جديد الموقع

أنور الخضري ..
الكاتب : أنور الخضري ..

حزب الله.. من النصر إلى القصر
أنور الخضري


قراءة في إستراتيجية حزب الله:
 
 

حزب الله..
من النصر... إلى القصر!

 
 
 
 
بقلم/ أنور قاسم الخضري
 (1427هـ-2006م) 


الإهــــداء
 
إلى أبناء لبنان.. سنة وشيعة..
إلى الذين يأملون في زوال دولة الاحتلال الإسرائيلي عن القدس وعودة المسلمين إليها..
إلى أرواح الشهداء الذين ضحوا لهذه الغاية..
وإلى الذين من خلفهم ينتظرون يوم الفصل وساعة المعركة..
إلى الشرفاء والمخلصين والأعزة الذين يمنون أنفسهم بالدخول إلى القدس..
أهدي هذه القراءة المتأنية للماضي والحاضر والمستقبل..
 
أفلا تقرؤون؟!!

شكر
 
أتقدم بالشكر الجزيل إلى موقع «البرهان» الذي ساهم في جمع مادة هذا البحث وزودني بالعديد من المراجع والمصادر والمواد الإخبارية.. كما ساهم مشكورًا بدعم إخراج وطباعة ونشر هذا البحث، في سبيل إذكاء الوعي والفهم والإدراك في أوساط أبناء الأمة، أداءً لرسالة الكلمة وخدمة الحقيقة..

تمهيد.. أسئلة للتاريخ
كنت من المراقبين للوضع الفلسطيني (كما هو الوضع العراقي) بشكل دائم من خلال قناة الجزيرة القطرية- فالقضيتان معًا تعنيان للأمة الشيء الكثير. ففي كلا البلدين يواجه المسلمون مشروعًا استعماريًا أجنبيًا على المستوى العسكري والسياسي بكل أبعادهما الاقتصادية والأمنية والثقافية والجغرافية! والمحتلان هنا وهناك حليفان في سياستهما واستراتيجيتهما في المنطقة!
فالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل -ومن يقف إلى جانبهما، أو من ورائهما- يمثلان الوجه الاستعماري الجديد بكل بشاعته الإجرامية وأعماله الإرهابية!
غير أن القضيتين ذابتا تحت سخونة الأضواء التي سلطتها قناة الجزيرة على عملية «حزب الله» الأخيرة، وحرب إسرائيل التي تلتها بعد ذلك على لبنان! ولعل الحدث فرض نفسه لطبيعة الزمان والمكان والظرف والأطراف! وهي أمور سيأتي الحديث عنها لاحقًا. غير أن الغريب في الأمر هو ذلك الاهتمام الطاغي بالحدث على حساب أوضاع المواجهة في العراق وفلسطين إلى حدٍ أشبه بالنسيان! والأغرب من ذلك هي طبيعة التغطية الإعلامية والتناول الإخباري للأحداث بحيث خرجت الجزيرة في رأي المتابعين عن الحيادية والمساحة الحرة للتعبير إلى حد الترويج الدعائي والتسويق الإعلاني -مجانًا!- لـ«حزب الله»! بشكل ملفت للانتباه وملحوظ بقدر كبير!
بل لا أبالغ إن قلت: إنني خلال هذه الحرب لم أعد أميز بين قناتي «المنار» و«الجزيرة»!
البعض فسر الأمر بوضع مراسلي القناة في بيروت، من حيث بُعدهم أو ميولهم العقدي! والبعض فسره بمحاولة القناة تحسين صورة بعض الطوائف التي بدأت تتشوه في العراق لخدمة مواقف إسلامية أكثر إلحاحًا في نظرها! والبعض رأى أن وراء المسألة صفقة ما! وآخرون ظلوا مدهوشين لما جرى!
المداخلات المخالفة تقطع الشخصيات المستضافة ذات اتجاه واحد غالبًا! التقارير والحوارات تصب في مرامي أبعد من المواجهة! الصيغة والعبارات والصور المنتقاة خارج السياق! وكل شيء على غير المألوف!
لقد عودتنا الجزيرة طرح الرأي والرأي الآخر كشعار تتمسك به! وهي فيما يبدو أرادت أن تنحاز إلى الشارع العربي وهواه! الأمر الذي جعل هذه القناة الأكثر متابعة وانتشارًا في العالم العربي والإسلامي خلال الحرب تفقد المهنية والحيادية في الطرح!
لم يكن مطلوبًا من الجزيرة أن تقف إلى جانب إسرائيل!!! وليس هذا المقصود بالطبع! ولكن الحرب الأخيرة كانت بحاجة إلى تسليط الضوء حول خلفيات هذه الحرب وأبعادها وطبيعتها بالنسبة للاعبين فيها ظاهريًا أو من وراء ستار! حيث أن أغلب القنوات الرسمية عودتنا على عدم الموضوعية في طرحها وانجرارها وراء المواقف الرسمية الهزيلة لتلك الدولة أو ذلك النظام!
فأصبح الإعلام العربي للأسف غير قادر على تجلية حقيقة هذه الحرب، وقراءتها القراءة الصحيحة بعيدًا عن التأثر بالمواقف السياسية أو سطحية الشارع العربي الذي طالما صفق لكثير من الحروب التي كان الخاسر الأكبر فيها هو بمختلف تياراته وشرائحه وقواه!!
لقد كان مؤلمًا ما يعانيه إخواننا في لبنان، ومؤذيًا ذلك الصمت العربي الذليل! ومستهجنًا موقف الدول الغربية! ومألوفًا عداء اليهود وبغيهم وإجرامهم! وقد كان متوقعًا حجم الإحرام الذي مارسته إسرائيل على مرأى ومسمع العالم والنظام الدولي الذي لا يحرك ساكنًا لقضايانا العادلة!
وكان مفرحًا في الوقت ذاته ما أصاب اليهود من «ألم» و«خوف» و«دمار» و«خسائر»! نتيجة القصف الذي طال بعض مدنهم وقراهم! وما نتج عن هذه الحرب من خلاف وشقاق بينهم!
إلا أن الصورة لم تكن مكتملة، والمشهد لم يعرض بشمولية تامة! والآراء والمواقف من حدث خطير كهذا لم تأخذ حظها من الدراسة والعرض والنقاش! لأن الإعلام العربي مارس موقفين متناقضين في آن معًا «مع وضد»! وكأن الأمور لا تقرأ إلا بهذه الحدة وهذا التطرف!
وبعيدًا عن هذا المقص وبعد انقشاع الغبار وفي مساحة من الفكر والنظر والتأمل أحببت أن أضع هذا الحدث في طاولة القراءة والمراجعة والتأمل! لا لشيء سوى لأننا نريد أن لا ننجر وراء انتصارات وهمية أو أن نستغفل لأهداف لا تخدم قضيتنا كأمة إسلامية تريد التحرر من ربقة الاحتلال الإسرائيلي منذ ما يزيد من نصف قرن من الزمان!
وقد طرحت في إطار الجدل الذي دار على الساحة العربية والإسلامية -فضلًا عن الدولية- عددًا من الأسئلة المهمة التي لا ينبغي إهمالها في سبيل البحث عن الحقيقة، وإدراك الجوانب غير الظاهرة في هذه الأزمة، وما قد يتبعها من نتائج قد تغير واقع الداخل اللبناني والمعادلة الإقليمية في المنطقة!
ومن هذه الأسئلة على سبيل المثال:
ما هي أبعاد هذه الحرب؟ ومن يقف وراءها؟ وهل هناك لاعبون حقيقيون وراء الأطراف المتصارعة؟ وهل الحرب الدائرة بين حزب الله وإسرائيل منذ عام (1982م) حرب إستراتيجية (أي حرب وجود) أم أنها حرب تكتيكية (حرب نفوذ ومصالح) ؟ ولماذا يحتكر حزب الله المقاومة في جنوب لبنان بالطائفة الشيعية في حين يحرم على السنة في لبنان -لبنانيين وفلسطينيين- المشاركة في عمليات المقاومة منذ أكثر من (15) عامًا؟ وأين سورية من كل ما يجري في لبنان؟ وهل ولاء حزب الله طائفي؟ أم سياسي خارجي؟ أم وطني؟ أم إسلامي قومي؟ ومن يقف وراء حزب الله بهذا الحجم من الحضور العسكري والتنظيمي والإعلامي والمالي؟ حتى أصبح الحزب الوحيد في العالم العربي والإسلامي الذي يجمع بين هذه الطاقات التي تفقدها أعرق الأحزاب في المنطقة؟ وما حقيقة النقد الذي توجهه المرجعيات الشيعية للحزب والدور الذي يقوم به في جنوب لبنان؟ ولماذا لم تستطع إسرائيل وأمريكا من ورائها القضاء على حزب الله رغم كل ما توجه إليه من تهم وما يقوم به من عمليات؟ وهل تمثل (حرب تموز) آخر الحروب بين الطرفين ولماذا؟ وما هي مكاسب هذه الأطراف من هذه الحرب؟ ومن الخاسر يا ترى في ظل ادعاء كلٍ من الطرفين المتصارعين بفوزه في المعركة؟
وأخيرًا وليس آخرًا: ما علاقة ما جرى في لبنان بما يجري في عموم المنطقة وبالأخص أفغانستان والعراق؟
أسئلة كثيرة! لكنها في واقع الأمر ضرورية وبحاجة إلى إجابات شافية غير مستعجلة أو سطحية!
لا أعتقد أنني وفيتها القدر من الإجابة، ولكني حاولت أن أضع النقاط على الحروف، وأن أحرك ذهن القارئ العربي والمسلم لكي يبحث معي عن الإجابة والحل؛ لنصل معًا إلى إدراك جمعي يعزز من قدرتنا على فهم ما يجري وإجراء ما ينبغي القيام به!
 
أنور قاسم الخضري
[email protected]
اليمن- صنعاء

التحليل السياسي.. خطوة للفهم!
التحليل السياسي بحث في العوامل المؤثرة على الحراك السياسي والتفاعل الاجتماعي والثابت والمتغير في طبيعة العلاقات القائمة لتفسير مجريات الأحداث والمواقف وفق منهج علمي، واستشرافٍ لكافة الاحتمالات المتوقعة في ضوء تلك المعطيات. فهو محاولة لفهم (لماذا؟) ومعرفة (ماذا قد يكون؟).
وبمعنى آخر.. التحليل السياسي فكفكة الظاهرة السياسية أو الحدث أو الموقف إلى عناصره الأولية المكونة له أو تلك المؤثرة فيه، بغية فهم أسبابها وإدراك نتائجها ووضع الحلول والمعالجات الصائبة لها.
فأول سؤال ننطلق منه للتحليل السياسي هو (لماذا؟)، فليس التحليل السياسي معرفة (ماذا؟) ! فمعرفة ماهية الظاهرة أو الحدث السياسي وحجمها لا تعد تحليلًا سياسيًا بحد ذاتها، وإن كانت جزءًا من المسألة.
وتكمن أهمية التحليل السياسي في كونه يحاول تفسير الظواهر السياسية التي أصبحنا جماعات وأفرادًا نتأثر بها بصورة مباشرة وغير مباشرة، فلم يعد الأفراد والجماعات في العصر الحديث وفي ضوء طبيعة الدولة المدنية الحديثة يملكون استقلالية مصيرهم الشخصي والجمعي، وإدارة حياتهم اليومية بشكل خاص! بل على العكس من ذلك أصبحت السياسة اليوم مؤثرًا كبيرًا في جزئيات وتفاصيل الحياة اليومية. فمأكلنا ومشربنا وملبسنا وتحركنا وأداؤنا اليومي متأثر في كثير من جوانبه بالسياسة، وعليه أصبح من الضروري على كل فرد من الأمة اليوم أن يكون على معرفة واطلاع ومتابعة للأوضاع والمجريات السياسية لبيئته وما يحيط بها؛ لكي يتعاطى مع ما حوله من المجريات بشكل إيجابي، لأننا أفرادًا وجماعات أصبحنا مؤثرين في توجيه السياسة العامة وتشكيلها والتأثير عليها، عبر وسائل مختلفة، بعضها مباشر وكثير منها غير مباشر.. وبحسب فهمنا الجيد للسياسة ومجرياتها يكون أداؤنا وتأثيرنا إيجابًا أو سلبًا على الظواهر السياسية.
ويكفي أن الهجرة الأولى للرعيل الأول للصحابة إلى أرض الحبشة كانت قائمة على إدراكٍ واعٍ لطبيعة النظام السياسي القائم وطبيعة أدائه، (ففيها ملك لا يظلم عنده أحد).. إذن فهي مملكة.. القرار فيها لفرد لا منازع له على سلطانه، وهو فرد عادل لا يظلم عنده أحد! هذا التحليل السياسي لهذا الوضع أتاح لأصحاب محمد عليه الصلاة والسلام خيارًا آمنًا للحفاظ على دينهم وأداء شعائره بأمان!
ويهدف التحليل السياسي إلى معالجة القضايا والمواقف بشكل أكثر وعيًا وعمقًا، والبعد عن المعالجة العاطفية، أو السطحية، أو المجتزأة، أو الظنية التي لا تستند إلى أدلة واضحة وبراهين قوية، وعن الأحكام المطلقة جزافًا، مع البحث في كافة الاحتمالات الممكنة، والتفضيل فيما بينها، ومن ثم ترتيب الأولويات وانتقاء الخيارات الأفضل مستقبلًا.
فالتحليل السياسي السليم والعميق يكشف عما ستكون عليه الأمور في المستقبل، لأن وسائل التعامل مع المستقبل ثلاثة:
التخمين.. وهي طريقة لا تقوم على أساس علمي أو منطقي أو فلسفي، ومثاله: تخمين أي وجهي العملة لأعلى!
التوقع.. وهي طريقة متعارف عليها بين الناس كونها تستند إلى المعطيات الظاهرة والشواهد الملموسة، ونتائجها قد لا تقع بالضرورة، فكل من يرى الغيم يتوقع سقوط المطر، وكل من يرى نارًا موقدة في مفازة يتوقع وجود حي من الناس!
التنبؤ.. وهي طريقة خواص الناس في استشراف المستقبل حيث تعتمد على الخبرة والمعرفة العميقة والحدس ونوع من الإلهام، ومثاله: تنبؤ يعقوب بجريمة إخوة يوسف! ((لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا))، فلما راودوه على خروجه معهم توقع لحاق الأذى به ((وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون)).
فالتحليل السياسي يدعم صوابية «التوقع»، ويبعث على ملكة «التنبؤ»! ويقطع التخمينات باليقين الغالب!
ومن أهم مرتكزات التحليل السياسي التمييز بين الثوابت والمتغيرات، والعوامل المؤثرة بشكل مباشر والعوامل المؤثرة بشكل غير مباشر، والشخوص والقوى الظاهرة والخفية فردية كانت أو جماعية، والأحاديث المعلنة والنوايا المبيتة، والمبادئ التي تحكم الظاهرة أو الحدث والمصالح التي تتقاطع معها، والإستراتيجيات والتكتيكات، والأصدقاء والأعداء، والمتضادات والمختلفات.. في السياسة والاجتماع.
والاختلاف في التمييز بين هذه القضايا يؤدي إلى الاختلاف في التحليل السياسي، كما أن الاختلاف في التحليل السياسي بين شخص وآخر يعود إلى اختلاف منطلقات الرؤية الفكرية، ومنهجية التعاطي، وطبيعة الشخص (التي توجه ميوله وزاوية نظره)، وبعد أو قرب الشخص من الحدث أو الموقف أو الظاهرة، وشمولية قراءته للحدث.
وبالرغم من أن لكل حدث سياسي أو ظاهرة سياسية مدخل مغاير لتحليله وتفسيره عن غيره، وفقًا لطبيعة زمان الحدث ومكانه وأشخاصه، إلا أن منهج التعاطي في جميع الأحوال يجب ألا يخرج عن الموضوعية والعلمية.
وهنا ينبغي التأكيد على أن الموجه الأكبر لميول الأفراد والجماعات وولاءاتهم والمؤثر على مواقفهم وسياساتهم هو تصورهم الذهني المسبق للأمور والقضايا، وأن هذا التصور (أو ما يعبر عنه بالأيديولوجيات والمعتقدات) غالبًا ما يتشكل في ضوء العقائد الدينية والأفكار المطلقة التي يسلم لها الشخص، وكذلك الخبرات والتجارب التي سبق له خوضها في ضوء معارفه التي نشأ عليها؛ لذلك فإن العقائد والأفكار تأتي في المرتبة الأولى في اهتمامات علماء النفس والاجتماع والتربية والاتصال، فهي مدخل للفهم ومنطلق للتأثير والتغيير!
وغالبًا ما قامت التجمعات البشرية والدول والإمبراطوريات القديمة والحديثة على أساس من المعتقدات، أيًا كانت، كونها المحرك الفاعل للجماهير والشعوب! وغالبًا ما تستثار الحمية الدينية أو المذهبية لأغراضٍ سياسية ومصالح قومية! فنشوء دولة إسرائيل -كمثال واضح- كان على أساس ديني بالدرجة الأولى! وقيام الاتحاد السوفييتي كان على أساس أفكار إلحادية ومنحلة مثلت رؤية للحياة والإنسان والمجتمع صيغت فيما عرف بالمذهب الشيوعي الاشتراكي!
 
ويعتمد التحليل السياسي على الأدوات التالية:
أولًا: خبرة القائم بالتحليل السياسي، سواءً كانت هذه الخبرة تاريخية أو حالية، مع توفر المعلومات بشكل مسبق عن الموضوع المطروح للتحليل.
ثانيًا: معطيات الواقع بكافة تفاصيله وتشعيباته، أشخاصًا وأحداثًا ومواقف وبيانات.. إلخ، فالمعطيات أداة مهمة للتحليل الأعمق والتفسير الأقرب للأحداث والظواهر.
ثالثًا: المعرفة والفهم الدقيق لطبيعة العلاقات المتبادلة والقوانين والمؤثرات التي تحكم مادة التحليل، سواءً كان حدثًا أو موقفًا أو شخصًا أو ظاهرة.
رابعًا: الاطلاع على نوايا ومقاصد الأطراف المشكلة لواقع ما، من خلال رصد أو تتبع أو اطلاع مباشر أو إعلان مسبق لها!
خامسًا: الخيال، فإن تصور كثير من القضايا خارج إطار المشاهدة لا يتأتى إلا بقدر من الخيال الذي يصور أبعاد الأمور زمانًا ومكانًا وشخوصًا وفكرًا.. مع تمييز بعضها عن بعض بصورة تجلي خصائص الذوات والماهيات والمسارات.
وبدون هذه الأدوات لا يتوفر تحليل سياسي بل نوع من الخطاب الانفعالي والهذيان العاطفي والأماني الوجدانية!!
أما لغة التحليل السياسي فهي لغة علمية تستند إلى معطيات ثابتة أو وقائع ملموسة أو بيانات واضحة أو مزيج مما ذكر. وهي بعيدة عن الانفعال العاطفي أو الحكم المسبق (المطرد في أحكامه.. دون علة!!) أو المتطرف (قربًا أو بعدًا) أو التحليل المصلحي!!
وهي لغة تعتمد بالدرجة الأولى على مصطلحات دقيقة ومحددة وذات نسق فكري وسياسي متحد، كما تعتمد على المنطق العقلي المتسلسل والمترابط، لا على الشواهد المنقطعة والشاذة وغير المألوفة في السنن الاجتماعية والسياسية.
ومع ذلك فإنه من الصعب أن يكون القائم بالتحليل السياسي محايدًا؛ لأنه في جميع الأحوال يتأثر بثقافته وبيئته ورؤيته الشخصية، وتجربته الخاصة، وهدفه ومصلحته من وراء هذا التحليل، فإذا التزم بالموضوعية والمنهج العلمي والرؤية النقدية في تناول قضية أو حدث ما حقق بدون شك قدرًا من الحيادية في تحليله السياسي للأمور.
حزب الله والتحليل السياسي:
وعودًا إلى مناسبة حديثنا عن التحليل السياسي مع عنوان البحث: «قراءة في إستراتيجية حزب الله»، ومواجهته الأخيرة مع إسرائيل، التي أثارت وجهات النظر المختلفة، والمواقف المتباينة منها، فإن إخضاع الصراع القائم اليوم بين «حزب الله» و«إسرائيل» للمنهجية الموضوعية والعلمية للتحليل السياسي يتطلب منا إدراك المنطلقات الفكرية والثقافية والحضارية التي ينطلق منها كل طرف في الصراع، وإدراك رؤية كل من الطرفين للحدث وللآخر في سياسته وخططه الإستراتيجية والتكتيكية، واستقراء طبيعة العلاقة القائمة بينهما عبر التاريخ، وطبيعة تقدير كل من الطرفين للمصالح الخاصة به في ميزان الربح والخسارة!
إن التمايز القائم اليوم يستند -شئنا أم أبينا- على أسس عقائدية وخلفية فكرية وثقافية ومنهجية سارت عليها الأجيال تلو الأجيال؛ حتى آلت الأمور إلى ما آلت إليه، كما تستند على طبيعة العلاقات والمصالح التي أصبحت اليوم متداخلة ومتشابكة بين أطراف التنازع والصراع!! كما أنه حقيقة قائمة وفاعلة في الأحداث! لا يمكن إنكارها!
إن «التفسير التآمري» للأحداث والوقائع السياسية المختلفة، عند القائلين بهذا التفسير أو المنكرين له، جزء من التحليل السياسي، وقبوله مطلقًا أو رفضه مطلقًا بعيدًا عن التناول العلمي والموضوعي والدراسات الجادة والقراءات المتعمقة، دفع بالكثير إلى مجانبة الصواب في الأحكام يمنة ويسرة!
فالمؤامرة طبيعة بشرية وسلوك إنساني قديم، ولها في العديد من الأيديولوجيات الوضعية ما يبررها! بل وما يجيزها!
و«استبطان منهج التحليل ودراسة المعطيات لاستقراء صيرورة الأحداث خدمة للجانب السياسي لا يصادم الإسلام، ولا يناقض مقتضيات الإيمان بنفاذ مشيئة الله تعالى، وإحاطته بكل شيء علمًا, بل إن ذلك يعتبر من مقتضيات العقلية المسلمة الواعية التي تراعي في حركتها وملاحظتها السنة الكونية».
إن أي تحليل لا يصدر عن التصوير الرباني للحقائق ولا يستلهم السنن الربانية في الآفاق والأنفس والمجتمعات، ينبغي الحذر والتحذير منه، كونه سيكون قرين الهوى وصريع الظنون مهما تلبس به من الثياب، وقدم بين يديه من عذب الخطاب! فللحق أحيانًا مرارة سرعان ما تزول إذا وقر في القلب وسلم له العقل..
ومن المؤسف أن يكون بعض المنتسبين للفكر والعلم هم أول من يجتزئ الأحداث من نسقها التاريخي والحضاري والواقعي، ويسلبها طبيعتها المتسلسلة والتراكمية!!
صحيح أن الاعتماد على عامل واحد في التحليل السياسي مهما كانت أهميته، خطأ فادح، لأن كثيرًا من الظواهر الاجتماعية والسياسية معقدة في تركيبها ومتشابكة في تكوينها، وبالتالي فإن النظرة الأحادية لفهم ظاهرة ما يضطرنا لتبني المعالجة الأحادية، الأمر الذي يغلق سبل الحل والعلاج.
فلأي ظاهرة سياسية خلفية تاريخية وواقع حي وتأثير مستقبلي، ولكي نفهم الظاهرة السياسية بأبعادها وأعماقها ينبغي أخذ الأبعاد الزمانية الثلاثة في الاعتبار، بل وأبعادها المكانية بل والذاتية (النفسية) ! ولن نتمكن من الإفادة مما يجري على الساحة الدولية دون تقدير أبعاد المجريات على كافة أطراف مكونات المجتمع البشري، والاستفادة منها عبر توظيفها التوظيف الأمثل!
إن السياسة اليوم تمثل أبلغ صور التحكم والنفوذ والسلطة في الحياة الاجتماعية، ومن الخطأ أن نلج فيها من غير منافذها الشرعية فهمًا وتطبيقًا، وسبب جميع ما آلت إليه الأمة هو انحرافها في هذا الباب فـ«أول ما تفقدون من دينكم الحكم»!
وإذا كانت الأمة اليوم غير قادرة -فرضًا- على التمكن من ممارسة السياسة وفق المنهج الإسلامي فلا أقل من أن تقرأ الأحداث السياسة وتحللها بشكل صحيح.. لأن ذلك هو الخطوة الصحيحة نحو وعيها وإدراكها السياسي وبالتالي إلى ممارسة سياسية ناجحة..

 إيران.. البداية والنهاية
الحديث عن «حزب الله» اللبناني -شئنا أم أبينا- يجرنا للحديث عن إيران حيث النشأة والبعد العقدي والمذهبي، والسند اللوجستي، والدعم المالي، والمرجعية الدينية والسياسية!([1]) جميعها معًا تتداخل لتؤكد أن أي قراءة لمواقف حزب الله تستثني هذا البعد وهذه العلاقة قراءة مبتورة عن نسقها وسياقها!
وهذه الحقيقة ليست من صنع أعداء الحزب! أبدًا، بل هي في أدبياته وتصريحات قياداته مبثوثة ومنشورة وواضحة! ولا مجال لإنكارها هروبًا من الصورة الإجمالية والكلية لطبيعة حزب الله، الذي أصبح اليوم مثار قلق لبناني، وحضور عربي، واهتمام دولي!
ولكي نبدأ بداية صحيحة دعونا نؤكد مقولة الشيخ صبحي الطفيلي([2])، الأمين العام الأول لحزب الله، «من يقول في لبنان: إن إيران لا تتدخل كاذب! القرار ليس في بيروت وإنما في طهران»! «حتى خلال ولايتي كان للقيادة المركزية في إيران موقعها في القرار، لكن حينها كان هناك انسجام في المواقف والقرارات، ولم نكن نعتبر أن القرارات تملى علينا، بل هي قناعاتنا، وحين يأتي أمر من الإمام الخميني أو غيره ممن يعينهم يقول لنا قاتلوا إسرائيل، فنحن لا نعتبره أمرًا بل هو من قناعاتنا»!([3]).
إذن فتغييب إيران عن المشهد السياسي في لبنان هو تغطية للحقائق ومغالطة للواقع بل للتاريخ القريب!
لذا كان من الضروري الحديث والتعريج في مقدمة هذا البحث على إيران، إيران الثورة الإسلامية.. الرؤية والدور.
قراءة في دستور جمهورية إيران الإسلامية([4])، الصادر في عام (1992م):
«يعبر دستور جمهورية إيران الإسلامية عن الركائز الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع الإيراني»، لذلك كان ولا بدَّ من قراءة هذا الدستور، باعتباره تجليًا لعقلية النظام الحاكم القائم في إيران بعيدًا عن الاتهام والتخرص!
وأول ملمح يواجهنا في هذا الدستور انطلاقه من ثورة الخميني التي يصفها الشيعة بأنها ثورة إسلامية عقائدية.. «إن الميزة الأساس لهذه الثورة بالنسبة إلى سائر النهضات التي قامت في إيران خلال القرن الأخير إنما هي عقائدية الثورة وإسلاميتها»! و«من هنا فإن الضمير اليقظ للشعب بقيادة المرجع الديني الكبير حضرة آية الله العظمى الإمام الخميني([5]) قد أدرك ضرورة التزام مسار النهضة العقائدية والإسلامية الأصيلة، وهكذا كانت هذه المرة انطلاقة لحركة تغييرية جديدة بقيادته الحكيمة»!
وتقوم فكرة الخميني الذي ينتسب إلى الطائفة الشيعية الجعفرية (الإثني عشرية)، وهو مذهب لا يجيز إقامة حكومة إسلامية للشيعة في ظل غياب الإمام المعصوم، على نظرية (ولاية الفقيه)، «طرح الإمام الخميني فكرة الحكومة الإسلامية على أساس ولاية الفقيه»!
و (ولاية الفقيه([6])) تتلخص في فكرة إقامة مرجع ديني ينوب الإمام المعصوم (الغائب) !! للقيام بمصالح الطائفة الشيعية! كما تنص المادة الخامسة من الدستور، ونحدد الطائفة الشيعية -بالذات- لأن إدارة مصالح الأمة عند مذاهب أهل السنة جميعًا يتولاها من تختارهم الأمة، من خلال أهل الحل والعقد، دون أن تشترط فيه العصمة! فالمهم أن يلتزم بالإسلام في ذاته وفي حكمه للأمة، وتظل الأمة مرشدة وناصحة له، كائنًا من كان، وفق شروط بسطها الفقهاء في كتب السياسة الشرعية!
إلا أن نظام الحكم في إيران يجمع في صفته الإسلامية والجمهورية، جمهورية إيران الإسلامية، وهي فلسفة تناهض الحكم الفردي (الديكتاتوري) برأي واضعي الدستور، وكأن رهن طائفة الشيعة بكاملها ولتاريخ يزيد على ألف عام لإمام غائب لا أثر له، تقوم عليه مصالح الدنيا والدين، ليس من باب الحكم الفردي (الديكتاتوري) !
بل إن هذا المعتقد، وإن كنت لست في صدد نقضه، هو الذي أحال الشيعة كطائفة إلى مستضعفين لكل طاغية! عبر سيرتهم التاريخية! في حين يحملون العداء لأهل السنة كفئة تكفر بهذا الارتهان الجماعي لفرد يدعي عصمته فئة من المسلمين دون نص جلي وقاطع!
لذلك يشير الدستور لهذه الأزمة بالقول: «ومع الالتفات لمحتوى الثورة الإسلامية في إيران -التي كانت حركة تستهدف النصر لجميع المستضعفين على المستكبرين- فإن الدستور يعد الظروف لاستمرارية هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصًا بالنسبة لتوسيع العلائق الدولية مع سائر الحركات الإسلامية والشعبية؛ حيث يسعى إلى بناء الأمة الواحدة في العالم (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)، ويعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم»! وهذا ما عرف في سياسة الخميني بمبدأ (تصدير الثورة)، والذي استهدف أمن دول المنطقة أكثر مما استهدف دول الكفر الطاغية!
وقد جرى الاستفتاء العام على إعلان قيام نظام الجمهورية الإسلامية بمشاركة شعبية، بما فيهم مراجع الشيعة، و«قد أعلن الشعب قراره النهائي والحاسم بتأسيس الجمهورية الإسلامية وصوّت بالموافقة على نظام الجمهورية بأكثرية 98.2%»!
ولغرض ضمان الدستور لصيانة الأجهزة المختلفة من الانحراف عن وظائفها التي جاء بها الخميني، و«اعتمادًا على استمرار ولاية الأمر والإمامة، يقوم الدستور بإعداد الظروف المناسبة لتحقيق قيادة الفقيه جامع الشرائع، والذي يعترف به الناس باعتباره قائدًا لهم»!!
ولتحقيق الإسلام بهذا المفهوم ونشره في العالم يتركز الاهتمام في مجال بناء وتجهيز القوات المسلحة الإيرانية «على جعل الإيمان والعقيدة أساسًا وقاعدة لذلك، وهكذا يصار إلى جعل بنية جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة على أساس الهدف المذكور، ولا تلتزم هذه القوات المسلحة بمسئولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضًا أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والنضال من أجل بسط حاكمية القانون الإلهي في العالم»! «.... في مستهل القرن الخامس عشر لهجرة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) مؤسس الدين الإسلامي المحرر للبشرية، على أساس الأهداف والدوافع التي سبق ذكرها، على أمل أن يكون هذا القرن قرن تحقق الحكومة العالمية للمستضعفين وهزيمة المستكبرين كافة»!
إذن ففي الرؤية الإستراتيجية لحكام جمهورية إيران وآيات ومراجع المذهب الجعفري، الذين يرون بنظرية ولاية الفقيه، القرن الخامس عشر الهجري هو محل آمالهم لتحقيق «الحكومة العالمية»! وهو ما يفسر تحركهم الدؤوب في كثير من البلدان للوصول إلى السلطة، في: أفغانستان، العراق، لبنان، سورية ، اليمن([7])، باكستان!
لقد كرس دستور جمهورية إيران الطائفية من الفصل الأول، الأصول العامة، ففي المادة الثانية ينص الدستور على أن نظام الجمهورية الإسلامية يقوم على أساس عدة قضايا منها «خامسًا: الإيمان بالإمامة والقيادة المستمرة، ودورها الأساس في استمرار الثورة التي أحدثها الإسلام»، وعلى أنه «نظام يؤمّن القسط والعدالة، والاستقلال السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والتلاحم الوطني» عن طريق ثلاثة أمور، منها «الاجتهاد المستمر من قبل الفقهاء جامعي الشرائط، على أساس الكتاب وسنة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين»! وتلخص المادة الخامسة مبدأ قيام حكومة إسلامية في ظل غياب الإمام المعصوم بأنه: «في زمن غيبة الإمام المهدي -عجل الله تعالى فرجه- تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير وذلك وفقًا للمادة (107)»!
وفيما تنص المادة الحادية عشرة أنه «على حكومة جمهورية إيران الإسلامية إقامة كل سياستها العامة على أساس تضامن الشعوب الإسلامية ووحدتها، وأن تواصل سعيها من أجل تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي»، تنحاز جمهورية إيران في المادة الثانية عشرة إلى المذهب الجعفري الإثني عشري، «الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثنا عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير»! ولعل قائلًا يورد أن المادة ذاتها تنص على أن «المذاهب الإسلامية الأخرى، والتي تضم المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والزيدي، فإنها تتمتع باحترام كامل، وأتباع هذه المذاهب أحرار في أداء مراسمهم المذهبية حسب فقههم، ولهذه المذاهب الاعتبار الرسمي في مسائل التعليم والتربية الدينية والأحوال الشخصية (الزواج والطلاق والإرث والوصية)، وما يتعلق بها من دعاوى المحاكم. وفي كل منطقة يتمتع أتباع أحد هذه المذاهب بالأكثرية، فإن الأحكام المحلية لتلك المنطقة -في حدود صلاحيات مجالس الشورى- تكون وفق ذلك المذهب، هذا مع الحفاظ على حقوق أتباع المذاهب الأخرى»! غير أن واقع الحال يثبت أن أتباع هذه المذاهب الإسلامية الأخرى لا يتمتعون في إيران بما يتمتع به اليهود والنصارى والوثنيون حسب المادة الثالثة عشرة، «الإيرانيون الزرادشت واليهود والمسيحيون هم وحدهم الأقليات الدينية المعترف بها، وتتمتع بالحرية في أداء مراسمها الدينية ضمن نطاق القانون، ولها أن تعمل وفق قواعدها في الأحوال الشخصية والتعاليم الدينية»!
ومن الغريب أن هذه الدولة الإسلامية لا تعتبر اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، وعوضًا عن ذلك تنص المادة الخامسة عشرة في (الفصل الثاني: اللغة والكتابة والتاريخ والعلم الرسمي للبلاد) على أن «اللغة والكتابة الرسمية والمشتركة: هي الفارسية لشعب إيران، فيجب أن تكون الوثائق والمراسلات والنصوص الرسمية والكتب الدراسية بهذه اللغة والكتابة، ولكن يجوز استعمال اللغات المحلية والقومية الأخرى في مجال الصحافة ووسائل الإعلام العامة، وتدريس آدابها في المدارس إلى جنب اللغة الفارسية»! أما العربية حسب المادة السادسة عشرة فبما أنها «لغة القرآن والعلوم والمعارف الإسلامية،..... وأن الأدب الفارسي ممتزج معها بشكل كامل؛ لذا يجب تدريس هذه اللغة بعد المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الثانوية في جميع الصفوف والاختصاصات الدراسية»!
ومن المفارقات أن يستخدم الدستور الأشهر الفارسية أو اللاتينية وليس العربية! كما يعتمد في التقويم الرسمي على السنة الشمسية، (الفرس كانوا عبدة للنار والشمس!) !
وفي حين تدعي الجمهورية الإيرانية تطبيق الشريعة الإسلامية، التي لا تجيز الردة عن الدين أو الابتداع فيه، تنص المادة الثالثة والعشرون من الدستور على أنه «تمنع محاسبة الناس على عقائدهم، ولا يجوز التعرض لأحد أو مؤاخذته لمجرد اعتناقه عقيدة معينة»! هكذا على إطلاقه! كما أنه «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص القانون»! (المادة السادسة والثلاثون) !
وتخضع جميع السلطات الحاكمة في جمهورية إيران: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، لإشراف «ولي الأمر المطلق وإمام الأمة»! ويتألف مجلس «الشورى الإسلامي»! في حكومة إيران من أعضاء منتخبين من الشعب! وبحسب المادة الرابعة والستين «ينتخب الزرادشت واليهود كل على حدة نائبًا واحدًا، وينتخب المسيحيون الآشوريون والكلدانيون معًا نائبًا واحدًا، وينتخب المسيحيون الأرمن في الجنوب والشمال كل على حدة نائبًا واحدًا»!! ووفقًا للمادة السابعة والستين يؤدي «نواب الأقليات الدينية اليمين مع ذكر كتابهم السماوي»! ومجلس الشورى هذا «يسن القوانين في القضايا كافة»، المادة الحادية والسبعون، لكن «لا يحق لمجلس الشورى الإسلامي أن يسن القوانين المغايرة لأصول وأحكام المذهب الرسمي للبلاد أو المغايرة للدستور»، المادة الثانية والسبعون!
وتصف المادة السابعة بعد المائة الخميني بأنه «المرجع المعظم والقائد الكبير للثورة الإسلامية العالمية، ومؤسس جمهورية إيران الإسلامية»! وتشترط المادة التاسعة بعد المائة في القائد الذي ينبغي أن ينوبه في قيادة الثورة وعلى خطاه أن يكون متصفًا بـ: «الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه، والعدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمة الإسلامية، والرؤية السياسية الصحيحة، والكفاءة الاجتماعية والإدارية والتدبير والشجاعة والقدرة الكافية للقيادة»! ووفقًا للمادة الخامسة عشرة بعد المائة «ينتخب رئيس الجمهورية من بين الرجال المتدينين السياسيين» ويشترط فيه أن يكون «مؤمنًا ومعتقدًا بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية والمذهب الرسمي للبلاد»! ويؤدي رئيس الجمهورية اليمين على أن يكون -فيما ينبغي عليه أن يكون- «حاميًا للمذهب الرسمي»! و«متبعًا لنبي الإسلام والأئمة الأطهار عليهم السلام»! المادة الحادية والعشرون بعد المائة! كما أن على جيش جمهورية إيران أن يكون جيشًا إسلاميًا عقائديًا يضم أفرادًا «مؤمنين بأهداف الثورة الإسلامية، ومضحين بأنفسهم من أجل تحقيقها»! المادة الرابعة والأربعون بعد المائة. و«تبقى قوات حرس الثورة الإسلامية -التي تأسست في الأيام الأولى لانتصار هذه الثورة- راسخة ثابتة من أجل أداء دورها في حراسة الثورة ومكاسبها»، المادة الخمسون بعد المائة!
إذن نحن أمام مواد تكرس هيمنة طائفة مذهبية على حساب بقية المذاهب التي تدعي مساواتها في الحقوق والحريات والمواطنة! ولن تحلم أي طائفة بتغيير الوضع سلميًا مهمًا بلغ تعدادها السكاني وثقلها الانتخابي، ففي حين تسمح المادة السابعة والسبعون بعد المائة بإعادة النظر في دستور جمهورية إيران في الحالات الضرورية، إلا أن «مضامين المواد المتعلقة بكون النظام إسلاميًا وقيام كل القوانين والمقررات على أساس الموازين الإسلامية والأسس الإيمانية، وأهداف جمهورية إيران الإسلامية وكون الحكم جمهوريًا، وولاية الأمر، وإمامة الأمة، وكذلك إدارة أمور البلاد بالاعتماد على الآراء العامة، والدين والمذهب الرسمي لإيران، هي من الأمور التي لا تقبل التغيير»!
ومن العجيب أن المادة الرابعة والخمسين بعد المائة، في شأن السياسة الخارجية تنص على أن «جمهورية إيران الإسلامية تقوم بدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أية نقطة من العالم، وفي الوقت نفسه لا تتدخل في الشئون الداخلية للشعوب الأخرى»! وشعار المستضعفين ضد المستكبرين اليوم يستخدم في أدبيات الأقليات الشيعية في المنطقة وهي تثور بمساندة الولايات المتحدة (الشيطان الأكبر) للوصول إلى السلطة!
إيران والحلم الفارسي القديم..!
لا يمكن فصل عقيدة إيران عن تاريخها وعن دورها السياسي في المنطقة بأي حال من الأحوال، فمشروع إيران التوسعي -والذي سنأتي على ذكره- مشروع قومي إقليمي أعلن عنه منذ قيام الثورة الإسلامية! في طهران تحت مصطلح «تصدير الثورة»! وهي في إطار تحقيق مشروعها التوسعي في المنطقة تعتمد على البعد العقدي والطائفي الذي يصلها بالأقليات الشيعية في المنطقة، وبالذات في الخليج والعراق ولبنان، فهي تعمل على دعم ومساندة هذه الأقليات، وتزويدها بالخبرات والمعارف والتأهيل المتطلب لكوادرها عبر البعثات المفتوحة والإرساليات، كما أنها تعمل على تحسين صورتها في العالمين العربي والإسلامي من خلال بعثاتها الدبلوماسية التي أصبحت تمارس علاقات ومناشط سياسية واجتماعية وثقافية في دول المنطقة، مع المسئولين والوجاهات الاجتماعية والشخصيات الثقافية والفكرية والأكاديمية والإعلامية ورجال الأعمال، كما أن ظهورها كدولة مناوئة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ومساندتها للمقاومة في لبنان وفلسطين، وإن اختلفت طبيعة هذه المساندة من حزب الله إلى حركة حماس والجهاد الإسلامي، أوجد لها شعبية في أوساط السنة عمومًا! لذلك فهي لا تألو جهدًا في إطلاق تصريحات نارية ضد أمريكا وإسرائيل!
لقد أعلنت الثورة الإيرانية عن طموحات تتجاوز دور شرطي المنطقة كما كان الشاة يفعل، وتتلخص هذه الطموحات في إقامة حكومة إيرانية عالمية كبرى، استنادًا إلى مقومات تاريخية ومذهبية، وقد نص الدستور الإيراني «على هذه الحكومة تحت عنوان (أسلوب الحكومة في الإسلام) بقوله: إن الدستور بالنظر إلى المحتوى الإسلامي للثورة الإيرانية، التي كانت حركة لانتصار جميع المستضعفين على المستكبرين، لَيهيئ المجال لاستمرار هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خاصة الاجتهاد في دعم العلاقات الدولية مع سائر الحركات الإسلامية والشعبية؛ حتى يمهد السبيل لإنشاء أمة عالمية واحدة»، و«يقول آية الله خامنئي زعيم الثورة: إن آيات القرآن الكريم وأحاديث الأئمة المعصومين تؤكد حتمية ظهور الحكومة العالمية للإسلام بزعامة حضرة ولي العصر، وستقوم هذه الحكومة لرسم مستقبل مشرق لمحرومي العالم، إننا نعتقد ونؤمن بهذه الحكومة. (صحيفة كيهان، (11/4/1987م)) »([8]).
وقد حول فقهاء النظام الإيراني هذه النظرية إلى هدف ينبغي تحقيقه مع إيجاد التبريرات الكافية لجعله مسؤولية واجبة التنفيذ، تحت شعار «تصدير الثورة الإسلامية» إلى المنطقة والعالم. «يقول خامنئي: إن وحدة المسلمين أصبحت واجبًا وعملًا دينيًا وحركة سياسية، وإننا -باعتبارنا مسئولين- نحمل على أكتافنا مسؤولية الدفاع عن تطبيق الإسلام والقرآن في واقع حياة الإنسان. (صحيفة اطلاعات، (7/5/1984م)) »([9]).
«لهذا زرعت إيران فروعًا للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بعد تأسيسه عام (1981م) في طهران، كان منها: (حزب الدعوة العراقي) و (حركة العمل الإسلامي في العراق) وما يسمى بـ (الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين) و (منظمة الثورة الإسلامية في شبة الجزيرة العربية) و (حركة أمل الإسلامية) التي انشقت عن حركة أمل الشيعية ثم تحولت بعد ذلك إلى ما يسمى اليوم بـ (حزب الله) »([10]).
وتستفيد إيران في طموحها هذا من الظروف الدولية والإقليمية، بل أصبحت عنصرًا فاعلًا في الأحداث الإقليمية والدولية، فهي تضع يدها اليوم بيد الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد ما يسمى بالإرهاب، لتجني من وراء ذلك إسقاط حكومة طالبان السنية في أفغانستان([11]) وإيصال القوى الشيعية للمشاركة في الحكم([12])، وإسقاط نظام البعث الذي وقف حاجزًا ضد المد الإيراني وتصدير الثورة! واستبداله بحكومة وسلطة ذات نفوذ شيعي، وهناك تعاون استخباراتي بين إيران وأمريكا حول أنشطة حركات المقاومة السنية الموصوفة بالإرهاب -أمريكيًا- في الدول العربية من خلال الأقليات الشيعية النافذة في تلك الدول: سورية ، لبنان، اليمن، البحرين، الكويت، السعودية!!
يقول المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله، في حوار مطول نشر على حلقات في صحيفة النهار اللبنانية، (6) نوفمبر (2002م): لـ«قد كسبت إيران من خلال هذا الموقف الكثير في أفغانستان، ولذلك فإنها تملك الآن مواقع جيدة متقدمة حتى على مستوى الحكم»!!
فقد دفعت إيران بحزب الوحدة الإسلامي، الذي أسسه عبدالعلي مزاري([13]) عام (1990م)، برعاية إيرانية من ثمانية فصائل شيعية، للقيام بدور عسكري في إسقاط حكومة طالبان ومساندة قوات الاحتلال الأمريكية!
يقول كمال خرازي -وزير خارجية إيران- عن إسقاط نظام طالبان: «كان لنا مع الولايات المتحدة في أفغانستان نقاط مشتركة»! وهذا ما يفسر إبعاد حكومة إيران لـ«قلب الدين حكمتيار» من أراضيها كتعبير عن حسن النية تجاه الحكومة الأفغانية العميلة بعد إعلانه الوقوف إلى جانب أسامة بن لادن وحركة طالبان في جهادهم ضد الاحتلال الأمريكي!
ولم يكن دور «حزب الوحدة الشيعي» الأفغاني بأقل أهمية من دور حكومة إيران، فقد لعب دورًا كبيرًا في قتال طالبان ميدانيًا، ومساندة قوات الاحتلال في نزولها إلى الساحة الأفغانية، كل ذلك بتوجيه من إيران، يقول كمال خرازي -وزير خارجية إيران: «لقد استمر اتصالنا بجبهة الائتلاف المتحدة طول الوقت، ولا شك أن هذه الجبهة سوف تقوم بدور هام في المستقبل»!
إن «المعضلة الأساسية في موضوع أفغانستان أن الطرفين الإيراني والأمريكي يدركان أن كلًا منهما قد استفاد في هذا الميدان، وهو ما لا يريده أحدهما للآخر، إلا أن كلًا منهما لا يملك حيلة في منعه، ومن ثم تقوم الحرب الإعلامية بينهما، ويتهم كل منهما الآخر بما يراه فيه من وجهة نظره، لعل هذا يشفي غليله ويرضي غروره»([14])!
في الاتجاه الآخر، وبالعمق العربي هناك تواصل وتوسع إيراني في المنطقة! فنفوذ إيران في العراق اليوم مثار نزاع بين طهران وواشنطن والعراقيين أنفسهم! وهي مسألة ليست خافية! ولها أبعادها الدينية والسياسية والاقتصادية والإستراتيجية! فإيران التي ساهمت في إسقاط العراق تسعى إلى تعزيز صلتها ووجودها من خلال الأقلية الشيعية في بلاد الرافدين لخدمة مصالحها الداخلية والإقليمية! وللضغط على واشنطن، ومن خلال أوراق أخرى في المنطقة للقبول بفكرة الهلال الشيعي، الهلال الذي تنقصه قوة رادعة تجعل من إيران قوة عظمى في المنطقة بامتلاكها «القنبلة النووية»!
برنامج إيران النووي والأبعاد الإستراتيجية:
في عام (2003م) فاجأت الوكالة الدولية للطاقة الذرية العالم بإعلانها أن إيران أخفت برنامجها لتخصيب اليورانيوم لمدة (18) عامًا! أي: أن إيران منذ عام (1985م) بدأت في برنامجها النووي! أي: في أثناء حربها مع العراق! وعلى خلاف البرنامج العراقي الذي كان الأسبق في المنطقة لم توجه إلى هذا المشروع أي ضربة عسكرية! بل على العكس من ذلك فإن (تموز-1) -وهو اسم المشروع العراقي للطاقة النووية- الذي كان يستخدم وقودًا نوويًا مخصبًا بدرجة 93٪، وهي نسبة صالحة للاستخدام في القنابل النووية، والذي كانت كل عملياته تجري تحت «إشراف الفرنسيين والوكالة الدولية، والوقود المستنفد يعاد إلى فرنسا ولا يحق للعراق الاحتفاظ به ضمن الاتفاق المبرم عام (1976م)، وكانت فرنسا وأمريكا وإسرائيل يعرفون أن هذا المفاعل لا يمكن استخدامه لإنتاج البلوتونيوم ولاسيما في ضوء الرقابة الدولية على تشغيله»، دمر في مهده بعد أن «ادعت إسرائيل أن هذا المفاعل قادر على إنتاج (12) كيلو غرام من البلوتونيوم في السنة أي: بواقع قنبلتين نوويتين»([15])! ولم يشفع للعراق، وهو الذي كان يتلقى الدعم السخي من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج للوقوف ضد إرادة التوسع الإيرانية في المنطقة، من توجيه ضربة عسكرية له وقصفه في غارة جوية من القوات الإسرائيلية في (7/6/1981م) !
إنه وبحلول عام (1986م) اختصت الصناعات العسكرية بنحو 64% من إجمالي الإنتاج الصناعي، وبلغ اهتمام إيران بتطوير مقدرتها النووية من خلال توظيف عوائدها النفطية، ما بين 15-17 مليار دولار سنوياً لهذا الغرض!([16]).
هذا كله لم يلفت نظر إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية! ولم توجه إليه أي عدوان خلال (18) عامًا!
هناك حديث إعلامي وخطاب سياسي تصاعدي في الفترة الأخيرة حول هذا الموضوع، والذي يخشاه الغرب هو قيام إيران سرًا بتطوير قنبلة نووية أو على الأقل امتلاك القدرة على إنتاجها، حتى إذا قررت عدم بناء قنبلة الآن، وهو ما قد يقوي قدرة إيران في لعب دور المنافس المحلي على الساحة الإقليمية والحليف التقليدي لقوى مناوئة للغرب كروسيا مثلًا على الساحة الدولية! وربما شجع ذلك دولًا أخرى على أن تحذو حذوها في امتلاك السلاح النووي!
إيران أفادت بأنها تعمل على تخصيب اليورانيوم على نطاق ضيق في منشأة «ناتنز» النووية، وقد عادت لاستئناف أبحاثها وعمليات التخصيب بعد فترة انقطاع لم ترض رغبة الغرب، وهذا يعني تصميم إيران على امتلاك تكنولوجيا دورة الوقود النووي، وهذا ما عبرت عنه القيادة السياسية في إيران، حيث بدا الموقف الرسمي الإيراني متحدًا بهذا الشأن، ففي حين يعلن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للأمم المتحدة أن إيران لديها «حق غير قابل للمناقشة لإنتاج طاقة نووية» يصوت البرلمان الإيراني لصالح استئناف التخصيب ووقف عمليات التفتيش الدولية على المنشآت النووية!
ويرى المراقبون بأن إيران ليست بحاجة لإنتاج طاقة نووية؛ لأن بإمكانها الحصول على الطاقة من المخزون الهائل لديها من النفط والغاز! كمصادر بديلة! لذا فالسبب الوحيد وراء نشاطاتها يجب أن يكون إنتاج قنبلة نووية في يوم ما! بدليل توجه الأبحاث الإيرانية لطريقتي إنتاج السلاح النووي: إما باستخدام اليورانيوم الشديد التخصيب أو باستخدام البلوتونيوم المفصول! ويعتقد الخبراء أن إنتاج إيران للقنبلة النووية هو مجرد وقت ليس إلا، ولن تتجاوز المسألة عدة سنوات! لذا فإن إيران تريد تهيئة الأجواء الإقليمية لظهور الإمبراطورية الفارسية النووية!
الولايات المتحدة الأمريكية التي تعلن رفضها صراحة للسماح لإيران بتطوير برنامجها النووي! ترغب في حل الخلاف دبلوماسيًا لكنها في الوقت ذاته لا تستبعد اللجوء لخيارات أخرى! وربما لن يكون أقل من العملية الإسرائيلية التي قصفت المفاعل النووي العراقي عام (1981م)!
فقد أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش أنه يسعى لحل الأزمة النووية الإيرانية بالسبل الدبلوماسية، وقال بوش بعد لقائه بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في واشنطن، في (14/1/2006م): إنهما اتفقا معًا على السعي لحل الأزمة «دبلوماسيًا من خلال العمل المشترك»! وأضاف أنه من المنطقي أن تحال دولة رفضت الحلول الدبلوماسية إلى مجلس الأمن الذي له صلاحية فرض العقوبات! وأن على الولايات المتحدة وألمانيا وغيرهما من الدول «أن تبعث برسالة موحدة إلى الإيرانيين لعدم امتلاك سلاح نووي لتهديد العالم أو ابتزازه»!
إلا أن البعض يرى في الموقف الأمريكي عامل شد وجذب مع نظام طهران في المنطقة، فالملف الذي بدأ بالظهور للسطح عقب أحداث (11) سبتمبر كان انعكاسًا لطبيعة العلاقات التي تريد واشنطن تشكيلها في المنطقة لإضعاف دور أي قوى إقليمية في مواجهة الوجود الأمريكي في المنطقة، وبالتالي تم إسقاط النظام العراقي الذي يمثل الأكثر خطرًا تحت ذريعة امتلاك أسلحة دمار شامل! وهي ذريعة ثبت كذبها فيما بعد!
ففي سبتمبر (2002م) بدأ العمل في أول مفاعل إيراني في بوشهر، وفي ديسمبر من العام ذاته كشفت الأقمار الصناعية عن موقعي «آراك» و«ناتنز» لتبدأ عمليات تفتيش الوكالة الذرية فيما بعد!
في نوفمبر (2003م) جمدت إيران نشاطاتها لتخصيب اليورانيوم، وسمحت بعمليات تفتيش أشد، إلا أن موقف إيران بعد سقوط بغداد كان أكثر صلابة، ففي يونيو (2004م) عنفت الوكالة الذرية للطاقة إيران لعدم التعاون الكامل! وتنطلق عمليات الشد والجذب بين واشنطن وطهران في ظل اللعب بالورقة العراقية.
في نوفمبر (2004م) جمدت إيران عمليات التخصيب في ظل اتفاق مع الاتحاد الأوروبي الذي أصبح وسيطًا في حل الأزمة، في حين سعت إيران لكسب عامل الوقت لترفض خطة الاتحاد الأوروبي وتعيد فتح منشأة أصفهان أغسطس (2005م)، وتعيد فتح منشأة ناتنز في يناير (2006م)، وتعلن في أبريل -بعد ثلاثة أشهر- عن نجاحها في تخصيب اليورانيوم لاستخدامه كوقود في محطات الطاقة لديها، في خطوة اعتبرت تحد لمجلس الأمن الدولي! وتزامن مع هذا الإعلان في ذات الشهر اختبار إيران لأسرع طوربيد في العالم لا يرصده الرادار، ويمكنه تدمير الغواصات المعادية! وإجراء تجربة ناجحة على صاروخ جديد، أطلق عليه اسم «فجر 3»، والذي يملك عدة رؤوس حربية قادرة على إصابة عدة أهداف في وقت واحد، ويستحيل على الرادار اكتشافه، ومداه أربعين كيلومترا!
هذا الوضع شجع يحيى رحيم صفوي -القائد العام للحرس الثوري الإيراني- للتصريح في (5/4/2006م) بأن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تقبل وضع «إيران كقوة إقليمية»! مضيفًا أن العقوبات أو التهديدات العسكرية لن تكون في مصلحة الولايات المتحدة أو أوروبا! ولتبدأ إيران فعليًا باتخاذ «تدابير احتياطية في محاولة لحماية منشآتها النووية»! كما صرح ديفيد إلبرايت، مفتش الأسلحة السابق بالأمم المتحدة ورئيس معهد إيزيس، لوكالة رويتر للأنباء، في أبريل (2006م) !
هذه الحقيقة القائمة اليوم، والقابلة للتطور مستقبلًا! يراها البعض خطرًا على إسرائيل وأمريكا! إسرائيل التي قال أحمدي نجاد عنها أمام حشد من آلاف المتظاهرين الذين خرجوا في العاصمة طهران وهم يهتفون «الموت لإسرائيل الموت لأمريكا»!: إنه يجب إزالة إسرائيل من خريطة العالم! وهو ما خلق أزمة سياسية على مستوى مجلس الأمن، الأمر الذي أجبر طهران للإعلان في (29/10/2005م) عن حقيقة موقفها، وأنها ملتزمة بتعهداتها للأمم المتحدة بعدم استخدام العنف ضد أي دولة أخرى! وقال بيان للخارجية الإيرانية «الجمهورية الإسلامية الإيرانية ملتزمة باتفاقات الأمم المتحدة، ولم تستخدم القوة ضد دولة أخرى، ولا تهدد باستخدامها»! وبحسب بيان السفارة الإيرانية في موسكو فإن الرئيس «لم يكن يقصد الكلام بعبارات حادة عندما تحدث عن إزالة إسرائيل من خريطة العالم»! وأن «طهران لا تهدف إلى الدخول في صراع، إلا أن الرئيس أراد التركيز على الدور المحوري لإيران في المنطقة»!([17]).
ولكي لا يكون الكلام جزافًا وعاطفيًا علينا باستقراء العلاقة بين الطرفين: إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى!
فقد مثل الشاه ونظامه في إيران أداة طيعة للولايات المتحدة الأمريكية وشرطيًا لها في المنطقة، وحتى ثورة الخميني «الإسلامية»! لم تكن في الحقيقة طاهرة من دنس هذه العلاقة مع واشنطن وإن كانت في السر! بل إن تلك المواجهة التي ظهرت مبكرًا بين الثورة الإيرانية وواشنطن، والتي تمثلت في حادثة اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واختطاف الدبلوماسيين فيها كرهائن، والتي كان وراءها -بحسب شهادة «أبي الحسن بني الصدر»([18])- الأمريكيون! وأنها كانت لخدمة مصالح الفريقين: «لخدمة الملالي في إيران، وأيضًا خدمة الجمهوريين في الولايات المتحدة الأمريكية، الذين كانوا يريدون تغيير نفسية الأمريكيين الذين استكانوا إلى السلام بعد حرب الفيتنام، حتى أنهم عادوا إلى عزلتهم المعروفة، لهذا كان يجب إيقاظ الروح العدائية عندهم باستغلال موضوع الرهائن، والنتيجة كانت وصول الجمهوريين للسلطة، وقيل كثيرًا إن الخطة كانت من إعداد (هنري كيسنجر) والسيد (روكشيلر) ولم يكن بالتأكيد من إعداد الطلبة الثوار، لم نجد طالبًا واحدًا يحدثنا عن مخطط العملية حتى الآن، لا نعرف في إيران حتى اليوم من الذي خطط لعملية الرهائن»([19]).
وبعد فوز ريجان في انتخابات الرئاسة، تم التوصل في مطلع عام (1981م) لاتفاق في لندن، أفرجت إيران بموجبه عن الرهائن الأمريكيين، واستمرت الولايات المتحدة في تزويد الجيش الإيراني بالسلاح وقطع الغيار والعتاد.. وفي مارس- أبريل (1981م)، نقلت الطائرات من إسرائيل إلى إيران قطع غيار طائرات «إف-14» المقاتلة ومعدات عسكرية أخرى. وعبر إسرائيل اشترت إيران في عام (1983م) صواريخ أرض-أرض من طراز «لاتس»!([20]).
لقد كانت واشنطن على علاقة سابقة مع قيادة الثورة «الإسلامية»! التي قادها الخميني، فقد نشرت مجلة تايم الأمريكية في (5/3/1979م) تصريحًا للرئيس كارتر رد فيه على معارضيه، قال فيه: «إن الذين يطلبون من الولايات المتحدة أن تتدخل بشكل مباشر لوقف الأحداث مخطئون، ولا يعرفون الحقائق القائمة في إيران!! لقد سبق أن أجرينا اتصالات مع أبرز زعمائها منذ بعض الوقت»!([21]) هذا الاتصال ضمن لواشنطن بقاء مصالحها التي عبر عنها هارولد ساوندرز -مساعد وزير الخارجية الأمريكية الأسبق- في تقرير ألقاه أمام لجنة شؤون الشرق الأوسط، بقوله: «إن المصالح الأمريكية في إيران لم تتغير، ولنا مصلحة قوية في أن تبقى إيران دولة حرة مستقرة ومستقلة»!([22]).
وفي حديث لوزير الدفاع الأمريكي براون -حينها- وصف حكومة بازركان -أول رئيس وزراء في عهد الخميني- بأنها متعاونة جدًا وباستطاعة الأمريكان أن يقيموا معها علاقات ودية! وفي تصريح هام للراديو الحكومي قال بازركان: «إن جوهر الوجود الإيراني كدولة قد تولد من اتصالنا مع الغرب!! وإنه لما يتنافى مع المبادئ الإسلامية تدمير كل ما هو أجنبي»!([23]) بل سبق أن صرح آية الله روحاني، الذي كان ممثلًا للخميني في واشنطن، عندما كان الأخير في فرنسا، بالقول: «أنا مقتنع بأن أمريكا أعطتنا الضوء الأخضر»!([24]).
هذه العلاقة ظلت مستمرة حتى في أجواء الحرب العراقية الإيرانية، ففي عام (1986م)، قام مستشار الأمن القومي الأمريكي بَدْ مكفارلن بزيارة سرية لطهران، وحضر والوفد المرافق له على متن طائرة تحمل معدات عسكرية لإيران، وكان الكشف عن هذه الزيارة هو ما أثار القضية التي عرفت وقتها بـ«إيران غيت» والتي قام الأمريكان -بتعاون ومباركة يهودية- بتزويد إيران بأسلحة في وقت كانت تقوم فيه على حماية الخليج العربي من الزحف الإيراني الإرهابي!!([25]).
وفي غمرة الاحتفالات بالذكرى العشرين للثورة قال آية الله حسين علي منتظري: إن خيار القطيعة بين إيران والولايات المتحدة منذ انتصار الثورة وضع مؤقت قابل للتغيير وفقًا للظروف السياسية والاقتصادية! إن العلاقة مع أمريكا تحددها مصالح البلاد! لا بدَّ من مراجعة للسياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة في شكل عملي، وعلى يد أصحاب الخبرة والاختصاص، وإذا توصلوا إلى وجود مصلحة في التطبيع ما عليهم إلا أن يبادروا إلى ذلك من دون تردد([26]).
وفي مقال لتوماس فريدمان، في صحيفة هيرالد تربيون (30/3/1995م)، ذكر أنه حتى هذا العام كانت أمريكا هي الشريك التجاري الأول لإيران!! وأن الصادرات الأمريكية إلى إيران زادت عشر مرات منذ العام (1979م)([27]).
أما وزيرة الخارجية الأمريكية الصهوينية مادلين أولبرايت فقد صرحت في (21/1/1999م) بالقول: «فكرنا كثيرًا في شأن كيفية التعامل مع إيران، لأن من المهم ألا يُعزل إلى ما لا نهاية بلد بهذا الحجم والأهمية والموقع»!! وكانت أولبرايت قد أوصت الرئيس كلينتون، في (25/11/1998م)، برفع اسم إيران من القائمة الأمريكية للدول الرئيسة المنتجة للمخدرات، وذلك في خطوة إيجابية تجاه هذا البلد. (صحيفة الحياة، العدد 13049). ولم يتأخر الرئيس كلينتون في الاستجابة، فكان أن أصدر قرارًا برفع اسم إيران من القائمة بتاريخ (8/12/1998م). (الشرق الأوسط، العدد 7315) !!
ويقول السفير الأمريكي السابق لدى قطر جوزيف جوجاسيان الذي عمل في الدوحة بين عامي (1985م) و (1989م) إن الرئيس الأمريكي سيلغي قرار حظر تعامل الشركات الأمريكية مع طهران قبل نهاية العام المقبل (1999م). ولفت إلى أن كلينتون وضع على الرف قرارًا كان أصدره الكونغرس يمنع تعامل شركات غربية مع إيران، مشيرًا إلى أن هذا القرار سينتهي تلقائيًا عام (2001م)، وأعرب عن اعتقاده أنه لن يتم تجديده، وقال: إن الشركات الأمريكية ستعود قريبًا للعمل في إيران. (الحياة، العدد 13056، (2/12/1998م))!([28]).
إن إيران أحمدي نجاد هي إيران محمد خاتمي هي إيران آية الله الخميني هي إيران الشاه، لا فرق! ولنستشهد هنا بتصريح علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام والرئيس الإيراني السابق، في (8) فبراير (2002م)، في خطبته بجامعة طهران، حيث يقول: إن القوات الإيرانية قاتلت طالبان، وساهمت في دحرها، ولولا مساعدة القوات الإيرانية في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني! وتابع قائلًا: «يجب على أمريكا أن تعلم أنّه لولا الجيش الإيراني الشعبيّ ما استطاعت أمريكا أنْ تُسْقط طالبان»!
كما صرح محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية سابقًا، في الإمارات العربية المتحدة في ختام أعمال مؤتمر «الخليج وتحديات المستقبل» الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية ((15/1/2004م)) قائلًا: إنّ بلاده «قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربهم ضد أفغانستان والعراق»! وأنه «لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة»!!([29]).
«أتصور أن السياسة الواقعية التي انتهجتها إيران في تطوير الأيديولوجيا على أساس الموازين الشرعية، لمصلحة الواقع السياسي والاقتصادي والأمني يمكن أن تفسح المجال لتطوير العلاقات الإيرانية مع الواقع الدولي حتى مع أمريكا. وفي الواقع فإن الخطوط السياسية في إيران لا تمنع من علاقات مع أمريكا، ولكن مسألة التجاذب والجدية بين أمريكا وإيران هي مسألة الشروط، إذ تعمل إيران على أن تحافظ على موقعها وعنفوانها واستقلالها، بينما تريد أمريكا إخضاع إيران على الطريقة التي تخضع بها الدول الأخرى، وأعتقد أن القضية لا بد أن تصل إلى نقطة التوازن، لأن أمريكا وحسب رصدي للطريقة الأمريكية السياسية، التي تدير بها أمريكا المواجهة ضد إيران أي: طريقة العصا والجزرة- توحي أن أمريكا تفكر ولو في المستقبل البعيد في أن تحرك مصالحها الاقتصادية والسياسية في الساحة الإيرانية. ومن الممكن جداً أن تقدم بعض التنازلات في مقابل ما تقدمه إيران من تنازلات على الطريقة الواقعية التي تقول: لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم»!([30]).
يا ترى من الذئب ومن الغنم في المعادلة؟ وهل ستتخلى إيران نجاد([31]) عن مشروع الخميني، الذي «كان يريد إقامة حزام شيعي للسيطرة على ضفتي العالم الإسلامي، كان هذا الحزام يتألف من إيران والعراق و سورية ولبنان، وعندما يصبح سيدًا لهذا الحزام يستخدم النفط وموقع الخليج الفارسي للسيطرة على بقية العالم الإسلامي، كان الخميني مقتنعًا بأن الأمريكيين سيسمحون له بتنفيذ ذلك، قلت له: إن الأمريكيين يخدعونك، ورغم نصائحي له ونصائح الرئيس عرفات -الذي جاء يحذره من نوايا الأمريكيين- فإنه لم يكن يريد الاقتناع»!([32]).
لقد قطعت واشنطن العلاقات مع إيران في عام (1980م)، وكانت ترى فيها خطرًا على مصالحها في الخليج! في حين كانت الولايات المتحدة الأمريكية في ثقافة الثورة الإيرانية (الشيطان الأكبر) ! هذا في العلن أما في السر فيبدو أن إيران -رابع أكبر منتج للنفط في العالم- كانت «تتمتع» بعلاقة دافئة مع واشنطن!
وبالرغم من أن إيران ضمن محور الشر الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عقب الحادي عشر من سبتمبر، ورغم استمرارها في برنامجها النووي إلا أنها لم تتعرض لأي هجوم أمريكي! فمصلحة واشنطن إضعاف طهران وليس القضاء عليها! منذ الحرب العراقية الإيرانية! وأكبر دليل على ذلك فضيحة «إيران غيت»!
و«الواقع أنه رغم أن إيران تصنف الولايات المتحدة على أنها (الشيطان الأكبر) الذي تنبغي مواجهته، فإن تأكيدات المواجهة لم تتعدَّ التصريحات والهتافات بالموت لأمريكا»، فقد أكد محمد خاتمي-الرئيس السابق للجمهورية- «أن إيران ليست راغبة في الحرب مع أحد، حتى مع أعدائها»! ويقول العميد محمد باقر ذو القدر-نائب القائد العام لجيش حراس الثورة الإسلامية: «إننا لا نرحب بالحرب، ولكننا ندافع عن هويتنا»!([33]).
الهوية! التي توصف اليوم بأنها ضد إسرائيل!!! وهذه قضية أخرى!
فإذا كانت دولة إيران من أوائل الدول التي اعترفت بالكيان اليهودي سنة (1948م) بقيادة القادة الشيعيين من ملوك إيران! فالوضع لم يتغير بعد قيام الثورة «الإسلامية» يقول بني الصدر في حديثه للجزيرة حول علاقة إيران بإسرائيل في حربها ضد العراق: «في اجتماع المجلس العسكري أعلمنا وزير الدفاع أننا بصدد شراء أسلحة من إسرائيل، عجبًا كيف يعقل ذلك؟! سألته: من سمح لك بذلك؟ أجابني: الإمام الخميني. قلت: هذا مستحيل!! قال: إنني لا أجرؤ على عمل ذلك وحدي، سارعت للقاء الخميني، وسألته: هل سمحت بذلك؟ أجابني: نعم. إن الإسلام يسمح بذلك، وأضاف قائلًا: إن الحرب هي الحرب، صعقت لذلك صحيح أن الحرب هي الحرب ولكن أعتقد أن حربنا نظيفة، الجهاد وهو أن تقنع الآخرين بوقف الحرب، والتوق إلى السلام، نعم، هذا الذي يجب عمله، وليس الذهاب إلى إسرائيل وشراء السلاح منها لمحاربة العرب، لا، لن أرضى بذلك أبدًا، حينها قال لي: إنك ضد الحرب وكان عليك أن تقودها لأنك في موقع الرئاسة»!([34]).
غير أن «إيران غيت، شراء الأسلحة الأمريكية عبر إسرائيل» لم تغب عنها شمس الحقيقة! كما أن علاقة إيران الثورة مع الكيان الصهيوني لم تدم في الخفاء!([35]).
فقد صرح ديفيد ليفي -وزير الخارجية اليهودي في حكومة نتنياهو- قائلًا: إن إسرائيل لم تقل في يوم من الأيام إن إيران هي العدو!([36]) ويقول الصحفي اليهودي أوري شمحوني: إن إيران دولة إقليمية ولنا الكثير من المصالح الإستراتيجية معها، فإيران تؤثر على مجريات الأحداث وبالتأكيد على ما سيجري في المستقبل، إن التهديد الجاثم على إيران لا يأتيها من ناحيتنا بل من الدول العربية المجاورة! فإسرائيل لم تكن أبدًا ولن تكون عدوًا لإيران!([37]).
لكن إسرائيل حرصت ألا تحرج طهران أو تفضحها! فأصدرت حكومة نتنياهو أمرا يقضي بمنع النشر عن أي تعاون عسكري أو تجاري أو زراعي بين إسرائيل وإيران، وجاء هذا المنع لتغطية فضيحة رجل الأعمال اليهودي ناحوم منبار الذي أدانته محكمة تل أبيب بالتورط في تزويد إيران بـ(50) طنًا من المواد الكيمائية لصنع غاز الخردل السام! وقد تقدم المحامي اليهودي أمنون زخروني -حينها- بطلب التحقيق مع جهات عسكرية واستخباراتية أخرى زودت إيران بكميات كبيرة من الأسلحة أيام حرب الخليج الأولى!([38]).
فقد قامت شركة كبرى تابعة لموشيه ريجف، الذي يعمل خبير تسليح لدى الجيش الإسرائيلي، ما بين (1992م-1994م) ببيع مواد ومعدات وخبرات فنية إلى إيران، وقد كشفت عن هذا التعاون الاستخبارات الأمريكية بصور ووثائق تجمع بين موشيه والدكتور ماجد عباس رئيس الصواريخ والأسلحة البايولوجية بوزارة الدفاع الإيرانية.([39]) وقد نقلت جريد الحياة (عدد 13070) عن كتاب «الموساد» للعميل السابق في جهاز الاستخبارات البريطانية ريتشارد توملينسون: وثائق تدين جهاز الموساد لتزويده إيران بمواد كيماوية! وذكرت الصحيفة عن صحيفة «هآرتس» أن ريتشارد توملينسون، وهو عميل سابق لجهاز الاستخبارات البريطاني، أكد في كتابه أن جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) ساعد إيران على شراء عتاد كيماوي في وقت كان يقود حملة استخباراتية دولية لإحباط خطط إيران، لكن في الوقت ذاته عمل الموساد سرًا ووحده من دون علم الأطراف الأخرى وبالتعاون مع الإيرانيين لعقد صفقة تهدف إلى مساعدة الإيرانيين في جهودهم لإنشاء مصنع للأسلحة الكيماوية في مقابل إطلاق الطيار الإسرائيلي «رون أراد» الذي قبض عليه في لبنان بعد سقوط طائرته!([40]).
«في كل الأحوال فإن من غير المحتمل أن تقوم إسرائيل بهجوم على المفاعلات الإيرانية، وقد أكد عدد كبير من الخبراء تشكيكهم بأن إيران -بالرغم من حملاتها الكلامية- تعتبر إسرائيل عدوًا لها. وأن الشيء الأكثر احتمالًا هو أن الرؤوس النووية الإيرانية موجهة للعرب»!([41]) فقد أعلن إيتان بن تسور، مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية، عدم وجود خصومة بين البلدين أي إسرائيل وإيران.. فتنتفي دوافع العداء بينهما على المستويين الرسمي والشعبي!([42]).
وهذا ما يفسر إفراج إيران عن الجواسيس اليهود في طهران! يقول عنها السفير الإسرائيلي المتقاعد هانان باريمون -الذي يعمل مستشارًا لرئيس بلاده عايزرا وايزمان: إيران دولة إقليمية مهمة ليس لنا معها أو مع شعبها أي خلاف أو عداء! ويضيف: إنه لا يوجد أي توجه عدائي إسرائيلي نحو إيران، لكن عليها أن تعمل للتكيف مع ظروف النظام العالمي الجديد!([43]).
وإيران التي ساهمت في احتلال العراق، تعلم مؤكدًا بوجود الموساد الإسرائيلي وكافة الأجهزة الاستخبارية الأخرى على أرض العراق، وتعلم أن هناك وجود صهيوني! لا بل مشروع صهيوني! تقوم به قوات الاحتلال الأمريكي والشركات اليهودية على أرض العراق لتمزيقه إلى دويلات طائفية وعرقية! ونهب ثرواته ومقدراته! فلماذا لا تعمل على محاربة الوجود والتغلغل الإسرائيلي تحت غطاء الخبراء والضباط والجنود والشركات؟! رغم نفوذها في الأوساط الشيعية! ووجودها على الساحة من خلال عشرات الميليشيات المسلحة التي تصفي الوجود السني العربي! في حين يعلن الجعفري والبارزاني عن نيتهما لتطبيع العلاقات مع إسرائيل من خلال فتح قنصلية رسمية في أربيل شمال العراق!
بهذا الوضوح وهذا الجلاء نكون قد وصلنا إلى الواقع الذي يتحدث عنه صبحي الطفيلي: «اليوم هناك محاولة أمريكية لأن يلعب الشيعة دورًا لصالح أمريكا في المنطقة، وهناك جهات سُنية تراقب وتعتبر هذا الدور دور عمالة للكفر وجريمة ضد الإسلام، وبالتالي الشيعة يلعبون دورًا قذرًا، ونقول الأمور بوضوح: هذا الأمر قد يتفاقم ويصل إلى درجة يصبح قتل الشيعي وقتل الأمريكي سيان عند شريحة واسعة من المسلمين، ويصبح إذا صدق الناقلون -وإن كنت أشك بذلك- أن قتل الناس في كربلاء في يوم عاشوراء أو في الكاظمية أمر من ضروريات العمل لتحرير الأمة الإسلامية من الوجود الأمريكي وهذه مصيبة!»!
وللخروج من هذه النتيجة يقول الطفيلي: «على المسئولين الشيعة وعلى رأسهم إيران أن يبعدوا أنفسهم عن القطار الأمريكي»! لأن هذا القطار سيرحل في يوم من الأيام! وإذا رحل فسيكون في «أجواء أن الشيعي كان في خدمة الأمريكي»! مما قد يعرضهم للانتقام السني وقتلهم باعتبارهم عملاء للاحتلال! ويضيف الطفيلي: «من يتحمل المسؤولية أليست السياسة الإيرانية؟! وكذلك في الخليج، وكذلك في الحجاز، وكذلك في لبنان، وكذلك في أي مكان، في إيران شريحة شيعية واسعة يمكن أن تحمي نفسها! لكن نحن -يقصد بقية الشيعة- في أصقاع الدنيا ليس كذلك! ولا يعني هذا أنه يجب علينا أن نمتنع عن العمل مع الأمريكان خوفًا على أنفسنا، لا، الأمريكان أعداء الأمة.. أعداء الإسلام، يجب على كل مسلم لأي فئة انتمى أن يدافع عن دينه وعن أمته وعن بلده، يجب علينا أن نقاتل وبضراوة وبكل قوة الغزو الأمريكي لعالمنا الإسلامي!
أنا أقول بصراحة: إيران تمسك بأكثر خيوط العمل السياسي العراقي الشيعي! على إيران إذا كانت لا تستطيع أن تساعد العراقيين في الجهاد وتحرير بلادهم ألا تمنعهم عن هذا الفعل! وألا تحول دون ذلك! وأنا أستنكر شديد الاستنكار دعوة بعض المسئولين الإيرانيين الأمريكان للتعاون في العراق! وأعتبر هذا ضربًا من ضروب العدوان على أمة المسلمين هذا أولًا! على القيادات في النجف وفي غير النجف -أقول وبصراحة- مشروع التعاون مع الأمريكان يا حالمين سيفشل وسيتبرأ كل منكم من دوره القذر الذي لطخ به جبينه في التعامل مع الأمريكان! من الآن اعلموا أن طريق المقاومة هو الطريق الباقي! والمقاومون هم الباقون في العراق! وعليه استدركوا والتحقوا بركب الجهاد والمجاهدين وقاتلوا الأمريكيين! وأنا متأكد وأنا أضمن لكم أيها العراقيون أن العراق يُحرر من الأمريكيين خلال سنوات قليلة جدًا أقصر مما تظنون!»([44]).
فهل تعي إيران ذلك؟!
خلاصة المشهد الإيراني:
تبدو إيران اليوم أقرب إلى (إيران الخميني) بوصول محمود أحمدي نجاد للسلطة، وعودة الحرس الثوري إلى مقاليد السلطة والحكم بعد أن حسن (الإصلاحيون) صورة إيران في الخارج وعملوا على إبداء مرونة في مواقفها من الغرب!
وفي الوضع الدولي الجديد الذي أعقب الحرب الأمريكية على الإرهاب أصبحت طهران جزءًا من محور الشر([45]): أمريكا- بريطانيا- إيران! الذي بدأ يعيد رسم المنطقة الإسلامية وفقًا لرؤية استعمارية صهيونية! بدءًا من إسقاط كابول ومرورًا ببغداد وانتهاءًا بلبنان والمقاومة الفلسطينية! والأيام القادمة كفيلة بكشف أبعاد المخطط!
وهي تلعب هذا الدور الإقليمي بعبثها بالورقة الطائفية في العالم الإسلامي! وتحريك أبناء الطائفة الشيعية ضد السنة عمومًا تحت مبررات تاريخية لا تمت إلى الدين والحقيقة والواقع بصلة؛ لتحقق قيام الإمبراطورية الفارسية، وتزاحم على المصالح والثروات التي سيطالها الاستعمار الإنجلو أمريكي!
وهي اليوم تعمل على امتلاك السلاح النووي لتمارس دورها الإقليمي وتدافع عن مكاسبها القادمة في المنطقة! ووجودها المتنامي في العراق و سورية ولبنان ودول الخليج في الشق العربي! وأفغانستان وباكستان ودول وسط آسيا الإسلامية -المستقلة عن الاتحاد السوفييتي! وهي بهذه الجهود لا تعمل لعموم المسلمين بل لمصالح طائفية ضيقة فحسب! في حين يعاني بعض المسلمين داخل إيران، ممن لا ينتمون للمذهب الإثني عشري، من عمليات تطهير وقمع وتنكيل واسعة، واستباحة لأموالهم وأعراضهم ومساجدهم وأوقافهم!
وفي العراق يقف كثير من أبناء الطائفة الشيعية في صف المحتل وإلى جانب قواته في عملياته ضد المدنيين العراقيين الرافضين للاحتلال! وهم يساندون بقاء الاحتلال ويتعاونون معه في إنجاح مشروعه الاستعماري الهادف إلى تفتيت العراق إلى دول طائفية! ويؤيدهم في ذلك فتاوى المرجعيات الطائفية القاضية بتحريم المقاومة ووجوب المشاركة السياسية تحت شرعية الاحتلال! وتخوين المقاومة بكافة فصائلها وتياراتها! وتشويه المقاومة الإسلامية والوطنية في العراق ومطاردتها!
كما يعاني أهل العراق من وجود ميليشيات طائفية إيرانية تقف وراء كثير من العمليات ضدهم! من خلال حملات التطهير العرقي والمذهبي! واحتلال المساجد والأوقاف ومصادرة الأملاك! وحملات التهجير الواسعة للعوائل السنية من الجنوب! وعمليات القتل والاغتيال والإبادة الجماعية! وعمليات الخطف والتعذيب والتنكيل والاغتصاب للرجال والنساء والأطفال! واغتيال الأئمة والخطباء والعلماء والرموز الأكاديمية والثقافية والاجتماعية! باعتراف الاحتلال قبل غيره! ومن المؤسف أن تذهب تصريحات علماء المسلمين (السنة) في العراق أدراج الرياح وهم يعلنون مقتل (200) ألف عراقي نصفهم على يد الميليشيات الطائفية المتعصبة أدراج الرياح!
وفي المقابل فإن توسع النفوذ الإيراني في سورية بدأ يلوح في الأفق، لا من خلال الزيارات الرسمية المتكررة والمستمرة بين مسئولي البلدين خلال الفترة الأخيرة التي أعقبت مقتل الحريري، ولكن من خلال التغلغل الاقتصادي الذي صار ظاهرًا في السوق السورية، ومن خلال المصانع والمشاريع الاستثمارية والمصارف والصادرات الإيرانية لسورية! والأعداد الكبيرة من الإيرانيين الذين يصلون إلى سورية للسياحة الدينية أو في سوق العمل ومجال الخبرات والاستشارات لدى الأجهزة الحكومية! والأخطر من ذلك كله هي تلك الحركة التبشيرية للمذهب الشيعي الإثني عشري في المجتمع السوري ذي الأغلبية السنية! وفتح الحسينيات والمراكز التعليمية والثقافية! وإقامة وإظهار المناسبات والمراسم الشيعية! وتأسيس الجمعيات والمستشفيات الخيرية!
هذه الأوضاع التي آلت إليها الأمور في سورية دفعت برموز السنة، دينيها وعلمانيها، إلى التحذير مما يجري! ومآل ذلك مستقبلًا على سيادة سورية ورهنها للإرادة الإيرانية!([46]).
وفي (14/6/2006م) وقعت سورية وإيران اتفاقية تعاون عسكري إثر زيارة وزير الدفاع السوري العماد حسن توركماني إلى طهران! وتأتي الاتفاقية في ظروف تعاني فيها كلا الدولتين من تهديدات أمريكية! واستنادًا إلى تقرير أوروبي فإنه بموجب الاتفاق الموقع بين الطرفين يتعهد كل طرف بمساندة الطرف الآخر أمنيًا وعسكريًا في حال تعرضه لأي اعتداء خارجي! وتلتزم طهران بمساعدة سورية على تعزيز قدراتها العسكرية في كل المجالات، وتحديث قواتها المسلحة ومساعدتها على بناء صناعات عسكرية مختلفة!([47]).
وتأتي هذه الاتفاقية في ظل تغيير التركيبة السكانية لصالح الطائفة الشيعية والوجود الفارسي القادم من إيران عبر العراق! وافتعال المواجهة مع مجموعات صغيرة، وإلصاق تهمة الإرهاب بها لتصفية حسابات النظام مع القوى السنية المخالفة تحت غطاء محاربة الإرهاب! وإغلاق مناشط السنة الدعوية ومراكزهم العلمية! والتبشير بالمذهب الشيعي في أوساط السوريين السنة!
أما لبنان الذي «يشبه الآن إيران عام (1977م) »، بحسب تصريح السفير الإيراني الأسبق في لبنان فخر روحاني، في مقابلة أجرتها معه صحيفة «اطلاعات»- الإيرانية، في يناير عام (1984م)، والذي أضاف: «ولو نراقب ونعمل بدقة وصبر، فإنه إن شاء الله سيجيء إلى أحضاننا، وبسبب موقع لبنان وهو قلب المنطقة، وأحد أهم المراكز العالمية، فإنه عندما يأتي لبنان إلى أحضان الجمهورية الإسلامية، فسوف يتبعه الباقون»، لأن «لبنان يشكل خير أمل لتصدير الثورة الإسلامية»!([48]).
فإلى لبنان...

 
لماذا حزب الله؟
أولًا: «حزب الله» الله الذي سماه بأنه حزبه، وحزب الله هم أولئك الذين ينتمون إلى الله فهذا الحزب لا يمكن لمسلم أن يستقيل منه!([49]).
قبل أكثر من ربع قرن من الآن قام الإمام الخميني ومن معه بثورة ضد الشاه في إيران، ليعلن في طهران عن قيام الجمهورية الإسلامية، وأعلن الخميني حينها أن ثورته هذه إسلامية، وليست طائفية، وأنها لصالح المستضعفين في الأرض، ولصالح تحرير شعوب الأمة الإسلامية عامة وتحرير فلسطين خاصة!
تأثر بهذه الثورة كثير من أبناء الإسلام وجماعات وأحزاب العالم الإسلامي! وكان من بين من فرح بهذه الثورة واستبشر بها الفلسطينيون الذين رأوا في شعارات هذه الثورة أملًا يلوح لقضيتهم بعد الانتكاسات التي مني بها العرب!
وفي (11/2/1979م) تحولت سماء المخيمات الفلسطينية في بيروت والضواحي المحيطة بها إلى كتلة من النيران. فقد أخذ الفلسطينيون، والمواطنون اللبنانيون كذلك، يطلقون العيارات النارية من مختلف الأسلحة بكثافة غير عادية ابتهاجًا بنجاح ثورة الخميني! وكان ياسر عرفات أول من يزور طهران مهنئًا، وخاطب الخميني قائلًا: «إن ثورة إيران ليست ملكًا للشعب الإيراني فقط.. إنها ثورتنا أيضًا، فنحن نعتبر الإمام الخميني ثائرنا ومرشدنا الأول الذي يلقي بظله ليس على إيران فحسب بل على الأماكن المقدسة والمسجد الأقصى في القدس»!([50]).
وكان من بين من استبشر أيضًا بهذه الثورة حركة الإخوان المسلمين، التي اضطهدت وعاشت تواجه السجون والمعتقلات والقتل والنفي والتشريد نتيجة مطالبتها بتحكيم الشريعة الإسلامية! فقد أرسلت الحركة وفدًا مكونًا من عدد من قيادات الحركة ورموزها في التنظيم الدولي للالتقاء بالخميني وقيادات الثورة في طهران! وأعلنت تضامنها مع الثورة الإسلامية وقيادتها (الخميني) !
إلا أن الأمور تكشفت فيما بعد لكثير من أبناء الحركة، وكان منهم الشيخ سعيد حوى الذي كتب حول هذه الصفحات المنسية، عن طبيعة وأهداف الثورة الإيرانية الطائفية المتعصبة! يقول الشيخ سعيد حوى([51]): «عندما انتصر الخميني ظن المخلصون في هذه الأمة أن الخمينية إرجاع للأمر إلى نصابه في حب آل بيت رسول الله وتحرير التشيع من العقائد الزائفة والمواقف الخائنة، خاصة وأن الخميني أعلن في الأيام الأولى من انتصاره أن ثورته إسلامية وليست مذهبية، وأن ثورته لصالح المستضعفين، ولصالح تحرير شعوب الأمة الإسلامية عامة، ولصالح تحرير فلسطين خاصة»!
إلا أن الأمر تكشف عن غير ذلك، فقد كانت الخمينية «تتاجر بمشاعر جماهير المثقفين المتعلقين بالإسلام تاريخًا وعقيدة وتراثًا، فتتظاهر بالإسلام قولًا وتبطن جملة الشذوذ العقدي والحركي»! «فتدعي نصرة الإسلام وهي حرب عليه عقيدة ومنهجًا وسلوكًا»! و«تتظاهر بالغيرة على وحدة الصف الإسلامي وهي تدق صباح مساء إسفينًا بعد إسفين في أركان الأمة الواحدة»! خالطت في منهجها الحركي «كل توجهات الحركات السرية الباطنية ومناهجها القائمة على التلقين السري والاعتصام بالتقية والاستمداد من المجوسية»! لـ«تتحول في الغاية والنهاية كأخواتها في التاريخ»!
ثم يذكر كيف أن تطلعات الثورة الإيرانية كانت بحاجة إلى «تحالفات تحقق بها مآربها ومطامعها»! وكيف أن هناك دوائر كثيرة أدركت «أن عليها أن ترعى التطلعات الخمينية! وأن تتعاون معها لما يترتب على هذا التعاون من تحقيق مقاصد مشتركة!»! و«من هنا وجدنا تحالفًا عجيبًا بين إيران وليبيا، وبين إيران وسورية، وأمل من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، ووجدنا تحالفًا بين إيران والغرب، ووجدنا وفودًا من إيران تذهب إلى الاتحاد السوفييتي!»!
ومع أن هذه التحالفات تتناقض مع ما صرح به الخميني ابتداءً! إلا أن تطلعات الثورة الإيرانية للسيطرة على الأمة الإسلامية ومحاولة تشييعها دفعتها لهذه التحالفات و«لو كان ذلك لحساب كل جهة معادية للإسلام والمسلمين»!
ويذكر الشيخ سعيد حوى كيف أن حرب إيران مع العراق تسببت في ذهاب أموال دول الخليج «ففقدت الأمة الإسلامية بذلك قدراتها الاقتصادية وتنميتها!»، و«هكذا ساعد الخميني العالم غير الإسلامي في سلب الأمة الإسلامية أموالها وتطويرها إلى أمدٍ بعيد، لأنهم حتى في حالة انتهاء الحرب فإن العالم غير الإسلامي هو الذي سيعيد إعمار العراق وإيران! وهكذا فإن الحكومات الكافرة هي التي ربحت في الحرب وما بعد الحرب!([52]) وكل ذلك بسبب السياسات الخاطئة للخمينية الراغبة في السيطرة»!
ثم يقول الشيخ لقد «تحقق أعداء الإسلام من خطورة هذه الصحوة الإسلامية الرشيدة على مصالحهم، وأنها القاضية الماحقة لغاياتهم التي خططوا لها زمانًا، فأعادوا لعبتهم القديمة الجديدة، وتشاور كهنة المجوس وأحبار اليهود يريدون الكيد للإسلام وأهله، وبان لهم بأن تشويه هذه الصحوة الواعية وحرفها عن مقاصدها النبيلة الكريمة أفضل وسيلة وأنجح طريق لضربها وإخراجها من مضمونها الإسلامي السليم تحريفًا لغاياتها وتدميرًا لأسسها، فسلطوا عليها من المتظاهرين بالإسلام قومًا، علّهم يحققون لهم ما خططوا له وبيتوا من سوء ليغتالوا الوليد في مهده وأول نشأته ونمائه»!
لقد «تحدث التاريخ عن حالات كثيرة كانت فيها عواطف بعض الشيعة مع الكافرين ضد المسلمين، بل جمعوا إلى العواطف أعمالًا، فهؤلاء الشيعة ساعدوا الهولنديين في القضاء على دولة اليعاربة، وهذا نصير الدين الطوسي يقنع هولاكو في إنهاء الخلافة العباسية، وها هو ابن العلقمي يخون خليفته فيساعد التتار في القضاء على الدولة العباسية، وها هم الحشاشون يحاولون اغتيال صلاح الدين، وكم من مرة أظهر فيها بعض الشيعة عواطفهم نحو الكفر والكافرين ضد الإسلام والمسلمين! وكنا نتمنى ألا تتكرر هذه الظاهرة! ولكنها ظهرت من جديد بالخمينية وأتباعها»!
«كنا نتصور أنه بعد انتصار الخميني في إيران أن الشيعة قد تجاوزوا التقية! ولكننا من خلال الواقع وجدناهم يستعملون التقية مع البندقية»! «سواء في ذلك النظام الحاكم في سورية أو حركة أمل أو إيران، يتعاونون مع إسرائيل سرًّا ويعطونها الذي تريد، ويتظاهرون بخلاف ذلك، وهم يحاربون حربًا طائفية في كل مكان، ويتظاهرون بشعارات سوى ذلك»! «كانوا بالأمس يستعملون التقية حماية لأنفسهم! والآن يستعملون البندقية للسيطرة ويستعملون التقية لخداع الآخرين! فيلبسون لكل حالة لبوسها!»!
«انظر إليهم في سورية وتركيا وفي باكستان وأفغانستان وفي غيرها، فإنك حيث ما رأيتهم -هنا وهناك- تجدهم يلبسون لباسًا حزبيًا في الظاهر، ويكتمون مخططاتهم الخفية في الباطن حتى يصلوا إلى مرادهم»!
وذهب الشيخ سعيد حوى يسرد عقائد الشيعة الشاذة، في أئمتهم -المزعومين- والقرآن الكريم، والسنة المطهرة، والرسول الكريم، والصحابة، واصفًا إياها بأنها جحود لما هو معلوم من الدين بالضرورة! وكفر بواح! ونقض للإسلام كله! وفي مقام بيانه عن مخالفتهم الإجماع يقول الشيخ: «فهم يخالفون الإجماع في كثير من أمورهم في العقيدة والعبادة ومناهج الحياة»! ثم يوضح عند الحديث عن موقفهم من عموم المسلمين السنة بأنهم يعدون «كل من لا يؤمن بالأئمة وعصمتهم ناصبَّيًا تحرُم عليه الجنة ويدخل النار»!
ثم يأسف الشيخ لكون أن «بعض شباب أهل السنة والجماعة خُدعوا بذلك وغُرر بهم! لأن عندهم فراغًا استغله هؤلاء المخادعون! فحاولوا أن يقدموا لهم الخمينية على أنها تمثل الأصالة والحيوية! وما هي إلا مقبرة للإسلام الصحيح ومحاولة لدفن الإسلام وأهله فيا شباب الأمة الإسلامية انتبهوا»!! لـ«قد آن لشباب الإسلام أن يدركوا خداع هؤلاء، وأن يعرفوهم على حقيقتهم»!
لقد ساعد على بروز ثورة الخميني «هذا الزخم من تطلع شباب أهل السنة والجماعة وحنينهم لدولة الإسلام! فخالوا السراب ماءً! وظنوا الخمينية هي دولة الإسلام! وبالخداع وقعوا، وبالوهم سقطوا! وإن حنينًا إلى دولة الإسلام لا يوقعنا في الكفر أو في الضلال!»، «أما وقد دخل الخميني في زمرة الغلاة المُحرّفين والمنتحلين المبطلين والمؤوّلين الجاهلين، فلا بد لأهل العلم من هذه الأمة أن يقولوا فيه ما يفضح أمره ويبين حاله كي لا يغتر أحد به، وكي لا يهلك فيه أحد إلا وقد قامت عليه الحجة وظهر له من البينات ما يدعوه إلى اجتناب هذا الخطر العظيم الذي هو مقدمة لسخط الله واستحقاق عذابه»!
ويضيف: «إن بعض من نفترض عندهم الوعي غاب عنهم الوعي! فلم يدركوا خطر الخمينية! وإن بعض من نفترض عندهم العلم قصروا عن إبراز خطر الخمينية فكادت بذلك تضيع هذه الأمة! ولذلك فإننا نناشد أهل الوعي أن يفتحوا الأعين على خطر هذه الخمينية! ونناشد أهل العلم أن يطلقوا أقلامهم وألسنتهم ضد الخمينية! لقد آن لهذا الطاعون أن ينحسر عن أرض الإِسلام! وآن للغازي أن يكون مغزوًا! فالأمة الإِسلامية عليها أن تفتح إيران للعقائد الصافية من جديد! كما يجب عليها أن تنهي تهديدها الخطير لهذه الأمة! وليعلم أصحاب الأقلام المأجورة والألسنة المسعورة الذين لا يزالون يضللون الأمة بما يكتبونه وبما يقولونه أن الله سيحاسبهم على ما ضلوا وأضلوا! فليس لهم حجة في أن ينصروا الخمينية! فنصرة الخمينية خيانة لله والرسول والمؤمنين!»! «فهؤلاء أنصار التتار والمغول والصليبيين والاستعمار»! «ينصرون كل عدو للإِسلام والمسلمين»! و«ينفذون بأيديهم كل ما عجز عنه غيرهم من أعداء الإسلام والمسلمين»!«ومن هاهنا أصبحت المواقف الخمينية خطرًا ماحقًا على هذه الأمة، لا يجوز لأهل الرأي والفكر أن يسكتوا عنها وعن أهدافها القذرة وأساليبها الماكرة»!
أما «الساكتون عن الحقيقة» و«الذين ضلوا وأضلوا» كما يقول حوى فـ«لن يُعذروا»! ويختم كتابه([53]) بالدعاء قائلًا: «اللهم إني أبرأ إليك من الخميني والخمينية ومن كل من والاهم وأيدهم وحالفهم وتحالف معهم»! اهـ.
هذه آراء شخصية قيادية كانت ذات صلة واطلاع بالأحداث التي تعرضت لها الأمة في تلك الفترة، ولا شك أنها تنبع من خبرة وتجربة ومعرفة عن قرب! فللعلم كان الأستاذ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين رحمه الله، أحد الناشطين في لجان التقريب بين السنة والشيعة!
وهي تمثل انعكاسًا لصدمة جراء واقع لم يتطابق في مجرياته وتفاصيله مع الشعارات التي أطلقت!
وهذا ما يجعلنا نعيد النظر في تقييمنا لحركة بحجم «حزب الله»! أصبح لها تأثيرها وحضورها على الساحة العربية والإسلامية، خاصة وأن هذا الحزب كما سيأتي معنا انطلق بالأساس من رحم الثورة الإيرانية وعلى خلفية التعصب الطائفي في لبنان، والذي قاد إلى حرب أهلية أكلت الأخضر واليابس، وأفقدت لبنان قدرته على المقاومة الفعلية للعدو الإسرائيلي كما سنبين في الصفحات القادمة!
وهذا لا يعني وقوفنا مع إسرائيل ضد المقاومة الإسلامية الحقة! لكننا في المقابل لا نريد أن تستغل القضية الفلسطينية وشعارات الجهاد والمقاومة لأغراض وأهداف لا ترقى إلى مستوى قضية الأمة الإسلامية جمعاء! ولا تخدم مصالح عموم المسلمين ووحدتهم واجتماع كلمتهم!
وإذا كان «حزب الله» أعلن عن كونه مقاومة إسلامية بالمعنى الصحيح للمقاومة فإن عليه أن يوضح موقفه من التهم الموجهة للنظام الإيراني والأدوار التي تلعبها بعض القوى الشيعية في المنطقة، وموقف المرجعيات المتعصبة من الحركات المقاومة على امتداد الساحة الإسلامية!
كما أن عليه أن يثبت صدقية عدم احتكاره للمقاومة وتوظيفها لمصالح طائفية ضيقة! وأن يجيب على الأسئلة والنقاط المثارة حوله في الأوساط الشيعية والسنية على حد سواء! حتى يطمئن الجميع إلى مصداقية هذه الحرب الدائرة بين «حزب الله» وإسرائيل، وأنها جهاد مقدس تشارك الأمة فيه وتجني ثمرته تحريرًا ونصرًا لكل أبنائها!
وقبل ذلك كله أن يبين نظرته العقائدية للأمة التي يهدي نصره لها! وتصوره للقيم الحضارية، والموروث التاريخي، والنسق المذهبي الذي تنتمي إليه من الخليج إلى المحيط! وطبيعة علاقته بهذه الأمة تاريخيًا وواقعًا ملموسًا في لبنان وعلى امتداد الساحة الإسلامية! وبالتالي موقفه من المرجعيات الطائفية التي تذكي نار العداء والحقد والكراهية ضد عموم المسلمين السنة! وذلك الشحن العاطفي الرهيب الذي يقوم به رموز الشيعة لأتباعهم للإعداد لمقدم الإمام المهدي ومقاتلة العرب وعامة السنة معه!([54]).

 
لمحة تاريخية عن أدوار شيعة الشام
في التاريخ الإسلامي
أخذ مذهب التشيع ينتشر في العالم الإسلامي على أساس الغلو في آل البيت إلى الحدِّ الذي خلق تناقضًا بين آل البيت ومسيرة الأمة، التي أصبحت في الفكر والموروث الشيعي خائنة لآل البيت، ومرتدة عن الوصاية التي يدعيها الشيعة للأئمة الإثني عشر!
هذه النظرة العقائدية التي استندت إلى أحداث تاريخية مأساوية وأخطاء سياسية في عهود الدولة الأموية! بالإضافة إلى آثار وقصص ومقولات مختلقة تغذي الشعور بالظلم والحرمان وروح التعصب والطائفية المقيتة! وفرت أجواء العداء والكراهية والتآمر في نفوس غالبية المنتسبين لمذهب التشيع على مدار التاريخ! الأمر الذي كان له أكبر الأثر على طبيعة علاقتهم بالمجتمعات، والأنظمة التي يعيشون فيها! والمتمثلة في رفض الاندماج بهذه المجتمعات والعيش في حالة من العزلة والتخفي بالعقائد والطقوس التعبدية وممارسة التقية.. وهو ما سمح بشحن هذه التجمعات المعزولة بمشاعر الثورة والانقلاب!
ومن هنا كانت تستغل هذه المشاعر لأغراض سياسية، لذا نجح البعض في تأسيس دويلات منفصلة عن الدول الإسلامية التي كانت قائمة في فترة من الفترات من خلال إثارة النعرات الطائفية! ومن بين هذه الدويلات دولة بني بويه والدولة العبيدية وغيرهما، وليست الإشكالية في قيام هذه الدول منفصلة، ولكن في طبيعة الممارسات التي مارستها على عموم المسلمين السنة تحت اعتقاد تكفيرهم، فاستبيحت دماؤهم وأموالهم وأعراضهم، ونكل بهم أشد التنكيل، وارتكبت في حقهم أبشع الجرائم!! على خلاف ما تمتعوا به في الدول التي حكمتهم!
ومن المؤسف أن دور بعض قيادات التعصب الطائفي لم يقف عند إثارة الصراعات الداخلية، بل ذهب في العداء إلى حدِّ التآمر على الدول الإسلامية وشعوبها لصالح الأعداء الظاهرين! الذين لا شك في عدائهم لعموم الأمة سنة وشيعة! ونذكر هنا بعضًا مما سطرته كتب التاريخ..
وصل التتار إلى بلاد الشام عام (658هـ) بقيادة ملكهم هولاكو خان، وقد تسنى لجيشه دخول مدينة دمشق، التي كانت حاضرة الخلافة الأموية، دون حرب أو قتال! حيث استسلم لهم أهلها!
وبعد تدمير مدن الشام، ومنها دمشق، ولَّى هولاكو القاضي كمال الدين عمر بن بدر التفليسي الشيعي على جميع مدائن الشام والجزيرة والموصل وماردين والأكراد! وكان من بين من صانعهم الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجي، وهو حسب ما ذكر ابن كثير من شيوخ المذهب الإثني عشري، فصانعهم ومالأهم على أموال المسلمين! وكذلك الزين الحافظي، وهو سليمان بن عامر العقرباني!([55]) ولما ظفر المسلمون بالتتار في واقعة عين جالوت بقيادة الملك المظفر قطز، انتقم أهل الشام من الذين صانعوا العدو ووقفوا لصفه من طائفة الشيعة!
وكان نصير الدين الطوسي ممن عاصر الوزير ابن العلقمي، وكان من الشيعة، واتصف بخبث طويته لذا فقد كثرت خياناته، حيث أعان على قتل أهل السنة وأخذ أموالهم والقضاء على تراثهم العلمي، وبلغ من عمالته أن اتخذه هولاكو مستشارًا له! بعد أن كان مستشارًا للعبيديين الإسماعيليين! كما ذكر ابن كثير عنه ذلك! وهو الذي أشار لهولاكو بقتل الخليفة العباسي وجملة من علماء بغداد وقضاتها والأكابر والرؤساء من أهلها!
وقد أثنى علماء من الشيعة المتعصبين على الطوسي في أدواره هذه! يقول علامتهم محمد باقر الموسى([56]) في ترجمته: «هو المحقق المتكلم الحكيم المتجبر الجليل.. ومن جملة أمره المشهور المعروف المنقول حكاية استيزاره للسلطان المحتشم في محروسة إيران هولاكو خان بن تولي جنكيز خان من عظماء سلاطين التتارية، وأتراك المغول، ومجيئه في موكب السلطان مؤيدًا مع كمال الاستعداد إلى دار السلام بغداد، لإرشاد العباد وإصلاح البلاد، وقطع دابر سلسلة البغي والفساد، وإخماد دائرة الجور والإلباس بإبداد دائرة ملك بني العباس، وإيقاع القتل العام في أتباع أولئك الطغاة إلى أن سال من دمائهم الأقذار كأمثال الأنهار، فانهار بها في ماء دجلة، ومنها إلى نار جهنم دار البوار، ومحل الأشقياء والأشرار»!! كما امتدح الطوسي الإمام الخميني، بل وبارك خيانته هذه واعتبرها نصرًا حقيقيًا للإسلام، قال في كتابه الحكومة الإسلامية: «وإذا كانت ظروف التقية تلزم أحدًا منا بالدخول في ركب السلاطين فهنا يجب الامتناع عن ذلك حتى لو أدى الامتناع إلى قتله إلا أن يكون في دخوله الشكلي نصر حقيقي للإسلام والمسلمين مثل دخول علي بن يقطين، ونصير الدين الطوسي رحمهما الله»!([57]) ويقول أيضًا: «ويشعر الناس بالخسارة أيضًا بفقدان الخواجة نصير الدين الطوسي وأمثاله ممن قدموا خدمات جليلة للإسلام»([58]).
كما سعى الطوسي في إهلاك مؤلفات علماء المسلمين السنة وإتلافها! قال ابن كثير: «وفي سنة (657هـ) عمل الخواجة نصير الدين الطوسي الرصد بمدينة مراغة ونقل إليها شيئًا كثيرًا من كتب الأوقاف التي كانت ببغداد، وعمل دارًا للحكمة ورتب فيها الفلاسفة، ورتب لكل واحد في اليوم والليلة ثلاثة دراهم»([59]). ويقول ابن القيم: «ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر الملحد، وزير الملاحدة، النصير الطوسي وزير هولاكو، شفا نفسه من أتباع الرسول الكريم وأهل دينه، فعرضهم على السيف، حتى شفا إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين والسحرة، ونقل أوقاف المدارس والمساجد والربط إليهم، وجعلهم خاصته وأولياءه»... وذكر شيئًا من عقائده الباطلة وأفعاله الشنعاء([60]).
وقال عنه الشيخ محب الدين الخطيب: «جاء -أي الطوسي- في طليعة موكب السفاح هولاكو، وأشرف معه على إباحة الذبح العام في رقاب المسلمين والمسلمات، أطفالًا وشيوخًا، ورضي بتغريق كتب العلم الإسلامية في دجلة، حتى بقيت مياهها تجري سوداء أيامًا وليالي من مداد الكتب المخطوطة التي ذهب بها نفائس التراث الإسلامي من تاريخ وأدب ولغة وشعر وحكمة، فضلًا عن العلوم الشرعية ومصنفات أئمة السلف من الرعيل الأول، التي كانت لا تزال موجودة بكثرة إلى ذلك الحين، وقد تلف مع ما تلف من أمثالها في تلك الكارثة الثقافية التي لم يسبق لها نظير»([61]).
وكان من بين من مالأ التتار بدر الدين لؤلؤ، صاحب الموصل، وكان أرمينيا متشيعًا، وكانت له حظوة عند الملك نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود الأتاباكي صاحب الموصل، فتقدم في دولته إلى أن صار صاحب الكلمة فيها، وصفت له الأمور بعد قتله أولاد الملك جميعًا، فاستقل بالملك! وكان يبعث في كل سنة إلى مشهد الإمام علي قنديلًا من ذهب زنته ألف دينار! وقد قدم بدر الدين هذا إلى هولاكو وأعلن عن خدمته وطاعته له! وحمل معه الهدايا والتحف!([62]).
هذا شأنهم في العراق ومع الغزو التتري.. أما شأنهم في الشام والغزو الصليبي.. فلم يكن أقل منه في العراق!
لقد كانت بلاد الشام مسرحًا للمواجهات بين دولة السلاجقة -السنية- ودولة العبيديين -الفاطميين، الشيعة! في حين كانت أحوج ما تحتاج إليه الأمة إلى الوحدة بين المسلمين، خاصة وأن مطامع الصليبيين في الشام بدأت تتجلى! إلا أن العبيديين الشيعة جعلوا من هذه الظروف جوًا لتحركهم وتحالفهم مع الفرنجة الأمر الذي مهد لاحتلال بلاد الشام ومصر معًا! مع مطلع القرن السادس الهجري!
وقد بدأ التعاون بين العبيديين والصليبيين بإرسال بدر الجمالي وزير المستعلي -الحاكم الفاطمي بمصر- سنة (490هـ) سفارة من قبله إلى قادة الحملة الصليبية الأولى تحمل عرضًا خلاصته أن يتعاون الطرفان للقضاء على السلاجقة في بلاد الشام، وأن تقسم البلاد بينهما بحيث يكون القسم الشمالي من الشام للصليبيين في حين يحتفظ الفاطميون بفلسطين! ولما كان هدف الصليبيين هو السيطرة على بيت المقدس كان ردهم غامضًا واكتفوا ببث شعور الطمأنينة في نفوس الفاطميين!
ولما قام الأمير كربوق -والي الموصل من قبل السلاجقة- بتجهيز قوة لمنع سقوط أنطاكية بيد الصليبيين، وقف الفاطميون موقف المتفرج، ولم يكتفوا بذلك بل استغلوا هذه الفرصة فسيروا جيشًا إلى بيت المقدس ليأخذوه من يد السلاجقة! فحاصروه ونصبوا عليه أكثر من أربعين منجنيقًا حتى تهدمت أسواره وسيطروا عليه!([63]).
واستغل زعماء الشيعة الإسماعيلية الخلاف بين بعض السلاطين السلاجقة في نحو سنة (488هـ)، وتقربوا من رضوان بن تاج الدولة تتش الذي كان على بلاد الشام، وحصلوا عنده على مكانة مرموقة فتشيع لآرائهم، ولم يعبأ بما أحرزه الصليبيون من انتصارات واستيلاء على بعض بلاد الإسلام في آسيا الصغرى، فقد استولوا على أنطاكية سنة (491هـ) ثم سيطروا على المعرة عام (492هـ) ثم واصلوا سيرهم إلى جبل لبنان فقتلوا من به من المسلمين، ثم نزلوا إلى حمص فهادنهم صاحبها على مال يدفعه.
قال ابن كثير: «في جمادى الأولى سنة (491هـ) ملك الفرنجة أنطاكية بعد حصار شديد بمواطأة بعض المستحفظين على الأبراج وهرب صاحبها.. ولما بلغ الخبر الأمير كربوق صاحب الموصل جمع عساكر كثيرة واجتمع عليه دقاق صاحب دمشق وجناح الدولة صاحب حمص وغيرهما، وسار إلى الفرنج فالتقوا معهم بأرض أنطاكية فهزمهم الفرنج، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وأخذوا منهم أموالًا جزيلة.. ثم صارت الفرنج إلى معرة النعمان فأخذوها بعد حصار»([64]).
«وفي سنة (492هـ) أخذت الفرنج بيت المقدس ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان، وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل! وقتلوا في وسطه أزيد من ستين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علوا تتبيرًا.. وذهب الناس على وجوههم هاربين من الشام إلى العراق مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة والسلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه.. وخرج أعيان الفقهاء يحرضون الناس والملوك على الجهاد فلم يفد ذلك شيئًا!!»([65]). في هذه الأثناء كان الشيعة يوضوعون السيف في المسلمين السنة ببلاد فارس! وكان السلاجقة يقاتلون دفاعًا عن الدين ويستردون ما أخذه الباطنية من الحصون والقلاع والبلدان! في حين ساند عملاؤهم في الشام الجيوش الصليبية لغزو البلاد وافتتاح القلاع ومداهمة الحصون وقطع الطرق! وفي الوقت الذي بدأ يتغلب فيه المسلمون السنة على الصليبيين بدأوا في اغتيال قادتهم! يقول الإمام ابن كثير: «وفي سنة (505هـ) بعث السلطان غياث الدين بن محمد بن ملكشاه السلجوقي جيشًا كثيفًا صحبه الأمير مودود بن زنكي صاحب الموصل في جملة أمراء ونواب منهم صاحب تبريز وصاحب مراغة، وصاحب ماردين، وعلى الجميع مودود صاحب الموصل، لقتال الفرنجة بالشام، فانتزعوا من الفرنجة حصونًا كثيرة، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا ولله الحمد، ولما دخلوا دمشق دخل الأمير مودود إلى جامعها ليصلي فيه فجاءه باطني في زي سائل فطلب منه شيئًا فأعطاه فلما اقترب منه ضربه في فؤاده فمات في ساعته، ووجد رجل أعمى في سطح الجامع ببغداد معه سكين مسموم فقيل إنه كان يريد قتل الخليفة»([66]).
وكان لصلاح الدين الأيوبي دور كبير في تحرير مصر من الفرنجة وعملائهم في الدولة الفاطمية، بحيث مهد لزوال دولة الفاطميين الباطنية وانتشار السنة من جديد، لذلك فقد حاول الشيعة الفتك به مرارًا انتقامًا منه! واستعانوا في هذه المؤامرات بالفرنج وكاتبوهم لذلك! يقول الإمام المقريزي: «وفيها -أي سنة 569هـ- اجتمع طائفة من أهل القاهرة على إقامة رجل من أولاد العاضد -آخر خليفة فاطمي بمصر وأن يفتكوا بصلاح الدين، وكاتبوا الفرنج، ومنهم القاضي المفضل ضياء الدين نصر الله بن عبدالله بن كامل القاضي، والشريف الجليس، ونجاح الحمامي، والفقيه عمارة بن علي اليماني، وعبد الصمد الكاتب، والقاضي الأعز سلامة العوريس متولي ديوان النظر ثم القضاء، وداعي الدعاة عبدالجابر بن إسماعيل بن عبد القوي، والواعظ زين الدين بن نجا، فوشى ابن نجا بخبرهم إلى السلطان، وسأله أن ينعم عليه بجميع ما لابن كامل الداعي من الدور والموجود كله، فأجيب إلى ذلك؛ فأحيط بهم وشنقوا.. وتتبع -أي صلاح الدين- من له هوى في الدولة الفاطمية، فقتل كثيرًا وأسر كثيرًا، ونودي بأن يرحل كافة الأجناد وحاشية القصر»([67]).
وفي عام (570هـ) دبر الشيعة خيانة أخرى لاستعادة دولتهم -الدولة الفاطمية- والفتك بصلاح الدين، حيث ذكر الإمام المقريزي في هذه السنة أن كنز الدولة، والي أسوان العرب والسودان، جمع جيشًا قصد به القاهرة يريد استعادة الدولة الفاطمية، وأنه «أنفق في جموعه أموالًا جزيلة، وانضم إليه جماعة ممن يهوى هواهم، فقتل عدة من أمراء صلاح الدين، وخرج في قرية طود رجل يعرف بعباس بن شادي، وأخذ بلاد قوص، وانتهب أموالها، فجهز السلطان صلاح الدين أخاه الملك العادل في جيش كثيف ومعه الخطير مهذب بن مماتي فسار وأوقع بشادي وبدد جموعه وقتله، ثم سار فلقيه كنز الدولة بناحية طود، وكانت بينهما حروب فرَّ منها كنز الدولة بعدما قتل أكثر عسكره، ثم قتل كنز الدولة في سابع صفر، وقدم العادل إلى القاهرة»([68]) إذن كانت مثل هذه الخيانات الداخلية تعيق دور صلاح الدين الأيوبي من مواجهة الفرنجة الصليبيين وإجلائهم عن بلاد الإسلام! يقول الحافظ ابن كثير: «استهلت سنة (570هـ) والسلطان الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب قد عزم على الدخول إلى بلاد الشام لأجل حفظه من الفرنج، لكن دهمه أمر شغله عنه، وذلك أن الفرنج قدموا إلى الساحل المصري في أسطول لم يسمع بمثله في كثرة المراكب وآلات الحرب والحصار والمقاتلة! ومما عوق الملك الناصر عن الشام أيضًا رجل يعرف بالكنز سماه بعضهم عباس بن شادي، وكان من مقدمي الديار المصرية والدولة الفاطمية، كان قد استند إلى بلد يقال له أسوان، وجعل يجمع عليه الناس فاجتمع عليه خلق كثير من الرعاع من الحاضرة والغربان وكان يزعم أنه سيعيد الدولة الفاطمية ويدحض الأتابكة التركية»!([69]).
وبعد وفاة نور الدين زنكي قصد صلاح الدين بلاد الشام لضمها إلى مصر، وقد كانت قد افترقت إلى إمارات ودول! فدخل دمشق وحمص وحماة وبقيت حلب وكان عليها ابن نور الدين زنكي فامتنع عن تسليمها وحرض على قتال صلاح الدين! فأجابه إلى ذلك الشيعة بعد أن اشترطوا عليه أن يؤذن في المدينة بحيَّ على خير العمل، وأن يكون لهم في جامع حلب الجانب الشرقي، وأن يذكر أسماء أئمتهم الإثني عشر بين يدي الجنائز، وأن يكبروا على الجنازة خمسًا، وأن تكون عقود أنكحتهم إلى الشريف بن أبي المكارم حمزة الحسيني، فأجابهم إلى ذلك كله! فراسلوا عند ذلك صاحب طرابلس، وكان من قيادات الفرنجة الذين أسرهم صلاح الدين فمكث مسجونًا عشر سنوات حتى افتدى نفسه!([70]).
وفي سنة (571هـ) جرت محاولة اغتيال صلاح الدين مرة أخرى ولكنه ظفر بهم، وكانوا من الشيعة الإسماعيلية!([71]).
ومن عجائب ما يذكر أن ملك التتار خربندا محمد أرغون بن ابغابن هولاكو ملك العراق وخراسان، الذي انضم إلى عقيدة الشيعة على يد شيخهم جمال الدين بن مطهر الحلي -تلميذ نصير الطوسي -كان قد جهز في حياته جيشًا كثيفًا وجمع أموالًا عظيمة ليقيم مذهب التشيع في بلاد الحجاز! إلا أن ولده أبو سعيد، الذي ولي الملك من بعده في سنة (716هـ)، أبطل هذا الأمر واستفتى شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك! فأشار عليه بأن تصرف في المصالح التي يعود نفعها على المسلمين!([72]).
هذه بعض الأدوار التي قام بها زعماء وقادة الطوائف الشيعية، وهناك الكثير مما لا يتسع المقام لسرده، وهي تعبر عن طبيعة الأدوار السياسية المضادة للأمة التي تأخذ طابع الخيانة والعمالة! وإن كانت لم تخل من تبرير ديني أو واقعي في ذلك الزمان، كما هو حاصل اليوم في العراق وأفغانستان وغيرها..
أما في التاريخ القريب من بلاد الشام فإن لطائفة الدروز الدور ذاته، والدرزية من طوائف الشيعة الباطنية الغلاة، لها معتقداتها التي ينفرد أتباعها بها عن طوائف الشيعة الأخرى، وهي في غالبها كفرية، كاعتقادهم في ألوهية الحاكم بأمر الله، ونسخ الشريعة الإسلامية بشريعتهم التي ابتدعوها! وإيمانهم بتناسخ الأرواح وانتقالها إلى الأحياء في صورة الإنسان والحيوان! وإنكارهم الجنة والنار والثواب والعقاب في الآخرة! وهم يتمركزون في بلاد الشام، ولبنان خاصة! ولهم دور كبير في هزيمة الأمة وإعانة المستعمرين على دولة الخلافة العثمانية لا يستهان به!
فقد قاموا بعدة ثورات متلاحقة تسببت في زعزعة الأمن، وإرباك الدولة العثمانية واستنفاد كثير من الطاقات البشرية والمادية في سبيل القضاء عليها، وكان مرادهم من ذلك إقامة دولة لهم!
ولما سير محمد علي باشا جيشًا لاحتلال بلاد الشام بقيادة ابنة إبراهيم بعد أن استقل بحكم مصر عن الدولة العثمانية عام (1247هـ) كان الدروز من الموالين له والمناوئين للدولة العثمانية!وبفضلهم استطاع جيش محمد علي الاستيلاء على دمشق وحمص، حتى توغل في قلب بلاد الأتراك، وكاد يسقط دولة الخلافة لكن بريطانيا والنمسا وروسيا اضطرته إلى الانسحاب!
ولم يكف الدروز عن مناوشة القرى المسلمة ومقاتلة أهلها، فارتكبوا أبشع المذابح كالتي وقعت عام (1298هـ) حين هجموا على قريتي الكرك وأم ولد، وذبحوا سكانهما عن بكرة أبيهم، ولم يبقوا حتى على الأطفال الرضع! ورغم محاولات الدولة العثمانية تأديبهم أكثر من مرة لكنها فشلت وتراجعت أمام ضغوط الإنكليز!
وقد راسلهم نابليون بونابرت، الذي احتل مصر عام (1213هـ)، حين اتجه إلى الشام وحاصر عكا! فوقفوا إلى جانبه في قتاله لاحتلال بلاد المسلمين! وقدموا له الدعم والمسـاندة والمشورة! وفي زمن الاحتلال الفرنسي لبلاد الشام طالب الدروز بدولة مستقلة من رئيس البعثة الفرنسية بدمشق! وبالفعل أصدر الجنرال غورو قرارًا في (24/10/1922م) بإعطاء جبل حوران استقلاله باسم دولة جبل الدروز المستقلة!
أما النصيريون، أو العلويون كما يسمون أنفسهم، فأكثر انتشارهم كذلك في بلاد الشام، وهم من فرق الشيعة الباطنية الغالية! وهم يعادون عامة المسلمين من السنة! ولهم تاريخ حافل بالثورات والخروج على خلفاء المسلمين وولاتهم، وفي ترويع السبل وقطع الطرق وإخافة الآمنين، والتعاون مع أعداء الإسلام!
فعندما قصد التتار بلاد الشام في نهاية القرن السابع الهجري ساندهم الشريف القمي محمد بن أحمد بن القاسم المرتضى العلوي!([73]) ووقف جمع كثير منهم مع التتر فآذوا جند المسلمين وأفسدوا في ديارهم، وكانوا متحصنين في جبال الجرد وكسروان! فخرج إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية عام (705هـ) في جمع من الناس لقتالهم! فلما وصل إلى بلادهم جاءوا إليه فاستتابهم والتزموا برد ما كانوا أخذوا من أموال الجيش، وقرر عليهم أموالًا كثيرة يحملونها إلى بيت المال!([74]).
وحكى عنهم ابن كثير في سنة (717هـ)، أخبارًا عجيبة! حيث خرج النصيرية عن الطاعة، وكان زعيمهم رجل يقال له محمد بن الحسن المهدي القائم بأمر الله!
وقد ساند النصيريون الصليبيين في غزوهم لبلاد الشام فلم يدخلوا إلا عن طريقهم ومن مناطق نفوذهم! بل شاركوا في تسليم بعض القرى والحصون والمدن، فمدينة أنطاكية سقطت في يد الصليبيين بفعل الاتفاق الذي وقع بين الزعيم النصيري فيروز وبين قائد الصليبيين بوهموند!
وتعاونوا في العصر الحديث مع الاحتلال الفرنسي أثناء انتدابه على سورية، وكانوا خير عون لهم على الدولة العثمانية، وفي مقابل هذا منحهم الفرنسيون شبه استقلال على أراضيهم بالجبال المعروفة باسمهم في الشام!
وكان منهم يوسف ياسين، الذي سعى في محاربة الدولة العثمانية بخطبه وأشعاره بل وسلاحه! قال الدكتور سليمان الحلبي: «لما احتل الإنكليز فلسطين عام (1918م) تطوع يوسف ياسين بالفرقة التي شكلها الإنكليز للعمل مع لورنس والملك عبد الله بالحجاز لمحاربة الأتراك باسم الجيش العربي، فكان يوسف ياسين يخطب في الأندية وفي الشباب بالقدس داعيًا إلى الجهاد ضد الأتراك»!! وأخذ الإنجليز فلسطين خيانة من العرب ليعطوها وطنًا لليهود!
كما ساهم الزعيم النصيري الشيخ صالح العلوي في إسقاط الدولة العثمانية عندما قام بقطع الطريق الذي يصل طرطوس بحماة، فكانت خسائر الأتراك كبيرة نتيجة قطع الطريق عليهم، وقام بعقد اتفاقية مع كمال أتاتورك عام (1920م)، وبعد ثورة مشبوهة ضد الفرنسيين استسلم صالح العلي فعفا عنه الفرنسيون على عكس ما كانوا يفعلونه مع المجاهدين المسلمين!
وفي سجلات وزارة الخارجية الفرنسية وثيقة خطيرة برقم (3547) (وتاريخ: 15/6/1936م)، تتضمن عريضة رفعها زعماء الطائفة النصيرية في سورية إلى رئيس الوزراء الفرنسي يلتمسون فيها عدم جلاء فرنسا عن سورية، ويشيدون باليهود الذين جاءوا إلى فلسطين ويؤلبون فرنسا ضد المسلمين!
وللمزيد من الاطلاع على حقيقة تآمر هذه الطوائف مع المحتل الغازي والعدو المستعمر أحيل القارئ الكريم على الكتب التالية: وجاء دور المجوس، لعبدالله الغريب، أمل والمخيمات الفلسطينية، لعبدالله الغريب، مؤامرة الدويلات الطائفية، لمحمد عبدالغني النواوي، حزب الله رؤية مغايرة.. حقيقة المقاومة، لعبدالمنعم شفيق، طائفة النصيرية، د. سليمان الحلبي، تاريخ العلويين، لمحمد أمين غالب الطويل، الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، د. محمد أحمد الخطيب.

 
العقائد والتصورات وأثرها في المواقف والسياسات
 
«حزب الله».. يساند بوش!([75]):
ذكرت الصحف الأمريكية أن جورج بوش (الابن)، عندما كان مرشحًا لمنصب حاكم ولاية تكساس، قال: إن الذين لا يؤمنون بيسوع المسيح لن يدخلوا الجنة! ولما ثارت ثائرة اليهود أرسل بوش تصحيحًا لجمعية «بناي برث» اليهودية قال فيه: إنني أقصد أنني أعتقد أنه لكي أدخل الجنة فيجب أن أكون مسيحيًا! وقال خلال حملة الترشيحات الأولية في الحزب الجمهوري لاختيار مرشحه للرئاسة في انتخابات عام (2000م): إن يسوع المسيح هو الفيلسوف السياسي المفضل لدي! وعندما سأله المذيع الشهير في «إن.بي. سي» تيم ورسرت توضيح ذلك قال بوش: إن المسيح هو الأساس الذي أعيش به حياتي! شاء من شاء وأبى من أبى!
هذه التصريحات وغيرها يؤكدها تحالف اليمين المسيحي الذي أصبح متحالفًا مع اليمين السياسي في الحزب الجمهوري فيما بات يعرف باسم «حزب الله الأمريكي»! هذا التحالف الذي صعد من دور الدين في السياسة الأمريكية! دفع بالمرشح الرئاسي الديمقراطي آل جور إلى اختيار جوزيف ليبرمان اليهودي الأرثوذكسي نائبًا له، لإرضاء اليهود، ولمغازلة حزب الله الأمريكي، الذي يتبنى مسيحية يهودية!
هذه هي الولايات المتحدة الأمريكية.. وليس الساسة فحسب بل حتى الشعب الأمريكي أصبح اليوم متدينًا! فأمريكا «تعرف اليوم في الغرب بأنها أكثر الدول تدينًا, ويقول حوالي 39% من الأمريكيين بأنهم مسيحيون مولودون من جديد وهذا المصطلح يعني التوبة والانخراط في صفوف الأصولية الإنجيلية»!([76]).
وهناك معلومات إحصائية تبين لنا قوة تأثير الفعل الديني في الشخصية الأمريكية وكون الدين فعل ملازم للتركيبة الاجتماعية الأمريكية, وتشير هذه الإحصاءات إلى أن هناك أكثر من (60) مليون شخص يعلنون أنهم مسيحيون معمَّدون، و(60) مليونًا يعتبرون أنفسهم مؤيدين للأخلاق الدينية، و(50) مليونًا يريدون أن يربوا أولادهم في مجتمع خلقي، كما أن (84%) من الشعب الأمريكي يعتقدون أن الوصايا العشر الدينية التوراتية لا تزال صالحة وضرورية حتى اليوم! وهذه الموجة من التدين في الحياة الأمريكية لم تعد محصورة في نطاق الكنائس أو صلاة الأحد, فقد أضحت الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية تعج بالنشاط الذي يريد أن يدمج المعتقد الديني بالحياة وتفاصيلها!([77]).
لذلك لم يكن مستغربًا أن يعلن جورج بوش (الابن) عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن حربه ضد الإرهاب حرب صليبية! ليذهب بعد ذلك في أفغانستان والعراق يدعو لجنوده: فليبارككم الرب يسوع! ويصرح للصحفيين: إن الإرهابيين يمقتوننا، لأننا نعبد الرب بالطريقة التي نراها مناسبة!
ومن هنا وبحسب ما ذكرت مجلة نيوزويك، في (10/3/2003م)، فإن أنصار بوش الإنجيليين يأملون أن تكون الحرب القادمة على العراق فاتحة لنشر المسيحية في بغداد!
بوش (الابن) اكتشف هذه العلاقة مع رئيس روسيا فلاديمير بوتين، فقد أشار الكاتب والصحفي بوب وودوارد في كتابه «بوش في الحرب»إلى: «قصة طريفة تكشف عن جانب من جدلية الدين والسياسة في تفكير الرئيس بوش! فقد حكى بوش للكاتب في إحدى مقابلاته معه أثناء إعداد الكتاب قصة لقائه الأول مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم (19/06/2001م)، يقول بوش: دخل الرئيس بوتين وجلس.. وحضر المترجمان.. وأراد بوتين أن يبدأ الكلام، لكني بادرته بالقول: السيد الرئيس.. دعني أبدأ بالإشارة إلى أمر لفت انتباهي، وهو أن والدتك أعطتك صليبًا، وأنكم باركتم ذلك الصليب في إسرائيل الأرض المقدسة! فقال: صحيح. فقلت: إن هذا الأمر يثير عجبي، لأنك كنت شيوعيًا وضابطًا في (الكي. جي. بي) ومع ذلك كنتَ راغبًا في حمل الصليب، إن هذا الأمر بالنسبة لي يحمل من المعنى أكثر مما تحمله مجلدات»!!([78]) (بوش في الحرب، ص:119-120).
وليس من الضروري أن نتحدث عن الدين والسياسة في دولة إسرائيل، هذه الدولة التي تشكل محور الصراع الشرق أوسطي في الاصطلاح السياسي، فهي بالأساس دولة دينية، وليست دولة وطنية!!! ولا قومية!!! ولا ثقافية!!! ولا صناعية!!!
وقد أشرنا في بداية هذا البحث كيف أن جمهورية إيران «الإسلامية» تقوم على أساس من العقيدة والإيمان والمذهب «الإثني عشري»!!! وأشرنا أيضًا إلى أن الرئيس الحالي للجمهورية هو من حرس الثورة القديم، ومن الملتزمين بنهج الإمام الخميني! ومن المؤمنين بعودة الإمام الثاني عشر بعد غيبة دامت أكثر من ألف عام! فهو مثلًا يكتب في مدونته على الشبكة (www.ahmadinejad.ir): «اللهم عجّل لوليّك الفرج واجعلنا من أعوانه وأنصاره والمستشهدين بين يديه»!
«أحزاب الله».. في العراق وبلاد الشام!
إن ذهاب الكثيرين من السياسيين والمفكرين، وتأثر بعض الدعاة بهم، إلى القول بأن الصراع القائم في الشرق الأوسط والعالم ليس صراعًا دينيًا هي مكابرة بدرجة فائقة!
فالسياسة عبر التاريخ لم تكن بعيدة عن الدين، الحق أو الباطل، بصدق أو بادعاء، وهذا ما يؤكده تراجع العلمانية في عقر دارها ومهد حضارتها أوروبا! فقد أصبح صعود التيارات اليمينية أمرًا ملحوظًا في عموم الاتحاد الأوروبي التي لا تخلو غالبية أعلامها من الصليب كرمز لهويتها المسيحية! التي صرح البابا أنها لن تقبل بدخول تركيا في ناديها الاقتصادي لهذا الاعتبار!!!
وإذا جلنا بأبصارنا في العراق -بلاد الرافدين- فإن رموزًا كهذه: «يا علي» «يا حسين» «يا قائم آل محمد» «يا مهدي» «يالثارت كربلاء»! وصور الإمام الحسين.. تطغى على مشهد فيلق بدر وجيش المهدي، والتي تدعم بدورها تعزيز نفوذ القيادات المذهبية في المسرح السياسي!!
وإلا بماذا نفسر الذبح على الهوية، واغتيال علماء ودعاة السنة، وتهجير السنة من مساكنهم وقراهم، وتحويل مساجدهم إن سلمت من الهدم إلى حسينيات؟! وكيف نبرر مقتل مائة ألف مسلم سني لا على أيدي قوات الاحتلال الغازية وإنما على يد ميليشيات الشيعة الطائفية المتعصبة في بغداد والجنوب؟!
ولماذا نفصل هذه المآسي عمّا حدث في لبنان، مما سيأتي ذكره، وعمَّا حدث لأهل السنة في إيران في ظل جمهورية الخميني الإسلامية؟!
إلى أي منطق يمكن أن نستند؟! منطق السياسة! منطق الاقتصاد!! منطق الثأر الاجتماعي!!!
إذا لم تكن العقيدة، والعقيدة فحسب، هي الدافع وراء التحالف اليهودي الصليبي على أرض فلسطين! تحضيرًا لمعركة «هرمجدون» وتهيئة لمقدم «المسيح» المُخلِّص! وهي الدافع وراء استهداف السنة والعرب من قبل الشيعة المتعصبين الذين ينصون في مراجعهم الدينية «ما لمن خالفنا في دولتنا نصيب! إن الله قد أحل لنا دماءهم عند قيام قائمنا»!([79]).
إن مما ينبغي التأكيد عليه اليوم هو أن هناك تمايزًا ملحوظًا للعقائد على مستوى الديانات السماوية، وتأثيرها جميعًا في صياغة العلاقات القائمة على صعيد الشعوب والدول! وأن هناك توظيفًا خارجيًا لبعض الفرق الإسلامية لهدم الإسلام بمعاول داخلية تلبس لبوس الإسلام لإضعاف الأمة وحرف مسارها.. وفي هذا الظرف تظهر القيادات المتطرفة ذات النزعة الاستعلائية لتستغل الصراع لحساب تحقيق مصالحها وتمكينها من السلطة والنفوذ على كاهل المحرومين والجائعين والمظلومين و.. ما إلى ذلك من الصفات!
وسيأتي معنا عند الحديث عن حركة أمل وحزب الله كيف أن الدين وظف لصالح السياسة أسوأ توظيف! واستغل غطاء الطائفية ومبررات الحرمان والظلم لإذكاء روح الصراع والفتنة بين المسلمين وبناء مجد شخصي على أشلاء المجزرة!

 
لمحة عن لبنان..
شيء من التاريخ وشيء من القراءة
تقع لبنان على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، بين فلسطين وآسيا الوسطى، وهي جزء من بلاد الشام، وتبلغ مساحتها (10.452) كم2 ويصل تعداد السكان فيها قرابة أربعة ملايين نسمة! وقد نالت استقلالها عام (1943م).
وغالبية سكانها من العرب، حيث يمثلون 95%، بينما يشكل الأرمن 4% منهم! وتصل نسبة المسلمين في هذا البلد 59.7%! بينما 39% من أبنائه مسيحيون!
وعاصمة لبنان بيروت، و«بيروت من مدن أهل السنة المشهورة، وغير السنة دخلاء على المدينة، وازدادت هجرة الشيعة إلى بيروت في الستينات، وسكنوا في ضواحي العاصمة الجنوبية بعدما نشأت فيها مؤسسات صناعية جديدة، وكان العمال الفلسطينيون قد سكنوا هذه المناطق بعد عام (1948م)، كما سكنها العمال السوريون، وأطلق عليها فيما بعد (حزام البؤس). وقد ساعد الموارنة في فترة حكمهم على احتلال الشيعة للأراضي المملوكة للسنة في الضاحية الجنوبية لبيروت، على الرغم من مطالبة الملاك من السلطة منع هذا العبث! وتضاعفت هجرة الشيعة خلال الحرب اللبنانية أضعافًا مضاعفة! فاحتلوا المنازل والشقق والقصور كما أمرهم الإمام الصدر، والسلطة تشجعهم على مثل هذه الأفعال الشنيعة»!
عانى لبنان من حرب طائفية طاحنة، استمرت من عام (1975م) وانتهت عام (1990م)، وأوقعت أكثر من (150) ألف قتيل خلال الخمسة عشر عامًا، و(20) ألف مفقود إضافة إلى تشريد ونزوح مئات الآلاف إلى خارج مناطقهم أو خارج لبنان ذاته!
ففي لبنان (18) طائفة دينية ومذهبية، يمثل السُنة إحدى أكبر هذه الطوائف عددًا، ولديهم (27) مقعدًا من أصل (128) هي مجموع مقاعد البرلمان، وفقًا للتوزيع الطائفي السياسي الذي اعتمده اتفاق الطائف سنة (1989م)، وهو العدد ذاته للشيعة في مجلس النواب.
وهذا البلد الصغير حجمًا المتعدد في تركيبته العرقية والثقافية كان محط التقاء طرق التجارة بين بلاد خراسان والرافدين وآسيا الوسطى ومصر والجزيرة العربية والبحر الأبيض المتوسط، لذلك اشتهر بالتجارة والنقل البحري من خلال موانئه المتعددة! هذا إضافة إلى جمال طبيعته وحسن أجوائه! إلا أن هذا كله لم يكن يشكل عامل استقرار لهذا البلد الذي وقع فريسة الطامعين ومحط آمال الفاتحين!
فحاولت جميع الدول التوسعية ضمه إليها بدءًا من الدول البيزنطية والرومانية والخلافة الإسلامية ثم الحملات الصليبية ثم الاستعمار الحديث! لذا فإن طبيعة هذه التقلبات والظروف والمصالح انعكست على الخارطة السكانية والمعالم والآثار الحضارية التي يضمها هذا البلد!
وحيث كان هذا البلد موطن التلاقي وساحة الصراع فقد أثر ذلك على مستوى التلاقح والتشبع بكل الأفكار والثقافات المحلية والوافدة، لذلك شكل هذا البلد موطن انطلاق لبعض المذاهب والأحزاب حيث كانت تقف الثقافة وراء الفكرة! بحيث أصبحت تتوزع الخارطة السياسية في لبنان على (69) حزبًا سياسيًا، «لكن الأحزاب الكبرى فيها تستند أساسًا إلى قواعد طائفية. فحزب الله وأمل يستندان إلى القاعدة الشيعية، والحزب التقدمي الاشتراكي يستند إلى القاعدة الدرزية، وأحزاب الكتائب والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ تستند إلى القاعدة المسيحية، كما يستند تيار المستقبل الذي كان يرأسه رفيق الحريري والجماعة الإسلامية إلى القاعدة السنّية... وهكذا»([80])..
جدول التوزيع الطائفي للناخبين اللبنانيين لسنة (2005م) ونسبتهم ونصيبهم من مقاعد البرلمان ومتوسط عدد من يمثل كل مقعد لكل طائفة([81]):

الطائفة

العدد

النسبة

المقاعد

متوسط التمثيل

سنة

795.233

26.44

27

29.453

شيعة

783.903

26.06

27

29.033

دروز

169.293

5.63

8

21.162

علويون

23.696

0.79

2

11.848

موارنة

667.556

22.19

34

19.693

أرثوذكس

236.406

7.86

14

16.886

كاثوليك

156.521

5.2

8

19.565

أرمن أرثوذكس

90.675

3.01

5

18.135

أرمن كاثوليك

20.217

0.67

1

20.217

إنجيليون

17.409

0.58

1

17.407

أقليات

47.018

1.56

1

47.078

إجمالي

3.007.927

100

128

-

والملاحظ أنه في لبنان تتقاطع خطوط التركيبة الطائفية، والاختلاف الديني، والتعدد الحزبي والتنظيمي، والتنوع القومي والعرقي، والحضور الخارجي في علاقاته والمصالح العربية والأجنبية والصراع العربي الإسرائيلي والإيراني الأمريكي..!
مما يعني أن التعامل مع أي قضية من قضايا هذا المجتمع أو أي ظاهرة فكرية أو سياسية فيه لابد أن يراعي هذا المزيج المتداخل.. المتعايش حينًا والمتصارع حينًا آخر!!
«هذا كله جعل الطائفة السنية أمام خيارات صعبة، جعلتهم يختارون أحيانًا بين ما هو سيئ وما هو أسوأ، لكن بوصلتهم الوطنية العربية الإسلامية ظلت هي الموجه العام لحركتهم»([82]).
خلال عهد سابق و«في الساحة السنيّة، لعب نفوذ العائلات التقليدية في البداية الدور الأكبر في قيادتها، فبرزت عائلات الصلح وسلام وكرامي، غير أنه مع الزمن برز تياران آخران مؤثران هما تيار دار الفتوى الذي كان له تأثيره القوي خصوصًا تحت قيادة المفتي حسن خالد لكنه ما لبث أن ضعف باغتياله سنة (1989م)، والتيارات الإسلامية الحركية وأبرز قواها الجماعة الإسلامية التي تنتمي إلى مدرسة الإخوان المسلمين وهي الأكثر تنظيمًا ولها حضورها في معظم المناطق اللبنانية، بالإضافة إلى حركة التوحيد التي تتركز في طرابلس وحزب التحرير والتيار السلفي، فضلًا عن جماعة الأحباش التي ظهرت بقوة في العقد الأخير من القرن العشرين»([83]).
وخلال الفترة 1970- (1982م) استفاد السُّنة «من الوجود الفلسطيني المسلح، ومن دعم حركة فتح خصوصًا لتنظيم (المرابطون) بزعامة إبراهيم قليلات في بيروت، ولحركة التوحيد بزعامة سعيد شعبان في طرابلس. لكن هاتين الحركتين ما لبثتا أن ضُربتا منتصف الثمانينات، ولم يُسمح للقوى السنيّة بعد ذلك بأن تمثّل حالة عسكرية فعالة، في الوقت الذي غُضّ فيه الطّرف عن تشكّل (كانتونات) لقوى من طوائف أخرى»([84]).
وفي حقيقة الأمر فإن السنة هم أحد ثلاثة أهم محاور أثرت وتؤثر في واقع ومستقبل لبنان، إلا أنهم خلال الثلاثة العقود الماضية صاروا الحلقة الأضعف في المكون الطائفي في لبنان لعدة أسباب منها:
أولًا: أسهم الغزو الثقافي والانفتاح الاجتماعي في لبنان على صياغة فكر كثير من أبناء هذا البلد، بعيدًا عن هويته الحضارية الإسلامية! فقد كان لبنان محضن الأفكار القومية واليسارية والاشتراكية والليبرالية والديمقراطية وغيرها من الأطروحات الفلسفية والفكرية والسياسية! وقد أثر هذا بدون شك في الطائفة السنية كما في غيرها من الطوائف! لذا فإن عددًا كبيرًا من أبناء الطائفة السنية يتوزعون على هذه الأفكار والأحزاب العلمانية، وعدد محدود منهم يتوزع على التيارات والجماعات الإسلامية السنية!
ثانيًا: هذا التأثير مع بعد لبنان وانعزاله عن منابع حركات الإصلاح في العالم الإسلامي، نتيجة لطبيعة الحياة التي يعيشها أبناء لبنان والتي تتوزع بين التجارة والفنون والملاهي! حتى صار الانطباع لدى الكثير أن لبنان هي «باريس الشرق»! وهذا اللقب وإن بدا للوهلة الأولى جذابًا إلا أنه فيما يبدو زهد فيه المصلحون! هذا إضافة إلى وقوعه مبكرًا في يد القوى الاستعمارية!
ثالثًا: الضربات التي تلقاها السنة خلال الحرب الأهلية والتي ذهبوا ضحيتها وخسروا بعدها عوامل نفوذهم في الساحة! أوهنت من قوى الطائفة خاصة مع قيام الكيان الموحد دينيًا وسياسيًا! كما هو الحال لدى الشيعة! الذين خرجوا من الحرب أقوى حضورًا ونفوذًا واجتماعًا!
رابعًا: وقوع لبنان في محيط كرس عزلته مع مراكز الدعوة والتأثير في العالم الإسلامي! فإسرائيل من الجنوب، وسورية النصيرية من بقية الجهات الأخرى، والبحر غربًا في حين أن طائفة الشيعة وجدت في سورية منفذًا طبيعيًا لها وامتدادًا أمنيًا ولوجستيًا!
خامسًا: بروز القوى المسيحية والشيعية على الساحة الاقتصادية؛ نظرًا لطبيعة الدعم الذي تجده هذه الطوائف من دول خارجية! ومن المؤسف -والعجيب في آن معًا- أن غالبية دور النشر اللبنانية هي إما للمسيحيين أو للشيعة! وعدد قليل منها لرأس مال سني! وهذه الدور تطبع كتب السنة وتتاجر بها على مستوى العالم الإسلامي كنوع من الحرص على الكسب المادي!
هذا البروز سحب البساط من تحت أقدام السنة وأفقدهم عنصرًا مهمًا في معادلة توازن القوى!
أما السبب السادس والأخير فهو اغتيال رفيق الحريري، وهو ثالث رئيس وزراء لبناني يتم اغتياله بعد اغتيال رياض الصلح سنة (1951م) ورشيد كرامي سنة (1987م). وجميع رؤساء الوزارة في لبنان هم من السنة حسب النظام السياسي الطائفي.
وعائلة الحريري التي تنتمي للطائفة السنية لم تكن من «العائلات التي تتولى القيادة التقليدية للسنّة، ولكن الحريري رجل الأعمال الثري الذي كان يملك نحو أربعة مليارات دولار، والذي تميز بديناميكية عالية، وعلاقات واسعة، وكاريزما شخصية كبيرة، تمكّن من البروز بسرعة كأقوى شخصية سنيّة لبنانية فتولى رئاسة الوزراء في الفترة (1992-1998م) والفترة (2000-2004م)، وتمكّن من إعادة ترتيب أجزاء كبيرة من البيت السنّي تحت قيادته وقيادة تيار المستقبل، وتمكّن الحريري أن يضمّ إلى تياره وتحالفاته شخصيات من طوائف أخرى، لكن قاعدته السنيّة ظلت أساس تحركه، وقد كان انتصاره مدوّيًا في انتخابات سنة (2000م)، إذ فازت كتلته (كتلة قرار بيروت) بكامل المقاعد التسعة عشر عن منطقة بيروت»([85]).
وقد «تراجع نفوذ العائلات التقليدية لصالح تيار الحريري، وحتى القوى الحركية السنيّة تراجعت لصالح تيار الحريري، ففي الوقت الذي فازت فيه الجماعة الإسلامية بثلاثة مقاعد في انتخابات (1992م) لم تفز إلا بمقعد واحد سنة (1996م)، بينما لم تحصل على أي مقعد سنة (2000م) »([86]).
لم يكن رفيق الحريري ذا حضور لبناني فحسب بل كانت للرجل علاقاته العربية والغربية التي ساندته في قيادة حكومته طيلة فترة توليه لرئاسة الوزراء، بحيث استطاع تحقيق عدة إنجازات على الصعيد السياسي والدولي والاقتصادي. وهو ما عزز من بروزه كشخصية وطنية تتنامى قوتها وتقلق القوى المنافسة على الساحة، وعليه فقد شكل اغتيال رفيق الحريري في (14) فبراير (2005م) طعنة غادرة للسنة، وكان له أثره في ترتيب الحسابات الجديدة داخل لبنان وخارجه! فقد دفع بالولايات المتحدة الأمريكية والفرنسية للحضور بقوة في السياسة الداخلية لشعورهما بوجود لعبة خفية تدار في لبنان يراد منها إلحاق لبنان بالحلف السوري الإيراني، وهذا ما دفع بتشكيل لجنة أممية للتحقيق في مقتل الحريري مع توجيه أصابع الاتهام إلى سورية!
لقد شكل الحريري -رغم عدم تعصبه الديني للطائفة- نوعًا من التهديد على الوضع الذي أنتجته الحرب الأهلية وما أعقبها من دخول وتدخل سوري في تسيير دفة هذا البلد الحيوي! على الرغم من أن سورية عملت على وصوله لرئاسة الوزراء في عهد حافظ الأسد، فقد مرت علاقة الحريري بنظام البعث النصيري بسورية بمرحلتين حسب توصيف عبدالحليم خدام: مرحلة الرئيس حافظ الأسد، والتي اتسمت بـ«علاقة جيدة جدًا»، حيث كانت ترى فيه قيادة البعث «حاجة سورية»، وأنه «لا يجب إضعافه»، بل «يجب العمل على تقويته»!
والمرحلة الثانية مرحلة الرئيس بشار الأسد، حيث «كان التعامل مختلفًا»، و«كانت الحملات من الرئيس لحود ومن أجهزة المخابرات اللبنانية شديدة على الرئيس الحريري، وكان يتأثر بها الرئيس بشار الأسد، وبالتالي كانت التوترات مستمرة من جانب القيادة السورية، وكان الرئيس الحريري يحاول التعامل معها بكل إيجابية، ويقبل بتقديم بعض التنازلات حتى لا يغضب القيادة السورية»!([87]).
اليوم وبعد ما شهدته لبنان بإمكاننا القول بأن الحريري كان طرف المعادلة الذي بات من الضروري تغييبه في إطار ترتيب أوضاع لبنان، بما يتوافق مع تلاعب القوى المتنافسة في المنطقة، كون لبنان الساحة التي تعد مدخلًا لتغيير خارطة الشرق الأوسط؛ كونها الحلقة الأضعف في تركيبته التي باتت هشة وقابلة للتطويع والتشكيل من أي وقت مضى!
فاغتياله مثل هدفًا لطرفي السباق على مشروع التوسع (إيران والولايات المتحدة الأمريكية) وبالتالي فإن عملية الاغتيال جاءت عبر وكلاء محليين على درجة عالية من الترتيب والدقة والقدرة على إخفاء معالم الجريمة! ليغيب بمقتله زعيم تيار اقتصادي وطني قاد عملية البناء والإصلاح والتعمير، ونال ثقة الدول العربية والعالمية! مما يعني مستقبلًا استقلاله بالقرار السياسي وتنامي حضوره السياسي والشعبي والدولي كلاعب إقليمي في المنطقة!
عملية الاغتيال جاءت استباقية من طرف محلي ذي تحالف إقليمي، وهو ما أثار حفيظة الدول الاستعمارية التي رأت في العملية تهديدًا لمصالحها وفلتانًا للخيوط من يدها! فتحركت عبر مجلس الأمن للمطالبة بتحقيق دولي ليكشف حقيقة من يقف وراء الاغتيال! وهو ما أجبر الطرف الأضعف للانسحاب وترك مسرح العملية بعد إزالة أي معلم من معالم الجريمة الذي قد يقود ولو احتمالًا إلى الفاعل!
وإذا أدركنا مدى تزامن هذه العملية مع تنامي المطالب الغربية لسورية بالخروج من لبنان عقب الانسحاب الإسرائيلي، وهو ما يعني خروج لبنان الحريري عن المسار الإيراني السوري وعودته إلى المسار العربي السني! وبالتالي غياب ورقة مهمة من يد محور دمشق- طهران، استطعنا تلمس الحقيقة..
إضافة إلى أن روح اللامبالاة التي تلقى بها النظام السوري خبر اغتيال الحريري، وتغير تعامل النظام السوري معه في الفترة الأخيرة قبيل اغتياله، وتقليص عدد حرسه المرافقين من (60) عنصرًا إلى (6) أشخاص، وتهديد رستم غزالي رئيس جهاز الأمن بقتله، وتهديد بشار الأسد له بالسحق في حال عمل على تغيير الرئيس أميل لحود، وهو الموالي لسورية، وإحلال آخر محله! والحديث «في القيادة» عن الحريري بأنه «يقوم بعمل غير مسبوق بلبنان وهو تجميع طائفته حوله، وهذا ضد سورية»! كل هذه المؤشرات بحسب المعلومات التي أدلى بها عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السوري السابق، لقناة العربية في حواره معها، تدل على أن وراء اغتيال رفيق الحريري محور دمشق- طهران، كما أسلفنا!
وإن كان ذلك لا يمنع من وجود أطراف لبنانية كانت تحرض ضده القيادة السورية، يقول خدام: «بالدرجة الأولى، الحلقة اللبنانية الرئيس لحود»! و«الدائرة المحيطة برئيس الجمهورية»! ويضيف: «الحملة على الرئيس الحريري من قبل بعض أصدقائنا، سليمان فرنجية يقول عن الرئيس الحريري: إنه مشروع أجنبي من عام (1996م)، هذا قبل الاغتيال بأسبوع أو عشرة أيام، الرئيس عمر كرامي يقول: الحريري وجنبلاط مستمران ينفذان مشروعاً أمريكياً، طلال أرسلان، عاصم قانصو، وئام وهاب، كل هذه المجموعة كانت تشن حملة مسمومة على الرئيس الحريري»!
وللتذكير فإن الرئيس لحود والمعسكر المسيحي الموالي لميشيل عون يعدون اليوم حلفاء رئيسيين لحزب الله! لذا فهو مع بقاء أميل لحود والتمديد له، ومع إشراك العماد عون في حكومة الوحدة الوطنية!
ومن المثير أن إسرائيل في حربها الأخيرة على لبنان دمرت كل ما يمكن أن يمت بصلة بعهد هذا الرمز السني! من إنجازات حيوية! لتعيد لقوى طائفية أخرى فرصة بناء مجد جديد على أنقاض ما دمرته الحرب العدوانية! وبالتالي يصبح الحريري ومنجزاته جزءًا من الماضي وليس الحاضر الملموس!
«نحن ملتزمون وقد وعدنا الناس، ونحن ما زلنا عند وعدنا، الوعد هو أن تعود بيوتهم وممتلكاتهم كما كانت، لا، بل أفضل مما كانت»!!([88]).
إن خطابات حسن نصر الله الأخيرة، والتي تلت الحرب وتغنت بالنصر الإستراتيجي، تستهدف التطلع إلى الأخذ بزمام المبادرة للوصول إلى رئاسة الحكومة والالتفاف على اتفاق الطائف، والتوافق الطائفي على تقاسم المناصب الرئاسية! تحت مبرر استحقاقات المقاومة القادرة على الدفاع عن لبنان، والتي تملك الجاهزية والقوة العسكرية والخبرة القتالية، والتي لا ينقصها القدرة على تحمل تكاليف أي حرب قد تقدم عليها أو تشنها إسرائيل!
وبالتالي.. (يطالب الشيعة بالسلطة في لبنان، وعندما يصلون إليها فإنهم سيتغيرون!... إن سعي الشيعة للسلطة السياسية لن يتم بطريقة سلمية! ولكن علينا أن نقبل بذلك!)([89]).
فالشيعة اليوم أكثر قدرة وأوفر قبولًا وأحظى دعمًا! لكن ذلك قد لا يعني بالضرورة استقرار لبنان! فمشاهد مجازر السنة العراقيين واللاجئين الفلسطينيين لا تزال تبث وتنقل عبر وسائل الإعلام! وهي تذكر بأحداث عاشها سنة لبنان وذاقوا حرها ومرها! وهي تعني في وعيهم الكثير!
والفارق في المسألة أن الطوائف الأخرى تشعر بخطر مثل هذا الواقع لو تمَّ! فالشيعة اليوم أكثر عددًا وأجهز عتادًا وعُددًا، كما أن حضورهم السياسي والاقتصادي والإعلامي ربما يسمح لهم مستقبلًا بتهميش الطوائف الأخرى! وإضافة لذلك فإن ولاء هذه الطائفة للخارج وإمكانية وقوعها رهينة لسياسات هذا الخارج ممكنة! مما قد يعني فرض أجندة خارج التوافق الوطني والإرادة الجماعية للطوائف داخل لبنان!

 
ظهور حركات التشيع السياسي في لبنان:
أمل.. والتاريخ القريب!([90])
ميثاق خادع لمحرومين غرهم الأمل!
قدمت حركة أمل نفسها -كما جاء في ميثاقها- على أنها حركة المحرومين! في لبنان! وعلى أنها حركة عقائدية «تنطلق من الإيمان بالله بمعناه الحقيقي لا بمفهومه التجريدي»، كما في المبدأ الأول! وأنها تستلهم التراث العظيم للبنان و«الشرق»! والحافل بالتجارب الإنسانية! لكن دون أن توضح بعدها القومي العربي أو الإسلامي! لقناعتها فيما يبدو «بوحدة العائلة البشرية»! (كما في المبدأ الثاني) ! معتبرة أن «نظام الطائفية السياسية في لبنان» لم يعط ثماره! وأنه يمنع التطور السياسي، ويجمد المؤسسات الوطنية، ويصنف المواطنين، ويزعزع الوحدة الوطنية! كما في المبدأ الثالث!
كما قدمت نفسها على أنها «حركة وطنية، تتمسك بالسيادة الوطنية، وسلامة أراضي الوطن، وتحارب الاستعمار والاعتداءات والمطامع التي يتعرض لها لبنان»! و«تعتبر أن التمسك بالمصالح القومية، وتحرير الأرض العربية، وحرية أبناء الأمة هي من صميم التزاماتها الوطنية لا تنفصل عنها»! كما في المبدأ الخامس!
أما «فلسطين.. الأرض المقدسة» فهي في «صلب» حركة أمل و«عقلها»! كما «أن السعي لتحريرها أولى واجباتها! والوقوف إلى جانب شعبها وصيانة مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها»! كما في المبدأ السادس! الذي ينص على أن «الصهيونية.. الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان! وعلى القيم التي نؤمن بها! وعلى الإنسانية جمعاء!»!
رافضة في المبدأ السابع من ميثاقها أن تكون حركة «تصنف المواطنين»! أو أنها «حركة طائفية»!
أمل التي اشترطت فيمن ينتمي لها أن يكون مؤمنًا بهذه المبادئ! لم تلتزم بهذه المبادئ في واقع حراكها السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والوطني والقومي! وهذا ما سنبينه في هذه الأسطر التالية...
أمل بين الخطاب الطائفي والعمل السياسي:
إن الحديث عن أن الخلاف بين أمل وحزب الله هو في كون حركة أمل حركة علمانية! حديث يجانب الصواب! فالحركة انطلقت من رؤية دينية تقوم على المذهب الجعفري! الإثني عشري! وعلى فكر طائفي مذهبي! وأن ما يطعن به حزب الله الحركة لا يمثل نقدًا صائبًا إذا ما قارنا بين ما كانت تطرحه حركة أمل في بداياتها وما يطرحه حزب الله! وبمعنى آخر فالخلاف في الأساليب والتكتيكات لا في الأهداف والإستراتيجيات!
وبالرجوع إلى أدبيات الحركة على مواقعها في شبكة النت (www.amal-mouvement.org.lb، www.amal-movement.com)، يلمس المتصفح المسحة المذهبية الطائفية من التصميم العام والشعارات المطروحة في هذه المواقع.
وهنا أحيل إلى كتاب (حركة المحرومين.. الولادة، ظروف النشأة، والأبعاد) على موقع الحركة، وهو فيما يبدو خطب مفرغة خطيًا ومطبوعة!
يذكر المؤلف في المقدمة أن حركة المحرومين في لبنان «ولدت رغم لا طائفيتها في قلب الطائفة الإسلامية الشيعية وبرعاية القيادات والمؤسسات الرسمية الدينية»! وأن ذلك يعود إلى عوامل عديدة، منها:
1 - الوضع الاجتماعي والسياسي في لبنان.
2- موقع الطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان والعالم العربي.
3- العوامل التاريخية والعقائدية عند الشيعة.
4- دور القيادة في بعث هذه الحركة.
ثم يذكر المؤلف في القسم الأول (الوضع الاجتماعي والسياسي في لبنان) أن جميع الطوائف: سنة، دروز، موارنة.. وجدت من يدعمها ويقف إلى جانبها! فالعثمانيون إلى جانب السنة، و«الإنجليز كانوا يتحببون إلى الدروز، والفرنسيون والإيطاليون كانوا يتنافسون على الموارنة، وروسيا كانت تعتمد الأرثوذكس وهكذا..»!
ويذكر بأن «الاستعمار الأوروبي حرك الخلافات الطائفية»! وأن «أولئك الذين كانوا ينادون بالدين وبالخلافات الدينية وبالدخول إلى الجنة من أجل الدين كانوا ينفذون أفكار الشيطان! وأفكار عدو الله في هذا الإطار!»! وأن «الخلافات الطائفية دائمًا لا ترضي الله سبحانه وتعالى، فهي ليست دعوة إلهية أبدًا»!
وبعد عرض واقع الحرمان الذي عاناه الشيعة في لبنان يقول المؤلف: «إن هذا الوضع الاجتماعي الشاذ جعل التسلل من الخارج لكل طامع أمرًا في منتهى السهولة، فأصبح المجتمع اللبناني ساحة صراع بين العرب وغير العرب»!!
وفي القسم الثاني (موقع الطائفة الإسلامية الشيعية في لبنان والعالم العربي) وبعد ذكر سطور من تاريخ خدمات الطائفة الشيعية للبنان! يقول المؤلف «هذه صفحات من تاريخ الشيعة جعلت بينهم وبين لبنان ميثاقًا عميقًا وأبديًا لا يتنازلون عنه ولا يتنازل هو عنهم، لأن مسألة كل منهما حيال الآخر مسألة مصير»!!
وبعد سرد مطول حول ما قدمه الشيعة للبنان! يقول: «كل هذه الأمور دليل على أن الشيعة التزموا بواجباتهم الوطنية تجاه لبنان بكل قوة، وأعطوا كل ما يملكون في هذا السبيل»! ويضيف: «لكن هذه المبادرات لم تلق الأصداء المطلوبة لدى المسئولين منذ بداية الاستقلال، وكانت دائمًا تصطدم بعراقيل وموانع نابعة من الإهمال والالتهاء بالمصالح الخاصة، تصطدم بنوايا سيئة ومبيتة لخلق اليأس والجمود والاتكالية والاستزلام وسيطرة الإقطاع على البلد الطيب العريق الذي يعيش فيه شعب هو من أرقى الشعوب في العالم، ويملك تاريخًا قل ما يوجد لدى شعب آخر أو أمة أخرى»!! و«خلال ربع قرن من عهد الاستقلال، وفي إطار النظام الطائفي الديمقراطي» أعيد النظر في الوضع الاجتماعي والسياسي والثقافي من قبل «بعض أهل الرأي من أبناء الطائفة الإسلامية الشيعية»، وكانت النتائج تؤكد أن التفاوت بين أبناء الوطن الواحد قد ازداد، وأن العدالة لم تزل حلمًا يدغدغ الخيال!! فقالوا: «إن السبب هو غياب الطائفة عن مسرح الأحداث وعن مائدة الخبرات والوظائف والموازنات»! وقالوا: «إن النواب يمثلون مناطقهم رغم انتخابهم الطائفي»! وقالوا: «إن الطوائف الأخرى كل منها تتمثل بمجلس مركزي أعلى يمثلها، وأن الشيعة بحاجة إلى مجلس أعلى لكي تعالج هذا التصنيف الطائفي»! و«بعد بحث طويل وصراع مرير ورفض الطوائف عروض تأسيس مجلس واحد مشترك ولد المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بعد مخاض عسير، في (17) مايو (1969م) »!!
ويذكر أن المجلس قد نجح في حقول أربعة: «التنسيق بين طاقات أبنائه، وتنظيم علاقات الطائفة مع الطوائف الشقيقة اللبنانية، وتصحيح علاقات الطائفة مع أبنائها في الخارج، والمساهمة الذاتية في رفع مستوى أبنائه في ميادين الثقافة والتربية وتعليم المهن، وإبراز وجهها الحقيقي للمواطنين وللعالم وفي المشاركات الوطنية والقومية»!
ثم في مايو (1973م) نشأت حركة أمل التي «هي في الأساس حركة المطالبة بحقوق أبناء الطائفة في الوظائف، وبعمران المناطق التي يقطنها أكثرية أبنائها»! وجاءت انعكاسًا لالتزام الأكثرية الساحقة من نواب الطائفة بالتخلي عن الحكومة إذا لم تتحقق مطالب الطائفة خلال أربعة أشهر من تاريخ نيل الثقة!
وهكذا يظهر أن الحركة تدور حول أبناء الطائفة «الشيعية» المحرومين! في الحديث عن «المحرومين»! فكرست هذا الانطباع لدى أبناء الطائفة إلى الحد الذي جعل منهم قوة وأداة ضد الدولة لتحقيق مصالح سياسية وطائفية على صعيد الداخل والخارج الإقليمي كما سيأتي معنا! واتخذت من «مطالب المحرومين»! ستارًا لتأليب الشيعة وتدريبهم على العنف وامتلاكهم للسلاح فيما بعد!
وتتخذ الحركة موقفًا من العرب بالقول: «علينا أن نفهم ونغير الواقع العربي تجاه الشيعة، لأن القوة في لبنان تتعدل نتيجة للضغط العربي»! وأن «العالم العربي خلال التاريخ بدا محجوبًا عن التفاعل مع أبناء الطائفة بسبب حملة الاضطهاد الرسمي والشعبي التي كانت تتعرض لها»! الطائفة؛ لأنها كانت «أقلية عقائدية»! و«هذه الأقلية كانت خطرة على الحكم، والعالم العربي كان بأكثريته ينظر ويشك في سلامة موقع الشيعة، ويعتبره كما يصف الكاتب المصري الكبير الأستاذ أحمد أمين في كتابه (ضحى الإسلام) إذ يقول: الحق أن الشيعة ملجأ يلجأ إليه كل من يريد هدم الإسلام»!
ويعلق المؤلف: «هذا رأي العالم العربي فينا، وهو نتيجة للدس والتضليل الذي تعرض له الشيعة عبر التاريخ»! ويعود في القسم الثالث (العوامل التاريخية والعقائدية عند الشيعة) ليؤكد على أن التشيع «رؤية وسلوك إسلاميين بيّنهما الأئمة من آل البيت وأتباعهم، يتجاوز في أبعاده الاجتهادات الفقهية أو الآراء الكلامية والمواقف السياسية، وإن كانت هذه الأبعاد من نتائج تلك الرؤية والسلوك» فـ«ـالتشيع رؤية إسلامية صافية، وسلوك إسلامي صاف»!
ثم يذكر من مواصفات هذا التشيع الصافي: الولاية، واعتماد أحاديث الأئمة المعصومين من آل البيت، و انتظار المهدي المنتظر الإمام الثاني عشر! «عجل الله فرجه»! وهي مواصفات يرفضها عموم المسلمين السنة لمخالفتها الإسلام! وخروجها عن عقائد الدين الثابتة!
ويواصل المؤلف في القسم الرابع (دور القيادة في بعث هذه الحركة) حديثه مستطردًا حول الإمامة وعاشوراء والحسين ثائرًا! أما في القسم الخامس (حركة المحرومين.. ثورة مؤمنة إنسانية) فيؤكد المؤلف بأن «حركة المحرومين في لبنان تملك كافة معالم ثورة مؤمنة إنسانية لا طائفية، رغم أنها حركة انطلقت من صميم أبناء الطائفة الشيعية وبمشاركة قيادتها الروحية المسئولة»!
الصدر وأمل([91]) إيران في لبنان:
للحديث عن حركة أمل نعرج بالتعريف على مؤسسها موسى بن صدر الدين الصدر، وهو إيراني الأصل من مواليد عام (1928م)، تخرج من جامعة طهران- كلية الحقوق والاقتصاد والسياسة، وله مع الخميني صلة مصاهرة، فابن الخميني متزوج من بنت أخته، كما أنه تتلمذ على الخميني في قم.
كان وصول الصدر إلى لبنان عام (1958م)، حيث نزل ضيفًا على آل شرف الدين في مدينة صور، وكان موفدًا من النجف للقيام بنشاط ديني في أوساط الشيعة. وقد قال عنه السياسي الإِيراني الدكتور موسى الموسوي: في عام (1958م) أرسل الجنرال بختيار مدير الأمن العام الإِيراني موسى الصدر إلى لبنان وزوده بالأموال اللازمة.. وبعد عشر سنوات من ذلك التاريخ أصبح هذا الشخص رئيسًا للمجلس الشيعي الأعلى، وقد صرفت الحكومة الإِيرانية لتوليته هذا المنصب أكثر من مليون ليرة لبنانية!
شهبور بختيار، الذي قلده الشاه السلطة في إيران بعد رحيله، يذكر أن الشاه محمد رضا بهلوي الذي أرسل الصدر إلى لبنان كانت له أحلام توسعية كبيرة، وأن إرساله للصدر إلى لبنان من أجل تعزيز دولة شيعية تضم إيران والعراق ولبنان! مقابل وعد الشاه له بمبلغ (500) ألف دولار!
ويقول كامل الأسعد([92])، في حديث نشرته مجلة الحوادث اللبنانية، في (3/1/1975م): «إن هناك أكثر من علامة استفهام تدور حول الخطة التي ينفذها السيد موسى الصدر والأشخاص الذين يؤيدونه هنا وفي الخارج، وأبعاد هذه الخطة في لبنان والخارج»! وهي رؤية اتفق عليها معه كل من كتب عن الصدر، فالدستور الصادرة في فرنسا أشارت إلى هذه الحقيقة في عددها الصادر بتاريخ (26/6/1978م)، والقبس (19/9/1978م)، والأنباء الكويتية (29/9/1978م)، هذه الصحف وغيرها تحدثت عن شخصية الصدر المشبوهة!
لمع نجم الصدر في لبنان، ومنح الجنسية اللبنانية بموجب مرسوم جمهوري! وفي عام (1969م) أنشأ المجلس الشيعي الأعلى بلبنان، وأصبح رئيسًا له! وكان ذلك بعد وصوله بعشر سنين! علمًا بأنه كان للسنة والشيعة مجلس واحد قبل هذا التاريخ!
وحسب مؤلف كتاب «أمل وحزب الله، في حلبة المجابهات»، فإن الصدر أكد في خطاب له بعد إنشاء المجلس بأن «هذا التنظيم لن يفرق إطلاقًا بين المسلمين»، وأن من أدواره تجنيد طاقات الشيعة و«المشاركة الصحيحة مع الأشقاء لمساعدة المقاومة الفلسطينية لتحرير الأراضي المغتصبة»! وأن «يكونوا يداً قويةً وعضوًا متينًا للبنان والعرب والإسلام والإنسان في كل مكان»! -وهي ذاتها المعاني التي يرددها اليوم نصر الله!
ثم لم يلبث أن أنشأ في بداية السبعينات ((1973م)) حركة المحرومين، وكان من بين شعاراتها البراقة: تحرير فلسطين! والمطالبة بالعدالة! والتشهير بفساد الدولة! وأنها حركة لجميع المحرومين وليست خاصة بالشيعة! -وما أشبه الليلة بالبارحة!
أنشأ الصدر عددًا كبيرًا من المدارس والنوادي والجمعيات والحسينيات في سائر أنحاء مناطق الشيعة، وجعلها مركزًا لأنشطته. ثم لم يلبث أن أنشأ جناحًا عسكريًا لحركة المحرومين أسماه (أمل)، اختصارًا لـ (أفواج المقاومة اللبنانية)، وحرص على أن يكون هذا التنظيم المسلح سريًا، في الوقت الذي كان يتظاهر فيه بأنه ضد التسلح! إلا أنه اضطر إلى الإعلان عن هذه الحركة بعد انفجار لغم -في (6/7/1975م) - في مخيم للتدريب التابع للحركة، في البقاع قتل على إثره (36) شخصًا وجرح (43) آخرون!
«كان موسى الصدر يريد أن يتجنب إعطاء عمله طابعًا شيعيًا صرفًا، طائفيًا وعدائيًا تجاه الطوائف الأخرى»! ومن هنا بدأ بتوثيق علاقاته بالموارنة (المسيحيين) منذ عام (1960م) !([93]) وبالفعل استطاع الصدر أن يوثق صلاته بالموارنة في السلطة الحاكمة بشكل كبير، كما استطاع أن يقيم علاقة وثيقة مع حركة فتح -ذات الخلفية السنية، والتي شاركت في تدريب وإعداد الجناح العسكري لحركة أمل! ودعمها بالسلاح وتقديم الخدمات لها!([94]) وقد استفادت الثورة الخمينية من الكوادر التي تدربت في لبنان في ترتيب أوضاعها بعد الانقلاب على الشاه!
في هذه الأثناء كان الصدر يعمل في الخفاء لتجلية الطائفية الشيعية في نفوس الشيعة ذاتهم! من خلال المجلس الشيعي الأعلى وحركة المحرومين، التي تولد لدى أبناء الطائفة الذين كانوا يعانون من الفقر والحرمان والعزلة روح التمرد على الأوضاع! وبالتالي كان يعمل على التعبئة الجماهيرية من خلال المظاهرات والخطب! رافضًا نهج «المصالحات المهدئة» الذي اعتمده الإمام الحسن بن علي! ومنحازًا إلى نهج «التمرد الشاهر سيفه» الذي اعتمده الإمام الحسين بن علي! ليعلن في (18/2/1974م) أنهم «جماعة الانتقام»!
يقول كامل الأسعد، في حوار مع مجلة الحوادث اللبنانية، في (3) يناير (1975م)، أن من بين أهم المطالب التي عرضها الإمام الصدر في لائحته لمجلس النواب «تأمين العدالة للطائفة الشيعية بشأن الوظائف العامة»! معتبرًا أن مصدر قوة تيار الصدر -الذي رأس المجلس الشيعي الأعلى- «المال الذي يبعث به المهاجرون إلى المجلس الشيعي الأعلى، والمعونة المالية التي تقدمها الدولة إلى المجلس»!
وفي أثناء الاجتياح السوري للبنان ساهم الصدر بعلاقاته مع قوى داخلية في جيش لبنان العربي لانضمام عدد من قيادات الجيش لصف وصالح النظام السوري الذي اجتاح لبنان! وبدأ هو شخصيًا من جهته بمهاجمة منظمة التحرير! ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية في (12/8/1976م) اتهام الصدر للمنظمة بالعمل على قلب النظم العربية الحاكمة وعلى رأسها النظام اللبناني! ودعا الأنظمة إلى مواجهة الخطر الفلسطيني! ونقلت بعض الصحف اللبنانية هذا النص! مما جعل ممثل المنظمة في القاهرة يصدر تصريحًا يندد فيه بمؤامرة الصدر على الشعب الفلسطيني وتآمره مع الموارنة والنظام السوري! ولم يخجل الصدر من القول: لسنا في حالة حرب مع إسرائيل والعمل الفدائي في الجنوب يحرجنا!([95]).
وبالفعل وقف الجيش السوري ضد سنة لبنان في اجتياحه للبنان! وكان جيش لبنان العربي والقوات اللبنانية والفلسطينية في قتالهم ضد الجيش السوري يجدون ظهورهم مكشوفة من قبل الشيعة! وعندما طلب عبدالحليم خدام -حينها- من زعماء المسلمين أن يوقعوا على ميثاق وطني تكرس بموجبه رئاسة الجمهورية للمارون رفض زعماء المسلمين جميعًا هذا الطلب إلا موسى الصدر فقد وافق عليه!
وفي (5/8/1976م) نقلت وكالة الأنباء الفرنسية أن الصدر دعا إلى اجتماع ضم أساقفة الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والموارنة الكاثوليك وعددًا من أعيان البقاع ونوابها، وتم عقد الاجتماع في قاعدة رياق الجوية من أجل تشكيل حكومة محلية في المنطقة التي يسيطر عليها السوريون النصيريون؛ فأدرك الوطنيون اللبنانيون كما أدرك الفلسطينيون حقيقة الدور الذي يقوم به الصدر، فحاولوا اغتياله، وأقدموا على نسف بيته في بعلبك لكنه نجا من الموت، والتجأ بعدها إلى دمِشق، وصار يمثله في المؤتمرات والمفاوضات في لبنان نائبه محمد يعقوب.
ولم يكتف الصدر وشيعته بالتعاون مع حكام سورية، وإنما أخذوا يطالبون بوقف العمل الفدائي وإخراج الفلسطينيين من الجنوب؛ ومن أجل ذلك وقعت صدامات ونظم الشيعة إضرابًا عامًا في صيدا وطالبوا بإخراج المنظمات المسلحة من الجنوب!
وكان الصدر أول من طالب بقوات طوارئ دولية تتمركز في الجنوب، زاعمًا أن لبنان في هدنة مع إسرائيل ولا يجوز أن يخرقها الفلسطينيون، وعندما جاءت قوات الطوارئ نجح في أن تكون نسبة كبيرة من هذه القوات من إيران، وتعاون معظم زعماء الشيعة في الجنوب مع اليهود وصنيعتهم سعد حداد، وعندما اتخذت الحكومة اللبنانية قرارًا بإرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب ثار موضوع تعاون الموارنة مع اليهود، فقال بيار الجميل: إن الشيعة تعاملوا مع إسرائيل قبل الموارنة، وقال سعد حداد: إن أعيان الشيعة في منطقة الحدود يؤيدون هذه الدولة (إسرائيل) !
وأصدر المجلس الشيعي الأعلى بيانًا ناشد فيه شيعة الجنوب مساندة الجيش اللبناني الشرعي -المسيحي- حتى يتمكن من أداء مهمته، وردَّ على اتهامات سعد حداد بالقول: إن أعيان الشيعة في الجنوب لم يتعاملوا مع اليهود ولكن التزموا الصمت خوفًا من التعرض لعمليات القمع!
وعلى خلاف ما يذكره حسين الحسيني، الأمين العام لحركة أمل في نهاية السبعينات والنائب البرلماني منذ (1973م)، من أن حركة أمل انطلقت «بعد أن فشلت المساعي الرامية إلى إفهام الدولة بأن من مصلحتها الدفاع عن الجنوب الذي يعاني من الاعتداءات الإسرائيلية»! ونتيجة لـ«الهروب من تحديد الهوية» اللبنانية! فإن ذلك لم يعدُ أن يكون من باب ذر الرماد في العيون!
فقد تورطت الحركة في الحرب الأهلية من منطلق طائفي! وتحالفت مع الموارنة المسيحيين والدروز ضد سنة لبنان ولاجئي فلسطين السنة! وساندت الاجتياح العسكري لنظام سورية النصيري للبنان! وكانت في استقبال القوات الإسرائيلية لتمارس معها المذابح ضد الفلسطينيين وإجلاء مقاومتهم من لبنان! وساهمت في مذابح تل الزعتر وصبرا وشاتيلا وغيرها من المذابح الطائفية! التي قاموا بها هم أو قام بها الموارنة! أو قام به جيش الاحتلال الإسرائيلي! كما أنها ساهمت في القضاء على حزب البعث الاشتراكي المؤيد للعراق في بيروت والجنوب والبقاع.
وفي أبريل من عام (1982م) أعلنت حركة (أمل) عن مبايعتها للزعيم الإيراني آية الله الخميني إمامًا للمسلمين في كل مكان، كما نقلت ذلك مجلة «الإيكونوميست» في (4) مايو (1982م)، في الترجمة العربية!
بهذا يتضح الدور الذي لعبه الصدر والمراحل التي خطاها في إطار تمكين طائفته في لبنان.. ويبقى علينا أن نذكر بشيء من المآسي التي وقعت في لبنان خلال مرحلة الـ«أمل»!
بداية التحالف الصدري السوري:
لقد كان الصدر يتمتع بعلاقة قوية مع النظام البعثي النصيري في سورية! الذي وقع مع إسرائيل في (31/5/1974م) وثيقة «فك الاشتباك» بين قواته والقوات الإسرائيلية على جبهة الجولان! بمباركة أمريكية سوفيتية! والذي عقد في (10/9/1974م) لقاء مع ممثلين عن الكتائب سعيًا للوصول إلى صيغة تعاون بين الطرفين! للغاية التي ذكرها بيان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين -القيادة العامة- في (6/9/1971م).. «إن حرب الإبادة ضد المقاومة الشرط الوحيد الذي يمكن أن يقبل به العدو لتنفيذ مشاريع الولايات المتحدة الأمريكية أو مشاريع التسوية»! وتوقع البيان: أن تستخدم الولايات المتحدة «نظامًا عربيًا»! ثوريًا! يتستر بالشعارات الوطنية! لينفذ عملية إبادة منظمة التحرير!
ولم يكن هذا النظام سوى نظام البعث النصيري بسورية!.. لذا صرح شمعون بيريز -وزير دفاع العدو الصهيوني السابق- أن هدف إسرائيل هو نفس هدف دمشق بالنسبة للمسألة اللبنانية، وقال أيضًا: يجب أن نمنع وقوع لبنان تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية!([96]) كما أعلن إسحاق رابين -رئيس وزراء العدو الصهيوني السابق- في تصريح نقلته أجهزة إعلامهم: أن إسرائيل لا تجد سببًا يدعوها لمنع الجيش السوري من التوغل في لبنان، فهذا الجيش يهاجم الفلسطينيين وتدخلنا عندئذٍ سيكون بمثابة تقديم المساعدة للفلسطينيين ويجب علينا ألا نزعج القوات السورية أثناء قتلها للفلسطينيين فهي تقوم بمهمة لا تخفى نتائجها الحسنة!! بالنسبة لنا!([97]).
ويقول جوناتان راندال في كتابه (مأساة لبنان) ([98]): وطوال سنة (1976م) كانت السفن السورية والإِسرائيلية تقوم بدوريات في قطاعات مختلفة من الساحل اللبناني لمنع تزويد الفلسطينيين بأية إمدادات، وقدمت الدولتان أسلحة وذخيرة للمليشيات المسيحية([99]).
هذا التفهم الإسرائيلي لدور سورية شمل حركة أمل، ففي (1/7/1982م) ذكرت وكالة رويتر في تقرير لها من النبطية أن القوات الصهيونية، التي احتلت البلدة، سمحت لمنظمة (أمل) بأن تحتفظ بالمليشيات الخاصة التابعة لها، وبحمل جميع ما لديها من أسلحة. وصرح أحد قادة مليشيا منظمة (أمل) ويدعى حسن مصطفى: أن هذه الأسلحة ستستخدم في الدفاع عنا ضد الفلسطينيين!
بعد هذا التاريخ بعام قال أحد كبار زعماء حركة أمل حيدر الدايخ: كنا نحمل السلام في وجه إسرائيل، ولكن إسرائيل فتحت ذراعيها لنا وأحبت مساعدتنا! لقد ساعدتنا إسرائيل على اقتلاع الإرهاب الفلسطيني الوهابي من الجنوب!!([100]).
في يوليو (1982م) ذكرت مجلة (الأيكونومست) البريطانية أن (2.000) مقاتل من عناصر منظمة (أمل) الشيعية انضمت إلى قوات مليشيا سعد حداد المسيحية، وتوقعت المجلة أن ينضم عدد أكبر منهم إلى (الحرس الوطني) الذي ترعاه إسرائيل في جنوب لبنان!
وفي (23/5/1985م) قالت صحيفة (الجروزاليم بوست): «إنه لا ينبغي تجاهل تلاقي مصالح أمل وإسرائيل، التي تقوم على أساس الرغبة المشتركة في الحفاظ على منطقة جنوب لبنان وجعلها منطقة آمنة خالية من أي هجمات ضد إسرائيل»! وأن إسرائيل «ترددت حتى الآن في تسليم أمل مهمة الحفاظ على الأمن والقانون على الحدود بين فلسطين ولبنان، وإن الوقت حان لأن تعهد إسرائيل إلى أمل بهذه المهمة»!
أما أيهود باراك -رئيس الاستخبارات العسكرية اليهودية السابق- فيقول: إنه على ثقة تامة من أن أمل ستكون الجبهة الوحيدة المهيمنة في منطقة الجنوب اللبناني، وأنها ستمنع رجال المنظمات والقوى الوطنية اللبنانية من التواجد في الجنوب والعمل ضد الأهداف الإِسرائيلية!([101]) ويقول ضابط إسرائيلي من المخابرات: «إن العلاقة بين إسرائيل والسكان اللبنانيين الشيعة غير مشروطة بوجود المنطقة الأمنية، ولذلك قامت إسرائيل برعاية العناصر الشيعية وخلقت معهم نوعًا من التفاهم للقضاء على التواجد الفلسطيني والذي هو امتداد للدعم الداخلي لحركتي حماس والجهاد»!([102]).
وفي حوار مع مجلة التضامن، الصادرة في (2/11/1985م)، أكد ياسر عرفات بأن الخلاف بين منظمة التحرير ونظام البعث النصيري قديم، وأن حافظ الأسد -عندما كان وزيرًا للدفاع- أصدر أمرًا اشتمل على (21) نقطة كلها تقييد لحركتنا في سورية، بدءًا من منع تسلل عناصرنا ومقاتلينا إلى الجولان، وانتهاء بمنعنا من وضع أي ملصق على الجدران في شوارع دمشق! وهناك شهادات كثيرة لعدد من قادة فتح، وردت في كتاب (عرفات إرهابي أم صانع سلام؟)، أوردوها في مقابلاتهم أو مقالاتهم أو مذكراتهم عن موقف نظام البعث النصيري من تأسيس فتح وقادتها فيما بعد، وكيف أنهم اعتقلوا واتهم بعضهم بالإِجرام، ومنعوا من التسلل إلى فلسطين المحتلة عن طريق الجولان، وأنه حاول اغتيال عرفات! غير أن مواقف عرفات وفتح من نظام البعث النصيري تغيرت فيما بعد! لكن سرعان ما انقلب عليهم في عام (1976م)، حين وقف جيش النظام النصيري في خندق واحد مع الكتائب واليهود، مستبيحين دماء الفلسطينيين وأموالهم في المخيمات!!! بل كان نظام البعث النصيري متآمرًا في عام (1982م) في اجتياح إسرائيل للبنان ومحاصرة بيروت!! ومستبيحًا لدماء الفلسطينيين في مخيمي البداوي ونهر البارد!!
إذن هكذا اجتمعت إرادة حزب البعث النصيري مع حركة أمل لتصفية الوجود الفلسطيني المقاوم والقوى السنية في لبنان! وحتى لا تثور عواطف السنة في الدول الأخرى أطلق على هذه الحرب «الحرب الأهلية»! في حين أن الممارسات والأحداث تحكي حربًا طائفية أشعلتها حركة أمل والنظام النصيري!
جرائم ومجازر وثارات ضد السنة!

أجرت صحيفة الوطن الكويتية استطلاعًا عن لبنان، في (11/8/1976م)، نقلت فيه شهادات عدد من ضباط وجنود قوات الأمن العربية التي أرسلت لمراقبة الوضع! حول الجرائم التي ارتكبتها القوات السورية في حق المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين!

فقد ترك النصيريون العنان لميليشيات وقوى الموارنة لتدمير المخيمات وذبح الأطفال والشيوخ، وبقر بطون الحوامل، وهتك أعراض الحرائر، لتظهر صورهم -على شاشة التلفاز في معظم بلدان العالم- وهم يشربون كؤوس الخمر احتفالًا بالنصر على الفلسطينيين المسلمين، وهم يعلقون الصلبان في أعناقهم!
أما تورط إسرائيل في مذبحة تل الزعتر فأماط اللثام عنها شركاء بيجن في الحكم في جلسة من جلسات الكنيست الإسرائيلي نشرت وقائعها الصحف ووكالات الأنباء العالمية، وتبادل الحزبان الاتهامات، فشمعون بيريز يتهم بيجن وشركاءه بمذبحة صبرا وشاتيلا، والآخرون يتهمون بيريز بمذبحة تل الزعتر عندما كان وزيرًا للدفاع!
وعقب احتلال إسرائيل لمعظم أراضي لبنان في (1982م) انطلقت مطالب القيادات الدرزية والشيعية لإخراج منظمة التحرير من بيروت بل من لبنان كلها! وكانت الدول العربية بما فيها النظام السوري تقوم بدور المتفرج على هذا الاحتلال! معتذرة بحسب تصريح عبدالحليم خدام، في (25) يونيو (1982م)، باختلال التوازن العسكري في المنطقة! ثم ظهر حافظ الأسد في (20) يوليو (1982م) في دمشق ليقول: إن القوات السورية دخلت إلى لبنان لأداء مهمة محددة هي إنهاء الحرب الأهلية التي فرقته خلال عام (1975م) و (1976م) ولم تذهب لتحارب إسرائيل من هناك!!
وفي هذه الأثناء بدأت حركة أمل في تصفية مناطق الجنوب من الوجود السني مؤيدين الاحتلال الإسرائيلي كمخلص لهم! وكان السنة قد جردوا من أسلحتهم كاملة ليكونوا عرضة لمثل هذه التصفيات الطائفية!
وبعد مجازر متعددة راح ضحيتها سنة لبنان واللاجئين الفلسطينيين اتفق المبعوث الأمريكي فيليب حبيب مع حكومة إسرائيل من جهة والأنظمة العربية المعنية من جهة أخرى على إخراج منظمة التحرير الفلسطينية وقواتها من لبنان، وصورت أجهزة الإعلام العربية المشبوهة الاتفاق -في حينه- على أنه انتصار للمنظمة وهزيمة منكرة للعدو الصهيوني! وبالفعل خرجت قوات منظمة التحرير من لبنان مخلفة وراءها النساء والشيوخ والأطفال العزل في المخيمات البائسة! ليكونوا مرة أخرى ضحية مجازر جديدة على يد القوات الكتائبية المسيحية وجيش إسرائيل اليهودي في مخيمي صبرا وشاتيلا!
وفي الأيام الأولى لشهر رمضان المبارك (1405هـ) الموافق مايو (1985م)، هاجمت قوات حركة أمل مخيم صبرا وشاتيلا والبراجنة بالقصف المركز بمدافع الهاون والأسلحة الرشاشة، بعد اقتحامهما في أول أيام الشهر الفضيل!
 وخلال المواجهات العنيفة والدامية منعت قوات حركة أمل الهلال والصليب الأحمر وسيارات الأجهزة الطبية من دخول المخيمات، وقطعت إمدادات المياه والكهرباء عن المستشفيات الفلسطينية!
وكانت السيطرة في البداية لقوات أمل.. إلا أن القيادات العسكرية للمخيمات تمكنت من صد الهجوم سريعًا بسبب خبراتها القتالية الجيدة، والاحتياطات التي علمتهم المجازر السابقة أن يتخذوها تحسبًا لمثل هذا الموقف، وتوصل المدافعون عن المخيمات إلى السيطرة على بعض الطرق وربط مخيم صبرا بمخيم شاتيلا، ومن ثم بمخيم برج البراجنة إلى الشرق من طريق المطار!
واستمرت المواجهات العنيفة والقصف والتدمير لتطال المستشفيات ودار العجزة! ونظرًا لصمود المدافعين الفلسطينيين أصدر نبيه بري أوامره لقادة اللواء السادس في الجيش اللبناني لخوض المعركة جنبًا إلى جنب مع قوات أمل، وبالفعل تحرك اللواء السادس -وهم من الشيعة- ليشارك بكامل طاقاته في المعركة فقام بعد ساعات بقصف مخيم برج البراجنة من عدة جهات!
بذل السنة من اللبنانيين جهودهم لوقف الاقتتال بين الطرفين غير مدركين لطبيعة ما يحدث! إلا أن قوات أمل ظلت تحشد عناصرها للثأر لدماء الحسين كما روت وكالات الأنباء في حينه عن هؤلاء المقاتلين! وقد بلغ عدد القتلى في اليومين الأوليين (100) قتيل و500 جريح من سكان المخيمات وحدها!
ورغم كل المساعي التي كانت تبذل لوقف القتال، كانت قوات أمل تبدأ المواجهات مجددًا بعد ساعات محدودة لاتفاقات وقف النار! وفي اليوم الرابع للمواجهات بدأت تعلن حركة أمل سقوط مخيمي صبرا وشاتيلا! وطالب نبيه بري في (31) مايو من أتباعه القضاء على الفلسطينيين خلال ساعة!!
وشارك في قصف المخيمات الفلسطينية القوات الكتائبية -المارونية! والتي ساندتها قيادة الجيش اللبناني ممثلة في ميشيل عون -الزعيم المسيحي- كاشفة بذلك عن تواطئها المقصود مع أمل!
كما شارك جيش النظام البعثي النصيري في تطويق مخيم الجليل الفلسطيني في منطقة البقاع! وتطويق مخيمي البارود والبداوي في الشمال! وأعطى الفرصة ووفر الغطاء الكامل لحركة أمل لتقوم بتصفية المخيمات الفلسطينية ومسحها بالأرض! في حين كانت الطائرات الإسرائيلية تحلق فوق المخيمات الفلسطينية لتشاهد المناظر التي تسطرها أمل والبعث النصيري!
سقط مخيم صبرا بعد دفاع طويل في (31) مايو، وهو اليوم الذي عاد فيه الرئيس اللبناني أمين الجميل من دمشق مصرحًا بأن «القوات السورية ستساعد لبنان في وقف حربه الأهلية تمهيدًا لإجراء إصلاحات سياسية ستزعج أكثر من طرف»! وأنه سيتم التعاون بين القوات السورية والجيش اللبناني لـ«نزع سلاح جميع الميليشيات والمنظمات بما فيها الفلسطينيون»! وبعد الوصول إلى قرار نزع سلاح المقاومة الفلسطينية صرح نبيه بري، في (2) يونيو (1985م) بالقول: إن الوقت قد حان لدور سوري أكبر في شؤون لبنان.. وأن أمل مستعدة عند تولي قوات ردع سورية الأمن في لبنان لتسليم سلاحها مثل الفلسطينيين! إلا أن ذلك لم يكن، فقد ظل الشيعة فقط مالكين لسلاحهم تحت ذريعة المقاومة «الإسلامية»! وفي (10) يونيو صرح وليد جنبلاط أن تحالفه مع أمل تحالف مصيري، وأعلن عن رفضه لعودة الفلسطينيين إلى الوضع الذي كان سائدًا قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام (1982م) !
المواجهات ظلت مستمرة في صراع بدا في حقيقته بين الفلسطينيين والسنة من اللبنانيين كطرف والشيعة والنصيريين والموارنة واليهود كطرف آخر! وبلغت فيها خسائر الطرف الأول (3.100) بين قتيل وجريح، و(15) ألف من المهجرين أي: (40%) من سكان المخيمات! وسطرت الصحف ووكالات الأنباء أفظع الجرائم والمشاهد لهذه المأساة! بعضها يماثل الواقع الجاري اليوم في العراق، فقد روى مراسل صحيفة «صنداي تلغراف» في بيروت، في (27) مايو (1985م)، أن عددًا من الفلسطينيين قتلوا في مستشفيات بيروت، وأن مجموعة من الجثث الفلسطينية ذبح أصحابها من الأعناق! وتحدثت محطة التلفزيون البريطانية «بي. بي. سي» عن اختفاء (1.500) فلسطيني في مراكز الاستجواب التابعة لأمل، وأعربت عن اعتقادها بأن عددًا من الفلسطينيين ربما قتلوا في المستشفيات في منطقة بيروت الغربية! وكشف ناطق فلسطيني لصحيفة الوطن، في (27/5/1985م)، النقاب عن قيام قوات أمل بنسف أحد الملاجئ يوم (26) مايو، وكان يتواجد فيها مئات الشيوخ والأطفال والنساء في عملية دنيئة تعبر عن البربرية الجديدة! وذكرت وكالة «أسوشيتدبرس» عن اثنين من الشهود أن ميليشيات أمل جمعت العشرات من الجرحى والمدنيين خلال ثمانية أيام من القتال في المخيمات الثلاثة وقتلتهم! وقد ذكر تقرير الصليب الأحمر مشاهد غاية في المأساة في ذلك الوقت!
 وفي مفارقة عجيبة صدر عن جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني بيان -نشرته الصحف العربية في (30) مايو (1985م) - ناشدت فيه الجبهة كافة الجمعيات والمؤسسات اللبنانية والعربية والإسلامية والعالمية التدخل لوقف ما يجري حول المخيمات الفلسطينية من مجازر بحق الشعب الفلسطيني من سكان المخيمات! وجاء في البيان أن من بين ما لحقه التدمير والتخريب المساجد! وأكد أن ما يجري في المخيمات حاليًا لم يحدث له مثيل حتى أثناء الاجتياح الإسرائيلي لا لذنب ارتكبه الشعب الفلسطيني سوى الدفاع عن نفسه وعن حقه في الوجود!
لم تنته المأساة عند هذا الحد، فقد ذكرت صحيفة الوطن الكويتية، في (3) يونيو (1985م)، أن مقاتلي حركة أمل انطلقوا في (2) يونيو في مسيرات جابت شوارع بيروت الغربية وهم يرددون: «لا إله إلا الله والعرب أعداء الله»! ولتبدأ سلسلة عدوان جديد باغتصاب (25) فتاة فلسطينية من أهالي مخيم صبرا على مرأى من أهالي المخيم، كما ذكرت صحيفة الوطن، في (3) يونيو (1985م) !
وهكذا عادت أمل لتكمل ما ابتدأه الموارنة عام (1982م) ضد مخيمي صبرا وشاتيلا من المجازر التي راح ضحيتها (800) فلسطيني! وظلت أمل تمارس العدوان على المخيمات الفلسطينية كلما سنحت لها الفرصة لتقتل وتذبح بالهوية!
وإذا كانت حركة (أمل) في ميثاقها تنص على أن فلسطين، الأرض المقدسة، التي تعرضت -ولما تزل- لكل أنواع الظلم، هي في قلب حركتنا وعقلها، وأن السعي إلى تحريرها أول واجباتنا، وأن الوقوف إلى جانب شعبها وصون مقاوماته والتلاحم معه شرف الحركة وإيمانها، خصوصًا أن الصهيونية تشكل الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان! إلا أن الواقع الذي مارسته كان خلاف هذه الشعارات المعلنة! إلى درجة أعلن فيها نبيه بري، بعد خروج المنظمة من بيروت عام (1982م)، بأن «على القضية الفلسطينية تفهم الواقع الجديد! وهم مضطرون اليوم لقبول كل ما يؤدي إلى التصفية النهائية لقضيتهم»! معتبرًا أن «تحرير فلسطين» قضية «عربية وليست لبنانية»! ومانعًا «استخدام الجنوب لهذا الغرض»! ومعتبرًا بأن «منظمة أمل مسئولة عن حفظ الأمن في الجنوب»!
مجزرة طرابلس!
دخل نظام البعث النصيري لبنان عام (1976م)، في ظل موافقة دولية لأغراضه الخاصة، وأغراض خارجية كان نظام البعث النصيري أداة لتحقيقها بالوكالة، كما كان حال غالبية الأنظمة العربية في ذلك الوقت!
وقد بدأت معارك نظام البعث النصيري ضد السنة في لبنان ابتداءً من مخيم تل الزعتر، ومرورًا بمخيمات صيدا، وانتهاءً بمحاولة تدمير مخيمات برج البراجنة وصبرا وشاتيلا في منتصف شهر مايو عام (1985م).
وفي الأثناء التي كانت تتعرض فيه مخيمات الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا وغيرها لهجوم من حركة أمل، صدر عن قادة الجماعات الإسلامية في طرابلس تنديدات بمنظمة أمل ومن وراءها، وأعلنوا عن استعدادهم للقتال ذودًا عن المخيمات الفلسطينية! وهنا بدأ النظام البعثي النصيري العمل من أجل الحيلولة دون ظهور صف سني موحد في لبنان التي أرادها موقعًا لنفوذه الإقليمي! ودون تحالف سنة لبنان مع القوى الفلسطينية الأمر الذي قد يفتح باب المواجهة مع إسرائيل!
فحرك الأحزاب العميلة: كالحزب السوري القومي المعروف بارتباطاته المشبوهة مع المخابرات الإسرائيلية والمخابرات البريطانية في السابق، والحزب الشيوعي اللبناني -النصارى الأرثوذكس، ومنظمة حزب البعث -زعماؤه شيعة أمثال: عاصم قنصوه وعبد الأمير عباس، والحزب العربي الديمقراطي، وكانوا يطلقون على أنفسهم فرسان العرب! لمهاجمة مدينة طرابلس تحت ذرائع أمنية!
وبدأ الهجوم على المدينة بالقصف المدفعي في (15) سبتمبر (1985م)، بعد حصار وتعزيزات للقوات السورية على محيط المدينة! وفي (27) سبتمبر شنت الأحزاب الآنفة الذكر هجومًا على المناطق الواقعة تحت سيطرة اللقاء الإسلامي، تحت غطاء من راجمات وصواريخ الجيش البعثي النصيري التي كانت تدك المدينة من (الكورة) و (تربل) !
واستمرت المعارك العنيفة عشرين يومًا، نزح خلالها نصف سكان المدينة البالغ عددهم حوالي (700) ألف نسمة عنها، وانهمر على المدينة أكثر من مليون صاروخ وقذيفة مما أدى إلى تدمير نصف مبانيها، كما تم تدمير معظم شوارعها، وفقدت المؤن الأساسية، وأحاطت النار بمداخلها البرية والبحرية، وانقطعت عن العالم هاتفيًا ولاسلكيًا! وساهمت فيها القوات اللبنانية بالحرب، فمنعت نقل المحروقات إلى الشمال منذ (24) سبتمبر، وقطعت الطحين عن طرابلس، وقتلت بعض الفارين من جحيم الحرب!

وفي (6) أكتوبر (1985م) دخل جيش البعث النصيري مدينة طرابلس محتلًا لها! لتسلم قوات اللقاء الإسلامي أسلحتها! وتصبح مناطق السنة في لبنان منزوعة السلاح! بتحالف حركة أمل والموارنة والدروز والنصيريين وإسرائيل!


 
معارك المحرومين.. وثارات أمل!
خاضت حركة (أمل) عدة معارك من أجل السيطرة على الساحة وتوسيع نفوذها في لبنان، فقامت بتصفية عشرات الشباب الشيعة لأنهم رفضوا التخلي عن انتماءاتهم الحزبية المناهضة للطائفية، كما اشتبكت مع حزب البعث العربي الاشتراكي المؤيد للعراق في منطقة الشياح في (23) أبريل (1980م) وفي (8) مايو (1980م)، واستخدم في هذه المواجهات التي سقط فيها عدد كبير من القتلى والجرحى كافة أنواع الأسلحة! وفي (13) أبريل (1980م) اجتاحت قوات أمل اثنتا عشرة قرية في الجنوب اللبناني، وخاضت معارك شرسة مع وحدات من الحزب الشيوعي، ووحدة من حزب البعث المؤيد للعراق، ووحدة من الاتحاد الاشتراكي العربي المؤيد لليبيا.. وفي الوقت نفسه هاجمت منظمات حزبية يسارية ووطنية في بيروت، وحاولت استدراج الفلسطينيين لكن رئيس المنظمة ياسر عرفات ظل محايدًا، وسقط في هذه المعارك عدد غير قليل من القتلى والجرحى، ووقف المجلس الشيعي الأعلى إلى جانب أمل، حيث صدر بيان باسم نائب رئيس المجلس محمد مهدي شمس الدين يدين فيه منظمة التحرير والحركات اليسارية والوطنية؛ لأنها اعتدت على طائفته على حد زعمه!
وهاجمت قوات (أمل) مع القوات الدرزية -أو ما يسمى بالحزب التقدمي الاشتراكي- بيروت الغربية في أواخر عام (1983م)، وقامتا بتصفية تنظيم (المرابطون)، وتنظيم (كمال شاتيلا) الناصري، ونشرت القوات الدرزية والشيعية الذعر في سائر أنحاء بيروت الغربية، وفي العام ذاته وقعت معركة طاحنة بين قوات (أمل) والجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية، وقد أسفر عن هذه المعركة خسائر فادحة في الأموال والأرواح، وانضم اللواء السادس الشيعي إلى قوات أمل.
كما دخلت أمل في مواجهات عدة مع قوات منظمة التحرير في الجنوب وبيروت والبقاع، وقد توجت هذه المعارك بمجزرة المخيمات!
كما خاضت حركة (أمل) معارك متعددة مع القوات الدرزية (الحزب التقدمي الاشتراكي) وكان آخر هذه المعارك (معركة الأعلام) في بيروت الغربية، التي كادت تتحول إلى كارثة لولا الضغوط التي مارستها سورية على الطرفين!
وقصارى القول: فقد حاربت (أمل) بالمحرومين جميع الأحزاب والحركات في لبنان، وأصبحت عدوة للجميع، وأصبح نبيه بري سفاح لبنان بامتياز!
نبيه.. رجل أمل الثاني!
في (1980م) تولى نبيه بري رئاسة حركة أمل، بعد أن تعذر عودة الصدر من ليبيا عقب الإعلان عن وقوع عملية اختطاف له ولمعاونيه! في أغسطس (1978م) حيث وجهت إليه دعوة من العقيد معمر القذافي لزيارة طرابلس!
لم يكن بري «في يوم من أيام حياته داعية من دعاة الشيعة أو مرجعًا من مراجعهم، ولم يكن من الذين يصلون ويترددون على مساجد الشيعة وحسينياتهم» بل على النقيض من ذلك «كان من دعاة القومية والعلمانية، ومن الشباب المتحمس لأفكار وتصورات حزب البعث العربي الاشتراكي»، لكنه استغل البعد الطائفي ووظفه لصالح المكاسب السياسية! وهو القادم من ولاية «ديترويت» بالولايات المتحدة الأمريكية!
وقد كان بقاءه كزعيم لحركة أمل الشيعية لممارسة التصفية والإبادة الجماعية بحق السنة والفلسطينيين في لبنان ضرورة في تلك المرحلة! حتى يظل للمرجعيات الدينية للشيعة النقاء والبريق الأخاذ في نفوس الأتباع! وبالفعل بعد أن استنفدت حركة أمل بزعامة نبيه بري أدوارها تمَّ تشكيل حركة جديدة للشيعة تظهر الوجه الآخر النظيف «للعملة»!!
وظلت أمل كعامل موازنة سياسية، تتبادل الأدوار مع حزب الله، كما شاهدنا ذلك في عملية «الوعد الصادق»!
وأما الخلاف الذي دار بين جناحي الطائفة والصراع الذي وقع بينهما في فترة معينة! فهو مقصود لإيجاد الغطاء الأدبي لعملية التجميل! التي لو سارت بشكل سلس لأثارت كراهية سنة لبنان وفلسطين والعالم من المولود الشرعي لأمل! كما أن تنافس محور إيران سورية على ولاء زعامة الطائفة لواحد منهما أثر في تأجيج حالة الخلاف والصراع!
لكن الوضع الراهن والحدث الأخير أبديا مدى الانسجام القائم بين الحركة والحزب وقياداتهما التي تلعب أدوارًا متبادلة في السياسة والميدان! وإن كان حزب الله يحظى بالقبول شعبيًا وإيرانيًا واستطاع خطف الأضواء على الحركة الأم بتبنيه المقاومة! وسلاحه المبرر بها!
الشيء ذاته كان عام (1983م) حين وقفت الحركتان في خندق واحد ضد الجيش اللبناني، فكانت قوات أمل وحزب الله تتلقى أوامرها من نبيه بري وحده! وتناسى حزب الله نقد واستنكار حسين الموسوي، زعيم أمل الإسلامية، تعاون عناصر (أمل) في الجنوب مع العدو الصهيوني، بعد الاجتياح الإسرائيلي عام (1982م) وبعد اختلافه مع بري!

 
حزب الله والتوظيف الخارجي!
يقول صبحي الطفيلي: كان فيه مشكلة.. فيه دم في لبنان! وأمل مدعومة من سورية! حزب الله مدعوم من إيران! ونحن نتذابح في الداخل! وأريد أنا حقيقة أن أوصل قناعتي إلى سورية أني لست ضدكم، وليس حزب الله ضدكم، وليس حزب الله ضد أمل، بل بالعكس هناك أبواب واسعة للتعاون والتفاهم هذا ما أريد أن أوصله ليست مسألة مبايعات وغير مبايعات، نحن لا نبايع إلا الله نحن مع إيران ومع الإمام الخميني، أي إنسان أمشي معه يجمعني وإياه الفكرة لا تجمعني وإياه التبعية أبدًا ولا أقبل أن أكون تابعًا لمخلوق!([103]).
بهذه العبارة يجلي الرجل الأول لفترة ما في حزب الله طبيعة العلاقات والتداخلات التي كانت تشكل تكتلات الطائفة الشيعية خلال السبعينات والثمانينات.. والتي لا تزال قائمة إلى وقتنا الراهن! يقول حسن نصر الله: «سورية وإيران أصدقاؤنا وحلفاؤنا وأحباؤنا وأعزاؤنا! ونعتز ونفتخر بهم»! ويضيف: «أنا على رأس السطح أقول: أنا صديق سورية وحليف سورية وأتعاون مع سورية، وفيه مشتركات بيني وبين سورية»!([104]).
وقد سبق لنا الحديث عن الحليف الأول لحزب الله! وأتينا على ذكر الحليف الثاني في إطار حديثنا عن حركة أمل! لكننا نضيف هنا بعض الإيضاحات الضرورية في هذا السياق!
سورية الصمود..!([105])
انطلاقًا من مبدأ العلمانية وتحييد الدين عن الدولة انطلقت بعض الأحزاب والأنظمة العربية في رؤيتها وإدارتها للسلطة! ومن هنا فإن هذه الأنظمة رفضت الفرز والتمييز الديني أو الطائفي أو المذهبي أو العرقي أو الجنسي في تعاملها مع عناصرها أو مواطنيها -فيما يفترض! وبالتالي فقدت البيانات التي تشير إلى طبيعة مكونات المجتمع أو النخبة الحاكمة في أغلب البلدان العربية!
غير أن هناك حقيقة أخرى وراء غياب هذا التمييز والفرز في البيانات الرسمية! فقد عمدت بعض الطوائف والأعراق والفرق المذهبية لتبني العلمانية ونشر أفكارها فيما عرف في التنظيمات والأحزاب السياسية بشكل أبرز بغية الانقلاب على الواقع القائم، والذي يصب في مصلحة طائفة أخرى أو عرق آخر! وفي حين تسلمت هذه الأحزاب السلطة مارست التمييز والفرز على أساس ديني أو طائفي أو عرقي للاعتماد على الولاءات العصبية لهذه المعاني في الإمساك بمقاليد السلطة!
وهذا ما حدث بالفعل مع حزب البعث النصيري في سورية! لذا فإننا لا نجد بيانات رسمية أو أكاديمية متوفرة حول مسألة تركيبة المجتمع السوري الطائفية والدينية! غير أن من المعلوم أن نسيج المجتمع السوري يتكون من عرب وأكراد وشركس وأرمن وغيرهم.. هذا من ناحية الأعراق والجنس، أما من ناحية الديانات والطوائف فهناك سنّة وشيعة ومسيحيون ودروز وعلويون وأقليّة يهودية!
وتفيد بعض التقديرات إلى أن العرب المسلمون السنّة يشكّلون الأكثرية الكبرى في المجتمع السوري([106])! حيث تقدر نسبتهم 70%، يليهم الأكراد السنة بنسبة 8%، والعلويون العرب 8%، و8% من المسيحيين (العرب الأرثوذكس في الدرجة الأولى)، و2-3% دروز عرب، و1% شيعة (عرب وسواهم) !
وهناك أقل من 1% من السنّة (الشركس)، وأقل من 1% من أقليات أخرى كاليزيدية والإسماعيلية ومنها عدة آلاف من اليهود!
ويحكم سورية اليوم حزب البعث العربي الاشتراكي، في حين أن كافة مراكز ودوائر السلطة بيد طائفة النصيرية، أو من يعرفون بالعلويين! وهي طائفة «نشأت في القرن الثالث الهجري نتيجة انقسامات في تاريخ الشيعة، وتعود تسميتها بالنصيرية النميرية، إلى مؤسسها (أبو شعيب محمد بن نصير البصري النميري) الذي توفي عام (270هـ-884م)، وقد زعم -بعد ما عٌرف بغيبة الإمام محمد المهدي، الثاني عشر في السلسلة الجعفرية- أنّه أي: ابن نصير- يمثل الباب إلى السرداب الموصل إلى الإمام الحسن العسكري، الحادي عشر في السلسلة نفسها، وادّعى النبوة لاحقًا وتابعه ورثته وأضافوا تعاليم عديدة لحركته»، لكنها لا تزال عقائد سرية لا تسمح الطائفة لنشرها خارج أتباعها! ويؤكّد علماء الإسلام المعتبرون، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، أنّ هذه التعاليم تُخرج من يعتنقها من دائرة الإسلام!
وقد شهد تاريخ الطائفة النصيرية قديمًا خيانات عدة بحق الأمة، فقد قدم النصيريون في بلاد الشام العون للغزو المغولي، وبعد أن تغلب الظاهر بيبرس على المغول في معركة عين جالوت ((1268م))، عاد لمقاتلتهم والقضاء عليهم وعلى معاقلهم ونفوذهم في سواحل الشام.
كما وقف النصيريون في العصر الحديث إلى جانب الاستعمار الفرنسي، الذي سعى للاعتماد على الأقليات من جهة، وعلى سياسة التجزئة والتفرقة من جهة أخرى، لذا ارتفع عدد النصيريين في الجيش في عهد الاستعمار الفرنسي بشكل ملحوظ، وظهرت تسميتهم بالعلويين، حيث أقدم الاحتلال الفرنسي في إطار تجزئة الأراضي السورية على إنشاء «دولة العلويين»، فبقيت بين عامي (1920م) - (1936م)، وانتهت مع الشروع في مفاوضات الاستقلال، رغم احتجاجهم في رسالة وقّعها إبراهيم الكنج وخمسة آخرون من زعمائهم يوم (11) يونيو (1936م)، ووجّهوها إلى حاكم اللاذقية الفرنسي آنذاك.
و«طوال فترة الاستقلال وحتى عام (1970م) كانت منطقة العلويين ومناطق أخرى، لا سيما حوران في الجنوب، ودير الزور في الشمال الشرقي، شبه مهملة من جانب الحكومات العسكرية وغير العسكرية السورية، التي ركّزت سيطرتها وجهودها في مختلف الميادين على دمشق وحلب أكثر من سواهما».
وحتى يتمكن العلويون من إعادة دولتهم التي فقدوها مع رحيل الاستعمار عملوا على محورين مهمين هما: تكثيف وجودهم على الصعيد العسكري في صفوف الجيش وفي الأحزاب القومية واليسارية!
فكان لهم وجودهم المكثف في: حزب البعث العربي الاشتراكي بدعواته القومية العربية، وكان منهم معظم من برزت أسماؤهم لاحقًا في المناصب القيادية للدولة، مثل حافظ الأسد وصلاح جديد وإبراهيم ماخوس وغيرهم، وفي الحزب القومي السوري الذي أسسه أنطون سعادة عام (1932م)، بدعواته العلمانية والقومية السورية التي عرفت بعنوان «الهلال الخصيب»، وكان من أبرز قادتهم فيه غسان جديد من العلويين، وهو الحزب الذي حمل لاحقًا اسم: الحزب القومي السوري الاجتماعي، وتلقّى ضربة شبه قاضية بعد حادثة اغتيال رياض المالكي.
وكان بعضهم بنسبة محدودة في أحزاب أخرى، مثل محمد سليمان الأحمد الذي اشتهر بلقب الشاعر بدوي الجبل في الحزب الوطني.
وكانت سورية في الفترة التاريخية بين عامي (1950م) و (1970م) قد شهدت أشدّ فترات الصراع ما بين التيارات والأحزاب المتعدّدة، على محورين: محور التيارات الإسلامية والعلمانية، ومحور أجنحة حزب البعث فيما بينها! وقد لعبت جماعة حافظ الأسد وصلاح جديد دورًا مهمًا في انتشار العلويين في الجيش والحزب، واستطاع حافظ الأسد الذي كان ينحاز مع مجموعته إلى الطرف المنتصر في الصراع أن يقوض نفوذ الزعماء التقليديين للحزب ليكون انقلاب (1970م) بمثابة الضربة الأخيرة، التي تلتها حملة تطهير عسكرية وسياسية كبرى! وضعت أكثر من 80% من سائر المناصب القيادية في الدولة والجيش والمخابرات في أيدي العلويين!
واقترن الوضع الجديد بتسريحات واعتقالات في صفوف الجيش والمخابرات بأعداد لم تشهدها سورية الحديثة من قبل، كما اقترن بتشكيل عدد من المليشيات المسلّحة بمستوى قريب من الجيش نفسه، واشتهر منها «سرايا الدفاع» التي تزعّمها رفعت الأسد في حينه، وسرايا الصراع بزعامة عدنان الأسد، والقوات الخاصة بزعامة علي حيدر، بالإضافة إلى تشكيل بضعة عشر جهازًا من أجهزة المخابرات، أبرزها المخابرات الداخلية بزعامة محمد ناصيف، وأمن القوى الجوية بزعامة محمد الخولي.
ومع هيمنة العلويين هيمنة كاملة على السلطة، بمشاركة صورية لسواهم من السنة دون أن يكون لهم قوّة فاعلة في السبعينات، انطلقت حملة استئصال القوى الأخرى وإقصاء رموزها، بدءًا بزعماء حزب البعث، كصلاح البيطار وميشيل عفلق ومنيف الرزاز ويوسف زعيّن، وحتى بعض العلويين أنفسهم مثل صلاح جديد.. وانتهاء بالحركات الإسلامية السنية والوجود الفلسطيني في المخيمات والمعسكرات الخاصة بالقوى الفلسطينية!
وقد لفتت خصوصية العلاقات السورية الإيرانية الانتباه منذ ما يربو عن خمسة وعشرين عامًا، أي: منذ قيام الحرب العراقية الإيرانية ووقوف نظام البعث النصيري إلى جانبها في حربها ضد العراق! ولم تمثل هذه العلاقة عامل قلق للولايات المتحدة الأمريكية التي كانت بدورها تقدم دعمًا عسكريًا لإيران، فيما عرف بعد ذلك بـ «إيران غيت»! في حربها مع العراق!
وظلت النظرة الأمريكية للعلاقات السورية الإيرانية بعد حرب الخليج الأولى على حالها، فلم تعر هذه العلاقة كثير اهتمام، ولم تمثل بالنسبة لها عامل استفزاز، ولم يؤثر عن المسئولين الأمريكيين خلال تلك الفترة تعليقات محددة يستشف منها قلقًا من هذه العلاقة، وربما قد يكون مما ساعد على ذلك دخول سورية ضمن التحالف الدولي الذي قادته واشنطن لإخراج الجيش العراقي من الكويت (1990م-1991م)، والدعم الذي قدمه السوريون لهذا التحالف آنذاك، وبمقتضاه قبض النظام النصيري «تفويضًا أمريكيًا دوليًا لحسم الأمور لصالح سورية في لبنان، وهو ما حدث عندما تدخلت القوات السورية وأخرجت العماد ميشيل عون من قصر الرئاسة وأطاحت به دون أن يثير تدخلها احتجاجًا دوليًا كما جرت العادة في مثل هذه الأمور»!([107]).
 وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية بدأت تظهر على السطح بوادر الانزعاج الأمريكي من تنامي العلاقات السورية الإيرانية، ومعها بدأت تتوالى التعليقات الأمريكية الناقدة لهذه العلاقة، وشيئًا فشيئًا حددت واشنطن قضايا بعينها اعتبرتها أسبابًا لتوتير علاقاتها مع دمشق، وكان التقارب السوري الإيراني ووقوف سورية إلى جانب حزب الله جزءًا من هذه القضايا!
الحلف القديم وميثاق الشيطان:
علاقة حزب الله مع سورية قديمة باعتبار أن حزب الله وليد حركة أمل التي كانت أداة في يد النظام البعثي النصيري، ومدخلًا للاجتياح السوري للبنان! لذا فلا غرابة من موقف الأحزاب الشيعية في لبنان -أمل وحزب الله- المخالف لإجماع الطوائف اللبنانية والراغب في بقاء سورية في لبنان! والمدافع عن الدور الذي قامت به خلال فترة سيطرتها لهذا البلد! يقول رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله: «إننا نؤكد بأن الوجود السوري في لبنان هو قوة تدعم الموقف اللبناني، وتعارض الطموحات والاحتلال الإسرائيلي، وهذا كاف بالنسبة لنا لتبرير الوجود السوري في لبنان»!([108]).
ولا ينتقد حزب الله دور سورية في تصفية المقاومة الفلسطينية في لبنان ومجزرة تل الزعتر وغيرها! وفي المقابل فإن ما يقوم به حزب الله نيابة عن سورية، التي تحتل إسرائيل جزءًا منها، من عمليات ضد إسرائيل تحسن من صورة حزب البعث النصيري كداعم لهذه المقاومة ومساند لها! وهو الشيء ذاته الذي تحققه إيران من حزب الله!
يقول حسن نصر الله: «يجب أن نذكر كل من ربّى وهيّأ وأسّس لهذا الخط الجهادي المقاوم في لبنان، يجب أن نذكر إمام المجاهدين والشهداء الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني، يجب أن نذكر أول مؤسس لخط المقاومة على الأرض اللبنانية سماحة الإمام المغيّب السيد موسى الصدر -أعاده الله بخير- يجب أن نذكر كل العلماء المجاهدين المضحّين، وكل المربين والمفكرين، وكل الذين عملوا ليكون هنا في لبنان شعب مؤمن ومجاهد ومقاوم وصامد ومستعد للتضحية»!
«وإلى جانب لبنان، هناك رجلان يجب أن يُذكرا، وهناك دولتان يجب أن يُعترف لهما بالفضل، وأن يُنسب النصر إليهما أيضًا. أعني: الجمهورية الإسلامية في إيران، وسورية الأسد، والقائد الخامنئي، والقائد العربي الكبير الرئيس حافظ الأسد. هذه حقيقة، من أراد أن يكون منصِفًا وعادلًا في تشخيص الحقائق، يجب أن يعترف بهذه الحقيقة»!
«القائد آية الله العظمى السيد الخامنئي الذي أيّد ودعم وساند ودعا لهؤلاء المجاهدين في الليل وفي النهار حتى ينصرهم الله، والجمهورية الإسلامية التي وقفت إلى جانب لبنان وسورية وفلسطين، ودعمت وتحمّلت الكثير من أشكال التهويل والتهديد من جهة، وأشكال الترغيب والإغراء من جهة أخرى، حتى تتخلى عن دعمها للبنان ولسورية وللشعب الفلسطيني، فرفضت لأن الموقف هنا هو موقف عقائدي، هو موقف إيماني، هو موقف أخلاقي وإنساني، فوق كل حسابات المصالح السياسية»!
«وسورية الأسد التي حمت المقاومة واحتضنتها وحرستها منذ الانطلاقة الأولى وعلى كل المفاصل الصعبة، من يمكن أن ينسى سورية سنة (1982م) وهي تقاتل على الأرض اللبنانية؟ من يمكن أن ينسى الرئيس الأسد في حرب تموز (1993م) ؟ من يمكن أن ينساه في حرب نيسان (1996م) ؟ من يمكن أن ينساه صلبًا صامدًا في دمشق وقد احتشد العالم كله في شرم الشيخ لإدانة المقاومة ووصفها بالإرهاب وللدفاع عن إسرائيل؟»!([109]).
وتطرق نصر الله إلى الاتهامات التي وجهت إلى سورية وإيران في الحدث الأخير للاستفادة من النزاع في لبنان لتحقيق مكاسب سياسية! قائلًا: إن هذين البلدين «ما زالا يقفان إلى جانب لبنان وشعبه ومقاومته، ويوظفان كل إمكانياتهما لوقف العدوان الصهيوني على لبنان بعيدًا عن المزايدات والاستعراضات حتى لا يتهما بالدخول على خط الأزمة لتوظيفها لمصالح إقليمية»!([110]).
إن علاقة حزب الله بسورية علاقة مصير -إن صح التعبير- فما كان الحزب ليستطيع الوقوف على قدميه بعد تشكيله لولا رعاية سورية له وسماحها للدعم والاتصال الإيراني معه! في فترة كانت تسيطر فيها على مقاليد الأمور في لبنان! إذ أن «سورية كانت بمثابة الختم الذي يتيح للتأشيرة الإيرانية الدخول إلى الأراضي اللبنانيّة»!
ولن ينسى حزب الله لسورية موقفها من بقاء سلاحه بيده، وهي التي فوضت بنزع سلاح جميع الفصائل والطوائف المتناحرة في لبنان، استنادًا لاتفاق الطائف القاضي بحل المليشيات العسكرية وسحب سلاحها!
ونختم هنا الحديث بمقولات بعض الزعامات اللبنانية حول سورية، يقول الزعيم الماروني ريمون اده -لصحيفة الليموند الفرنسية، في (14/7/1977م): «إن حافظ أسد في وضع يمكنه بالتأكيد من قيادة طغمة بهذه الخطورة! ولو لم يقل بأنه كان واحدًا من منفذي المخطط الأمريكي الرامي إلى تقسيم لبنان، فإن حافظ أسد كانت له مصلحة في تدبير معركة بين اللبنانيين والفلسطينيين ليدعي بعد ذلك لعب دور المنقذ»!!
ويقول الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، في كتابه (هذه وصيتي): «لم نكن نعتقد بإمكانية خطر تدخل عسكري سوري، وربما لأننا لم نكن على علم تام بالعلاقات القائمة بين واشنطن ودمشق! ولا بضغوطات واشنطن على إسرائيل! ولم نكن نعلم أن الميثاق الشيطاني قد أبرم»!([111]).
و«طبعًا ما كان ليكون حزب الله في جنوب لبنان حاميًا للحدود لولا الموقف الإيراني أيضًا»!!([112]).

 
الصورة الكاملة لـ«حزب الله»
حزب الله الفكرة والانتماء:
بدأ نشاط الشيعة في لبنان يتنامى في الستينات، حيث شهدت هذه الفترة «بدايات حركة علمائية نشطة»، من خلال «النشاط الذي قام به بعض العلماء القادمين من الحوزة الدينية في النجف الأشرف، وذلك من خلال الدروس والمحاضرات والحوارات الثقافية»! ثم امتد تدريجيًا «لإقامة أنشطة ثقافية على امتداد المناطق اللبنانية في دوائر ضيقة ومحدودة»، ثم نتيجة إقبال الشباب وجمهور الناس تشكلت «جمعيات صغيرة» تهتم بمحيطها وتقوم بدور «ثقافي وخدماتي»! وبدأ يبرز اسم ثلاثة من علماء الطائفة النشطين هم موسى الصدر، ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله!
وقد ارتبط اسم فضل الله بحزب الله «بشكل وثيق في السنوات الأولى لتأسيس الحزب»، فقد اعتبره أتباع الحزب رمزًا يحمل رؤية قائد الثورة الإسلامية! في إيران الإمام الخميني! وبالرغم من عرض قيادة الحزب عليه إلا أنه رفض «الانخراط في العمل الحزبي التنظيمي»!
«في ظل هذه الأجواء نجحت الثورة الإسلامية المباركة في إيران بقيادة الإمام روح الله الخميني (قده) سنة (1979م)، فاستقطبت المؤمنين بالإسلام، الذين عبروا عن مناصرتهم لها من خلال تحريك تظاهرات الدعم والتأييد لها باسم اللجان المساندة للثورة الإسلامية في إيران، ودفعتهم إلى التواصل مع أركان الدولة الإسلامية! الفتية! وعلى رأسهم الولي الفقيه الإمام الخميني (قده) ».
في هذا الوضع «واكب التعطش للثورة الإسلامية الحاجات الناشئة والملحة لحيوية سياسية في بلد كلبنان»! و«ناقش الإسلاميون داخل أطرهم وفيما بينهم كيفية النهوض ومواكبة متطلبات المرحلة في لبنان، والاستفادة من التجربة، والإشعاع الإيراني الجديد» واكب هذا النقاش «تواصل مع أركان الدولة الجديدة للتعارف والاطلاع وقراءة ما أنجز في إيران»!
وأثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام (1982م)، توجه تسعة من قيادات الشيعة إلى طهران لعرض فكرة إنشاء تشكيل إسلامي موحد في لبنان ينطلق من مبدأ القيادة الشرعية للولي الفقيه، كخليفة للنبي والأئمة! ولقيت الفكرة ترحيبًا من الخميني! «فاكتسبت شرعية تبني الولي الفقيه لها»!
ومن هنا بدأ انطلاق مشروع التنظيم الجديد للشيعة في لبنان وتحت مسمى «حزب الله»! الذي استنهض الناس «للتدريب العسكري، ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي، في إطار المنهج الإسلامي المرتبط بقيادة الولي الفقيه»! و«ترافق ذلك بالتضامن الإيراني الإسلامي مع لبنان وسورية، حيث أمر الإمام الخميني (قده) الحرس الثوري الإيراني بدعم لبنان في مواجهته لإسرائيل»!
بهذه الخلاصة التي استخلصناها من كتاب: «حزب الله المنهج.. التجربة.. المستقبل» لنعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، حول ظروف النشأة يتجلى لنا مدى الارتباط الوثيق بين حزب الله وبين إيران منذ نشأته! وهذا الارتباط يتمثل في:
-    الإيمان بولاية الفقيه كأساس لقيام حزب الله في لبنان! وأنه بحسب ما ورد في الكتاب «الذي يرسم الخطوط العريضة للعمل في الأمة، وأمره ونهيه نافذان»! لذا كانت نشأة الحزب بعد موافقة الخميني كمرجعية شرعية عليه لإكسابه الشرعية!
-    استلهام تجربة الثورة الإسلامية في الرؤية، فقد كان علم حزب الله الذي يرفعه أنصاره هو العلم الرسمي لجمهورية إيران الإسلامية!([113]) ثم تبنى علمًا آخر، هو نفسه الحالي ولكن بعبارة «الثورة الإسلامية في لبنان» والذي تبدل إلى «المقاومة الإسلامية في لبنان»!
-      الدعم المادي والمعنوي، الذي انطلق مع اجتياح إسرائيل للبنان عام (1982م).
وبالتالي يأتي طرح سؤال ملح للوهلة الأولى في مدى طائفية الحزب الذي لا يزال منغلقًا في قياداته وأتباعه على طائفة الشيعة، لذا فلم يخل هذا الكتاب من الإشارة لهذه المسألة بصورة مباشرة «حزب عقائدي أم طائفي؟»، (ص:40)، يقول المؤلف: «مع وجود المذاهب الإسلامية المتعددة كطرق اختارها أصحابها للتعبير عن قناعاتهم بالسبيل الموصل إلى الالتزام بالشريعة المقدسة، كان لابد من اختيار إحدى هذه الطرق، فكان اختيار مذهب أهل البيت عليهم السلام أو المذهب الشيعي كالتزام وتبن يترتب عليه مجموعة قواعد في الأصول والفروع....».
وفي حين أن الاجتماع الطائفي المذهبي «يجمع على عصبية الانتماء والولادة بصرف النظر عن المضمون»! والاجتماع العقدي المنهجي «يجمع على القناعة والالتزام وله ضوابطه وأدبياته وحركته العلمية»! فإن حزب الله باعتبار اختياره للإسلام وفق منهج أهل البيت عن قناعة اجتماع عقدي! و«من الطبيعي أن يجتمع حول الأهداف المختارة ثلة من المؤمنين بها....»! «فإقبال قسم من الشيعة على حزب الله هو إقبال على الانتماء العقائدي لا الطائفي..»!
إذن فطبيعة نشأة الحزب، وطبيعة صلاته وروابطه، وطبيعة اجتماعه تفرض على كل من يريد قراءة الحزب وسياسته وتجلياته وتحركه ومواقفه أن يستحضر عقيدته التي يؤمن بها والطائفة التي ينتمي إليها! وهذا ما لا يغيب عن لغة القيادة وأدبيات الحزب في كل المناسبات!
ومن هنا نجد أن مؤلف الكتاب -مثلًا- يرى أن «قرار الجهاد مرتبط بالولي الفقيه، الذي يشخص الحالة التي ينطبق عليها عنوان الجهاد الدفاعي»! وهذا خلاف رأي علماء السنة الذين لا يشترطون لجهاد الدفع إذن الحاكم أو فتوى العالم أو استئذان الأبوين أو الزوج إذا تحقق غزو العدو للبلد!
لذا فإن منطلقات حزب الله في المقاومة لا تقوم على مبدأ وجوب مقاتلة العدو الصائل، كما هو الحال مع جهاد الشعب الأفغاني ضد السوفييت قديمًا وأمريكا حاليًا، ومع جهاد أبناء العراق ضد الاحتلال الأمريكي، ومع جهاد الشيشانيين ضد الروس، بل لكون «وجود وتوجيه الولي الفقيه المتمثل بالإمام الخميني (قده) ومن بعده بالإمام الخامنئي (حفظه الله) حقق النموذج التطبيقي لإرادة الجهاد بطريقة واقعية وعملية وفاعلة»!([114]).
وأعظم قدوة في التربية على الشهادة -حسب وصف الكاتب- استشهاد الحسين رضي الله عنه، وسبعين من أهل بيته وأصحابه دفاعًا عن الإصلاح في الأمة!! وعليه فـ«لم تحصل حادثة في التاريخ أعظم من واقعة كربلاء»!! و«عندما يتربى المجتمع على نموذج الإمام الحسين -عليه السلام- وأصحابه يأخذ مددًا من سلوكهم»!!
إذن فالحزب يلغي تاريخ الأمة منذ عهد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وجهاد الصحابة معه، وفتوحات الخلفاء الراشدين لرؤية طائفية للتاريخ!
ولأن ولاية الفقيه مسألة مستحدثة في المذهب الشيعي الجعفري الإثني عشري، فقد خصص الكاتب لهذه القضية مبحثًا خاصًا بهذا العنوان «ولاية الفقيه» (ص:68).
وفي رؤية الكاتب تعد «الولاية ضرورية لحفظ وتطبيق الإسلام، فلا يمكن التعاطي مع المشروع الإسلامي الكبير بمبادرات فردية أو أعمال منفصلة عن بعضها البعض، بل لابد من خط عام يربط الأمة عمليًا مع بعضها البعض، وهذا الذي يتم من خلال قيادة الولي الفقيه ورعايته»!
وفي ثنايا الحديث عن «صلاحيات الولي الفقيه» يذكر المؤلف أن «ظروف العلماء والمؤمنين -ويقصد بهم طائفة الشيعة قطعًا- لم تكن سانحة في السابق للتعبير عن ولاية الفقيه عمليًا حتى في الإطار الأضيق من إقامة الدولة الإسلامية لعدم وجود السلطة بأيديهم» ويضيف بأن «تصدي الإمام الخميني (قده) لولاية الأمر لم يسبقه مثيل منذ زمن الأئمة عليهم السلام»! وهذه النظرة تؤكد عدم إيمان حزب الله، والشيعة من ورائه، بشرعية الدول الإسلامية جميعًا التي حكمت العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه! خاصة إذا علمنا أن المؤلف نفسه يؤكد على كلام الإمام الخميني بشأن أن صلاحيات النبي عليه الصلاة والسلام وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليست بأكثر من صلاحيات الفقيه «فالصلاحيات نفسها التي كانت للرسول عليه الصلاة والسلام والأئمة عليهم السلام في تعبئة الجيوش وتعيين الولاة والمحافظين واستلام الضرائب! وصرفها في مصالح المسلمين قد أعطاها الله تعالى للحكومة المفترضة هذه الأيام»!([115]).
ومن هذا الإيمان يذهب الكاتب للقول بأنه «لا علاقة لموطن الولي الفقيه بسلطته» وبالتالي فقد كان الإمام الخميني «يحدد التكليف السياسي لعامة المسلمين في البلدان المختلفة...»! «لأن الآمرية في المسيرة الإسلامية العامة للولي الفقيه المتصدي»! و«لا خشية من التعارض مع عيش المكلفين في البلدان المختلفة، فالحدود التي يضعها الولي الفقيه تأخذ بعين الاعتبار مسألتين: الأولى: تطبيق الأحكام الشرعية، وعدم القيام بما يخالفها. الثانية: الظروف الموضوعية والخصوصيات لكل جماعة أو بلد»! ومن هنا فـ«إن التزام حزب الله بولاية الفقيه حلقة من هذه السلسلة، إنه عمل في دائرة الإسلام وتطبيق أحكامه، وهو سلوك في إطار التوجهات والقواعد التي رسمها الولي الفقيه، ثم تكون الإدارة والمتابعة ومواكبة التفاصيل والجزئيات!!! والقيام بالإجراءات المناسبة!!! والعمل السياسي اليومي»!([116]).
إذن نخلص من هذه المسألة أن حزب الله ملتزم بتوجيهات الولي الفقيه من باب كونها «عمل في دائرة الإسلام وتطبيق أحكامه»! وأن صلاحياته في هذا الشأن لا تتجاوز كونها «سلوك» في إطار «التوجيهات والقواعد التي رسمها الولي الفقيه»، سلوك لإدارة ومتابعة ومواكبة التفاصيل والجزئيات والإجراءات المناسبة والعمل اليومي!!!
أما إذا «واجهت قيادة الحزب قضايا كبرى تشكل منعطفًا في الأداء أو تؤثر على قاعدة من قواعد العمل أو تعتبر مفصلًا رئيسًا أو تتطلب معرفة الحكم الشرعي فيها عندها تبادر إلى السؤال أو أخذ الإذن لإضفاء الشرعية على الفعل أو عدمه»!!!([117]).
وبعد هذا الوضوح يعود الكاتب ليؤكد على «هوية» حزب الله اللبنانية التي فرغت من أي معنى! «فإن عمل حزب الله يوائم بين إسلامية المنهج ولبنانية المواطنة! فهو حزب لبناني بكل خصوصياته ابتداء من الكادر والقيادة مرورًا بالعناصر»!
ويخلط المؤلف بين هذا الترابط المصيري بين حزب الله وإيران وبين العلاقات الرسمية بين لبنان وإيران واضعًا الجميع في سلة «تقاطع المصالح»! متغافلًا أن «قناعة حزب الله بسلامة منهج الدولة الإسلامية الإيرانية وما أحدثته من تغيير في خارطة المنطقة باتجاه الاستقلال عن التبعية للغرب وما تحمله من رؤية إسلامية واعدة!!» لا تمثل تقاطعًا للمصالح بهذا المعنى بقدر ما هي «عضوية كاملة» في البعد الإقليمي للثورة الإسلامية! في إيران!!([118]).
حزب الله المسيرة والتاريخ:
جاء حزب الله نتيجة انقسام داخلي في حركة أمل بين تيارين أحدهما ديني والآخر علماني، كما يصفه بعض قادة حزب الله، وكان لكل منهما توجهه الذي لا يتوافق مع الآخر، ومما عزز هذا الانقسام غياب الصدر -المؤسس للحركة- نتيجة اختطافه في ليبيا عام (1978م)، وقيام الثورة الإسلامية! في إيران عام (1979م)، وطرح قيادة أمل للحلول السياسية كأسلوب للتعامل مع الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي حدا بفريق من قيادة الحركة (أمل) للانشقاق أو الخروج، وعقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام (1982م) وبفعل وصول الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان والذي استطاع أن يشكل عامل جمع تمّ الاتفاق على فكرة التنظيم الإسلامي الموحد المؤمن بولاية الفقيه، و«التي تتجسد حاليًا بالإمام روح الله الخميني» و«عليه فإن القائد وولي الأمر والإمام هو الخميني، وبالتالي فإن التوجيهات التي سيعطيها ستكون ملزمة لهذه الحركة»!([119]).
بعد أن انطلقت فكرة حزب الله وأخذت شرعيتها بموافقة الولي الفقيه في طهران، جاء دور التسمية، حيث جاءت التسمية متأخرة عن الفكرة، ففي مايو (1984م) قرر مجلس شورى الحركة (المكون من خمسة أفراد) «اعتماد تسمية ثابتة وشعار مركزي يتصدر كل البيانات، هو (حزب الله- الثورة الإسلامية في لبنان) ! وأنشئ في الوقت نفسه المكتب السياسي وأقر إصدار المطبوعة الأسبوعية (العهد)، وارتفع عدد أعضاء الشورى إلى سبعة».([120]) وكل ذلك لم يكن أمرًا معلنًا!
وبعد تلقي كوادر الحزب التدريبات العسكرية من قبل كوادر فتح وأمل، التي تدربت هي الأخرى على كوادر فتح، قاموا بعدة عمليات أثرت في حينها في الجيش الإسرائيلي، وشيئًا فشيئًا زاد التحاق العناصر الشبابية بالحزب، حيث استقطبت إمكانيات الحزب المقاتلين، فحسب كتاب «الحروب السرية» بلغت الأجرة الشهرية للمقاتل في حزب الله خمسة آلاف ليرة لبنانية، وهي أعلى أجرة يتقاضاها مقاتل في لبنان عام (1986م)، لدرجة أن مقاتلي أمل راحوا بهدف الكسب يهجرون صفوف الحركة للانخراط في حزب الله!
و«كان للخدمات التي نشط الحزب في تقديمها للجماهير وبخاصة في الجنوب اللبناني أكبر الأثر في زيادة شعبيته، فقد نشط الحزب في إقامة المدارس والجمعيات الخيرية التي تعنى بأسر الجرحى والشهداء، ومن هذه المؤسسات على سبيل المثال:
-  مؤسسة جهاد البناء: التي تأسست عام (1988م)، وتضم العديد من المهندسين والفنيين والعمال، وتتخصص في حفر الآبار وإعداد الدورات التدريبية في مجال الزراعة والبيطرة.
-   الهيئة الصحية الإسلامية: ولها فروع عدة بلغت (47) فرعًا تنتشر في البقاع والجنوب بالإضافة إلى بيروت.
-   جمعية القرض الحسن: التي تأسست عام (1982م) بهدف تقديم القروض غير الربوية للمحتاجين.
-  جمعية الإمداد الخيرية الإسلامية: التي تأسست عام (1987م) وتعمل على مساعدة الأسر على الاكتفاء ذاتيًا، ورعاية الأيتام والعجزة والأرامل.
-   مؤسسة الشهيد: ومهمتها الاهتمام التربوي والتعليمي بأسر الشهداء.
-  المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم: والتي يعود تاريخ تأسيسها إلى عام (1993م) وتهتم ببناء المدارس في مختلف المناطق اللبنانية، وتحرص على أن تكون أولوية الالتحاق في تلك المدارس لأولاد الشهداء.
-   هيئة دعم المقاومة الإسلامية: التي تجمع التبرعات للمقاومة وتعقد الندوات وتقيم المعارض لزيادة الوعي بأهمية المقاومة.
وللحزب مؤسسات رياضية وثقافية وإعلامية مهمة مثل (مركز الإمام الخميني)، و (جريدة العهد)، و (تلفزيون المنار) الذي نجح في جذب قطاع عريض من المشاهدين، وقد عرض بالصورة الحية عمليات حزب الله العسكرية ضد إسرائيل».([121]) كما أن له حضور ومشاركة في العمل النقابي والاتحادات المهنية والعمالية والطلابية داخل لبنان!
ومن خلال فرض الحزب لوجوده في لبنان عبر عملياته العسكرية ضد الجيش الإسرائيلي وإثر مواجهاته المسلحة مع الجيش اللبناني عام (1983م) ومع القوات السورية عام (1987م) ومع حركة أمل منذ عام (1988م) وحتى (1990م) انتهت جميعها بخروج حزب الله أكثر شعبية وأكثر حضورًا في أوساط الطائفة!
في عام (1991م)، وفيما كانت المنطقة تشهد تغييرات جذرية، وبعد التوقيع على اتفاق الطائف، وانتهاء الحرب الأهلية، والبدء في بناء الدولة اللبنانية على أساس الاتفاق المذكور، انعقد المؤتمر الثاني لحزب الله وتمَّ فيه تنحية الأمين العام صبحي الطفيلي من منصبه كأمين عام للحزب، وانتخب نيابة عنه عباس الموسوي، لكنه اغتيل بعد ذلك بعدة أشهر، لينتخب حسن نصر الله أمينًا عامًا للحزب عام (1992م) !
شارك حزب الله لأول مرة في الانتخابات اللبنانية عام (1992م) بعد عدة أشهر من الجدل الداخلي، وحصل على (12) مقعدًا من أصل (128)، وقد اعتمد في تعبئة جماهيره على إصدار فتوى دينية تلزم بوجوب انتخاب مرشحي الحزب! كما شارك الحزب كذلك في انتخابات (2000م) وعقب انسحاب إسرائيل عاد الحزب ليحصل على (12) مقعدًا، ويؤكد صبحي الطفيلي، في حواره مع الجزيرة، أن حزب الله شارك في الانتخابات والحكومة اللبنانية بدافع من إيران!
في عام (16/2/1985م) وبمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد راغب حرب تلا الناطق الرسمي باسم الحزب إبراهيم أمين السيد رسالة مفتوحة جاء فيها تحت عنوان من (نحن؟ وما هي هويتنا؟) «إننا أبناء أمة حزب الله، التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم».... «نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه والجامع للشرائط، وتتجسد حاضرًا بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظله»!
وجاءت هذه الرسالة المؤلفة من (48) صفحة كـ«خطاب مفتوح موجه من حزب الله إلى المسحوقين في لبنان والعالم»، ينص فيه على أن أحد أهدافه هو إقامة جمهورية إسلامية في لبنان! وكان على غلاف البيان صورة الخميني!
ولم تخل علاقة الحزب بسورية «من مصادمات بين الطرفين كانت أشدها عام (1987م) حيث سقط من حزب الله أكثر من عشرين قتيلًا، ولكن استطاع الطرفان تجاوز الخلافات والوصول إلى رؤية مشتركة برعاية وتدخل إيراني، وبلغت هذه العلاقة مراحل متقدمة بعد استلام حسن نصر الله قيادة الحزب»! كما «دخل الحزب عام (1988م) في حرب عنيفة مع حركة أمل الشيعية أسفرت عن مقتل العشرات من الطرفين، وكان حزب الله يعتبرها حربًا مفروضة ودفاعًا عن النفس، وتركت هذه الحرب آثارًا سياسية واجتماعية سيئة على الطائفة الشيعية وكادت تقسمها إلى طرفين متعاديين، ويحرص حزب الله وحركة أمل على تجاوز هذه الحرب والتأكيد على التكامل بينهما، وهو ما حصل في كل الانتخابات البلدية والتشريعية التي حصلت في لبنان بعد اتفاق الطائف»!([122]).
في عام (1989م) جرى انعقاد مؤتمر الطائف للمصالحة الوطنية بين القوى المتحاربة في لبنان، وتمَّ الخروج بصيغة اتفاق حظيت بالأغلبية من الحاضرين في (25/11/1989م) ! إلا أن إيران كانت قلقة من هذا المؤتمر ومدى تأثيره على واقع حزب الله! كونها لم تكن طرفًا في المؤتمر ولم تدع للمشاركة، كما أن ميشيل عون كان من جملة الرافضين لاتفاق الطائف!
«حزب الله» بدوره أبدى تحفظه وقلقه من اتفاق الطائف، لكن ظروف إيران وخروج العراق منتصرًا حجم من قدرة الحزب على التأثير في مجرى الأمور، في ظل إجماع عربي على حل القضية اللبنانية برعاية المملكة العربية السعودية حينها. وبالتالي حوَّل الحزب مشروعه من إقامة «جمهورية إسلامية» في لبنان، على غرار إيران، إلى صيغة «تنظيم سياسي» محلي، فكان لابد له من طرح مشروع جديد يبقى الحزب كقوة عسكرية وسياسية مستقلة، وبالتالي استغل ورقة المقاومة!!
في (4/5/1998م) أعلن الشيخ صبحي الطفيلي ما سمي بـ«ثورة الجياع»، داعيًا إلى العصيان المدني وقطع الطرقات والمطالبة بالحقوق! وجرى على إثر ذلك مواجهة عنيفة في وسط حزب الله بين الزمرة التي يرأسها الأمين العام السابق صبحي الطفيلي والتيار الرئيسي للحركة، طرد على إثرها الطفيلي من حزب الله ليكون شخصية مهمشة، ومضطهدة ومحظورة النشاط من قبل السلطة!
خاض حزب الله معارك كثيرة ضد الإسرائيليين، لكنه تورط أيضًا في الثمانينات بمعارك «زواريب»، فاشتبك مع «أمل» ومع الشيوعيين ومع الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومع غيرهم.. هم يقولون أنه يريد احتكار المقاومة والعمل العسكري، وهو يقول: إنهم لا يريدونه أن ينتشر خطًا وفكرًا!
وحزب الله لا يزال يضع في طموحه إقامة الدولة الإسلامية، على غرار جمهورية إيران الإسلامية، إلا أنه يترقب الفرصة والظروف المواتية، يقول حسن نصر الله: «نحن لا نطرح فكرة الدولة الإسلامية في لبنان على طريقة الطالبان في أفغانستان، ففكرة الدولة الإسلامية في لبنان حاضرة على مستوى الفكر السياسي، أما على مستوى البرنامج السياسي فإن خصوصيات الواقع اللبناني لا يساعد على تحقيق هذه الفكرة، فالدولة الإسلامية المنشودة ينبغي أن تكون نابعة من إرادة شعبية عارمة، ونحن لا نستطيع إقامتها الآن لحاجتها إلى حماية»([123]).
وفي العموم فإن توسع أعمال حزب الله ما بين المقاومة والعمل الإعلامي والثقافي والخدماتي والإغاثي، وحجم الدعم الذي يتلقاه من إيران سنويًا، عن طريق المؤسسات التي يشرف عليها مرشد الثورة علي خامنئي، والمساعدات التي تقدمها حكومة إيران عبر مؤسساتها الرسمية([124])، ومشاركاته في السلطة، وحضوره في المؤتمرات الإقليمية والقومية والإسلامية، وممارسته للخطاب السياسي المنفتح جعل للحزب حضورًا فاعلًا وقويًا على الساحة اللبنانية والإقليمية، فأصبح جزءًا من المعادلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في لبنان، ومظهرًا للمقاومة الإسلامية والوطنية المنفتحة! لدى من لا يقرؤون الوثائق ولا يطلعون على الحقائق ولا يذكرون السوابق!

 
السيد([125]).. حسن نصر الله([126])
ولد حسن نصر الله في أحد أحياء بيروت الفقيرة، في أغسطس عام (1960م)، ترعرع في حالة من البؤس، وتلقى تعليمه الأساسي والثانوي في لبنان، والتحق في وقت مبكر من عمره بحركة (أمل) حيث تأثر بموسى الصدر، ثم سافر إلى (النجف) بالعراق عام (1976م) لتحصيل التعليم الديني على المذهب الجعفري الإثني عشري، وهناك تعرف على عباس الموسوي، ونشأت بينهما علاقة وثيقة، عاد إلى لبنان عام (1978م)، واستأنف نشاطه في حركة أمل عام (1979م)، حيث عين مسئولًا سياسيًا عن إقليم البقاع، وفي عام (1982م) عُين عضوًا في المكتب السياسي للحركة.
عقب الاجتياح الإسرائيلي وانفصال التيار الديني المتأثر بحركة الخميني وثورته عن خط حركة أمل بعد أن انضم نبيه بري إلى هيئة الإنقاذ الوطني والتي ضمت المسيحيين والسنة والدروز!
شارك مع الشيخ صبحي الطفيلي وعباس الموسوي وآخرين في تأسيس حزب الله عام (1982م) بعد خروجه من حركة أمل، وتدرج في مسؤوليته داخل الحزب حتى اختير أمينًا عامًا للحزب عام (1992م) إثر اغتيال عباس الموسوي الأمين العام السابق للحزب إثر غارة إسرائيلية عليه، وأعيد انتخاب نصر الله أمينًا عامًا للحزب (3) مرات بعد ذلك.
تولى نصر الله قبل وصوله إلى زعامة الحزب عدة مسئوليات منها المسئولية التنظيمية، والمسئولية السياسية، ومن ثم المسئولية التنفيذية للحزب عند انتخاب الموسوي أمينًا عامًا عام (1991م)، فكان الحلقة الوسيطة بين مجلس الشورى والقاعدة، والمسؤول عن تعميم قرارات المجلس وتنفيذها ومتابعتها، أي: أنّه تولى أكثر المهمات حساسية وهو في الواحدة والثلاثين من عمره!
وخلال فترة السجال داخل حزب الله، أعلن نصر الله عن رغبته في إكمال علومه في قم، وهو ما فسره البعض بكونه «فترة تحضير» إقليمية مكّنت الرجل من نسج علاقات جيدة، وخاصةً مع طهران ودمشق، لكنه عاد إلى لبنان عام (1990م) وسط أحداث كبيرة عاصفة: اجتياح عراقي للكويت، واتفاق الفرقاء اللبنانيون في الطائف للبدء بتنفيذه تدريجيًا، وآلية صلح (أمريكية-سورية جديدة) سمحت لدمشق بدور أكبر في لبنان بعد إطاحة العماد ميشيل عون، هذا الدور الذي رأى فيه نصر الله فرصة كبيرة لدعم المقاومة، خصوصًا مع إعلان لبنان الرسمي أنه للمرة الأولى على خط واحد معها!
يتميز حسن نصر الله بخطاباته العاطفية ولغته الدبلوماسية وإظهار ذاته كقيادة رمزية تحافظ على ودها مع الجميع! وهو في حواراته هادئ ومرن ومقنع! وفي خطبه حماسي ومرتجل! ويصفه الكثير بأن لديه شخصية كارزمية وقدرة على «السباحة بين الألغام»! فهو يترك انطباعًا لمن لا يعرف خلفية الرجل بأنه رجل المرحلة الذي يمكن أن يقود الأمة في مقاومتها ضد إسرائيل! وأن يوحدها سنة وشيعة بهذا الاتجاه!
ومن المفارقات العجيبة أن حسن نصر الله كان صديقًا حميمًا لمحمود أحمدي نجاد الرئيس الحالي للجمهورية، فقد كان الرجلان -وفقًا لمصادر أوروبية- في بلد أسيوي لغرض التدرب على العمل الاستخباراتي قبل أن يلتقيا مجددًا بعد ذلك بعشر سنوات في لبنان، وبعد أن أصبح نصر الله أمينًا عامًا لحزب الله منذ (1992م) ووصول محمود أحمدي نجاد من إيران لأجل الإشراف على «مؤسسة الشهداء» إحدى أهم أذرع إيران الخارجية! وهذا يعني أن تواصل حسن نصر الله مع القيادتين الدينية والسياسية في طهران أصبحت أكثر انسجامًا من أي وقت مضى فالأمين العام لحزب الله يمثل الوكيل الشرعي لآية الله علي خامنئي في لبنان، وهو منصب ديني يقوم على رؤية مذهبية!

 
حزب الله وأبناء الله وأحباؤه
كتب الصحفي اليهودي إلياهو سليتر، في صحيفة هآرتس، في (6/5/1998م)، يقول: كثرت مؤخرًا في الإعلام الغربي تقارير إيجابية للغاية عن أوضاع اليهود الإيرانيين، والذين تمتعوا أيضًا في عهد الرئيس رفسنجاني بحرية العقيدة، ولا يعاني اليهود من أية ضغوط كي يقوموا بتغيير ديانتهم، وحسب التقاليد هناك، يوجد ممثل للطائفة اليهودية في البرلمان الإيراني، وهذا الشخص هو منوشر الياسي زعيم الطائفة. إن السلطات تتعامل مع اليهود بشكل أو بآخر على أنهم أقلية دينية مثل المسيحيين، والتعامل مع اليهود، كأهل كتاب أكثر إيجابية، إن أوضاع اليهود في إيران أفضل بكثير من أوضاعهم في دول عربية كثيرة([127]). ولا عجب فقد كانت دولة إيران من أوائل الدول التي اعترفت بالكيان اليهودي عام (1948م) ! وظلت العلاقات بين البلدين متميزة وعلنية! لتعود في زمن الثورة «الإسلامية» في زمن الخميني ومن بعده إلى السر! لولا فضيحة «إيران غيت» كما أسلفنا!
ويقول ديفيد ليفي -وزير الخارجية السابق في حكومة نتنياهو: إن إسرائيل لم تقل في يوم من الأيام إن إيران هي العدو!([128]) وفي مقالة بعنوان (إيران فقط.. تستطيع) يقول الصحفي اليهودي، أوري شمحوني: إن إيران دولة عظمى إقليميًا ولنا الكثير من المصالح الإستراتيجية معها، فإيران تؤثر على مجريات الأحداث، وبالتأكيد على ما سيجري في المستقبل، إن التهديد الجاثم على إيران لا يأتيها من ناحيتنا، بل من الدول العربية المجاورة، فإسرائيل لم تكن أبدًا، ولن تكون عدوًا إستراتيجيًا لإيران!([129]).
كما أعلن إيتان بن تسور -مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية- عن عدم وجود خصومة بين البلدين أي: إسرائيل وإيران- فتنتفي دوافع العداء بينهما على المستويين الرسمي والشعبي!([130]) الشيء ذاته يؤكده السفير الإسرائيلي المتقاعد هانان باريمون -الذي عمل مستشارًا لرئيس بلاده عايزرا وايزمان- في اليوم الأخير من الحلقة النقاشية عن الخليج والغرب، والتي نظمها مركز مؤتمرات ويلتون باراك، يقول السفير: إيران دولة إقليمية مهمة ليس لنا معها أو مع شعبها أي خلاف أو عداء! وأن عليها أن تعمل للتكيف مع ظروف النظام العالمي الجديد!([131]).
والذي يبين العلاقة الخفية بين إيران وإسرائيل هو قرار رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق بنيامين نتنياهو بشأن منع النشر عن أي تعاون عسكري أو تجاري أو حتى زراعي بين إسرائيل وإيران!
«أما إن جئنا للحديث عن الهرطقة الإعلامية والقضايا الخلافية المثارة، فهي لا تعدو كونها تغطيات وأستار لما يجري خلف الكواليس»! ولن يتجاوز الأمر حدود التمويه والشد والجذب للوصول إلى أكبر قدر من المكاسب فيما بين المتحالفين! يقول الصحفي اليهودي يوسي مليمان: في كل الأحوال، فإن من غير المحتمل أن تقوم إسرائيل بهجوم على المفاعل النووي الإيراني لأن الآثار السياسية والإستراتيجية المترتبة عليه ستكون كبيرة جدًا، بالإضافة إلى ذلك، فإن عددًا كبيرًا من الخبراء يشكون بأن إيران وبالرغم من حملاتها الكلامية تعتبر إسرائيل عدوًا لها، ويقول مسئول استخبارات إسرائيلي: إن الشيء الأكثر احتمالًا هو أن الرؤوس الحربية النووية لدى إيران ستؤرق بال دول عربية!([132]).
لقد كشفت «بعض الصحف الغربية أن إيران سمحت بهجرة عدد من اليهود الإيرانيين إلى إسرائيل في نهاية العام (1986م)، وبعدها توالت الأنباء عن موافقة إيران على السماح بهجرة نحو (30) ألف يهودي إلى إسرائيل عبر تركيا وأن (600) يهودي إيراني بالفعل كانوا قد وصلوا في حينه إلى إسرائيل. وأنه منذ العام (1983م) تم تهجير (500) يهودي من إيران إلى النمسا عبر الباكستان»!([133]).
إذن فهذه إيران الثورة الإسلامية، إيران خميني وخامنئي اللذين يقول حسن نصر الله عنهما: نحن ارتضينا من خلال التجربة ومن خلال القناعة الشخصية في السابق شخصية الإمام الخميني -قُّدس سِرُّه الشريف- كفقيه جامع للشرائط، يمتلك مواصفات ممتازة واستثنائية، ومن بعده ارتضينا سماحة الإمام الخامنئي كشخصية من هذا النوع.
وما ينطبق على إيران ينطبق على حركة أمل أيضًا في الحرب الأهلية اللبنانية! يقول أيهود باراك -رئيس الاستخبارات العسكرية اليهودية سابقًا: إنه على ثقة تامة من أن أمل ستكون الجبهة الوحيدة المهيمنة في منطقة الجنوب اللبناني، وأنها ستمنع رجال المنظمات والقوى الوطنية اللبنانية من التواجد في الجنوب والعمل ضد الأهداف الإسرائيلية! وفي المقابلة التي أجرتها مجلة «الأسبوع العربي»، في (24/10/1983م)، مع حيدر الدايخ أحد قادة حركة أمل في الجنوب يثني على إسرائيل فيقول:.. كنا نحمل السلاح قبل دخول إسرائيل إلى الجنوب، ومع ذلك فإنها فتحت لنا يدها وأحبت أن تساعدنا، فقامت باقتلاع الإرهاب الفلسطيني من الجنوب وغيره، ولن نستطيع أن نرد لها الجميل، ولن نطلب منها أي شيء لكي لا نكون عبئًا عليها! ويقول تامير برشد -ضابط المخابرات في وحدة الاتصال مع لبنان في الفترة من (1990-1992م): إن العلاقات بين إسرائيل والسكان الشيعة غير مشروطة بوجود المنطقة الأمنية، ولذلك فقد قامت إسرائيل في الماضي برعاية العناصر المعتدلة في الطائفة الشيعية، وقلصت تأثير العناصر المتطرفة، وخلقت نوعًا من التفاهم مع حركة أمل، والتي تمثل الطائفة الشيعية في واقع الأمر، ويجب أن نعمل بجميع الوسائل الممكنة من أجل تأييد حركة أمل ودعم القوى التي تقع عبر المنطقة الأمنية، وذلك بالتنسيق مع الشيعة داخل المنطقة الأمنية، ويجب فعل ذلك حتى لو كان حليفنا المخلص الجنرال أنطون لحد لا يرغب في ذلك لأن مثل هذا النشاط يمس مكانته أو يضر بها، ونحن نتحمل مسئولية كبيرة تجاه أنفسنا ومستقبلنا!([134]).
ومن العجيب أن الولايات المتحدة الأمريكية قبل أحداث (11) سبتمبر، كانت تعتبر «حزب الله» مقاومة وطنية! لكنها بعد الأحداث وحتى لا تخلو القائمة من فصيل شيعي أضافت حزب الله إلى قائمة الإرهاب، لكنها كذلك أضافت «حركة خلق» المعارضة لطهران والتي كانت واشنطن تدعمها ضد نظام طهران! يقول ديفيد ساترفيلد -السفير الأمريكي في بيروت- في (3/12/1998م)، بعد زيارة له لمدن صور وصيدا والنبطية بجنوب لبنان: إن بلاده تميز بين المقاومة وبين الإرهاب! وهي لا تعتبر المقاومة اللبنانية في الجنوب إرهابًا!([135]).
حزب الله الذي يؤكد حسن نصر الله أمينه العام، بأنه: «حركة مقاومة نشأت كرد فعل لبناني على الاحتلال الصهيوني»!([136]) ويقول نائبه نعيم قاسم: «معارضتنا لإسرائيل هي جوهر إيماننا وهذا ما لن يتغير مطلقًا»!([137]) ليس بعيدًا عن العلاقة مع يهود! لأنه كما أسلفنا يتبع لإيران ولا يستطيع الخروج عن رؤيتها.. وهي تمثل له المرجع الديني، والدعم السياسي، والسند المادي والمالي! لهذا نفهم مقولة البروفيسور «إيال زيسر»: إن هناك وضعًا ما يكون فيه مع حزب الله المفتاح إلى إحلال السلام والهدوء في منطقة الشرق الأوسط!([138]) ومقولة بنيامين بن أليعازر -وزير الدفاع السابق: إن حزب الله قد أصبح العامل الإستراتيجي في الشرق الأوسط!([139]).
ولتطمين إسرائيل وتسويق حزب الله عربيًا وإسلاميًا ودوليًا أجرى الحزب تعديلًا على صياغة شعاره على علم التنظيم من (الثورة الإسلامية في لبنان)، الذي يعكس طبيعة الرؤية الإستراتيجية للتنظيم، إلى (المقاومة الإسلامية في لبنان)!
لذا فـ«في كل الأحوال ستنتهي تلك الحرب بنتيجة يعرفها الإسرائيليون أولًا قبل حسن نصر الله ورجاله، وهي أن أقصى النتائج التي يمكن تحقيقها هو إضعاف حزب الله، أما مسألة القضاء عليه نهائيًا فهذا لن يحدث. بل ربما يُشكل إضعاف حزب الله إعادة بنائه مرة أخرى بصورة أكثر تنظيمًا بمساعدة إيران وسورية»!([140]).
وهكذا فإن علاقة حزب الله بأبناء الله وأحبائه (يهود) قائمة في الخفاء ومتبرأ منها في العلن! لأن علاقة كهذه ستفقد إيران وحزب الله سمعتهما في العالمين العربي والإسلامي!

 
حزب الله.. وتهمة المقاومة
من المؤسف حقًا أن يقع الصادقون من أبناء الطائفتين السنة والشيعة معًا في الاعتقاد بأن مشروع جمهورية إيران الإسلامية أو حزب الله، وقبله حركة أمل، هو مقاومة الاستعمار الغربي الصليبي أو منازلة العدوان الإسرائيلي! بعد مرور أكثر من ربع قرن على إعلان مثل هذه الشعارات من طهران ومن بيروت!
وهذا يدل على غفلة وعدم دراية بأن الأنظمة العربية والإسلامية اليوم قد أخذت بخيار السلام لا غير في سياستها الخارجية مع الشياطين كبيرها وصغيرها! وأن فلسفة المقاومة والجهاد، بل مفردات هذه الكلمات، قد طمست من معجم السياسة والفكر لدى المسئولين في هذه الدول عربًا كانوا أو عجمًا، سنة أو شيعة!
وقد قيل في المثل: «لو باضت أمكنها تفرخ!» لكنها بالأساس لم تبض! لكونها عقيمة بالأساس!
وبالتالي فالأمل لا يزال معقودًا بالأمة كشعوب! أن تأخذ هي بخيارها للدفاع عن دينها أولًا ومقدساتها ثانيًا ومقدراتها من عرض وأرض وثروات!
يقول صبحي الطفيلي([141]) وهو يتألم حسرة من تعاون إيران مع الاحتلال الأمريكي: «إن الأمريكي لم يأت للمنطقة لا للديمقراطية، ولا لحقوق الإنسان، ولا للعدالة ولا للإنصاف، ولا لمحاربة إرهاب! جاء محتلًا غازيًا مستبيحًا آكلًا لكل شيء، أنت الإيراني تقول لهذا: أن تعال نتعاون! ما هو دورك؟ منسق تتوسل بالغازي: تعال لأصير في خدمتك؟! هذا الدور لا يمكن لعاقل أن يقبل به ولا بأي وجه من الوجوه»!
ويضيف -وهو من أبناء الطائفة الشيعية: «يجب على المسلمين جميعًا أن يواجهوا الغزو الأمريكي في العراق وفي خارج العراق، من يستطيع أن يدخل العراق فعليه أن يدخل، ومن يستطيع أن يواجه بالكلمة فعليه أن يواجه بالكلمة، ومن يستطيع أن يواجه بالموقف كذلك، هنا حرب تحتاج إلى كل الإمكانيات، تحتاج إلى كل الوظائف عسكرية وأمنية وإعلامية وثقافية، وإلى النهاية وعلى الجميع من المُعمم في محرابه إلى المقاتل في معركته على الجميع أن يقوم بمهمته لتحرير العالم الإسلامي من الغزو الأمريكي»!
ويذكر الطفيلي الشيعة بموقفهم من الاحتلال الإسرائيلي من لبنان فيقول: «الشارع الشيعي في العراق، مثل أي شارع آخر، تتحكم به عوامل كثيرة قبل أن يتحكم به عقله، القرى والمدن الشيعية في جنوب لبنان استقبلت الإسرائيلي بالورود والأرز جراء بعض الممارسات التي قامت بها فصائل فلسطينية، لكن هذه القرى نفسها بعد سنتين كانت في طليعة المقاومة! ولهذا أعتقد أن الوضع في الساحة الشيعية سيتحول بعد أمد غير طويل! لكن المشكلة في السياسيين، ذلك أن معظم التيارات الدينية السياسية منضوية تحت راية التيار الإيراني المتواطئ مع الأمريكيين. وهو الذي يأمر القيادات السياسية الشيعية بقبول مجلس الحكم وأن تكون أعضاءً فيه»! و«الأمريكي حتى لو عين شيعيًا فهذا الشيعي سيكون خادمًا له ولا يخدم الإسلام»!([142]).
ولكن يبقى السؤال ملحًا: هل يقاوم الشيعة فعلًا المستعمرين؟ سؤال مهم للتاريخ والمستقبل!
عندما نتحدث عن دور الأحزاب الشيعية في لبنان باعتبارهم الأقرب من دولة إسرائيل في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين أو على الأرض اللبنانية يفاجئنا واقع من الخيانة والتآمر والتحالف مع أعداء الأمة ضد أبنائها.. وقد سردنا شيئًا من ذلك في أثناء الحديث عن حركة أمل! وعن التوظيف الخارجي لحزب الله، لكننا نريد أن نضيف هنا بعضًا من أحاديث آرييل شارون في مذكراته الخاصة حول طبيعة نظرة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية للبنان وتركيبته الطائفية..
يذكر شارون في مذكراته (ص:635) أنه فهم من حبيب (مبعوث الولايات المتحدة الأمريكية لحل أزمة لبنان) أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها تصور عن لبنان يرتكز على استخدامه «كوسيلة لحل مشاكل الشرق الأوسط الأخرى»!! وأنه سوف يستخدم «لبنان لحمل الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات»!!
ويقول شارون: «أما إسرائيل فلم تضع يومًا نصب عينيها هدفًا يقوم على إرساء حكم ودي في لبنان، ولكنها تبدي إهتمامًا بالغًا حيال شكل الحكومة التي ستقود مصير البلاد»، وبالتالي سعت لتشكيل تحالفات وإقامة اتصالات مع قوى لبنانية مختلفة، يقول (ص:558): «فإذا كانت إسرائيل قد رأت أنه من مصلحتها مساعدة الأكراد الذين يشنون المعارك على مسافة ألف كيلومتر من حدودنا، والأثيوبيين الذين يتحاربون على بعد ألف وخمسمائة كيلومتر، فإن ضرورة دعم المسيحيين الذين يقاومون منظمة التحرير الفلسطينية المتمركزة أمام بابنا، دفاعًا عن أرواحهم (!!) أصبحت حقيقة لا تقبل الشك»، وهو هنا يتحدث عن سياسة إسرائيل في لبنان عقب وصول حزب الليكود لسدة الحكم عام (1977م).
المسيحيون الذين يتحدث عنهم شارون كانوا حلفاء لأمل ضد الفلسطينيين واللبنانيين السنة! ولكن من خلال تواصله مع المسيحيين فهم شارون أن «هؤلاء الحلفاء لن يكونوا فاعلين في حرب طويلة المدى ضد منظمة التحرير الفلسطينية»، (ص:626)، لأنهم حسب وصفه «كانوا يكتفون على ما يبدو بالتزام الحياد والانتظار حتى نتعب ونشقى من أجل مصلحتهم»، (ص:626)، وعليه غيرت إسرائيل تحالفها لتحتضن الشيعة «الذين رفعوا السلاح ضد الجيش الإسرائيلي مكرهين»!! «فقد رحب العديد منهم بالإسرائيليين واعتبروهم مخلصين أو على الأقل أعطوا موافقتهم الصامتة على الغزو»!!([143]) و«كتب فؤاد عجمي، وهو أفضل من أرخ لهذه الطائفة: بقضائها على القوة الفلسطينية في صيف (1982م) تكون إسرائيل قد فعلت للشيعة ما لم يكونوا قادرين على فعله»!!([144]).
حتى حزب الله، الذي خرج منتصرًا -كما يقال- عام (2000م)، تعاون «مع المسيحيين في الانتخابات البرلمانية في سبتمبر (2000م) »، ووافق على ضم قواته إلى الجناح الأيمن المسيحي بزعامة إيلي حبيقة، الذي تعاون مع القوات الإسرائيلية أثناء غزوها للبنان عام (1982م)، وألقيت على عاتقه مسئولية مجازر مخيمات اللاجئين في صبرا وشاتيلا! وبهذا «يتضح أن حزب الله قد قبل المساومة على مبادئه وأيديولوجيته وتعاون مع شخص ذي علاقات مفضوحة مع إسرائيل»!([145]).
إن حزب الله يتلاعب بورقة المقاومة ما بين الدعاية والممارسة، ففي حين يعلن «رئيس كتلة حزب الله البرلمانية محمد رعد بأن النشاط الفلسطيني من جنوب لبنان يتطلب تنسيقًا إستراتيجيًا وتدقيقا في الموضوع مع حزب الله»!([146]) وهو ما يوهم بنوع من التنسيق! يعترف الحزب بأنه ساعد في إحباط عدة عمليات كونها «أعمالًا محظورة»!([147]).
هذا التناقض دفع العميد سلطان أبو العينين، أمين سر حركة فتح في لبنان، للاعتراف في (5/4/2004م) ([148]) بأن حزب الله اللبناني أحبط في الأسبوع الأخير أربع عمليات كانت المقاومة الفلسطينية قد خططت لتنفيذها ضد إسرائيل من الجنوب اللبناني انطلاقًا إلى الحدود الشمالية مع الدولة العبرية. وأضاف أبو العينين أن عناصر حزب الله قامت باعتقال المقاومين الفلسطينيين وتقديمهم للمحاكمة! مضيفًا: «حزب الله قال سنكون إلى جانبكم عند المحن، ولكننا منذ ثلاثة أعوام نعيش الشدائد ولم نعد نقبل شعارات مزيفة من أحد!»! مؤكدًا بأن «كافة الحدود الفلسطينية عليها حمايات عربية ومغلقة أمام أي مقاوم فلسطيني»! «بما فيها اللبنانية ضمن ترتيبات أمنية غير معلنة»!
وأضاف أبو العينين في تصريحات نشرتها صحيفة «كل العرب» بأن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني في مايو تم ضمن ترتيبات أمنية واتفاق أمني بألا تطلق طلقة واحدة على شمال فلسطين من جنوب لبنان، وهذا الاتفاق يطبق منذ الانسحاب الإسرائيلي، فلم يتمكن أي مقاوم من اختراق الحدود الشمالية، وجرت أكثر من محاولة من جميع الفصائل الفلسطينية وجميعها ضبطت من حزب الله وقدمت إلى المحكمة! موضحًا بأن «حزب الله يريد المقاومة كوكالة حصرية له»! و«أن سيطرة حزب الله على المقاومة في الجنوب اللبناني نابعة من اتفاقيات وترتيبات أمنية»!
ودعا أبو العينين الشعب الفلسطيني إلى ألا يعول على حزب الله «لأن لحزب الله أولوياته ومواقفه السياسية»! وطالب من حزب الله إيضاح موقفه من منظمة التحرير الفلسطينية! المنظمة التي كانت حسب رأي شارون في مذكراته متمكنة في جنوب لبنان، وكانت بحسب تعبيره قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أهدافها.. فكانت إرادة إسرائيل من حروبها ضد لبنان «أن يعتلي سدة الحكم حكومة قادرة على تأمين الاستقرار والحئول دون عودة منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان»، وبالتأكيد دون عودة أي مقاومة إسلامية جهادية!!([149]) ولربما تكون هذه الحكومة هي حكومة حزب الله القادمة!
صلى وصام لأمر كان يقصده..
لقد حقق حزب الله من عملياته أن يكون الممثل والمفاوض الرسمي عن المقاومة اللبنانية! ليكون فيما بعد جزءًا من معادلة السلام في المنطقة! كما هو حاصل مع بقية الأنظمة! ولنتابع ما قاله صبحي الطفيلي -أول أمين عام لحزب الله في حوار مع قناة الجزيرة في برنامج «زيارة خاصة».
يرى الطفيلي أن الإسرائيليين استطاعوا بتفاهم نيسان([150]) مع حزب الله! تحييد الحزب ليكون بمنأى عن ضرب الأهداف اليهودية في فلسطين! وأن يكون «مقاومة لبنانية! داخل الأرض اللبنانية!»، وأنه لا يحق له «أن يقاتل داخل فلسطين!» يعني: «موضوع تحرير فلسطين وما شابه ذلك موضوع شطب من الخريطة! وهنا كانت المصيبة!»، وأن هذا ما كانت تطرحه إسرائيل «بطرق معينة بالثمانينات ورفضناه»!
ويضيف الطفيلي: اليوم باستثناء مزارع شبعا الحدود اللبنانية الإسرائيلية «منطقة محروسة آمنة! أكثر من الحدود الفلسطينية المصرية! والحدود الأردنية الفلسطينية! والحدود السورية الفلسطينية! وهذا ما يشكر عليه الأمريكيون حزب الله»! ويضيف بأن حزب الله «يلعب دورًا مخزيًا» كونه «يشكل عمليًا حماية للعدو الإسرائيلي»! وأنه سبق له أن طلب منهم مرارًا أن يبتعدوا عن الحدود «ليحرس الحدود غيركم»!
«هذا التفاهم يمنع على حزب الله أن يضرب في الأرض الفلسطينية! ما معنى هذا؟! هل هناك فلسفة معينة لإخراج الأمور من دائرتها الطبيعية؟! متجهة نحو حماية الحدود الشمالية لفلسطين!» يعني: «أنا أو أنت أو إنسان يحمل البندقية ويريد أن يقاتل العدو الإسرائيلي اليوم يذهب إلى الحدود.. من يمسكه؟ من يعتقله؟ أليس شبابنا الطيبون الطاهرون المساكين»! ويقدم حقيقة معبرة فيقول: «بالمناسبة لو أن غير شباب حزب الله هم الذين على الحدود لكان الأمر مختلفًا! كان كثير من الناس يستطيعون اختراق الحدود والقيام بعمليات ضد العدو الإسرائيلي! لكن الحزب بما لديه من كفاءة ومن إمكانيات وسمعة.... هو الأقدر على الحماية! هنا المصيبة! وهنا الكارثة!»([151]).
وفي حوار آخر مع صبحي الطفيلي يقول: «لقد بدأت نهاية هذه المقاومة مذ دخلت قيادتها في صفقات كتفاهم يوليو (1994م) وتفاهم أبريل (1996م) الذي أسبغ حماية على المستوطنات الإسرائيلية وذلك بموافقة وزير خارجية إيران([152]). لكن هذا التفاهم اعتبر انتصارًا للبنان لأنه حيد المدنيين اللبنانيين أيضًا واعترف بشرعية المقاومة! مع أن عمليات للمقاومة تحصل في مزارع شبعا بين الحين والآخر، هذا التفاهم الهدف الأساسي منه تحييد المقاومة وإدخالها في اتفاقات مع الإسرائيليين، كما أن العمليات الفلوكلورية التي تحصل بين حين وآخر لا جدوى منها لأن الإسرائيلي مرتاح، وهل هناك فرق بين الإسرائيلي في مزارع شبعا والإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟ هذا اعتراف بالاحتلال! أنا أرى أن الخيام -بلدة حدودية لبنانية- هي مثل عكا وحيفا. وما يؤلمني أن المقاومة التي عاهدني شبابها على الموت في سبيل تحرير الأراضي العربية المحتلة، تقف الآن حارس حدود للمستوطنات الإسرائيلية، ومن يحاول القيام بأي عمل ضد الإسرائيليين يلقون القبض عليه ويسام أنواع التعذيب في السجون»!!
و«أنا أوجه كلامي إلى أبنائي في المقاومة لأقول لهم: إن ما تفعلونه حرام وخدمة للعدو وخيانة للقضية! ألقوا سلاحكم وارحلوا، أو تمردوا وأطلقوا النار على عدوكم ولا تجعلوا أحدًا يخدعكم تحت عنوان أي فتوى أو ولاية فقيه، فلا فقيه في الدنيا يأمرني بأن أخدم عدوي! أنا آسف كيف أن المقاومة التي صنعناها بدماء شهدائنا تختطف وتحول إلى خدمة أعدائنا»!!
ويربط الطفيلي بين إيران وهذا التحول فيقول: «رغم كل ما حصل معي، كنت حريصًا على إبعاد وضعي الشخصي عن الوضع العام، كما لم أتناول إيران وشخصياتها القيادية رغم كل الأحداث الماضية والحالة الشخصية، كنت حريصًا على ألا أدخل أي قضية عامة في إطار وضعي الشخصي. لكن بعد التحول الذي حصل في الموقف من المقاومة وتحول إيران إلى منسق للشؤون الأمريكية في المنطقة رأيت أن أخرج عن صمتي!!»([153]).
هذه حقيقة قديمة! وقد نفى صبحي الطفيلي علاقة حزب الله بالعملية التي استهدفت المارينز والمظليين الفرنسيين في بيروت، وكان في حينها أمين عام الحزب، كما في مقابلته مع قناة الجزيرة الفضائية في (23/7/2004م)، واعتبر أن ذلك شرفًا لم يحققه حزب الله وإنما سبقهم إليه غيرهم! «لسنا مسؤولين عن هذا الفعل -تفجير مقر المارينز الأمريكي والمظليين الفرنسيين- لم نأمر أحدًا بتنفيذ هذه العملية، لو أمرنا كنت سأفتخر أمامك وقلنا نحن ضربنا.. عملنا.. لأنه يومها كانت القاصمة للأمريكيين»!! كما نفى الديراني مسئولية الحزب عن عملية السفارة الأمريكية في بيروت!
و«حتى لا نخدع أنفسنا، أقول: لا شك في أن هناك حوارًا أمريكيًا- إيرانيًا بدأ قبل غزو العراق. وأن وفدًا من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية المؤيد لإيران زار واشنطن لهذه الغاية، والتيارات الإيرانية في العراق هي جزء من التركيبة التي تضعها الولايات المتحدة في العراق، حتى أن أحد كبار خطباء الجمعة في العاصمة الإيرانية قال في خطبة صلاة الجمعة: إنه لولا إيران لغرقت أمريكا في وحل أفغانستان!! فالإيرانيون سهلوا للأمريكيين دخول أفغانستان! ويسهلون بقاءهم الآن! أما القول عن اعتقال سفير سابق هنا أو حديث عن سلاح نووي هناك فهو يدخل من باب السعي الأمريكي لتحسين شروط التعاون الإيراني، التشيع يستخدم الآن في إيران لدعم المشروع الأمريكي في أفغانستان، ومن هنا أقول لكل الشيعة في العالم: إن ما يجري باسمهم لا علاقة له بهم، وهذه أعمالٌ المتضررُ الأكبرُ منها الإسلام والتشيع!»([154]).
وهنا أقف مع مقابلة أجراها مدير مكتب قناة الجزيرة مع حسن نصر الله سأله فيها: هل من الوارد توسيع دائرة مقاومتكم إلى فلسطين.. إلى العراق.. إلى غيرهما؟ فأجاب نصر الله بعيدًا عن محور السؤال -كعادته: «نحن هنا في لبنان، قاتلنا على الساحة اللبنانية، على الأرض اللبنانية، أعلنا بوضوح أننا ندعم الانتفاضة في فلسطين والمقاومة في فلسطين، وهذا أمر معلن وواضح، ولنا شرف قبول هذه التهمة من قبل الأمريكيين والإسرائيليين، ومعركتنا الحالية مازالت قائمة مع العدو الصهيوني الذي يحتل أرضنا، ويواجه المنطقة كلها بالتهديد»! وما أسهل هذا الكلام الذي ردده من قبل زعماء العرب!
يقول مؤلف (قواعد جديدة للعبة.. إسرائيل وحزب الله) (ص:36): «إن المنظمات الفلسطينية نفسها ربما تكون قد بالغت في تخمين حريتها ونشاطها في لبنان بعد الانسحاب الإسرائيلي منه أي: عام (2000م)، وكما سنفصل فيما يلي، فقد تم بعد الانسحاب مباشرة منع منظمة جبريل -وهي تابعة للجبهة الشعبية الفلسطينية، ولها روابط بسورية وحزب الله- من تحريك الدبابات باتجاه إسرائيل، وكذلك أيضًا تمت معاقبتها من قبل عدة عناصر في لبنان بما فيهم حزب الله بعد مقتل عضوين من الجبهة الشعبية بنيران قوات الدفاع الإسرائيلي في قطاع مزارع شبعا أثناء ما اتضح أنه كان عملية ضد إسرائيل»! هذا في الوقت الذي رأى العرب في حزب الله مشروع المقاومة الوطنية التي استطاعت طرد إسرائيل وإخراجها بالقوة!!
لكن مذيع القناة عاد ليسأل نصر الله: هل أنتم في وارد دعم أي بذور مقاومة في العراق، أم لا؟ فقال نصر الله: «هذا الأمر أولًا يرتبط بإرادة الشعب العراقي، يعني خلينا نشوف نبحث عن مقاومة عراقية في الأول، وبعدين نسأل عن القوى الأخرى والشعوب والحكومات والحواضن، من هو حاضن ولديه استعداد أن يدعم وأن يقف، وأن يساند، وما شاكل، وإن كنت أنا طبعًا قلت نحن نحترم خيارات الشعب العراقي، ونعرف أنه عاش ظروفًا صعبة خلال (30) عامًا، والآن هو خرج من مرحلة قاسية، وهو الذي بإمكانه أن يحسم خياره ويتخذ قراره، وأنا لا أستطيع أن آخذ قرارًا بالنيابة عن الشعب العراقي، وإن كانت سنن التاريخ وطبيعة الأمور تقول: إن الشعوب التي تحتل أرضها مآلها إلى المقاومة»!! وأضاف: «بكل وضوح العراق تحت الاحتلال، ما حصل في العراق هو احتلال أمريكي عسكري غير مشروع على الإطلاق، وبكل المعايير والموازين هو غير قانوني وغير شرعي، ويتعاطى معه كاحتلال»! «بعض العراقيين مازال يصدق بأن الأمريكيين جاءوا فعلًا لإنقاذه ولتحريره، وأنهم سيرحلون بعد شهر، أو ستة أشهر، أو سنة، أنا أعتقد أن الوقت والظروف والأطماع الأمريكية، والسياسات الأمريكية، والأخطار الأمريكية، سوف تضع الشعب العراقي أمام حقيقة واضحة أن ما جرى هو احتلال وسيطرة وهيمنة على نفطه، وخيراته، ومصيره، ومستقبله، وستتهاوى أحلام الديمقراطية ووعود الحرية، و احترام إرادة الشعب العراقي، وهذا الشعب سوف يلجأ عاجلًا أم آجلًا إلى خيار المقاومة»!!([155]) ما حصل «هو عدوان، في أفغانستان نفس الشيء، نحن لم نكن مع حركة طالبان، نحن لدينا ملاحظات كبيرة جدًا على أداء حركة طالبان، وعلى نموذج طالبان، ولكن كنا ضد الحرب الأمريكية على أفغانستان وصنفناها بأنها عدوان، أمريكا لم تأتِ لتحرير الشعب العراقي، أمريكا جاءت لاحتلال العراق والسيطرة على نفط العراق، وإعادة رسم خريطة المنطقة تمهيدًا للسيطرة على العالم، وبالتالي هنا لا تستطيع أن تكون مؤيدًا لهذه الحرب، أو ساكتًا عنها، في الحد الأدنى يجب أن تكون ضد هذه الحرب»!([156]).
في الحقيقة نصر الله يعطي إجابات حمالة، ذات أوجه، حتى لا يأخذ عليه العقلاء كلمة تدينه في لبنان، لذا فهو يتحدث عن وضع العراق بالقول: «العراق نموذج يجب أن نتوقف عنده دائمًا، ويجب أن تبقى رسالتنا لشعبنا في العراق الصبر والهدوء والحكمة والتواصل، وعدم الوقوع في الفتنة، وعدم الرهان على العدو»!([157]) فهل هذه دعوة إلى الجهاد والمقاومة أم لمساندة الاحتلال على أبناء العراق؟!
إن حسن نصر الله لا يجرؤ على مخالفة المرجعيات الشيعية في العراق ليجيز مقاومة العدو المحتل! كما أنه حريص على الإشارة إلى «الدولة الحاضنة»! ولا ندري من يقصد بها دولة «ولاية الفقيه» أم دولة «البعث النصيري»!!
إننا ينبغي ألا ننكر أن حزب الله يقوم بعمليات عسكرية ضد إسرائيل بين وقت وآخر، كما ذكر صبحي الطفيلي، لكنه لا تمثل أيديولوجية قتالية ضد اليهود لإخراجهم من فلسطين، وإلا كيف نفسر اجتياح إسرائيل للبنان لتصفية المقاومة الفلسطينية خلال الثمانينات وارتكابها المجازر بحق الفلسطينيين بينما هي في حالة «حزب الله» ومن قبل حركة أمل! نجدها كدولة ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي عاجزة عن نزع سلاح حزب الله! السلاح الذي يعلن حسن نصر الله، وهو الذي يصور نفسه منتصرًا على إسرائيل نصرًا تاريخيًا إستراتيجيًا، أنه لا توجد قوة في العالم تستطيع نزع سلاح حزب الله!!! ألا يتناسب هذا مع تصريح وزيرة الخارجية الإسرائيلية ليفني بأنه لا توجد قوة في هذا العالم تستطيع نزع سلاح حزب الله!!
إذن وماذا كانت تفعل الولايات المتحدة في العراق وفي أفغانستان وفي البوسنة!! ألم تعمل على نزع أسلحة دول بأكملها! وميليشيات؟!
ألا يجعلنا هذا الوضع نتساءل عن صدقية مقاومة حزب الله، و«حزب الله بالمناسبة، هو المليشيا المسلحة الوحيدة في العالم المسموح لها بعرض عضلاتها، وتملك أسلحة وصواريخ وعلاقات دولية، وموازنة تقدر بمائتي مليون دولار، وكل مؤهلات الدولة، في حين غير مسموح لوجود مثل هذه المليشيات في أية دولة على سطح كوكبنا، وحين تتهم أية مقاومة سنية أو مقاوم سني بشبهة يتم على الفور قتله أو توجيه صواريخ كروز إلى موقعه كما حصل في بغداد وخوست الأفغانية والخرطوم وغيرها»!([158]).
ألم يقل حسن نصر الله «إن وجود هذا السلاح هو نتيجة لسبب! إذا زال السبب زالت النتيجة! ونحن لا ننوي الاحتفاظ بهذا السلاح إلى الأبد»! فما هو السبب الفعلي وراء امتلاك حزب الله للسلاح وقد رضي بعد المواجهة الأخيرة بالقرار رقم (1701) الذي يطالب «بنشر قوات لبنانية في الجنوب بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي، وبالتعاون مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) التي سيرتفع عددها إلى (15) ألفًا»!! ويدعو كلًا من «إسرائيل ولبنان إلى دعم وقف دائم لإطلاق النار وحل بعيد المدى»!
إن بقاء سلاح حزب الله وتزايد عدد قوات الأمم المتحدة في أرض الشام، في حين تتحدث تقارير إعلامية وصحفية واستخباراتية عن تنام كبير لشعبية الجهاد والمقاومة في أرض العراق والشام، مع ما أكدته التقارير الأخيرة من العراق والتي تفيد بأن أغلب المجاهدين العرب في العراق هم من سورية والبعض من لبنان! كل ذلك يضع علامة استفهام عن الدور المستجد لسلاح حزب الله في ظل استحقاقات النصر الداخلية!

 
الوعد الصادق..
اللعبة كما ينبغي أن تدار!
طبيعة الحدث وتداعياته:
قدم «آموس مالقا» رئيس الاستخبارات العسكرية وثيقة بعنوان «تقييمات قوات الدفاع الإسرائيلية بشأن الحد الدولي بين إسرائيل ولبنان دون تسوية» إلى رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليين في (7) مارس (2000م) جاء فيها: «إن النقطة الهامة في أي نشاط ضد إسرائيل هو أنه سيكون محكومًا بسياسة تدبير المخاطر، وسيكون الهدف الأول الوصول إلى أقصى قدر ممكن من المكاسب وأقل قدر ممكن من الأضرار المتوقعة، لن تختار هذه العناصر المعادية توجيه نشاطاتها ضد المستوطنات والمدنيين؛ لأن هذا سيؤدي بدوره إلى تصعيد سريع وحلقة مفرغة من المواجهات، وهذا المخطط سيبعثر القوى ويدمر لبنان ويؤدي بالتالي إلى تدخل الضغوط الخارجية التي ستحد من حرية هذه النشاطات، لا سورية ولا إيران أو حزب الله مهتمون بالتوصل إلى تدمير المنشآت المدنية في لبنان، ولذلك فإنهم جميعًا سيحاولون العمل دون تزويد إسرائيل بمبررات للتصعيد وبالتالي تدمير البنى التحتية في لبنان»!([159]).
وذكر بيان لجهاز الاستخبارات الإسرائيلية: «أن التنظيم مهتم بجر إسرائيل إلى مواجهة عسكرية على الحدود الشمالية، وإلى مواجهة ليست في الوقت الحالي في صالح لبنان وسورية»!!([160]).
ورغم الحديث الإسرائيلي عن تدمير لبنان في ظل أي مواجهة قادمة إلا أن حزب الله قام في (12/7/2006م) بأسر جنديين إسرائيليين على الحدود اللبنانية، وقتل وإصابة آخرين في اشتباك بين مقاتلي الحزب وجنود الجيش الإسرائيلي!
الحدث بطبيعته محدود إلا أن الرد الإسرائيلي جاء غير محدود للغاية، وهو بحسب خطاب نصر الله ما لم يكن يتوقعه ولو بنسبة 1%!! «حجم رد الفعل الذي توقعناه هو رد فعل قاس انتقامي محدود! والذي حصل في غزة هو في هذه الحدود ليس أكثر! الإسرائيلي لم يقم باجتياح أو تدمير قطاع غزة، ولم يقم بما فعله في لبنان! مع العلم أن أسر الفلسطينيين لجندي في غزة هو أشد إذلالًا لإسرائيل من أسر جنديين في لبنان»!([161]).
ظروف الحدث المحيطة به:
لا يمكن عزل الحدث عن الظروف التي أحاطت به إقليميًا على أقل تقدير، فقد جاء الحدث على خلفية اشتداد عمليات الإبادة الجماعية والتطهير الطائفي والقتل على الهوية المذهبية في بلاد الرافدين، على خلفية الموقف بين عموم الشيعة المساندين للاحتلال الأمريكي والمتعاونين معه على الصعيد السياسي والأمني! وبين قطاع كبير من السنة الرافضين للاحتلال والمقاومين له!
هذه الجرائم والمجازر صاحبتها عمليات تهجير أهل السنة من جنوبيّ العراق ذي الكثافة الشيعية، والاعتداء على مساجدهم وممتلكاتهم وأعراضهم للدفع بهم لمغادرة مناطق سكناهم!
وهنا تسترعينا عمليات الإبادة الوحشية التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون المقيمون في العراق ومنذ سنين، وكأن قدر الفلسطينيين أن يذبحوا على يد الميليشات الشيعية الطائفية في لبنان أو في العراق!
أما في المشهد الإيراني -وإيران كلها مشاهد- فوصول محمود أحمدي نجاد إلى السلطة، وهو شخصية محافظة ومناوئة لتوجه التيار الإصلاحي داخل إيران، الأمر الذي يعني عودة الزخم العقائدي لقيادة إيران الثورة! هذا من جانب ومن جانب آخر كثرة حديث التقارير الأجنبية والعربية حول التغلغل والتدخل الإيراني في وضع العراق وصياغة وضعه الراهن ومستقبله! وتورط ميليشيات إيرانية في عمليات الإبادة والاغتيال والقتل! كما بدأ القلق من هذا التدخل والحضور الفاعل في السياسة العراقية يطغى على تصريح الزعامات العربية والمسئولين العرب، في الأردن والسعودية ومصر، وهي دول لها مكانتها في الساحة العربية! وتخوفاتها الأمنية من توسع النفوذ الإيراني في المنطقة!
وفي هذا المشهد تأتي تصريحات أحمدي نجاد النارية ضد إسرائيل فيما يشبه المكايدة السياسية تجاه الدول العربية لإحراجها وسحب البساط من تحتها والدعاية لصالح نظام إيران الإسلامي! كنظام حام لحمى الإسلام ومدافع عن مقدساته وواقف إلى جانب القضية الفلسطينية وتحرير الأراضي العربية!
وهي الصورة التي تريد إيران من ورائها تمويه أدوارها المساندة للاحتلال في العراق وأفغانستان الدولتان المجاورتان لها!
كما يأتي في وقت تسعى فيه إيران حثيثًا لمواصلة برنامجها النووي، ومقاومة الضغوط الغربية، ومحاولة كسب الوقت وإطالة أمد المناورات السياسية والجدل الأممي حول قضية التسلح! في الوقت الذي بدأ الإعلان فيه عن أسلحة متطورة وتقنيات متقدمة ومناورات عسكرية يقوم بها الجيش الإيراني!
في الشأن السوري، هناك تقارب كبير بين سورية وإيران، وتنسيق في المواقف مع زيادة التلويحات الغربية بحصار سورية، والوقوف إلى جانب المعارضة الخارجية، ومواصلة الضغوط على نظام البعث النصيري، وتوجيه أصابع الاتهام إليها في عملية اغتيال الحريري..
الأطراف المتصارعة:
أبدت حرب لبنان وجود أطراف مختلفة ذات علاقة بالحرب الإسرائيلية على لبنان، وهي حسب المشهد ثلاثة أطراف:
الطرف الأول: حزب الله، الذي سبق وأشرنا إلى طبيعة نشأته وعلاقاته ومرجعيته الدينية والسياسية بإيران! وتحالفاته داخل لبنان مع حركة أمل والعماد ميشيل عون، وإقليميًا مع سورية!
وهذا الطرف بدا أكثر استعدادًا وألصق اهتمامًا بالقضية الفلسطينية وأكثر قوة وإنجازًا في ساحة المجابهة!
الطرف الثاني: إسرائيل، كعدو للأمة وللبنان! وهو كذلك منذ نشوئه! لكنها ظهرت أكثر إرهابًا وأكثر ارتباكًا وأكثر خسارة!!! رغم وقوف الولايات المتحدة الأمريكية من ورائها!
الطرف الثالث: الحكومة اللبنانية والحكومات العربية معها! وقد كانت في موقف المشلول والعاجز تجاه العدوان الإسرائيلي! فيما أظهرها إعلام حزب الله وخطابات نصر الله في موقف الذليل والخائن والعميل!!
وقد لعبت جميع هذه الأطراف أدوارًا ظاهرة أو خفية خلال الأزمة، وحاولت الاستفادة من مجريات الأحداث لصالح طرف ضد آخر..
ففي (13) يوليو، اليوم الثاني للحدث، حملت واشنطن سورية وإيران مسؤولية التصعيد!
وفي (14) يوليو صرح وليد جنبلاط قائلًا: إن القضية الإستراتيجية بالنسبة إلى دمشق ليست فلسطين، بل وضع اليد على لبنان بطريقة أو بأخرى! وأضاف: كنا نحاول منذ أشهر عدة إخراج بلادنا من الفخ (السوري- الإيراني) اليوم نحن نعود إليه قسرًا!
وفي (16) يوليو حذرت سورية من جانبها على لسان وزير إعلامها محسن بلال، من أن أي هجوم إسرائيلي على أراضيها سيقابل «برد سوري حازم ومباشر لا حدود له لا بالزمن ولا بالأساليب»!!
وفي (18) يوليو طالبت إيران بهدنة على لسان وزير خارجيتها منوشهر متقي في دمشق!
وفي (19) يوليو دعت الولايات المتحدة إيران وسورية إلى ممارسة نفوذهما على حزب الله لوقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل!! في حين اتهم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير إيران وسورية مباشرة بدعم حزب الله!! رافضًا أي وقف لإطلاق النار في لبنان ما لم يسلم حزب الله الجنديين الإسرائيليين المخطوفين!
وفي (21) يوليو النائب الدرزي وليد جنبلاط يتهم سورية «بتدمير لبنان بالواسطة»!! مؤكدًا أن «إيران هي التي طلبت من حزب الله خطف الجنديين الإسرائيليين»!!
وفي (22) يوليو تعرض سورية وللمرة الأولى منذ اندلاع المواجهات وساطتها من أجل المساعدة في إنهاء النزاع! على لسان نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد، ويصرح لقناة «سكاي نيوز» بأن سورية مستعدة لفتح حوار مع الولايات المتحدة لحل الأزمة في لبنان، وأنها مستعدة للمساعدة على حل الأزمة الحالية إذا بذلت واشنطن جهدًا لحل المشاكل الأخرى في المنطقة! وخصوصًا مسألة الأراضي التي تحتلها إسرائيل!! وسفير الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة جون بولتون يرفض العرض السوري ويقول «إن سورية لا تحتاج إلى حوار لتعرف ما عليها القيام به»!!
في (26) يوليو يحمل الرئيس الفرنسي جاك شيراك إيران جزءًا من المسؤولية في النزاع الحالي بسبب مساعدتها لحزب الله!
في (27) يوليو يوجه الرئيس الأمريكي جورج بوش انتقادات شديدة إلى إيران، قائلًا: حزب الله مرتبط بإيران! وقد حان الوقت لحل السبب الأصلي للمشكلة! فيما المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة جون بولتون يعتبر، في جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ، أن النزاع في جنوب لبنان فرصة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط!!
ومن جهته يجري أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني مباحثات في دمشق دون أي تأكيد من المسؤولين السوريين!
في (28) يوليو يحث الرئيس الأمريكي جورج بوش سورية على المشاركة بنشاط في إحلال السلام بالشرق الأوسط! مؤكدًا أن على إيران أن تتخلى عن طموحاتها النووية! ويصرح رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بأن على البلدين المشاركة كعضوين يتحليان بتقدير المسؤولية في المجتمع الدولي وإلا واجها «خطر تزايد المواجهة»!!
وفي جانب آخر تبعث الحكومة الإسرائيلية برسالة إلى الرئيس السوري بشار الأسد عبر «قنوات مختلفة»! بأنها لا تعتزم مهاجمة سورية ودفعها إلى الصراع مع لبنان! فيما أكد وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس، للمرة الثانية وفي أقل من (24) ساعة، أن «إسرائيل لا تسعى إلى مواجهة مع سورية رغم دعمها لحزب الله»!!
في (1) أغسطس وزير الخارجية السوري وليد المعلم يعلن من الدوحة أن إسرائيل لديها «نية لتوسيع العدوان ليشمل سورية»!
وفي (4) أغسطس يعتبر رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة أن وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي تجاوز الحدود عندما عبر عن تحفظاته على خطة الحكومة اللبنانية الشاملة لحل النزاع القائم في لبنان! وعقب ذلك بيومين (في 6/8) رحب وزير الخارجية السوري وليد المعلم، فور وصوله لبنان، بـ«الحرب الإقليمية»! مفيدًا بأن سورية مستعدة للرد على أي عدوان إسرائيلي!!
في (7) أغسطس يقول وزير خارجية المملكة العربية السعودية سعود الفيصل، في كلمة أمام اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عقد في بيروت، إنه مهما كانت خطط وطموحات الأطراف الخارجة عن الدائرة العربية فهي تنطلق من مصالح وغايات هذه الأطراف التي قد لا تتفق مع مصالحنا ورؤيتنا القومية!
أهداف وحسابات الأطراف المتصارعة:
في (21) يوليو قالت وزيرة الخارجية الأمريكية: إن بلادها ما زالت تبحث عن طريق لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط لكنها لم تدعُ إلى إنهاء القتال! وهونت من شأن الضغوط المتزايدة الرامية لوقف المعارك ووصفتها بأنها «وعد كاذب» ما لم تعالج «جذور الصراع»! وقالت «إن وقف النار دون شروط سياسية لا معنى له»!! هذه الشروط هي ما عبر عنه المتحدث باسم البيت الأبيض توني سنو بقوله، في (24) يوليو: «إن وقف النار في هذه المرحلة لن يوصلنا إلى النقطة التي نحتاج للوصول إليها»!!
«جذور الصراع» بحسب رايس، أو «النقطة التي تريد واشنطن الوصول إليها» بحسب سنو، هي ذاتها المشروع الذي أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية عنه في (25) يوليو لدى زيارتها إسرائيل، ألا وهو إقامة شرق أوسط جديد! و«إقامة بيئة حليفة أو غير معادية على الأقل في كل هذه المنطقة التي عرفت فيما مضى بالهلال الخصيب ومحيطها، حيث تسعى الولايات المتّحدة إلى إعادة رسم الخارطة القديمة للمنطقة على أساس طائفي وإثني عشري وقومي، بحيث تنشأ دول جديدة وتضمحل أخرى. وقد نشرت مجلة عسكرية أمريكية مؤخرًا خرائط دقيقة للمنطقة التي تريد إعادة رسمها في تقرير مهم، على أن تكون أدوات هذا المشروع هي القوة العسكرية، المالية، الإعلامية، والديمقراطية الأمريكية، بالإضافة إلى الاستعانة بجهود الدول الحليفة والصديقة ورؤسائها، ونقطة الانطلاق في هذا المشروع برمّته تبدأ في العراق، ومن ثم تنتقل إلى الدول الأخرى»!([162]).
وبالتالي فإنه في حال افتراض غياب أي دور خارجي في دفع حزب الله للقيام بهذه العملية، التي أعد لها حزب الله منذ (5) أشهر سابقة حسب تصريح نصر الله، فإن حزب الله يحاول بهذه العملية تعزيز وجوده كقوة لا ينبغي إغفالها في حال رسم الخارطة واختيار الوكلاء وتوزيع المكاسب! خاصة وأن إيران تساهم بدورها في هذا المشروع لتحقيق مصالحها الإقليمية!
وبالتالي فإن حسابات حزب الله ليست داخلية فقط، ففي عام (1999م) سئل حسن نصر الله.. هل أنتم معنيون بالمفاوضات القائمة الآن بين السوريين والإسرائيليين؟ فأجاب: «طبعًا نحن معنيون بكل ما يجري في هذه المنطقة، لأن ما يجري الآن سيحدد مصير هذه المنطقة، مصير مقدساتها وأرضها وشعوبها ومستقبل الأجيال فيها، وأمام أي حدث سياسي محلي أو إقليمي يطال المصير الوطني والمصير القومي، بالتأكيد الجميع يشعر بمسؤولية تجاه هذا الأمر»!!([163]).
هذه المسئولية التي يتحدث عنها حسن نصر الله، نابعة عن تبعية لإيران ووحدة مصير معها بالإضافة إلى سورية، فهو يقول: «مرجعيتنا السياسية هي في قيادة حزب الله، دمشق وطهران بالنسبة إلينا هي دول صديقة، وهم إخوة وداعمون ومساندون، ونحن نعيش معهم أكثر من مسألة أخوة وصداقة، نحن نعيش جسدًا واحدًا أو وحدة مصير كما نعبر نحن في لبنان!! نعم هناك مسألة فيما يعني طهران، أنّ عليك أن تميز بين موقعين: نظام الجمهورية الإسلامية والمتكون من مؤسسات هذا النظام.. هذا النظام بالنسبة إلينا هو نظام نحترمه ونجله ونقدره ونقيم معه علاقة صداقة، لكن هذا النظام ليس قَيِّمًا علينا ولا وصيًّا علينا، وأنا أقول لك: أنهم هم أيضًا يرفضون أن يكونوا قَيِّمين أو أوصياء على حزب الله أو على غير حزب الله، وهذه حقيقة نحن عشناها في تجربة طويلة معهم. هناك موقع آخر بمعزل عن مسألة النظام السياسي والحكومة والسلطة ومؤسسات الدولة انطلاقًا من موقعنا الفكري والفقهي... نؤمن بما يُسمَّى بـ (ولاية الفقيه) وأن علينا أن نرجع في أمورنا الأساسية وخصوصًا في أبعادها الشرعية، باعتبارنا حركة ملتزمة إيمانيًّا وإسلاميًّا إلى فقيه عادل كفء، شجاع، مدير، مدبر، جامع للشرائط -كما يقولون-، وهذا الأمر هو قائم، سواء كان هناك دولة إسلامية اسمها نظام الجمهورية الإسلامية في إيران أو لا، يمكن أن يكون هذا الفقيه الذي نؤمن بولايته وكفاءته ومرجعيته موجود في (قُمْ) أو في (النَّجف الأشرف) أو في أي بلد عربي أو في أي بلد إسلامي. نحن ارتضينا من خلال التجربة ومن خلال القناعة الشخصية في السابق، شخصية الإمام الخميني -قُّدس سِرُّه الشريف- كفقيه جامع للشرائط، يمتلك مواصفات ممتازة واستثنائية، ومن بعده ارتضينا سماحة الإمام الخامنئي كشخصية من هذا النوع»!!! هذا الموضوع «له أساسه الفقهي والفكري، وهذا أمر لا يخص بلدًا دون بلد، أو إقليمًا دون إقليم، يعني نحن نريد أن نرجع إلى هذا الفقيه ونسأله: ما هو رأي الإسلام؟ ما هو رأي الشريعة الإسلامية؟ ما هو رأي الفقه الإسلامي في هذه المسألة أو تلك؟ هذا لا يختلف الأمر بين أن يكون هذا الفقيه موجود في بيروت، أو النجف، أو طهران، أو قُمْ أو القاهرة مثلًا! أين يوجد هذا الفقيه؟ ليست هي المسألة الأساسية، طبعًا التطبيقات هي مسؤوليتنا، تفاصيل تطبيقات خصوصيات الوضع اللبناني، خصوصيات المنطقة...»! «في أي بلد حتى عندما تكون هناك دولة ليس كل القوى السياسية الموجودة في هذا البلد أو فئات شعب هذا البلد تُسَلِّم بشكل نهائي بمرجعية هذه الدولة!!! لأن هناك قوى موالية وقوى معارضة لها وجهة نظر فيما تقوم به هذه الدولة أو تمارسه، وكأنك تفترض أن ما تقرره الدولة يجب أن يلتزم به أفراد الشعب بمعزل عن أي وجهة نظر سياسية أو فكرية أخرى»!! و«هذا لا يعني على الإطلاق عندما تلتزم أنت بمرجعية شرعية معينة تعود إليها في رأي الإسلام في الواقع المعاصر حول قضايا معينة، لا يعني أنك تحولت إلى أداة في يد هذه المرجعية على الإطلاق!! ثم منذ انطلاقة حزب الله في لبنان منذ سنة (1982م) إلى اليوم كل ما قام به حزب الله في لبنان هو مصلحة لبنانية، هو مصلحة عربية، هو مصلحة إسلامية، ولم يتصرف من موقع الأداة في أي يوم من الأيام»!!!([164]).
حسن نصر الله، الذي اعتاد خلط الحقائق وسرد أنصافها، أكد في حوار آخر بأن هذه «الحرب كانت حرب مصير، ليست مصير حزب الله، مصير لبنان.. مصير فلسطين.. مصير العرب.. مصير المنطقة كلها كانت تود أن ترسم على أساس هذه الحرب»! و«الاستحقاق الكبير الثاني الذي يتكامل مع الأول هو مواجهة المشروع الأمريكي للسيطرة على منطقتنا»!([165]).
وعلى الرغم من أنه في (1) أغسطس أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية أيهود أولمرت بأن إسرائيل لن تقبل بوقف إطلاق نار في نزاعها مع حزب الله، قبل «تغيير جذري» للظروف على الأرض! مضيفًا بأنه إذا ما انتهت المعركة.. «يمكننا أن نقول: إن وجه الشرق الأوسط تغير»!! إلا أن شيئًا من هذا لم يتحقق في جانب حزب الله! لكن فيما يبدو فإن هناك تغيرًا حقيقيًا قد وقع مع إيقاف إطلاق النار بين الطرفين..!!
وقد بات واضحًا منذ انطلاق الحرب أن هناك قواعد متفق عليها بين الأطراف: ومن هذه القواعد بحسب الرصد والمتابعة لمجريات الحدث: تحييد المصالح الحيوية لإسرائيل وتحييد سورية وبقاء الحرب في حدود لبنان!
ففي (16) يوليو ورغم توسيع إسرائيل لرقعة عملياتها العسكرية واقترابها من سورية أكدت بأن سورية ليست هدفًا لعملياتها! في حين استدعت سورية جنود الاحتياط من عناصر جيشها المقيمين في لبنان! كما تعمد حزب الله في قصفه لإسرائيل «تحييد المصانع البتروكيماوية في حيفا، وهي تحت مرمى صواريخنا، حرصًا على أن يكون سلاحنا سلاح ردع لا انتقام»! - حسب قول نصر الله! وهذا الموقف بالتأكيد يأتي منسجمًا مع مطالب وزيرة الخارجية الأمريكية لإيران للضغط على حزب الله بعدم قصف هذين الهدفين المهمين لإسرائيل! وقد امتدحت جريدة هآرتس، في (6/7/2006م)، الأمين العام للحزب بسبب عقلانيته وتحمله للمسئولية في الحفاظ على الهدوء في الجليل الأعلى بشكل أفضل من جيش لبنان الجنوبي، وعقلانيته بعدم ضرب المنشآت الحيوية لإسرائيل!
حزب الله كان قد قصف مدن كرمائيل وصفد وطبريا وحيفا شمال إسرائيل بعشرات من صواريخ الكاتيوشا! وقد توعد حسن نصر الله بأن «لدينا الكثير الكثير وما زلنا في البداية»!! لكن هذه الصورايخ التي تعد بالمئات حسب حزب الله لم توقع خسائر ذات بال في إسرائيل! سوى الرعب والنزوح الجماعي للسكان! وهي مسألة وقت ليس إلا في حين أن أي تدمير يقع ستعوضه الولايات المتحدة الأمريكية من خلال معوناتها المفتوحة لإسرائيل!
لقد أشار نصر الله إلى أن مقاتلي الحزب ما زالوا يمارسون ضبط النفس ويتصرفون بردود فعل محسوبة ومدروسة!! لكنه حذر إسرائيل من أنها إذا اختارت المواجهة والتصعيد فإن المقاومة جاهزة للذهاب إلى أبعد ما يمكن «وعليهم أن يتوقعوا المفاجآت»!! لكن هذه المفاجآت لم تمس أي من قواعد اللعبة! على الرغم من أنه خاطب الإسرائيليين قائلًا: «أنتم أردتم حربًا مفتوحة، نحن ذاهبون إلى الحرب المفتوحة ومستعدون لها، حربًا على كل صعيد، إلى حيفا وصدقوني إلى ما بعد حيفا وإلى ما بعد ما بعد حيفا»! وأن «الذي سيدفع الثمن لسنا وحدنا»!([166]) مشيرًا إلى «تغير قواعد اللعبة»! من قبل الطرفين إسرائيل وحزب الله!([167]).
كما هدد نصر الله بأن «الوضع في إسرائيل سيزداد سوءًا مع توسعنا في مرحلة ما بعد حيفا»، مشيرًا إلى وجود «مليوني إسرائيلي بين نازحين وفي الملاجئ»! وأنه «مهما طالت الحرب نحن أهلها, لن ننكسر أو نهزم»!([168]) وهدد أيضًا في خطاب له بقصف تل أبيب في حال استهداف العدوان الإسرائيلي العاصمة اللبنانية بيروت!! وأكد على أن المقاومة قادرة على إطلاق العدد الذي تريده من الصورايخ، وفي الوقت الذي تريده، واستهداف المكان الذي تريده! وأن أي تقدم للقوات الإسرائيلية في لبنان لن يحول دون إطلاق هذه الصواريخ! وحمل مسئولية ما يجري من تقتيل وتدمير الإدارة الأمريكية! معتبرًا أن إسرائيل ليست إلا مجرد أداة لتحقيق ذلك! وأضاف بأن استهداف المدن الإسرائيلية يأتي في إطار رد الفعل على العدوان! وأنه في حال قرروا إيقافه ستتوقف المقاومة عن إطلاق الصواريخ! مشيرًا إلى تفضيله بأن تقتصر الحرب على المواجهة الميدانية!!!!([169]).
ورغم كل هذه التصريحات النارية والتهديدات التي ضجت بها وسائل الإعلام، ظل نصر الله حريصًا على ألا تنفتح الحرب! وأن تظل مقتصرة على المواجهات الميدانية! وهو ما يضع علامات الاستفهام حول جدية هذه التصريحات التي أطلقها نصر الله!
من القواعد أيضًا عدم المساس بقيادة حزب الله وسلاحه رغم كل الإعلانات!
في (25) يوليو يعلن مسئول عسكري إسرائيلي بأن إسرائيل تحاول اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، قائلًا: إن النجاح في اغتيال كهذا هو ضرورة حيوية لإحداث الانعطاف في مسار الحرب وتغيير اتجاهها! وأضاف أن مسألة الوصول إلى نصر الله مسألة وقت لا أكثر!!
وفي (31) يوليو هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بالاستمرار في مطاردة قيادة حزب الله في كل مكان وزمان و«لن نسمح له بأن يستعيد قدراته القتالية»!! وبعد يومين (3/8) أعلن ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي أن التركيز سيتم في الفترة المقبلة على تنفيذ عمليات اغتيال لقادة حزب الله! معترفًا بأن قيادة الجيش أرادت أن تنفذ عمليات اغتيال كثيرة في صفوف حزب الله لكنها لم تستطع ذلك بسبب قلة المعلومات الاستخبارية!!
في (19) يوليو يشترط رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت لوقف إطلاق النار «إعلان لبنان دولة منزوعة السلاح الصاروخي بتاتًا»!!
وفي (25) يوليو يعلن وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس أثناء لقائه بوزيرة الخارجية الأمريكية عن نية إسرائيل احتلال منطقة في الجنوب اللبناني لفترة زمنية طويلة! وتحويلها إلى حزام أمني يحظر على حزب الله أو أية تنظيمات عسكرية أخرى دخوله!!
هذا الموقف تغير في (29) يوليو، حيث أفاد مسئول كبير بوزارة الخارجية الإسرائيلية بأن حكومته لن تطالب بنزع أسلحة حزب الله على الفور في إطار اتفاق لوقف القتال! وفي (10) أغسطس صرح مسئول إسرائيلي رفيع بأن مشروع القرار المعدل في الأمم المتحدة لن يطلب من قوات حفظ السلام نزع سلاح حزب الله!! لكنه سيدعو إلى منع الحزب من جلب أسلحة من إيران وسورية!!
هذا التحول الغريب والمفاجئ والذي جاء مترافقًا مع الهالة الدعائية حول قدرات حزب الله، وحول أن هناك إرادة أمريكية إسرائيلية عربية لبنانية لنزع سلاح المقاومة! والتوصل إلى قرار دولي فيما بعد يتجاهل سلاح حزب الله! يضع هو الآخر علامات استفهام عن جدية التهديدات التي أطلقتها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بهذا الشأن..!
إذن فيما كانت لبنان ساحة المعركة لإسرائيل شعبًا وأرضًا ومقدرات، كان حزب الله يجني الدعاية السياسية والترويج الإعلامي مع الحفاظ على قيادته وسلاحه! وهو ما راهن حزب الله عليه في الداخل! أما قصف مقرات الحزب ومقتل عدد من عناصره، فهي خسائر تقابل خسائر الطرف الآخر، وهي فيما يبدو ضرورية لعملية التجميل التي حملتها وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية للمنطقة!
لقد مثلت التهديدات المتبادلة بين حزب الله وإسرائيل مادة للتناول الإعلامي في حين عملت إسرائيل على تدمير لبنان وإعادته للخلف (20) عامًا! وهو ما دفع بوليد جنبلاط عضو البرلمان وزعيم الطائفة الدرزية اللبنانية في (15) يوليو للتصريح بالقول: بالنسبة لنوعية معينة من العرب ومن النخبة يعتبر نصر الله بطلًا، ولكن الثمن في غاية الارتفاع، ندفع ثمنًا غاليًا!
نتائج الحدث في ميزان الربح والخسارة:
في (13) يوليو وعقب العملية مباشرة هددت إسرائيل «بإعادة لبنان (20) عامًا إلى الوراء»! وانطلقت آلة الحرب الإسرائيلية بالفعل في حرب مفتوحة حيث امتد القصف الإسرائيلي من جنوب لبنان حتى شماله مرورًا بشرقه والعاصمة بيروت! شاملًا العديد من المرافق العامة من مطارات وموانئ وطرق وجسور وخزانات مياه ومحطات وقود!
فيما حزب الله أعلن عن إسقاط طائرات هليكوبتر، وإغراق وضرب بارجتين بحرية، وتدمير عدد من الدبابات الإسرائيلية، وقصف إسرائيل بالمئات من صواريخ الكاتيوشا، وقتل وإصابة العشرات من الجنود الإسرائيليين!
هذه نتائج العراك الميداني الآنية! وهي نتائج متوقعة في أي حرب عسكرية، تكتيكية كانت أم إستراتيجية، وسواءً كانت حربًا بين أعداء تقليديين أو صراعًا بين متنافسين! إلا أن هناك نتائج مختلفة ترتبت على هذه الحرب..!
فعلى صعيد حزب الله:
سنأتي على نتائج (أو بمعنى أصح مكاسب) حزب الله، في هذه المعركة التي يرى حزب الله أنه خرج فيها منتصرًا..
وهذه بعض تصريحات قياداته في هذا الشأن: «نحن اليوم نحتفل بنصر إلهي تاريخي إستراتيجي كبير، وكيف يمكن لعقل بشري أن يتصور أن بضعة آلاف من أبنائكم المقاومين اللبنانيين، ولو شئت لقلت العدد بالدقة والتحديد، وقفوا (33) يومًا في أرض مكشوفة للسماء، وأمام أقوى سلاح جو في منطقة الشرق الأوسط، وله جسر ينقل إليه القنابل الذكية من أمريكا إلى بريطانيا إلى إسرائيل»! «نحن نشعر أننا انتصرنا»!!
«لا تحولوا الانتصار التاريخي الكبير، لا تسجنوه في علب حزبية أو مذهبية أو طائفية أو قطرية، هذا نصر أكبر بكثير مما تطيقه عقولنا ومما تستوعبه عقولنا»! وهو انتصار بحسب نصر الله «الأسابيع والشهور والسنوات المقبلة هي التي ستؤكد هذا المعنى»!
«اليوم مقاومتكم هزت صورة إسرائيل: صورة الجيش الذي لا يقهر أنهيناها، مقولة الدولة التي لا تقهر أنهيناها، بجد خلصنا»! «عدة آلاف في لبنان هزموا إسرائيل»! «إننا في يوم النصر الإلهي»! «نحن خضنا حربًا (33) يومًا وكنا مستعدين لحرب طويلة! ما قدمناه في الحرب هو جزء بسيط من قدراتنا»!([170]).
النصر الذي يصفه حسن نصر الله بأنه «إستراتيجي وتاريخي» وبأنه «ستكون له تداعيات كبيرة جدًا على المستوى الإسرائيلي الفلسطيني وعلى مستوى العالم العربي وعلى مستوى المنطقة»! لا يزال الوقت مبكرًا في نظره لاستيعاب «نتائجه الإستراتيجية وتداعياته الكبيرة»!.. «من فلسطين إلى العراق إلى إيران، بل حتى إذا تجاوزنا المنطقة العربية»!([171]).. لا شك أنه ليس نصرًا عسكريًا بالدرجة الأساس كما يبدو من تصريحاته، فقد كانت إسرائيل وأمريكا من ورائها أن تصنع بحزب الله أكثر مما صنعت بأفغانستان والعراق لو أرادتا ذلك! وهذه حقيقة واقعية!
لقد كان من الضروري سياسيًا على حزب الله أن يعلن انتصاره في مواجهاته الأخيرة لسبب بسيط هو أن الخروج بعد الدمار والخراب والخسائر التي لحقت بلبنان والقتلى والضحايا الذين سقطوا صفر اليدين يؤكد مبدأ المغامرة الذي أشارت إليه بعض الأطراف العربية واللبنانية، وإن كان منطلقها في هذا التقييم لا يستند لبعد جهادي مقاوم هو الآخر! وبالتالي يضعف موقف الحزب في المطالب المطروحة عليه داخليًا ويضع سلاحه في مرمى خصومه الراغبين في نزعه منه أسوة ببقية الطوائف المجردة من السلاح في لبنان!
ومن خلال قراءة الحدث وتبعاته يمكن أن نلخص هذا النصر الذي يشير إليه نصر الله فيما يلي:
-   تحسين صورة الشيعة التي بدأت تحترق على الساحة العربية وعلى الصعيد الإسلامي.. يقول نصر الله:
«أعتقد أن نتائج هذه الحرب وآثارها... سيدفع حزب الله إلى المزيد من التواصل على أساس الثقة والأمل في المستقبل، نفس هذه المشاعر أعتقد أنها مشاعر شيعية عامة وليست مشاعر حزب الله لوحده أو مشاعر حركة أمل لوحدها. في المحصلة حصلت الحرب أنا أعتقد أن توجه الشيعة باتجاه تمتين علاقاتهم وحضورهم وتقويتها مع بقية اللبنانيين سيكون أقوى في المرحلة المقبلة»!!
وفي حين أن «لبنان كله دفع الثمن! ولو أن الشيعة دفعوا الثمن الأكبر! أصلًا هم شكلوا منذ العام (1982م) حتى العام (2006م) الحاضنة الأولى للمقاومة! وإن كانت لها حاضنات في بقية الطوائف»!!([172]).
إذن حسن نصر الله يريد أن يؤكد على طبيعة المقاومة (الطائفية) ! يقول نصر الله: «إن حجم الانجاز والنصر الذي تحقق وفي مقدمة النتائج الموضوع المتصل بالسنة والشيعة، نعم المشروع الأساسي بعد الغزو الأمريكي للعراق، والذي ما زال يهدد هذا البلد العربي ومن خلاله كل الأمة العربية والإسلامية، ويعمل له أمريكيًا وإسرائيليًا هو مشروع الفتنة الساحقة والماحقة التدميرية التقسيمية بين السنة والشيعة»! ويضيف: «نعم هناك قلق كبير في العالم العربي والإسلامي من انفجار شيعي سني، وهو قلق مشروع وصحيح وواقعي، لكن أهمية ما حصل في مواجهة الحرب الإسرائيلية على لبنان والمقاومة، أن حزب الله من خلال المقاومة استطاع خلال السنوات الماضية أن يشكل جسر اتصال وحوار وإعادة ترميم ثقة أو معالجة أزمة الثقة التي كانت تنشأ بين السنة والشيعة في هذا البلد أو ذاك، مع العلم أن حزب الله كان يقوم بهذا الدور في غالب الأحيان بعيدًا عن وسائل الإعلام»!!
إذن هي تحسين صورة وتسويق دعائي للشيعة في العالم الإسلامي من بوابة فلسطين والمقاومة! «أنا لا أقلل من هذه النتيجة، وهذا أمر تاريخي بأن يحصل حزب لبناني مقاوم على كل هذا التقدير والاحترام والمحبة والاحتضان في العالمين العربي والإسلامي حيث الأغلبية سنية! وأن من يحظى بالتقدير هو حزب شيعي! هذا بحد ذاته إنجاز تاريخي وأنا لا أقلل من قيمته»، ويؤكد أن «حزب الله، أو أنا شخصيًا، صرنا نحظى باحترام كبير في العالمين العربي والإسلامي وبثقة ومصداقية نتيجة السلوك والتضحيات والصمود والانتصار والإنجاز وكون المواجهة مع عدو هؤلاء جميعًا من العرب والمسلمين».. لقد جنى حزب الله من هذه الحرب سمعة حسنة في الأوساط السنية، تجاوزت حدَّ التضامن ضد إسرائيل إلى حدِّ التزكية المطلقة! مما دفع حسن نصر الله للإشادة بمواقف الشيخ يوسف القرضاوي والمرشد العام للإخوان المسلمين مهدي عاكف، «الذي تجاوز مجرد التعبير السياسي أو الديني أو الفقهي الطبيعي إلى مستوى المحبة والمودة واللهفة والاحتضان العاطفي، وهو الموقف الذي كان له أثره الكبير على مستوى حركة الإخوان المسلمين في العالم»!
وقد صرح نصر الله أن «هذا من بين أهم النتائج الإستراتيجية التاريخية عندما قلت: إننا نواجه نصرًا إستراتيجيًا تاريخيًا ولم أقم بتفصيل معنى هذه الجملة»! إذن أعطت الحرب الأخيرة حزب الله شهادة بالمقاومة الشريفة التي صمدت أمام جبروت الآلة العسكرية، وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر!! «إن الانتصار والصمود الأخيرين جاءا من أجل أن يعطيا الحزب والمقاومة في لبنان مكانة واحترامًا ومصداقية في العالم العربي، وليقدما المقاومة رمزًا ونموذجًا وقدوة وعبرة يمكن الاستفادة منها واستلهام تجربتها في مواجهة أعداء الأمة والعمل على تحرير المقدسات»!!([173]).
هذه القضية كانت شكلت للحزب حساسية خلال العام الماضي كما قال نصر الله: «طبعًا، هناك شيء تمت الإشارة له، وهو يحتاج إلى نوع من الدقة، يعني مثلًا حزب الله بقيادته وأفراده انتماؤهم غالبًا أو بشكل كامل إلى الطائفة الشيعية، التطوير التنظيمي في هذا الاتجاه قد طرح في أكثر من مراجعة، في ظل الوضع اللبناني القائم يجب أن تراعى بعض الحساسيات حتى في الاتصالات بسبب التعقيدات السياسية الداخلية.
مثلًا نحن خلال العام الماضي، وبسبب الحساسيات الخاصة التي كان يعمل عليها في لبنان نتيجة ما جرى في العراق وفي غير العراق في مسألة السنة والشيعة، أخذنا قرارًا في حزب الله أن ننشط حركتنا بشكل أوسع وأكبر باتجاه إخواننا السنة في لبنان»... ومع ذلك عاد نصر الله ليقول: «لكن نتيجة حساسيات الوضع اللبناني شعرنا أن حتى هذا الأمر هو بحاجة إلى بعض الدقة والمراجعة»!([174]).
تحسين صورة حزب الله كمقاومة إسلامية تمثل أنموذجًا يطرح للساحة، وكأن أفغانستان والعراق والشيشان والبوسنة والصومال لم تقدم أنموذجًا خلال مسيرة نضال الأمة ضد الاستعمار، بل كأن فلسطين تخلوا من المقاومة السنية المجاهدة..
يقول حسن نصر الله: «نحن لسنا تنظيمًا عسكريًا فقط، لسنا مقاومة فقط، نحن حركة إسلامية لبنانية لنا حضورنا السياسي ونشاطنا ومؤسساتنا الثقافية والتربوية والاجتماعية والإعلامية، وهذا أمر سيستمر بشكل طبيعي، خصوصًا إذا تحقق انتصار عنوانه انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، والذي يعرفه الجميع أن للمقاومة ولحزب الله بالتحديد فضلًا كبيرًا جدًّا في تحقيق إنجاز من هذا النوع»!!([175]).
«مقاومة التطبيع في المرحلة المقبلة لا يقل أهمية عن المقاومة المسلحة، لأن مقاومة التطبيع هي التي يمكن أن تحد من خسائر التسوية، ونتمكن فيها من مواجهة مخاطر هذه التسوية، والوقوف في وجه مشروع إسرائيل العظمى»!([176]).
«عمليات المقاومة الإسلامية بالأعم الأغلب هي عمليات لأعضاء في حزب الله، أحيانًا تحصل عمليات من قبل الإخوة في الجماعة الإسلامية في لبنان، أو من بعض الفصائل الإسلامية اللبنانية..»! «99%، بات هذا العنوان بفعل المصداقية والتجربة هو عنوان لعمليات حزب الله، هناك لبنانيون من غير أعضاء حزب الله دخلوا في إطار شُكِّل قبل سنوات قليلة اسمه (السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي) ([177])، لبنانيون من كل الطوائف ومن اتجاهات سياسية مختلفة، يقاتلون معنا بهذا الاسم، أحيانًا بعض الفصائل الفلسطينية الموجودة في لبنان تنفذ عمليات بالتعاون معنا»!([178]).
«ألا يعرف هذا العدو من نحن؟ نحن أبناء ذاك الإمام الذي قال: أبالموت تهددني يا بن الطلقاء!.. إن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة»! «كيف يمكن لهذه الثلة من المجاهدين أن تهزم هذا الجيش إلا بنصر من الله وعون من الله وتأييد من الله سبحانه تعالى»! «هذه التجربة -تجربة المقاومة- التي يجب أن تنقل إلى العالم، تعتمد على الإيمان واليقين...»!!([179]).
«الذي أوقف الحرب بعد فضل الله عز وجل، أبناؤكم المقاومون...»! «إن مقاومتكم وصمودكم أفشل كل أهداف العدوان، وهذا انتصار»!([180]).
«المقاومة اللبنانية اليوم تلهم كل مقاومي العالم وكل أحرار العالم وكل أشراف العالم وكل الرافضين للخضوع والإذلال الأمريكي في العالم. هذا هو انتصارنا وهذه هي نتيجة معركتنا أيضًا»! مقاومتكم «حجة على كل العرب وعلى كل المسلمين، على الحكام وعلى الجيوش وعلى الشعوب، بالأمس ذهبت مجموعة الدول العربية إلى مجلس الأمن تستجدي سلامًا وتسوية، وأنا أقول لهم: لا أحدثكم عن إزالة إسرائيل، أحدثكم عن التسوية التي تطلبونها، كيف ستحصلون على تسوية مشرفة وأنتم تعلنون صباح مساء أنكم لن تقاتلوا لا من أجل لبنان ولا من أجل غزة ولا من أجل الضفة الغربية ولا حتى من أجل القدس»! «ولا تسمحوا للمقاومة في فلسطين أن تتسلح وتحاصرونها ولا تعطونها المال وتجوعونها وتقطعوا عنها الرواتب»!([181]).
وقد وصف نصر الله سلاح حزبه!! بأنه «ليس سلاحًا شيعيًا، هذا سلاح لبناني، هذا سلاح المسلم والمسيحي، هذا سلاح السني والدرزي والشيعي، هذا سلاح كل لبناني يتطلع لحماية لبنان ولسيادة لبنان واستقلال لبنان»! «لا تسمحوا لأحد أن يحول الانقسام السياسي إلى انقسام مذهبي وانقسام طائفي، يحرم تحريك المذهبيات والطوائف للدفاع عن خيارات سياسية»!!([182]).
الدفاع عن أجندة حزب الله داخليًا، وهي أجندة تهدف إلى جني ثمرة النصر والحفاظ على السلاح والمشاركة الفاعلة في صياغة الدولة لصالح تمكين الحزب والطائفة والتحالف الإقليمي:
يقول حسن نصر الله: «.... هذا يعني أن لبنان مهدد في شكل يومي، باعتداء إسرائيلي قد يحصل في لحظة يكون فيها الناس نائمون ويحصل شيء في بلد من بلدان العالم وتحمّل إسرائيل لبنان المسؤولية وتعتدي عليه. ولبنان في ذلك الوقت يجب أن يدافع عن نفسه، وفي الدفاع عن نفسه يجب أن يستفيد من كل القوى المتوافرة لديه وفي طليعتها المقاومة، أي: أريد أن أقول: إنه طالما لبنان في دائرة التهديد الإسرائيلي اليومي يجب أن يحتفظ بالمقاومة، ويجب أن يحافظ على جهوزية المقاومة وعلى سلاحها للتمكن من مواجهة هذا الخطر»!! «طالما إسرائيل تهدد لبنان كل يوم بالضرب والإعتداء والعقاب والحساب من حق لبنان أن يحتفظ بكل عناصر القوة التي يمكن أن تواجه هذه التهديدات الإسرائيلية»!!([183]) وعليه تضل مسألة سلاح حزب الله غير خاضعة للنقاش حتى مع توفر الاجتماع الوطني.. «هذا الموضوع معقد! بالنسبة إلينا الإجماع الوطني أمر نحبه ونعتبره عنصر قوة أساسيًا! ولكن ليس سببًا لا لقيام المقاومة ولا لاستمرارها»!!([184]).
وحول ثمن المقاومة المؤخر يقول نصر الله: «بمعزل عن مستقبل المقاومة فإن حزب الله له حضور سياسي كبير، وهو يتبنى قضايا الناس والفقراء والمستضعفين والعمال والمناطق المحرومة، ويهتم بكل شاردة وواردة من الحياة السياسية، بالتأكيد في الفترة المقبلة سيكون له اهتمام أكبر وحضور أكبر، من ناحية أخرى، ونتيجة للنصر الذي تحقق، فمن الطبيعي أن يكون لهذه القوى التي صنعت هذا النصر دور وتأثير أهم في الحياة السياسية اللبنانية، وهذا ليس من قبيل الحصول على ثمن وإنما من قبيل ممارسة الدور الذي يحتاجه الوطن والمجتمع اللبناني»!([185]).
لقد كان عذر حسن نصر الله عام (2000م) بقاء الاحتلال.. «بالنسبة إلى عناصر المقاومة لم يحن الوقت بعد للحديث عن مستقبل هؤلاء الشباب، لأن المسائل لم تنته حتى الآن، فما زالت هناك أراض لبنانية تحت الاحتلال، أعني مزارع شبعا، وما زال لبنان في دائرة التهديد، وبحاجة إلى جهوزية هؤلاء الشباب ليحرروا بقية الأرض وليدافعوا عنه في مواجهة هذه التهديدات»!([186]) وهذا العذر لا يزال مطروحًا.. «إن أي حديث عن نزع سلاح المقاومة أو تسليم سلاحها في ظل هذه الدولة! وهذه السلطة! وهذا النظام! وهذا الوضع القائم! يعني إبقاء لبنان مكشوفًا أمام إسرائيل لتقتل من تشاء، وتأسر من تشاء، وتقصف كيفما تشاء، وتسلب أرضنا ومياهنا»!([187]) ونسي حسن نصر الله أن الشرف في إيصال هذه الدولة إلى هذا الوضع يعود للنظام السوري الذي حكم لبنان لأكثر من عقدين! وحزب الله الذي عمل على منع أي فصيل للمساهمة في المقاومة!
وحسب إفادة نصر الله فإن «المسألة ترتبط بالقرار السياسي: هل ستحول الحكومة اللبنانية الجيش اللبناني إلى وحدة عداد شكاوى وتسجيل خروقات؟ هذا معيب في حق الجيش اللبناني!»!([188]) وأن سلاح المقاومة «ما زال خاضعًا للحوار، والرئيس نبيه بري في خطابه الأخير أعلن باسمه وباسمنا أن من جملة الأولويات في المرحلة المقبلة هو محاولة التوصل أو الاتفاق وطنيًا على إستراتيجية دفاع وطنية بالاستفادة من تجربة الحرب الضخمة التي خضناها»!!([189]).
تصوير الحزب للحرب الأخيرة بأنها نصر إستراتيجي دفع قيادة الحزب للمطالبة باستحقاقات تجاه الدولة تصل إلى حد إسقاط الدولة في مضمونها!
يقول نصر الله: «في لبنان، رسالتنا هي أن خلاصنا جميعًا ورجاءنا وأملنا هو في بناء الدولة القادرة القوية العادلة العزيزة النظيفة» و«الأصل الذي يحمي وحدة -وسيادة- لبنان هو بناء الدولة القوية القادرة العادلة»! «الدولة القوية القادرة تعني التي تستطيع وبعزة أن تستعيد كل شبر من أرضها المحتلة، وأن تحمي كل قطرة ماء من نهر الوزاني والليطاني والحاصباني، والتي تستطيع أن تمنع العدو من الاعتداء على سيادتها يوميًا، والتي تستطيع أن تطمئن شعبها إلى أنها تحميه بحق، تحميه بالسلاح وبالقوة وبالعقل، وبالوحدة وبالتحصين، وبالتخطيط وبالإرادة الوطنية، أما الدموع فهي لا تحمي أحدًا»! «نحن نريد هذه الدولة القوية والقادرة والعادلة والنظيفة والمستقلة التي ترفض أي وصاية أو هيمنة أجنبية»!
ويطرح حسن نصر الله مسألة الدولة القوية كونها «المدخل الطبيعي لمعالجة مسألة المقاومة -السلاح»! وبهذا المنطق يطرح نصر الله مطالبه «المقاومة نتيجة لسبب الاحتلال، والاعتقال الأسرى، ولسلب المياه والتهديد للبنان، والاعتداء على السيادة اللبنانية وهذه هي الأسباب، عالجوا الأسباب»! وبالتالي «تعالوا وابنوا دولة قوية عادلة تحمي الوطن والمواطنين وأرزاقهم ومياههم وكرامتهم، وستجدون أن حل مسألة المقاومة لا تحتاج حتى إلى طاولة حوار»!
وحسن نصر الله يطرح هذا الحل و«هو الخيار الصحيح الطبيعي المنطقي العاقل المسئول الوطني» في رأيه وإما «جرها إلى فتنة مع الجيش اللبناني»! مستشهدًا في هذا الصدد بتصريحات، تثير التساؤلات! لوزيرة خارجية العدو الإسرائيلي تسيبي ليفني ووزير حرب العدو موشي أرينز، التي تنص على أن إسرائيل كانت تريد «تفكيك حزب الله بالكامل» لكنها اكتشفت أن «أي جيش في العالم لا يستطيع أن يفكك تنظيمًا كهذا التنظيم»!! ويعلق نصر الله على هذه التصريحات في رسالة للداخل: «إن أي جيش في العالم لن يستطيع أن يلقي سلاحنا من أيدينا»!([190]).
نصر الله الذي طالب بإسقاط الحكومة الحالية تلميحًا، لأن «هناك تحديات خطيرة وفي مواجهة هذه التحديات لا يستطيع الفريق الحاكم حاليًا في لبنان أن يواصل السلطة والعمل»! ولأنها «بكل صراحة، الحكومة الحالية ليست قادرة لا على حماية لبنان، ولا على إعمار لبنان، ولا على توحيد لبنان»! وأن «المدخل الطبيعي هو تشكيل حكومة وحدة وطنية»! و«هذا مشروعنا الجدي الذي سنعمل جميعًا في كل قوة في المرحلة المقبلة. والأمر الثاني في بناء الدولة العادلة القوية المقتدرة يبدأ من وضع قانون انتخاب منصف تشعر فيه كل الطوائف وكل التيارات السياسية بأن أمامها فرصة واقعية لتمثيل حقيقي ولا تشعر فيه أي طائفة أنها باتت مستتبعة لطائفة أخرى»!([191]).
ويذهب نصر الله إلى أن «التوازن السياسي غير موجود في الحكومة! وهذه الحكومة لا تعبر عن توازن سياسي»! رغم تمثيل حزب الله فيها! وأضاف أن «المصلحة الوطنية تكمن في تشكيل حكومة وحدة وطنية من خلال ضم التيار الوطني الحر بزعامة العماد ميشيل عون -وهو حليف مقرب اليوم من حزب الله- إليها! وقوى سياسية فعلية أخرى في البلد»!([192]).
هذه المطالب ترددت على لسان نعيم قاسم: «سأقول مجموعة أفكار نراها لمصلحة هذه الدولة المستقبلية، الأمر الأول: من المناسب إعادة النظر بتركيبة الحكومة بحيث أنه إذا تم اختيار حكومة وحدة وطنية تستطيع أن تقوم بالأعباء الكبيرة والخطيرة التي ألّمت بلبنان، نحن اليوم نختلف عما كان عليه في السابق، أنا لا أدعو إلى إسقاط الحكومة، أنا أدعو إلى أن نفكر معًا في إنعاش الحكومة بأن تكون حكومة وحدة وطنية يضم لها الجنرال عون وآخرين من أجل أن ننهض معًا ونشعر الجميع أنه في هذه الدولة لا يوجد غلبة، يعني فلننزع من أذهاننا فكرة السيطرة والغلبة والاستئثار هذا يعطل مسار الدولة هذا أولًا»! لكنه استخدم لغة التهديد للأغلبية النيابية والحكومية، الذين وصفهم بأنهم القادرون على أن يقرروا ويوافقوا مع الأطراف الأخرى على حكومة وحدة وطنية، بالقول «وإلا بيصير في عمل مختلف! نحن لسنا مع العمل المختلف، يعني لسنا مع الإسقاط، لسنا مع أن نجعل توتر سياسي معين بيقلب البلد»!([193]).
أما بشأن سلاح حزب الله، فقد أعلن حسن نصر الله، في (25/6/2006م)، أمام عشرات الآلاف من أنصاره أن التفكير بنزع سلاح حزب الله «جنون»!! و«أن الحزب سيقاتل كل من سيسعى لنزع هذا السلاح»! وفي حين أعرب نصر الله عن استعداده لفتح نقاش مع الأطراف الداخلية في لبنان لمناقشة نقاط القلق من سلاح حزب الله! أكد بالمقابل الإصرار على الحفاظ على فعالية المقاومة! رافضًا في الوقت ذاته فكرة جمع أسلحة الحزب لوضعها في مخازن! أو نزع الأسلحة الثقيلة وإبقاء الخفيفة والمتوسطة بيد أتباعه! معتبرًا «هذين الاقتراحين سخيفين»!!
يقول علي الأمين، مفتي صور وجبل عامل، في معرض رده على سؤال عن نظرته حول مدى تسليم حزب الله لسلاحه من خلال طرح حسن نصر الله: «لم يظهر من حديث نصر الله أنه عازم على تسليم السلاح للدولة اللبنانية! وإن أظهر الاستعداد للتعاون مع الجيش اللبناني في الجنوب وقوات الطوارئ الدولية وكان في حديثه غموض من هذه الناحية (تسليم السلاح) وهذا القرار وغيره من القرارات المهمة تتأثر غالبًا بالعلاقة مع إيران التي يوجد لها تأثير قوي داخل حزب الله وقيادته»!([194]).
- رهن لبنان لسورية وإيران ووضعها في حالة عدم استقرار دائم عوضًا أن يتمكن فيها السنة، أو تكون سندًا للقضية الفلسطينية إذا تسننت:
إن الوضع المأساوي الذي وضعت فيه حركة حماس من قبل أطراف داخلية في فلسطين، ومن قبل الدول العربية، ومن ورائهم النظام الدولي الذي تمسك الولايات المتحدة الأمريكية بأوراقه أفسح المجال لحزب الله، بعد أن خلت له الساحة، ليقدم نفسه كمقاومة إسلامية عربية صنعت المعجزات والخوارق!! التي لم يأت بها الزمان!!
في حين أن رغبة حزب الله من مثل هذه العمليات هو الاحتفاظ بمبرر لسلاحه الطائفي وإبقاء لبنان رهن التهديدات الإسرائيلية حتى ترتمي في أحضان ما يسميه حسن نصر الله محور المقاومة: طهران- دمشق!([195]) والتي يقول عنهما نعيم قاسم: «حزب الله حليف لإيران وحليف لسورية ونقولها على رأس السطح، مش خجلانين! لأن إيران وسورية داعمتان أساسيتان لحق المقاومة في فلسطين ولبنان»!([196]).
من الجدير بالذكر هنا أن نذكر بأن الرئيس بشار الأسد في حوار مع الـ«بي.بي.سي» أبدى قبول سورية «في مرحلة قادمة, بصرف النظر عن طولها, العيش جنبًا إلى جنب بسلام ووئام مع إسرائيل، وأن يقبل كل منهما بوجود الآخر»، كما أشار المذيع السائل! مؤكدًا بأنه «لا مشكلة إطلاقًا في ذلك»! ومضيفًا «لماذا نريد أن نحقق السلام?! كي ندخل في حرب?! هذا أمر بديهي!»!!([197]).
لقد اعتبر عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السوري السابق، في حوار مع قناة العربية، في برنامج مقابلة خاصة، في (30/12/2005م)، التعاون المستمر والنشط بين أجهزة المخابرات السورية وأجهزة المخابرات الأمريكية حتى تموز (2005م)، متناقضًا مع الممانعة السورية للسياسة الأمريكية! كما اعتبر تسليم دمشق للقوات الأمريكية المحتلة شقيق صدام حسين غضبان الحسن! وامتناعها عن استقبال ولدي صدام عدي وقصي وإعادتهما بعد اكتشاف وجودهما على الأراضي السورية إلى العراق! ورفضها دخول طارق عزيز إليها! واتخاذ إجراءات صارمة لمنع تسلل المقاومين إلى العراق! محاولة سورية لتخفيف الضغط الأمريكي واسترضاء إدارة البيت الأبيض!
فالحقيقة إذن هي وجود حلف إيراني سوري لبناني (أمل- حزب الله) يهدف إلى تحقيق مصالحه على حساب المقاومة من خلال تغليب طائفة على أخرى وتهميش كل الخصوم سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وعسكريًا! واحتكار العمل المقاوم لغايات إستراتيجية، يتحول حزب الله معها وسلاحه وعلاقاته وساحاته إلى «مقدس لا يمس»!
يقول محمد علي الجوزو مفتي جبل لبنان، في حوار معه: «سألوني عدة مرات لماذا كان حزب الله الذي يحمل هوية شيعية وحده يقاتل على الساحة ولم يكن لأهل السنة دور إلا المساندة والاحتضان كما تعرف؟ وكنت أجيب الكثير من الإخوة الذين لا يعرفون حقيقة ما يدور على الساحة اللبنانية بأن الشقيقة سورية تحالفت مع الجانب الشيعي وأسست له جيشًا، أو أكثر من جيش، ومكنتهم من التسلح بالاتفاق مع إيران، بينما حرمت البقية من أبناء الشعب اللبناني من هذا الشرف، يعني منعتنا من أن نتسلح بل وألقت الكثير من أبنائنا في السجون واضطهدتهم وعاملتهم أسوأ معاملة، ونحن نعرف كيف أن حافظ الأسد عندما دخل لبنان عام (1976م) دخل من أجل ضرب الحركة الوطنية والثورة الفلسطينية على أرض لبنان، وكان هذا بالاتفاق مع أمريكا وإسرائيل، وقد واجه مقاومة شديدة من قبل جميع الأطراف الموجودة على الساحة اللبنانية، وكانت مقاومة شديدة لدخوله في هذا الوقت مما جعله أي حافظ الأسد خصمًا للأطراف التي قاومته، وعلى رأسها أهل السنة والفلسطينيون، من هنا كان لابد له بعد ذلك أن يتحالف مع من؟ مع الشيعة، وهذا أخل بالتوازن على الساحة اللبنانية، وجعل المقاومة مقصورة على إخواننا الشيعة».
ويقول أيضًا: «أنا أحمل العرب مسئولية تخليهم عن المقاومة الفلسطينية، لأننا بذلك أتحنا الفرصة للتيارات الدينية التي تدين بالولاء لإيران لتسيطر على الساحة العربية والفلسطينية! بينما أصبحت الدول العربية لا تأثير لها في ساحة المقاومة»! ويضيف: «السنة علموا الناس حمل السلاح حتى في لبنان، لولا الثورة الفلسطينية في لبنان لما حمل أحد من اللبنانيين السلاح وما عرف أحد المقاومة! وأول حزب شيعي أنشئ في لبنان، وهو حركة أمل، أنشأه للأسف الشديد أبو عمار -ياسر عرفات، أبو عمار هو من منحها السلاح ودربها، ثم تمت محاربته بنفس السلاح!! هل سنتخلى عن كل أمجادنا من أجل حسن نصر الله؟! هذا أمر غريب!».
ويذكر أنه التقى مع حسن نصر الله وتحدث معه بشأن المقاومة: «ذهبت إليه -نصر الله- وقلت له: لماذا تنغلقون على التشيع؟! السنة يصفقون لكم في كل أنحاء العالم العربي، لماذا لا يكون ضمن عناصر حزب الله سنة؟! طبعًا لم يقبل! لأنه يريد الحزب شيعيًا! وبعد ذلك نجدهم يتساءلون: لماذا لم يقاتل معنا السنة؟!.. فسورية علوية وإيران شيعية والتحالف سائر! وما أطلق عليه الملك عبد الله الهلال الشيعي كنت قد حذرت منه من قبل»!
لقد «عملت -إسرائيل- على تدمير لبنان تدميرًا وحشيًا! قضى على كثير من القرى اللبنانية، وأيضًا لم يبق من البنية التحتية إلا شيء قليل.. يعني كل ما قام به السيد رفيق الحريري من إعمار وبناء في لبنان دمرته يد الإجرام الصهيونية، وهذا طبعًا نشأ بسبب خطف الأسيرين الصهيونيين»! و«هذا الموقف ما ترتب عليه من دمار شامل يحتاج لسنوات من أجل معالجته»!([198]).
-   إغراق المنطقة في المزيد من التدمير وإضاعة طاقاتها ومقدراتها في إعادة عمران ما تدمره الحروب.. وهي إرادة ترضي نهم الدول الغربية التي تستفيد من إعادة البناء لإدارة محركات مصانعها بين فترة وأخرى! بالإضافة إلى توسيع حضور القوات الدولية في المنطقة لصالح إضعاف الحراك السني وجهود المقاومة السنية في المنطقة!
سبق وأشرنا أن الشيخ سعيد حوى كان قد تطرق لهذه المسألة في حديثه عن الحرب الإيرانية العراقية، وهي بالفعل مسألة تلفت الانتباه في طبيعة الحروب التدميرية التي تتعرض لها دول المنطقة.. أفغانستان، العراق، فلسطين، ولبنان مؤخرًا...
يقول نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله حول خسائر لبنان الأخيرة في حوار مع الجزيرة: «هذه خسارة مادية يمكن أن تعوَّض»! مشيرًا إلى أنه «اليوم عندنا حوالي (30) ألف منزل بين تهدم كلي وتهدم جزئي بإحصاء تقريبي، هذا ممكن يزيد شوي ممكن ينقص شوي»! وإلى أن مسألة الإعمار «واجب الدولة اللبنانية» أساسًا!([199]).
إذن بهذه الازدواجية يتعامل حزب الله مع الدولة التي يريدها قادرة! فقرار الحرب خارج عن إرادتها بينما تتحمل دفع فاتورة حساب لم تحصل من ورائه على إنجاز! يقول علي الأمين: «من يدعي الانتصار فهذا شأنه! ونحن لم نكن نتمنى مثل هذا النصر لأنفسنا ولا نتمناه بالشكل الذي حصل لغيرنا! ولست أدري هل كنا خاسرين قبل (12) يوليو عندما لم يكن لدينا ألف شهيد وخمسة آلاف جريح وعندما لم يكن هذا الدمار الهائل موجودًا وأصبحنا منتصرين بعد (12) يوليو بهذه الأثمان الباهظة?! إني أرى أن يقال عنا أننا خاسرون قبل (12) يوليو ألف مرة من القول بأننا منتصرون!»!([200]).
ويقول محمد علي الجوزو: «ماذا سنفعل لو سقط الخليج والعراق وتمت محاصرته من إيران وسورية ولبنان، فأين سيكون الخليج ساعتها؟ هل سيقاوم الخليج ويحارب عن نفسه؟! وهل ستذهب مصر للدفاع عن الخليج؟! إذا سقط الخليج سقطت الثورة البترولية كلها في يد إيران والشيعة؟! اليوم يطالبون بتقسيم العراق! فسيكون البترول كله في الجنوب وفي يد الشيعة! وكركوك تطالب اليوم أن تكون عاصمة للأكراد والأكراد لا شيعة ولا سنة! رغم أنهم سنة في الأساس لكنهم باعوا الاثنين وقالوا إنا أكراد! ثروة العراق كلها ستكون في يد الأكراد والشيعة.. والسنة يشربون من البحر!!»، قلت من قبل: «ماذا لو تحالفوا.. إيران وشيعة العراق وعلويو سورية وحزب الله، وقد حدث!»!
ويلفت الانتباه لهذ الوجود الدولي قائلًا: «هذا الحشد الكبير من القوى الدولية هو لحماية إسرائيل للأسف الشديد»! «أنا أفهم النصر، وهو تحرير الأرض من عدو، لكننا بدلًا من التحرير عدنا بالعدو!»!([201]).
يقول القاضي الشيعي اللبناني محمد حسن الأمين: «يمكن اعتبار حرب يوليو استثنائية بقوة الدمار التي كانت أكبر من حجم المقاومة وخطورتها على الكيان الإسرائيلي. ونظرًا إلى واقع الكيان الإسرائيلي لم تستهدف إسرائيل المقاومة فحسب وإنما الشعب اللبناني كله. من هنا نرى أن هذه الحرب في جانب منها حققت أهداف إسرائيل. وفي جانب آخر، وهو جانب المواجهة البرية لم تحقق فيه أهدافها كطرف محارب لا يقوى أحد على مواجهته»!
ويضيف القاضي بأن ما لحق بلبنان يرضي أطرافًا إقليمية: «طبعًا هناك قوى إقليمية من مصلحتها سقوط مشروع الدولة. ليس في مصلحة إسرائيل أن تقوم الدولة المتنوعة الطوائف في لبنان لاعتبارات خاصة. ولكن أيضًا وبكل أسف قيام الدولة ليس في مصلحة جيراننا الآخرين أيضًا، النظام السوري لم يتحمل صدمة خروجه من لبنان، ولا يتورع عن أي شيء لإضعاف الكيان السياسي في لبنان»!!([202]).
إذن حتى سورية مستفيدة من إرهاق نمو لبنان لصالح اقتصادها وسياستها الإقليمية! وهكذا تكتمل خيوط المؤامرة دوليًا وإقليميًا على لبنان.. «لبنان أسير محاور متعددة. مشكلة لبنان كانت ولا تزال متأتية من التأثير الخارجي على البنية السياسية الداخلية. وإذا ذكرنا سورية وإيران والولايات المتحدة، فنحن نذكر عناصر لا شك في أنها مؤثرة فعلًا في بنية الاصطفاف السياسي الداخلي»!!([203]).
-   تحسين سمعة إيران والترويج لها في لبنان:
فقد وعد حسن نصر الله بأن هناك قوى إقليمية سوف تعوض المتضررين وتصلح الدمار دون «منٍّ أو أذى»!!
فقد تعهد بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي بـ:
1-   توزيع مبالغ مالية للأسر التي فقدت منازلها بما يناسب استئجارها منزلًا لها لمدة عام كامل.
2-   توزيع مبالغ مالية لهذه الأسر لتأثيث منازلها.
3-   توزيع مبالغ مالية للأسر التي لا تزال منازلها صالحة للسكنى رغم تضررها لإصلاح الأضرار.
4-   توزيع مبالغ مالية كتعويض لأصحاب الأملاك التجارية الذين دمرت مصالحهم.
5-   بناء منازل الذين دمرت منازلهم في الحرب.
6-   صرف مساعدات وإعانات شهرية لهذه الأسر.
7-   صرف مساعدات وإعانات للمرضى والجرحى والمصابين.
في المقابل وفي أول خطاب لحسن نصر الله بعد عملية «الوعد الصادق» تحدث عمَّا أسماه «تخلي غالبية الأشقاء العرب وغالبية الإخوة المسلمين وسكوت العالم كله»! وأضاف أنه لم يكن يتوقع من الأنظمة العربية وقوفها مع الجلاد ضد الضحية، مشددًا على أنه لولا المواقف العربية لما تواصلت العملية الإسرائيلية على لبنان ولانتهت بساعات!
في حديث لنصر الله عام (1999م) حول المصادر المالية لحزبه يقول: «من جملة هذه المصادر: التبرعات التي تجبيها مؤسسة كاملة فيها عدد كبير من الرجال والنساء اسمها (هيئة دعم المقاومة الإسلامية) وهذه تعمل في لبنان وفي خارج لبنان، وتجبي أموالًا طائلة بالمناسبة! من المصادر أيضًا ما نسميه نحن بالحقوق الشرعية، نحن في فقهنا لدينا إلى جانب الزكاة، في الفقه الجعفري، يوجد ما يسمى بـ (الخُمس) الذي نؤمن بأنه يتجاوز خمس غنائم الحرب إلى كل الأرباح.. أرباح التجارة، وبالتالي عندنا كل من لديه ربح في آخر السنة بعد تصفية رأس المال يجب أن يدفع خمس أمواله للجهات الشرعية المعنية بصرف هذه الأموال، وهذا من المصادر المهمة أيضًا. هناك مؤسسات في إيران مؤسسات إنسانية تكفلت بجوانب مهمة من الإنفاق.. أضرب لك مثالًا: نحن بالنسبة لعوائل الشهداء، وعوائل الأسرى، وبالنسبة للجرحى نحن لا نتحمل أي أعباء مالية مباشرة، هناك مؤسسات اجتماعية موجودة في إيران كمؤسسة (الشهيد) أومؤسسة (الجرحى) هي التي ترعى هؤلاء العوائل.. فيما يعني التقديمات الاجتماعية أيضًا هناك مؤسسات تساعدنا على هذا الصعيد، سلاحنا من خلال المال الذي يتوفر لدينا، نحن نؤمن من خلال الشراء احتياجاتنا للسلاح...»([204]).
لقد أعطى حزب الله لإسرائيل الضوء الأخضر للقيام بحرب شعواء على لبنان، كافة لبنان! فدمرت أكثر من (‏15)‏ ألف وحدة سكنية, ونحو (900) مبنى ومحل تجاري, فضلًا عن البنى التحتية من محطات كهرباء وجسور وطرقات ومصانع ومستودعات، ومرافق حكومية، وبنى في المطار والموانئ ومحطات الوقود! وغيرها! وهذا ما يتعجب له! لماذا استهدفت إسرائيل البنى التحتية لدولة لبنان بصورة أوسع من مواجهتها مع حزب الله، الذي كان في حالة ضبط للنفس؟! حتى قصفها لقناة المنار كان قصفًا للمبنى الذي كان خاليًا! وظلت المنار تبث برامجها من بيروت رغم إمكانية إسرائيل (وأمريكا من ورائها) تقنيًا من تحديد موقع البث!!!!([205]).
لقد بلغت كلفة الدمار الذي لحق بلبنان في تصريحات بعض المسئولين كأقل تقدير (3.5) مليار دولار, في حين غادر قرابة مليون‏ لبناني منازلهم ليشردوا في العراء ويلتحقوا بالملاجئ! وبلغ عدد القتلى ‏ نحو (‏1.100)‏ قتيل وعدد الجرحى (‏3.700‏) جريح غالبيتهم العظمي من المدنيين!
وفي نهاية المطاف يعلن حزب الله المقاوم بعد انتهاء اللعبة! قبوله بوقف إطلاق النار! ودخول القوات الدولية! وانتشار الجيش اللبناني وفقًا للقرار (1701)، الذي لم يخضع إسرائيل لأي عقوبة أو إدانة! بل يجيز لها القيام بهجمات داخل الأراضي اللبنانية بذريعة الدفاع! ولم يأت بأي ذكر للأسرى والمعتقلين اللبنانيين في إسرائيل!
وبالرغم من ذلك وجه مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي برسالة إلى حزب الله هنَّأه فيها، بعد صدور القرار (1701)، قائلًا: إن الذي أهديتموه للأمة الإسلامية بجهادكم وصمودكم المنقطع النظير يفوق حدود وصفي!
ترى ماذا أهدى حزب الله للأمة؟! ألم يقدم لبنان على طبق من ذهب لإيران؟! أليس هذا التعويض المالي القادم من طهران سيعزز تبعية الطائفة الشيعية لطهران، في حين أن هناك تقارير ميدانية تتحدث عن أن أغلب التعويضات والأموال تصرف للشيعة فقط، فيما القرى السنية في ضواحي بيروت أو في الجنوب والتي هدمت منازلها ومساجدها لا يجد أهلها تعويضًا ماليًا عمَّا لحق بهم من قصف ودمار وضياع للمصالح!([206]).
يقول علي الأمين، معلقًا على هذا التمويل القادم عبر حزب الله بصورة طائفية: «لا شك بأن إيران تعتمد على حزب الله في لبنان في الثقافة وغيرها ونحن لا نرى بأسًا في وجود روابط ثقافية بين إيران والشيعة وغيرهم في لبنان ولكن العلاقات يجب أن تكون بين إيران واللبنانيين من خلال الدولة اللبنانية ومؤسساتها المسئولة عن كل الطوائف اللبنانية وفي كل الأحوال فإن روابط المذاهب والأديان لا يجوز أن تكون على حساب الأوطان»!([207]).
ويقول محمد علي الجوزو: «إن هذا النصر يجب أن يكون نصرًا لبنانيًا محضًا لا يتبناه بشار الأسد ولا يتبناه أحمدي نجاد»، و«تكون النتيجة أن نتحول إلى مطبلين ومزمرين لإيران، ونعطي شهادة النصر لهما بينما تتهم الدول العربية بأبشع الاتهامات»! ويضيف: «نطالب حكامنا وقادتنا في الدول العربية أن يكون لهم موقف حاسم وحازم بالنسبة لأمريكا وبالنسبة لإيران، لأن الخطر يتهددنا جميعًا دون استثناء»!!
إن حسن نصر الله لا يتورع في كل مناسبة من التذكير بمواقف إيران مع لبنان وفلسطين وسورية: «أنا أعتقد أن موقف الجمهورية الإسلامية إلى جانب الشعب اللبناني وإلى جانب الشعب الفلسطيني هو موقف صادق وموقف عقائدي، هم تحملوا من أجل هذا الموقف الكثير من التبعات وقدموا الكثير من التضحيات»!! ويضيف: «نحن نثق تمامًا ونعرف جيدًا القيادة في إيران، والإخوة المسئولين في إيران، وأن التزامهم بدعم لبنان والشعب الفلسطيني وسورية ودول المنطقة وشعوب المنطقة في مواجهة الخطر الصهيوني هو التزام ديني وعقائدي ثابت وراسخ غير قابل لحسابات الأرباح والخسائر والمصالح، وقد أثبتت التجارب كل هذا»!([208]).
هذا الكلام يتناقض حقيقة مع كل الإحصائيات والأرقام المعلنة عن الدعم الحكومي والشعبي السني المقدم لفلسطين، قديمًا وحديثًا.. شعبًا وفصائل وجمعيات ومؤسسات خيرية وسلطة! ولن تكون هناك أي مقارنة بين الدعمين! أما دعم إيران للبنان فهو مقتصر كما أسلفنا على حركتي أمل وحزب الله فقط!
- رهن لبنان للوصاية الدولية، وهو ما يعني عدم تمكن أي قوى سنية مستقبلًا من امتلاك فرص التسلح للمقاومة أو الدفاع عن النفس!
ففيما يبحث الآن حزب الله عن استحقاقات «النصر الإلهي» في الطاولة السياسية تستلم القوى الدولية مكانه في حماية إسرائيل! وفوق ذلك وضع لبنان تحت الوصاية اللبنانية! الأمر الذي يفقد قوى المقاومة الحقيقية ولو بصيصًا من الأمل في الحصول على قطعة أرض تكون منطلقًا لمقاتلة إسرائيل!
ولعل البعض سيشير إلى أن حزب الله تضرر هو الآخر من الحصار الذي سيفرض على دخول السلاح إلى لبنان! والحقيقة هي أن الحرب الأخيرة بين الطرفين هي آخر المماحكات بينهما، كما صرح نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في حديث نشرته صحيفة «النهار» أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان بأن الحرب الدائرة في لبنان منذ الثاني عشر يوليو هي «آخر الحروب التي تشنها إسرائيل»! وقال قاسم في المقابلة ردًا على سؤال حول ما إذا كانت الحرب الدائرة حاليًا في لبنان هي آخر الحروب التي يشارك فيها حزب الله في جنوب لبنان «أعتقد أنها آخر الحروب التي يشنها الكيان الصهيوني»!
هذه التصريحات تتطابق مع ما بدأ يعلن عنه في إسرائيل، فقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت لدى تفقده الوحدات الإسرائيلية المرابطة على الحدود مع لبنان: إن التهديد الذي كان يمثله حزب الله للبلدات في شمال إسرائيل «لم يعد مطروحًا اليوم»! ووعد الجنود بأن «ما حدث لن يتكرر»!([209]).
وبالتالي فإن ما لدى حزب الله من سلاح، واحتفاظه به، يؤهله ليكون قوة داخلية ولاعبًا فاعلًا في أي اختلال للقوى داخل لبنان لصالح السنة!
ومع ذلك فقد أعلن المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المكلف بتنفيذ القرار (1559) تيري رود- لارسن أن السلطات اللبنانية أبلغته عن استمرار تهريب أسلحة إلى أراضيها من سورية، ونقل عنه المندوب الأمريكي الدائم لدى الأمم المتحدة السفير جون بولتون أن الحكومة اللبنانية تخشى انتقام سورية! وصرح المبعوث الدولي بأن لبنان يبلغ بانتظام عن تهريب أسلحة إلى أراضيه من سورية، غير أن السلطات اللبنانية تتصرف في هذا المجال تصرفًا لينًا نظرًا إلى وضعها السياسي الهش!
وقال رود- لارسن: إن «الوضع في لبنان بوجه عام مثير للقلق، والخطاب السياسي يظهر أن التوترات شديدة وأعتقد أنه يتعين علينا أن ننظر إلى الوضع في لبنان بكل حذر، وثمة أسباب للقلق نتيجة هذا الأمر»!([210]).
أما على صعيد إسرائيل:
فإسرائيل وبعد وجود القوات الدولية أمنت بشكل مطلق حدودها الشمالية، من خلال القوات الدولية ونزع سلاح حزب الله إن عاجلًا أو آجلًا، كما استطاعت من خلال هذه الحرب إعطاء رسالة لسورية، فيما لو فكر نظام البعث النصيري بالقيام بعمل ما تجاه إسرائيل، بأن المصير الذي قد تلاقيه دولة سورية لن يقل عن مصير لبنان (الأنموذج)! وأن اللعب بأوراق حزب الله ستكلف أكثر مما ينبغي!
وقد عمدت إسرائيل إلى حشد قواتها بالقرب من سورية، وإن كانت قيادة الجيش والحكومة الإسرائيلية قد أعلنت أنها لن تستهدف سورية بأي عمل!
ومن الغريب ما صرح به حسن نصر الله، من أن إسرائيل لم تقترب من سورية، حيث قال: «عندما أعلنت سورية أنه إذا اقترب الإسرائيليون من حدودها البرية فسوف تدخل المعركة. الملاحظ في كل الحرب الإسرائيلية الأخيرة أنه لم يقترب الإسرائيليون من الحدود السورية برًا»!... و«هذا يعني أن الإسرائيلي كان يعمل حسابات كبيرة جدًا لاحتمال الصدام مع سورية أو إدخال سورية في الحرب»! «أنا شخصيًا أميل إلى القول أن الإسرائيلي يحتاج إلى وقت طويل للتفكير بحرب جديدة ليس فقط مع لبنان بل حتى مع سورية»!([211]).
وفي الحقيقة فإن مثل هذا الكلام الاستهلاكي لا يعبر عن واقع ضعف وعجز النظام البعثي النصيري عن المواجهة! والذي كانت معه سورية مشلولة عن مناصرة بلد جار تدمر مقدراته ويعتدى عليه وهي تلتزم الصمت وضبط النفس!
لقد أخطأت سورية في لبنان ما كلفها القرار (1559)([212]) الذي طالب دمشق بالانسحاب الكامل من لبنان! وقد أخطأت فيما يبدو هذه المرة!
كما أن إسرائيل ربحت ضرب مقدرات لبنان وبناه التحتية وأمنه واستقراره! تحت مبرر حربها ضد حزب الله، واستعادتها للجنديين المختطفين! وسوف لن يتعافى لبنان من هذا الوضع إلا خلال عدة سنوات قادمة، فقد صرح النائب اللبناني وليد جنبلاط، في مقابلة مع صحيفة «الفايننشل تايمز»، بأن الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله توجه «ضربة قاضية» للآمال التي يعلقها اللبنانيون على قيام دولة مستقلة وقوية وحرة من النفوذ الأجنبي! مضيفًا بأن حزب الله «سرق آمال» الشباب اللبناني، في لبنان مستقر ومزدهر بإمكانه اجتذاب الاستثمارات، وأن الأمل قد مات الآن!!
وهذا الوضع في لبنان يقوي اقتصاد إسرائيل، وينشط من معدل السياحة لديها، ويدفع بحركة الاستثمار خارج لبنان التي شهدت في السنوات الأخيرة إقبالًا ملحوظًا في رأس المال الباحث عن فرص استثمارية!
صحيح أن إسرائيل تضررت عسكريًا وأصابها نوع من الخلل والخلاف الداخلي نتيجة عمليات حزب الله، وهذا أمر طبيعي سبق أن عانت منه إسرائيل نتيجة انتفاضة الشعب الفلسطيني وعمليات المقاومة في غزة والضفة الغربية والقدس المحتلة!
فإسرائيل دولة هشة، هذا أمر معروف سلفًا! وليس كما يريد حزب الله وحسن نصر الله تصويره كاكتشاف حديث ابتكره حزب الله في لبنان..
والأمر الأخطر في هذه الحرب هو إطلاق مشروع الشرق الأوسط الجديد! المشروع الذي تريد فيه إيران والتيار الشيعي الطائفي نصيب الأسد فيه! بعد تسوية عملية السلام مع الأطراف العربية! والذي جاء القرار (1701) ليصب في الاتجاه ذاته..
فقد عبر القرار (1701) عن قلق مجلس الأمن «من استمرار تصعيد الأعمال القتالية في لبنان وفي إسرائيل، منذ هجوم حزب الله على إسرائيل في (12) يوليو (2006م)، والتي تسببت حتى الآن في وقوع مئات من القتلى والجرحى على كلا الجانبين، وإلحاق أضرار جسيمة في الهياكل الأساسية المدنية وتشريد مئات الآلاف في الداخل»! وفي هذا إشارة إلى إدانة حزب الله المتسبب في هذا الحادث..
وأكد المجلس «على ضرورة إنهاء العنف»! و«العمل على وجه الاستعجال لمعالجة الأسباب التي أدت إلى نشوب الأزمة الحالية، بما في ذلك إطلاق سراح الجنديين الإسرائيليين المختطفين دون شروط»!! وهو ما يعني عدم قدرة حزب الله على التفاوض بشأن الأسرى اللبنانيين، نظرًا لقبوله بالقرار عبر وزرائه في الحكومة، في حين أشار القرار للأسرى اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل بعبارة التشجيع «للجهود الرامية» إلى تسوية المسألة على «وجه الاستعجال»!
ونص القرار على أن «الحالة في لبنان تشكل تهديدًا على السلام والأمن الدوليين»!! وأكد في فقرته الثالثة على «أهمية بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانية، وفق أحكام القرار (1559) لعام (2004م) والقرار (1680) لعام (2006م)، والأحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف، وأن تمارس كامل سيادتها، حتى لا تكون هناك أي أسلحة دون موافقة حكومة لبنان ولا سلطة غير سلطة حكومة لبنان»! ودعا في الفقرة الثامنة كلًا من إسرائيل ولبنان لدعم «وقف دائم لإطلاق النار، وحل طويل الأجل، استنادًا إلى المبادئ والعناصر التالية: الاحترام التام للخط الأزرق من جانب كلا الطرفين، اتخاذ ترتيبات أمنية لمنع استئناف الأعمال القتالية، بما في ذلك إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو معدات أو أسلحة بخلاف ما يخص حكومة لبنان وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان وفق ما أذنت به الفقرة (11) والمنشورة في هذه المنطقة، التنفيذ الكامل للأحكام ذات الصلة من اتفاق الطائف والقرارين (1559) لعام (2004م) و(1680) لعام (2006م)، التي تطالب بنزع سلاح كل الجماعات المسلحة في لبنان، حتى لا تكون هناك أي أسلحة أو سلطة في لبنان عدا ما يخص الدولة اللبنانية، عملًا بما قرره مجلس الوزراء اللبناني المؤرخ (27) يوليو (2006م)، منع وجود قوات أجنبية في لبنان دون موافقة حكومته، منع مبيعات أو إمدادات الأسلحة والمعدات ذات الصلة إلى لبنان عدا ما تأذن به حكومته، تزويد الأمم المتحدة بالخرائط المتبقية للألغام الأرضية في لبنان الموجودة بحوزة إسرائيل»!
أما في المادة الحادية عشر فيقرر الإذن «بزيادة قوام قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان إلى حد أقصى قدره (15.000) جندي»! على أن تتولى هذه القوة، «إضافة إلى تنفيذ ولايتها بموجب القرارين (425) و(426) لعام (1978م) »، مهمة «مساعدة حكومة لبنان، بناءً على طلبها، في تنفيذ أحكام الفقرة (14)»! ويأذن لهذه القوة وفقًا للمادة الثانية عشر «اتخاذ جميع ما يلزم من إجراءات في مناطق نشر قواتها، وكما ترتئي في حدود قدراتها، لكفالة ألا تستخدم منطقة عملياتها للقيام بأنشطة معادية من أي نوع، ولمقاومة محاولات تجري بوسائل القوة لمنعها من القيام بواجباتها بموجب ولاية مجلس الأمن،..... »!!
أما المادة الرابعة عشر فهي تطالب لبنان بتأمين حدوده لمنع دخول الأسلحة أو العتاد العسكري! في حين تطالب المادة الخامسة عشر جميع الدول باتخاذ ما يلزم من تدابير لمنع «بيع أو تزويد أي كيان أو فرد في لبنان بأسلحة وما يتصل بها من عتاد من كل الأنواع» أو «تزويد أي كيان أو فرد في لبنان بأي تدريب أو مساعدة تقنية» في المجال القتالي والحربي!
وفي ختام القرار يؤكد مجلس الأمن على «أهمية وضرورة تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط، استنادًا إلى جميع قراراته ذات الصلة»، في المادة الثامنة عشر!
إذن فالقرار (1701) تعامل مع نتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان من منطلق مكافأة إسرائيل والحلول السلمية معها! وهذا التوجه هو ذاته الذي دعا إليه الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه بعد الحرب بالقول «إنَّ المفاوضات هي الحل»! بل قد جاءت كلمة وزير خارجية قطر في مجلس الأمن عشية إصدار القرار مؤكدة على ضرورة تنفيذ القرارين (242) و (338) من أجل وقف ظاهرة المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، والسير في خطوات التطبيع والعلاقة معها! لذا بدأت الدول العربية تتهيأ وتتحرك من أجل تحريك عملية السلام مع إسرائيل!
وبالتالي فالقرار (1701) ضد اتجاه نهج المقاومة المسلحة وتغليبًا لنهج التسوية مع إسرائيل، بل ربما لشمولية خطوات التطبيع بين كل الدول العربية وإسرائيل! مكرسًا دور الأمم المتحدة لتكون مرجع المفاوضات بين الدول العربية وإسرائيل!
وهكذا خدم حزب الله إسرائيل ومسار تطبيع العلاقات معها! ليعلن نصر الله، في مقابلة مع «تلفزيون الجديد»([213])، في (27/8/2006م): بأنه «لو علم أن عملية خطف جنديين إسرائيليين الشهر الماضي كانت ستؤدي إلى جولة العنف التي استمرت (34) يومًا لما قمنا بها قطعًا»! وأن قيادة حزب الله «لم تتوقع ولو واحدًا بالمائة أن عملية الأسر ستؤدي إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم»! ومشددًا على أن «لا جولة ثانية من الحرب مع إسرائيل»! وأن هناك «محاولة فرض مطالب إسرائيلية جديدة»! ومحاولات استفزاز إسرائيلية لكن الحزب ضبط نفسه ولم يستدرج لسببين: أن الرد على الاستفزاز يعني خرقًا للقرار الدولي، و«هذا قد يفتح النقاش على قرار ثان يسعى له الرئيس الأمريكي جورج بوش له علاقة بنزع سلاح المقاومة حزب الله»! والثاني: لأن «القرار (1701) يعطي لإسرائيل حق الدفاع عن النفس وهذا ما تحفظنا عليه»! وأن الحزب الذي لا تزال «قياداته بألف خير» سيتجنب المظاهر المسلحة!
وليبدأ حزب الله في استحقاقات الداخل «نحن نؤمن بأهمية العمل السياسي ونعتبره بالنسبة لنا واجب ديني ووطني وأخلاقي، لأننا أيضًا على مستوى لبنان نحن معنيون بمصير وطننا وشعبنا، وهناك قضايا أساسية لا يمكن أن نحققها أو نخدمها أو ندافع عنها أو نحافظ عليها إلا من خلال وجودنا في الساحة السياسية، سواء في داخل مؤسسات الدولة، أم في الحياة السياسية في أطرها المختلفة»!([214]) مع احتفاظه بسلاحه الذي لا تستطيع أي قوة أو جيش في العالم نزعه من الحزب ليكون أداة بيده لترجيح كفته على كافة الطوائف..!!!
وليهدد بالحرب الداخلية بقوله.. «الأمراض التي ساعدت في الماضي، وهيأت أرضية لمجموعة عوامل أخرى أدت إلى حرب أهلية، جزء كبير من هذه الأمراض ما زال قائمًا»!([215]).
وتتحقق الرسالة التي تحدث عنها نصر الله: «أنتم اليوم تقدمون رسالة سياسية ومعنوية شديدة وبالغة الأهمية والخطورة للبنانيين، للعرب، لكل العالم، للصديق وللعدو»!!([216]).
هذه هي حقيقة النتائج لمن أراد أن يقرأها بمنطق العقل لا بمنطق النشوة العاطفية..

 
الخاتمة
يبدو أن الأوضاع السياسية القادمة ستكون أكثر سخونة من ذي قبل، فحزب الله سيعمل جاهدًا على عدم تفويت فرصة ما يصفه بالنصر الإلهي التاريخي! في سبيل الوصول إلى قدر أكبر من النفوذ والسيطرة والسلطة في لبنان، والشعبية والتحرك على الصعيد الخارجي، ولعل التحام حركة أمل وحزب الله، مع بعض القوى المسيحية يصب حاليًا في صالح إعادة ترتيب البيت اللبناني خارج اتفاقية الطائف، وبشكل يتماشى مع تنامي المد الإيراني في المنطقة، وظهورها كفاعل إقليمي لابد من التحالف معه لصياغة خارطة جديدة للشرق الأوسط الجديد!
والذي يؤسف له أن وضع السنة في لبنان لا يبشر بأن هذا البلد سيتعافى من هذا الورم الذي بدأ يطغى على حساب الجسد! معيدًا إلى الأذهان الوضع السابق الذي اشتعلت في ظله الحرب الطائفية اللبنانية التي أكلت الأخضر واليابس!
إن ضعف هذه القيادات السنية اللبنانية وبعدها عن انتمائها لقضايا الأمة وهويتها الحقيقية التي بدأت تتجاذبها قوى التغريب والتضليل، جعلها تخفق في كسب ثقة الداخل والخارج! في حين لا تزال ترتهن بالأنظمة العربية التي توشك على الانهيار! فالشعوب اليوم تختار من يمثلها بصورة عفوية من خلال تعاطفها مع الحركات والاتجاهات الإسلامية، والجماعات المقاومة على خطوط المواجهة الساخنة وفلسطين خير شاهد على ذلك، فإذا فقدت قيادة السنة مكانها إلى جانب الشعب اللبناني وخياره في المقاومة كأجندة لا ينفرد بها حزب الله وإنما جميع اللبنانيين. في مقابل ذلك أن يفعل دور الجيش اللبناني وأن يكون للسنة حضور فاعل فيه بحيث يكون قادرًا بالفعل على رد العدوان الإسرائيلي على لبنان، والذي مثل حتى اليوم ذريعة سياسية لاحتفاظ حزب الله بسلاحه، ولكن في إطار طائفي!
لقد بات من الضروري أن يأخذ السنة في لبنان، وغيرها، الدرس من أفغانستان والعراق، وأن لا يكونوا «بوسنيي لبنان»! أو تكون مناطقهم «مثلثًا سنيًا» مخنوقًا! وهذا يتطلب توحدهم حول مرجعية تقوي حضورهم الشعبي والسياسي والاقتصادي والإعلامي والدولي!
هناك وقت إضافي لا يزال لدى الولايات المتحدة الأمريكية لتلعب بأوراق لبنان خلال السنوات القادمة، وهي بحاجة إلى تحريك كافة الأوراق التي ستلعب بها، لأن لبنان كما أسلفنا ستكون مدخلًا لترتيب الشرق الأوسط في سورية وفلسطين، وهي بحاجة إلى وكلاء طيعين ولا ضير أن يكونوا أعداء لها في العلن! طالما وأنهم يمارسون معها التواطؤ السياسي في الخفاء! فهي تشعر بخطر التنامي الزائد لدى عموم شعوب الأمة العربية السنة للوجود الأمريكي أو الغطرسة التي تمارسها!
إن وراء بقاء سلاح حزب الله بيده كقوة طائفية لها صلاتها وولاءاتها الخارجية لا يطمئن باستقرار لبنان خاصة مع ضعف الجيش، وغياب تمكن أجهزة الدولة الأمنية من بسط نفوذها على كافة أراضي لبنان! وهذا يتطلب جدية من الدول العربية والإسلامية لتقف وراء حكومة لبنان واتفاق الطائف وإحلال الأمن في لبنان وإخراجه من دوامة النفوذ السوري الإيراني الذي لم يجد لبنان شيئًا، ولن يجدي مستقبلًا!
ومن الضروري أن توعى الشعوب بطبيعة ولاءات الساحة الفاعلة اليوم، والمصالح التي تسعى إليها كافة الأطراف المتكالبة على المنطقة، وطبيعة الصراع الذي -لا قدر الله- قد تشهده المنطقة في ظل غياب مشروع عربي إسلامي سني يوحد طاقات الأمة ويدافع عنها وينتشلها من الوضع الراهن الذي آلت إليه الأمور..!
لا أن تغيب الحكومات خلف جدار الصمت متسلحة باضطهاد شعوبها وكبت حرياتهم وتجريدهم من وسائل الدفاع عن الذات والهوية والوجود.. تحت شعارات الوطنية الضيقة، في حين تسقط العواصم الواحدة تلو الأخرى.
وهنا، وفي هذا الشأن بالذات يمثل الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني عنصرًا مهمًا للمراهنة على المستقبل وعودة الأمة إلى فاعليتها في الدفاع عن ذاتها واستعادة ما اغتصب منها! من أرض ومقدسات! فالفلسطينيون اليوم، بفصائلهم المقاومة وفي طليعتها حماس والجهاد وغيرهما، يمثلون محورًا مهمًا في إعادة التوازن لهذا الميول الجماهيري تجاه محور إيران- سورية- حزب الله! ومن الإجحاف إنكار رصيدهم التاريخي والمستمر تجاه الغول الصهيوني الذي تراجعت آماله في ابتلاع المنطقة ليلف حول مساكنه «الجدار الخانق»! كأنما يشنق نفسه ليغادر بإذن الله..
إن عملية اختطاف الجنديين الإسرائيليين والصمود الذي أظهره مقاوموا حزب الله أمام الآلة الحربية الإسرائيلية، والخسائر التي ألحقها الحزب بالجيش الإسرائيلي، والخطاب المستند إلى الإيمان والحقوق والمقاومة والنصر! والهالة الإعلامية التي حققها الحزب.. بغض النظر عن القرار (1701)، جميعها تصب في شعبية الحزب وزيادة جماهيريته في الداخل والخارج! كما أن الوعود والدعم المالي الذي سيغدقه الحزب على اللبنانيين سيفرض الولاء له والتعاطف معه! في مقابل الخطاب الحكومي والحزبي للمعارضين لحزب الله، والذي يخلو من قيم الإيمان والمقاومة والحماسة.. وهي قيم يتعالى رصيدها في الشارع العربي! كما أن موقف كتلة المستقبل وحكومة السنيورة الذي ظهر مرتميًا في أحضان الغرب مع تخلي الأنظمة العربية عن وقوفها العملي والجاد معها ستؤثر على حضور السنة في الشارع اللبناني وبالتالي في المشهد الانتخابي والسياسي فيما بعد!
وفي ظل غياب مشروع سني في لبنان، ووجود مشروع طائفي للقوى الشيعية المتمثلة في حزب الله وحركة أمل فإن الساحة ستشهد في المدى القريب ضعف القوى السنية واضمحلال تأثيرها، خاصة وأن دعم بعض الدول الخليجية والعربية يصب في يد «المقاومة»! التي ستستحيل إلى «سلطة» ضبط النفس وقرارات الشرعية الدولية! وامتدادًا لممثلي الحاكم الأمريكي بالعراق «بول بريمر»!
إنني كباحث لا أفصل بين تقديم المعلومات والحقائق والرؤية المتكاملة للمسار التاريخي وتفاصيل الواقع وبين رسالتي كإنسان! وبالدرجة الأولى كمسلم يتابع أحوال الأمة ويحرص على نصحها وتحقيق مصالحها؛ ومن هنا: فإنني لا أود أن يفهم هذا البحث في سياق المكايدات الطائفية أو التشويه الدعائي المضاد لما قد تحققه طائفة من المسلمين ضد أعداء الأمة! فالأمة جميعًا تواجه خطرًا مشتركًا يجب أن تسمو إزاءه فوق كل الخلافات والولاءات حتى لا تستباح حرمة الجميع وتذهب ريحهم! حتى مع وجود الضغائن والثارات، وما أحكم رد معاوية رضي الله عنه عندما راسله ملك الروم عارضًا عليه مساعدته في شأن حربه مع الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأرسل إليه يقول: «يا كلب الروم! لو تقدمت خطوة لاجتمعت أنا وصاحبي عليك»!([217]).
وقد ذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) أن ملك الروم بعد أن علم بخلاف المسلمين أخذ يستعد لغزو بلاد المسلمين واستغلال هذه الفرصة، فكتب إليه معاوية رضي الله عنه وهو في معمعة القتال في صفين: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك، لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت! عند ذلك عاد ملك الروم وانكفأ وبعث يطلب الهدنة!
ومن هذه المواقف موقف المعتمد بن عباد -ملك أشبيلية- عندما بلغه أن الفونسو -ملك أسبانيا- يريد غزو بلاده، بعد أن سقطت العديد من دول الطوائف في يد النصارى بالأندلس، فأشار عليه بعض حاشيته أن يهادن الفونسو! فقال مقولته المشهورة: «لأن أرعى الإبل عند يوسف (بن تاشفين، ملك المغرب) خير لي من أن أرعى الخنازير عند الفونسو»!
بمثل هذه الرؤية الصائبة والرأي الرشيد يرد الطامعون عن خلخلة صفوفنا وإثارة النعرات الجاهلية بيننا! حتى مع اختلاف عقائدنا طالما أنها في دائرة الإسلام!
لا أن يتجه البعض لإثارة نعرة طائفية وروح انتقامية تجاه من لا وزر لهم ولا جرم عليهم! بدافع الحرمان والتهميش والإهمال.. الذي يشمل في حقيقته الجميع! لا لشيء سوى لأن تكسب هذه المرجعيات شيئًا من المصالح الفئوية على حساب عموم الطائفة التي تضحي لا لشيء ولكن لأجل «السادة»! فيكون أبناء الطائفة رهينة اللا وعي كأداة طيعة في يد «الآيات»! وبدمائهم ورواحهم تفجر الثورات!
هكذا يغيب وعي طائفة بكاملها، لتستضيف في طهران الكنائس والأديرة والمعابد، وتضيق عن مساجد أهل السنة في الجمهورية الإسلامية!! ولتهاجم الحجيج في بلاد الحرمين خلال الأشهر الحرم! وتترك اليهود يدنسون الأقصى الشريف! ولتصفي الوجود الفلسطيني من جنوب لبنان! ولتستضيف المحتل الأمريكي في النجف، وتنحر المجاهدين في بلاد الرافدين! ولتحد سيوفها لاستقبال قائم آل محمد «الإمام المهدي، الثاني عشر» بعد غيبة طالت لأكثر من ألف عام! وتقاتل تحت رايته! والسؤال هو: هل سأل إخواننا من عوام الشيعة آياتهم من سيقاتلون مع الإمام المهدي؟ مع من؟ وضد من؟ سؤالًا واضحًا وصريحًا! أم أن هذا مما لا يجوز السؤال عنه إلى حينه!
إن أخشى ما أخشاه، وظني أن عامة الشيعة -هدانا الله وإياهم- في حالة من التسليم المطلق، والثقة العمياء لآياتهم، أن يجندوا قوتهم وطاقتهم وإمكانياتهم جميعًا في معركة لا يعرفون فيها في أي الصفين يقفون.. الحق أم الباطل! في معركة تتطلب معرفة المبادئ قبل معرفة الشخوص، والحق قبل معرفة الرجال! وعندها يكون كلا المشروعين لهم: النصر أو الشهادة.. فاشِلَين! لأنهم باختصار سيكونون: جند الله في المعركة الغلط!
 
أنور قاسم الخضري
15 رمضان 1427هـ

 
المراجع
-   أمل والمخيمات الفلسطينية، عبدالله الغريب.
-   أمل وحزب الله في حلبة المجابهات المحلية والإقليمية، توفيق المديني، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، سورية، ط1 (1999م).
-   أهل السنة والجماعة في إيران.. قبل ثورة الخميني وبعدها، المركز الإسلامي بلوشستان- باكستان، (1415هـ).
-   الإسلاميون في مجتمع تعددي، د. مسعود أسد اللهي، ترجمة د. دلال عباس، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط1 (2004م).
-   الحرب المشتركة.. إيران وإسرائيل، حسين علي هاشمي.
الحروب السرية للاستخبارات الإسرائيلية، إيان يلاك وبني موريس، ترجمة إلياس فرحات، دار الحرف، العربي، بيروت، ط (1998م).
-   الخمينية شذوذ في العقائد وشذوذ في المواقف، سعيد حوى، دار الأمل للنشر، القاهرة.
-   الصراع العربي الإسرائيلي.. مؤامرة الدويلات الطائفية، محمد عبدالغني النواوي، ط1 (1983م).
-   المقاومة في لبنان: (1948- 2000م)، أمين مصطفى، دار الهادي، ط1 (2003م).
-   اليهود في إيران، مأمون كيوان، بيسان للنشر، بيروت، ط1 (2000م).
-   بروتكولات آيات قم، د. عبدالله الغفاري، ط3 (1412هـ).
-   بلاد الله الضيقة.. الضاحية أهلًا وحزبًا، فادي توفيق، دار الجديد، بيروت، ط1 (2005م).
-   تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه، أحمد الكاتب، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط3 (2005م).
-   حزب الله.. المنهج، التجربة، المستقبل، الشيخ نعيم قاسم، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، ط1 (2002م).
-   حزب الله من الحلم الأيديولوجي إلى الواقعية السياسية، د. غسان العزي، دار قرطاس للنشر، الكويت، ط1 (1998م).
-   حقيقة المقاومة قراءة في أوراق الحركة السياسية الشيعية في لبنان، عبدالمنعم شفيق، ط1 (2000م).
-   خميني داعية ضلالة خارج عن الإسلام، فتاوى ومقررات منظمة المؤتمر الإسلامي الشعبي، بغداد.
-   فضائح الخمينية، مجموعة باحثين، منظمة المؤتمر الإسلامي الشعبي، بغداد.
-   مذكرات آرييل شارون، ترجمة نطوان عبيد، مكتبة بيسان، بيروت.
معلومات، ملف يهتم بنشر الدراسات والمعلومات والوثائق، يصدر عن المركز العربي للمعلومات، العدد 37، تموز/ يوليو (2003م).
-   نقض دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، د. محمود الخالدي.
-   وجاء دور المجوس، عبدالله الغريب.
- ويل للعرب.. مغزى التقارب الإيراني مع الغرب والعرب، عبدالمنعم شفيق، ط1 (1999م).

فهرس المحتويات
الإهــــداء 3
شكر. 5
تمهيد.. أسئلة للتاريخ. 7
التحليل السياسي.. خطوة للفهم! 13
حزب الله والتحليل السياسي... 18
إيران.. البداية والنهاية 21
قراءة في دستور جمهورية إيران الإسلامية، الصادر في عام (1992م): 22
إيران والحلم الفارسي القديم..! 31
برنامج إيران النووي والأبعاد الإستراتيجية: 36
خلاصة المشهد الإيراني: 54
لماذا حزب الله؟. 58
لمحة تاريخية عن أدوار شيعة الشام في التاريخ الإسلامي. 66
العقائد والتصورات وأثرها في المواقف والسياسات.. 80
«حزب الله».. يساند بوش! 80
«أحزاب الله».. في العراق وبلاد الشام! 83
لمحة عن لبنان.. شيء من التاريخ وشيء من القراءة 86
ظهور حركات التشيع السياسي في لبنان: أمل.. والتاريخ القريب! 98
ميثاق خادع لمحرومين غرهم الأمل! 98
أمل بين الخطاب الطائفي والعمل السياسي: 99
الصدر وأمل إيران في لبنان: 104
بداية التحالف الصدري السوري: 110
جرائم ومجازر وثارات ضد السنة! 115
مجزرة طرابلس! 121
معارك المحرومين.. وثارات أمل! 123
نبيه.. رجل أمل الثاني! 124
حزب الله والتوظيف الخارجي! 126
سورية الصمود..! 127
الحلف القديم وميثاق الشيطان: 132
الصورة الكاملة لـ«حزب الله» 136
حزب الله الفكرة والانتماء: 136
حزب الله المسيرة والتاريخ: 142
السيد.. حسن نصر الله. 150
حزب الله وأبناء الله وأحباءه 153
حزب الله.. وتهمة المقاومة 159
صلى وصام لأمر كان يقصده.. 164
الوعد الصادق.. اللعبة كما ينبغي أن تدار! 173
طبيعة الحدث وتداعياته: 173
ظروف الحدث المحيطة به: 174
الأطراف المتصارعة: 176
أهداف وحسابات الأطراف المتصارعة: 180
نتائج الحدث في ميزان الربح والخسارة: 188
فعلى صعيد حزب الله: 189
الخاتمة: 222
المراجع. 228
فهرس المحتويات.. 230 


 ([1]) كما سيأتي معنا في البحث!

 ([2]) ولد الشيخ صبحي ملحم الطفيلي في بلدة جنوب مدينة بعلبك عام (1947م)، ودرس الفقه في العراق من أوائل الستينات إلى أواسط السبعينات حيث غادرها هارباً إلى لبنان بسبب ملاحقة النظام العراقي له بتهمة الانتماء إلى حزب الدعوة. مكث فترة في لبنان وعاد إلى إيران لمتابعة الدرس والتدريس في حوزات قم.. إلى حين قيام ثورة الخميني التي شارك فيها من خلال التحركات المناهضة لنظام الشاه. وعاد نهائيًا إلى لبنان عام (1979م) ليساهم عام (1982م) في تأسيس «حزب الله» وكان أبرز أعضاء مجلس الشورى الذي كان يقود الحزب. وفي عام (1989م) انتخب كأول أمين عام للحزب، واستمر في موقعه حتى العام (1991م) عندما خرج من الحزب.
(انظر: حوارا مع صبحي الطفيلي، الشرق الأوسط عدد (9067)، في (25/9/2003م).

 ([3]) انظر: حوارًا مع صبحي الطفيلي، الشرق الأوسط عدد (9067)، في (25/9/2003م).

 ([4]) المصدر: معاونية العلاقات الدولية في منظمة الإعلام الإسلامي- طهران، (1992م)، نقلًا عن موقع إسلام أون لاين، وجميع العبارات الموضوعة بين قوسين مأخوذة بالنص من الدستور الإيراني.

 ([5]) الإمام الخميني: هو روح اللّه بن مصطفى بن أحمد الموسوي الخميني، أحد علماء الإمامية، ومؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران، ولد سنة (1320هـ) في مدينة خمين بإيران، ونشأ يتيماً منذ عامه الأول تحت رعاية والدته وعمته.
أكمل دراسة الفارسية وعلومها قبل سن الخامسة عشر، ثُمَّ شرع بدراسة العلوم الإسلامية على يد أخيه الأكبر مرتضى سنديده، ثم انتقل إلى مدينة آراك حيث مركز الحوزة العلمية في إيران آنذاك، وتابع تحصيله العلمي فيها، حتّى صار من أعلامها البارزين، وانتقل بعد ذلك إلى مدينة قم مع أستاذه الشيخ عبد الكريم الحائري، مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم، وأقام فيها.
بدأ الخميني بانتقاد سياسات الشاه محمَّد رضا بهلوي وتوجهاته أثناء دروسه ومحاضراته التي كان يلقيها في مدينة قم، واتخذت هذه الانتقادات طابع العلن والتصريح سنة (1944م). ونادى بإقامة الحكومة الإسلامية على أساس المذهب الإثني عشري ونظرية ولاية الفقيه! وقاد ثورة شعبية ضد الشاه، وأفتى بعد خروجه من الاعتقال بحرمة استخدام التقية، ونُفي في عام (1964م) إلى تركيا فبقي فيها نحو سنة، ثُمَّ انتقل إلى النجف بالعراق، وبقي هناك حوالي ثلاث عشرة سنة، عمل خلالها على مواصلة قيادة الثورة داخل إيران، إلى جانب إلقاء الدروس والمحاضرات.
وتحت ضغط حكومة الشاه طلبت منه الحكومة العراقية مغادرة أراضيها، فغادر العراق عام (1978م) متوجهاً إلى الكويت، لكنَّ الحكومة الكويتية منعته من دخول أراضيها، فتوجه إلى فرنسا، وأقام في باريس، ليواصل من هناك قيادة الثورة في بلاده، وفي عام (1979م) عاد إلى طهران ليقود الثورة التي أطاحت بحكم الشاه، وليعلن قيام الحكومة الإسلامية التي رأسها حتى توفي عام (1989م).
أعلن الخميني نيته تصدير ثورته الإثني عشرية مهددا بذلك دول المنطقة، الأمر الذي دفعه لحرب العراق وزعزعة أمن دول الخليج! ورغم مهاجمته لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية التي وصفها بـ«الشيطان الأكبر» إلا أن إيران كونترا فضحت طبيعة علاقة نظامه بهما! وقبره اليوم يعد مشهدًا ومزارًا يقصده ملايين الحجاج والزائرين من الشيعة من أنحاء العالم!
أعلن العديد من عقائده الباطنية الإثني عشرية في مؤلفاته المختلفة، منها: مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، وشرح دعاء السحر لشهر رمضان، والأربعون حديثاً، وأسرار الصلاة أو معراج السالكين، وكشف الأسرار، وآداب الصلاة، والرسائل، وكتاب البيع، وكتاب المكاسب المحرّمة، وكتاب الطهارة، وتهذيب الأصول، وجهاد النفس، والجهاد الأكبر، والحكومة الإسلامية, وحاشية على الأسفار وغير ذلك! وقد أصدر فيه العديد من علماء الإسلام فتوى مختلفة، بعد أن تباينت مواقفهم من ثورته، وآراؤه تجد انتقادًا حتى في إطار المرجعيات الشيعية! وليس هنا محل بسط الحديث حول شخصيته وآرائه وأدواره السياسية.

 ([6]) ولاية الفقيه ليس عليها دليل شرعي لا من القرآن ولا من السُنة وهي فكرة ظهرت متأخرة يعني: في القرون الأخيرة في الوسط الشيعي وهي أقرب إلى البدعة منها إلى الاجتهاد؛ لأنه حينما لا يكون لها أساس فقهي لا من القرآن ولا من غيره فكيف يمكن أن تسميه اجتهادًا؟ أضف إلى أنه القرآن الكريم والسُنة الشريفة توجه الأمور نحو صيغة أخرى وهي صيغة الشورى وأن الأمر للأمة! راجع: حوار مع الشيخ صبحي الطفيلي، الأمين العام الأول لحزب الله، الجزيرة، في (23و30/7/2004م).

 ([7]) دخلت الحكومة اليمنية على مدار أكثر من عامين في مواجهات عسكرية مع ما عرف بـ«تنظيم الشباب المؤمن» الذي مثل امتدادًا للمذهب الجعفري الإثني عشري في اليمن، وقد أثبتت الوقائع والأحداث والتقارير الرسمية والإعلامية تورطه في علاقات خارجية مع إيران وحزب الله!
وعلى الرغم من رفع التنظيم شعار «الموت لأمريكا الموت لإسرائيل» لتشكيل ميليشيات قتالية! إلا أنه توجه بالتعبئة ضد النظام الحاكم والتيارات السنية! (راجع: تقريرنا عن تمرد الحوثي في اليمن، في التقرير الارتيادي الثالث (1427هـ) لمجلة البيان).

 ([8]) راجع: الحلم الإيراني والحلم الأمريكي، أ.د. محمد السعيد عبد المؤمن، خبير في الشؤون الإيرانية، إسلام أون لاين، في (9/4/2002م).

 ([9]) انظر: المرجع السابق.

 ([10]) أزمة الخليج الرابعة: العالم ونوايا إيران النووية، د. عبدالعزيز كامل، مجلة البيان، العدد (228).

 ([11]) للاستزادة حول الموقف الإيراني من حرب أمريكا لأفغانستان، راجع: الجمهورية الحائرة والخيارات الخاسرة، حسن قطامش، مجلة البيان، العدد (171).

 ([12]) بعد سقوط حركة طالبان، كانت الولايات المتحدة هي التي طالبت بإدخال الشيعة في المجتمع السياسي الأفغاني لأول مرة في تاريخ هذا البلد، واعترفت بالمذهب الشيعي وقوانينه في الدستور الأفغاني. (انظر: مؤتمر «صعود الهلال الشيعي وانعكاساته على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط»- واشنطن، الوطن العربي، عدد (1531)، في (5/7/2006م) ).

 ([13]) وبعد مقتل عبدالعلي من قبل طالبان عام (1995م) ترأس الحزب عبد الكريم خليلي الذي ينتمي إلى عرقية الهزارة.

 ([14]) راجع: الحرب على لبنان بين المشروع الأمريكي والإيراني، علي حسين باكير، مرجع سابق.

 ([15]) راجع: العالم النووي العراقي د. نعمان النعيمي، في حوار مع صحيفة الرياض السعودية، في (22/1/2006م).

 ([16]) انظر: دراسة جليل روشنديل في المجلة الإيرانية للشئون الدولية- تصدر باللغة الإنجليزية، العدد الخامس، ربيع (1993م)، (ص:208).

 ([17]) انظر: أخبار الـBBC، في (29/10/2005م).

 ([18]) أبو الحسن بني الصدر أول رئيس منتخب لجمهورية إيران (1980م) عقب إسقاط الشاه، غادر فرنسا مع الإمام الخميني للمشاركة في قيام الثورة الإسلامية، لكنه عاد إلى فرنسا، ليخلفه الخميني في الحكم في العام التالي. وكان الانقلاب عليه لعدم توقيعه على الاتفاق الذي كان بين جماعة الخميني وجماعة (ريجان) و (بوش) !

 ([19]) راجع: حوار قناة الجزيرة مع أبي الحسن بني الصدر، الرئيس الأول للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في برنامج زيارة خاصة بتاريخ (17/1/2000م).

 ([20]) راجع: الكشف عن تقرير سري يفضح علاقة إيران بإسرائيل، علي حسين باكير، مجلة العصر الإلكترونية، في (13/4/2006م).

 ([21]) انظر: عبدالله الغريب، الجذور التاريخية، (ص:255).

 ([22]) المرجع السابق، (ص:255).

 ([23]) المرجع السابق، (ص:255).

 ([24]) انظر: مقابلة مع صحيفة باري ماتش، نقلتها الوطن الكويتية، بتاريخ (11/2/1979م)، المرجع السابق.

 ([25]) وانظر لمزيد من التفاصيل حول هذه القضية ومسار التعاون بين الدولتين في العهد الخميني، مذكرات وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت جورج شولتز: نصر واضطراب، (ص:275-377)، الأهلية للنشر، (ط:1)، (1994م).

 ([26]) انظر: صحيفة الحياة، العدد (13120)، في (7/2/1999م).

 ([27]) انظر: مقال لعلي الدين هلال، صحيفة الحياة، العدد (13056)، في (2/12/1998م).

 ([28]) للمزيد من الفائدة أنصح القارئ الكريم بكتاب: ويل للعرب مغزى التقارب الإيراني مع الغرب والعرب، لعبد المنعم شفيق، وأتمنى من الخيرين طباعة هذا الكتاب مرة أخرى! وهو من المراجع المهمة التي اعتمد عليها الباحث.

 ([29]) راجع: عالم متعدد الأقطاب: روسيا تتحدى تفرد الولايات المتحدة الأمريكية، علي حسين باكير، مجلة الدفاع الوطني- تصدر عن الجيش اللبناني، www.lebarmy.gov.lb.

 ([30]) انظر: حوار مطول مع المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله، نشر على حلقات في صحيفة النهار اللبنانية، (7 نوفمبر 2002م).

 ([31]) محمود أحمدي نجاد (45 عامًا) هو الرئيس التاسع لجمهورية إيران الإسلامية، فاز في الانتخابات الرئاسية في (25 يونيو 2005م) بدعم المحافظين الأقوياء، وقد بلغت نسبة المصوتين له (62%). ولد نجاد في بلدة قرب طهران عام (1956م)، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في النقل والمواصلات من جامعة طهران للعلوم والتكنولوجيا، وقد سبق تعيينه عمدة لطهران في (2003م)، وهو يعد رجلًا عقائديًا من الطراز الأول، ويتمتع بشعبية كبيرة، نظرًا للحياة البسيطة التي يعيشها، والطبقة ذات الدخل المحدود التي تنتمي إليها عائلته، والحملة التي يشنها ضد الفساد، وانضمامه القديم للحرس الثوري! فقد ظل أحمدي نجاد ثوريًا محترفًا منذ شبابه، وظلت يده على الزناد، وحارب بنفسه التركمان والأكراد المطالبين بالانفصال، كما قاتل وأوشك أن يُقتل، في عدة أحداث، بسبب ولائه لمبادئ الخميني!

 ([32]) راجع: حوار قناة الجزيرة مع أبي الحسن بني الصدر، الرئيس الأول للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في برنامج زيارة خاصة بتاريخ (17/1/2000م).

 ([33]) انظر: الحلم الإيراني والحلم الأمريكي، أ.د. محمد السعيد عبد المؤمن، خبير في الشؤون الإيرانية، إسلام أون لاين، في (9/4/2002م).

 ([34]) راجع: حوار قناة الجزيرة مع أبي الحسن بني الصدر، الرئيس الأول للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 ([35]) لمزيد فائدة حول العلاقة بين إيران الخميني وإسرائيل، أرجو أن يطلع القارئ الكريم على كتاب: الحرب المشتركة.. إيران وإسرائيل!، لحسين علي هاشمي.

 ([36]) صحيفة هآرتس اليهودية، في (1/6/1997م).

 ([37]) صحيفة معاريف اليهودية، في (23/9/1997م).

 ([38]) صحيفة الشرق الأوسط، العدد (7359)، في (21/1/1999م).

 ([39]) صحيفة هآرتس اليهودية، نقلًا عن الشرق الأوسط، عدد (7170)، في (16/7/1998م).

 ([40]) الحياة، العدد (13070)، في (21/12/1998م).

 ([41]) انظر: مقال للصحفي اليهودي يوسي مليمان في لوس أنجلوس تايمز، نقلًا عن صحيفة الأنباء، العدد (7931)، في (16/6/1998م).

 ([42]) رضا لاري، إسرائيل تغازل إيران، صحيفة الشرق الأوسط، (31/12/1997م).

 ([43]) في حلقة نقاشية عن الخليج والغرب، مركز مؤتمرات ويلتون بارك، صحيفة الأنباء، العدد (8076)، في (8/11/1998م).

 ([44]) حوار مع الشيخ صبحي الطفيلي، الأمين العام الأول لحزب الله، الجزيرة، في (23و30/7/2004م).

 ([45]) خلافًا لمحور الشر الذي تعلنه واشنطن!

 ([46]) بالإمكان الرجوع إلى موضوع: «هل تنجح إيران في تشييع سوريا؟»، مجلة الوطن العربي، عدد (1532)، في (12/7/2006م).

 ([47]) الوطن العربي، عدد (1531)، في (5/7/2006م).

 ([48]) انظر: تصريح فخر روحاني، صحيفة النهار اللبنانية، في (11/1/1984م).

 ([49]) صبحي الطفيلي، الأمين العام الأول لحزب الله، وهو يتحدث عن استقالته من الحزب! الجزيرة، في (23و30/7/2004م).

 ([50]) راجع: وجاء دور المجوس، عبدالله الغريب.

 ([51]) كان الشيخ سعيد حوى رحمه الله تعالى عضوًا في قيادة الإخوان المسلمين في سوريا، وعضو التنظيم الدولي للإخوان، وهو ذو خبرة ومكانة ومنزلة علمية تجعل لكلامه في هذه المسألة أهمية بالغة!

 ([52]) ما أشبه هذا مما حدث في تدمير أفغانستان والعراق في حرب بربرية لم يشهد لها التاريخ مثالًا! ثم إعادة إعمارهما من قبل الغزاة! -إن صدقوا!

 ([53]) راجع: الخميني.. شذوذ في العقائد شذوذ في المواقف، سعيد حوى، دار عمار للنشر والتوزيع، عمان، (ط:1-1987م)، بتصرف واختصار وترتيب.

 ([54]) ويكفي في هذا الصدد الاطلاع على الكتاب القيم للدكتور عبدالله الغفاري «بروتكولات آيات قم»!

 ([55]) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير: (13/218، 219، 244).

 ([56]) انظر: روضات الجنات، محمد باقر الموسى، (1/300-301).

 ([57]) راجع: الحكومة الإسلامية، الخميني، (ط:4)، (ص:142).

 ([58]) السابق، (ص:128).

 ([59]) انظر: البداية والنهاية: (13/315).

 ([60]) انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، ابن قيم الجوزية، (2/263).

 ([61]) راجع: الخطوط العريضة، محب الدين الخطيب، (ص:47-48).

 ([62]) انظر: البداية والنهاية: (13/214)، بتصرف.

 ([63]) انظر: نور الدين محمود زنكي القائد المجاهد، د/ أنس أحمد كرزون، دار ابن حزم، بيروت، (ص9-11).

 ([64]) انظر: البداية والنهاية: (12/155).

 ([65]) انظر: البداية والنهاية: (12/156).

 ([66]) انظر: البداية والنهاية: (12/173).

 ([67]) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك، الإمام المقريزي، (1/53-54).

 ([68]) المرجع السابق: (1/57-58).

 ([69]) انظر: البداية والنهاية: (12/287) -288.

 ([70]) المرجع السابق: (12/289).

 ([71]) انظر: السلوك لمعرفة دول الملوك، (1/61).

 ([72]) انظر: البداية والنهاية، (14/77-78)، بتصرف.

 ([73]) المرجع السابق، (14/906).

 ([74]) المرجع السابق، (14/ و35).

 ([75]) انظر: حزب الله المسيحي الأمريكي يساند بوش، إسلام أون لاين، (18/8/2000م).

 ([76]) الأصولية الأمريكية وهم أم حقيقة، المفكرة، (20/4/2006م).

 ([77]) انظر: المرجع السابق.

 ([78]) انظر: بوش.. طغيان الحماس الديني على البصيرة السياسية، محمد بن المختار الشنقيطي، الجزيرة، (17/5/2006م).

 ([79]) راجع: بروتكولات آيات قم، د. عبدالله الغفاري، (ص:79)، نقلًا عن بحار الأنوار: (52/376).

 ([80]) انظر: السنة في لبنان وانتخابات المجلس النيابي القادمة، محسن صالح، الجزيرة، في (13/2/2006م).

 ([81]) انظر: المرجع السابق.

 ([82]) انظر: المرجع السابق.

 ([83]) انظر: المرجع السابق.

 ([84]) انظر: المرجع السابق.

 ([85]) انظر: المرجع السابق.

 ([86]) انظر: المرجع السابق.

 ([87]) راجع: حوار عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السوري السابق، مع قناة العربية، في برنامج مقابلة خاصة، في (30/12/2005م).

 ([88]) انظر: حوار مطول مع حسن نصر الله، صحيفة السفير اللبنانية، في (6/9/2006م).

 ([89]) فؤاد عجمي، في مؤتمر «صعود الهلال الشيعي»!

 ([90]) غالب ما أورده هنا مستفاد من كتابي: وجاء دور المجوس، وأمل والمخيمات الفلسطينية، لعبدالله الغريب، وكتاب: حقيقة المقاومة، قراءة في أوراق الحركة السياسية الشيعية في لبنان، لعبدالمنعم شفيق، وكتاب: أمل وحزب الله في حلبة المجابهات المحلية والإقليمية، توفيق المديني.

 ([91]) عاد حسن نصر الله إلى لبنان بعد مكثه في النجف عام (1978م)، ليستأنف نشاطه في حركة أمل عام (1979م)، حيث عين مسئولاً سياسيًّا عن إقليم البقاع، وفي عام (1982م) عُين عضوًا في المكتب السياسي للحركة، لكنه انفصل عنها بعد ذلك!

 ([92]) كامل الأسعد أحد أكبر زعماء الطائفة الشيعية التقليديين في لبنان في ذلك الوقت، وقد ترأس المجلس النيابي اللبناني مدة طويلة من الزمن، وكان له في المجلس كتلة عدد أعضائها تسعة، وقد ورث زعامة الطائفة الشيعية عن أبيه.

 ([93]) انظر: أمل وحزب الله في حلبة المجابهات المحلية والإقليمية، توفيق المديني، الأهالي -دمشق، (ط:1) (1999م).

 ([94]) ذكر ياسر عرفات في حواره مع مجلة التضامن، في (2/11/1985م)، بأن حركة فتح دربت عناصر حركة أمل و«نحن أول من مدها بالسلاح، بل أنا من أسماها أمل، لأن الإِمام موسى الصدر كان واقفاً معنا وضد من يشهر السلاح ضدنا»!! وقد كان عرفات مغترًا بثورة الخميني، وكان في طليعة الذين زاروا طهران فور وصول الخميني إليها، وزعم أنه إمامه.. وأيدت منظمة التحرير إيران في حربها ضد العراق، وضلل عرفات شعبه فأصبحوا ينتظرون بفارغ الصبر سقوط بغداد لأن الخميني قال لهم: إن الطريق إلى القدس يمر من بغداد والكويت والرياض وعمان!!

 ([95]) انظر: الدستور الصادرة في فرنسا، (26/6/1978م).

 ([96]) وكالة الصحافة الفرنسية، في (29/9/1976م).

 ([97]) وجاء دور المجوس، (ص:418).

 ([98]) مجلة المجلة، العدد (172)، في (28/5/1983م).

 ([99]) في حديث شارون لبيار الجميل -والد الرئيس اللبناني الأسبق بشير الجميل- ولكميل شمعون -رئيس لبناني أسبق- في بيت الجميل خلال زيارة قام بها شارون لبيروت في يناير (1982م)، حول علاقة المسيحيين بسائر الطوائف الأخرى (لا سيما الشيعة والدروز) يقول: «شخصيا طلبت منهم توثيق الروابط مع هاتين الأقليتين، حتى أنني اقترحت إعطاء قسم من الأسلحة التي منحتها إسرائيل، ولو كبادرة رمزية إلى الشيعة الذين يعانون هم أيضًا مشاكل خطيرة مع منظمة التحرير الفلسطينية. ومن دون الدخول في أي تفاصيل، لم أرَ يومًا في الشيعة أعداء إسرائيل على المدى البعيد ولا حتى في الدروز»، مذكرات شارون: (ص:583-584). وفي موطن آخر يذكر شارون أن خطته العسكرية (أورانيم) والتي عرضت على مجلس الوزراء الإسرائيلي في نوفمبر (1981م) كانت تشمل جملة من الأهداف، بالأخص «إزالة خطر الإرهابيين كليًا»، ويقصد بهم منظمة التحرير الفلسطينية، وأنها حرصت أن «لا تطال هذه العملية الشيعة والدروز والمسيحيين»، (ص:575). (لكن وللإنصاف أيضًا قال شارون في ذات السياق: «هذا لا يعني أنني أعتبر الطائفة السنية اللبنانية عدوانية قسرًا أو عدوًا لدودًا، فهم يعيشون معنا بسلام منذ عشرين عامًا (!!) ولا دافع يحول دون ديمومة هذا التعايش مستقبلًا»، إلا أن حديثه منصب في ظرف كانت السمة العلمانية غالبة على سنة لبنان خلال تلك الفترة، ولا تزال! وهي حقيقة يجب عدم إنكارها، فالعلمانيون من أي طائفة كانوا ليس لديهم عداء مع إسرائيل!

 ([100]) لقاء صحفي مع حيدر أجرته مجلة الأسبوع العربي، في (24/10/1983م).

 ([101]) وكالة الأنباء الإسرائيلية، في (6/6/1985م).

 ([102]) صحيفة معاريف اليهودية، في (8/9/1997م).

 ([103]) انظر: حوار مع الشيخ صبحي الطفيلي، الأمين العام الأول لحزب الله، الجزيرة، في (23و30/7/2004م)، وهذا الكلام من قبل الطفيلي هو من قبيل الدبلوماسية أو التقية!

 ([104]) انظر: حوار الجزيرة مع أمين عام حزب الله حسن نصر الله، (ج1+ج2)، في (12/9/2006م).

 ([105]) راجع: سوريا حقائق وأرقام، قسم البحوث والدراسات، والدبلوماسية السورية وتعاملها مع غزو العراق وتداعياته، لقاء مكي، والعلاقات السورية الإيرانية في المنظور الأمريكي، محمد عبدالمعطي، و الخلفية الدينية والطائفية للوضع السياسي في سوريا، نبيل شبيب، الجزيرة نت، قسم المعرفة.

 ([106]) تعداد سكان سوريا عام (2003م) يتجاوز (18) مليون نسمة، حسب بعض المصادر.

 ([107]) راجع: الشيعة فقط يريدون سوريا! حسن الرشيدي، على موقع البينة.

 ([108]) الشرق الأوسط، في (11/9/2002م).

 ([109]) انظر: خطاب حسن نصر الله، في مهرجان ببنت جبيل، في (26/5/2000م).

 ([110]) الجزيرة، في (30/7/2006م).

 ([111]) هذه الشهادات وغيرها الكثير التي نالها النظام النصيري لتدخله في لبنان، لمن أراد الرجوع إليها في كتاب «مؤامرة الدويلات الطائفية»، لمحمد عبدالغني النواوي.

 ([112]) حوار مع الشيخ صبحي الطفيلي، الجزيرة، في (23و30/7/2004م).

 ([113]) الإسلاميون في مجتمع تعددي، د. مسعود أسد اللهي، ترجمة د. دلال عباس، الدار العربية للعلوم، بيروت، (ط:1) (004م/276-277).

 ([114]) حزب الله.. المنهج التجربة المستقبل، (ص:57)، بتصرف.

 ([115]) انظر: المرجع السابق، (ص:71-74)، بتصرف!

 ([116]) انظر: المرجع السابق، (75-76)، بتصرف!

 ([117]) انظر: المرجع السابق، (ص:76).

 ([118]) يذكر أمين مصطفى في كتابه (المقاومة في لبنان: (1948م-2000م) أن من بين أبناء الطائفة الشيعية اللبنانية من ذهب إلى طهران للقتال على الجبهة الإيرانية ضد العراق بعد قيام الحرب بين البلدين!

 ([119]) راجع: المقاومة في لبنان: (1948م-2000م)، أمين مصطفى!

 ([120]) راجع: الإسلاميون في مجتمع تعددي، د. مسعود أسد اللهي، (ص:127).

 ([121]) انظر: حزب الله.. النشأة والتطور، الجزيرة، في (17/5/2006م)، بتصرف.

 ([122]) انظر: حزب الله، الجزيرة، في (17/5/2006م).

 ([123]) انظر: حزب الله.. النشأة والتطور، الجزيرة، في (17/5/2006م).

 ([124]) راجع: الإسلاميون في مجتمع تعددي، د. مسعود أسد اللهي، (ص:222).

 ([125]) يعيش الشيعة في ظل نظام طبقي، كما هو الحال لدى الصوفية، فالانتساب لآل البيت يعطي الشخص امتيازات سيادية لا ينص عليها شرع من كتاب أو سنة! لذا يطلق الشيعة على منتسبي آل البيت لقب «السيد»! وكأنهم بالتالي عبيد لهؤلاء «السادة»! ومن المضحك أن السيد حسن نصر الله هاجم جنبلاط بالقول «أنا لا أبي كان (بيك) ولا جدي كان (بيك) ولا ابني سيكون (بيك) !»، (خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره في (22/9/2006م) ). ولست أدري ما الفارق بين السيد والبيك طالما منطق الطبقية قائما! حتى عمائم علماء الشيعة تنطق بهذه الطبقية بتمييز السيد (بالأسود) عن غير السيد (بالأبيض) !!!!

 ([126]) وردت ترجمة لنصر الله في مقدمة حوار له مع مجلة الشاهد السياسي، العدد (147)، في (3/1/1999م)، وفي صحيفة الرأي العام الكويتية، في (10/6/2000م).

 ([127]) راجع: ويل للعرب، لعبد المنعم شفيق، (ص:26).

 ([128]) انظر: تسفي برئيل، جريدة هآرتس اليهودية، (1/6/1997م)، نقلًا عن ويل للعرب.

 ([129]) انظر: صحيفة معاريف اليهودية، (23/9/1997م)، المرجع السابق.

 ([130]) انظر: رضا لاري، إسرائيل تغازل إيران، جريدة الشرق الأوسط،في (31/12/1997م)، المرجع ذاته.

 ([131]) انظر: صحيفة الأنباء، في (8/11/1998م)، المرجع ذاته.

 ([132]) انظر: صحيفة الأنباء، (16/6/1998م)، عن لوس أنجلوس تايمز، المرجع ذاته.

 ([133]) راجع: اليهود في إيران، مأمون كيوان، بيسان للنشر، بيروت، (ط:1) (2000م)، (136).

 ([134]) انظر: صحيفة معاريف اليهودية، (8/9/1997م)، المرجع ذاته.

 ([135]) انظر: مجلة المشاهد السياسي، العدد (144)، في (13/12/1998م)، المرجع ذاته.

 ([136]) السفير اللبنانية، في (23/11/2001م).

 ([137]) ديلي ستار اللبنانية، (28/10/2002م).

 ([138]) فصلية الشرق الأوسط، خريف (2002م).

 ([139]) إذاعة إسرائيل، (23/12/2002م).

 ([140]) موت نصر الله في الميزان الصهيوني، تحليل مترجم من صحيفة هآرتس الإسرائيلية، المفكرة، في (26/7/2006م). وإن كانت الحقيقة أبعد مما يطرحه الكاتب!

 ([141]) حوار مع صبحي الطفيلي، الجزيرة، في (23و30/7/2004م).

 ([142]) حوار مع صبحي الطفيلي، الشرق الأوسط، عدد (9067)، في (25/9/2003م).

 ([143]) راجع: الحروب السرية للاستخبارات الإسرائيلية، إيان بلاك- بني موريس، ترجمة إلياس فرحات، دار الحرف العربي، بيروت، (1998م)، (ص:338).

 ([144]) المرجع قبل السابق، نفس الصفحة!

 ([145]) راجع: قواعد جديدة للعبة: إسرائيل وحزب الله بعد الانسحاب من لبنان، دانييل سوبلمان، مركز جافي للدراسات الإستراتيجية، ترجمة د. عماد فوزي شعيبي، مركز المعطيات والدراسات الإستراتيجية، الدار العربية للعلوم، بيروت، (ط:1) (2004م)، (ص:50).

 ([146]) قناة المنار، (28/1/2001م).

 ([147]) صحيفة الحياة، (10/4/2002م).

 ([148]) القدس العربي، (5/4/2004م).

 ([149]) راجع: مذكرات شارون، (ص:657، 661) !

 ([150]) نص تفاهم نيسان، (27/6/1996م)، الذي حظي بدعم إقليمي ودولي واسع، على أن حكومتي إسرائيل ولبنان يكفلان التالي: أن يتوقف حزب الله والمنظمات المسلحة عن استهداف إسرائيل بالصواريخ مقابل توقف إسرائيل والمتعاونين معها عن استهداف المدنيين اللبنانيين، وأنه بدون خرق هذا التفاهم لا يوجد مانع لأي طرف من ممارسة حق الدفاع عن النفس، وأن يتم تشكيل مجموعة مراقبة دولية من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وسوريا ولبنان وإسرائيل، وأن التفاهم لحل الأزمة بين البلدين ليس بديلًا عن حل دائم.

 ([151]) حوار مع الشيخ صبحي الطفيلي، الأمين العام الأول لحزب الله، الجزيرة، في (23و30/7/2004م).

 ([152]) هذا يؤكد دور إيران في توجيه مسار حزب الله سياسيًا وعسكريًا! بشأن الداخل وإسرائيل!

 ([153]) حوار مع صبحي الطفيلي، الشرق الأوسط عدد (9067)، في (25/9/2003م).

 ([154]) حوار مع صبحي الطفيلي، الشرق الأوسط عدد (9067)، في (25/9/2003م).

 ([155]) ورغم هذا الكلام المعسول لم يثن حسن نصر الله على موقف التيارات السنية التي رفضت الاحتلال منذ الأيام الأولى له، ولا فصائل المقاومة العراقية المجاهدة!!!

 ([156]) حوار مع حسن نصرالله في برنامج لقاء خاص، الجزيرة، (8/5/2003م).

 ([157]) خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره في (22/9/2006م).

 ([158]) جيش المهدي حزب الله.. ومقتدى الصدر نصر الله، أحمد موفق زيدان، على صفحته الخاصة في موقع مكتوب www.maktoobblog.com/ahmedzaidan، في (24/7/2006م).

 ([159]) راجع: قواعد جديدة للعبة: إسرائيل وحزب الله، بعد الانسحاب من لبنان، (ص:42-43).

 ([160]) المرجع السابق، (ص:14) هامش رقم (8).

 ([161]) حوار مطول مع حسن نصر الله، صحيفة السفير اللبنانية، في (6/9/2006م).

 ([162]) الحرب على لبنان بين المشروع الأمريكي والإيراني، علي حسين باكير، مجلة البيان الإسلامية، بتصرف.

 ([163]) الجزيرة، في (30/11/1999م).

 ([164]) الجزيرة، في (30/11/1999م).

 ([165]) انظر: حوار الجزيرة مع أمين عام حزب الله حسن نصر الله، (ج1+ج2)، في (12/9/2006م).

 ([166]) وبالفعل دفعت ثمن الحرب دول الخليج كما أخبر سعيد حوى عن رؤيته للحرب العراقية!

 ([167]) الجزيرة، في (14/7/2006م).

 ([168]) الجزيرة، في (30/7/2006م).

 ([169]) الجزيرة، في (3/8/2006م).

 ([170]) مقتبسات من خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره، في (22/9/2006م).

 ([171]) حوار مطول مع حسن نصر الله، صحيفة السفير اللبنانية، في (6/9/2006م).

 ([172]) حوار مطول مع حسن نصر الله، صحيفة السفير اللبنانية، في (6/9/2006م).

 ([173]) حوار مطول مع حسن نصر الله، صحيفة السفير اللبنانية، في (6/9/2006م).

 ([174]) حوار مطول مع حسن نصر الله، صحيفة السفير اللبنانية، في (6/9/2006م).

 ([175]) الجزيرة، في (30/11/1999م).

 ([176]) الجزيرة، في (30/11/1999م).

 ([177]) «السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي»، والتي شكلت مؤخرًا بحسب تصريحات حزب الله من الطوائف اللبنانية، لم تتجاوز عملياتها الأسبوعية -حسب تصريح لنصر الله- الخط الأمامي! وهي تأتي في إطار التساؤلات المتكررة عن طبيعة مقاومة حزب الله وطبيعة ولائها الطائفي! وضرورة فتح مجال المشاركة في مقاومة الاحتلال إذا كان حزب الله بالفعل لا يملك أجندة خاصة تدفعه لخصخصة المقاومة! وفي حين سئل حسن نصر الله في حوار مع الجزيرة (7/1/2001م) عن سبب عدم فتح حزب الله المجال للمجاهدين العرب الذين سبق لهم الجهاد في مواطن مختلفة في العالم الإسلامي والذين يمتلكون الخبرة القتالية ويرغبون في مقاتلة إسرائيل؟! قال: «في الواقع الحالي... الجبهة تضيق بالمقاتلين اللبنانيين.. في الحقيقة»!

 ([178]) الجزيرة، في (30/11/1999م)، هذا الكلام يتنافى مع تصريحات القوى الفلسطينية وصبحي الطفيلي وغيرهم من العارفين بوضع المقاومة في لبنان!

 ([179]) خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره، في (22/9/2006م).

 ([180]) خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره في (22/9/2006م).

 ([181]) خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره في (22/9/2006م).

 ([182]) خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره في (22/9/2006م).

 ([183]) حوار مع حسن نصر الله، مجلة الوسط، (29/5/2000م).

 ([184]) حوار مع حسن نصر الله، مجلة الوسط، (29/5/2000م).

 ([185]) حوار مع حسن نصر الله، مجلة الوسط، (29/5/2000م).

 ([186]) حوار مع حسن نصر الله، مجلة الوسط، (29/5/2000م).

 ([187]) خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره في (22/9/2006م).

 ([188]) خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره في (22/9/2006م).

 ([189]) حوار مطول مع حسن نصر الله، صحيفة السفير اللبنانية، في (6/9/2006م).

 ([190]) خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره في (22/9/2006م).

 ([191]) خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره في (22/9/2006م).

 ([192]) حوار مطول مع حسن نصر الله، صحيفة السفير اللبنانية، في (6/9/2006م).

 ([193]) حوار مع نعيم قاسم، نائب أمين عام حزب الله، في برنامج من لبنان، الجزيرة، في (21/8/2001م).

 ([194]) حوارا مع علي الأمين، مفتي صور وجبل عامل، في (4/9/2006م)، نقلًا عن مجلة الراصد، العدد (39)، رمضان (1427هـ).

 ([195]) ولا أدري في أي خانة يضع حسن نصر الله بغداد (علاو والجعفري والمالكي) !

 ([196]) حوارا مع نعيم قاسم، نائب أمين عام حزب الله، في برنامج من لبنان، الجزيرة، في (21/8/2001م).

 ([197]) حوار للرئيس السوري بشار الأسد مع البي.بي.سي، أكتوبر (2006م).

 ([198]) حوار مع محمد علي الجوزو مفتي جبل لبنان، في (30/8/2006م)، نقلًا عن مجلة الراصد، عدد (39)، رمضان (1427هـ).

 ([199]) حوار مع نعيم قاسم، نائب أمين عام حزب الله، في برنامج من لبنان، الجزيرة، في (21/8/2001م).

 ([200]) مجلة الراصد، عدد (39)، رمضان (1427هـ).

 ([201]) مجلة الراصد، العدد (39)، رمضان (1427هـ).

 ([202]) حوار مع المرجع والقاضي الشيعي اللبناني محمد حسن الأمين، الشرق الأوسط، في (16/9/2006م).

 ([203]) المرجع السابق.

 ([204]) الجزيرة، في (30/11/1999م).

 ([205]) أجرى حسن نصر الله حوارًا مباشرًا أثناء وبعد الحرب، مع قناة الجزيرة الفضائية وغيرها، وعلى الرغم من إعلان إسرائيل نيتها عن تصفيته وإمكانية تحديدها لموقع البث إلا أنها لم تقم بذلك!

 ([206]) بالإمكان الرجوع إلى موقع المفكرة باعتباره غطى حالة أوضاع هذه القرى عقب انتهاء الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب!

 ([207]) مجلة الراصد، العدد (39)، رمضان (1427هـ).

 ([208]) حوار مع حسن نصر الله، أمين عام حزب الله، في برنامج لقاء اليوم، الجزيرة، في (7/1/2001م).

 ([209]) صحيفة النهار اللبنانية، في (1/11/2006م).

 ([210]) صحيفة النهار اللبنانية، في (1/11/2006م).

 ([211]) حوار مطول مع حسن نصر الله، صحيفة السفير اللبنانية، في (6/9/2006م).

 ([212]) صدر القرار (1559) في سبتمبر (2004م) باقتراح تقدمت به فرنسا والولايات المتحدة لمجلس الأمن وهو ينص على تفكيك ونزع سلاح المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وانسحاب القوات الأجنبية من لبنان، وبسط الحكومة اللبنانية سيطرتها على كامل أراضيها، وإجراء انتخابات حرة نزيهة وفق القواعد الدستورية اللبنانية القائمة دون تدخل أجنبي.

 ([213]) قناة العربية، في (27/8/2006م).

 ([214]) الجزيرة، في (30/11/1999م).

 ([215]) الجزيرة، في (30/11/1999م).

 ([216]) خطاب حسن نصر الله في حشد من أنصاره في (22/9/2006م).

 ([217]) قرأت للبعض بأن رسالة معاوية إلى ملك الروم هذه موجودة في متحف تاريخي في اللوفر!

عدد مرات القراءة:
7203
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :