آخر تحديث للموقع :

الخميس 11 رجب 1444هـ الموافق:2 فبراير 2023م 08:02:12 بتوقيت مكة

جديد الموقع

نهى قاطرجي ..
الكاتب : نهى قاطرجي ..

طوائف لبنان .. والمشي فوق الألغام
د. نهى قاطرجي

بسم الله الرحمن الرحيم

 
لم يكن لبنان بحدوده الحالية ومساحته البالغة 10452 كيلومتراً مربعاً بلداً معروفاً قبل 31 أغسطس 1920م؛ تاريخ إعلان الجنرال "غورو" الفرنسي دولة لبنان الكبير، حيث ضمّ إليه ولاية بيروت مع أقضيتها وتوابعها (صيدا وصور ومرجعيون وطرابلس وعكار) والبقاع مع أقضيته الأربعة (بعلبك والبقاع وراشيا وحاصبيا)، فاتسعت مساحته من 3500 كلم مربع إلى 10452 كلم مربع، وازداد سكانه من 414 ألف نسمة إلى 628 ألفاً.

أما قبل ذلك التاريخ فكان هذا البلد جزءاً من أراضي سورية يطلق عليه اسم "جبل لبنان"، ويضّّم قسماً من سلسلة جبال لبنان الغربية امتدت من بلدة بشرى شمالا حتى بلدة جزين جنوباً. وقد شكل هذا البلد الصغير مع سورية والأردن وفلسطين بأشكالها الحالية ما يعرف في التاريخ الإسلامي ببلاد الشام، تلك الأرض الإسلامية التي مدحها رسول الله [ وذكر محاسنها إلى قيام الساعة.
ولقد كان لبنان وعلى مدى تاريخه الطويل عرضة للهجمات والغزوات حتى يكاد يضرب به الرقم القياسي في عدد الأمم التي احتلته وحكمته، انطلاقاً من ملوك آشور وبابل ثم الفرس والفراعنة فالإسكندر الأكبر فالسلوقيون فالبطالسة ثم الرومان..


وبعد المسيح عليه السلام تعاقب عليه البيزنطيون فالأمويون فالعباسيون فالطولونيون فالسلاجقة فأتابكة سورية فالفاطميون فالصليبيون وبنو زنكي فالأيوبيون ثم قلاوون وسلالته ثم المماليك البحرية ثم بنو عثمان ثم فرنسا.
ورغم كثرة الدول التي احتلت هذا البلد، كاليونان والبيزنطيين، أو التي جاءت لتحرره من المحتلين كالجيوش الإسلامية، فإن كتب التاريخ الحديث تركز دوماً على المرحلة الأخيرة من الخلافة العثمانية التي حكمت جبل لبنان منذ عام 1516م، وذلك في محاولة لذكر المساوئ ونسيان المحاسن، مع أن العثمانيين لم يحكموا جبل لبنان بشكل مباشر إلا لفترة قصيرة لم تتجاوز العشرين عاماً (1841-1861م). أما قبل هذه الفترة فكانت مناطق "جبل لبنان" تخضع لحكم أمراء الطوائف الرئيسة فيه وهم الدروز، الذين تمثل حكمهم بالأمراء المعنيين (1516-1697م) ومن بعدهم الأمراء الشهابيين (1697-1841م) ومن ثم انتقل الحكم إلى النصارى إثر المجازر التي وقعت بينهم وبين الدروز في الفترة من 1840-1860م، ونتج عنها تحول "جبل لبنان" إلى نظام المتصرفية.
إن القارئ لتاريخ لبنان الحديث منذ الحكم العثماني إلى اليوم يمكن أن يحصر معاناة هذا البلد بسببين أساسيين :

1- التدخل الأجنبي

الذي بدأ منذ وقت بعيد، منذ عهد الأمراء المعنيين، حيث كان للأمير فخر الدين المعني الثاني (1572- 1635م) علاقات واتصالات مع أمير توسكانا (إمارة إيطالية) تهدف إلى الانفصال عن السلطنة العثمانية وإقامة إمارة مرتبطة بالغرب، ولكن مشروعه الانفصالي التغريبي فشل وتم إعدامه في الآستانة. ثم استمر هذا التدخل الأجنبي في العهد الشهابي مع الأمير بشير الثاني الشهابي الذي تحالف مع محمد علي باشا والي مصر من أجل مواجهة السلطة العثمانية المتقهقرة.
بعد ذلك برز هذا التدخل بشكل واضح إثر صدور البروتوكول الخاص بنظام المتصرفية الصادر عام 1860م، والذي تمكنت بموجبه كل من بريطانيا وفرنسا والنمسا وروسيا وبروسيا (ألمانيا) من فرض إرادتها على الدولة العثمانية وسلمت منذ تلك الفترة زمام البلد إلى النصارى، وجعلت باقي المذاهب في موقف التبعية.
وقد استمر هذا التدخل في عهد الاستعمار الفرنسي المعروف بعهد الانتداب (1918-1943م)، الذي كان نتيجة توقيع اتفاقية بين بريطانيا وفرنسا عرفت باتفاقية سايكس بيكو، نتج عنها اقتسام الميراث العثماني في المشرق العربي، فكان لفرنسا النفوذ والوصاية على لبنان وسورية، وكان لبريطانيا النفوذ في فلسطين وشرق الأردن والعراق.

2- الطائفية

يلاحظ أن التدخل من قبل الأجنبي في لبنان كان دائماً يأتي عن طريق استغلال الطائفية وتنميتها وتوظيفها سياسياً، وكانت كل طائفة تسعى من أجل حماية وجودها إلى الاحتماء بإحدى البلدان الأجنبية، مما جعل الساحة اللبنانية مادة قابلة للانفجار في أية لحظة.

ففي فترة الصراعات طائفية ما بين الدروز والموارنة بين العامي (1840-1860م) كانت كل طائفة من الطائفتين على ارتباط وثيق بإحدى الدولتين الكبيرتين آنذاك بريطانيا وفرنسا، فالدروز احتموا بالبريطانيين خلال أحداث 1860م، مما سمح لبريطانيا باستغلال ذلك من أجل التدخل في الشؤون الداخلية للسلطنة العثمانية من جهة، ولمنافسة فرنسا من جهة أخرى.
أما فرنسا فأصبحت صاحبة الحق في حماية الطوائف الكاثوليكية والموارنة، ذلك أنها أعلنت بلسان "روبير كولوندر"، رئيس البعثة السياسية الفرنسية في بيروت، غداة انتهاء الحرب العالمية الأولى، أن مجيئها إلى لبنان هو لحماية أصدقائها الموارنة وضمان مصالحهم، وبالفعل فقد قامت فرنسا بتدريب المسيحيين عامة والموارنة خاصة على كيفية إدارة شؤون البلاد أثناء فترة حكمها المباشر للبنان بين عامي 1920 1943م، ثم سلمتهم السلطة بعد مغادرة جيوشها نهائياً لبنان عام 1946م.
وبعد هذا التاريخ تفرد الموارنة بحكم لبنان حتى انتهاء الحرب الأهلية (1975 1990م)، مع أنه لا يوجد نص في الدستور اللبناني يحدد طائفة رئيس الجمهورية.
لقد كان لسياسة التمييز بين الطوائف أثرها في انفجار الحرب الأهلية في أبريل 1975م. نتيجة الاحتقان الناجم عن الغبن الذي تعرضت له الطوائف الإسلامية، والتمايز بين المناطق والطوائف، إضافة إلى محاولة جعل لبنان تابعاً للدول الغربية، يسير في ركاب الحضارة الغربية مع محاولة سلخه عن محيطه العربي والإسلامي.
وجدير بالذكر، أن اتفاق الطائف الموقع عام 1989م بين الأطراف اللبنانية المتحاربة، قد أنهى الحرب الأهلية في لبنان وحدد نظام اقتسام السلطة الطائفي المعقد والذي أنشئ مع استقلال لبنان في عام 1943م، ومنح المسلمين والمسيحيين تمثيلاً متساوياً في مجلس النواب؛ بدلاً من التمثيل بنسبة 6 إلى 5 لصالح المسيحيين كما كان في السابق.علماً بأن هذا التمثيل لم يعد يتناسب مع الوضع الديموجرافي الجديد، فلقد كشف دراسة مسحية وردت في جريدة السفير اللبنانية بتاريخ 28 /01/ 2006م. أن عدد سكان لبنان المسجلين يبلغ 4.5 مليون نسمة، يشكل المسيحيون نسبة 40.5% منهم، أما المقيمون فيبلغ عددهم 3.7 مليون نسمة يشكل المسيحيون منهم نسبة 37.2 %، وهذا يعني أن المسلمين المقيمين يشكلون ثلثي سكان لبنان تقريباً.      
وهذا جدول بعدد المقيمين الرئيسين في لبنان ونسبتهم، كما ذكرتها جريدة السفير
إن هذين الأمرين، التدخل الأجنبي والطائفية السياسية، هما العنصران الأساسيان اللذان برزا مجدداً على الساحة اللبنانية إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 فبراير 2005م.، وما نتج عن هذا الاغتيال من أحداث زادت من حجم الفرز الطائفي المدعوم من الدول الخارجية، فانقسم اللبنانيون إلى فريقين
فريق 14 آذار الذي تألف بصورة رئيسة من تيار المستقبل (ذي الأكثرية السنية، والذي يتزعمه سعد الحريري)، والحزب التقدمي الاشتراكي (ذي الأكثرية الساحقة الدرزية، والذي يتزعمه وليد جنبلاط)، والقوات اللبنانية المارونية (بزعامة سمير جعجع)، مدعومة خارجياً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا،
فريق 8 آذار، والذي يضم حزب الله وحركة أمل (من الشيعة) وتيار المردة الماروني بزعامة سليمان فرنجية، والتيار الوطني الحر ذا الأكثرية الساحقة المسيحية بزعامة العماد ميشال عون (من المسيحيين) مدعوم خارجياً من قبل إيران وسورية، وعدداً قليلاً من باقي الطوائف الأخرى.


لقد كان من نتيجة هذا الصراع بين القوى المحلية والدولية أن دخلت البلاد في أزمة كبيرة بدأت مع مطالبة فريق السلطة، بالموافقة على قيام المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري، وتفاقمت مع استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة اللبنانية والاعتصام المفتوح الذي بدأته قوى 8 آذار مارس منذ أكثر من ستة أشهر، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة قضية الطائفية ودورها الأساسي في السياسة اللبنانية الداخلية .  
   إن هذا الوضع المتردي كان السبب وراء اختيار موضوع الطوائف اللبنانية من أجل التعريف بتاريخها وتطورها ودورها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

الدروز
     الدروز فئة منشقة من الشيعة أنشأها الحاكم بأمر الله الفاطمي (985- 1021م.)،  سموا بالدروز نسبة إلى أول من دعا إلى المذهب وهو "محمد بن إسماعيل الدرزي".      
      يعتبر الروز أنفسهم بأنهم مسلمون موحدون، مع أن مذهبهم يتضمن كثيراً من المعتقدات المخالفة للإسلام؛ منها أنّهم يقدّسون العقل ويعتبرونه محور المعرفة، ويؤمنون بتناسخ الأرواح، ويأخذون بمذهب التقية، ويمنعون أتباعهم من التصريح عن معتقداتهم الحقيقية، ولا يقيمون فرائض الإسلام المعروفة كالصلاة والصيام والحج.
      العقيدة الدرزية عقيدة سرّية لا يعرفها إلا فئة قليلة جداً من أفراد المجتمع الدرزي تعرف بفئة "العقال"، الذين يمارسون عبادتهم في مكان منعزل عن الناس يعرف بالخلوات، ورجال الدين عندهم ثلاثة أقسام "الأجاويد والقضاة وشيخ العقل". وكتبهم الدينية غير منشورة، ومن أبرزها كتاب الحكمة الذي قام النصارى بتصويره يوم احتلوا الجبل في عام 1983م..
      الشعب الدرزي شعب متضامن مع بعضه البعض، وهو لا ينسى أقرباءه ولا   إخوانه من أصحاب العقيدة الواحدة، لذلك لا يشجع أبناءه على الزواج من أبناء الطوائف الأخرى؛ حتى إنه كثيراً ما يتبرأ من الدرزي الذي يتزوج من غير ملته مما يضطره إلى تغيير دينه.
       عدد الدروز قليل بالنسبة لسائر الطوائف، وهم يتواجدون في لبنان وسورية والأردن و"إسرائيل"، ففي لبنان يوجد 230ألف شخص (وفق إحصاء جريدة السفير المذكور سابقاً) بينما يوجد في سورية حوالى 300 ألف مقابل 15 ألفاً في الأردن، أما في "إسرائيل" فيعيش منهم قرابة 70 ألفاً يحق لهم وحدهم مع البدو الخدمة في صفوف الجيش الإسرائيلي.     
       وتقع مواطن دروز لبنان في الشوف وعاليه وحاصبيا، وفي سورية، في مناطق    جبل الدروز وغوطة دمشق والجولان، أما في فلسطين فتقع مواطنهم في الجليل الأعلى.

 
تحالفات الدروز وعلاقاتهم الخارجية

      تميزت تحالفات الدروز ومعاهداتهم التاريخية بالتقلبات والتغييرات وفق المصلحة    الخاصة لهذه الطائفة، فبدأت هذه التحالفات مع السلاطين العثمانيين الذين مكّنوهم من الحكم الذاتي في الإمارة ثم الشهابية، ثم تحولت بعد تولي العثمانيين الحكم المباشر للجبل عام1841م. إلى البريطانيين الذين كانوا على خلاف مع فرنسا، ولعل أبرز زعيم درزي مشهور حالياً بتقلباته السياسية هو "وليد جنبلاط".  
     كما عرف الدروز بعلاقتهم غير المعادية ل"إسرائيل". ولا ينسى اللبنانيون كيف استقبل الدروز "إسرائيل" عام 1982م. بالورد والأرز، وذلك بعد أن صدر قرار حزبي من رئيس الحزب الاشتراكي "وليد جنبلاط" بعدم التصدي للاجتياح.
ويقول "الدكتور فارس أبي صعب" عن هذه الحادثة "على الرغم من تدفق التبريرات حينها القائلة إن وليد جنبلاط يريد تجنيب القرى الدرزية عمليات تدمير واسعة يمكن أن تقوم "إسرائيل" بها، فإن الأيام والشهور التي تلت الاجتياح أظهرت أن السياسة التي ينتهجها الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة "وليد جنبلاط" هي، على الأقل، سياسة غير معادية لإسرائيل. وقد جرت ترجمتها، في أثناء حرب الجبل، التي بادر إليها واتخذ قرارها بعض الرموز التقدمية الاشتراكية والوطنية الميدانية وليس "وليد جنبلاط" نفسه، بعمليات تنسيق أمني بين بعض مسؤولي الحزب التقدمي الاشتراكي وجيش "الدفاع" "الإسرائيلي".
كما ترجمت أيضاً بالزيارات التي كان يقوم بها بعض مسؤولي الحزب التقدمي الاشتراكي أو بعض الشخصيات الدرزية "لإسرائيل" بتكليف من "وليد جنبلاط" أحياناً.

 
علا قات الدروز الداخلية

     تميزت الطائفة الدرزية عبر علاقتها التاريخية بالطوائف الأخرى بوقوفها مع العنصر القوي في البلاد، ففيما تجد عامة أبناء الطائفة يميلون نحو أهل السنة في لبنان، تجد البعض من زعمائهم يسايرون أصحاب النفوذ من الموارنة، كما حدث مع "كمال جنبلاط" الذي كان يعقد لقاءات سرية مع كثير من قادة الموارنة مثل "الشيخ بشير الجميل" رئيس الكتائب، و"الرئيس كميل شمعون" زعيم "حزب الوطنيين الأحرار" والتي كانت تربطه به علاقة وطيدة سمحت بإبقاء الدروز والموارنة في دير القمر وجزّين والمختارة في منأى عن المعارك التي طالت سائر المناطق اللبنانية.    
     ويملك زعماء الدروز قدرة كبيرة على التأثير بالوضع الداخلي في لبنان، مما رفع من شأن الطائفة، فهي مع قلة عددها، إلا أنها أكثر تأثيراً في الوضع السياسي من كثير من الطوائف الأخرى، فالزعيم "وليد جنبلاط" كان دائماً رقماً صعباً في المعادلة اللبنانية، وخاصة بعد اغتيال الرئيس الحريري، ويعود السبب في قوة الدروز إلى عوامل عدة، منها :  
1- تماسك دروز الداخل مع دروز الخارج في خدمة مصلحة الدروز العليا. وقد    ساهم في ذلك انتشارهم في سورية ولبنان وفلسطين المحتلة حيث يشاركون في العمل السياسي في "إسرائيل"، وقد وجد بينهم وزيرٌ بلا وزارة في حكومة شارون السابقة "صالح طريف"، والنائب المناضل في الكنيست (الإسرائيلي) "عزمي بشارة" الذي قدم استقالته مؤخراً احتجاجاً على سياسة "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية المحتلة. إضافة إلى أن الدروز يشكلون جزءاً من الجيش الإسرائيلي. وقد اتضح ذلك أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث تبيّن أن بعض أفراد وقيادات ضباط الجيش الإسرائيلي كانوا من الدروز.
وقد ساهم هذا التلاحم بين أبناء الطائفة في تكوين "لوبي" قوي يحسب له حساب في كل دولة يقيمون بها. هذا يعني أن التعرض للدروز في لبنان لا يمر في سورية وفلسطين المحتلة بسهولة ويسر. وهذا الأمر يعطي لزعماء الدروز نوعاً من الحرية في التحرك والكلام؛ متيقنين من قدرتهم على تحريك الشارع الدرزي.


2- تماسك دروز الداخل فيما بينهم، كما تفعل كل الأقليات، والتفافهم حول قادتهم إلى حدود التقديس. وهذه الصفة موجودة منذ القدم عند الدروز، فهم يلتصقون بقيادتهم التي تهتم بقضاياهم "وتتحمّل مسؤولية الحفاظ على وجودهم وهويتهم ومصالحهم".   
      وفي هذا المعنى يطلق في لبنان مقولة مشهورة تفيد "أن الدروز ينتصرون في الحروب ويخسرون في السلم. ففي الحرب يقفون وقفة رجل واحد، لكنهم في السلم يعودون أهل طائفة صغيرة العدد محدودة الموارد".
      3 نزعتهم القتالية فهم أبناء جبال، قساة الطبائع، شاركوا في حروب كثيرة مع السلطات القائمة او ضدها، ومع شركائهم في الوطن أو ضدهم.

 
الزعماء الدروز

      حكم الدروز جبل لبنان من القرن 17حتى 19م. وذلك خلال حكم الأسرتين المعنية والشهابية، وشهدت فترات الحكم الدرزي ازدهاراً وأمناً جعلت زعماء الدروز المعاصرين يطمحون دوماً إلى استعادة أمجادهم السابقة. ومن هؤلاء الزعيم الدرزي "كمال جنبلاط" الذي حاول أن يبني لبنان العدالة والمساواة على نسج "الأمير فخر الدين" قبل مقتله عام 1977م.
     ويتقاسم النفوذ في الطائفة الدرزية منذ القدم عائلتان هما "آل أرسلان" و"آل جنبلاط"، مع تفوق واضح لآل جنبلاط منذ بداية الانتداب الفرنسي على لبنان عام 1920م وحتى اليوم.
     حيث استقل الحزب التقدمي الاشتراكي أثناء الحرب الأهلية اللبنانية عن بقية المناطق اللبنانية، وأنشأ ما سمي بالإدارة المدنية، وهي إدارة بديلة عن إدارة الدولة اللبنانية لشؤون الجبل الدرزي، وعملت على مختلف الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية التربوية.
من أبرز زعمائهم التاريخيين.. الأشقاء شكيب وعادل ونسيب أرسلان، بين عامي 1867-1954م. وقد اشتهروا بالعمل السياسي والأدبي والجهادي ضد فرنسا.
    و"سلطان باشا الأطرش" الذي اشتهر أثناء الثورة السورية عام 1925م. بمواقفه المناهضة لفرنسا، رغم وعودها له بمنحه دولة خاصة للدروز في الجبل.
أما أبرز زعمائهم المعاصرين فهما "كمال جنبلاط" ثم ولده وليد الذي ورثه في الزعامة كما هي العادة في لبنان.

 
الزعيم كمال جنبلاط

     عمل "كمال جنبلاط" على الرفع من شأن طائفته، وكان مفكراً اجتماعياً لامعاً، تبنى قضايا الفقراء وكان يلقب ب "أبي المساكين"، مما أمّن له شعبية واسعة ليس فقط بين أبناء طائفته ولكن أيضاً على صعيد الوطن ككل.
أسس "الحزب التقدمي الاشتراكي" عام 1949م، مع الشيخ "عبدالله العلايلي"، والكاتب "البير أديب" و"فريد جبران" و"فؤاد رزق" و"جورج حنا"، وكان هذا التنوع الطائفي تعبيراً عن مواقفه السياسية المطالبة بالعلمنة وفصل الدين عن الدولة. وقد سعى بجد لتحقيق هذه الغاية، ويقول ابنه "وليد جنبلاط" عن أحلام أبيه (كان يحلم والدي بأن يصبح رئيساً للجمهورية يرضى عنه الجميع).

في بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975م. أسس مع "الحزب الشيوعي اللبناني" و"منظمة العمل الشيوعي" و"الحزب السوري القومي الاجتماعي" وبعض الأحزاب الناصرية والبعثية ما عرف ب "الحركة الوطنية". وقد تعاون مع هذه الحركة العديد من القوى الفلسطينية، وبعد إندلاع الحرب الأهلية أصبح جنبلاط رقماً من أرقام المعادلة اللبنانية الصعبة؛ خاصة بعد أن تحالف مع المنظمات الفلسطينية التي كانت تحاول أن تحكم قبضتها على لبنان بزعامة ياسر عرفات رئيس حركة فتح.
اغتيل "كمال جنبلاط" في 16/3/1977م، في عهد الرئيس السوري حافظ  الأسد،ويحمل "وليد جنبلاط" اليوم مسؤولية قتل والده إلى الحزب الحاكم في دمشق آنذاك، مصوراً الصراع بينه وبين السوريين على أنه في أحد جوانبه مسألة ثأر لوالده "كمال جنبلاط".
 
وليد جنبلاط وزعامة الدروز

      هو زعيم الطائفة الدرزية حالياً بلا منازع. ويتميز عن والده بأن هذا الأخير كان  يعمل لطائفته وللشعب اللبناني كله، بينما يعمل هو على رفع شأن طائفته في الداخل والخارج. فعلى الصعيد الداخلي يسعى "وليد جنبلاط" إلى تحسين شروط مشاركة طائفته في السلطة، كمطالبته في اتفاق الطائف بإنشاء مجلس للشيوخ يكون برئاسة الدروز. وهو في سبيل تحقيق زعامته الداخلية، يحاول منع ظهور أي شخصية درزية سياسية تنافسه السلطة في طائفته ومنطقته، وقد ردد مراراً مقولته المشهورة "إن الشوف لا يتسع لقصرين". ولذلك نجده يحاول حصر "التمثيل البرلماني للدروز بجماعته والإمساك بمشيخة العقل وبالأوقاف الدرزية".
أما على الصعيد الخارجي فلقد طرح نفسه "زعيماً درزياً في بلاد الشام كلها عبر إطلاق دعوته الدروز لرفض التجنيد في صفوف جيش الكيان الصهيوني (8% من الشباب الدرزي في فلسطين المحتلة يخدمون في الجيش الصهيوني)، وتبنيه لمؤتمر التواصل القومي بعمان الذي عقد للدعوة لرفض الانخراط في الجيش (الإسرائيلي)، والذي استقبل فيه جنبلاط لدى انعقاد المؤتمر استقبال الأبطال".
يعرف وليد جنبلاط بعدم الثبات في مواقفه، وكان من بين هذه المواقف المتقلبة، تأييده لسورية زمن الرئيس "حافظ الأسد" ثم تحوله إلى معاداتها زمن ابنه الرئيس بشار، متعاوناً في ذلك مع القوى المسيحية المعادية لسورية، وعلى رأسهم "البطريرك مار نصر الله بطرس صفير" و"العماد ميشال عون" (قبل أن يتحول إلى فريق موالاة سورية)، والسيد "سمير جعجع" المعروف بعمالته ل"إسرائيل" خلال الحرب اللبنانية، والرئيس "أمين الجميل" الذي جعلته الدبابات الإسرائيلية رئيساً للبنان عام 1982م، كأخيه "بشير الجميل" الذي اغتيل في 14 /9/ 1982م..
من أبرز مواقفه المتقلبة علاقته بالرئيس "رفيق الحريري"، ففيما "أعلن تكراراً أنه يرفض كل سياسة الحريري وأنه لن يتوافق معه أبداً"، عاد ليشكل معه ومع بعض الموارنة جبهة ثلاثية في مواجهة المد الشيعي لحزب الله على الجنوب اللبناني بدعم سوري إيراني واضح.

   يعترض كثير من أهل السنة على هذا التقارب الجديد الذي تم بين الزعيم الدرزي "وليد جنبلاط" والنائب "سعد الحريري"، وهم يعتبرون أن جنبلاط بهذا التحالف يسيطر على قرارات أهل السنة تماماً، كما فعل والده في أثناء توليه رئاسة الحركة الوطنية إبان الحرب الأهلية.

الموارنة.. من الرعاية الفرنسية إلى الانقسامات الداخلية
 
الموارنة فرع من فروع الكنيسة السورية، وينتسبون إلى القديس "مارون" الراهب الذي لا يُعرف عن حياته غير أنه عاش بين أنطاكية وقورس، غلب عليه النسك والزهد حيث كان يقيم في العراء صيفاً وشتاءً، ليلاً ونهاراً، ولم يعرف عنه أنه وضع أسساً لمذهب يختلف عن عقائد النصارى.
انتقلت جماعته إلى وادي العاصي في شمال لبنان عام 400م، ثم استقرت هذه  الجماعة بين العام 451م، و634م، في المناطق الجبلية في لبنان الشمالي (بين إهدن الزاوية، جبة بشري البترون، وجبة المنيطرة نهر إبراهيم) إثر صراع مذهبي داخل الكنيسة المسيحية بين من يقولون بطبيعة المسيح الواحدة، وهم اليعاقبة الأرثوذكس، وبين من يقولون بطبيعتين للمسيح، ومن أشهرهم الموارنة.
كانت عيون الموارنة تتطلع دائماً نحو الغرب وخاصة فرنسا، وارتبطوا رسمياً ببابا روما عام 1180م، وقد ظهر ذلك جلياً في مناصرتهم للروم وللصليبيين وللدول الغربية عامة وفرنسا خاصة.

عاش الموارنة في العهد العثماني تحت إمرة الدروز في فترتين زمنيتين الفترة الأولى كانت تحت سيطرة الأمراء المعنيين (1516-1697م) والفترة الثانية كانت تحت سيطرة الأمراء الشهابيين (1697-1841م). وقد برز تأثيرهم السياسي منذ تلك الفترة، نتيجة لظهور طبقة متعلمة من الموارنة اعتمدها الأمراء الشهابيون في أعمالهم، حتى إنهم تمكنوا من تنصير بعض الأمراء الشهابيين واللمعيين، مستغلين بذلك التعاطف الدرزي معهم، وأبرز هؤلاء المتنصرين الأمير بشير الثاني الشهابي (1760-1850م.) الذي تحول من الدرزية إلى النصرانية.
 
أدوار الموارنة السياسية

       ثم تزايد بعد ذلك الدور الماروني في الجبل اللبناني سياسياً وعسكرياً، بعد أن استعان "إبراهيم باشا" وحليفه "الأمير بشير الثاني" بالموارنة من أجل شن حملة على دروز "حوران" الذين رفضوا التجنيد، فكانت هذه الحادثة هي البداية للعداء بين الدروز والمورانة والتي أسفرت عام 1860م، عن مجازر بشعة وقعت للنصارى على يد الدروز. ولقد أحسن الموارنة استغلال هذه المجازر من أجل الانتقال بلبنان إلى مرحلة المتصرفية التي أعطتهم امتيازات سياسية ظلوا يتمتعون بها حتى العام 1989م، تاريخ توقيع اتفاقية الطائف الذي أعاد توزيع السلطات السياسية بين اللبنانيين.
حماية فرنسية
     بدأت علاقة الموارنة بفرنسا بعد أن منح السلطان العثماني "سليمان القانوني" ملك فرنسا "فرنسوا الأول" امتيازاً تجارياً يعترف فيه لمواطني الدولة الفرنسية ببعض الامتيازات القانونية والتجارية عند وجودهم في الامبراطورية العثمانية. وأول تصريح رسمي (مرسوم) وضع الموارنة والبطريرك في الحماية الفرنسية أصدره "لويس الرابع عشر" في 28 أبريل 1649م.
بعد ذلك برز الدور الكبير لفرنسا في حماية الموارنة بعد صراعهم المرير مع الدروز عام 1860م، ثم أثناء فترة الانتداب الفرنسي على لبنان (1920-1943م)؛ حيث لم تدع فرنسا في تلك الفترة منصباً حساساً إلا ورفعتهم إليه، وكرست الامتيازات التي أعطتهم إياها في الدستور الجديد الذي صاغته مع نصارى لبنان عام 1926م..
    هذا وقد عمدت فرنسا أيضاً، من أجل تثبيت زعامة الموارنة على المسلمين إلى الادعاء بتفوقهم العددي، وبأنهم يمثلون الأكثرية النسبية بين الطوائف اللبنانية. وقامت باجراء إحصاء لعدد السكان عام 1932م. دُفع النصارى إلى المشاركة فيه دفعاً، بينما كان المسلمون يفرون منه خوفاً من أن يكون شكلاً جديداً من أشكال التمهيد للسخرة.
     ولكن رغم عدم مشاركة كل المسلمين في هذا الإحصاء، ورغم قيام فرنسا  بإحصاء النصارى المقيمين والمغتربين الأحياء منهم والأموات، إلا أنها لم تستطع أن تحسم النتائج لصالح النصارى، لذلك ختمت هذا الإحصاء بتوصية بالغة، مؤكدة على عدم إجراء أي إحصاء آخر أبداً، مع التحذير البالغ من أن الخديعة التي ذهب ضحيتها الكثير من المسلمين لا يمكن أن تنطلي مجدداً. ولم يجر إحصاء رسمي لسكان لبنان منذ عام 1932م..
تكريس الطائفية
      وهكذا يتبين أن فرنسا هي التي عملت من أجل تكريس الطائفية في لبنان، حتى إنها لم تغادر هذا البلد إلا بعد أن أرست دعائم هذه الطائفية. وقالت في البند الأول من المنشور الذي وجهته إلى أبناء "يسوع المسيح" قبل مغادرتها عام 1943م "قد رتبنا لكم أهم الأشياء التي تضمن لكم معيشة حسنة على هذه المنطقة، مثل تمليك الأراضي والوكالات الأجنبية والوضع السياسي وشؤون النقد، ويبقى عليكم أن تحافظوا على هذه المكاسب وزيادتها مع الأيام".
     ولقد عمل الموارنة طوال تاريخهم السياسي على تطبيق وصية فرنسا، الأم الحنون، وحافظوا على الامتيازات السياسية التي حصلوا عليها منذ عهد الانتداب وكرسوها كمكتسبات شخصية، علماً بأن هذه المكتسبات لم تكن مما تَوافق عليها اللبنانيون أو ذكروها في الدستور، أو حتى تعاهدوا عليها في الميثاق الشهير عام 1943م.

   ثم تجلت هذه المكتسبات في أمور عدة منها إطلاق يد رئيس الجمهورية بدون قيد أو شرط، فكان هو الذي يعيّن رئيس مجلس الوزارء والوزراء وهو الذي يقيلهم. ومنها أيضاً تركيبة المجلس النيابي التي كانت تضمن الأكثرية من النصارى فيه، وكذا المراكز السياسية والإدارية والمالية والعسكرية والتربوية في البلد وخارجه من قيادة للجيش والقيادات الأمنية ورئاسة المصرف المركزي ورئاسة الجامعة اللبنانية، والتمثيل الدبلوماسي في عواصم القرار في العالم، وغير ذلك من المناصب الرئيسة التي مازالت المشاركة الإسلامية فيها محدودة وضيقة حتى اليوم.
     لم يكتف الموارنة بالمكتسبات التي حصلوا عليها في عهد الانتداب والاستقلال، وإنما نجدهم يسعون دائماً إلى توسيع دائرتها واكتساب المواقع الجديدة لهم، وهم لا يتخلون عن هذه المواقع مهما كانت الأسباب.
فبالرغم من التغيير الديموجرافي الناتج عن تناقص الموارنة والمسيحيين عامة، إلا أنهم يرفضون التخلي عن أي موقع كانوا يشغلونه، حتى لو أدى هذا إلى ظلم بالطوائف الأخرى وقيام الصراعات الداخلية، وحجتهم في ذلك "أنه إذا كانت هناك امتيازات بين أيديهم، فعلى الفريق الآخر أن يتفهم خلفياتها. فوراءها خوف الأقلية من الأكثرية. ثم إن لبنان له شخصيته الفريدة المختلفة عن شخصية أي بلد آخر في المنطقة. فما المانع من أن يكون للمسيحيين فيه وضع خاص؟".

علاقة الموارنة باليهود
     أيّد الكثير من الموارنة مواقف الحركة الصهيونية في فلسطين المحتلة، وقد اشتهر بعضهم بتعاملهم المباشر مع "إسرائيل" ودعمهم اليهود في إنشاء دولة "إسرائيل" على أرض فلسطين، ومن هؤلاء رئيس الجمهورية الأول "بشارة الخوري" الذي اتهمه رئيس الوزراء "سامي الصلح" بشكل صريح بالعمالة، فكان مما قاله في البيان الذي ألقاه في المجلس النيابي "حاربونا لأننا شرعنا في مكافحة التهريب إلى "إسرائيل" لأن هذه المكافحة تقطع عليهم الرزق الحرام". كذلك فقد أيد قيام دولة "إسرائيل" الكثير من مفكريهم وسياسييهم ومطارنتهم.
    وقد استمرت هذه العلاقة بين الموارنة واليهود عبر عهود كثير من الرؤساء الموارنة، إلا أنها لم تظهر للعلن إلا خلال الحرب الأهلية التي بدأت عام 1975م.. وحصل أول لقاء سياسي بالقادة "الإسرائيليين" بواسطة "جوزف أبو خليل" أحد مسؤولي حزب الكتائب الماروني عام 1976م، وبعد ذلك توالت اللقاءات بين الفريقين، واشترك فيها أغلب القادة الموارنة المنتمين إلى الجبهة اللبنانية، وعلى رأسهم الرئيس السابق "كميل شمعون" زعيم حزب الوطنيين الأحرار، و"بيار الجميل" زعيم حزب "الكتائب اللبنانية"، و"بشير جميل" وشقيقه "أمين جميل"، وقائدا القوات اللبنانية، الجناح العسكري لحزب الكتائب سابقاً، "إيلي حبيقة" و"سمير جعجع"... وغيرهم كثير.

      ولقد كان لهذه اللقاءات أثرها في انسحاب الرئيس "سليمان فرنجية" سنة 1978م من الجبهة اللبناينة، لرفضه التعاون مع الدولة الصهيونية. ولم يكن الرئيس فرنجية الماروني الوحيد الذي رفض هذا التعامل، فالعميد "ريمون إده" رفضه أيضاً بل وكان يرفض إجراء محادثات مع الكتائب، لأن هذا يوازي بنظره عقد صلح مع "إسرائيل"، وقال "إنني لا أميز بين حزب الكتائب و"إسرائيل"، وأعتبر أن ميليشيا الكتائب ذراع الجيش "الإسرائيلي" في لبنان".
هذه العلاقة لم ينكرها الكيان الصهيوني، بل إن أخبار الاتصالات والمشاورات كانت تنشر على صفحات الصحف "الإسرائيلية" ومنها صحيفة "هآرتس" التي أشارت إلى أن هناك تعهداً خطياً من "مناحيم بيجن" رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى "بشير الجميل" منذ صيف 1978م. يتضمن دعم "إسرائيل" للمسيحيين في لبنان.
كما برز هذا الدعم اليهودي للموارنة في أثناء مجازر صبرا وشاتيلا عام 1982م والتي نفذتها القوات اللبنانية بقيادة "إيلي حبيقة" بتخطيط ودعم وإشراف مباشر من شارون الذي شوهد في المخيمات الفلسطينية أثناء المعارك.


الموارنة وعروبة لبنان
     حاول الموارنة منذ الاستقلال عزل لبنان عن محيطه العربي والإسلامي، والادعاء بأن للبنان جذوراً تاريخية أخرى تصل تارة إلى الفينيقيين والكنعانيين والآراميين، الذين ذكرهم الكتاب المقدس عندهم، ووصفهم بأنهم جبابرة وعمالقة، وتصل تارة أخرى إلى سلالات البحر المتوسط.
    أما الانتماء الحضاري فإنه بنظرهم لا يرتبط بالحضارة العربية، بل بالحضارة المسيحية أينما كانت ولو على بعد آلاف الكيلومترات.. ليس ذلك فحسب، بل إنهم يعتبرون العرب والمسلمين جيراناً أعداء ينبغي التعامل معهم بحذر، وإن استطاعوا فعدم التعامل معهم يكون أفضل.

    وقد ظهرت هذه الأفكار الرافضة للعرب والمسلمين في مواقف عدة منها التصريح الذي أدلى به "إميل إده" رئيس الجمهورية اللبنانية في باريس صيف 1937م. قال فيه "إننا والسوريين أمتان مختلفتان كل الاختلاف"، وقال أيضاً "إننا الجزيرة المسيحية الوحيدة في هذا البحر الإسلامي".
   ولم يكتف النصارى بذلك، بل أعلنوا الحرب على اللغة العربية الفصحى التي تمثل الانتماء إلى العروبة، ودعوا إلى استبدالها باللغة اللبنانية العامية المكتوبة بالحرف اللاتيني؛ مدعين أن للبنان لغة خاصة لا علاقة لها باللغة العربية، وكان من أبرز الدعاة إلى هذه اللغة الخاصة الشاعر "سعيد عقل" الذي أسس جريدة أسبوعية أطلق عليها اسم ( لبنان) كانت تصدر باللغة المحلية بالحرف اللاتيني.
موقع الموارنة اليوم
    كان لفقدان الموارنة لبعض الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها قبل اتفاق الطائف أثره في تولد شعور عام ل دى المسيحيين بالتهميش، وأن حقوقهم تُسلب منهم شيئاً فشيئاً. وهذا الشعور هو السبب وراء سعي العماد "ميشيل عون" جاهداً لاسترداد ما كان لرئيس الجمهورية الماروني من صلاحيات قبل اتفاق الطائف.
ويرجع بعض المسيحيين السبب في تراجع وضعهم الداخلي، إلى الوجود السوري في لبنان، مع أنه قد تبيّن بعد خروج السوريين أن هناك عوامل أخرى ساهمت في هذا التراجع. وهذه العوامل منها ما هو خارجي يتعلق بالتحولات داخل الطوائف الأخرى، ومنها ما هو داخلي ناتج عن التغييرات اللاحقة بالطائفة المارونية نفسها. ونذكر منها

1-           هجرة الموارنة إلى خارج لبنان التي بدأت منذ أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، وارتفعت خلال الحروب، وأبرزها الحرب العالمية الأولى، والحرب الأهلية عام 1975م، الأمر الذي ساهم في وجود خلل في التوازن الديموجرافي. فبعد أن كان المسيحيون يشكلون 60% من سكان لبنان في أربعينيات القرن الماضي أصبحوا الآن يشكلون 45% كمسجلين و37% كمقيمين.
 انقسامات داخلية ولقد كان التناقض في أعداد المسيحيين أثره في سعي الموارنة جاهدين من أجل زيادة أعدادهم عبر الدعوة إلى تجنيس المغتربين المنحدرين من أصل لبناني، محاولين إرجاع هذا الخلل الديموجرافي إلى قيام السلطة اللبنانية في عام 1994م. بمنح الجنسية اللبنانية لحوالي مائتي ألف شخص، أغلبهم من المسلمين، وقد تناسى هؤلاء عمليات التجنيس العديدة التي قاموا بها سابقاً، وأبرزها تجنيس الأرمن الهاربين من تركيا خلال الحرب العالمية الأولى، وتجنيسهم أكثر من 28 ألف مسيحي من اللاجئين الفلسطينيين، ولعل هذا التجنيس هو الذي يفسر وجود الطوائف المسيحية العديدة في لبنان، مثل الطائفتين الأشورية والكلدانية الآتيتين من العراق، والطائفة السريانية الآتية من سورية، والطائفة القبطية الآتية من مصر.
2-           الانقسام التاريخي بين الموارنة أنفسهم، وهذا الانقسام ليس حديث العهد كما يبدو للبعض، ففي زمن الانتداب الفرنسي وبعده زمن الاستقلال، كانت هناك "ثنائية" "بشارة الخوري" و"إميل إده". ولا ننسى الصراع المرير الذي نشب في الحرب بين "إيلي حبيقة" و"سمير جعجع"، ومن ثم بين العماد "ميشيل عون" و"سمير جعجع" من أجل السيطرة على المناطق المسيحية، وهو صراع يتجدد اليوم.
ويبدو أن الانقسام بين الموارنة جعلهم يعيشون حالة من التشويش والارتباك ساهمت في دخولهم في اللعبة الدولية المخططة لتأجيج الصراع بين السنة والشيعة، فألحق فريق منهم نفسه بحزب الله وأقام معه تحالفاً، مستغلاً بذلك عدد السكان الذي يمكن أن يوصل رئيس هذا الفريق "العماد ميشيل عون" إلى سدة الرئاسة، وألحق الفريق الثاني نفسه بالتيار السني، وهو تيار المستقبل، أو تيار آل الحريري، ودخل في "قوى 14 آذار"، مستفيداً من الدعم الأمريكي والفرنسي لهذه القوى.


وأخيراً لا ننسى أن الأحداث والحروب التي شهدها لبنان ارتبطت في كثير من الأحيان بسعي بعض رؤساء الجمهورية الموارنة إلى التجديد لأنفسهم، رغم أن الدستور الحالي والسابق يمنع ذلك، فنشبت ثورة بيضاء عام 1952م. من أجل إزاحة الرئيس "بشارة الخوري" عن الحكم بعد أن زور الانتخابات لصالحه، وكذلك لم يغادر الرئيس كميل شمعون ( 1952 1958) ولايته التي أصر على تجديدها إلا بعد ثورة شعبية مسلحة في صيف العام 1958م.. ويشهد لبنان حالياً اضطرابات واغتيالات وتفجيرات منذ تاريخ التجديد القسري لرئيس الجمهورية الماروني إميل لحود، والذي فرضه السوريون ضد إرادة اللبنانيين، مما ساهم في تأجيج الصراع الداخلي الذي لايزال لبنان يعاني من آثاره حتى الآن.

 السُّنة.. ضمانة عروبة لبنان
 
           كان سكان لبنان قبيل الفتح العربي له عام 635م، على يد أبي عبيدة بن الجراح، يتألفون من مزيج من شعوب مختلفة، وكانت غالبيتهم من بقايا الكنعانيين (وهم الفينيقيون والآراميون الذين عرفوا فيما بعد باسم واحد لهم هو "السريان"، وسماهم العرب الأنباط). كذلك كان يوجد بعض اليونانيين والرومان من بقايا الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية، بالإضافة إلى بعض الأرمن والفرس ومجموعة من القبائل العربية القديمة كالأيطوريين، والأنباط الآتين من الأردن الذين تحمل اسمهم بلدة النبطية الشيعية قرب صيدا.
  أما في المناطق الداخلية اللبنانية فكانت قبائل كندة وقيس وكنانة ولخم وجذام واللغات السائدة كانت السريانية لعامة الشعب، واليونانية والرومانية كلغتين رسميتين، والعربية والفارسية للقبائل العربية والفارسية.
بعد الفتح الإسلامي لبلاد الشام حصل نزوح جماعي من سكانه، حيث التحقوا بالدولة البيزنطية المهزومة، وهذا ما دفع القادة المسلمين إلى استقدام قبائل عربية جديدة إلى لبنان لحماية سواحله وداخله من الغزوات البيزنطية، ثم الصليبية من البر والبحر. وهذا ما يفسر تواجد أهل السنة إلى الآن على خط المدن الساحلية اللبنانية الرئيسة مثل بيروت وطرابلس وصيدا، والذي منحهم فرصاً كبيرة لأخذ الدور الأول في العلاقات التجارية والاقتصادية الدولية، فكانت بيروت مركزاً إشعاعياً وسميت نتيجته بعروس الشرق. وكانت كل من طرابلس وصيدا مركزين للأعمال الرسمية والسياسية والاقتصادية والتربوية.
    وإذا كان لهذا الانتشار الساحلي آثاره الإيجابية في حالات السلم فإنه في حالة الحرب كان سبباً رئيساً في منع وجود تكتل سني قوي يقف في وجه التكتلات الطائفية الأخرى التي كانت تتجمع في مناطق معينة.
تفاعل أهل السنة مع القضايا العربية

    تمتع أهل السنة بالحظوة في لبنان حيث كانت السلطة الحاكمة سنية المذهب من الأمويين ثم العباسيين فالأيوبيين والمماليك، وحتى الخلافة العثمانية التي رحلت عن لبنان بانتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918م.
لم يكن أهل السنة في لبنان يؤيدون انفصال المناطق العربية عن السلطنة العثمانية في أوائل القرن العشرين، بل طالبوا بإجراء إصلاحات داخلية تؤمن مشاركة أكثر للعرب في حكم هذه السلطنة، ولما فشلوا في ذلك أيدوا في غالبيتهم ثورة "الشريف حسين" المدعومة من بريطانيا ضد العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى عام 1916م.. ورفضوا كذلك الانضمام إلى دولة لبنان الكبير التي أنشأها الفرنسيون عام 1920م.. وقد بقي أهل السنة على رفضهم هذا حتى تاريخ استقلال لبنان عام 1943م؛ حيث قبلوا بذلك على مضض، إلا أنهم استمروا باعتبار أنفسهم امتداداً وجزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية والإسلامية، وهذا ما يفسر تفاعلهم مع قضايا هذه الأمة، فكانوا كلما أُوقدت نار للعروبة أو للإسلام في ديار العرب والمسلمين هبوا لنصرتها وتبني مبادئها. وكم سمع المسلمون في لبنان هذه الكلمة "أولئك الذين جاؤونا من جزيرة العرب فليرحلوا إليها"، قالها "إميل إده" الرئيس اللبناني، الماروني المتعصب، وقالها من بعده الكثير من النصارى، والمعنيون طبعاً بها هم المسلمون.
    وقوبلت محاولات إقرار عروبة لبنان كهوية أساسية ضمن دستور 1943م، برفض كبير من مسيحيي لبنان ولم يتم الاعتراف بهذا الانتماء دستورياً إلا بعد اتفاق الطائف عام 1989م. والذي نص لأول مرة على أن لبنان عربي الهوية.
لكن هذه الهوية العربية للبنان لم تحسم حتى اليوم لدى المورانة، فها هم المطارنة الموارنة يؤيدون بشكل خفي نظرية حياد لبنان، كما جاء في نص بيانهم الصادر في 9/5/2007م. والذي أكد أهمية "الحفاظ على التضامن الكامل مع قضايا العالم العربي المحقة والعادلة".

     ويقابل هذا الرفض بالانتماء للعروبة مناداة الموارنة بضرورة تحييد لبنان على طريقة سويسرا سابقاً، كما أن جزءاً كبيراً من المورانة بقيادة أحد رؤساء الجمهورية اللبنانية قبل الاستقلال "إميل إده"، والد النائب المتوفى "ريمون إده"، كان من المطالبين بإبقاء استعمار فرنسا للبنان ورفض انسحاب جيوشها منه حماية للمسيحيين من العرب.
 
علاقة أهل السنة بالموارنة

    اتبع المورانة من أجل إحكام سيطرتهم على المسلمين بشكل عام وأهل السنة بشكل خاص، ومن أجل الحفاظ على الامتيازات التي حصلوا عليها منذ عصر الانتداب إلى اليوم على أساليب وطرق عديدة، أبرزها ما يلي :
1-           سيطرة رئيس الجمهورية على مجلس الوزراء، فهو الذي يعين رئيسه ويعين الوزراء وهو الذي يقيلهم. ولقد عانى كثيرٌ من رؤساء الوزراء السنة من هذا الأمر. ونذكر من هؤلاء رئيس الوزراء "سامي الصلح" الذي أطلق كلمة (باش كاتب) على رئيس الحكومة، وكان مما قاله في مجلس النواب بتاريخ 9/9/1952م "إنهم يريدون أن يكون رئيس الوزراء آلة طيعة في أيديهم لتنفيذ مآربهم وتحقيق مطامعهم وخدمة مصالحهم الخاصة، وبما أننا حاولنا أن نحكم ونعيد الحكم إلى السراي، قامت قيامتهم علينا ودبروا المؤامرات في الغرف السوداء للحيلولة دون تحقيق الإصلاح المنشود".
ومنهم أيضاً الرئيس "رشيد كرامي" الذي قال في بيان الاعتذار بتاريخ 22/10/1969م "لكن ليس من المعقول في شيء أن يحمل المرء مسؤولية ما لا رأي له فيه، ومن باب أولى بأن لا يحمل مسؤولية ما يختلف مع رأيه وتفكيره ومعتقده".
ولقد كان للغبن الذي وقع على هذه الطوائف المسلمة منذ عهد الاستقلال أثره في نشوب الحرب الأهلية عام 1975م، كما كان له أثره أيضاً في إصرار الطائفة السنية على التقليل من صلاحيات رئيس الجمهورية في اتفاقية الطائف.
ولم تقتصر سيطرة النصارى على تعيين رؤساء الوزراء والوزراء فقط، بل طال هذا الأمر كل المراكز الحساسة في الدولة، حتى إنهم كانوا يتدخلون في تعيين المفتي الأكبر؛ مع أنهم لا يفعلون الأمر نفسه مع الطوائف النصرانية الأخرى، والتي كانت تعيينات رؤسائها تصدر مباشرة من البابا أو البطاركة أوالزعماء الروحيين والمجالس الدينية المستقلة.
2-           محاولة إخفاء الحقيقة حول التعداد السكاني للمسلمين، ومنع الحق في التجنيس عن قسم كبير منهم، فلقد كان حق منح الجنسية حكراً بيد رئيس الجمهورية الماروني، وكان لا يمنحها إلا للنصارى من أي بلد كانوا، بينما يمنع هذا الحق عن المسلمين، (السنة والشيعة، والأكراد والبدو والسوريين)... حيث حرموا منها؛ رغم أن بعضهم استوطن هذا البلد منذ أكثر من 500 سنة، كما هو الحال مع سكان (وادي خالد) في أقصى الشمال الشرقي من لبنان. وقد حُرم منها أيضاً سكان أهل القرى السبع الشيعية في جنوب لبنان الذين طردتهم "إسرائيل" من قراهم الواقعة ضمن الأراضي اللبنانية منذ العام 1948م..
ومن القصص المأساوية التي تروى حول مدى الظلم الذي طال بعض الأكراد السنة في قضية الجنسية، قبول بعضهم بالتنصر في مقابل الحصول على الجنسية. ففيما عمد أحدهم فور حصوله على الجنسية إلى العودة إلى الإسلام، مما أثار حفيظة رئيس الجمهورية وحاول نزعها منه، مات كردي آخر قبل أن يتمكن من العودة إلى الإسلام مما جعل الناس يتحيرون أين يدفنونه، في مدافن المسلمين أم في مدافن النصارى؟

 

علاقة أهل السنة بزعمائهم
 
     يتوزع انتماء المسلمين السنة السياسي في لبنان على أكثر من ولاء وانتماء، فهناك أولاً الانتماء إلى الزعماء السياسيين الذين لم يتمكنوا، رغم أن رئاسة الوزراء كانت بيدهم، من الاستفادة من السلطة التنفيذية في سبيل تحسين وضع طائفتهم وإعطائها بعض الحقوق والامتيازات التي كان يتمتع بها غيرهم، وكل ذلك حفاظاً على الكرسي وتملقاً للنصارى؛ خوفاً من أن يتهموهم بالتعصب لطائفتهم، مما عرض مصالح المسلمين للانتهاك من النصارى بشكل عام والموارنة بشكل خاص وعلى مرأى ومسمع من المسؤولين المسلمين.
إضافة إلى ذلك لم تكن هذه الزعامات يوماً ما موحدة الأهداف، بل كانت متعددة بتعدد المناطق، ولم تتفق عبر تاريخها إلا على الاختلاف والسعي لكسب المصالح الخاصة والذاتية تبعاً للمنطقة التي تتبع الزعيم، وكان كل زعيم سني يسعى لإثبات زعامته على حساب الزعيم الآخر.

   وكذلك فإن تبعية القيادات الدينية للقيادات السياسية فاقم من أوضاع أهل السنة المتردية، خاصة زعامات دار الإفتاء.
    ومن أسباب ضعف دار الإفتاء هيكلتها الوظيفية، حيث جعلها الدستور اللبناني تابعة لمؤسسة الحكم، مما حرمها من استقلاليتها، مالياً وإدارياً. وكذا سعي البعض إلى إضعاف سلطتها وحصر دورها بالعمل الرسمي والتقليدي، وتقديم الخدمات العامة التي تعود بالنفع على المسلمين، كالزكاة والمساعدات المالية للفقراء، وتبني قضايا أهالي المخطوفين والمعوقين.
   أما المفتي السني ودار الفتوى فكانوا دائماً موظفين رسميين لدى السلطة الحاكمة يسبحون بحمدها ويؤيدون مواقفها. ولم تلعب دار الافتاء دوراً يذكر في تحصيل حقوق المسلمين السنة بسبب عدم استقلاليتها المادية، وذلك بعكس القيادات الدينية كالمسيحيين والشيعة.
   ولعل أبرز الشخصيات الدينية التي كان لها دور فاعل على الساحة المفتي "توفيق خالد" والمفتي "حسن خالد" الذي شعر المسلمون بعد استشهاده باليتم والضعف.
   أما التنظيمات الدينية السنية في لبنان فإن أشهرها وأكثرها انتشاراً هي "الجماعة الإسلامية"، و"حزب التحرير الإسلامي".
   كما أن هناك بعض المجموعات الإسلامية السنية المحلية التي تتمحور حول زعيم حي أو عائلة. كذلك فقد ظهر مؤخراً ما يعرف ب "جند الشام" و"فتح الإسلام" و"عصبة الأنصار"، لكن نشاطهم اقتصر على المخيمات الفلسطينية حتى الآن.
   ويمكن القول إن الظلم الذي طال أهل السنة لم يطل أية طائفة أخرى في لبنان، وقد تجلى هذا الظلم في نواح عدة :
1-           تآمر الآخرين ضدهم وسعيهم لإضعافهم،
2-           استهداف زعمائهم وقادتهم وعلمائهم بالإبادة والقتل. وأشهر هؤلاء "العلامة الشيخ الدكتور صبحي الصالح" الذي اغتيل عام 1986م. و"المفتي حسن خالد" 1989م.، ومن رؤساء الوزراء "الرئيس رياض الصلح" الذي اغتيل سنة 1951م، و"الرئيس رشيد كرامي" الذي اغتيل سنة 1987م. وأخيراً "الرئيس رفيق الحريري" الذي اغتيل عام 2005م.

وضع أهل السنة بعد مقتل الحريري

     تولى الرئيس "رفيق الحريري" رئاسة الوزراء في الفترة من 1992 1998م وخلال الفترة 2000-2004م.. وقد مثل الحريري نموذجاً جديداً للواقع السنّي، إذ إنه لم ينحدر من عائلة سياسية، بل إنه خرج من عالم الأعمال، وكان يتميز بالذكاء والعلاقات الواسعة والشخصية المميزة. وكان لدعمه تعليم حوالي 35000 طالب جامعي من اللبنانيين دور أساسي في كسب محبة اللبنانيين وتأييدهم حتى اليوم.
     أسس الرئيس الحريري "تيار المستقبل" الذي ضمّ شخصيات من كل الطوائف اللبنانية، ولكن قاعدته السنيّة ظلت أساس تحركه. ولقد أدى صعود نجم الحريري إلى تراجع نفوذ العائلات التقليدية السنية مثل عائلات سلام وكرامي والصلح التي تميزت بتاريخ سياسي عريق.
     وكذلك تراجعت قيادات سياسية مهمة مثل "الرئيس سليم الحص" الذي أطاحه الرئيس الحريري في انتخابات عام 2000م، لصالح الدكتورة النائب "غنوة جلول"، كذلك أطاح الحريري بالجماعات الدينية وعلى رأسها "الجماعة الإسلامية" التي فازت في انتخابات عام 1992م. بثلاثة مقاعد، ولم تفز إلا بمقعد واحد سنة 1996م. ينما لم تحصل على أي مقعد سنة 2000م..
    وعلى الرغم من إمكاناته المادية الهائلة لم يحصل "الرئيس رفيق الحريري"، على التأييد الذي كان يرجوه من السنة عموماً ومن أهل بيروت وصيدا خصوصاً، فصحيح أن الفضل يعود له في إعمار مدينة بيروت والوسط التجاري، الذي جعل منها معلماً سياحياً وتجارياً مهماً، يشبه أكبر معالم المدن الأوروبية، إلا أن بعض أهل السنة من أهل بيروت يعتقدون، بأنه ظلمهم عندما أخذ أراضيهم عنوة عبر شركة "السوليدير" التي أسسها لإعمار الوسط التجاري، وكان البدل الذي أخذه المسلمون ثمناً لممتلكاتهم لا يتناسب مع حجم المشروع الهائل الذي كان يبنى على أراضيهم لصالحه وصالح بعض أغنياء لبنان.
إضافة إلى ذلك اتهم الرئيس الحريري بأنه أغرق البلد في ديون بلغت الخمسة والأربعين مليون دولار أمريكي، لايزال لبنان إلى اليوم يرزح تحت ثقلها وثقل فوائدها.
     وبالرغم من ذلك فقد كان لاغتياله وقعاً عميقاً على الساحة اللبنانية. وقامت حالة من الالتفاف السياسي والشعبي حول "تيار المستقبل" وقيادته، خصوصاً لدى العديد من المجموعات والهيئات الإسلامية، مما جعله الفريق الأقوى على صعيد الواقع الإسلامي السني.
     وقد ترجم ذلك عملياً في نجاح تيار المستقبل بقيادة سعد رفيق الحريري وأنصاره وحلفائه في الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2005م.
وشكل اغتيال الرئيس الحريري ضربة قاسية لأهل السنة في لبنان، مازالت آثارها بادية إلى الآن. فالأزمة الحكومية الحالية واستقالة وزراء الشيعة إنما يرجعها أهل السنة ومن معهم إلى رفض هؤلاء قبول المحكمة الدولية التي يعتبرها بعض أهل السنة المفتاح الوحيد الذي يمكنهم من معرفة قتلة الرئيس "رفيق الحريري"، بينما يعتبرها الفريق الشيعي وبعض أهل السنة وسيلة للقضاء على حزب الله والتخلص من النظام السوري. فالمحكمة الدولية بالنسبة لسورية شبيهة ب"أسلحة الدمار الشامل"" بالنسبة للعراق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، والتي ما كانت إلا كذبة كبيرة تسلحت بها أمريكا من أجل احتلال العراق.


طوائف لبنان.. والمشي فوق الأشواك
     شيعة لبنان ينتمون إلى المذهب الجعفري الاثني عشري وهو أقرب المذاهب إلى السنة .
       دخل الشيعة إلى لبنان (أو "المتاولة" كما كان يسميهم أهل بلاد الشام حتى منتصف القرن العشرين، أي الموالين أو المتولين لأئمة أهل البيت) بعد الفتح الإسلامي، حيث قام معاوية باستقدام قوم من الفرس ليسكنوا بعض السواحل اللبنانية، كذلك انتشروا في كسروان والشوف والمتن ووادي التيم والبقاع، ثم تقلص وجودهم وانحصر معظمه في البقاع ومدينة بعلبك وبلدة عرقة في عكار، وكذلك في الجنوب، حيث توجد منطقة تعرف بجبل عامل نسبة إلى قبيلة عاملة اليمنية الأصل.
   تعرض الشيعة لمضايقات السلطات الحاكمة عبر التاريخ بدءاً بالأمويين وانتهاء بالعثمانيين. وقد أدت المعاملة السيئة لهم إلى تحالفهم غالباً مع غزاة الدولة الإسلامية مثل الفاطميين الشيعة والصليبيين والمغول؛ حيث كان لتعاونهم معهم أثره في سقوط الخلافة العباسية وتدمير بغداد عام 1258م/656ه. وفي إصدار ابن تيمية للفتوى القاضية بمحاربتهم.
     كذلك تعرض شيعة الجنوب اللبناني إلى الاعتداءات "الاسرائيلية" منذ عام 1948م، وانقطعت علاقتهم التجارية مع فلسطين المحتلة بسبب ذلك. لهذا هاجر عدد كبير منهم إلى خارج لبنان، وخاصة إلى إفريقيا ودول الخليج العربي، مما سمح لبعضهم بجمع ثروات كبيرة ظهرت آثارها في القرى الجنوبية وفي بيروت. كذلك لجأ البعض منهم إلى بيروت وضاحيتها الجنوبية. وقد بدأ عددهم يتزايد في داخل بيروت في السنوات الأخيرة، مما أثار المخاوف من تزايد المد الشيعي، ليس فقط في الأوساط المسيحية، ولكن أيضاً بين أهل السنة الذين يجدون يوماً بعد يوم تآكلاً في دورهم السياسي.
     ينتمي الشيعة في لبنان إلى المذهب الجعفري الاثني عشري وهو أقرب المذاهب إلى السنة، مما يفسر هذه الوحدة في المرجعية الدينية بين هاتين الطائفتين التي كانت قائمة قبل أن يطالب الإمام موسى الصدر نواب الشيعة بتقديم مشروع إلى مجلس النواب يقضي بتأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على غرار سائر الطوائف.
 
مراحل تاريخية
    يرى الشيعة أن النظام السياسي الطائفي الذي تشكل إثر استقلال لبنان في العام 1943م، حرم الطائفة الشيعية من الامتيازات السياسية التي كانت تتمتع بها باقي الطوائف وخاصة الطائفة المارونية، والطائفة السنية، الأمر الذي لم يكن يتناسب مع وزن الطائفة الديموجرافي آنذاك.
   وقد مرت الزعامة الشيعية بعدة مراحل تاريخية حملت كثيراً من التناقضات، بدءاً بالزعامة الإقطاعية وانتهاء بالزعامة الإسلامية، وهذه المراحل هي:
1- مرحلة الانتداب الفرنسي والاستقلال، والذي عانى أبناء الطائفة منه أشد معاناة نتيجة السياسة الفرنسية التي لم تكترث بهم من جهة، ونتيجة إهمال زعمائهم لقضاياهم ونموهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والانصراف إلى مصالحهم الشخصية والعائلية من جهة أخرى.

   وكانت تتقاسم سيادة وزعامة الطائفة في تلك المرحلة بيوتات البكوات والباشاوات، مثل آل الأسعد وآل عسيران في الجنوب، وآل حمادة في البقاع، وغيرها من الزعامات التي عانى أبناء الطائفة من ظلمها واستبدادها.
ومن الروايات التي تروى حول معاناة أبناء الشيعة في تلك المرحلة ما حصل مع وفد من إحدى مناطق الجنوب عندما ذهب إلى "أحمد بك الأسعد" زعيم الطائفة آنذاك وفاتحوه بموضوع بناء مدرسة لمنطقتهم، فقال لهم جملته الشهيرة "ولماذا تتعلمون؟ كامل بك يتعلم... كفاية" وكامل بك هو نجل أحمد بك الذي سيصبح فيما بعد خليفة والده السياسي ورئيساً لمجلس النواب اللبناني لعدة دورات.
2- مرحلة الخمسينيات تأثر وضع الطائفة في هذه المرحلة بظهور الأحزاب اليسارية اللبنانية، مثل الحزب الشيوعي اللبناني وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب القومي السوري الاجتماعي، وقد استغل أتباع هذه الأحزاب الظروف الاقتصادية والسياسية السيئة لهذه الطائفة من أجل بث الأفكار الثورية الرافضة للهيمنة الإقطاعية، إلا أن تأثير هذه الفئة لم يستمر طويلاً بسبب الأساس الإلحادي لبعض هذه الأحزاب.
3- مرحلة الستينيات وهي المرحلة التي تولى فيها شؤون الطائفة عالم من علماء الشيعة الإيرانيين الشباب، وهو السيد موسى الصدر الذي ينتمي في جذوره إلى عائلة "شرف الدين" الشيعية الجنوبية اللبنانية، وقد وصل إلى لبنان بدعم من الشاه الإيراني عام 1959م، ومن رئيس الجمهورية فؤاد شهاب الذي منحه الجنسية اللبنانية مع صعوبة حصول هذا الأمر لغيره من الأجانب من المسلمين، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول دعم الموارنة للانقسام الذي حصل بين السنة والشيعة فيما بعد.
   وقد اهتم هذا العالم الشاب بالشؤون الدينية والاجتماعية والسياسية لطائفته، فإضافة إلى دوره في طلب الاستقلال عن الطائفة السنية واختياره عام 1969م. كرئيس للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي شكلته الحكومة، ووافق عليه مجلس النواب بالإجماع، وعمد أيضاً إلى تحسين وضع أبناء طائفته عبر تأسيس المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية التي ساهمت في رفع مستوى أبناء الطائفة، إضافة إلى دوره السياسي المهم في محاربة الإقطاع ورفضه الحرب ضد ""إسرائيل"" في بدء انطلاقته، فكان مما قاله في أحد تصريحاته "لسنا في حالة حرب مع "إسرائيل".. والعمل الفدائي يحرجنا"
   وقد نجح "الإمام موسى الصدر" فى تعبئة الشيعة في إطار "عصبية طائفية"، مثل الطوائف الأخرى، وأوجد ما يسميه باحثون "الشيعية السياسية".
4- مرحلة السبعينيات أسس "السيد موسى الصدر" حركة أمل (أفواج المقاومة اللبنانية) عام 1975م، لتكون الجناح العسكري لحركة المحرومين (الشيعة) وللدفاع عن مصالحهم كمذهب متميز عن أهل السنة، وكان شعاره لهذه المرحلة "إسرائيل شر مطلق". وقد انتهت هذه المرحلة باختفاء "السيد موسى الصدر" في سنة 1978م، عندما كان في زيارة إلى ليبيا، وتقول ليبيا إنه غادرها إلى أوروبا، ويقول الشيعة حتى الآن إنه اختفى في ليبيا؛ بالرغم من صدور بيان عن القضاء الإيطالي في العام 2006م. يؤكد فيه أن الإمام موسى الصدر قد اختفى في إيطاليا وليس في ليبيا كما كان يعتقد.
  استعانت هذه الحركة من أجل تدريب عناصرها بالمقاومة الفلسطينية وخاصة منظمة فتح، فدربت أبناءها وأمدتهم بالسلاح والذخيرة، إلا أن هذه العلاقات الطيبة لم تدم طويلاً بين الفريقين فتحول الأمر بينهما إلى عداء بعد الغزو "الإسرائيلي" عام 1982م، وخروج الفلسطينيين من لبنان. وشنت حركة أمل عام 1985م وبمعاونة الجيش السوري واللواء السادس من الجيش اللبناني، الذي كان منقسما آنذاك حرباً على المخيمات الفلسطينية في منطقة شاتيلا، وتم حصارها لمدة شهر كامل خرج بعدها الفلسطينيون ليشهدوا أطلال بيوتهم التي تهدم 90% منها و3100 بين قتيل وجريح و15 ألفاً من المهجرين؛ أي 40% من سكان المخيمات.
كما قام هذا الثلاثي بمحاصرة مخيم برج البراجنة ودكه طيلة عامي 1985- 1986م، مما دفع عدداً كبيراً من سكانه إلى المغادرة باتجاه المخيمات الفلسطينية في الجنوب وباقي المناطق اللبنانية.
     وقد لعبت حركة أمل دوراً بارزاً في الحياة السياسية اللبنانية ووصل قادتها إلى رئاسة المجلس النيابي، وأبرز هؤلاء الرئيس حسين الحسيني الذي خلف السيد موسى الصدر في رئاسة حركة أمل، والرئيس نبيه بري الذي استلم رئاسة مجلس قيادة أمل في أوائل سنة 1980م.
5- مرحلة الثمانينات حتى اغتيال الرئيس الحريري تميزت هذه الفترة بتقاسم التمثيل الشيعي السياسي بين حركة أمل وحزب الله الذي تأسس عام 1982م. منشقاً عن حركة أمل، على يد فئة من الشباب الشيعي ذوي الثقافة الشرعية والملتزمين بأوامر الولي الفقيه (الإمام آية الله العظمى الخميني) زعيم الثورة الإيرانية، والمرتبطين بالمرجعية الشرعية في "قم" في إيران التي تعتبر هي والنجف بمثابة المركز الديني والمرجعي للشيعة في العالم.
وقد حدد حزب الله أهدافه عند تأسيسه بخروج "إسرائيل" نهائياً من لبنان كمقدمة لإزالتها من الوجود، وكذلك بخروج أمريكا وفرنسا من لبنان ورضوخ الكتائبيين والقوات اللبنانية المارونية للحكم العادل ومحاكمتهم على جرائمهم، وإتاحة المجال لأبناء الشعب لاختيار شكل نظام الحكم الذي يريدونه، وهم لا يخفون التزامهم بحكم الإسلام ويدعون الجميع إلى اختيار النظام الإسلامي الذي يكفل وحده العدل والكرامة.
 
صراعات "أمل" وحزب الله

    وقد وقع بين حركة أمل وحزب الله، صراع دموي في الفترة 1987-1988م. للسيطرة على قرار الطائفة، ولكن الصراع في حقيقته كان بين إيران (الداعم الرئيس لحزب الله) وسورية (النصير لأمل)، وقد انتهى القتال بالاتفاق بين عاصمتي الدولتين الراعيتين، ونتج عنه أن أخضع حزب الله الضاحية الجنوبية لسيطرته التامة.
   كان للإنجازات الكبيرة التي حققها "حزب الله" على صعيد مقاومة "إسرائيل"، دوره في التأييد والتعاطف الواسعين اللذين حظي بهما على الساحتين اللبنانية والعربية. ولكن هذا التأييد بدأ يخف بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، الذي ترافق مع طرح دولي ومحلي لمشروع نزع سلاح حزب الله، وتحويل الحزب من المقاومة إلى السياسة، الأمر الذي يرفضه الحزب بقوة، تحت حجة أن "إسرائيل" "مازالت تحتل مزارع شبعا، وتعتقل عدداً من اللبنانيين في سجونها، فضلاً عن أن سلاح الحزب يعد رادعاً في وجه أي "عدوان إسرائيلي"، بحسب تصريحات مسؤوليه.
    ولقد أدى رفض الحزب التخلي عن سلاحه إلى إصدار "مجلس الأمن الدولي" القرار رقم 1559 في سبتمبر 2004م، والقاضي بنزع سلاح حزب الله، وانسحاب القوات السورية من لبنان. كما أدى هذا الرفض إلى نشوب حرب يوليو الأخيرة التي يرجعها البعض إلى طلب المجتمع الدولي من "إسرائيل" غزو لبنان من أجل تحقيق هذا الهدف، وليس من أجل تحرير الأسيرين كما زعمت "إسرائيل".
ومن أبرز الشخصيات المؤثرة في الحزب "آية الله محمد حسين فضل الله" الذي يعد أكثر علماء الشيعة نفوذاً في لبنان. و"رغم أنه يوصف بأنه المرشد الروحي لحزب الله، إلا أنه يختلف مع الحزب حول بعض القضايا، مثل نظرية ولاية الفقيه التي يرفض إطلاقيتها ويقيدها بالشورى. وهو مرجع تقليد لعدد من الشيعة في لبنان وسورية ومنطقة الخليج، ولاسيما في البحرين والكويت والسعودية".
حسن نصر الله ويطلق عليه لقب "سيد المقاومة"، وهو من الشخصيات الشيعية الأكثر إثارة للجدل، وقد تسلم الأمانة العامة للحزب عام 1992م، إثر اغتيال أمين عام الحزب "الشهيد عباس الموسوي" بواسطة الطيران "الإسرائيلي" في جنوب لبنان.

    حظي "نصر الله" بشعبية كبيرة على الصعيدين الوطني والإسلامي، وقد قام بإنجازات عديدة تكللت بانسحاب القوات "الإسرائيلية" من جنوب لبنان في مايو2000م، وإطلاق سراح نحو 435 أسيراً لبنانياً وفلسطينياً وعربياً من السجون "الإسرائيلية" في عمليات التبادل الشهيرة التي جرت في يناير 2004م.. إلا أنه بعد حرب يوليو الأخيرة فقد الكثير من المؤيدين لسياسته في لبنان والعالمين العربي والإسلامي، بعد أن انقلب على الحكومة، وطلب من جمهوره الاعتصام في وسط البلد حيث لايزال أتباعه معتصمين منذ حوالي ستة أشهر.
ومن أهم مطالبهم حالياً زيادة حصة الشيعة في السلطة تحت شعار المشاركة الفعلية في الحكم، ورفضه نزع سلاحه إلى أن تصبح الدولة اللبنانية قادرة على الدفاع عن أراضيها ضد "إسرائيل". على أن هذا الاعتصام المستمر في الوسط التجاري لمدينة بيروت وما رافقه من تظاهرات وقطع طرقات وحملات إعلامية، أدى إلى ارتفاع حدة التوتر بين السنة والشيعة في لبنان إلى حدودها القصوى. كما أدى إلى خسائر فادحة على الاقتصاد اللبناني، وإلى تفكك أوصال الدولة وضعف هيبتها، في ظل عجزها عن مجابهة هذه الحالة بالقوة العسكرية نظراً لضعف الجيش اللبناني، وللأهواء الطائفية والمذهبية التي تجتاح كل لبنان بما في ذلك جيشه.
 
المحكمة الدولية

  6- مرحلة ما بعد اغتيال الرئيس الحريري ولقد كان لاغتيال الرئيس الحريري وما رافقه من دعوات إلى إنشاء المحكمة الدولية، أثره في وجود حالة من العصبية الشيعية العامة لم تكن موجودة في السابق. ويقول "الدكتور طلال عتريسي" في هذا المجال "قبل اغتيال الرئيس الحريري كان المزاج الشيعي متفاوت الألوان ومتنوعاً. لكن اتهام الشيعة عموماً بشكل مباشر بأنهم متورطون في اغتيال الحريري، أوجد توتراً وتحريضاً ضد الشيعة. كما جاءت خطابات بعض أهل السلطة بدعوة الشيعة "التحقوا بنا حتى تصبحوا وطنيين"، لتشكل استفزازاً قوياً للشيعة، أوجد غلياناً، لأنهم كانوا يسألون أنفسهم هل هم من قتل الحريري؟ وهل يحق لأحد أن يشكك في وطنية من قاتل "إسرائيل" فيما كان هذا الأحد متفرجاً أو متضامناً؟
   وكذلك كان لحرب يوليو 2007م التي شنتها "إسرائيل" على لبنان وحقق فيها حزب الله نصراً كبيراً عليها بصموده مدة 33 يوماً بوجه جيشها وطيرانها دور في انقسام اللبنانيين تجاه هذا النصر. ففيما سمت المعارضة هذا النصر "نصراً إلهياً" اعتبر فريق الموالاة أن "حسن نصر الله" قاد وطنه "إلى حرب مدمرة لم يستشر فيها أحداً، وخرج منها مأزوماً وخاسراً".
    وقال مفتي جبل لبنان السني "الدكتور محمد علي الجوزو" "إن حزب الله يقود معركة ضد الدولة والحكومة والسنة الذين تعرضت أحياؤهم للاعتداء". ويرى الدكتور "زهير حطب" "أن هناك إغراءً خارجياً للشيعة للإمساك بالحكم، وأن كل الممارسات تؤدي إلى ما سمي "الهلال الشيعي"، رغم كل النفي الذي نسمعه".
وأسهم احتكار التنظيمين الشيعيين، حزب الله وأمل، للقرار الشيعي في ولادة تنظيم سياسي جديد أعلن في 21 أبريل 2005م.. وهذا التنظيم هو "اللقاء الشيعي اللبناني"، برعاية العلامة السيد محمد حسن الأمين، إحدى الشخصيات الدينية الشيعية البارزة، ويضم 500 شخصية شيعية سياسية ومثقفة مستقلة. وكان الهدف من إقامته، بنظر مؤسسيه، "رفع التشكيك الذي لحق بالطائفة الشيعية في لبنان نتيجة لموقف زعامتها السياسية الثنائية (حزب الله وأمل) من حركة "الاستقلال الجديد" التي انطلقت بعد اغتيال الحريري، والتأكيد على أن الطائفة الشيعية جزء من الإجماع الوطني في لبنان". 

عدد مرات القراءة:
6195
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :