الخامس مزيدًا من الأمثلة على استمرار الأهمية السياسية للحرس.
-1-
-2-
الفصل الرابع
تعقيد الهيكل التنظيمي للحرس
من السمات الرئيسية المميزة للتطور المؤسساتي والتنظيمي للحرس ازدياد
التعقيدات فيه باطراد منذ تأسيسه. وتبعًا لهنتنجتون فإن من أهم المؤشرات على
التعقيد التنظيمي للحرس تكاثر وتمايز وحداته الفرعية التنظيمية، واضطلاعه
بمهام إضافية( 1). وإذا ما أردنا تطبيق هذا الإطار في تحليل القوات المسلحة
الثورية، لاسيما الحرس الثوري، فيجب أن نبين آيف تطور الحرس من خليط
من المليشيات والفصائل الفدائية غير المنضبطة، إلى قوة مسلحة منظمة وفقًا
للإطار التقليدي المتعارف عليه، وهو نفس التطور الذي سلكه عمومًا الجيش
الأحمر السوفيتي وجيش التحرير الشعبي الصيني والجيش الثوري الفرنسي،
.( وهي قوات انبثقت عن ثورات اجتماعية آبرى( 2
،( ولكن خلافًا لهذه القوات الثورية، وعلى عكس توقعات بعض الدارسين( 3
فإن التعقيد التنظيمي للحرس لم يُترجَم إلى تراجع في التشدد أو الحماس
الثوري، أو تناقص رغبة التدخل في السياسة. فتحول هيكلية الحرس إلى
هيكلية تقليدية لم يقترن بتحول مواز في عملية صنع القرارات التكتيكية
والاستراتيجية، آما هي الحال في القوات المسلحة المحترفة. ولم تحل المعايير
العسكرية الموضوعية محل الأهداف الثورية المتشددة، آما لم يثبط التنظيم
التقليدي من الحماس والاندفاع الثوريين.
وبدلاً من أن يؤدي التطور التنظيمي للحرس إلى إطفاء جذوة حماسه
الثوري، ساعد على وضع المُثُل المتشددة لآية الله الخميني والثورة الإسلامية
موضع التنفيذ.
وتتعزز هذه المقولة عند تحليل الوحدات الفرعية في الحرس، التي بدت
وآأنها تعكس عملية التحول التقليدي، في حين بقيت مهامها وأنشطتها تهدف
إلى تحقيق الأهداف الأيديولوجية الثورية. آما أن التمايز بين الوحدات الفرعية
للحرس لم يكن ثابتًا طوال الوقت، بل آان الحرس قادرًا على تفادي التخصص
المحدد والتسلسل القيادي الواضح آلما آان ذلك ملائمًا وضروريًا للوفاء
بأهدافه المتشددة.
وينفرد الحرس في أن ازدياد تعقيد هيكله التنظيمي لم يغرس فيه الاحتراف
العسكري. ويُستدل على التعقيد – في أوسع نطاقه – من خلال إنشاء اللوائح
-3-
والإجراءات الرسمية. فالاحتراف العسكري التقليدي يعني ضمنًا الالتزام
بالطاعة العمياء لتلك اللوائح والإجراءات تفاديًا للعقوبات. ومن الناحية
التنظيمية، فإن ازدياد التخصص، وإقامة هياآل لأداء مهام التنظيم، والتوزيع
المحدد للمسئوليات، آلها سمات مميزة للتعقيد المتزايد. ويتضمن الاحتراف
العسكري الولاء للتقاليد والإجراءات المتبعة في المؤسسة، دون أي اعتبار
لسياساتها وقراراتها المتخذة على أساس المعايير العسكرية الموضوعية،
وآذلك طاعة القيادة المدنية، بصرف النظر عن سياستها أو توجهاتها
الأيديولوجية. وباحتفاظ الحرس بأيديولوجيته الراديكالية والتزامه بتحقيق
أهداف الخميني، فقد افتقر إلى هذه المعايير الاحترافية. وفي الوقت الحاضر
سنتناول مسألة تعقيد الهيكل التنظيمي للحرس، من خلال تحليل جهاز الأمن
الداخلي، والبنية العسكرية، وجهاز تصدير الثورة، والبيروقراطية الإدارية
المتمثلة في إنشاء وزارة الحرس، وأخيرًا هيكل القيادة العسكرية.
جهاز الأمن الداخلي
تمثلت المهمة الوحيدة للحرس الثوري عند تأسيسه في حماية الأمن
الداخلي. وآان الحرس الأداة المسلحة الرئيسية لتعزيز قبضة الثورة على
السلطة، والقضاء على هيكليات السلطة التي آانت قائمة في عهد الشاه،
وتطبيق العدالة الثورية على من يشتبه بأنهم أعداء للنظام الثوري، أو متعاونون
مع النظام السابق أو متعاطفون معه( 4)، برغم معارضة الحكومة الثورية الأولى
برئاسة مهدي بازرآان لهذا السلوك. وآان العديد من قادة الحرس – على
المستوى القومي والمحلي – يسيطرون على وحداتهم في الحرس ويمولونها،
علمًا بأن هذه الوحدات آانت تضم في معظمها أفرادًا سبق لهؤلاء الوجهاء
المحليين (القادة) العمل معهم وتجنيدهم خلال الثورة( 5). وآما تسببت الطبيعة
التحزبية للحرس في إطلاق جهود القادة الثوريين من الملالي، لتحويله سريعًا
إلى قوة وطنية خاضعة بشكل أآبر للمساءلة، فقد تسببت في الوقت نفسه في
عرقلة تلك الجهود.
إما ما حفز النمو المبكر للحرس وتطوره الهيكلي والتنظيمي – أآثر من
جهود القيادة السياسية – هو آثرة أعداء النظام وقوتهم، عندما آان النظام في
أيامه الأولى، مقرونة بالتزام الحرس العقائدي بتدمير هؤلاء الأعداء. فقد آان
الحرس بحاجة إلى زيادة عدد أفراده وانتشاره إلى جميع المناطق في إيران،
-4-
مبررًا ذلك بضرورة التصدي لأعداء النظام. وأدى نجاح الحرس في تصفية
أعدائه في الداخل إلى اآتسابه ثقة رجال الدين، وإحباط الجهود الرامية إلى
الحد من نموه، برغم أن الزعماء المعتدلين حصلوا بالفعل على مبارآة الخميني
.( لوضع حد لتجاوزات الحرس في مجال الأمن الداخلي( 6
إذا آانت المعارضة القوية للنظام الثوري هي الدافع لتطور الحرس السريع
آمليشيا أمنية، عندئذٍ لن يصعب علينا أن نفهم لماذا ازداد عدد أفراد الحرس
من 4000 مقاتل عند إنشائه إلى 25000 مقاتل في السنة التالية، قبل اندلاع
الحرب مع العراق في أيلول/ سبتمبر 1980 م( 7). فخلال السنوات الأربع
الأولى من عمر الجمهورية الإسلامية آانت المعارضة المسلحة منتشرة في آل
مكان. فقد بدأ العصيان الكردي عام 1979 م. وفي آانون الأول/ ديسمبر من
تلك السنة، طُلب من الحرس قمع اضطرابات خطيرة وقعت في تبريز
(عاصمة إقليم أذربيجان الإيراني) دبرها أنصار رجل الدين البارز آية الله
آاظم شريعة مداري( 8)، الذي شكك في أساس وشكل الدولة الإسلامية الجديدة
التي تصورها الخميني. وشنت جماعة الفرقان الراديكالية هجمات متقطعة على
مسئولي النظام في عدة مدن آبرى. وفي أيار/ مايو 1979 م، آانت هذه
المجموعة – على ما يبدو – مسئولة عن إصابة رفسنجاني بجروح( 9). وخلال
عامي 1980 م – 1981 م ازدادت العلاقات توترًا بين رجال الدين ومجاهدي
خلق وأسفرت عن صدامات متكررة بين تلك الجماعة والحرس الثوري، آما
دبرت الجماعة المذآورة محاولات اغتيال ضد المسئولين( 10 ). واتُهمت جماعة
مجاهدي خلق بتفجير مقر الحزب الجمهوري الإسلامي ومكتب رئيس الوزراء
عام 1981 م( 11 ). وتولى الحرس عام 1983 م مهمة تصفية حزب توده
الشيوعي الموالي لموسكو الذي ساهم مع رجال الدين، مثله مثل مجاهدي خلق،
.( في الإطاحة بالشاه( 12
آما خلقت مجموعات صغيرة مشاآل أمنية للنظام والحرس. فلقد آان من
ضمن المجموعات الأخرى –التي قاتلت ضد النظام وهاجمت الحرس في
السنوات الأولى للثورة– جماعة "فدائيي خلق" المارآسيون المتشددون، وتنظيم
بايكار الشيوعي، ومجموعة آوماله المارآسية الكردية( 13 ). وادعى محسن
رضائي قائد الحرس – في مقابلة أجرتها معه صحيفة طهران تايمز عام
1982 م – نجاح عمليات الحرس ضد جماعة الطوفان التي تتخذ من آردستان
-5-
مقرًا لها، وضد تنظيم ساهند الذي زعم أنه يضم بين صفوفه "طلابًا وأساتذة
من جامعة إنجلترا وعناصر صهيونية"( 14 ). آما أن الجماعات العرقي العربية
في إقليم خوزستان الذي تقطنه غالبية عربية، وآذلك قبيلة قشقاي المقيمة في
.( الداخل، أثارت اضطرابات مناوئة للنظام( 15
ومع تزايد التحديات الأمنية التي واجهها الحرس في الداخل، ومن ثم تزايد
المسئوليات الملقاة على عاتقه، بدأ هيكله التنظيمي يتبلور على مستوى الدولة.
فإلى جانب منصبي القائد الميداني للحرس والمشرف الديني عليه، آان المجلس
الأعلى للحرس الثوري –الذي أُسس رسميًا في تشرين الأول/ أآتوبر
1979 م( 16 ) – هو أول بنية تظهر علنًا، وتألفت عضويته أساسًا من المؤسسين
الأوائل للحرس، مثل رضائي وعلي رضا أفشر وعلي شمخاني ومحسن رفيق
دوست ورحيم صفوي وعباس زماني ومهدي هاشمي. وفي نهاية المطاف
.( شغل هؤلاء مناصب قيادية رفيعة مع تحديث الهيكل القيادي للحرس( 17
تكشف ترآيبة "المجلس الأعلى للحرس" عن طبيعة قواه المحرآة، فكون
أقوى أعضائه هم آبار مؤسسي الحرس يوحي بأن "المجلس الأعلى للحرس"
آان موجودًا – بحكم الواقع – قبل تشرين الأول/ أآتوبر 1979 م بوقت طويل.
آما أن عضوية مهدي هاشمي فيه تدل على أن الانتساب للمجلس آان يتطلب
من العضو أن يكون له قاعدة شعبية تستند إلى منطقة أو قضية( 18 )، فقد أُعدم
مهدي هاشمي عام 1987 م؛ لأنه فضح صفقة الأسلحة الأمريكية لإيران، رغم
راديكاليته وقرابته لآية الله منتظري (خليفة الخميني المعين حتى قبل أربعة
أشهر من وفاة الخميني)، ورغم آونه أآبر المنادين في الحرس بتعجيل أنشطة
تصدير الثورة، ولو على حساب المجهود الحربي ضد العراق، بل آان الناطق
الرئيسي باسمهم( 19 ). وقبل إجراء عملية التنظيم الكاملة لهيكل قيادة الحرس،
آان المجلس الأعلى آكل يتخذ القرارات المتعلقة بالحرس ويعين صغار
.( القادة( 20
ومع تطور هيكل قيادة الحرس، أصبح دور المجلس الأعلى أآثر وضوحًا
وتحديدًا وآان – من الناحية الشكلية – تابعًا للمشرف الديني (ممثل الخميني
الحرس) وهو أعلى مرتبة من قائد الحرس الثوري( 21 ). وبحلول عام
1984 م، تحددت ترآيبته على أساس المنصب في الحرس وليس الصفة
الشخصية. فأصبح يضم قائد الحرس ونائبه ووزير الحرس وقائد القيادة
-6-
المرآزية للحرس وقادة "مختلف الوحدات الأخرى ذات المسئولية في جهاز
الحرس (حسب اللزوم)" ( 22 ). وبعد تشكيل وزارة الحرس عام 1982 م، أصبح
من مهام المجلس الأعلى أن يكون حلقة الوصل الرئيسية بين القيادة الميدانية
.( للحرس وبين الوزارة( 23
أما جهاز الأمن الداخلي في الحرس – المنتشر على مستوى الدولة – فقد
تطور بشكل متواز مع هيكل قيادته الوطنية. وآما حدث على المستوى
الوطني، انبثقت تنظيمات الحرس المحلية مباشرة عن خلايا الحرس الأولى في
آل موقع، وهي التي تسلمت السلطة خلال الثورة. وقد تم إنشاء المناطق
الإدارية العشر للحرس، التي يوازي آل منها تقريبًا إقليمًا إيرانيًا، وهي تتبع
قائد الحرس والمجلس الأعلى مباشرة( 24 ). وأقيم آل مقر قيادة إقليمي تابع
للحرس في عاصمة الإقليم ذاته.
وآان الهيكل القيادي الإقليمي للحرس مرآةً للهيكل القيادي على المستوى
الوطني. فقد ترأس آل منطقة من مناطق الحرس قائد إقليمي، آان يعمل ضمن
مجلس إقليمي أوسع يضم آبار قادة الحرس في المدن الكبرى والمناطق التابعة
لها إداريًا( 25 ). وآان منصب القائد الإقليمي للحرس –في أغلب الأحيان–
منطلقًا لاحتلال موقع في قيادة الحرس الوطنية. فمثلاً :آان عباس محتاج قائدًا
للمنطقة السابعة (الحدود الشمالية الغربية) قبل أن يفوز بمنصب رفيع في مقر
.( القيادة المرآزية في طهران( 26
ونُظمت قيادة الحرس على مستوى المقاطعات على نحو مماثل، وآانت
تخضع للقيادة الإقليمية وتهيمن على قيادة القاعدة الأدنى منها مستوى. وفي
المناطق الريفية من إيران آانت قيادة المقاطعة تهيمن على منطقة جغرافية
واسعة في ذلك الإقليم، حيث تشرف على العديد من قواعد الحرس في البلدات
الصغيرة المنفردة. وفي المناطق الحضرية المحيطة بعواصم الأقاليم الإيرانية،
آان يمكن لقيادة المقاطعة أن تشمل عاصمة ذلك الإقليم وضواحيها. وبينما
تتولى قيادات القواعد مسئولية ضواحي المدينة وأجزاء آبيرة منها، فإن مقر
القيادة الفرعي – الذي قد يكون واجهة محل أو بيتًا آبيرًا – يشرف على مزيد
من الأجزاء الفرعية للمدينة( 27 ) بغية أن يحقق الحرس الحد الأقصى من
التغلغل بين السكان المدنيين، على عكس الجيش النظامي الذي لا يتولى
مسئوليات الأمن الداخلي إلا في الأزمات أو حالات الطوارئ، ويتمرآز عمومًا
-7-
.( في حاميات خارج المناطق الآهلة بالسكان( 28
يرتبط وجود الحرس بين السكان –إلى حد ما– بطبيعة خصومه، وأقواهم
تنظيم مجاهدي خلق (انبثق التنظيمان من جذور مشترآة آما أشرنا في الفصل
الثاني) ويمتلك تنظيم مجاهدي خلق – مثله مثل جهاز الحرس قبل الثورة –
قوة من فدائيي المدن، متمرسة في استخدام شبكات المؤازرة السرية في المدن
الكبرى( 29 ). وقد سقط العديد من رجال الحرس أثناء قيامهم بأعمال الدورية
ضحايا لهجمات مجاهدي خلق( 30 ). وللقضاء على الخلايا المؤازرة لتلك
الجماعات المعارضة المنظمة، أنشأ الحرس وحدة استخبارات ترتبط بجميع
مستويات هيكله القيادي( 31 ). وصدرت الأوامر بدمج هذه الوحدة مع وزارة
الاستخبارات، إنشاء تلك الوزارة عام 1984 م، ولكن وحدة استخبارات
الحرس ظلت منفصلة ونشطة، دليلاً على القوة المؤسساتية للحرس، مما يتسبب
إلى حد ما في ازدواجية الجهود التي تبذلها وزارة الاستخبارات( 32 ). ويمثل
الحرس – إضافة إلى مهمة القضاء على المعارضة المنظمة – خط الدفاع
.( الأول في مواجهة المظاهرات الكبرى المناهضة للنظام( 33
إن امتداد هيكل الحرس في جميع أنحاء البلاد، وتغلغله في المجتمع آقوة
أيديولوجية، سهل جهوده لتعبئة المساندة الشعبية والمجندين من أجل الحرب.
وبعد بدء الحرب مباشرة، أُسندت إلى الحرس رسميًا مهمة إعداد جيش "قوامه
20 مليون رجل" من الإيرانيين، آُتب له أن يبرهن على قوة الثورة الإسلامية
بدحر القوات العراقية الأفضل تسليحًا وتدريبًا( 34 ). وتم تجنيد هذا الجيش
الشعبي وتنظيمه عبر شبكات القواعد التابعة للحرس، بالاشتراك مع تنظيم
الباسيج، المنفصل شكليًا والتابع عمليًا للحرس. وفي سبيل التعبئة، أقام الحرس
مراآز تجنيد، ليس فقط في حامياته وقواعده ومقرات القيادة التابعة له في
المدن، بل أيضًا في المساجد والمدارس والمصانع والمرافق الحكومية
المحلية( 35 ). وقد أدى مجهود الحرس التعبوي، مقرونًا بقوته آجهاز أمن
داخلي، إلى منح الحرس سلطة قوية على المستوى المحلي، بل وعلى العديد
من المؤسسات الحكومية المدنية المحلية. ففي عام 1987 م، مثلاً، فُوض
الحرس باستخدام موارد المؤسسات الحكومية والجامعات، لتوفير مرافق
.( التدريب والخبرة والمجندين اللازمين له( 36
إن جهاز الدعاية في الحرس – الذي يتميز بالقدرة على الوصول إلى
-8-
الجماهير العريضة – يساعده على تعبئة السكان والترويج لخطة السياسي
الراديكالي. فالحرس يصدر مجموعة واسعة من المنشورات ويوزعها، بما فيها
الكتب والإعلانات والنشرات، ومجلته الخاصة التي تتناول شئون الحرس، آما
أنه يبث برنامجًا تلفزيونيًا خاصًا به( 37 ). ويقع مرآز التوزيع الدعائي الرئيسي
للحرس في مجمع السفارة الأمريكية السابق في طهران، الذي يُستخدم أيضًا
.( آمدرسة ومرآز تدريب للحرس( 38
وأسس الحرس وحدات فرعية إضافية، لأداء دوره الداخلي الإضافي،
المتمثل في ضمان تمسك الناس بالقوانين الإسلامية التي تنظم الحياة
الاجتماعية. ومن بينها وحدات "ثأر الله" و"جند الله" التي آانت تطوف شوارع
المدن الكبرى في سيارات نقل تويوتا بيضاء، تبحث عن المذنبين والآثمين،
مثل النساء اللاتي يرفضن الالتزام بالزي الإسلامي، أو الشبان الذين يستمعون
إلى الموسيقى الغربية، أو أولئك المفطرين في ساعات الصيام في شهر
رمضان المبارك( 39 ). آما أن هذه الوحدات –التي آانت تفتش المنازل في حال
اشتبهت بمخالفة أصحابها للتقاليد الإسلامية– ساهمت آثيرًا في توليد الكراهية
للحرس في نفوذ المثقفين، وأبناء الطبقة الأرستقراطية، والشريحة العليا من
الطبقة الوسطى في طهران، وهي الفئة الاجتماعية الأشد معارضة للتقيد
.( الصارم بأحكام الشريعة الإسلامية وللنظام الحاآم بشكل عام( 40
إن دور الحرس في الحفاظ على الأمن الداخلي وفرض تطبيق الشريعة
الإسلامية، يميزه آثيرًا عن غيره من القوات المسلحة الثورية، لاسيما تلك
التابعة للأنظمة الشيوعية، ويشكل خير مثال على تغلغل الحرس آمؤسسة في
إيران الثورة. ففي الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية، لا يتولى
الجيش الأحمر أو جيش التحرير الشعبي مهمة الاستخبارات المحلية، لكنها
المدني في الاتحاد السوفيتي، وإلى وزارة KGB موآلة إلى جهاز آيه جي بي
أمن الدولة في جمهورية الصين الشعبية( 41 ). وبالفعل لم تضطلع أية قوات
مسلحة ثورية أخرى بدور مماثل في فرض الالتزام بالقيود الاجتماعية للثورة.
ولعل الأبرز من ذلك هو دور الحرس في أخذ زمام المبادرة، بدلاً من
الاآتفاء بردة الفعل فيما يتعلق بقمع الاضطرابات الشعبية. فجيش التحرير
الشعبي الصيني، مثلاً، استُدعي إلى بكين من الحاميات البعيدة لقمع ثورة شعبية
في أيار/ مايو 1989 م، أما الحرس فهو يتدخل عمومًا قبل انتشار المظاهرات
-9-
واستفحالها( 42 ). وإضافة إلى ذلك، لا يوجد دليل على أن الحرس آان ينتظر
صدور أوامر إليه من القيادة المدنية لتفريق المتظاهرين واعتقالهم، لكن يبدو
أن الحرس آان يعطي لنفسه سلطة قمع المظاهرات فور حدوثها.
لم يُبْد الحرس أي تردد في استخدام القوة في الداخل، بعكس نظرائه الأآثر
"احترافًا" في القوات الثورية الأخرى. فمن المعروف على نطاق واسع عن
الجيش الأحمر السوفيتي وجيش التحرير الشعبي الصيني ممانعتهما في
الاشتباك مع المتظاهرين المدنيين. ومن الأمثلة الحديثة، ذُآر أن قيادة الجيش
السوفيتي وقفت ضد التدخل عام 1990 م، في الاضطرابات الشعبية التي وقعت
في أذربيجان السوفيتية، تارآة مهمة القتال الرئيسي لقوات الأمن الداخلي
التابعة لوزارة الداخلية( 43 ). ويقال: إن بعض وحدات جيش التحرير الشعبي
الصيني ترددت في التدخل ضد المتظاهرين، في ساحة تيانانمين في أيار/ مايو
1989 م. لكن الحرس لم يتردد قط في استخدام القوة ضد المتظاهرين، حتى
عندما آان هؤلاء من رجال الدين، معتقدًا على ما يبدو أن آية معارضة للنظام
تشكل خيانة للإسلام، وللأب الروحي للحرس آية الله الخميني (لاسيما بعد
وفاته) ( 44 ). ومن الواضح أن تطور الحرس التنظيمي وتخصصه لم يضعفا
الالتزام العقائدي لديه بمبادئ الثورة النقية.
البنية العسكرية
خلافًا لهيكل الأمن الداخلي للحرس، الذي نشأ امتداد مباشرًا للشبكة الفدائية
التابعة للحرس قبل الثورة، فإن دور الحرس العسكري انبثق من حالة الطوارئ
الوطنية (الغزو العراقي لإيران عام 1980 م) التي أخذت الحرس على حين
غرة. وفي مقابلة جرت عام 1985 م مع وزير الحرس السابق محسن رفيق
دوست، استعرض العوامل العملية والسياسية التي أعاقت دخول الحرس في
الحرب قائلاً:
عندما أردنا إرسال قوات حرس الثورة الإسلامية إلى جبهات القتال، لم
تكن تلك القوات تملك التشكيل أو التنظيم العسكري اللازم؛ لأن إنشاء الحرس
لم يكن للذود عن حياض البلاد، بل آان هدفه الرئيسي الدفاع عن الثورة
الإسلامية. وفي هذه المرحلة بالذات، أدرآنا أن الحرب المفروضة علينا لم تكن
موجهة ضد حدودنا، ولكن ضد الثورة الإسلامية ومن أجل تدميرها. لذا،
شعرنا بالحاجة إلى تعبئة قوات الحرس الثوري. ولكن عندما أراد الحرس
-10-
دخول الحرب آقوة شعبية، واجهته المشاآل والعقبات التي وضعتها أمامه
.( الطغمة الحاآمة (جماعة بني صدر) آنذاك( 45
ويتابع رفيق دوست حديثه، مؤآدًا أقوال جواد منصوري –أول قائد غير
رسمي للحرس– فيصف سقوط بني صدر بأنه نقطة التحول الرئيسية التي
مكنت الحرس من اتخاذ موقف أآثر قوة في الحرب، وبالتالي طرد القوات
العراقية من الأراضي الإيرانية( 46 ). وبدأت نجاحات الحرس في الحرب مع
أول هجوم منظم شنه في أواخر 1981 م، حيث آسر الحصار العراقي لمدينة
عبدان في جنوب إيران( 47 ). وفي المقابلة ذاتها يصف رفيق دوست آيف أن
معرآة عبدان أطلقت عملية تطوير الحرس وفقًا للمبادئ العسكرية التقليدية
فيقول:
عندما بدأت القوات الإيرانية عملياتها الواسعة، ساد شعور بضرورة وجود
الحرس الثوري على جبهات القتال في تشكيلات منظمة. وقد بدأت عملية تنظيم
الحرس وإعادة تشكيله، بإنشاء سرايا حدودية شارآت في فك الحصار عن
مدينة عبدان. وتوسعت تلك السرايا فيما بعد وتحولت إلى ألوية، ومن ثم إلى
.( جيوش( 48
وقد سار الحرس في اتجاهات موازية لتلك التي اتبعتها الجيوش الثورية
الأخرى عبر التاريخ، فبدأ يتصف بالصفات التنظيمية لقوة مسلحة تقليدية. إلا
أن التجارب التي خاضها الحرس –حتى الآن– لا تؤيد العلاقة المباشرة
المفترضة بين التعقيد التنظيمي وتراجع الالتزام الأيديولوجي الثوري. وتوضح
قدرة الحرس على تنظيم صفوفه في تشكيلات –من أجل التصدي للأخطار
التي آانت تهدد بقاء الثورة الإسلامية– آيف استطاع الاستجابة من الناحية
التنظيمية للمتطلبات الوظيفية الملحة. بيد أن تشكيل هياآل الحرس ووحداته
الفرعية لم يكن أساسًا بغرض التصدي للتهديد العسكري الخطير من العراق،
لكنها شُكلت أو تفرعت من أجل تفعيل مساندة الحرس للأيديولوجيا المتشددة
للثورة الإسلامية.
وقد نشأت الذراع العسكرية للحرس خلال الحرب، وفقًا للمعايير الرئيسية
الثلاثة للتطور العسكري التقليدي، وهي التنظيم والتدريب والتسليح. وعمومًا
فقد نجح الحرس في آل من هذه المجالات في صياغة الأشكال التقليدية بحيث
تلبي متطلباته العقائدية الثورية.
-11-
التنظيم
شكل الحرس خلال الحرب تنظيمًا قتاليًا يبدو تقليديًا بشكل عام، حسب
المفاهيم التنظيمية العسكرية. فأنشأ قوات جوية وبرية وبحرية منفصلة، إلى
جانب سيطرته على قوات المشاة المسماة بالباسيج، والتي أصبحت رسميًا
عنصرًا تابعًا للجناح العسكري للحرس( 49 ). ولم تكن القوات البرية للحرس
تتطلب إلا القليل من المهارة التقنية، وآانت تعكس –على أفضل وجه– ترآيز
الحرس على العنصر البشري المتحمس أآثر من ترآيزه على التكنولوجيا،
وظلت أقوى أسلحته وأآثرها أهمية على الإطلاق. وأُنشئت ضمن القوات
البرية للحرس التشكيلات التقليدية المنظمة، أي الفيالق والفرق والألوية
والكتائب والسرايا، مع تقسيمات فرعية أخرى على مستوى الفرقة واللواء،
بحيث أوجدت وحدات منفصلة من المدرعات والمدفعية والمشاة
والمهندسين( 50 ). وآانت هذه التشكيلات نموًا مباشرًا "للسرايا" الأولية التي
نظمها الحرس في أول هجوم له. وفي نهاية الحرب آانت القوات البرية الثابتة
التابعة للحرس تضم 21 فرقة مشاة، وتصل إلى 31 فرقة إذا وضعنا في
الحسبان 15 لواءً مستقلاً، و 3 فرق هندسية، و 42 لواءً متخصصًا في
المدفعية والمدرعات والحرب الكيماوية – الجرثومية و "الحرب النووية"، وفقًا
لما يقوله الناطق الرسمي باسم الحرس( 51 ). ويُذآر أن إيران قد استخدمت
الأسلحة الكيماوية في الحرب مع العراق، آما أن العراق استخدم هذه الأسلحة
ضدها، آذلك تزعم بعض التقارير الصحفية الأخيرة أن الحرس يشرف على
برنامج للأبحاث النووية مقره في "مُعالم آلايه" الواقعة شمال غرب
طهران( 52 ). ويتطابق ذلك مع تقارير صحفية حديثة حول سعي إيران للحصول
.( على أسلحة نووية( 53
إن مجرد امتلاك الحرس لتشكيلات مدرعة ومدفعية متخصصة، بغض
النظر عن قوتها أو فعاليتها، يثبت قدرته على تدبير أموره على عجل. وقد
رآز آل قادة الحرس اعتمادهم -في البداية على الأقل- على الأسلحة التي
استولوا عليها في المعارك لتزويد الحرس بالدبابات والمدفعية الثقيلة. حتى
زعم رفيق دوست عام 1985 م، أن الحرس الثوري لم يشتر أية أسلحة
ثقيلة( 54 ). وآما ذآرنا سابقًا، آان بني صدر –في السنة الأولى من الحرب–
العقبة الرئيسية أمام شراء الحرس لأية أسلحة ثقيلة خاصة به. وبعد الإطاحة
به، ظل الجيش النظامي –بسبب تدريبه وخبرته– هو الذي يحصل على معظم
-12-
الأسلحة الثقيلة المشتراة من الخارج بدلاً من إعطائها إلى الحرس.
غير أن الشكوك المتبادلة بين الحرس والجيش النظامي جعلت قيادة الحرس
غير مستعدة للاعتماد التام على الجيش، للحصول على الدعم القتالي بالدروع
والمدفعية الثقيلة.
وإزاء تردد الجيش النظامي في مواصلة الحرب حتى النصر( 55 )، شعرت
قيادة الحرس بحاجتها إلى قوة نيران ثقيلة خاصة بها، فبغيرها تصبح مسألة
هزيمة العراق عسكريًا أمرًا شديد الصعوبة باهظ التكاليف. لذلك يمكن القول:
إن تشكيل الحرس لوحدات المدرعات والمدفعيات الثقيلة، برغم أنه يمثل من
الناحية التنظيمية توجهًا تقليديًا، آان في الحقيقة مثالاً على قدرة الحرس على
تطوير هياآله التنظيمية، من أجل تعزيز أهدافه المتشددة، وهي في هذه الحالة
ضمان استمرار الحرب حتى النصر.
آما أن إنشاء الحرس تشكيلات قتالية تقليدية نسبيًا لا يعني ضمنًا أنها حلت
محل الهياآل غير التقليدية. فتشكيلات المشاة في الحرس تتكون من قواته
الثابتة وقوات المتطوعين غير النظاميين (الباسيج) التي تشكل غالبية جنود
المنشأة، وآان رجال الحرس يتولون أساسًا قيادة وحدات مقاتلي الباسيج
الشباب( 56 ). وهكذا آانت فرقة الحرس العادية تتألف أساسًا من ألوية مشاة تضم
آتائب وسرايا تابعة لها. وآان رجال الحرس يتولون المناصب القيادية، آما
آان بعضهم من عامة الجنود في آل وحدة، لكن غالبية الجنود العاديين آانت
من الباسيج الذين يلبون دعوات التعبئة العامة الدورية( 57 ). وآانت وحدات
المدرعات والمدفعية الثقيلة في أية فرقة تضم رجال الحرس الأآثر خبرة
والأفضل تدريبًا، ممن خدموا بشكل متواصل، وليس بشكل محدود آما يفعل
.( الباسيج( 58
ويختلف الحرس عن التنظيم العسكري التقليدي المحض من حيث العلاقة
بين تشكيلاته في جبهة القتال وهيكله الداخلي. إذ تتوافق تشكيلاته القتالية مع
تنظيمه الإقليمي. فتتألف الفيالق والفرق والألوية في الجبة من رجال الحرس
والباسيج، الذين جندوا من نفس المناطق الجغرافية التي توجد بها هذه القوات.
فعلى سبيل المثال، جاء أفراد الوحدات التي تؤلف فيلق "ثأر الله" من مقاتلي
الحرس والباسيج، الذين تم تجنيدهم وتعبئتهم من طهران والإقليم المرآزي
المحيط بها( 59 ). أما إقليم آرمان –وهو أقل آثافة سكانية بكثير من آل من
-13-
طهران ومن الإقليم المرآزي المكتظ بالسكان– فقد انبثق منه فرقة "ثأر الله"
"ولواء" "ذو الفقار"، وهما تشكيلان أصغر آثيرًا من فيلق "ثأر الله" الذي
أفرزته طهران والإقليم المرآزي( 60 )، وتتكرر هذه العلاقة في جميع أرجاء
إيران. وتحدد الإمكانية التعبوية لأية وحدة جغرافية حجم التشكيل العسكري
الذي ينتسب إليها. بينما نجد في معظم الجيوش المحترفة، أن آل وحدة تضم
مجندين من شتى أنحاء البلاد.
وبغية التشديد أآثر على الطبيعة الثورية الإسلامية للحرس، سُمي العديد
من تشكيلاته العسكرية بأسماء شخصيات بارزة في تاريخ الإسلام الشيعي:
فمثلاً سميت فرقة الإمام الحسين باسم حفيد الرسول محمد الذي قتل وهو يقاتل
قتالاً غير متكافئ في معرآة آربلاء. ويقال: إن أيديولوجيا الحرس من نواح
عديدة –وخاصة استعداه للقتال في سبيل الإسلام، مهما آانت التكلفة البشرية–
.( تهدف إلى الاحتذاء بالمقاتلين الأوائل في الإسلام الذين قاتلوا مع الحسين( 61
آذلك انبثق التنظيم العسكري المناطقي (الإقليمي) للحرس عن بنية الأمن
الداخلي الخاصة به. وآانت مليشيات الحرس التي أفرزتها الثورة –في الأقاليم
والمدن الكبيرة والصغيرة والقرى– تضم مجندين ثوريين من تلك الكيانات
الجغرافية. فمثلاً، آان حرس أصفهان يتألف من الأصفهانيين وليس الطهرانيين
أو التبريزيين أو الشيرازيين، حتى بعد توحد الحرس آقوة وطنية( 62 ). ويؤدي
المجندون خدمتهم العسكرية في المقاطعات التي يعيشون فيها. وعندما بدأت
الحرب، انتقلت هذه البنية المناطقية إلى التنظيم العسكري للحرس. وجندت
التنظيمات المناطقية للحرس مقاتلين إضافيين في الحرس، وقامت بتعبئة مقاتلي
الباسيج من المناطق الواقعة تحت سيطرتها( 63 ). وآان مقر قيادة الحرس في آل
مقاطعة فرعية جغرافية، بمثابة مرآز التجنيد والتعبئة الأساسي للحرب ضمن
حدوده الإقليمية، إضافة إلى احتوائه على الجهاز الإداري والعملياتي لمفرزة
.( الحرس التابعة له( 64
تتضح لنا بسهولة مزايا الربط بين البنية القتالية للحرس وجهاز الأمن
الداخلي التابع له. إذ آان الحرس الذراع الطويلة والقوية للحكومة في المناطق
الجغرافية المختلفة، مما آان يؤمن له الوصول إلى المصادر الرئيسية للقوى
البشرية المحلية والسيطرة عليها، مثل مكاتب الحكومة المحلية والمدارس
والمساجد والمصانع والمنظمات التجارية والزراعية. آما أعطت البنية
-14-
العسكرية للحرس آل مفرزة محلية حافزًا قويًا من أجل تعبئة مقاتلي الحرس
والباسيج للحرب. وهكذا فإن عدد القوات في الجبهة التي تأتمر بأمر أحد قادة
الحرس (وبالتالي قوة ذلك التشكيل) يرتبط مباشرة بنجاح جهود التعبئة المبذولة
في موطن ذلك التشكيل.
وفي نظام التعبئة هذا، هناك عائق ذو تأثير آبير في قدرة الحرس على
خوض الحرب. ونظرًا للارتباط بين قوة التشكيل العسكري وجهود التعبئة
المحلية، فإن البنية العامة لقوات الحرس في الجبهة تعتمد على استمرار جهود
التعبئة على المستوى المحلي وفعاليتها. فمثلاً، إذا لم تستقطب إحدى المفارز
المحلية للحرس العدد المطلوب من المجندين، سوف تقل قوة تشكيلها آثيرًا عن
المستوى المطلوب، ولا يحتمل بالتالي أن تؤدي الدور المقرر لها في عمليات
الحرس. وقد عقد هذا الأمر –الذي يصعب التنبؤ به– عملية التخطيط الحربي
ورسم الاستراتيجية، وزاد من الصعوبة الأساسية المتمثلة بحاجة الحرس إلى
الاعتماد على المتطوعين الباسيج.
برغم هذا الترابط بين القوات العسكرية للحرس وبنية الأمن الداخلي فيه،
فإن هناك تسلسلاً قياديًا مستقلاً لكل منهما. وباستثناء المناطق الغربية في إيران
(أي الجبهة، حيث الحدود المشترآة مع العراق)، فإن القائد المحلي لقوات
الأمن الداخلي في الحرس ليس هو نفسه القائد العسكري لوحدة الحرس المنبثقة
من المنطقة ذاتها( 65 ). وخير مثال على ذلك هو طهران، إذ إن مهدي مبالق هو
قائد الحرس المعروف لمنطقة طهران، لكن حسين مصلح هو الذي يقود فيلق
"ثأر الله" الذي يمثل التشكيل العسكري المنبثق من تلك المنطقة( 66 )، غير أن
هذا التمايز في المهام لم يكن موجودًا على مستوى الجنود العاديين. إذ يمكن
انتداب أفراد من مقاتلي الحرس لأداء مهام الأمن الداخلي في مناطقهم، أو
.( للذهاب إلى الجبهة ضمن وحداتهم العسكرية( 67
التشكيلات العسكرية للحرس
ثمة مؤشر هام على التطور التنظيمي للحرس الثوري، وهو إنشاء قوات
جوية وبحرية منفصلة. وقد وافق الخميني رسميًا على تأسيس هاتين القوتين
في أيلول / سبتمبر 1985 ، علمًا بأن سلاح البحرية التابع للحرس آان قائمًا
بصورة غير رسمية منذ عام 1982 ، آقوة بحرية صغيرة مقرها في ميناء
بوشهر الجنوبي لمنع التهريب، ومنع أعداء النظام من التسلل عن طريق
-15-
البحر( 68 ). ومع أن هذين السلاحين أُنشئا لكسر احتكار القوات النظامية للقدرات
الجوية والبحرية ولو جزئيًا، فقد حققا متطلبات وظيفية مهمة، عقائدية وسياسية
أآثر منها عسكرية محضة، وخصوصًا سلاح البحرية التابع للحرس. وبرغم
أن سلاحي الجو والبحرية التابعين للحرس يضيفان عليه المهر التنظيمي لقوات
مسلحة تقليدية، فقد ساعدا الحرس في تحقيق بعضٍ من أهم أهدافه الأيديولوجية
المتشددة، غير أن قدراتها العسكرية آانت هامشية.
سلاح الجو التابع للحرس
لم تُبْد بعد القوات الجوية التابعة للحرس الثوري، والتي يرأسها الآن حسين
جلالي، أية قدرات جوية تكتيكية أو استراتيجية تذآر( 69 ). فقد قامت في بداية
عهدها بتسلم مرافق ومعدات نادي الطيران المدني الإمبراطوري الذي أسسه
الشاه في طهران( 70 )، وآانت معداتها تتألف أساسًا من طائرات مروحية
وطائرات تدريب خفيفة( 71 )، ولم تؤد أي دور قتالي هام في الحرب. غير أن
القوات الجوية التابعة للحرس أنشأت عشر وحدات صواريخ، تولت مسئولية
الدفاع الجوي ضد الطائرات العراقية التي تخترق الأجواء الإيرانية( 72 ). وتذآر
الصحف الإيرانية، أنها أطلقت صواريخ أرض – أرض من طراز سكود ضد
منشآت مدنية في العراق( 73 ). وتشير التقارير الصحفية الأخيرة إلى أن القوات
الجوية للحرس قد وضعت يدها على العديد من الطائرات العراقية النفاثة، التي
توجهت إلى إيران خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 ، ويقودها الآن ضباط
.( القوات الجوية التابعة للحرس الذين تلقوا تدريباتهم في آوريا الشمالية( 74
وهناك مساع للحصول على طائرات ميج – 29 . وإضافة إلى ذلك، يوحي
تعيين جلالي مطلع عام 1992 (قائد القوات الجوية النظامية ووزير الدفاع
السابق) بوجود محاولة لتحويل القوات الجوية للحرس إلى قوات تقليدية،
وتحسين مستوى أدائها وقدراتها.
وبرغم المظهر الخارجي للتحول العسكري التقليدي الذي يمثله إنشاء قوات
جوية، وردت تقارير خلال الحرب الإيرانية – العراقية تفيد بأن القوات الجوية
التابعة للحرس، آانت تخطط لعمليات على طريقة الكاميكاز اليابانية، وذلك
على ما يظن ضد السفن الأمريكية المشارآة في حماية الناقلات الكويتية في
.( الخليج العربي في السنوات الأخيرة للحرب( 75
-16-
سلاح البحرية التابع للحرس
إن هذا السلاح الذي آان يقوده سابقًا الشاب الراديكالي حسين علائي، بينما
يقوده الآن علي شمخاني (الذي يرأس سلاح البحرية النظامي أيضًا)، يشكل
خير مثال على تنفيذ أيديولوجيا الحرس المتشددة عبر البنى العسكرية التقليدية.
وبرغم وجوده بصورة غير رسمية منذ عام 1982 ، ومشارآته في الاستيلاء
على منطقة الفاو من العراق عام 1986 ، إلا أنه لم يُدشن رسميًا إلا عام
1987 ، للانتقام أساسًا من الهجمات الجوية العراقية ضد ناقلات النفط
والمرافق الإيرانية، وتخويف حلفاء العراق في الخليج العربي، مثل المملكة
العربية السعودية والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة( 76 ). (آانت
القوات الجوية النظامية الإيرانية تعاني نقصًا عامًا في قطع الغيار ولم تلعب إلا
دورًا ثانويًا في الحرب ضد العراق). وقطعت عملية تنظيم سلاح البحرية التابع
للحرس مزيدًا من الخطوات، عبر إنشاء ثلاث قطاعات بحرية منفصلة،
وتشكيل وحدات صاروخية خاصة بها مزودة بعدد من صواريخ سطح – سطح
.( من طراز سلكورم اشترتها من الصين( 77
– وتمتع سلاح البحرية التابع للحرس بالموارد والدعاية عامي 1987
1988 ، ليس بسبب دوره في الحرب الإيرانية – العراقية، ولكن لأنه تحدى
الحشد البحري الأمريكي في الخليج، الذي آان يرمي إلى حماية شحنات النفط
العالمية ودول الخليج العربي من الهجمات الإيرانية. وحتى بعد دخول البحرية
الأمريكية إلى الخليج بأعداد آبيرة، ظل سلاح البحرية التابع للحرس يضايق
سفن الشحن العالمية، عبر هجمات من نوع "اضرب واهرب"، مستخدمًا
زوارقه السويدية الصغيرة السريعة، وعلى متنها رجال الحرس المزودون
78 ). وقد هدد سلاح بحرية الحرس علانية بشن ) بقذائف الآر بي جي – 7
هجمات مباشرة ضد الأسطول الأمريكي والناقلات التي يحميها. وأطلقت
وحداته الصاروخية عدة صواريخ سلكورم ضد السفن الأمريكية، والناقلات
الكويتية التي ترفع الأعلام الأمريكية، وضد المرافق الكويتية( 79 ). وحشد سلاح
بحرية الحرس أسطولاً آبيرًا من السفن الصغيرة عام 1987 استعدادًا لشن
هجوم، لم يُنفذ، ضد المنشآت النفطية السعودية( 80 ). آما تشير التقارير إلى أن
سلاح بحرية الحرس آان مسئولاً عن زرع الألغام في خطوط الشحن البحرية
في الخليج، في ذروة البرنامج الأمريكي لحماية ناقلات النفط، وذلك ضد
-17-
.( رغبات الزعماء السياسيين في طهران على ما يبدو( 81
برغم تأسيس بحرية الحرس وتنظيم بنيتها، وبرغم قدرتها على استخدام
صواريخ سلكورم المعقدة نسبيًا، فقد آانت عملياتها وتكتيكاتها وأهدافها غير
تقليدية إلى حد آبير. آما أن تكريس جهودها لإحراج الولايات المتحدة،
وتصريحات قادة المناوئة للولايات المتحدة، يوحي بأن تعزيز الأيديولوجيا
المتشددة للحرس والثورة، لها الأولوية على تحقيق الأهداف العسكرية
البراجماتية ضد العراق، عدوها العسكري الرئيسي. وإن استعداد بحرية
الحرس لتحدي الولايات المتحدة، برغم تدني قدراتها بشكل واضح، وبالتالي
التسبب بالرد الانتقامي الأمريكي، يشير إلى أن الحسابات العسكرية
الموضوعية لا تشكل العنصر الأساسي في عملية صنع القرار لديها.
لذلك، يتضح أن اتجاه الحرس نحو إقامة بنية عسكرية تقليدية، لم يخفق في
التخفيف من تشدده فحسب، بل أعطاه قدرات أآبر لتحقيق أهدافه المتشددة.
ومن هنا فإن عملية تنظيم قواته البرية وإنشاء سلاحي بحرية وطيران
منفصلين، لم تكن تهدف إلى تمكين الحرس من التنسيق مع القوات النظامية،
بقدر ما آانت تهدف إلى مساعدة الحرس في منافسة الجيش النظامي على
الموارد والأسلحة الثقيلة، لكي يواصل الحرب دون مشارآة فعالة من جانب
القوات النظامية.
التدريب والتعليم
مثلما أخفى التنظيم العسكري التقليدي للحرس حقيقته غير التقليدية وأهدافه
الأيديولوجية المتشددة، آذلك فإن وضع برنامج تدريب منتظم قد حجب تمسكه
بدوافعه الثورية. آما أن إنشاء الحرس مرافق وبرامج تدريبية خاصة به،
منفصلة عن تلك المتوافرة القوات النظامية، يعزز القول بأن الحرس آان
يهدف إلى التنافس مع القوات النظامية والحول محلها، بدلاً من التنسيق معها
لمحاربة العراق. وآان من شبه المؤآد أن يؤدي الجمع بين برامج التدريب
العسكري آل من الحرس والقوات النظامية إلى تحسين فعالية مجمل الجهد
التدريبي. ويمكن القول: إن الحرس أقام بنيته التحتية التدريبية الخاصة،
للحيلولة دون خسارة الالتزام الأيديولوجي الجنود العاديين، الأمر الذي
آان سيحدث حتمًا نتيجة الاعتماد الشديد على الجيش النظامي في التدريب.
وظاهريًا تبدو الخطوات التي خطاها الحرس في تطوير برامجه التدريبية
-18-
مثيرة للإعجاب. وإدراآًا من الحرس، على ما يبدو، للمساوئ العسكرية الكامنة
في المستوى التعليمي المتدني عمومًا في صفوف جنوده العاديين، قام عام
1982 بافتتاح أول "مدرسة ثانوية" له أسماها مدرسة الإمام الصادق، وآانت
تجمع بين التعليم العام والتدريب العسكري وتدريس العقيدة الإسلامية( 82 ). وقد
أعد الحرس منهج التدريس، لكن المدرسة آانت تعتمد على وزارة التعليم في
توفير مدرسي الثقافة العامة، وعلى رجال الدين في "قم" لتدريس الفقه
الإسلامي( 83 ). وآان طلبة المدرسة التي أسسها قسم التدريب التابع للحرس،
الذي يتبع بدوره قسم التخطيط التعليمي، يقضون قسمًا من البرنامج –الذي
يستغرق سنتين ونصف السنة– في معسكرات الحرس. وعلى مدى السنتين
التاليتين افتتح الحرس فروعًا لمدرسته الثانوية في جميع المقاطعات الإدارية
.( التابعة له في شتى أنحاء إيران( 84
آما دخل الحرس ميدان التعليم العالي. ففي عام 1986 افتتح جامعة الإمام
. الحسين التابعة له، وضمت 800 طالب. وقد تخرجت أول دفعة عام 1988
وتقدم هذه الجامعة دراسات عالية في العلوم العسكرية والهندسة والإدارة وحتى
العلوم الطبية( 85 ). آما أسس الحرب بعد الحرب مرآزًا خاصًا به للدراسات
العسكرية أطلق عليه "أآاديمية الحرس الثوري للشئون الدفاعية
والاستراتيجية" برئاسة صادق حيدر آاني( 86 ). وتشكل مؤسسات التعليم
والتدريب العاليين التابعة للحرس مصدرًا واضحًا للشريحة الاجتماعية التي تمد
الحرس بالخبراء والتكنوقراطيين، وإن لم يشارك في هذه البرامج التعليمية إلا
عدد ضئيل نسبيًا من رجال الحرس.
أما على الصعيد العملي، فقد أعد الحرس برامج تدريبية عسكرية محضة
لعامة جنوده الدائمين، التابعين لأسلحته الثلاثة. ففيما يتعلق بقوات الحرس
البرية، تضمن برنامج تدريبها الأساسي ثلاثة أشهر إلزامية للتدريب على
تكتيكات الحرس واستخدام الأسلحة( 87 ). وآان التدريب الأساسي يتم في قواعد
الحرس وحامياته في جميع أنحاء إيران وعلى الجبهة. وتبعًا لم عُرف عن
الحرس، فإنه آان مشبعًا بالأيديولوجيا الإسلامية وشعارات الحرس الثورية
المتشددة( 88 ). ولتسهيل الاستخدام المتزايد لعمليات الكوماندوز الخاصة
والوحدات عالية التدريب، أنشأ الحرس مرآز مشاة منفصلاً لقواته البرية في
طهران، يعطي دوره تدريبية مكثفة للمشاة( 89 ). ونظرًا لعدم استعداد الحرس
-19-
لإجراء تدريبات واسعة مع الجيش النظامي، آان تدريبهم على الدروع
والمدفعية الثقيلة أقل تنظيمًا نوعًا ما، وأشبه ما يكون "بالتدريب في أثناء
العمل"، حيث يملك الحرس آميات قليلة نسبيًا من هذه الأسلحة.
وتمشيًا مع استخدام فروع الحرس الأخرى للأسلحة الأآثر تطورًا
(صواريخ سلكورم ومنظومات الدفاع الجوي والطائرات المروحية.. الخ)، قام
سلاحا الجو والبحرية التابعان للحرس بإعداد برامج تدريبية متخصصة،
وأُخضعت وحدة الصواريخ، المتمرآزة في قاعدة الفجر، للتدريب المتخصص
على تشغيل صواريخ أرض – أرض من طراز سكود، التي آانت تطلقها على
أهداف داخل العراق( 90 ). آما أجرى سلاح جو الحرس تدريبات لطياريه، الذين
يقودون الطائرات الخفيفة والطائرات المروحية، في الجزء الخاص به من
مطار مهرباد في طهران( 91 ). وأسس سلاح بحرية الحرس الثوري آليته
البحرية الخاصة به، فضلاً عن إقامة دورات في فن الملاحة البحرية والقتال
البحري والعمليات تحت سطح الماء، في قاعدة "سيد الشهداء" التابعة له على
.( الساحل الجنوبي( 92
لقد آان الحرس، علاوة على تدريب قواته على استخدام منظومات الأسلحة
والتكتيكات القتالية، يتولى مسئولية تدريب مقاتلي الباسيج. وبما أن الحرس آان
ينظر إلى الباسيج آجنود يمكن التضحية بهم في سبيل الإسلام والثورة، فقد
آان التدريب الذي يقدمه الحرس للباسيج -آما ذآرنا سابقًا- غير آاف عسكريًا،
لكنه مشحون بالأفكار والمفاهيم الأيديولوجية. وقد أعطى الصحفي يوسف
إبراهيم صورة مختصرة عن "التدريب" الذي آان الباسيج يتلقونه من رجال
الدين الشبان الراديكاليين المرتبطين بالحرس، يقول:
ثمة مشهد شائع على الجبهة لهؤلاء المراهقين (الباسيج) الذين يصطفون
لصلاة الجماعة خلف رجل دين، أو يجلسون وهم يصغون بهدوء للتلقين
الديني.
وآانوا يربطون حول رءوسهم ربطات حمراء مميزة، معلنين استعدادهم
للاستشهاد في سبيل الإسلام. ويستمعون إلى الكلام ذاته الذي يُدرس في
مدارس "قم" الدينية. فهم جند الإسلام الذين يقاتلون جيوش الكفار المارقين. هذا
.( هو قدرهم. والجنة هي ثوابهم( 93
ة رس آافي دريب الح رامج ت ون ب ي أن تك ل ف ة تأم ادة المدني ت القي إذا آان
-20-
د رس بع ى الح ه إل ام وجه اب ه ي خط ا. فف اب ظنه د خ ة، فق وة محترف لجعله ق
الحرب هاشمي رفسنجاني، القائد العام للقوات المسلحة بالوآالة في ذ لك الوقت،
ه شيرًا بوج أشار ضمنًا إلى أن الحرس لم يرآز بما فيه الكفاية على التدريب، م
سنجاني د رف ا انتق دبابات ( 94 ). آم ضادة لل ة والم ه المدرع ى وحدات اص إل خ
ر ة وغي ر حديث ة غي ات قتالي ى تكتيك شديد عل اد ال ي الاعتم رس ف تمرار الح اس
يش ة ج احترافية، ومواصلة الحرس الاعتقاد بأن الحم اس الثوري يكفي لمواجه
زا دما غ رس عن طر الح د اض سنجاني فق ا لرف سليحًا( 95 ). وتبعً دريبًا وت ضل ت أف
العراق إيران عام 1980 إلى أن:
يقاتل بقنابل المولوتوف والحجارة والعصي وقذائف الآر بي جي، وآل ما
استطاع الحصول عليه من أسلحة...، ولكن إذا آان على إيران أن تعتمد على
الحرس الثوري الإسلامي آقوة مسلحة، وإذا آان للنظام أن يبقى لخدمة الله،
فيجب على الحرس ألا يعتقد أنه إذا هوجم، يمكنه القتال بقنابل المولوتوف.
وإنما يجب على القوة المسلحة أن تكون مستعدة تمامًا بحيث لا يجرؤ الآخرون
.( على مهاجمتها. فالحرس هو حامي الحدود والتراب( 96
واعترف رفسنجاني بصورة أآثر صراحة من أي زعيم سياسي مدني آخر،
سكرية، اءة الع ق الكف ن أداة لتحقي م يك رس ل ي الح شكلي ف دريب ال ام الت بأن نظ
سة تقلاليته آمؤس دعيم اس رس، وت وري للح شدد الث يخ الت بقدر ما آان أداة لترس
ول وري أن يتح يش ث ن لج رة . ولا يمك ر خب عن القوات المسلحة النظامية الأآث
إلى قوة محترفة بمجرد وجود برنامج تدريب عسكري لديه.
الأسلحة والمعدات
ة لحة التقليدي تخدام الأس ى اس ه عل وير قدرات رس تط تطاع الح برغم ذلك اس
ات تخدام منظوم ي اس دودًا ف ا مح رس نجاحً دات الح ت وح د نجح ديث. وق الح
دات ع أن الوح ة( 97 ). وم ة ا لعراقي ائرات الحربي د الط وي ض دفاع الج لحة ال أس
ا المدرعة والمدفعية الثقيلة آانت قليلة العدد بحيث لم تلعب دورًا حاسمًا، إلا أنه
ال اهم رج ة، وس ة الثقيل ة والمدفعي ات الميكانيكي دبابات والعرب أتقنت استخدام ال
ط صة نف او ومن ى الف تيلاء عل ي الاس رس ف ابعون للح ارة الت ضفادع والبح ال
ة ائرات مروحي رس ط ارو الح اد طي ا ق سكرية ( 98 ). آم وات ع ا ق ة تحم يه عراقي
ارك ي مع دو ف ع الع شتبكوا م م ي ة، وإن ل احة المعرآ ى س لنقل قوات الحرس إل
جوية متواصلة.
-21-
لحة صناعة أس ه ل رس إقامت ي للح د التنظيم ى التعقي لاء عل دل بج ا ي ومم
ا، رب عليه ه الغ محلية، مكنت إيران من تخفيف آثار حظر الأسلحة الذي فرض
ذاتي اء ال لا مية، أي الاآتف ورة الإس سية للث داف الرئي د الأه زز أح ا ع آم
ام سها ع والاستقلالية. وقد أشرفت "وزارة الحرس الثوري الإسلامي " منذ تأسي
درات ذه الق ع أن ه ة . وم لحة المحلي اج الأس رس لإنت ود الح ى جه 1982 عل
سلحة وات الم تحولت، على ما يفترض إلى وزارة الدفاع والإسناد ال لوجستي للق
شير صحفية ت ارير ال إن التق ام 1990 – ف رس ع يش والح –التي جمعت بين الج
.( رس ( 99 راف الح ت إش ت تح رس بقي ة للح لحة التابع اج الأس ق إنت إلى أن مراف
رى ة أخ دة فرعي ة وح ن أي ر م ت –أآث ولعل جهاز بحوث الأسلحة وإنتاجها يثب
ذين راء، ال وقراطيين والخب ين ال تكن ع ب ى الجم رس عل درة الح رس– ق ي الح ف
ين ة، وب ن ناحي يتمتعون بقسط عال جدًا من المعرفة والأساليب التقنية العلمية م
ة ن ناحي ة م ة والأيديولوجي شاعر الديني رآهم الم ذين تح المقاتلين شبه الأميين ال
ه ب علي زال تغل رس لا ت ر أن الح د . غي ي واح قف تنظيم أخرى، وذلك تحت س
آثيرًا الصبغة التي تتسم بها المجموعة الاجتماعية الثانية.
سه . رس نف و الح رس بنم دى الح ة ل لحة المحلي اج الأس درات إنت ت ق د نم لق
دات اج مع ع إنت ا، م ام 1984 تقريبً دأ ع ويقول رفيق دوست : إن هذه القدرات ب
د ائر ( 100 ). وأآ ة وذخ لحة خفيف مضادة للحرب الكيماوية، وأجهزة اتصالات وأس
سة ع مؤس ط م يس فق اج، ل ودات الإنت ي مجه اون ف رس تع ت أن الح رفيق دوس
صناعيين ة و "ال وات النظامي ع الق ل م ا، ب در تكنولوجيً اء الأق اد البن جه
.( والتكنوقراطيين" أيضًا( 101
ي ي المحل اج الحرب ق الإنت ت مراف 1987 ، آان – امي 1986 ول ع وبحل
اج ى إنت زة عل لحة، مرآ وير الأس ريًا لتط شروعًا س دير 37 م رس ت ة للح التابع
درات تلاك ق ى ام رس، وعل و الح سلاح ج ر) ل ة (الفج ة خفيف ائرة مروحي ط
ضًا: إن ال أي مالية( 102 ). ويق ة ش ينية وآوري ساعدة ص صواريخ بم صنيع ال لت
ة اج رء وس حربي وم بإنت رس تق ل الح صة" داخ ناعية متخص ة ص "مجموع
كود – راز س ن ط واريخ أرض – أرض م وصواعق، فض لاً عن نسخة من ص
ة تخدام الهندس درات باس ذه الق ك ه بح يمتل ه أص رس أن زعم الح ي( 103 ). وي ب
د ى ح ارير –إل ذه التق د ه العكسية على الأسلحة الموردة من الخارج ( 104 ). وتؤآ
ا ذاتي تقريبً اء ال ة الاآتف ما– مزاعم رفيق دوست حول وصول إيران إلى مرحل
-22-
ذائف ا وق واريخ الكاتيوش اون، وص ذائف اله اج ق ي إنت ام 1988 ، ف ول ع بحل
المدفعية، وأجهزة اللاسلكي، وأجهزة التشويش المصاحبة له ا( 105 ). آما زعم أن
ائرات ف لط اج المكث وم بالإنت رس تق ة للح ائرات التابع ناعة الط ة ص مجموع
وم ة" تق صناعة البحري ي ال ذاتي ف اء ال ة الاآتف ار، وأن "مجموع ر دون طي تطي
.( بإنتاج سفن حربية صغيرة ومتوسطة الحجم( 106
ناعة ي ص اح ف ض النج وا بع راءه أدرآ رس وخب ي الح دو أن مهندس ا يب آم
سية . ة العك ق الهندس ن طري دًَا ع ر تعقي ات الأآث النماذج الأولية للأسلحة والعرب
لحة ذه الأس صميم ه ي ت ة ف ساهمة الإيراني د الم صعب تأآي ن ال ه م ع أن وم
لال ن خ دة، م بات عدي ي مناس د ف ا تأآ رس له تلاك الح ا، إلا أن ام وإنتاجه
اءات دم ادع رس ق ت أن الح م يثب ران . ول ون طه ة تليفزي ى محط ها عل عرض
ا ب م ى جان اج . وإل صميم والإنت ي الت هامه ف ي إس الغ ف د ب ان ق ة، وإن آ آاذب
اج ي الإنت ريكته ف رس وش م الح ي زع لحة الت ات الأس إن منظوم اه، ف ذآرن
ة د مدرع ة جن ى عرب شتمل عل ا، ت ا أنتجاه اء، أنهم اد البن سة جه ي، مؤس الحرب
.( برمائية وغواصة وسفينة قطر ودبابات وهوفر آرافت وطائرة مروحية( 107
ه ه وتدريب أن تنظيم أنها ش رس، ش دى الح ي ل اج الحرب درات الإنت ؤد ق م ت ل
ة ادئ العلمي صالح المب وري ل ه الث ن طابع ف م ى التخفي سكريين، إل الع
ق ى تحقي ا إل ن خلاله سعى م ر ي ة أآب رس بطاق ا زودت الح وعية، لكنه الموض
يء رض أن يه ن المفت ان م ي آ أهدافه المتشددة . ومع أن التدريب العلمي والتقن
صارم رس ال زام الح ن الت ف م د – للتخفي به مؤآ مهندسي الحرس –على نحو ش
بمواصلة الحرب حتى النصر، مهما آانت الخسائر في الأرواح، إلا أن الخبراء
الفنيين في الحرس لم يغيروا أهدافه أو يجعلوها أآ ثر تواضعًا، بل على العكس،
ة لابة مقاوم ن ص رس زادوا م ي الح ة ف صناعات الحربي راء ال ون خب ا يك ربم
اف ن الالتف قيادة الحرس للتسوية عن طريق المفاوضات، وذلك بتمكين إيران م
ة ن العمل ة م اليف الباهظ ن التك تغناء ع دولي، والاس لحة ال ر الأس ول حظ ح
الصعبة التي تتطلبها مشتريات الأسلحة.
جهاز تصدير الثورة
اتق ى ع اة عل ة، الملق ة الداخلي ام الأمني سكرية، والمه ام الع ى المه افة إل إض
ورة صدير الث ود ت ي جه ة ف دور رأس الحرب طلع ب د اض ه ق رس، فإن الح
ورة صدير الث ي ت رس ف شطة الح ت أن رى آان ا لأدواره الأخ لامية. وخلافً الإس
-23-
دات تتسم بأخذ زمام المبادرة بد لاً من الاآتفاء برد الفعل، حين آان يواجه التهدي
ي ي ف ة الخمين ق رؤي ة لتطبي ذه المهم رس ه ور الح د ط الثورة. لق يط ب ي تح الت
ان إذا آ ه( 108 ). ف ران وبقيادت ن طه ا م دة) انطلاقً لامية (الموح ة الإس اء الأم إحي
الخميني هو أمير المؤمنين، فإن حراس الثورة هم جنده الأوفياء . ويمكن اعتبار
الحرب الإيرانية – العراقية نفسها (بعد عام 1982 عندما طردت إيران القوات
راق ا أن الع ن بم ورة . ولك العراقية من أراضيه ا)، جزءًا من مجهود تصدير الث
ى دور يُنظر إل سها، س ة نف ة الإيراني ورة والأم ددًا الث رب، مه دأ الح ذي ب و ال ه
شطة ا أن ورة . أم الحرس في الحرب آمهمة عسكرية أآثر من آونها تصدي رًا للث
صدير ار ت ت إط ا تح دخل عمومً الحرس المعادية للغرب والولايات المتحدة، فت
الثورة.
صدي ى الت لاً إل دف أص ن ته م تك ورة ل صدير الث ي ت رس ف ود الح إن جه
د ة . وق ة خاص سب أهمي ة تكت ذه المهم ل ه ا يجع ورة، مم ه الث دات تواج لتهدي
د املة ض رب ش ي ح شارآته ف رغم م شاط، ب ذا الن ة ه رس ممارس تطاع الح اس
وى ع الق ده بجمي ستأثر وح ع أن ي ن المتوق ان م ذي آ زاع ال ذا الن راق، ه الع
زام رس الت دى الح ان ل ا آ رس . آم دى الح سيطرة ل ادة وال وارد القي البشرية وم
دة، ات المتح ة للولاي شددة، والمعادي ورة المت اليم الث ب تع ل بموج دًا للعم قوي ج
دة، ات المتح ع الولاي دود م سلح مح زاع م ال ن ة بافتع ه للمجازف ذي دفع الأمر ال
سكرية ه الع ى أداء مهمت رس عل درة الح ضعف ق د ي زاع ق برغم أن مثل هذا الن
ي ورة ف المصيرية ضد العراق . وهناك سمة هامة أخرى تميز جهاز تصدير الث
ك ه، وذل ام في ع المه شعب وتوزي الحرس، هي عدم وجود دليل على التمايز والت
د، بعكس بني ته العسكرية والأمنية الداخلية . وهذا النوع من الميوعة وعدم التحدي
ه، ألا ة مهمت ا لطبيع شكلان انعكاسً ورة، ي صدير الث از ت ا جه صف بهم اللذين يت
سئولية د م ن تحدي شاط م ذا الن ستهدفة به ات الم ن الجه ة دون تمك ي الحيلول وه
الحرس عنه.
ون ا تك ا م ود غالبً دة بن ت ع ورة تح صدير الث ي ت رس ف ود الح درج جه تن
وريين ساندة الث شوف لم ر المك سياسي غي سكري أو ال دخل الع ة: الت متداخل
د ة ض الإسلاميين في الدول الأخرى باستثناء لبنان ( 109 )، وأعمال العنف الموجه
د سرية ض ات ال ة( 110 )، والعملي دول الغربي ن ال ا م دة وغيره ات المتح الولاي
رس لاء الح ع أن عم ام ( 111 ). وم د اء النظ د أع ة وض الحكومات العربية المحافظ
-24-
ة ادة الوطني ة القي يطرة بني ت س انوا تح ذآورة آ ام الم ذوا المه ذين نف ووحداته ال
ام ل النظ شددين داخ ن المت رة م بكة متغي ع ش ون م انوا يعمل م آ رس، إلا أنه للح
التطورات ام ب ذه المه داف ه ت أه الإيراني وخارج إيران ( 112 ). وغالبًا ما ارتبط
ن داخلي م سياسي ال ب ال ذا الجان الداخلية الإيرانية . وسنتناول في فصل لاحق ه
أنشطة الحرس في تصدير الثورة.
التدخل السياسي / العسكري
ام ذ ع ان من ي لبن وده ف و وج ورة ه رس للث صدير الح ى ت دليل الأول عل ال
شيعي زب الله ال يس ح ى تأس ان عل ي لبن رس ف رزة الح اعدت مف د س 1982 . فق
ة ة جمهوري دف إقام د، به ا بع ه فيم ه ودعم ى تدريب ش دد، وعل ولي المت الأص
إسلامية في ذلك البلد ( 113 ). وعمومًا آانت قيادة مفرزة الحرس وأفراده في لبنان
ة ن الناحي ة م رس راديكالي ال الح ر رج ضم أآث ل– ت ا 2000 مقات –وقوامه
زب الله، العقائدية( 114 ). وإلى جانب المساندة والتدريب العسكريين المباشرين لح
وا ث بث اني، حي اع اللبن ي وادي البق رًا ف يًا آبي لعب الحرس دورًا عقائديًا وسياس
ساجد شفيات والم دارس والمست سوا الم ين وأس سكان المحلي ين ال داتهم ب معتق
زب الله دوا ح لامية وأم ورة الإس د للث سبوا التأيي ة، واآت ات الخيري والجمعي
.( بالمجندين( 115
سكرية ادة الع ائي والقي برغم أن مفرزة الحرس في لبنان تخضع لإمرة رض
سياسيون للحرس، فغالبًا ما آان يمارس رفيق دوست ورجال الدين والزعماء ال
الإيرانيون نفوذًا على هذه المفرزة . ومن المتوقع أن يكون التسلسل القيادي غير
ول ران ح ي طه عة ف ات واس شبت خلاف د ن ع( 1) فق ذا الوض ل ه ي مث ح ف واض
رس دى الح ان ل ان ( 2) وآ ي لبن رس ف شاط الح ل لن لوب الأمث ستوى والأس الم
ف ان لمختل ا آ ان ( 3) آم ي لبن شطته ف ض أن مصلحة في إنكار مسئوليته عن بع
شيعة شددين ال ع المت عة م ية واس صية وسياس لات شخ رانيين ص اء الإي الزعم
اللبنانيين على اختلافهم ( 116 ). فعلى سبيل المثال، قام وزير الحرس السابق رفيق
ان؛ رس بلبن شطة الح ي أن دوست بزيارات متكررة للبنان، ولعب دو رًا رئيسيًا ف
صابات، رب الع ى ح لأنه أقم علاقات واسعة هناك خلال التدريب الذي تلقاه عل
.( رس ( 117 دادات للح ولأنه آان مسئو لاً رسميًا عن تقديم الإسناد اللوجستي والإم
د افظ الأس سوري ح الرئيس ال ا ب ي دائمً ه يلتق لال زيارات ت خ ق دوس ان رفي وآ
ررة تباآات المتك راء الاش ن ج ران، م وريا وإي ين س لإزالة أي توتر قد يحدث ب
-25-
.( ران ( 118 والي لإي ولي الم زب الله الأص ة وح شيعية العلماني ل ال ة أم ين حرآ ب
ا ة بينه داوة القديم ى الع النظر إل رب، ب ي الح ران ف اندت إي وريا س ذآر أن س (ي
وبين جارها العراق).
ل د احت رس، فق ة للح ادة القومي ت والقي ق دوس ن رفي ى م ستوى أدن وعلى م
ال شيات ورج قائد مفرزة الحرس في لبنان مقعدًا في المجلس الموسع لقادة الملي
ات ة للجماع سياسة العام م ال ذي يرس انيين، ال رانيين واللبن شيعة الإي دين ال ال
ا ه ( 119 ). آم الشيعية المتشددة في لبنان، وفقًا لما جاء في تقرير صحفي موثوق ب
شمي ر محت ي أآب ة عل ر الداخلي وريا ووزي ي س س ابق ف ي ال سفير الإيران لعب ال
بور، وهو أحد المتشددين البارزين، دورًا فاع لاً بالتعاون مع الحرس في تشكيل
سعى ا ت ان ( 120 ). آم ي لبن وي ف وذ ق ع بنف زال يتمت ه لا ي دو أن زب الله، ويب ح
ض ة وبع ة الإيراني ع وزارة الخارجي السفارتان الإيرانيتان في سور يا ولبنان، م
ي ة ف سياسة الإيراني رس وال شطة الح ى أن سيطرة عل الزعماء الإيرانيين، إلى ال
.( لبنان( 121
حب رروا س رانيين ق سياسيين الإي اء ال أن الزعم بيد أنه وردت تقارير تفيد ب
ائي ه ر ض ى ب ذي أدل صريح ال ع أن الت وحدة الحرس الثوري من لبنان ( 122 ). وم
في تشرين الثاني / نوفمبر 1991 حول تضاؤل دور الحرس العسكري، وآذلك
سمبر انون الأول / دي إطلاق ما تبقى من الرهائن الأمريكيين في لبنان بحلول آ
صريحات ي ت ائي ف ى رض د نف ارير ( 123 )، فق 1991 ، يؤيدان ما جاء في هذه التق
ي ي داخل زاع إيران ود ن ا بوج رس ( 124 )، موحيً وات الح سحب ق ة ل ة ني رى أي أخ
ة شطة المكثف ت الأن ان . وإن آان ن لبن ه م حب قوات وري س رس الث ه الح يقاوم في
التي قام بها حزب الله ضد القوات الإسرائيلية في الجنوب عام 1992 تشير إلى
لاق ول إط زاع ح سر الن ه خ ع أن ا، م زاع حاليً أن الحرس هو الذي يفوز في الن
الرهائن الأمريكيين في لبنان.
الأنشطة الموجهة ضد الولايات المتحدة
شددة رس المت ديولوجيا الح ع أي ا لوض ان منطلقً ي لبن آانت مفرزة الحرس ف
صالح ة الم ن مهاجم ل م رس يأم ان الح ذ . وآ ع التنفي ا موض ة لأمريك المناوئ
الم سلمين ودول الع رب والم الأمريكية، أن يزيد شعبية الثورة الإسلامية بين الع
شكل حفية، ت ارير ص رت تق سبما ذآ ة. وح ة الغربي ن الهيمن ستائين م ث الم الثال
ه وم في زًا يق اع – مرآ ي وادي البق رس ف شغلها الح ي ي د الله –الت شيخ عب ثكنة ال
-26-
زب الله ى ح الحرس بتدريب المتشددين، الشيعة اللبنانيين، بمن فيهم المنتمون إل
ه ها نبي ي يترأس ل الت ة أم وحرآة أمل الإسلامية (فصيل متشدد منشق عن حرآ
ة ات المعادي ن العملي سئولين ع ون م د يكون ذين ق وريا) ال دعمها س ري وت ب
ارينز وات الم ة ق ر ثكن ل تفجي ام 1983 م، مث دثت ع ي ح دة الت ات المتح للولاي
شيخ ة ال ضًا: إن ثكن ال أي روت( 125 ). ويق ي بي ة ف سفارة الأمريكي رآيين وال الأمي
ي رهم ف اء أس ة أثن رات مختلف ي فت ريكيين ف ائن الأم ض الره د الله آوت بع عب
ر ة لتفجي رس المزعوم ط الح اهر لخط ان الظ ان المك كل لبن لبنان( 126 ). آذلك ش
ي نبحث ف سمبر 1988 م، وس انون الأول / دي رحلة بان أمريكان رقم 103 في آ
.( أسبابها وانعكاساتها السياسية لاحقًا( 127
و زب الله (وه ام لح س وح ان آمؤس ي لبن رس ف رزة الح دور مف رًا ل نظ
ذه ون ه رجح أن تك ن الم ائن ) فم اطفوا الره ا خ ت لوائه ضوي تح ة ين مجموع
ي ريكيين ف ا ئن الأم المفرزة شارآت في قرارات إطلاق جميع ما تبقى من الره
دأ ذي ب و ال رس ه أن الح دون ب لبنان. ويقول مس ئولو الأمن اللبنانيون : إنهم يعتق
سية، ي الجن فعلاً عملية خطف الرهائن في بيروت، بخطف ديفيد دودج الأ مريك
ون ا يجلب انوا أحيانً هم آ سابقون : إن حراس عام 1989 م( 128 ). وقد قال الرهائن ال
شاهدون رى ي ا أخ انوا أحيانً ا آ الطعام لهم من قاعدة قريبة للحرس الثوري، آم
.( ازهم ( 129 اآن احتج رب أم سكرية ق وابير ع ي ط حراس الثورة وهم يسيرون ف
امي 1985 م - ران ع ة لإي لحة الأمريكي فقة الأس ي ص رس ف ارك الح د ش لق
اون ل تع صفقة مقاب ن ال زء م ا آج ا، ربم ي أعقابه لحة ف وا أس 1986 م، وتلق
رس سبة للح ريكيين ( 130 ). وبالن ائن الأم ض الره لاق بع ب إط ي ترتي رس ف الح
ضه م تعوي د ت ضية ق ذه الق ي ه ديولوجي ف ازل أي إن أي تن وحلفائهم اللبنانيين، ف
فقة ب ص راحهم بموج ق س ن أُطل ل م وا مح افيين، ليحل ائن إض ف ره بخط
.( الأسلحة الأمريكية لإيران( 131
العمليات السرية ضد الحكومات العربية
لقد قام الحرس، إلى جانب نشاطاته في لبنان، بنقل نشاطات تصدير الثورة
إلى الدول العربية، وبالأخص حلفاء العراق في الخليج العربي. وخلافًا لأنشطة
الحرس في لبنان، اتخذت هذه العملية منحى سريًا بدلاً من التدخل المباشر.
ولكن مثلما حدث في لبنان، آان الحرس العنصر الميداني الأقوى والأقدر، وإن
لم يكن هو التنظيم أو المجموعة الوحيدة المشارآة في هذه العملية. فقد اقتسم
-27-
السلطة في هذه القضية مع مجموعة واسعة من الزعماء السياسيين الإيرانيين
والحلفاء الأجانب( 132 ). وآانت البنية التنظيمية – التي نفذ الحرس بموجبها هذه
العملية – متماشية مع جميع ما نفذه من مهام تصدير الثورة، أي غير محددة
وغير متخصصة. وهنا أيضًا هيمن الحرس على تدريب عملائه الأجانب
المتشددين وتسليحهم في أماآن عديدة بإيران، مستخدمًا الكثير من أساليب
التدريب والتلقين ذاتها التي آان يستخدمها مع مقاتلي الباسيج في الحرب ضد
.( العراق( 133
يشكل جهاز العمليات السرية في الحرس المثال الوحيد الذي أصبحت فيه
فعلاً البنية التنظيمية للحرس –في مهام محددة– أقل تخصصًا مع مرور
الوقت. وخلال فترة 1981 م – 1983 م، آان مكتب حرآات التحرر التابع
للحرس –تحت رئاسة العضو الراديكالي في المجلس الأعلى مهدي هاشمي–
.( يتولى جهود الحرس في القيام بأعمال تخريبية في الدول العربية المحافظة( 134
وآان هاشمي صهرًا لآية الله منتظري وصديقًا لابنه محمد، وهو مؤيد متطرف
.( لجهود الحرس في تصدير الثورة، وأحد المنظمين الأوائل لهذه الجهود( 135
وفي عام 1983 م تقريبًا، انفصل هاشمي ومكتب حرآات التحرر رسميًا عن
الحرس، ربما آجزء من صراع على السلطة مع رضائي وغيره من القادة،
الذين أرادوا الترآيز على الحرب مع العراق بالدرجة الأولى، وتوحيد أنشطة
الحرس في تصدير الثورة تحت قيادتهم( 136 ). وتابع الحرس أنشطته في تصدير
الثورة، بغير وجود وحدة فرعية تنظيمية منفصلة تتولى رسميًا المسئولية عن
هذا النشاط. وفي عام 1986 م اعتقل هاشمي؛ لأنه ساعد راعيه منتظري على
.( تسريب خبر صفقة الأسلحة الأمريكية لإيران، وأعدم في السنة التالية( 137
[وصفت التقارير الصحفية في منتصف الثمانينيات "لجنة الحرب على
الشيطان" بأنها الجهاز الخاص في الحرس لتنسيق الأنشطة السرية في جميع
أرجاء العالم العربي] ( 138 ). وعمومًا فإن هناك أدلة أآثر على أن الحرس عمل
عن آثب مع "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق"، وهي مجموعة
ينضوي تحت لوائها المتشددون الإسلاميون الذين يعملون في معظم دول
الخليج العربي بما فيها العراق آما يدل اسمها( 139 ). وقد تأسس "المجلس الأعلى
للثورة الإسلامية في العراق" أواخر عام 1981 م، ويترأسه رجل دين متوسط
الرتبة هو محمد باقر الحكيم (ابن علامة شيعي عراقي جليل هو آية الله محسن
-28-
الحكيم) لتوحيد الإشراف على عدة جماعات متشددة مختلفة، من ضمنها حزب
الدعوة الإسلامية، وهو حزب عراقي أصولي معارض، ومنظمة العمل
الإسلامي وهي مجموعة أصولية متشددة أخرى تنشط في العراق ودول الخليج
العربي، والجبهة الإسلامية لتحرير البحرين التي اتهمت بتدبير محاولة انقلابية
في البحرين عام 1981 م بدعم من إيران( 140 ). ويبدو أن المجلس الأعلى للثورة
الإسلامية الذي يتخذ من طهران مقرًا له، آان -بمساعدة حرس الثورة- هو
القوة الأساسية في الانتفاضة التي قام بها الشيعة ضد صدام حسين في جنوب
.( العراق في أعقاب حرب الخليج الثانية( 141
أآدت وسائل الإعلام الرسمية في إيران الروابط الوثيقة بين "المجلس
الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" وبين الحرس الثوري. وفي الأيام الأخيرة
للحرب الإيرانية – العراقية، دعا الحرس علنًا إلى تعبئة متطوعي المجلس
الأعلى للثورة الإسلامية (عراقيون فروا إلى إيران) للقتال في جبهة الحرب
ضد العراق( 142 ). وفي عام 1984 م ذآرت الصحف الإيرانية أن المجلس الأعلى
للثورة الإسلامية في العراق شكر الحرس على سماحه لقوات المجلس
.( بالمشارآة في المناورات العسكرية للحرس( 143
إضافة إلى عمل الحرس عبر الوآلاء، فقد نشطت عناصره آثيرًا في العالم
العربي. ونخص بالذآر جهود الحرس في إثارة الاضطرابات في المملكة
العربية السعودية، لاسيما خلال موسم الحج. وقد اعترف الزعماء الإيرانيون
علنًا بأن الحرس هرَّب متفجرات إلى داخل المملكة خلال موسم الحج عام
1986 م( 144 ). وذُآر أن الحرس شارك مشارآة واسعة في التخطيط لأعمال
الشغب التي قام بها الحجاج الإيرانيون في مكة خلال موسم الحج عام 1987 م،
التي أسفرت عن مقتل 400 شخص على أيدي قوات الأمن السعودية( 145 ). آما
آان عملاء الحرس، بالأخص في أوربا، مسئولين عن تجنيد المتشددين الشيعة
.( لتنفيذ عمليات برعاية الحرس في دول عربية مستهدفة( 146
آما وردت تقارير في الآونة الأخيرة تشير إلى أن الحرس ينشطون في
السودان ويقومون بتدريب المتشددين الإسلاميين هناك، للمساعدة على نشر
.( الثورة في جميع الأجزاء الإسلامية من أفريقيا( 147
استعان الحرس بشبكة حلفائه داخل إيران، لمساندته في مهمته السرية. وقام
على وجه الخصوص وآيل وزارة الخارجية الإيرانية للشئون العربية حسين
-29-
شيخ الإسلام، أحد أهم زعماء "الطلبة" الذين احتجزوا الرهائن الأمريكيين في
طهران خلال الأعوام 1979 م – 1981 م، بتقديم المساعدة إلى حلفائه
الأيديولوجيين والسياسيين في الحرس، عبر المساهمة في تعيين رجال الحرس
في مناصب بالسفارات الإيرانية في أوربا وأفريقيا وآسيا( 148 ). ويقال: إن عملاء
الحرس قاموا –تحت الستار الدبلوماسي– بأعمال التنظيم والتجنيد، من أجل
تنفيذ عمليات الحرس في جميع أنحاء العالم، واغتيال أعداء طهران في
الخارج( 149 ). آما يمكن أن تكون وزارة الاستخبارات هي التي دبرت هذه
الاغتيالات.
إن الوسائل والتنظيمات المختلفة، التي بذل الحرس من خلالها جهوده
لتصدير الثورة، توضح بجلاء قدرته على تفادي التخصص والتمايز التنظيمي
الرسمي، عندما يؤدي ذلك إلى تعزيز تنفيذ مهمة محددة. آما أن قدرة الحرس
على بذل جهود قوية لتصدير الثورة –في الوقت الذي يخوض فيه حربًا آبرى
ضد دولة أخرى– تثبت أيضًا مرونته وعمق التزامه الأيديولوجي. غير أن
مشارآة الحرس في عملية تصدير الثورة –بحد ذاتها– لا تميزه عن سواه من
القوات المسلحة الثورية. فكل القوات العسكرية الثورية تقريبًا قامت بمهام
مشابهة نزولاً عند رغبة زعمائها. فقد خاض الجيش الثوري الفرنسي حروبًا
شاملة من أجل تصدير الثورة الفرنسية، مثلما خاضها من أجل حماية أمن
فرنسا القومي. آما صدرت الأوامر للقوات المسلحة الكوبية بالتوجه إلى أنجولا
في السبعينيات لمساندة النظام المارآسي فيها. وقام الجيش الأحمر بغزو
أفغانستان عام 1979 م لدعم النظام الشيوعي المترنح بقيادة حزب الشعب
الديمقراطي الأفغاني.
ومع ذلك، تشير الأمثلة المذآورة إلى أن دور العسكريين في معظم
المجتمعات الثورية –بشأن تصدير الثورة– يقتصر عمومًا على التدخل
المباشر. أما العمليات السرية فقد ظلت من اختصاص أجهزة استخبارات
في الاتحاد KGB منفصلة يهيمن عليها المدنيون، مثل ال آيه. جي. بي
السوفيتي. إذ آانت ال آيه. جي. بي – وليس المخابرات العسكرية المعروفة
هي المسئولة الأولى عن "التدابير النشطة"، أي جهود – GRU باسم جي آريو
تعزيز الأحزاب الشيوعية المحلية أو إيصالها إلى السلطة( 150 ). وفي جمهورية
الصين الشعبية، تولت دائرة "الارتباط الدولي" ودائرة "العمل الأمامي
-30-
الموحد"، وهما جهازا استخبارات منفصلان عن جيش التحرير الشعبي، تنفيذ
.( عمليات التدابير النشطة المماثلة( 151
أما في إيران الثورة، فقد هيمن الحرس على معظم أشكال تصدير الثورة،
السرية منها والعلنية، واضطلع بدور رائد فيها، بعكس أقرانه في المجتمعات
الثورية الأخرى، بل إنه أآد هذا الدور بقوة، ولم يكتف بتنفيذ مبادرات القيادة
المدنية( 152 ). والأهم من ذلك، آما سنبين لاحقًا، أن الحرس مارس أنشطة تصدير
الثورة بحماس، برغم المعارضة الظاهرة لرؤسائه المدنيين، أو في أفضل
الأحوال تناقض مواقفهم( 153 ). آما أن تأييد الحرس لتصدير الثورة اقترن بدوره
آقلعة حصينة للسياسيين المتشددين والسياسات المتشددة، إلى درجة لم تعرفها
.( القوات المسلحة الثورية الأخرى( 154
البيروقراطية الإدارية/ إنشاء وزارة الحرس
آان تأسيس وزارة مستقلة للحرس الثوري في تشرين الثاني/ نوفمبر
1982 م مؤشرًا هامًا على ازدياد التعقيد التنظيمي للحرس، وتحوله من مليشيا
ثورية فوضوية إلى بنية تنظيمية عسكرية تقليدية. وحُددت مهام هذه الوزارة –
بعد تأسيسها بقليل – في تأمين ما يحتاجه الحرس من إسناد لوجستي
ومشتريات وتمويل وخدمات قانونية وإدارية. وآانت بمثابة حلقة الوصل بين
الحرس ومجلس الشورى والسلطة التنفيذية( 155 ). وامتدادًا لوظيفة المشتريات،
أدارت الوزارة جهود الإنتاج الحربي المحلي الحرس التي بدأت على
نطاق واسع عامي 1985 م – 1986 م( 156 ). ومن المسئوليات المهمة التي تولتها
الوزارة، تنظيم ميزانية الحرس وإدارته المالية. وفي البداية آان تمويل الحرس
.( يقتصر بالدرجة الأولى على تبرعات من آبار رجال الدين وأنصار النظام( 157
.( بيد أن تبرعات رجال الدين استمرت بصورة رمزية( 158
وقامت وزارة الحرس بدور مهم في الحصول على الأسلحة، بعد أن آان
آل مقاتل يؤمن سلاحه بنفسه، في السنوات الأولى من عمر الحرس، وآانت
معظم الأسلحة المتوافرة قد تم الاستيلاء عليها من ترسانات الشاه خلال الثورة،
أو من العراق بعد نشوب الحرب( 159 ). ومن خلال دورها في تدبير الأسلحة،
ساهمت وزارة الحرس في تحويل الحرس الثوري إلى قوة مسلحة وطنية
حقيقية. وجعلت الوزارة عملية توزيع الأسلحة وحيازتها عملية مرآزية، ملبية
بذلك مطلبًا مهمًا آخر لإقامة قوة وطنية، وليست خاصة أو محلية( 160 ). ووفقًا لما
-31-
يقوله ويبر، فإن هذا التحول من السيطرة الخاصة إلى الإشراف الوطني على
.( الاستخدام الشرعي للقوة في المجتمع، هو مؤشر مهم على بناء الدولة( 161
ويشكل إخضاع القوات المسلحة في المجتمع الثوري لسلطة مرآزية مؤشرًا
على تماسك وضع النظام الثوري.
إضافة إلى المهام الظاهرة لوزارة الحرس في المساعدة على فرض بنية
تنظيمية عليه، أدت الوزارة مهمة خفية للزعامة المدنية. فقد آانت الزعامة
السياسية تأمل في تعزيز السيطرة على الحرس عبر إعطائه وزارة على
المستوى الحكومي. فوزير الحرس – شأنه شأن سائر الوزراء – يخضع
للمساءلة أمام المجلس ورئيس الوزراء( 162 ). وظهرت هذه الدرجة من السيطرة
في أيلول/ سبتمبر 1988 م، عندما صوت المجلس على إقالة رفيق دوست،
.( جاعلاً منه آبش فداء لخسارة الحرب، وانهيار الحرس على جبهات القتال( 163
ورفيق دوست –صهر رفسنجاني آما يقال( 164 )– آان المرشح المنطقي ليصبح
أول وزير للحرس، بسبب دوره في مشتريات الأسلحة منذ تأسيس الحرس، بل
إن تعيينه عزز أيضًا الأهداف السياسية لرجال الدين. فقد آان عمومًا عنصرًا
محافظًا داخل قيادة الحرس، وأآثر رضوخًا لسلطة الحكومة المدنية من زملائه
.( في البنية العسكرية للحرس( 165
يعكس رفيق دوست نفسه مشاعر الحرس المتناقضة إزاء إنشاء وزارة
للحرس. فمن ناحية، آان رفيق دوست -ولا يزال- أحد الدعائم القوية للحرس،
وواحدًا من مؤسسيه الأوائل. ومن ناحية أخرى، فهو أآثر محافظة من غالبية
قادة الحرس وجنوده. وبالمثل رحب الحرس بإنشاء وزارة خاصة له للدفاع عن
مصالحه في اجتماعات ومداولات مجلس الوزراء، لكنه آان مستاءً لأن إنشاء
.( الوزارة يعطي الزعماء المدنيين قدرًا من السيطرة على شئون الحرس( 166
خلافًا لأقسام الحرس الأخرى، لم تستطع الوزارة – آوحدة فرعية –
مقاومة التأثيرات المحافظة لعملية التحول البيروقراطي والتخصصي. ومرد
ذلك أن الوزارة لم تتح فرصة آافية للراديكاليين في الحرس للتعبير عن
التزامهم الأيديولوجي، آما حدث في المعرآة ضد العراق. ونظرًا لمهامها
الإدارية، تضم الوزارة آادرًا من الإداريين والخبراء والمديرين، فضلاً عن
بعض الموظفين من خارج الحرس، وهي عناصر اجتماعية تختلف عن
المتشددين الذين أسسوا الحرس، ولا يزالون يهيمنون عليه( 167 ). وقد أقامت
-32-
الوزارة بنية تحتية وطنية للإنتاج الحربي وشبكة دولية لمشتريات السلاح، وإن
آانت غير فعالة وفاسدة على ما يقال، وأنشأت البنية التحتية للإشراف على
شبكة تعاونيات الحرس، وبرامج الخدمات الاجتماعية لأسر أفراد الحرس على
مستوى البلاد( 168 ). وأنشأت الوزارة عدة دوائر تنفيذية متخصصة لأداء مهامها
المتعددة، ومن ضمنها دائرة تفتيش، ودائرة إسناد لوجستي، ومديريات للأبحاث
الصناعية وشئون الموظفين، ومكاتب للمستشارين الاقتصاديين ومستشاري
التخطيط والاجتماعيين، وهي مهام لا تعطي منفذًا للتشدد الذي يميز
.( الحرس( 196
إذا آان الزعماء السياسيون يتوقعون أن تفرض الوزارة ورفيق دوست
قدرًا من الاعتدال على الحرس، فإنهم يستخفون بقدرة القادة العسكريين للحرس
على إحباط مساعي الوزارة، إن لم يكن فرض إرادتهم عليها وليس العكس.
فوزارة الحرس أقل عناصر الحرس راديكالية، ولهذا السبب بالذات فهي
أضعفها. فمثلاً، تشير صحف المعارضة الإيرانية في الخارج إلى نجاح
رضائي، قائد الحرس، في منع رفيق دوست من وضع جهاز الأمن الداخلي في
الحرس تحت سلطة الوزارة( 170 ). ومع أن الوزارة مخولة قانونًا بالإشراف على
سياسة شئون أفراد الحرس، فقد آان الناطق القديم باسم الحرس ورئيس
أرآانه، علي رضا أفشر (وهو الآن قائد الباسيج) هو الذي يعلن فعليًا – وبشكل
دائم تقريبًا – عن التنقلات في صفوف الحرس وعمليات التعبئة الكبرى. وفي
نهاية الأمر، أصبح الذي يحتل منصب وآيل شئون القوى البشرية في القيادة
العامة المشترآة (التي شكلها رفسنجاني في حزيران/ يونيو 1988 ) هو علي
.( رضا أفشر وليس أحد المسئولين في وزارة الحرس( 171
تقدم لنا إقالة رفيق دوست عام 1988 م دليلاً إضافيًا على ضعف وزارة
الحرس آمرآز قوة داخل الحرس الثوري. فقد أقيل بسبب مزاعم حول سوء
إدارة الوزارة (الفشل في تخزين الذخائر بطريقة سليمة، وتعريض السلامة
العامة للخطر، ودفع مبالغ مرتفعة أآثر من اللازم للأسلحة المشتراة من
الخارج، والفشل في توفير الإمدادات اللازمة للقوات)، وآانت هذه المزاعم
مدعاة للسخرية؛ لأن رفيق دوست آان أآثر رضوخًا لرغبات القيادة السياسية
من آل قادة الحرس الآخرين( 172 ). بل إنه لا يتحمل إلا أقل قدر من المسئولية
عن النكسات التي حدثت في ساحة المعرآة؛ لأنه لم يكن يقود قوات أو يضطلع
-33-
بدور بارز في رسم الاستراتيجية، ومع ذلك تحول إلى آبش فداء بسبب خسارة
الحرب. وآان من المفترض أن يقوم رفسنجاني – آقائد عام بالوآالة للقوات
المسلحة – بإقالة رضائي للفشل في ساحة القتال، بدلاً من السماح للمجلس –
الذي آان يرأسه آأبرع سياسي إيراني – بالتصويت على إقالة رفيق
دوست( 173 ). ويبدو أن رفسنجاني استشف أن المجازفة بإبعاد رفيق دوست، بما
يعقبه من رد فعل من جانب الحرس، أخف آثيرًا مما يمكن أن يشكله عز القائد
القوي محسن رضائي.
ولعل خير دليل على الضعف التنظيمي للوزارة – ضمن مجمل بنية
الحرس – هو إلغاؤها آوزارة مستقلة بعد وفاة آية الله الخميني. فعندما شكل
رفسنجاني حكومة جديدة عام 1989 م، ضُمت هذه الوزارة إلى وزارة الدفاع
الخاصة بالقوات النظامية، وأصبحت تدعى "وزارة الدفاع والإسناد اللوجستي
للقوات المسلحة" ويرأسها أآبر تورآان، وهو تكنوقراطي مدني من خارج
الحرس( 174 ). بيد أنه – خلافًا للحالات السابقة التي قاوم فيها الحرس الجهود
المدنية لإضعافه – لم يحتجّ الحرس هذه المرة احتجاجًا قويًا على إلغاء
وزارته. ومن أسباب ذلك – على نحو شبه مؤآد – أن وزارة الحرس لم تماش
قيادته في توجهاتها الأيديولوجية والسياسية. واستمر قادة الحرس في إدارة
معظم شئونهم بصورة مستقلة عن الوزارة الموحدة الجديدة. وظلوا مسيطرين
على مرافق الإنتاج الحربي التابعة لهم، مع أنها آانت المهمة الرئيسية التي
أوآلت رسميًا إلى الوزارة الموحدة( 175 )، بل إن الحرس آانوا وراء تعيين وآيل
وزارة الحرس السابق المتمرس، محمود بكروان، في ثاني أعلى منصب في
.( وزارة الدفاع الموحدة( 176
يشكل الضعف النسبي لوزارة الحرس – ضمن بنية الحرس – مثالاً لقدرته
على مقاومة القوى المحافظة النابعة من التعقيد التنظيمي. ولم تستطع وزارة
الحرس نفسها مقاومة التأثيرات المحافظة لبنيتها الداخلية الخاصة بها، بل إنها
لم تستطع – آما آان يتوقع الزعماء السياسيون – إيصال المنطق المحافظ
والبيروقراطي إلى بنية الحرس العسكرية والأمنية الداخلية. ومع أن إلغاء
وزارة الحرس آان خسارة تنظيمية مهمة للحرس، فيمكن القول: إن توحيد هذه
الوزارة مع وزارة القوات المسلحة النظامية، قد عزز بالفعل النقاء الأيديولوجي
للحرس، عبر تخلصه من أضعف عنصر أيديولوجي فيه. آما أن قيادة الحرس
-34-
أظهرت – قبل إلغاء وزارة الحرس وبعده – قدرتها الفعلية على اغتصاب
عمليات وزارة الحرس أو الهيمنة عليها. ويمكن لهذه العوامل أن تفسر لماذا لم
يعترض زعماء الحرس – الراديكاليون في جملتهم – على دمج وزارة الحرس
في الوزارة الموحدة الجديدة للدفاع والإسناد اللوجستي للقوات المسلحة.
هيكل القيادة العسكرية
ثمة أدلة إضافية على قدرة الحرس في مقاومة آثار التعقيد التنظيمي، يمكن
إيجادها على مستوى القيادة العسكرية العليا. فقادة الحرس الحاليون (الذين
هيمنوا على هذا التنظيم منذ سقوط بني صدر) ظلوا من أآثر الدعاة
الراديكاليين في النظام، برغم مسئوليات مناصبهم ومتطلبات الحرب مع
العراق، وحاجتهم للعمل ضمن البنية الإجمالية لصنع القرار في النظام، وبرغم
خبرتهم بمدى ما يمكن للحماس الأيديولوجي أن يؤثر في النتائج العسكرية
الموضوعية. وقد تشبثوا براديكاليتهم – مثلما فعلوا في البنية العسكرية والأمنية
الداخلية التي ترأسوها –مع أنهم أقاموا بنية قيادية عليا تشبه في مظهرها– إن
لم يكن في جوهرها القيادي الفعلي – ما هو موجود في القوات المسلحة
التقليدية في شتى أرجاء العالم، وآذلك في الجيش النظامي الإيراني.
آما ذآرنا آنفًا في هذا الفصل، انبثقت البنية القيادية الحالية للحرس من
المجلس الأعلى للحرس الثوري، الذي آانت تغلب عليه روح الزمالة. وفي
أيلول/ سبتمبر 1981 م، ارتقى رضائي إلى القيادة العليا للحرس، نظرًا لكثرة
أنصاره وأتباعه في الحرس (الذين اآتسبهم من منظمة مجاهدي الثورة
الإسلامية)، ولمعارضته لبني صدر، وهمته في القضاء على مجاهدي خلق،
واستعداده وقدرته على الانتقال بالحرس من موقف الدفاع إلى موقف الهجوم
في الحرب ضد العراق( 177 ). وبعد تسلم رضائي مهام القيادة، عين علي شمخاني
نائبًا له بدلاً من، محسن آولادوز، الذي لقي مصرعه في حادث تحطم
طائرة( 178 ). وآان تعيين رفيق دوست آأول وزير للحرس في تشرين الثاني/
نوفمبر 1982 م، ثاني أهم تطور في البنية القيادية للحرس. ومع تسارع جهود
الحرس في منتصف الثمانينات، لإضعاف الجيش النظامي، عبر إظهار قدرة
مماثلة على التنظيم، أقام قادم الحرس هيئة أرآان رسمية.
هذه الأرآان المشترآة التي أسسها الحرس عام 1986 م، مع ترسخ أقدام
قوته البرية والجوية والبحرية، آانت تتألف من رضائي ونائبه شمخاني وقادة
-35-
الأسلحة الثلاثة في الحرس( 179 ). وفي عام 1986 م قام رضائي بتعيين شمخاني
في منصب ثان، هو قائد القوات البرية للحرس الثوري الإسلامي، الذي أصبح
مهيمنًا على الأرآان المشترآة بسبب الهيمنة الطاغية للقوات البرية على
الحرس( 180 ). وفي عام 1987 م عُيّن حسين علائي قائدًا للقوات البحرية،
.( وموسى رفان قائدًا للقوات الجوية، بحيث اآتمل تشكيل الأرآان المشترآة( 181
وأدمجت الأرآان المشترآة رسميًا في مقر القيادة العامة المشترآة للحرس
والجيش، الذي أسسه رفسنجاني عام 1988 م. بيد أنه في عام 1989 م وافق
زعيم إيران الأعلى الجديد علي خامنئي، ربما في محاولة منه لاسترضاء
الحرس، على أن يعاد رسميًا تشكيل أرآان قيادة منفصلة للحرس. وهكذا شُكلت
قيادة الأرآان المرآزية الجديدة للحرس برئاسة محمد باقر ذو القدر، وهو
فدائي سابق مناوئ للشاة وعضو أصلي في الحرس( 182 ). غير أن مقر القيادة
المشترك للجيش النظامي والحرس ظل قائمًا، وإن آان في شكل أضعف.
آان الغرض الأصلي من إنشاء قيادة الأرآان المرآزية عام 1984 م – قبل
تشكيل القيادة العامة للقوات المسلحة – أن تكون أرآانًا لرضائي، لمساعدته
وغيره من قادة الحرس على مواجهة أعباء الحرب وما صاحبها من توسع
للحرس( 183 )، آما آانت سابقًا آيانًا منفصلاً عن الأرآان المشترآة (الهيئتان
أصبحتا الآن جسمًا واحدًا). وترأس الأرآان المرآزية لأول مرة علي رضا
أفشر حليف رضائي القديم، الذي آان أيضًا ناطقًا رسميًا باسم الحرس. وفي
عام 1987 م ترأس محمد فروزنده القيادة المرآزية، وعُين نائبًا في قيادة
الأرآان العامة للقوات المسلحة عام 1989 م( 184 ). وعُين عباس محتاج القائد
السابق لمنطقة الحرس السابعة (آردستان) نائبًا لفروزنده، إلى أن عُين محتاج
مؤخرًا نائبًا لقائد القوات البرية للحرس، ثم نائبًا لقائد سلاح البحرية
.( النظامي( 185
أقام آل سلاح من أسلحة الحرس الثلاثة هيئة أرآان منظمة لإآمال عملية
تطوير البنية القيادية للحرس. وأصبح رحيم صفوي، رئيس العمليات في
الجبهة الجنوبية لمدة طويلة، نائبًا لقائد القوات البرية للحرس عند تنظيمها عام
1986 م. ومنذ ذلك الحين أصبح نائبًا لقائد الحرس رضائي( 186 ). وفي عام
1987 م، أصبح حسين دهقان – وهو قائد سابق للحرس في لبنان – نائبًا لقائد
سلاح جو الحرس( 178 )، ثم قائدًا له لفترة وجيزة، وأصبح علي أآبر أحمديات
-36-
.( رئيسًا لأرآان بحرية الحرس الثوري تحت قيادة حسين علائي( 188
يبدو أن قادة الحرس استهدفوا من إقامة بنية قيادية تقليدية توزيع
المسئوليات بينهم، لمواجهة أعباء الحرب التي لم يكن الحرس مستعدًا لها، إلى
جانب أنه لم يكن قد نُظِّم بعد آقوة عسكرية. ومع أن إقامة بنية قيادية رسمية،
قد حققت هذا الهدف جزئيًا، فقد آانت تخفي وراءها طبيعة غير رسمية،
تحكمها روح الزمالة بين أعضاء قيادة الحرس، آما أنها وسّعت قاعدته بين
الجنود العاديين. وآما تبين سابقًا، آان جميع قادة الحرس فدائيين قبل الثورة،
وآانوا حلفاء ومؤسسين أوائل للحرس، وبطبيعة الحال فقد عبروا جميعًا أثناء
خدمتهم في الحرس، من خلال أقوالهم أو أفعالهم، عن تأييدهم الحازم للمبادئ
الراديكالية للثورة. ونورد أمثلة على ذلك تخص القادة الأقل شهرة، فدهقان خدم
في لبنان، وهذا أسمى تعبير عن راديكالية الحرس( 189 )، ومحتاج لعب دورًا في
أعمال الشغب التي قام بها الحجاج الإيرانيون في مكة المكرمة خلال موسم
.( حج عام 1987 م، حسبما أشارت صحف المعارضة( 190
باستثناء رفيق دوست، لم يكن أي من آبار قادة الحرس يملك خبرات
محددة تؤهله دون سواه لتبوؤ منصب محدد في البنية القيادية. ونظرًا لحداثة
عهد الحرس، لم يتدرج أحد منهم عبر الرتب العسكرية في أحد أسلحة الحرس،
ولم يكن لأي منهم خبرة عسكرية ملموسة قبل الثورة. وإنما يعود الفضل في
وصولهم لهذه المناصب إلى دورهم في الصراع ضد الشاه، وإلى الروابط
المشترآة التي تجمعهم آمؤسسين للحرس.
إضافة إلى ذلك، نلمس روح الزمالة السائدة بين أعضاء قيادة الحرس،
والطبيعة غير المحددة لهذه القيادة، من خلال تناوبهم على تولي المناصب
وحلول أحدهم محل الآخر، فضلاً عن غياب التنافس الظاهر بينهم. وباستثناء
رفيق دوست، وهو محافظ أآثر من سواه، وعلى عكس الخلافات العلنية القائمة
بين أرآان النظام آكل، لم يُبد أي من قادة الحرس موقفًا علنيًا مخالفًا لأحد
زملائه، أو انحرف عن المواقف الراديكالية حول القضايا الكبرى. لذا تشكل
البنية القيادية للحرس مثالاً آخر على أن التعقيد التنظيمي للحرس لم يحوله إلى
قوة محترفة، آما أن مسئوليات قيادته لم تحول قادة الحرس من عقائديين
راديكاليين إلى ضباط محترفين.
-1-
-2-
الفصل الخامس
الاستقلالية السياسية للحرس
أحد معايير قوة أية مؤسسة هو استقلاليتها الذاتية. وتتمثل الاستقلالية الذاتية
في مقدار ما تتمتع به مؤسسة ما "من هوية وقيم تتميز بها عن غيرها من
المؤسسات والقوى الاجتماعية"، ومقدار تحررها من سيطرة فئة اجتماعية
معينة، آالعائلة أو الجماعة العرقية، أو القبيلة، أو الطبقة الاجتماعية، أو
الزمرة السياسية( 1). والمؤسسة العسكرية السورية تصلح آمثال لمؤسسة
عسكرية تنقصها الاستقلالية؛ لأنها تخضع لهيمنة طائفة تشكل أقلية من سكان
.( سوريا( 2
من السهل إثبات الاستقلالية النسبية للحرس الثوري، وإن آان من المفيد
توسيع المعايير قليلاً في تحليلنا لوضع الحرس. ولأن الحرس هو مؤسسة
عسكرية وأمنية، على وجه التحديد، فمن المناسب تطبيق معيار الاستقلالية
لتحليل مدى السيطرة السياسية المدنية على الحرس، أو إلى أي حد يتولى
الحرس تسيير أموره ويقاوم التدخل السياسي في شئونه.
موضوع السيطرة السياسية المدنية يجعل من السهل المقارنة بين الحرس
والقوات المسلحة الثورية الأخرى. لقد قاوم الحرس الهيمنة السياسية المدنية
أآثر مما فعل نظراؤه في مجتمعات أخرى، نظرًا لعمق التزامه ودوره
العقائديين، اللذين ساهما في انتصار الثورة. ولأن الحرس استأثر بدور الوصي
على الثورة وقيمها، فإنه آمؤسسة، يعتبر السيطرة السياسية المدنية عليه إهانة
لا داعي لها. وهذا الموقف الذي اتخذه الحرس، ينبع مباشرة من دوره آأحد
العناصر الرئيسية المستقلة في الائتلاف الثوري، الذي أوصل الخميني إلى
السلطة. وأسلاف الحرس – على عكس أسلاف جيش التحرير الشعبي الصيني
أو الجيش الأحمر السوفيتي – لم يخلقهم التجمع المدني الذي جاء إلى السلطة،
.( بل إنهم شارآوا وساهموا في العمل جنبًا إلى جنب مع رجال الدين الثوريين( 3
هناك معيار مناسب آخر يندرج في إطار تحليل مفهوم الاستقلالية، وهو
قدرة الحرس على تعيين أعضائه الحاليين والسابقين وحلفائه في مناصب هامة
خارج جهاز الحرس، وقدرته على إبقائهم فيها. بل إن بعض أعضاء الحرس
السابقين جعلوا خدمتهم في الحرس منطلقًا لشغل مناصب في الحكومة، وهناك
العديد من الأمثلة المهمة على مقربين وأعضاء سابقين دخلوا الحكومة،
-3-
واستمروا في التعاون الوثيق مع الحرس، حتى عندما آان يمكن أن يؤدي ذلك
إلى تعريض وظائفهم في الحكومة للخطر. والأهم من ذلك، أن الحرس استطاع
التدخل بقوة في تعيينات الجيش النظامي. بينما لم يكن للجيش النظامي قدرة
على التدخل في تنقلات الحرس الثوري.
والعنصر الأخير في استقلالية الحرس هو تأثيره في صنع السياسات
واستقلاليته العملياتية. فقد استطاع الحرس أن يفرض استراتيجية الحرب، رغم
أن توصياته الاستراتيجية والتكتيكية، لم تكن هي الأمثل من وجهة النظر
العسكرية المتخصصة، ولاقت معارضة من الجيش النظامي، وأيضًا من بعض
الرؤساء المدنيين الذين يخضع الحرس لسلطتهم. بل إن الالتزام العقائدي القوي
للحرس جعله يقوم ببعض العمليات المتناقضة مع الأهداف العامة للسياسات
التي يتبناها بعض القادة من رجال الدين.
سيادة الحرس على شئونه الداخلية
إن الدليل الأول على استقلالية الحرس هو خضوع أموره الداخلية لسيطرته
وليس للقيادة المدنية. ولكن هذا لا يعني أن الحرس رفض العمل ضمن النظام
الحكومي العام، أو أنه تحدى السلطة المدنية علانية – فلو فعل الحرس ذلك
لكان هذا تحديًا للخميني ذاته – وإنما يعني أن الحرس استطاع أن يقاوم – أو
يطوق – العديد من أنواع القيود السياسية، التي فُرضت على القوات المسلحة
الثورية الأخرى عبر التاريخ. ومن أهم الدلائل على سيادة الحرس التنظيمية،
قدرته على تشكيل هيكل قيادته العليا وتحديد أعضائها، وآذلك تحكم قيادة
الحرس – وليس الساسة المدنيين أو المشرفين الدينيين – في تعيين ضباطه
ذوي الرتب الصغرى، وأخيرًا الضعف العام لجهاز الإشراف السياسي وعجزه
عن التأثير في قرارات الحرس.
إن ما يشير بقوة إلى استقلالية الحرس التنظيمية هو قدرته على تسمية
قياداته بنفسه. وقد مر بنا أن قادة الحرس الذين سبقوا رضائي – وآلهم آانوا
أدوات في أيدي مختلف القادة السياسيين الساعين إلى النفوذ – أقيلوا من
مناصبهم لفقدانهم الدعم على مستوى القاعدة من جنود الحرس. أما رضائي فلم
ينل منصبه آقائد للحرس من خلال رعاية رجال الدين ذوي المراتب العليا،
ولكن لأنه آان يسيطر على النواة الأولية للحرس وهي "منظمة مجاهدي
.( الثورة الإسلامية" التي ساعدته على تأسيس الحرس بعد انتصار الثورة( 4
-4-
واحتفظ رضائي بمنصبه على الرغم من خلافاته السياسية مع سياسيين ذوي
نفوذ من أمثال رفسنجاني، بسبب شعبيته في صفوف الحرس على مستوى
القاعدة( 5). فشخصية رضائي هي تجسيد للحرس ذاته، إذ تنتمي جذوره إلى
الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى، وسجله حافل بالنضال المسلح ضد الشاه،
وتأييده للأيديولوجيا المتشددة للثورة لم يتزعزع، آل ذلك جعل منه نموذجًا
يحتذى بالنسبة لمرؤوسيه من المقاتلين والقادة.
ولم تحاول القيادة السياسية أن تفرض على رضائي مرؤوسيه من القادة.
وآما ذآرنا سابقًا، فإن قيادة الحرس الحالية انبثقت عن "المجلس الأعلى
للحرس الثوري" الذي يتمتع أعضاؤه بالمساواة الكاملة، وآانت ترآيبته تعكس
الشعور بالأخوة الذي آان سائدًا بين قادة الحرس قبل الثورة. فرضائي، وليس
القيادة السياسية، هو الذي اختار شمخاني نائبًا لقائد الحرس عام 1982 م،
وعينه أول قائد لقوات الحرس البرية عام 1986 م، وهو الذي قام بتعيين قادة
.( الحرس الآخرين أو ترفيعهم إلى المناصب العليا( 6
على الرغم من أن رفسنجاني وخامنئي وعبد الله نوري – الممثل السابق
للخميني الحرس الثوري – تولوا في أوقات مختلفة سلطة تعيين قادة
الحرس أو إقالتهم، فقد ظل رضائي في الواقع هو الذي يقرر هذه التغييرات.
ففي مطلع عام 1990 م، قام رضائي – فعليًا وليس اسميًا – بتعيين حليفه القديم
ونائب قائد القوات البرية، رحيم صفوي، ليكون نائبه الجديد في قيادة الحرس،
بعد أن أصبح شمخاني قائدًا للبحرية النظامية الإيرانية أواخر عام 1989 م،
وعين رضائي أيضًا اثنين من أرآان الحرس البارزين وفدائيي حرب
العصابات قبل الثورة، وهما مصطفى إزادي ومحمد باقر ذو القدر، في رئاسة
قوات الحرس البرية والقيادة العامة المرآزية على التوالي، ونقل عباس محتاج
من القيادة العامة المرآزية إلى منصب نائب قائد القوات البرية( 7)، ثم عينه نائبًا
له في البحرية النظامية( 8). وتولى رضائي أيضًا تدبير عملية تعيين شمخاني
قائدًا لبحرية الحرس عام 1990 م بالإضافة إلى البحرية النظامية( 9). ويرجع
الفضل في حصول جميع هؤلاء الأشخاص على مناصبهم إلى رضائي، وإلى
الرابطة المشترآة التي تجمعهم آأشخاص متشددين عقائديًا وفدائيين سابقين
ساهموا في الإطاحة بالشاه.
من الصعب القول: إن إقالة مجلس الشورى عام 1988 م، لمحسن رفيق
-5-
دوست – وزير الحرس السابق الأقل تطرفًا، وحليف رفسنجاني – يتناقض مع
التأآيد على أن الحرس يختار قادته بنفسه. وآان رفيق دوست يتمتع بدرجة
آبيرة من الشرعية داخل الحرس، باعتباره أحد منظمي المظاهرات العنيفة
ضد الشاه، وأحد مؤسسي الحرس من مليشيات ما قبل الثورة( 10 ). آما استمد
مكانته البارزة من دوره آرئيس "للجنة الاستقبال" التي رحبت بالخميني عند
عودته المظفرة إلى طهران عام 1979 م( 11 ). بيد أن ضعفه السياسي مقارنةً بقادة
الحرس الآخرين، ومسئوليته آوزير أمام المجلس، أدى به أن يكون آبش الفداء
عن خسارة إيران الحرب، دون قادة الحرس الآخرين. ثم اضطر رفسنجاني
لاحقًا إلى تهدئة ردود الفعل من قبل مؤيدي رفيق دوست في الحرس، بتعيينه
مستشارًا عسكريًا شخصيًا له( 12 ). ولكن الأهم من ذلك، أن القادة السياسيين لم
يتمكنوا من تعيين قائد براجماتي من خارج الحرس ليحل محل رفيق دوست،
فاضطروا إلى القبول بإسناد منصب وزارة الحرس لعلي شمخاني، وهو من
حلفاء رضائي المتشددين، وبهذا تسنى للنخبة من قادة الحرس المتطرفين أن
.( يحكموا سيطرتهم على جميع قطاعات الحرس( 13
من الواضح أن الحرس يسيطر بنفسه على التعيينات والترقيات داخل
صفوفه. ولقد أبرزت الصحافة الإيرانية بعض المناسبات التي قام فيها قادة
الحرس بزيارات فردية للأقاليم، من أجل تنصيب قادة الحرس الجدد في آل
منها( 14 ). ولنأخذ طهران آمثال، فقد ذآرت الصحافة الإيرانية أن المجلس
الأعلى للحرس هو الذي يعين قائد حرس طهران، الذي يعين بدوره قائد آل
حامية من حاميات الحرس في المدينة( 15 ). وهذا النظام متبع بصورة عامة في
آل أنحاء إيران، وفي البنية العسكرية للحرس في الجبهة. ومنذ أن بدأ الحرس
في تعزيز بنيته التنظيمية (حوالي عام 1982 م)، لم يحدث قط أن قام القادة
السياسيون، أو المشرفون من رجال الدين، بزرع دخلاء على الحرس في بنيته
القيادية، أو قاموا بإبطال قرارات التعيينات في الحرس. وآانت هناك حالات
أقيل فيها قادة حرس محليون، بسبب الاقتتال الداخلي الفئوي ضمن الحرس، أو
.( بسبب الخروج على أوامر وسياسات قادته في حالات فردية( 16
تكاد لا توجد أية معايير ملموسة للترقيات في الحرس، لكن منذ بداية
الثمانينات لم يكن للارتباطات السياسية بالقادة المدنيين أهمية آبيرة في عملية
الانتقاء. وقد ذآر صحفي سُمح له بزيارة الجبهة أثناء الحرب، أن القادة
-6-
"يبرزون" هكذا وببساطة، وأن جرأتهم وقدرتهم على التصرف السريع
تكسبهما احترام زملائهم، وبالتالي الاعتراف بقيادتهم( 17 ). ثم يتم تأآيد هذا
الاعتراف غير الرسمي في شكل تعيين رسمي من قبل ذوي الرتب العليا في
القيادة.
بما أن نظام الرتب العسكرية التقليدي لم يكن موجودًا أثناء الحرب، وآانت
الوحدات تتفاوت في الحجم، والتربية العسكرية التقليدية غائبة نسبيًا، ولا
تحظى باهتمام جهاز الحرس الثوري غير التقليدي، فإنه لم يكن ممكنًا وضع
معايير عسكرية مهنية للترقيات، حتى لو رغب قادة الحرس في ذلك. لهذا آان
.( قادة الحرس مجال واسع لترقية المجندين الأآثر جسارة وموهبة فطرية( 18
فعلى سبيل المثال، ذآر قادة الحرس أنه جرى في بعض الأحيان ترقية بعض
مقاتلي الباسيج إلى مواقع قيادية في وحدات الحرس، بعدما أثبتوا جدارتهم في
ساحة المعرآة( 19 ). فقد آان مصطفى إزادي ومحمد باقر ذو القدر، وآلاهما من
فدائيي حرب العصابات في عهد الشاه، شخصين مغمورين، ولكنهما آانا
قائدين ناجحين في الجبهة أثناء الحرب، وقد تمت مكافأتهما بإسناد مناصب
.( عليا لهما عام 1990 م، حسب ما ذآرته الصحافة الإيرانية( 20
وآان من شروط الترقي أيضًا، إثبات القدرة على سحق المعارضة
الداخلية، وشغل مناصب قيادية في حرب العصابات في فترة ما قبل الثورة.
فمثلاً آان عباس محتاج قائدًا لوحدات الأمن التابعة للحرس في إقليم فارس،
وساعد بعد ذلك على سحق الاضطرابات الكردية بصفته قائد الحرس في شمال
غربي إيران، قبل تعيينه في القيادة العامة المرآزية. وآان أحمد آناني ذو
الاتجاه المتطرف قائدًا للحرس في إقليم خراسان، قبل أن يصبح أول قائد
لمفرزة الحرس في لبنان، وتلك مهمة تجعله في دائرة الضوء( 21 ). وشارك علي
شمخاني، بصفته قائدًا لإقليم خوزستان عام 1980 م، في إحباط انقلاب قامت
به وحدة محلية من الجيش النظامي في تلك السنة، وقمع الاضطرابات التي قام
بها قوميون عرب هناك( 22 ). وعزز هذا النجاح صلاته الشخصية برضائي مما
عجل بصعوده إلى المكانة البارزة التي يتمتع بها على المستوى الوطني.
يتبين مما سبق أن هناك مجموعة من العوامل تؤثر في الترقيات، وهي
الأداء، والصلات الشخصية بقادة الحرس الآخرين (لكن ليس بالضرورة
أشخاص من خارج الحرس)، وإبداء الاحترام للزملاء، والجرأة في مقاتلة
-7-
خصوم النظام في الداخل والخارج. وقد تتناقض المعايير الموضوعية للأداء
الوظيفي – ظاهريًا – مع أهمية الصلات الشخصية بقادة الحرس الآخرين
وإبداء الاحترام للزملاء. ولكن، إذا فكرنا مليًا في الأمر، نكتشف أن الالتزام
العقائدي بالمبادئ المتشددة للثورة هو الخيط المشترك الذي يربط بين جميع
هذه العوامل.
بالنسبة لصانعي القرار داخل الحرس، لم يكن يتم تحديد آفاءة الأداء وفق
معايير عسكرية مهنية، آالتفوق التكتيكي، أو الاستخدام الأمثل للأسلحة
المتوافرة، أو القدرة على إنجاز أهداف تكتيكية بخسائر بشرية ومادية مقبولة.
وإنما تتحدد "الكفاءة" بنجاح قائد الحرس في إحراز تقدم على الأرض،
والاستمرار في الهجوم دون اعتبار للخسائر في أرواح الجنود الإيرانيين التي
لا تتناسب مع ما تم إنجازه، ودون اعتبار للسلبيات الاستراتيجية والتكتيكية
المترتبة على متابعة الهجوم( 23 ). وفي قضايا الأمن الداخلي فإن "الكفاءة" تعني
تصفية معارضي النظام بلا هوادة، دون اعتبار لردود فعل السكان المحليين،
أما إمكانية إسكات المعارضة بأقل قدر من العنف – عبر القبول بحل وسط –
فهو أمر غير وارد. ولقد مثلت هذه النزعة العدوانية تجسيدًا لعقيدة الحرس،
وهي إظهار مدى القوة التي تتمتع بها الثورة الإسلامية، عبر الإطاحة بالرئيس
العراقي صدام حسين مهما آان الثمن، وإلحاق الهزيمة بأعداء النظام في
الداخل. وبالمقابل، آلما ازداد التزام القائد الفرد بتلك الأهداف المتشددة، ازداد
احترامًا في نظر زملائه، الذين يبدون قدرًا مشابهًا من الحماس المتقد، وزاد
احتمال أن يلفت هذا القائد انتباه رؤسائه المتصفين بالعقلية ذاتها، وأن يحظى
برعايتهم.
من الواضح أن معايير الترقي قد وضعت من قبل الحرس ذاته. فقد
اعتمدت معايير الترقي في الحرس اعتمادًا شديدًا على العنصر الأيديولوجي،
بما يختلف اختلافًا آبيرًا مع مقاييس الجيش النظامي المهنية والأآثر تقليدية.
وهذه الاختلافات بين القوتين في تعريف "الكفاءة" و"النجاح" هي التي أدت إلى
قيام جدل مستمر بينهما حول الاستراتيجية والتكتيك. آما أن التصريحات التي
أدلى بها الرؤساء المدنيون للحرس (باستثناء آية الله الخميني)، قبل الحرب
وبعدها، توحي أنهم أيضًا يخالفون بشدة معايير النجاح المعتمدة على العنصر
الأيديولوجي. وأفضل تعبير عن هذا الرأي جاء على لسان رفسنجاني في
-8-
خطاب ألقاه بعد الحرب بفترة قصيرة، ودعا فيه إلى إعادة النظر في الأسلوب
.( العملياتي للحرس، لجعله مشابهًا لأسلوب المؤسسات العسكرية المحترفة( 24
جهاز الإشراف الديني
هناك مؤشر قوي آخر على استقلالية الحرس آمؤسسة، وهو ضعف
الجهاز المشرف عليه المؤلف من رجال الدين، وهو المرادف الإيراني لجهاز
القوميساريا (المفوضيات) الذي نجده في العديد من أنظمة الحكم الاستبدادية،
اليمينية منها واليسارية. ويمثل هذا الجهاز في إيران "مكتب ممثل الإمام
الحرس الثوري الإسلامي"، وهو منصب شغله رجل دين متوسط الرتبة هو
محمد أراآي حتى آذار/ مارس 1992 م( 25 ). وممثل الإمام الحرس الثوري
الإيراني هو عضو رسمي في "المجلس الأعلى للحرس". واستنادًا إلى نشرة
صادرة في طهران، آانت السلطات الرسمية لممثل الإمام – منذ تشكيل
المنصب عام 1979 م – تشمل إمكانية نقض أوامر وقرارات قائد الحرس
والمجلس الأعلى للحرس، والتأآد من أن هذه القرارات تتطابق عقائديًا وسياسيًا
ودينيًا مع التوجه الذي وضع أسسه المرشد الأعلى (الخميني أولاً، وعلي
خامنئي الآن)، وتعيين شبكة المرشفين من رجال الدين الأدنى رتبة ومراقبتها،
.( والموافقة على تعيين آبار قادة الحرس الأدنى رتبة من القائد العام( 26
وفي عام 1989 م، عندما عُين عبد الله نوري ممثلاً للإمام الحرس
الثوري (وهو الآن وزير الداخلية في إيران)، أعطيت له صلاحيات إضافية،
.( منها الموافقة على تعيين جميع قادة الحرس وإقالتهم، بمن فيهم رضائي( 27
وأدت هذه الصلاحيات الرسمية الواسعة إلى التكهن بأن تعيين [نوري
المتطرف – الذي تدرب على حرب العصابات في لبنان قبل الثورة]، مع
العديد ممن انضموا إلى الحرس بعد ذلك( 28 ) – يراد به إلى حد ما إضعاف
رفسنجاني، الذي أسند إليه الخميني سلطات مشابهة عندما عينه قائدًا عامًا
.( للقوات المسلحة بالوآالة في حزيران/ يونيو 1988 م( 29
على الرغم من تلك السلطات الرسمية، فإن جهاز الإشراف المؤلف من
رجال الدين آان – في الواقع – غير فعال في فرض الحد المطلوب من
سيطرة رجال الدين على الحرس الثوري. وآان المنصب في الأصل يسمى
"مشرف الحرس الثوري الإسلامي"، ويمثل محاولة من رجال الدين للسيطرة
المباشرة على الحرس، وقد خُفضت منزلته إلى "ممثل الإمام الحرس
-9-
الثوري الإسلامي"، بعدما أُقيل بعض المشرفين من رجال الدين – أو استقالوا
– لعجزهم عن فرض سيطرتهم على الحرس( 30 ). وفي أعقاب وفاة الممثل
السابق الحرس الثوري الإسلامي، فضل الله محلاتي، في حادث تحطم
طائرة عام 1986 م، بقي المنصب رسميًا شاغرًا حتى تعيين نوري عام
1989 م( 31 ). وقد تولى المنصب بالوآالة رجل دين متوسط الرتبة آان نائبًا
لمحلاتي هو أراآي، ولكنه لم يُرفّع إلى منصب الممثل بصورة آاملة، ولهذا لم
يكن يتمتع بالصلاحيات الكاملة للمنصب( 32 ). وهذا ما ضمن حالة الضعف التي
آان يعاني منها جهاز الإشراف في تلك الفترة التي استمرت ثلاث سنوات.
(في عام 1990 م، حل أراآي محل نوري وعُين رسميًا ممثلاً للإمام
الحرس الثوري الإسلامي). وطبقًا لما ذآرته إحدى صحف طهران، فقد آان
من المفترض أن يُعين مشرفون من رجال الدين في جميع تشكيلات الحرس
الرئيسية، إلا أن قوات الحرس الجوية والبرية والقيادة العامة المرآزية لم تضم
أي مسئولين من رجال الدين حتى أوائل عام 1990 م( 33 ). وقد تم إنشاء قوات
الحرس الجوية والبرية عام 1986 م تقريبًا. وتضاءلت أهمية تعيين ممثل من
رجال الدين القوات الجوية للحرس بعدما تولى حسين دهقان قيادة هذه
القوات، فقد آان قائدًا سابقًا لمفرزة الحرس في لبنان، وهو من أآثر قادة
.( الحرس تطرفًا وأقلهم رضوخًا للسلطة المدنية( 34
وبرغم آل الصلاحيات الرسمية الممنوحة لنوري، وبرغم مكانته الشخصية
بين أرآان النظام، لم يقم بتعزيز قبضة رجال الدين على الحرس، خلال ما
يقارب سنتين قضاهما ممثلاً للإمام الحرس. فخلفيته المتطرفة – مثل
التدريب الذي تلقاه في حرب العصابات قبل الثورة، وإشرافه عام 1980 م على
وسائل الإعلام الإيرانية بالاشتراك مع علي أآبر محتشمي( 35 )، أحد أآثر رجال
الدين الإيرانيين تطرفًا – والمديح العلني الحار الذي أسبغه علي رضائي عند
تعيينه في المنصب( 36 )، آل ذلك يشير إلى أن تعيين نوري قد تم بتدبير الحرس
نفسه أو مبارآته. بل آان يمكن اعتبار نوري عميلاً للحرس داخل القيادة أآثر
من آونه ممثلاً لرجال الدين الحرس. آما أنه برغم سلطاته الرسمية، لم
يكن له دور واضح في التعيينات الرئيسية العديدة، التي تمت في الحرس خلال
فترة توليه منصب ممثل الإمام الحرس الثوري الإسلامي، ولم يشترك في
إعادة تشكيل هيئة أرآان قيادة الحرس المستقلة، فقد آانت آلها من تدبير قادة
الحرس( 37 ). آما عُيّن نوري عام 1990 م رئيسًا ل "مجلس الأمن القومي"
-10-
الداخلي، إلى جانب منصبه آوزير للداخلية (الذي آان يشغله بالتزامن مع
منصب "ممثل الإمام الحرس")، وهي خطوة آانت تهدف إلى إحكام
السيطرة على جميع قوى الأمن الداخلي( 38 ). برغم ذلك، ظلت قوى الأمن
الداخلي التابعة للحرس خارج نطاق سلطات نوري، وبذلك أثبت الحرس قدرته
على مقاومة سيطرة المدنيين عليه.
يتناقض ضعف جهاز الإشراف المدني الرسمي على الحرس مع ما تم
فرضه على نظراء الحرس في مجتمعات ثورية أخرى. ومع أن المشارآة
والنفوذ السياسيين "لجيش التحرير الشعبي" في الصين آانا عرضة للتقلب
طوال مراحل تاريخ الثورة الشيوعية الصينية، فإن تغلغل الحزب الشيوعي في
صفوف جيش التحرير الشعبي آان واسعًا. وفي الفترة الأولى لتشكيل جيش
التحرير الشعبي، أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينيات (قبل تسلم الشيوعيين
السلطة عام 1949 م، عندما آان جيش التحرير الشعبي يسمى بالجيش
الأحمر)، قام ماو تسي تونج – بصفته مؤسسًا للجيش الأحمر – بإنشاء نظام
قيادة مزدوج. وفي هذا النظام، آان قادة الوحدات العسكرية يقتسمون السلطة
مع المسئولين السياسيين للحزب، الملحقين بتلك الوحدات، وآانت الأوامر
العسكرية تحتاج إلى توقيع مقابل من مفوض الحزب( 39 ). وباستثناء مرحلة
الثورة الثقافية بين الأعوام 1966 م و 1976 م، فقد حافظ الحزب على سيطرته
القوية على جيش التحرير الشعبي، وتغلغله فيه. وآانت اللجنة العسكرية
للحزب – التي يترأسها مسئولون حزبيون آبار – هي الأداة الرئيسية لتلك
.( السيطرة، وآانت مكملة لنظام مفوضية الحزب( 40
وآانت سيطرة الحزب الشيوعي السوفيتي على الجيش الأحمر السوفيتي
مشابهة في شموليتها لسيطرة الحزب الشيوعي الصيني على جيش التحرير
الشعبي. وفي الأعوام الأولى لإنشاء الجيش الأحمر – آما في حالة جيش
التحرير الشعبي – آان مفوضو الحزب وضباط الجيش يتشارآون في القيادة،
ولكن التشديد على الكفاءة الوظيفية أعطى في النهاية لضباط الجيش الأحمر
اليد الطولى على مفوضي الحزب السياسيين( 41 ). ويرى تيموثي آولتون، على
عكس المراقبين الآخرين، أن المفوضين السياسيين في الجيش الأحمر نادرًا ما
آانوا يعارضون قرارات الضباط العسكريين، ولكنه يعترف بوجودهم السياسي
المؤثر في بنية الجيش السوفيتي، من أجل فرض سياسات الحزب عند ظهور
-11-
.( خلافات بين الحزب والجيش( 42
بالإضافة إلى مفوضية الحزب، آان هناك أيضًا إشراف مدني على الجيش
الأحمر من قبل جهاز الاستخبارات السوفيتية آيه. جي. بي، المخول بإجراء
التحقيقات واستئصال المنشقين أو الجواسيس في الجيش( 43 ). وقد نفذ ال آيه.
جي. بي. حملة التطهير الواسعة التي أمر بها ستالين في صفوف الجيش،
وراح ضحيتها ثلاثة من أصل خمسة ضباط برتبة مشير، وآل الأدميرالات
الثمانية، وآذلك ستون من أصل سبعة وستين قائد فيلق، ونصف عدد قادة
الألوية، وامتدت حملة التطهير أيضًا إلى أحد عشر نائبًا مفوضًا لشئون
الدفاع( 44 ). وغياب مقاومة الجيش الأحمر ضد هذا التطهير يعطينا دليلاً على
سيطرة الحزب على الجيش الأحمر. وقبل ذلك بعقد من الزمن، استطاع الجهاز
الحزبي – الذي يهيمن عليه ستالين – إقصاء مؤيدي تروتسكي في الجيش
الأحمر، مما أدى إلى سقوط تروتسكي وتعزيز السيطرة الحزبية على
.( الجيش( 45
هذا القدر من التغلغل واليسطرة من جانب المدنيين – على الجيش الأحمر
السوفيتي وجيش التحرير الشعبي الصيني – لا نجده على الإطلاق في الحرس
الثوري الإيراني. وليس هناك أي دليل على أن رجال الدين، المكلفين
بالإشراف على وحدات الحرس، يملكون القدرة على نقض القرارات أو
الإجراءات الصادرة عن قادة وحدات الحرس. وبالرغم من الاستياء الواضح
الذي أبدته قيادة الحرس من قرار إيقاف الحرب عام 1988 م( 46 )، لم تحدث أية
تطهيرات آبيرة في صفوفه. وباستثناء رفيق دوست – الذي لم يكن ينتمي إلى
الترآيبة القيادية العسكرية – لم يُصرف من الخدمة أي من آبار قادة الحرس.
ومع أن النفوذ الذي يتمتع به الحرس – في رسم السياسة المتطرفة – انحسر
بعد موت الخميني، وضُمت وزارة الحرس إلى وزارة المؤسسة العسكرية
النظامية، فقد أحرز بعض المكاسب التنظيمية المهمة والملموسة، مثل تحقيق
السيطرة الفعلية على البحرية النظامية الإيرانية. وباستثناء منصب ممثل الإمام
الحرس الثوري الإسلامي، لا تملك أية مؤسسة حكومية إيرانية، بما فيها
وزارتا الاستخبارات والداخلية، سلطة الإشراف على الحرس والتحقيق في
شئونه. إذ آان للحرس نظامه القضائي الخاص به، الذي يتولى النظر في
.( المخالفات القانونية( 47
-12-
إن الضعف النسبي لجهاز الإشراف المدني على الحرس، مقارنة بالأجهزة
المدنية التي أشرفت على الجيش الأحمر وجيش التحرير الشعبي، قد نجد له
تفسيرًا في الجذور التاريخية لهذه القوات المسلحة، وفي بنية أنظمتها السياسية.
فالحزب الشيوعي في الصين هو الذي أنشأ جيش التحرير الشعبي، للمساعدة
في إيصال الحزب إلى السلطة عسكريًا. والحزب الشيوعي في روسيا هو الذي
أنشأ الجيش الأحمر لتعزيز الثورة البلشفية المظفرة. لذلك خضع هذان الجيشان
للسلطة المدنية منذ البداية.
أما الحرس الثوري، فقد انبثق من تنظيمات سابقة له لم تكن تخضع
للخميني ومساعديه من رجال الدين الثوريين، وإنما آانت تعمل معهم جنبًا إلى
جنب. آما أن القيادة السياسية – التي يهيمن عليها رجال الدين – لم تتحول قط
إلى تنظيم حزبي متماسك ومنضبط، على غرار الحزبين الشيوعيين في الاتحاد
السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية. والمحاولة الوحيدة لإقامة مثل هذا
التنظيم، تمثلت في الحزب الجمهوري الإسلامي، الذي ابتُلي بالانقسامات
الداخلية وعدم المرونة، ولم يكن يتمتع بالاستقلال الكافي اللازم لتحوله إلى
مؤسسة قائمة بذاتها، وقد تم حله رسميًا عام 1987 م بعد عدة سنوات من
.( الخمول الفعلي( 48
لقد قام الحزب الشيوعي الصيني وآذلك الحزب الشيوعي السوفيتي – قبل
انهيار الاتحاد السوفيتي – بدور الحامي المؤتمن على العقيدة والقيم الثورية في
الصين والاتحاد السوفيتي السابق، وآانا يقومان بوضع معايير الولاء الخاصة
بالمؤسسات العسكرية في آل من البلدين. أما في إيران الثورة، فإن أقوال آية
الله الخميني –في حياته وبعد مماته– هي وحدها التي تحدد الاستقامة الثورية.
ولأن الحرس يعتبر نفسه الطليعة المؤسساتية التي تجسد المثل العليا التي نادى
بها الخميني (وهذا تصور الحرس لنفسه، وقد تعزز بعد محاولات عديدة قام
بها مساعدو الخميني من رجال الدين للتلطيف من سياساته المتشددة) ( 49 )، فإن
رجال الدين ومسئولي جهاز الإشراف على الحرس، لم يكونوا في مواقع تسمح
لهم بتحديد معايير الولاء بالنسبة للحرس. ومن المفارقات أن يدلي بعض قادة
الحرس بتصريحات تكاد تصل إلى حد اتهام بعض رجال الدين البارزين
بخيانة المبادئ الثورية( 50 ). ومن ثم، رأى قادة الحرس أن وجود مشرفين من
رجال الدين، لمراقبة ولاء مؤسسة ثورية تتسم بالنقاء العقائدي، هو إجراء غير
-13-
شرعي.
الشبكة السياسية
إن الدليل على استقلال الحرس – آمؤسسة – لا يتمثل فقط في قدرته على
مقاومة تدخل المدنيين في شئونه الداخلية، بل أيضًا في أنه استطاع أن يقرر
تعيينات العاملين في المؤسسات الأخرى في إيران، وأن يحدد أنشطتهم ويتدخل
فيها، بما في ذلك المؤسسة العسكرية النظامية، وأن يعين بعض رجال الحرس
السابقين أو الحاليين في مناصب حكومية مهمة. ومع أنه لا يمكن الجزم بوجود
ضغوط مباشرة من الحرس، فإن الدعم السياسي والعقائدي الذي قدمه الحرس
لحلفائه في الحكومة، قد ساعد هؤلاء المسئولين – بطريقة غير مباشرة – على
البقاء في السلطة، برغم التحديات التي واجهوها. يضاف إلى ذلك أن بعض
حلفاء الحرس الحكوميين قدموا المساعدة له ولغيره من الراديكاليين، للقيام
بأنشطة تلقى معارضة زعماء الحكومة الإيرانية.
مجلس الوزراء
إن أفضل ما نبدأ به لتوضيح معالم الشبكة المؤسساتية للحرس هو مجلس
الوزراء، الذي آان يديره رئيس وزراء حتى عام 1989 م، ولكنه الآن يتبع
رئاسة الجمهورية بشكل مباشر (أُلغي منصب رئيس الوزراء في الدستور
الجديد الذي تمت الموافقة عليه عام 1989 م). وعند وفاة آية الله الخميني، آان
أعضاء الحرس ومؤسسوه السابقون والمقربون منهم يشغلون خمسة من أصل
خمسة وعشرين منصبًا وزاريًا. وهذه الوزارات الخمس هي وزارة الحرس
الثوري التي آان يشغلها علي شمخاني، ووزارة البريد والهاتف والبرق آان
يشغلها وزير النفط السابق محمد آرازي، الذي أنشأ أثناء الثورة مليشيا تم
دمجها في التشكيل الأول للحرس عام 1979 م( 51 )، ووزارة العمل والشئون
الاجتماعية وآان يشغلها وزير راديكالي هو أبو القاسم سرهاديزاده، وهو
عضو سابق في حزب عباس زماني المسمى "حزب الأمم الإسلامية"، الذي
انضم إلى الحرس بعد الثورة( 52 )، ووزارة جهاد البناء التي ترأسها غلام رضا
فوروزش، وهو من الطلاب محتجزي الرهائن في السفارة الأمريكية (وهي
جماعة وثيقة الصلة بالحرس، آما تبين آنفًا)، آما أنه مؤسس منظمة الجهاد
القريبة الصلة بالحرس في إقليم خوزستان( 53 )، ووزارة الصناعات الثقيلة وآان
يترأسها مؤسس منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية بهزاد نبوي. [آما آان على
-14-
رأس وزارة الداخلية آنذاك علي أآبر محتشمي بور، وهو من المتشددين وسفير
سابق لإيران سوريا، وقد أسس بمساعدة الحرس تنظيم حزب الله
المتطرف] ( 54 ). وحتى عام 1988 م، آان حسن عبيدي جعفري وزيرًا
للتجارة( 55 )، وهو عضو سابق في المجلس الأعلى للحرس. وآان المهندس
المدني رضا هارندي وآيلاً لوزارة الثقافة والتعليم العالي( 56 )، وهو قائد سابق
لحامية الإمام الحسين التابعة للحرس.
إن الوجود القوي لأعضاء الحرس السابقين وحلفائهم في مجلس الوزراء،
لا يعني تلقائيًا أن الحرس يتحكم إلى حد آبير في سياسات هؤلاء المسئولين، أو
أن الحرس استطاع بصورة مستمرة الحفاظ على هذا المستوى من التمثيل في
مجلس الوزراء. فالحكومة الأولى التي تشكلت بعد الحرب ووفاة الخميني، أدت
إلى إضعاف المتطرفين عمومًا وتقوية العناصر البراجماتية في النظام، إذ لم
تضم سرهاديزاده ونبوي ومحتشمي بور، وهم أآثر الوزراء تعاطفًا مع الحرس
وارتباطًا بأيديولوجيته المتطرفة( 57 ). وفقد الحرس أيضًا أهم تمثيل مباشر له في
مجلس الوزراء، عندما ضُمت وزارة الحرس إلى وزارة المؤسسة العسكرية
النظامية. أما من بقي منهم في الحكومة – مثل محمد آرازي – فلم يكن
مناصرًا ثابتًا للسياسات المتطرفة.
عمومًا، فإن الوجود المؤثر لحلفاء الحرس وأعضائه السابقين في الحكومة،
يقيم الدليل على اعتراف القيادة المدنية بالحرس آمرآز نفوذ قوي، ويمكن أن
يكون تهميشه مكلفًا من الناحية السياسية. وقد تولى بعض المحافظين
البراجماتيين حقائب وزارية في جميع حكومات الجمهورية الإسلامية التي
شكلت حتى الآن، ولكن الضباط العسكريين النظاميين السابقين نادرًا ما تولوا
حقائب وزارية باستثناء وزارة الدفاع. ولا شك أن ارتباط وزير الصناعات
الثقيلة بهزاد نبوي بالحرس، أنقذه من مواجهة تهم الفساد( 58 )، مع أن الحرس
والمتطرفين الآخرين لم يصروا على إبقاء نبوي وغيره من حلفاء الحرس في
الحكومة، حتى لا يزداد الاضطراب الذي حدث في أعقاب وفاة الخميني.
واستنادًا إلى بعض التقارير الصحفية، فقد انسحب هؤلاء المتطرفون بمحض
إرادتهم من أول حكومة تشكلت بعد موت الخميني، احتجاجًا على السياسات
المعتدلة التي ينتهجها الرئيس رفسنجاني داخليًا وخارجيًا( 59 )، باستثناء علي
لاريجاني، وهو مستشار سابق للحرس، الذي عُين وزيرًا للإرشاد الإسلامي
-15-
عام 1992 م.
مع أن منصب وزير الخارجية لم يشغله أي عضو سابق في الحرس، فإن
بعض حلفاء الحرس الموثوق بهم في الحكومة، وعددًا من أعضاء الحرس
السابقين، تولوا مناصب عليا في وزارة الخارجية. ففي عام 1981 م تولى جواد
منصوري( 60 ) –القائد الأول غير الرسمي للحرس– منصب وآيل وزارة
الخارجية للشئون القنصلية والثقافية. وتولى حسين شيخ الإسلام، أحد قادة
"الطلبة" محتجزي رهائن السفارة الأمريكية، منصب وآيل وزارة الخارجية
للشئون السياسية. وفي التشكيلة نفسها من التعيينات، التي قام بها عام 1981 م
علي رجائي – رئيس الوزراء المتطرف، وأحد مؤسسي "منظمة مجاهدي
الثورة الإسلامية" – عُين عبد الله نوري ممثلاً لوزارة الخارجية في مجلس
الشورى( 61 )، وشغل حميد معير، وهو أيضًا من الطلبة محتجزي الرهائن،
منصب رئيس دائرة الشئون الأفريقية في وزارة الخارجية( 62 )، وفي عام
1984 م عُيّن علي محمد بشارتي نائبًا لوزير الخارجية( 63 )، وهو من رجال
حرب العصابات الذين قاوموا الشاه، وآان مديرًا سابقًا لوحدة استخبارات
الحرس، وعضوًا سابقًا في المجلس الأعلى للحرس.
وآان حسين شيخ الإسلام، مدير الشئون العربية، من أآثر مؤيدي الحرس
في وزارة الخارجية، وهو أيضًا من الطلاب السابقين محتجزي الرهائن. وآما
ذآرنا سابقًا، فقد آان يتعاون مع الحرس في تعيين أعضائه بالسفارات الإيرانية
في الخارج( 64 ). وآان مؤيدًا نشطًا وصريحًا لأنشطة الحرس ومواقفه، حتى
عندما آانت هذه المواقف والممارسات تتناقض مع توجهات رئيسه، وزير
الخارجية البراجماتي علي أآبر ولايتي. فعلى سبيل المثال، يقال: إن شيخ
الإسلام أوعز عام 1987 م لرفاق الحرس المتشددين في لبنان باختطاف
الصحفي الأمريكي تشارلز جلاس( 65 )، وأنه استغل اختطاف الدبلوماسي
البريطاني إدوارد تشابلن –على يد الحرس أو اللجان الثورية– لتخريب الجهود
التي آان يقوم بها الزعماء الإيرانيون البراجماتيون لتحسين العلاقات مع
المملكة المتحدة( 66 ). وفي السنة نفسها، لعب شيخ الإسلام دورًا بارزًا في توجيه
الانتقادات لفرنسا، على حادثة الضرب المزعوم الذي تعرض له الملحق
الإيراني في باريس( 67 ). وتطورت الحادثة إلى نزاع حاد بين إيران وفرنسا،
وقُطعت العلاقات الدبلوماسية بينهما، وتلك النتيجة لم يكن يسعى إليها الزعماء
-16-
الإيرانيون البراجماتيون.
تأثر شيخ الإسلام ومنصوري بالضعف العام الذي أصاب الراديكاليين –
بمن فيهم الحرس – في أعقاب موت الخميني. وأصبح شيخ الإسلام أقل
نشاطًا، ولولا تأييد الحرس والمتطرفين الآخرين، لنجح ولايتي في إبعاده تمامًا
عن وزارة الخارجية. أما جواد منصوري الذي آان أقل نشاطًا وأقل تطرفًا
وتأييدًا للحرس، فقد عُيّن سفيرًا باآستان، وهو منصب ذو أهمية، نظرًا
لازدياد الروابط العسكرية بين الحرس والمؤسسة العسكرية الباآستانية خلال
السنوات القليلة الماضية، ولكنه أبعد منصوري عن دائرة النفوذ السياسي في
.( طهران( 68
أما بشارتي، وهو مدرس سابق من أسرة متدينة تنتمي إلى الطبقة
الوسطى( 69 )، فقد احتفظ بمنصبه في وزارة الخارجية، ولكنه لم يؤيد خط
الحرس إلى الحد الذي آان متوقعًا منه آعضو سابق في المجلس الأعلى
للحرس. ولم يعد يتسم بتطرفه السابق آأحد قادة الحرس الأوائل. [وقام مرات
عديدة بالتوسط لوقف إطلاق النار، في الصدامات التي وقعت عامي 1988 م –
1990 م في لبنان، بين حزب الله المدعوم من إيران وحرآة أمل التي تؤيدها
سوريا، برغم أن الحرس آان يقوم بتسليح حزب الله وتدريبه( 70 )، والقتال في
صفه. آما أيد بشارتي علنًا إطلاق سراح الرهائن الأجانب الذين يحتجزهم
.( حزب الله في لبنان، معارضًا بذلك موقف الحرس] ( 71
هناك العديد من أعضاء الحرس السابقين والمقربين الآخرين الذين عُينوا
سفراء، ولكن ليس بهدف تقليص نفوذهم في طهران، وإنما لتوسيع نفوذ
الحرس خارج البلاد. فقد عُيّن مهدي أهاري مصطفوي سفيرًا لإيران في بون
عام 1987 م، وذآرت تقارير أنه آان على صلة بجنود الحرس الثوري الذين
آانوا يحرسون مبنى السفارة الأمريكية في طهران، وقت احتجاز الرهائن
.( الأمريكيين بين عامي 1979 م – 1981 م، بل آان متورطًا في هذه العملية( 72
آما تردد أن حسين ملايك آان أيضًا من محتجزي الرهائن، وعُيّن قائمًا
بالأعمال في لندن عام 1987 م، ولكن بريطانيا رفضت قبول أوراق اعتماده،
بسبب ضلوعه في قضية احتلال السفارة الأمريكية( 73 ). وأصبح أحمد آناني –
وهو أول قائد لمفرزة الحرس في لبنان – سفيرًا في تونس، ربما لأن الحرس
اعتبر تنامي الحرآة الأصولية التونسية فرصة لاآتساب النفوذ هناك، آما أن
-17-
خبرة آناني في تصدير الثورة جعلته الرجل المناسب لذلك المنصب( 74 ). وأُسند
إلى عباس زماني، أول قائد رسمي للحرس، منصب في السفارة الإيرانية
بباآستان في أوائل الثمانينيات، وقد يعود إليه بعض الفضل في توثيق الروابط
العسكرية بين إيران وباآستان، والتي آان من ضمنها عدة زيارات قام بها
.( رضائي وشمخاني إلى باآستان( 75
المؤسسات الأخرى
لم يكن مجلس الوزراء الساحة الحكومية الوحيدة التي تُعتبر فيها عضوية
الحرس أو الارتباط به أهم مؤهلات شغل المناصب. فالعديد من رجال حرب
العصابات ضد الشاه الذين أصبحوا قادة الحرس، وبعض رجال الدين المحليين
الذين لعبوا دورًا محوريًا في تنظيم وحدات الحرس أثناء الثورة، فازوا بمقاعد
في مجلس الشورى، معتمدين على توجهاتهم المتشددة. وآان عباس دزدزاني،
أحد مؤسسي الحرس الأوائل وقائده لفترة قصيرة، من أبرز حلفاء الحرس في
.( مجلس الشورى، حيث أصبح رئيسًا للجنة الدفاع منتصف الثمانينيات( 76
واستمر يؤيد المواقف المتطرفة ويجاهر بصلته بالحرس، واستطاع في منصبه
– آرئيس للجنة الدفاع – أن يساعد جماعة الضغط المناصر للحرس على تنفيذ
مطالبها الخاصة بالميزانية( 77 ). وخَلَف دزدزاني في لجنة الدفاع حجة الإسلام
رسول مونتاجانيا، وآان متطرفًا أيضًا، ورئيسًا للحرس واللجان الثورية في
خمين، مسقط رأس آية الله الخميني( 78 ). ثم ترأس لجنة الدفاع بعد ذلك علي أآبر
محتشمي بور، وهو أبرز من شملوا الحرس برعايتهم.
هناك أمثلة حديثة على قادة محليين في الحرس أقل شهرة، أصبحوا نوابًا
في مجلس الشورى، يمثلون دوائر انتخابية مختلفة. ومن هؤلاء النواب محمد
علي عربي، القائد السابق لمفرزة الحرس في آشمار، وآامل عابدينزاد، وهو
مدرس سابق وقائد لوحدة الحرس في آردستان، وحجة الإسلام أنصاري، الذي
آان رئيسًا للحرس في إقليم آرمان، ومارزيه حديدشي، وهو نائب من طهران
تدرب في لبنان وساعد في تنظيم الحرس في همدان، ومحمد علي آريمي
مسئول الحرس في بوجنورد، وأحمد مولازاده، الذي قام بتنظيم الحرس
واللجان الثورية و"جهاد البناء" في جوناباد، وحجة الإسلام موحدي بور، الذي
نظم الحرس واللجان الثورية في سافيه، وحجة الإسلام شوشتاري، الذين نظم
الحرس في نيشابور، ومحمد صبحان ألاهي، وهو نائب في مجلس الشورى
-18-
من تبريز ومدرس رياضيات سابق، عمل في "مكتب العلاقات العامة
.( للحرس"( 79
بالطبع، يعود نجاح هؤلاء القادة المحليين في انتخابات مجلس الشورى إلى
شعبيتهم وسلطتهم، ولكنه يعود أيضًا إلى قدرتهم على تنظيم وحدات الحرس،
وقد تصادفت صلتهم بالحرس مع انتخابهم للمجلس ولم تكن سببًا له بالضرورة.
وعمومًا فإن قدرة الحرس على تعبئة السكان على المستوى المحلي، جعلت
دعمه مفيدًا للمرشحين (وخاصة المتطرفين) الذين يسعون لاحتلال مقاعد في
المجلس. حتى أن القادة السياسيين، وخاصة البراجماتيون، حذروا الحرس –
في عدة مناسبات – من التدخل في انتخابات مجلس الشورى( 80 ). وفي عام
1987 م، حذرت الحكومة مرشحي المجلس من استخدام شارات الحرس
الثوري في حملاتهم الانتخابية، مما يُعد اعترافًا بأن مرشحي المجلس
المتطرفين آانوا يسعون إلى الارتباط الوثيق بالحرس لكسب التأييد
.( الانتخابي( 81
لقد عمل أعضاء الحرس السابقون أيضًا في الحكومات المحلية، وفي
"مؤسسات الأوقاف" وغيرها من المؤسسات الثورية. فأصبح محسن رفيق
دوست، بعد تنحيته من منصبه آوزير للحرس، رئيسًا ل "مؤسسة
المستضعفين" الخيرية، التي تستخدم أصول الشاه المالية المصادرة لمساعدة
الأسر الفقيرة وقدامى المحاربين( 82 ). وصار المهندس المدني محسن ميردمادي
– الرأس المدبر لعملية احتلال السفارة الأمريكية – نائبًا للمدعي العام، وبعد
ذلك رئيسًا لإدارة العلاقات الدولية في وحدة الدعاية والنشر التابعة للحرس،
قبل أن يصبح حاآمًا عامًا لإقليم خوزستان، الذي آان مسرحًا رئيسيًا للمعارك
.( ونقطة انطلاق للقوات الإيرانية أثناء الحرب، ثم أقيل أوائل عام 1990 م( 83
وشغل محمد أصغر زاده، وهو من الطلاب محتجزي الرهائن، منصب قائد
منطقة تابعة للحرس، قبل أن يصبح نائبًا لوزير الإرشاد الإسلامي، ثم نائبًا
للمدعي العام للشئون الثقافية( 84 ). وأصبح حبيب بيطراف، وهو أيضًا من
محتجزي الرهائن، مسئولاً آبيرًا في مكتب المدعي العام بعد خدمته في
.( الحرس( 85
وعمومًا، لم يستمر نفوذ الحرس في الحكومة قويًا آما آان عند بداية
الثورة، آما أن رغبة حلفائه وقدرتهم على مناصرة المواقف المتطرفة لم تتسم
-19-
بالقوة على الدوام. ومنذ موت الخميني، الأب الروحي للحرس وراعيه الأآبر،
ضَعُف موقف العديد من حلفاء الحرس في الحكومة (مثل منصوري ومحتشمي
بور)، وأُقيل بعضهم من الحكومة (مثل نبوي وسارهاديزاده وميردمادي)،
واستمال النظام البعض الآخر فنأوا بأنفسهم عن الحرس في بعض القضايا
(مثل آرازي وبشارتي).
إن المد والجزر اللذين تعرض لهما نفوذ الحرس – تبعًا للمناخ السياسي في
طهران – آان شيئًا متوقعًا. ومع أن ارتباط القادة السياسيين بالحرس،
ومواقفهم المتطرفة من القضايا، آانت في وقت من الأوقات من العوامل
المساعدة على تألق نجمهم السياسي، صارت هذه العوامل عبئًا بعدما أوصلت
إيران إلى العزلة الدولية والتدهور الاقتصادي، نتيجة المبادرات السياسية
المتطرفة، مثل السعي الحثيث لهزيمة العراق وتصدير الثورة عن طريق
العنف. وترآت وفاة آية الله الخميني المتطرفين بلا نصير. ولكن المهم أن
الحرس وحلفاءه السياسيين – سواء الذين احتفظوا بمناصبهم أو الذين فقدوها –
رفضوا بشكل عام أن يساوموا على مبادئهم العقائدية من أجل الاحتفاظ بمواقع
النفوذ. فقد استمر محتشمي في مؤازرة المواقف المتطرفة، بالرغم من فقدانه
.( لمقعده في مجلس الشورى في انتخابات نيسان/ أبريل – أيار/ مايو 1992 م( 86
وخاض نبوي وسارهاديزاده – بتأييد من المتطرفين – انتخابات التجديد
النصفي لمجلس الشورى عام 1989 م ولكنهما لم ينجحا( 87 ). وهذا ما نقصده
بالقول: إن الحرس جهاز مستقل وليس تابعًا، وقد أثبت أن آراءه وأعضاءه
السابقين والمقربين منه، يمكن أن يخترقوا الحكومة في ظل ظروف سياسية
مؤاتية، بينما لم يُظهر خصوم الحرس هذه القدرة على اختراق صفوف
الحرس، حتى عندما يكون المناخ السياسي البراجماتي سائدًا.
تعيينات الجيش النظامي
هناك دليل أقوى على استقلالية الحرس نلمسه في العلاقة التي تربطه
بالمؤسسة العسكرية النظامية في إيران. ولكون الحرس مؤسسة ثورية فمن
المتوقع أن يكون له حلفاء سياسيون في حكومة ثورية، وأن تكون الخدمة في
الحرس، أو الارتباط به، عاملاً مساعدًا للمسئولين على الارتقاء ضمن البنية
السلطوية للنظام. بيد أن الحرس استطاع التأثير في تعيينات المؤسسة العسكرية
النظامية، التي تعتبر المؤسسة الرئيسية المنافسة للحرس. ومعاناة المؤسسة
-20-
العسكرية النظامية، من تدخل الحرس في شئونها تدل بقوة على خضوعها
لسلطة الحرس.
إن أول سابقة تدل على النفوذ الذي يتمتع به الحرس – فيما يخص تعيينات
أفراد المؤسسة العسكرية النظامية – حدثت أوائل الثمانينات. ففي آذار/ مارس
1981 م، تعاون الحرس مع صغار ضباط الجيش النظامي، ونجحوا في إعادة
علي سيد شيرازي إلى منصبه، وآان برتبة عقيد، بعد أن أقاله ضباط آبار من
منصبه آقائد للفرقة الثامنة والعشرين التابعة للجيش النظامي في آردستان،
بسبب قتله المزعوم لقرويين أآراد( 88 ). وآان شيرازي حينذاك من أوثق حلفاء
الحرس وأآثرهم نفوذًا المؤسسة العسكرية النظامية، وآان يشارك الحرس
حماسه العقائدي، ويؤيد دمج المؤسسة العسكرية النظامية بالحرس( 89 )، ولا شك
أن دعم الحرس لشيرازي آان عاملاً حاسمًا في احتفاظه بمنصبه، وترقيته بعد
ذلك إلى منصب قائد القوات البرية في الجيش النظامي.
ومن المفارقات أن النفوذ ذاته الذي استخدمه الحرس في دعم شيرازي عام
1981 م، استُخدم ضده بعد ذلك بخمس سنوات. وبالرغم من محاولات شيرازي
تعميق الطابع العقائدي للجيش النظامي، فقد آان في الأساس ضابطًا محترفًا،
يستند في قراراته العسكرية إلى المبادئ الموضوعية للعلوم العسكرية، وليس
إلى الأيديولوجيا( 90 ). وعندما خسرت إيران مدينة مهران في ربيع عام 1986 م،
ألقى الحرس اللوم على الجيش النظامي، لافتقاره إلى الحماس للمجهود الحربي
بشكل عام، ورفضه التنسيق مع الحرس، الأمر الذي أدى إلى تأجيج نار
الخلافات الشخصية والعميقة بين شيرازي ورضائي( 91 ). وتلا ذلك صراع على
السلطة تم حسمه بوضوح لصالح رضائي والحرس، وأقيل شيرازي من قيادة
القوات البرية في الجيش النظامي. ولتهدئة خاطر الجيش النظامي مُنح
.( شيرازي عضوية مجلس الدفاع الأعلى، وهو أعلى هيئة عسكرية في إيران( 92
ولموازنة صوت شيرازي في هذا المجلس، تم تعيين رفيق دوست عوضًا فيه،
لكنه على عكس شيرازي احتفظ بمنصبه آوزير للحرس( 93 ). ومثّل إبعاد
شيرازي عن التسلسل القيادي انتقاصًا آبيرًا من مكانته ونفوذه في النظام بشكل
عام.
آما مُنحت عضوية مجلس الدفاع الأعلى آجائزة ترضية لضابط آبير آخر
من الجيش النظامي، اختلف اختلافًا علنيًا شديدًا مع استراتيجية الحرس
-21-
والتكتيك الذي اتبعه، هو العميد قاسم علي زاهر نجاد، الذي آان قائدًا للقوات
البرية عندما اندلعت الحرب، وأصلح بعد ذلك رئيس هيئة الأرآان المشترآة
التابعة للجيش النظامي، وبنى سمعته على أساس آونه ضابطًا محترفًا متبحرًا
في الأمور العسكرية، ووطنيًا إيرانيًا يدين بالولاء لأي نظام يتولى الحكم في
إيران( 94 ). وآان تقييمه للوضع من منظوره – آعسكري محترف – يضطره
باستمرار إلى معارضة أساليب الهجوم التي آان ينفذها الحرس و"الباسيج"
على شكل موجات بشرية، وتؤدي إلى خسائر جسيمة في الأرواح، وآان
يعارض فكرة متابعة الحرب حتى النصر مهما آلف الأمر( 95 ). وفي عام
1984 م، وآما حدث لشيرازي بعد ذلك بسنتين، تم "ترفيع" زاهر نجاد إلى
عضوية مجلس الدفاع الأعلى الذي يهيمن عليه الحرس والاتجاه المتطرف،
وهو منصب مجرد من السلطة نسبيًا، وخلفه في منصب رئيس هيئة الأرآان
.( المشترآة إسماعيل سهرابي الذي آان سهل الانقياد( 96
وتعرض سهرابي، الذي خلف زاهر نجاد في منصبه، للمصير ذاته على
أيدي الحرس، ولكن في ظروف مختلفة. ففي أيار/ مايو 1988 م، وبعد ثلاثة
أسابيع من استعادة العراق غير المتوقعة لشبه جزيرة الفاو الجنوبية، أقيل
سهرابي من منصبه، وآان بوضوح آبش الفداء للهزيمة، التي لا تقل فيها
مسئولية الحرس – من الناحية العسكرية – عن مسئولية الجيش( 97 ). وحل محله
العميد علي شهبازي، وآان على صلة وثيقة بالحرس ويتمتع بدعمه، بفضل
خدمته في مرآز قيادة حرب العصابات التابع للحرس في مدينة الأهواز
الجنوبية( 98 ). أي أن قوة الحرس، آمؤسسة، آانت تظهر جلية حتى في الهزائم
العسكرية، وإن آان من المنتظر – من وجهة النظر العسكرية الموضوعية –
أن تؤدي هزيمة الفاو إلى زيادة التشديد على الخبرة العسكرية النظامية
ومعايير صنعت القرار، وإلى صرف النظر عن الخطط الاستراتيجية
والتكتيكية غير التقليدية، التي تبناها الحرس وأسفرت عن خسائر بشرية
جسيمة.
في عام 1989 م وأوائل 1990 م ظهر دليل على أن قوة الحرس آمؤسسة –
مقابل المؤسسة العسكرية النظامية – لم تتأثر بالهزيمة في الحرب وبموت
الخميني. ففي تشرين الأول/ أآتوبر 1989 م حل علي شمخاني، وهو أبرز
شخصية في الحسر بعد رضائي( 99 )، محل الأدميرال حسين مالك زادآان، قائد
-22-
البحرية النظامية الكفء والجدير بالاحترام. ومع أن شمخاني مُنح لقب لواء
بحري لإرضاء البحرية النظامية، فلم يكن لديه خبرة مهنية في سلاح البحرية،
وآان محسوبًا بشكل واضح على الحرس، وعلي رضائي رئيسه وحليفه لفترة
طويلة( 100 ). وفي أواخر نيسان/ أبريل 1990 م، عَيّن شمخاني عباس محتاج
نائبًا له في البحرية النظامية، وآان الأخير أحد آبار قادة الحرس لفترة طويلة،
وبهذا سيطر الحرس على المراآز العليا في ذلك السلاح النظامي( 101 ). وآانت
تلك التعيينات تمثل المرة الأولى التي يتولى فيها رجال الحرس القيادة العليا
لسلاح نظامي، مما أضعف معنويات الجيش النظامي بشدة، وأآد على استمرار
قوة الحرس آمؤسسة.
رسم السياسات
ثمة مقياس آخر يدل على استقلالية الحرس، هو مدى النفوذ الذي يتمتع به
في صياغة وتنفيذ سياسات الحرب والأمن وتصدير الثورة. وهذه هي الساحة
التي قام فيها الحرس – قدر الإمكان – بممارسة عقيدته المتشددة الصارمة،
بالرغم من الآراء والحجج المنطقية والمهنية التي تعارض ذلك، وبالرغم من
توجهات السياسة البراجماتية التي انتهجها بعض رؤساء الحرس المدنيين. وهذا
لا يعني أن الحرس آان يتحدى السلطة المدنية علانية، أو أنه آان يرسم أهم
ملامح السياسات في الجيش والأمن الداخلي وتصدير الثورة، وينفذها بمعزل
عن القادة السياسيين. ولكن يمكن القول: إن الحرس استطاع التحكم في
استراتيجية الحرب طوال فترة الصراع، وتبني عمليات وأفعالاً متشددة، آانت
تتناقض أحيانًا مع الأهداف التي وضعها رؤساؤه المدنيون. ولم يتردد الحرس
قط في استغلال الخلافات بين القادة المدنيين بهدف توجيه السياسات في اتجاه
متطرف( 102 )، وساعده في ذلك ما اتصفت به إرشادات الخميني من غموض
وتوجه متطرف. آما أبدى الحرس استعدادًا للمجازفة بالقطيعة مع رؤسائه
المدنيين أو إحراجهم، وهم الذين يمكن أن ينتقموا من الحرس بتقليص ميزانيته
وصلاحياته في التجنيد ومخصصاته من الأسلحة. وتبنى الحرس أيضًا عمليات
عسكرية فيها قدر آبير من المجازفة، وتتميز بغنى مضمونها العقائدي، ولكنها
تتصف بالطيش من الناحية العسكرية، وتحمل في طياتها ضررًا لسمعة الحرس
ومكانته العسكرية.
بعدما طردت إيران القوات العراقية الغازية من أراضيها عام 1982 م،
-23-
انفرط عقد الإجماع القوي بين العناصر العسكرية والمدنية على مواصلة
الحرب. ولم يخفف من حدة الخلافات بين الحرس والمتطرفين المؤيدين
لمواصلة الحرب من جهة، وبين الجيش النظامي وحلفائه السياسيين المحافظين
من جهة أخرى( 103 )، سوى تصميم الخميني، الذي لا يتزحزح، على متابعة
الحرب حتى الإطاحة بالنظام العراقي. على أية حال، نادرًا ما آان الثوري
المسن يشارك في تفاصيل التخطيط والتنفيذ لتوجيهاته السياسية العامة، الأمر
الذي ترك المجال واسعًا للجدال الحاد المستمر بين مرؤوسيه الحكوميين
.( والعسكريين حول أفضل السبل والأصعدة لمتابعة الحرب( 104
على الرغم من معارضة الجيش النظامي وحلفائه المحافظين، فقد عمل
الحرس على التنفيذ الكامل لالتزام الخميني بمتابعة الحرب حتى النصر، إلى
أن أرغم انهيار إيران العسكري الخميني نفسه، وربما الحرس، على التخلي
عن موقفه المؤيد لمواصلة الحرب( 105 ). وطوال سنوات الحرب تقريبًا، آان
العسكريون النظاميون يشددون بقوة على وجوب متابعة الحرب بطريقة
تقليدية، أي متابعة شن هجمات محدودة الحجم وجيدة التخطيط، تعتمد على
المدفعية الثقيلة والمدرعات، بدلاً من الهجمات واسعة النطاق التي ينفذها
الحرس، متعمدًا على الكثافة البشرية والتسليح الخفيف( 106 ). وفي عام 1985 م،
وبعد هجوم آبير فاشل في منطقة مستنقعات الأهواز في شهر آذار/ مارس،
نجح الجيش النظامي وحلفاؤه البراجماتيون (وخاصة خامنئي رئيس الجمهورية
ورئيس مجلس الدفاع الأعلى) في إقناع الخميني بفكرة متابعة الحرب على
مستوى أدنى، مؤقتًا على الأقل، وأعلن هذا التغير رئيس أرآان الحرس نفسه
في ذلك الحين علي رضا أفشر( 107 ). ومع ذلك آانت الغلبة للحرس في النهاية،
فقد أمّن الموافقة على تنظيم وتنفيذ هجوم آبير، وتحقق المزيد من التعاون من
.( طرف الجيش النظامي، وهو ما لم يحدث قط في أي هجوم سابق أو لاحق( 108
إن نفوذ الحرس – فيما يتعلق بسياسة الحرب – لا يمكن أن يُعزى آلية إلى
حلفائه المدنيين في مجلس الدفاع الأعلى، حيث آانت تناقش معظم
استراتيجيات الحرب( 109 ). وذلك لأن حلفاء الحرس المدنيين لم يدعموا باستمرار
توصيات الحرس في هذا الصدد. فعلى سبيل المثال آان رفسنجاني، بصفته
الممثل الأول للخميني في مجلس الدفاع الأعلى، حليفًا للحرس حتى عام
1987 م. وفي أعقاب الهجوم الإيراني الذي نتج عنه خسائر بشرية جسيمة في
-24-
ذلك العام، شكك رفسنجاني في جدوى استمرار شن هجمات على نطاق واسع،
وبدا أنه يفضل الأسلوب التقليدي الذي آان ينادي به الجيش النظامي
المحترف( 110 ). ومع ذلك استمر الحرس، في تعبئة المتطوعين لشن هجوم واسع
النطاق، ونفذ هجومه المسمى "والفجر 10 " في شمالي العراق في آذار/ مارس
.( من عام 1988 م( 111
القيادة المدنية
إن مقولة "استقلالية الحرس" لا تعني بالضرورة غلبة رأي الحرس في
مناقشات استراتيجية الحرب مهما آانت معارضة القادة السياسيين. فقد آانت
المناقشات حول الاستراتيجية منبرًا شرعيًا مقبولاً، تثار فيه الخلافات المهنية
والعقائدية والسياسية وتجد لها حلاً. وإنما يمكن دعم الرأي القائل باستقلالية
الحرس عبر إثبات استقلاله السياسي عن فئات معينة ضمن القيادة، وقيامه في
مناسبات معينة بعمليات عسكرية تتعارض مع توجهات وأهداف السياسة التي
رسمها رؤساؤه المدنيون.
إن أبلغ مثال على استقلالية الحرس السياسي هو منحه الدعم للقادة الذين
يناصرون السياسات المتشددة، وسحبه لهذا الدعم عندما يتبنى هؤلاء القادة
مواقف محافظة. فعلى سبيل المثال ظل رفسنجاني –طوال السنوات السبع
الأولى من الحرب– يؤيد مواصلة الحرب حتى النصر، وشن هجمات واسعة
النطاق لتحقيق ذلك الهدف( 112 ). وبسبب هذه المواقف حصل على تأييد
الحرس، الأمر الذي بوأه مكانة عالية في القيادة( 113 ). وفي عام 1984 م ذآرت
تقارير أن الحرس وصل إلى حد التواطؤ مع رفسنجاني لتقويض مكانة علي
خامنئي، الذي آان آنذاك رئيسًا للجمهورية ومجلس الدفاع الأعلى، وذلك بالقيام
عمدًا بخرق اتفاق وقف قصف الأهداف المدنية الذي تم التوصل إليه بوساطة
الأمم المتحدة( 114 ). وآان هذا تحديًا من رفسنجاني لأصالة خامنئي الثورية بعد
قبوله وقف القصف، وذُآر أن خامنئي عرض استقالته نتيجة لذلك( 115 ). وعندما
انتقل رفسنجاني إلى موقع المعارض لاستمرار الحرب عام 1988 م، فقد تأييد
الحرس، وذآرت إحدى الصحف العربية المرموقة أن رجال الحرس قاموا
بمحاولات عديدة لاغتيال رفسنجاني؛ لأنهم آانوا يعارضون بشدة دوره في
.( وقف الحرب( 116
لا يعني هذا أن الحرس يلعب دور صانع الملوك في الحياة السياسية
-25-
الإيرانية. إذ إن الشقاق الذي حدث بين رفسنجاني والحرس منذ عام 1988 م لم
يقف حائلاً دون بروز رفسنجاني آشخصية مهيمنة على الساحة السياسية في
فترة ما بعد الخميني. ومع أن الحرس أظهر تأييدًا قويًا للمتشددين من أمثال
محتشمي وأحمد ابن آية الله الخميني( 117 )، فلم ينجح أي منهما في تهميش
رفسنجاني سياسيًا، آما أن تأييد الحرس لمحتشمي ونبوي لم يمنع رفسنجاني
من إقالتهما عام 1989 م آوزيرين للداخلية والصناعات الثقيلة على التوالي.
وتؤيد هذه الأمثلة مقولة تمسك الحرس الشديد بطابعه المتشدد عقائديًا، ولو أدى
ذلك إلى الجفاء بين الحرس والفئة السياسية المهيمنة في حينه.
قد تشكل بعض العمليات العسكرية للحرس خير مثال على استقلاليته. فمع
استمرار الحرب لفترة طويلة اتسع نطاقها، مما أعطى الحرس فرصة أآبر
لتأآيد دوره المستقل. فقد آانت الأزمات تنشب بسرعة، ولا تعطي فرصة
للنقاش المطول، وبالتالي قللت من قدرة خصوم الحرس الداخليين على آبح
جماحه. وآانت مثل هذه الفرص تسنح للحرس آلما ازداد تورط أطراف عربية
وأجنبية (وخاصة الولايات المتحدة) في الحرب. وآانت الوسيلة المثلى لضرب
هذه الأطراف الخارجية هي بحرية الحرس (فالقوات الجوية الإيرانية لم تكن
تملك القدرة الفعالة على ضرب الملاحة الدولية من الجو). وأدت "حرب
الناقلات" (أي الهجمات التي شنها آل من الطرفين ضد ناقلات النفط التابعة
للطرف الآخر) إلى تورط خصوم إيران من العرب والأجانب في الحرب
بصورة مباشرة. وباستيلاء إيران على الفاو أصبحت الكويت مهددة بالغزو،
وتحقق تعاون أوثق بين المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى مع
العراق، وتم حشد سفن البحرية الأمريكية في الخليج لحماية دول الخليج
العربية والملاحة الدولية( 118 ). وبالإضافة إلى ذلك، فقد تزامن تنامي القدرات
العملياتية لبحرية الحرس مع ازدياد التورط العربي والدولي في الحرب.
وآان حشد القوات الأمريكية في الخيلج، يهدف جزئيًا إلى التصدي
لتحرشات بحرية الحرس ضد شحنات النفط الدولية( 119 ). ولكن ذلك لم يرهب
الحرس، بل جعله أآثر تصميمًا على مجابهة الحشد البحري الأمريكي،
وبرنامج رفع الأعلام لأمريكية على ناقلات النفط ومرافقتها. وبدأ الحرس –
بمساعدة بعض عناصر البحرية النظامية – بتلغيم ممرات الملاحة الدولية في
الخليج العربي( 120 ). وفي آب/ أغسطس 1987 م، وأثناء مرور أول قافلة
-26-
ترافقها البحرية الأمريكية، اصطدمت ناقلة النفط الكويتية بريدجتون – التي
ترفع العلم الأمريكي – بأحد هذه الألغام، على بعد بضعة أميال من إحدى
القواعد الرئيسية لبحرية الحرس قبالة الساحل الإيراني( 121 ). وبعد الرد
الانتقامي الأمريكي ضد منصات النفط البحرية الإيرانية، والاستيلاء على
مرآب إيراني مخصص لزرع الألغام يسمى "إيران أجر"، أوقف الحرس لفترة
قصيرة عملية زرع الألغام. ولكنه استأنف العملية أوائل عام 1988 م، برغم
محاولات رفسنجاني لتجنب المزيد من المواجهة، وجهود وزارة الخارجية
الإيرانية في الأمم المتحدة للبدء في بحث إمكانية إنهاء الحرب بين إيران
والعراق( 122 ). وتزامن الاستيلاء على "إيران أجر" عام 1987 م مع قيام علي
خامنئي – رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الدفاع الأعلى – بإلقاء آلمته في
الأمم المتحدة، التي يعتقد أنه أراد من خلالها تلطيف الصورة المتشددة لإيران،
وتصوير العراق على أنه الطرف المعتدي في الحرب( 123 ). لذلك فقد أبطلت
حادثة "إيران أجر" مفعول الرسالة التي أراد خامنئي توصيلها، وأحبطت
جهوده الدبلوماسية، وأثارت التساؤلات حول ما إذا آان الحرس قد دبّر حادثة
"إيران أجر" لإضعاف تأثير آلمة خامنئي.
قد ظهر جليًا مرة أخرى في نيسان/ أبريل 1988 م أن الحرس يرغب في
تحدي الولايات المتحدة بشكل مباشر، رغم النتائج السلبية من وجهة النظر
العسكرية الموضوعية، ورغم رفض القادة المدنيين لمثل هذه الأعمال
المتهورة، التي تشكل الأيديولوجيا حافزًا لها. وقبل ذلك بحوالي شهر، آان
الحرس قد استأنف تلغيم خطوط الشحن البحرية في الخليج. وهذه الألغام التي
زرعها الحرس أزالتها فيما بعد البحرية النظامية الإيرانية، بأوامر من
رفسنجاني على ما يبدو، وهذا مثال آخر على عمق الخلافات بين الحرس
والعناصر الأآثر براجماتية حول هذه المسألة( 124 ). وأصاب أحد هذه الألغام –
التي لم تكسح بشكل جيد – السفينة الأمريكية "صامويل بي روبرتس"، مما دفع
الولايات المتحدة إلى القيام برد انتقامي في الثامن عشر من نيسان/ أبريل.
وذُآر أن رضائي قائد الحرس آان المحرض على قيام البحرية الإيرانية
.( بتوجيه ضربة مضادة مباشرة ضد الأسطول الأمريكي المهاجم في الخليج( 125
وبما أن بحرية الحرس آانت تتألف من قوارب سريعة صغيرة، فإن سفن
البحرية النظامية – الأآبر حجمًا والأقل تكافؤًا مع السفن الأمريكية – هي التي
نفذت الهجوم. وانتهت المعرآة بتدمير الولايات المتحدة لحوالي 20 % من
-27-
الأسطول الحربي للبحرية النظامية الإيرانية. وآان تنظيم الحرس للهجوم
واشتراك البحرية النظامية فيه، برغم معارضتها لهذا الاشتباك غير المتكافئ –
من وجهة النظر الموضوعية – يدلان على أن الحرس آان المسيطر الفعلي
.( على البحرية النظامية وعلى سياسات إيران البحرية أثناء ذلك الاشتباك( 126
إن إثبات الوجود العسكري الذي مارسه الحرس –انطلاقًا من دوافع
أيديولوجية– لم يمارس ضد الولايات المتحدة فقط. ففي عام 1987 م، وبعد
الضربة الانتقامية الأمريكية ضد المنشآت النفطية البحرية الإيرانية، أطلق
.( الحرس صاروخًا صينيًا من طراز "سيلكورم" على منشآت نفطية آويتية( 127
وبعد احتلال إيران للفاو، أصبحت قواتها على مسافة قريبة من الأراضي
الكويتية، وأعلن الحرس أن قلب نظام الحكم الأميري المحافظ في الكويت هو
هدف إيراني إضافي من الحرب، ولم يردد آبار القادة السياسيين هذا
التصريح، الذي أطلق بالتأآيد دون استشارتهم( 128 ). وفي تموز/ يوليو 1987 م،
ألقت بحرية الحرس القبض على أطقم ثلاثة قوارب آويتية صغيرة واعتبرتها
"قوارب تجسس"( 129 ). وفي تشرين الأول/ أآتوبر من العام نفسه، حُشد أسطول
آبير من القوارب الصغيرة السريعة التابعة لبحرية الحرس للهجوم على
منشآت نفطية بحرية سعودية( 130 ). ولكن الأسطول لم يصل قط إلى منصات
النفط؛ لأن السعوديين تمكنوا من اآتشافه وردعه( 131 ). وعلى الرغم من تأييد
القادة المدنيين الإيرانيين لبعض هذه الأعمال بعد حدوثها (لأن التصرف
بخلاف ذلك آان يعرض مصداقيتهم الثورية للخطر)، فمن الواضح أن هذه
الأعمال آانت تتناقض مع الجهود التي بذلها القادة المدنيون البراجماتيون
لتحسين العلاقات مع المملكة العربية السعودية والكويت، في محاولة للتخفيف
.( من دعمها للعراق أثناء الحرب الإيرانية – العراقية( 132
سياسة تصدير الثورة
أثبت الحرس أيضًا وجوده في المسائل غير العسكرية، ولاسيما تصدي
الثورة. وآما في حالة العمليات العسكرية للحرس، لا يمكننا أن نثبت بصورة
قاطعة أن الحرس رفض عمدًا الانصياع لأوامر رؤسائه المدنيين، ولكن العديد
من أعمال تصدير الثورة –التي قام بها الحرس– آانت تتناقض مع التوجهات
السياسية لهؤلاء القادة.
آان لبنان هو الساحة الرئيسية لجهود إيران في تصدير الثورة الإسلامية،
-28-
حيث قام الحرس بممارسة آرائه المتشددة. ومن أهم أنشطة الحرس هناك تقديم
التدريب –بل والدعم العسكري المباشر، حسب بعض التقارير( 133 ) –إلى
مليشيا حزب الله في صداماتها المتكررة، بين الأعوام 1987 م – 1990 م مع
حرآة "أمل" المنافسة لها والمدعومة من سوريا( 134 ). ("أمل" هي حرآة شيعية
أيضًا، ولكنها ليست أصولية آحزب الله). واستمر تقديم هذا الدعم لحزب الله
حتى أثناء قيام القادة المدنيين الإيرانيين بالتوسط لوضع حد نهائي للصدامات،
من أجل الحفاظ على العلاقة مع سوريا( 135 ). (آانت سوريا، وهي راعية حرآة
أمل، الدول العربية الوحيدة التي أيدت إيران طوال حربها مع العراق، وآان
تأييدها حاسمًا في التخفيف من إحساس إيران بالعزلة في تلك الفترة. آما أيدت
ليبيا إيران حتى منتصف عام 1986 م، ثم تبنت موقفًا متوازنًا بين إيران
والعراق). وآان على رأس جهود الوساطة التي تقوم بها إيران، وزير
الخارجية ولايتي المعتدل نسبيًا، وبشارتي نائب وزير الخارجية البراجماتية
والعضو السابق في الحرس، ووزير الحرس السابق رفيق دوست( 136 )، وهو
القائد الوحيد غير المتطرف للحرس، حتى إقالته عام 1988 م، ويُحتمل أنه آان
يمثل موقف الحرس في الوساطة والمحادثات. غير أن استمرار الصدامات بين
أمل وحزب الله أثناء المحادثات يشير إلى ضعف سلطة رفيق دوست وشعبيته
في صفوف الحرس، فلم يستطع أن يكبح جماح قوات الحرس في لبنان.
إن التوتر الذي طرأ على العلاقة بين سوريا وإيران، بسبب العداء بين
حزب الله التابع لإيران وحرآة أمل المدعومة من سوريا، آان له بالطبع أثر
في قضية تحرير الرهائن الغربيين الذين يحتجزهم حزب الله. وتلاقت المصالح
في هذه القضية بين القادة الإيرانيين البراجماتيين وبين سوريا، فإيران تحتاج
إلى جذب الاستثمارات الغربية من أجل تحسين اقتصادها المنهار، وسوريا
تحتاج إلى تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة للتعويض عن فقدانها الدعم
السوفيتي. وأدت هذه المصالح المشترآة إلى قيام تعاون بين البراجماتيين
الإيرانيين وسوريا (وآلهم مؤيد لإطلاق سراح الرهائن) في مواجهة الحرس
والمتطرفين الإيرانيين الآخرين وحزب الله، الذين آانوا يعارضون تحرير
.( الرهائن( 137
وفي أوائل عام 1990 م، حين آان البراجماتيون الإيرانيون يحاولون إقناع
حزب الله بإطلاق سراح الرهائن الأمريكيين –وهو توجه يعارضه
-29-
الحرس( 138 )– ذآرت تقارير أن سوريا منعت قوات إضافية، أو قوات بديلة
تابعة للحرس، من الدخول إلى لبنان( 139 ). وقد أآد الشيخ شعبان، وهو أحد أبرز
رجال الدين المتشددين وزعيم حرآة التوحيد، محاولات سوريا لتحديد عدد
قوات الحرس في لبنان، مكررًا القول علنًا: إن الحرس يتمتع بوجود شرعي
في لبنان( 140 ). ومن ناحيته آان رفسنجاني يسعى إلى إضعاف نفوذ الحرس في
لبنان بشكل مباشر، وبالتالي حرمانه من فرصة إحباط جهود تحرير الرهائن.
وذآرت التقارير أنه حاول إرسال وحدة من الحرس أآثر ولاءً، أو على الأقل
أآثر مرونة إلى لبنان( 141 ). وفي شهر أيار/ مايو 1990 م، أُطلق سراح
الرهينتين الأمريكيين، روبرت بولهيل وفرانك ريد، وبحلول شهر آانون
الأول/ ديسمبر 1991 م، آان قد أطلق سراح جميع الرهائن الأمريكيين. بيد أن
التقارير أفادت – أوائل عام 1990 – أن إيران زودت حزب الله بالمزيد من
الأسلحة الثقيلة التي يحتاجها لمحاربة حرآة أمل( 142 )، بما يوحي أن حزب الله
والحرس والمتطرفين الإيرانيين الآخرين قد قبضوا ثمن تعاونهم، ولم يفرض
عليهم بالقوة من قبل البراجماتيين الإيرانيين وسوريا. ونُقل أيضًا عن مسئولين
2 - أمريكيين قولهم: إن الحكومة الإيرانية دفعت لمحتجزي الرهائن من 1
مليون دولار لكل رهينة يطلق سراحها (بالإضافة إلى تمويلها لتكاليف
الاحتجاز) ( 143 ). ويعتقد الكثيرون أن قرار أمريكا في تشرين الثاني/ نوفمبر
1991 م، بتنفيذ حكم محكمة التعويضات الأمريكية الإيرانية في لاهاي، ودفع
مبلغ 278 مليون دولار لإيران آتعويضات عن معدات عسكرية، آان مرتبطًا
.( –ولو بصورة ضمنية– بتعاون إيران في الإفراج عن الرهائن( 144
بغض النظر عن الفوائد المالية التي جناها محتجزو الرهائن أو إيران، آان
تحرير الرهائن نصرًا سياسيًا لرفسنجاني على حساب الحرس ومحتجزي
الرهائن في لبنان. وقد عزز الغزو العراقي للكويت مناورات رفسنجاني لإحكام
سيطرته على تطورات قضية احتجاز الرهائن في لبنان، مما نتج عنه إطلاق
سراح أقارب قائد محتجزي الرهائن "عماد مغنية" من السجون الكويتية. وآان
إطلاق سراح هؤلاء السجناء –الأعضاء في حزب الدعوة– من المطالب
الرئيسية لمحتجزي الرهائن في لبنان( 145 ). آما تمكن رفسنجاني من استغلال
مسألة التدهور المستمر للاقتصاد الإيراني –مقرونًا بالفوائد المالية والسياسية
التي يمكن أن تجنيها إيران إذا ساعدت في إطلاق الرهائن– في مناقشاته مع
الحرس ومحتجزي الرهائن. وآانت حجة رفسنجاني أن تدهور الاقتصاد
-30-
الإيراني يهدد نظام حكم رجال الدين ذاته، ومعه أيضًا تراث الخميني الذي
ناضل الحرس في سبيل الحفاظ عليه.
هناك أمثلة أخرى على قيام الحرس بعمليات سرية تعبيرًا عن مبادئ الثورة
الأيديولوجية المتشددة، وإن تعارضت هذه العمليات مع أهداف رؤسائه
المدنيين وسياستهم. فقد تورط الحرس في التحريض على أعمال الشغب التي
قام بها الحجاج الإيرانيون أواخر شهر تموز/ يوليو 1987 م في مكة المكرمة
بالمملكة العربية السعودية. ومن الواضح أن هذا العمل أحبط مساعي
رفسنجاني لإضعاف الدعم العربي للعراق، وأفشل جهوده لتحسين العلاقات مع
أنظمة دول الخليج العربية( 146 ). آما قام الحرس بتدريب عملاء أجانب على
عمليات خطف الطائرات التجارية( 147 )، وفي حادثة خطف طائرة الرآاب
عام 1985 م، ذُآر أن رفسنجاني لعب دورًا في إنهاء TWA التابعة لشرآة
احتجاز الطائرة( 148 ). وبذل جهودًا حثيثة بين عامي 1989 م 1990 م بصفته
رئيسًا جديدًا لإيران، لتحسين صورة إيران في الخارج (لدرجة أن إيران
وجهت عام 1990 م دعوة لمسئولين من الأمم المتحدة لتحري وضع حقوق
الإنسان فيها)، ولكن الحرس وحلفاءه السياسيين استمروا في اغتيال خصوم
النظام في الخارج. ففي الأسبوع ذاته الذي أطلق فيه حزب الله سراح الرهينة
الأمريكي روبرت بولهيل في لبنان، نتيجة لجهود رفسنجاني، اغتيل في جنيف
شقيق مسعود رجوي، قائد منظمة مجاهدي خلق، ربما على يد عملاء الحرس
السريين( 149 ). وذآرت تقارير أن حسين ملايك، سفير إيران في سويسرا، وهو
من محتجزي الرهائن السابقين ومن حلفاء الحرس، قد ساهم في تدبير عملية
الاغتيال( 150 ). وحين آان رفسنجاني يرتب لإطلاق آخر رهينة أمريكي في
لبنان، في أواخر عام 1991 م، اغتيل رئيس الوزراء الإيراني السابق شهبور
بختيار ربما بتدبير الحرس( 151 )، وحمل هذا الاغتيال الرئيس الفرنسي فرانسوا
ميتران على إلغاء زيارة مقررة إلى إيران.
صفقة الأسلحة الأمريكية – الإيرانية
لا تتمثل استقلالية الحرس فقط في الصعوبة التي يواجهها القادة المدنيون
في آبح جماح تهوره المتطرف، ولكن أيضًا في قدرة الحرس على إثبات
وجوده السياسي، والحفاظ على مصالحه آمؤسسة من خلال تأثيره في قرارات
السياسة المدنية. وخير مثال على هذا، ما فعله الحرس في صفقة الأسلحة بين
-31-
أمريكا وإيران عامي 1985 م – 1986 م. فقد أدرك القادة المدنيون المشارآون
في الصفقة أن الحرس –الذي تحرآه الدوافع الأيديولوجية– سيعارض التعامل
المباشر مع الولايات المتحدة. وطبقًا لما ذآره تاجر أسلحة إسرائيلي شارك في
المرحلة الأولية من الصفقة، حاول القادة في البداية إخفاء المفاوضات عن
الحرس( 152 ). وبعدما علم الحرس بالصفقة واشترك فيها لاحقًا، استولى عام
1985 م على شحنة أسلحة أمريكية وصلت إلى إيران( 153 ). وتؤآد روايات
المشارآين في الصفقة أن الحرس تسلم شحنة الأسلحة فعلاً( 154 ). وفي المراحل
التالية للصفقة ازداد تورط الحرس عمقًا، إلى حد التفاوض مع بعض
المشارآين الأمريكيين بصورة مباشرة، والاستمرار في الاستيلاء على الأسلحة
.( التي شحنت إلى إيران( 155
بالرغم من ظهور الحرس بمظهر من يقبل المساومة على أيديولوجيته
بالتعامل مع الولايات المتحدة، وبالتعاون دون شك في حمل حزب الله على
إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين، فإنه آان يعتبر الأسلحة التي تلقاها وسيلة
لتحقيق الهدف الأيديولوجي النهائي، وهو إلحاق الهزيمة بالعراق في
الحرب( 156 ). وربما يفسر هذا الاستنتاج تأييد آية الله الخميني للصفقة وقبوله بها
في نهاية الأمر، ونظرًا لأن الخميني هو الأب الروحي للحرس، المعصوم عن
الخطأ، فإن تأييده لأي قرار متعلق بالسياسات الرسمية آان يضمن في الواقع
تأييد الحرس له أيضًا( 157 ). بالإضافة إلى ذلك، فإن إلقاء القبض على ثلاث
رهائن بعد ذلك –ليحلوا محل الرهائن الذين أطلق سراحهم حسب الاتفاق– آان
من شأنه التقليص من إحساس الحرس وحزب الله بأنهما يساومان على مبادئهما
الأيديولوجية( 158 ). وبحصول الحرس على الأسلحة التي آان في أمس الحاجة
إليها لشن هجومين آبيرين عامي 1986 م و 1987 م (في آلا الهجومين
وصلت القوات الإيرانية إلى مشارف مدينة البصرة العراقية)، فقد قطع شوطًا
في تحقيق هدفه الأيديولوجي والعسكري الرئيسي. آما أن استئثار الحرس في
النهاية بمعظم الأسلحة التي أرسلتها الولايات المتحدة، أظهر أن الحرس آان
يملك النفوذ الكافي لتحويل شحنة الأسلحة إلى رجاله، حتى لو أراد النظام
إعطاءها إلى الجيش النظامي( 159 ). وإذا صحت التقارير التي ذآرت أن القيادة
السياسية أرادت في البداية إخفاء الصفقة عن الحرس، فإن دوره المهم في
القضية يبرهن على مدى تغلغله في ترآيبة الحكومة المدنية بأآملها واختراقه
لها.
-32-
الخلاصة
هناك دلائل قوية تدعم الاستنتاج القائل: إن الحرس مؤسسة مستقلة وليست
تابعة، وأن الباعث الرئيسي لهذه الاستقلالية هو تشبث الحرس بأيديولوجيته
المتطرفة. ونظرًا لجذور الحرس المستقلة خلال الثورة، والدور الذي حدده
لنفسه آقلعة للقيم الثورية المتشددة، فإنه قاوم اختراق المدنيين له وسيطرتهم
على شئونه، على عكس نظيريه الجيش الأحمر السوفيتي وجيش التحرير
الشعبي الصيني، اللذين أُخضعا لسيطرة الحزب الشيوعي. ولم يكن الحرس
فقط منطلقًا لوصول أعضائه الحاليين والسابقين وحلفائه الأيديولوجيين إلى
مناصب عليا في الحكم، بل مارس أيضًا نفوذًا مهمًا في تحديد ترآيبة القيادة
العليا لمنافسه المؤسساتي الرئيسي وهو الجيش النظامي. فقد تعاون بعض
حلفاء الحرس في الحكومة مع الحرس دعمًا للسياسات المتطرفة، حتى عندما
آان هذا التعاون يعيق فرصة التقدم المهني لهؤلاء الحلفاء، أو يؤدي إلى
المجازفة بإغضاب آبار القادة السياسيين الآخرين. آما تبنى الحرس أعمالاً
آانت تتناقض تمامًا مع أهداف السياسة التي رسمها العديد من رؤسائه
المدنيين، ونجح بشكل عام، أثناء الحرب، في آسب التأييد لاستراتيجياته
وتكتيكاته المتهورة والمخالفة للأصول العسكرية، في وجه معارضة شديدة من
الجيش النظامي والسياسيين المحافظين.
إن القاسم المشترك –الذي يجمع بين الأوجه المتعددة لاستقلالية الحرس–
هو التزامه الحماسي بالمبادئ الأيديولوجية للثورة. فعلى سبيل المثال، قاوم
الحرس سيطرة رجال الدين عليه، ليس لأن قادته يسعون إلى السلطة المطلقة
في إيران، بل لأن الحرس اعتبر نفسه حاميًا للثورة وقيمها، ولم يعترف أن
هناك منظمة أآثر ثورية أو ولاءً للثورة منه. وفي الحالات التي آان فيها
الحرس وراء إقالة ضباط من الجيش النظامي وتعيين آخرين مكانهم أآثر
إذعانًا، فإنه فعل ذلك لكي يضمن تأييدًا وتعاونًا آاملين من الجيش النظامي في
تحقيق أهدافه المتطرفة. ومنذ انتهاء الحرب مع العراق، تحققت للحرس
السيطرة المباشرة على أحد فروع الجيش النظامي، وهو سلاح البحرية (وإن
وافق الحرس عام 1992 م على تعيين ضابط من الجيش النظامي، هو حسين
جلالي، قائدًا للقوات الجوية التابعة للحرس، والتي تعد أقل الأسلحة استقلالية
من الناحية التقنية). وآانت الأيديولوجيا هي الدافع لرغبة الحرس في إثبات
وجوده عسكريًا، وفي سياسات تصدير الثورة. فالعديد من أفعال الحرس
-33-
عرّضت مصالحه آمؤسسة للخطر، حين آان يجازف بإثارة رد فعل معاد من
قبل القادة المدنيين البراجماتيين، الذين تسمح لهم مواقعهم بتخفيض ميزانية
الحرس ومخصصاته من الأسلحة وسلطته في تجنيد المقاتلين.
أما أبرز ما يميز الحرس فهو قوة التزامه الأيديولوجي بالمقارنة مع القوات
المسلحة الثورية الرئيسية الأخرى. فلا الجيش الأحمر السوفيتي ولا جيش
التحرير الشعبي الصيني تمكنّا من ترسيخ أقدامهما آقلعة حصينة للمعتقد
الثوري القويم، آما فعل الحرس في إيران. ولم يقاوم هذا الجيشان السيطرة
المدنية عليهما إلى الحد الذي فعله الحرس، مع أن أحدهما –وهو جيش التحرير
الشعبي الصيني– آان يتدخل في السياسة بتكليف من الأجنحة المدنية الحاآمة.
وتمثل جذور الحرس الثورية المستقلة –بلا شك– العنصر الرئيسي في
استقلاليته. وبعكس جيش التحرير الشعبي الصيني، والجيش الأحمر السوفيتي،
والجيش الثوري الفرنسي، والقوى الثورية الأخرى، فإن الحرس لم تؤسسه
القيادة الثورية المدنية، بل انبثق عن بنية موجودة قبلاً، مؤلفة من مجموعات
سرية من رجال حرب العصابات، ومليشيات ناضلت ضد الشاه جنبًا إلى جنب
مع رجال الدين الثوريين، وليس تحت إمرتهم. ولذا، يتمتع الحرس بشرعية
مستقلة يؤآد عليها دائمًا. حتى عندما يتعارض ذلك مع سياسات رؤسائه
المدنيين وأهدافهم.
-1-
-2-
الفصل السادس
التحزب داخل الحرس
المقياس الرئيسي الأخير للتحول المؤسساتي –الذي يجب تقييم الحرس
الثوري على أساسه– هو درجة التماسك مقابل التحزب، فازدياد التماسك يعني
تحقيق درجة عالية من التحول المؤسساتي( 1). وهذا معيار مهم لتقييم أية
مؤسسة، وبالتالي فإنه أآثر أهمية في تحليل المؤسسة العسكرية، إذ تحتم طبيعة
عملها أن تعمل آوحدة متماسكة، وهذه مسِألة حاسمة بالنسبة لقوة عسكرية
تخوض حربًا آبرى، آما آان حال الحرس الثوري خلال الأعوام 1980 م –
1988 م. ومن هنا ينطبق مقياس التماسك –بوجه خاص– على تحليل أوضاع
مؤسسة ثورية مثل الحرس، الذي آان يعاني درجة عالية من التحزب عند
إنشائه. إذ آان الحرس وليد عدد من العناصر الثورية الأولية المتباينة التي
قامت بتشكيله. ومن ناحية أخرى يهدف تقييم مدى التماسك في أية مؤسسة
عسكرية ثورية، إلى المساعدة في الحكم على انتقالها من تنظيم عسكري ثوري
تمثل الروح Chorley إلى مؤسسة عسكرية محترفة. واستنادًا إلى تشورلي
.( الاحترافية المرحلة الأخيرة من تطور القوات المسلحة الثورية( 2
فيما يتعلق بالحرس، فإن تزايد التماسك التتنظيمي (أي القدرة على العمل
آوحدة والغياب النسبي للتحزب داخل صفوفه) لم يترجم إلى درجة مماثلة من
الاحتراف. فالتماسك عنصر ضروري للاحتراف ولكنه غير آاف، والاحتراف
مقياس واسع يعني ضمنيًا أن صناعة القرار العسكري وطرق تنفيذه، ترتكز
على معايير موضوعية مستمدة من أسس منطقية، هدفها تعظيم الفعالية
العسكرية. آما يعني أن المؤسسة العسكرية تدين بالولاء للنظام المدني الموجود
في السلطة وتطيعه طاعة عمياء، بصرف النظر عن السياسة أو الأيديولوجيا
التي يتبناها. ويمثل التماسك –آعنصر أساسي للاحتراف– درجة الانصياع
للتسلسل القيادي الواضح داخل المؤسسة.
خطا الحرس خطوات واسعة نحو التماسك، حيث تحول من خليط من
المليشيات الفردية إلى قوة منظمة نسبيًا وقادرة على العمل آوحدة، ولكنه لم
يتحول إلى قوة محترفة. وتظهر نتائج التحليل –بجميع المقاييس المستخدمة
حتى الآن– أن التماسك المتزايد للحرس قد أعطاه مظهر التنظيم العسكري
المحترف وليس جوهره. أما المعايير الجوهرية للاحتراف، وهي الطاعة
-3-
العمياء للسلطة المدينة، وعدم التدخل في السياسة، واتخاذ القرارات على أساس
علمي، فقد أخفق الحرس في تحقيقها. وتعكس مقاومة الحرس للاحتراف عمق
وقوة التزامه بالمبادئ الأيديولوجية المتشددة للثورة، وإن تعارضت مع الأسس
العلمية والسياسية الموضوعية للاحتراف العسكري. ومن هذه الناحية يفتقد
الحرس صفة مهمة في الإطار العام لتطور القوات المسلحة الثورية الذي
.( تفترضه تشورلي( 3
إن العديد من أفعال الحرس –التي نُسبت خطأ إلى تفشي التحزب في
صفوفه– آانت تمثل في الحقيقة دليلاً على التزام الحرس العقائدي ومقاومته
للاحتراف. وهذه الأعمال –التي آانت تعبيرًا سياسيًا عن أيديولوجيا الحرس–
يمكن تمييزها عما قام به من عمليات عسكرية، وما اتخذه من قرارات تدل
على استقلاليته. فالعمليات العسكرية وأنشطة تصدير الثورة –التي أوردناها في
الفصل السابق– بدت متعارضة مع أهداف رؤساء الحرس المدنيين وتوجهاتهم
السياسية، وإن لم تخالف أوامر مدنية محددة. أما الأحداث والأفعال التي
سنبحثها في هذا الفصل فتمثل تدخلاً متعمدًا في العملية السياسية، وتعبيرًا علنيًا
عن أيديولوجيا الحرس الراديكالية، وترمي حتمًا إلى إحراج أو إضعاف
المؤسسات والقيادات السياسية المحافظة أو البراجماتية.
وآان الحرس، حتى تحت وطأة الحرب الشاملة مع العراق، غير مستعد
للتخلي عن طابعه الأيديولوجي لمصلحة الاحتراف. آما أن أفعاله السياسية
المكشوفة –وإن أمكن إسنادها إلى جماعات صغيرة في الحرس– لم تكن إلا
تجسيدًا لرغبة قيادة الحرس العليا، بل قد تكون أوامر محددة. فهذه الأفعال
والعمليات تمثل إرادة الحرس آكل، وليس مجرد فئات مشاغبة داخل صفوفه.
وقد بينا في الفصل السابق أن الحرس قاوم الاحتراف في ناحية مهمة هي صنع
قرارات الحرب. وسنرآز بحثنا الحالي على تدخل الحرس في العملية
السياسية.
انحسار التحزب في صفوف الحرس
خلافًا لتأآيدات عدد من التقارير الصحفية حول الحرس، فقد انحسر
التحزب داخل تنظيمه بشكل آبير منذ الأيام الأولى للثورة( 4). ويمكن تعريف
التحزب بأنه وجود مجموعتين أو أآثر داخل تنظيم ما، تعمل آل منهما على
حماية مصالحها الخاصة (الأيديولوجية أو السياسية أو العرقية أو العائلية أو
-4-
الإقليمية)، أو على جعل أهدافها أهدافًا للتنظيم آكل. واستنادًا إلى هذا التعريف،
يمكن القول: إن التحزب داخل صفوف الحرس أصبح بالفعل غير ذي بال.
آما شرحنا آنفًا، تشك الحرس من عنصرين رئيسيين، المجموعات الفدائية
الثورية التي قاتلت ضد الشاه سنوات طويلة (على رأسها فصيل مجاهدي
الثورة الإسلامية) ومجموعات المليشيا التي التفت حول رجال دين ثوريين
بارزين ومدنيين متشددين إبان الثورة. ومن الواضح أن المليشيات الأخيرة
آانت في البداية فصائل منفصلة تدين بالولاء لمؤسسيها المحليين، الذين
أسسوها بشكل مستقل. ولكن العنصر الرئيسي الأول في الحرس –وهو النواة
الأولى للفدائيين المنظمين– آان أيضًا شديد التحزب. ويشير تقرير في صحيفة
غير رسمية في طهران إلى أنه قبل الثورة، آان آل من رفيق دوست، ووزير
البريد والبرق والهاتف محمد آرازي، يقود مجموعات فدائية سرية فردية تحت
راية مجاهدي الثورة الإسلامية( 5). وقد دمج آل منهما قواته في الحرس
الثوري الذي تشكل انتصار الثورة( 6). آما تذآر "إيران برس دايجست" أن
منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية نفسها آانت عبارة عن ائتلاف لعدة
مجموعات صغيرة: هي توحيدي بدر وتوحيدي صف وفلاح خلق ومنصورون
وأمة واحدة( 7). ولا شك أن استعداد تلك المجموعات –داخل منظمة مجاهدي
الثورة الإسلامية– لأن تنحى جانبًا مصالحها الضيقة، وأن تعمل معًا بعد
الثورة، ساهم في تعزيز قوة منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية داخل الحرس
منذ أيامه الأولى.
آانت هناك مجموعات رئيسية أخرى داخل الحرس، تتنافس مع منظمة
مجاهدي الثورة الإسلامية، ويقودها عباس زماني، الذي أصبح برعاية بني
صدر أول قائد ميداني رسمي للحرس. وآانت مليشيا زماني تتألف أساسًا من
حزب الأمم الإسلامية، الذي ساهم زماني نفسه في تأسيسه في الستينيات، ومن
مجموعة حزب الله التي خلفته( 8). وقد أقيل زماني من رئاسة الحرس في يوليو
1980 م، بعدما بدأ راعيه بني صدر يفقد سلطته لمصلحة رجال الدين، وفصيل
مجاهدي الثورة الإسلامية داخل الحرس، الذي لعب دورًا فعالاً في مساعدة
رجال الدين المتطرفين على إسقاط بني صدر، وأصبح هو العنصر المسيطر –
دون منازع– داخل الحرس الثوري( 9). وتفسر هيمنة مجاهدي الثورة الإسلامية
آيف أصبح رضائي، وهو أحد أقطابها، قائدًا للحرس في أيلول/ سبتمبر
-5-
1981 م.
آان عنصر الفدائيين المنظمين داخل جهاز الحرس –في مطلع عهده–
يضم فصيلاً يتزعمه آية الله منتظري وصهره مهدي هاشمي، شقيق هادي
هاشمي زوج ابنة آية الله منتظري، وآان مهدي هاشمي حليفًا سياسيًا لابن
منتظري الراحل محمد منتظري، وعضوًا أساسيًا في المجلس الأعلى للحرس
الثوري( 10 ). وآان القاسم المشترك بين أفراد هذا الفصيل هو العلاقات
الشخصية بينهم، واعتقادهم الثابت بأن الحرس يجب أن يكرس جزءًا أآبر من
موارده، من أجل تصدير الثورة الإسلامية عن طريق العنف، ولو على حساب
المجهود الحربي مع العراق( 11 ). [وتلقى محمد منتظري ومهدي هاشمي
تدريبات على حرب العصابات في لبنان قبل الثورة، وشارآا مشارآة قوية في
.( تعزيز وجود الحرس هناك] ( 12
وفي نهاية المطاف خسر هذا الفصيل أمام مجاهدي الثورة الإسلامية، في
الصراع الداخلي للسيطرة على الحرس، وعلى اتجاه أنشطته الراديكالية،
وأصيب بضعف شديد. وقتل محمد منتظري في أحد الانفجارات الكبرى التي
وقعت في طهران عام 1981 م( 13 ). وفي عام 1982 م طُرد مهدي هاشمي من
الحرس وأسس مكتبًا مستقلاً لحرآات التحرير، وإن ظل هذا المكتب –على ما
يبدو– ينظم أنشطة تصدير الثورة بالتعاون مع الحرس( 14 ). وفي عام 1986 م
اعتقل هاشمي بسبب تسريبه نبأ صفقة الأسلحة الأمريكية إلى إيران ثم
أُعدم( 15 ). وفي مطلع عام 1989 م أقال آية الله الخميني آية الله منتظري نفسه
آخليفة معين له، بسبب جهوده السابقة لحماية مهدي هاشمي، ومساندته لدعاة
.( الحريات الداخلية مثل رئيس الوزراء السابق مهدي بازرآان( 16
بسب التحزب الذي ابتُلي به الحرس في مطلع عهده، ونجاح العناصر
الأساسية فيه في ضم المناصرين المتشددين للثورة إلى صفوفه، تنافس الزعماء
السياسيون –من آل الاتجاهات– على اآتساب النفوذ داخل الحرس، آوسيلة
لتعزيز مستقبلهم السياسي. ومن بين الجهود التي لم يحالفها التوفيق خطاب بني
صدر أمام المؤتمر التنظيمي العلني الأول لمجاهدي الثورة الإسلامية عقب
انتصار الثورة ( 5 نيسان/ أبريل 1979 م) في محاولة منه لكسب تأييدهم،
وبالتالي آسب تأييد جهاز الحرس الذي آان في طور التكوين( 17 ). ولكنه فشل
في ذلك بدليل الدور الرئيسي الذي اضطلع به مجاهدو الثورة الإسلامية
-6-
والحرس، في مساعدة خصوم بني صدر من رجال الدين على الإطاحة به من
السلطة. أما إبراهيم يزدي الحليف الليبرالي الوطني لرئيس الوزراء مهدي
بازرآان، الذي لم تلق أيديولوجيته بالتأآيد هوى في نفوس معظم أفراد
الحرس، فقد فشل في آسب تأييد واسع في صفوف الحرس، مع أنه آان
يسيطر على مليشيا ثورية صغيرة في طهران( 18 ). آما أن مصطفى شمران،
الحليف البراجماتي لرجال الدين، الذي عُين وزيرًا للدفاع للمساعدة على تعزيز
سيطرة النظام على الجيش، وآذلك المُنَظِّر الراديكالي جلال الدين الفارسي،
أخفقا بالمثل في اآتساب عدد آبير من الأتباع في الحرس( 19 ). وفي مطلع
الثمانينيات حاول حجة الإسلام محمد رضا مهدوي قاني، زعيم اتحاد رجال
الدين المتشددين في طهران –وهو تنظيم منافس للحزب الجمهوري
الإسلامي– حاول عبثًا فرض سلطته الرسمية على الحرس، إضافة إلى
.( سلطاته الأمنية آوزير للداخلية( 20
آان الخميني وحده يتمتع بالحضور الكاريزمي، الذي مكنه من التأثير
مباشرة في عامة رجال الحرس. ولكي يكتسب أعوانه تأييد الحرس آان عليهم
أن يقيموا صلات مع القادة والمؤسسين المحليين للحرس، أو أن يحصلوا على
مناصب ذات نفوذ في البنية التنظيمية الوطنية الإجمالية للحرس بعد دمج
تنظيماته. وقد نجح رجال الدين الأعضاء في الحزب الجمهوري الإسلامي،
على الأقل في البداية، في تحقيق ما فشل فيه خصومهم السياسيون( 21 ). وآما
أشرنا سابقًا، أقام الحزب الجمهوري الإسلامي تحالفًا فعالاً مع مجاهدي الثورة
الإسلامية. آما وضع الحزب اثنين من أعضائه، رفسنجاني وخامنئي،
آمشرفين على الحرس، ولكن الحرس عارض ذلك واستطاع الحد من هذه
السيطرة المباشرة للحزب الجمهوري الإسلامي على شئونه( 22 ). وبعد أن نجح
ملالي الحزب الجمهوري الإسلامي في تطويق خصومهم السياسيين داخل
النظام، انحصرت المنافسة على نيل تأييد الحرس داخل هذا الحزب، حيث
آانت لرفسنجاني اليد الطولى حتى عام 1988 م، عندما خسر تأييد الحرس
لاضطلاعه بدور رئيسي في قرار إيران وقف الحرب مع العراق( 23 ). (تم حل
الحزب الجمهوري الإسلامي رسميًا عام 1987 م، لكن الصلاة التي تربط بين
مؤسسيه ظلت قائمة عمومًا). وحاليًا، مع أن رجال الحرس يطيعون أوامر
خامنئي آمرشد أعلى ورفسنجاني آرئيس للجمهورية، إلا أن هناك اعتقادًا
واسعًا بأنهم يعطون تأييدهم العاطفي لزعماء راديكاليين، مثل وزير الداخلية
-7-
.( السابق علي أآبر محتشمي وأحمد ابن آية الله الخميني( 24
يمكن أن نبين أن التحزب الذي صبغ الفترة الأولى من عمر الحرس قد
تراجع آثيرًا، إن لم يكن اختفى. وقد يعود ذلك إلى الحرب التي ساعدت زعماء
الحرس على وضع جميع عناصر التنظيم تحت بنية قيادية مرآزية، حيث
أُلحقت –تقريبًا– جميع الفصائل ذات القاعدة الفردية أو الشخصية أو الإقليمية،
بالبنية القيادية الوطنية للحرس، ودُمجت فيها. ومع أن بعض رجال الدين
المحليين والقادة الإقليمين لا يزالون يتمتعون ببعض النفوذ في المفارز المحلية
للحرس، إلا أن العديد من مسئولي هذه السلطات المحلية يرتبطون الآن –دون
شك– بالمؤسسات الوطنية أو المحلية مثل مجلس الشورى، أو ببنية الحكم
المحلي التي انضموا إليها( 25 ). وليس هناك أدلة تذآر على مخالفة وحدات
الحرس المحلية لأوامر قيادة الحرس الوطنية، حالما تُعلن مواقف الحرس
السياسية الواضحة أو تصدر الأوامر المحددة. آما أنه منذ طرد مهدي هاشمي
من الحرس مطلع الثمانينيات، لم يجمع أي قائد في الحرس أتباعًا آثيرين حوله
آما آان يفعل رضائي وغيره من القادة الأوائل في الحرس. وآما أشرنا في
الفصل الخامس، فإن قدرة الحرس على مواصلة السيطرة على شئونه، قد حدّث
من قدرة الزعماء المدنيين على آسب التأييد الفئوي داخل تنظيم الحرس.
ولكن هذا لا يعني أن التحزب السياسي داخل الحرس قد زال نهائيًا. فمثلاً
خلال مدة السنوات الثلاث ونصف السنة التي آان فيها آية الله منتظري خليفة
الخميني المعين، جمع منتظري حوله بعض الأنصار في الحرس، من المنتمين
إلى مسقط رأسه نجف أباد، ومدينة أصفهان الكبيرة المجاورة له( 26 ). وعندما
أقال الخميني منتظري آخليفته المعين أوائل عام 1989 م، ذآرت تقارير أن
بعض رجال الحرس الموالين لمنتظري احتجوا على عزل سيدهم، وجرى فيما
بعد تطهيرهم من الحرس( 27 ). وقبل ذلك بثلاث سنوات، قيل: إن عددًا صغيرًا
من رجال الحرس، الموالين لمهدي هاشمي، عادوا من جبهة القتال للاحتجاج
على اعتقاله، وهو ما يشكل دليلاً مشابهًا على بقاء بعض التحزب السياسي
.( داخل الحرس( 28
حتى رفسنجاني استطاع ظاهريًا الاحتفاظ بتأييد بعض من في الحرس،
برغم انتقاله منذ عام 1988 م إلى مواقف براجماتية غير أيديولوجية، ترفضها
عمومًا الأغلبية الساحقة في الحرس. وذُآر أن رفسنجاني استطاع أواخر عام
-8-
1989 م أن ينقل بعض رجال الحرس، الأآثر رضوخًا لسلطته، إلى مفرزة
الحرس في لبنان، لمساعدته على ما يفترض في إقناع حزب الله –الذي دربه
الحرس وسلحه– بإطلاق سراح بعض الرهائن الأمريكيين( 29 ). وآانت مفرزة
الحرس في لبنان حجر الزاوية في جهود تصدير الثورة، وبالتالي يجسد
وجودها –بحد ذاته– أآثر النزوات الراديكالية للحرس. وقد رأت مفرزة
الحرس بلبنان، مثلها مثل سائر وحدات الحرس، في إطلاق الرهائن الأمريكيين
من جانب واحد، انحرافًا عن أيديولوجيا الخميني والثورة المعادية للولايات
المتحدة( 30 ). وتشكل العناصر المعتدلة التي استطاع رفسنجاني إرسالها إلى
لبنان دليلاً على وجود فصيل أآثر اعتدالاً داخل وحدة الحرس.
إن إحجام القيادة العليا للحرس عن إعاقة إرسال بعض عناصر الحرس
المعتدلة إلى لبنان، ثم الإفراج عام 1990 م عن رهينتين أمريكيين –رغم عدم
رغبتها في ذلك– قد يشير إلى أن رفسنجاني وخامنئي توصلا إلى تفاهم مع
آبار قادة الحرس. وربما آان سماح خامنئي للحرس بإعادة تشكيل مقر قيادته
المرآزية بالكامل، وتعيين شمخاني قائدًا لسلاح البحرية النظامي الإيراني
ومحتاج نائبًا له، هو المقابل لسكوت الحرس أو لتعاونه في إطلاق سراح
الرهائن الغربيين في لبنان( 31 ). ويحتمل أن يكون قادة الحرس قد تلقوا وعدًا
بالحصول على حصة آبيرة من الأسلحة، التي اشتراها الشاه واحتجزتها
الولايات المتحدة، والتي آان يفترض أن تسلم إلى إيران عقب الإفراج عن
جميع الرهائن الأمريكيين. وآما أوضحت صفقة الأسلحة الأمريكية لإيران
عامي 1985 م – 1986 م، فإن الحرس أبدى استعدادًا للتضحية المؤقتة بتشدده
مقابل الأسلحة، أو مقابل السلطة التي يحتاج إليها لتحقيق أهداف متشددة أآثر
أهمية( 32 ). إذ رأى الحرس أن السيطرة على سلاح البحرية النظامي –بكونه
قلعة للقيم السابقة للثورة، وما يمتلكه من أسلحة عسكرية قيمة يمكن أن
يستخدمها الحرس في ضرب العراق ودول الخليج المحافظة، أو حتى الولايات
المتحدة– رأى أن ذلك يستحق تقديم بعض التنازلات بشأن قضية الرهائن.
وبالفعل صرح شمخاني بأن البحرية الإيرانية يمكن أن تمنع السفن الحربية
العراقية من عبور مضيق هرمز، فأدى هذا التصريح إلى إحباط مسعى
رفسنجاني لإجراء محادثات مباشرة مع العراق، بغية التوصل إلى تسوية
سلمية نهائية يعتبرها الحرس استسلامًا( 33 ). وقد يرى الحرس أن مسألة
الحصول على مزيد من الأسلحة تدعم جهود تعزيز الثورة الإسلامية
-9-
وتصديرها إلى دول أخرى.
ظهر مثال آخر على التحزب في صفوف الحرس عام 1987 م، في أعقاب
معرآة إيران الفاشلة للاستيلاء على ميناء البصرة في جنوب العراق، والتي
أوقعت إصابات جسيمة في صفوف الإيرانيين. ففي تعارض صارخ مع التزام
قادة الحرس –فضلاً عن الخميني– بمواصلة الحرب حتى النصر، ذُآر أن
مجموعة من الحرس تظاهرت في أحد الشوارع الرئيسية في طهران، داعية
الخميني "للصفح" عن الرئيس العراقي صدام حسين، وبعبارة أخرى مطالبته
بوقف الحرب( 34 ). وهكذا فإن انعدام أي دعم علني في تلك المرحلة داخل القيادة
السياسية –ناهيك عن الحرس– لإيجاد تسوية للحرب عن طريق المفاوضات،
أثار تكهنات معقولة بأن العناصر البراجماتية داخل القيادة، ربما خامنئي أو
.( رفسنجاني، قد أوحت لأنصارها في الحرس بالمشارآة في التظاهرة( 35
وهؤلاء المناصرون للزعماء السياسيين البراجماتيين قد يكونون منتمين إلى
العناصر الاجتماعية "الانتهازية" داخل الحرس، التي أشرنا إلينا في الفصل
الثاني. ويمكن للانتهازيين أن يسيئوا إلى التماسك الراديكالي للحرس –آما
حدث في هذه المظاهرة المناوئة للحرب– لكنهم لا يشكلون عنصرًا قويًا يمكنه
تحويل خط الحرس إلى اتجاه براجماتي ومحترف.
تبين الأمثلة المذآورة أنه لا يزال هناك شيء من التحزب في الحرس، لكن
هذه الأحداث والأفعال –الحذرة نسبيًا– لا تتوافق مع وجود عدة فصائل آبيرة
وبارزة بشكل واضح، وهو ما آان السمة المميزة للحرس في أيامه الأولى.
ومع أن بقاء بعض الانقسامات الصغيرة داخل الحرس يزعج قيادته
الراديكالية، إلا أنه أقل خطورة بكثير من الصراعات الكبرى التي نشبت
للسيطرة على الحرس نفسه أثناء تشكيله وبعده مباشرة. وآان استغلال الزعماء
السياسيين للفصائل الصغيرة داخل الحرس –آبديل لممارسة السيطرة الحازمة
على الجهاز آكل– خير دليل على فشل الزعامة السياسية في تحويل الحرس
إلى مؤسسة محترفة. وقد أصبح الحرس متماسكًا إلى حد ما، لكنه غير
محترف، ولا يجوز اعتبار المفهومين مترادفين.
إن مجرد إلقاء نظرة خاطفة على البيانات الصحفية للحرس يوضح لنا أن
الأيديولوجيا لديه تحظى بالأولوية على الاحتراف. فلا يزال قادة الحرس
والصحف الموجهة لمقاتليه (مثل باسدر إسلام) يشددون على التمسك بقيم
-10-
الثورة، مثل مساعدة الحرآات الإسلامية في جميع أرجاء العالم، وضمان
ترآيز السياسات الاقتصادية الوطنية –بشكل أساسي– على مساعدة
المستضعفين( 36 ). آما تجدر الإشارة إلى أن الحرس لا يبدي أي تردد في سحق
المعارضة الداخلية على عكس نظرائه الأآثر احترافًا، مثل الجيش الأحمر
السوفيتي وجيش التحرير الشعبي الصيني. أما تأآيد الزعماء السياسيين
الإيرانيين بأن ضرورات الحرب الإيرانية – العراقية هي المسئولة عن فشل
الحرس في التحول إلى قوة عسكرية محترفة، فلا يتماشى مع التجارب التي
خاضتها هذه القوات المسلحة الثورية الأخرى. ففيما يتعلق بالجيش السوفيتي
وجيش التحرير الشعبي الصيني، آانت الحاجة لتحقيق نجاحات عسكرية
حقيقية في الحرب –بما فيها الحرب الأهلية– هي التي عجلت بعملية الاحتراف
بدلاً من أن تعيقها( 37 ). وآان الحرس، الذي خاض حربًا شاملة طوال
ثماني سنوات، حاجة مماثلة للكفاءة العسكرية، لكن الحرس ينفرد في أن هذه
الحاجة لم تتغلب على حماسه الأيديولوجي، وارتكاز عملية صنع القرار فيه
على أسس أيديولوجية.
الأفعال ذات الدوافع السياسية
تطرقنا في الفصل السابق إلى عدة إجراءات وقرارات عسكرية اتخذها
الحرس حتى نثبت استقلاليته. وفي تلك الحالات آانت أنشطة الحرس موجهة
أساسًا ضد أعداء الثورة الخارجيين، ولا يمكن أن نبرهن –بشكل قاطع– أن
هذه الإجراءات خالفت الأوامر المدنية. لكن هناك حالات أخرى تدخل فيها
الحرس بصورة مباشرة ومتعمدة في العملية السياسية داخل إيران، وارتُكبت
فيها انتهاآات، أو وُجهت فيها تحديات صريحة ضد السلطة المدنية. آما أن
الأفعال والأحداث التي نعرضها هنا لا تمثل التحزب داخل الحرس، بل
الحماس الأيديولوجي وغياب الروح الاحترافية هذا الجهاز الأمني
والعسكري، الذي آانت قيادته العليا –ولا تزال– تحضه بثبات على التدخل في
السياسة، لتحقيق الأهداف المتشددة للخميني والثورة. لذا فهي تعكس الأولويات
والأهداف السياسية والعقائدية لكبار قادة الحرس ولا تتعارض معها، آما يبدو
واضحًا أنها لا تشكل دليلاً على استمرار التحزب في صفوف الحرس.
المثال الأول الذي يشكل دليلاً على عدم انضباطية الحرس، واستعداده –
بناء على دوافع عقائدية– للتدخل في السياسة يعرف ب "قضية تشابلن". ففي
-11-
عام 1987 م اعتُقل دبلوماسي إيراني في لندن اسمه مجيد قاسمي بتهم جنائية
بسيطة. ويقال: إنه قريب أحد آبار قادة الحرس( 38 )، وفور سماع نبأ اعتقاله،
أقدمت مجموعة من الحرس –بالتعاون مع لجنة ثورية في طهران– على
اعتقال الدبلوماسي البريطاني إدوارد تشابلن واستجوابه وضربه في أحد
مقرات الحرس في طهران انتقامًا لقاسمي( 39 ). وآان ما فعله الحرس انتهاآًا
واضحًا ليس فقط للقانون الدولي، بل أيضًا للسلطة المدنية الإيرانية، خصوصًا
السلطة القضائية ووزارة الخارجية.
وما بدأ آانتقام عفوي أقدم عليه رجال الحرس في طهران، تطور بسرعة
إلى تحد أآبر للعناصر البراجماتية في وزارة الخارجية والقيادة عمومًا.
واستغل حليف الحرس الرئيسي في وزارة الخارجية، وهو وآيل الوزارة
حسين شيخ الإسلام، وجود وزير الخارجية البراجماتي علي أآبر ولايتي
خارج إيران، لخلق مشكلة مع المملكة المتحدة، بقوله إن تشابلن سيحاآم لقيامه
بعمليات تجسس( 40 ). وآانت هذه محاولة واضحة من الحرس وشيخ الإسلام
لإضعاف ولايتي، وإفشال جهوده البراجماتية على صعيد السياسة الخارجية
لتحسين العلاقات مع الغرب، هذه السياسة التي تتعارض مع تعاليم الثورة
والحرس المعادية بشدة للغرب. ومع أن حفنة صغيرة من الحرس ربما تكون
هي التي اعتقلت تشابلن، فإن الجهود التي بُذلت في أعقاب ذلك لتصوير
الحادثة وآأنها جزء من التوجهات الراديكالية للسياسة الخارجية الإيرانية، إنما
تدل على أن عملية الاختطاف حازت تأييد آبار قادة الحرس.
نجد مثالاً آخر على تدخل الحرس في السياسة الخارجية الإيرانية في
الحادثة التي وقعت عقب مقتل أربعمائة حاج إيراني، بعد ارتكابهم أعمال شغب
في مكة المكرمة أواخر تموز/ يوليو عام 1987 م. وآما أشرنا سابقًا، ربما
تكون أعمال الشغب نفسها موحى بها من قبل رجال الحرس وغيرهم من
الراديكاليين الإيرانيين، الأعضاء في بعثة الحج الإيرانية. فبعد أيام قليلة على
حادثة مكة، لمح الدبلوماسيون الغربيون عددًا من رجال الحرس وهم ينظمون
عملية نهب السفارتين السعودية والكويتية في طهران( 41 ). وما يهمنا هنا هو أن
هؤلاء الدبلوماسيين قالوا: إن مسئولي وزارة الخارجية الإيرانية حذروا
نظراءهم السعوديين والكويتيين من الهجوم الوشيك، وأخبروهم أنهم (أي
مسئولين وزارة الخارجية الإيرانية) عاجزون عن منعه( 42 ). وتوحي معرفة
-12-
المسئولين الإيرانيين الآخرين بعملية تخطيط هذا الهجوم –قبل وقت آاف من
وقوعه– بأن البنية القيادية للحرس بكاملها آانت متورطة في العملية، ولم تكن
من فعل فصيل فردي داخل الحرس. وتشكل المحاولة التي بذلها مسئولو وزارة
الخارجية لإحباط نهب السفارتين مؤشرًا واضحًا للصراع السياسي على
السلطة. ويؤآد هذا الهجوم الانتقامي على السفارتين مقولة: إن الحرس أبعد ما
يكون عن قوة عسكرية محترفة، تنأى بنفسها عن الممارسات السياسية المحلية.
في فترة 1988 م – 1989 م عقب الانهيار العسكري في الحرب، أصبح
تدخل الحرس في الشئون السياسية المحلية أآثر علانية وعنفًا. وآما قلنا سابقًا،
أدى الخلاف بين الحرس ورفسنجاني –حول قرار القبول بوقف إطلاق النار
مع العراق– إلى وقوع عدة محاولات لاغتيال رفسنجاني على يد رجال
الحرس، الذين اعتقدوا أنه باع الثورة عبر ترتيبه لعملية القبول بوقف إطلاق
النار( 43 ). وفي حالة واحدة على الأقل مطلع عام 1989 م، جرى تطهير بعض
تشكيلات الحرس على الجبهة الجنوبية، بسبب تآمرها المزعوم ضد بعض
آبار رجال الدين الحاآمين، بمن فيهم رفسنجاني على ما يفترض( 44 ). وفي
حزيران/ يونيو 1990 م، زُعم أن مجموعة من رجال الحرس قاموا بعملية
تخريبية في طائرة آان رفسنجاني سيستقلها للعودة إلى طهران بعد قيامه بجولة
لتفقد آثار زلزال مدمر. وقد قرر رفسنجاني الانتقال بالسيارة، فنجا من محاولة
.( اغتياله( 45
لا بد من التنويه بأن الجنود العاديين في الحرس آانوا يتلقون إشارات
واضحة عن استياء قيادة الحرس من سياسات رفسنجاني المعتدلة، وبالتالي
اعتبروا هذه الإشارات مبارآة لمحاولات اغتياله. فمثلاً، ردد رضائي نفسه
هذه النغمة بعد أيام قليلة من قبول إيران رسميًا بوقف إطلاق النار في تموز/
يوليو 1988 م. فعندما أعلن عن نية الحرس في الالتزام بالقرار السياسي لإنهاء
الحرب، قال: إن الحرس "لن يكون مثل من آانوا يسعون إلى السلام في زمن
الحرب ثم تحولوا اليوم، في زمن السلم، إلى ثوار ودعاة حروب"( 46 ). وآان
رضائي يشير دون شك إلى رفسنجاني، الذي سعى إلى الظهور بمظهر
المحارب في تصريحاته العلنية، بعد أن ساعد في السر على ترتيب قبول إيران
بوقف إطلاق النار. آما أن بعض محاولات الاغتيال المذآورة، التي نفذها
مجموعات من الحرس، وقعت تقريبًا في أيلول/ سبتمبر، اجتماع قادة
-13-
الحرس في طهران بعد الحرب عام 1988 م، الذي عبروا فيه عن معارضتهم
العلنية لأية محاولة للتخلي عن مبادئ الثورة أو إضعاف الحرس، باعتباره
.( المؤسسة الوصية على هذه المبادئ( 47
شهدت أواخر عام 1988 م أثرًا عنيفًا آخر لعملية التسييس المستمرة
للحرس، بغض النظر عن حدوث العمل ذاته خارج حدود إيران وعلى يد
جماعات تابعة. فقد ذآر العديد من التقارير أن الحرس الثوري –بالتعاون مع
حلفائه الراديكاليين في إيران– خول "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة
العامة" بوضع متفجرة على طائرة رآاب أمريكية، انتقامًا لإسقاط الولايات
المتحدة –بطريق الخطأ– طائرة رآاب إيرانية فوق الخليج العربي في تموز/
يوليو 1988 م( 48 ). (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة، هي
مجموعة فدائية فلسطينية مقرها لبنان، أقامت معها مفرزة الحرس الثوري في
لبنان صلات وثيقة قبل حادثة تفجير طائرة بان أمريكان( 49 ). واستنادًا لما يقوله
المحققون الدوليون، فقد نفذ العملاء الليبيون عملية التفجير الفعلية لطائرة بان
آم الرحلة 103 في آانون الأول/ ديسمبر 1988 م، بعد اآتشاف المحققين
الألمان وإحباطهم لمؤامرة التفجير التي آانت تعد لها الجبهة الشعبية – القيادة
العامة( 50 ). لكن البعض يعتقد أن عملية التفجير الليبية لرحلة بان آم رقم 103
.( آانت استمرارًا لمؤامرة الجبهة الشعبية وليست عملية منفصلة) ( 51
سواء آانت الجبهة الشعبية، التي تعمل بالنيابة عن الحرس وغيرهم من
الراديكاليين الإيرانيين، هي التي وضعت القنبلة على متن رحلة بان آم رقم
103 ، أم آان غيرها هم الفاعلون، فإن تفجير طائرة رآاب أمريكية خدم
مخطط الجبهة الشعبية نفسها، عبر إحراج منظمة التحرير الفلسطينية التي تمثل
التيار الرئيسي (والتي قبلت فكرة التسوية عن طريق المفاوضات مع إسرائيل
ونبذت الإرهاب)، وعبر إلحاق الضرر بعملية السلام العربية – الإسرائيلية.
أما فيما يتعلق بالحرس وغيرهم من الراديكاليين الإيرانيين، فقد آان تفجير
الطائرة وفاء بالالتزام الأيديولوجي بالانتقام لإسقاط الولايات المتحدة طائرة
الإيرباص الإيرانية في تموز/ يوليو، وإحباط جهود البراجماتيين الإيرانيين،
الرامية لتحسين علاقات إيران مع الغرب في أعقاب الحرب، لاسيما
.( رفسنجاني( 52
لا يمكن القول: إن مفرزة الحرس في لبنان دبرت عملية التفجير ضد
-14-
رغبات أو أوامر آبار قادة الحرس. بل تمثل هذه العملية جهدًا جماعيًا لجهاز
الحرس آكل وحلفائه الراديكاليين داخل إيران. أما البراجماتيون الإيرانيون فقد
استبعدوا صراحة انتقامًا مباشرًا لإسقاط طائرة الإيرباص، لكن أيًا من قادة
الحرس لم يستبعد مثل هذا الانتقام( 53 ). آما أن أدوات شبكة الحرس في أوربا،
مثل "حراس الثورة الإسلامية" في لندن، ادعت مسئوليتها المباشرة عن تفجير
54 ). (في مطلع الثمانينيات، فجر الحرس سيارة رجل ) رحلة بان آم رقم 103
أعمال ألماني باعت شرآته صواريخ للعراق، وخطفوا طائرة نفاثة في محاولة
لإطلاق خمسة أشخاص مسجونين في فرنسا، بسب محاولتهم اغتيال رئيس
وزراء إيران السابق شهبور بختيار) ( 55 ). ويثبت هذا الادعاء أن العديد من
وحدات الحرس الفرعية، إن لم يكن جميعها، آان على علم بمؤامرة بان آم
ومتورطًا فيها. ومن جديد يبرهن تورط الحرس الفعال في عملية التفجير على
استعداده للتدخل في السياسة الإيرانية، والتصرف مباشرة ضد رغبات
ومصالح رؤسائه المدنيين البراجماتيين، إذا آان ذلك يعزز مبادئه الثورية
المتشددة.
وعقوبة "إهدار الدم" التي أصدرها الخميني مطلع عام 1989 بحق الكاتب
الهندي سلمان رشدي، لافترائه على الإسلام في آتابه "آيات شيطانية"، وما تبع
ذلك من أجواء سياسية مشحونة بالتطرف في طهران، تعطينا مثالاً جليًا على
تسييس الحرس. فتحت ضغط الراديكاليين استقال نائب وزير الخارجية، محمد
جواد لاريجاني، وهو أحد المعتدلين الساعين إلى تحسين العلاقات مع الولايات
المتحدة. آما تردد أن رجال الحرس اعتدوا بالضرب على محمد محلاتي سفير
إيران المعتدل الأمم المتحدة، عند عودته إلى طهران( 56 )، متهمين إياه بعدم
.( الالتزام الكافي بمبادئ الثورة( 57
وليس هناك دليل على أن رجال الحرس المندفعين وغير المنضبطين –
الذين تعرضوا لمحلاتي– ينتمون إلى فصيل بعينه داخل الحرس. ولم يُعتقل
رجال الحرس الذين ارتكبوا هذا العمل أو يقدموا للمحاآمة، آما أن قيادة
الحرس لم تصدر نفيًا علنيًا لحدوث عملية الضرب. بل بدت الحادثة وآأنها
نتيجة منطقية للأجواء المشحونة بالتطرف، والتي أحاطت بقضية سلمان
رشدي، حيث أعلن الحرس تأييدهم لعقوبة الإعدام ضد سلمان رشدي
واستعدادهم لتنفيذها( 58 ). وإن لم يكن رجال الحرس –المتورطون في قضية
-15-
الضرب– قد تلقوا أوامر محددة من قيادة الحرس بتنفيذ هذه المهمة، فإنهم آانوا
على يقين من أن ضرب محلاتي سيحظى بالدعم على أعلى المستويات في
الحرس. وتنسجم هذه الحادثة مع نمط ثابت في جهود الحرس لإضعاف
البراجماتيين في وزارة الخارجية، وبالتالي ضمان انتهاج إيران سياسة خارجية
متطرفة. وآان الضغط الذي مارسه الحرس وحلفاؤه الراديكاليون على وزارة
الخارجية شديدًا، لدرجة اقتضت من آبار المسئولين السياسيين أحيانًا إصدار
.( بيانات تأييد لمسئولي وزارة الخارجية( 59
هذه الأمثلة من الأفعال –التي قد تُعزى لاستمرار التحزب في الحرس–
إنما تبين في الحقيقة مدى صلابة أيديولوجيا الحرس التي لا تلين، واستمرار
عملية تسييسه، ولا تقتصر فحسب على مجرد تأآيد أن الحرس لم يتحول إلى
قوة مسلحة محترفة. بل إن الطريقة التي نُفذت بها هذه الأفعال تميز الحرس
عن غيره من القوات المسلحة الثورية. وربما باستثناء الجيش الثوري الفرنسي
بقيادة نابليون، الذي استخدمه للسيطرة المباشرة على الثورة، آانت القوات
الثورية الأخرى على العموم، لا تتدخل في الشئون السياسية الداخلية إلا نيابة
.( عن الفصائل المدنية الحاآمة، وبناء على طلبها( 60
وعندما فعلت القوات المسلحة الثورية الأخرى ذلك، فإنها لم تكن تتدخل في
الشئون السياسية الداخلية على أسس أيديولوجية محضة آما فعل الحرس. بل
إن الجيش الثوري الفرنسي آانت تحفزه قدرة قادته على المساواة بين المكاسب
الشخصية ونجاح المؤسسة، أآثر مما تحفزه الأيديولوجيا الصرفة. وتكمن القوة
الرئيسية للجيش الفرنسي في الاستفادة من المواهب العسكرية الفطرية للضباط
غير الأرستقراطيين، الذين ظلوا لمدة طويلة يخضعون للضباط الأرستقراطيين
الأقل موهبة والأقوى نفوذًا( 61 ). وقد جرى حل القوتين الفرنسيتين اللتين مثلتا
العناصر الثورية الحقيقية –أي الحرس الوطني الذي يضم أغلبية من أبناء
الطبقة الوسطى، والجيوش الشعبية التي يسيطر عليها أبناء الطبقة الدنيا– أو
أنهما فقدتا هويتهما الاجتماعية. ونظرًا للحرب التي خاضتها فرنسا ضد القوى
الأوربية المحافظة، فتح الحرس الوطني أبوابه في نهاية الأمر لتجنيد الجماهير
العريضة، الأمر الذي أضعف ترآيبته المستندة إلى أبناء الطبقة المتوسطة،
وأضعف موقعه آقوة مسلحة تحمي مصالح هذه الطبقة( 62 ). وآما حُلت الجيوش
الشعبية التي آانت مرادفة للإرهاب والانتقام باسم الثورة، عندما أصبحت
-16-
.( تشكل تهديدًا لسيطرة القادة الثوريين على حكم البلاد( 63
مقاومة الروح الاحترافية
إذا آانت الأيديولوجيا هي الدافع المحرك لتصرفات الحرس السياسية، فإن
مقاومته، في الوقت ذاته، للروح الاحترافية قد سهلت قيامه بهذه التصرفات.
ويمكن لغياب الروح الاحترافية أن يفسر لنا لماذا حدث الخلط بين التحزب
والتسييس. ومع أن التحزب والتسييس العقائدي صفتان مختلفتان، إلا أنهما
تبدوان ظاهريًا متشابهتين. إذ تؤديان غالبًا إلى ارتكاب مجموعات صغيرة من
الحرس أو وحداته الفرعية أعمالاً غير متوقعة وعفوية وذات مغزى سياسي.
إذا ألقينا نظرة عامة على تصريحات آبار قادة الحرس نجد مزيدًا من
الأدلة على انحسار التحزب في صفوفه، وإن ظل يبدي مقاومة للروح
الاحترافية انطلاقًا من دوافع أيديولوجية. ففي السنوات الأولى للثورة، عندما
آان الحرس يعاني من التحزب الشديد، صدرت عبارات التنديد بالتحزب من
داخل الحرس نفسه. فقد صرح عباس زماني –أول قائد ميداني للحرس– بأن
التحزب داخل الحرس آان السبب الرئيسي لاستقالته في أيار/ مايو
1980 م( 64 ). وبالمثل زعم آاظم بوجنوردي أن التحزب آان السبب الرئيسي
لرفضه التعيين آقائد للحرس( 65 ). ولكن بعد أن توطد الحرس تنظيميًا وانحسر
فيه التحزب، توقفت التصريحات العلنية لقادة الحرس حول التحزب المتفشي
في صفوفه، ولو على سبيل الإنكار.
برغم ازدياد تماسك الحرس على مر الأيام، فإن نظرة فاحصة على أقوال
آبار قادته وأفعالهم، لا تظهر التزامًا مماثلاً بالروح الاحترافية؛ لأنها تعني –
في نظرهم– التخلي الفعلي عن القيم الأيديولوجية والسياسية، التي قاتلوا من
أجلها منذ آانوا شبانًا يافعين، يخوضون حرب عصابات في المدن ضد الشاه.
وحتى عندما وافق قادة الحرس على إعطاء رتب عسكرية رسمية لرجال
الحرس، لم يصدر عنهم قط ما يشير إلى اقتناعهم بأن ذلك جزء من عملية
احترافية أوسع نطاقًا. ويقال: إن قبول الحرس بالرتب العسكرية آان مجرد
.( تنازل للقيادة السياسية، ولم يكن نابعًا عن توجه لزيادة الروح الاحترافية( 66
وإنما زعموا أن الرتب ضرورية في تعامل الحرس مع الضباط العسكريين
الأجانب على قدم المساواة، وللمساعدة في التمييز بين القدرات الفردية لرجال
الحرس( 67 ). ونظرًا لغياب الروح الاحترافية، لم يطالب أي قائد في الحرس
-17-
جنوده بالامتناع عن التدخل في السياسة. بل على العكس، فإن إصرار قادة
الحرس المستمر على تأآيد وجهات نظرهم السياسية، شجع رجالهم على أن
.( يحذوا حذوهم( 68
إن مقاومة الحرس للروح الاحترافية، تتعارض تعارضًا صارخًا مع
الجهود العلنية للزعماء المدنيين البراجماتيين لتحويل الحرس إلى قوة محترفة،
وبالتالي غير مُسيّسة. وفي عدة مناسبات، لاسيما في الاجتماع الذي عقده قادة
الحرس في طهران بعد الحرب الإيرانية – العراقية، حض آل من علي
خامنئي ورفسنجاني الحرس على تحسين مستوى انضباطه، وإنشاء تسلسل
قيادي واضح، والامتناع عن التدخل في الشئون السياسية آالانتخابات( 69 ). بل
إن آية الله الخميني –الذي شجع عمومًا الحماس الأيديولوجي الحرس، وإن
آان يريد حكومة إسلامية مستقرة– أمر الحرس في مناسبات عديدة بعدم
التدخل في السياسة( 70 ). ويعطينا قرار منع مرشحي مجلس الشورى من
استخدام شارات الحرس في حملاتهم الانتخابية مثالاً آخر، وإن يكن غير
.( مباشر، على جهود القادة المدنيين للحد من تدخل الحرس في السياسة( 71
إن دعوة الزعماء السياسيين للحرس للتحلي بمزيد من الروح الاحترافية –
وليس بدرجة أآبر من الوحدة– تعطي مزيدًا من الأدلة والشواهد على أن
الحرس آكل، وليس الفصائل المتهورة فيه، هو المسئول عن التدخل في
السياسة. وفي الواقع، فإن موقف الحرس –الموحد نسبيًا– في نزعته للتدخل
في الشئون السياسية تأييدًا للخط المتشدد، هو بالذات ما سعت القيادة السياسية
إلى آبح جماحه. ولو آان التسييس في الحرس مقتصرًا على فصائل صغيرة
بداخله، لما شعرت القيادة السياسية بحاجة ملحة إلى إبعاده عن السياسة.
الخلاصة
أصبح الحرس الثوري –آمؤسسة– أآثر تماسكًا، لكن تزايد وحدته لم
يترجم إلى اآتسابه مزيدًا من الروح الاحترافية. فالحرس تنظيم راديكالي من
جميع جوانبه، وتدخله في السياسة ليس بسبب فصائل صغيرة فيه خارجة عن
سيطرته، وإنما بسبب تطرفه الأيديولوجي على مستوى التنظيم بكامله. ويشكل
التماسك شرطًا ضروريًا –لكنه غير آاف– للاحتراف العسكري. ومن المسلم
به أن أي جيش يفتقر إلى الانضباط الداخلي، وإلى سلطة واضحة المعالم، لا
يمكن أن يكون جيشًا محترفًا. فالروح الاحترافية هي مفهوم شامل، يعني ضمنًا
-18-
أن القوة المسلحة تقبل بالقيود والضوابط. بيد أن الاعتراف بالقيود يتعارض
بشكل أساسي مع الأيديولوجيا الثورية للخميني والحرس، التي تسعى إلى قلب
الترتيبات السياسية القائمة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وليس إلى العمل
ضمن إطارها. وتقتضي الروح الاحترافية العسكرية أن تبني القوة المسلحة
قراراتها على عوامل منطقية وبراجماتية وموضوعية، بدلاً من النزوات
العاطفية أو الأيديولوجية. غير أن الأدلة المتوافرة، مثل الرغبة في مواصلة
الحرب مع العراق – برغم التفوق الكاسح لقواته – تشير إلى أن الحرس
يعطي الأولوية للأيديولوجيا على الحسابات المنطقية.
هناك سمة أخرى مميزة للروح الاحترافية، هي الانصياع لأوامر السلطة
السياسية المدنية، بصرف النظر عن طبيعة النظام القائم أو سياساته، والامتناع
عن التدخل في الشئون السياسية. لكن الحرس أصر على أن التدخل في
السياسة ليس أمرًا مشروعًا فحسب، إنما هو جزء لا يتجزأ من مهمته في
الدفاع عن الثورة. وقد ثبت هذا التسييس والحماس الأيديولوجي من خلال عدة
أحداث مهمة، تَصَرَّف فيها الحرس ضد إرادة رؤسائه المدنيين المعتدلين. ولم
تكن هذه الأفعال من صنع فصائل فردية في الحرس، لكنها آانت تعكس
رغبات التنظيم وسياساته آكل، بما في ذلك قيادته العليا. وبطبيعة الحال، لا
يمكن اختبار هذه الفرضية بصورة تامة، في ظل عدم قيام ثورة ضد النظام
الحالي. غير أن تحليل الأدلة المتوافرة يوحي بأن الحرس قد يقاتل حتى الموت
ضد أية محاولة للإطاحة بالنظام الحالي، على عكس جيش الشاه "المحترف"
الذي عقد الصلح مع الحكام الجدد في طهران عام 1979 م.
لا يمكن القول: إن متطلبات الحرب ضد العراق هي التي أعاقت اآتساب
الحرس للروح الاحترافية. ففي حالة القوات الثورية الأخرى المماثلة للحرس،
عجلت الحرب الثورية بتعزيز الروح الاحترافية التي آانت قائمة قبل الحرب
أصلاً. آما أنه منذ انتهاء الحرب مع العراق عام 1988 م، لم تبذل قيادة الحرس
أي جهد لتحويله إلى تنظيم محترف، مع أن الحرس يسعى للحصول على
الأسلحة المتطورة وإتقان استخدامها، ومن ضمنها المقاتلات المتطورة
والغواصات( 72 ). غير أن هناك بعض الأدلة التي تتناقض مع هذا التقييم، وهي
الإعلان عن وضع نظام للرتب العسكرية في الحرس والباسيج عام 1990 م،
بناءً على إلحاح القيادة المدنية على ما يبدو، وآذلك تعيين حسين جلالي عام
-19-
1992 م، وهو ضابط في الجيش النظامي، قائدًا لسلاح الحرس الجوي.
-1-
-2-
الفصل السابع
الاستنتاجات والاحتمالات
استنادًا إلى المعايير المنهجية لعملية التحول المؤسساتي، أآمل الحرس
الثوري –بنجاح– انتقاله من مزيج اعتباطي غير منظم من الميليشيات الثورية،
ليصبح أحد أقوى المؤسسات الثورية وأآثرها استمرارية في إيران. غير أن
تحول الحرس إلى مؤسسة لم يقض على حماسه الأيديولوجي، بعكس ما حدث
مع القوات المسلحة الثورية، التي انبثقت خلال الثورات الاجتماعية الكبرى
الأخرى. واضطلع الحرس بدور حامي النقاء الثوري بدرجة أآبر مما فعله
العديد من نظرائه التاريخيين. وهذا التشبث بالمبادىء الأيديولوجية، وما
( يستلزمه من مقاومة الروح الاحترافية، يتناقض مع أطروحات تشورلي( 1
وأدلمان( 2) التي تقول: إن تحول القوات المسلحة الثورية إلى مؤسسات محترفة
أمر حتمي، آمرحلة نهائية لتطورها المؤسساتي. وفكرة "التحول المحتوم إلى
مؤسسة محترفة" تندرج –آفكرة ثانوية– في إطار نظرية ويبر حول "تحول
الكاريزما إلى روتين"( 3) والتي تقول: إن الحماس الأيديولوجي يصاب بالوهن
دائمًا نتيجة للتحول المؤسساتي المطرد.
لقد تحول الحرس –بلا شك– إلى مؤسسة، وإن احتفظ بحماسه الثوري.
وأثبت أن تنظيمه يتسم بدرجة عالية من المرونة وقابلية التكيف. وهذه من
المعايير الرئيسية للتحول المؤسساتي، حسب رأي هنتنجتون( 4). وخلال العقد
الأول من عمر الحرس تمكن من التغلب على التحديات السياسية التي فرضت
عليه، ليس فقط من جانب السياسيين الليبراليين، القوميين منهم والمعتدلين
،1981- (الأقل مرتبة من الخميني)، الذين حكموا إيران بين الأعوام 1979
ولكن أيضًا من جانب حلفاء الحرس السياسيين السابقين مثل رفسنجاني، الذي
تعاون مع الحرس وقدم له التأييد طوال معظم فترات الحرب ضد العراق.
وداخليًا، حافظ الحرس على شخصيته الأيديولوجية بالرغم من استقطابه لفئات
اجتماعية جديدة، لا تنتمي إلى نواة المتشددين –المنتسبين إلى الشريحة الدنيا
من الطبقة الوسطى– التي يتألف منها هذا التنظيم. وتضم هذه الفئات مجندين
احتاج إليهم الحرس أثناء الحرب، و"انتهازيين" جذبتهم مكانة الحرس المرموقة
.( والمكاسب المادية المتوافرة فيه، والعديد من الخبراء الفنيين والبيروقراطيين( 5
واستطاع الحرس أيضًا العمل مع الجيش النظامي، دون أن يتبنى التقاليد
-3-
المهنية المعمول بها في الجيش، أو العقيدة العسكرية المتعلقة بالتكتيك
والاستراتيجية. آما أثبت الحرس قدرته على التأقلم مع المهام الجديدة، فقد آان
في البداية جهازًا للأمن الداخلي، ثم قام بتطوير قدراته العسكرية عندما اندلعت
الحرب. وعندما انتهت الحرب –التي آانت السبب الأول لنفوذ الحرس
ومكانته– قبل الحرس مهمة الردع التي أوآلت إليه، ولعب دورًا رئيسيًا في
إعادة البناء المدني.
وبالمثل، يتبين أن المعيار الثاني لنظرية التحول المؤسساتي عند هنتنجتون
ينطبق أيضًا على الحرس، أي الترآيب المعقد( 6). فقد تحول الحرس من
ميليشيا سياسية فوضوية تفتقر إلى التنظيم، إلى مؤسسة لها بنية واضحة
المعالم، وترافق ذلك مع اتساع وظائفه. فجهازه العسكري يشبه –من حيث
الشكل على الأقل– أجهزة الجيوش التقليدية. إذ أنشأ الحرس وزارة لإدارة
شئونه في زمن الحرب (أدمجت هذه الوزارة الآن بوزارة الجيش النظامي)،
وأسس جهازًا منفصلاً –أآثر سرية وغير محدد المعالم– لتولي أنشطة تصدير
الثورة.
غير أن تزايد تعقيد البنى التنظيمية للحرس لم يترجم إلى طابع مؤسساتي
تقليدي أو محترف. ولم تتخل قوات الحرس العسكرية قط عن تكتيكاتها غير
التقليدية ذات المنطلق الأيديولوجي، أو تخفف من أهدافها المتطرفة في
الحرب، حتى عندما فرض السياسيون وقفًا للأعمال الحربية. وبرغم أن جهاز
تصدير الثورة الحرس أصبح أآثر تنظيمًا الآن مما آان عليه عندما بدأ
عمله عام 1982 ، إلا أنه ما زال يعبر عن أآثر مبادىء الحرس الأيديولوجي
تشددًا.
أثبت الحرس أيضًا أنه يتمتع بالاستقلالية –وهي السمة المميزة الثالثة
للتحول المؤسساتي– حيث قاوم بشدة محاولات فئات ومجموعات اجتماعية
وسياسية خارجية لاختراقه أو السيطرة عليه. وبعكس العديد من المؤسسات
العسكرية في الشرق الأوسط، وخاصة في سوريا والعراق، وفي الأنظمة
الملكية في الخليج العربي، لا يخضع الحرس لهيمنة أي قبيلة أو عائلة أو فئة
سياسية مدنية. وقد قاوم الحرس اختراق المدنيين له وسيطرتهم على شئونه
الداخلية، وذلك بالعمل أساسًا على إضعاف جهاز الإشراف الديني عليه، أو
جعله في أيدي حلفاء الحرس. فعلى سبيل المثال، أقصي المتطرف القوي
-4-
الكفء عبد الله نوري –آممثل للإمام الحرس الثوري الإيراني– وحل
محله رجل أآثر براجماتية ولكنه أقل تأثيرًا، هو حجة الإسلام أراآي، الذي
آان ضعيفًا سياسيًا بحيث لا يستطيع السيطرة الفعالة على قادة الحرس( 7). وقام
الحرس واللجان الثورية –من حين لآخر– بقمع آل من يخالف قواعد السلوك
الإسلامي، برغم محاولات البراجماتيين مثل رفسنجاني تخفيف هذه القيود،
آوسيلة لتشجيع الجماهير على التعاون من أجل إعادة بناء الاقتصاد( 8). وتمكن
الحرس بفضل استقلاليته من القيام بعمليات هامة في المجال العسكري ومجال
تصدير الثورة. وبرغم أن هذه الأعمال لم تنتهك دائمًا أوامر محددة، فقد بدأ
أنها تقوض التوجهات السياسية والأهداف التي وضعتها القيادة الدينية الأدنى
من الخميني.
ا د خط ك، فق و التماس ساتي وه ول المؤس ر للتح بالنسبة للمعيار الرابع الأخي
ار ض آث ود بع ن وج رغم م ى ال اه، عل ذا الاتج ي ه عة ف وات واس رس خط الح
ي رس، الت واء الح ت ل ضوية تح ات المن ود للفئ اك أي وج د هن م يع التحزب. ول
ادة ى قي سيطرة عل لام ية" لل ورة الإس دي الث ة "مجاه ع منظم افس م ت تتن آان
الحرس في بداياته . أما التحزب الطفيف الذي بقي في صفوف الحرس، فلا يدل
ا رس، وإنم ل الح على وجود جماعات محدودة تلتف حول أشخاص معنيين داخ
اء عه أثن سبب توس ه، ب ي بنيت اعي ف وع الاجتم اد التن اس لازدي رد انعك و مج ه
ن ي تمك الحرب. ومثال ذلك أن المجوعة الأآثر اعتدالاً من رجال الحرس –الت
9)– تم انتقاؤها دون شك من ) رفسنجاني من إرسالها إلى لبنان أوائل عام 1990
سائره ويض خ رس لتع يهم الح اج إل ذين احت دين، ال ازيين والمجن ريحة الانته ش
ة ي العملي رس ف دخل الح ى ت رة عل ة الكثي ع أن الأمثل رب. وم ي الح شرية ف الب
ذه رس، إلا أن ه ل الح شددة داخ ات المت نع الفئ ن ص ا م دو أنه د تب سياسية ق ال
ن ر ع ي تعبي يم، وه ي التنظ ستويات ف ى الم ى أعل د عل ى بالتأيي ال تحظ الأفع
يس ه، ول العاطفة الأيديولوجية المتقدة للحرس بشكل عام . لقد قاوم التنظيم بكامل
فقط بعض المجموعات الفرعية فيه، تحويله إلى مؤسسة محترفة.
استنادًا إلى المعايير المذآورة، فقد أثبت الحرس أنه أقوى من المؤسسات
الثورية الأخرى في إيران. فعلى سبيل المثال، بعدما أنجز الحزب الجمهوري
الإسلامي دوره الأساسي، آقناة احتلت من خلالها النخب السياسية الثورية
مواقعها في الحكم، فشل في أداء مهام جديدة، آتعبئة الجماهير وتوحيدها
-5-
والتعبير عن مصالحها، لافتقاره إلى المرونة والتماسك، ولذلك تم حله عام
1987 . بل إن مؤسسة "ولاية الفقيه" التي أنشئت من أجل القائد الكاريز من آية
الله الخميني، وارتبطت باسمه، أصابها الوهن بعد وفاة الخميني. وآان على
خليفة الخميني في منصب ولاية الفقيه، آية الله علي خامنئي، أن يتقاسم السلطة
مع الرئيسي رفسنجاني السياسي البارع. وذآرت بعض التقارير أن حلفاء
رفسنجاني السياسيين يحاولون تقويض مكانة خامنئي، بالتلميح بأن منصب
.( المرشد الديني الأعلى ربما يُلغى في آخر الأمر( 10
أما اللجان الثورية التي تُعد آالحرس قوات أمن ثورية، لتوطيد سيطرة
رجال الدين، فلم تُظهر القدر ذاته من القوة التي أظهرها الحرس آمؤسسة،
رغم احتفاظها أيضًا بمشاعرها الأيديولوجية المتطرفة. وآان قرار النظام بدمج
اللجان الثورية بقوى الأمن التقليدية (الشرطة والدرك) ونجاحه في ذلك، دليلاً
على الضعف النسبي لهذه اللجان آمؤسسة( 11 ). وقد حرمها عدم اشتراآها
بصورة أساسية في المجهود الحربي من التأثير التوحدي، والمكانة التي نالها
الحرس بسبب مشارآته في الحرب، ويعمل الآن في اللجان 16.000 شخص
فقط على مستوى البلاد بكاملها( 12 ) (وهذا أقل بكثير من عدد رجال الشرطة
والدرك، وآذلك من عدد رجال الحرس البالغ عددهم 300.000 رجل).
بالإضافة إلى ذلك، فإن قوة قيادة اللجان الثورية –تجاه القادة السياسيين
المدنيين– تقل آثيرًا عن قوة الحرس. وعندما أدرك القائد العام للجان الثورية،
سراج الدين موسوي، أنه لن يستطيع أن يوقف تنفيذ قرار دمج اللجان
بالشرطة، استقال من منصبه أثناء مناقشة موضوع الدمج( 13 ). والمهم في هذا
الموضوع هو أن الحرس استطاع أن يهزم محاولة مشابهة من قبل القيادة
. المدنية لدمج الحرس بالجيش النظامي بين عامي 1988 و 1989
النظراء التاريخيون / مقارنات تاريخية
إذا آان اللجان الثورية في إيران قد حافظت على طابعها الأيديولوجي دون
أن تحتفظ بقوتها آمؤسسة، فإن القوات المسلحة الثورية –التي انبثقت عن
ثورات اجتماعية آبرى– أصبحت مؤسسات قوية، ولكن على حساب الحماس
الأيديولوجي. وبعكس الحرس، فقد تحول الجيش الثوري الفرنسي، والجيش
الأحمر السوفيتي، وجيش التحرير الشعبي الصيني، إلى مؤسسات محترفة بعد
وقوع الثورات التي أنجبتها بفترة قصيرة. وبنت هذه القوات تنظيمها وعملية
-6-
صنع القرار فيها على معايير عقلانية وعلمية وليست عاطفية، وأدت قَسَم
الولاء للقيادة المدنية بغض النظر عن سياساتها، وتخلت عن دور الحارس
الأيديولوجي للجماعات أو المؤسسات الأخرى.
إن قصر المدة التي تحولت فيها تلك القوات الثورية الأخرى إلى مؤسسات
محترفة تدحض -إلى حد آبير- الرأي المضاد الذي يقول: إن عمر الحرس
القصير ( 12 سنة عند تأليف الكتاب) هو فقط سبب عدم تحوله إلى مؤسسة
محترفة، وأنه مع مرور الزمن سوف يتحول أيضًا إلى مؤسسة محترفة. غير
أنه يمكن إثبات أن عامل الوقت –بالنسبة للاحتراف– أقل أهمية من الديناميكية
السياسية لمرحلة التشكيل الأولى للقوة الثورية، ومقتضيات خوض الحرب
الثورية. لقد تحول نظراء الحرس إلى مؤسسات شديدة الاحتراف، خلال العمر
الزمني ذاته الذي مر به الحرس حتى الآن. أما الحرس فقد قاوم المؤثرات
الاحترافية المترتبة على حربه الثورية (ضد العراق) أآثر بكثير من مقاومة
نظرائه لتلك المؤثرات الناتجة عن الحروب الثورية.
في زمن استعادة الملكية في فرنسا، آان الجيش الثوري الفرنسي –بالكاد–
أقدم عهدًا مما هو عليه الحرس الآن، ومع ذلك فقد تحول إلى مؤسسة محترفة
بالكامل أثناء الحروب التي خاضتها الثورة. بل إن "التعبئة العامة" التي
استُخدمت لتعزيز الطاقة البشرية للجيش –ويمكن مقارنتها باستخدام الحرس
لمتطوعي الباسيج– لا تناقض بالضرورة مقولة: إن الجيش الثوري الفرنسي
آان جيشًا محترفًا. ويعتقد إليس أن التعبئة العامة لم تحول فرنسا إلى "أمة
مسلحة"، بل استُخدمت لتعزيز طاقة الجيش البشرية، وآانت تعتمد بشكل آبير
على التجنيد الإلزامي، ولم تكن تمثل تدفق الحماس الثوري الشعبي على نطاق
واسع، بالرغم من التأييد الشعبي الكبير للتعبئة العامة( 14 ). ولم تُلغَ بينة الجيش
التي آانت قائمة قبل الثورة، ولم تلحق بجيش ثوري جديد، بل تمت المحافظة
على بنية الجيش القديمة إلى أبعد حد ممكن، من أجل الحفاظ على الانضباط
والسيطرة على المجندين المسلحين( 15 ). لذلك آان الجيش الثوري الفرنسي
مجرد نسخة أآبر حجمًا أآثر حماسًا وآفاءة عسكرية من الجيش القديم.
ومن المفارقات أن الثورة الفرنسية وحروبها اللاحقة سهلت في الواقع –
بدلاً من أن تعيق– تحول الجيش إلى مؤسسة محترفة. وقد تم عام 1790 وضع
حد لمبدأ حصر سلك الضباط بأبناء الطبقة الأرستقراطية، وهو ما فتح المجال
-7-
أمام الجنود الموهوبين والمحترفين لدخول هذا السلك، بعد أن آان حكرًا على
نخبة تتمتع بالامتيازات، لكنها أقل آفاءة. ولقد وقف الضباط الموالون لنابليون
بحزم وراء الثورة، ولكن هذا التأييد آان مبنيًا على المصالح الخاصة وفرض
التقدم المهني المحتملة، بقدر ما آان مبنيًا على التزام أيديولوجي حقيقي. وبعد
تولي نابليون للسلطة –وهو ما يمثل أقصى درجة من التدخل العسكري في
السياسة– أصبح يُنظر إلى مفهوم الاحتراف بقدر أآبر من التقدير؛ لأن نابليون
ذاته آان مثالاً ساطعًا على الجندي المحترف. ثم إن الثورة الفرنسية آانت
وليدة فكر عقلاني مستنير، يؤمن بالعوامل العلمية والموضوعية وليس
بالمعرفة العيبية، مما عجل بتوجه الجيش نحو الاحتراف. أما الحرس الثوري
الإيراني فكان وليد عملية معاآسة تمامًا، ثورة ضد الموضوعية البراجماتية،
وتغليب للحماس الديني العاطفي الذي بثته في الجماهير قيادة آاريزمية.
وبالمثل –خلال العمر الزمني ذاته، الذي مضى على الحرس حتى الآن–
تحول الجيش الأحمر السوفيتي إلى مؤسسة محترفة. وأدت ظروف الحرب
1920 إلى - الأهلية التي نشبت ضد بقايا الجيش القيصري خلال أعوام 1917
هذا التحول السريع. فالجيش الأحمر، آالجيش الثوري الفرنسي، نشأ في رحم
الجيش القديم، والتحق عدد آبير من ضباط الجيش القيصري وضباط صفه
وأفراده بالجيش الأحمر الجديد. وانضم إليه أيضًا الحرس الأحمر (وهو
،( الميليشيا البلشفية التي ساعدت الحزب في الاستيلاء على السلطة عام 1917
وآذلك المتطوعون من الفلاحين، وهو ما أدرى إلى تقوية الولاء والالتزام
الأيديولوجي من احتفظوا بمناصبهم من أفراد الجيش القديم. وبعد الثورة
بوقت قصير، بدأت مفوضية الحزب وخلاياه بالتغلغل في الجيش الجديد
والسيطرة عليه.
آما ساهمت قرارات معينة اتخذتها القيادة السياسية في التحول السريع
للجيش الأحمر إلى مؤسسة محترفة. فبتأييد من لينين، دعا ليون تروتسكي –
بصفته مفوض الشعب للشئون العسكرية، وهو عمليًا رئيس الجيش الأحمر–
إلى خلق الروح الاحترافية في الجيش على حساب النقاء الثوري، لكونها
الوسيلة المثلى للحفاظ على أمن الثورة في مواجهة أعدائها في الداخل
والخارج. وأثناء تشكيل الجيش الأحمر ومعارك الحرب الأهلية، تغلب رأي
تروتسكي على أراء الآخرين، بمن فيهم ستالين، الذين دعوا إلى تكتيك حرب
-8-
العصابات، وإجراء تطهير آامل لضباط العهد القيصري السابقين، ونادوا
بسيادة مفوضي الوحدات على الضباط( 16 ). وقد التزمت قيادة الحزب بهذه
التوصيات، التي تدعو إلى التنظيم القائم على أسس تقليدية احترافية، في أمور
التكتيك والعقيدة العسكرية والتجنيد والترقيات والتسلسل الهرمي( 17 ). وعلى
سبيل المثال، ألغي مبدأ انتخاب الضباط من قبل الجنود العاديين عام
18 )، وهو مبدأ آان يتسم بالتطرف ويناقض مفهوم الاحتراف، حتى أن )1918
ستالين عند وصوله للسلطة ومواجهة آلة هتلر الحربية، أدرك أهمية مفهوم
الاحتراف في الجيش الأحمر، فأزاح العديد من مناضلي الحزب القدماء، وعيّن
مكانهم قيادات أآثر آفاءة وخبرة من أجل هزيمة الجيش الألماني.
لذا، فإنه فيما يتعلق بالجيش الأحمر، تحقق الاحتراف بعد الثورة بفترة
قصيرة، تمامًا آما حصل في الجيش الثوري الفرنسي. ونتيجة الحفاظ على
هياآل الجيش القديم وعناصره القيادية ضعفت الأيديولوجيا، وضحى بها قادة
الأمة، تحقيقًا للكفاءة والفعالية الحقيقيتين الضروريتين للدفاع عن الثورة
والأمة. وهما عاملان ينبغي وجودهما –ظاهريًا وجوهريًا– في أي تنظيم،
ولكنهما آان غائبين أو ضعيفين في حالة الحرس.
أما جيش التحرير الشعبي الصيني فقد تطور بطريقة مختلفة عن الجيش
الثوري الفرنسي والجيش الأحمر السوفيتي. فقد تشكل جيش التحرير الشعبي
بهدف مساعدة الحزب الشيوعي الصيني في الوصول إلى السلطة، وليس
لمجرد تأمين النصر الثوري. وحالما حقق الحزب الشيوعي النصر النهائي عام
1949 ، آان جيش التحرير الشعبي قد ثبت أقدامه واتسم بحسن التنظيم. وأدت
الحرب الكورية –التي بدأت بعد تولي الشيوعيين السلطة في الصين بوقت
قصير– إلى تعزيز عملية تحويل جيش التحرير الشعبي إلى مؤسسة محترفة.
ولأن جيش التحرير الشعبي هزم الجيش الذي آان موجودًا قبله، وأزاله ولم
يندمج به، فقد آان يتألف بأآمله تقريبًا من المقاتلين الثوريين، وهذا ما حدث مع
الحرس.
أثناء النضال الذي قاده ماوتسي تونج ضد جيوش تشيانج آاي شيك، فوّض
قادته –على ما يبدو– بسلطات عملياتية آثيرة، وآان يؤآد على أهمية الكفاءة
العسكرية( 19 ). وفي الحرب الكورية، تخلى قائد جيش التحرير الشعبي الصيني
في آوريا، بينج تيهواي، عن تكتيك حرب العصابات التقليدي، وقام بتحديث
-9-
النظام اللوجستي لجيش التحرير الشعبي، وزاد التأآيد على أهمية قوة النيران،
وهذه آلها من سمات التحول المتزايد إلى مفهوم الاحتراف( 20 ). واستنادًا إلى
أدلمان، فقد "انبثق عن الحرب الكورية عام 1953 جيش صيني محترف،
حديث وقوي، ليحل محل القوة البدائية من رجال العصابات التي دخلت هذه
.(21)" الحرب عام 1950
إن الدليل على تحول جيش التحرير الشعبي الصيني، من قوة ذات توجهات
أيديولوجية وسياسية قوية إلى قوة أآثر احترافًا، نجده في سلوآه أثناء الثورة
الثقافية التي قامت أواخر الستينيات. ففي عام 1967 ، وبدلاً من تدخل وحدات
جيش التحرير الشعبي لمؤازرة العناصر المتطرفة آما أمر ماو، قام الكثير
منها بمحاولة لاستعادة الاستقرار السياسي الداخلي، وذلك باحتواء التجاوزات
التي ارتكبها رجال الحرس الأحمر المسلحون والمتطرفون( 22 ). وبذلك اآتسب
الجيش نفوذًا سياسيًا آبيرًان ولكنه خسر حق الادعاء بأنه يقوم بدور حامي
النقاء الأيديولوجي للثورة الشيوعية الصينية. وبامتناعه عن التدخل في أي
صراع سياسي داخلي، يكون جيش التحرير الشعبي –آأي قوة محترفة– قد
اختار الاستقرار. وفي حالات تدخله الفعلي آان ذلك بطلب من القيادة المدنية
وليس نابعًا من ذاته. وقد مارس جيش التحرير الشعبي دوره في الثورة الثقافية
بناءً على أوامر ماو، إذ آان يثق في جيش التحرير الشعبي أآثر من الحرس
الأحمر الذي يعد أآثر جموحًا( 23 ). أما الحرس الثوري الإيراني فكان يقوم
بأنشطته السياسية بمبادرات ذاتية، وإن آان تدخله في الأمور السياسية غير
مباشر.
ويستطيع الحرس أن يتصرف بحرية؛ لأنه لا يخضع لسيطرة جهاز حزب
محكم وشديد التنظيم، ولم يتغلغل في صفوفه مثل هذا الجهاز الحزبي، آما هو
الحال في الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية. ويمكن أن تعزى هذه
الاستقلالية إلى بدايات تشكيله. فبعكس الجيش الأحمر وجيش التحرير الشعبي،
لم يقم الحزب الثوري المدني بتشكيل الحرس. بل آانت للحرس جذوره
المستقلة عند قيام الثورة، وقاتل أسلاف الحرس جنبًا إلى جنب مع الخميني
ورجال الدين الثوريين، أي أن ميليشيا الحرس دخلت الحرآة الثورية بإرادتها،
وببرنامجها السياسي، وبهيكل قيادتها المستقل الخاص بها.
-10-
وبالمزيد من المقارنة يتبين لنا أن الحرس استطاع أن يبرز على الساحة
آحام للثورة ولقيمها الأيديولوجية؛ لأنه لم يكن لديه حزب مدني موحد يدعي
بأنه يمثل الاستقامة الأيديولوجية. بينما آانت مثل هذه الأحزاب موجودة
بالنسبة للجيش الأحمر وجيش التحرير الشعبي، الأمر الذي لم يترك مجالاً لهذه
الجيوش لأن تستأثر بدور الطليعة الثورية. ولأن تعريف النقاء الثوري لم
يصدر عن مؤسسة رجال الدين الثوريين المنقسمين على أنفسهم، وإنما عن
الخميني، القائد الكاريزمي للحرس، فقد أمكن لعناصر الحرس –المؤيدة للرؤى
المتشددة للخميني– أن تنفرد بدور حامي النقاء الأيديولوجي، بغير أن تستند
إلى موقعها التنظيمي أو المؤسساتي فحسب.
لقد خرج الجيش الثوري الفرنسي، والجيش الأحمر السوفيتي، وجيش
التحرير الشعبي الصيني، من حروبهم الثورية آقوى عسكرية محترفة. أما
الحرس –رغم انكماش نشاطه السياسي منذ وفاة الخميني عام 1989 ، وآونه
أآثر تنظيمًا وتماسكًا– فقد حافظ على شخصيته الأيديولوجية شديدة التطرف،
ولم يتحول إلى مؤسسة محترفة، تتخذ قراراتها العسكرية على أساس المعايير
العلمية والموضوعية وليس المعايير العاطفية أو الأيديولوجية، وتدين بالولاء
للقيادة المدنية بغض النظر عن السياسات التي تنتهجها. والنتيجة الطبيعية لعدم
تسييس القوة المحترفة، هي عدم الرغبة في المشارآة بقمع الاضطرابات
المدنية، وهذه سمة أظهرها نظراء الحرس بينما يفتقر هو إليها. ويمكن إثبات
أن الحرس تعوزه معايير القوة المحترفة، وأنه استمر في التزامه الأيديولوجي،
من خلال دراسة أفعاله، وخاصة تلك التي حدثت قبيل نهاية الحرب العراقية –
. الإيرانية، ومنذ إعلان وقف إطلاق النار عام 1988
استمرار التطرف
إن استمرار هيمنة الأيديولوجيات المتطرفة على الحرس يوفر دليلاً قويًا
بين أيدينا على أن عملية صنع القرار فيه تتم على أسس أيديولوجية وليست
علمية. فما زال محسن رضائي المتطرف على رأس الحرس، رغم مسئوليته
عن عدة هزائم آبرى في ساحة المعرآة، أجبرت إيران على القبول بوقف
إطلاق النار، وما زال أعوانه المتشددون –من أمثال– رحيم صفوي وعلي
رضا أفشر– يشغلون مناصب هامة. وقد سيطر حليفاه المتشددان علي شمخاني
وعباس محتاج على سلاح البحرية النظامي في إيران، وآان قائد مفرزة
-11-
.( الحرس في لبنان، حسين دهقان، قائدًا لسلاح جو الحرس حتى فترة قريبة( 24
ومن المفارقات أن القائد الكبير الوحيد في الحرس، الذي فقد منصبه نتيجة
لخسارة إيران الحرب، هو أقلهم تطرفًا وأآثرهم براجماتية، أي رفيق دوست
وزير الحرس السابق، لكنه يترأس الآن مؤسسة ثورية، هي مؤسسة
المستضعفين، التي تعمل عن آثب مع الحرس، آما يبدو أنه استعاد بعض
مسئولياته عن المشتريات العسكرية في هيئة أرآان القيادة العامة للقوات
.( المسلحة( 25
رغم نضج التنظيم العسكري للحرس وازدياد تماسكه خلال الحرب، فإن
تكتيكاته واستراتيجياته القتالية غير التقليدية لم تتغير جذريًا. فقد ظل يستخدم
أسلوبه المميز في الهجوم، أي "الموجات البشرية" التي يمثل فيها متطوعو
الباسيج بأسلحتهم الخفيفة رأس الحربة. ونتيجة للخسائر الفادحة التي مني بها
الحرس في هجماته (لاسيما هجوم آربلاء 5 عام 1987 ) انخفض عدد
المتطوعين. آما أن تقصير الحرس في استخدام تكتيكات تقليدية، تعتمد على
المدفعية الثقيلة والدروع، ساهم مساهمة آبيرة في الهزائم التي لحقت بإيران
عام 1988 . أما الآن فيستخدم الحرس الأسلحة التقليدية الثقيلة، ويتطلع
للحصول على المزيد منها، مثل الطائرات المتطورة. ومن المرجح أن يرآز
في أية معرآة مقبلة على التكتيكات التقليدية أآثر مما فعل خلال الحرب
الإيرانية – العراقية.
1988 توضح - وبالمثل فإن بعض أنشطة الحرس البحرية عامي 1987
طغيان الاعتبارات الأيديولوجية والسياسية على عملية صنع القرار في الحرس
خلال الحرب الإيرانية – العراقية. وتأتي على رأس هذه الأنشطة الهجمات
المضادة التي شنتها السفن الإيرانية في 8 نيسان (أبريل) 1988 –بقيادة
الحرس أو بأوامر منه– على البحرية الأمريكية، التي تتمتع بتفوق ساحق،
بينما آانت الأخيرة توجه ضربة انتقامية قبالة الساحل الإيراني( 26 ). وأسفر
الهجوم الإيراني البحري عن فقدان إيران قرابة 20 % من سفنها الحربية
الرئيسية، ولو آانت هناك بنية عسكرية محترفة لما اتخذت قرارًا بشن مثل
.( هذا الهجوم( 27
لعل أبلغ مثال على استعداد الحرس لوضع الأيديولوجيات فوق الاعتبارات
العسكرية الموضوعية، هو معارضته لوقف إطلاق النار في تموز (يوليو)
-12-
1988 ، إثر الهزائم العسكرية المتتالية. وبرغم خسارة جميع المواقع التي
احتلها إيران في العراق خلال الحرب، ودخول القوات العراقية مجددًا إلى
الأراضي الإيرانية، والانهيار الفعلي لوحدات الحرس، فقد أراد قادته وجنوده
مواصلة القتال، وآانوا لا يزالون يعتقدون أن النصر ممكن في نهاية
.( المطاف( 28
ويكرس الحرس افتقاره إلى الروح الاحترافية عبر تدخله المستمر في
السياسة، بما يتناقض غالبًا مع التوجهات السياسية لرؤسائه المدنيين. وآما
أوضحنا آنفًا، تجاوز الحرس بمراحل نظراءه في المجتمعات الأخرى، في
درجة استئثاره بدون حامي حمى النقاء الأيديولوجي للثورة، وسياسة آية الله
الخميني. ومع أن تضاؤل الحماس تجاه الثورة قد أضعف نفوذ الحرس، وقلل
من فرصه لانتهاج السياسات الراديكالية المتطرفة، فلا تزال هناك أمثلة حديثة
العهد تثبت إقدام الحرس على انتهاج سياسة متطرفة، ولو أدى ذلك إلى تمييع
أوامر الزعماء السياسيين أو إلغائها، بل إنه فعل ذلك أحيانًا من أجل تحقيق هذا
الغرض.
وآان رئيس الجمهورية علي أآبر هاشمي رفسنجاني –ولا يزال– هدفًا
رئيسيًا لتدخل الحرس في الشئون السياسية، بسبب استعداده للتضحية
بالأيديولوجية في سبيل تحقيق أهداف براجماتية، الأمر الذي يتعارض تعارضًا
جوهريًا مع فلسفة الحرس. ووردت بعد الحرب تقارير موثوق بها عن تعرضه
لمحاولات اغتيال من جانب الحرس، بسبب دوره في إنهاء الحرب وما صاحب
.( ذلك من جهود لإضعاف الحرس (المعارض الرئيسي لوقف إطلاق النار) ( 29
وقام الحرس بمحاولة مكشوفة أخرى لاغتيال رفسنجاني في أعقاب الزلزال
الذي ضرب إيران في حزيران (يونيو) 1990 ، ردًا على محاولات رفسنجاني
لاستغلال الزلزال وجهود الإغاثة الغربية من أجل تحسين العلاقات السياسية
.( مع الغرب( 30
آما روج الحرس لخطه المتطرف بصورة غير مباشرة، وإن لم تكن أقل
عنفًا. ففي محاولة منه للحيلولة دون حدوث أي تقارب بعد الحرب بين إيران
والغرب، وانتقامًا من الأمريكيين لإسقاطهم طائرة الإيرباص الإيرانية في
تموز (يوليو 1988 )، آلف الحرس من يفجر طائرة رآاب أمريكية (رحلة بان
أمريكان رقم 103 في آانون الأول (ديسمبر 1988 )، برغم اعتقاد المحققين
-13-
الدوليين بأن ليبيا تتحمل المسئولية الأساسية عن ذلك( 31 ). وفي مطلع عام
1989 اعتدى الحرس بالضرب على مسئول في وزارة الخارجية، اعتبروه
غير ثوري بما فيه الكفاية( 32 ). وساند الحرس حليفه وصنيعته "حزب الله" في
،1990- نزاع الأخير مع حرآة أمل المنافسة له في لبنان خلال الأعوام 1987
حتى عندما آان وزير خارجية إيران، وغيره من القادة البراجماتيين الآخرين،
يحاولون مع سوريا التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وإلى تسوية دائمة بين
الفصيلين الشيعيين( 33 ). (آان واضحًا أن المفاوضين الإيرانيين يتمنون عدم
حدوث انتهاآات متكررة لوقف إطلاق النار، وأن الحرس –بدعمهم حزب الله–
آانوا يتصرفون خلافًا لرغبات زعمائهم المدنيين). ومن الناحية العسكرية، بعد
،( أن سيطر الحرس على سلاح البحرية النظامية في حزيران (يونيو 1990
هدد على لسان علي شمخاني –الذي آان قائدًا للحرس مدة طويلة ثم أصبح
قائدًا لسلاح بحرية الحرس والبحرية النظامية– بمنع السفن الحربية العراقية
من الإبحار في الخليج العربي، ولمح إلى سعي إيران للحصول على غواصات
حديثة( 34 ). وآان تهديد شمخاني متزامنًا –ومتناقضًا– مع جهود رفسنجاني
.( للتوصل إلى تسوية نهائية مع العراق( 35
وفي الداخل واصل الحرس تنظيم ومساندة المظاهرات ذات التوجهات
الأيديولوجية، المعادية للولايات المتحدة، مثل ما يحدث في ذآرى الاستيلاء
على سفارة الولايات المتحدة عام 1979 . ولا يزال الحرس يستخدم مقر
السفارة آساحة لإجراء التدريبات، ومقرًا للقيادة، ومرآزًا لتوزيع ما ينشره من
المطبوعات المعادية للولايات المتحدة( 36 ). آما يواصل الحرس ميله، بل
حماسه، لاستخدام وسائل العنف في قمع المعارضة الشعبية للحكم ومبادىء
الثورة، بعكس نظرائه المحترفين الذين يحجمون عن المشارآة في قمع
الاضطرابات الأهلية. وفي عام 1991 ، تكرر استخدام الحرس لهذا الأسلوب
في مواجهة المظاهرات المعادية للحكومة، التي اندلعت احتجاجًا على تدهور
الأحوال الاقتصادية. وبالإضافة إلى قمع المظاهرات، استخدام الحرس واللجان
الثورية إجراءات صارمة ضد آل من يخالف تعاليم الدين الإسلامي، بالرغم
من اتجاه البراجماتيين –مثل رفسنجاني– على التغاضي عن بعض تلك
القيود( 37 ). أما التنظيمات المحترفة فترى أن مهمتها حماية الدولة، وليست
تحديد الاتجاهات السياسية الداخلية. لكن الحرس لا يعترف بهذا التمييز، ولذا لا
-14-
يتورع عن التورط في الشئون الداخلية، بغض النظر عن تلقيه –أو عدم تلقيه–
دعوة أو تعليمات من السلطات المدنية بهذا الشأن.
تدل تصرفات الحرس أثناء حرب الخليج الثانية عام 1991 ، وعقبها، على
استمرار توجهاته المتطرفة. فقد حاول رفسنجاني، وآثير من القيادات المدنية،
اتخاذ موقف حيادي في النزاع بين الولايات المتحدة والعراق، ربما لجني فوائد
مالية وسياسية من الغرب بعد انتهاء الحرب. ونادت قيادة الحرس –أثناء
الحرب الجوية التي شنتها قوات التحالف ضد العراق– بضرورة بقاء إيران
على الحياد، ولكنها عبرت عن شدة مقتها لقتل الأخوة المسلمين في العراق في
الغارات الجوية التي شنتها قوات التحالف. وهو ما يتماشى مع المواقف
الأيديولوجية السابقة للحرس، التي آانت تنتقد الولايات المتحدة، ولكن دون
تقديم يد المساعدة للعراق. فقد ظل العراق العدو اللدود للحرس على مدى
ثمانية أعوام، ولا يزال الحرس يأمل في تحقيق حلم الخميني بالإطاحة بالحكم
البعثي في بغداد، أو تأسيس جمهورية إسلامية في جنوب العراق الذي يقطنه
الشيعة.
وعلى الرغم من جهود رفسنجاني لكبح جماح الحرس، قدم الحرس تأييده
للفدائيين العراقيين الشيعة –المنتمين إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية
بالعراق– في تمردهم ضد الحكومة العراقية عقب الحرب( 38 ). ومن المحتمل
أن يكون موقف رفسنجاني الواضح، في معارضة تدخل إيران في جنوب
العراق، قد أدى إلى فشل الحرس في التدخل بشكل أآثر مباشرة وعنفًا. وقد
عزا محمد باقر الحكيم، زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، فشل تمرد
الشيعة إلى عدم توافر المساندة الكافية من طهران، وفي هذا إشارة صريحة
إلى اعتراض رفسنجاني على مساعدة حرآة التمرد. وبرغم استمرار الحرس
في عدائه الغريزي لأمريكا، فلم يخاطر قط بالدخول في معرآة مع قوات
الولايات المتحدة، التي آانت تحتل جنوب العراق في ذلك الوقت، في تموز
(يوليو) 1991 ، شن الحرس هجومًا بحريًا بسيطًا في الخليج على السفينة
الأمريكية "لاسال"، وقد وردت تقارير عن "اعتذار" الحرس عن شن ذلك
.( الهجوم( 39
-15-
آفاق مستقبل الحرس الثوري
من المتوقع أن يظل الحرس، في المستقبل المنظور، قوة ذات توجه
أيديولوجي تنقصها روح الاحتراف. غير أن المناخ السياسي الأقل تطرفًا –
السائد حاليًا في إيران– قد يضعف النفوذ السياسي للحرس داخل النظام. فقد
أصبح المجتمع والسياسة الإيرانيان أقل التزامًا بالفكر الأيديولوجي، منذ نهاية
الحرب ووفاة الخميني. وتألق نجم البراجماتيين في ساحة العمل السياسي، رغم
معارضة الحرس وغيره من المتطرفين، المتمسكين بالتزامهم الأيديولوجي.
ونجح رفسنجاني –حتى الآن– في التعبير عن ضرورة انتهاج إيران سياسة
معتدلة، لاجتذاب الاستثمارات الغربية والقروض التي تحتاجها، من أجل
تحسين مستوى معيشة الشعب. وأقر النظام –بعد رحيل الخميني– حصول
إيران على قروض محدودة من الدول الغربية، آما رتب رفنسجاني عملية
إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين في لبنان، بالرغم من معارضة المتطرفين.
واستُبعد عدد من المتطرفين البارزين وحلفاء الحرس من الحكومة التي تشكلت
بعد وفاة الخميني –مثل علي أآبر محتشمي بور وبهزار نبوي وأبو القاسم
سارهاديزاده– إذ فشلوا في انتخابات المجلس التي جرت في نيسان (أبريل)
40 ). ويضطلع المتطرفون الآن بدور سلبي يتمثل في إعاقة التسويات )1992
التي يطرحها الزعماء الأآثر اعتدالاً، بعد أن آان الحرس والسياسيون
المتطرفون يحددون التوجهات السياسية في ذورة احتدام المعارك العسكرية.
قد تكون هناك بوادر على أن تراجع الحماس الثوري في إيران أخذ يؤثر
في الحرس من الداخل. فلا شك أن موافقة الحرس الثوري على استخدام الرتب
منذ عام 1990 ، وتعيين الضابط العسكري النظامي حسين جلالي قائدًا للقوات
الجوية للحرس عام 1992 ، قد يعدان اعترافًا من جانب الحرس بأن الحماس
الأيديولوجي وحده لم يعد آافيًا لضمان الولاء التنظيمي أو اجتذاب مجندين
جدد( 41 ). غير أن الموافقة على استخدام الرتب العسكرية لا تجزم تمامًا بتنازل
الحرس عن طابعه الأيديولوجي، أو تحوله إلى مؤسسة محترفة، إذ ما زالت
تصدر عن الحرس تصرفات وبيانات متطرفة، مع أنها أصبحت أقل مما آانت
عليه أثناء الحرب حين آان نفوذ الحرس في أوجه. بل تردد أن موافقة الحرس
على استخدام الرتب آان مجرد إرضاء للزعامة المدنية التي آانت تسعى
لتحويل قوات الحرس إلى قوات نظامية محترفة( 42 ). وعمومًا فإن تمكن القيادة
-16-
المدنية من إحداث بعض التغيير الداخلي في الحرس يعد دليلاً على تقلص
استقلاليته.
بالنظر إلى استمرار تطرف الحرس –في الوقت الذي تسير فيه إيران نحو
الاعتدال– فمن الضروري التنبؤ بدوره وأنشطته في المستقبل. أولاً وقبل آل
شيء، من المستبعد أن يحشد الحرس ما لديه من قوة، في محاولة شاملة لتسلم
مقاليد السلطة السياسية المباشرة في إيران. إلا إذا واجه حكم رجال الدين آكل
تهديدًا من المعارضة الشعبية، فيمكن للحرس حينئذٍ أن يقبض على زمام
السلطة من أجل إخماد ثورة عارمة. وفي غياب مثل هذا التمرد الشعبي، فإن
أي انقلاب ضد الزعامة الدينية يُعد انتهاآًا لحرمة الحكم الديني الذي هو تراث
الخميني، علمًا بأن انتهاك مبادىء الخميني يعادل نقض الأيديولوجيا ذاتها التي
تستند إليها شرعية الحرس نفسه. آما أنه –حتى في خضم حملة الحرس
للمحافظة على نقاء الثورة– ولم يهدد بالاستيلاء على السلطة، ولم يبد رغبة في
ذلك. ولكنه تصرف عمومًا بصورة غير مباشرة، مثل مساندة حلفائه السياسيين
المتطرفين، وتنفيذ العمليات العسكرية والسياسية وأنشطة تصدير الثورة بهدف
إحراج القادة المدنيين المعتدلين والبراجماتيين.
أما إذا حاول رفسنجاني –أو غيره من القادة السياسيين البراجماتيين–
التعرض لمبادىء الخميني والثورة، أو إضعاف الحرس بشكل مباشر، فلا
يمكن استبعاد محاولة الحرس اغتيال هؤلاء القادة. وفي حال نجاح مثل تلك
المحاولة، فمن المتوقع أن يساعد الحرس حلفاءه من السياسيين المتطرفين –
مثل محتشمي بور أو أحمد الخميني– على الوصول إلى السلطة. آما أن هناك
احتمالاً أآبر في أن يقوم الحرس باعتقال البراجماتيين ذوي المناصب الأقل،
فضلاً عن مساعدي رفسنجاني، آوسيلة لتخويف معارضي الحرس في الداخل.
وحتى إذا لم يلجأ الحرس إلى استخدام العنف مباشرة ضد رفسنجاني وغيره
من الزعماء البراجماتيين، فمن المتوقع أن يستمر في حشد التأييد للسياسات
المتطرفة والسياسيين المتطرفين، وإضعاف الزعماء السياسيين البراجماتيين
متى أتيحت له الفرصة. ومن المتوقع استمرار قادة الحرس في إصدار بيانات
متشددة، واقتراح بدائل سياسية متطرفة، واستنفار الجماهير وإشراآها في
المظاهرات الرسمية، مثل تلك التي تقام بمناسبة الاستيلاء على سافرة الولايات
المتحدة وذآرى وفاة آية الله الخميني. ومن المتوقع أن يطالب الحرس –في
-17-
مقابل تعاونه أو قبوله بمبادرات السياسة البراجماتية– بشراء المزيد من
الأسلحة، أو تعيين قادة الحرس في مواقع حيوية بالجيش النظامي، آوسيلة
للسيطرة عليه.
وعلى أية حال، لن يقلع الحرس عن استخدام سلاحه الأساسي لتقويض نفوذ
البراجماتيين الإيرانيين، ألا وهو العمليات العسكرية أو الإرهابية، العلنية منها
والسرية، بهدف إعاقة إحراز أي تقدم نحو إجراء تسوية مع خصوم إيران،
وإفساد علاقاتها الطبيعية مع الحكومات الصديقة أو المحايدة. فمثلاً يحتفظ
الحرس بشبكة سرية واسعة في الخارج يمكنه من خلالها الاستمرار في اغتيال
الدبلوماسيين العرب( 43 ). وما زالت سفارات إيران في لبنان وباآستان وسوريا
وتايلاند وإثيوبيا، وفي آل دول العالم العربي وآسيا وأفريقيا وأوربا، تضم
أعضاء سابقين وحاليين في الحرس، يواصلون إرسال تقاريرهم إلى آبار قادة
الحرس وحلفائهم في وزارة الخارجية( 44 ). وبسبب وجود هذه الشبكة الواسعة،
لا يمكن استبعاد احتمال أن يخطط الحرس عملية أخرى لتفجير إحدى
الطائرات التجارية الأمريكية، أو شن هجوم إرهابي على مرافق حيوية، أو
FBI على سياسيين داخل الولايات المتحدة. وقد أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي
عام 1987 عن دخول أعضاء من الحرس إلى الولايات المتحدة بصفة
طلبة( 45 ). وبما أن البحرية الإيرانية –الخاضعة لسيطرة الحرس– قد حصلت
على غواصات حديثة، فيجب عدم استبعاد شن هجوم على إحدى السفن
الأمريكية أو الأوربية، ولو آان لمجرد عرقلة أي تقارب وشيك بين الولايات
المتحدة أو الأوربية. أو قد يلجأ الحرس إلى تكرار "عملية تشابلن" لإلقاء
الرعب في قلوب الدبلوماسيين الأجانب في طهران ردًا على الإجراءات
التأديبية التي اتخذتها دول الغرب ضد عملاء إيران في الخارج. وقد يكون
الحرس وراء ممارسة الضغوط على السفارة السويسرية في طهران أواخر
عام 1991 ، ردًا على إلقاء سويسرا القبض على أحد الإيرانيين المتورطين في
عملية اغتيال رئيس الوزراء الإيراني السابق "شهبور بختيار" في آب
.( (أغسطس 1991 ) (وهي عملية قد يكون وراءها عملاء الحرس) ( 46
ومن المحتمل أن يواصل الحرس تسليح وتدريب حزب الله في لبنان،
والقتال إلى جانبه، بالرغم من جهود البراجماتيين الإيرانيين –بالاتفاق مع
سوريا– للتوصل إلى انسحاب لقوات الحرس من لبنان. وقد يلجأ الحرس –من
-18-
أجل الحيولة دون تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران– إلى تشجيع
"حزب الله" على استئناف اختطاف رهائن أمريكيين في لبنان، وإن يكن هذا
الأمر بعيد الاحتمال.