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.

... والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله - سبحانه وتعالى - فيدخلهم الجنة بغير عذاب». (1)

... ونقل هذه الأقوال، أوقريباً منها، القرطبي، وابن حجر

-رحمهما الله تعالى-. (2)

... قلت: ولا يمتنع أن يكون أولئك المذادون عن الحوض هم من مجموع تلك الأصناف المذكورة، فإن الروايات محتملة لكل هذا، ففي بعضها يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقول: (أصحابي) أو(أصيحابي -بالتصغير-)، وفي بعضها يقول: (سيؤخذ أناس من دوني فأقول ياربي مني ومن أمتي) وفي بعضها يقول: (ليردن عليّ أقوام أعرفهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)... شرح صحيح مسلم 3/ 136 - 137.

(2)... انظر: المفهم للقرطبي 1/ 54، وفتح الباري لابن حجر 11/ 385.

ويعرفوني) (1)، وظاهر ذلك أن المذادين ليسوا طائفة واحدة.

... وهذا هوالذي تقتضيه الحكمة، فإن العقوبات في الشرع تكون بحسب الذنوب، فيجتمع في العقوبة الواحدة كل من استوجبها من أصحاب ذلك الذنب.

... كما روى عن طائفة من الصحابة منهم عمر وابن عباس - رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} (2): قالوا: (أشباههم يجئ أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر) (3)، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين أن سبب الذود عن الحوض هوالارتداد كما في قوله: (إنهم ارتدوا على أدبارهم)، أوالإحداث في الدين، كما في قوله: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (4)، فمقتضى ذلك هوأن يُذاد عن الحوض كل مرتد عن الدين سواء أكان ممن ارتد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)... انظر: الروايات في صحيح البخاري: (كتاب الرقاق، باب الحوض) فتح... الباري 11/ 463 - 465، وصحيح مسلم: (كتاب الفضائل، باب اثبات... الحوض) 4/ 1792 - 182.

(2)... سورة الصافات آية 22.

(3)... تفسير ابن كثير 4/ 4.

(4)... انظر: الروايات في الصحيحين بحسب ما جاء في الحاشية رقم (1) من هذه... الصفحة.

بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأعراب، أومن كان بعد ذلك، يشاركهم في هذا أهل الإحداث وهم المبتدعة.

... وهذا هوظاهر قول بعض أهل العلم.

... قال ابن عبد البر: «كل من أحدث في الدين فهومن المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والروافض، وسائر أصحاب الأهواء، قال: وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر والله أعلم». (1)

... وقال القرطبي في التذكرة: «قال علماؤنا -رحمة الله عليهم أجمعين- فكل من ارتد عن دين الله، أوأحدث فيه ما لا يرضاه، ولم يأذن به الله، فهومن المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائهاء، فهؤلاء كلهم مبدلون). (2)

... وإذا ما تقرر هذا ظهرت براءة الصحابة من كل ما يرميهم به الرافضة فالذود عن الحوض إنماهوبسبب الردة أوالإحداث في الدين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)... نقلاً عن النووي في شرح صحيح مسلم 3/ 137.

(2)... التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة 1/ 348.

والصحابة من أبعد الناس عن ذلك، بل هم أعداء المرتدين الذين قاتلوهم وحاربوهم في أصعب الظروف وأحرجها بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - على ماروى الطبري في تأريخه بسنده عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: (قد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وقلتهم وكثرة عدوهم). (1)

... ومع هذا تصدى أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لهؤلاء المرتدين وقاتلوهم قتالاً عظيماً وناجزوهم حتى أظهرهم الله عليهم فعاد للدين من أهل الردة من عاد، وقتل منهم من قتل، وعاد للإسلام عزه وقوته وهيبته على أيدي الصحابة -- رضي الله عنه -- وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.

... وكذلك أهل البدع كان الصحابة -رضوان الله عليهم- أشد الناس إنكاراً عليهم، ولهذا لم تشتد البدع وتقوى إلا بعد انقضاء عصرهم، ولما ظهرت بعض بوادر البدع في عصرهم أنكروها وتبرؤا منها ومن أهلها.

فعن ابن عمر-- رضي الله عنه --أنه قال لمن أخبره عن مقالة القدرية: (إذا لقيت هؤلاءفأخبرهم أن ابن عمرمنهم بريء، وهم منه برآء ثلاث مرات). (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)... تاريخ الطبري 3/ 225.

(2)... أخرجه عبدالله بن أحمد في كتاب السنة 2/ 42، والآجري في الشريعة... ص25.

... وعن ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: (ما في الأرض قوم أبغض إلى ّ من أن يجيئوني فيخاصموني من القدرية في القدر). (1)

... ويقول البغوي ناقلاً إجماع الصحابة وسائر السلف على معاداة أهل البدع: «وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنن على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم». (2)

... وهذه المواقف العظيمة للصحابة من أهل الردة وأهل البدع، من أكبر الشواهد الظاهرة على صدق تدينهم، وقوة إيمانهم، وحسن بلائهم في الدين، وجهادهم أعداءه بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى أقام الله بهم السنة وقمع البدع، الأمر الذي يظهر به كذب الرافضة في رميهم لهم بالردة والإحداث في الدين، والذود عن حوض

النبي - صلى الله عليه وسلم -. بل هم أولى الناس بحوض نبيهم لحسن صحبتهم له في حياته، وقيامهم بأمر الدين بعد وفاته.

... ولا يشكل على هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني) (3) فهؤلاء هم من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)... أخرجه الآجري في الشريعة ص213.

(2)... شرح السنة للبغوي 1/ 194.

(3)... جزء من حديث سهل بن سعد أخرجه البخاري في صحيحه: (كتاب... الرقاق، باب الحوض) فتح الباري 11/ 464، ح6582.

مات النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد ذلك، كما ارتدت كثير من قبائل العرب بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهؤلاء في علم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أصحابه، لأنه مات وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد وفاته ولذا يقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، وفي بعض الروايات: (إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري) (1) فظاهر أن هذا في حق المرتدين بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأين أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين قاموا بأمر الدين بعد نبيهم خير قيام، فقاتلوا المرتدين، وجاهدوا الكفار والمنافقين، وفتحوا بذلك الأمصار، حتى عم دين الله كثيراً من الأمصار، من أولئك المنقلبين على أدبارهم.

... وهؤلاء المرتدون لا يدخلون عند أهل السنة في الصحابة، ولا يشملهم مصطلح (الصحبة) إذا ما أطلق. فالصحابي كما عرفه العلماء المحققون: «من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به ومات على الإسلام». (2)

... وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم) (3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)... انظر: الروايات في صحيح البخاري: (كتاب الرقاق، باب الحوض) فتح... الباري 11/ 464 - 465، وصحيح مسلم: (كتاب الفضائل، باب إثبان... الحوض) 4/ 1796.

(2)... الاصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 1/ 7.

(3)... تقدم تخريج الحديث ص 35، وهَمَل النعم: ضوال الإبل، واحدها: هامل،... أي الناجي منهم قليل في قلة النَّعَم الضالة، النهاية لابن الاثير 5/ 274.

واحتجاج الرافضي به على تكفير الصحابة إلا القليل منهم فلا حجة له فيه، لأن الضمير في قوله (منهم) إنما يرجع على أولئك القوم الذين يدنون من الحوض ثم يذادون عنه، فلا يخلص منهم إليه إلا القليل وهذا ظاهر من سياق الحديث فإن نصه: (بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلَمّ فقلت أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم). (1)

... فليس في الحديث للصحابة ذكر وإنما ذكر زمراً من الرجال يذادون من دون الحوض ثم لا يصل إليه منهم إلا القليل.

... قال ابن حجر في شرح الحديث عند قوله: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم) «يعني من هؤلاء الذين دنوا من الحوض وكادوا يردونه فصدوا عنه... والمعنى لا يرده منهم إلا القليل لأن الهَمَل في الإبل قليل بالنسبة لغيره». (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)... تقدم تخريج الحديث ص 35.

(2)... فتح الباري 11/ 474 - 475.

... وبهذا يظهر كذب الرافضي وتلبيسه، وبراءة الصحابة من طعنه وتجريحه، على أن أحاديث الحوض في الجملة لواستقام للرافضي الاحتجاج بها على ردة بعض الصحابة -مع أن ذلك لا يستقيم بما تقدم ذكره -فأين الدليل على تعيين المرتدين المحدثين منهم الذين تعتقد الرافضة ردتهم من الصحابة، فإن هذا يحتاج إلى دليل، ولواحتج الخوارج الذين يكفرون علياً -- رضي الله عنه -- بهذه الآحاديث على ردة علي -- رضي الله عنه -- حاشاه ذلك- ما استطاع الرافضة الذب عنه، بل لوقال الخارجي الواقع يشهد بصحة ما اعتقد فإن الحروب والفتن وتفرق المسلمين وسفك دمائهم إنما كان في عهده دون من سبقه من الخلفاء، لانقطع الرافضي في الخصومة، وهذا لايعني صحة قول الخارجي ولا قوة حجته بل قوله فاسد، معلوم فساده بالاضطرار من دين المسلمين بما تواتر من الأدلة القاطعة بعدالة الصحابة وتزكية الله ورسوله لهم، وبما اشتهر من الأدلة الخاصة في فضل علي -- رضي الله عنه --، لكن الرافضة بفساد عقولهم وضعف أفهامهم لما قدحوا في كل الأصول الدالة على عدالة الصحابة جميعاً، لا يستطيعون بعدها أن يقيموا حجة واحدة على عدالة علي، إلا ألزمهم الخوارج بمثل قولهم في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهذا أصل عظيم في الرد على الرافضة ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: «وهكذا أمر أهل السنة مع الرافضة في أبي بكر، وعلي، فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي

وعدالته وأنه من أهل الجنة، فضلاً عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة، كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة. فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون علياً أوالنواصب الذين يفسقونه: إنه كان ظالماً طالباً للدنيا، وإنه طلب الخلافة لنفسه وقاتل عليها بالسيف، وقتل على ذلك ألوفاً من المسلمين حتى عجز عن انفراده بالأمر، وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقاتلوه، فهذا الكلام وإن كان فاسداً ففساد كلام الرافضي في أبي بكر، وعمر، أعظم، وإن كان ما قاله في أبي بكر، وعمر، متوجهاً مقبولاً فهذا أولى بالتوجه والقبول... ». (1)

... وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة وزيف ما ادعاه الرافضي.

... فلله الحمد والمنة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)... منهاج السنة 2/ 58، وانظر: كلاماً لشيخ الإسلام قريباً من هذا في مجموع... الفتاوى 4/ 468.


حديث الحوض

حديث الحوض فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يَرِدُ علي رجال أعرفهم ويعرفونني فيذادون عن الحوض - يعني حوض النبي يوم القيامة - فأقول أصحابي أصحابي فيقال: إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك) (1) ولهذا الحديث روايات أخرى فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (فأقول سحقاً سحقاً) (2) هؤلاء الذين يذادون عن الحوض من هم؟ قالوا هم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز لكم أن تثنوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم في الأصل يذادون عن الحوض ويقول النبي صلى الله عليه وسلم عنهم سحقا سحقاً .. فنقول مستعينين بالله تبارك وتعالى:

أولاً أن المراد بهؤلاء الصحابة المنافقون وذلك أن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام للنبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله جل وعلا {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ 1} (3) ..

__________

(1) صحيح البخاري , كتاب التفسير , باب كما بدأنا أول خلق نعيده , رقم 474 , كتاب الفتنة , باب قول الله واتقوا فتنة , رقم 749 , صحيح مسلم كتاب الطهارة حديث رقم 37.

(2) صحيح البخاري , كتاب الفتنة , باب قول الله واتقوا فتنة رقم 751 , صحيح مسلم كتاب الطهارة حديث 39

(3) سورة المنافقون آية 1.

وقد يقول قائل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف المنافقين فنقول نعم كان يعرف بعضهم ولم يكن يعرفهم كلهم ولذلك قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} (1) فبين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم جميع المنافقين وكان يظن أن أولئك من أصحابه وليسوا كذلك بل هم من المنافقين.

ثم الشيء الثاني أن المراد بهم الذين إرتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه بعد توفي النبي صلوات الله وسلامه عليه إرتد بعض العرب .. إرتدوا عن دين الله تبارك وتعالى حتى قاتلهم أبوبكر الصديق مع الصحابة رضي الله عنه أجمعين وسميت تلك الحروب بحروب الردة , فقالوا المراد بالذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم سحقاً سحقاً هم الذين أرتدوا بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه.

على الأول أوعلى الثاني لا يدخل أًصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر لماذا؟ لأننا في تعريف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماذا نقول؟ ..

نقول كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك.

فإذا قلنا أنهم هم المنافقون فالمنافقون لم يؤمنوا بالنبي يوماً صلوات الله وسلامه عليه , وإذا قلنا هم المرتدون فالمرتدون لم يموتوا على الإسلام .. فهؤلاء لا يدخلون في تعريف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

__________

(1) سورة التوبة آية رقم 11.

وأما إذا قصدوا أن الصحابة كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل أبوجهل في الصحابة وأبولهب وأمية بن خلف وأبي بن خلف والوليد بن عتبة وغيرهم من المشركين يدخلون في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونحن لا نقول بذلك أبداً .. ولكن نقول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأبوعبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعد بن معاذ ومعاذ بن جبل وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبدالله بن عمر وعبد الله بن العباس وعبد الله بن عمروبن العاص وفاطمة وعائشة والحسن والحسين وغيرهم كثير .. هؤلاء هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , فمن من هؤلاء كان منافقاً ومن من هؤلاء إرتد عن دين الله تبارك وتعالى بل كل هؤلاء آمنوا بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولقوه وماتوا على ذلك والعلم عند الله تبارك وتعالى.

فالقصد أن الجواب الأول أن قول النبي صلى الله عليه وسلم سحقاً سحقاً هوللمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم , أوهم الذين إرتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أصلاً من المسلمين ثم إرتدوا وتركوا دين الله جل وعلا.

وهناك جواب ثالث وهوأن المعنى كل من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولولم يتابعه , وإن كان النبي يعلم ذلك كعبد الله بن أبي بن سلول وهوكما هومعلوم رأس المنافقين وهوالذي قال: لإن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل , وهوالذي قال ما مثلنا ومثل محمد وأصحابه إلا كما الأول سمن كلبك يأكلك. فهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه فيكون هذا هوالمقصود ولذلك إن تعريف الصحابة بأنه كل من لقي النبي مؤمناً به ومات على ذلك تعريف متأخر وأما كلام العرب كل من صحب الرجل فهومن أصحابه مسلماً أوغير مسلم متبع له أوغير متبع هذا أمر آخر. ولذلك لما قال عبد الله بن أبي بن سلول كلمته الخبيثة (ليخرجن الأعز منها الأذل) قام عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغته هذه الكلمة قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق , فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يا عمر لا يقول الناس إن محمد يقتل أصحابه) (1) , فسماه من أصحابه صلوات الله وسلامه عليه وهورأس المنافقين , فهوغير داخل فالذين نحن نسميهم صحابة رضي الله عنه وأرضاهم.

__________

(1) صحيح البخاري كتاب التفسير , باب قوله (لئن رجعنا إلى المدينة) رقم 497 , صحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب باب نصر الأخ ظالما أومظلوما رقم63.

كذلك قد يكون المقصود بالأصحاب أي من صحب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الدين ولولم يرى النبي صلى الله عليه وسلم فندخل نحن في هذا المسمى ولذلك جاءت بعض روايات الحديث (أمتي أمتي) (1) بدل (أصحابي) فنكون من أمته صلوات الله وسلامه عليه , وقد يقول قائل كيف وقد جاء في الحديث (أعرفهم ويعرفونني) (2) فنقول أنه قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعرف أمته بآثار الوضوء صلوات الله وسلامه عليه.

ولنا سؤال هنا لوجاءنا النواصب , والنواصب هم الذين يبغضون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يبغضون علياً وفاطمة والحسن والحسين وغيرهم من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وقالوا هؤلاء الذين إرتدووهؤلاء الذين يذادون عن الحوض هم علي والحسن والحسين كيف تردون عليهم؟!

الرد عليهم بأن نقول لهم ليسوا من هؤلاء بل هؤلاء جاءت فيهم فضائل ..

فنقول أبوبكر وعمر وعثمان وأبوعبيدة جاءت فيهم فضائل فما الذي يخرج علياً ويدخل أبا بكر وعمر!!

فالقصد إذاً أن حديث الحوض لا يشمل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

__________

(1) صحيح البخاري , كتاب الفتنة , باب قول الله واتقوا فتنة , رقم 748 بلفظ (أمتي) دون تكرار.

(2) صحيح البخاري , كتاب الفتن , باب قول الله واتقوا فتنة , رقم 75 , وكتاب الرقاق باب: في الحوض رقم 6583.


لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ

لا شك أن مما استدل به الروافض على تكفير الصحابة قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في حق من دفع عن الحوض: «أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي» وله طرق كثيرة ومتعددة.

هذا الاستدلال على تكفير الصحابة لوقلبه عليهم ناصبي أوخارجي وقال بكفير علي بن أبي طالب أخذا بهذا الحديث وبتكفير من يرضون عنهم من الصحابة فما هوجوابهم؟

فبأي شيء يجيبون به على النواصب، فلأهل السنة أن يجيبوا بها عليهم.

فإن قالوا: إن عليا ثبتت فضائله.

قال أهل السنة: وأبوبكر وعمر وعثمان ثبتت فضائلهم.

وإن قالوا: إن هذا الحديث يستثنى منه من نرضى عنهم من الصحابة.

قلنا: ومن نرضى عنهم من الصحابة جميعا يستثنون من هذا الحديث.

وهكذا فالرافضة لوأخذ بأصولهم وطرقهم في الاستدلال لكان إلزامهم بقول الخوارج والنواصب أقوى من إلزامهم أهل السنة بأقوالهم، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه.

الوجه الثاني: نحن لا نسلم أن المعنِيَّ بهذا الحديث أحد من الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- سواء الذين يرضون عنهم الروافض أوالذين ينحرفون عنهم، إنما المراد بهذا الحديث:

إما أن يكونوا المنافقين، أوالذين ارتدوا في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وماتوا على الكفر، سواء قتلهم أبوبكر أم لا.

والصحابة -رضي الله عنهم- منزهون عن إدخالهم في هاتين الفئتين.

الوجه الثالث: ما هوالدليل الملزم من هذا الحديث على أن المراد به الصحابة الذين نشهد لهم بالعدالة؟ والأخذ بالعموم وارد عليهم أيضا.

فإذا لم يكن معهم دليل ملزم وتردد فهم الحديث على المنافقين والمرتدين حسْب قولنا، أوعلى الصحابة حسب قولهم، فالأمر قد تطرق إليه الاحتمال، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، وإن لم يكن هناك دليل معارض فكيف إذا كانت الأدلة متوافرة على بطلان حمل هذا الحديث على الصحابة؟

الوجه الرابع: أن في روايات هذا الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: «أصيحابي أُصَيْحابي» وهوفي صحيح مسلم وقد استدل به بعض علماء السنة على أن المراد بالتصغير التقليل.

وفي هذا إشارة إلا أنهم قلة، وأنتم تزعمون أنهم ارتدوا جميعا إلا ستة أونحوذلك.

ففي الحديث نفسه دليل عليهم، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام في بعض الروايات: «لَيَرِدَنَّ عَلَى حَوْضِي أَقْوَامٌ فَيُخْتَلَجُونَ دُونِي» وهذا السياق العربي يدل على القلة.

وقول القائل: يأتيني رجال من بني تميم، يشير إلى أن الذين أتوه أقل من الذين لم يأتوه من قبيلة بني تميم.

ولوكان الذين أتوه هم الأكثر، لقال: أتاني بنوتميم، وهذا كلام عربي واضح الدلالة على ذلك ففي الحديث موضعا يدلان على أن المراد القلة.

والروافض: يزعمون أنهم الأغلب والأكثر ففيه رد عليهم.

وهناك أجوبة لبعض علماء أهل السنة فيها نظر:

فمن ذلك: قول من ذهب إلى أن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: «أصحابي» الصحبة العامة، بمعنى أتباعي، والأتباع ليسوا محصورين في الصحابة، هذا قول ذهب إليه بعض العلماء، لكنه في نظري ليس قويا، واستدل بأنه يقال: فلان من أصحاب أبي حنيفة، أي يتبع مذهبه وإن لم يره أويجتمع به.

وكقول الرجل من الشافعية: قال أصحابنا، يعني علماء المذهب وإن لم يروه.

وعندي في هذا نظر لما جاء في الحديث: «يأتي أقوام أعرفهم ويعرفونني» وفي روايات أخرى: «لا يزالون مرتدين منذ فارقتهم»، فحمل الحديث على الصحبة العامة فيه نظر.

ويضاف إلى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «وددت أني قد رأيت إخواننا فقالوا يا رسول الله ألسنا بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض، فقالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لوكان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرلا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض فلا يذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم ألا هلم ألا هلم فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا فسحقا» هذا يقوي على أن الصحبة في الأصل لا تحمل على العموم، بل تحمل على الرؤيا والاجتماع.

الجواب الثاني:

قول من قال: إن المراد بالردة من وقع في بدعة أوكبيرة، وحمل كلمة مرتدين، أي الذين ارتدوا عن الطريق الصحيح لا عن الإسلام بالكلية.

ويجاب عنه: بأن اللفظ عام وتخصيصه يحتاج إلى دليل.

ولفظ الردة: أكثر ما يطلق في الردة عن الدين والخروج إلى غير الإسلام.

الجواب الثالث: أي الذي أجيب به، وفيه نظر، قول من قال: المراد بذلك أمة الدعوة لا أمة الإجابة، وما أجيب به في المسألة الأولى هوجواب في هذه المسألة، يعني: «أعرفهم ويعرفونني»، إلى غير ذلك «منذ فارقتهم»، ويضاف إلى ذلك أن الخارجين عن الإسلام من أمة الدعوة أكثر من الداخلين في الإسلام من أمة الإجابة، وقد سبق التقرير أن هؤلاء قلة.

وهذا من إنصاف أهل السنة أنهم لا يأخذوه من عالم أهل السنة كل ما يقوله.

وظاهر الحديث: أن الذين دفعوا عن الحوض قلة لا كثرة.

وعليه فالروافض لا يشملهم حديث الحوض، والرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم عن أناس يعرفهم، بدليل الحديث الذي فيه: أعرفهم ويعرفونني»، إلى غير ذلك «منذ فارقتهم.

ونحن في نسفنا لهذه الشبه نريد أن نذبح الروافض من الوريد إلى الوريد حتى نريق الدم، لا نمر على أعناقهم السكين فقط.

المصدر: شبكة الزهراء الإسلامية


شبهات حول الصحابة (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)


     منزلة الصحابة ومكانتهم في الدين أمر لا يجادل فيه مسلم صادق في إسلامه ، فهم الذين اختصهم الله لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فصدقوه وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزله معه ، وبذلوا في سبيل دينهم المهج والأرواح والغالي والنفيس ، حتى اكتمل بنيانه واشتدت أركانه ، فكانوا خير جيل عرفته البشرية ، وخير أمة أخرجت للناس ، وكانوا أهلا لرضوان الله ومحبته .وهذا ما حدا بعلماء المسلمين إلى أن يقفوا موقفا صارماً ممن يطعن في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أو يشكك في عدالتهم .
وقال يحيى بن معين رحمه الله في تليد بن سليمان المحاربي الكوفي : \" كذاب كان يشتم عثمان وكل من شتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- دجال لا يكتب عنه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" ( تهذيب التهذيب 1/447) .
عثمان ، ومن سب أحداً من الصحابة فهو أهل أن لا يروى عنه \"  ( تهذيب التهذيب 11/385) .
واستدلوا على ذلك بأحاديث ، منها ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : ( بينا أنا قائم إذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم فقلت : أين قال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة ، حتى إذا عرفتهم ، خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلم : قلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم )  .
- وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : ( تحشرون حفاة عراة غرلاً ثم قرأ {كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين } ، فأول من يكسى إبراهيم ، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال ، فأقول أصحابي : فيقال : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح : عيسى ابن مريم {وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ) .
ولرد هذه الشبهة نقول :
إلى غير ذلك من النصوص التي تزكيهم ، وتشيد بفضلهم ومآثرهم وصدق إيمانهم وبلائهم ، وتدعو إلى حفظ حقهم وإكرامهم وعدم إيذائهم بقول أو فعل ، وأي تعديل بعد تعديل الله لهم ؟! ، وأي تزكية بعد تزكية رسوله - صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى .
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله بعدما ذكر جملة من فضائل الصحابة رضي الله عنهم - :\" كلها مطابقة لما ورد في نص القرآن ، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة ، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم ، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له .... على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة ، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء والأولاد ، والمناصحة في الدين ، وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم ، والاعتقاد لنزاهتهم ، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين ، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين وهو مذهب كافة العلماء \" ( الكفاية في علم الرواية 48-49) .
وهو أيضاً طعن في الرسول - صلى الله عليه وسلم- الذي ترضّى عن صحابته ودافع عنهم وبشر بعضهم بالجنة فقال : ( أبو بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وعلي في الجنة ، وطلحة في الجنة ، والزبير في الجنة ، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ، وسعد في الجنة ، وسعيد في الجنة ، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة ) رواه الترمذي وروى الإمام أحمد بسند صحيح عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : ( لن يدخل النار رجل شهد بدرا والحديبية ) ، وتوفي - صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راض ، فهل من الممكن أن يتناقض الرسول - صلى الله عليه وسلم- مع نفسه ويقول للصحابي أنت في الجنة ثم يجده ممن ارتد عن الحوض !؟ أليس هذا طعن صريح في النبي صلوات الله وسلامه وعليه ؟! ، وكيف يجيب هؤلاء عن رواية الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه وحسنها الحافظ في الفتح ، وفيها أنه قال : \" يا رسول الله ادع الله أن لا يجعلني منهم ! قال : لست منهم \" ، فهل كان النبي - صلى الله عليه وسلم- لا يعلـم حال بقية الصحابة الذين أثنى عليهم ورضي عنهم كما علم حال أبي الدرداء عندما استثناه من المذادين عن الحوض ؟! .
وهذه الأحاديث قد ورد فيها ما يبين أسباب الذود عن الحوض ، وأوصاف أولئك المذادين عنه ، وهي أوصاف لا تنطبق على الصحابة رضي الله عنهم الذين رباهم النبي - صلى الله عليه وسلم- على عينه وتوفي وهو عنهم راض ، ولذا أجمع الأئمة والشراح على أن الصحابة رضي الله عنهم غير معنيين بهذه الأحاديث ، وأنها لا توجب أي قدح فيهم .
قال الإمام البغدادي في كتابه : (الفَرق بين الفِرق) : \" أجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم- من كندة ، وحنيفة وفزارة ، وبني أسد ، وبني بكر بن وائل ، لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين قبل فتح مكة ، وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- قبل فتح مكة وأولئك بحمد الله ومنِّه درجوا على الدين القويم والصراط المستقيم \" .
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على مسلم (3/136-137) عند كلامه على بعض روايات الحديث والتي فيها قوله عليه الصلاة والسلام : ( وهل تدري ما أحدثوا بعدك ) : \" هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال :
والثاني : أن المراد من كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ارتد بعده ، فيناديهم النبي - صلى الله عليه وسلم- ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء ، لما كان يعرفه - صلى الله عليه وسلم - في حياته من إسلامهم ، فيقال : ارتدوا بعدك .

فعلم أن الصحابة رضي الله عنهم غير داخلين في هذه الأوصاف ، ولو رجعنا إلى تعريف العلماء للصحابي لوجدنا ما يبين ذلك بجلاء ، فقد عرفوا الصحابي بأنه : \" من لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به ومات على ذلك \" ، وهذا التعريف يخرج به المنافقون والمرتدون فلا يشملهم وصف الصحبة أصلاً  .
وكذلك الحال بالنسبة للابتداع والإحداث في الدين ، فالصحابة رضي الله عنهم كان وجودهم هو صمام الأمان الذي يحول دون ظهور البدع وانتشارها ، ولم تشتد البدع وتقوى شوكتها إلا بعد انقضاء عصرهم ، ويدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم- : ( النجوم أمنة السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحـابي أتى أمتـي مـا يوعدون \" رواه مسلم ، قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لقوله - صلى الله عليه وسلم- : ( وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) : \" معناه من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن فيه ، وطلوع قرن الشيطان ، وظهور الروم وغيرهم عليهم ، وانتهاك مكة والمدينة وغير ذلك ، وهذه من معجزاته - صلى الله عليه وسلم – \" .
 ابن عمر منهم بريء ، وهم منه برآء ثلاث مرات \" أخرجه الآجري ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما- : \" ما في الأرض قوم أبغض إلىَّ من أن يجيئوني فيخاصموني في القدر من القدرية \" أخرجه الآجري ، ونقل البغوي إجماع الصحابة وسائر السلف على معاداة أهل البدع فقال : \" وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنن على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم \" ( شرح السنة للبغوي 1/194) .
ثالثاً : ليس هناك ما يمنع من أن يكون أولئك المذادون عن الحوض هم من جمع تلك الأوصاف الواردة في الأحاديث ، حتى ولو لم يكن ممن لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - طالما أنه اشترك في نفس الوصف ، وقد ورد في بعض روايات الحديث ما يقوي هذا الاحتمال ، ففي بعضها يقول - صلى الله عليه وسلم- : ( سيؤخذ أناس من دوني فأقول يا رب مني ومن أمتي ) وفي بعضها : ( بينا أنا قائم على الحوض إذا زمرة ) ، وفي بعضها :  ( ترد عليَّ أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه ....الحديث ) ، وذكر من يذادون وأنهم من هذه الأمة ، وفي بعضها: ( ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ) .
وقال القرطبي في التذكرة(1/348) : \" قال علماؤنا  -رحمة الله عليهم أجمعين-  فكل من ارتد عن دين الله ، أو أحدث فيه ما لا يرضاه ولم يأذن به الله ، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه .....\". 
فقوله ( منكم ) أي من الأمة ، وهذا يعني أنهم يحشرون جميعاً بنفس سيما المؤمنين كما في حديث الصراط : ( ....وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها.. ) ، مما يدل على أنهم يحشرون مع المؤمنين ويعرفهم النبي - صلى الله عليه وسلم- بسمات هذه الأمة .
خامساً : لو كان المقصود بهذه الأحاديث الصحابة الذين وجه إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كلامه ، لما احتاج عليه الصلاة والسلام أن يقول : ( ليردن علي الحوض أقوام ) ، أو ( بينا أنا قائم إذا زمرة ) ، أو ( ليردن علي ناس من أصحابي الحوض ) ، أو ( ثم يؤخذ برجال من أصحابي ) ، ولتوجه بالخطاب إليهم صراحة كأن يقول : ( لتردن علي الحوض ثم لتختلجن دوني ) ، وما أشبه ذلك ، مما يقطع بأن الصحابة رضي الله عنهم غير معنيين بهذه الأحاديث .
ألا ترى أن القائل إذا قال : أتاني اليوم أقوامٌ من بني تميم ، وأقوامٌ من أهل الكوفة فإنما يريد قليلاً من كثير ، ولو أراد أنهم أتوه إلا نفراً يسيراً ، لقال أتاني بنو تميم وأتاني أهل الكوفة ، ولم يجز أن يقول قوم ، لأن القوم هم الذين تخلفوا  .
سابعاً : من أين لهؤلاء المدعين تحديد بعض الصحابة بأنهم من المرتدين المحدِثين المذادين عن حوضه - صلى الله عليه وسلم- ، وتحديد آخرين بأنهم من المستثنين من ذلك ، والنصوص لم يرد فيها أي تحديد أو تقييد ، أليس ما جرى على أولئك المذادين يمكن أن يجري على غيرهم ؟ وما استدلوا به على ردتهم يمكن أن يستدل به خصومهم على ردة غيرهم – ونحن لا نقول بذلك - طالما أن النصوص لم يرد فيها تحديد ، فإن قيل : قد ثبتت جملة الأحاديث تثني على هؤلاء الصحابة المستثنين وتثبت أنهم من أهل الجنة ، فنقول : وكذا الصحابة الذين تحاولون إدخالهم فيمن يرتد عن الحوض ، هناك عشرات الأدلة من الكتاب والسنة تثبت رضى الله عنهم ، وتزكية رسوله - صلى الله عليه وسلم- لهم ، وتثني عليهم غاية الثناء ، وأنهم هـم المؤمنون حقاً ، وتثبت بالدليل القاطع أنهم من أهل الجنة .
وبذلك يتضح الحق ، وتنكشف الشبهة ، ويظهر فساد الاستدلال بهذه الأحاديث على الطعن في صحابة رسول الله - صلى الله عيه وسلم- ، وبراءتهم مما نسبوا إليه ، فرضي الله عنهم وأرضاهم ، وحشرنا في زمرتهم .


حديث الحوض


يستدل بعض الشيعة على ارتداد الصحابة أو بعضهم بحديث الحوض حيث قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «
يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُجلونَ عَن الْحَوْضِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي! فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى»([1]).

والجواب عن ذلك أن يقال:

أولاً:
الحديث ورد بصيغ متعددة، منها ما سبق، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ! فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَالله! قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى. ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ! قُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَالله! قُلْتُ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى. فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ»([2]).

ثانياً:
يقال لهؤلاء: النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يَعلَم من هم الذين بدلوا بعده إلا حين يَرِدُونَ عليه الحوض ثم يُرَدُّونَ عنه، فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلمهم، فمن الذي حددهم لكم وعيَّنهم بأسمائهم؟! فهل أنتم تعلمون ما لا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! وهل أنتم أعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!

ثالثاً:
يقال أيضاً: أنتم بين أمرين:
[1] إما أن تجعلوا حديث الحوض يشمل الخلفاء الثلاثة، ولفظ الحديث يدل على أن التغيير محصور فيما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بدليل قوله: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك».
فيلزم من هذا:
أنهم كانوا قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الإيمان، ولذلك ظن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم استمروا على ذلك، وأنهم سَيَرِدُونَ على الحوض، فَأُخبر أنهم أحدثوا بعده، وبالتالي يلزم بطلان ما نُسب إليهم من كُفر أو نِفاق أو استحقاق لِلَّعن ونحو ذلك؛ لقوله: «لا تدري ما أحدثوا بعدك».
[2] وإما أن لا تدخلوهم ضمن حديث الحوض، وهذا هو المطلوب.

رابعاً:
لو قال لنا قائل: إن النص عام، فيشمل أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه، وكذلك يشمل المقدادَ وعماراً وسلمانَ وأبا ذر رضي الله عنهم، فما الجواب؟

نقول له: إن الأدلة قد دلت على عدم شمول حديث الحوض للمهاجرين والأنصار؛ لأن الله وعدهم بالجنة.
فالأدلة التي دلت على خروج هؤلاء دلت كذلك على خروج باقي إخوانهم من المهاجرين والأنصار.
ولهذا فنحن نقول: إن هذا الحديث صحيحٌ عندنا ولا شك، لكنه لا يراد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه قطعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهد له بالجنة، وكذلك لا يراد به غيره من الصحابة السابقين للإسلام ممن شهد لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وعمار والمقداد وغيرهم من الصحابة رضي الله عنه.
وكذلك لا يمكن أن يراد به السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؛ لأن الله أخبر ووعد بأن لهم: ((جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً(( [التوبة:100].
فهل هؤلاء الذين وعدهم الله بالجنات هم المرتدون الناكثون، أو أن الله وعدهم بالجنات وهو لا يعلم أنهم سيرتدون، تعالى الله وتقدس عن الجهل والنقائص والعيوب؟!.

خامساً:
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا رهط» ولم يقل: فإذا أكثر أصحابي، والرهط في اللغة من ثلاثة إلى عشرة، فدل على أن الذين يمنعون عن الحوض قليل، ومثله يقال في قوله: «فإذا زمرة».

فإن قيل: إن هذا الحديث يدل على أن أكثر الصحابة يُرَدّون عن الحوض، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ»([3]).

فالجواب ظاهر:
 وهو أن هؤلاء الذين يخلصون (مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ)، هم من بين تلك الزمر التي عرضت عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وليسوا يخلصون من بين سائر الصحابة؛ أي: لا أراه يخلص من بين تلك الزمر التي تُردُّ عن الحوض إلا مثل همل النعم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي»([4]). وفي رواية: «بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ... فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ»([5])، ولم يقل: تُعرَضُون أنتم..
وتوضيح ذلك: أن الصحابة عددهم كثير جداً، وهؤلاء الصحابة يعرضون على الحوض ويشربون منه، ولكنْ هناك زمرٌ (أي: مجموعات) منها من تُردُّ عن الحوض؛ لأنها بدلت وغيرت، فيعفى عن مجموعة يسيرة من بين تلك المجموعات، وذلك فضل من الله سبحانه وتعالى([6]).
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بينا أنا قائم فإذا زمرة)، ولم يقل: بينا أنا قائم فإذا أكثر أصحابي، أو: فإذا أنتم يا من تسمعونني الآن، وهذا يدل على أن هذه الزمر عددها قليل بالنسبة لمجموع الصحابة رضي الله عنهم؛ ولهذا فبقية الصحابة لا يدخلون في هذا الحديث، بل هم أول من يَرِدُ الحوضَ ويشرب منه، فأين هذا من زعم الشيعة ارتداد الصحابة إلا نفراً قليلاً؟!
ومثاله: لو قال مسئول عنده ثلاثة آلاف موظف: عُرِضَ علي أسماء مجموعة من الموظفين بسبب إهمالهم وكسلهم فعاقبتهم، إلا مجموعة يسيرة عفوت عنهم لأسباب ما، فإن السامع لهذا الكلام يعلم أن الذين عُرِضوا عليه لا يشكلون نسبةً تذكر إلى بقية الموظفين.

سادساً:
في المراد بمن يذاد عن الحوض عِدَّةُ أقوالٍ:

القول الأول: قيل إنهم أناسٌ ممن أسلموا ولم يحسن إسلامهم، كأولئك الذين في أطراف الجزيرة وحصلت الردة منهم بعد ذلك، أو الذين منعوا الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قاتل الصحابة رضي الله عنهم هؤلاء، ونحن نعلم أنه قَدِمَ على النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتح مكة عشراتُ الوفود بالإسلام من قومهم، وأن الذين شهدوا حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتجاوز عددهم مائة ألف..، وهذا القول من أعدل الأقوال وأحسنها.
فكيف بالله يتهم هؤلاء الصحابة الذين زكاهم الله تعالى، ويترك مانعو الزكاة ممن قُتِل تحت سنابك خيل المهاجرين والأنصار، وكيف يُترك أتباع سَجَاح وطليحة بن خويلد وأمثالهم، ويُتهم صفوة الخلق الذين قاتلوهم، بل وقاتلوا قبل ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!
وتأمل هذا المعنى الجليل الذي تنقله كتب الشيعة عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه إذ يقول: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألفا، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير»([7]).
فالإمام جعفر الصادق رضي الله عنه يمتدح اثني عشر ألفاً من الصحابة جلهم من المدينة، ويشهد بأنهم لم يغيروا ولم يبدلوا حتى ماتوا، ثم يأتي الشيعة اليوم وقبل اليوم ليقولوا: لا؛ بل إن هؤلاء الصحابة قد غيروا وبدلوا وارتدوا على أعقابهم!!
القول الثاني: قال بعض أهل العلم: إن لفظ الصحابي في اللغةلا الاصطلاح الشرعي - يشمل المنافق، فيحتمل أن يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنافقين الذين لم يعرفهم أو لم يظهر له نفاقهم، وقد قال تعالى: ((لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ))، وإن كان يعلم غالبهم بالصفات التي وصفهم الله بها؛ والدليل على ذلك: أن رأس المنافقين وهو عبد الله بن أبيِّ بن سلول لما قال: أقد تداعَوا علينا؟ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث - يعني: عبدَ الله بن أُبَي بن سلول - فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»([8]).
ففي هذه الرواية دليل على أن مسمى الصحابة في اللغة يطلق على المنافقين أيضاً، ومن ثَمَّ يمكن حمل روايات الذم على هؤلاء، أي: يراد بلفظ الصحبة الوارد في حديث الحوض هؤلاء المنافقون، وليس الصحابة بالمصطلح الشرعي، والذين وعدهم الله بالحسنى والخلود في الجنات، وبهذا يحصل الجمع بين الروايات.

سابعاً:
 تأمل -هداني الله وإياك للحق- إخبارَ الله سبحانه وتعالى أنه غفر للمهاجرين والأنصار الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)) [التوبة:117].
فأي جريمة والله فيمن ينال من هؤلاء الذين أخبر سبحانه أنه تاب عليهم ورضي عنهم ووعدهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً؟!
وأي افتراء على صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين اتبعوه في ساعة العسرة، وتركوا ديارهم وأموالهم من أجل الله سبحانه وتعالى!
وأي مخالفةٍ لتزكية الله لهم في كثيرٍ من الآيات! بل أي جريمةٍ أن يأتي أحدٌ ويحدد من لم يحدده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الحوض، فيحدده بالمهاجرين والأنصار ويترك أولئك المرتدين في أرض اليمامة وغيرها!
وقد وصف الله المؤمنين الذين جاءوا من بعدهم بسلامة قلوبهم واستغفارهم للمهاجرين والأنصار، كما قال تعالى بعد ذكره للمهاجرين والأنصار)):وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(( [الحشر:10].


]) البخاري: (6097).
([2]) البخاري: (6215).
([3]) البخاري: (6215).
([4]) البخاري: (6215).
([5]) البخاري: (6215).
([6]) انظر: كتاب انتصار الحق مناظرة علمية مع بعض الشيعة الإمامية: (442)
([7]) الخصال: (640)، البحار: (22/305)، حدائق الأنس: (200).
([8]) صحيح البخاري: (3518)
([9]) انظر على سبيل المثال: كتاب ثم اهتديت: (114). بل صرح التيجاني – عياذاً بالله – بنفاق خاصة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير...، وذلك في كتابه: مؤتمر السقيفة.
([10]) البداية والنهاية: (4/29)، منهاج السنة: (4/169). نعم.. ثبت أن عمر قعد في مكانه لما أشيع موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك من هول الصدمة، لكنه عاود القتال لما نادى بعضُ الصحابة: موتوا على ما مات عليه..، فالقعودُ لفترةٍ يسيرةٍ شيءٌ، والفرارُ شيءٌ آخر.


حديث الحوض


... قال الرافضي ص119 تحت عنوان: (رأي الرسول ( في الصحابة).
... «قال رسول الله (: (بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، فلا أرى يخلص منهم إلا مثل همل النعم).
... وقال (: (إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي).
... فالمتمعن في هذه الآحاديث العديدة التي أخرجها علماء أهل السنة في صحاحهم ومسانيدهم، لا يتطرق إليه الشك في أن أكثر الصحابة قد بدلوا وغيروا، بل ارتدوا على أدبارهم بعده (، إلا القليل الذي عبر عنه بهمل النعم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال حمل هذه الآحاديث على القسم الثالث: وهم المنافقون لأن النص يقول: فأقول أصحابي، ولأن المنافقين لم يبدلوا بعد النبي (، وإلا
فأصبح المنافق بعد وفاة النبي ( مؤمناً».
... والجواب: (أن هذين الحديثين اللذين ذكرهما صحيحان أخرجهما البخاري في صحيحه(1)، وأخرج مسلم الثاني منهما(2)، وللحديثين روايات أخرى أخرجهما الشيخان وغيرهما من الأئمة في كتب السنة، ولا حجة في هذه الأحاديث -بحمد الله- على مازعم هذا الرافضي من القول بردة الصحابة إلا القليل منهم، كما هو معتقد سلفه من الرافضة أخزاهم الله. وذلك أن أصحاب النبي ( مما لا يقبل النزاع في عدالتهم أو التشكيك في إيمانهم بعد تعديل العليم الخبير لهم في كتابه، وتزكية رسوله ( لهم في سنته، وثناء الله ورسوله عليهم أجمل الثناء، ووصفهم بأحسن الصفات، مما هو معلوم ومتواتر من كتاب الله وسنة رسوله ( على ما تقدم نقل بعض النصوص في ذلك. (3)
... ولهذا اتفق شراح الحديث من أهل السنة، على أن الصحابة غير معنيين بهذه الأحاديث وأنها لا توجب قدحاً فيهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... صحيح البخاري: (كتاب الرقاق، باب في الحوض) فتح الباري 11/464- ... 465، ح 6584-6587.
(2) ... صحيح مسلم: (كتاب الفضائل، باب إثبات الحوض) 4/1793،
... ح229.
(3) ... انظر ص 215-217 ، 345-348.
... قال ابن قتيبة في معرض رده على الرافضة في استدلالهم بالحديث على ردة الصحابة: «فكيف يجوز أن يرضى الله -(- عن أقوام ويحمدهم، ويضرب لهم مثلاً في التوراة والإنجيل، وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله ( إلا أن يقولوا: إنه لم يعلم وهذا هو شر الكافرين».(1)
... وقال الخطابي: «لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، ممن لانصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين، ويدل قوله: (أصيحابي) على قلة عددهم». (2)
... وقال الدهلوي: «إنا لا نسلم أن المراد بالأصحاب ماهو المعلوم في عرفنا، بل المراد بهم مطلق المؤمنين به ( المتبعين له، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة أصحاب أبي حنيفة، ولمقلدي الشافعي أصحاب الشافعي، وهكذا وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب أصحابنا، مع أنه بينه وبينهم عدة من السنين، ومعرفتة ( لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... تأويل مختلف الحديث ص279.
(2) ... نقله عنه ابن حجر في فتح الباري 11/385.
... إلى أن قال: ولو سلمنا أن المراد بهم ما هو المعلوم في العرف، فهم الذين ارتدوا من الأعراب على عهد الصديق، وقوله: أصحابي أصحابي، لظن أنهم لم يرتدوا كما يُؤْذِن به ما قيل في جوابه: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.
... فإن قلت: إن (رجالاً) في الحديث كما يحتمل أن يراد منه من ذكرت من مرتدي الأعراب، يحتمل أن يراد ما زعمته الشيعة أجيب: إن ما ورد في حقهم من الآيات والآحاديث وأقوال الأئمة مانع من إرادة ما زعمته الشيعة». (1)
... ثم ساق الآيات والأحاديث في فضل الصحابة.
... وإذا ثبت هذا فاعلم أيها القارئ: أن العلماء قد اختلفوا في أولئك المذادين عن حوض النبي ( -كما في الأحاديث- بعد اتفاقهم أن الصحابة -(- غير مرادين بذلك.
... قال النووي في شرح بعض روايات الحديث عند قوله (: (هل تدري ما أحدثوا بعدك): «هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال:
... أحدها: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، فيناديهم النبي ( للسيما التي عليهم، فيقال: ليس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... مختصر التحفة الإثني عشرية ص272-273.
هؤلاء مما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك: أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم.
... والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي ( ثم ارتد بعده فيناديهم النبي (، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه ( في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك.
... والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هذا لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله ( فيدخلهم الجنة بغير عذاب». (1)
... ونقل هذه الأقوال، أو قريباً منها، القرطبي، وابن حجر
-رحمهما الله تعالى-. (2)
... قلت: ولا يمتنع أن يكون أولئك المذادون عن الحوض هم من مجموع تلك الأصناف المذكورة، فإن الروايات محتملة لكل هذا، ففي بعضها يقول النبي ( فأقول: (أصحابي) أو (أصيحابي -بالتصغير-)، وفي بعضها يقول: (سيؤخذ أناس من دوني فأقول ياربي مني ومن أمتي) وفي بعضها يقول: (ليردن عليّ أقوام أعرفهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... شرح صحيح مسلم 3/136-137.
(2) ... انظر: المفهم للقرطبي 1/504، وفتح الباري لابن حجر 11/385.
ويعرفوني)(1)، وظاهر ذلك أن المذادين ليسوا طائفة واحدة.
... وهذا هو الذي تقتضيه الحكمة، فإن العقوبات في الشرع تكون بحسب الذنوب، فيجتمع في العقوبة الواحدة كل من استوجبها من أصحاب ذلك الذنب.
... كما روى عن طائفة من الصحابة منهم عمر وابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم}(2): قالوا: (أشباههم يجئ أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر)(3)، وإذا كان النبي ( قد بين أن سبب الذود عن الحوض هو الارتداد كما في قوله: (إنهم ارتدوا على أدبارهم)، أو الإحداث في الدين، كما في قوله: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)(4)، فمقتضى ذلك هو أن يُذاد عن الحوض كل مرتد عن الدين سواء أكان ممن ارتد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... انظر: الروايات في صحيح البخاري: (كتاب الرقاق، باب الحوض) فتح ... الباري 11/463-465، وصحيح مسلم: (كتاب الفضائل، باب اثبات ... الحوض) 4/1792-1802.
(2) ... سورة الصافات آية 22.
(3) ... تفسير ابن كثير 4/4.
(4) ... انظر: الروايات في الصحيحين بحسب ما جاء في الحاشية رقم (1) من هذه ... الصفحة.
بعد موت النبي ( من الأعراب، أو من كان بعد ذلك، يشاركهم في هذا أهل الإحداث وهم المبتدعة.
... وهذا هو ظاهر قول بعض أهل العلم.
... قال ابن عبد البر: «كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض، كالخوارج، والروافض، وسائر أصحاب الأهواء، قال: وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر والله أعلم». (1)
... وقال القرطبي في التذكرة: «قال علماؤنا -رحمة الله عليهم أجمعين- فكل من ارتد عن دين الله، أو أحدث فيه ما لا يرضاه، ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طرداً من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، كالخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائهاء، فهؤلاء كلهم مبدلون). (2)
... وإذا ما تقرر هذا ظهرت براءة الصحابة من كل ما يرميهم به الرافضة فالذود عن الحوض إنماهو بسبب الردة أو الإحداث في الدين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... نقلاً عن النووي في شرح صحيح مسلم 3/137.
(2) ... التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة 1/348.
والصحابة من أبعد الناس عن ذلك، بل هم أعداء المرتدين الذين قاتلوهم وحاربوهم في أصعب الظروف وأحرجها بعد موت النبي ( على ماروى الطبري في تأريخه بسنده عن عروة بن الزبير عن أبيه قال: (قد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيهم ( وقلتهم وكثرة عدوهم). (1)
... ومع هذا تصدى أصحاب النبي ( لهؤلاء المرتدين وقاتلوهم قتالاً عظيماً وناجزوهم حتى أظهرهم الله عليهم فعاد للدين من أهل الردة من عاد، وقتل منهم من قتل، وعاد للإسلام عزه وقوته وهيبته على أيدي الصحابة -(- وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.
... وكذلك أهل البدع كان الصحابة -رضوان الله عليهم- أشد الناس إنكاراً عليهم، ولهذا لم تشتد البدع وتقوى إلا بعد انقضاء عصرهم، ولما ظهرت بعض بوادر البدع في عصرهم أنكروها وتبرؤا منها ومن أهلها.
فعن ابن عمر-(-أنه قال لمن أخبره عن مقالة القدرية:(إذا لقيت هؤلاءفأخبرهم أن ابن عمرمنهم بريء،وهم منه برآء ثلاث مرات). (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... تاريخ الطبري 3/225.
(2) ... أخرجه عبدالله بن أحمد في كتاب السنة 2/420، والآجري في الشريعة ... ص205.
... وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (ما في الأرض قوم أبغض إلىّ من أن يجيئوني فيخاصموني من القدرية في القدر). (1)
... ويقول البغوي ناقلاً إجماع الصحابة وسائر السلف على معاداة أهل البدع: «وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنن على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم». (2)
... وهذه المواقف العظيمة للصحابة من أهل الردة وأهل البدع، من أكبر الشواهد الظاهرة على صدق تدينهم، وقوة إيمانهم، وحسن بلائهم في الدين، وجهادهم أعداءه بعد موت رسول الله (، حتى أقام الله بهم السنة وقمع البدع، الأمر الذي يظهر به كذب الرافضة في رميهم لهم بالردة والإحداث في الدين، والذود عن حوض
النبي (. بل هم أولى الناس بحوض نبيهم لحسن صحبتهم له في حياته، وقيامهم بأمر الدين بعد وفاته.
... ولا يشكل على هذا قول النبي (: (ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني)(3) فهؤلاء هم من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... أخرجه الآجري في الشريعة ص213.
(2) ... شرح السنة للبغوي 1/194.
(3) ... جزء من حديث سهل بن سعد أخرجه البخاري في صحيحه: (كتاب الرقاق، باب الحوض) فتح الباري 11/464، ح6582.
مات النبي ( وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد ذلك، كما ارتدت كثير من قبائل العرب بعد موت النبي (، فهؤلاء في علم النبي ( من أصحابه، لأنه مات وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد وفاته ولذا يقال له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، وفي بعض الروايات: (إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري) (1) فظاهر أن هذا في حق المرتدين بعد موت النبي (. وأين أصحاب النبي ( الذين قاموا بأمر الدين بعد نبيهم خير قيام، فقاتلوا المرتدين، وجاهدوا الكفار والمنافقين، وفتحوا بذلك الأمصار، حتى عم دين الله كثيراً من الأمصار، من أولئك المنقلبين على أدبارهم.
... وهؤلاء المرتدون لا يدخلون عند أهل السنة في الصحابة، ولا يشملهم مصطلح (الصحبة) إذا ما أطلق. فالصحابي كما عرفه العلماء المحققون: «من لقي النبي ( مؤمناً به ومات على الإسلام». (2)
... وأما قول النبي (: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)(3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... انظر: الروايات في صحيح البخاري: (كتاب الرقاق، باب الحوض) فتح ... الباري 11/464-465، وصحيح مسلم: (كتاب الفضائل، باب إثبان ... الحوض) 4/1796.
(2) ... الاصابة في تمييز الصحابة لابن حجر 1/7.
(3) ... تقدم تخريج الحديث ص 350، وهَمَل النعم: ضوال الإبل، واحدها: هامل، أي الناجي منهم قليل في قلة النَّعَم الضالة، النهاية لابن الاثير 5/274.
واحتجاج الرافضي به على تكفير الصحابة إلا القليل منهم فلا حجة له فيه، لأن الضمير في قوله (منهم) إنما يرجع على أولئك القوم الذين يدنون من الحوض ثم يذادون عنه، فلا يخلص منهم إليه إلا القليل وهذا ظاهر من سياق الحديث فإن نصه: (بينما أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلَمّ فقلت أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم). (1)
... فليس في الحديث للصحابة ذكر وإنما ذكر زمراً من الرجال يذادون من دون الحوض ثم لا يصل إليه منهم إلا القليل.
... قال ابن حجر في شرح الحديث عند قوله: (فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعم) «يعني من هؤلاء الذين دنوا من الحوض وكادوا يردونه فصدوا عنه... والمعنى لا يرده منهم إلا القليل لأن الهَمَل في الإبل قليل بالنسبة لغيره». (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... تقدم تخريج الحديث ص 350.
(2) ... فتح الباري 11/474-475.
... وبهذا يظهر كذب الرافضي وتلبيسه، وبراءة الصحابة من طعنه وتجريحه، على أن أحاديث الحوض في الجملة لو استقام للرافضي الاحتجاج بها على ردة بعض الصحابة -مع أن ذلك لا يستقيم بما تقدم ذكره -فأين الدليل على تعيين المرتدين المحدثين منهم الذين تعتقد الرافضة ردتهم من الصحابة، فإن هذا يحتاج إلى دليل، ولو احتج الخوارج الذين يكفرون علياً -(- بهذه الآحاديث على ردة علي -(- حاشاه ذلك- ما استطاع الرافضة الذب عنه، بل لو قال الخارجي الواقع يشهد بصحة ما اعتقد فإن الحروب والفتن وتفرق المسلمين وسفك دمائهم إنما كان في عهده دون من سبقه من الخلفاء، لانقطع الرافضي في الخصومة، وهذا لايعني صحة قول الخارجي ولا قوة حجته بل قوله فاسد، معلوم فساده بالاضطرار من دين المسلمين بما تواتر من الأدلة القاطعة بعدالة الصحابة وتزكية الله ورسوله لهم، وبما اشتهر من الأدلة الخاصة في فضل علي -(-، لكن الرافضة بفساد عقولهم وضعف أفهامهم لما قدحوا في كل الأصول الدالة على عدالة الصحابة جميعاً، لا يستطيعون بعدها أن يقيموا حجة واحدة على عدالة علي، إلا ألزمهم الخوارج بمثل قولهم في أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهذا أصل عظيم في الرد على الرافضة ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول:«وهكذا أمر أهل السنة مع الرافضة في أبي بكر، وعلي، فإن الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي
وعدالته وأنه من أهل الجنة، فضلاً عن إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة، كما أن النصراني إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة. فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون علياً أو النواصب الذين يفسقونه: إنه كان ظالماً طالباً للدنيا، وإنه طلب الخلافة لنفسه وقاتل عليها بالسيف، وقتل على ذلك ألوفاً من المسلمين حتى عجز عن انفراده بالأمر، وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقاتلوه، فهذا الكلام وإن كان فاسداً ففساد كلام الرافضي في أبي بكر، وعمر، أعظم، وإن كان ما قاله في أبي بكر، وعمر، متوجهاً مقبولاً فهذا أولى بالتوجه والقبول...». (1)
... وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة وزيف ما ادعاه الرافضي.
... فلله الحمد والمنة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. ... منهاج السنة 2/58، وانظر: كلاماً لشيخ الإسلام قريباً من هذا في مجموع ... الفتاوى 4/468.


    شبهة حديث الحوض

    حديث الحوض فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( يَرِدُ علي رجال أعرفهم ويعرفونني فيذادون عن الحوض - يعني حوض النبي يوم القيامة - فأقول أصحابي أصحابي فيقال : إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك ) ولهذا الحديث روايات أخرى فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( فأقول سحقاً سحقاً ) هؤلاء الذين يذادون عن الحوض من هم ؟ قالوا هم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز لكم أن تثنوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم في الأصل يذادون عن الحوض ويقول النبي صلى الله عليه وسلم عنهم سحقا سحقاً .. فنقول مستعينين بالله تبارك وتعالى :
    أولاً أن المراد بهؤلاء الصحابة المنافقون وذلك أن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام للنبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله جل وعلا { إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ 1 } ..
    وقد يقول قائل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف المنافقين فنقول نعم كان يعرف بعضهم ولم يكن يعرفهم كلهم ولذلك قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } فبين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم جميع المنافقين وكان يظن أن أولئك من أصحابه وليسوا كذلك بل هم من المنافقين .
    ثم الشيء الثاني أن المراد بهم الذين إرتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه بعد توفي النبي صلوات الله وسلامه عليه إرتد بعض العرب .. إرتدوا عن دين الله تبارك وتعالى حتى قاتلهم أبو بكر الصديق مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وسميت تلك الحروب بحروب الردة , فقالوا المراد بالذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم سحقاً سحقاً هم الذين أرتدوا بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه .
    على الأول أو على الثاني لا يدخل أًصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر لماذا ؟ لأننا في تعريف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماذا نقول ؟ ..
    نقول كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك .
    فإذا قلنا أنهم هم المنافقون فالمنافقون لم يؤمنوا بالنبي يوماً صلوات الله وسلامه عليه , وإذا قلنا هم المرتدون فالمرتدون لم يموتوا على الإسلام .. فهؤلاء لا يدخلون في تعريف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
    وأما إذا قصدوا أن الصحابة كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل أبو جهل في الصحابة وأبو لهب وأمية بن خلف وأبي بن خلف والوليد بن عتبة وغيرهم من المشركين يدخلون في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونحن لا نقول بذلك أبداً .. ولكن نقول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعد بن معاذ ومعاذ بن جبل وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبدالله بن عمر وعبد الله بن العباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وفاطمة وعائشة والحسن والحسين وغيرهم كثير .. هؤلاء هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , فمن من هؤلاء كان منافقاً ومن من هؤلاء إرتد عن دين الله تبارك وتعالى بل كل هؤلاء آمنوا بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولقوه وماتوا على ذلك والعلم عند الله تبارك وتعالى .
    فالقصد أن الجواب الأول أن قول النبي صلى الله عليه وسلم سحقاً سحقاً هو للمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم , أو هم الذين إرتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أصلاً من المسلمين ثم إرتدوا وتركوا دين الله جل وعلا .
    وهناك جواب ثالث وهو أن المعنى كل من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو لم يتابعه , وإن كان النبي يعلم ذلك كعبد الله بن أبي بن سلول وهو كما هو معلوم رأس المنافقين وهو الذي قال : لإن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل , وهو الذي قال ما مثلنا ومثل محمد وأصحابه إلا كما الأول سمن كلبك يأكلك . فهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه فيكون هذا هو المقصود ولذلك إن تعريف الصحابة بأنه كل من لقي النبي مؤمناً به ومات على ذلك تعريف متأخر وأما كلام العرب كل من صحب الرجل فهو من أصحابه مسلماً أو غير مسلم متبع له أو غير متبع هذا أمر آخر . ولذلك لما قال عبد الله بن أبي بن سلول كلمته الخبيثة ( ليخرجن الأعز منها الأذل ) قام عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغته هذه الكلمة قال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق , فقال صلى الله عليه وسلم : (لا يا عمر لا يقول الناس إن محمد يقتل أصحابه ) , فسماه من أصحابه صلوات الله وسلامه عليه وهو رأس المنافقين , فهو غير داخل فالذين نحن نسميهم صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم .
    كذلك قد يكون المقصود بالأصحاب أي من صحب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الدين ولو لم يرى النبي صلى الله عليه وسلم فندخل نحن في هذا المسمى ولذلك جاءت بعض روايات الحديث ( أمتي أمتي ) بدل ( أصحابي ) فنكون من أمته صلوات الله وسلامه عليه , وقد يقول قائل كيف وقد جاء في الحديث ( أعرفهم ويعرفونني ) فنقول أنه قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعرف أمته بآثار الوضوء صلوات الله وسلامه عليه .
    ولنا سؤال هنا لو جاءنا النواصب , والنواصب هم الذين يبغضون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يبغضون علياً وفاطمة والحسن والحسين وغيرهم من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وقالوا هؤلاء الذين إرتدو وهؤلاء الذين يذادون عن الحوض هم علي والحسن والحسين كيف تردون عليهم ؟؟!
    الرد عليهم بأن نقول لهم ليسوا من هؤلاء بل هؤلاء جاءت فيهم فضائل ..
    فنقول أبو بكر وعمر وعثمان وأبو عبيدة جاءت فيهم فضائل فما الذي يخرج علياً ويدخل أبا بكر وعمر !!
    فالقصد إذاً أن حديث الحوض لا يشمل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .


    كلام نفيس غاية في النفاسة للعلامة الفقيه ابن عثيمين توجيه حديث أصيحابي أصيحابي!

    كلام نفيس غاية في النفاسة للعلامة الفقيه ابن عثيمين:

    رد لشبهة رافضية على الصحب الكرام:

    ذكره عند رواية مسلم في تعليقه على صحيح مسلم:

    والرواية:

    (وليصدنّ عنّي طائفة منكم فلا يصلون،فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي، فيجيبني مَلَك فيقول:

    وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟!).

    قال الشيخ العلامة ابن عثيمين-رحمه الله تعالى-:

    ((يقول:"طائفة منكم"،والطائفة أقلها ثلاثة،بل قيل: إن أقلها واحد، حتى قال بعض العلماء في قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}، بأنه يكفي واحد في شهود إقامة حد الزنا على الزاني.

    وقالوا: إنّ طائفة اسم فاعل من طاف يطوف إذا تردد، وهو صفة لموصوف محذوف تقديره: نفْسٌ طائفة،وعلى هذا فالواحد يكون طائفة؛ وإذا لم نسلم هذا القول فإن الثلاثة بلا شك تُسمّى طائفة؛ وهذه الثلاثة التي تُسمّى طائفة أخذ منها الرافضة أنّ جميع الصحابة هم الطائفة!،وأنهم كلهم يُصدُّون عن حوض النبي-صلى الله عليه الصلاة والسلام- -قاتلهم الله- إلا نفرا قليلا من آل البيت!!، ومن يرون أنهم يستحقون أن يكونوا من آل البيت حكما!

    فيقال: لا شك أنه بعد موت النبي-صلى الله عليه وسلم- ارتدت طائفة من المؤمنين، ومنهم من مات على الردة،ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم الغيب، وهؤلاء سوف يُصدُّون يوم القيامة عن حوض الرسول -عليه الصلاة والسلام- لأنهم ماتوا على الكفر، وقال الله تعالى: {ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.

    ولكن أتدرون ماذا يحصل من هذا القول الباطل الكذب من أن الصحابة كلهم ارتدوا إلا نفرا قليلا؟!!

    إنه يستلزم ردَّ جميع الشريعة إلا ما جاءت عن طريق هؤلاء المستثنين،وإلا فكلها مردودة! لأنهم يقولون: كلهم ارتدوا عن دينهم -والعياذ بالله- والمرتد لا يقبل خبره، وفي هذا بيان لخطورة هذا المذهب وأنه لو قيل بلوازمه -وهي لازمة سواء قيل بها أم لم يقل بها- إذا قيل بذلك معناه: إبطال كل الشريعة التي جاءت من غير طرق هؤلاء!!

    والحاصل:

    أن هذا الحديث ليس فيه دليل على أن أكثر الصحابة مرتدون،وإنما فيه طائفة، وإذا قلنا: بأنّ أقلهم واحد فهو واحد؛ وإن قلنا: إن أقلهم ثلاثة فهم ثلاثة؛ وليكونوا عشرة! لكن هل الذين ارتدوا-أيضا- هل هم ممّن رسخوا في الإسلام؟!

    أبدا، إن الذين رسخوا في الإسلام لم يرتدوا، بل الذين بايعوا تحت الشجرة ألف وأربعمائة كلهم لن يدخلوا النار، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:

    (إنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)،ولقول الله تعالى:

    {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}.

    وكل الذين حضروا بدْرا فإنهم لن يدخلوا النار،لأن الله تعالى اطلع إلى أهل بدر وقال:

    (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).

    ومن هؤلاء الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-،ومعلوم أنّ من الرافضة من يقول: إنّ أبا بكر وعمر ماتا على النفاق!! وإنهما مخلدان في نار جهنم-والعياذ بالله-.

    فالحاصل: أنّ هذا الحديث ليس فيه متمسك للرافضة الذين يقولون: إنّ أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ماتوا على الكفر إلا نفرا قليلا!!

    بل نقول:

    الطائفة معروفة في اللغة العربية، ونحن نخرج باليقين من بايعوا تحت الشجرة، ومن كانوا من أهل بدر، لأن خبر الله تعالى لا يدخله النسخ {لقد رضي الله عن المؤمنين}

    وخبر النبي-صلى الله عليه وسلم- لا يدخله النسخ: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة).

    وخبر النبي-صلى الله عليه وسلم- لا يدخله النسخ: (إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).

    وقد نفذ ذلك النبي-صلى الله عليه وسلم- تطبيقا عمليا في قصة حاطب بن أبي بلتعة-رضي الله عنه- حين جسّ على رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لصالح قريش، فاستأذن عمر-رضي الله عنه- أو غيره من الصحابة، أن يضرب عنقه، فقال: لا، إن الله اطّلع إلى أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) اهـ.


    وقفات مهمة مع حديث الحوض ، وبيان الطوائف التي تردهم الملائكة عنده

     
    السؤال : ما تفسير الحديث القدسي في ما معناه - أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يرِد المسلمون إلى حوضه ، يُرجع الله طائفة من الناس فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( يا رب ، أمتي ، أمتي ) فيقول عز وجل : إنك لا تدري ما فعلوا بعدك ؟ .
    الجواب:
    الحمد لله
    أولاً:
    اصطلح المحدثون على تسمية الحديث الوارد هنا : " حديث الحوض " ، وللحديث ألفاظ وروايات متعددة ، ليس بينها – بفضل الله – اختلاف .
    وهذه بعض الروايات بألفاظها المختلفة :
    عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ، فَأَقُولُ : إِنَّهُمْ مِنِّي ، فَيُقَالُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ : سُحْقًا ، سُحْقًا ، لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي ) .
    رواه البخاري ( 6212 ) ومسلم ( 2290 ) .
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ : ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا ) قَالُوا : أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ) فَقَالُوا : كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : ( أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ) قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، أَلَا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ ؛ أُنَادِيهِمْ : أَلَا هَلُمَّ . فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ . فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا ) .
    رواه مسلم ( 249 ) .
    عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ مِنْكُمْ ، فَلَيُقَطَّعَنَّ رِجَالٌ دُونِي ، فَلَأَقُولَنَّ : يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي ، فَلَيُقَالَنَّ لِي : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ) .
    رواه أحمد ( 41 / 388 ) وصححه المحققون .
    عن أَنَس بْن مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي ، فَلَأَقُولَنَّ : أَيْ رَبِّ أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي ، فَلَيُقَالَنَّ لِي : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ) .
    رواه البخاري ( 6211 ) ومسلم ( 2304 ) .
    عن عَبْد اللَّهِ بنِ مسعود قال : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ لَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ حَتَّى إِذَا أَهْوَيْتُ لِأُنَاوِلَهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي ، فَأَقُولُ : أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي يَقُولُ : لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ) .
    رواه البخاري ( 6642 ) ومسلم ( 2297 ) .
    ثانياً:
    عند التأمل في الأحاديث السابقة نجد أن الكلام قد انحصر في مجموعات ترِد حوض النبي صلى الله عليه وسلم لتشرب منه ، فتردهم الملائكة ، ويناديهم النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ هي " أمتي " ، " أصحابي " ، " أصيحابي " ، وليس بينها اختلاف تضاد ، بل هي محمولة على أناس تشملهم معاني تلك الكلمات ، ويمكننا أن نجملهم بهذه الطوائف :
    1. مرتدون عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا أسلموا في حياته ورأوه وهم على الإسلام .
    2. مرتدون عن الإسلام في أواخر حياته صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن يعلم بكفرهم .
    3. أهل النفاق ممن أظهر الإسلام ، وأبطن الكفر .
    4. أهل الأهواء الذين غيَّروا سنَّة النبي صلى الله وسلم وهديه ، كالروافض ، والخوارج .
    5. وبعض العلماء يُدخل فيهم : أهل الكبائر ، وله ما يؤيد من السنَّة ، فقد روى الإمام أحمد في مسنده ( 9 / 514 ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكِذْبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ) وصححه المحققون .
    ولفظ " أمتي " في الأحاديث يصدق على أهل القول الرابع ، والخامس ، ولفظ " أصحابي " و " أصيحابي " على الأقوال الثلاثة الأوَل .
    ومما يدل على أنهم من أمته صلى الله عليه وسلم : أنه عرفهم بالغرة والتحجيل ، وهي سيما خاصة بهذه الأمة ، ويكون تعرف النبي صلى الله عليهم وسلم هناك بصفاتهم ، لا بأعيانهم ؛ لأنهم جاءوا بعده .
    ومما يدل على دخول المنافقين في اسم " أصحابي " : قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ) رواه البخاري ( 3518 ) ، وهذا معنى لغوي بحت للصحبة ، ليس أنهم استحقوا شرفها ؛ لأن تعريف الصحابي الاصطلاحي لا يصدق على هؤلاء .
    وهذه طائفة من أقوال أهل العلم في تلك الأحاديث :
    1. قال النووي - رحمه الله – في شرح الحديث - :
    هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال :
    أحدها : أن المراد به المنافقون ، والمرتدون ، فيجوز أن يُحشروا بالغرة والتحجيل ، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم ، فيقال : ليس هؤلاء مما وُعدتَ بهم ، إن هؤلاء بدَّلوا بعدك ، أي : لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم .
    والثاني : أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد بعده ، فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء ، لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم ، فيقال : ارتدوا بعدك .
    والثالث : أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد ، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام .
    " شرح مسلم " ( 3 / 136 ، 137 ) .
    2. وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :
    وقال الخطابي : لم يرتد من الصحابة أحد ، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب ، ممن لا نصرة له في الدين ، وذلك لا يوجب قدحاً في الصحابة المشهورين ، ويدل قوله : ( أصيحابي ) بالتصغير على قلة عددهم .
    " فتح الباري " ( 11 / 385 ) .
    3. وقال الشيخ عبد القاهر البغدادي – رحمه الله - :
    أجمع أهل السنَّة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من كِندة ، وحنيفة ، وفزارة ، وبني أسد ، وبني بكر بن وائل ، لم يكونوا من الأنصار ، ولا من المهاجرين قبل فتح مكة ، وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة ، وأولئك بحمد الله ومنِّه درجوا على الدين القويم ، والصراط المستقيم .
    وأجمع أهل السنة على أن من شهد مع رسول الله بدراً : من أهل الجنة ، وكذلك كل مَن شهد معه بيعة الرضوان بالحديبية .
    " الفَرْق بين الفِرق " ( ص 353 ) .
    4. وقال الشاطبي – رحمه الله - :
    والأظهر : أنهم من الداخلين في غمار هذه الأمة ؛ لأجل ما دل على ذلك فيهم ، وهو الغرة والتحجيل ؛ لأن ذلك لا يكون لأهل الكفر المحض ، كان كفرهم أصلاً ، أو ارتداداً .
    ولقوله : ( قد بدلوا بعدك ) ، ولو كان الكفر : لقال : " قد كفروا بعدك " ، وأقرب ما يحمل عليه : تبديل السنة ، وهو واقع على أهل البدع ، ومن قال : إنه النفاق : فذلك غير خارج عن مقصودنا ؛ لأن أهل النفاق إنما أخذوا الشريعة تقيةً ، لا تعبداً ، فوضعوها غير مواضعها ، وهو عين الابتداع .
    ويجري هذا المجرى كل من اتخذ السنَّة والعمل بها حيلةً وذريعةً إلى نيل حطام الدنيا ، لا على التعبد بها لله تعالى ؛ لأنه تبديل لها ، وإخراج لها عن وضعها الشرعي .
    " الاعتصام " ( 1 / 96 ) .
    5. قال القرطبي – رحمه الله - :
    قال علماؤنا رحمة الله عليهم أجمعين : فكلُّ مَن ارتد عن دين الله ، أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ، ولم يأذن به الله : فهو من المطرودين عن الحوض ، المبعدين عنه ، وأشدهم طرداً : مَن خالف جماعة المسلمين ، وفارق سبيلهم ، كالخوارج على اختلاف فرقها ، والروافض على تباين ضلالها ، والمعتزلة على أصناف أهوائها ، فهؤلاء كلهم مبدِّلون ، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور ، والظلم ، وتطميس الحق ، وقتل أهله ، وإذلالهم ، والمعلنون بالكبائر ، المستخفون بالمعاصي ، وجماعة أهل الزيغ ، والأهواء ، والبدع .
    ثم البعد قد يكون في حال ، ويقربون بعد المغفرة إن كان التبديل في الأعمال ، ولم يكن في العقائد ، وعلى هذا التقدير يكون نور الوضوء ، يُعرفون به ، ثم يقال لهم ( سحقاً ) ، وإن كانوا من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُظهرون الإيمان ، ويُسرون الكفر : فيأخذهم بالظاهر ، ثم يكشف له الغطاء فيقول لهم : ( سحقاً سحقاً ) ، ولا يخلد في النار إلا كافر ، جاحد ، مبطل ، ليس في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان .
    " التذكرة في أحوال الموتى والدار الآخرة " ( ص 352 ) .
    ثالثاً:
    مما يبين كذب الروافض في زعمهم أن الصحابة الأجلاء أبا بكر وعمر وعثمان من أولئك المرتدين : أنه قد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه قد حصلت ردة ، وقتال للمرتدين ، فمَن قاتل مَن ؟ إن الذي ارتد هم الذين ذكرنا وصفهم ، من بعض قبائل العرب ، وإن الذي قاتلهم هو أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه ، وإخوانه من المهاجرين والأنصار - وقد شاركهم في قتالهم : علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وسبى من بني حنيفة امرأة ، أنجبت له فيما بعد الإمام العلَم " محمد بن الحنفية " - ؛ فإذا كان الصحابة الكرام : أبو بكر وعمر ، ومن معهما من المهاجرين والأنصار : مرتدين ؛ فماذا يكون حال مسليمة وأتباعه ، والعنسي وأتباعه ؟! إلا إن هذا هو عين النفاق والشقاق ، وقول الباطل وشهادة الزور .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :
    الله أكبر على هؤلاء المرتدين المفترين ، أتباع المرتدين ، الذين برزوا بمعاداة الله ورسوله وكتابه ، ودينه ، ومرقوا من الإسلام ، ونبذوه وراء ظهورهم ، وشاقوا الله ورسوله وعباده المؤمنين ، وتولوا أهل الردة والشقاق ؛ فإن هذا الفصل وأمثاله من كلامهم : يحقق أن هؤلاء القوم المتعصبين على الصدِّيق رضي الله عنه وحزبه ـ من أصولهم ـ من جنس المرتدين الكفار ، كالمرتدين الذين قاتلهم الصدِّيق رضي الله عنه .
    " منهاج السنة النبوية " ( 4 / 490 ) .
    وقال – رحمه الله - :
    وفي الجملة : فأمر مسيلمة الكذاب ، وادعاؤه النبوة ، واتباع بني حنيفة له باليمامة ، وقتال الصدِّيق لهم على ذلك : أمر متواتر ، مشهور ، قد علمه الخاص ، والعام ، كتواتر أمثاله ، وليس هذا من العلم الذي تفرد به الخاصة ، بل عِلْم الناس بذلك أظهر من علمهم بقتال " الجمَل " و " صفِّين " ، فقد ذُكر عن بعض أهل الكلام أنه أنكر " الجمل " ، و " صفين " ، وهذا الإنكار وإن كان باطلا : فلم نعلم أحداً أنكر قتال أهل " اليمامة " ، وأن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة ، وأنهم قاتلوه على ذلك .
    لكن هؤلاء الرافضة مِن جحدهم لهذا ، وجهلهم به : بمنزلة إنكارهم لكون أبي بكر وعمر دُفِنَا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنكارهم لموالاة أبي بكر ، وعمر للنبي صلى الله عليه وسلم ، ودعواهم أنه نص على " علي " بالخلافة ، بل منهم من ينكر أن تكون زينب ، ورقية ، وأم كلثوم من بنات النبي صلى الله عليه وسلم ! ويقولون : إنهن لخديجة من زوجها الذي كان كافراً قبل النبي صلى الله عليه وسلم .
    " منهاج السنة النبوية " ( 4 / 492 ، 493 ) .
    وقال – أيضاً - :
    وهم – أي : الرافضة - يدَّعون أن أبا بكر وعمر ، ومن اتبعهما ارتدوا عن الإسلام ! وقد علم الخاص والعام : أن أبا بكر هو الذي قاتل المرتدين ، فإذا كانوا يدَّعون أن أهل اليمامة مظلومون ، قتلوا بغير حق ، وكانوا منكرين لقتال أولئك ، متأولين لهم : كان هذا مما يحقق أن هؤلاء الخلف تبع لأولئك السلف ، وأن الصدِّيق وأتباعه يقاتلون المرتدين في كل زمان .
    وقوله – أي : ابن المطهر الحلي الرافضي – " إنهم سمُّوا بني حنيفة مرتدين لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر " : فهذا مِن أظهر الكذب ، وأبينِه ؛ فإنه إنما قاتل بني حنيفة لكونهم آمنوا بمسيلمة الكذاب ، واعتقدوا نبوته ، وأما مانعو الزكاة : فكانوا قوماً آخرين ، غير بني حنيفة ، وهؤلاء كان قد وقع لبعض الصحابة شبهة في جواز قتالهم ، وأما بنو حنيفة فلم يتوقف أحد في وجوب قتالهم ... .
    " منهاج السنة النبوية " ( 4 / 493 ، 494 ) .
    رابعاً:
    يقال لهؤلاء الروافض : لماذا ارتد الخلفاء الثلاثة دون علي ؟! وما الذي استثنى مثل " عمار بن ياسر " و " المقداد بن الأسود " و " أبا ذر " و " سلمان الفارسي " من الردة ؟! أم هو التحكم والهوى ؟! .
    ونحن نعتقد أن المهاجرين والأنصار في الجنة خالدين فيها أبداً ، قال تعالى : ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) التوبة/ 100 .
    ونعتقد أن أبا بكر في الجنة ، وعمر في الجنة ، وعثمان في الجنة ، وعلي في الجنة ، وهكذا كل من سماهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن هؤلاء جميعاً سيشربون من حوض النبي صلى الله عليه وسلم شراباً هنيئاً ، والويل والثبور لمن لعنهم ، وكفرهم ، فهو أولى أن يكون يوم القيامة في صف المرتدين الذين حاربهم أولئك الأطهار .
    خامساً:
    هذه الأحاديث حجة على الروافض ؛ حيث يثبتون فيها ردة الصحابة رضي الله عنهم إلا نفراً قليلاً ، ويزعمون أنهم " أحدثوا " بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعنى هذا أنهم كانوا على الإيمان قبل ذلك ! فأي دين اعتقدوه بعد ذلك ؟ وماذا فعلوا ما استحقوا به التكفير ؟! فإن قالوا : سلب الخلافة من علي رضي الله عنه : فيقال لهم هذه معصية ! تكفرها الحسنات ، ويكفي الصحابة سبكم ولعنكم لهم حتى توضع أوزارهم عليكم إن شاء الله .
    وإن قالوا : قتل جنين فاطمة ! : قلنا قد قُتل في زمن علي رضي الله عنه الآلاف ! فهل تطبقون عليه القاعدة نفسها في التكفير ؟! .
    فتبين مما سبق : أن الصحابة الأجلاء هم الذين دافعوا عن دين الله ، وهم الذين أوقفوا مدَّ الردة ، والتي قام على إذكائها ونشرها سلف أولئك الروافض ، من أمثال مسيلمة الكذاب ، والأسود العنسي ، وأن الله تعالى قد أثنى في كتابه الكريم على المهاجرين والأنصار في قرآن يُتلى إلى قيام الساعة ، وقد نزههم ربهم عن الوقوع في البدعة ، فكيف يقعون في الردة ، وهم الذين نشروا الإسلام في الآفاق ؟! .
    والله أعلم
     
    الإسلام سؤال وجواب


    شبهة حديث الحوض

    حديث الحوض فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( يَرِدُ علي رجال أعرفهم ويعرفونني فيذادون عن الحوض – يعني حوض النبي يوم القيامة - فأقول أصحابي أصحابي فيقال : إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك ) ولهذا الحديث روايات أخرى فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( فأقول سحقاً سحقاً ) هؤلاء الذين يذادون عن الحوض من هم ؟ قالوا هم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز لكم أن تثنوا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم في الأصل يذادون عن الحوض ويقول النبي صلى الله عليه وسلم عنهم سحقا سحقاً .. فنقول مستعينين بالله تبارك وتعالى :

  2. أولاً أن المراد بهؤلاء الصحابة المنافقون وذلك أن المنافقين كانوا يظهرون الإسلام للنبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله جل وعلا { إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ 1 } ..
    وقد يقول قائل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف المنافقين فنقول نعم كان يعرف بعضهم ولم يكن يعرفهم كلهم ولذلك قال الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } فبين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم جميع المنافقين وكان يظن أن أولئك من أصحابه وليسوا كذلك بل هم من المنافقين .

    ثم الشيء الثاني أن المراد بهم الذين إرتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه بعد توفي النبي صلوات الله وسلامه عليه إرتد بعض العرب .. إرتدوا عن دين الله تبارك وتعالى حتى قاتلهم أبو بكر الصديق مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وسميت تلك الحروب بحروب الردة , فقالوا المراد بالذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم سحقاً سحقاً هم الذين أرتدوا بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه .

    على الأول أو على الثاني لا يدخل أًصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر لماذا ؟ لأننا في تعريف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماذا نقول ؟ ..
    نقول كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك .

    فإذا قلنا أنهم هم المنافقون فالمنافقون لم يؤمنوا بالنبي يوماً صلوات الله وسلامه عليه , وإذا قلنا هم المرتدون فالمرتدون لم يموتوا على الإسلام .. فهؤلاء لا يدخلون في تعريف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

    وأما إذا قصدوا أن الصحابة كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل أبو جهل في الصحابة وأبو لهب وأمية بن خلف وأبي بن خلف والوليد بن عتبة وغيرهم من المشركين يدخلون في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونحن لا نقول بذلك أبداً .. ولكن نقول أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأبو عبيدة وسعد بن أبي وقاص وسعد بن معاذ ومعاذ بن جبل وأُبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبدالله بن عمر وعبد الله بن العباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وفاطمة وعائشة والحسن والحسين وغيرهم كثير .. هؤلاء هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , فمن من هؤلاء كان منافقاً ومن من هؤلاء إرتد عن دين الله تبارك وتعالى بل كل هؤلاء آمنوا بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولقوه وماتوا على ذلك والعلم عند الله تبارك وتعالى .

    فالقصد أن الجواب الأول أن قول النبي صلى الله عليه وسلم سحقاً سحقاً هو للمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم , أو هم الذين إرتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أصلاً من المسلمين ثم إرتدوا وتركوا دين الله جل وعلا .

    وهناك جواب ثالث وهو أن المعنى كل من صحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولو لم يتابعه , وإن كان النبي يعلم ذلك كعبد الله بن أبي بن سلول وهو كما هو معلوم رأس المنافقين وهو الذي قال : لإن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل , وهو الذي قال ما مثلنا ومثل محمد وأصحابه إلا كما الأول سمن كلبك يأكلك . فهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه فيكون هذا هو المقصود ولذلك إن تعريف الصحابة بأنه كل من لقي النبي مؤمناً به ومات على ذلك تعريف متأخر وأما كلام العرب كل من صحب الرجل فهو من أصحابه مسلماً أو غير مسلم متبع له أو غير متبع هذا أمر آخر . ولذلك لما قال عبد الله بن أبي بن سلول كلمته الخبيثة ( ليخرجن الأعز منها الأذل ) قام عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغته هذه الكلمة قال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق , فقال صلى الله عليه وسلم : (لا يا عمر لا يقول الناس إن محمد يقتل أصحابه ) , فسماه من أصحابه صلوات الله وسلامه عليه وهو رأس المنافقين , فهو غير داخل فالذين نحن نسميهم صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم .

    كذلك قد يكون المقصود بالأصحاب أي من صحب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الدين ولو لم يرى النبي صلى الله عليه وسلم فندخل نحن في هذا المسمى ولذلك جاءت بعض روايات الحديث ( أمتي أمتي ) بدل ( أصحابي ) فنكون من أمته صلوات الله وسلامه عليه , وقد يقول قائل كيف وقد جاء في الحديث ( أعرفهم ويعرفونني ) فنقول أنه قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعرف أمته بآثار الوضوء صلوات الله وسلامه عليه .

    ولنا سؤال هنا لو جاءنا النواصب , والنواصب هم الذين يبغضون آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يبغضون علياً وفاطمة والحسن والحسين وغيرهم من آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وقالوا هؤلاء الذين إرتدو وهؤلاء الذين يذادون عن الحوض هم علي والحسن والحسين كيف تردون عليهم ؟؟!
    الرد عليهم بأن نقول لهم ليسوا من هؤلاء بل هؤلاء جاءت فيهم فضائل ..
    فنقول أبو بكر وعمر وعثمان وأبو عبيدة جاءت فيهم فضائل فما الذي يخرج علياً ويدخل أبا بكر وعمر !!
    فالقصد إذاً أن حديث الحوض لا يشمل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    الطعن في حديث "وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال" (*)


    مضمون الشبهة:
    ينكر أعداء السنة الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إنكم محشورون حفاة عراة غرلا، ثم قرأ: )كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104)( (الأنبياء)، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: )وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني( إلى قوله: )العزيز الحكيم(»(المائدة: ١١٧).
    ويرون أن هذا الحديث لا يصح، مستدلين على ذلك بأن روايات هذا الحديث مدارها على راو واحد، هو(سعيد بن جبير عن ابن عباس).
    كما أن الشواهد على هذا الحديث ضعيفة سندا، فرواية الإمام مسلم سندها ضعيف؛ لأن فيها محمد بن حاتم، وهو كذاب كما قال يحيى بن معين، وقال عنه عمرو بن الفلاس: ليس بشيء.
    كما أن رواية ابن ماجه سندها ضعيف - أيضا - ففيها زافر بن سليمان، وقد قال فيه البخاري: عنده مراسيل ووهم، وقال العجلي: يكتب حديثه، وليس بالقوي.
    ورواية الإمام أحمد في سندها عاصم بن بهدلة، وقد قال فيه ابن سعد: كثير الخطأ.
    كما أن هذا الحديث مردود متنا - أيضا - فالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة كثيرة جدا على تفضيل الصحابة والشهادة لهم بأنهم خير القرون؛ فقد قال الله تعالى: )والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74)( (الأنفال).
    وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه...».
    فالحديث بذلك يعارض القرآن والسنة الصحيحة وكذلك إجماع السلف على عدالة الصحابة جميعا، حيث نص على ارتداد بعض الصحابة على أعقابهم، وإقصائهم عن رحمة الله يوم القيامة. متسائلين: كيف ننسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا مطعونا في سنده ومتنه؟!! رامين من وراء ذلك إلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة وردها.
    وجوه إبطال الشبهة:
    1) ليس كون مدار الحديث على راو واحد مما يسوغ رده؛ فقد اتفق علماء الحديث قديما وحديثا على قبول رواية الواحد إذا كان ثقة، ولا يخفى على أحد مدى ثقة ابن عباس وسعيد بن جبير - رضي الله عنهما - ومكانتهما في الحديث، فضلا عن أن للحديث شواهد أخرى بنفس المعنى من طرق غير طريق ابن عباس، أمثال: أبي هريرة، وابن مسعود، وحذيفة، وأنس رضي الله عنهم.
    2) إن أحاديث كل من: الإمام مسلم، والإمام ابن ماجه، والإمام أحمد صحيحة سندا، ولا غبار عليها، فقد أكد أكثر علماء الحديث ثقة كل من: محمد بن حاتم بن ميمون، وزافر بن سليمان، وعاصم بن بهدلة، وقبول حديثهم.
    3) من تدبر الحديث، وفهم ألفاظه علم أن المراد بالمرتدين هم المرتدون عن الإسلام، أو هم أصحاب الكبائر، ولا يدخل الصحابة الكرام في هذا اللفظ، بدليل قوله في رواية أخرى: "أصيحابي"؛ إذ يدل على قلة العدد ليشمل المنافقين دون غيرهم، وبذلك فلا يطعن الحديث في مكانة الصحابة.
    التفصيل:
    أولا. اتفق علماء الحديث قديما وحديثا على قبول رواية المنفرد إذا كان ثقة عدلا:
    إن الحديث المطعون فيه حديث صحيح سندا، فقد رواه البخاري في صحيحه قال: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا المغيرة بن النعمان قال: حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنكم محشورون حفاة عراة غرلا، ثم قرأ: )كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104)(. وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي! أصحابي! فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: )وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني( إلى قوله: )العزيز الحكيم(» [1].
    وقد أورد البخاري وغيره الحديث بروايات عدة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فقد ذكره البخاري في خمسة مواضع، في كتاب أحاديث الأنبياء في موضعين، وفي كتاب تفسير القرآن في موضعين، وذكره في كتاب الرقاق.
    وكون مدار الحديث على راو واحد، فذلك لا يقدح في صحة سنده على الإطلاق، فما عليه علماء الحديث أن المنفرد ينقسم من حيث الحكم إلى مقبول ومردود؛ فإن استوفى شروط القبول فهو مقبول، فإن كان الراوي ثقة فحديثه صحيح، ولا غبار عليه سندا.
    فلا يشترط في الخبر التعدد، بل خبر الواحد يكفي إذا استوفى شروطه، وهو الذي عليه جماهير المسلمين من صدر الإسلام وحتى العصور المتأخرة، وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على قبول خبر الواحد والعمل به[2].
    قال الحافظ ابن حجر: "وكم من ثقة تفرد بما لم يشاركه فيه ثقة آخر، وإذا كان الثقة حافظا لم يضره الانفراد"[3].
    وقال أيضا: "... وتفرد عثمان والد عبدان لا يضر؛ فإنه ثقة"[4].
    وقال في ترجمة ثابت بن عجلان: "قال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وتعقب ذلك أبو الحسن ابن القطان: بأن ذلك لا يضره إلا إذا كثر منه رواية المناكير ومخالفة الثقات، وهو كما قال"[5].
    وقال الزيلعي: "وانفراد الثقة بالحديث لا يضره"[6].
    وقد عقد الشافعي بابا في كتابه "الرسالة" لوجوب العمل بخبر الواحد، وقال فيه: "فقال لي قائل: احدد لي أقل ما تقوم به الحجة على أهل العلم، حتى يثبت عليهم خبر الخاصة. فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو من انتهى به إليه دونه"[7].
    وصرح الإمام الشافعي بذلك في مكان آخر فقال: "وتثبيت خبر الواحد أقوى من أن أحتاج إلى أن أمثله بغيره، بل هو أصل في نفسه"[8].
    وقال الشافعي أيضا: "لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد، بما وصفت من أن ذلك موجود على كلهم"[9].
    وقد ذكر الخطيب البغدادي بعض الأدلة على صحة خبر الواحد ووجوبه العمل به، وعقب على ذلك بقوله: "وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين، ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار لذلك، ولا اعتراض عليه، فثبت أن من دين جميعهم وجوبه؛ إذ لو كان فيهم من كان لا يرى العمل به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه، والله أعلم"[10].
    هذا ما اجتمع عليه علماء المسلمين قديما وحديثا، أما إذا نظرنا إلى راويي الحديث، وهما: ابن عباس وسعيد بن جبير - رضي الله عنهما، فالأول: صحابي جليل عدل، كثرت فضائله وتواترت، فقد جاء في صحيح البخاري عنه أنه قال: «ضمني النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى صدره، وقال: اللهم علمه الحكمة» حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث وقال: «اللهم علمه الكتاب»[11].
    وإذا أردنا استقصاء مناقب ابن عباس - رضي الله عنهما - وفضائله وورعه وتقواه ومكانته في الإسلام، فلا يسعنا كتاب كامل.
    أما سعيد بن جبير فهو ثقة صدوق، أورده ابن حبان في "كتاب الثقات"، وقال عنه: "كان فقيها عابدا ورعا فاضلا"[12].
    وذكره ابن سعد في طبقاته، وقال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: دخلت على عبد الله بن عباس وهو متكئ على مرفقة من حرير، وسعيد بن جبير عند رجليه، وهو يقول له: انظر كيف تحدث عني، فإنك قد حفظت عني حديثا كثيرا.
    وقال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة قال: "كان ابن عباس بعدما عمي إذا أتاه أهل الكوفة يسألونه، قال: تسألوني وفيكم ابن أم الدهماء؟ قال يعقوب: يعني سعيد بن جبير"[13].
    ومما يؤكد مكانة سعيد بن جبير العلمية وثقته ما رواه الحافظ المزي في "تهذيب الكمال" قال: "وقال عمرو بن ميمون عن أبيه: لقد مات سعيد بن جبير وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه..."[14].
    وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" أنه: "روى عن ابن عباس فأكثر وجود، وعن عبد لله بن مغفل، وعائشة، وعدي بن حاتم، وأبي موسى الأشعري في سنن النسائي، وأبي هريرة، وأبي مسعود البدري - وهو مرسل - وعن ابن عمر، وابن الزبير، والضحاك بن قيس، وأنس، وأبي سعيد الخدري.
    وروى عن التابعين، مثل أبي عبد الرحمن السلمي، وكان من كبار العلماء.
    وقرأ القرآن على ابن عباس. قرأ عليه أبو عمر بن العلاء وطائفة"[15].
     وقد حدث عنه خلق كثير، ذكر الذهبي منهم ما يقرب من تسعين رجلا.
    فإذا كان علماء الحديث قد اتفقوا على وجوب قبول رواية الواحد إذا كان ثقة، وإذا تأكد لنا فضل ابن عباس - رضي الله عنهما - وسعيد بن جبير، وصدقهما وورعهما وعلو مكانتهما في الحديث، فكيف يجزم بعض المغرضين برد هذا الحديث لأن مداره على هذا الراوي فقط؟!
    وبالرغم من تحقق شرط قبول خبر الواحد في هذا الحديث - كما ذكرنا - إلا أن هناك روايات أخرى جاءت من طرق غير ابن عباس - رضي الله عنهما - تقوي الحديث وتؤكده، فمنها ما رواه البخاري عن ابن المسيب أنه كان يحدث عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يرد علي الحوض رجال من أصحابي فيحلئون عنه، فأقول: يارب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري»[16].
    وروى الشيخان عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليردن علي ناس من أصيحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك؟!»[17].
    وقد روى البخاري عن أبي وائل عن عبد الله - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن رجال منكم، ثم ليختلجن دوني، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». تابعه عاصم عن أبي وائل، وقال حصين عن أبي وائل: عن حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ـ"[18].
    وروى مثله الإمام مسلم في صحيحه عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله[19].
    وروى البخاري عن أبي هريرة أنه كان يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي، فيجلون عن الحوض، فأقول: يارب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري»[20].
    ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن حديث ابن عباس - رضي الله عنه - حديث صحيح برواياته التي أوردها البخاري وغيره، فالأحاديث التي ذكرناها كلها صحيحة في أعلى درجات الصجة، جاءت تؤكد حديث ابن عباس، وتثبته وتقويه.
    ثانيا. أثبت معظم المحدثين ثقة كل من محمد بن حاتم، وزافر بن سليمان، وعاصم بن بهدلة، ورواياتهم تعد شواهد قوية تؤكد حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - وتقويه:
    إن ما يدعونه من تضعيف سند رواية الإمام مسلم، وكذلك رواية ابن ماجه، ورواية الإمام أحمد، التي تعد شواهد قوية لحديث عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما؛ وذلك لأن في سند هذه الأحاديث رجالا تم تجريحهم، فذلك محض افتراء وكذب وبهتان عظيم، وبيان ذلك على النحو الآتي:
    أما رواية مسلم فقد رواها عن محمد بن حاتم، قال: حدثنا عفان بن مسلم الصفار، حدثنا وهيب، قال: سمعت عبد العزيز بن صهيب يحدث، قال: حدثنا أنس بن مالك؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي، اختلجوا دوني، فلأقولن: أي رب أصيحابي أصيحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»[21].
    فالحديث صحيح سندا، ولا شك في ذلك؛ فإيراد مسلم هذا الحديث يكفي دليلا على صحة رواته جميعا وثقتهم، فمحمد بن حاتم بن ميمون - الذي يدعون أنه قد تم تجريحه، وعلى ذلك بنوا زعمهم برد الحديث - هو ثقة صدوق باتفاق جمهور أئمة الحديث، فإن كان قد تم تجريحه من بعض الأئمة؛ فإنه قد قال عنه عبد الباقي بن قانع: محمد بن حاتم بن ميمون صالح.
    وقال أبو أحمد بن عدي، والدارقطني: ثقة[22].
    وذكره ابن حبان في كتاب الثقات[23].
    وقال محمد بن سعد: "استخرج كتابا في تفسير القرآن كتبه الناس ببغداد، وكان ينزل قطيعة الربيع"[24].
    وذكر ابن حجر: "وفي الزهرة روى عنه مسلم ثلاثمائة حديث"[25].
    وقال بن صالح الأنطاكي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: جعل يحيى بن سعيد القطان لابن أبي خدويه، ولمحمد بن حاتم السمين كل يوم ثلاثين حديثا.
    وقد روى محمد بن حاتم بن ميمون عن جمع كبير من الرواة، وقد ذكر المزي منهم خمسة وثلاثين رجلا.
    وروى عنه: مسلم، وأبو داود، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وأحمد بن زياد السمسار، وأحمد بن محمد بن الخليل البغدادي، وأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، والحسن بن سفيان النسائي، وعبد الله بن صالح، وأبو زرعة عبيدالله بن عبد الكريم الرازي، وعمر بن شبه النميري، وأبو حاتم محمد بن إدريس الرازي[26].
    وعلى ذلك فالحديث صحيح سندا، لثقة رواته جميعا، فإن كان بعض الأئمة قد جرح محمد بن حاتم، فقد وثقه جمهور أئمة الحديث، وروى له مسلم ثلاثمائة حديث، فهو ثقة صدوق، حديثه صحيح سندا.
    أما حديث ابن ماجه الذي رواه عن إسماعيل بن توبة: حدثنا زافر بن سليمان عن أبي سنان عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن مسعود قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على ناقته المخضرمة بعرفات، فقال: أتدرون أي يوم هذا، وأي شهر هذا، وأي بلد هذا؟! قالوا: هذا بلد حرام، وشهر حرام، ويوم حرام، قال: ألا وإن أموالكم ودماءكم عليكم حرام كحرمة شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا وإني فرطكم على الحوض، وأكاثر بكم الأمم، فلا تسودوا وجهي، ألا وإني مستنقذ أناسا، ومستنقذ مني أناس، فأقول: يارب أصيحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»[27]. هو حديث صحيح لا مطعن في سنده، فقد قال عنه الشيخ الألباني في كتابه "صحيح وضعيف سنن ابن ماجه": صحيح.
    وعلق عليه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، فقال: "وفي الزوائد إسناده صحيح"[28].
    فإن كان زافر بن سليمان قد جرحه بعض الأئمة، فقد وثقه أئمة آخرون هم عمد في مجال الحديث وأسانيده، فقد جاء في كتاب "الجرح والتعديل" حدثنا عبد الرحمن أن عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي قال: "سمعت يحيى بن معين يقول: زافر بن سليمان ثقة، سمعت أبي يقول: زافر بن سليمان محله الصدق"[29].
    وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: "ثقة، وكان يجلب المتاع القوهي[30] إلى بغداد"[31].
    وقال أبو داود: "ثقة، كان رجلا صالحا"[32].
    وروى له الترمذي، والنسائي في "اليوم والليلة" وفي "حديث مالك" وابن ماجه[33].
    وذكر ابن حجر العسقلاني: "وقال أبو حاتم: محله الصدق"[34].
    وقال ابن حبان: "والذي عندي في أمره الاعتبار بروايته التي يوافق فيها الثقات، وتنكب ما انفرد به من الروايات"[35].
    ومما سبق يتبين أن زافر بن سليمان ثقة صدوق، وثقه الإمام مالك، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، وعلى فرض وجود روايات ضعيفة له، فلا يطعن ذلك في صحة هذا الحديث؛ لأنه يوافق رواية الثقات، أمثال ابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة وحذيفة وغيرهم.
    أما رواية الإمام أحمد عن عفان: حدثنا حماد قال: أخبرنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا فرطكم على الحوض، وسأنازع رجالا، فأغلب عليهم، فلأقولن: رب أصيحابي أصيحابي، فليقالن: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»[36].
    وهذا حديث صحيح أيضا، وقال عنه الشيخ أحمد شاكر: "إسناده صحيح".
    فرجال الحديث كلهم ثقات، والقول بأن سند الحديث ضعيف هو محض افتراء، واستدلالهم على الضعف بوجود "عاصم بن بهدلة" في سنده يدل على جهلهم الفاضح بعلم الحديث ورجاله.
    إذ إن عاصم بن بهدلة هذا قد ذكره ابن حبان في الثقات قائلا: "عاصم بن أبي النجود الأسدي، وهو عاصم بن بهدلة، كان اسم أبي النجود بهدلة، كنيته أبو بكر، من أهل الكوفة، يروي عن أبي وائل وزر بن حبيش، روى عنه أبو بكر بن عياش وأهل العراق، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وكان من القراء"[37]، وذكر ابن حبان له في كتاب الثقات دليل على توثيقه له.
    قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عنه، فقال: كان رجلا صالحا قارئا للقرآن، وأهل الكوفة يختارون قراءته، وأنا أختار قراءته، وكان خيرا ثقة.
    وقال عبد الله أيضا: سألت أبي عن حماد بن أبي سليمان وعاصم، فقال: عاصم أحب إلينا، وحماد صاحب فقه.
    وقال عن يحيى بن معين: لا بأس به[38].
    قال مسلمة بن عاصم: "كان عاصم بن أبي النجود ذا أدب ونسك وفصاحة، وصوت حسن"[39].
    يقول الإمام الذهبي: "كان عاصم ثبتا في القراءة، صدوقا في الحديث، وقد وثقه أبو زرعة وجماعة، وقال أبو حاتم: محله الصدق"[40].
    ومما يؤكد هذا الكلام ما ذكره المزي في قوله: "روى له البخاري، ومسلم مقرونا بغيره، واحتج به الباقون"[41].
    وبعد، فقد تأكد لنا مما سبق أن رجال الروايات الثلاث ثقات عدول باتفاق معظم علماء الحديث، ولذلك فالقول بضعف سند الأحاديث لتجريح هؤلاء الرجال قول باطل لا يصح، ويبطله ما سبق ويدحضه، كما أن تلك الروايات تعد شواهد قوية تؤكد روايات ابن عباس وتثبتها.
    ثالثا. المراد بالردة: الردة عن الإسلام:
    لو تدبروا الحديث، وفهموا ألفاظه، لعلموا أنه لم يرد بذلك إلا القليل من الصحابة، يدلك على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية حذيفة «ليردن علي الحوض أقوام»[42].
    ولو كان أرادهم جميعا لقال: لتردن علي الحوض، ثم لتختلجن دوني.
    ألا ترى أن القائل إذا قال: "أتاني اليوم أقوام من بني تميم، وأقوام من أهل الكوفة" فإنما يريد قليلا من كثير؟ ولو أراد أنهم أتوه إلا نفرا يسيرا، لقال: "أتاني بنو تميم، وأتاني أهل الكوفة"، ولم يجز أن يقول: "قوم"؛ لأن القوم هم الذين تخلفوا.
    ويدلك أيضا قوله: "يارب أصيحابي" بالتصغير، وإنما يريد بذلك تقليل العدد.
    ونحن نعلم أنه قد كان يشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشاهد، ويحضر معه المغازي المنافق لطلب المغنم، والرقيق الدين، والمرتاب، والشاك[43].
    ثم إن المراد بالردة في أحاديث الحوض: الردة عن الإسلام، وعلى هذا يكون المراد بالمذادين عن الحوض: أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكررضي الله عنه، وكذا من أظهر الإسلام في عهده - صلى الله عليه وسلم - وصحبه وهو من المنافقين، فيجوز أن يحشر هؤلاء المرتدون والمنافقون بالغرة والتحجيل لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل السيما التي عليهم، أو لمعرفته إياهم بأعيانهم، وإن لم يكن لهم غرة وتحجيل، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه من الإسلام.
    قال القرطبي: "وقوله: «فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك» اختلف العلماء في تأويله، فالذي صار إليه الباجي وغيره، وهو الأشبه بمساق الأحاديث: أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا، وارتدوا من الصحابة وغيرهم، فيحشرون في أمة النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم من قوله: «وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها»[44]، وعليهم سيما هذه الأمة من الغرة والتحجيل، فإذا رآهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عرفهم بالسيما، ومن كان من أصحابه بأعيانهم، فيناديهم: «ألا هلم»[45]، فإذا انطلقوا نحوه حيل بينهم وبينه، وأخذ بهم ذات الشمال، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا رب أمتي ومن أمتي»[46]، وفي لفظ آخر: «أصيحابي»، فيقال له إذ ذاك: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم»[47].
    وقد ارتد بعده - صلى الله عليه وسلم - أقوام منهم عيينة بن حصن، ارتد ولحق بطليحة بن خويلد حين تنبأ وآمن به، فلما هزم طليحة هرب، فأسره خالد بن الوليد، وبعث به إلى أبي بكر - رضي الله عنه - في وثاق، فقدم به المدينة، فجعل غلمان المدينة ينخسونه بالجريد، ويضربونه ويقولون: "أي عدو الله، كفرت بالله بعد إيمانك؟"، فيقول عدو الله: "والله ما كنت آمنت".
    فلما كلمه أبو بكر - رضي الله عنه - رجع إلى الإسلام فقبل منه، وكتب له أمانا، ولم يزل بعد ذلك رقيق الدين حتى مات[48].
    وهو الذي كان أغار على لقاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالغابة، فقال له الحارث بن عوف: ما جزيت محمدا - صلى الله عليه وسلم - أسمنت في بلاده، ثم غزوته؟ فقال: هو ما ترى.
    وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا الأحمق المطاع».
    ولعيينة بن حصن أشباه، ارتدوا حين ارتدت العرب، فمنهم من رجع وحسن إسلامه، ومنهم من مات على النفاق، وقد قال الله تبارك وتعالى: )وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم( (التوبة: ١٠١)، فهؤلاء الذين يختلجون دونه. وأما جميع أصحابه إلا الستة الذين ذكروا - فكيف يختلجون؟!
    وقال الله - عز وجل - فيهم: )محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم( (الفتح: ٢٩)، وقوله تعالى: )لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة( (الفتح: ١٨)[49].
    قال البغدادي: "أجمع أهل السنة على إيمان المهاجرين والأنصار من الصحابة... وأجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - من كندة، وحنيفة، وفزارة، وبني أسد، وبني بكر بن وائل - لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين قبل فتح مكة، وأولئك بحمد الله ومنه درجوا على الدين القويم، والصراط المستقيم"[50].
    وأما معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهؤلاء المذادين عن الحوض، ونداؤه لهم، فيحتمل أن يكون ذلك لأجل الغرة والتحجيل التي تكون عليهم ثم تزال عنهم، كما هو الحال بالنسبة للمنافقين حين يعطون نورا ثم يطفأ عنهم، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه - أنه قال: «ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون»[51]، وهذا ما استظهره القاضي عياض وغيره.
    ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عرف الذين صحبوه بأعيانهم، دون أن يكون لهم غرة وتحجيل، وإلى هذا مال ابن حجر - رحمه الله، حيث قال: "ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما؛ لأنها كرامة يظهر بها عمل المسلم، والمرتد قد حبط عمله، فقد يكون عرفهم بأعيانهم لا بصفتهم، باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم"[52]، ويشهد لهذا ما رواه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: «أعرفهم ويعرفونني»[53].
    ويحتمل أن تكون معرفته إياهم بمجموع الأمرين، فيعرف الذين صحبوه بأعيانهم، ويعرف من أتى بعدهم من أمته بالغرة والتحجيل.
    وأما حمل هذه الأحاديث على أهل البدع والكبائر على ما جاء في القول الثاني، فإنه وإن كان محتملا - لورود لفظ الإحداث كما في بعض الروايات - إلا أن دلالة الأحاديث على القول الأول أظهر.
    قال ابن حجر: "وأما دخول أصحاب البدع في ذلك فاستبعد؛ لتعبيره في الخبر بقوله: «أصحابي»، وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده، وأجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعم، واستبعد أيضا أنه لا يقال للمسلم، ولو كان مبتدعا: «سحقا»: وأجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قضي عليه بالتعذيب على معصية، ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: «سحقا» تسليما لأمر الله مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر.
    وحاصل ما حمل عليه حال المذكورين أنهم إن كانوا ممن ارتد عن الإسلام، فلا إشكال في تبري النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم وإبعادهم، وإن كانوا ممن لم يرتد، لكن أحدث معصية كبيرة من أعمال القلب، فقد أجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون أعرض عنهم، ولم يشفع لهم اتباعا لأمر الله فيهم، حتى يعاقبهم على جنايتهم، ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لأهل الكبائر من أمته، فيخرجون عند إخراج الموحدين من النار.
    وعلى هذا فإن أحاديث الحوض لا تتعارض مع الآيات أو الأحاديث؛ ذلك لأن المقصود بالمرتدين، كما قال قبيصة: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر، يعني: حتى قتلوا وماتوا على الكفر. وقال الخطابي: لم يرتد من الصحابة أحد، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المشهورين.
    ويدل قوله «أصيحابي» بالتصغير على قلة عددهم. وقال غيره: قيل هو على ظاهره من الكفر، والمراد بأمتي: أمة الدعوة لا أمة الإجابة. ورجح بقوله في حديث أبي هريرة «فأقول بعدا لهم وسحقا»، ويؤيده كونهم خفي عليه حالهم، ولو كانوا من أمة الإجابة لعرف حالهم؛ لكون أعمالهم تعرض عليه.
    وقال ابن التين: يحتمل أن يكونوا منافقين أو مرتكبي الكبائر. وقال الداودي: لا يمتنع دخول أصحاب الكبائر والبدع في ذلك.
    وقال النووي: قيل: هم المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم من أجل السيما التي عليهم، فيقال: إنهم بدلوا بعدك، أي لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه.
    قال عياض وغيره: وعلى هذا فيذهب عنهم الغرة والتحجيل ويطفأ نورهم. وقيل: لا يلزم أن تكون عليهم السيما، بل يناديهم لما كان يعرف من إسلامهم، وقيل: هم أصحاب الكبائر والبدع الذين ماتوا على الإسلام"[54].
    نخلص مما سبق إلى أنه لا تعارض بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى أو القرآن مما يثبت فضل الصحابة وعدالتهم، إذ إن هذا الحديث لا يطعن في الصحابة، وإنما يطعن فيمن ارتد عن الإسلام في عهد أبي بكر، وهم قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين.
    الخلاصة:
    ·       لقد أكد علماء الحديث القدامى والمحدثين على أنه يجب قبول رواية المنفرد ما دام ثقة عدلا، أما غير ذلك فلا تقبل.
    ·       على فرض أن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - مداره على راو واحد، فلا يصح رد الحديث لذلك؛ لأن راوييه من الثقات العدول في رواية الحديث باتفاق علماء الأمة، وإن كان كذلك وجب قبوله.
    ·       إن حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - له شواهد أخرى بنفس المعنى من طرق أخرى غير طريق ابن عباس؛ مثل: طريق أبي هريرة، وعبد الله ابن مسعود، وأنس بن مالك، وابن المسيب - رضي الله عنهم.
    ·       إن روايات كل من: الإمام مسلم، والإمام ابن ماجه، والإمام أحمد روايات صحيحة سندا، وتعد شواهد تثبت حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - وتؤكده، ورواتهم ثقات باتفاق أكثر علماء الحديث.
    ·       لو تدبر هؤلاء المشككون هذا الحديث، وفهموا ألفاظه، لعلموا أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يرد بذلك إلا القليل من الصحابة، يدلك على ذلك قوله «ليردن علي الحوض أقوام»، ولو كان أرادهم جميعا - إلا من ذكروا - لقال: لتردن علي الحوض، ثم لتختلجن دوني، ويدلك أيضا قوله: «يارب أصيحابي» بالتصغير، يريد بذلك تقليل العدد، فقد يكون المراد بهم المنافق، والرقيق الدين، والمرتاب، والشاك.
    ·   المراد بالردة في أحاديث الحوض: الردة عن الإسلام، وعلى هذا يكون المراد بالمذادين عن الحوض: أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكر رضي الله عنه، وكذا من أظهر الإسلام في عهده - صلى الله عليه وسلم - وصحبه وهو من المنافقين، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل، لكونهم من جملة الأمة، ويشهد لذلك أنه قد ارتد بعده - صلى الله عليه وسلم - أقوام، منهم عيينة بن حصن، ارتد ولحق بطليحة بن خويلد حين تنبأ وآمن به، ولعيينة بن حصن أشباه ارتدوا حين ارتدت العرب، فمنهم من رجع وحسن إسلامه، ومنهم من مات على النفاق.
    ·       يحتمل أن تكون معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهؤلاء المذادين عن الحوض، ونداؤه لهم، لأجل الغرة والتحجيل التي تكون عليهم ثم تزال عنهم، كما هو الحال بالنسبة للمنافقين حين يعطون نورا ثم يطفأ عنهم.
    ·       يحتمل أن يكون المراد حمل هذه الأحاديث على أهل البدع والكبائر وهو احتمال قائم، وعلى هذا فإن أحاديث الحوض لا تتعارض مع الآيات، أو الأحاديث الأخرى، وذلك لأن المقصود بالمرتدين - كما مرـ هم المرتدون عن الإسلام، أو المنافقون، أو مرتكبو الكبائر، وأصحاب البدع.
     


    (*) دور السنة في إعادة بناء الأمة، جواد موسى محمد عفانة، جمعية عمال المطابع التعاونية، الأردن، ط1، 1419هـ/ 1999م. أخطاء وأوهام في أضخم مشروع تعسفي لهدم السنة النبوية، د. عبد العظيم المطعني، مكتبة وهبة، ط1، 1999م. أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ.
    [1]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الأنبياء، باب: ) واتخذ الله إبراهيم خليلا (، (6/ 445)، رقم (3349).
    [2]. أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء، د. ماهر ياسين فحل، دار المحدثين، القاهرة، ط1، 1429هـ/ 2008م، ص141.
    [3]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (5/ 14).
    [4]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (5/ 477).
    [5]. هدي الساري مقدمة فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، ص413.
    [6]. نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، الزيلعي، تحقيق: محمد عوامة، مؤسسة الرياض، بيروت، ط1، 1418هـ/ 1997م، (3/ 74).
    [7]. الرسالة، الشافعي، المكتبة العلمية، بيروت، د. ت، ص369، 370.
    [8]. الرسالة، الشافعي، المكتبة العلمية، بيروت، د. ت، ص384.
    [9]. الرسالة، الشافعي، المكتبة العلمية، بيروت، د. ت، ص457، 458.
    [10]. الكفاية في معرفة أصول علم الرواية، الخطيب البغدادي، تحقيق: أبي إسحاق الدمياطي، مكتبة ابن عباس، القاهرة، 2002م، (1/ 129).
    [11]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: : فضائل الصحابة، باب: : ذكر ابن عباس رضي الله عنهما، (7/ 126)، رقم (3756).
    [12]. الثقات، ابن حبان، مؤسسة الكتب الثقافية، الهند، د. ت، (4/ 375).
    [13]. الطبقات الكبير، ابن سعد، تحقيق: د. علي محمد عمر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002م، (8/ 375).
    [14]. تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1400هـ/ 1980م، (10/ 364).
    [15]. سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط7، 1410هـ/ 1990م، (4/ 322).
    [16]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: : الرقاق، باب: في الحوض وقوله تعالى: ) إنا أعطيناك الكوثر (، (11/ 473)، رقم (5686).
    [17]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الرقاق، باب: في الحوض وقوله تعالى: ) إنا أعطيناك الكوثر (، (11/ 472)، رقم (5682). صحيح مسلم، (بشرح النووي)، كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصفاته، (8/ 3430)، رقم (5884).
    [18]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الرقاق، باب: في الحوض، (11/ 471)، رقم (6576).
    [19]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصفاته، (8/ 3428)، رقم (5866).
    [20]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الرقاق، باب: في الحوض، (11/ 472)، رقم (6585).
    [21]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصفاته، (8/ 3430)، رقم (5884).
    [22]. تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت، (2/ 267).
    [23]. انظر: الثقات، ابن حبان، مؤسسة الكتب الثقافية، الهند، د. ت، (9/ 86).
    [24]. تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1400هـ/ 1980م، (25/ 22).
    [25]. تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت، ط1، 1404 هـ/ 1984م، (9/ 89).
    [26]. تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1400هـ/ 1980م، (25/ 21).
    [27]. صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب: : المناسك، باب: الخطبة يوم النحر، (2/ 1016)، رقم (3057). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه برقم (3057).
    [28]. سنن ابن ماجه، ابن ماجه القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (2/ 1016).
    [29]. الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم الرازي، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، د. ت، (3/ 625).
    [30] . القوهي: نسبة إلى مدينة قوهستان، إحدى مدن بلاد فارس، ينسب إليها ضرب من الثياب.
    [31]. تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1400هـ/ 1980م، (9/ 269).
    [32]. تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت، (8/ 494).
    [33]. تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1400هـ/ 1980م، (9/ 270).
    [34]. تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت، ط1، 1404 هـ/ 1984م، (3/ 363).
    [35]. كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، ابن حبان البستي، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الوعي، حلب، ط2، 1402هـ، (1/ 312).
    [36]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن مسعود، (6/ 158)، رقم (4332). وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
    [37]. الثقات، ابن حبان، مؤسسة الكتب الثقافية، الهند، د. ت، (7/ 256).
    [38]. تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1400هـ/ 1980م، (13/ 476).
    [39]. سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط7، 1410هـ/ 1990م، (5/ 259).
    [40]. سير أعلام النبلاء، الذهبي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط7، 1410هـ/ 1990م، (5/ 260).
    [41]. تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1400هـ/ 1980م، (13/ 480).
    [42]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، باقي مسند الأنصار، حديث حذيفة بن اليمان، رقم (23338). وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: حديث صحيح.
    [43]. تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، ص217.
    [44]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم، (11/ 453)، رقم (6573). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، (2/ 650)، رقم (444).
    [45]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، (2/ 762)، رقم (573).
    [46]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الرقاق، باب: في الحوض، (11/ 474)، رقم (6593). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصفاته، (8/ 3426)، رقم (2293).
    [47]. المفهم، القرطبي، (1/ 504)، نقلا عن: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص670.
    [48]. تاريخ الإسلام ووفيات مشاهير والأعلام، شمس الدين الذهبي، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1407هـ/ 1987م، (3/ 351).
    [49]. تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، ص218.
    [50]. الفرق بين الفرق، أبو منصور البغدادي، ص318، نقلا عن: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص673.
    [51]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، (2/ 673)، رقم (461).
    [52]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (11/ 393).
    [53]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصفاته، (8/ 3426)، رقم (5857).
    [54]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (11/ 393).

    موقع بيان الإسلام ..


عدد مرات القراءة:
12927
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :