... العقيدة الأولى - مذهب أهل السنة أن الله تعالى لا يجب عليه بعث العباد بحيث يكون تركه قبيحاً عقلياً. نعم ولكن البعث والحشر والنشر متحتم الوقوع البته لوعده تعالى بذلك حتى لا يلزم خلف الوعد. وقالت الإمامية بوجوب البعث عليه تعالى وجوباً عقلياً، والآيات الكثيرة التى هي على ان البعث المعاد متعلقان بوعده تعالى، وما وقع في آخر تلك الآيات من نحوقوله تعالى (إن الله لا يخلف الميعاد (مكذوبة تكذيباً صريحاً لعقيدتهم هذه، وقد سبق أن الوجوب على الله تعالى لا معنى له أصلاً.
العقيدة الثانية - مذهب أهل السنة أن الأموات لا رجعة لهم في الدنيا قبل يوم القيامة. وقالت الإمامية قاطبة وبعض الفرق الأخرى من الروافض ايضاً برجعة بعض الأموات، فإنهم يزعمون ان النبي (والوصي والسبطين وأعداءهم - يعني الخلفاء الثلاثة ومعاوية ويزيد ومروان وابن زياد وأمثالهم - وكذا الأئمة الآخرين وقائليهم يحيون بعد ظهور المهدي، ويعذب قبل حادثة الدجال كل من ظلم الأئمة ويقتص منهم، ثم يموتون ثم يحيون يوم القيامة.
وهذه العقيدة مخالفة صريحاً للكتاب، فإن (الرجعة) قد أبطلت في أيات كثيرة منها قوله تعالى (قال رب أرجعون لعلى اعمل صالحاً فيما تركت، كلا إنها كلمة هوقائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (ولا يخفى أن مناط التمسك ومحطه إنما هوقوله (من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (فلا يمكن للشيعة أن يقولوا إن الرجعة تستحيل للعمل الصالح لا للقصاص وإقامة الحد والتعزير لما وقع المنع من الرجعة آخر الآية مطلقاً. وقال الشريف المرتضى في
(المسائل الناصرية): إن أبا بكر وعمر يصلبان على شجرة في زمن المهدي! قيل: إن تلك الشجرة تكون رطبة قبل الصلب فتصير يابسة بعده، فهذا الأمر سيضل به جمع، وهم يقولون: إن هذين البريئين قد ظلما، ولذا صارت الشجرة الخضراء يابسة. وقيل تكون تلك الشجرة يابسة قبل الصلب ثم تصير رطبة خضراء بعد الصلب، وبهذا السبب خلق كثير (1) والعجب ان هؤلاء الكذابين مختلفون بينهم في هذا الكذب أيضاً، فقال جابر الجعفي هومن قدماء هذه الفرقة: إن
-------------------------
(1) الدكتور غوستاف لوبون تحقيق عن التحزب والتشيع وتاثيره على العقول فيكون الإنسان بنفسه من أهل العقول حتى ينقاد إلى تشيع الأشياع وتخرب الأحزاب فيتخلي عن عقله وينساق وراء الجمهور الذى تحزب له. وهذا المعني قد خطر لنا عند قراءة هذا النص من كلام المرتضى، فقلنا إذا كان هذا الرجل يبلغ به ضعف العصبية والتشيع إلى أن ينزلق فيصدر عنه مثل هذا السخف، فكيف بمن هم أقل منه علماً واضعف عقلاً من سائر طائفته! فالحمد لله الذى عافانا مما أبتلى به كثيراً من خلقه.
أمير المؤمنين يرجع إلى الدنيا ودابة الأرض المذكورة في القرآن عبارة عنه معاذ الله من سوء الأدب (1) والزيدية كافة منكرون للرجعة إنكاراً شديداً، وقد ذكر في كتبهم رد هذه العقيدة بروايات الأئمة وكفى الله المؤمنين القتال. وقد قال الله تعالى (وهوالذي أحياكم (أي أنشأكم من العدم الفطري (ثم يميتكم (عند انقضاء آجالكم (ثم يحييكم (أي يوم القيامة للجزاء. وقال (وكنتم أمواتاً فأحياكم (في الدنيا (ثم يميتكم (بعد انقراض آجالكم (ثم إليه ترجعون (.
... والدليل العقلي الموافق لأصول الإمامية على بطلان هذه العقيدة أنهم لوعذبوا بسوء أعمالهم بعد ما رجعوا في الحياة الدنيا ثم يعاد عليهم العذاب في الأخرة لزم الظلم الصريح، فلابد أن يكون في الآخرة معذبين، فحصل لهم تخفيف عظيم عن العذاب المستمر الدائم وراحة أبدية، وذلك مناف لغلط الجناية وعظم الجرم، قال الله تعالى (ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (. والدليل الآخر على بطلانها ان الخلفاء الثلاثة لم يرتكبوا ما يوجب تعذيبهم إلا غصب الخلافة وبعض حقوق أهل البيت على زعم الشيعة، وذلك الغصب بعد تسليمه غايته أن يكون فسقاً كما عليه متأخروا أوكفراً كما زعم متقدموهم، ولا شئ من الكفر والفسق يوجب الرجعة في الدنيا بعد الموت قبل البعث، وإلا يلزمهم أن يعتقدوا رجعة الكفرة والفسقة من أهل الأديان كلهم أجمعين، ولا اختصاص لهذا الكفر والفسق بالرجعة، وإلا يلزمهم أن يقولوا بكونها أكبر من الشرك بالله تعالى والكفر به - نعوذ بالله من ذلك - ومن تكذيب الأنبياء وقتلهم بغير حق وإيذائهم ونحوها معاذ الله من كلها. وهذه اللوازم باطلة محضاً عندهم، فقد تبين للعارف المنصف أن هذه العقيدة الخبيثة باطلة على اصولهم والقول بها ضلالة. وأيضاً لوكان المقصود من تعذيبهم في الدنيا إيلامهم وإيذائهم يكون ذلك حاصلاً لهم في عالم القبر أيضاً، فالأحياء عبث والبعث قبيح، يجب تنزيه الله تعالى عنه. وإن كان المقصود إظهار جنايتهم عند الناس فقد كان الأولى بذلك الإظهار لمن كانوا معتقدين بحقية خلافتهم وناصرين لهم في زمنهم، فكان لابد حينئذ أن يؤتى السبطان القدرة على الانتقام منهم حتى لا تضل بقية الأمة ويتبرأوا من أفعالهم. وهذا القدر في تأخير الانتقام بعد ما يمضي أكثر الأمة وياتى آخرون لم يطلعوا على فساد أعمالهم وبطلان أحوالهم اصلاً خلاف الحكمة والصلاح، فقد لزم منه ترك الأصلح. وليت هذه الأمور تقع في اليوم
-----------------------
(1) في مقالتنا (تسامح أهل السنة في الرواية عمن يخالفونهم في العقيدة) المنشورة في مجلة الأزهر (ربيع الأول 1372) تعريف بجابر الجعفي. أما عقيدة أن علياً دابة الأرض فهي من مخترعات عدوالله رشيد الهجري، وانتحلها جابر الجعفي لأنها وافقت هواه.
الآخر (1) حتى يطلع كل من الأولين والآخرين على هذا الجزاء والقصاص فيكون لها وجه في الجملة، بخلاف وقوعها قبله إذا مضى أكثر عمر الأمة وبقيت الدنيا قليلاً فإن بعض الناس الذين يحضرون ذلك الوقت إن أطلعوا على جنايتهم وذنوبهم فلا فائدة فيه، لأنه لم يكن في ذلك الوقت من يعرف أبا بكر وعمر ومعاوية فيميز أحدهم عن الآخر، بل ينشا الاحتمال عند كلهم أن عدة ناس سموهم باساميهم كيزيد وشمر المجعولين في الأيام العشرة من المحرم للقتل توطئه لتشفيه قلوبهم. ولوكان يكفى قول المهدي والأئمة الآخرين إن فلانا أبوبكر وفلاناً عمر فلماذا لا يقبل قولهم في بطلان أمر خلافتهم وغضبهم وظلمهم وتعذيبهم في البرزخ، معاذ الله، حتى يحتاج إلى أحيائهم؟ وايضاً يلزم على هذا التقدير أن النبي (والوصي والأئمة لابد لهم أن يذوقوا موتاً آخر زائداً على سائر الناس للزوم تعاقبه للحياة الدنيا، وظاهر أن الموت أشد آلام الدنيا، فلم يجوز الله سبحانه إيلام أحبائه عبثاً؟! وأيضاً إذا أحيى هؤلاء الظلمة سيعلمون بالقرائن أنهم أحيوا للتعذيب والقصاص، وأنهم كانوا على الباطل والأئمة على الحق فيتوبون بالضرورة توبة نصوحاً إذ التوبة مقبولة في الدنيا ولوبعد الرجعة، فكيف يمكن حينئذ تعذيبهم؟ وأيضاً يلزم على هذا التقدير إهانة الأمير والسبطين، فإنهم كانوا عند الله أذل من كل ذليل حتى أن الله تعالى لم ينتقم من أعدائهم ولم يجعلهم قادرين عليهم إلا بعد مضى ألف وعدة مئات من السنين إذ يظهر المهدي لأغاثتهم بواسطته وينتقم من أعدائهم ويجعلهم قادرين عليهم! وبالجملة فإن مفاسد
هذه العقيدة أزيد من أن تحيط بها الكتابة والعبارة.
... العقيدة الثالثة - مذهب أهل السنة أن الله يعذب من يشاء ويرحم من يشاء من العصاة. ويعتقد الإمامية أن أحداً منهم لا يعذب بأي ذنب من صغيرة أوكبيرة لا يوم القيامة ولا في القبر. وهذه العقيدة إجماعية لهم ومسلمة الثبوت عندهم، ويستدلون عليها بان ((حب علي كاف في الخلاص والنجاة)) كما تقدم في المقدمة. ولا يفهمون أن حب الله تعالى وحب رسوله (لما لم يكن كافياً في النجاة والخلاص من العذاب - بلا إيمان وعمل صالح - كيف يكون حب علي كافياً؟! إن هذه العقيدة خلاف أصولهم ورواياتهم أيضا، ولكن لما كان غرضهم الإباحة والعذر لترك الطاعة وإسقاط التكاليف تلقوها بالقبول، وغلبت أنفسهم الأمارة بالسوء على العلم والعقل وقهرتها. أما المخالفة للأصول فلأنه إذا أرتكب إمامى الكبائر ولم يعاقبه الله على ذلك يلزم ترك الواجب على الله لأن عقاب العصاة واجب على الله عندهم، واما المخالفة للروايات فلأن الأمير
---------------------------
(1) والذين يكذبون على الله، ويخترعون هذه السخافات مستبعد عليهم أن يكونوا مؤمنين باليوم الآخر، وكيف يؤمن باليوم الآخر من ينتسب إلى الإسلام ويكون في قلبه كل هذا الحقد الفاجر على مثل أبي بكر وعمر اللذين لم تنجب الإنسانية بعد أنبياء الله من بلغ شانهما؟
والسجاد والأئمة الآخرين قد روى عنهم في أدعيتهم الصحيحة البكاء والاستعاذة من عذاب الله تعالى، وإذا كان مثل الكرام خاشين هائبين، فكيف يصح لغيرهم أن يغتر بمحبتهم ويتكئ عليها في ترك العمل؟!.
... وفي الأصل هذه العقيدة مأخوذة من اليهود، حيث قالوا (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون * فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (وعمدة ما يتمسكون به في هذا الباب روايات وضعها رؤسائهم الضالون المضلون. منها ما روى ابن بابويه القمي عن المفصل بن عمروقال: قلت لأبي عبد الله لم صار على قسيم الجنة والنار: لا يدخل الجنة وإنما خلقت الجنة لأهل الإيمان إلا مبغضون. والدليل على كذب هذه الرواية أن الأئمة ما كانوا ليقولوا بما يخالف القرآن والشريعة أصلاً، وإلا فقد كذبوا أنفسهم وآباءهم.
وفي هذه الرواية مخالفة للقواعد المقررة في الشريعة بعد وجوه:
(الأول) أن حب شخص أوبغضه لوكان إيماناً أوكفراً لا يلزم أن يكون ذلك الشخص قسيماً للجنة والنار، لأن سائر الأنبياء والمرسلين والأئمة والسبطين لهم هذه الرتبة وليس أحد منهم قسيماً لهما.
(الثاني) أن حب الأمير ليس كل الإيمان، إلا يبطل التوحيد، والنبوة، والإيمان بالمعاد، والعقائد الضرورية الآخر للشيعة كلها، ولا تمام المشترك بينهما، لأن التوحيد والنبوة اصل أقوى وأهم، وعليه مناط تحصيل الإيمان. وأيضاً يلزم على ذلك التقدير أن يجوز سب الأئمة الآخرين وإيذائهم معاذ الله من ذلك، فلما لم يكن كل الإيمان ولا تمام المشترك بينهما، بل يثبت أنه جزء من أجزاء الإيمان لم يكن ليكفى وحده في دخول الجنة، وهذا هوالأظهر.
(الثالث) أن قولهم ((لا يدخل النار إلا مبغضوه)) يدل صراحة على انه لا يدخل النار أحد من الكافرين الذين لم يبغضوه كفرعون وهامان وشداد ونمرود وعاد وثمود وأضرابهم، لوجود الحصر في العبارة، لأن أولئك المذكورين لم يبغضوا علياً بل لم يعرفوه، وهوباطل بالإجماع.
(الرابع) أنا لوأسلمنا ذلك كله فليس لتلك العبارة مساس بمدعاهم، لأن حاصلها أنه لا يدخل الجنة من لا يجب علياً، لا ان كل من يحبه يدخلها. والفرق بينهما واضح، لأن الأول يكون دخول الجنة مقصوراً على المحبين بخلاف الثاني فإن فيه كون المحب مقصوراً على الدخول فلا يوجد بما سواه ومدعاهم هذا دون الأول.
(الخامس) لوتجاوزنا عن هذه كلها يلزم أن يكون جميع فرق الروافض ناجين، وهوخلاف مذهب الإمامية. ولما لم تنطبق هذه الرواية على غرضهم روى ابن بابويه رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله (((جاءني جبريل وهومستبشر فقال: يا محمد، إن الله الأعلى يقرئك السلام وقال: محمد نبيى ورحمتي، وعلي حجتي، لا أعذب من والاه وإن عصاني، ولا أرحم من عاداه وإن أطاعني)) والدليل على كذب هذه الرواية أن معنى النبوة ههنا قد ثبت في الحقيقة لعلي لأن حبوط الطاعات إنما هوفي حق منكر الأنبياء خاصة، ولزم تفضيل علي على النبي لأنه لم يثبت له رتبة الحجية، إذ منكره يكون من جملة العصاة والمقر به من جملة المطيعين، ومع هذا لا خوف على العاصي ولوكان منكراً للرسول إذا كان محباً لعلي، ولا منفعة ولوكان مؤمناً بالنبي إذا كان يبغض علياً. ولا يخفى أن ذلك مخالف لقوله تعالى (ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً (وقوله (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالً مبيناً (وقوله (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالداً فيها أبدا (وكل الروايات تخالف النصوص فهي موضوعة جزماً كما تقرر عند أصحاب الحديث. وأيضاً لزم منها نسخ الصلاة والصوم والطاعة والعبادة وحرمه المعاصي، ولم يبق غير حب علي وبغضه مدار الجزاء، ولزم أن نزول القرآن يكون ضلالة الخلق لا لهدايتهم، إذ لم يذكر فيه حب علي وبغضه مع أنه لابد منه، ولوكان مذكوراً يكون بنوع لا بفهمه كل أحد من المكلفين البتة، وتكليف فهم اللغز لا يتحمله كل أحد، فالقرآن كله
يدعوإلى أمر لا يحتاج إليه في الآخرة أصلاً، وما ينفع في الآخرة لا اثر له فيه، معاذ الله من ذلك. هذا وقد رويت روايات أخر في كتبهم المعتبرة مناقضة لهذه الروايات، منها ما روى سيدهم وسندهم حسن بن كبش عن أبي ذر قال: نظر النبي (إلى علي ابن ابي طالب فقال ((هذا خبر الأولين وخير الأخرين من أهل السماوات وأهل الأرض، هذا سيد الصديقين، هذا سيد الوصيين وإمام المتقين قائد الغر المحجلين. إذا كان يوم القيامة كان على ناقة من نوق الجنة قد أضاءت عرصه القيامة من ضوئها، على رأسه تاج مرصع من الزبرجد والياقوت. فنقول الملائكة: هذا ملك مقرب، ويقول النبيون: هذا نبي مرسل. فينادي المنادي من تحت بطنان العرش: هذا الصديق الأكبر، هذا وصي حبيب الله علي بن أبي طالب، فيقف على متن جهنم فيخرج منها من يحبه ويدخل فيها ن يبغضه، ويأتي أبواب الجنة فيدخل فيها من يشاء بغير حساب)). ولا يخفى أن هذه الرواية ناصة صريحاً على أن بعض العصاة فمن يحب الأمير يدخلون النار ثم يخرجهم الأمير ويدخلهم الجنة بعد ما يعذبون بقدر أعمالهم، وبينها وبين الرواية الأولى تناقض صريح. ومنها ما روى ابن بابويه القمي عن جابر بن عبد الله (أنه قال: قال رسول الله (((إن عبداً مكث في النار سبعين خريفاً كل خريف سبعون سنة، ثم إنه سأل الله تعالى بحق محمد وآله أن يرحمه فأخرجه من النار وغفر له)) فإن كان الرجل محباً للأمير فلم عذب في النار هذه المدة المديدة؟ وإن كان مبغضاً له فلم يدخل الجنة مغفوراً له؟ والأظهر أن من كان منكراً لولاية السبطين والبتول والأئمة الأخرين ومحباً أن يكون من أهل الجنة ولا يمسه عذاب النار اصل، مع أن ابن المعلم الملقب بالمفيد روى في كتاب
(المعراج) له أن الله تعالى قال ((يا محمد، لوأن عبداً عبدني حتى يصير كالشن البالي أتاني جاحداً لولاية محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ما أسكنته جنتي)) فالكيسانية
مع جحودهم بولاية السبطين والغلاة مع مخالفتهم عقيدة الأمير لا بد أن يكونوا ناجين من أهل الجنة على ما رواه ابن بابوية. فإن قالت الإمامية: إن هذه الرواية ذكر فيها الجحود بولاية كل واحد من الخمسة فولاية الأمير من جملتها فلعل رد عبارات ذلك الرجل لكونه جحد ولاية الأمير بناء على كون النجاة بناء على كون منوطة بالولاية المطلقة فجحود إحدى الولايات مناف لها قلنا فعلى هذا جحود ولاية محمد (المستلزم للكفر يكون كافياً بالإجماع في حبوط الأعمال من غير أن يكون لجحود ولاية على دخل فيه فعلم أن المقصود ههنا جحود ولاية كل واحد منهم منفردة وبه يثبت المدعى.
ولما انجر الكلام لزم أن نبين أن الاثنى عشرية يعتقدون أن جميع فرق الشيعة - سوى فرقتهم - مخلدون في النار وهم ناجون قال ابن المطهر الحلى في (شرحه للتجريد): إن علماءنا لهم اختلاف في حق هؤلاء الفرق، قال بعضهم مخلدون في النار لعدم استحقاقهم الجنة وقال بعضهم يخرجون من النار ويدخلون الجنة وقال ابن نوبخت والعلماء الآخرون يخرجون من النار لعدم الكفر ولا يدخلون الجنة لعدم الإيمان الصحيح الذي يوجب استحقاق ثواب الجنة بل يمكثون في الأعراف خلوداً. وقال صاحب (التقويم) الذي هومن أجل علماء الإمامية إن الشيعة المحضة قد تفرقت على اثنين وسبعين فرقة والناجية منهم الاثنا عشرية والباقون يعذبون في النار مدة ثم يدخلون الجنة. فهم يثبتون جزماً في حق من يحب الأمير إما تعذيباً دائماً أومنقطعاً. وأيضاً قال صاحب التقويم: وأما سائر الفرق الإسلامية فكلهم مخلدون في النار فمن ههنا علم أن أهل السنة أيضاً مخلدون في النار عندهم مه أنهم يحبون الأمير ويعتقدون أن حبه جزء الإيمان فانتقضت قاعدة محبة الأمير طرداً وعكساً. ويخالف ذلك أيضاً ما رواه ابن بابويه عن ابن عباس عن النبي (أنه قال ((والذي بعثني لايعذب بالنار موحد أبداً)) وروى الطبرسي في (الاحتجاج) عن الحسن بن علي أنه قال: من أخذ بما عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف ورد علم ما اختلف فيه إلى الله سلم ونجا من النار ودخل الجنة وروى الكليني بإسناده صحيح عن زرارة قال: قالت لأبي عبدالله: أصلحك الله (1) أرأيت من صام وصلى وحج واجتنب المحارم وحسن ورعه ممن لا يعرف ولا ينصب؟ قال: إن الله يدخله الجنة برحمته فهذه الأخبار الثلاثة دالة بالصراحة على نجاة أهل السنة. وكذلك تدل على إبطال قول الجمهور من الروافض وقول صاحب التقويم. وكلام ابن نوبخت المنجم الذي كان في الأصل مجوسياً ولم يطلع على قواعد الإسلام بعد أيضاً باطل لا أصل له لأن الأعراف ليس دار الخلد
بل أهله يمكثون فيه مدة قليلة ثم يدخلون الجنة كما هوالأصح عند المسلمين.
------------------------
(1) ودعاؤه له بأن يصلحه الله اعتراف منه باحتمال أن يكون منه عكس ذلك وهوينافي العصمة التي يدعونها لأبي عبدالله وآبائه.