آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 9 رجب 1444هـ الموافق:31 يناير 2023م 09:01:37 بتوقيت مكة

جديد الموقع

محمد الأعظمي ..
الكاتب : محمد الأعظمي ..

الحجج الدامغات لنقض كتاب المراجعات

أبو مريم بن محمد الأعظمي

دار الضحى/ تونس

الطبعة الأولى 1417 هجرية

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله.

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلّمون).

(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءاً واتّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيباً).

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله فقد فاز فوزاً عظيماً).

أمّا بعد. . .

فمنذ بضع سنين قمت بتحقيق مخطوط فيه مجموعة من فتأوي شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله وكان ضمن فتأويه ومسائله تلك مسألة فيها أفضلية أبي بكر وعمر على عليّ رضي الله عنهم أجمعين، وأجاب فيها شيخ الإسلام- كعادته- جواباً شافياً واضحاً بالأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنّة، ثم يسّر الله سبحانه وتعالى طبع الجزء الأول من الكتاب، وكأنت فيه مسألتان في هذا الموضوع ولم أكن إذ ذاك قد اطلعت كثيراً على كتب الشيعة ولا على مختلف أقوالهم مما خالفوا فيه أهل السّنّة، بل لم يكن يخطر ببالي شيء من ذلك سوى مرة واحدة دار فيها حديث بيني وبين اخوان لي في الله بخصوص ما جاء في بعض كتب الشيعة ككتاب الكافي وبعض كتب الطبرسي، وسجلت منها في ملاحظاتي ما لم أكن أعرفه من ذلك، وأنتهى الأمر عند هذا الحد.

ثم وقع كتابنا ذاك في أيدي قرّاء كثيرين من السنّة والشيعة على السواء وبعضهم وصلهم الكتاب إهداءً مني وهم من أقراني في العمل، وطبيعي أن تثير تلك المسألة عند من هم على المذهب الشّيعي إهتمامهم ومحأولتهم للرد على ذلك بشتى السبل، ودارت بيني وبينهم نقاشات ونقاشات، ولم يكن يسعفني في كل ذلك سوى ما تعلمته من كلام شيخ الإسلام وأدلته، وفي كل ذلك لم تكن المناقشات والمناظرات خارجة عن النقاش العلمي غير المتعصّب من كلا الجانبين على السواء، حتى تطور الحال إلى أن بعضاّ منهم أخذ يبحث من ورائي في كتب كثيرة ويجلب لي من يناظرني في تلك المسألة وفي كل ذلك كان جوابي الوحيد الذي هو جواب أهل السّنّة والجماعة والذي التزم به الإمام أحمد في محنته المعروفة أن أقول: إيتوني بدليل صحيح وصريح من الكتاب والسنة على ما تقولون اتّبعكم عليه، وأنتهيت حينها إلى ضرورة التفرغ لمثل هذا الأمر والإلتجاء اليه لما رأيت في إعتقاد كثير من الناس مما هو مخالف للسنة الصحيحة عن المعصوم صَلّى الله عليه وسلّم ممن هم منتسبون إلى السنة أو الشيعة على السواء. وان مسألة بحث التفاضل بين الصحابة هؤلاء رضي الله عنهم لا يعد تفريقاً بينهم، ولا يلزم منه القدح في المفضول، وان ذلك من العدل الذي أمر الله سبحانه وتعالى به من اعطاء كل ذي حق حقه، وهو نظير تفضيل الله سبحانه بنص الكتاب لمن أنفق وقاتل قبل الفتح على من أنفق وقاتل بعده.

وكأنت الإعتراضات التي تثور عليّ إما ممن يدّعي أن ذلك يؤدي إلى التفرقة بين الصحابة، وهذا أمره هين وسهل في إقناعه، أو ممن خالف ذلك الأصل ويقول بأفضلية عليّ على أبي بكر وعمر وسائر الصحابة على الأقل

وأقول على الأقل لما هو معروف من أقوال الشيعة أن منهم من يسب ويلعن أبا بكر وعمر وسائر الصحابة، فأقل مراتب التشيّع، وأخف أقوال الشيعة هو قول من يقول بأفضلية عليّ على أبي بكر وعمر، لذا فمن الطبيعي أن تثير تلك المسألة التي تطرق إليها شيخ الإسلام غضب الجميع لإشتراكهم جميعا في ذلك، يضاف إليهم ممن ينتسب إلى أهل السّنّة من يعد الكلام في مثل هذا الأمر من فضول المسائل أو مما يثير الإختلاف والفرقة على حد زعمهم.

لذا كان لزاماّ علي مواجهة كل هؤلاء وإقناع كل منهم بالحق الذي تدل عليه آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم الصحيحة الصريحة في ذلك ولا شك أني كنت أجد فيما بينهم- على قلتهم- من يؤيدني في ذلك، لكنّه تأييد نابع ليس من علم واطلاع ومعرفة بل من عصبية وهوى أو من ثقة بما ليس إلا فهو يغني في ميزان الحق شيئاً.

وتطور الأمر إلى أنّ بعضاً منهم أخذ يأتيني بأدلة مختلفة من الكتاب أو بالسنة يزعم أنها تؤيد مذهبه، ولم أكن أعرف تماماً مصدر هذه الأدلة ومن أرشده إليها خصوصاً وأن بعضاً منهم باعترافه هو لم يكن من أهل العلم المتبحّرين، ولا من حفظة النّصوص، وبعضهم يأتيني بها مكتوبةً مسجلةً، لا يرشدني إلى مصدرها فكنت أكتفي حينها بالردّ عليها فقط وبيان ما فيها من ضعف أو عدم دلالة على ما ادعاه.

وسار الأمر على هذا المنوال حتى اضطر أحدهم إلى عرض كتاب (المراجعات) لمؤلفه (عبد الحسين شرف الدين الموسوي) علي طالباً بيان رأيي فيه، ولا أنكر أني كنت قد سمعت عنه وعلمت به فيما قرأت ولكن لم يتح لي الوقوف عليه ولا معرفة محتواه حتى جاءني به أحدهم، وكأنت تلك المرة الأولى فلم أقف عليه طويلاً، غير أني اكتشفت أن معظم النّصوص التي كنت أحاجج بها مستلة منه حتى بنفس التعليق عليه بما في ذلك التعليق من أخطاء كنت قد بينتها لمن عرضها عليّ. ثم تكرر ذكر والإحتجاج به من أناس عديدين بعد ذلك، وحصل مثله لبعض الإخوان فأرسله اليّ طالباً بيان ردّ سريع عليه. أو على الأقل بيان الرأي في صحة ما احتواه من نصوص، أو دلالة على المدعي.

فأيقنت حينها أن هذا من المتحتم على الأقل فيما يخصني لنفسي ولمن طلبه مني، وان هذا لا يغني عنه الرد السريع بل رد مفصّل على كل ما جاء في الكتاب دون ترك شاردة أو واردة فيه قدر الإمكان، مع عدم علمي بمن فعل ذلك([1]) فتوكلت على الله وعقدت العزم على التعقيب على الكتاب جملةً جملة؛ بما يستحق ذلك وكذا جميع حواشيه مستعيناً بأقوال أهل العلم في كل ذلك على قدر اطلاعي وعلمي وأردت منه أن يكون رداً- كما قلت- أحتفظ به لنفسي استعمله لكل من احتجّ بذلك الكتاب أمامي ولا أمنع أحداّ طلبه مني.

والذي يهمّ في ذلك الكتاب ويجعل له تلك المكانة من دون الكتب الأخرى عدة أمور: -

أولها. . إنه ناتج- كما هو مزعوم- من مناظرة بين مؤلفه وبين شيخ الأزهر الذي يمثّل جانب أهل السّنّة جميعاً هنا، فكل إقراراته على كلام الأول تحمل على انها إقرارات من أهل السّنّة جميعاً تلزمهم الحجة، مع ان كل من طالعه ونظر في أدلّته وكان عنده حظّ من علْم عَلِمَ ببطلانها أو عدم دلالتها على المدّعي، والعجَب كيف غفل عن ذلك شيخ الأزهر حتى وافقه عليه، وغالب الظنّ أنها مناظرات مزعومة غير حقيقية وإلاّ فبِمَ يفسّر سكوته عن مثل احتجاجه بالأحاديث الظاهرة البطلان؟ أو عن الكذب حتى في نقل النّصوص؟- كما سنبين إن شاء الله-، ثم رأيت كتاباً للدكتور أحمد محمّد التركماني بعنوان (تعريف بمذهب الشيعة الإمامية) نقل فيه شيئاً بسيطاً من أقوال صاحب المراجعات وردّ عليها وقد أفدت منه، وكان فيما قاله لبيان كذب هذه المناظرات وتزييفها (ص99- 100) ما نصُّه: (و من الأمثلة على كذبهم المفضوح ما أقدم عليه المسمّى عبد الحسين الموسوي إذ نسج من خياله كتاباً سمّاه كتاب المراجعات وأفاد أنه حوار بين شيخ الأزهر سليم البشري وبينه، ويُظهِر المؤلّف أن شيخ الأزهر في ذلك الوقت عبارة عن تلميذ غرّ لا يفهم من الإسلام إلاّ النّزر القليل، وانه يقف موقف المتعلّم من الشيخ المذكور ويسلّم بكل ما يقول. إنّ الكتاب نشره صاحبه بعد موت الشيخ سليم البشري بخمسة وعشرين عاماً، حتى لا يفتضح أمرُه وتُكشف حقيقته. ونتساءل: ما دام الشيخ سليم البشري قد كان يسلّم له بكل ما يقول – كما زعم- فلم لم يصبح الشيخ شيعياً؟ إن المؤلف قد صرّح بأن كثيراّ مما أورده في كتابه لم يكن مما جرى بينه وبين الشيخ من حوار، فقد أضاف وعدل ما يحقق غرضه وهدفه الخبيث.

يشير المؤلف أنّ الكتاب رسائل متبادله بينه وبين الشيخ سليم البشري، ولم يقدّم لنا رسالةً واحدة بخط الشيخ يثبت مدعاه) ا.هـ، وهذا الذي قاله من الإضافة والتعديل في الكتاب قد صرّح به هذا الموسوي في (ص34- 35) في مقدمة كتابه.

الأمر الثاني. . إن الكتاب مبنيّ - كما يدّعي مؤلفه- على نصوص من كتب أهل السّنّة وحدهم تلزمهم بالمذهب الذي تقول به الشيعة، مما يجعل عدم الكلام على تلك النّصوص أو ردّها إقراراً لمؤلفه بصحة دعواه.

الأمر الثالث. . أن مؤلفه استقصى كل النّصوص التي يظنها تؤيده من كتب أهل السّنّة ناقلاً ذلك إمّا من كتبهم مباشرةً- وهو قليل- أو من كلام بعض أسلافه في استشهاداتهم كابن المطهّر الحلّي الذي ردّ عليه شيخ الإسلام وغيره، فليس هناك آيةٌ أو حديث احتجّ به أحد من الشيعة فيما مضى على دعواه إلاّ وتجدها في هذا الكتاب- على غالب ظني- مضافاً اليها نصوص أخرى أتى بها المؤلف بنفسه.

من أجل كل هذه الأمور ولما سبق بيانه أيضاً اهتممت بالتعليق والردّ على هذا الكتاب مع إني لم أجد من سبقني إلى ذلك (1[2])، سوى ما مرَّ ذكره في كتاب الدكتور أحمد محمّد التركماني وهو قليل جداً، وما قرأته في (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) (2/ 297) للشيخ المحدّث محمّد ناصر الدين الألباني بأنه ردّ على أحاديث كتاب (المراجعات) هذا ضمن الأحاديث (4881- 4975) وقد سررت به كثيراً - والله – إذ رأيت من أهل العلم من سهل لي ذلك وكفاني مؤونته غير أني –مع الأسف- لم أجد الجزء العاشر من ذلك الكتاب إذ ينبغي له أن يحوي تلك الأحاديث (4881- 4975) وسألت عنه كثيراً لكن دون جدوى وأظنه لم يطبع إلى الآن [3]، فلم يكن لي بدّ من خوض غمار هذا العمل بنفسي مستعيناً بالله العظيم ومسترشداً بهدي سلفنا الصالح وأقوال أئمة أهل العلم في هذا الشأن وأخصهم في ذلك شيخ الإسلام إبن تيمية رحمه الله من كتاب (منهاج السّنة) وغيره. والمنهج الذي أتّبعه- بإذن الله- في هذا الكتاب إني أسوق كلام المؤلف بنصّه فقرةً فقرة بما أرى أنه وحدة واحدة، وإن كان هناك تعليق في الهامش سقته بعده أيضاً، ثم أشرع في الرّد عليه، وإن كان هناك نصّ-آية أو حديث- عقّبت عليه بما يخالف ما أورده منه، وللحديث أبين إسناده أيضاً، مع عزوه لآخرين غير الذين يعزوه اليهم المؤلف إضافة اليهم.

ويمكن حصر التعليق والرّد بالنقاط الآتية:

     1- بيان صحة أو عدم صحة ما ادعى نقله من مختلف النّصوص والتعليق عليها بالرجوع إلى نفس المصادر التي ذكرها وأحيانا أضيف اليها مصادر أخرى، مع ملاحظة انه كثيراً ما يعزو الحديث أو أي قول إلى غير مصادره الأصلية، بل إلى مصادر يمكن تسميتها وسطية، وهذه طريقة قاصرة في التخريج تفوّت فوائد كثيرةً ويمكن باتباعها خلط الصدق بالكذب والصواب بالخطأ.

            2- الكلام على أسانيد الأحاديث والآثار التي يسوقها والتي أذكرها في نفس الباب وفق قواعد هذا المصطلح معزواً إلى أهل هذا العلم.

            3- بيان وجه احتمالية النّصوص التي يسوقها- الآيات أو الأحاديث- لما استدلّ به وردّ احتجاجه ذلك من جهة اللفظ إن أمكن.

            4- بيان بطلان القواعد التي يستنتجها من تلك النّصوص أو من غيرها بياناً مدعما بالأدلة.

     5- ذكر المعاني الصحيحة للآيات التي يسوقها وأسباب نزولها الثابتة بالأسناد الصحيح عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين، وكذا لما صح من الأحاديث.

وفي كل ذلك استعنت بما قاله شيخ الإسلام إبن تيمية أو غيره مما يشبهه هنا وإن لم أجد فعلت بنفسي، ولم ألتفت إلى ما زعم أنه جواب شيخ الأزهر في مراجعاته لعدم الإطمئنان لصحته، ولعدم وجود فائدة علمية تنفع، والله أعلم.

هذا واحب أن أشير إلى أنه ربما يذكر قاعدة أو أصلاً أو حتى وصفاً ولا يذكر دليله عليه، فأشير اليه وأذكر مستنده ودليله في ذلك، ثم أتكلّم عليه كما سبق.

ولربّ قائل يقول أن ما اعتمدته في نقد النّصوص التي ساقها وفي النّصوص التي رددت بها عليه انما هو من كتب أهل السّنّة فقط سواء منها كتب الأحاديث والآثار أو كتب الجرح والتعديل-كتب رجال الإسناد- مع العلم ان هناك كتباً عند الشيعة لأئمتهم توازي تلك الكتب عن أهل السّنّة، وبإمكان المؤلف أو من ينوب عنه أن يجعلها عمدته في ذلك أيضاً وينقض كلّ كلامك هنا، فأقول مجيباً على ذلك بأمرين:

الأمر الأول: إن المؤلف يزعم –و كذا من اتبعه- انه إنما يريد بتلك النّصوص أن يحج بها أهل السّنّة، وإنما هي نصوص من كتبهم، فلذا كان لزاماً أن تخضع تلك النّصوص لموازينهم هم لا غيرهم، وأن تقيّم بما يُقيِّم به أهل السّنّة نصوصهم لا غيرهم حتى تصبح مقبولة عندهم ومن ثم يمكن للمخالف لهم أن يلزمهم بها. وبخلاف ذلك تكون غير مقبولة عندهم ولا تشكل دليلاً عليهم وهذا ما يضطر إلى فعله المؤلف نفسه في أحيان كثيرة – كما سيأتي إن شاء الله – حين لا يجد دليلاً يساعده عند أهل السّنّة، بل ويصحّح ما يصححه أحياناً استناداً إلى قول أئمة الشيعة لا غيرهم، وهو إخلال بالشرط الذي اشترطه في كتابه.

الأمر الثاني: بيان طبيعة تلك الكتب وبعض ما جاء فيها مما يمنع اعتمادها حتى عند أكثر الشيعة أنفسهم، وإليك التفصيل: -

(1)     كتاب (الكافي في الأصول) و(روضة الكافي): -

من أعظم كتبهم التي يعتمدونها، وهو لكبير محدثّيهم وإمامهم محمّد بن يعقوب الكليني ويلقّبونه (ثقة الإسلام) ويعدّون كتابه من الأصول الأربعة عندهم، وزعم مؤلفه هذا أنه عرض كتابه على الإمام المهدي – بواسطة سفرائه- وصدقه إمامهم المزعوم الموهوم، وهو عندهم بمنزلة (صحيح البخاري) عند أهل السّنّة، بل أكثر من ذلك فقد صرّح هذا الموسوي في كتابه هذا (ص 76) بأن كتاب الكليني هذا كتاب مقدّس، في كتب أخرى لأئمته، في الوقت الذي ينفي هذا الكليني التقديس عن كتاب الله تعالى بما يقوله في كتابه من التحريف في القرآن. فقد روى الكليني (الكافي في الأصول) (كتاب فضل القرآن) (باب النوادر) (2/ 634) (طهران 1381ه): عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السّلام قال: "إن القرآن الذي جاء به جبرائيل عليه السّلام إلى محمّد صَلّى الله عليه وآله سبعة عشر- كذا في الرواية([4])- آية"، والمعروف أن آيات القرآن الكريم أكثر من ستة آلاف آية بقليل. ومعنى هذا النص ان القرآن الكريم فقد منه – في اعتقاد أئمة الشيعة هؤلاء- ثلثاه، وقد جاء ذلك مصرّحا به فيما رواه الكليني أيضاً (كتاب الحجة) (باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة) (1/ 239- 241) عن أبي بصير قال: دخلتُ على أبي عبد الله عليه السّلام- فذكره بطوله وفي آخره: قال أبو عبد الله: (و إن عندنا لمصحف فاطمة عليها السّلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد). وأصرح من ذلك في التحريف ما رواه هذا الكليني أيضاً (كتاب الحجّة) (باب انه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة) (1/ 228): عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول: (ما ادّعى أحدٌ من الناس انه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذّاب وما جمعَه وحفظه كما أنزل إلاّ عليٌّ ابن أبي طالب والأئمة بعده)، وروى أيضاً (2/ 633) روايةً مكذوبة عن جعفر الصادق انه أخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السّلام وقال: (أخرجه علي عليه السّلام إلى الناس حين فرغ منه وكتبه فقال لهم: هذا كتاب الله عزّ وجلّ كما أنزله الله على محمّد صَلى الله عليه وآله قد جمعته من اللوحين، فقالوا هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه، فقال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً إنما كان عليّ أن أخبركم حين جمعته لتقرؤوه)إ. ه.

ولا أظن أن أحداً يشك في كذب هذه الرواية، وإلا فلم لم يخرجه عليّ رضي الله عنه ويعمل به حين ولي الخلافة بعد عثمان رضي الله عنه ؟ فهذا مما يبين كذب هذه الرواية.

وهناك أمثلة على التحريف رواها الكليني في كتابه ذاك ولولا خشية التطويل لسقناها بلفظها، لكن أكتفي بذكر مواضعها، فانظر (كتاب الحجّة) (1/ 412، 414، 416، 417، 422، 424، 425) وغيرها كثير.

ومن الأمور المنكرة في كتاب (الكافي) للكليني هذا طعنه بالصحابة وتكفيره لهم في روايات مكذوبة، مثل ما رواه في (كتاب الحجة) (1/ 420) عن أبي عبد الله عليه السّلام في قوله عزّ وجلّ {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم} قال: (نزلت في فلان وفلان آمنوا بالنبي صَلّى الله عليه وآله في أول الأمر حين عرضت عليه الولاية حين قال النبي صَلّى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السّلام ثم كفروا حين مضى رسول الله صَلّى الله عليه وآله فلم يقرّوا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراُ بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء) إ. ه.

وروى في كتاب (روضة الكافي) (ص 202) عن حنان عن أبيه عن أبي جعفر قال: (ارتدّ الناس بعد النبيّ صَلّى الله عليه وآله إلاّ ثلاثة؛ هم المقداد، وسلّمان، وأبو ذرّ). وسيأتي ذكر مثل هذه الرواية في كتاب (رجال الكشي).

وهذا عن الصحابة عموماً، أمّا عن أبي بكر وعمر خاصّة فقد روى (ص20) عن أبي جعفر أنه قال عنهما: (فارقا الدنيا ولم يتوبا، ولم يتذكرا ما صنعا بأمير المؤمنين فعليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين). وفي (ص 107) قوله: (تسألني عن أبي بكر وعمر؟ فلعمري لقد نافقا وردّا على الله كلامَه وهزءا برسوله، وهما الكافران عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) فلعنة الله على من وضع هذا أو رواه أو قبله. وبعد ذلك يريد منا هؤلاء الحمقى القبول بكتبهم هذه؟!

ومن الأمور المنكرة أيضاً عقيدة البداء، وهي إن الله يحصل له البداء اي النسيان والجهل، تعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً. فها هو الكليني يعقد باباً مستقلاً في (كتاب التوحيد) من كتابه (الكافي في الأصول) (1/ 148) بعنوان (باب البداء) وروى فيه بإسناده عن الريان بن الصلت قال سمعت الرضا يقول: (ما بعثَ الله نبيّاً قط إلاّ بتحريم الخمر وأن يقرّ لله بالبداء) وحتى لا نكون متجنين عليهم في معنى البداء نورد رواية أخرى تبين المراد منه، وهي ما رواه في (كتاب الحجة) من (الكافي) (1/ 327) عن أبي هاشم الجعفري قال: (كنت عند أبي الحسن عليه السّلام بعد ما مضى ابنه أبو جعفر وإني لا أفكر في نفسي أريد أن أقول كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمّد في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل بن جعفر بن محمّد، وانّ قصتهما كقصتهما إذ كان أبو محمّد المرجأ بعد أبي جعفر، فأقبل عليّ أبو الحسن عليه السّلام قبل أن أنطلق فقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله في أبي محمّد بعد أبي جعفر ما لم يكن يعرف له، كما بدا له في موسى بعد مضيّ إسماعيل ما كشف به عن حاله، وهو كما حدّثتك نفسك وإن كره المبطلون، وأبو محمّد ابني الخلف من بعدي وعند علم ما يحتاج إليه ومعه آله الإمامة) ا. ه.

قلتُ" فأين هذا من قوله تعالى على لسان موسى عليه السّلام: {لا يَضلُّ رَبّي ولا يَنسى} ومن قوله {قد أحاط بكلّ شيئٍ علماً} وقوله {عالم الغيب والشّهادة}.

وليس هذا فحسب بل في كتاب (الكافي) أيضاً ما يمجّد من يعتقد بهذه العقيدة حتى وإن كان من أهل الشرك؛ فقد روى في (كتاب الحجة) (1/ 283) (الهند) عن جعفر أنه قال: (يُبعَثُ عبد المطلب أمّة وحده عليه بهاء الملوك وسيماء الأنبياء: وذلك أنه أول من قال بالبداء).

ومن المنكرات التي في (الكافي) أيضاً الغلوّ في الأئمة، مثل الباب الذي عقده بعنوان (إن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلاّ باختيار منهم)، وروى في (كتاب الحجّة) (1/ 285) (إيران) عن أبي بصير عن جعفر بن الباقر أنه قال: (أي إمام لا يعلم ما يغيبه وإلى ما يصير فليس ذلك بحجّة الله على خلقه) قلت: ومعنى ما يغيبه أي علم ما يغيب عنه، وهو أدّعاء صريح لعلم الغيب كما هو واضح. وروى في (1/ 196- 197) عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله قال: (كان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيراُ ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار. . . ولقد أقرّت لي جميع الملائكة والروح والرّسل بمثل ما أقرّوا لمحمّد صَلّى الله عليه وآله . . . ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحدٌ من قبلي؛ علمت المنايا والبلايا والأنساب وفصل الخطاب؛ فلم يفتني ما سبقني ولم يعزب عني ما غاب عني) ا. ه.

بل يجعل ذلك عاماً لكل أئمتهم، فيروي الكليني هذا (1/ 223) عن عبد الله بن جندب أنه كتب اليه عليّ بن موسى: (أما بعد: فنحن أمناء الله في أرضه عندنا علم البلايا والمنايا وأنساب العرب ومولد الإسلام وإنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق وإن شيعتنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم أخذ الله علينا وعليهم الميثاق)، وروى أيضاً في (باب إن الأئمة يعلمون علم ما كان وإنه لا يخفى عليهم شيء) (1/ 261). عن أبي عبد الله أنه قال: (أني لأعلم ما في السمأوات وما في الأرض، وأعلم ما في الجنة وما في النار، وأعلم ما كان وما يكون).

وروى الكليني أيضاً (1/ 193) عن عبد الرحمن بن كثير عن جعفر بن الباقر أنه قال: (نحن ولاة أمر الله، وخزنة علم الله، وعيبة وحي الله).

وروى أيضاً (1/ 409) تحت باب (إن الأرض كلها للإمام) عن أبي عبد الله أنه قال: (إن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء).

هذا هو غلوّ الكليني في الأئمة، وهذه هي بعض الأمور المنكرة في كتابه ذلك، والتي لا يسع مسلّماً إلا إنكارها ولا يسع شيعياً إنكار وجودها هناك. مضافاً إلى أمور أخرى آثرنا عدم نقلها خوفاً من الإطالة وذلك مثل عقيد الرّجعة والغلوّ الفاحش في الإمامة والوصاية وغير ذلك، أبعد هذا يرضى رجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يطمئن للكليني هذا وكتابه ويحتجّ به وفيه مثل هذه الكفريات؟ وإن كان هذا الموسوي أو غيره يدّعي صحّة كتاب الكليني هذا فما عساه يقول عن هذا الكفر الصريح الذي فيه؟!!

(2)     كتاب (الخصال): -

لمن يسمّونه بالصدوق. وهو محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القُمّي وقد ذكره هذا الموسوي في (ص74) (الهامش 58)، وفي (ص76)، وقد وافق القُمّي هذا صاحبه الكليني في معظم كفرياته تلك، مثل قوله بتحريف القرآن، فقد روى في كتابه (الخصال) (ص83) (إيران 1302ه) فقال: حدّثنا محمّد بن عمر الحافظ البغدادي المعروف الجصّاني قال: حدّثنا عبد الله بن بشر قال حدّثنا الحسن بن زبرقان المرادي قال حدثنا أبو بكر بن عيّاش الأجلح عن أبي الزبير عن جابر قال سمعت رسول الله صَلّى الله عليه وآله يقول: (يجيئُ يوم القيامة ثلاثة يشكون؛ المصحف والمسجد والعترة؛ فيقول المصحف يا ربّ حرقوني ومزّقوني . . .) وذكر روايات في الطعن بسادات الصحابة والكذب عليهم، كما في (ص80، 81، 82) من كتابه ذاك.

وفوق ذلك عدّ القُمّي هذا التظاهر بالكذب- وهو ما يسمّونه التقية- من أصول الدين، كما في رسالته (الإعتقادات) (باب التقية)(إيران 1274) إذ قال: (التقية واجبة من تركها كان بمنزلة من ترك الصلاة، - ثم قال- والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى وعن دين الإمامية. وخالف الله ورسوله والأئمة، وسئل الصادق عليه السّلام عن قول الله عزّ وجلّ{إن أكرمكم عن الله أتقاكم}، قال أعلمكم بالتقية) إ. ه. فانظر إلى الكذب الصريح يجعل التقية بمنزلة الصلاة بل جعل تركها خروجاً عن الإسلام بالكليّة، أليس هذا من الإعتقادات الفاسدة التي ما سبقهم اليها أحد؟ ألا يعد هذا فتحاً لباب الكذب على مصراعيه؟ ثم انظر إلى التحريف في تفسير الآية بما يوافق هواه، ونحن نجزم أن هذا مكذوب على جعفر الصادق وهو منه برئ.

وكذلك أورد رويات مكذوبة في الطعن بعدد من الصحابة رضي الله عنهم ولعن مبغضهم إلى يوم الدين أنظر (كتاب الخصال) (ص458- 459) (ص 485) وغيرها.

(3)     كتاب (الإحتجاج على أهل اللجاج): -

لشيخهم أبي منصور أحمد بن أبي طالب الطبرسي المتوفّى سنة 588ه، الذي قال عنه في مقدمته معرفاً للروايات التي سردها فيه: (و لا نأتي في أكثر ما نورده من الأخبار بإسناده أما لوجود الإجماع عليه أو لموافقته لما دلت العقول عليه، أو لإشتهاره في السّير والكتاب بين المخالف والموالف) ذكر الطبرسي هذا في كتابه ذلك (ص119) (إيران 1302 ه) رواية عن مناظرة أحد الزنادقة لعليّ بن أبي طالب وفيها أن علياً رضي الله عنه صرح بفقدان ثلث القرآن ما بين قوله تعالى {و إن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى} وبين تتمة الآية {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} وذكر في (ص223) رواية فيها ذكر خروج المهدي ومعه مصحف فاطمة. وأوضح من ذلك كله ما رواه في (ص70، 77) عن أبي ذر رضي الله عنه، وفيها أن علياً رضي الله عنه جاء بالمصحف بعد وفاة النبي صَلّى الله عليه وسلّم إلى الصحابة، وإن أبا بكر وعمر وغيرهما ردوه لما رأوا من الفضائح فيه – على حد زعم الرواية- ثم طلب من عليّ في خلافة عمر أن يأتي به فأبى وقال: (هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنّا عن هذا غافلين أو تقوالو ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسّه إلا المطهّرون والأوصياء من ولدي، فقال عمر: فهل وقت إظهاره معلوم؟ فقال عليه السّلام: نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه).

هذا بالإضافة إلى الطعن والسب بالصحابة رضي الله عنهم، وهو من أكثر الكتب روايةً لتلك الموضوعات المكذوبات، بل بلغ من ذلك أن روى في (ص82) عن الباقر أنه قال: (لمّا كان يوم الجمل وقد رشق هودج عائشة بالنبل، فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: والله ما أراني إلا مطلقها فأنشد الله رجلاً سمع من رسول الله يقول: يا عليّ أمر نسائي بيدك من بعدي، ولما قام فشهد فقام ثلاثة عشر رجلاً فيهم بدريان فشهدوا أنهم سمعوا من رسول الله صَلّى الله عليه وآله يقول لعلي بن أبي طالب: يا علي أمر نسائي بيدك من بعدي، قال فبكت عائشة عند ذاك حتى سمعوا بكاءها). إ. ه. فلعنة الله على واضعه كيف يجرؤ على ذلك؟ فهذا كلام لا يصدر إلا عن الزنادقة وأعداء الإسلام، وقد سألت شيعياً متعصّباً عن رأيه بروايات كتاب الاحتجاج هذا فأقرّ لي بكذبها وأنه يستبعد صحّتها لكنّه صارحني بارتياحه لقراءتها لما يحمله في قلبه من البغض لأولئك السادة العظام ولزوجات النبيّ صَلّى الله عليه وسلّم الطاهرات المطهّرات العفيفات. وهذا ما يُبين أن كتب أئمة الشيعة هؤلاء لكثرة الكذب الواضح فيها لا يقبلها حتى الشيعة أنفسهم لكنّها تلقى رواجاً عندهم لموافقة كذبها هواهم ومذهبهم الفاسد من السبّ والطّعن بالصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

(4)     (تفسير القُمّي): -

لأقدم مفسّريهم عليّ بن ابراهيم القُمّي الذي قال عنه متكلّمهم في الرجال النجاشي المشهور في (الفهرست): ثقة في الحديث ثبت معتمد صحيح المذهب إ. ه. وقالوا عن تفسيره: إنه في الحقيقة تفسير الصّادقين عليهما السّلام إ. ه. وقد استشهد هذا الموسوي في (المراجعات) بتفسير القُمّي هذا، لكنّه لم يذكره بلقبه بل باسمه الصريح فقط عليّ بن إبراهيم، كما في (ص65) (هامش 22) مقروناً بتفسير الصافي- وسيأتي الكلام عليه- وفي (ص70) (هامش 44) وغيرها.

ونريد أن نبين مدى صحة قولهم عن القُمّي هذا: صحيح المذهب: ومدى ثقة كتابه حتى يصحّ الإستشهاد به، كما فعل هذا الموسوي وذلك بنقل بعض ما فيه من المنكرات: فيما يتعلّق بتحريف القرآن الكريم قال هذا القُمّي في مقدمة تفسيره (1/5) (نجف 1386ه): (فالقرآن منه ناسخ ومنسوخ. ومنه محكم ومنه متشابه. . . ومنه على خلاف ما أنزل الله) فهذا هو اعتقاد الرجل في القرآن، أفيكون مثل هذا صحيح المذهب؟ أفيوثق بروايات من هذا اعتقاده؟

ثم قال هذا في مقدمة كتابه أيضاً (1/10): (و أما ما كان على خلاف ما أنزل الله فهو قوله تعالى: {كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} فقال أبو عبد الله عليه السّلام لقارئ هذه الآية: خير أمة تقتلون أمير المؤمنين والحسين بن عليّ؟ فقيل له كيف نزلت يا ابن رسول الله؟ فقال: نزلت أنتم خير أئمة أخرجت للناس) وقال أيضاً: (وأمّا ما هو محذوف عنه فهو قوله: لكن الله يشهد بما أنزل إليك في عليّ، كذا نزلت، وقوله: يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك في عليّ)إ. ه. وصدق الله العظيم إذ يقول: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلاً، فويلٌ لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون}.

وقد سرد هذا القُمّي في (تفسيره) عدداً من الآيات زعم أنها محرفة ومبدّلة وذكر الوجه الذي زعم أنها نزلت به، فراجع تفسيره في المواضع الآتية لترى أمثلة لذلك: (1/84، 211، 360، 389) (2/ 117، 125) وأثبت التحريف حتى في آية الكرسي.

وأمّا ما طعنه بالصحابة وسبّهم وبالأخص أبي بكر وعمر فممّا ملأ به تفسيره مثل ما رواه كذبا وزوراً وبهتاناً في قوله تعالى: {يوم تبيّض وجوه وتسود وجوه} (1/109) عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم روايةً طويلةً عن ورود أمته عليه يوم القيامة وفيها سمّى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم أبا بكر (عجل هذه الأمة) وسمّى عمر (فرعون هذه الأمة)، وسمّى عثمان (سامريّ هذه الأمة)، فلعنة الله على الظالمين.

وروى هذا القُمّي في قوله تعالى {و كذلك جعلنا لكل نبيّ عدوّاً شياطين الأنس والجنّ} (1/214) رواية مكذوبة عن أبي عبد الله أنه جعل هذه الآية خاصة بأبي بكر وعمر, وإنهما الشيطانان المقصودان. وأيضاً في تفسير قوله تعالى{و يوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلاً. يا ويلتي ليتني لم أتّخذ فلاناً خليلاً} (2/113) روى عن أبي جعفر أنه قال: (الأول يعني به أبا بكر. . . والثاني عمر)، وروى أيضاً في تفسير قوله تعالى {إنّ الذين كذّبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سمّ الخِياط} (1/230) أنّ أبا جعفر قال: (نزلت هذه الآية في طلحة والزبير, والجمل جملهم).

ومن الغلوّ والكذب الذي ملأ به تفسيره ما رواه عند قوله تعالى {و إذ أخذَ الله ميثاق النبيّين. . . } (1/106) عن أبي عبد الله قال: (ما بعثَ الله نبيّاً من ولد آدم فهلمّ جرّاً, إلاّ ويرجع إلى الدنيا وينصر المؤمنين، وهو قوله{ لتؤمننّ به} يعني رسول الله {و لتنصرنّه} يعني أمير المؤمنين) إ. ه.

(5) (تفسير الصافي): - 

لملا محسن الملقّب بالفيض الكاشاني أو الكاشي, وقد استشهد به هذا الموسوي في (ص65) (هامش 22) وغير ذلك, وقد شارك هذا التفسير تلك الكتب السابقة في معظم منكراتها وكفرياتها، مثل القول بتحريف القرآن وتبديله ونقصانه، فقد نقل الكاشاني هذا في المقدّمة السادسة لتفسيره (ص10) (طهران) عن المفسّر الكبير الذي هو من مشايخ المفسّرين عند الشيعة: (إنه ذكر في تفسيره عن أبي جعفر عليه السّلام قال: لولا أنه زيد في كتاب الله ونقص ما خفي على ذي حجى، ولو قد قام قائمنا صدقه القرآن).

وروى في مقدمة كتابه (ص11) عن العياشي في تفسيره عن أبي عبد الله عليه السّلام: (لو قرئ القرآن كما أنزل ألفينا فيه مسمّين). وقال في تلك المقدمة (ص14): (المستفاد من مجموع هذه الأخبار وغيرها من الروايات من طرق أهل البيت عليهم السّلام إن القرآن الذي بين أظهرنا ليس بتمامه كما أنزل على محمّد صَلّى الله وعليه وآله بل منه ما هو خلاف ما أنزل, ومنه ما هو مغيّر محرّف, وأنه قد حذف عنه أشياء كثيرة، منها اسم عليّ في كثير من المواضع، ومنها لفظه آل محمّد غير مرّة، ومنها أسماء المنافقين في مواضعها، ومنها غير ذلك، وانه ليس على الترتيب المرضي عند الله وعند رسوله).

وقال أيضاً (ص14): (أما اعتقاد مشايخنا رحمهم الله في ذلك فالظاهر من ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني طاب ثراه انه كان يعتقد التحريف والنقصان في القرآن، لأنه روى روايات في هذا المعنى في كتابه (الكافي) ولم يتعرض لقدح فيها مع أنه ذكر في أول الكتاب انه يثق بما رواه فيه،

وكذلك استاذه علي بن إبراهيم القُمّي فإن تفسيره مملوء منه وله غلوّ فيه، وكذلك الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي قدّس سره أيضاً نسج على منوالهما في كتاب الإحتجاج)إ. ه.

قلت: وقد تقدمت النقولات من كتبهم في ذلك.

هذه بعض كتبهم التي يعتمدونها في الحديث والتفسير والعقائد وغير ذلك، وقد اخترتها لمكانة أصحابها عندهم وقبولهم لها، وأيضاً لورود أكثرها في كتاب (المراجعات) هذا، مستشهداً بها أو بأقوال أصحابها، أردت بذلك بيان ما فيها من المنكرات التي يرفضها كلّ مسلّم، والتي تمنعنا من الأخذ والإستشهاد بها.

أمّا كتبهم في الجرح والتعديل أو كتب الرجال عندهم فإليك بعض أمثلتها.

(6) (رجال الكشي): 

لكبير علماء التراجم المتقدّمين عندهم، أبي عمرو محمّد بن عبد العزيز الكشي، عاش في القرن الرابع الهجري، قالوا عنه: ثقة عين بصير بالأخبار والرجال كثير العلم حسن الإعتقاد مستقيم المذهب، وقالوا عن كتابه هذا- كما في مقدمة الكتاب-: أهمّ الكتب في الرجال هي أربعة كتب عليها المعوّل، وهي الأصول الأربعة في هذا الباب وأهمهّا وأقدمها هو (معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين) المعروف (برجال الكشي).

هذه منزلة الكتاب والمؤلف عندهم مع ما فيه من السب والطعن الفاحش بالصحابة جميعاً وأخصّهم صاحبا رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، ومع ذلك يريدون منا، الإنصاف بالأخذ منه، فأي إنصاف وهو يروي في (ص 12- 13) عن أبي جعفر أنه قال: (كان الناس أهل ردّة بعد النبيّ إلا ثلاثة، فقلت: من الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلّمان الفارسي)، ويروي في (ص13) عن أبي جعفر أيضاً قال: (المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا ثلاثة- وأشار بيده-)، ويروي (ص15) عن موسى بن جعفر أنه قال: (إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين حواري محمّد بن عبد الله رسول الله الذي لم ينقضوا عليه، فيقوم سلّمان والمقداد وأبو ذر).

والعجب من هذا، فأين ذهب عليّ وفاطمة وابناهما والعباس وبنوه وباقي أهل البيت وحديفة وعمّار وغير هؤلاء ممن هم مرضيون عند الشيعة؟

وروى (ص60-61) عن حمزة بن محمّد الطيّار أنه قال: ذكرنا محمّد بن أبي بكر عند أبي عبد الله (ع) فقال أبو عبد الله (ع): (رحمه الله وصَلّى عليه، قال لأمير المؤمنين عليه السّلام يوماً من الأيام: أبسط يدك أبايعك، فقال: أو ما فعلت؟ قال: بلى! فبسط يده فقال: أشهدك أنك إمام مفترض طاعتك، وأن أبي في النار. . .) وروى (ص 61) عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر (ع) أن محمّد بن أبي بكر بايع عليّاً عليه السّلام على البراءة من أبيه.

وروى أيضاً (ص61) عن الباقر أيضاً أنه قال: (بايع محمّد بن أبي بكر على البراءة من الثاني). وفي (ص180) في ترجمة الكميت بن زيد الأسدي عن الباقر أنه قال: (يا كميت بن زيد ما أهريق في الإسلام محجم من دم ولا اكتسب مالٌ من غير حله، ولا نكح فرج حرام إلا وذلك في أعناقهما- يعني أبا بكر وعمر رضي الله عنهما- إلى يوم يقوم قائمنا، ونحن معشر بني هاشم نأمر كبارنا وصغارنا بسبّهما والبراءة منهما) إ. ه. وغير ذلك من الطعن بعثمان وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك والبراء بن عازب وعبد الله ابن مسلّمة ونساء النبي صَلّى الله عليه وسلّم وباقي الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ممّا تجده في كتابه ذلك (ص33، 34، 41، 46، 55، 56، 57)، بل قد طعن هذا الكشي وسبّ حتى عمّ النبي صَلّى الله عليه وسلّم العباس بن عبد المطلب وابنه عبد الله، مع انهما من أهل البيت أيضاً، ممّا يدلّ على كذبهم في ادّعاء محبة أهل البيت وموالاتهم وأنهم يتستّرون وراءهما للنيل من الصحابة الكرام، وإلا فلم يطعنون بمثل العباس وولده وهم من أهل البيت؟ وهم يتولّون ابا طالب مع أنه مات على الشرك والكفر لأنه والد عليّ رضي الله عنه، ولا يتولّون العباس مع أنه أسلّم وحسن إسلامه وشهد له النبي صَلّى الله عليه وسلّم بذلك، وإليك ما رواه الكشي من الطعن بالعباس وابنه عبد الله: روى (ص53) عن محمّد الباقر أنه قال: (أتى رجلٌ إلى أبي فقال: إن فلاناً، يعني عبد الله بن عباس يزعم أنه يعلم كل آية نزلت في القرآن، في أي يوم نزلت وفيم نزلت) قال فاسأله فيمن نزلت {و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا} وفيم نزلت { ولا ينفعنكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم} وفيم نزلت { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا} فأتاه الرجل وقال: وددت الذي أمرك بهذا واجهني به فأساله، ولكن سله ما العرض، ومتى خلق، وكيف هو؟

فانصرف الرجل إلى أبي فقال له ما قال، فقال وهل أجابك في الآيات؟ قال: لا، قال: ولكني اجيبك فيها بنور وعلم غير المدّعي والمنتحل، أما الأوليان فنزلتا في أبيه- يعني العباس- وأما الآخرة فنزلت في أبي وفينا) إ. ه.

هذا ما رواه الكشي في العباس عمّ النبي صَلّى الله عليه وسلّم، أما ابنه عبد الله فقد اتهم الكشي بالخيانة، إذ روى (ص57-58) ان علياً استعمله على البصرة، فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة ولحق بمكة وترك عليّاً عليه السّلام فكان مبلغه ألفي ألف درهم، فصعد عليٌّ المنبر حين بلغه فبكى فقال: (هذا ابن عم رسول الله صَلّى الله عليه وآله وإنه في علمه وقدره يفعل مثل هذا فكيف يؤمن من كان دونه ؟ اللهم إني قد مللتهم فأرحني منهم واقبضني إليك غير عاجز ولا ملول) إ. ه.

وعقد هذا الكشي باباً بعنوان (دعاء علي على عبد الله وعبيد الله إبنا العباس) (ص 52)، وروى عن أبي جعفر عليه السّلام قوله: (قال أمير المؤمنين عليه السّلام: اللهم العن ابني فلان – يعني عبد الله وعبيد الله بني العباس- واعم أبصارهما كما أعميت قلوبهما الأجلين في رتيتي، واجعل عمى أبصارهما دليلاً على قلوبهما) إ. ه.

هذا هو أقدم كتبهم وأهمها في الجرح والتعديل، ومثله:

(7) (تنقيح المقال في أحوال الرجال): -

لشيخهم الذي يعتبرونه العلاّمة الثاني ويسمّونه آية الله المامقاني، وكتابه من أكبر كتبهم في الجرح والتعديل، وقد ملأ كتابه ذاك من السبّ والطعن بالصحابة رضي الله عنهم، ممّا نقله عن الكشي وغيره، وأنظر مثالاً لذلك (2 / 148) .

بل أكثر من ذلك بين المامقاني هذا في مقدمة كتابه منهجه ومنهج علماء الشيعة الباقين في الجرح والتعديل، والأساس الذي عليه يعتبر الرجل عندهم ثقة أو غير ثقة، وهو مقدار بغضه وطعنه بأبي بكر وعمر خاصة وباقي الصحابة عامّة، فمن كان مكثراً من سبّهما شديد البغض لهما ويسميهما الجبت والطاغوت، كان ثقةً مقبولاً عند علماء الشيعة هؤلاء، وبعكسه مطعوناً به مردوداً . فقد نقل (1/ 207) (المطبعة المرتضوية بالنجف 1352 ه) عن الشيخ الجليل المحقق – عندهم – محمّد بن إدريس الحلّي في آخر كتاب (السرائر) عن كتاب (مسائل الرجال ومكاتباتهم) إلى مولانا أبي الحسن علي بن محمّد بن علي بن موسى عليه السّلام، في جملة من مسائل محمّد بن علي بن عيسى قال: (كتبتُ اليه أسأله عن الناصب – الذي ينصب العدأوة لآل البيت- هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت- يعني أبا بكر وعمر رضي الله عنهما- واعتقاد إمامتهما ؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب) إ. ه.

وقد مرّ بنا أمثلة كثير على توثيقهم للرجل . وثنائهم الحسن عليه وقولهم عنه: صحيح المذهب، في الوقت الذي تجده يسب الصحابة ويلعنهم ويقول ويعتقد بما نقلناه عنهم من المنكرات كالقول بتحريف القرآن والغلوّ والبداء وغير ذلك، كما فعل النجاشي- متكلمهم في الرجال- في ترجمته لعليّ بن إبراهيم القُمّي، وقد تقدم ذكرها عند تنأول تفسير القُمّي . وغير ذلك من ثنائهم على الكليني مع ما فيه كتابه من أباطيل . إذن أساس التوثيق عندهم في المرويات والمنقولات هو الحب والبغض، فالذي يكون أكثر بغضاً لأصحاب رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يكون في مروياته أوثق من الذي يتّهم عندهم بأنه يتهأون في أمر الصحابة، ولا يلعن صاحبي رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وأم المؤمنين عائشة وسائر الصحابة رضي الله عنهم وأئمة التابعين وصفوة المسلّمين .

هذا مع أن علياً رضي الله عنه لم يكفّر حتى من حاربَه من أهل الشام وغيرهم، فقد قال صراحة في كتابه إلى أهل الأمصار يقصّ فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين الذي رواه إمام الشيعة محمّد الرضى في (نهج البلاغة) (ص 323): (وكان بدء أمرنا انا التقينا القوم من أهل الشام، والظاهر أنّ ربنا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا في دم عثمان ونحن منه براء) إ. ه. هذا ما روته كتبهم فأين هم من هذا ؟

هذا ما أردتُ بيانه من المنكرات مما في كتبهم تلك التي يريدون منا اعتمادها، مما يمنعنا من الأخذ بهما، مع ما فيها من الطعن بصحابة رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم وأئمة السنّة، في الوقت الذي تخلو فيه كتب أهل السّنّة جميعاً من الطعن بأئمة أهل البيت، بل فيها مدحهم والثناء عليهم وإيجاب محبتهم، وفوق ذلك فيها الإحتجاج بأهل الصِّدق من الشيعة- كما سيأتي عند ذكر الرواة الشيعة الذين إحتجّ بهم أهل السّنّة- الأمر الذي الذي لا تجد نظيره في كتب الشيعة هؤلاء، فمن هو المنصف منهما أليسوا هم أهل السّنّة ؟ ورحم الله الإمام عبد الرحمن بن مهدي حين قال: أهل العلم يكتبون ما لهم وعليهم، وأهل الجهل لا يكتبون إلاّ ما لهم . . !

والحمد لله أولاً وآخراً . وصَلّى الله على محمّد وآله وسلّم تسليماً كثيراً

3 ربيع الأول 1411 هـ

أبو مريم بن محمّد الأعظمي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمةً للعالمين، محمّد بن عبد الله سيّد الأولين والآخرين . وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين .

وبعد . .

فقد اعتمدت في ردّي على كتاب (المراجعات) هذا على نسختين منه الأولى مطبوعة في (دار النعمان) في النجف وهي الطبعة السادسة من الكتاب سنة (1384 ه)، والثانية مطبوعة في (مؤسسة الأعلمي) في بيروت وهي الطبعة العشرون منه . ولم أتعرف على سنة الطبع.

وقد جعلتُ الأصل الذي أنقل منه وأعزو إليه هو النسخة الأولى لقدمها وإن كان هناك اختلاف بين النسختين في موضع معيّن أشرت اليه فليعلم.

والطريقة التي أتبعها في أخراج الكتاب هي أني لا أسوق كلّ ما قاله وسطّره، فإن في ذلك تطويلاً مملا إذا انضمّ إلى ردّنا وتعليقنا عليه، لذا سأكتفي بنقل ما يستحقّ الردّ من كلامه، وما سوى ذلك سأجعل له مختصرات عن طريق نقل رقم المراجعة ثم بعض النقاط التي تختصر محتواها وتعرف بمضمونها اعتماداً على مختصراته التي وضعها هو أمام رقم كلّ مراجعة، وهذا سار أيضاً على المراجعات المنسوبة إلى شيخ الأزهر، وقد استعملنا حرفي (س) و(ش) للدلالة على اسم سليم البشري (السّنّي) وشرف الدين (الشّيعي)، كما هو مقترح ومتّبع في كتاب المراجعات نفسه . والله الموفّق.

وأبتدأ التعليق والكلام من (حياة المؤلف) التي كتبها المدعو مرتضى آل ياسين، الذي لُقّب بآية الله وعلم الهدى، ومن أول وهلة نُدرك أننا مع قوم يحبون المغالاة في رجالهم وأئمّتهم، ويحبّون إطلاق الألفاظ الرّنانة عليهم .

ولي على (حياة المؤلّف) ملاحظتان . .

الملاحظة الأولى: قال في (ص 10): (و لكنّ إحكام الكتاب على هذا النحو من قوة العارضة في الأدب وبُعد النظر في البحث، وسلامة الذّوق في الفنّ وحسن التيسير في إيضاح المشاكل وتحليل المسائل . . .) هذا حكم من لم يدقق النظر في الكتاب أو ليس عنده حظ من علم يتبين به حقيقة ما جاء في هذا الكتاب ففيه من الفجوات والقوادح ما يكفي لنقض القول بإحكام الكتاب وبُعد النظر في البحث، ولكن لا نستعجل الكلام على ذلك إنما أريد أن أشير إلى عدم صحة مثل هذا الوصف . وقد علّقنا على ما جاء في الكتاب تفصيلاً.

الملاحظة الثانية: قال في (ص 24): (ومؤلفاته كلها تمتاز بدقّة الملاحظة وسعة التتّبع وشمول الإستقصاء وصحة الإستنتاج وشدة الصقل وأمانة النقل وترابط الأجزاء، في خصال تتعب الناقد وتُحفِظ الحاقد) . 

قلت: وسيتبين- إن شاء الله- ما في كلامه هذا من المبالغة والكذب . فهو نادراً ما يكون أميناً في نقله، إذ قد ينقل حديثاً من كتاب معيّن وقد ضعفه صاحب الكتاب نفسه ولا يبين ذلك، وأحياناً يتجرّأ ويقول هو صحيح، إضافةً إلى طريقته القاصرة في تخريج الأحاديث والآثار، إذ لا ينقلها من مصدرها الأصَلّى وأحياناً لا يذكر الواسطة بينه وبين المصدر الأصَلّى للحديث ويكون ذلك الأصل مخطوطاً غير مطبوع، ثم هو ينقل من الكتب ما يوافق هواه ومذهبه ويَدع ما سوى ذلك، وهذا كله سنبينه إن شاء الله خلال كلامنا على تعليقاته بالتفصيل . .

ثم أنتقل إلى (مقدمة الكتاب)، فقد قال في (ص 34): (فأقدّم له الجواب بخطّي على الشروط الصحيحة مؤيّداً بالعقل أو بالنقل الصحيح عند الفريقين)، وقال في (ص 35): (وعنيت بالسنن الصحيحة، والنّصوص الصريحة) . قلتُ: لا أشك أن كلّ من تحقّق من النّصوص التي ساقها في كتابه هذا يحكم ببطلان هذا القول . وأن هذا مغالطة منه في ذلك، بل إني اشكّ في معرفته بالإسناد الصحيح وشروطه، وقد ذكرنا- خلال كلامنا على تعليقاته- من كلام أهل العلم بالحديث والأسانيد ما ينقض قوله ويبين زيفه، والحمد لله رب العالمين.

وقال أيضاً (ص34–35): (وأنا لا أدّعي أن هذه الصحف تقتصر على النّصوص التي تألفت يؤمئذٍ بيننا، ولا أن شيئاً من ألفاظ المراجعات خطّه غيرُ قلمي، فان الحوادث التي أخّرت طبعها فرّقت وضعها أيضاً- كما قلنا- غير ان المحاكمات في المسائل التي جرت بيننا موجودة بين هاتين الدفتين بحذافيرها مع زيادات اقتضتها الحال، وأدى اليها النصح والإرشاد، وربّما جرّ إليها السياق على نحوٍ لا يخلّ بما كان بيننا من الإتفاق) إ. ه.

قلت: وهذا ما يقوّي الظّن بكذب هذه المراجعات والمناظرات من أساسها، كما مرّ نقله من كلام الدكتور أحمد محمّد التركماني في المقدمة، فراجعه .

وهذا أوانُ الشروع في المراجعات، وأبتدئ مستعيناً بالله العظيم . .

المراجعتان (1، 2): (س ش):

1_ تحية المناظر وردّها.

2_ الإستئذان في المناظرة والإذن فيها.

المراجعة (3): س:

سؤال شيخ الأزهر عن سبب عدم أخذ الشيعة بمذاهب الجمهور، ثم بيانه مدى الحاجة إلى الإجتماع ولمّ الشمل.

المراجعة (4): ش:

1-                     زعمه بأنّ الأدلة الشرعية تفرض الأخذ بمذهب أهل البيت.

2-                     زعمه أن الأخذ بمذاهب الجمهور، لا دليل عليه يوجب ذلك.

3-                     زعمه أن أهل القرون الثلاثة الأولى لا يعرفون هذه المذاهب.

4-         محأولته إثبات عدم أنسداد باب الإجتهاد إلى يومنا هذا ثم أنتقاصه لأئمة أهل السّنّة. وإنهم لا حقّ لهم في احتكار الدين (في الوقت الذي تحتكره الشيعة لأئمتها ويمنعون من الوصول إليه عن طريق غيرهم حتى كأن الدين الإسلامي بكتابه وسنته وساء بنياته وأدلته من املاكهم الخاصة، وأنهم لم يبيحوا التعرف به من غير رأيهم)

5-                     زعمه بأن الإجتماع يحصل باعتبار الشيعة مذهباً خامساً.

الردّ على المراجعة (4): 

1-                     الأدلة المزعومة هذه هي جميعاً ما بين صحيح غير صريح، أو صريح غير صحيح.

2-         ليس عند أهل السّنّة وجوب إتّباع أحد بعينه إلاّ رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم. لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم. لكن هؤلاء الأئمة الأربعة لهم من ذلك النصيب الأوفر.

3-                     الشك في صدق قوله بالاحتكام إلى أهل القرون الثلاثة الأولى.

1_ قوله (ولكن الأدلة الشرعية أخذت بأعناقنا . . .) يريد بالأدلة الشرعية ما سيذكره بعد ذلك، والتي سنردّ عليه فيها إن شاء الله ونبين أنها جميعاً ما بين صحيح غير صريح ولا يفيد ما ذهب إليه، أو هي غير صحيحة كما هو في الغالب عليها.

2_ افتراضه بأن أهل السّنّة يقولون بوجوب التّمسّك بمذهب الأئمة الأربعة غير صحيح، ويدلّ على قلّة علمه وفهمه، بل هو شيء لا تفيده حتى عبارة خصمه في الكتاب فليس عند أهل السّنّة وجوب اتّباع أحد إلاّ رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، ومن قال غير ذلك منهم أو من غيرهم فقد أخطأ وأبعد النجعة، ومن تقوّل ذلك عليهم فمن سوء فهمه أو مقصده أُتي، أو إنه إعتمد على أناسٍ غير محققين منهم فنقل قولهم المرجوح . فخلاف أهل السّنّة مع أهل الرفض والتشيّع، ومع غيرهم من أهل البدع إنما هو في الفهم السليم للدليل الصحيح عن رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في أي أمر صغير أو كبير، سواء في ذلك الأصول أو الفروع على حدّ تعبيرهم، لذا فلا يرد علينا قوله بعدم وجود دليل صحيح على وجوب اتباع الأئمة الأربعة أو غيرهم من أئمة أهل السّنّة، وما حصل من اتباعنا للأئمة الأربعة أو أحدهم في أي أمر من أمور الشريعة فذلك لصحّة الدليل عندهم في ذلك الأمر لا لذاتهم كما يفعله المقلّدون لهم، وكما تفعله الشيعة بأئمتها سواء . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مختصر منهاج السنة المسمى (المنتقى من منهاج الإعتدال) (ص 189): (والناس لم يأخذوا قول مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلاّ لكونهم يسندون أقوالهم إلى ما جاء به النبي صَلّى الله عليه وسلّم، فإن هؤلاء من أعلم الناس بما جاء به وأتبعهم لذلك وأشدّهم اجتهاداً في معرفة ذلك واتّباعِهِ وإلاّ فايّ غرض للناس في تعظيم هؤلاء ؟ وعامّة الأحاديث التي يرويها هؤلاء يرويها أمثالهم، وكذلك عامة ما يجيبون به من المسائل كقول أمثالهم، ولا يجعل أهل السّنّة قول واحدٍ من هؤلاء معصوماً يجب اتّباعه، بل إذا تنازعوا في شيءٍ ردّوه إلى الله والرسول) إ. ه.

وقال في (ص 191): (ولولا أن الناس وجدوا عند مالك والشافعي وأحمد أكثر ممّا وجدوه عند موسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ لما عدَلوا عن هؤلاء) إ. ه.

3- أشارت عبارته في الفقرة الثالثة هنا إلى تفضيله لأهل القرون الثلاثة على غيرهم ورضائه عنهم، وهو أمرٌ يصطنعه لا حقيقة له عنده ولا عند أصحابه، وكان الأجدر بهم- هو وأصحابه- لو استحضروا هذا الموقف من القرون الثلاثة في باقي المسائل ولم يُعرِضوا عنها إلى أقوال أئمتهم- غير الصحيحة- وأقول: لو كان أحدٌ يبغض مذهب السلف والقرون الثلاثة خصوصاً ويلعنهم فهم الشيعة لا غيرهم، وانظر تفصيل هذه المسألة في ردّنا على (المراجعة 52) (ج2 / ص 10- 13) .

المراجعة (5): س:

1-                     اعتراف شيخ الأزهر بصحّة قوله.

2-                     إلتماس شيخ الأزهر الدليل على سبيل التفصيل في مسألة وجوب الأخذ بمذهب أهل البيت.

المراجعة (6): ش:

1-                     الإشارة الإجمالية إلى أدلّة وجوب الأخذ بمذهب أهل البيت.

2-                     احتجاجه بأقوال علي زين العابدين نقلاً من (نهج البلاغة) و(الصواعق المحرقة).

الردّ على المراجعة (6):

1-                     هذه الأقوال بحاجة إلى تصحيح نسبتها أولاً. ثم إثبات كونها حجّة ثانياً، مع كلمة عن (نهج البلاغة).

2-                     التعريف بكتاب (الصواعق المحرقة) وقيمته العلمية، ثم التعقيب على النّصوص المنقولة منه هنا.

1-         جميع ما ذكره في هذه المراجعة (ص 44- 48) من الأدلة إنما هو منقول من كتابهم (نهج البلاغة) فهو يحتاج أولاً إلى تصحيح نسبة هذا الكلام إلى عليّ رضي الله عنه، بذكر إسناد له ولو واحد وتبيين صحته، هذا أولاً . . وثانياً: يحتاج إلى دليل آخر خارجي يثبت حجّية قول عليّ رضي الله عنه- وكذا قول غيره من الصحابة على السواء- خصوصاً في مثل هذه المسألة المهمة.

ولا بد من وقفة نبين فيها حقيقة هذا الكتاب (نهج البلاغة) وصحّة نسبة النّصوص الواردة فيه إلى عليّ رضي الله عنه، وقد قام بذلك خير قيام الدكتور صبري إبراهيم السّيّد في تحقيقه وتوثيقه للنهج ببحث يمتاز بالدقة والصبر والتأنّي- كما وصفه مقدّمه الأستاذ المحقق عبد السّلام محمّد هارون- فبعد أن أثبت نسبة نهج البلاغة إلى الشريف الرضي لا إلىلا أخيه الشريف المرتضى – قال (ص19- 20): (كأنت نسبة ما في " نهج البلاغة" إلى الأمام عليّ مثاراً للشكّ عند العلماء والباحثين، المتقدمين والمتأخرين على مرّ العصور، كما أثار الجدل حول النّصوص ذاتها التي حواها الكتاب، فكثير من علماء القرن السادس الهجري كانوا يزعمون أن معظم ما في نهج البلاغة لا يصحّ إلى عليّ بن أبي طالب وإنما ألّفه قومٌ من فصحاء الشيعة، من بينهم السيد الرضي . ولعل ابن خلّكان أول من أثار الشكوك في قلوب الباحثين بنسبته الكتاب إلى الشريف المرتضى تأليفاً . ثم جاء من بعده الصفدي، وغيرُه من كتّاب التراجم فتابعوه على ذلك، وحينئذٍ قويَ الشك وتمكّن . يقول ابن خلكان: (وقد قيل إنه ليس من كلام عليّ وإنما الذي جمعه ونسَبه اليه هو الذي وضعه) (وفيات الأعيان) (3/ 416). ويقول الذهبي: (ومَن طالع كتاب "نهج البلاغة" جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه) (الميزان) (3/ 124).

وأهم ما نجده من أسباب للشك في نسبة النّصوص الواردة في كتاب نهج البلاغة عن القدماء والمحدثين ما يلي) ثم ساق الدكتور صبري عشرة أسباب لذلك ننقلها من كلامه بشيء من الإختصار والتصرّف:

            1-  إن في الكتاب من التعريض بصحابة رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم ما لا يصحّ نسبته إلى عليّ رضي الله عنه.

وهو ما قرّره الحافظ ابن حجر في (اللسان) (4/ 223) بقوله: (ففيه السبّ الصراح والحطّ على السيدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما) .

            2-  إنّ فيه من السجع والتنميق اللفظي وآثار الصنعة ما لم يعهده عهد عليّ ولا عرفَه.

     3- إنّ فيه من دقة الوصف واستفراغ صفات الموصوف كما تراه في الخفاش والطأووس وغير ذلك مما لم تعرفه العرب إلاّ بعد تعريب كتب اليونان والفرس الأدبية والحكمية.

     4- إنّ فيه بعض الألفاظ الإصطلاحية التي لم تعرف إلا من بعد كالأين والكيف وكاصطلاحات المتكلّمين وأصحاب المقولات مثل (المحسوسات) و(الصفات الذاتية والجسمانية) .

            5-  إنّ فيه ما يُشَمّ منه ريح ادّعاء صاحبه علم الغيب.

            6-  إنّ في خطبه مقاطع طويلة وقصيرة تروى على وجهين مختلفين يتّفقان في المعنى، ولكن يختلفان في اللفظ.

            7-  خلوّ الكتب الأدبية والتاريخية التي ظهرت قبل الشريف الرضي من كثير مما في النهج.

     8- طول الكلام غير المعهود في ذلك الوقت كما في عهده إلى الأشتر النخعي، والمعروف عن عليّ رضي الله عنه التوسّط إن لم يكن الإيجاز.

            9-  ما في الكتب من الخطب الكثيرة والرسائل المتعددة التي من الواضح انها مختلقة لأغراض مذهبية شيعية.

         10-                       عدم ذكر المصادر المنقول منها خطب علي رضي الله عنه ولا الشيوخ الذين رووا ذلك.

ثم ساق الدكتور صبري جواب أئمة الشيعة وغيرهم ممن يدّعي صحة نسبة ما في الكتاب إلى عليّ رضي الله عنه، عن هذه الشبهات بالتفصيل (ص28- 65) ونقضها وبين استقامة هذه الشبهات وكونها أسباباً حقيقية واقعية تمنع من نسبة معظم ما في الكتاب إلى عليّ رضي الله عنه (ص65- 79) . وكان من كلامه أن قال (ص67): (وإذا كان بعض هؤلاء ممّن ينتسبون إلى مذهب الشيعة قد وصل به الأمر إلى الكذب على الله تعالى والخوض في آياته أفلا نتصوّر بعد هذا أن يكون البعض قد خاض أيضاً في خطب عليّ فضمّ اليها ما ليس له ؟ ولما لا نجد مثل هذه الخطب إلاّ في كتب الشيعة والمتأخرين منهم ولا نجد لها ذكرا في كتب السنّة ؟ ولماذا لم نعثر على كثير من هذه الخطب في بطون الكتب الأدبية المعروفة ؟ وما الذي يضير علياّ ألاّ يكون له مثل هذا الكم الهائل من الخطب غير المعروفة المصدر أو الرواية ؟) ثم بين الدكتور صبر بحجج واضحة أن كثيراً مما أسند إلى علي في (النهج) من خطب ورسائل وحكم تثبت نسبتها لآخرين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، بل تجأوز الأمر هذه العهود إلى عهود متأخرة كالخليفة المأمون، وأكثر من ذلك نسبة أحاديث النبي صَلّى الله عليه وسلّم اليه أو حتى أقوال المسيح عليه السّلام، وكل هذا باقرار المحققين من السّنّة والشّيعة على السواء، بل من أئمة الشيعة الكثيرين أقروا بنسبة كثير منها إلى غير عليّ رضي الله عنه، وهو ما نقله عنهم الدكتور صبري (ص 68- 77).

وأخيراً يخلص الدكتور في نتائج توثيقه (ص 81) إلى أن أكثر من نصف الخطب في (النهج) لم تثبت صحة نسبتها إلى علي رضي الله عنه، وان حوالي ثلث ما فيه من الرسائل كذلك، وأكثر من ثلثي الحكم فيه لم تثبت صحة نسبتها اليه، وكذلك أكثر من نصف الغريب من الكلام فيه .

وبعد . . فهل يُمكن لأحد أن يحتجّ بما في (نهج البلاغة) خصوصاً على أهل السّنّة بعد هذا التحقيق الوافي ؟

فنحن نرد عليه وننازعه بعدم صحة هذا القول عن علي، وإلاّ فليظهر لنا إسناداً صحيحاً له، إذ سيقت كلُّ هذه الخطب في ذلك الكتاب بلا إسناد مثلها مثل حاطبٍ بليل، ثم ننازعه في صحّة قوله رضي الله عنه في مثل هذه المسألة المهمّة شأنه في ذلك شأن غيره من الصحابة والتابعين، ونحن نقول: كلّ رجل يؤخذ منه ويُرد عليه إلاّ رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم-كما قال سلفنا الصالح- فما هي الحجّة بقول عليّ ؟

ولا يكفي لإثبات حجّية مثل هذا القول ما أشار اليه من الأدلّة على ذلك إجمالاً ناسباً إياها إلى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، وقد تركنا الجواب عليها حتى يذكرها مفصلة بعد ذلك .

2- غير أنه أشار في بعض هوامشه إلى نقله من كتاب (الصواعق المحرقة في الرّدّ على أهل البدع والزّندقة) للحافظ أحمد بن حجر الهيثمي، وسيتكرر نقله منه كثيراً مما يحتم علينا بيان حقيقة الكتاب.

قال ابن حجر في مقدمة كتابه أنه صنّف كتاباً في حقيقة خلافة أبي بكر وإمارة عمر رضي الله عنهما، وإنه بعد مدّة طلب منه قراءته في المسجد الحرام، وذلك سنة خمسين وتسعمائة لكثرة الشيعة والرافضة هناك في ذلك الوقت، ثم سنح له أن يزيد عليه أضعاف ما فيه من فضائل الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وما يتبع ذلك من فضائل الحسن وأهل البيت .

والمهم هنا إنه لم يدّع صحّة ما ساقه فيه من الأحاديث والآثار ولم يلتزم ذلك، بل تجده كثيراً ما يورد حديثاً أو أثراً وينبّه إلى ضعفه وسقوطه عن الإحتجاج- كما سننقله عنه إن شاء الله- شأنه في ذلك شأن معظم علماء عصره في تصانيفيهم، يكون همّهم ذكر واستقصاء ما ورد في تلك المسألة تاركين تصحيحها وبيان ثبوتها أما اكتفاء بذكر إسنادها أو اعتماداً على أقوال أصحاب العلم في ذلك في مواضع أخرى، ثم ان هذه الطريقة الوحيدة التي أمكننا بواسطتها معرفة الصحيح والثابت ومعرفة الضعيف والمردود والمكذوب، ولو اقتصر أهل السّنّة على ما صحّ عندهم لما أمكنهم تمييز الحق من الباطل من أقوال أهل البدع.

والذي ينبغي لنا بيانه أن يعلم بأن أهل السّنّة لا يقولون بصحّة أحاديث كتاب سوى الصحيحين البخاري ومسلّم، وما سوى ذلك خاضع للدراسة والتمحيص . ولا يمكن أحداً أ ن يُلزمهم به حتى يصحّ عندهم ويثبت.

وأمّا ما نقله من (الصواعق المحرقة) في هذه المراجعة فأوله قول ابن عباس رضي الله عنهما: (نحن أهل البيت شجرة النبوّة . . .) الذي نقله في الهامش (12/ 46) وقد كفانا ابن حجر مؤونة ردّه إذ قال: (وجاء عن ابن عباس بسند ضعيف انه قال . . .) فتعمّد في إخفائه هذا الموسوي لأنه يسقط حجيّته.

والثاني قول علي رضي الله عنه (15/ 47) وقد كفانا ابن حجر- رحمه الله- مؤونه ردّه إذ قال: (عن عليّ بسند ضعيف) فها هو ابن حجر يضعّفه فأين الحجّة فيه يا موسوي؟

والثالث قول الحسن بن علي رضي الله عنهما (16/ 47) وقد اختصر هذا الموسوي عبارة ابن حجر اختصاراً سيئاً، وإليك نصّ كلامِه: (وقد صرح الحسن رضي الله عنه بذلك، فإنّه حين استخلف وثب عليه رجلٌ من بني أسد فطعنه وهو ساجد بخنجر لم يبلغ منه مبلغاً , ولذا عاش بعده عشر سنين فقال: يا أهل العراق اتّقوا الله فينا فإنّا أمراؤكم وضيفانكم . . .) إ. ه. فأولا هذا القول موجّه إلى أهل العراق ليس عامّاً إلى الكلّ وثانياً وهو المهم انه قال ذلك حين استخلف فقوله (إنا امراؤكم) باعتبار أنه أمير عليهم، وهو يصحّ من كل من كان أميراً على قوم، وان لم يبلغ من الصلاح والتقوى والعلم ما يؤهله لذلك، فإنّما هو اخبار عن ولايته علهيم ليس إلاّ، وإنه يجب عليهم باعتبار ذلك طاعته في المعروف.

لكن هذا الموسوي تصرّف في النص بما يوافق هواه موهِماً أنه قال ذلك على وجه العموم، وهذا كله على فرض ثبوت ذلك عن الحسن رضي الله عنه، إذ لم يبينه ابن حجر ولم يذكر إسناده . والرابع قول زين العابدين (17/ 48) وقد ذكره ابن حجر دون بيان صحّته ولا إسناده أيضاً سوى عزوه للثعلبي في تفسيره وهو لا يغني شيئاً فالثعلبي كحاطب بليل- كما قال شيخ الإسلام- وكثيراً ما يروي الموضوعات المكذوبات، كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله . ثم إنه لا حجة علينا بقول زين العابدين.

المراجعة (7): س:

1-                     شيخ الأزهر يطلب البينة من كلام الله ورسوله .

2-                     تقريره بأن الإحتجاج بكلام أئمة أهل البيت دوري.

المراجعة (8): ش:

1-                     زعمه ورود الأدلة من كلام النبي صَلّى الله عليه وسلّم.

2-                     ذكره حديث الثقلين بألفاظ مختلفة وادّعاؤه تواتره.

3-                     سرد أحاديث أخرى في وجوب الأخذ بمذهب أهل البيت.

4-                     استخراجه لبعض الدلائل من تلك النّصوص المزعومة.

الردّ على المراجعة (8):

1-                     طريقته القاصرة والخاطئة في تخريج الأحاديث.

2-                     طعنه بالصحابة رضوان الله عليهم.

3-                     الكلام بالتفصيل عن الأدلة التي ساقها، مع كلمة عن حديث الغدير.

4-                     كشف بعض الطامات والتناقضات في كلامه هنا.

قبل الكلام على الأدلة التي ذكرها مفصّلة أحب أن أشير إلى أن طريقة تخريجه لهذه الأحاديث طريقة خاطئة وقاصرة وتدل على عدم معرفته بطريقة عزو النّصوص الشرعية إلى أمّهاتها، أو تعمّده في ذلك حتى يضيع على الباحث الموضع الصحيح للحديث رغبه منه في تعمية اسناده، الأمر الذي نبّهنا عليه في بداية الكتاب حين علقنا على ما جاء في (حياة المؤلف)، فالأولى بالباحث المنصف صاحب العلم أن يرجع إلى المصادر الأصلية إلا إذا تعذّر عليه فحين ذلك يصرح به ويذكره.

وقوله في الفقرة الثالثة من هذه المراجعة عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم أنه: (أهاب في الجاهلين وصرخ في الغافلين…) يدلّ على أنتقاصه للصحابة رضوان الله عليهم. ويدل على اعتقادهم، ومذهبهم في الصحابة أنهم جاهلون غافلون إلا عليّاً، وهذا القول منهم في صحابة نبي هذه الأمة لم تقله اليهود ولا النصارى ولم تتجرأ عليه في صحابة أنبيائهم، وهو قول يؤدي في النهاية- سواء قصدوا ذلك أم لا- إلى القدح في النبي صَلّى الله عليه وسلّم، كما قال بعض أئمة السلف: هؤلاء قدحوا في رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، حتى يُقال رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان له أصحاب صالحون.

وأبتدئ الآن بسرد الأحاديث التي استشهد بها والكلام عليها مشيراً إلى موضعها عن طريق ذكر الصفحة التي هي فيها بعد ذكر رقم الهامش الخاص.

(1/ 49). . 

حديث جابر الذي ذكره ليس عند النسائي – كما زعم- بل أخرجه الترمذي (4/ 324)، والطبراني في (الكبير) (2680) من طريق زيد بن الحسن الأنماطي عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر. وإسناده ضعيف لضعف زيد بن الحسن هذا كما قال الحافظ في (التقريب). وقال أبو حاتم: منكرالحديث، فالحديث باطل لا يثبت.

(2/ 49). . 

حديث زيد بن أرقم هذا أخرجه الترمذي (4/ 343) من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم. وهذا إسناد لا يصح فيه علتان، الأول: تدليس الأعمش وقد عنعنه، والثانية: حبيب بن أبي ثابت كان كثير الإرسال والتدليس، بل تدليسه أسوأ من تدليس الأعمش! كما بينه الحافظ في (طبقات المدلّسين)، وهو يُرسل أيضاً.

وممّا يؤيد وجود انقطاع في هذا الإسناد أن له إسناداً آخر أصحّ من هذا عن الطبراني في (الكبير) (4969). والحاكم (3/ 109) عن الأعمش ثنا حبيب بن أبي ثابت عن عامر بن وائلة – أبو الطفيل- عن زيد بن أرقم، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. قلت: وهنا صرح الأعمش بالتحديث فأنتفت بذلك شبهة تدليسه، وأما حبيب بن أبي ثابت فقد بين هنا الواسطة بينه وبين زيد بن أرقم وهو عامر بن وائلة مع بقاء علّة تدليسه، وهذا الحديث هو الذي أشار إليه هذا الموسوي في صفحة (50) هامش (6) وجزم بصحته معتمداً على تصحيح الحاكم، لكن لفظه لا يدل على مطلوبه فليس فيه حتى التّمسّك بالعترة، إذ قال صَلّى الله عليه وسلّم: (إني قد تركتُ فيكم الثقلين؛ أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فإنهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض) فاللفظ الذي يوافق هوى الشيعة – الأول – غير صحيح، واللفظ الصحيح ليس فيه ما يؤيد مذهبهم، ولله الحمد.

ثم إن حديث الترمذي- بالإسناد الأول- لو صح فليس فيه دليل على ما زعم من وجوب إتباع أهل البيت والتمسك بهديهم، فلفظه (ما إن تمسّكتم به . . .) ثم ذكر كتاب الله، والضمير مفرد (به) ولو كان التّمسّك بهدي أهل البيت معطوفاً على الكتاب لكان لفظ الحديث (بهما)، لكن ذكر أهل البيت فيه من أجل توصية الأمة بهم وتوقيرهم واحترامهم كما هو واضح في رواية مسلّم الآتية.

وحديث زيد بن أرقم هذا هو ما يعرف بحديث غدير خُم، وله طرق أخرى وألفاظ، وهي جميعاً ما بين صحيح غير صريح- كما في رواية مسلّم- وما بين صريح غير صحيح- كما في الروايات الأخرى-.

وغدير خم مكان بين مكة والمدينة قريب من الجحفة، خطب به النبي صَلّى الله عليه وسلّم مرجعه من حجة الوداع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة وكان يوم الأحد، وسبب الخطبة كما رواها غيرواحد من أصحاب السير والمغازي كابن اسحق، وانظر (البداية والنهاية) (5/ 208- 209) (إن عليّا رضي الله عنه لما أقبل من اليمن ليلقى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم بمكة تعجّل إلى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم واستخلف على من معه رجلاً من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسى كلّ رجل من القوم حُلّةً من البَز الذي كان مع علي، فلما دنا جيشُه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحُل، قال: ويلكَ ما هذا؟ قال: كسوت القوم ليتجمّلوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك انزع قبل أن ينتهي به إلى رسول الله صَلى الله عليه وسلّم فأنترع الحُلَل من الناس فردها في البر، وأظهر الجيشُ شكواه لما صنع بهم) إ. ه. قال الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (5/ 106): (و المقصود إن عليّاً لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه، وعليّ معذور فيما فعل لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج، فلذلك والله أعلم لما رجع رسول الله صَلى الله عليه وسلّم من حجّته وتفرّغ من مناسكه ورجع إلى المدينة فمر بغدير خم قام في الناس خطيباً فبرّأ ساحة عليّ ورفع من قدره ونبّه على فضله ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس) إ. ه.

هذا هو سبب خطبة الغدير وسبب توصية النبيّ صَلّى الله عليه وسلّم بعليّ وباقي أهل بيته، وليست التوصية بهم في حجّة الوداع كما يزعمه بعض الجهلة، وسيأتي تفصيله في المراجعة (54) وقد خطب النبي صَلّى الله عليه وسلّم بالناس في عرفات خطبةً عظيمة وأوصى فيها حتى بالنساء وليس فيها الأمر بالتّمسّك بالعترة بل قال فيها: (تركت فيكم ما لن تضلوا بعد أن اعتصمتم به كتاب الله)- أنظر (صحيح مسلّم((2/ 890)، (سنن أبي دأود) (1905)، (سنن إبن ماجة) (3074)- فليس فيها ذكر الإعتصام والتمسك بمذهب العترة كما يزعم هذا الموسوي، ولو كان ذلك أصلاً صحيحاً لبينه رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في خطبته هذه وهو يبين للأمة ما يعصمهم من الضلال، ولا يمكن أن يكون أغفله، فلما لم يذكره علم أنه غير مشروع أصلاً.

ومن طرق حديث غدير خم ما أخرجه مسلّم (2408)، وأحمد (4/ 366- 367)، والطبراني في (الكبير) (5026، 5027، 5028) عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: (أمّا بعد . . ألا أيّها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقلين؛ أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به) فحثّ على كتاب ورغّب فيه ثم قال: (و أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي أذكّركم الله في أهل بيتي).

فهذه الرواية الصحيحة لحديث غدير خُم عن زيد بن أرقم تبين ما أرادَه النبي صَلّى الله عليه وسلّم بذكر أهل بيته، وذلك ليوصي المسلّمين بهم لا لإيجاب اتّباعهم والتّمسّك بهديهم وحدهم، بل ما صح عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم بالحث على اتّباع هدي أهل البيت- على افتراضه- فهو من قبيل ما صحّ عنه صَلّى الله عليه وسلّم بالأمر بالتّمسّك بسنّته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، إذ قال: (عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ) ومن قبيل قوله صَلّى الله عليه وسلّم: (اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر وتمسكوا بعهد عمّار) وفي بعض ألفاظه قال: (أني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر)- أنظر (مسند الإمام أحمد) (5/ 385، 399)- فإن كان هذا الموسوي- صاحبَ المراجعات- يستشهد بحديث صريح غير صحيح في ذلك رددناه إلى ما صحّ من الأحاديث وبينا الفاظها.

ومع أن الأمر بالإقتداء أقوى من الأمر بالتّمسّك بالهدي والسنة، إذ الأمر بالإقتداء يشمل حتى الأفعال بخلاف اتباع الهدي والسنة، فأمرَ صَلّى الله عليه وسلّم بالإقتداء بأبي بكر وعمر وحث على التمسك بهدي غيرهم وسنته من الصحابة وأهل البيت، أقول: مع إن الأمر كذلك فلم يقل أحد من أهل العلم بوجوب إتّباع أبي بكر وعمر والإقتداء بهم وحدهم لذواتهم ولم يجعل ذلك من أصول الإسلام، فكيف يُقال بوجوب التمسك بهدي أهل البيت- لوحدهم ودون الرجوع إلى ما صحّ من سنّة النبي صَلّى الله عليه وسلّم- إستناداً إلى حديث- لو صحّ- فهو دون الأحاديث التي تأمر بالتمسك بهدي أبي بكر وعمر بل والإقتداء بهم.

وممّا صح من طرق حديث زيد بن أرقم ما أخرجه الإمام أحمد (4/ 371) والطبراني في (الكبير) (5040) عن عليّ بن ربيعة قال: لقيتُ زيد بن الأرقم داخلاً على المختار أو خارجاً منه فقلت له: حديثاً بلغني عنك سمعت رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يقول: (أني تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي)؟ قال: نعم. .

فهذا حديث صحيح يوافق حديث مسلّم السابق. بل هو قطعة منه.

وروي حديث زيد بن أرقم بلفظ آخر أخرجه الطبراني في (الكبير) (2681، 4971) من طريق حكيم بن جبير- وهو ضعيف- عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم، وفيه أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (فانظروا كيف تخلّفوني في الثقلين) فنادى منادٍ: وما الثقلان يا رسول الله؟ قال: (كتاب الله طرفٌ بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم فاستمسكوا به لا تضلّوا، والآخر عترتي، وإن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض . . الحديث) وإسناده ضعيف كما قلنا وما يصحّ من بعض ألفاظه لشواهده ليس فيه الأمر بالتمسك بالعترة بل فيه ان الثقلين هما كتاب الله تعالى والعترة. وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليه الحوض صَلّى الله عليه وسلّم.

وهذا معنى صحيح ثبت في حديث آخر صحيح أخرجه الطبراني في (الكبير) (4980، 4981، 4982)، والحاكم (3/ 148) وهو الذي ذكره صاحب المراجعات (ص49- 50) هامش (4)، لكن لفظه- كما قلنا- لا يدل على مطلوبه من وجوب التمسك بهدي العترة لوحدهم.

ويبدو ان هذا الموسوي لا يحسن الإستدلال على مطلوبه مع ما عنده من التدليس والكذب، إذ قال في هامش (3) (ص49): (أخرجه الإمام أحمد من حديث زيد بن ثابت بطريقين صحيحين أحدهما في أول صفحة (182) والثاني في آخر صفحة (189) من الجزء الخامس من مسنده) كذا قال والأمر ليس كذلك، فقد أخرجه الإمام أحمد (5/ 181- 182، 189) نعم لكنّه ليس بإسنادين بل هو إسناد واحد أعاده في الموضوعين، ثم هو ليس صحيحاً كما ادعى ففي سنده علّتان؛ أولاهما: شريك القاضي في حفظه سوء يمنع من تصحيح حديثه، والثانية، فيه القاسم بن حسّن قال البخاري: لا يُعرف، وكذا قال ابن القطان.

لكن لحديث زيد بن ثابت هذا شاهداً عند الطبراني (4921، 4922، 4923، 4970) من طريق شريك عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن ثابت.

وهو نفس إسناد حديث زيد بن أرقم السابق عند الطبراني (4969)، والحاكم (3/ 109) بزيادة علة أخرى وهي سوء حفظ شريك وإختلاطه، لكن يمكن تحسين هذا الإسناد بطرقه وشواهده، فأين هذا من قول هذا الموسوي: بطريقين صحيحين؟؟ وإذا كان كذلك فلفظ حديث زيد بن ثابت هذا هو: (أني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض). وأيضاً ليس في لفظه- على فرض صحته- ما يؤيد ما ذهب اليه صاحب كتاب المراجعات، كما هو واضح.

ومن طرق حديث زيد بن أرقم ما أخرجه الطبراني في (الكبير) (4986) بإسناد فيه حبيب بن أبي ثابت. وهو مدلّس وقد عنعنه. وفيه أيضاً كامل أبو العلاء وفي حفظه شيء فلا يصحّ هذا الإسناد، والله أعلم.

ومن شواهد حديث زيد بن أرقم حديث حذيفة بن أسيد الغفاري. أخرجه الطبراني في (الكبير) (2683، 3052) من طرق عن زيد بن الحسن الأنماطي ثنا معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد. وزيد بن الحسن ضعيف منكر الحديث- كما تقدم- فلا يصحّ. .

(5/ 50). . 

حديث أبي سعيد الذي ذكره أخرجه الإمام أحمد (3/ 14، 17، 26، 59)، والترمذي (4/ 343)، والطبراني في (الكبير) (2678، 2679)، وأبو يعلى (60/ 2) من طرق عن عطية العوفي عن أبي سعيد. وهذا إسناد لا يصحّ أيضاً فعطية سيءُ الحفظ يخطئ كثيراً، ثم إنه مدلّس- كما في (التقريب)- ومن تدليسه أنه كان يأتي الكلبي- وهو محمّد بن السائب الكلبي، متّهم بالكذب- فيأخذ منه الحديث ويكنّيه أبا سعيد فيقول: حدّثنا أبو سيعد ويوهم أنه أبو سعيد الخُدري، أنظر ترجمته في (التهذيب) وغيره، فالحديث باطل.

(6/ 50). . 

تقدم الكلام عليه خلال (2/ 49).

(7/ 50). . 

حديث عبد الله بن حنطب الذي ذكره لم أجده في معجم الطبراني الكبير، ولا أدري كيف عزاه إليه، فليس لعبد الله بن حنطب هذا أي مسند عند الطبراني، ثم بحثت بين الصحابة عن اسمه فوجدته مختلفاً في صحبته وبعضهم أنكر أن يكون عبد الله بن حنطب هذا صحابيا وعد حديثه عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم من المراسيل، كما فعل الترمذي في (جامعه) (4/ 311)، ومن قال انّ له صحبة- مثل أبي حاتم- لم يذكر له إلا حديثاً- غير صحيح- في فضل أبي بكر وعمر، وآخر أيضاً في فضل قريش ولا يصح- راجع ترجمته من (الإصابة)-.

فعلى زعم هذا الموسوي بوجود مثل هذا الحديث ينبغي له ان يبين إسناده- على الأقل- هذا إذا لم نجزم بعدم وجوده وقد ذكر ابن حجر في (الإصابة) ان أحاديث عبد الله بن حنطب هذا- على فرض صحبته وعلى قلتها- مروية من طريق ابنه المطلب في العموم، والمطلب هذا فيه ضعف يمنع من تصحيح حديثه، وقد استرسلت في هذه الإحتمالات حتى لا تبقى لأحد حجة.

ولو كان هذا الموسوي- صاحب المراجعات- له أدنى معرفة بعلوم الشرع وأصول التخريج وطريقة الأستدلال لعزا هذا الحديث- بهذا اللفظ- إلى موضعه الأصلي عند ابن أبي عاصم في (السنة) (رقم 1465)، لكنّه لا يفعل ذلك إما جهلاً منه، أو عمداً لإخفاء موضعه حتى لا يتبين الضعف في إسناده، فقد أخرجه ابن أبي عاصم من طريق عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن جبير بن مطعم بنفس اللفظ المذكور، وعمرو والمطلب كلاهما ضعيف في الحفظ، والمطلب مدلّس أيضاً ويُرسل كثيراً، وليس له رواية عن أي من الصحابة- راجع ترجمته في (التهذيب)- فالإسناد ضعيف إذن لانقطاعه وضعف روائه.

ومع ذلك فليس في لفظه ما يدل على مطلوب هذا الموسوي كحال معظم ما استشهد به من الأحاديث، إذ هو مقصور على التوصية بالقرآن والعترة، وأن النبي صَلّى الله عليه وسلّم- كما في الرواية التي ساقها- أو ان الله سبحانه وتعالى – كما في رواية ابن أبي عاصم- سيسألهم عنهما، وإليك لفظ ابن أبي عاصم: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: (ألستُ مولاكم؟ ألستُ خيركم؟) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (فإني فرط لكم على الحوض يوم القيامة، والله سائلكم عن اثنين، عن القرآن وعن عترتي). .

أما قوله في الهامش بعد التخريج: (و أنت تعلم أن خطبته صَلّى الله عليه وسلّم يومئذٍ لم تكن مقصورة على هذه الكلمة، فإنّه لا يقال عمّن اقتصر عليها انه خطبنا ولكن السياسة كم اعتقلت ألسن المحدثين وحبست أقلام الكاتبين) إ. ه. . فبطلانه أوضح من أن يحتاج إلى بيانه وردّه، إذ لو كان ذلك صحيحاً وممكناً ودليلاً لأمكن أي مبطل- كما فعل هذا الموسوي- أن ينسب إلى النبي صَلّى الله عليه وسلّم أيّ قول يريده ويدخله ضمن خطبته صَلّى الله عليه وسلّم، ويزعم أن السياسة لم تكن تسمح بروايته، ومن ثم ضاع دين الله وكلام رسوله على زعم هذا المفتري.

ثم إنه من قال ان من اقتصر على تلك الكلمة لا يقال عنه خطبنا؟ أهذا ما تمليه لغة أئمة الشيعة هؤلاء؟ وعلى فرض أنه صَلّى الله عليه وسلّم قال كلاماً آخر غير هذا في خطبته تلك، فما أدرى هذا الموسوي بذلك الكلام حتى يحتج به؟ أهذه هي النّصوص الصريحة التي زعم أنه يحتجّ بها في مقدمة كتابه؟ نعوذ بالله من الجهل والخذلان!

وقال في الفقرة الرابعة من هذه المراجعة: (و الصحاح الحاكمة بوجوب التّمسّك بالثقلين متواترة . . . إلى آخر كلامه) وزعم أنها قيلت في مواضع شتى. ونحن نقول: مع كثرة طرق حديث غدير خم وشواهده- بعد تمييز صحيحها من سقيمها- فليس في ما صحّ منها الأمر بالتّمسّك بالثقلين- كما زعم- إلاّ في لفظ أو لفظين، والصحيح من الروايات فيه التوصية بأهل البيت لا التمسك بهم، ومع ذلك فقد بينا وجه قوله صَلّى الله عليه وسلّم- إن صحّ- بالتمسك بهم، لكن كثرة الطرق هذه والشواهد لا تدل على تعدد الموضع بل في معظمها التصريح انه كان عند غدير خم والباقي منها ليس فيها أي بيان لموضعه، فيجب حمله على أنه في موضع واحد، أما القول بتعدد الموضع إذا تعددت الطرق والشواهد فهو قول السطحيين غير المحققين، وهو قول من لم يتمكن من الجمع بين الروايات في الموضع الواحد ومن ثمّ هو قول مرجوح، ثم انه ليس في أي من الروايات الصحيحة ما يشير أدنى إشارة إلى أن قول النبي صَلّى الله عليه وسلّمهذا قيل في غير موضع غدير خم لا في حجة الوداع ولا في المدينة ولا في منصرفه من الطائف صَلّى الله عليه وسلّم، وقد اعتمد هذا الموسوي في ما ذهب اليه على قول ابن حجر في (الصواعق المحرق) ذلك القول الذي لم يوفق في لإصابة الحق، فليس في الروايات الصحيحة الثابتة ما يؤيّد ذلك، ولا عبرة بعد ذلك بما جاء في بعض الروايات غير الصحيحة من تعدد موضع تلك التوصية، ونبقى نطالبه بدليل صحيح على ما ادّعاه، وبالتالي ندحض حجّته في تعدد الموضع مع انه ليس في ثبوتها ما يضير.

بقي من الأحاديث التي ساقها في هذه الفقرة ما زعمه من قول النبي صَلّى الله عليه وسلّم: (أيها الناس يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً. . .) وفيه: (عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض). ولم يذكر من أخرجه ولا صاحب الصواعق المحرقة الذي عنه نقله، وهو قصور فاحش يوجب سقوط الحديث عن الإحتجاج إذ لم يعرف مخرجه ولا سنده ثم رأيت الحديث قد أخرج طرفاً منه الطبراني في (الصغير) (707) وعزاه في (المجمع) (9/ 134) للأوسط أيضاً عن أم سلّمة رضي الله عنها، وإسناده واهٍ بمرة، فيه صالح بن أبي الأسود الكوفي وهو كما قال الذهبي في (الميزان)، وفيه أيضاً أبو سعيد التيمي ولقبه عقيصاً، تركه الدارقطني، وقال الجوزجاني: غير ثقة، ووهّاه غيرُهما. مع ما في الإسناد من المجاهيل أيضاً.

وقوله بعد ذلك (وحسب أئمة العترة الطاهرة أن يكونوا عند الله ورسوله بمنزلة الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) فيه بيان ما يصبر اليه هذا الموسوي من القول بعصمة أئمته هؤلاء، في الوقت الذي يقرر فيه علماؤهم تحريف القرآن الكريم ونقصانه وان الباطل قد دخل اليه من بين يديه أو من خلفه- كما نقلنا ذلك عنهم مصدقاً بذكر كتبهم وان أنكره بعضهم- فهم حتى لم يسأووهم بالقرآن بل فضّلوهم عليه.

ونحن نسأله أين هي سُنّة محمّد صَلّى الله عليه وسلّم عندكم؟ أهي من فضول الكلام ومن حشو الصحف حتى تقدم عليها فعل أئمة العترة هؤلاء وتدعي أنهم بمنزلة القرآن وانهم لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم؟ فإذا كان رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يخطئ ويسهو ويصحح الله له، كيف تنفي الخطأ عن غيره وتدّعي عصمته؟

ولا أشك في أنه- وأصحابه- يريدون بهذا القول التوصل إلى ردّ القرآن كله عن طريق قولهم بتشابه القرآن وانه حمّال أوجه وان معناه لا يُعرف، ويجب ردّعلمه وتفسيره وبيانه إلى هؤلاء العترة. وهذا هو حال الشيعة جميعاً فلا تجد فيهم من يحسن حفظ القرآن ولا فهمه إلا ما استطاعوا تحريفه من تفسير آياته وجعلوها دالّة على مطلوبهم الباطل، ناهيك عن من يطعن بسلامة القرآن الكريم ممن قدمنا قوله في ذلك في مقدمتنا.

وأقول أيضاً أفلا يمكن بالمقابل القول بأن سنة الخلفاء الراشدين هي بمنزلة سنّة محمّد صَلّى الله عليه وسلّم إعتماداً على الحديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) بتطبيق الفهم السقيم القاصر الذي اعتمده هذا الموسوي في الحديث الذي ذكره؟

ثم لفظ الحديث الأول الذي ذكره في الفقرة الخامسة (إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا؛ كتاب الله وعترتي) تقدم بيان ضعفه وردّه وسقوطه عن الإحتجاج عند الكلام على الحديث (ص49) (هامش 1) فهو نفسه، فلا يصح بعد ذلك ما بناه على أساسه هذا الموسوي في هذه الفقرة.

وأما ما أشار اليه من رواية الطبراني (فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا . . .)

فقد ذكرنا موضعها في التعقيب على إحدى روايات حديث زيد بن أرقم عند الطبراني (2681، 4971) وقلنا إن إسنادها ضعيف لا يثبت، فيها حكيم بن جبير وقد ضعفه غير واحد من أهل الحديث، فراجعه ضمن كلامنا على روايات حديث زيد بن أرقم، (ص46).

وممّا يدل على عدم اقتران العترة بالكتاب في حكم التمسك بهم، وان المقصود بذلك التمسك والعصمة من الضلال هو القرآن وحده في- هذا الحديث- ما أخرجه الحاكم (3/ 533) عن زيد بن أرقم قال: خرجنا مع رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم حتى أنتهينا إلى غدير خم فأمر بروح فكسح في يوم ما أتى علينا كان أشدّ حرّاً منه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: (يا أيها الناس إنه لم يبعث نبيّ قط إلا عاش نصف ما عاش الذي كان قبله، وإني أوشك أن ادعى فأجيب وإني تاركٌ فيكم ما لن تضلوا بعده كتاب الله عز وجل) ثم قام فأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: (يا أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم؟) قالوا الله ورسوله أعلم، قال: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) إ. ه قال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي وسيأتي الكلام على معناه- إن شاء الله- عند ذكر هذا الموسوي للفظه هذا (من كنت مولاه . . .) (ص449- 456).

قال في الهامش (10) (ص52): (. . . وكيف اخر في الخلافة العامّة والنيابة عن النبي أخاه ووليه الذي لا يؤدي عنه سواه. ثم قدم فيها أبناء رسول الله صَلّى الله عليه وآله وسلّم . . .) وهذا القول ينمّ عن حقده وكراهته للصحابة رضي الله عنهم جميعاً وخذل مبغضيهم وأخزاهم في الدنيا والآخرة، ولو كان هناك جماعة تستحق أن توصف بأنها أبناء الوزغ فهم الرافضة الضّلاّل.

ثم ساق في الفقرة السادسة عدداً من الأحاديث، وإليك الكلام عليها:

     (1) (ألا إنّ أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق) أخرجه الحاكم (3/ 151) من طريق مفضل بن صالح عن أبي إسحاق عن حنش الكناني قال سمعت أبا ذر يقول . . . وإسناده واهٍ جداً، مفضل بن صالح هذا قال عنه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال الذهبي: واهٍ. وفيه علّةٌ أخرى دون هذه وهي اختلاط أبي اسحاق- وهو السبيعي- وهو أيضاً مدلّس وقد عنعنه.

هذا حال الإسناد الذي أشار اليه وأنتهى اليه علمه، ثم وجدت لحديث أبي ذر هذا إسناداً آخر لا يفرح به، عند الطبراني في (الكبير) (2636)، من طريق الحسن بن أبي جعفر ثنا علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن أبي ذر. والحسن هذا متروك، فحديثه لا يصلح حتى لتقوية غيره من الأسانيد، وعليّ بن زيد بن جدعان ضعيف، فالإسناد واهٍ أيضاً. ثم رواه الطبراني في (الكبير) (2638) (12388) من طريق الحسن ابن ابي جعفر- المتروك هذا- عن ابي الصهباء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. ورواه أيضاً ابو نعيم في (الحلية) (4/ 306)، والبزار (245/ 2- زوائد البزار) وعلته هي هي. . وإخرجه أيضاً الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) (12/ 91) من طريق ابان بن ابي عياش عن أنس به. وابان هذا متروك أيضاً فلا حجة فيه.

     (2) (انما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، وانما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة بني اسرائيل من دخله غفر له).

هذا هو الحديث الثاني الذي استشهد به في هذه الفقرة وعزاه للطبراني في (الأوسط) عن ابي سعيد معتمدا على ما في الأربعين للنبهاني، وهو تخريج قاصر ينم عن قلة علمه وفتور همته، ثم هو باسناد ليس اسعد حظا من سابقه فلا يفرح به، إذ اخرجه الطبراني في (الأوسط) (351 مجمع البحرين)، و(الصغير) (1/ 139- 140) من طريق عبد الله بن داهر الرازي ثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن ابي اسحاق عن حنش ابن المعتمر عن ابي ذر وهذا إسناد واهٍ جداً، عبد الله بن داهر الرازي متروك، وقال احمد: ما يكتب حديثه أنسان فيه خير- وصدق رحمه الله- وعبد الله بن عبد القدوس ضعيف، ناهيك عن اختلاط ابي اسحاق السبيعي وتدليسه.

واخرجه أيضاً البزار (245/ 1- 2 زوائد البزار) واسناده واه جدا أيضاً فيه الحسن بن ابي جعفر، وهو متروك قد تقدم ذكره.

     (3) (النجوم امان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي امان لأمتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس).

ذكره وعزاه للحاكم (3/ 149) وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وتعمد هذا الموسوي عدم نقل قول الذهبي عن الحديث وتعقبه للحاكم، وكتم بذلك علما فنسأل الله ان يلجمه بلجام من نار يوم القيامة.

وأهل الحديث على معرفة ودراية بحال مستدرك الحاكم وما فيه من الأخطاء قد بين اكثرها الإمام الذهبي جزاه الله خيرا، وهو مما لا يحبه هذا الموسوي وزمرته لكن الله يأبى الا ان يظهر الحق ويزهق الباطل، وما فعله الذهبي لا يُعد من العصبية بحال- كما شاغب عليه هذا الموسوي واشباهه- بل لا يعدو فعله ان بين حال من فيه من رجال السند الذين ذكرهم الحاكم نفسه والذين قد بينت احوالهم وصدقهم وحفظهم في كتب الجرح والتعديل قبل نصنيف الحاكم كتابه المستدرك وقبل تعقيب الذهبي عليه، فكيف يستجيز عاقل ان يعمد الذهبي بتعصب إلى قدح رجال السند عند الحاكم ثم يعمد بعد ذلك إلى تحريف كل ما جاء في تراجمهم في جميع كتب الجرح والتعديل، كيف يستجيز عاقل هذا وكيف يقبله؟؟

اما ما يخص حديثنا هذا فقد بينه الذهبي وعقب على الحاكم بقوله: (قلت بل موضوع). وفي إسناده اسحاق بن سعيد بن اركون وهو ضعيف. قال ابو حاتم: ليس بثقة، وقال الدارقطني: منكر الحديث. وشيخه أيضاً خليد ابن دعلج السدوسي ضعيف وعده الدارقطني في المتروكين.

وكل ما ساقه في الفقرة السابعة، والتي تليها انما بناه على ما ادعاه من الاحاديث السابقة وقد بينا كذبها وسقوطها عن الاحتجاج بما يكفي لنسف كل كلامه هنا. وان نقله من (الصواعق المحرقة).

والحديث الذي اشار اليه: (ما بقاء الناس بعدهم؟ قال: بقاء الحمار اذا كسر صلبه) لم يبين اسناده ولا مخرجه، وكذا ابن حجر في (الصواعق) (ص143) سوى عزوه لابن عساكر. وهو لا يغني شيئاً في ثبوته وصحته دون معرفة اسناده ورجاله كما لا يخفى، بل نشك انه عند ابن عساكر فعبارة ابن حجر في (الصواعق) لا تدل عليه إذ ذكر حديثا بلفظ اخر وعزاه لابن عساكر ثم قال: (و في رواية . . .) ولم يبين من اخرجها، واليك نص كلامه:

(اخرج ابن عساكر: أول الناس هلاكاً قريش، وأول قريش هلاكاً أهل بيتي، وفي رواية: فما بقاء الناس بعدهم؟ قال بقاء الحمار اذا كسر صلبه).

ثم استدركت فقلتُ: وجدت الحديث قد أخرجه الطبراني في (الأوائل) (57) من طريق مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: (أول الناس هلاكاً قومك. قالت: قلت: يا رسول الله كيف؟ قال: يستحليهم الموت ويتنافس فيهم، قلتُ: فما بقاء الناس بعدهم؟ قال بقاء الحمار إذا كُسِر صلبُه). ومع ان لفظه لا يخص أهل البيت كما لا يخفى فإن سنده ضعيف من أجل مجالد وهو ابن سعيد الهمداني، والله الموفق.

المراجعة (9): س:

طلب المزيد من النّصوص في هذه المسألة

المراجعة (10): ش:

1-                     سرده مجموعة اخرى من الادلة المزعومة هذه

2-                     اشارته إلى الصلاة على النبي وآله في الصلاة المكتوبة واستشهاده بها على الأفضلية

الرد على الماجعة (10):

1-                     الكلام تفصيلياً عن أدلته هذه مع كشف ما في كلامه من الغش والتلاعب.

2-                     خمس ملاحظات عن استشهاده بالصلاة على آل النبي صَلّى الله عليه وسلّم في الصلاة.

استشهد في هذه المراجعة بجملة من الاحاديث. واليك بيان حالها:

(1) (من سره ان يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال عليّاُ من بعدي وليوال وليّه وليقتد بأهل بيتي من بعدي فانهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهمي وعلمي فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي).

اخرجه ابو نعيم في (الحلية) (1/ 86) ومن طريقه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) وعزاه اليه الالباني في (الضعيفة) (2/ 299): وقال ابن عساكر: (هذا حديث منكر، وفيه غير واحد من المجهولين). وهو من طريق محمّد ابن جعفر بن عبد الرحيم كنا احمد بن محمّد بن يزيد بن سليم ثنا عبد الرحمن ابن عمران بن أبي ليلى ثنا يعقوب بن موسى الهاشمي عن ابن ابي رواد عن إسماعيل بن أمية عن عكرمة عن ابن عباس به.

وهو حديث موضوع، فيه اربعة من المجهولين فأحدهم هو الذي اختلق هذا الحديث الظاهر البطلان والتركيب، كما قال الألباني، وقد نقله هذا الموسوي عن (كنز العمال) موهماً أنه في مسند الامام أحمد وليس هو كذلك، وقد تعمد بعده نقل تضعيف صاحب الكنز اياه، وهذا هو دأبه في التدليس والغش وإخفاء الحقائق.

وممن حكم بوضع هذا الحديث ورده- اضافة لمن تقدم- ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/ 387)، وتبعه السيوطي في (اللالئ المصنوعة) (1/ 191، 368، 369).

(2)، (3) (من احب ان يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعدني ربي وهي جنة الخلد فليتول عليا وذريته من بعده فانهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم باب ضلالة).

هذا الحديث من رواية زياد بن مطرف، والذي بعده من رواية زيد بن ارقم وهما في الحقيقة حديث واحد من طريق واحد، وقد فصلهما هذا الشّيعي ليوهم انهما حديثان متغايران اسناداً، والحقيقة خلاف ذلك فهما من طريق واحد كما سنبينه، غاية ما في الامر ان الرأوي كان يرويه تارة عن زياد بن مطرف عن زيد بن ارقم، وتارة لا يذكر زيد بن ارقم ويوقفه على زياد بن مطرف، وهو مما يؤكد ضعف الحديث لا ضطرابه في اسناده كما سيتبين ان شاء الله.

وهو حديث موضوع اخرجه الحاكم (3/ 182)، والطبراني في (الكبير) (5067)، وابو نعيم في (الحلية) (4/349- 350، 350) من طرق عن يحي بن يعلي الأسلّمي قال ثنا عمار بن رزيق عن ابي اسحاق عن زياد بن مطرف عن زيد بن ارقم- قال الطبراني: ورما لم يذكر زيد بن ارقم- وقال ابو نعيم: (غريب من حديث ابي اسحاق تفرد به يحيى) ويحيى هذا قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: مضطرب الحديث، وقال ابو حاتم: ليس بالقوي ضعيف الحديث. وقال الهيثمي في (المجمع) (9/ 108): رواه الطبراني وفيه يحيى بن يعلي الأسلّمي وهو ضعيف إ. ه.

وقد نقل هذا الموسوي هذا الحديثمن (كنز العمال) ومن (منتخب الكنز) بتخريجاته تلك لكنّه لم ينقل تعقيبه على الحديث- كما في (المنتخب) (5/ 32)- إذ قال: وهو واهٍ. .

فتعمد هذا الموسوي اخفاء مثل هذا، واعتمد على قول الحاكم: صحيح الاسناد- كما نقله هو في الحديث الذي بعده عن زيد بن ارقم، وهما في الحقيقة حديث واحد كما قلنا- مع ان تصحيح الحاكم لوحده لا يعتمد عليه أهل العلم بالحديث، لذا نرى الذهبي قد قال معقباً على تصحيح الحاكم: (و أنّى له الصحة والقاسم متروك وشيخه- يعني الاسلّمي- ضعيف واللفظ ركيك فهو إلى الوضع اقرب). وهو ما لم ينقله هذا الموسوي عمداً في إخفائه.

ومما يزيد في ضعف الحديث ان ابا اسحاق السبيعي فيه وقد كان اختلط مع تدليسه وهد عنعنه. ثم هو مضطرب في اسناده فتارة يروي من مسند زيد ابن ارقم وتارة من مسند زياد بن مطرف، وقد رواه عنه مطين والبأوردي وابن جرير وابن شاهين في (الصحابة)، كما ذكر الحافظ في (الاصابة) في ترجمة زياد بن مطرف. ونقل قول ابن منده عن الحديث انه: لا يصح.

قال في الهامش (2/ 56): (وأورده ابن حجر العسقلاني مختصراً في ترجمة زياد بن مطرف في القسم الأول من اصابته ثم قال: قلت في اسناده يحيى بن يعلي المحاربي وهو واهٍ. اقول هذا غريب من مثل العسقلاني فان يحيى بن يعلى المحاربي ثقة بالاتفاق وقد اخرج له البخاري . . ومسلّم. . .) كذا قال هذا الموسوي في هامشه محأولا تصحيح الحديث بذلك ظناً منه ان خدعته هذه تنطوي على أهل الحديث. لكن بحمد الله قد قيض الله له من يكشف عن تدليسه وغشه هذا فقد قال الالباني في (الضعيفة) (2/ 269- 297) كلاما طويلا في رده ارى من المناسب نقله كله- على طوله- واليك نصه:

(فاقول: أغرب من هذا الغريب ان يدير عبد الحسين كلامه في توهيمه الحافظ في توهينه المحاربي، وهو يعلم ان المقصود بهذا التوهين انما هو الاسلّمي وليس المحاربي، لان هذا مع كونه من رجال الشيخين فقد وثقة الحافظ نفسه في (التقريب) وفي الوقت نفسه ضعف الاسلّمي، فقد قال في ترجمة الأول:

((يحيى بن يعلي بن الحارث المحاربي الكوفي ثقة، من صغار التاسعة مات سنة ست عشرة)) وقال بعده بترجمة: ((يحيى بن يعلي الاسلّمي الكوفي شيعي ضعيف، من التاسعة)) وكيف يعقل ان يقصد الحافظ تضعيف المحاربي المذكور وهو متفق على توثيقه، ومن رجال صحيح البخاري الذي استمر الحافظ في خدمته وشرحه وترجمة رجاله قرابة ربع قرن من الزمان؟ كل ما في الامر ان الحافظ في (الاصابة) اراد ان يقول ((. . . الاسلّمي وهو واه. .)) فقال واهما: ((المحاربي وهو واه)).

فاستغل الشّيعي هذا الوهم أسوأ الإستغلال، فبدل ان ينبّه ان الوهم ليس في التوهين وانما في كتب ((المحاربي)) مكان ((الاسلّمي)) اخذ يوهم القراء عكس ذلك وهو ان رأوي الحديث انما هو المحاربي الثقة وليس هو الاسلّمي الواهي، فهل في صنيعه هذا ما يؤيد من زكاه في ترجمته في أول الكتاب بقوله:

((ومؤلفاته كلها تمتاز بدقة الملاحظة . . . وامانة النقل)) اين امانة النقل يا هذا وهو ينقل الحديث من (المستدرك) وهو يرى فيه يحيى بن يعلي موصوفا بانه (الاسلّمي) فيتجاهل ذلك ويستغل خطأ الحافظ ليوهم القراء انه المحاربي الثقة؟ واين امأنته أيضاً وهو لا ينقل نقد الذهبي والهيثمي للحديث بالاسلّمي هذا ؟ فضلا عن ان الذهبي أعله بمن هو اشد ضعفا من هذا كما رأيت.

ولذلك ضعفه السيوطي في (الجامع الكبير) على قلة عنايته فيه بالتضعيف، فقال: ((وهو واهٍ)).

وكذلك وقع في (كنز العمال) رقم (2578)، ومنه نقل الشّيعي الحديث، دون ان ينقل تضعيفه هذا مع الحديث، فأين الأمانة المزعومة أين ؟؟).

ثم نقل الألباني كلام الحافظ في مقدمته للاصابة ثم قال:

(قلت: فلا يستفاد اذن من ايراد الحافظ للصحابي في هذا القسم ان صحبته ثابتة، ما دام انه قد نص على ضعف إسناد الحديث الذي صرح فيه بسماعه من النبي صَلّى الله عليه وسلّم وهو هذا الحديث ثم لم يتبعه بما يدل على ثبوت صحبته من طريق اخرى، وهذا ما أفصح بنفيه الذهبي في (التجريد) بقوله: (1/ 199): ((زياد بن مطرف، ذكره مطين في الصحابة، ولم يصح)).

واذا عرفت هذا فهو بأن يذكر في المجهولين من التابعين، أولى من ان يذكر في الصحابة المكرمين وعليه فهو علّة ثالثة في الحديث.

ومع هذه العلل كلها في الحديث يريدنا الشّيعي ان نؤمن بصحته عن رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم غير عابيء بقوله صَلّى الله عليه وسلّم: (من حدّث عني بحديث وهو يري انه كذب فهو أحد الكاذبين) رواه مسلّم في مقدمة (صحيحه) فالله المستعان.

وكتاب (المراجعات) للشيعي المذكور محشو بالاحاديث الضعيفة والموضوعة في فضل على رضي الله عنه، مع كثير من الجهل بهذا العلم الشريف والتدليس على القراء والتضليل عن الحق الواقع، بل والكذب الصريح مما لا يكاد القارئ الكريم يخطر في باله أن أحداً من الؤلفين يحترم نفسه يقع في مثله) أنتهى كلام المحدث الشيخ الالباني فجزاه الله خيرا.

     (4) (أوصي من آمن بي وصدّقني بولاية علي بن ابي طالب، فمن تولاه فقد تولاني، ومن تولاني فقد تولى الله، ومن أحبّه فقد أحبني، ومن أحبذني فقد أحبّ الله، ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله عزّ وجلّ).

            (5)  (اللهم من آمن بي وصدقني فليتولّ عليّ بن ابي طالب، فان ولايته ولايتي، وولايتي ولاية الله تعالى).

كلا الحديثين من رواية عمار بن ياسر رضي الله عنهما، وقد نقله هذا الموسوي من (كنز العمال) حتى الاسناد الذي ذكره في الهامش (5/ 56).

وقد تعجبت أولاً حين رأيت الاسناد في الهامش لكن زال تعجبي هذا حين علمت ان صاحب الكنز هو الذي ذكره ومنه نقله الموسوي، وان جزء (المعجم الكبير) للطبراني الذي فيه مسند عمار بن ياسر لم يطبع، فلا فضل هذا الموسوي بنقله الاسناد إذ ليس له اهتمام بالأسانيد كما قلنا.

وقد مكننا الله سبحانه بسبب معونة بعض الأخوة- جزاه الله خيرا- من الكشف عن موضعي الحديثين، إذ قد اخرجهما ابن عدي في (الكامل) (6/ 2126) (5/ 1768) باسنادين واهيين جداً، اما الأول ففيه: عبد الوهاب بن الضحاك الحمصي، كذبه ابو حاتم، وقال النسائي وغيره: متروك، كما في (الميزان)، وفيه أيضاً محمّد بن عبيد الله بن ابي رافع، ضعفه ابو حاتم وغيره، وقال البخاري: منكر الحديث. واما الاسناد الثاني ففيه: جعفر بن احمد بن علي بن بيان شيخ ابن عدي. وقد كذبه ابن عدي نفسه، وقال ابن يونس: كان رفاضيا يضع الحديث، وفيه أيضاً: محمّد بن عبيد الله بن ابي رافع المتقدم في الاسناد الأول. كما ان الحديثين يشتركان في محمّد بن ابي عبيدة بن محمّد بن عمار بن ياسر، وهو مجهول غير معروف، إذ لم يثبت ان لأبي عبيدة بن محمّد بن عمار ولداً اسمه محمّد روى عنه. فسقط بذلك الحديثان ولله الحمد. . .

     (6) قوله: وخطب صَلّى الله عليه واله وسلّم مرة فقال: ((يا ايها الناس ان الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله وذريته، فلا تذهبن بكم الاباطيل)).

وعزاه في الهامش (6/ 57) لابي الشيخ في حديث طويل نقلا من (الصواعق المحرقة) (ص105).

وهذا لا يمكن الاحتجاج به البتة إذ لا يعرف له إسناد صحيح، بل لا يعرف له إسناد اطلاقا، وهو ما لا يمكن هذا الموسوي اثباته هو ولا عشيرته واهله واشباهه من الرافضة، بل وحتى الشيعة كلهم، مع ان لفظه ليس فيه إلا فضل لأهل البيت ذرية النبي صَلّى الله عليه وسلّم فقط وهو لا يشمل عليا ابدا إذ هو ليس من ذريته صَلّى الله عليه وسلّم، فما اشد حماقة هؤلاء الرافضة بمثل هذا الاستدلال.

            (7)  قوله: (و قال صَلّى الله عليه واله وسلّم: ((في كل خلف من امتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وأنتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ألا إن أئمتكم وفدكم إلى الله فانظروا من توفدون)) وعزاه في الهامش (7/ 57) للملا في سيرته نقلا من (الصواعق المحرقة) (ص90).

- وهو مثل سابقه في عدم معرفة إسناد له حتى يمكن النظر فيه ثم ادعاء صحته، فمن اين علم هؤلاء المهازيل اسنادي هذين الحديثين ثم صححوهما حتى احتجوا بهما ؟ ونحن نتحدّاهم في أن يسمّوا لنا رجال إسنادي هذين الحديثين من الثقات المقبولين، والا فحجتهم داحضة والحمد لله.

ثم قال الموسوي: (و قال صَلّى الله عليه واله وسلّم: ((فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ولا تعلّموهم فانهم أعلم منكم)) قد تقدم ذكر هذا الحديث والإستشهاد به من قبل هذا الموسوي وقد بينا حاله من الضعف فهو احدى روايات الطبراني لحديث زيد بن ارقم لخطبة غدير خم، برقم (2681، 4971) باسناد لا يحتج بمثله أهل العلم، فراجعه في موضعه صفحة (46).

     (8) قوله: وقال صَلّى الله عليه واله وسلّم: ((واجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، ولا يهتدي الرأس الا بالعينين)).

وعزاه في الهامش (9/ 57) لجماعة من اصحاب السنن، وهو باطل فلم يخرجه أحد من اصحاب السنن، بل رواه الطبراني- (مجمع الزوائد) (9/ 172)- عن سلّمان الفارسي من قوله ولم يرفعه إلى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، ولفظه: (انزلوا آل محمّد بمنزلة الرأس من الجسد وبمنزلة العينين من الرأس، فان الجسد لا يهتدي الا بالرأس وان الرأس لا يهتدي إلا بالعينين) وقال الهيثمي: (و فيه زياد بن المنذر، وهو متروك) قلت: وهو ابو الجارود الذي اليه تنسب الجارودية، وقد كذبه ابن معين وابن حبان وغيرهما. فسقط بذلك الحديث أيضاً ولله الحمد والمنة. .

     (9) قوله: وقال صَلّى الله عليه واله وسلّم: (إلزموا مودتنا أهل البيت، فإنّه من لقي الله وهو يودّنا، دخل الجنة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله الا بمعرفة حقنا).

وعزاه في الهامش (10/ 57) للطبراني في الأوسط، وهو كذلك، انظر (مجمع الزوائد) (9/ 172) وقال الهيثمي: (و فيه ليث بن ابي سليم وغيره) قلت: وهو حديث باطل، ليث بن ابي سليم ضعيف بالاتفاق بسبب اختلاطه كما بينه ابن حيان في (المجروحين)، وقال الحافظ في (التقريب) صدوق اختلط اخيرا ولم يتميز حديثه فترك إ. ه.

وعبارة الهيثمي تشير إلى وجود ضعيف آخر غير ليث هذا، وان كان الليث يكفي لرد مثل هذا الحديث.

وكل كلامه الذي قاله في الهامش شرحاً لهذا الحديث إنما هي ثرثرة لا دليل عليها.

    (10)          قوله: وقال صَلّى الله عليه وآله وسلّم: (معرفة ال محمّد براءة من النار، وحب آل محمّد جواز على الصراط والولاية لآل محمّد أمان من العذاب).

وعزاه في الهامش (11/ 58) للقاضي عياض في كتابه (الشفا)، وقد رجعت إلى نفس الطبعة التي اعتمدها هذا الموسوي، طبعة الاستانة سنة 1328ه فرايت القاضي عياض قد قال في القسم الثاني من كتابه (الشفا) (ص40): (فصل ومن توقيره صَلّى الله عليه وسلّم وبره بر آله وذريته وامها المؤمنين ازواجه. . .) ثم ذكر قوله تعالى: {انما يريد الله لِيُذهِبَ عنكُم الرّجسَ أهل البيتِ ويُطَهّركم تطهيراً} ثم قال: (و قال صَلّى الله عليه وسلّم: معرفة آل محمّد صَلّى الله عليه وسلّم براءة من النار. . .) الحديث إ. ه.

قلت: فها هنا أمران اثنان: الأول. . ان القاضي عياض ذكر الحديث هذا دون اسناده ودون عزوه إلى احد وبيان مخرجه بل ودون بيان صحته وثبوته وهو تماما كذكر هذا الموسوي للحديث إذ لم يفد عزوه الحديث للقاضي عياض في (الشفا) خصوصا وان القاضي لم يدع ثبوت جميع احاديث كتابه ذاك ولم يلتزم صحتها فلا يفيد ذلك في حجته ونبقى نطالب بالسند الصحيح الثابت لهذا الحديث، ونحن مع قوم- فيما يبدو- لا يفقهون، إذ خلافنا معهم في وجوب الاتيان بالسند الصحيح لكل حديث يدعونه، وثم يأتي هذا الموسوي فينقل حديثا من كتاب لم تميز احاديثه الصحيحة بل ولم يذكر اسنادا لذلك الحديث. فهل هذا منهج أهل العلم؟ ونحن نسأله كيف تسنى لك معرفة صحة هذا الحديث وثبوته حتى تحتج به وهو بدون اسناد؟

الامر الثاني. . ان القاضي عياض- وهو الذي نقل لنا هذا الحديث وعرفهذا الموسوي به- أدخل أزواجه صَلّى الله عليه وسلّم أمهات المؤمنين في معنى ما ذكره، فان كان الحامل لهذا الموسوي على قبول هذا الحديث ثقته بالقاضي عياض وقبوله به فلم لم يقبل قوله هذا ويدخل ازواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم في آله؟ وان لم تكن له ثقة بالقاضي عياض فكيف يحتج بحديث اعتماداً على ذكر القاضي عياض له خصوصا وانه دون اسناد؟ فهل بعد هذا يشك أحدٌ ان مقياس ثبوت الحديث عند هذا الموسوي وأشباهه انما هو موافقته لاهوائهم ومذاهبهم الفاسدة؟ وخير دليل على هذا حديثنا الحالي الذي بين يديك. وانظر إلى انعدام الأمانة في هذا الموسوي لعبارة القاضي عياض من كتابه (الشفا) إذ قال: (أورده القاضي عياض في الفصل الذي عقده لبيان أنّ من توقيره وبرهّ صَلّى الله عليه وآله وسلّم بر آله وذريته). إ. ه. مع ان عبارة القاضي عياض لها تتمه لا يصح عند العقلاء اغفالها وهو قوله (. . . أمهات المؤمنين أزواجه) عقب العبارة التي نقلها مباشرة، فتصرف هذا الموسوي كما يحلو له بكلام الرجل، الامر الذي لا يخطر ببال احد ان مؤلفا يحترم نفسه يفعل مثل هذا، امثل هذا يؤتمن بعد ذلك في نقله؟ وهذا عندهم من كبائرهم وائمتهم. وان كان يزعم انه احتج بالقاضي عياض لا لقبوله عنده نفسه بل لقبوله عند أهل السّنّة فنقول ان احداً من أهل السّنّة علماءهم وعوامهم لم يقل ولم يعتقد بصحة كل ما رواه القاضي عياض في كتابه ذاك، فضلاً عن ان القاضي نفسه لم يقل هذا ولم يدّعه كما اشرنا. وليكن معلوما عند من لم يعلم ذلك ان أهل السّنّة عموما لا يقولون بصحة احاديث أي كتاب جملة وكاملاً الا الصحيحين البخاري ومسلّم، وكل ما عداهما عندهم خاضع لدراسة اسناده وتحقق صحته وثبوته فلا يغفلنّ أحدّ عن هذا. .

وأما الحديث الذي ذكره في الهامش (11/ 58) زاعما انه يفسر حديثنا هذا ولفظه: (من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتةً جاهلية) فليس اسعد حظاً من سابقه ولو كان هذا الموسوي صادقاً في وجود مثل هذا الحديث لذكر إسناده، أو بين موضعه الذي نقله منه الا من كتبهم الباطلة، وغالب الظن انه نقله من كلام سلفة ابن المطهر الحلي كما بيته شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية) ورد هذا الحديث من جهة سنده ومتنه وبين ان في ثبوت مثل هذا الحديث حجة على الشعية نفسها، واليك نص كلامه- (المنتقى) (ص30- 32)-

(و اما قولك في الحديث ((من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية)) فنقول: من روى هذا؟ وأين اسناده ؟ بل والله ما قاله الرسول صَلّى الله عليه وسلّم هكذا . وانما المعروف ما روى مسلّم ان ابن عمر جاء إلى عبد الله بن مطيع حين كان من امر الحرة ما كان فقال: اطرحوا لابي عبد الرحمن وساد، فقال: اني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدّثك حديثاً سمعت رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يقول: ((من خلع يداً من طاعةٍ لقيَ الله يوم القيامة ولاحجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)). وهذا حديث حدث به ابن عمر لما خلعوا امير وقتهم يزيد- مع ما كان عليه من الظلم- فدل الحديث على ان من لم يكن مطيعا لولاة الأمر أو خرج عليهم بالسيف مات ميتة جاهلية. وهذا ضدّ حال الرافضة فانهم أبعد الناس عن طاعة الأمراء الا كرهاً وهذا الحديث يتنأول من قاتل في العصبية، والرافضة رؤوس هؤلاء، ولكن لا يُكفّر المسلّم بالاقتتال في العصبية، فان خرج عن الطاعة ثم مات ميتة جاهلية لم يكن كافراً- إلى ان قال شيخ الإسلام- ثم لو صح الحديث الذي أوردته لكان عليكم، فمن منكم يعرف امام زمانه أو رآه أو رأى من رآه أو حفظ عنه مسألة؟ بل تدعون إلى صبي- ابن ثلاث أو خمس سنين- دخل سردابا من اربعمائة وستين عاماً- قلت: هذا في حياة شيخ الإسلام- ولم ير له عين ولا اثر ولا سمع له حس ولا خبر، وانما امرنا بطاعة ائمة موجودين معلومين لهم سلطان وان نطيعهم في المعروف دون المنكر) أنتهى كلام شيخ الإسلام، وفيه الرد الشافي ان شاء الله.

    (11)          قوله: وقال صَلّى الله عليه وآله وسلّم: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن اربع؛ عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما ابلاه، وعن ماله فيما انفقه ومن اين اكتسبه، وعن محبتنا أهل البيت)) وقال في الهامش (12/ 58): (اخرجه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا).

قلت: نعم اخرجه الطبراني في (الكبير) (11177) من طريق حسين بن الحسن الاشقر ثنا هشيم بن بشير عن ابي هاشم عن مجاهد عن ابن عباس به. وهو حديث باطل لا يصح، قال الهيثمي في (المجمع) (10/ 346): وفيه حسين بن الحسن الأشقر وهو ضعيف جدا، قلت: قال عنه ابو زرعة: منكر الحديث وفيه أيضاً هشيم بن بشير وهو كثير التدليس والارسال الخفي وقد عنعنه كما ترى، فالحديث لا يصح اطلاقاً.

ومما يؤيد ضعفه وبطلانه انه جاء بلفظ آخر- وهو الصحيح- من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه وماذا عمل فيما علم) أخرجه الترمذي، الطبراني في (الكبير) و(الصغير)، وابو يعلى، والخطيب وابن عساكر أنظر (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (946). .

    (12)          قوله: وقال صَلّى الله عليه وآله وسلّم: (فلو ان رجلا صفن- صف قدميه- بين الركن والمقام فصَلّى وصام وهو مبغض لآل محمّد دخل النار).

هذا هو اللفظ الذي ذكره وواضح ان لم ينقله من مصدره الأصلي- وهو مستدرك الحاكم- لسببين: أولهما: ان هناك اختلافاً يسيراً في اللفظ.

والثاني: لم ينقل تصحيح الحاكم له وهو مما يقوي دليله ويفيده، لذا أقول قد قصر في تخريج الحديث تخريجا قاصراً وغير دقيق على عادته في معظم تخريجاته، وعلى عكس ما وصف به من دقة الملاحظة وسعة التتبع.

وهذا الحديث اخرجه الحاكم (3/148-149) من طريق إسماعيل بن ابي أويس ثنا ابي عن حميد بن قيس المكي عن عطاء بن ابي رباح وغيره من اصحاب ابن عباس عن ابن عباس عن رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم قال: (. . . . فلو ان رجلا صفن بين الركن والمقام فصَلّى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لاهل بيت محمّد دخل النار)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلّم، ووافقه الذهبي.

قلت: وقد عزاه في الهامش(13/ 58) للطبراني والحاكم مع عدم بيان اسناده وو سنبينه نحن ان شاء الله فنقول: اما إسناد الحاكم فقد ذكرناه وذكرنا تصحيح الحاكم والذهبي له، وسارجئ الكلام عليه في بيان ذلك التصحيح بعد الكلام على معنى الحديث- واما إسناد الطبراني فقد بينه الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/ 171) وعزاه لابن عباس أيضاً بنفس اللفظ، لكن فيه محمّد بن زكريا الغلابي، شيخ الطبراني وقد ضعفه الهيثمي، وهو كذاب يضع الحديث كما قال الدارقطني وابن معين.

وذكر له الهيثمي (9/ 170) شاهدا من حديث عبد الله بن جعفر، وقال الهيثمي: (رواه الطبراني في (الأوسط)، وفيه اصرم بن حوشب وهو متروك) قلت: وقد اتهم بالكذب ووضع الحديث. فلا يلتفت بعد هذا إلى إسناد الطبراني لهذا الحديث لما رأيت من حاله، ويبقى عندنا إسناد الحاكم وعلى فرض صحته على شرط مسلّم كما قال الحاكم والذهبي فليس في لفظه ولا في ما يدل عليه دليل على ما ادعاه الموسوي من وجوب التمسك بمذهب أهل البيت- رضي الله عنهم- دون ما سواهم والقول بعصمتهم- كما يرمي اليه هذا الموسوي واشباهه- بل ان الحديث يدل على وجوب محبتهم- مع ان لفظه في نفي البغض فقط- ويبدو ان هذا الرجل يظن بأن أهل السّنّة يبغضون عليا وأهل البيت فراح يستدل عليهم بما رووه هم، وانما من سوء فهمه أتي- على فرض سلامة نيته- أو انه يعلم ذلك لكنّه لم يحسن الاستدلال على مطلوبه من وجوب التمسك بمذهب أهل البيت والقول بعصمتهم- على زعمه-، أو لم يجد حديثاً صحيحاً يدل على ذلك- وهو اكيد- فراح يأتي بكل حديث فيه ذكر لأهل البيت موهما انه يؤيد ما ادعاه.

أما أهل السّنّة فمن أصول مذهبهم واعتقادهم محبة الصحابة جميعا وأهل البيت ايضا، ويقدمونهم على انفسهم، كما قال أبو بكر رضي الله عنه: (لقرابة رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم احب إلى ان اصل من قرابتي)- رواه البخاري-.

لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (العقيدة الواسطية) وهي لبيان اعتقاد أهل السّنّة: (و يحبون أهل بيت رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم حيث قال في يوم غدير خم: اذكّركم الله في أهل بيتي اذكركم الله في أهل بيتي) وقال أيضاً في قصيدته اللامية لبيان اعتقاده ومذهبه:

حبّ الصحابة كلهم لي مذهب        و مودّه القربى بها أتوسّل

اي اتقرب إلى الله تعالى بحبهم. وابن تيمية من اشد الناس الذين تبغضهم الرافضة وتتهمه بعدأوته لأهل البيت- كما فعل الموسوي نفسه- وهو افتراء عليه كما ترى.

والمقصود من أهل البيت هم من كان على سنة المصطفى صَلّى الله عليه وسلّم والمؤمنون منهم، والا فابو لهب حتما ليس مقصوداً بالمحبة، بل بالغض والعدأوة.

والحديث هذا لا يدل بمنطوقه على وجوب محبة أهل البيت بل بمفهومه. واما منطوقه فيدل على ان من مات وهو يبغض أهل البيت دخل النار، فهو اذن في النهي عن بغضهم فقط وان كأنت محبتهم تأتي بعد ذلك، وفيه ان صاحب ذلك يدخل النار- مع انه كان يصَلّى ويصوم- ولم يقل خالدا في النار باعتبار ذلك من الذنوب التي تمحوها نار جهنم ان لم تمح بالشفاعة والمغفرة وغير ذلك.

هذا هو معنى الحديث وما يدل عليه وما يستلزمه، فاين فيه وجوب التمسك بمذهبهم دون غيرهم؟ واين فيه القول بعصمتهم كما يدعي هذا الموسوي واشباهه؟

ولم يكتف بذلك بل قد قال شارحا للحديث في الهامش (13/ 58): (و لولا ان بغضهم بغض لله ولرسوله ما حبطت اعمال مبغضهم ولو صفن بين الركن والمقام فصَلّى وصام، ولولا نيابتهم عن النبي صَلّى الله عليه وآله وسلّم ما كأنت لهم هذه المنزلة) إ. ه.

وتفسيره الحديث بهذا الشكل يدل على احد امرين: اما سوء فهمه وعدم قدرته على استنباط الحكم من النص، أو انه نوع من التدليس والايهام والتحريف لمعنى النّصوص بالشكل الذي يزيد على النص من كلامه الذي يريد تقريره والوصول اليه، ولا اظن عاقلا ينظر إلى نص الحديث ثم يستنبط منه ما ادعاه هذا الموسوي ولا جزء منه ولا قريبا منه.

فاين في الحديث ذكر لحبوط الاعمال؟ فان قيل ان ذلك من لوازم دخول النار، قلنا: فالسارق والزاني وشارب الخمر، بل اصحاب الذنوب دون هذه يدخلون النار ان لم يغفر الله لهم ثم ثبت خروج مثل هؤلاء من النار بالشفاعة وغيرها ثم يدخلون الجنة ولا تحبط اعمالهم، بل كل من مات على التوحيد مع ما عنده من الذنوب وان عظمت فإنّه يدخل النار ان لم يغفر الله له ثم يخرج منها إلى الجنة ولم يحبط توحيده.

ثم اين في الحديث تقرير لنيابتهم عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم؟ بل هذا ما يتراءى لهذا الرجل لسوء نيته ومقصده، وان كان احد من الامة احق بالنيابة عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم فهما ابو بكر وعمر رضي الله عنهما لقول النبي صَلّى الله عليه وسلّم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر).

وابو بكر أولى بذلك، لقوله صَلّى الله عليه وسلّم للمرأة التي جاءت تسأله فقال: ارأيت ان جئت فلم اجدك؟ قال: (إئتِ ابا بكر)، فهذا صريح كل الصراحة في نيابته رضي الله عنه عن المصطفى صَلّى الله عليه وسلّم بعد موته، بل وفي حياته أيضاً اذا ما غاب صَلّى الله عليه وسلّم لامرٍ ما، كما في حديث تقديم ابي بكر للصلاة بالناس اماما في مرض النبي صَلّى الله عليه وسلّم الذي توفي فيه، وكذا لما ذهب صَلّى الله عليه وسلّم إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فقدم الصحابة-مثل بلال وغيره- ابا بكر للصلاة بهم نيابة عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم، والحديث في (الصحيح) ومثل تقديمه صَلّى الله عليه وسلّم لابي بكرا أميراً على الحج سنة تسع للهجره- قبل حجة الوداع- نيابة عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم وكان فيمن كان مع ابي بكر وتحت امرته علي رضي الله عنه، فكان ابو بكر هو الامير في تلك الحجة- كما في (سيرة ابن هاشم) وغيرها-.

وبعد الكلام على معنى الحديث وما يدل عليه فهذا أو ان الكلام على إسناد الحديث فأقول: ان الذي حملني على دراسة إسناد هذا الحديث والكلام عليه- مع تصحيح الحاكم له على شرط مسلّم وموافقة الذهبي على ذلك- انه من رواية إسماعيل بن ابي أويس عن ابيه- وهو عبد الله بن عبد الله بن أويس- ويعرف بابي أويس واظن- والله اعلم- ان الحاكم والذهبي قد وهما- رحمهما الله تعالى- بتصحيح الحديث على شرط مسلّم لسببين:

الأول: ان ابا أويس هذا لم يخرج له مسلّم محتجا به بل متابعة، انظر في (صحيح مسلّم) المواضع الآتية:

              ‌أ- (1/ 134) فقد ذكر له رواية عن الزهري متابعا في ذلك رواية مالك ويونس عن الزهري قبله.

           ‌ب- (1/ 297) ذكر له رواية عن العلاء بن عبد الرحمن متابعا في ذلك رواية مالك وابن عيينة وابن جريح عن العلاء قبله.

وقد ذكر ذلك الذهبي نفسه في (الميزان) (2/ 450) إذ رمز له (م تبعا) اي اخرج له في المتابعات.

والثاني: ان إسماعيل بن ابي أويس واباه وان كان قد روى لهما مسلّم في صحيحه، الا انه لم يرو لابي أويس من طريق ابنه إسماعيل، فهذا مما يخرج الحديث عن شرط مسلّم، بل مما يوهن الحديث ويقربه إلى الضعف، فان إسماعيل هذا فيه كلام وهو خير من ابيه واليك حالهما تفصيلاً:

1-         إسماعيل بن ابي أويس: قال الذهبي في (الميزان): محدث مثر فيه لين . وقال الحافظ في (التقريب)ك صدوق ربما أخطأ في احاديث من حفظه . وقد ضعفه غير واحد كابن معين ومعاوية بن صالح والنسائي، وهم من المتشددين، لكن ذكر النسائي قصة- راجع (تهذيب التهذيب)- مؤداها انه كان يضع الحديث لاهل المدينة، وعقب عليها الحافظ فقال: (قلت: وهذا هو الذي بان للنسائي منه حتى تجنب حديثه واطلق القول اليه بانه ليس بثقة، ولعل هذا كان من إسماعيل في شبيبته ثم انصلح، واما الشيخان فلا يظن بهما انهما اخرجا عنه الا الصحيح من حديثه الذي شارك فيه الثقات) إ. ه. وقال أيضاً في (هدي الساري مقدمة فتح البخاري) (551): (احتج به الشيخان الا انهما لم يكثرا من تخريج حديثه ولا اخرج له البخاري مما تفرد به سوى حديثين، واما مسلّم فاخرج له اقم مما اخرج له البخاري) إ. ه.

قلت: أما اعتماد البخاري على اسماعي لبن ابي أويس في الحديثين اللذين انفرد بهما إسماعيل فله معه قصة تبين سبب ذلك، قال الحافظ في (مقدمة فتح الباري): (وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح ان إسماعيل اخرج له له اصوله واذن له ان ينتقي منها وان يعلم له على ما يحدث به ليحدث به ويعرض عما سواه) إ. ه. ففيه دليل عى ان ما اخرجه البخاري عنه من صحيح حديثه لانه نقله من كتبه وأنتقاه بمعرفته فاندفع بذلك سوء حفظه فيما اخرجه البخاري عنه، لذا عقبه الحافظ بالقاعدة، (وعلى هذا لا يحتج بشي من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره الا ان شاركه فيه غيره فيعتبر به) إ. ه.

وأما مسلّم فلم يُخرج لإسماعيل بن أبي أويس هذا حديثاً فرداً مطلقاً من روايته وحده بل كل ما اخرجه له متابعات لإسماعيل في روايته سواء كأنت متابعة تامة أو قاصرة، انظر المواضع الآتية في (صحيح مسلّم): (2/ 875) (2/ 1135) (3/ 1272) (3/ 1526) (3/ 1658) (4/ 1880) سوى موضع واحد في (3/ 1191- 1192) لكن هذا الحديث الذي رواه مسلّم بذلك الاسناد قد اخرجه البخاري نفسه من روايته عن إسماعيل بن أبي أويس، أنظر (صحيح البخاري) (3/ 244) فزال بذلك اللبس ان شاء الله وتحققت تلك القاعدة التي قررها الحافظ ابن حجر رحمه الله .

فإذا استقر الامر على ذلك فحديثنا هذا مما انفرد به إسماعيل بن أبي أويس وليس له متابع ولا شاهد وهو ما يبعد الحديث عن الصحة، فضلا عن ان يكون على شرط مسلّم.

2-         أبو أويس، واسمه عبد الله بن عبد الله بن أويس: قال الحافظ في (التقريب): صدوق يهم، وقد ضعفه غيره لسوء حفظه حتى قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به وليس بالقوي إ. ه. قلت: يعني لا يحتج بما انفرد به – كما هو الحال هنا- وانما حديثه يصح في الشواهد والمتابعات وعلى هذا الاساس اخرج له مسم في صحيحه إذ لم يتحج به منفرداً بل في المتابعات فلا يصح ما انفرد به خصوصا اذا انضم إلى ذلك ان حديثه من رواية ابنه إسماعيل- وقد تقدم حاله- فيزداد الحديث بذلك وهناً على وهن.

3-         نعم يمكن ان يُقال ان المعنى الأصلي للحديث- وهو النهي عن بغض أهل البيت وان ذلك من الموجبات للعقوبة- صحيح لما له من شواهد صحيحة تدل عليه: وهذا فقط هو المعنى الذي يمكن ان يصح من هذا الحديث والله الموفق للصواب.

    (13)          وقال في الهامش (13/ 58): واخرج الحاكم وابن حبان في صحيحه- كما في اربعين النبهاني واحياء السيوطي- عن ابي سعيد قال: قال رسول الله: ((والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلاّ دخل النار)). 

قلت: اخرجه الحاكم في (المستدرك) (3/ 150) من طريق محمّد بن بكير الحضرمي ثنا محمّد بن فضيل الضبي ثنا ابان بن جعفر بن ثعلب عن جعفر بن اياس عن ابي نضرة عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه وقال الحاكم: اياس عن ابي نضرة عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلّم، ولم يتعقبه الذهبي بشيء فقصر- رحمه الله- وكان حقا عليه ان يبين انه ليس على شرط مسلّم، بل ليس بصحيح أصلاً، فمحمّد بن بكير الحضرمي المذكور ليس من رجال مسلّم أصلاً، وقد قيل ان البخاري اخرج عنه ولم يثبت ذلك، وقال عنه الحافظ صدوق يخطئ. وفي اسناده أيضاً ابان ابن جعفر بن ثعلب ولم اجد له ترجمة، وقد يكون هو ابان بن تغلب وتصحف اسمه، لكنّه بعيد لزيادة اسم جعفر بينهما، ثم ان كان هو فبين وفاته ووفاة جعفر بن إياس شيخه في هذا الإسناد (114) سنة، توفي جعفر سنة (126) وتوفي ابان سنة (240)، وعلى اية حال فلا يصح إسناد هذا الحديث، وعلى فرض صحته فليس فيه ما يدل على ما ادعاه هذا الموسوي مما سبق بيانه في الحديث (12)، قصاري ما فيه النهي عن بغض أهل البيت، وان ذلك من الذنوب الموجبة لنار جهنم، والله أعلم.

    (14)          وقال في الهامش (13/ 58) أيضاً: (واخرج الطبراني- كما في اربعين النبهاني واحياء السيوطي- عن الامام الحسن السبط قال لمعاوية ابن خديج: ((واياك وبغضنا أهل البيت فان رسول الله قال: لا يبغضنا احد ولا يحسدنا احد الا ذيد يوم القيامة عن الحوض بسياط من نار)) إ. ه.

قلت: اخرجه الطبراني في (الأوسط)- (مجمع الزوائد) (9/ 172)- وقال الهيثمي: (وفيه عبد الله بن عمرو الواقفي وهو كذاب) إ. ه. فالحديث موضوع مكذوب مختلق اذن.

    (15)          وقال في ذلك الهامش أيضاً: وخطب النبي صَلّى الله عليه وسلّم فقال: ((يا أيّها الناس من ابغضنا أهل البيت حشره الله يوم القيامة يهودياً)).

قلت: اخرجه الطبراني في (الأوسط)- (مجمع الزوائد) (9/ 172)- عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خطبنا رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم فسمعته وهو يقول: ((أيها الناس من أبغضنا أهل البيت حشره الهل يوم القيامة يهودياً)) فقلت يا رسول الل هو ان صام وصَلّى، قال: ((وإن صام وصَلّى وزعم أنّه مسلّم احتجز بذلك من سفك دمه وان يؤدي الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، مثل لي امتي في الطين فمر بي أصحاب الرايات، فاستغفرتُ لعليّ وشيعته)) إ. ه.

قلت وهذا باطل واضح من متنه لا يماري في ذلك الا من كان في قلبه مرض، وقد قال الهيثمي عن سنده (و فيه من لم اعرفهم) إ. ه. وهذا في الحقيقة اشد انواع التضعيف إذ هي رواية عن مجهول العين وهو اشد ضعفاً من مجهول الحال بل أشدّ ضعفاً ممّن قيل فيه: ضعيف، كما بينه الحافظ ابن حجر في مقدمة (التقريب) إذ ان مراتب الجرح ستة، والابتداء باقلها يكون مجهول الحال في المرتبة الأولى ويليه في الثانية الضعيف ثم في الثالثة مجهول العين . ويعبر عنه بلفظ (مجهول) فقط, وهو النوع الذي نحن بصدده . فلا يتوهمنّ أحدٌ انه تضعيفٌ بسيط، فربما يكون هذا المجهول من الكذابين، كما هو الراجح في حديثنا هذا. .

    (16)          قوله: وقال صَلّى الله عليه وآله وسلّم: ((من مات على حب ال محمّد مات شهيداً، الا ومن مات على حب آل محمّد مات مغفوراً له الا ومن مات على حب آل محمّد مات تائباً , الا ومن مات على حب آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الايمان، الا ومن مات على حب آل محمّد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير، الا ومن مات على حب آل محمّد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها , الا ومن مات على حب آل محمّد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، الا ومن مات على حب آل محمّد مات على السنة والجماعة، الا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة الله . . . . . إلى آخر خطبته العصماء)). 

وعزاه في الهامش (14/ 59) للثعلبي والزمخشري في تفسيريهما . اما الزمخشري فقد زكره في (الكشاف) (2/ 82) من غير إسناد ولا عزو لأحد فلا يصحّ العزو اليه اذن، ولا أظن الزمخشري إلا نقله من الثعلبي، واذا كان كذلك فلا يمكن الاطمئنان إلى الثعلبي- رغم انا لم نتأكد من اخراجه فعلاً- فإنّه كما قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية كان كحاطب بليل وسيأتي الكلام عليه أيضاً في صفحة (102- 103) .

وقد نقل الحديث عن الزمخشري كل من الرازي في تفسيره (27/ 165- 166)، والقرطبي أيضاً (16/ 23) وهما أيضاً لم يذكرا مصدراً له سوى تفسير الزمخشري، هذا فضلاً عن ان تفسير الثعلبي الذي هو المصدر الأصلي لهذا الحديث الموضوع غير مطبوع إلى الان فكيف يمكن العزو اليه . واذا كان العزو عن طريق مصدر آخر وسطي فينبغي لأهل العلم الأمناء التصريح به وعدم التعمية عليه كما فعل هذا الموسوي، وقد اشار إلى هذا الحديث ابن حجر في (الصواعق) (ص 230) وطعن في ثبوته، وهو الامر الذي لم يعجب عبد الحسين هذا فكتمه ولم يصرح به، جزاه الله بما يستحق . والخلاصة انا نبقى نتحدّاهم باسناد صحيح لرجال ثقات مقبولين رووا هذا الحديث، وإلا فحجتهم داحضةٌ كما هو شأنهم دائماً ولله الحمد.

قوله (و مضامين هذه الاحاديث كلهما متواترة ولا سيما من طريق العترة الطاهرة) إ. ه.

قلت: كلامه هذا وحكمه على تلك الاحاديث يدلعلى جهله بحال ما ساقه من تلك الاحاديث والآثار، بل جهله بعلم الحديث والأسانيد عموما وأنه من أبعد الناس عن هذا العلم الشريف وأقلهم حظا فيه، وقد أجلب بخيله ورجله وساق ما استطاع من تلك النّصوص المظلمة، واقرب مثال اجده لها من قوله تعالى: {كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب}.

ولا أظن أحداً منصفاً ينظر في حال ما ساقه من الاحاديث والآثار كما بيناها ويشك في حكمنا هذا عليه، ونسأل الله السّلامة والتوفيق.

قوله: وقد قال صَلّى الله عليه وآله وسلّم: (ولا يحبنا الا مؤمن تقي ولا يبغضنا الا منافق شقي). 

وقال في الهامش (15/ 59): (اخرجه الملا كما في المقصد الثاني من مقاصد الآية 14 من الباب 11 من الصواعق) إ. ه. وهو شبه الريح أيضاً إذ لا يعرف له إسناد حتى ينظر فيه ويتحقق من صحته وثبوته، فمثل هذا لا يحتج به من له ادنى مستوى من علم.

هذا فضلا عن ان معناه صحيح لا ننازع فيه من جهة وجوب محبة النبي صَلّى الله عليه وسلّم وأهل البيت وان محبتهم من لوازم الإيمان، وان بغضهم دلالة على النفاق، لكن المحبة المقصودة لا شك هي المحبة الشرعية التي تعني عدم الغلو بهم ورفعهم إلى ما لا يجوز فان هذا ممتنع ان يقال عن صاحبه مؤمن تقي كما هو واضح.

فما افسد هذا الاستدلال على أفضليتهم ووجوب تقديمهم على من سواهم، وأنظر ما تقدم قبل أربعة احاديث في مذهب أهل السّنّة والجماعة في وجوب محبة أهل البيت رضي الله عنهم أجمعين.

قوله: ((وحسبنا في إيثارهم على من سواهم إيثار الله عزّ وجلّ إياهم حتى جعل الصلاة عليهم جزءا من الصلاة المفروضة على جميع عباده، فلا تصح بدونها صلاة احد من العالمين صديقا كان أو فاروقا أو ذا نور أو نورين أو أنوار، بل لا بد لكل من عبد الله بفرائضه أن يعبده في اثنائها بالصلاة عليهم كما يبعده بالشهادتين، وهذه منزلة عنت لها وجوه الامة وخشعت أمامها أبصار من ذكرتم من الائمة) إ. ه.

لي على كلامه هذا عدة ملاحظات:

الملاحظة الأولى: قوله (فلا تصح بدونها صلاة احد من العالمين) من أين له هذا الحكم وكيف قطع به؟ وكان الأحرى به- لو كان من أهل العلم- أن يبين على الأقل أنّه مذهبه وان يشير إلى دليله في ذلك فليس ما قاله متفقا عليه، أعني وجوب الصلاة على النبي صَلّى الله عليه وسلّم وآله في الصلاة بعد التشهد بل الجمهور على خلافه منهم مالك وابو حنيفة واصحابه والثوري والأوزاعي وغيرهم .

وممن قال بعدم الوجوب الشوكان فراجع كلامه في ذلك في (نيل الأوطار) (2/ 321- 324) فقد رد على جميع ادلة من قال بالوجوب ثم قال في اخرها: (و الحاصل انه لم يثبت عندي من الادلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب. وعلى فرض ثبوته فترك تعليم المسيء لصلاة ولاسيما مع قوله صَلّى الله عليه وسلّم ((فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك)) قرينة صالحة لحمله على الندب) ثم قال: (و بعد هذا فنحن لا ننكر ان الصلاة عليه صَلّى الله عليه وسلّم من أجل الطاعات التي يتقرب بها الخلق إلى الخالق وانما نازعنا في اثبات واجب م واجبات الصلاة بغير دليل يقتضيه مخافة من التقول على الله بما لم يقل) أنتهى كلامه.

ثم ان حكمه بعدم صحة صلاة من لم يصل على النبي صَلّى الله عليه وسلّم وآله معارض بحديث فضالة بن عبيد إذ قال: (سمع النبي صَلّى الله عليه وسلّم رجلا يدعو في صلاته فلم يصل على النبي صَلّى الله عليه وسلّم فقال النبي صَلّى الله عليه وسلّم: عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: اذا صَلّى احدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صَلّى الله عليه وسلّم ثم ليدع بعد ما شاء)- رواه الترمذي وصححه- وقال مجد الدين ابن تيمية في (المنتقى) (1/452) بعد هذا الحديث: (و فيه حجة لمن لا يرى الصلاة عليه فرضا حيث لم يأمر تاركها بالاعادة) إ. ه. وليس هذا موضع البسط والتحقيق.

الملاحظة الثانية: قوله: (صديقاً كان أو فاروقاً أو ذا نور أو نورين أو أنوار) فيه تعريض وتجريح بالصحابة بل أجل الصحابة وأفضلهم وأفضل الامة بعد رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم وهم ابو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم اجمعين، فلا يغفلن احد عن سوء نيته في تعبيره هذا إذ هو لم يرد وصف هؤلاء الصحابة بأوصافهم هذه مقراً بها، بل هذا من قبيل الاستهزاء والتحكّم، عامله الله بما يستحق، وهذا نقوله عنه لعلمنا بمذهبه الباطل في الطعن بهؤلاء الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم مما فصلناه في مقدمة كتابنا هذا، ولسنا متجنّين عليه في ذلك.

الملاحظة الثالثة: قوله: (بل لا بد لكل من عبد الله بفرائضه ان يعبده في اثنائها بالصلاة عليهم كما يعبده بالشهادتين) تقدم الرد عليه في الخلاف بوجوب الصلاة على النبي صَلّى الله عليه وسلّم واله في الصلاة مع ملاحظة انه هنا يريد تعميم هذا الحكم لكل العبادات الاخرى- زاعماً- بل يريد تسوية الصلاة هذه مع الشهادتين، والحمد لله لم يقل ثلاث شهادات وهو ما لا سبيل له ولا لأصحابه من أجل اثباته.

الملاحظة الرابعة: في معنى (آل النبي) صَلّى الله عليه وسلّم ومن هم المقصودون بها ومن الذين يشملهم هذا الاسم، وهذا الكلام ينطبق على كل ما جاء في الاحاديث والآثار التي ساقها هذا الرجل مما جاء فيه ذكر النبي وأهل بيت النبي، والذي يتبين به شمول هذا الاسم لأعم وأوسع من ال علي رضي الله عنهم وذريته كما يريد هذا الموسوي ان يقرره ويوهم به، فنقول:

قبل بيان معنى (الآل) فقد جاء في بعض روايات الصلاة على النبي صَلّى الله عليه وسلّم بعد التشهد في الصلاة بغير صيغة (الآل) وبغير ذكر (لآل محمّد صَلّى الله عليه وسلّم) بل بلفظ اخر هو: ((اللهم صل على محمّد وعلى ازواجه وذريته كما صليت على آل ابراهيم، وبارك على محمّد وعلى ازواجه وذريته، كما باركت على آل ابراهيم انك حميد مجيد)) اخرجه البخاري (4/ 178)، ومسلّم (1/ 306) من حديث ابي حميد الساعدي رضي الله عنه . وهذا اللفظ يدفع ما قاله هذا الموسوي وما ادعاه ويهدم كل ما بناه على اساس وجوب الصلاة على ال النبي في الصلاة، فهو من الالفاظ الشرعية الصحيحة الثابتة عندنا في الصلاة وليس فيه ذكر للفظ (اهل البيت) أو (ال البيت) أو (ال محمّد) صَلّى الله عليه وسلّم الذين يريدهم هذا الموسوي بل فيه ذكر لمن يبغضهم وهم ازواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم، وهو اقل ما يجيب به أهل السّنّة عن ادعاء هذا الموسوي. واما معنى (الآل) ومن تشمل فقد ذكر الامام ابن القيم في (جلاء الافهام) (ص119- 126) اربعة اقوال لأهل العلم في معنى الآل: (القول الأول) انهم الذين حرمت عليهم الصدق، (القول الثاني) انهم ذريته وازواجه صَلّى الله عليه وسلّم، (القول الثالث) انهم اتباعه إلى يوم القيامة، (القول الرابع) انهم الاتقياء من امته صَلّى الله عليه وسلّم . . وهذا ما جاء في تفسير (آل النبي صَلّى الله عليه وسلّم) عن أهل العلم، وما ما ذهب اليه هذا الموسوي باختصاص آل النبي بعلي وذريته فهو فضلا عن ان احدا لم يقل به فليس هناك اي دليل عليه ولا اي دليل يومئ اليه ولو عن بعد. وعلى سبيل التنازل فلو فرضنا صحة ما ادعاه , بمعنى (آل النبي صَلّى الله عليه وسلّم) فليس قوله أولى بالقبول من الاقوال الاخرى، ويلزم منه لاصحاب الاقوال الاخرى نظير ما استنتجه هو من وجوب الصلاة عليهم، خصوصا من يرى انهم ازواجه صَلّى الله عليه وسلّم ثم يسترسل بالاستنتاج حتى يصل إلى ما وصل اليه هذا الموسوي من أفضليتهم لكنّه يقول ذلك عن ازواجه صَلّى الله عليه وسلّم، وهذا ما لا يريده وما يرفضه هذا الموسوي نفسه لكنّه هو الذي فتح على نفسه هذا الباب بجهله وعدم دقته في النظر في الادلة.

واما ما يخص (آل النبي صَلّى الله عليه وسلّم) فالاصح من الاقوال هو القول الأول لوجود معنى احاديث تدل عليه، بل هو الذي صرح به الصحابي الجليل زيد بن ارقم رضي الله عنه رأوي حديث غدير خم إذ قال في نفس الحديث حين سأله حصين بن سبرة: ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال: (إنّ نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده) قال: من هم ؟ قال: (هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس) قال: أكل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: (نعم)- راجع (صحيح مسلّم) (4/ 1873)- فهؤلاء كلهم هم ال محمّد صَلّى الله عليه وسلّم وأهل بيته الذي نصلي عليهم في الصلاة، يضاف اليهم ازواجه صَلّى الله عليه وسلّم، بل هن الوحيدات اللواتي جاء الحديث في بعض الفاظه بذكرهن خاصة دون غيرهن، فهن أولى بالدخول من غيرهن.

فان كان ما وصل اليه هذا الموسوي وما أنتهى اليه صحيحا يلزم منه ان يحكم بكل ذلك على جميع أهل بيت محمّد صَلّى الله عليه وسلّم ازواجه وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل وليس آل علي فقط، وهو ما لا يستطيع هذا الرجل حتى ان يفكر فيه ويأنف منه فها نحن نلزمه الحجة من كلامه لبيان بطلان ما ذهب إليه ولله الحمد.

بقي ان نقول- من باب العدل والامانة- لربما يحتج هذا الموسوي وشيعته على مذهبهم من ان آل النبي صَلّى الله عليه وسلّم هم آل علي فقط بحديث الكساء- وهو في صحيح مسلّم- وقوله صَلّى الله عليه وسلّم فيه ((اللهم ان هؤلاء أهل بيتي)) مشيرا اليهم، لكننا نقول انه نظير الحديث الذي قدمناه في لفظ الصلاة على النبي صَلّى الله عليه وسلّم وفيه ذكر ازواجه وذريته فقط دون غيرهم، فإنّه يحتج به من يقول بأنّ آل النبي صَلّى الله عليه وسلّم هم ازواجه وذريته فقط، وهو لا يقل في الدلالة عن الأول لانه ذكرهم تخصيصا بدلا من آله في الالفاظ الاخرى، ومع هذا ليس هو صحيحا بل هو من باب تعيين البعض ومن باب ذكر بعض افراد العام، والأولى الاخذ باللفظ الأعم الأشمل جمعاً بين الاحاديث.

وبمثل هذا الجواب نجيب عن حديث الكساء لمن احتج به على ان ال النبي صَلّى الله عليه وسلّم هم آل علي فقط بل ونعارض بالحديث الذي فيه ذكر الازواج والذرية، فما يقوله عنه نقوله نحن في حديث الكساء فلا اشكال عندنا- والحمد لله- ولا نُرد حديثا صحيحا ثبت عن المعصوم صَلّى الله عليه وسلّم كما يفعل هذا الموسوي وزمرته.

وللشوكاني كلام مهم في رد من اجتج بحديث الكساء على معنى الآل، فقال في (نيل الأوطار) (2/ 327- 328): (. . . ولكنّه يقال ان كان هذا التركيب يدل على الحصر باعتبار المقام أو غيره فغاية ما فيه اخراج من عداهم بمفهومه، والاحاديث الدالة على انهم أعمّ منهم كما ورد في بني هاشم وفي الزوجات مخصصة بمنطوقها لعموم هذا المفهوم، واقتصاره صَلّى الله عليه وسلّم على تعيين البعض عند نزول الآية لا ينافي اخباره بعد ذلك بالزيادة لأن الإقتصار ربما كان لمزية البعض أو قبل العلم بان الآل أعمّ من المعينين، ثم يقال اذا كأنت هذه الصيغة تقتضي الحصر فما الدليل على دخول أولاد المجللين بالكساء في الال مع ان مفهوم هذا الحصر يخرجهم، فان كان ادخالهم بمخصص وهو التفسير بالذرية وذريته صَلّى الله عليه وسلّم هم أولاد فاطمة فما الفرق بين مخصص ومخصص) إ. ه.

وراجع أيضاً ما قاله الامام ابن القيم في (جلاء الإفهام في الصلاة والسّلام على خير الأنام) في معنى (الآل) والصحيح من ذلك.

الملاحظة الخامسة: ان اختصاصهم بالذكر في الصلاة ليس دليلا على الأفضلية بل دليل على الفضل، وان كان فليس المقصود اعيانهم وأفرادهم بل أهل البيت عموما لما اختصهم الله به من النبوة والرسالة . ثم ان لفظ الصلاة على النبي صَلّى الله عليه وسلّم وآله فيه تشبيه تلك الصلاة بالصلاة على ابراهيم عليه السّلام وآله، أفيقول أحدٌ إنّ إبراهيم وآله أفضل من محمّد صَلّى الله عليه وسلّم وآله اعتمادا ً على أنّ التشبيه يقتضي ان المشبه به أفضل من المشبه؟ هذا ما لا يقوله هذا الموسوي ولا غيره مع انه في الاستدلال نظير ما استدل هو به . وإن كان ما قرره صحيحا من دلالته على الأفضلية فهو لأهل البيت عموما- كما قلنا- وحتى وان كان لأفرادهم فرداً فرداً فيلزم منه ان يدخل معهم جميع أهل البيت الذين ذكرناهم في الملاحظة السابقة وبينا شمول اسم أهل البيت لهم ومنها أزواجه صَلّى الله عليه وسلّم، والحمد لله على توفيقه. .

المراجعة (11): س:

1-                     موافقة شيخ الأزهر له فيما تقدم مع اعجابه به (كما زعم) .

2-                     طلب شيخ الأزهر الحجج من القرآن الكريم.

المراجعة (12): ش:

سرد عدد من الآيات محتجا بها على أفضلية أهل البيت على غيرهم.

الرد على المراجعة (12):

نقض استدلاله بكل تلك الآيات ثم بيان معاني الآيات الصحيحة في جميع ذلك، مع كشف ما يرد في كلامه من الغش والكذب والمخادعة.

ساق في هذه المراجعة عددا ً من الآيات زاعما ً انها تدل على مطلوبه، واليك تفصيل الرّدّ عليه بعد الاستعانة بالله العظيم:

قوله: (فهل نزل من آياته الباهرة في أحد ما نزل في العترة الطاهرة؟)

قلت: رضي الله عن العترة وجزاهم الله خيرا ً فهم وصية رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم . وقد نزل بحقهم آيات من القرآن الكريم، لكن هذا الرجل صاحب المراجعات عنده تزييف للحقائق وتحريف لمعاني كثير من النّصوص القرانية فهو يعمد إلى كل آية فيها مدح وثناء فيجعلها تخصّ أهل البيت- على فضلهم- وسترى بجوابنا على ما ذكر من أسباب نزول الايات ما في كلامه من التدليس والكذب وإخفاء الحقائق، وهذا هو شأن كل مبتدع يعمد إلى ليّ النّصوص ليّا ً حتى توافق هواه، ونسأل الله السّلامة.

قوله: (هل حكمت محكماته بذهاب الرجس عن غيرهم ؟ وهل لأحد من العالمين كآية التطهير) وأشار في الهامشين (6، 7/62) إلى قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ً} وقال: (ليس لأحد ذلك وقد امتازوا بها فلا يلحقهم لاحق ولا يطمع في إدراكهم طامع) إ. ه.

قلت: كلامه هذا مقبول لو كان يعني بهم أزواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم مع باقي أهل البيت، فكل من قرأ سورة الأحزاب وبالأخص ما قبل هذه الآية بخمس آيات، يقطع بلا شك بأن المقصود بها أزواج النبي صَلّى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى (الأحزاب / 28- 32): { يا أيّها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا ً جميلا ً. . . إلى قوله تعالى: وقلن قولا معروفا ً } ولا يشك من عنده أدنى مستوى من عقل ان المقصود بذلك كله هم أزواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم، ثم قال بعدها: {و قرن في بيوتكنّ ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى وأقمن الصّلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} وأيضاً الخطاب ما زال لأزواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم، ثم قال تكملة الآية- حتى انها ليس في آية أخرى-: {إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} ولم يكتف بهذا فقط بل قال عقبها أيضاً: {و اذكرن ما يُتلى في بيوتكنّ من آيات الله والحكمة إنّ الله كان لطيفا ً خبيرا ً} والخطاب هنا بلا شك أيضاً لأزواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم . فأين في الآيات، بل في السورة كلها ذكر أهل البيت- أعني بهم الذين يريدهم هذاالموسوي وهم آل علي رضي الله عنه-؟

واذا كان كذلك فالمقصود الأول بهذه الآية هم أزواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم وان الله قد أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ً مع شمول اللفظ- بعمومه ومساعدة الضمير الذي فيه- باقي أهل البيت، لكن أولى المقصودين- كما قلنا- هم أزواجه صَلّى الله عليه وسلّم (1[5]) وفي مقدمتهم الصّدّيقة بنت الصّدّيق عائشة، بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها، وحفصة بنت عمر رضي الله عنهما، ولعن الله من تعرض لهما بالقدح والتجريح.

ولا يرد حديث الكساء ما قلناه، فان غايته شمول هذا الاسم- أهل البيت- وهذا الحكم- من هذه الآية- لهم ولغيرهم من أهل البيت اضافة إلى ازواجه صَلّى الله عليه وسلّم، ولولا حديث الكساء هذا لبقيت الآية – أعني آية التطهير- خاصة بأزواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم، وقد قدمنا شيئاً من الكلام في معنى حديث الكساء في الملاحظة الرابعة السابقة.

وعن دخول ازواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم في هذا الحكم قال الإمام ابن كثير في تفسيره (3/ 483): (وهذا نص في دخول ازواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم في أهل البيت ههنا لانهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولا ً واحدا ً أما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح) إ. ه. ومعنى قوله الأخير ان ازواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم هنّ المقصودات في الآية بلا خلاف أما وحدهنّ على قول أو هنّ والباقون- من أهل البيت- على الصحيح – وهذا الذي قلناه من ان هذه الآية نزلت في نساء النبي صَلّى الله عليه وسلّم هو الذي قال به حبر الامة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، كما رواه عنه ابن أبي حاتم- انظر (تفسير ابن كثير) (3/ 483)- وهو الذي قال به عكرمة، فما عسى هذا الموسوي ان يقول عن ابن عباس؟

قال ابن كثير: (فإن كان المراد أنّهم كن سبب النزول دون غيرهم فصحيح، وإن أُريد أنّهم المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر، فإنّه قد وردت أحاديث تدل على أنّ المراد أعمّ من ذلك) إ. ه. ثم ساق أحاديث- في إسناد بعضها مقال- ومنها حديث الكساء وهو صحيح . ثم قال ابن كثير (3/ 486): (ثم الذي لا شك فيه لمن تدبر القرآن أنّ نساء النبي صَلّى الله عليه وسلّم داخلات في قوله تعالى: {إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا ً } فان سياق الكلام معهنّ، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: {و اذكرن ما يُتلى في بيوتكنّ من آيات الله والحكمة } أي واعملن بما انزل الله تبارك وتعالى على رسوله صَلّى الله عليه وسلّم في بيوتكن من الكتاب والسنة- قاله قتادة وغيرُ واحد- واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس أنّ الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصّدّيقة بنت الصّدّيق رضي الله عنهما أولاهنّ بهذه النعمة وأحظاهنّ بهذه الغنيمة وأخصّهنّ من هذه الرحمة العميمة، لإغنّه لم ينزل على رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم الوحي في فراش إمرأة سواها كما نصّ على ذلك صلوات الله وسلامه عليه) أنتهى.

قلت: فلا تبقى بعد ذلك أي حجة في هذه الآية على ما استدل به هذا الموسوي، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. .

ثم رأيت كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة) حول معنى هذه الآية وبيان انها لا تدل على مطلوبهم إذ قال- (المنتقى) (ص 446- 447)-: (وليس فيه- يعني حديث الكساء مضافا إلى الآية- دلالة على عصمتهم ولا إمامتهم أصلاً، فهي كقوله تعالى: { ما يُريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم وليتمّ نعمته عليكم} وكقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر} وقوله: {يريد الله ليبين لكم} { والله يريد أن يتوب عليكم} فإرادته في هذه الآيات متضمنة لمحبته لذلك المراد ورضائه به وانه شرعه، ليس في ذلك انه خلق هذا المراد ولا انه قدره وأوجده، والنبي صَلّى الله عليه وسلّم بعد نزول الآية قال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرّجس) فطلب من الله ذلك، فلو كأنت الآية تتضمن الوقوع ولا بُدّ لم يحتج إلى الدعاء، وهذا على قول القدرية اظهر فان ارادة الله عندكم لا تتضمن وجود المراد بل قد يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد، أفنسيتَ أصلكَ الفاسد ؟ أما على قولنا فالإرادة نوعان: شرعية تتضمن محبة الله ورضاه كما في الآيات، وإرادة كونية قدرية تتضمن خلقَه وتقديره، كقوله تعالى: {إن كان الله يريد أن يُغويكن} {فمن يُرد الله أنْ يهديَهُ يشرحْ صَدرهُ للإسلام ومن يُرِدْ أنْ يُضله يجعل صدره ضَيّقا ً حَرَجا ً} ثم ان ازواج النبي صَلّى الله عليه وسلّم مذكورات في الآيات فبدأ بهنّ وختم بهنّ وسائر الخطاب لهنّ) إ. ه.

وقال في موضع آخر- (المنتقى) (ص179- 180)-: (فقوله تعالى: {يريد الله ليذهب عنكم الرّجس } اذا كان بفعل المأمور وترك المحظور كان ذلك متعلقا بإرادتهم وبأفعالهم، فان فعلوا ما امروا به طهروا . . . . ثم قال: ومما يبين ان الآية متضمّنة للأمر والنهي قوله في سياق الكلام: { يا نساء النبيّ من يأتِ منكنّ بفاحشةٍ مُبينةٍ }- إلى قوله- { ولا تبرّجن تبرّج الجاهلية الأولى . . . . واذكرن ما يُتلى في بيوتكنّ } فهذا السياق يدل على ان ذلك امر ونهي، وان الزوجات من أهل البيت، فان السياق انما هو في مخاطبتهن) أنتهى كلام شيخ الإسلام فجزاه الله خيرا. .

قوله: (هل حكم بافتراض المودة لغيرهم محكم التنزيل) وقال في الهامش (8/ 62): (كلا بل اختصهم الله سبحانه بذلك تفضيلا لهم على من سواهم، فقال: (قل لا اسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ومن يقترف حسنة- وهي هنا مودتهم- نزد له فيها حسنا ان الله غفور- لأهل مودتهم- شكور- لهم على ذلك-)إ. ه.

قلت: قبل الكلام على معنى هذه الآية وما ادّعاه فيها احب أن ألفت النظر إلى محأولته ليّ النص لما يوافق هواه، فقد فسّر الحسنة بالمودة لأهل البيت بينما هي عامة لكل حسنة لانها نكرة في سياق الشرط لا يمكن تخصيصها الا بدليل واضح، ولا دليل له- والحمد لله- على ذلك.

واما عن استدلاله بهذه الآية على وجوب مودة أهل البيت فهو ممتنع رواية ودراية، اما رواية فلثبوت تفسيرها بغير ذلك عن حبر الأمة وترجما القرآن ابن عم رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم عبد الله بن العباس رضي الله عنهما كما رواه عنه البخاري (6/ 162)، والترمذي (4/ 179)، انه سئل عن قوله تعالى: {إلاّ المودّة في القُربى} فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمّد فقال ابن عباس: (عجلت، إنّ النبي صَلّى الله عليه وسلّم لم يكن بطنٌ من قريش إلاّ كان له فيهم قرابة فقال: الا ان تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة)، وبهذا التفسير أيضاً قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابو مالك وعبد الرحمن بن يزيد بن أسلّم وغيرهم- انظر (ابن كثير) (4/ 112)- وهناك قول ثانٍ في تفسير الآية عن ابن عباس أيضاً أخرجه الإمام أحمد (1/268، والطبراني في (الكبير) (11144) أنّ النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: ((لا اسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى اجراً الاّ ان توادوا الله تعالى وان تقربوا اليه بطاعته)) وفي اسناده قزعة بن سويد الباهلي وهو ضعيف، كما في (التقريب).

فعلى هذا يكون الحق في تفسير الآية هو القول الأول وان الله تعالى اراد بقوله {قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى } اي قل يا محمّد لهؤلاء المشركين من كفار قريش لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالاً تعطونيه وانما اطلب منكم ان تكفوا شركم عني وتذروني ابلغ رسالات ربي ان لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة، قاله ابن كثير.

واما ما ذكره هذا الموسوي من تفسيره للآية فيعد قولا اخر وهو الذي ظنه سعيد بن جبير معنى الآية فرده ابن عباس رضي الله عنهما وقال له: عجلت . اي في تفسيرك، وهو أعلم أهل البيت بعد عليّ رضي الله عنه.

وهناك أثرٌ عن ابن عباس ربما يحتج به هذا الموسوي لتفسيره، اخرجه ابن ابي حاتم- (تفسير ابن كثير) (4/ 112)- من طريق علي بن الحسين حدثناً رجل سماه حدثنا الحسين الأشقر عن قيس عن الاعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية {قل لا اسألكم عليه أجراً الا المودة في القُربى} قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين امر الله بمودتهم ؟ قال: (فاطمة وولداها رضي الله عنهم) إ. ه. واسناده ضعيف- كما قال ابن كثير- فيه رجل لا يُعرف من هو، وفيه أيضاً حسين الأشقر وهو ضعيف متهم بالرفض. كما في (الميزان) وغيره، وقد كذبه بعضهم.

هذا من ناحية اسناده واما متنه ففيه نكارة فان الآية مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة رضي الله عنها أولاد بالمرة فانها لم تتزوج بعلي رضي الله عنه الا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة، والحسن ولد سنة ثلاث، والحسين سنة اربع، فكيف يفسّر النبي صَلّى الله عليه وسلّم الآية المكّية بوجوب مودّة من لا يعرف؟

وأمّا دراية: فقد بينه شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة) فقال- (المنتقى) (ص 451- 452)-: (وأيضاً فإنّه قال: {إلا المودة في القربى} لم يقل: الا المودة للقربى ولا المودة لذي القربى، فلوا اراد ذلك لقال هكذا، كما قال الله تعالى: {و اعلموا أنّما غنمتم من شيءٍ فإنّ لله خُمُسَه وللرسول ولذي القُربى } وقال: { فلله وللرسول ولذي القربى} {فآت ذا القربى حقّه} {و آتى المالَ على حبّه ذوي القربى} فجميع ما أوصى به من حق ذوي قربى النبي أو ذوي قربى الأنسان هكذا، فلما ذكر قوله { إلاّ المودة} بالمصدر دون الاسم دل على انه لم يرد ذوي القربى، ولو اراد لقال: المودة لذوي القربى، ولم يقل (في) فإنّه لا يقال: أسألك المودة في فلان، ولا في قربى فلان بل لفلان، ونقول: الرسول لا يسأل على تبليغ الرسالة أجراً البتة بل أجره على الله كما قال: {قل ما أسألكم عليه من اجر} وقال: { أم تسألهم أجراً فهم من مغرم ٍ مثقلون} وقال: {إن أجريَ إلاّ على الله } ولكن الاستثناء منقطع كقوله: { قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربّهِ سبيلاً } . ولا ريب ان محبة أهل البيت واجبة لكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية ولا محبتهم أجر الرسول، بل هو مما أمرنا به فهو من العبادات إلى ان قال: - ولو كأنت مودتنا لهم أجراً له لم نُثَب عليها لأنا أعطينا أجره الذي استحقه بالرسالة، فهل يقول هذا مسلّم)، أنتهى كلام شيخ الإسلام، ونحن إذ ننكر على هذا الموسوي استشهاده بهذه الآية على مطلوبه الفاسد لا ننكر الوصاية بأهل البيت ولا ننكر وجوب محبّتهم- كما قال شيخ الإسلام- بل هو اعتقاد أهل السّنّة كما بيناه سابقاً، وهوالذي كان عليه سلف الامة وبالاخص صحابة رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم كما قال أبو بكر رضيالله عنه: ارقبوا محمّدا ً صَلّى الله عليه وسلّم في أهل بيته. وقال لعليّ: والله لقرابةُ رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم أحب إليّ أن أصلَ من قرابتي. وقال عمر بن الخطاب للعباس رضي الله عنهما: والله لإسلامك يومَ أسلّمتَ كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلّم لأن إسلامك كان أحبَ إلى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم من إسلام الخطاب. . .

قوله: (و هل هبط بآية المباهلة بسواهم جبريل). 

قلت: يعني بها قوله تعالى: {فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم نساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم . . . } الآية (ال عمران/ 61). وقد ثبت في صحيح مسلّم أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم لما نزلت هذه الآية دعا عليا وفاطمة وابنيهما في المباهلة، ووجه استدلاله بهذه الآية ان الله سبحانه قال: {و انفسنا} ويعني بها رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم وعليا، ولكن لا دلالة في ذلك على الامامة وعلى الأفضلية بل على الفضل فقط، وهذا جهل منه في تفسير الآية أو مغالطة في ذلك، ومن قبله قاله ابن المطهر الحلي والغالب انه انما نقله منه كحال معظم استشهاداته هنا، وقد رد شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة)- أنظر (المنتقى) (ص457- 358) على ذلك بما ينفي مسأواة علي رضي الله عنه للرسول صَلّى الله عليه وسلّم بدليل هذه الآية لأن احدا لا يساوي الرسول صَلّى الله عليه وسلّم، وهذا اللفظ في اللغة لا يقتضي المسأواة بل يدل على المجأنسة والمشابهة، فالمراد بالانفس الاخوان نسباً أو ديناّ، فقوله تعالى: {ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم} اي رجالنا ورجالكم، اي الرجال الذين هم من جنسنا في الدين والنسب، والمراد التجأنس في القرابة والايمان، ومما يدل عليه أيضاً قوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيراً} ولم يوجب ذلك ان يكون المؤمنون والمؤمنات متسأوين، ومن جنسه أيضاً قوله تعالى {فاقتلوا أنفسكم} اي يقتل بعضكم بعضا ولم يوجب ذلك تسأويهم ولا ان يكون من عبد العجل مسأويا لمن لم يعبده. وكذلك غير متسأوين بل بينهم من التباين ما لا يوصف، ومن جنسه أيضاً {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم}.

أما ان كان وجه الاستدلال بالآية دعوة النبي صَلّى الله عليه وسلّم لهؤلاء دون غيرهم فلا دلالة في هذه الآية على ما ادعى إذ ان سبب دعوتهم دون غيرهم ان المباهلة انما تحصل بالاقربين اليه والا فلو باهلهم بالابعدين في النسب- وان كانوا أفضل- لم يحصل مقصود المباهلة فان أولئك- اي النصارى- يأتون بمن يعز عليهم طبعا كأقرب الناس اليهم فلو دعا رسول الله صَلّى عليه وسلّم قوما اجانب لأتى أولئك باجانب أيضاً ولم يكن يشتد عليهم نزول المباهلة بأولئك الاجانب كما يشتد عليهم نزولها بالاقربين، فان طبع المرء يخاف على اقربيه ما لا يخاف على الاجانب، والناس عند المهادنة تقول كل طائفة للاخرى: ارهنوا عندنا أبناءكم ونساءكم، فلو رهنت اجانب لم يرض أولئك ولا يلزم أهل الرجل ان يكونوا أفضل عند الله من غيرهم. ولو كان باقي بناته- صَلّى الله عليه وسلّم- في الحياة لباهل بهن ولو كان ابنه ابراهيم يعرف لباهل به ولو كان عمّه الحمزة حياً لباهل به، ونحن نعلم بالاضطرار انه لو دعا أبا بكر وعمر وطائفة من الكبار لكانوا من اعظم شيء استجابة لأمره، لكن ذلك- كما قلنا- لا يحصل به مقصود المباهلة.

وقوله: (هل أتى هل أتى بمدح سواهم                  لا ومولى بذكرهم حلاها)

وقال في الهامش (10/ 62): (اشارة إلى نزول سورة الدهر فيهم وفي اعدائهم) إ. ه.

قلت: هذا من التقول بلا علم وإلا فأين اثبات صحة ما ادعاه، ويكفي في ردّه ان نقول ان سورة (الأنسان) أو (الدهر) مكية بالاتفاق وعلي لم يتزوج بفاطمة الا بالمدينة بعد بدر- كما قلنا سابقا- والحسن ولد سنة ثلاث والحسين سنة اربع للهجرة، فقول القائل انها نزلت فيهم من الكذب الذي لا يخفي على من له علم بنزول القرآن واحوال هؤلاء السادة الاخيار، ثم ان عليا رضي الله عنه كان بمكة فقيراً في عيال النبي صَلّى الله عليه وسلّم ضمّه اليه لما اصابت أهل مكة سنة.

وانظر إلى ادعائه هنا الخالي من التخريج والعزو إلى اي مصدر.

ثم رأيت الزمخشري قد ذكر في (الكشاف) (4/ 197) حديثا لا يصح ولا يثبت في قصة علي وفاطمة وجاريتهما ولم يذكر اسناده ولم يعزه لأحد، لكن قال الحافظ في (تخريج الكشاف) (ص180): رواه الثعلبي من رواية القاسم بن بهرام عن ليث بن ابي سليم عن مجاهد عن ابن عباس، ومن رواية الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى{ يوفون بالنّذر ويخافون يوما كان شره مستطيراً ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} وزاد في اثنائه شعرا لعلي وفاطمة رضي الله عنهما- ثم قال: - قال الحكيم الترمذي: هذا حديث مزوق مفتعل لا يروج إلا على احمق أو جاهل، رواه ابن الجوزي في (الموضوعات) من طريق ابي عبد الله السمرقندي عن محمّد بن كثير عن الأصبغ بن نباتة . . . فذكره بشعره وزيادة ألفاظ ثم قال وهذا لم نشك في وضعه) إ. ه. وانظر (اللالئ المصنوعة) (1/ 371- 374).

قوله: (اليسوا حبل الله الذي قال: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وعزاه في الهامش (11/ 62) لتفسير الثعلبي عن جعفر الصادق.

وأقول: يحتاج هذا إلى صحة ثبوته عن جعفر بمعرفة اسناده وتحقيق صحته أولا، وثانيا يحتاج إلى اصابة جعفر الحق في تفسيره هذا على فرض ثبوته عنه فليس هو معصوما عند أهل السّنّة حتى يحتج هذا الموسوي بقوله عليهم، ونحن ننازعه في كلا الامرين.

أما الأول: فلم يقدم لنا ما يبين اسناده فضلا عن صحته، وان عزاء للثعلبي في تفسيره، وهو قطعا لم ينقله من تفسير الثعلبي، إذ لم يذكر له موضعا فيه، اضافة إلى ان تفسير الثعلبي لم يطبع بعد، ولا اعلم بوجود مخطوطة له تحت الطبع، وقد عثرت على جزء واحد من تفسيره المسمى (الكشف والبيان في تفسير القرآن) لأحمد بن محمّد بن ابراهيم أبي إسحاق الثعلبي، وهو جزء مخطوط من اصل ثمانية اجزاء من تفسيره، وجدته في المكتبة القادرية في بغداد تحت رقم (س372 ف 58) مصور علوم القرآن، وقد تصفحت هذا المخطوط رجاء ان اجد ما ينفعني في تخريجاتي هذه، ولكن للاسف لم يحوِ هذا الجزء الا بعضاً من سور الاجزاء الثلاثة الاخيرة من القرآن فليس فيه المواضع التي ذكرها صاحب المراجعات.

ونحن نسأل: كيف تسنى لهذا الموسوي النقل من تفسير الثعلبي مع انه لم يطبع؟ ولم يبين واسطته في ذلك، اهذا هو صنيع أهل العلم؟ اهذه هي الأمانة في النقل التي وصف بها؟ كيف يمكن لمسلّم بعد هذا ان يأمن إلى تخريجات مثل هذاالموسوي واقواله؟ وان كان قد نقل ذلك من (الصواعق المحرقة) فكان الاجدر به التصريح بذلك لا كما ساقه في هامشه ذاك.

وان صح ذلك- وهو الواقع هنا- فهذا تخريج قاصر ينم عن قلة علمه، إذ لا يصح عزو مثل هذا للصواعق، والاستدلال به دون معرفة اسناده وثبوته فلم يبين أياً من ذلك صاحب (الصواعق) حتى يعتمد عليه ولم يلتزم الصحة فيما ساقه هناك كما بيناه مراراً، ثم ان حال (الصواعق المحرقة) في مثل هذا التخريج كحال كتاب (المراجعات) أيضاً فليس اي منها مصدرا اصليا يصح العزو اليه. اما تفسير الثعلبي فلعدم امكان معرفة إسناد خبره هذا لا يمكن الاطمئنان اليه فما اكثر الموضوعات المكذوبة التي فيه وليس تفسيره معدودا في الصحاح وحاله كحال تلميذه الواحدي كانا يرويان عن كل احد دون التمييز بين الصادق والكاذب، وستجد فيما نقلناه من ردود شيخ الإسلام ابن تيمية عما استدل به ابن المطهر الحلي من تفسير الثعلبي ما يبين حال تفسير الثعلبي هذا، وفي فتأوي شيخ الإسلام (13/ 345، 386) حين تكلم عن انواع التفاسير اشار إلى الموضوعات التي يرويها الثعلبي والواحدي.

وكان من قوله أيضاً في رده على خبر ساقه ابن المطهر الحلي ان قال: (المنتقي)(ص436) (. . . . وان الخبر كاذب، وفي تفسير الثعلبي من الموضوعات ما لا يخفى، وكان حاطب ليل، وكذا تلميذه الواحدي) إ. ه. ثم ان الثعلبي وتلميذه الواحدي ليسا من أهل الحديث فكل من ترجم لهما وصفهما بالمفسرين كما في (العبر) و(تذكرة الحفاظ) للذهبي، و(شذرات الذهب) لابن العماد وغيرها ولم يوصفا بانهما محدثان أو صنفا شيئا في الحديث وعلومه، والله أعلم.

وأما الثاني: فان حبل الله المقصود في الآية هو (كتاب الله) كما قال غير واحد من المفسرين، وكما جاء مصرحاً به في احدى روايات حديث غدير خم- عند الترمذي- والتي استشهد بها صاحب المراجعات نفسه هناك وفيها: (كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض) فهذا ما يعارض ما قرره هو أولا.

واخرج ابن جرير (4/ 21) من طريق عطية العوفي عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: (كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الارض).

بل قد روي تفسير ذلك عن علي رضي عنه، كما اخرجه الترمذي (4/ 51- 52) والدارمي (2/ 435) من طريق ابي المختار الطائي عن ابن اخي الحارث الاعور عن الحارث عن علي رضي الله عنه في صفة القرآن:

(. . . فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم).

واخرج الدارمي (2/ 431)، وابن مردويه- (تفسير ابن كثير) (1/ 389)- من طريق ابراهيم الهجري عن ابي الاحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: (ان هذا القرآن هو حبل الله المتين وهو النور المبين . . .).

وهذه الاحاديث والاثار وان كان فيها ضعف لكن يقوي بعضها بعضا خصوصا الاخير منها فاسناده لا بأس به في الشواهد، وعلى اية حال فحديث زيد بن ثابت في خطبة غديرخم الذي اشرنا اليه والذي فيه (كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض) يكفي لاثبات ذلك، وقد تكلمنا عليه سلفا، مع العلم ان هذه الاحاديث والاثار المساقة هنا هي عموما احسن حالا مما ساقه هذا الموسوي محتجا به على دعواه، فان قاله عن جعفر الصادق عارضناه بما روي عن علي، فان خالف ذلك وردّه فقد نقض اصول مذهبه، والحمد لله رب العالمين.

قوله: (و الصادقين الذين قال: وكونوا مع الصادقين) وقال في الهامش (12/ 62): (و الصادقون هنا: رسول الله والائمة من عترته الطاهرة يحكم صحاحنا المتواترة)إ. ه.

قلت: لا ريب ان رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم أول الداخلين في هذه الآية وكذا اصحابه الكرام رضي الله عنهم وائمة أهل البيت، لكن اين دليل نزول هذه الآية في ائمة أهل البيت فقط واخراج من عداهم من الصحابة؟ وان كأنت الآية في الصادقين فهو جمع صادق، والصديق مبالغة في الصادق وابو بكر رضي الله عنه صدّيق بأدلة عدة، فهو أول من تتنأوله الآية بعد رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، وبعده سائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

لكن سبب نزول الآية أمر آخر، فقد نزلت في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه لما تخلف- فيمن تخلف- عن غزوة تبوك ثم تاب الله عليه ببركة الصدق، وذلك ثابت في الصحاح، فقال الله تعالى: {و على الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنّوا أن لا ملجأ من الله لا إليه ثمّ تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التوّاب الرحيم، يا أيها الذي آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} حتى ان كعب بن مالك قال لرسول الله صَلّى الله عليه وسلّم بعد ما تاب الله عليه- كما في حديثه عند الامام احمد والبخاري ومسلّم وغيرهم-: (و قلت: يا رسول الله انما نجاني الله بالصدق وان من توبتي ان لا احدث إلاّ صدقاً ما بقيت، قال فوالله ما أعلم أحداً من المسلّمين ابلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صَلّى الله عليه وسلّم احسن مما ابلاني الله تعالى) ثم قال أيضاً في نفس حديثه: (فوالله ما انعم الله علي من نعمة قط بعد ان هداني للإسلام اعظم في نفسي من صدقي رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يومئذ ان لا اكون كذبته فاهلك كما هلك الذين كذبوه).

ثم ان معنى قوله تعالى {و كونوا مع الصادقين} فاصدقوا كما يصدق الصادقون لا تكونوا مع الكاذبين، كما قال تعالى {و اركعوا مع الراكعين}و لم يرد المعية في كل شيء فلا يجب على الأنسان ان يكون مع الصادقين في المباحات والملبوسات ونحو ذلك، ومثل ذلك: كن مع الابرار، كن مع المجاهدين، اي ادخل معهم في هذا الوصف وجامعهم عليه وقد ورد تفسير الصادقين في الآية بالنبيّ صَلّى الله عليه وسلّم واصحابه، وكذا ورد تفسيرهم بأبي بكر وعمر- انظر (تفسير الطبري) (11/ 40)- وليس المراد انهم سبب نزول الآية بل ان الآية تشملهم وتعمّهم، وهذا صحيح فما هو جواب هذا الموسوي عن تفسير الآية هذا ؟

وقوله (بحكم صحاحنا المتواتره) قول من لا يعقل ما يخرج من رأسه، فليس عندهم صحاح وليس عندهم تواتر بل لا يدري هو ولا زمرته ما شرط الصحاح وشرط التواتر، وسأبين ذلك- على وجه الاختصار- في كتبهم الأصول المعتمدة، تلك الكتب الاربعة التي يقولون عنها انها قطعية الصدور وكل ما فيها حجة وصحيح، وقال الحر العاملي في (وسائل الشيعة) (20/ 75): (فمعلوم ان كتب القدماء انما اندرست بعد ذلك لوجود ما يغني عنها بل هو أوثق منها مثل الكتب الأربعة) إ. ه. هذه الكتب الاربعة هي كتاب (الكافي) للكليني، وكتاب (من لا يحضره الفقهية) لابن بابويه القمي، وكتاب (تهذيب الاحكام) وكتاب (الاستبصار) وهما للطوسي، وعليها اجماع علمائهم وائمتهم حتى قال الحر العاملي في (وسائل الشيعة) (20/ 97): (. . . فما الظن برئيس المحدثين وثقة الإسلام ورئيس الطائفة المحقة)إ. ه. ويريد برئيس المحدثين ابن بابويه القمي، وثقة الإسلام هو الكليني، ورئيس الطائفة هو الطوسي، وقد ذكرهم واشار إلى كتبهم هذا الموسوي نفسه في (المراجعة-14-) (ص76) وقال: (يتهم ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني وصدوق المسلّمين محمّد بن علي بن بابويه القُمّي وشيخ الأمة محمّد بن الحسن بن علي الطوسي، ويستخفّ بكتبهم المقدسة وهي مستودع علوم آل محمّد صَلّى الله عليه وآله وسلّم. . .) ولا أريد التطويل هنا في بيان ما فيها مما يمنع القطع بصحتها فضلاً عن تواترها. وقد ذكرت في مقدمة الكتاب بعضاً مما فيها مما يمنع الأخذ بها والوثوق بما فيها عند كل مسلّم يخاف الله واليوم الآخر. وسأكتفي بكلام أحد علمائهم المقبول والمرضي عندهم في تقييمه لكتبهم هذه، الأمر الذي بين به عدم إمكان القطع بتواترها بل ولاحتى صحتها عموماً، الذي ينقض به كلام صاحبه الموسوي هذا حين قال(بحكم صحاحنا المتواترة) قال الخوئي في (معجم رجال الحديث) (الطبعة الثانية) (1/17- 18): (إنّ أصحاب الأئمة عليهم السّلام وإن بذلوا غاية جهدهم واهتمامهم في أمر الحديث وحفظه عن الضياع والإندراس حسب ما أمرهم به الأئمة عليهم السّلام إلاّ انهم عاشوا في دَور التقية ولم يتمكنوا من نشر الأحاديث علَناً فكيف بلغت هذه الأحاديث حدّ التواتر أو قريباً منه؟) وقال أيضاً(1/19- 20): (فالواصل إلى المحمدين الثلاثة- الكليني وابن بابويه والطوسي- إنما وصل إليهم عن طريق الأحاد) إلى أن قال عن الصدوق (1/20) (و أمّا طرقه إلى أرباب الكتب فهي مجهولة عندنا، ولا ندري ان أيّاً منها كان صحيحاً وأياً منها غير صحيح، ومع ذلك كيف يمكن دعوى العلم بصدور جميع هذه الروايات من المعصومين عليهم السّلام؟)، ثم رد على القول بقطعية صدور روايات الكتب الأربعة قائلاً (1/20): (و على الجملة: إنّ دعوى القطع بصدور جميع روايات الكتب الأربعة من المعصومين عليهم السّلام واضحة البطلان) ثم تطرّق بالتفصيل لروايات كل كتاب من الكتب الأربعة (1/80- 90) وكان مما قاله: (و لو سلم ان محمّد بن يعقوب (الكليني) شهد بصحة جميع روايات الكافي فهذه الشهادة غير مسموعة، فإنّه إن أراد بذلك روايات كتابه في نفسها واحدة لشرائط الحُجّية فهو مقطوع البطلان، لأن فيها مرسلات وفيها روايات في إسنادها مجاهيل ومَن اشتهر بالوضع والكذب) وقال أيضاً: (إنّ أخبار الشيخ الصدوق عن صحة روايته وحجّيتها أخبار عن رأيه ونظره، وهذا لا يكون حجّة في حق غيره).

وعن روايات الطوسي قال أيضاً: (فيجري فيها ما ذكرناه في شهادة الصدوق) ويخلص الخوئي إلى أنه لم تثبت صحة جميع روايات الكتب الأربعة فلا بدّ من النظر في سند كل رواية منها، كما في (المعجم) (1/ 90) ونحن إذ ننقل كلّ هذا الكلام هنا فلا نحتجّ بقول الخوئي إذ هو عندنا لا يفرُق كثيراً عن سائر أئمة الروافض الكذّابين، لكننا نقلنا قوله لبين تناقضهم، ولنضرب قول بعضهم ببعض فتتساقط كل أقوالهم بحمد الله فهل يمكن لأحد بعد كلام الخوئي هذا أن يدّعي أن عندهم صحاحاً متواترة؟؟

وقوله: (وصراط الله الذي قال: وأن هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه، وسبيله الذي قال: ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله)إ. ه.

قلت: هذه دعوى كسابقاتها لا دليل عليها حتى وان نسبها في الهامش للباقر والصادق فهو يحتاج إلى إثبات صحة نسبتهما اليهما أولا ثم إلى صحة ما قالاه ثانياً، وهو يزعم انه يستدل على أهل السّنّة بما عندهم، فأين عندهم الإحتجاج بقول الباقر والصادق حتى يورده عنهما؟

أما نحن فنقول قد جاء تفسير الصراط في في حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، عند الإمام أحمد (4/182-183)- بإسناد جيّد- قال: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعن جنبيّ الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط المستقيم جميعاً ولا تفرّقوا، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الأنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فانك ان تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلّم). .

قوله (و أولي الأمر الذين قال: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} وقال في الهامش (14- 63): (أخرجه ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب بسنده الصحيح عن بريدة العجلي قال: سألت أبا جعفر- محمّداً الباقر- عن قوله عزّ وجلّ: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمر منكم} فكان جوابه {ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} يقولون لأئمة الضّلال والدعاة إلى النار هؤلاء أهدى من آل محمّد سبيلاً {أولئك الذين يلعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً أم لهم نصيبٌ من الملك} يعني الإمامة والخلافة {فإذا لا يؤتون الناس نقيراً أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} ونحن الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلقه {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً} يقول: جعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة فكيف يقرون به في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمّد {فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه وكفى بجهنم سعيراً} إ. ه.

قلت: وما صنع شيئاً باستدلاله بهذه الآية إذ هي لا تختلف عما سبق من إستدلالاته محتاجة إلى إثبات صحة إسناده أولاً، ثم إلى صحة تفسير الباقر لهذه الآية بما فسّرها به ثانياً. والعجيب منه انه يريد أن يلزم أهل السّنّة بمذهبه الباطل ألا وهو عصمة هؤلاء الأئمة، ومنهم الباقر بتفسيره هذا، ثم ان قوله (بسنده الصحيح) دعوى لا نسلّم له بها خصوصاً بعد ما عرفنا من حال محمّد بن يعقوب هذا- وهو الكليني- وحال كتابه (الكافي) فيما بيناه في مقدمة كلامنا هذا، ولو كان صادقا في دعواه هذه لساق إسناده بالكامل.

ثم إن قوله تعالى {و أولي الأمر منكم} عام في كل أولياء الأمور من الأمراء والعلماء على السواء، كما هو قول ابن عباس وغيره فيما ذكره ابن كثير (1/518)، فتخصيصها يحتاج إلى دليل شرعي صحيح، وسياق الآية فيه ما لا يساعده على مطلوبه فقد قال الله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} فانظر كيف كرر عقل الأمر {أطيعوا} حينما أراد ان طاعة الله وطاعة الرسول مطلقة دون أي قيد، لكنّه لما ذكر أولي الأمر عطف ذكرهم على طاعة الرسول ولم يجعلها طاعةً مطلقة بل طاعتهم واجبة فيما وافقوا فيه طاعة الله وطاعة رسوله فقال {و أولي الأمر منكم} ولم يقل (و أطيعوا أولي الأمر منكم}. فإن كان هذا الموسوي يزعم أن طاعة هؤلاء الأئمة مطلقة دون قيد أو شرط فهذا مردود بما بيناه، وإن كان يقول ان طاعتهم تكون في حدود طاعة الله ورسوله فإذا أمروا بخلاف ذلك لم يُطاعوا، فهذا لا اختصاص لهم فيه فهو شأن كل ولي أمر للمسلّمين حتى وإن كان فاجراً، فقد حث النبي صَلّى الله عليه وسلّم على السمع والطاعة لولاة الأمور حتى الفجّار منهم ما لم يأمروا بمعصية فإذا أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة، ففي الصحيحين- (البخاري) (7056)، (مسلّم) (1709)- من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعُسرنا ويُسرنا، وأثَرةٍ علينا، وأن لا ننازعَ الأمرَ أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان). وفي صحيح البخاري (7142) عن أنس أن رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم قال: (إسمعوا وأطيعوا وإن أمّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة). وفي صحيح مسلّم (1838) عن أم الحصين أنها سمعت رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يخطب في حجّة الوداع يقول: (و لو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله إسمعوا له وأطيعوا).

ثم ان في تكملة الآية- التي تعمد عدم ذكرها- رداً لكل ما بناه وقرره في مذهبه من الأخذ بأقوال هؤلاء الأئمة، ألا وهو قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} فانظر كيف جعل الرجوع عند التنازع- كما هو حالنا معه الآن- إلى الله والرسل أي إلى كتاب الله وسنة رسوله فقط دون غيرهما حتى ولا أولي الأمر وحتى ولا أي من الأئمة والعلماء، وجعل ذلك علامة على الإيمان بالله واليوم الآخر.

فالواجب إذاً عند وجود التنازع أن يرد كل من الفريقين إلى كتاب الله وسنّة رسوله صَلّى الله عليه وسلّم لا إلى غيرهما من الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء.

ونحن نسأله وشيعته: ألسنا مسلّمين؟ أليس كتاب الله تعالى بيننا وهو يأمرنا عند التنازع أن نرجع إلى آياته وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ ألسنا نتنازع في مسألة الأخذ بأقوال أئمة أهل البيت والقول بعصمتهم؟ فلم تعدلون عن الإستشهاد بآيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم الصحيحة الثابتة إلى الإستشهاد بأقوال من هم موضع النزاع؟ لا شك ان الحامل لهم على ذلك عدم وجود آية في كتاب الله تعالى أو حديث من سنة المصطفى صَلّى الله عليهو سلّم على ما أدعوه وردنا هذا يبين ذلك.

بقي أن أشير إلى نقطتين مهمتين وردتا في كلامه. .

النقطة الأولى: قوله (أخرج ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب . . .) وقد حأول التعمية عليه- فيما يبدو- ولم يذكره بلقبه الذي يعرف به إذ لو ذكره لحمل ذلك من يعرفه من أهل السّنّة على تكذيب خبره هذا، وهو محمّد بن يعقوب الكليني الرازي المتوفّى سنة 329ه صاحب كتاب (الكافي) ولا يحتاج عند من يعرفه من أهل السّنّة إلى بيان حاله وحال كتابه، لكن يكفي لمن لا يعرفه أن يراجع ما سقناه في مقدمة كتابنا هذا من المنكرات والأباطيل التي يحويها كتابه، وأبرزها طعنه بالقرآن الكريم ذلك الطعن الذي لم يتجرأ أحد حتى ولا من اليهود ولا النصارى على قوله في القرآن الكريم، ثم يأتي هذا الموسوي فيصف الكليني هذا بأنه (ثقة الإسلام)!! أهذا مبلغ علمك يا موسوي؟

النقطة الثانية: ما نقله عن محمّد الباقر في استشهاده بقوله تعالى: {ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت . . . الآية} ثم حملها على من خالف آل محمّد صَلّى الله عليه وسلّم في الإمامة هذا يقوي الظن عندي بأنه يفسر (الجبت) و(الطاغوت) في الآية بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وهو قول أئمتهم كما نقلناه في مقدمتنا هناك عند تنأولنا لكتابهم (تنقيح المقال) وهو من أكبر كتبهم في الجرح والتعديل لإمامهم المامقاني. وجاء أيضاً ذكر (الجبت) و(الطاغوت) في دعائهم الذي يسمونه (دعاء صنمي قريش) ويعنون بهما وبالجبت والطاغوت أبا بكر وعمر، وهذا الدعاء في كتابهم (مفتاح الجنان) (ص114) (إيران 1327) ونصّه: (اللهم صل على محمّد وعلى أل محمّد، والعن صنمي قريش وجبتهما وطاغوتيهما وابنتيهما . . . الخ) ويريدون بابنتيهما أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة رضي الله عنهما وعن أبويهما، ولعنة الله على الظالمين.

قوله: (و أهل الذكر الذين قال: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).

قلت: أفلا سأل نفسه عن معنى الفاء هنا وعن متعلقها؟ ولا يشك من له أدنى معرفة باللغة انها متعلقة بكلام قبلها، بل هي من تمام الآية وهي قوله تعالى: {و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر} وإذا كان كذلك فقد فسر لنا هذه الآية حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم فقال: (اللهم علمه التأويل) ولم يَدعُ بمثل هذا لأحد من أهل البيت غيره، عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عالم أهل البيت بالتأويل، فقد أخرج الطبري في تفسيره (14/ 68) عن الضحاك عن ابن عباس قال: (لما بعث الله محمّدا رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا الله أعظم من أين يكون رسوله بشراً مثل محمّد، قال: فأنزل الله {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم} وقال: {و ما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزّبر} يعني أهل الكتب الماضية، أبشراً كأنت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أتتكم وإن كانوا بشراً فلا تنكروا أن يكون رسولاً). وبمثله قال مجاهد والأعمش.

وعلى هذا فلا يصح أن يكون غير ما قدمنا سبباً لنزول هذه الآية فهو فضلاً عن مجيئه عن ابن عباس- من طريقين- هو مقتضى سياق الآية ومدلولها.

لكن كون علماء أهل البيت وكذا سائر الصحابة وعلماء الأمة هم أهل الذكر فهذا صحيح لا ريب فيه. وعلى فرض ثبوت تسمية أهل البيت بأهل الذكر عن علي رضي الله عنه- كما عزاه في الهامش (15/63) من تفسير الثعلبي مع التحفظ في النقل من الثعلبي دون معرفة إسناده وصحته- أو عن أبي جعفر الباقر أو غيره من أئمة أهل البيت فهو محمول على ان الآية تشملهم كما تشمل غيرهم إذ لا دليل على تخصيصها بهم وحدهم، فقد روى ابن جرير أيضاً فيما رواه في تفسير هذه الآية عن عبد الرحمن بن زيد ابن أسلّم قال: الذكر القرآن فأهل الذكر هم أهل القرآن، واستدل على ذلك بقوله تعالى: {إنا نحن نزّلنا الذكرو إنا له لحافظون} فهذا يمكن أيضاً أن يحتج به أحد على أن أهل الذكر هم أهل القرآن ولكنا نقول أن لا تعارض بين ذلك أبداً إذ معنى كل هذا ان الآية تشمله لا انها سبب نزوله ومقصودها في سياق الآيات، وهذا مهم ويتكرر كثيراً في التفريق بين سبب نزول الآية وبين الأمور التي تدخل في لفظها وتشملها، والله الموفق للصواب.

قوله: (و المؤمنون الذين قال: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم)

قلت: أفتراهم هم وحدهم المؤمنين دون سواهم؟ أفتراهم وحدهم المتبعون للرسول دون سواهم حتى تقصر لفظ الآية عليهم؟ هذا لعمري من أفسد الإستدلالات، بل يمكن للمنازع له ان يستدل بها أيضاً أو بمثلها، ثم ان قوله تعالى {و يتبع غير سبيل المؤمنين} ملازم للصفة التي قال عنها {و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} فصارت كلاهما شيئاً واحداً وهو مشاققة الرسول صَلّى الله عليه وسلّم والإبتعاد عن شرعه.

وبعد ذلك لا يتم الإستدلال بها وهي بهذا المعنى، فكأنه يريد أن يستدل على أهل السّنّة بقوله تعالى- مثلا- {و من يعصِ الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها} فمن قال ان أهل السّنّة عاصون لله ورسوله؟ وهكذا هنا أيضاً من قال انهم مشاقّون للرسول ومتّبعون غير سبيل المؤمنين؟ وبهذا يتبين وجه فساد احتجاجه بهذه الآية. أما عزوه- في الهامش- لابن مردويه في تفسير الآية ان المراد بمشاقة الرسول هنا إنما هي المشاقة في شأن عليّ وان الهدى في قوله {من بعد ما تبين له الهدى} إنما شأنه عليه السّلام، فهذا مما لا سبيل له إلى إثباته والا فيذكر لنا موضعه وليسق لنا سنده، ويبدو انه لا يستحي من الكذب فتفسير ابن مردويه لم يطبع إطلاقاً ولا يمكن الوصول اليه عن طريق التفاسير الأخرى وحتى هذه لا تغني شيئاً ان لم تورد مع ما تنقله منه الإسناد الذي رواه به ابن مردويه، فإن كان هذا ما فعله الموسوي هنا فلم يبين من أين نقل ما نقله وعزاه لابن مردويه، أيستحي من ذلك فكتمه؟ أم هو التدليس والغش والإيهام كما هو شأنه مطلقاً؟

وهذا أيضاً على ما زعم من إخراج العياشي (؟) في تفسيره، مع انه من تفاسير الشيعة لا أهل السّنّة وقد جاء في سبب نزول هذه الآية مع آيات اخر خلاف ذلك، وهو الثابت في تفسيرها، فقد جاء في سبب نزول الآيات (105- 116) من سورة النساء، ومن قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً} إلى قوله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشركَ به ويَغفرُ ما دون ذلكَ لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً} اي بعد الآية المذكورة بآية، ما أخرجه الترمذي (3/ 93) والحاكم (4/385- 388) وابن جرير (5/ 82- 84) وغيرهم انها نزلت في سارق بني أبيرق واسمه بشير، في سياق طويل فيه أنه سرق واتهم رجلاً بريئاً من المسلّمين بتلك السرقة حتى نزل القرآن بتبرئته وبيان الحق في ذلك، وقال في آخر الحديث: (فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه هرب إلى مكة مرتداً، فنزل على سلافة بنت صعد فجعل يقع في النبي صَلّى الله عليه وسلّم وفي المسلّمين، فنزل فيه: {و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولّى ونصله جهنم وساءَت مصيراً. إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً} وهجاه حسّان بن ثابت رضي الله عنه) إ. ه. وقال الحاكم صحيح على شرط مسلّم. والحاكم ممن احتج به هذا الموسوي كما مرّ فيما سلف، فما باله أعرض عنه هنا؟

قوله: (و الهداة الذين قال: إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) وقال في الهامش (17 / 63): (أخرج الثعلبي في تفسير هذه الآية من تفسيره الكبير عن ابن عباس قال: (لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يده على صدره وقال: انا المنذر وعلي الهادي، وبك يا عليّ يهتدي المهتدون. وهذا هو الذي أخرجه غير واحد من المفسرين وأصحاب السنن عن ابن عباس) إ. ه. 

قلت: هذا فيه كذب على أصحاب السنن فلم يخرجه أحدٌ منهم، وهذا اللفظ عندما يطلق يراد به اصطلاحاً أصحاب السنن الأربعة: أبو دأود والترمذي والنسائي وابن ماجة.

والحديث الذي ذكره أخرجه الطبري في تفسيره (13/ 63) من طريق الحسن بن الحسين الأنصاري ثنا معاذ بن مسلّم ثنا الهروي عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

وأخرجه من حديث ابن عباس أيضاً الديلمي في (مسند الفردوس) (103) بلفظ (أنا النذير وعلي الهادي. . .) لكنّه لم يسق له إسنادا فلا يصح العزو اليه بمفرده.

وقال ابن كثير في التفسير (2/ 502): (و فيه نكارة شديدة) قلت: وذلك في سنده ومتنه.

أما سنده ففيه:

1-         الحسن بن الحسين الأنصاري وهو العرني، قال ابن أبي حاتم: لم يكن بصدوق عندهم كان من رؤساء الشيعة، قلت فلا يحتج به بعد ذلك في مثل هذا الخبرو كما هو معروف عند أهل المصطلح، وقال عنه ابن حبان: يأتي عن الاثبات بالملزقات ويروي المقلوبات.

2-         معاذ بن مسلّم: مجهول كما قال الذهبي في (الميزان) وجهالته هذه هي جهالة عين، وهي أشد ضعفا من جهالة الحال بل ومن مرتبة (الضعيف)، أنظر مقدمة (تقريب التهذيب).

وأشار الذهبي في ترجمته إلى حديثه هذا وقال: خبر باطل.

3-                     الهروي: لم يتبين لي من هو ولم أجد من يلقب بذلك سوى أبي زيد الهروي وإسمه سعيد بن الربيع وهو أقدم شيخ للبخاري ولا أظنه هو إذ بين وفاته ووفاة عطاء بن السائب- شيخه في هذا الإسناد- خمس وسبعون سنة. وقد ذكر الذهبي في ترجمة الحسن بن الحسين الآنف الذكر

من الميزان هذا الحديث باسناده لكنّه أسقط الهروي وجعله من رواية معاذ ابن مسلّم عن عطاء بن السائب وأعاده أيضاً في ترجمة معاذ بن مسلّم، فالله أعلم.

4-         عطاء بن السائب: اختلط وساء حفظه بآخره ولم تصح رواية أحد عنه قبل الإختلاط سوى سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وأيوب وزائدة وزهير، وجميعهم ليس لهم ذكر في إسنادنا هذا.

هذه أربع علل في إسناد الحديث تكفي كل واحدة منها لإسقاط الإحتجاج بأي حديث وعدم الأخذ به، فكيف اذا انضم بعضها إلى بعض؟ وأشدها جهالة معاذ بن مسلّم، فالحديث بهذه لا شك في بطلانه ونكارته.

وبعد هذا يتبين لك خطأ الحافظ ابن حجر في تحسين هذا الإسناد في (الفتح) (8/479) إذ ذكر هذا الحديث وحسن اسناده، وما فعل شيئاً- رحمه الله- ولا أظنه أنتبه إلى ما في سنده من العلل، وقد خالف في ذلك كلاًّ من شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن كثير، والحافظ الذهبي رحمهم الله جميعاً، وفوق كل ذي علم عليم.

وأما النكارة التي في متنه فقد بينها شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج النسة) في معرض ردّه على ابن المطهر الحلي لما استشهد بهذا الحديث فقال- (المنتقى) (ص461)-: (. . . ولا تحل نسبته إلى الرسول وفان قوله وأنت الهادي وما بعده ظاهره انهم يهتدون بك دوني، وهذا لا يقوله مسلّم، وان قلت معناه يهتدون به كهدايتهم بالرسول اقتضى المشاركة، والله بنص كتابه قد جعل محمّداً هادياً فقال: {و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم} وقولك (و بك يهتدون المهتدون) ظاهره ان كل مسلّم اهتدى فبعليّ اهتدى. وهذا كذب فان محمّداً صَلّى الله عليه وسلّم قد اهتدى به أمم ودخلوا الجنة ولم يأخذوا عن علي مثله، ثم لما فتحت الأمصار اهتدى الناس بمن سكنها من الصحابة وعلي مقيم بالمدينة لم يروه، فكيف يسوغ أن يقال (بك يهتدي المهتدون)؟ ثم قوله تعالى (و لكل قوم هاد) عام في كل الطوائف، فكيف يجعل عليا هاديا للأولين والآخرين؟ ثم الإهتداء بالشخص قد يكون بغير تأمّره عليهم كما يُهتدى بالعالم، فدعواك دلالة القرآن على عليّ باطل) أنتهى. .

قوله:)أليسوا من الذين أنعم الله عليهم وأشار في السبع المثاني والقرآن العظيم اليهم، فقال: إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم) إ. ه. 

قلت نعم هم من الذين أنعم الله عليهم وأشار اليهم في سورة الفاتحة كما أشار إلى غيرهم من سلف هذه الأمة الصالحين فهمن من المقصودين بهذه الآية لا إنهم وحدهم المعنيون بها، يدلك على ذلك قوله {غير المغضوب عليهم ولا للضالين} وقد فسّرها رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم باليهود والنصارى، فبان بذلك ان الذين أنعم الله عليهم هم من هذه الأمة جميعاً ولا دليل على تخصيصها بهم، وما ذكره في الهامش (18/ 64) معزوا للثعلبي في تفسيره فهو فضلا عن عدم تحقق ثبوته لعدم معرفة إسناده- خصوصاً والثعلبي قد حوى نفسيرهُ كثيراً من الموضوعات كما فصلنا ذلك سلفاً- لا يدل على مطلوبه بتخصيص الآية بأهل البيت ذلك أنها نصوص عامة تفيد شمول الآية لهم لا أنها فيهم وحدهم.

وكذا ما ذكره عن ابن عباس- زاعماً انه من تفسير وكيع بن الجراح ولا أدري من أين نقله- في قوله تعالى {إهدنا الصراط المستقيم} قال: قالوا أرشدنا إلى حب محمّد وأهل بيته، فهذا على فرض ثبوته لا يدل على مطلوبه من الإمامة والولاية كما لا يخفى ولا يرد علينا، فنحن نقول بوجوب محبة محمّد صَلّى الله عليه وسلّم وأهل بيته وان الآية تشملهم لكن ننازعه في قصر الآية عليهم وحدهم. ثم ان هذا التفسير لا يثبت عن ابن عباس، ففي سنده الذي ساقه هو السدي وهو إسماعيل بن عبد الرحمن وهو من رجال مسلّم، ولكن في حفظه ضعف ورمي بالتشيّع، ومسلّم لم يحتج به في شيء من فضائل علي وأهل البيت لأجل تشيعه كما هو مقرر عند أهل الحديث، فكما لا يحتج بالناصي- وهو الذي يبغض علياً وأهل البيت- وإن كان ثفة في شيء مما فيه تخطئة لعليّ فكذا لا يحتج بالشّيعين إن كان ثقة في شيء من فضائل علي وأهل البيت، ثم انا حتى لو أعرضنا عن هذه القاعدة الحديثة، فان للسدي هذا شأناً خاصاً في ما رواه من التفسير فقد حكي عن الإمام أحمد انه قال عنه: (و انه يحسن الحديث إلا ان هذا التفسير الذي يجيء به قد جعل له اسنادا واستكلفه). وقيل للشعبي: ان السدي قد أعطي حظا من علم القرآن. فقال: (قد أعطي حظاً من جهل القرآن)- أنظر ترجمته في (التهذيب)- فهذه حال ما ساقه مما ظن انه دليل له، اما معنى الصراط المستقيم فقد مر بنا حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه عند تعقيبنا على استشهاده بقوله تعالى {و أنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه . . . } وفيه المثل الذي ضربه رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم للإسلام فقالِ: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً . . .).

ثم قد ذكرنا في كلامنا على (حبل الله المتين) ما روي عن عليّ رضي الله عنه نفسه في صفة القرآن: (. . . فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم . . .) فهذا هو تفسير علي رضي الله عنه للصراط المستقيم، أتراه يردّه؟

وقد ذكر الإمام الطبري في تفسير سورة الفاتحة من تفسيره، وكذا الإمام ابن كثير عدة آثار عن الصحابة والتابعين في تفسير الصراط المستقيم بأنه الإسلام، وبعضها عن ابن عباس- بسند صحيح- وأخرى عن طريق السدي الذي المذكور آنفاً أيضاً فليس ما ذكره واستدل به- على فرض ثبوته- بأولى بالقبول مما ذكرناه. بل لا بل فسره أبو العالية والحسن البصري بالنبي صَلّى الله عليه وسلّم وصاحبيه من بعده- أبي بكر وعمر- ولا منافاه بين هذه الأقوال، كما قال ابن كثير (1/28): (وكل هذه الأقوال صحيحة وثابتة ومتلازمة، فإنّ من اتبع النبيَّ صَلّى الله عليه وسلّم واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضا) إ. ه.

قلت: وأوضح من ذلك تبيينه سبحانه وتعالى في كتابه للصراط المستقيم فقال: {و إنّك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم} إذا فالصراط المستقيم المعنيّ في سورة الفاتحة هو طريق النبي صَلّى الله عليه وسلّم وسنته بدليل قوله تعالى هذا، ولم يذكر فيه أحداً لا أهل البيت ولا غيرهم . . .

قوله: (و قال: أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين) وقال في الهامش (19/ 64): (أئمة أهل البيت من سادات الصديقين والشهداء والصالحينت بلا كلام) إ. ه.

فقلت: وهذا أيضاً لا ننازع فيه بل في قصر الآية عليهم، مع عدم وجود دليل خاص بهم في هذه الآية. وقد ورد في سبب نزولها ما أخرجه ابن مردويه والحافظ أبو عبد الله المقدسي في (صفة الجنة) والطبراني- كما في (تفسير ابن كثير) (1/ 495) و(أسباب النزول) للسيوطي (2/ 57)- وأخرجه أيضاً الواحدي في (أسباب النزول) (ص123) باسناد لا بأس به- كما قال الحافظ المقدسي- أن رجلا جاء إلى النبي صَلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله إنك لأحب اليّ من نفسي وأحب الي من أهلي وأحب الي من ولدي، واني لأكون في البيت فاذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، واذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك اذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وان دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي صَلّى الله عليه وسلّم حتى نزلت عليه {و من يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً} ثم ان الله سبحانه وتعالى قال: {و من يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين . . . } الآية.

فحتى لو كان المقصود بهم أئمة أهل البيت وحدهم فقد اشترط الله سبحانه وتعالى لمرافقتهم في الجنة طاعة الله وطاعة رسوله فقط لا غيرها، ولم يشترط طاعتهم هم، فما أجهله باستدلاله بهذه الآية فهي دليل عليه لا له، فانهم لم ينالوا ما نالوه إلا باتباعهم سنة الرسول صَلّى الله عليه وسلّم فأصبحوا بتلك المنزلة، ثم أرشد الله سبحانه من يريد اللحاق بهم إلى الإقتداء بالنبي صَلّى الله عليه وسلّم حتى يكون معهم.

قوله: (ألم يجعل لهم الولاية العامة؟ ألم يقصرها بعد الرسول عليهم؟ فاقرأ: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون} وقال في الهامش (20/ 64): (أجمع المفسرون- كما اعترف به القوشجي وهو من أئمة الأشاعرة في مبحث الإمامة من شرح التجريد- على ان هذه الآية إنّما نزلت في عليّ حين تصدق راكعا في الصلاة. وأخرج النسائي في صحيحه نزولها في علي عن عبد الله بن سلام . . . الخ}

قلت: وقد أعاد هذا الموسوي الاستدلال بهذه الآية- بالتفصيل- في (المراجعة-40-) من كتابه (ص178- 180) وقال: (و الصحاح- في نزولها بعليّ إذ تصدق بخاتمه وهو راكع في الصلاة- متواترة عن أئمة العترة الطاهرة، وحسبك مما جاء نصا في هذا من طريق غيرهم حديث ابن سلا م مرفوعا إلى رسول الله صَلّى الله عليه وآله وسلّم، فراجعه في صحيح النسائي أو في تفسير سورة المائدة من كتاب الجمع بين الصحاح الستة. ومثله حديث ابن عباس، وحديث علي مرفوعين أيضا. فراجع حديث ابن عباس في تفسير هذه الآية من كتاب أسباب النزول للواحدي، وقد أخرجه الخطيب في المتفق، وراجع حديث عليّ في مسنديّ ابن مردويه وأبي الشيخ، وان شئت فراجعه في كنز العمال. على أن نزولها في علي مما أجمع المفسرون عليه، وقد نقل إجماعهم هذا غير واحد من أعلام السنة كالامام القوشجي في مبحث الامامة من شرح التجريد، وفي الباب (18) من غاية المرام (24) حديثا من طريق الجمهور في نزولها بما قلناه، ولولا مراعاة الاختصار وكون المسألة كالشمس في رائعة النهار لاستوفينا ما جاء فيها من صحيح الأخبار ولكنّها والحمد لله مما لا ريب فيه ومع ذلك فانا لا ندع مراجعتنا خالية مما جاء فيها من حديث الجمهور، مقتصرين على ما في تفسير الامام أبي إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي، فنقول: أخرج عند بلوغه هذه الآية في تفسير الكبير بالإسناد إلى أبي ذر الغفاري قال: سمعت رسول الله صَلّى الله عليه وآله وسلّم بهاتين والا صمَتا ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول: (علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله)، أما اني صليت مع رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم ذات يوم فسأل سائل المسجد . . . الحديث. 

قلت: ذكره اجماع المفسرين على ذلك من أعظم الدعأوي الكاذبة، بل أجمعوا على أنها لم تنزل في علي بخصوصه وان الخبر كاذب، كما سنبينه. وقبل الكلام عليه لا بد من التنبيه على ما في كلامه من الجهل والتدليس بل والكذب، فبالاضافة إلى ادعائه اجماع المفسرين على ذلك وهذه كتب التفسير جميعا تحكي كذبه في ذلك، ومن ذكرها منهم فإنما ذكرها لتبيين خطئها، أقول بالاضافة إلى ذلك جهله في تسمية كتب الحديث؛ مثل تسميته لسنن النسائي (صحيح النسائي) أو انه قال ذلك عمداً تدليساً منه لتقوية كلامه بالباطل، والا فلا يقول كلامه هذا رجل نظر في كتب الحديث فضلا عن دراستها، ثم ان حديث عبد الله بن سلام الذي ساقه ليس هو عند النسائي في سننه الصغرى المطبوعة والمعروفة بالمجتبى، أما سننه الكبرى فلم تكن مطبوعةً في حينها ولا أظنه إلاّ أراد الأولى بقرينة كتاب (الجمع بين الصحاح الستة)، ثم هذا الكتاب الاخر لم يبين ما هو ولمن هو ويمكننا الاستغناء عنه بكتاب (التاج الجامع للأصول) وهو يجمع أحاديث خمسة كتب، وهي الصحيحين وسنن أبي دأود والترمذي والنسائي. ولم يذكر فيه هذا الحديث أيضاً مما يبين كذبه في نسبته للنسائي والا لو كان صادقاً لذكر لنا اسناده وفي أي موضع هو من (سنن النسائي) أو (صحيح النسائي) كما سمّاه. وهذا الرجل ممن يحكم هواه حتى في حكمه على الأحاديث وعلى كتب الحديث فلو رأى في سنن النسائي حديثا لا يرضاه أو يخالف هواه لسمّاه ربما كتاب الموضوعات للنسائي إمعانا في تشويه الحقائق ثم انظر إلى طريقته القاصرة في تخريج الأحاديث إذ يذكر مخرجها ولا يذكر موضعها من الكتاب ولا يسوق اسنادها ايضا، وهو انما يأتي بها اعتمادا على كتب أخرى ولا يصرح بذلك، بل ربما عزا الحديث إلى مخطوطة لم تطبع ولا يدري ما يصنع، كما فعل في عزوه حديث عليّ إلى سندي ابن مردويه وأبي الشيخ، وإنّما نقل ذلك- في الغالب- من كتاب (الدر المنثور) للسيوطي كما سنبينه في موضعه، ثم ان السيوطي لم يسمّه مسند ابن مردويه ولا يعرف بذلك والله أعلم وانما هو (تفسير ابن مردويه) وغير ذلك من تخريجاته، ذلك انه لا يهتم باسناد ما يسوقه وانما يكتفي عنده في صحته انه يوافق مطلبه، وربما يحذف حتى تضعيف مخرجه له أو صاحب الكتاب الذي ذكره، كما مر بنا سابقاً في نقله من كتاب (كنز العمال) أو (منتخب كنز العمال) وكما سيأتي بإذن الله، وحتى الحديث الذي ساقه بتمامه- حديث أبي ذر- وعزاه للثعلبي في تفسيره انما نقله- بلا شك- عن سلفه ابن المطهر الحلي إذ ذكره بنفس هذا اللفظ وبنفس التخريج القاصر فرد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية فجزاه الله خيراً، وإلا فليذكر لنا موضعه وإسناده ان كان صادقا هو أو من ينتحل نحلته، وقد قدمنا أنّ تفسير الثعلبي لم يُطبع!

ثم دعواه ان هناك (24) حديثاً من طريق الجمهور- كذا قال- في نزولها بذلك لا يختلف عن ما سبق من إدّعاءاته الباطلة التي لا أساس لها من الصحة والا فليذكرها وهو في موضع خصومة ومراجعة وأحوج إلى ذكرها تدعيماً لقوله، فعلم بذلك كدبه وأكثر ما وجد في ذلك مع الآثار المروية فيها لا يبلغ نصف هذا العدد وقد اسقصاها السيوطي في (الدرّ المنثور) وفي (أسباب النزول) أيضاً، وهذا الرجل ممن يعد الحديث الواحد حديثين إذا تكرر ذكره في موضعين بنفس اللفظ وبنفس الإسناد، كما مر بنا في حديث أبي سعيد الخدري في المراجعة (8) صفحة (49) هامش (3)، مما يؤيد انه لا ينظر في إسناد الحديث، وإن نظر فلا يعره اهتمامه، بل همّه ذكر ما يهواه بأي شكل كان، وهذا لعمري هو الجهل بعينه، وهذا أوان الكلام على ما ادعاه في سبب نزول هذه الآية {إنما وليكم الله ورسوله. . . } الآية وما ساقه من الأحاديث وغيرها في ذلك فأقول:

أمّا زعمه رواية عبدالله بن سلام في حديثه لهذه القصة فباطل لأن ابن سلام ليس له مثل هذا الحديث لكن جاء ذكره في حديث ابن عباس في هذه القصة وانه السبب في ذلك، وليس هو من روايته بل من رواية ابن عباس فظنه الجاهل انه حديث ينسب إلى ابن سلام، أو انه تعمد ذلك رغبة في تكثير عدد الأحاديث التي يحتج بها، ثم ان عزوه للنسائي باطل أيضا- كما قدمنا- ونحن نطالبه أو من ينوب عنه بموضعه واسناده، وهو حتى لم يذكره سلفه ابن المطهر الحلي وهو أحوج ما يكون اليه وأما حديث ابن عباس هذا- الذي فيه ذكر ابن سلام- فقد أخرجه ابن مردويه- أنظر (تفسير ابن كثير) (2/ 68)، (الدر المنثور) (3/105- 106) (أسباب النزول- للسيوطي) (ص73)- والواحدي في (أسباب النزول) (ص148- 149) من طريق محمّد بن مروان- وهو السدي الصغير- عن محمّد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (أتى عبد الله بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبيّ الله صَلّى الله عليه وسلّم عند الظهر، فقالوا: يا رسول الله إن بيوتنا قاصرة لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد، وإنّ قومنا لما رأونا قد صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم أظهروا العدأوة وأقسموا أن لا يخالطونا ولا يؤاكلونا فشقّ ذلك علينا، فبينا هم يشكُون ذلك إلى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم إذ نزلت هذه الآية على رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا . . . } ونودي بالصلاة صلاة الظهر وخرج رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فنظر سائلاً فقال: أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم خاتم من ذهب. قال: مَن؟ قال: ذاك الرجل القائم- قال: على أي حال أعطاكه؟ قال: وهو راكع. قال: وذلك عليّ بين أبي طالب، فكبّر النبيّ صَلّى الله عليه وسلّم ثم قرأ: {و من يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون} إ. ه.

وهو حديث موضوع مكذوب بلا شك في اسناده كذّابان؛ الأول محمّد بن مروان السدي الصغير وهو متّهم بالكذب، والآخر محمّد بن السائب الكلبي وهو متهم بالكذب أيضاً، راجع (تقريب التهذيب). وأخرجه من حديث ابن عباس أيضاً الخطيب في (المتفق)- (الدر المنثور) (3/ 104) (منتخب كنز العمال) (5/ 38)- وليس هناك ما يدل على إسناده سوى ما ذكره صاحب المنتخب من أن فيه المطلب بن زياد، قال أبو حاتم: لا يُحتج به، وقال ابن سعد: ضعيف، فلا حجة فيه ذلك لعدم معرفة إسناده بالكامل أولا ولتيقن الضعف فيه ثانياً. هذا وقد نقله صاحبنا من (منتخب كنز العمال) ولم يذكر الضعف الذي في اسناده، وهو ما نبهنا عليه من تعمده في إخفاء حال ما يسوقه من الأحاديث.

وأخرج حديث ابن عباس أيضاً ابن مردويه- (ابن كثير) (2/68) (الدر المنثور) (3/105) من طريق الثوري عن أبي سنان عن الضحاك عن ابن عباس به. وقال ابن كثير: (الضحاك لم يلقَ ابن عباس) قلت: وهو الضحاك بن مزاحم وليس له رواية عن أحد من الصحابة فالحديث على هذا منقطع ضعيف لا يدري ممن أخذه الضحاك ونسبه إلى ابن عبّاس، وقد أنكر الضحاك نفسه أنه لقي ابن عباس، كما في (المراسيل) لإبن أبي حاتم (ص63). هذا فيما بدا لنا من إسناده من الثوري فصاعداً، أما فيما بين ابن مردويه إلى الثوري فلا نعلم عنه شيئاً وربما فيه علّة أخرى توجب ضعفه، ولا يغفلنّ أحد عن ان من شروط صحة الحديث اتصال سنده وخلوه من الانقطاع وهو ما لم يتوفر هنا.

وروى حديث ابن عباس أيضاً عبد الرزاق- (ابن كثير) (2/68)، (الدر المنثور) (3/105)، (أسباب النزول- السيوطي) (ص73)- من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن ابيه عن ابن عباس. قال ابن كثير: (عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به)، قلت: قال عنه الحافظ في (التقريب): متروك، وكذبه الثوري إ. ه. وقال النسائي ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ترك حديثه. . فهو خبر موضوع إذن. .

وبالإضافة إلى ابن عباس فقد روي هذا الحديث من طريق غيره، قال ابن كثير في (التفسير) (2/ 68): (ثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه وعمار بن ياسر وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها) إ. ه.

قلت: وعزاه السيوطي أيضاً في (الدر المنثور) (3/105) لأبي الشيخ وابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب. وهو الذي نقله هذا الموسوي وأعرض عن ما قاله الحافظ ابن كثير في إسناده. ويكفينا ذلك في رده، وإلا فليأتنا بإسناده وموضعه ان كان صادقا، وأنى له ذلك؟ بل حتى لو لم يقل ذلك عنه ابن كثير فلا يمكن الإحتجاج بمثل دون معرفة إسناده، فلا يكفي في صحة الحديث وجوده في أي كتاب حتى ننظر في إسناده، اللهم إلاّ ما كان من شأن الصحيحين. وبخلاف ما قلناه يكون كمن يحطب بليل يحمل حزمة الحطب ولا يعلم بالأفعى التي فيها.

وأما حديث عمار بن ياسر فقد أخرجه بالإضافة إلى ابن مردويه، الطبراني في (الأوسط)- (الدر المنثور) (3/105)، (أسباب النزول- السيوطي) (2/73)- وقال السيوطي: بسند فيه مجاهيل قلت: وهو يقول ذلك رغم تساهله في التصحيح مما يعرف عنه، ولم يكتف بمجهول واحد بل مجاهيل مما يزيد توهين الحديث.

وأما حديث أبي رافع فبالإضافة إلى ابن مردويه أيضاً أخرجه الطبراني في (الكبير) (955)، وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (3/106) لأبي نعيم. وإسناده ضعيف جداً، بل منكر فيه محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع، قال الحافظ في (التقريب) ضعيف، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جداّ ذاهب. وقال الدارقطني: متروك. . وفي إسناده أيضاً يحيى ابن الحسن بن فرات ولم أجد له ترجمة. ثم ان عند بعض رجال إسناده تشيع فلا يقبل خبرهم في فضائل علي رضي الله عنه.

بقي من الأحاديث التي ساقها حديث أبي ذر عند الثعلبي في (تفسيره) ولم يذكر إسناده عمداً في إخفاء ضعفه ولا يمكننا الإعتماد على وجوده فقط دون النظر في إسناده خصوصاً وقد بينن مما سقناه عن ابن عباس وغيره انه مع وجوده وذكره في الكتب ففي إسناده أناس متهمون بالكذب، وخصوصاً قد قدمنا حال الثعلبي وتفسيره وكثرة روايته الموضوعات.

ثم نحن نرد على حديثه بما رد به شيخ الإسلام إبن تيمية على ابن المطهر الحلي في (منهاج السنّة) وقد ساق نفس الحديث وبدون إسناد أيضاً، فقال شيخ الإسلام- (المنتقى) (ص437)-: (. . . وإن الخبر كاذب، وفي تفسيره الثعلبي من الموضوعات ما لا يخفى، وكان حاطب ليل، وكذا تلميذه الواحدي). قلت: ومصداق ذلك عن الواحدي ما سبق من حديث ابن عباس الذي رواه هو في سبب نزول هذه الآية، وهو مكذوب كما مرّ.

ثم قال شيخ الإسلام في رده (ص437): (ثم هبك اعتضدت بالثعلبي فقد نقل الثعلبي عن ابن عباس قال: إنها نزلت في أبي بكر. ونقل عن عبد الملك قال: سألت أبا جعفر الباقر عن الآية فقال: هم المؤمنون، قلت: فإن أناساً يقولون هو عليّ، فقال علي من الذين آمنوا. وعن الضحاك مثله. وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال: كل من أسلّم فقد تولّى الله ورسوله والذين آمنوا. ثم نعفيك من ادعائك الإجماع ونطالبك بسند واحد صحيح.) إ. ه.

قلت وصدق شيخ الإسلام، وها نحن نقول لكلّ من ينتحل نحلته: نعفيكم من ادعائكم الإجماع ونطالبكم بإسناد واحد صحيح يثبت ذلك.

وهناك آثار في ذلك يمكن أن يستدل بها وإن كان لم يذكرها لكننا نشير اليها حتى نبين ما فيها وهي كلها بين ضعيف لا يثبت عن قائله إلى قول ليس بحجة في ذلك عند أحد كقول سلّمة بن كهيل والسدّي، وإلى قول غير صريح في ذلك كقول عتبة بن حكيم- أو ابن أبي حكيم- عن المقصودين في الآية، قال: هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب. وأخرج الطبري في (تفسيره) (6/180) من طريق غالب بن عبيد الله عن مجاهد به. وغالب هذا متروك الحديث كما قال أبو حاتم والنسائي، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بثقة. .

وحتى لا يحتج أحد بهذه الآثار على مطلوبه الباطل نقول قد جاءت آثار أخرى في المعنيين بالآية تخالف هذه الآثار وليست هذه بأولى بالقبول من تلك.

فمن ذلك ما أخرجه ابن جرير (6/180)، وابن أبي حاتم- (الدر المنثور) (3/104)- عن عطية بن سعد قال: نزلت في عبادة بن الصامت {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا. . . } الآية.

وأيضاً تلك الآثار التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا كله يبين كذب هذا الموسوي في ادعائه الإجماع على ذلك.

ومنها أيضاً ما أخرجه ابن جرير (6/180)، وابن أبي حاتم- (تفسير ابن كثير) (2/68)، (الدر المنثور) (3/106)- من طريق علي بن أبي طلحة الوالي عن ابن عباس في هذه الآية قال: يعني من أسلّم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا.

وقاصمة الظهر بالنسبة لهذا الموسوي التي يخالف فيها أصله ومذهبه ماروي عن أبي جعفر الباقر فيما أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر- (الدر المنثور) (3/106)- أنه سئل عن هذه الآية من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا، قيل له: بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب، قال: علي من الذين آمنوا، وأخرجه أيضاً أبو نعيم في (الحلية) (3/185) عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: (سألت أبا جعفر محمّد بن علي عن قوله تعالى {إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا . . . } الآية قال: أصحاب محمّد صَلّى الله عليه وسلّم، قلت: يقولون عليّ؟ قال: عليّ منهم). قلت: وإسناده صحيح إلى أبي جعفر لولا شيخ أبي نعيم وهو أبو حامد بن جبلة فلم أجد له ترجمة.

هذا هو ما جاء في سبب نزول هذه الآية مما يوافق ما قاله، وأنت ترى أن ليس فيها ما يمكن الإعتمادعليه فهي كلها من طريق مكذوب أو منكر أو ضعيف أو منقطع، علأوة على ما جاء في سبب نزولها مما يخالف ما قاله تماماً مع رجحان صحتها عليه. .

وقد سقت جميع الطرق التي ذكرها أو أشار اليها وزدت عليها غيرها، وهي جميعها لا تغني في ميزان الحق شيئاً. لكن أضيف هنا أن حديث عبد الله بن سلام الذي أشار اليه ورددنا عليه في بداية كلامنا هذا رأيت الفخر الرازي قد ذكره في (تفسيره) (12/28) مختصرا ودون الكلام على إسناده طبعاً وحتى دون أن يذكر من أخرجه، ولا أظن ذلك يغير من كلامنا عليه شيئاً من أنه في الحقيقة من حديث ابن عباس لكن جاء فيه ذكر ابن سلام، وإلا ان كان غيره فلا حجة فيه أيضاً لعدم معرفة مخرجه أولا، واسناده ثانيا مع القطع انه ليس عند النسائي كما زعم. .

وبعد ان أنتهينا من الكلام على طرق هذه القصة وأسانيدها في سبب نزول هذه الآية وبينا كذبها لا بد من التعريج ولو بشيء بسيط على وجه استدلاله بها وبلفظ الآية وبيان ان ذلك غير ممكن ولا يحتمله لفظ الآية، لكن قبل ذلك نذكر وجه رد هذه القصة من لفظها ومتنها وما فيه من النكارة. وما في لفظ الآية مما يمنع استدلاله بها على مطلوبه. مستفيدين ذلك من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على ابن المطهر احلي في (منهاج السنّة) وراجع أيضاً (المنتقى من منهاج الإعتدال) (ص437- 439) ومن كلام غيره من المفسرين فنقول:

(الوجه الأول): قال شيخ الإسلام (437): (و لو كان المراد بالآية ان يؤتي الزكاة في حالة الركوع لوجب أن يكون ذلك شرطاً في الموالاة ولا يتولى إلا علياً فقط، فلا يتولى الحسن ولا الحسين)، قلت: يعني لأنهما لم يفعلا ذلك من إتيان الزكاة حال الركوع فمن أين يقال ان الآية تشملهم؟

(الوجه الثاني): ثم قال شيخ الإسلام (437): (و أيضاً فلا يثنى على المرء الا بمحمود، وفعل ذلك في الصلاة ليس بمستحب ولو كان مستحبا لفعله رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم ولحضّ عليه ولكرر عليّ فعله، وان في الصلاة لشغلا فكيف يقال: لا ولي لكم إلا الذين يتصدقون في حال الركوع؟) وقال ابن كثير في (التفسير) (2/71): (و أما قوله {و هم راكعون} فقد توهم بعض الناس ان هذه الجملة في موضع الحال من قوله {و يؤتون الزكاة} أي في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح وليس الأمر كذلك عن أحد من العلماء ممّن نعلمه من أئمة الفتوى) إ. ه. وقال القرطبي في (تفسيره) (6/144): (و يحتمل أن يكون المدح متوجها على اجتماع حالتين كأنه وصف من يعتقد وجوب الصلاة والزكاة فعبر عن الصلاة بالركوع وعن الإعتقاد للوجوب بالفعل، كما نقول: المسلّمون هم المصلّون، ولا تريد انهم في تلك الحال مصلّون ولا يوجّه المدح حال الصلاة، فانما يريد من يفعل هذا الفعل ويعتقده) إ. ه.

(الوجه الثالث): قال شيخ الإسلام: (ثم قوله {و يؤتون الزكاة} يدل على وجود زكاة، وعليّ ما وجبت عليه زكاة قط في زمن النبي صَلّى الله عليه وسلّم فإنّه كان فقيراً، وزكاة الفضة انما تجب على من ملك النصاب حولا وعليّ لم يكن من هؤلاء، ثم إعطاء الخاتم في الزكاة لا يجزي عند الأكثر) وقال أيضاً (ص71): (و في حديثهم انه أعطاه سائلاً والمدح في الزكاة أن يخرجها ابتداءً وعلى الفور). قلت: وأما حمل لفظ (الزكاة) على (الصدقة) فبعيد وخلاف الأصل، قال القرطبي (6/144): (و حمل لفظ الزكاة على التصدق بالخاتم فيه بعد لأن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة المفروضة على ما تقدم بيانه في أول سورة البقرة، وأيضاً فان قبله {و يقيمون الصلاة} ومعنى يقيمون الصلاة يأتون بها في أوقاته بجميع حقوقها، والمراد صلاة الفرض، ثم قال {و هم راكعون} أي النفل) إ. ه.

وقال الرازي في (تفسيره الكبير) (12/ 32-33): (و أما استدلالهم بان هذه الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع، فقد بينا ان أكثر المفسرين زعموا ان في حق الأمة- قلت: وهو يردّ ما زعمه هذا الموسوي من إجماع المفسرين على نزولها في علي- والمراد ان الله تعالى أمر المسلّم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلّمين، ومنهم من يقول: إنها نزلت في حق أبي بكر، وأما استدلالهم بأن الآية مختصّة بمن أدى الزكاة في الركوع حال كونه في الركوع، وذلك هو عليّ بن أبي طالب فنقول: هذا أيضاً ضعيف من وجوه. . الأول: إن الزكاة إسم للواجب لا للمندوب بدليل قوله تعالى: {و آتوا الزكاة} فلو أنه أدى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن أول أوقات الوجوب، وذلك عند أكثر العلماء معصية وإنه لا يجوز إسناده إلى علي عليه السّلام. وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أن قوله {و آتوا الزكاة} ظاهره يدل على ان كل ما كان زكاةً فهو واجب، الثاني: وهو ان اللائق بعليّ عليه السّلام أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون في الصلاة، والظاهر أن من كان كذلك فإنّه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير ولفهمه، ولهذا قال تعالى {الذين يذكرون الله قياما وقعوداً وعلى جنوبهم ويفكّرون في خلق السّموات والأرض} ومن كان قلبه مستغرقاً في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير. الثالث: إن دفع الخاتم في الصلاة للفقير عمل كثير واللائق بحال علي عليه السّلام أ، لا يفعل ذلك. والرابع: ان المشهور أنه عليه السّلام كان فقيراً ولم يكن له مال تجب الزكاة فيه. . . إلى آخر كلامه رحمه الله).

(الوجه الرابع): ثم قال شيخ الإسلام (ص437- 438): (ثم إن الآية بمنزلة قوله تعالى {و أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين} وكقوله تعالى {أقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين}).

وقال الرازي (12/28): (و أما قوله {و هم راكعون} ففيه على هذا القول وجوه. . الأول: قال أبو مسلّم: المراد من الركوع الخضوع يعني انهم يصلون ويزكون وهم منقادون خاضعون لجميع أوامر الله ونواهيه. الثاني: أن يكون المراد: من شأنهم إقامة الصلاة، وخصّ الركوع بالذكر تشريفاً له، كما في قوله {و اركعوا مع الراكعين}. الثالث: قال بعضهم: إن أصحابه كانوا عند نزول هذه الآية مختلفين في الصفات منهم من قد أتمّ الصلاة ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعدُ في الصلاة وكان راكعاً، فلما كانوا مختلفين في هذه الصفات لا جرم ذكر الله تعالى كل هذه الصفات) إ. ه.

(الوجه الخامس): قال شيخ الإسلام (ص438): (ثم من المعلوم المستفيض عند المفسرين انها نزلت في النهي عن موالاة الكفار ووجوب موالاة المؤمنين، وسياق الكلام يدلّ على ذلك لمن تدبر، فإنّه تعالى قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنّه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} فهذا نهي عن موالاة اليهود والنصارى ثم قال: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} إلى أن قال: {إنما وليكم الله} فهذا وصف عام للمؤمنين ولا بد، لكن علي وأبو بكر والسابقون أولى الأمة بالدخول فيها، ومن تأمل الحديث ووزنه لاح له كذبه، ولو كان حقا لكان من خذله ومنعه حقه من النصر مخذولين ولم يكن الأمر كذلك بل نصروا وافتتحوا البلاد، فارس والروم والقبط، فالشيعة يدّعون أن الأمة كلها خذلته إلى أن قتل عثمان، ومن المعلوم أن الأمة- إلى أن قتل عثمان- كأنت منصورة نصراً عظيماً لم ينصر بعده مثله أبداً فلما قتل عثمان تفرقت الأمة، فحزب مع علي وحزب عليه وحزب انعزلوا لا له ولا عليه) إ. ه.

قلت: يريد في بداية كلامه هذا ان يبين أن هذه الآية متعلقة بسياق الآيات قبلها وبعدها وقد جاء ذلك مصرحا به في سبب نزول الآيات قبلها - ومعها هذه الآية- فيما أخرجه ابن إسحاق في (السيرة)- أنظر (سيرة ابن هشام) (3/51-53)- أنها نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه حين تبرأ من حلف اليهود ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، إذ قال: (يا رسول الله أبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم) بينما بقي عبد الله بن أبيّ ابن سلول على حلفهم وولايتهم وكان له من حلفهم مثل الذي لعبادة بن الصامت رضي الله عنه، ففي ذلك نزلت الآيات من سورة المائدة {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنّه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين- إلى قوله ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}.

ومثل هذه القصة ذكرها الطبري في (تفسيره) (6/177- 178) أيضاً فراجعها.

وهذا الرجل إنما يذكر هذه الآية يريد أن يستدل بها على ولاية علي رضي الله عنه فقد قال في (المراجعة 40) (ص179- 180) ما نصّه: (تعلم أن الولي هنا هو الأولى بالتصرف كما في قولنا: فلان وليّ القاصر. وقد صرح اللغويون بأن كل من وليَ أمرَ واحدٍ فهو وليّهُ، فيكون المعنى ان يلي أموركم فيكون أولى بها منكم إنما هو الله عزّ وجلّ ورسوله وعليّ، لأنه هو الذي اجتمعت به هذه الصفات الإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حال الركوع، ونزلت فيه الآية، وقد أثبت الله فيها الولاية لنفسه تعالى ولنبيّه ولوليّه على نسق واحد. وولاية الله عزّ وجلّ عامة، فولاية النبي والولي مثلها وعلى اسلوبها، ولا يجوز أن يكون هنا بمعنى النصير أو المحب أو غيرهما إذ لا يبقى لهذا الحصر وجه كما لا يخفى) إ. ه.

قلت: فقد رتّب استنتاجه على مقدمتين؛ الأولى: ما ذكره من إجتماع هذه الصفات في علي رضي الله عنه وهي الإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة حال الركوع ونزول الآية فيه، وفيما تقدم من كلامنا على روايات نزول هذه الآية يتبين لنا بطلان قوله هذا وان قضية إيتاء الزكاة حال الركوع خرافة لا أساس لها من الصحة، وهو فعل أحمق ينزه عنه علي رضي الله عنه، وان رواية سبب نزول الآية في ذلك رواية مكذوبة لا تصحّ، كما تقدّم تفصيل ذلك.

المقدمة الثانية: زعمه أن معنى (الولي) هو (الأولى) وقصره معنى الولي بالمتصرف، وهو تضليل منه فإن (الولي) في اللغة يأتي بمعنى النصر والمحب وسنفصل ذلك في الردّ على المراجعة (38) إن شاء الله وقال شيخ الإسلام (439): (و أما الموالاة فقد قال تعالى: {و إن تظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} فبين الله أن كل صالح من المؤمنين فهو مولى رسول الله، والله مولاه، وجبريل مولاه، وليس في كون الصالح من المؤمنين مولى أن يكون متولياً على رسول الله ولا متصرف فيه، وقال تعالى: {و المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} فكل مؤمن تقي فهو ولي الله والله وليه، قال تعالى {الله ولي الذين آمنوا} وقال: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم}و ما في هذه الآيات ان من كان ولي الآخر كان متوليا عليه دون الناس، والفرق بين الوِلاية- بكسر الوأو- والوَلاية- بفتح الوأو- معروف، فالأمير يسمى ((الوالي)) ولا يسمى ((الوليّ)) واختلف الفقهاء إذا اجتمع في الجنازة الوالي والولي أيهما يقدم؟ فالموالاة ضد المعاداة) إ. ه. وقد ذكر الرازي رحمه الله في (تفسيره الكبير) استشهاد الشيعة بهذه الآية، وبين بطلانه وردّ عليهم في ثمان حجج (12/28- 32) فكان مما قال في معنى (الولي) في الآية: (لم لا يجوز أن يكون المراد من لفظ الولي في هذه الآية الناصر والمحب؟ ونحن نقيم الدلالة على أن حمل لفظ الولي على هذا المعنى أولى من حمله على معنى المتصرف ثم نجيب عمّا قالوه فنقول: الذي يدل على أن حمله على ((الناصر)) أولى وجوه؛ الأول: إن اللائق بما قبل هذه الآية وبعدها ليس إلا هذا المعنى أما ما قبل هذه الآية فإنّه تعالى قال: {يا أيّها الذين آمنوا لا تتّخِذوا اليهود والنّصارى أولياءَ} وليس المراد لا تتخذوا اليهود أئمةً متصرّفين في أرواحكم وأموالكم لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة، بل المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أحباباً وأنصاراً، ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم، ثم لما بالغ في النهي عن ذلك قال: {إنما وليُّكم الله ورسوله والذينَ آمَنوا} الموصفون، والظاهر أن الولاية المأمور بها ههنا هي المنهي عنها فيما قبل، ولما كأنت الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة كأنت الولاية المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة. وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله {يا أيها الذين آمنوا لا تتّخِذوا الذينَ اتّخَذُوا دينَكم هُزُواً ولَعِباً مِنَ الذينَ أوتوا الكتاب مِن قبلكم والكفّار أولياءَ واتّقوا الله إن كنتم مؤمنين} فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء، ولا شك ان الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة، فكذلك الولاية في قوله {إنما وليّكم الله} يجب أن تكون بمعنى النصرة، وكل من أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرتها قطع بان الولي في قوله {إنما وليكم الله} ليس إلا بمعنى الناصر والمحب، ولا يمكن أن يكون بمعنى الإمام، لأن ذلك يكون القاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط ويجب تنزيه الله تعالى عنه.

(الحجة الثانية): انا لو حملنا الولاية على التصرف والامامة لما كان المؤمنون المذكورين في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية لأن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ما كان نافذ التصرّف حال حياة الرسول، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنين موصوفين بالولاية في الحال، أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كأنت الولاية حاصلة في الحال، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف، والذي يؤكد ما قلناه انه تعالى منع المؤمنين من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين، فلا بد وأن تكون موالاة هؤلاة المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي والاثبات متواردين على شيء واحد، ولما كأنت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها) إ. ه.

قلت: وأما اذا ادعى أحد أن الآية دالّة على إمامة علي لكن ليس في حال حياة الرسول صَلّى الله عليه وسلّم بل فيما بعد ذلك فقد أجاب عنه الرازي وقال: (و متى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت) إ. ه.

هذا هو سياق الآية فيما قبلها وبعدها، وقد تقدمت رواية ابن اسحاق في نزولها جميعاً في عبادة بن الصامت. فبعد ذلك تكون دعوى فصل هذه الآية عما قبلها من الآيات من الحماقة والجهل، خصوصا بعد ما ذكرناه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام الإمام الزاري رحمهما الله تعالى في سياق الآيات، فقد ادعى ذلك هذا الموسوي في (المراجعة 44) (ص183) ولم يكتف بذلك بل جعل الآية التي قبلها في علي أيضا، وهي قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين. يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} ونسب قول ذلك إلى عليّ رضي الله عنه نفسه وإلى الباقر والصادق وإلى أخرين غيرهم لكنّه لم يذكر مستنده في ذلك لا موضعه ولا إسناده كعادته في التدليس فيما يسوقه من الأدلة ونحن نطالبه أو من ينوب عنه بذكر إسناد واحد صحيح يؤيد نزول هذه الآية في عليّ، وقد احتج على ذلك بروايته عن أئمة العترة وادعى إجماع الشيعة عليه، ولم يصنع بذلك شيئا فإنّه يستدل بموضع النزاع وهذا ليس من صنيع أهل العلم، فمتى كان قول أئمة العترة المنقول من قبل الشيعة وإجماع الشيعة حجة عندنا حتى يستدل به علينا؟؟

وقد سقنا ولله الحمد في كلامنا على الآية الأولى، وهي قوله تعالى: {إنما وليّكم الله. . . } من النّصوص عن أهل البيت ما ينفي نزولها في عليّ خاصة، مثل ما ذكرناه عن ابن عباس وعن أبي جعفر الباقر. أما في هذه الآية فقد قال الرازي في (تفسيره) (12/22) عن المقصودين بهذه الآية: (فقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم هم الذين قاتلوا أهل الردّة) إ. ه. فهذا ممّا يبين كذبه في ادعائه الإجماع. ثم ان هذه الآية، وهي قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا من يردت منكم عن دينه} من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر رضي الله عنه لأنه هو الذي حارب المرتدين وليس غيره ولا يمكن أن يكون المراد هو الرسول صَلّى الله عليه وسلّم لأنه لم يتفق له محاربة المرتدين، ولا يمكن أيضاً أن يكون المراد هو علي رضي الله عنه لأن عليّا لم يتفق له قتال مع أهل الردة. فان قيل: كل من نازعه الإمامة كان مرتداً- وهو ما يريد قوله هذا الموسوي في كلامه في (المراجعة 44)- قلنا: هذا باطل من وجهين؛ الأول: إن اسم المرتد إنما يتنأول من كان جاحدا للشرائع الإسلامية والقوم الذين نازعوا عليا ما كانوا كذلك- في الظاهر على الأقل- وما كان أحد يقول: إنه إنما حاربهم لأجل انهم مرتدين، وعلي رضي الله عنه نفسه لم يسمّهم مرتدين البتّة، فقد قال صراحة في كتابه إلى أهل الأمصار يقصّ فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين، ، الذي رواه إمام الشيعة محمّد الرضي في (نهج البلاغة) (ص323): (و كان بدء أمرنا انا التقينا القوم من أهل الشام، والظاهر ان ربنا واحد ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا في دم عثمان ونحن منه براء) إ. ه.

وما سوى ذلك مما تقوله الروافض لعنهم الله بهت على جميع المسلّمين وعلى علي أيضا.

الثاني: انه لو كان كل من نازعه في الإمامة مرتدا لزم في أبي بكر وفي قومه أن يكونوا مرتدين، لو كان كذلك لجاء الله تعالى بقوم يحاربونهم ويقهرونهم ويردونهم إلى الدين الحق بدليل قوله {مَن يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم} وكلمة (مَن) في معرض الشرط للعموم- كما قال الرازي- فهي تدل على أن كل مَن صار مرتداً عن دين الإسلام فإن الله يأت بقوم يقهرونهم ويبطلون شوكتهم، فلو كان الذين نصبوا أبا بكر للخلافة كذلك لوجب بحكم الآية أن يأتي الله بقوم يحاربونهم ويظهرون عليهم، ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن الروافض هم المقهورون الممنوعون عن إظهار مقالتهم الباطلة أبدا منذ كانوا، علمنا أن هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهبهم ومقالتهم، وهذا كلام ظاهر لمن أنصف، وثبت بذلك ان منازعة علي في الإمامة لا تكون ردة، واذا لم تكن ردة لم يمكن حملُ الآية على عليّ رضي الله عنه. ثم قد تبين لي أن هذا الموسوي إنما نقل استشهاده بهذه الآية عن سلفه ابن المطهر وعزا نزولها في علي للثعلبي، فرد عليه شيخ الإسلام وبين كذبه فقال (المنتقى) (ص473): (قلنا هذا افتراء على الثعلبي وانما قال الرجل في هذه الآية: فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه. قال علي بن أبي طالب وقتادة والحسن: انهم أبو بكر وأصحابه) إ. ه. فبان بذلك ان الثعلبي نفسه ذكر قول علي رضي الله عنه في نزول هذه الآية في أبي بكر، وثبت بذلك كذب قوله وبطلانه ثم ان هذه الآية يمكن أن يستعملها الخوارج في الطعن بعلي رضي الله عنه، فلهم أن يقولوا ان الله مدح هؤلاء القوم فقال: {أذلّة على المؤمنين أعزة على الكافرين} وأن علياّ لم يكن ذليلاً على المؤمنين بل عزيزاً عليهم فإنّه أول من شهَرَ سيفَه على أهل القبلة وأول من ترك قتال الكفار ولم يحارب أحداً منهم بل حارب المسملين حتى طمع فيهم أعداؤهم من الروم، ولهم أن يقولوا أيضاً ان الله قال: {يجاهدون في سبيل الله } وعليّ إنما كان قتاله من أجل الرئاسة والإمارة وليس في سبيل الله، ولسنا نريد تقرير مذهبهم الباطل بل لبيان ان الخوارج مع انهم مبطلون إلا أن حجتهم في هذه الآية أقوى من الشيعة، وكلاهما قد جانب الصواب، ولا شك أن عليا رضي الله عنه يحب الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله لكن أبا بكر رضي لله عنه مقدم عليه في هذه الآية، مع ان لفظ الآية صيغة جمع يمتنع حملها على واحد فرد، فبطل استدلاله بها من كل الوجوه والحمد لله رب العالمين، كما بطل استدلاله بالآية قبلها لما قررناه من أن معنى الولاية هناك هو النصرة والإعانة للوجوه التي ذكرناه ويضاف اليها أن نقول بأن المؤمنين كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله صَلّى الله عليه وسلّم، فلا فائدة اذاً من ذكره لهم ثانية، وانما ذكر الله تعالى هذا الكلام تطييبا لقلوبهم وتعريفا لهم بأنه لا حاجة بهم إلى اتخاذ الأحباب والأنصار من الكفار واذا كان كذلك كان المراد بقوله {إنما وليّكم الله ورسوله} هو الولاية معنى النصرة والمحبة.

ثم ان عليّاً رضي الله عنه لم يحتج بهذه الآية على إمامته في أي محفل من المحافل مع أنه كان أعرف بمرادها من الروافض فبان بذلك أنه يعلم علما قطعيا أن الآية لا تخصّه بشيء دون أحد، ولا يقال أنه ترك ذلك تقية فإنهم ينقلون عنه أنه تمسّك يوم الشورى- على فرض صحة هذا الخبر- بخبر الغدير وخبر المباهلة وفضائله ومناقبه الأخرى ولم يذكر هذه الآية البتّة، وذلك مما يرد على الشيعة استدلالهم بهذه الآية وقد ذكر نحو هذا الرازي في (تفسيره الكبير).

ومما بقي من الوجوه في الآية مما يمنع حملها على علي رضي الله عنه وحده أن نقول أن لفظ {الذين يقيمون} صيغة جمع فلا تصدق على واحد فرد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، بل جاءت صيغة الجمع في سبعة مواضع، كما قال الرازي، وهي قوله: {و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}، وقال الرازي: (و حمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظيم لكنّه مجاز لا حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة). قلت: ومثله قاله البيضأوي في (تفسيره) (1/272)، ولا يرد هذا ما ذكره هذا الموسوي في (المراجعة 42) (180-182) من جواز إطلاق لفظ الجمع على الواحد فانا لا نمنعه مطلقا في اللغة بل نقول انه جائز لكنّه على خلاف الظاهر، ومعنى ذلك انه لا يصار اليه إلا لقرينة تدل على ذلك وليس اعتباطاً والا لو كان ذلك ممكنا دون قرينة لتعطلت بذلك نصوص كثيرة، وما ذكره من الآيات في إطلاق لفظ الجمع على الواحد لا يدل على قاعدة في ذلك بل هي نصوص خاصة اقترنت بقرينة جعلت المعنيّ بها فرداً واحداً، وأما في هذه الآية فلا دليل له على إرادة الواحد وحتى ما ذكره في أسباب نزولها فهي مكذوبة كما مر، بل هناك ما يبين انها عامة في جميع المؤمنين، وهو قول أبي جعفر الباقر المتقدم ذكره وغيره، لهذا قال القرطبي في (تفسيره) (6/143): (و الذين عام في جميع المؤمين وقد سئل أبو جعفر الباقر عن هذه الآية: من الذين أمنوا؟ قال: الذين آمنوا! قيل له بلَغَنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب. قال: علي من الذين آمنوا. وقال النحاس: وهذا قول بين لأن {الذين} لجماعة) إ. ه.

هذا ما يسّره الله تعالى من الرد عليه في احتجاجه بهذه الآية وما جاء ضمن ذلك، وقد أطلت الكلام عليها مجاراة له في تطويل احتجاجه بها ولأنه عوّل عليها كثيراً في مطلبه الفاسد، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. .

قول: (ألم يجعل المغفرة لمن تاب وآمن وعمل صالحاً مشروطة بالإهتداء إلى ولايتهم إذ يقول: {و إنّي لغفّار لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالحاً ثمّ اهتدَى}) إ. ه. ثم عزاه في الهامش (21/64) إلى كل من ثابت البناني وأبي جعفر الباقر وعلي رضي الله عنه وجعفر الصادق. وهذا كله ليس بحجة لأنه يحتاج إلى إثبات صحة نسبته اليهم أولاً، وإلى أن قولهم حجة في تفسير هذه الآية ثانياً، وكلاهما لا سبيل له اليه خصوصا وقد رأيت الطبري قد روى قول ثابت البناني هذا في (تفسيره) (16/130) بإسناد ضعيف فيه عمر بن شاكر البصري وهو ضعيف كما في (التقريب). أما إن كان قصده في إيراده لهذه الآثار ذكر تفسير الآية فنحن نعارضها بآثار أخرى أصح منها في تفسير هذه الآية، فمن ذلك ما رواه الطبري (16/129) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله {و إني لغفار لمن تاب} من الشرك {و آمن} يقول: وحّدَ الله {وعمل صالحاً} يقول: أدى فرائضي. وروى الطبري أيضاً (16/130) عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله {ثم اهتدى } يقول: لم يشكّك. فهذا مروي عن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الذي دعا له رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم وقال: (اللهم علّمه التأويل)، ثم إنه من أهل البيت أيضا، فما يمكنه أن يقول فيه؟ وروى الطبري أيضاً (16/130)عن قتادة في قوله {ثم اهتدى} قال: أخذ بسنة نبيّه صَلّى الله عليه وسلّم. وقال سعيد بن جبير: {ثم اهتدى} اي استقام على السنة والجماعة، وروي نحوه عن مجاهد والضحاك وغير واحد من السلَف كما قال ابن كثير (3/161).

وهذه الآثار التي ذكرناها لا تعارض بينها فهي كلها ترجع إلى أمر واحد وهو ان الإهتداء هو الاستقامة على هدى. وهو ما قاله قتادة: لزوم الإسلام حتى يموت عليه، ولزومه هذا لا ينفع إن لم يكن على السنة والجماعة كما قال ابن جبير وغيره، ولا معنى للإستقامة عليه إلا وقد جمع الإيمان والعمل الصالح والتوبة، فمن فعل ذلك وثبت عليه فلا شك في اهتدائه. . .

والشيعة تريد أن تجعل كل آية فيها مدح تخص أهل البيت أو من يتبع أهل البيت ويتكلفون لذلك الأخبار المكذوبة وغيرها، ولا شك إن محبة أهل البيت بل ولايتهم واجبة كوجوب ولاية غيرهم من الصحابة والتابعين- كما ذكرناه في عقيدة أهل السّنّة- لكن ليس بالمعنى الذي تريد الشيعة تقريره من وجوب عصمتهم والتبرّؤ ممن سواهم من الصحابة والتابعين والطعن في سلف هذه الأمة وساداتها، والحمد لله على توفيقه.

قوله (الم تكن ولايتهم من الأمانة التي قال الله تعالى: {إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الأنسان إنه كان ظلوماً جهولاً}) إ. ه.

قلت: استدلاله بهذه الآية مما يبين جهله في فهم نصوص القرآن الكريم، ذلك أنا لو قلنا بموجب قوله وأن الأمانة هنا هي ولاية أهل البيت لزم ذلك إعراض السموات والأرض والجبال عنها وعدم قبولهم بها ولا ارادتهم لها، والمفروض أن تكون ولايتهم من الأمور المحبوبة المرغوبة لما فيها من الفضل، وليست هي مما يصعب من التكاليف ويشق حمله ولا تعلم عاقبته حتى تعرض عنها السموات والأرض والجبال، ثم انه لو كأنت هي الأمانة حقيقة لما وصف الله سبحانه وتعالى الإنسان حين رضي بحملها بالظلم والجهل بل لازمه أن يوصف بالحكمة والعلم والرشد لأنه رضي بها واختارها وضمن لنفسه هذا الفوز العظيم والنجاة من النار مهما كان عمله- على ما يدعيه هذا الموسوي وشيعته مما فصّلناه في مقدمتنا- فما أسهله من حمل وما أكبره من فوز.

ثم ان عزوه معنى الآية هذا في الهامش إلى كل من الصافي وتفسير علي بن ابراهيم وغيرهم مما بين انه ينتقي من الكتب والنّصوص ما يوافق هواه وان الضابط له في قبول النص موافقته لمذهبه الفاسد، ذلك أنك تراه ينقل تارة من تفسير الثعلبي- كما يزعم- وتارة من الواحدي وتارة من الحاكم وأخرى من كنز العمّال وغير ذلك وليس تنقّله بين هذه الكتب بسبب بحثهِ عن الدليل الصحيح سنداً، لأنا لا نراه يذكر إسناد أي دليل ينقله بل ربما نقل دليلاً موضوعاً مكذوباً ولا ينبّه عليه، بل تنقّله بينها بحثا عما يوافق هواه ويعينه عليه. ثم ان من الأصول عند أهل العلم أن يرجع في كل فن من الفنون إلى رجاله وأهله- كما قال شيخ الإسلام إبن تيمية- فكما ان المرجع في النحو إلى أربابه، وفي القراءات إلى حذّاقها، وفي اللغة إلى أئمتها وفي الطب إلى علمائه، فكذا المرجع في النقل إلى أمناء حديث رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم وعلماء الحديث أجل وأعظم تحرّياً للصدق من كل أحد، علمَ ذلك من علمّه، فما اتفقوا على صحته فهو الحق، وما أجمعوا على تزييفه وتوهينه فهو ساقط، وما اختلفوا فيه نظر فيه بإنصاف وعدل، فهم العمدة في كل ذلك. وقال شيخ الإسلام في (منهاج السنة)- (المنتقى) (ص441- 442)-: (وفي الجملة ليس في فرق الأمة أجهل بالآثار ورجالها وأقبل للباطل وأدفع للصحيح من الرافضة، ثم أضدادهم من الخوارج أخوانهم من المعتزلة يتحرّون الصدق ولا يحتجون بخبر مكذوب بل ولا بالصحيح بل لهم طرق وقواعد مبتدعة وعقول في الجملة، وهؤلاء الرافضة لا عقل ولا نقل، فالآثار ومعرفتها والأسانيد من خصائص السّنّة والجماعة وعلامة صحة الحديث عند الرافض أن يوافق هواه. قال عبد الرحمن بن مهدي: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم. ثم نقول لهم: ما يرويه مثلُ النقاش والثعلبي وأبي نعيم ونحوهم، أتقبلونه مطلقاً لكم وعليكم أم تردّونه مطلقا؟ أم تأخذون بما وافق أهواءكم وتردّون ما خالف؟ فإن قبلوه مطلقا ففي ذلك من فضائل الشيخين جملة من الصحيح والضعيف وإن ردوه مطلقا بطل اعتماده بما ينقل عنهم، وإن قبلوا ما يوافق مذهبهم أمكن المخالف ردّ ما قبلوه والإحتجاج بما ردوه. والناس قد كذبوا في المناقب والمثالب أكثر من كل شيء) أنتهى كلام شيخ الإسلام. ونحن نقول لهذا الموسوي وأشباهه نحو هذا فيما ينقلونه من هذه الكتب ثم ما وجه الحجة المزعومة على أهل السّنّة في أقوال الباقر والصادق والرضا التي احتج بها في الهامش في تفسيره هذه الآية؟؟ وليس هذا فحسب، بل نقل أقوالهم من كتبهم لا من كتب أهل السّنّة، وقد فصّلنا في مقدّمة كتابنا حقيقة كتبهم هذه وما جاء فيها. وهي (تفسير الصافي) لملا محسن الملقب بالفيض الكاشاني أو الكاشي و(نفسير القُمّي) لأقدم مفسريهم علي بن إبراهيم القُمّي، وكتاب (الخصال) لابن بابويه القّمي، فراجعها حتى تتعرّف على حقيقتها.

ووجه آخر في رد احتجاجه بهذه الآية وهو إن الآية عامة وليست مخصوصة بأمة محمّد صَلّى الله عليه وسلّم، أفيمكن لأحد أن يقول إن مما أخذ الله على الأنبياء جميعاً وعلى أممهم موالاة أهل البيت ؟ نعم هذا ما يقوله هذا الموسوي وأشباهه، كما سيأتي احتجاجه على ذلك من فهمه لبعض الآيات والآثار. وهو قول باطل وكذبه أبين من أن يحتاج إلى رده، فكأنهم يقولون إن الله سبحانه وتعالى ما خلق الخلق جميعاً إلا لأجل عليّ وآل البيت، وما كلف خلقه أعظم من موالاتهم، بل قد صرح هذا الموسوي- كما سيأتي بعد قليل- بأن الله ما بعث الأنبياء إلا بولايتهم وانّ العهد الذي أخذه الله من بني آدم إنما هو بولايتهم، وهذا قول من أعرض عن شرع الله وعن توحيده وعبادته وعن اتباع رسله، ألم يقل الله تعالى: {و ما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون}، وهذا الرجل يقول: لا بل ليوالوا أهل البيت، ألم يقل الله تعالى: {و لقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}؟ وهذا الموسوي يقول: بعث الله في كل أمة رسولاً بولاية عليّ وأهل البيت فهو ممن حقّت عليه الضلالةُ كما قال اللع تعالى بعدها: {فمنهم من هدى الله ومنهم من حقّت عليهم الضلالة} وقال {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يُضلّ وما لهم من ناصرين}.

ثم ألم يقل الله تعالى: {و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى} وهذا الموسوي يقول: أخذ الله من بني آدم العهد بولاية علي وأهل البيت- كما سيأتي- وهذا والله هو التحريف بعينه لكتاب الله، وهو ما لم تستطعه في القرآن حتى اليهود والنصارى.

وها هو يستبدل كل آية فيها ذكر لتوحيد الله سبحانه وعبادته واتباع رسله، يستبدل كل ذلك بولاية علي وأهل البيت، فهو يتخذهم أربابا من دون الله، ويحكم ببطلان عمل كل من لم يوالهم مهما كأنت صلاته وصيامه وعبادته كما صرح به فيما مضى من كلامه ورددنا عليه، وإنما ذكرت ما ذكرت من أقواله الباطلة المنكرة حتى يتبين لكل مسلّم حقيقة مذهبه واعتقاده. والخلاصة في ذلك إنا نقول: لو أن يهوديا أو نصرانيا سمع كلامهم هذا وتعظيمهم لعليّ وأهل البيت لقال بأن عليا عندهم هو رسول الله وليس محمّداً، أو على الأقل لسألهم لِمَ لم يكن عليّ رسولَ الله؟ ففي كل ما سبق من الآيات لم يذكروا محمّداً صَلّى الله عليه وسلّم، وحتى هذا وإن كان باطلا لكنّهم لم يذكروه بل ذكروا علياً وأهل البيت، وعندهم ولاية علي وأهل البيت أهم من عبادة الله وتوحيده، لذلك أرسل الله بها الرسل وأنزل بها الكتب- كما زعموا- وعنها يُسأل الناس يوم القيامة. وصدق الله العظيم إذ يقول: {أرأيتَ مَن اتّخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً، أم تحسبُ أنّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضلّ سبيلاً}.

وأما معنى (الأمانة) في الآية فقد فسرت بالفرائض، يعني أداء الفرائض كما قال علي بن ابي طلحة عن ابن عباس: الأمانة الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال ان أدّوها أثابهم وإن ضيّعوها عذّبهم فكرهوا ذلك واشفقوا عليه، من غير معصية ولكن تعظيما لدين الله ان لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها وهو قوله تعالى {و حملها الأنسان انه كان ظلوما جهولا} أي غراً بامر الله رواه ابن جرير في (تفسيره) (22/54) وذكره ابن كثير ايضا، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد ان الامانة في الفرائض، وقال الآخرون هي الطاعة، وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً قال: يعني بالأمانة الطاعة التي عرضها عليهم قبل ان يعرضها على آدم فلم يطقها فهل أنت اخذ بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: ان احسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، فاخذها آدم فتحمّلها فذلك قوله تعالى {و حملها الأنسان انه كان ظلوما جهولا} وكذا قال مقاتل بن حيان ان الامانة هي الطاعة. وقال قتادة الامانة الدين والفرائض والحدود- راجع هذه الآثار في (تفسير الطبري) و(تفسير ابن كثير)- وقال ابن كثير (3/522): (و كل هذه الأقوال لا تنافي بينها بل هي متفقة وراجعة إلى انها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو انه إن قام بذلك اثيب وان تركها عوقب، فقبلها الأنسان على ضععفه وجهله وظلمه الا من وفق الله والله المستعان) إ. ه.

قلت: هذا هو معنى الامانة في الاية، فلا تبقى بعد ذلك اية حجة له في استشهاده بها خصوصا بعد ما بينا عدم مساعدة لفظ الآية وموضوعها على ذلك أولاً. ومجيء تفسيرها عن الصحابة والتابعين بخلاف ذلك ثانيا، والحمد لله رب العالمين.

قوله: (الم تكن من السلّم الذي امر الله بالدخول فيه فقال: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلّم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان) وعزاه في الهامش (23/65) إلى البحريني في غاية المرام من اثني عشر حديثا من صحاحهم في نزولها بولاية علي والأئمة من بنيه. وهو كذب لا شك فيه ولا يستحي هذا الرجل من مثل هذا الكذب، ثم ان كان في صحاحهم فما وجه الحجة فيه على أهل السّنّة يا هذا؟ والتفسير علم فنقول انما يؤخذ من أربابه، ولو كان صادقا في دعواه لساق طريقاً واحداً صحيحاً في ذلك، ثم كيف يقال: ادخلوا في ولاية علي وأهل البيت؟ ولكان ذلك المراد صحيحاً لقال تمسّكوا بولايتهم أو ما شابه ذلك، اما قوله: ادخلوا في ولايتهم فمعناه صرتم منهم، وهذا خطأ يتنزه عنه كلام الله تعالى، ثم هذه كتب التفسير جميعاً تحكي خلاف ذلك وهي أكثر عدداً وأصحّ طريقا ً، قال العوفي عن ابن عباس في قوله{ ادخلوا في السلّم} يعني الإسلام، وكذا قال مجاهد وطأووس والضحاك وعكرمة وقتادة والسّدي وابن زيد. وروي عن ابن عباس أيضاً من طريق الضحاك في قوله {ادخلوا في السم} يعني الطاعة، وبه قال ابو العالية والربيع بن أنس، وقال قتادة: يعني الموادعة- راجع هذه الآثار في (تفسير الطبري) (2/51-52) (تفسير ابن كثير) (1/248)- عن ابن عباس قال: يعني مؤمني أهل الكتاب فانهم كانوا مع الايمان مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم فقال الله {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلّم كافةً. . . . } الآية، والصحيح الأول، وهذا وان كان لا يثبت عن ابن عباس الا انه احسن حالا مما زعمه هذا الموسوي وله وجه اقرب في الاية، وهو أيضاً ما رواه ابن جرير عن عكرمة في سبب نزول هذه الآية، انهم مؤمنو أهل الكتاب ومنهم عبد الله ابن سلامو لكنّه غير صحيح، والمقصود انهم كعادتهم يذكرون كل ما جاء في سبب نزول هذه الآيات ما صحّ منها وما لم يصحّ ومع ذلك لم يذكر أحد منهم ما زعمه هذا الموسوي فعلم بذلك كذبه.

قوله: (أليست هي النعيم الذي قال الله تعالى: ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) وادعى في الهامش (24/65) وجود عدة طرق في ذلك من صحاحهم- زعم- ومن طريق أهل السّنّة، وهي دعوى كسابقاتها لا تخلو من تدليس وغشّ بل وكذب وافتراء، ثم انظر إلى هذا التناقض في استشهاده فمرّةً يقول إنها الأمانة المذكورة في الآية السابقة، ومرة يقول انها النعيم، فبالله عليك إن كأنت ولايتهم نعيما فلم أعرضت عنها السموات والأرض والجبال وأَبين أن يحملنها وأشفقن منها، مع العلم ان الله سبحانه وتعالى لم يُعب ذلك عليهم ولم يوبخهم عليه، ولو كأنت ولايتهم نعيماً كما زعم لاقتضى ذلك جهلهم وعيب الله لهم بذلك، بل أكثر من هذا وصف الله الأنسان بالجهل والظلم حين رضي بالأمانة، فإن كأنت هي ولايتهم وهي النعيم أفيصحّ أن يصف الله سبحانه الأنسان بالجهل والظلم حين يرضى بالنعيم؟

فبالله ماذا يفعل الجهل بأصحابه، وكيف يفضحهم؟

ثم هذه كتب التفسير عموما وكتب أسباب النزول ككتاب الواحدي وكتاب السيوطي وغير ذلك من الكتب التي تروي الصحيح وغيره، بل بعضها فيها حتى الموضوع، ومع ذلك ليس في أي منها اي ذكر لما ادعاه مما يؤكد بطلانه.

بل رووا أنها نزلب في قبيلتين من الأنصار تكاثروا في عددهم من الأحياء ثم ذهبوا إلى المقابر فتكاثروا بها فنزلت {ألهاكم التكاثر. . . } الأيات، رواه ابن أبي حاتم عن بريدة- (ابن كثير) (4/544)، (أسباب النزول- للسيوطي) (ص183)- وقيل نزلت في حيين من قريش- كما عند الواحدي (ص341)- وهذه الآثار وإن كأنت لا تثبت إلا أنها أحسن حالاً مما ادعاه. وروى الترمذي (4/218)، وابن جرير في (تفسيره)، وابن أبي حاتم- (ابن كثير) (4/545)- عن علي رضي الله عنه قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت {ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} وقال التزمذي: حديث غريب . . قلت: والسورة مكية وقد نزلت جملةً واحدة ولا يمكن تقطيعها وجعل بعضها خاص في سبب معيّن. والصحيح ان معنى قوله تعالى {ثم لتُسألنّ يؤمئذٍ عن النعيم} أي ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك ما اذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم أكل مرة رطباص وشرب ماءا ومعه أصحابه- أبو بكر وعمر- وكان قد أخرجهم الجوع فقال: (لتسألن عن هذا يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم). أخرجه الإمام أحمد (3/338، 351، 391) ومسلّم (2038) والنسائي (6/246) والطبراني في (الكبير) (567، 568، 569، 570، 571، 572) وابن جرير (30، 285- 287)، وابن أبي حاتم وأبو يعلى- (ابن كثير) (4/545- 546)- عن عدد من الصحابة- ابن عباس وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وعمر بن الخطاب- فهذا تفسير رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم لهذه الآية وبيان المراد منها، قارن معه ما ادعاه هذا الموسوي في هذه الآية.

وأصرح من ذلك ما أخرجه الإمام أحمد (1/164) والترمذي (4/218) وابن ماجة (4158) عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير لما نزلت {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قالوا يا رسول الله أي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء، قال: (إن ذلك سيكون)، وقال الترمذي: حديث حسن.

قوله: (ألم يؤمر رسول الله صَلّى الله عليه وآله وسلّم بتبليغها؟ ألم يضيق عليه في ذلك بما يشبه التهديد من الله عزّ وجلّ حيث يقول: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس. ألم يصدع رسول الله صَلّى الله عليه وآله وسلّم بتبليغها عن الله يوم الغدير حيث هضب خطابه وعب عبابه فأنزل الله يومئذ: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} إ. ه.

قلت: استشهاده بهاتين الآيتين نقله من كلام سلفه إبن المطهر الحلّي مع الآيتين الآتيتين، وهما قوله تعالى: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا . . . } الآية وقوله تعالى {سأل سائل بعذاب واقع } وهو يريد بذلك- كما هو صريح كلام ابن المطهر- ان الله أمر رسوله صَلّى الله عليه وسلّم ببيان ولاية عليّ بقوله: {بلّغ ما أنزل إليك من ربك} فلما نزلت هذه الآية خطب رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يوم غدير خم بذلك، فحينئذٍ نزلت { اليوم أكملت لكم دينكم . . . } الآية . وهذا من أعظم الكذب والإفتراء على الله ورسوله صَلّى الله عليه وسلّم، وهو ما لم يقل به عالِم، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة) (4/ 10) وبين كذب هذه الرواية مما جاء في تفسير الثعلبي وكتاب أبي نعيم، وهما اللذان أشار اليهما هذا الموسوي في الهامش (25/ 65) في بيان سبب نزول قوله تعالى {يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربك } ونحن نجزم أنه نقل ذلك من سلفه ابن المطهر الحلي ولم ينقله مباشرة من تلك الكتب والا فليذكر لنا موضعه إن كان صادقا وكذلك بين شيخ الإسلام كذب هذه الرواية في تفسير النقاش وقال –(4/ 10)-: (وفي كتاب أبي نعيم والثعلبي والنقاش من الكذب ما لا يعدُ) . وقد نقلنا فيما سبق من كلام شيخ الإسلام لهم فيما يرويه أمثال الثعلبي وأبي نعيم والنقاش هل يقبلونه مطلقاً ؟ فان في هذه الكتب من فضائل الشيخين- أبي بكر وعمر- جملة كثيرة من الصحيح وغيره مما ينغّص عليهم أخذهم بها، بل مما يبين أنهم ينتقون من الأخبار ما يوافق هواهم. بقي في الهامش (25/ 65) مما عزا اليه سبب نزول هذه الآية الواحدي، وقد قال: (أخرجه غير واحد من أصحاب السنن كالإمام الواحدي في سورة المائدة من كتاب أسباب النزول عن أبي سعيد الخدري . . . .)

وهو ما يبين جهله بكتب الحديث فليس كتاب الواحدي من كتب السنن حتى يجعله مثالا لها، أو أنه فعل ذلك عمداً تدليساً وإخفاءً للحقيقة. وهذا الذي ذكره أخرجه الواحدي (ص 150) من طريق علي بن عابس عن الاعمش وابي حجاب عن عطية عن ابي سعيد. ولا شك في وضعه وهو بهذا الاسناد، فعطية هذا هو ابن سعد العوفي، واضافة إلى ضعفه فإنّه كان يأتي الكلبي- وهو محمّد بن السائب الكلبي وكان كذّاباً يضع الحديث , وقد مر ذكره- ويأخذ عنه الحديث والتفسير ويكنيه ابا سعيد، وقال له مرة: كينتك أبا سعيد، فيذكره ويوهم أنه يريد ابا سعيد الخدري، كما اغتر به هذا الموسوي- انظر ترجمته في (الميزان) و(تهذيب التهذيب) وغير ذلك- أبعد هذا يطمئن منصف لمثل هذا الإسناد ؟ ثم ان علي بن عابس الرواي عن الاعمش ضعيف أيضاً، قال ابن حبان: فحش خطؤه فاستحق الترك إ. ه. وطريق الاعمش عن عطية العوفي هذا هو احد طريقي ابي نعيم- كما ذكره هذا الموسوي في الهامش- فلا يصح الحديث بمثله اذاً.

واما عن سبب نزول الآية الاخرى {اليوم أكملت لكم دينكم . . . } الآية وان ذلك كان بعد الغدير فلا يلزمنا ما نقله في الهامش (26/ 66) عن الباقر والصادق فانهما غير معصومين عندنا، وقولهما هذا يحتاج- كما قلنا مرات عديدة- إلى صحة نسبته اليهما أولا ثم إلى اصابتهما الحق في ذلك ثانياً، خصوصاً وانهما لم يشهدا حجة الوداع ولا غيرها ولم يدركا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يمكن الاخذ بقولهما ؟ وهم يعيبون على بعض الصحابة كثرة رواياتهم للاحاديث بدعوى انهم لم يعاصروا رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم الا مدة يسيرة فكيف جاز لهم الوثوق برواية الباقر والصادق وهما ليسا صحابيين بالاجماع؟ اما ان كان الباقر والصادق يذكران ذلك بروايتهما عمن ادرك النبي صلى الله عليه وسلم فينبغي لنا اذا ان ننسبه إلى رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم   لا لهما- وهذا ما لا يحدث هنا- ثم ننظر في اسناده أيضاً، هذا هو صنيع أهل العلم بالاخبار بخلاف غيرهم من أهل الجهل والضلال والاهواء.

وما ذكره في سبب نزول هذه الآية وعزاه لأهل السّنّة لم يذكر من اخرجه صريحاً، ولا اظنه يعني الا ما ذكره سلفه ابن المطهر الحلي من رواية ابي نعيم باسناده إلى عطية العوفي عن ابي سعيد، وقد تقدم حال عطية هذا مع ابي سعيد، وقال شيخ الإسلام ردّاً على ابن المطهر في هذا الحديث: - (المنتقى) (443)- (و هذا من الكذب بإتفاق أهل المعرفة بالموضوعات، وقد ثبت ان الآية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو واقف قبل يوم الغدير بسبعة أيام، ثم ليس فيها دلالة على علي رضي الله عنه ولا على إمامته) إ. ه.

قلت: اما نزول الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة فهذا ثابت كما قال شيخ الإسلام رواه الامام احمد (1/ 28) والبخاري (45) ومسلّم (3017) والترمذي (4/ 95- 96) والنسائي (8/ 114) وابن جرير (6/52- 53) وابن مردويه- (تفسير ابن كثير) (2/13)- عن عدد من الصحابة منهم: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان وترجمان القرآن عبد الله بن عباس والصحابي الجليل سمرة بن جندب رضي الله عنهم اجمعين، وارسله أيضاً الشعبي وقتادة بن دعامة وشهر بن حوشب وغير واحد من الأئمة والعلماء- كما قال الحافظ ابن كثير في (تفسيره) (2/14)- ونحن نلزمهم الحجة بمذهبهم بقول علي رضي الله عنه وقول ابن عباس رضي الله عنهما ايضا- الأول رواه ابن مردويه كما في (تفسير ابن كثير) (2/ 13) . والثاني رواه ابن جرير (6/53)- وقال الامام ابن كثير (2/14): (و قد روى ابن مردويه من طريق ابي هارون العبدي عن ابي سعيد الخدري انها نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم حين قال لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه، ثم رواه عن ابي هريرة وفيه انه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة يعني مرجعه عليه السّلام من حجة الوداع ولا يصح لا هذا ولا هذا) إ. ه. والحمد لله الذي ابان الحق وازال الريب.

هذا وقد ذكر في سبب نزول قوله تعالى {يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربك وإنْ لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس} حوادث أخرى اصح مما زعمه الموسوي ذكرها اصحاب التفاسير واسباب النزول كالواحدي والسيوطي فاعرض عنها الموسوي بحثا عما يوافق هواه. . ثم ان هذه الآية وان كأنت من المائدة إلاّ أنها نزلت متقدمة قبل يوم الغدير بمدة الا ترى ان في سياقها {و الله يعصمك من الناس} وهذا شيء كان في أوائل الإسلام كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- (المنتقى) (ص490)-.

قوله: (الم تر كيف فعل ربك يومئذ بمن جحد ولايتهم علانية وصادر بها رسول الله جهرة فقال: اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارةً من السّماء أو ائتنا بعذاب اليم، فرماه الله بحجر من سجيل كما فعل من قبل بأصحاب الفيل، وانزل في تلك الحال: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع). وقال في الهامش (27/66): (اخرج الامام الثعلبي في تفسيره الكبير هذه القضية مفصلة ونقلها العلامة المصري الشبلنجي في احوال على من كتابه- نور الابصار- فراجع منه ص71، والقضية مستفيضة ذكرها الحلبي في أواخر حجة الوداع من الجزء 3 من سيرته واخرجها الحاكم في تفسير المعارج من المستدرك، فراجع ص 502 من جزئه الثاني) إ. ه.

قلت: هذه القضية التي أشار اليها نقلها بإيجاز من سلفه ابن المطهر الذي عزاها لتفسير الثعلبي، ونحن ننقل لك نصّها فيما جاء به ورد شيخ الإسلام ابن تيمية عليها- انظر (المنتقى) (ص439- 440)-، قال ابن المطهر: (و من تفسير الثعلبي قال: لما كان يوم غدير خم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فاجتمعوا فاخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فشاع ذلك وطار في البلاد وبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري فأتى رسول صلى الله عليه وسلم فأناخ بالأبطح فنزل وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ملأ من اصحابه فقال: يا محمّد أمرتنا بالشهادتين وبالصّلاة والزكاة والصّيام والحج فقبلنا منك، ثم لم ترض حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه فان كان هذا من الله فحدثنا، فقال: اي والله من أمر الله، فولى الحارث وهو يقول: ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله، وانزلت {سأل سائل بعذاب واقع} إ. ه. وهذا اعظم كذبا وفريةً من الأول, وقال شيخ الإسلام- (المنتقى) (442)-: (ثم هذا الحديث كذب باتفاق أهل الحديث، ولهذا لم يُروَ في شيءٍ من كتب الحديث المرجوع اليها، وانما يجوز صدقه من يقول: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان على مذهب احد الاربعة وان أبا حنيفة ونحوه كانوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم أو كما تظن طائفة من التركمان ان حمزة له مغازٍ عظيمة وينقلونها بينهم، وحمزة ما شهد الا بدراً واستشهد يوم أحد) إلى آخر كلامه، ثم قال – (ص443)-: (و اتفق الناس على ان ما قاله النبي e بغدير خم كان مرجعه من حجة الوداع، الا ترى ان الشيعة تجعل يوم ثاني عشر ذي الحجة عيداً ؟ فبعد ذلك لم يرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة) إ. ه.

قلت: لعلّ شيخ الإسلام يعني يوم ثامن عشر من ذي الحجة وليس ثاني عشر فان خطبة الغدير كان يوم ثامن عشر من ذي الحجة كما بينه الحافظ ابن كثير في (البداية والنهاية) (5/208) والحلبي في (سيرته) (3/309) وقال: (وقد اتخذت الروافض هذا اليوم عيداً فكأنت تُضرب فيه الطبول ببغداد في حدود الاربعمائة في دولة بني بويه) إ. ه. وقد جعلوا من يوم الغدير أعظم الايام فهو عيد الله الأكبر- فيما يزعمون- واعظم حرمة واشرف من الاضحى والفطر ووضعوا لذلك الاحاديث على لسان الأئمة، من ذلك أن عبد الله سُئل هل للمسلّمين عيد غير يوم الجمعة والأضحى والفطر؟ قال: نعم أعظمها رحمة، قيل: وأي عيد هو ؟ قال: اليوم الذي نصب فيه رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم علياً. وعنه أيضاً: صيام يوم الغدير يعدل صيام عمر الدنيا وصيامه يعدل عند الله عزّ وجلّ في كل عام مائة حجة ومائة عمرة وهو عيد الله الأكبر وما بعث الله نبينا الا وتعيد في هذا اليوم وعرفه حرمته من صَلّى فيه ركعتين عدلت عند الله مائة الف حجة ومائة الف عمرة ومن افطر فيه مؤمنا كان كمن أطعم فياماً وفياماً وفياماً, وعد إلى العشرة (الفيام مائة الف) وكان له ثواب من اطعم بعددها من النبيين والصديقين والشهداء، لعلك ترى الله عزّ وجلّ خلق يوما اعظم حرمة منه، لا والله لا والله- انظر لهذه الاقوال: الحر العاملي (وسائل الشيعة) (5/224) (7/323)- وقد اشار شيخ الإسلام إلى أوجه رد هذه القصة من جهة متنها- (منهاج السنة) (4/13)- بعد أن بين أنّ إسنادها لا يصح وهو مكذوب ونحن نذكرها بتصرف. .

الوجه الأول: ما ورد فيه أنّ الحارث جاءه وهو بالابطح، والابطح بمكة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يوجد في الابطح ولا في مكة في ذلك الوقت ولا بعده إلى ان لقي الله تعالى، وغدير خم الذي كأنت عنده الخطبة يقع بين مكة والمدينة قريب من الجحفة، كما في (البداية والنهاية) (5/208) وبين ابن كثير سبب هذه الخطبة فقال: (فبين فيها فضل علي بن ابي طالب وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بارض اليمن بسبب ما كان صدر منه اليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا والصواب كان معه في ذلك، ولهذا لما تفرغ عليه السّلام من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بين ذلك في اثناء الطريق فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ وكان يوم الاحد بغدير خم تحت شجرة هناك فبين فيها اشياء وذكر من فضل علي وامأنته وعدله وقربه اليه ما ازاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه) إ. ه. ثم ساق ابن كثير طرق هذا الحديث وتكلم عليها وبين انه لاحظ للشيعة فيه ولا متمسك لهم ولا دليل. وذكر نحو كلام ابن كثير هذا الحلبي في (السيرة الحلبية) (3/308) ثم رد على احتجاج الشيعة به على إمامة عليّ رضي الله عنه من عدة وجوه، وقد أشار هذا الموسوي إلى الحلبي في سيرته في الهامش (27/66) وانه ذكر تلك القصة المكذوبة السابقة الذكر، لكنّه لم ينقل كلامه هذأو رده عليهم، واعظم من ذلك لم ينقل تكذيب الحلبي لتلك القصة متابعا في ذلك للذهبي، إذ قال الحلبي (3/309): (قال الحافظ الذهبي: هذاحديث منكر جدا قال الحلبي: اي بل كذب) إ. ه. وهذا مما يؤكد ما قلناه عنه مرارا انه ينتقي من الكتب ما يوافق هواه دون الاعتماد على اصول علمية صحيحة وهذا هو الفارق بين أهل العلم وأهل الجهل، كما بيناه سابقا.

والسبب الذي اشار اليه ابن كثير والحلبي والذي من أجله خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في غدير خم وقال ما قال جاء مصرحا به في رواية ابن اسحاق- (سيرة ابن هشام) (4/250)- ان عليا رضي الله عنه لما قدم من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على جنده الذين معه رجلا من اصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسى كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي، فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك ما هذا ؟ قالك كسوت القوم ليتجملوا به اذا قدموا في الناس، قال: ويلك انزع قبل ان ينتهي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأنتزع الحلل من الناس فردها في البز قال واظهر الجيش شكواه لما صنع بهم . وانظر أيضاً (البداية والنهاية) (5/208- 209) . .

ولهذه القصة طرق أخرى , وفي معظم أحاديث خطبة الغدير انها كأنت في الطريق بين مكة والمدينة مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع , وهي وان كأنت وصاية عامة بعلي وأهل البيت رضي الله عنهم أجمعين الا ان لها سبباً وهو ما يمنع احتجاجهم بها على إمامة علي، بالاضافة إلى عدم مساعدة لفظها على ذلك فيما سنبينه ان شاء الله . .

الوجه الثاني: قوله ونزلت {سأل سائل} وهي مكية بالاتفاق، وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى {سأل سائل بعذاب واقع} قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة، اخرجه النسائي وابن ابي حاتم- انظر (تفسير ابن كثير) (4/418)، (أسباب النزول) للسيوطي (ص 173- 174)، (أسباب النزول) للواحدي (ص329) - .

الوجه الثالث: قوله تعالى {و إذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذابٍ أليم} اخرج البخاري (4648) عن أنس انها نزلت في قول ابي جهل: اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر. . . .) فنزل قوله تعالى بها ثم قال: {و ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} وان ذلك نزل عقيب بدر، وكما هو سياق آياتها من سورة الانفال، وقيل انها نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة المتقدم ذكره، أخرجه ابن جرير (9/152) وانظر أيضاً (اسباب النزول) ولم يذكر واحد منهم ما ادّعاه هذا الموسوي.

الوجه الرابع: قال شيخ الإسلام- (المنتقى) (ص443)-: (و لو كان هذا المجهول قد نزل عليه حجر فرق هامته وخرج من دبره لكان آيةً من جنس اصحاب الفيل، وذلك مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله) إ. ه. قلت: فلما لم يكن له ذكر الا في هذه الرواية المكذوبة علم بذلك كذبه.

بقي من قوله في الهامش عزو القصة للحاكم في (المستدرك) (2/502) في تفسير سورة المعارج، وهو كذب يعرفه كل من راجع مستدرك الحاكم، ولا يستحي هذا الموسوي من مثل هذا، فليس عند الحاكم هناك سوى ما اخرجه باسناده عن سعيد بن جبير {سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج} قال ذي الدرجات، سأل سائل قال: هو النضر بن الحارث بن كلدة قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء إ. ه. فهذا ما اخرجه الحاكم وهو عين ما رواه ابن جرير في سبب نزول الآية مما اشرنا اليه قبلا وليس فيه اي ذكر لعلي رضي الله عنه ولا أهل البيت اصلا ولا اظنه الا من تخيلات هذا الموسوي أو افترائاته.

قوله: (و سيسأل الناس عن ولايتهم يوم يُبعثون كما جاء في تفسير قوله تعالى: وقفوهم انهم مسؤولون)إ. ه. هذه الآية مكية بالاتفاق وهي قبل ان تكون لعلي ولاية اصلا حتى على قولهم فانهم يزعمون ان النبي صلى الله عليه وسلم انما نصبه وليا يوم الغدير بعد حجة الوداع فكيف يكون هو المقصود في تلك الآية حتى وفق اصولهم؟ وكل ما نقله في الهامش (28/66) في بيان سبب نزول الآية انما نقله من (الصواعق المحرقة) لابن حجر الهيثمي الذي اكتفى بذكر ذلك ولم يبين شيئا من اسناده ولم يشر اليه حتى، فهذا مما لا تعلم صحته- على فرض وجوده- فلا يحل لاحد ان يحتج بمثل هذا. قال عبد الله بن المبارك: لولا الاسناد لقال من شاء ما شاء . . اضافة إلى ان كتاب الديلمي- وهو مسند الفردوس- محشوّ بالموضوعات المكذوبات كما هو معروف عند أهل العلم، وكتاب الواحدي- أسباب النزول- اكثر احتواءً للموضوعات من سابقه، هذا مع العلم اني لم اجد قول الواحدي هذا في كتابه ولا ادري من اين نقله ابن حجر، لهذا قلت على فرض وجوده، ناهيك عن انه قول الواحدي نفسه ولم يسنده إلى احد فلا يساوي في ميزان الحق شيئاً.

ثم انه قد نقل ابن كثير (4/4) تفسير هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يعني احبسوهم انهم محاسبون إ. ه. فبطل بذلك احتجاجه بهذه الآية فليس ما قاله من التفسير بأولى مما نقلناه عن ابن عباس وهو حبر الامة وترجمان القرآن رضي الله عنه وهو من أهل البيت. قال شيخ الإسلام- (المنتقى) (ص461- 462)-: (فانظر إلى سياق الآيات في قريش {و يقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لِشاعر مجنون}- إلى قوله- {احشروا الذين ظلموا وازواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الحجيم وقفوهم اهم مسؤولون} فهذا نص في المشركين المكذبين بيوم الدين، فهؤلاء يسألون عن التوحيد والايمان، واي مدخل لحب علي في سؤال هؤلاء ؟ اتراهم لو احبوه مع شركهم لكان ذلك ينفعهم ؟ ومعاذ الله ان يفسر كتاب الله بمثل هذا) إ. ه.

قوله: (و لا غرو فان ولايتهم لمما بعث الله به الأنبياء واقام عليه الحجج والأوصياء، كما جاء في تفسير قوله تعالى: واسأل من ارسلنا من قبلك من رسلنا. بل هي مما اخذ الله به العهد من عهد: الست بربكم كما في تفسير قوله تعالى: وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى) إ. ه.

قلت: قد تقدمت منا الاشارة إلى كلامه هذا وأنه يريد به ان يبين ان الخلق كلهم ما اخلقوا الا من أجل علي وان الفلك لا يدور الا لأجله وأهل البيت، وهذا القول لا يقوله مسلّم في محمّد صلّى الله عليه وسلّم خير البرية فكيف يقوله هذا الموسوي في علي وأهل البيت ؟ وقد قدمنا ان هذا كلام من اعرض عن توحيد الله سبحانه ومن اتخذ من دون الله اندادا يحبهم كحب الله، وها هو كتاب الله بيننا يبطل قول مثل هذا الرجل: {و ما خلقت الجن والأنس الا ليعبدون} . { ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} {و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلاّ نوحي إليهِ أنّه لا إله إلاّ أنا فاعبدون} {يُنزّل الروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنّه لا إله إلا أنا فاتقون} . ولا أظن عاقلا يقول ان الامم السابقة وانبياءها كان عندهم علم عن علي وأهل البيت . بل هذا كلام المجانين. . .

وما افسد استدلاله بهذه الآية { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} فهو يقتطع من النّصوص ما يريده ويذر الباقي، ويحرف بذلك كلام الله ومراده، ولا أجد له مثلا الا كالذي يحتج على تركه الصلاة بقوله تعالى {فويل للمصلين} ولا يكمل الآية واليك تمام الآية، قال الله تعالى: {و اسأل من ارسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن الهة يعبدون} فهذا هو تمام الآية وفيه بيان المراد من السؤال وهو القضية العظمى التي بعث الله من أجلها الرسل وانزل الكتب الا وهي عبادة الله وحده لا شريك له، لكن هذا الرجل يحرفها ويجعلها موالاة على وأهل البيت، فأين هذا من هذا؟

وكل ما ذكره في الهامش (29/66) تخريجا لقوله انما هو كذب لا شك في ذلك، لذلك تراه قد ساقه بشكل مبهم جدا ً ولم يذكر اي موضع له، كعزوه لابي نعيم في (الحلية)، وكتاب الحلية في أحد عشر مجلدا ً فضلا عن احتواءه الصحيح والمكذوب، فكيف يصح مثل هذا التخريج ؟ ولا شك في بطلان اي اثر أو حديث في تفسير الآية بما ذكره لما قدمنا من سياق الآية وتمامها. واجعل هذا نموذجا لك لتأخذ فكرة عن طبيعة استدلالاته التي ادعى انها (بدليل لا يترك خليجة وبرهان لا يدع وليجة) كما قال في مقدمة كتابه (ص35) ولم يكتف بذلك بل قال: (وعنيت بالسنن الصحيحة، والنّصوص الصريحة) ولا اظنه يعني الا كتاب اخر غير هذا فلم اجد في كتابه هذا أيّ رائحة لما يقول. .

واما استدلاله بقوله تعالى: { وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم قالوا بلى} فابطل من سابقه, الا ترى قوله { ألستُ بربّكم قالوا بلى} فلم يذكر فيه نبياً ولا ولياً ولا اميراً، فهو ميثاق التوحيد خاصة- كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (المنتقى) (ص485)- ويؤيده انه قال بعده: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنّا ذريةً من بعدهم} فهو الميثاق الذي اخذه الله على بني آدم جميعا لتوحيده خاصة، حتى انه لي فيه ميثاق النبوة- كما قلنا- فكيف بما دونها مما يزعمه هذا الموسوي عن ولاية علي وأهل البيت؟

وقوله في الهامش (30/ 67): (يدلك على هذا حديثنا عن أهل البيت في تفسير الآية) إ. ه. لا اراه يعني الا ما ذكره سلفه ابن المطهر الحلي وعزاه للفردوس- وهو كتاب الديلمي- عن حذيفة قال: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: (لو يعلم الناس متى سمي علي أمير المؤمنين ما أنكروا فضله، سمي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد، قال الله { وإذ اخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} قالت الملائكة بلى، فقال تعالى: انا ربكم ومحمّد نبيكم وعلي أميركم) إ. ه.

قال شيخ الإسلام- (المنتقى) (ص485)-: (فالجواب منع الصحة، بل هو كذب باتفاق أهل المعرفة والنقد) إ. ه. قلت: والكذب واضح من سياقه ومن تحريف الآية وتحميلها ما ليس فيها. وهذه الآية من الآيات التي يزعم علماء الشيعة انها محرفة وان لفظها: (الست بربكم ومحمّد نبيكم وعلي اميركم) راجع مواضع التحريف التي اشرنا اليها في كتاب (الكافي) و(تفسير القمي) في مقدمة كتابنا. وهو ما يعنيه هذا الموسوي لكنّه لم يستطع التصريح به فاكتفى بالاشارة إلى ما يروونه في ذلك.

واضافة إلى الوجه المتقدم في رد احتجاجه بهذه الآية قال شيخ الإسلام: (و أيضاً فان الميثاق اخذ على الذرية كلها، أفيكون علي أميراً على الأنبياء كلهم من نواح إلى محمّد صلّى الله عليه وسلّم ؟ وهذا كلام المجانين، فان أولئك ماتوا قبل ان يخلق الله علياً، فكيف يكون أميراً عليهم؟ وغاية ما يمكن ان يكون أميراً على أهل زمانه، أما الإمارة على من خلق قبله وعلى من خلق بعده فهذا من كذب من لا يعقل وما يقول ولا يستحي مما يقول. ومن العجب ان هذا الحمار الرافضي هو احمر من عقلاء اليهود الذين قال الله فيهم: {مثل الذين حُمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ً} والعامة معذورون في قولهم: الرافضي حمار اليهودي، والعاقل يعلم ان هذا وامثاله باطل عقلا ً وشرعا ً، وانما هذا نظير قول ابن عربي الطائي وامثاله: ان الانبياء كانوا يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء الذي خلق بعدهم بدهور فغلو هؤلاء في الولاية كغلو أولئك في الامامة)إ. ه.

قوله: (وتلقى آدم من ربه كلمات التوسل بهم فتاب عليه) وقال في الهامش (31/67): (أخرج ابن المغازلي الشافعي عن ابن عباس قال: سئل النبي e عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه، قال سأله بحق محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين فتاب عليه وغفر له، وهذا هو المأثور عندنا في تفسير الآية) إ. ه.

قلت: هذا حديث مكذوب موضوع، ذكره ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/316) من طريق الدارقطني في افراده، قال الدارقطني: (تفرد به حسين الاشقر رأوي الموضوعات عن الاثبات، عن عمرو بن ثابت وليس بثقة ولا مأمون) إ. ه. وعزاه للدارقطني أيضاً الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/413)، والحديث ذكره السيوطي في (الدر المنثور) (1/147) ولم يحكم عليه بشيء لكنّه عاد وحكم بوضعه وكذبه في (اللالئ المصنوعة) (1/404) . وساق له الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/395) اسناداً آخر من طريق محمّد بن علي ابن خلف العطار عن حسين الأشقر، وعزاه لابن النجار، وهو لا يغني شيئا فما زالت آفته في حسن الأشقر، ومحمّد بنعلي بن خلف العطار اتهمه ابن عدي بالوضع وقال: البلاء عندي في هذا الحديث منه لا من حسين كما في (لسان الميزان) . وقال شيخ الإسلام بعد تكذيبه لهذا الحديث- (المنتقى) (ص459)-: (فأمّا الكلمات فقد جاءت في القرآن مفسرةً في قوله تعالى: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين} ومن المعلوم ان من هو دون آدم من الكفار والفساق اذا تاب احدهم إلى الله توبة نصوحاً تاب الله عليه وان لم يقسم عليه بأحد، ونبينا ما أمر أحداً في توبته بمثل هذا الدعاء) إ. ه.

قوله: (و ما كان الله ليعذبهم، وهم امان أهل الارض ووسيلتهم اليهم). 

قلت: اما قوله (و ما كان الله ليعذبهم) فهو اشارة منه إلى قوله تعالى: {و ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} ولا دلالة في الآية- كما هو واضح- على ما ادعاه، فقد جعل الله سبحانه المانع من التعذيب أولاً هو وجود الرسول صلّى الله عليه وسلّم حيا بين ظهرانيهم وثانياً هو الاستغفار، وليس فيها ذكر لأهل البيت كما هو في نظر العقلاء . وأما قوله (و هم أمان أهل الأرض ووسيلتهم اليهم) وما نقله في الهامش (32/67) عن ابن حجر الهيثمي في (الصواعق المحرقة) فاشارة منه إلى حديث (و أهل بيتي أمان لأمتي. . .) وقد تقدم استشهاد هذا الموسوي به وردنا عليه عند الكلام على الهامش (13) صفحة (53) من المراجعات وبينا هناك كذبه ووضعه، وقد تعمد هنا عدم نقل كلام ابن حجر بنصه بل تصرف فيه بما يهواه، واليك نص كلامه في نفس الموضع الذي ذكره صاحب المراجعات: (و في ذلك احاديث كثيرة يأتي بعضها ومنها النجوم أمان لاهل السماء وأهل بيتي امان لأمتي، اخرجه جماعة كلهم بسند ضعيف وفي رواية ضعيفة ايضاً: أهل بيتي أمان لأهل الأرض. . .) إ. ه.

قوله: (فهم الناس المحسودون الذين قال الله فيهم: ام يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. وهم الراسخون في العلم الذين قال: والراسخون في العلم يقولون آمنا) إ. ه.

قلت: انظر إلى تقطيعه الآية واستشهاده ببعضها دون بعض: فتمام الآية الثانية: {يقولون آمنا به كل من عند ربنا} وسياقها معلوم.

وما ذكره من استشهاده بهاتين الايتين لا يدل على مطلوبه . فنحن لا ننكر شمولها لاهل البيت- علمائهم- ولكن اين الدليل على تخصيصها بهم دون غيرهم ولفظها عام. والآية الأولى اتبعها الله سبحانه بذكر نعمته على آل ابراهيم فقال: { أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه وكفى بجهنّم سعيراً} فان كان يدعي ان آل ابراهيم هنا هم أهل البيت فقط نغص عليه ذلك قوله تعالى: {فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه} مما يقتضي شمولها لهم جميعاً، ثم ان آل ابراهيم يشمل حتى اليهود، فما يقول في ذلك؟

لكن هذا الموسوي انما يستدل على تفسيره هذا بقول جعفر الصادق الذي اخرجه محمّد بن يعقوب الكليني، وقد تقدم بيان حاله وحال كتابه، هذا على فرض اصابة جعفر الصادق في تفسيره هذه الآية، فهم محتاجون في ذلك إلى أمرين؛ الأول: إثبات صحة ذلك عن جعفر، والثاني: إثبات صحة قول جعفر هذا في نفسه، وأنّى لهم ذلك في كلا الأمرين؟ !

ولا يغرّنّك قوله في الهامش (34/67): (أخرج ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب بسنده الصحيح) فإنّه من الكذب الذي يستحي منه العقلاء وقد قدمنا في تعقيبنا على كلامه في الهامش (14/63) ما في هذا اللفظ من المبالغة والكذب وبينا حال الكليني هناك اضافة إلى التفصيل في ذلك في مقدمة كتابنا فراجع ذلك. ثم ان هذا قول جعفر الصادق فلا يلزمنا الحجة أبداً، وهو استدلال بموضع النزاع فلا يصح.

اما قوله في الهامش (33/67): (كما اعترف به ابن حجر حيث عد هذه الآية . .) فهو من المغالطة الشنيعة، إذ كل من قرأ كتاب ابن حجر هذا (الصواعق المحرقة) علم ان منهجه فيه ذكر جميع الاقوال والادلة واستقصاؤها بغض النظر عن صحتها وانطباقها على المطلوب الا تراه يضعف احياناً بعض الادلة التي يذكرها ويردها، مثل تضعيفه لحديث (اهل بيتي امان لامتي. . .) المتقدم ذكره في الفقرة السابقة، ومثل تضعيفه لقول علي رضي الله عنه: (نحن النجباء. . .) الوارد في الهامش (15) صفحة (47) من المراجعات وغيرها كثير، ناهيك عن الادلة التي لا يذكر اسنادها ولا يتكلم بشيء عن صحتها وثبوتها.

وما سوى ذلك من الآثار عن جعفر الصادق أو محمّد الباقر ليس فيه دليل يلزم به أهل السّنّة، على فرض ثبوت صحته عنهم، كما قلنا ولله الحمد.

قوله: (و هم رجال الاعراف الذين قال: على الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) قلت: استلاله بهذه الآية من افسد الاستدلالات، ذلك انه يحط من قدر علي رضي الله عنه وأهل البيت حين يقول انهم هم اصحاب الاعراف، فالأعراف جمع عرف وكل مرتفع عن الارض عند العرف يسمى عرفا ً، كما قال ابن جرير (8/127). واصحاب الاعراف اختلفت عبارات المفسرين فيهم ومن هم لكنّها ترجع إلى معنى واحد وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فجعلوا هنالك إلى ان يقضي الله فيهم ما يشاء ثم يدخلهم الجنة بفضله ورحمته اياهم وقد ورد التصريح بذلك في بعض الاحاديث المرفوعة إلى رسول صلّى الله عليه وسلّم مثل ما اخرجه ابن جرير(8/128) وابو بكر بن مردويه وابن ابي حاتم- (تفسير ابن كثير) (2/216)، (الدر المنثور) (3/463- 465)- والبيهقي في (البعث والنشور) (111)، من طرق وان كان في اسانيدها ما فيها لكنا احسن حالا مما يستشهد به هذا الموسوي. وقد نص علىهذا المعنى في اصحاب الاعراف ابن عباس وحذيفة وابن مسعود وعبد الله بن الحارث بن نوفل ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله أجمعين فيما اخرجه الطبري (8/127- 128) وابن ابي حاتم- (ابن كثير) (2/217)- والبيهقي في (البعث والنشور) (108، 109، 110، 118، 119، 120)، وذكر آثارا ً اخرى السيوطي في (الدر المنثور) (3/ 461- 466) . . وهناك اقوال اخرى لكنّها مرجوحة مثل من قال انهم ملائكة أو انهم انبياء أو انهم علماء صالحون أو اهم من الجن وغير ذلك، لكن الصواب هو القول الأول، وليس هناك ذكر لما زعمه هذا الموسوي أبدا ً.

ثم إنّ سياق الآية مما يؤيد القول الأول الذي ذكرناه، قال الله تعالى: { وبينهما حجابٌ وعلى الاعراف رجالٌ يعرفون كلا بسيماهم ونادوا اصحاب الجنة ان سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون واذا صُرفت أبصارهم تلقاءَ اصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين} فهم اذاً لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون في دخولها ويستعيذون بالله من النار، فقط نجتهم حسناتهم من النار وقصرت بهم عن دخول الجنة. . . وواضح من سياق الآيات تلك إنّ من هم في الجنة في تلك الساعة وهم الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى قبل ثلاث آيات من هذه الآية فقال: {و نزعنا ما في صدورهم من غلٍ تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسلُ ربنا بالحق ونُودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون} هؤلاء خير وأفضل ممن لم يدخل الجنة بعد وان كان سيدخلها بإذن الله، فالسبق إلى الجنة دليل على الأفضلية، الا ترى ان الرسول e هو أول من يُفتَح له بابُ الجنة كما ثبت ذلك في أحاديث متواترة وأمته أول الأمم دخولاً؟ فلو صحّ ما ادّعاه من ان علياً وأهل البيت هم اصحاب الأعراف وانهم في تلك الساعة لم يدخلوا الجنة بعد وقد دخلتها امم كثيرة فهو بهذا ينتقص من مرتبتهم ويحطّ من قدرهم، كما أسلفنا وهذا ما يفعله الجهل بأصحابه. .

قال القرطبي (7/136): (وقال ابن عطية: واللازم من الآية ان على الأعراف رجالا ً من أهل الجنة يتأخر دخولهم وتقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين) إ. ه.

وبعد أن قررنا من هم أصحاب الأعراففيما بينأ ثبوته عن الصحابة والتابعين، ورددنا ما سوى ذلك فهذا أوان الكلام على ما زعمه هذا الموسوي فيما ساقه في الهامش (35/ 67) فنقول:

أما قول ابن عباس الذي زعمه من تفسير الثعلبي فهو شبه الريح لم يبين مخرجه ولا اسناده ولا موضعه، واني له ذلك وهو لم ينقله من نفس التفسير، هذا مع معارضته لما ثبت من قول ابن عباس نفسه فيما اخرجه الطبري والبيهقي وغيرهما مما اشرنا اليه قبل قليل، ونحن نذكر اسنادا لما ننسبه إلى ابن عباس لا كما يفعل هذا الموسوي خصوصا وقد مر بنا التنبيه على تفسير الثعلبي هذا. واما قول علي وقول سلّمان الفارسي رضي الله عنهما اللذان عزاهما للحاكم فتلفيق واضح لكل من راجع (مستدرك الحاكم) عند تفسير هذه الآية، وهو لا يستحي من مثل هذا فليس عند الحاكم أياُ من ذلك ولا شبيهه، لذا تراه لم يذكر موضعا في ذلك. كل ما عند الحاكم ان روى (2/320) باسناده عن حذيفة قال: (اصحاب الاعراف قوم تجأوزت بهم حسناتهم النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة فإذا صرفت ابصارهم تلقاء اصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك قال قوموا ادخلوا الجنة فاني قد غفرت لكم) . قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. فأين هذا مما ادعاه هذا الموسوي؟ اهذه هي امأنته في النقل؟ ابمثل هذا يصبح الرجل إماما ً ؟ فمن فعل مثل هذا- وهو كثير- لا يستبعد منه ان يختلق هذه المراجعات من اساسها، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وها هو الحاكم الذي يعول عليه هذا الموسوي واشباهه كثيرا ً يروي في تفسيره هذه الآية ما يدحض حجتهم ويؤيد ما ذهبنا اليه قبلا ً، ولله الحمد والمنة.

ثم باقي ما جاء في هامش هذا الموسوي نقله من (الصواعق المحرقة) فليس له فضل فيه . وقبل الكلام على ما أورده تفصيلاً أحب أن اذكر بمنهج ابن حجر الهيثمي في صواعقه، فلم يلتزم هو الصحة إطلاقا ً ولم يدّع ذلك بل ربما يضعّف هو نفسه ما يورده هناك، فعلى هذا لا يكفي للإحتجاج بما يورده ابن حجر هناك مجرد ذكره بل لا بد من معرفة إسناده ومخرجه ومن ثم ثبوته حتى يصح الإحتجاج به، وهو أمر معدوم هنا بالكلية مع ما تحقق لنا من كذب تلك الأحاديث التي ساقها ابن حجر هناك ونقلها هذا الموسوي في هذا الهامش واليك التفصيل:

اما حديث الدارقطني الأول الذي فيه كلام علي رضي الله عنه للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم، وهو حديث طويل فقد امكننا معرفة مخرجه واسناده، إذ ذكره ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة المرفوعة) (1/358- 359) وساق بطوله من حديث أبي الطفيل عامر بن وائلة الكناني قال: (كنت على الباب يوم الشورى فارتفعت الاصوات بينهم فسمعت عليا يقول . . . وذكره) . وعزاه للعقيلي في الضعفاء من طريق زافر بن سليمان عن رجل الحارث بن محمّد، قال: وشيخ زافر لا يُدرى من هو، وكذا الحارث بن محمّد، قال العقيلي: ورو اه محمّد بن حميد الرازي فقال ثنا زافر ثنا الحارث بن محمّد، واسقط الرجل المبهم، وهذا عمل ابن حميد ولا أصل لهذا الحديث عن علي إ. ه. وقال ابن الجوزي: زافر مطعونٌ فيه، ثم انه رواه عن مبهم، ولعله الذي وضعه. ثم الحديث الذي اشار اليه ابن حجر- ونقله الموسوي في هامشه- فقال: معناه ما رواه عنترة عن علي الرضا ان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له: يا علي أنت قسيم الجنة والنار. . . فلم يبين من أخرجه ولم نجده في أي من الكتب ونحن نسأل هل يمكن ان يصح ويوجد مثل هذا الاسناد: (علي الرضا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم) ؟ فعلي هذا هو ابن موسى بن جعفر بن محمّد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، من كبار الطبقة العاشرة مات سنة ثلاث ومائتين ولم يكمل الخمسين- كما في ترجمته من (التهذيب) و(التقريب)- وعلى هذا يكون قد ولد بعد وفاة النبي صَلّى الله عليه وسلّم بمائة وثلاث واربعين سنة تقريبا، فهل هذه هي أسانيد الشيعة؟ ؟

بقي الحديث الأخير الذي ذكره ابن حجر- ونقله هذا الموسوي أيضاً - ان أبا بكر قال لعلي رضي الله عنهما: سمعت رسول الله يقول: لا يجوز احد الصراط الا من كتب له عليّ الجواز إ. ه.

وقد ذكره ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/ 366) وعزاه للخطيب البغدادي من طريق عمر بن واصل، ونقل قول الخطيب: هذا من عمل القصّاص وضعه عمر أو وضع عليه إ. ه. وعمر بن واصل هذا ذكره الذهبي في (الميزان) وقال: اتهمه الخطيب بالوضع إ. ه. فالحديث اذا موضوع مكذوب وقد عده من الموضوعات أيضاً كلّ من ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/398)، والسيوطي في (اللالئ المصنوعة) (1/197)، والشوكاني في (الفوائد المجموعة) (381) وذكروا له أيضاً ألفاظا ً أخرى في معناه كلها موضوعة مكذوبة مردودة، مثل: (اذا جمع الله الأولين والآخرين ونصب الصراط على جسر جهنم لم يجزه أحدٌ الا من كانه معه براءة بولاية علي) ومثل: (على الصراط عقبة لا يجوزها أحد الا بجواز من علي بن ابي طالب) فقبّح الله من وضعها. . .

قوله: (ورجال الصدق الذين قال: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا)إ. ه.

قلت: لا شك في دخول علي رضي الله عنه وأهل البيت في هذه الآية كدخول غيرهم من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وآخرين، فلفظها عام لا ينبغي لاحد تخصيصه حتى بسبب نزولها، حسب القاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فحتى وان صح ما ادعاه هذا في سبب نزولها لا يمكنه قصرها عليهم دون غيرهم، اقول هذا وأنا لا اشك في عدم صحة ما ادعاه في سبب نزولها، وهذه كتب اسباب النزول ككتاب الواحدي الذي نقل منه الكثير وكتاب السيوطي تذكر سببا ً غير ما ذكره لهذه الآية، وهو أصح سندا ً واقوى ثبوتا ً وعليه اتفاقهم لكنّه حين رأى فيها ما رأى أعرض عنها إلى قصة لا يعرف سندها ولا صحتها.

فقد أخرج الامام احمد (3/201)، والبخاري (4/23)، ومسلّم(3/ 1512)، والترمذي (4/162- 163)، وابن جرير (21/ 144)، وابو نعيم في (الحلية) (1/ 121)، وابن ابي حاتم وابن مردويه- (تفسير ابن كثير) (3/475)، (الدر المنثور) (6/ 586) – والواحدي في (اسباب النزول) (ص 265، 266)- وانظر كذلك (اسباب النزول) للسيوطي (ص 134)- سبب نزول هذه الآية وانها نزلت في أنس بن النضر- عم أنس بن مالك – رضي الله عنه حين استشهد يوم احد. .

وما نقله في الهامش (36/68) عن ابن حجر من (الصواعق المحرقة) من قول علي رضي الله عنه فلا يعتبر دليلا لعدم معرفة مخرجه واسناده ولا صحته فنحن لا نحتج بمثل هذا أبداً، وهو ما نبهنا عليه قريبا من منهج ابن حجر في كتابه ذاك وانه يذكر جميع الاقوال في المسألة، لذا فذكره لها لا يُغني في ميزان الحق شيئا ً دون معرفة إسناده وصحته, وهو أمر لا قِبَلَ لهذا الموسوي به والحمد لله. ثم ان الآية حتى وان ثبت ما قاله فيهما لا دليل فيها اطلاقا على مطلوبه من امامة علي وأهل البيت دون سواهم فليس فيما سوى وصفهم بالصدق فيما عاهدوا الله عليه، اين هذا من الامامة ؟ أيقتضي وصف أنسان بالصدق في عهده ان يكون اماما على غيره؟ هذا قول تعجزه الادلة على مطلوبه الفاسد فيتذرّع لذلك بشتى الذرائع وان كأنت واهية.

بقي من تعليقه في الهامش (36/ 68) عزوه سبب نزولها الذي ادعاه للحاكم من طريق عمرو بن ثابت عن ابي اسحاق عن علي. هذا ما اظهره لنا من اسناده وهو لوحده كاف في رد الحديث وبيان ضعفه, إذ ان فيه ثلاث علل:

الأولى: عمرو بن ثابت هذا هو الكوفي، قال الحافظ في (التقريب): (ضعيف رمي بالرفض)وقال ابن المبارك: لا تحدثوا عنه فإنّه كان يسب السلف. وقال ابن معين: هو غير ثقة. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال مرة: ليس بثقة ولا مأمون. . . وهو إلى ذلك متهم بالرفض فلا يحتج به في شيء من فضائل علي، كما هو المقرر في (المصطلح).

الثانية: ابو اسحاق المذكور هو السبيعي المعروف وهوثقة لكنّه اختلط بآخره- كما في (التهذيب) وغيره- وعمرو بن ثابت السابق الذكر ممن اخذ عنه في الاختلاط لأنه متأخر عنه جدا ً فبين وفاتيهما ثلاث ٌ واربعون سنة.

الثالثة: تتعلق بأبي إسحاق السبيعي أيضاً فهو إلى حاله السابق مدلّس وقد عنعنه (عن علي) فلا يطمئن لروايته، خصوصا وان لم يثبت له سماع من علي رضي الله عنه- كما في (التهذيب)- وانما رآه فقط، إذ أنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه، فذلك يعني أنه حين مات علي رضي الله عنه كان عمره أقل من سبع سنين.

هذه ثلاث علل لما أظهره فقط من إسناد هذا القول، وكل واحدة منها تكفي لردّ حديثٍ لم يعارضه شيء فكيف اذا اجتمعت في إسناد واحدٍ لقولٍ خالفه أصح منه واثبت واكثر طرقاً؟ لا شك في رده وابطاله.

ثم رجعت إلى (مستدرك الحاكم) في تفسير هذه الآية لعلي أجد ما ادعاه هذه الموسوي فلم أجده هناك أبدا ً وليس عند الحاكم في تفسير هذه الآية سوى حديث طلحة رضي الله عنه بأنه ممن قضى نحبه- اي طلحة- وهوالذي رواه غير الحاكم أيضاً كالطبري وابن أبي حاتم وكذا الترمذي. ومما يؤكد عدم وجوده في (المستدرك) أيضاً انه لم ينقله من المستدرك بل من تفسير(مجمع البيان) الذي أشار إلى الحاكم وذكر الإسناد، و(مجمع البيان) ليس من كتب أهل السّنّة حتى يحتج بما فيه الموسوي على أهل السّنّة بل هو من كتبهم هم لإمامهم أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، ولم يتيسر لي الرجوع اليه وان كان هذا لا يعنينا فاللازم ان يحتج هذا الموسوي على أهل السّنّة بما في كتبهم هم كما زعم في مقدمة مراجعاته، وان كان الاحتجاج حاصل برواية الحاكم فنحن نسأل اين روى ذلك الحاكم؟ فليس هو في مستدركه، وعلى كل حال فالإسناد الذي ساقه كافٍ لردّ الحديث- كما بيناه- ان صح زعمه بإخراج الحاكم لذلك، والله ولي التوفيق. .

قوله: (ورجال التسبيح الذين قال الله تعالى: يسبح له فيها بالغدو والاصال رجال لا تلهيهم تجارة ٌو لا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما ً تتقلب فيه القلوب والأبصار، وبيوتهم هي التي ذكرها الله عزّ وجلّ فقال: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) إ. ه.

قلت: استشهاده هذا ينبغي له ان يجعله استشهادا ً واحدا ً لأنها آية واحدة، وهي قوله تعالى: { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدو والآصال رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصّلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما ً تتقلّب فيه القلوب والأبصار} وفيها أثر واحد وهو ما ذكره في الهامش (38/68) ففي سبب نزول قوله تعالى: {و اذا رأوا تجارة أو لهوا ً انفضّوا إليها وتركوك قائما ً} ولا أدري من أين نقله ولم يُشِر هو حتى إلى مصدره، مما يؤكد الريبة فيه خصوصا وان لا تعلق ابدا بين الحادثة التي جرت يوم الجمعة- كما جاء فيه- وبين قوله تعالى: {يسبّح له فيه بالغدوّ والآصال رجالٌ لا تلهيهم . . } الآية ولا اظنه الا من تصرفه بالنص.

ولا عبرة بعزوه ذلك إلى مجاهد وابن عباس فإنّه لا شك في كذبه، الا تراه قد عمّى على مصدره فلم يذكره، وهذه كتب التفسير واسباب النزول التي تحكي عن ابن عباس ومجاهد خلاف ما قاله، كما سنبينه.

والصحيح في سبب نزول قوله تعالى: {و اذا رأوا تجارةً أو لهوا ً انفضّوا إليها وتركوك قائماً}- وهي الآية التي ذكرها الموسوي في الهامش (37/ 68)- ما أخرجه الامام احمد (3/370) والبخاري (2/16)، ومسلّم (2/590)، والترمذي (4/200) وابن جرير (28/67، 68)، والحافظ ابو يعلى- (تفسير ابن كثير) (4/367)-، والواحدي (ص319- 320)، وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (8/165) لسعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد الرحمن وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي، من طرق عن جابر بن عبد الله قال: بينما نحن نصلّي مع النبي صلّى الله عليه وسلّم إذ اقبلت عيرٌ تحمل طعاما ً، فالتفتوا اليها حتى ما بقى مع النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا اثنا عشر رجلا ً فنزلت هذه الآية: {و اذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائما ً}.

وقد جاء التصريح بتسمية بعض الاثني عشر هؤلاء بأنّ فيهم (ابا بكر وعمر) عند مسلّم والترمذي وأبي يعلى والواحدي والآخرين الذين عزاه السيوطي اليهم، وهذا يبين لك التحريف الذي قام به هذا الموسوي أو من اعتمد عليه، فحذف من الرواية ابا بكر وعمر ووضع بدلاً من ذلك علياً والحسن والحسين وفاطمة.

وهناك روايات اخرى في تسمية هؤلاء الاثني عشر ذكرها ابن حجر في (فتح الباري) (2/539) وليس في اي منها- حتى الضعيفة- ذكر لما ادعاه هذا الموسوي هنا، فبعض الروايات تقول ان منهم جابرا رأوي الحديث، وبعضها تذكر سالماً مولى أبي حذيفة وبعضها الخلفاء الاربعة وابن مسعود وبعضها تذكر العشرة المبشرة وبلالاً وابن مسعود، ، واصحها اسنادا تلك التي تذكر ابا بكر وعمر وجابر، والمهم ان ليس هناك ذكر للرواية التي اخترعها، وقد استقصى السيوطي في (الدر المنثور) (8/165- 167) هذه الرواية ما صح منها وما لم يصح وليس في اي منها ذكر للحسن والحسين وفاطمة رضي الله عنهم اجمعين، والحسن كان عمره ثماني سنوات حين توفي رسول الله r والحسين ست سنين، وهذه الآية نزلت في عهد متقدم في المدينة، وعلى ابعد الاحتمالات قبل فتح مكة الذي كان سنة ثمان للهجرة، ومعنى هذا ان عمر الحسن- على ابعد الاحتمالات- حين نزولها كان اقل من خمس سنين والحسين اقل من ثلاث فلا يمكن ان يكونا شهدا تلك الواقعة لكن الصحيح انها نزلت قبل ان يولد الحسن والحسين أو ولد الحسن لبضعة أشهر، أما فاطمة رضي الله عنها فلم ينقل انها كأنت تشهد الجمعة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا غيرها من المؤمنات، ثم ان لفظ الآية التي ادّعى نزولها في ذلك- وهي التي ذكرها في المتن دون الهامش وليس فيها ذكر الجمعة- لا يحتمل شمول فاطمة رضي الله عنها، إذ قال الله تعالى {رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ . . . } فلا يمكن دخول فاطمة في لفظ {رجال}.

وقد ذكر السيوطي في (الدر المنثور) فيما ذكر من الروايات رواية ابن عباس في سبب نزول هذه الآية بلفظ قريب مما هو في الهامش (37/68) لكنّها ليس فيها ذكر لعلي ولا الحسن ولا الحسين ولا فاطمة، وعزاها لابن مردويه لكن ضعفها الحافظ في (الفتح) (2/538)، وأخرى عن ابن عباس ايضا عند عبد بن حميد وثالثة عند البزار، ونقل السيوطي (8/ 166) عن عبد بن حميد قول مجاهد في هذه الآية بما يخالف ما ادعاه هنا في الهامش.

أما الأثر الذي ذكره في الهامش (38/69) في قوله تعالى: { في بيوت اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه . . . الاية} فقد عزاه للثعلبي في تفسيره، وما صنع شيئا لعدم معرفة اسناده ومقدار صحته وإلا ليسق لنا اسناده ان كان صادقا بل وجوده في تفسير الثعلبي وحده مما يؤكد الشبهة فيه ويمنع من قبوله دون معرفة اسناده لما اسلفنا من حال الثعلبي في تفسيره وانه حاطب ليل، وما اكثر الموضوعات فيه التي بينها ونبه عليها أهل العلم بالحديث ولا اظن هذا الاثر الا واحدا منها، ولا اراه نقله الا من سلفه ابن المطهر الحلي الذي رد عليه شيخ الإسلام فقال- (المنتقى) (ص450)-: (و الحديث كذب بلا ريب) وهذا الحكم لا يسعه رده ولا احدا على مذهبه الا ان يسوق لنا اسناده ويبين لنا صحته، ثم ان لفظ الآية {رجال} يمنع من حمله على علي وفاطمة وحتى على علي وحده، اما اذا اريد ان الآية تشملهم فهذا صحيح، وهو كذلك في الآية السابقة أيضاً فآل علي رضي الله عنه هم من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهم من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من الصحابة وآل البيت اجمعين، وأيضاً هي لا تدل على أفضليتهم على غيرهم وتقديمهم في الامامة حتى وان كأنت خاصة بهم فكيف وهي تعمهم وتعم غيرهم كما اسلفنا؟

وحتى لفظ الحديث الذي ساقه ليس فيه دليل على الأفضلية، قصارى ما فيه دليل على الفضل لا الأفضلية فلم يقل ان الآية بهم وحدهم ولم يقل ان بيتهم أفضل البيوت بل قال: (من أفاضلها) وهذا يقتضي مشاركة غيره له في هذه المنزلة، وهذا كله على فرض صحته.

وان مما يرد عليه احتجاجه بهذه الآية ما ثبت من تفسير البيوت هنا بالمساجد، قال ابن تيمية- (المنتقى) (ص450)-: (باتفاق الناس) قلت: وهو قول حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فيما أخرجه الطبري (18/100) من اكثر من طريق واخرجه أيضاً ابن ابي حاتم- (الدر المنثور) (6/202)- وبه قال مجاهد والحسن وأبو صالح وسالم ابن عمر وابن زيد وقتادة وغير واحد. واخرجه الطبري (18/100) بسند صحيح إلى عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت اصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهم يقولون: المساجد بيوت الله وانه حق على الله ان يكرم من زاره فيها. وعمرو بن ميمون هذا تابعيّ ثقة أدرك الجاهلية ولم يلقَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لكنّه روى عن عدد من الصحابة مثل عمر وابن مسعود ومعاذ وابي ذر وسعد بن ابي وقاص وابن عباس وابي هريرة وغيره- (تهذيب التهذيب)- هذا هو الصواب في معنى البيوت هنا وهو الذي اختاره محققو المفسرين كابن جرير الطبري وابن كثير. وهو الذي يتناسب مع سياق الآية فيما قبلها وما بعدها، فقبل هذه الآية ضرب الله مثلا فقال: {الله نور السمأوات والأرض مثل نروه كمشكاة فيها مصباح. . . } الآية وهو مثل ضربه الله تعالى لقلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم- كما سيأتي بيانه- فلما بينه الله تعالى ذكر بعد ذلك محله وهي المساجد التي هي احب البقاع إلى الله تعالى من الارض وهي بيوته- كما بينه ابن كثير- واما ما بعدها فهو قوله تعالى: {يسبح له فيها بالغدو والاصال. . . } فين انها بنيت اساسا للعبادة فكأنت هي المساجد.

وهناك اقوال اخرى في الاية- وما سبق اصح- وليس فيها ما ادعاه هذا الموسوي هنا سوى نقل السيوطي في (الدر المنثور) (6/203) لحديث أنس وبريدة المزعوم هذا ولم يسنده للثعلبي بل لابن مردويه ولم يبين اسناده ولم يتكلم عليه بشيء ابدا فلا يعتبر بذلك حجة، إذ وجود الحديث في اي كتاب سوى الصحيحين- البخاري ومسلّم- لا يلزم منه صحتها خصوصا عند السيوطي المعروف بالتساهل وهذا امر بيناه مراراً.

لكن الملفت للنظر عند مقارنة لفظ الحديث الذي ساقه السيوطي وهذا الذي في (المراجعات) يتبين ان الحديث واحد وبلفظ واحد تماما سوى فقرة فيه ذكرها السيوطي وليست هي في هامش (المراجعات) وقد ذكرها أيضاً ابن المطهر الحلي عند استدلاله بهذا الحديث مما يجعلني اجزم ان المتصرف بها والذي حذفها هو صاحب (المراجعات) نفسه الموسوي هذا لان وجودها عند الثعلبي متحقق بنقل ابن المطهر منه، كما هو وجودها عند ابن المطهر وكذا ذكرها السيوطي فلم يبق الا الموسوي هذا، ذلك ان فيها ما ينقض عليه احتجاجه بهذا الحديث على فرض ثبوته، وهذه الفقرة هي بعد ما قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الآية: (فقام اليه رجل فقال: اي بيوت هذه يا رسول الله ؟ قال: بيوت الانبياء، فقام اليه أبو بكر . . .) فجريا ً معه في استدلاله بهذا الحديث يكون المقصود بهذه البيوت بيوت الأنبياء، وأفضلهم محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وبيوته تشمل بيوت زوجاته أمّهات المؤمنين رضي الله عنهنّ أجمعين كعائشة وحفصة وغيرهما، ويكون- بدليله الذي استدل به- بيت عائشة وبيت حفصة أول المقصودين في الآية ثم باقي بيوت آل البيت رضي الله عنهم.

فانظر إلى صنيع هذا الرجل بهذا النص الذي ساقه هو لكنّه مع ذلك لم يكن امينا حتى في نقل حروفه، وحرّفه واقتطع منه ما لا يريد وما لا يوافق هواه وهذا كله مما يدحض من وصفه في ترجمته في مقدمة الكتاب بامانة النقل، لا بل بالتلاعب بالنّصوص وفق ما يريده، وهذا ما يترفع عنه الشرفاء الصادقون، حتى سلفه ابن المطهر لم يجرؤ على مثل هذا الفعل. والحمد لله فقد كفونا بذلك مؤونة البحث عن إسناد الحديث ومعرفة ثبوته لانه حتى لو ثبت لما كان دليلا خاصا بعلي وآله. كما افترى هذا الموسوي والحمد لله على توفيقه في بيان زيف الباطل واهله. .

قوله: (وقد جعل الله مشكاتهم في اية النور مثلا لنوره وله المثل الاعلى في السمأوات والارض وهو العزيز الحكيم) وقال في الهامش (39/69): (اشارة إلى قوله تعالى {مثل نوره كمشكاةٍ فيها مصباح. } الآية فقد أخرج ابن المغازلي الشافعي في مناقبه بالاسناد إلى علي بن جعفر قال سألت ابا الحسن (الكاظم) عن قوله عزّ وجلّ: كمشكاة فيها مصباح، قال عليه السّلام: المشكاة فاطمة، والمصباح الحسن والحسين، والزجاجة كأنها كوكب دريّ قال: كأنت فاطمة كوكباً درياً بين نساء العالمين توقد من شجرة مباركة شجرة ابراهيم، لا شرقية ولا غربية ولا يهودية ولا نصرانية، يكاد زيتها يضيء، قال: يكاد العلم ينطق منها ولو لم تمسسه نار نور على نور، قال فيها إمام يهدي الله لنوره من يشاء، يهدي الله لولايتنا من يشاء إ. ه. وهذا التأويل مستفيض عن أهل بيت التنزيل)إ. ه.

قلت: بل هذا تأويل باطل مكذوب لا يصدر الا عمن حملته عصبيته على ليّ النّصوص ليّاً وبتكلّف يريد ان يجعل كل آية فيها مدح أو مثلٌ حسن لمذهبه وبالعكس لأضداده، وكأن الدنيا ليس فيها أمرٌ أهم من ولاية أهل البيت، ولو كان صادقاً في ثبوت هذا التأويل لساق اسناده بالكامل ولم يكتف بقوله: (بالإسناد) فان هذا يصحّ حتى على الموضوع المكذوب، هذا أولاً، وثانياً: فان هذا التأويل منسوب إلى الكاظم فهو لا يلزم أهل السّنّة بشيء، وهو يسوقه اليهم يريد اقامة الحجة علهيم، افيصح مثل هذا؟ كحال اليهودي الذي يحتج على المسلّم بما في التوراة. وهذا من اصول المناظرة عن أهل العلم.

وثالثاً: فان ما ذكره من التأويل لا يستقيم حتى مع لفظ الآية وسياقها، فإنّه مرة يجعل المشكاة هي فاطمة رضي الله عنها ومرة يجعل مثلها الزجاجة التي مثلها كوكب دري، وهذا تناف في نفس سياق الآية وفي المثل، فان المشكاة هي موضع الفتيلة من القنديل كما قال غير واحد، وهو شيء آخر غير الزجاجة التي تحيط بالمصباح التي كأنها كوكب دري، فلا يمكن الجمع بينهما، ثم ان المصباح هنا مفرد وهو يدل على شيء واحد مفرد ايضاً، بينما يجعلها هو الحسن والحسين وهو من تحميل النص ما لا يحتمله، فلو كانا مرادين لقال (فيها مصباحان). يضاف إلى ذلك عدم تفسيره للزيتونة المذكورة وهو ما لا يستطيعه مع هذا التأويل فاعرض عنه. وتفسيره {يكاد زيتها يضيء} بقوله (يكاد العلم ينطق منها) مما يبين جهله فان معناها ان العلم لم ينطق منها بل كاد. لكن المهم انه لم ينطق من شجرة فاطمة وذريتها، هذا هو معنى الفعل (كاد) في لغة العرب. ثم قوله { نور على نور } اي فيها إمام بعد إمام دعوى لا دليل عليها ولو كان صحيحا لقال (نور بعد نور)و لم يقل على، ومثلها تفسيره{ يهدي الله لنوره من يشاء} يهدي الله لولايتنا من يشاء، فان النور هنا هو نفسه في أول الآية في قوله {مثل نوره. . . } ثم قال{يهدي الله لنوره} اي ذاك، فكيف يفسر مرة بفاطمة وذريتها ومرة بولاية أهل البيت، هذا تناقض واضح.

ورابعاً: ثبت تفسير هذه الآية تفسيرا واضحا وكافيا وشافيا عن حبر الامة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أعلم أهل اليت بعد عليّ رضي الله عنه. وثبت أيضاً عن غيره من الصحابة والتابعين بما يخالف هذا التأويل المزعوم وهو أيضاً مروي عن بعض أهل البيت، واسناده اصح مما ذكر على فرض ان ما ذكره له إسناد وهو المستفيض عن الصحابة والتابعين وسلف الأمة . اخرج ابن جرير (18/94) عن ابن عباس قوله: { الله نور السموات والارض} يقول: الله سبحانه هادي أهل السموات والارض. واخرج أيضاً عن أنس قال: ان الهي يقول نوري هداي. وهو الذي اختاره ابن جرير وبين وجه تناسبه مع سياق الآية قبلها وبعدها. {مثل نوره} أي مثل نوره في قلب المؤمن أو مثل هداه أو مثل من آمن به، وكلها متقاربة . وقد فسّره بما ذكرنا كل من عبد الله بن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وعكرمة وقتادة، أخرجه عنهم ابن جرير (18/94-95)، وعبد الرزاق وعبد بن حميد- (الدر المنثور) (6/199-200)- واخرج قول ابن عباس أيضاً الحاكم (2/398)- وصححه ووافقه الذهبي- وابن ابي حاتم- (الدر المنثور) (6/196)- ولفظ ابن عباس عند الحاكم صريح كل الصراحة في ربط هذا المثال مع الايات بعدها وهي التي قدمنا الكلام عليها أولا. إذ قال ابن عباس في قوله تعالى {في بيوتٍ أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. . . } قال: (ضرب الله هذا المثل وهو قوله {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة . . . } لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا اتجر الناس وابيعهم ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله) إ. ه. راجع (مستدرك الحاكم) (2/398) .

فالمثل اذا ضربه الله تعالى لقلب المؤمن وما فيه من الهدى إذ شبه قلب المؤمن بالمشكاة {فيها مصباح} وهو النور في قلب المؤمن {المصباح في زجاجة} وهي صدر المؤمن {الزجاجة كأنها كوكب دري} اي من شدة اضاءتها {يوقد من شجرة مباركة } وهو الاخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له- كما قال ابي بن كعب- {زيتونه لا شرقية ولا غربية} اي ان الزيت الذي يوقد هذا المصباح هو أفضل انواعه وهو من زيت الزيتون، ومن اجود انواعه أيضاً إذ ان شجرته في الصحراء لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف ولا يواريها شيء وهو أجود لزيتها- كما قال ابن عباس- اي ان الشمس اذا اشرقت اشرقت عليها واذا غربت غربت عليها فذلك اصفى ما يكون من الزيت- وهو قول مجاهد ايضا- {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} اي ان هذا الزيت لشدة صفائه يكاد يتوهج ولو لم تمسسه نار، فكذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل ان يأتيه العلم فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورا على نور {نورٌ على نور} اي فكما ان هذا الزيت ازداد نوراً بالنار على نوره نفسه فكذلك المؤمن زاده الله نورا بالقرآن على ما جعل في قلبه من نور الحجج والبينات ونور الفطرة {يهدي الله لنوره من يشاء} اي يوفق الله سبحانه لاتباع نوره هذا من يشاء من عباده.

وهذا التأويل الذي ذكرناه هو الذي يفهم من اقوال الصحابة والتابعين وسلف الامة في هذه الآية، فراجعه في (تفسير الطبري) (18/94-99)، (تفسيرابن كثير) (3/289- 291)، (الدر المنثور) (6/196-200)، والحمد لله الذي ميّز الخبيث من الطيب. . .

قوله: (وهم السابقون السابقون أولئك المقربون) وقال في الهامش (40/69): (اخرج الديلمي كما في الحديث 29 من الفصل الثاني من الباب 9 من الصواعق المحرقة لابن حجر عن عائشة، والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس ان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين، والسابق إلى محمّد علي بن ابي طالب إ. ه. وأخرجه الموفق بن احمد والفقيه ابن المغازلي بالاسناد إلى ابن عباس)إ. ه.

قلت: اما استدلاله بلفظ الآية فهو استدلال احمق، فان الآية- وهي من سورة الواقعة- انما هي في سياق آيات القيامة واصناف الناس عندها، فاهل الجنة هم سابقون مقربون أو اصحاب اليمين الا ترى انه قال بعد ذلك {ثلّة من الأولين وقليل من الآخرين} فبان بذلك انه لم يرد السبق إلى الايمان ولم يرد قوماً مخصوصين بل مرتّبة في الجنة واصحابها موزعون ما بي الامم السالفة والامم الباقية وهو في الأولين اكثر، أو انها خاصة بامة محمّد صلّى الله عليه وسلّم أولها وآخرها. واليك سياق الآيات، قال الله عزّ وجلّ { إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة . إذا رجّت الأرض رجّا وبسّت الجبال بسّاً فكأنت هباءً منبثاً وكنتم أزواجاً ثلاثةً فأصحابُ الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسّابقون السّابقون أولئك المقرّبون}.

واما استدلاله بالحديث المذكور فلا يستقيم له لانه حديث ضعيف جدا ومنكر ان لم يكن موضوعاً مكذوباً، ولا يغني عنه ذكر ابن حجر له في (الصواعق) لما سبق بيانه من منهجه في كتابه ذاك خصوصا وانه لم يعقب عليه بشيء ومثله كل من ذكره من اصحاب التفاسير ولم يتكلم عليه بشيء فلا يعني ذلك ثبوته لان احدا منهم لم يدع انه التزم الصحيح من الحديث في كتابه، وخير مثال على ذلك السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) إذ ذكر الحديث في (8/6) ولم يعقب بشيء على اسناده، مع انه كان قد ذكره أيضاً في (7/52) وبين ضعفه هناك، وهو دليل على ان السكوت على الحديث لا يدل على ثبوته، بل غالبا ما يكون لأجل عدم ثبوته، والله اعلم.

وبالنسبة لحديثنا هذا فقد اخرجه الطبراني في (الكبير) (11152) من رواية الحسين بن أبي السري العسقلاني عن حسين الأشقر. والأول ضعفه ابو دأود، وقال أخوه محمّد: لا تكتبوا عن أخي فإنّه كذاب. وقال ابو عروبة الحراني: هو خال ابي وهو كذاب، انظر (ميزان الاعتدال) وغيره. وشيخه حسين الأشقر ضعيف أيضاً وهو إلى ذلك شيعي غال فلا يقبل خبره في مثل هذا حتى لو غضينا الطرف عن ضعفه: ونقل ابن عدي عن السعدي انه قال: كان غاليا من الشتامين للخيرة. انظر ترجمته في (تهذيب التهذيب) و(الميزان) وغيرهما.

وقد ضعف هذا الحديث السيوطي- كما مر- مع ما عنده من تساهل، وقال العقيلي عنه لا اصل هل- كما في (التهذيب) (2/337)- ورده أيضاً الحافظ ابن كثير في (تفسيره) (3/570) وفي (البداية والنهاية) (1/231)

وقال هذا حديث منكر، وضعفه أيضاً بشدة الالباني في (الضعيفة) (358)، فلا حجة فيه بعد ذلك والحمد لله .

واما كون علي رضي الله عنه كان اسبق إلى الإسلام من غيره فهذا غير مقطوع به، فان أول من سبق إلى الإسلام من الرجال ابو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد، وقطعا كان اسلام خديجة هو أول الجميع، فان كان فيه فضل على الاخرين فلخديجة لا لعليّ . ثم ان إسلام الصبي فيه نزاع، وإسلام أبي بكر كان أكمل وأنفع كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- (المنتقى) (ص463)- وهو معلوم لكل من نظر في السيرة النبوية والحمد لله.

لكن اعظم سابق في هذه الأمة هو ابو بكر رضي الله عنه، كما قال عنه عمر: والله ما سابقته إلى خير قط الا سبقني. .

قوله: (و هم الصديقون والشهداء الصالحون) وقال في الهامش (41/69): (اخرج ابن النجار- كما في الحديث 30 مما أشرنا اليه من الصواعق- عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الصديقون ثلاثة حزقيل مؤمن آل فرعون. وحبيب النجار صاحب ياسين وعلي بن ابي طالب، واخرج ابو نعيم وابن عساكر- كما في الحديث31 مما أشرنا اليه في الصواعق- عن ابن ابي ليلى ان رسول الله قال: الصديقون ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل ياسين قال يا قوم اتبعوا المرسلين، وحزقيل مؤمن آل فرعون قال اتقتلون رجلا ان يقول ربي الله وعلي بن ابي طالب وهو أفضلهم إ. ه. والصحاح في سبقه وكونه الصديق الاكبر والفاروق الاعظم متواترة)إ. ه.

قلت: استدلاله بهذه الآية لا يقل حماقة عن استدلاله بالسابقة، قال الله عزّ وجلّ في هذه الآية: {و من يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقاً} فشملت الآية جميع عباد الله المؤمنين وبين الله تعالى الشرط في ذلك وهو طاعة الله ورسوله فقط ولم يذكر أهل البيت ولا ولايتهم ولا حتى طاعتهم فاستدلاله بالولاية هو استدلال اصحاب الجهل والاهواء.

واما الحديث الذي ذكره فهو حديث موضوع مكذوب باطل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على ابن المطهر وقد ذكر هذا الحديث، وبيّن وجه رده اسناداً ومتناً . اما اسناده فقد بينه شيخ الإسلام- كما في (مختصر المنهاج) (452)- بانه من رواية القطيعي عن الكديمي حدثنا الحسن ابن محمّد الانصاري حدثنا عمرو بن جميع حدثنا ابن ابي ليلى عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه مرفوعاً، واكد اسناده هذا الالباني في (الضعيفة) (1/359) بقوله: (ثم وجدت الحديث رواه ابو نعيم أيضاً في (جزء الكديمي) (31/2) وسنده هكذا: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الانصاري ثنا عمرو بن جميع عن ابن أبي ليلى عن اخيه عيسى عن عبد الرحمن بن ابي ليلى عن ابيه مرفوعاً) إ. ه. وحكم عليه الألباني أيضاً بالوضع، وهو حريّ به، فالكديمي المذكور هو محمّد بن يونس بن موسى الكديمي القرشي السامي، نقل الذهبي في (الميزان) عن ابن حبّان ان الكديمي لعله قد وضع اكثر من الف حديث. وعمرو بن جميع قال عنه الذهبي في (الميزان) أيضاً: كذبه ابن معين، وقال البخاري: منكر الحديث وقال الدارقطني وجماعة: متروك. قلت: وقد اتهمه بالوضع الحافظ ابن عدي. وابن ابي ليلى الأول هو محمّد بن عبد الرحمن بن ابي ليلى، وهو سيء الحفظ جداً كما قال الحافظ وغيره فهذا حال اسناده فيه كذابان وسيء الحفظ جداً، فسقط بذلك الحديث وهو الثاني الذي أشار اليه في هامشه وعزاه لابي نعيم وابن عساكر. واما الأول الذي عزاه لابن النجار عن ابن عباس- وهو ينقل كل ذلك من الصواعق وليس لهفضل في ذكره- فلا اظنه احسن حالاً من الآخر، وحتى وان كان من طريق آخر فقد بينه لنا السيوطي في(الجامع الصغير) (5148) وقال: حديث ضعيف، مع قلة عنايته بذلك. واكرر هنا ان السيوطي متساهل في التصحيح فربما يصحّح الضعيف، وهذا يفيدنا هنا انه اذا حكم على حديث بالضعف فيجعلنا متيقنين من ضعفه وربما يكون موضوعا- كما هو الغالب هنا- وهو يقول ضعيف لتساهله.

وعلى كل فالحديث لا يثبت من جميع طرقه فهو موضوع، كما قال أهل العلم، هذا من جهة اسناده، وما من جهة متنه فان لفظه يقتضي ان الصّدّيقين هم ثلاثة فقط كما هو واضح، وهذا مردود بثبوت تسمية غير هؤلاء صدّيقين، كما بينه شيخ الإسلام- (المنتقى) (ص474)- فقد سمى الله سبحانه النبيين كذلك فقال {انه كان صدّيقاً نبياً} لغير واحد منهم، وقال عن مريم ام عيسى أيضاً {و أمّه صدّيقة} وقال: {و الذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصّديقون} فهذا يقتضي ان كل من آمن بالله ورسله فهو صدّيق، ومثله قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: (لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً)- البخاري (2340)، مسلّم (2607)- وأحق الامة بهذا الاسم هو أبو بكر رضي الله عنه فقد ثبت تسميته بذلك دون حصره به، لكنّه أولى الامة به ففي الصحيحين ان النبي صلّى الله عليه وسلّم صعد احد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم الجبل فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (اثبت أُحُد فما عليك الا نبي وصدِّيق وشهيدان)، وحادثة تسميته بالصّدّيق عقب الاسراء والمعراج معروفةٌ مشهورة، ثم ان الحديث لا يدل على مطلوبه أيضاً من تسمية آل البيت صدّيقين فليس فيه الا ذكر علي فمن أين ألحق به باقي أهل البيت؟

وأولى الامة بالتشبيه بمؤمن آل فرعون هو ابو بكر الصديق رضي الله عنه. وليس عليا، كما ثبت عن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو اخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: بينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن ابي معيط فاخذ بمنكب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فاقبل ابو بكر رضي الله عنه فاخذبمنكبيه ودفعه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم قال: {أتقتلون رجلا ان يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم}- اخرجه البخاري في (صحيحه) (6/159)- وهذا قول مؤمن آل فرعون تمثل به ابو بكر رضي الله، بل ان ابا بكر أفضل منه كما قال ذلك علي رضي الله عنه نفسه فيما اخرجه البزار وابو نعيم في (فضائل الصحابة)- (الدر المنثور) (7/285-286)- عن علي رضي الله عنه انه قال: (أيها الناس أخبروني بأشجع الناس، قالوا: أنت، قال: لا ! قالوا: فمن ؟ قال: أبو بكر رضي الله عنه، لقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واخذته قريش هذا يحثه وهذا يبلبله، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً، قال: فوالله ما دنا منّا أحدٌ إلا أبو بكر رضي الله يضرب هذا ويجاهد هذا، وهو يقول: (ويكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله) ثم رفع علي رضي الله عنه بردة كأنت عليه فبكى حتى أخضلت لحيته، ثم قال: انشدكم بالله أمؤمن آل فرعون خيرٌ أم أبو بكر رضي الله عنه خير من مؤمن آل فرعون؟ ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه) إ. ه.

بقي من قوله في الهامش (و الصحاح في سبقه وكونه الصّدّيق الأكبر والفاروق الأعظم متواترة) . قلت: وهذه دعوى لا تختلف عن سابقاتها في المبالغة والكذب، فليس فيها شرط التواتر حتى من جهة العدد فضلاً عن عدم صحتها، فقد ذكر ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/345) حديثا عن ابن عباس في تسمية علي بالصديق الأكبر والفاروق الاعظمم وحكم عليه بالوضع، وتابعه السيوطي كذلك في (اللالئ المصنوعة في الاحاديث الموضوعة) (1/324-325) وكذلك ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة) (1/353).

وروى أيضاً من حديث أبي ذر رضي الله عنه ان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي: (أنت أول من آمن بي وأنت أول من يصافحني يوم القيامة، وأنت صدّيقي الأكبر، وأنت الفاروق تفرّق بين الحق والباطل وأنت يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الكفار) اخرجه البزار كما في (تنزيه الشريعة) (1/352) لكنّه لا يثبت، في إسناده محمّد بن عبيد الله بن ابي رافع، قال ابن أبي حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جداً ذاهب. وقال الدارقطني: متروك . وقال ابن معين: ليس بشيء . وعدّه الكناني في (تنزيه الشريعة) آفة هذا الحديث . وفي إسناده أيضاً عبّاد بن يعقوب، وهو وان كان صدوقاً لكنّه غالٍ في التشيع فمثله لا يُقبل خبره في شيء من فضائل علي رضي الله عنه، ومن غلوّه انه كان يقول ان الذي حفر البحر علي بن ابي طالب والذي اجراه الحسين بن علي كما في ترجمته من (تهذيب التهذيب) و(الميزان)، فهذه علتان في اسناده تكفي كل واحدة منهما لرد اي حديث هي فيه، واخرج هذا الحديث أيضاً من نفس الطريق ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/344).

ورواه أيضاً الطبراني في (الكبير) (6184). وقال: حدثنا علي بن اسحاق الوزير الاصبهاني حدثنا إسماعيل بن موسى السدي ثنا عمر بن سعيد عن فضيلبن مرزوق عن ابي سخيلة عن ابي ذر وسلّمان قالا. . . الحديث، وهذا إسناد مطعون في جميع رجاله سوى شيخ الطبراني علي بن اسحاق فلم اجد له ترجمه والله اعلم بحاله، وإسماعيل السّدّي يخطئ ورُمي بالرفض، كما قال الحافظ في (التقريب)، وشيخه عمر بن سعيد ضعيف وقال النسائي: ليس بثقة. وتركه الدارقطني وبه أعل الحديث الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/102): وفضيل بن مرزوق في حفظه ضعف، قال الحافظ: صدوق يهم ورمي بالتشيع، وأخيراً أبو سخيل هذا مجهول، كما قال الحافظ وغيره وهي جهالة عين لا جهالة حال وهي اشد ضعفا من مرتبة الضعيف. فهذا اذاً إسناد لا يفرح بمثله ولا يُغني شيئاً إذ انه ان سلّم من علة وقع في اخرى كما هو واضح . واخر ذلك ما روي عن علي رضي الله عنه من قوله نفسه قال: (انا عبد الله واخو رسوله وانا الصدّيق الاكبر لا يقولها بعدي الا كاذب صليت قبل الناس سبع سنين) اخرجه الحاكم في (المستدرك) (3/112)، والنسائي في (خصائص علي)كمافي (تنزيه الشريعة) (1/376) من طريق عباد بن عبد الله الأسدي عن علي. وذكره الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في ترجمة عباد بن عبد الله وهو ضعيف. قال ابن المديني: ضعيف الحديث. وقال البخاري: فيه نظر. وبه ردّ الحديث الذهبي وتعقبه على الحاكم حين قال: صحيح على شرط الشيخين، فتعقبه الذهبي بانه باطل وان عبادا ضعيف، وقد رد هذا الاثر احمد بن حنبل وضرب عليه، كما في (تهذيب التهذيب) وذكره الذهبي في (الميزان) في ترجمة عباد وقال: هذا كذب على علي، وانظر (ص411- 412) من كتابنا هذا . هذه حال جيمع طرق هذا الحديث، فمن اين تأيته الصحة فضلاً عن التواتر؟

قوله: (وفيهم وفي أوليائهم قال الله تعالى: وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون)و قال في الهامش (42/70): (نقل صدر الائمة موفق ابن احمد عن ابي بكر بن مردويه بسنده إلى علي قال: تفترق هذه الامة ثلاثاً وسبعين فرقة كلها في النار الا فرقة فانها في الجنة، وهم الذين قال الله عزّ وجلّ في حقهم: وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون، وهم انا وشيعتي) إ. ه.

قلت: قصر الآية بهم لا دليل عليه ولا يصح، فالآية عامة، وان كان يلحقها التخصيص فبأمة صلّى الله عليه وسلّم كما قال غير واحد من السلف فيما رواه ابن جرير (9/86) وغيره، ويروي أيضاً عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بسند معضل. وما نسبه هذا الموسوي إلى علي رضي الله عنهو لم يبينلنا اسناده حتى يلزمنا به الحجة، ولا اظنه الا باطلاً كدعأويه السابقة وإلا فليسق لنا احدٌ إسناده.

ثم رأيت السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) (3/617) ذكر قول علي رضي الله عنه هذا واليك لفظه، قال: (لتفترقن هذه الأمة على ثلا وسبعين فرقة كلها في النار الا فرق، يقول الله {و ممّن خلقنا أمةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون} فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة) إ. ه. ومع ان السيوطي لم يصرح بثبوته فهو موافق لحديث صلّى الله عليه وسلّمالصحيح المعروف في هذا الباب ويزيد عليه في تفسيره الآية بهذا، لكن المهم انه ليس فيه قوله (و هم أنا وشيعتي) مما يبين التحريف والزيادة في النص أما من هذا الموسوي أو ممن لقبه بصدر الائمة موفق بن احمد، ومثل هذا التحريف والتلاعب بالنص يجعلنا لا نثق بأي شيء يسوقه لنا خصوصاً اذا لم يبين لنا موضعه من الكتاب واسناده، كما هو دأبه في معظم ما ساقه من النّصوص.

قوله: (و قال في حزبهم وحزب اعدائهم: لا يستوي أصحاب النار واصحاب الجنة اصحاب الجنة هم الفائزون) قلت: بامكان اي صاحب دعوى حقه أو باطلة ان يحتج بهذه الآية ضد خصومه كما فعل هذا الاحمق وان يلفق رجاله من النّصوص ما يقصرها به دون خصومه كما فعل صاحبنا في الهامش (43/70) في نقله من الطوسي والصدوق وموفق بن احمد، وكلهم من ائمة الشيعة فكيف يلزم أهل السّنّة بهم؟ وهو انما ادعى في كتابه انه يسوق الأدلة من كتب أهل السّنّة ليقيم الحجة عليهم- كما زعم- فهل هذه كتب أهل السّنّة؟ بل لا اشك انه انما فعل هذا لعدم وجود اي نص في جميع كتب أهل السّنّة حتى ولو موضوع مكذوب يؤيّد ادعاءه فعرّج إلى كتب طائفته، فكفانا بذلك مؤونة الرد عليه ولله الحمد.

ثم ان مَن تدبر الآية وسياقها علم ان الله سبحانه وتعالى لم يسقها لبيان من هم اصحاب الجنة واصحاب النار، فان هذا مفصل مبين في سائر ايات القرآن الكريم، بل ساقها ليبين انهما لا يستويان في ميزان الله تعالى وانه من عدله سبحانه وتعالى ان يكرم الابرار ويهين الفجار، كما قال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} وقال: {و ما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلاً ما تتذكرون} وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتّقين كالفجّار}.

ومن المناسب لهذه الآية أن نذكر ما اخرجه مسلّم (2/705، 706) عن جرير قال: كنت جالساً عند رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم فأتاه قوم مجتابي النمار متقلدي السيوف عليهم ازر ولا شيء غيرها عامتهم من مضر فلما رأى النبي صَلّى الله عليه وسلّم الذي بهم من الجهد والعري والجوع تغير وجه رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم ثم قام فدخل بيته ثم راح إلى المسجد فصَلّى الظهر ثم صعد منبره فحمد الله واثنى عليه ثم قال: (اما بعد فان الله انزل في كتابه {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إنّ الله خبيرٌ بما تعملون. ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} تصدقوا قبل ان لا تصدقوا، تصدقوا قبل ان يحال بينكم وبين الصدق، تصدق امرؤ من ديناره تصدق امرؤ من درهمه . .) الحديث وشاهدنا من الحديث ان رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم تلا هذه الآية وجعلها عامة ولم يخصصها ولم يشر إلى أيّ مقصود خاص بها بل جعلها محفزة على الصدقة هي والآيات قبلها، الم يكن رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يعلم بمقصودها الخاص ان كان لها مقصود خاص؟

قوله: (و قال في الحزبين أيضاً: أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتّقين كالفجّار. وقال فيهما ايضاً: أم حسب الذين اجترحوا السّيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون). 

قلت: تقدم الجواب عليه في استشهاده بالاية السابقة فهما كقوله تعالى: { لا يستوي أصحاب النار واصحاب الجنة اصحاب الجنة هم الفائزون} وما اشار اليه في الهامش (44/70) في تفسير علي بن ابراهيم لا دليل به على أهل السّنّة، فعلي بن ابراهيم هذا هو القمي صاحب (تفسير القمي) الذي قدمنا شيئا من الكلام على تفسيره في مقدمة كتابنا هذا، وهو الذي يقول ان في القرآن الذي بين أيدينا الآن ما هو على خلاف ما أنزل الله، وهو مع ذلك من كبار ائمتهم لكنّه عند أهل السّنّة أضل من حمار أهله.

ولا أظن هذا الموسوي يعني في هامشه الا ما اخرجه ابن عساكر عن ابن عباس- كما في (الدر المنثور) (7/174-175)- في قوله {أم نجعل الذين آمنوا . . . } الآية قال: الذين آمنوا علي وحمزة وعبيدة بن الحارث. والمفسدين في الارض عتبة وشيبة والوليد وهم الذين تبارزوا يوم بدر إ. ه.

وهو الذي جعله تفسيراً للآية الثانية كما في الهامش (45/70). ولا يمكن ان يصح لا للآية الأولى ولا للآية الثانية، فكلا الآيتين مكية، بينما وقعة بدر كأنت في السنة الثانية للهجرة كما هو معروف، وعلى أية حال فليس في أيّ من الآيتين سوى تفضيلهم على غير المؤمنين، وهذا لا يماري فيه مسلّم، فأين في الآيتين والأثر الذي أشار إليه وذكره تفضيلهم على باقي الصحابة؟

ثم إن سبب النزول الذي ادعاه فيه ذكر لحمزة وعبيدة بن الحارث مع علي، فليس فيه ذكر لآل عليّ وذريته بل فيه غير آله، مع انه كما قلنا تفضيل في مقابل أهل الشرك مثل عتبة وشيبة والوليد، فاين هو مما ادعاه من تقديمهم على باقي الأمة؟ أينكن أن يخالفني أحد بأن مثل هذا الإستدلال لا يفعله الا الجهلة؟ لا أظن ذلك.

قوله: (وقال فيهم وفي شيعتهم: ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) وقال في الهماش (46/70): (حسبك في ذلك ان ابن حجر قد اعترف بنزولها فيهم وعدذها من آيات فضلهم فهي الآية 11 من أياتهم التي أوردها في الفصل الأول من الباب 11 من صواعقه، فراجعها وراجع ما أرودناه من الأحاديث المتعلقة بهذه الآية في فصل بشائر السنة والشيعة من فصولنا المهمة) إ. ه.

قلت: وهذا افتراء على ابن حجر إذ لم يعترف بها بل أوردها وحسب ولم يتكلم على صحتها، شأنه في ذلك كشأنه في جميع ما ساقه من الأدلة فلا يعد ذكره لها اعترافا بصحتها، وهذه كتب أسباب النزول فلم يذكر أحد منهم مثل هذه الرواية حتى من طريق ضعيف. وسياق الآية يأبى ما قاله فقد بين الله سبحانه وتعالى منزله أهل الكتاب والمشركين فقال: {ان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم، أولئك هم شر البريّة} ثم قال: {ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريّة} أفيمكن ان يقصر كل لفظ للذين آمنوا وعملوا الصالحات بعليّ وآله؟ وهذه الدعوى بامكان المخالف لهم ان يدّعيها أيضاً لمتبوعيه حتى الخوارج يمكنهم ان يقولوا: اننا نحن المقصودون بهذه الآية، أبمثل هذه العموميات تحل النزاعات؟

وكان ما قاله ابن حجر في (الصواعق المحرقة) أن ذكر حديثا لابن عباس في نزول هذه الآية، وعزاه للحافظ جمال الدين الذرنديِ، وفيه: (لما نزلت هذه الآية {إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين) إ. ه. وهو حديث باطل لا يثبت كما بينه ابن عدي في (الكامل) (2/803) ونقله عنه السيوطي في (الدر المنثور) (8/589) لكنّه لم يبين ضعفه لانه مفهوم من عزوه لابن عدي فكتابه خاص في الرواة الضعفاء والكذابين الذين لا يثبت حديثهم وهو (الكامل في ضعفاء الرجال) ويذكر في ترجمة كل رأو حديثاً أو أكثر من غرائبه ومناكيره، ومنها حديث ابن عباس هذا، وهو احد الأحاديث التي اشار اليها في الهامش (46/70). ومن تلك الاحاديث الموضوعة أيضاً حديث أبي سعيد رضي الله عنه ان النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (عليّ خير البرية) اخرجه ابن عدي في (الكامل) (1/174) ونقله عنه الذهبي في (الميزان) (1/99-100) والكناني في (تنزيه الشريعة) (1/354) والسيوطي في (اللآلئ المصنوعة) (1/170) وذكره السيوطي أيضاً في (الدر المنثور) (8/589) وعزاه لابن عساكر ايضا، وهو حديث باطل كما قلنا، وهذا واضح من اسماء هذه الكتب فهي مختصة بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، قال عنه الذهبي: (و هذا كذب، وانما جاء عن الاعمش عن عطية العوفي عن جابر قال: كنا نعد عليّاً من خيارنا، وهذا حق) إ. ه. قلت: وهذه الرواية عن جابر رضي الله عنه بهذا اللفظ هي الاصح بخلاف الرواية الاخرى عنه التي رواها ابن عساكر- (الدر المنثور) (8/589)- بتسمية عليّ خير البرية فهي موضوعة كما سبق، اما ان يقال ان عليّاً رضي الله عنه وجميع آل البيت ممن تشملهم الآية كما تشمل غيرهم فهذا حق لا مرية فيه . . . .

قوله: (و قال فيهم وفي خصومهم: هذا خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم) وقال في الهامش (47/70): (أخرج البخاري في تفسيره، سورة الحج ص107 من الجزء 3 من صحيحه بالإسناد إلى علي قال: انا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة (قال البخاري) قال قيس: وفيهم نزلت هذا خصمان اختصموا في ربهم، قال: هم الذين بارزوا يوم بدر عليّ وصاحباه حمزةُ وعبيدةُ، وشيبة بن ربيعة وصاحباه عتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة إ. ه. وأخرج في الصفحة المذكورة عن أبي ذر أنه كان يقسم فيها ان هذه الآية هذان خصمان اختصموا في ربهم نزلت في عليّ وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في يوم بدر) إ. ه.

قلت: ليس هذا دليل على تفضيل علي رضي الله عنه على من سواه من الصحابة ولا على تفضيل آل البيت على من سواهم من سلف الامة، كما هو واضح إذ الحادثة فيما بينهم وبين أهل الشرك فأين فيها ما ادعاه من تقديمهم على سائر الامة؟ ولا شك انها من فضائل علي وصاحبيه رضي الله عنهم لكن ليس فيها اي دليل على أفضليتهم على غيرهم، وقد تقدم الكلام على حادثة المبارزة عند الكلام على قوله تعالى: {ام نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض} فليراجع، والمهم ان الآية وحادثة المبارزة ليس فيها دليل على الأفضلية مع العلم ان هناك اقوالا أخرى في المقصودين بالآية عن ابن عباس وغيره ومع ملاحظة ان لفظ الآية عام فلا ينبغي لنا تخصيصه حتى بسبب النزول عملا بالقاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) وهو الذي اختاره امام التفسير محمّد بن جرير الطبري في تعميم الآية وقال (17/91): (و لا يخالف المروي عن علي وأبي ذر لأن الذين تبارزوا ببدر كانوا فريقين مؤمنين وكفار، ألا ان الآية اذا نزلت في سبب من الاسباب لا يمنع ان تكون عامة في نظير ذلك السبب) إ. ه. بتصرف.

قوله: (و فيهم وفي عدوهم نزل: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقاً لا يستوون أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نُزُلاً بما كانوا يعملون وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلّما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) وقال في الهامش (48/71): (نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين والوليد بن عقبة بن أبي معيط بلا نزاع، وهذا هو الذي اخرجه المحدثون وصرح به المفسرون- ثم ذكر ما أخرجه الواحدي فقط-) إ. ه.

قلت: سبب النزول هذا اخرجه الواحدي (ص263) وفي اسناده ضعف ولكنّه ينجبر بكثرة طرقه ويصح، وقد ذكرها السيوطي في (الدر المنثور) (6/553) وفي (اسباب النزول) (ص163) بيد أنه لا يختلف عن سابقه في عدم دلالته سوى على تفضيل علي رضي الله عنه على الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فليس فيه اية اشارة إلى تفضيله على باقي الصحابة، ولا ادري ما وجه المناسبة بينه وبين ما ادعاه هذا الموسوي حتى يورده، أيشك مسلّم في أفضلية عليّ رضي الله عنه على ذلك الفاسق الوليد بن عقبة بين أبي معيط الذي سماه الله سبحانه فاسقاً في هذه الآية وفي قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا أن تصيبوا . . . } الآية كما روى الامام أحمد (4/279) والطبراني (3395) وابن جرير (26/107) وابن اسحق - (سيرة ابن هشام) (3/308-309)- وغيرهم انه هو المعنيّ في الآية وذلك حين بعثه رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم ليأخذ صدقات بني المصطلق فافترى عليهم وادعى انهم ارادوا قتله، كما هو مفصل في تلك القصة، فمثل هذا لا شك في أفضلية علي رضي الله عنه عليه- الا ما كان من امر الخوارج- فاين فيها أفضليته هو وآله على باقي الصحابة وسلف الأمة؟ وحقا ان هذه الآية من فضائل علي رضي الله عنه بتسميته الوليد بالفاسق أولا، وثانياً قد شاركه في مثلها- أعني هذه الموافقة- وزاد عليه أيضاً امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بموافقته القرآن الكريم في اكثر من موضع كالصلاة في مقام ابراهيم، واية الحجاب، والحكم في اسارى بدر، وعدم الصلاة على ابي بن سلول وغير ذلك مما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما . . .

قوله: (و فيهم وفيمن فاخرهم بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام انزل الله تعالى: أجعلتم سقايةَ الحاج وعمارة المسجدالحرام كَمَن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين) وقال في الهامش (49/71): (نزلت هذه الآية في علي وعمّه العباس وطلحة بن شيبة وذلك انهم افتخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفاتيحه وإليّ ثيابه,و قال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال علي: ما أدري ما تقولان لقد صليتُ ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله تعالى هذه الآية، هذا ما نقله الإمام الواحدي- في معنى الآية من كتابه أسباب النزول- عن كل من الحسن البصري والشعبي والقرظي ونقل عن ابن سيرين ومرة الهمداني إنّ علياً قال للعباس: ألا تهاجر ألا تلحق بالنبي صَلّى الله عليه وسلّم؟ فقال ألستُ في أفضل من الهجرة، ألست أسقي حاجُ بيت الله وأعمر المسجد الحرام؟ فنزلت الآية) إ. ه.

قلت: ذكره الواحدي (ص182) لكنّه لم يسنده ولم يبين طريقه ولا من أخرجه مع أنه قد روى قبل ذلك بالإسناد الصحيح سبب نزول هذه الآية فأعرض هذا الموسوي عنه إلى ما يوافق هواه مع عدم وجود دلالة صحيحة تدل على ثبوته. وقول الحسن البصري والشعبي ومحمّد ابن كعب القرظي هذا أخرجه ابن جرير (10/59- 60) وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (4/145) لعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، وبغضّ النظر عن ثبوته وصحته إلى كل من الحسن والشعبي والقرظي فإنّه لا يصح ولا يثبت الاحتجاج به لأنه مرسل فان كلا منهم ليس صحابيا قطعا ولم يدرك زمن الرسول صَلّى الله عليه وسلّم وزمن نزول هذه الآية حتى يروي هذه القصة، لذا فمن المؤكد أن كلا منهم أخذ هذه القصة عن رأو آخر وليس هناك ما يشير إلى أن هذا الرأوي صحابي أخذوه عنه حتى نقول بصحته بل يحتمل أن يكون تابعياً، وإذا كان كذلك يحتمل أنه أخذه عن صحابي أو تابعي آخر، وعلى احتمال أنه تابعي في كلا الحالتين فلا بد من معرفة عينه حتى تعرف عدالته وضبطه، وما دمنا نجهل عينه فانه يستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، كما قال الخطيب في (الكفاية) (ص287) فوجب بذلك كونه غير مقبول، أعني أن الحديث المرسل والرواية المرسلة كروايتنا هذه ضعيفة لا يحتج بها وان كان المرسِل ثقة، قال ابن الصلاح في (علوم الحديث) (ص58): (و ما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وقد تدأولوه في تصانيفهم) إ. ه.

بقيت مسألة واحدة وهي ادعاء تصحيح هذه الرواية بكثر الطرق على اعتبار انه قد ارسلها الحسن البصري والشعبي ومحمّد بن كعب القرظي، وهذه دعوى مردودة لبقاء جهالة الرواة الذين أخذوا عنهم مع تعددهم وبالتالي بقاء عدم معرفة عدالتهم واحتمال ضعفهم: هذا أولاً، وثانياً: من ملاحظة طبقة الحسن البصري والشعبي والقرظي يتبين انهم من طبقة واحدة وهي الثالثة وانهم متعاصرون ومتقاربون في وفياتهم فالحسن البصري توفي سنة (110) والشعبي قبله بقليل (108) والقرظي بعدهما بقليل (117) وهذا يفيدنا انه من المحتمل- احتمال قوي- انهم جميعاً أخذوا هذه الرواية عن رأو واحد لا غير وبالتالي هذا يدحض دعوى تعدد الطرق، وإن كأنت هي غير مجزية هنا.

من أجل كل هذا أقطع بعدم صحة هذه الرواية وعدم ثبوتها وبطلان الاحتجاج بها، خصوصا اذا علمنا بأنها مع ضعفها هذا مخالفة لرواية أصح منها سنداً وأقوى مخرجاً وأكثر طرقا في سبب نزول هذه الآية وهو ما أخرجه مسلّم في (صحيحه) (3/1499)، والإمام أحمد (4/269)، وابن جرير (10/59)، والواحدي (ص181-182) وعزاه ابن كثير في (التفسير) (2/342) لابن مردويه وابن أبي حاتم وابن حبان، وكذا السيوطي في (الدر المنثور) (4/144) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كنت عند منبر رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في نفر من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي أن لا أعمل لله عملا بعد الإسلام الا أن أسقي الحاج، وقال آخر بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في في سبيل الله خير مما قلتم، فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم- وذلك يوم الجمعة- ولكن اذا صليتم الجمعة دخلت على رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام} إلى قوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين} إ. ه.

قلت: فهذا هو الصحيح في سبب نزول هذه الآية، وعلى فرض ان الصحابي الذي قال: (الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم) هو علي رضي الله عنه فتعد هذه من فضائله رضي الله عنه في موافقة القرآن له، كما حصل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه من ذلك الكثير، لا انها تفضيل له على غيره كما تدعيه الرواية الضعيفة السابقة.

بقي مما نقله في الهامش قول ابن سيرين ومرة الهمداني اللذين ذكرهما الواحدي أيضاً لكنّه لم يسندهما ولم يبين مخرجهما كذلك مع انهما ليس فيهما تفضيل لعليّ رضي الله عنه نفسه، بل فيهما- ان ثبتا- تأييد الآية لعلي رضي الله عنه في دعوته عمه للهجرة، ثم انهما مرسلان ضعيفان ليسا متصلين فحالهما كحال رواية الحسن البصري والشعبي والقرظي في ضعفها وبطلان الاحتجاج بها. ولم أجد ذكراً لمن أخرجهما سوى ما ذكره السيوطي في (الدر المنثور) (4/146) ان قول ابن سيرين هذا أخرجه الفريابي دون الكلام عن اسناده. . .

قوله: (و في جميل بلائهم وجلال عنائهم قال تعالى: { ومِنَ الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد}، وقال: {ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتَلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين}. وقال في الهامش (50/71): (أخرج الحاكم في صفحة 4 من الجزء 3 من المستدرك عن ابن عباسٍ قال: شرى على نفسه ولبس ثوب النبي. . . الحديث، وقد صرح الحاكم بصحته على شرط الشيخين وإن لم يخرجاه واعترف بذلك الذهبي في تلخيص المستدرك، وأخرج الحاكم في الصفحة المذكورة أيضاً عن علي بن الحسين قال: إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ بن أبي طالب إذ بات على فراش رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم ثم نقل أبياتاً لعليّ أولها: 

وقيتُ بنفسي خير من وطأ الحصا ومن طاف بالبيت العتيقِ وبالحجر)إ. ه.

قلت: أما الآية الثانية وهي قوله تعالى {إنّ الله اشترى من المؤمنين . . . } إلى قوله تعالى: {وبشّر المؤمنين} فليست مخصوصةً بعلي رضي الله عنه ولا أهل البيت فان لفظها عام لجميع المؤمنين بما وعدهم الله سبحانه به، بل عامّة لكل الأمم ليس فقط أمة محمّد صَلّى الله عليه وسلّم، ألا ترى أنه قال: {وعداً عليه حقّاً في التوراة والإنجيلِ والقرآن} وليس هناك ما يؤيد ما ادعاه باختصاصها بهم ونزولها فيهم حتى ولا في حديث أو رواية موضوعة مكذوبة، لذا تراه لم يُشر إلى أي شيء فيها في الهامش وغيره. وأما الآية الأولى، وهي قوله تعالى {و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله} فلا يمكن أن يكون سبب نزولها مبيت علي رضي الله عنه في فراش النبي صَلّى الله عليه وسلّم ليلة الهجرة فان قول ابن عباس الذي ساقه في الهامش لا يدل عليه فليس فيه أية إشارة إلى نزول هذه الآية عقب تلك الحادثة، كل ما فيه تشابه في اللفظ مع الآية، أو أن يقال أن عليا رضي الله عنه بفعله ذلك ممن تشمله الآية وتنطبق عليه مع غيره من الصحابة، واخصهم في تلك الآية الصحابي الجليل صهيب الرومي كما سيأتي في ما جاء سبب نزول هذه الآية.

والأثر الذي ذكره في الهامش عن ابن عباس وعزاه للحاكم (3/4) ليس فيه ذكر للآية ولا ربط بين فعل علي رضي الله عنه ونزول الآية، فيكف يدّعي انها نزلت فيه، ثم انه قد كذب في الهامش كذبا صريحا ولا يستحي منه حين قال: (و قد صرّح الحاكم بصحته على شرط الشيخين وان لم يخرجاه، واعترف بذلك الذهبي في تلخيص المستدرك)، فان الحاكم لم يقل: صحيح على شرط الشيخين بل قال- وراجع قوله في (المستدرك)-: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي نعم لكن ليس على شرط الشيخين. وأهل الجهل بالحديث- كهذا الموسوي- لا يفرقون بين (صحيح الإسناد) وبين (صحيح على شرط الشيخين). فالثاني منهما أعلى مرتبةً وأقوى صحةً، وهو ليس متحققا في إسناد قول ابن عباس هذا ولا حتى أدنى درجات الصحة لمن نظر في رجال إسناده ولم يغتر بتصحيح الحاكم وموافقة الذهبي له، فإنّه من طريق كثير بن يحيى عن أبي عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس، وفي هذا الإسناد علتان تمنعان من تصحيحه:

الأولى: كثير بن يحيى عند مناكير، كما قال الإزدي فيما نقله الحافظ في (تعجيل المنفعة)، وكان عباس بن عبد العظيم العنبري ينهى الناس عن الأخذ عنه- أي الرواية عنه- لما في رواياته من المنكرات، وقد ذكر ذلك الذهبي نفسه في (الميزان) (3/410)، فلا أدري كيف غفل عنه هنا.

الثانية: أبو بلج هذا- وهو يحيى بن سليم أو ابن أبي سليم- عنده مناكير أيضاً وبلايا كما قال الذهبي نفسه في (الميزان) (4/384-385) وساق له بعضها، وقال عنه ابن حبان: كان يخطئ، ومثله قاله الحافظ في (التقريب)، وقال البخاري: فيه نظر. هذا فضلا عن انهما- أعني كثير ابن يحيى وأبا بلج- ليس لهما رواية عند البخاري أو مسلّم.

فقول ابن عباس هذا مع انه لا يدل على مطلوبه وليس فيه ذكر الآية، ليس صحيحاً ولا يثبت.

وأما قول علي بن الحسين- وهو زين العابدين- الذي أخرجه الحاكم (3/4) فليس فيه أي دليل يلزم به أهل السّنّة بشيء من ذلك، كما أنه ليس من الصحابة حتى يقبل خبره، وعلأوة على ذلك فإن إسناده ضعيف لا يثبت عن علي بن الحسين، فهو من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني ثنا قيس بن الربيع ثنا حكيم بن جبير عن علي بن الحسين وهذا إسناد مسلسل الضعفاء، فيحيى بن عبد الحميد كان يسرق الحديث فيحدث به وهو ليس من حديثه، كما في ترجمته من (التهذيب) و(الميزان)، وقيس بن الربيع سيء الحفظ وحكيم بن جبير ضعيف متروك، كما في (الميزان) و(التهذيب).

وأما سبب النزول الصحيح في هذه الآية فهو قدوم صهيب مهاجراً نحو النبي صَلّى الله عليه وسلّم وقد اتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وأنتشل ما في كنأنته ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأيم الله لا تصلون الي حتى أرمي بكل سهم من كنأنتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي فيه شيء ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخلّيتم سبيلي قالوا نعم. فلما قدم على النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (ربح البيع، ربح البيع) ونزلت {و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد} وقد أخرج ذلك الحاكم نفسه في (المستدرك) (3/398، 400) عن صهيب، وأخرجه أيضاً من طريق حماد ابن سلّمة عن ثابت عن أنس، وقال صحيح على شرط مسلّم، وهو الذي ذكره الواحدي في (أسباب النزول) (ص43، 44)، والسيوطي أيضاً (ص28) وعزاه للحارث بن أبي أسامة في (مسنده)، ولابن أبي حاتم. وعزاه في (الدر المنثور) (1/575، 576) لابن مردويه وابن المنذر وابن عساكر وغيرهم. وساق ابن كثير في (التفسير) (1/247) إسناد ابن مردويه عن صهيب وهو إسناد جيد، ورواه أيضاً أبو نعيم في (الحلية) (1/151، 152) ورواه الطبراني في (الكبير) (7289، 7290) مرسلا عن ابن جريج وعكرمة.

هذا هو سبب النزول الصحيح الثابت لهذه الآية، وهو الذي أخرجه الحاكم نفسه كما سبق وهو الذي صححه على شرط مسلّم دون الآخر الذي أنتقاه هذا الموسوي لا لصحتهِ بل لموافقه هواه ومذهبه، وهذا هو ما نبهنا عليه مراراً بأن مقياس القبول عنده وعند أمثاله لا صحة الإسناد وثقة الرواة بل موافقة هواه وما يريد التوصل اليه، وهذا شأن أهل البدع كافة. . .

قوله: (وقال: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} وقال في الهامش (51/72): (أخرج المحدثون والمفسرون وأصحاب الكتب في أسباب النزول بأسانيدهم إلى ابن عباس في قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنّهار سرّاً وعلانية}. قال: نزلت في علي بن أبي طالب. كان عنده أربعة دراهم فأنفق بالليل واحداً وبالنهار واحداً وفي السرّ واحداً وفي العلانية واحداً فنزلت الآية. أخرجه الإمام الواحدي في (أسباب النزول) بسنده إلى ابن عباس. وأخرجه أيضاً عن مجاهد. ثم نقله عن الكلبي مع زيادة فيه) إ. ه.

قلت: عبارته توحي بأن له طرقا كثيرة وانه صحيح، والحق انه خلاف ذلك كما سنبينه، وهو لم يذكر من مخرجيه سوى الواحدي وهو قصور منه ناتج عن قلة معرفته بأمهات المصادر.

وقد أخرج قول ابن عباس هذا الواحدي (ص64)، والطبراني في (الكبير) (11164)، وابن أبي حاتم- (تفسير ابن كثير) (1/326)- وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (2/100) لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر، وقد ضعفه في (أسباب النزول) (ص35) وهو حري به فان طرقه وان تعددت تجتمع كلها في عبد الوهاب بن مجاهد عن مجاهد عن ابن عباس، وكذا قول مجاهد الذي أشار إليه رواه ابنه عبد الوهاب هذا، وهو متروك كما قال الحافظ في (التقريب) والذهبي (المغني). وقد كذبه سفيان الثوري، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ترك حديثه.

وأما قول الكلبي فقد ذكره الواحدي دون اسناد. وهو لا يغني شيئا فان الكلبي هذا هو محمّد بن السائب وهو متهم بالكذب، كما في ترجمته من (التقريب) وغيره. ثم ان الواحدي قد ذكر في كتابه (ص63) سبباً آخر لنزول هذه الآية وقد قدمه على هذا فلِمَ أعرض عنه هذا الموسوي؟ مع انه أصح منه، وأثبت.

قال شيخ الإسلام في (منهاج السنة)- أنظرالمنتقى (ص475)0 في ردّه على ابن المطهر في هذه الآية: (وهو كذب، والآية عامة في كل من ينفق أمواله، فيمتنع أن يراد بها واحدا لم يكن صاحب مال، ثم ما نسبته إلى عليّ يمتنع عليه، إذ من فعل ذلك كان جاهلا بمعنى الآية فان الذي ينفق سراً وعلانيةً ينفق ليلاً ونهاراً. ومن أنفق ليلاً ونهاراً فقد أنفق سراً وعلانيةً، فالدرهم ينصف نصفين ولا يتحتم أن يكون المراد أربعة دراهم، ولو كان كذلك لقال {و سرا} بالوأو {وعلانية} بل هما داخلان في الليل والنهار سواء قيل نصبا على المصدر اي إسراراً وإعلاناً، أو قيل على الحال مسراً ومعلناً. وهب أن علياً فعل ذلك فباب الانفاق مفتوح إلى قيام الساعة فأين الخصوصية؟ ولو كان انفاق أربعة دراهم خاصا به فلم قلت انه صار بذلك أفضل الأمة؟) إ. ه.

قلت: وما علاقة إنفاق أربعة دراهم بالإمامة؟ وهل من شروط الإمام أن يملك أو ينفق أربعة دراهم؟ فيا للعجب ما يفعل الجهل بأصحابه! وما أظن عاقلاً يقرأ كلامه هذا حتى يضحك عليه وعلى سخافته ملء فيه! فنحن نناقشه في وجوب تقديم عليّ بالإمامة هو يناقش بأنه كان يملك أربعة دراهم وقد أنفقها!!

وقد حصل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه من ذلك ما لا يدانيه فيه أحدٌ من الأولين ولا من الآخرين، كما ثبت في (صحيح البخاري) (1/126)، وغيره أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (إنّ أمنّ الناس عليَّ في نفسهِ وماله أبو بكر) وفي رواية قال: (إنه ليس من الناس أحدٌ أمنّ عليَّ في نفسهِ وماله من أبي بكر بن أبي قحافة). وأخرج الإمام أحمد (2/253، 266)، وابن ماجة (94) ان النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (ما نفعني مالٌ قطّ ما نفعني مالُ أبي بكر)، وفي رواية عند الترمذي (4/310) قال: (ما لأحدٍ عندنا يداً إلاّ وقد كافأناه ما خلا أبا بكر فأن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مالُ أحدٍ قطّ ما نفعني مالُ أبي بكر . . .). وغير ذلك كثير وليس هذا موضع بسطه لكننا أحببنا الإشارة إلى ذلك، فأين هذا الفضل العظيم الذي حصل للصديق من أربعة دراهم يزعمون أن علياً أنفقها؟

وهل تسأوي هذه الدراهم الأربع شيئاً إذا ما قورنت بما أنفقه عثمان رضي الله عنه وخصوصاً في تجهير جيش العسرة، وهو جيشُ معركة تبوك؟ فقد أخرج الترمذي (4/320) عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال جاء عثمان إلى النبي صَلّى الله عليه وسلّم بألف دينار في كمّه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره، قال عبد الرحمن فرأيت النبي صَلّى الله عليه وسلّم يقلبها في حجره ويقول: (ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم) مرتين. فان كان الفضل والتقدم بما ينفقه الرجل في سبيل الله يكون عثمان رضي الله عنه خيراً من علي رضي الله عنه. بما بين الألف دينارو الأربعة دراهم من الفضل والقيمة.

قوله: (و قد صدقوا بالصدق فشهد لهم الحق تبارك إسمه فقال: {و الذي جاء بالصّدق وصدّق به أولئك هم المتقون}) وقال في الهامش (52/72): (الذي جاء بالصدق رسول الله، والذي صدّق به أمير المؤمنين، بنض الباقر والصادق والكاظم والرضا وابن عباس وابن الحنفية وعبد الله بن الحسن والشهيد زيد بن علي بن الحسين وعلي بن جعفر الصادق، وكان أمير المؤمنين يحتج بها لنفسه، وأخرج ابن المغازلي في مناقبه عن مجاهد قال: الذي جاء بالصدق محمّد، والذي صدّق به عليّ، وأخرجه الحافظان ابن مردويه وأبو نعيم وغيرهما) إ. ه.

قلت: كل ما ذكره في الهامش هراء في هراء، ولو كان صادقا في ثبوت ذلك عمّن ذكره لساق إسنادَه أو ذكر من أخرجه على أقل تقدير كما فعل في قول مجاهد، ثم ان هؤلاء الذين ذكرهم ليسوا حجة عن أهل السّنّة فليسوا معصومين عندهم كما هم عند الشيعة فكيف يحتج بهم عليهم؟ ونحن إذا سقنا لك حديثاً عن أبي هريرة لإعترضتَ بدعوى أنّ أبا هريرة- رضي الله عنه- مطعون به عندكم، فكيف تفعل مثل هذا؟ وإنما هي نصوصٌ لفّقتموها أنتم في كتبكم عن هؤلاء الأئمة وما أنتبهتم أنكم بحملكم هذه الآية على عليّ نقضتم أصلاً من أصولكم وهو عصمة عليّ والأئمة كما سنبينه.

وما حكاه عن قول مجاهد نقله من سلفه ابن المطهر الذي رد عليه شيخ الإسلام فقال- (المنتقى) (ص470)-: (قول مجاهد وحده ليس بحجة ان لو ثبت عنه، كيف والثابت عنه خلاف هذا، وهو: ان الصدق القرآن، والذي صدق به من عمل به، ثم ما ذكرت معارض بما هو أشهر منه عند المفسرين، وهو أنّ الذي صدق به أبو بكر الصديق، ذكره ابن جرير الطبري وغيره) إ. ه.

قلت: قول مجاهد هذا الذي ذكره شيخ الإسلام هو الثابت عنه وقد أخرجه الطبري (24/4)، وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (7/228- 229) لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر، وهو قول قتادة أيضاً.

وأما تفسيره {و صدّق به} بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فهو مروي عن علي رضي الله عنه نفسه، وهو ما يدحض حجته، رواه عنه الطبري (24/3) وعزاه السيوطي في (الدر المنثور) (7/228) للبأوردي في معرفة الصحابة وابن عساكر، وفي (تاريخ الخلفاء) (ص49) للبزار أيضاً من طريق أسيد بن صفوان- وله صحبة- عن علي بن أبي طالب.

وأما ان احتجاجهم بهذه الآية مما ينقض أصلهم في عصمة علي والأئمة فهذا يتبين من الآيات بعدها فقد قال الله تعالى: {و الذي جاء بالصّدق وصدّق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربّهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا} وعندهم أنّ علياً والأئمة معصومون لا يخطئون ولا يعملون سوءاً، إذن فماذا يكفر الله عنهم؟ ذكر ذلك شيخ الإسلام عن أبي بكر بن عبد العزيز فقال- (المنتقى) (ص470)-: (و بلغنا عن أبي بكر بن عبد العزيز بن جعفر الفقيه غلام الخلال انه سئل عن هذه الآية فقال: نزلت في أبي بكر، فقال السائل: بل في علي، فقال، أبو بكر الفقيه: إقرأ ما بعدها، فقرأ إلى قوله {ليكفّر الله عنهم أسوأ الذي عملوا} فقال: عليّ عندكم معصوم لا سيئة له فما الذي يكّفر عنه؟ فبهت السائل) إ. ه. ثم قال شيخ الإسلام: (و لفظ الآية عام مطلق دخل في حكمها أبو بكر وعلي وخلق) إ. ه.

قلت: لا ريب ان هذا هو الصواب، ولله الحمد. . .

قوله: (فهم رهط رسول الله المخلصون وعشيرته الأقربون الذين اختصّهم الله بجميل رعايته وجليل عنايته فقال: وأنذر عشيرتك الأقربين). 

قلت: لا ريب انهم رهط رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم المخلصون وعشيرته الأقربون، لكن ذلك لا يعطيهم فضلا على غيرهم فأساس التفضيل عند الله التقوى والعمل الصالح لا النسب، كما قال الله تعالى: {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم} وقال صَلّى الله عليه وسلّم: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليّيَ الله وصالح المؤمنين} أخرجه الإمام أحمد (4/203)، والبخاري (8/7)، وقال صَلّى الله عليه وسلّم يخاطب أهل بيته يحذّرهم من الاتكال على قرابتهم له صَلّى الله عليه وسلّم: (إن أوليائي يوم القيامة المتقون، وإن كان نسب أقرب من نسب، فلا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمّد، فأقول هكذا وهكذا: لا، وأعرض في كلا عطفيه) أخرجه البخاري في (الأدب المفرد) (921) بإسناد جيد، وأخرجه أيضاً ابن ابي عاصم في (السنّة) (213).

وأما قوله تعالى: {و أنذر عشيرتك الأقربين} فليست كما ادعى هذا الموسوي من اختصاص الله سبحانه لهم بجميل رعايته وجليل عنايته، بل من اختصاصه لهم بالإنذار كما هو واضح مع كونهم داخلين في الإنذار العام لجميع الناس، وهذه الآية لو احتجّ بها الخوارج على الطعن بآل البيت- مع كونهم مخطئين في ذلك- لكان لهم وجه في ذلك أوضح مما زعمه هذا الموسوي، فهي نظير قوله تعالى: {و أوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} أي كل من بلغه القرآن فهو نذير له، وهذا عام في كل بني آدم. أفتبقى في الإنذار بعد ذلك فضيلة؟ ونظير قوله: {لنتذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} وقوله تعالى {لتنذر أمّ القرى ومن حولها} وقوله {و أنذر به الذين يخافون أن يُحشروا إلى ربّهم} وقوله {لتبشّر به المتقين وتنذر به قوماً لُدّاً}، والإنذار في عرف كل بني آدم دليل على التخويف والتحذير والإرهاب، فليس فيه أية فضيلة، بعكس التبشير. ومما يدل على ذلك تتمه الآيات بعدها، إذ قال الله تعالى: {و أنذر عشيرتك الأقربين. واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين. فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون} فهذا أيضاً من ضمن خطابه وانذاره لعشيرته الأقربين بأنهم إن عصوه بعد الإنذار أمره بأن يتبرأ من عملهم، أفيبقى بعد ذلك في هذه الآية أية فضيلة لهم على من سواهم وهو يحذرهم بأن يتبرأ من عملهم إن لم يجيبوه؟ ثم إنا نلمح في قوله تعالى: {و اخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين} مباهاة الله بأتباعه صَلّى الله عليه وسلّم عشيرته الأقربين، فهو يأمره بانذار عشيرته وتحذيرهم من البراءة من عملهم في الوقت الذي يخفض جناحَه ويلين لمن اتبعه من المؤمنين مهما كانوا، وهذا يشمل جميع الصحابة رضي الله عنهم وأخصهم ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فعادت من فضائل صحابته على أهل بيته وعشيرته صَلّى الله عليه وسلّم.

وهذه النذارة الخاصة لعشيرته لا تنافي النذارة العامة، بل هي فرد من أفرادها، وفائدة تخصيصهم بالإنذار هنا هو ما سبق بيانه، خشية أن يتكل أحد منهم على قرابته صَلّى الله عليه وسلّم، فأمره الله سبحانه وتعالى أن ينذرهم ويحذرهم ويبين لهم أنه لا يغني عنهم من الله شيئا، وقد كان ذلك فعلاً، فقد أخرج الإمام أحمد (1/281- 307)، والبخاري (6/140، 153، 221) ومسلّم (1/194)، والترمذي (4/220) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل الله عزّ وجلّ {و أنذر عشيرتك الأقربين} أتى النبي صَلّى الله عليه وسلّم الصفا فصعد عليه ثم نادى: (يا صباحاه) فاجتمع الناس اليه بين رجل يجيء اليه ورجل يبعث رسوله فقال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: (يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدّقتموني؟) قالوا: نعم، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) فقال: أبو لهب: تباً لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله {تبت يدا أبي لهب وتب}. وفي حديث أخرجه الامام أحمد (2/360)، والبخاري (6/140)، ومسلّم (1/192)، والترمذي (4/158)، والنسائي (6/248، 249، 250) إن هذه الآية عندما نزلت دعا رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم قريشاً فعمّ وخصّ فقال: (يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار- يا معشر بني هاشم انقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب انقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمّد أنقذي نفسك من النار- فإنّي والله لا أملك لكم من الله شيئاً إلاً أنّ لكم رحماً سأبلّها ببلالها) وفي رواية أخرى قال: (يا صفية عمة رسول الله ويا فاطمة بنت رسول الله اشتريا أنفسكما من الله فإني لا أغني عنكما من الله شيئا). وقد روى هذا الحديث عائشة رضي الله عنها وأبو هريرة رضي الله عنه وقبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو جميعا رضي الله عنهما، وله طرق أخرى وعن صحابة آخرين: ابي موسى الأشعري وأنس بن مالك والبراء والزبير بن العوّام وأبي أمامة رضي الله عنهم أجمعين، وقد ذكرها ومن أخرجها السيوطي في (الدر المنثور) (6/324- 327). فعلى هذا ليس في الآية فضيلة لعليّ وأهل البيت رضي الله عنهم، ولم أتبين ما الذي حمل هذا الموسوي على ذكر هذه الآية في فضائله- أو فضائل علي- حتى رأيت ابن المطهر قد استشهد بها على ذلك، فتبعه خلفه هذا الموسوي.

والقصّة: إنهم يزعمون أن عليا رضي الله عنه رواها في نزول قوله تعالى {و أنذر عشيرتك الأقربين} قال: (فجمع رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم بني عبد المطلب في دار أبي طالب، وهم أربعون رجلاً وامرأتان، فصنع لهم طعاماً وكان الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق من الشراب فأكلت الجماعة كلهم من ذلك اليسير حتى شبعوا ولم يتبين ما أكلوا، فبهرهم ذلك وتبين لهم أنه صادق في نبوّته، فقال يا بني عبد المطلب، إن الله بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني اليكم خاصة، فقالِ: {و أنذر عشيرتك الأقربين} وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم وتنقاد لكم بهما الأمم وتدخلون بهما الجنة وتنجون بهما من النار، شهادة أن لا إله إلا الله وإني رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني عليه يكن أخي وو صيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي، فقال علي: أنا يا رسول الله) إ. ه. وقد رد على ذلك شيخ الإسلام فقال- (المنتقى) (ص488- 489)-: (و الجواب المطالبة بصحة النقل، فلا هو في السنن ولا في المسانيد ولا في المغازي فأين قولك فيه: نقله الناس كافة، وإنما هو من الموضوعات، ثم إن بني عبد المطلب لم يبلغوا أربعين رجلا وقت نزول الآية، ولا كانوا اربعين في حياة الرسول أبدا، وجميع بني عبد المطلب من أولاد العباس وأبي طالب والحارث وأبي لهب، فكان لأبي طالب: علي وجعفر وعقيل وطالب، فطالب لم يدرك الإسلام، والعباس كان أولاده رضّعا أو لم يولد له. والحارث كان له ثلاثة: أبو سفيان وربيعة ونوفل، وأبو لهب كان له ولدان أو ثلاثة، فكل أولاد عبد المطلب إذ ذاك لم يبلغوا بضعة عشر فأين الأربعون؟ ثم قوله في الحديث: كل رجل منهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق من اللبن، كذب ليس بنو هاشم معروفين بكثرة الأكل، بل ولا واحد منهم يحفظ عنه هذا ثم لفظ الحديث ركيك يشهد القلب ببطلانه، فإنّه عرضه- كما زعمت- على أربعين رجلا، فلو فرضنا إنهم أجابوه كلهم- قلت: وهو الذي كان يحرص عليه صَلّى الله عليه وسلّم- من الذي يكون الخليفة منهم؟) أنتهى كلام شيخ الإسلام وقد أحسن- جزاه الله خيراً- في ردّ هذه القصة وبيان بطلانها من جهة متنها ولفظها وأجمل الردّ من جهة إسنادها ونحن نفصله بإذن الله فنقول: أخرجها ابن إسحق عن عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن عليّ بن أبي طالب، ومن طريق ابن إسحاق هذا أخرجها ابن جرير (19/112- 113) والبيهقي في (دلائل النبوة) (2/179) وعنه نقلها إبن كثير في (تفسيره) (3/350- 351) وفي (البداية والنهاية) (3/39-40) وأخرجها البيهقي أيضاً في (سننه الكبرى) (9/7). وشيخ ابن إسحاق هنا عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم- الذيقد أبهم في بعض الروايات ولم يصرح باسمه- كذاب، قال ابن المديني: كان يضع الحديث، وقال أبو حاتم والنسائي: متروك، وقال أحمد: ليس بثقة، وكذا قال الذهبي، وقال أبو دأود: أشهد أن أبا مريم كذاب إ. ه.

والحديث رواه ابن أبي حاتم- (تفسير ابن كثير) (3/351- 352)، (البداية والنهاية) (3/40)- من طريق عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن المنهال بن عمرو به، وفيه أنه قال: (ايكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي)، وعبد الله بن عبد القدوس هذا هو الكوفي، قال يحيى بم معين: ليس بشيء رافضي خبيث، وقال النسائي وغيره: ليس بثقة، وضعفه الدارقطني. ثم إن الأعمش مدلّس وقد عنعنه ولم يصرح بالتحديث لكن الملاحظ في لفظ هذا الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم انه لم يذكر فيه الخلافة العامة التي تدّعيها الشيعة لعليّ، بل كل ما فيه انه قال (يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي) فهو رضي الله عنه خليفته في أهل فقط صَلّى الله عليه وسلّم، وهذا أمر لا ريب في قبوله- مع ان هذا الحديث أيضاً لا يثبت- فعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أفضل من خلف رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم من أهل بيته، وأما لفظ الوصاية والوراثة والخلافة العامة فلم يأت إلا في الحديث السابق المروي من طريق الكذاب عبد الغفار ابن القاسم بن أبي مريم، وهذه عمدة هذا الموسوي وأشياعه الإحتجاج بالكذابين، قال ابن كثير في (التفسير) (3/352): (ومعنى سؤاله صَلّى الله عليه وسلّم لأعمامه وأولاده أن يقضوا عنه دينه ويخلفوه في أهله يعني ان قتل في سبيل الله كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل فلمّا أنزل الله تعالى: { يا أيها الرسول بلّغ ما انزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس}. فعند ذلك أمن وكان أولاً يحرس حتى نزلت هذه الآية {و الله يعصمك من الناس} ولم يكن أحد في بني هاشم إذ ذاك أشد إيماناً وأيقاناً وتصديقاً لرسول الله صَلّى الله عليه وسلّم من علي رضي الله عنه) إ. ه.

ومثل لفظ حديث ابن أبي حاتم هذا في عدم دلالته على ما زعمه هذا الموسوي، أخرج الإمام أحمد في (مسنده) (1/111) هذه القصة بلفظ مختصر، وفيه قوله صلّى الله عليه وسلّم: (من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي) وأيضاً ليس في لفظه ما يؤيد ما ادعاه من الوصاية والإمامة العامة والوراثة على فرض صحته وثبوته، فإنّه من طريق شريك القاضي عن الأعمش عن المنهال عن عباد بن عبد الله الأسدي عن علي. وهذا إسناد ضعيف جداً لا يغني شيئاً فشريك القاضي مع انه ثقة في نفسه إلا أنه سيء الحفظ جداً لا يحتج بما انفرد به، والأعمش مدلّس وقد عنعنه في هذا الإسناد أيضاً، وعباد بن عبد الله الأسدي ضعيف الحديث كما قال ابن المديني. وقال البخاري: فيه نظر. ومتابعة شريك لعبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش هنا لا تغني شيئا فضلا ً عن ظهور علة أخرى في الإسناد وهي ضعف عباد بن عبد الله الأسدي. أيقول هذا رغم أن هذا الحديث لو ثبت فليس في لفظه أي شيء مما ادعاه هذا الموسوي وأشياعه من الوصاية لعليّ ووراثته للنبي صلّى الله عليه وسلّم كما بيناه سابقاً، ويكفي ان اللفظ الوحيد لهذا الحديث الذي فيه التصريح بالوصاية لعلي ووراثته وخلافته للنبي صلّى الله عليه وسلّم من بعده لم يُروَ- كما قلنا- الا من طريق ذلك الكذاب عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم.

وقد ذكر هذا الحديث أيضاً الهيثمي في (مجمع الزوائد) (8/302- 303) وقال: (رواه البزار واللفظ له وأحمد باختصار والطبراني في الأوسط باختصار أيضاً، ورجال أحمد وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير شريك وهو ثقة) إ. ه. قلت: والإسناد الذي أشار اليه هو نفسه الذي ذكرناه، مع العلم ان لفظه عند البزار لا يدل أيضاً على مطلوبه، إذ فيه: (أيّكم يقضي عني ديني) فقط دون الألفاظ الأخرى، فحتى لو صحّ ما دل على ما ادعاه هذا الموسوي.

وذكر الهيثمي أيضاً (9/113) لفظ حديث أحمد السابق وقال (و إسناده جيد) وهو غير جيد لما قدمنا من الضعف في إسناده، وحتى لو أغمضنا العين عن شريك القاضي والأعمش فإن عباد بن عبد الله الأسدي ضعيف كما قال الحافظ في (التقريب)، معروف بضعفه، فمن أين أتت الجودة لهذا الإسناد؟ مع ان في ثبوته ما لا يضير لعدم مساعدة لفظه على دعوى الموسوي.

لكن عباد بن عبد الله الأسدي هذا قد تابعه عن علي ربيعة بن ناجذ عند الإمام أحمد (1/159) بلفظ مختصر أيضاً، وهو: (فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي)، وهو لا يفرح به، فربيعة هذا أشدّ ضعفاً من عبّاد، قال الذهبي في (الميزان): لا يكاد يعرف، وأشار إلى حديثه هذا وقال خبر منكر، وقال في (المغني) أيضاً: فيه جهالة. قلت: وجهالته وعدم معرفته لأنه لم يرو سوى رأو واحد وهو أبو صادق الإزدي- قيل انه أخوه- فلا يكفي ذلك في معرفته وتوثيقه إذ رواية الواحد لا ترفع جهالة العين فضلا عن جهالة الحال، سوى عند ابن حبان والعجلي فانهما يكتفيان للتوثيق برواية واحد فقط، وهو تساهل كبير منهما، وقد وهم أيضاً الحافظ في (التقريب) بتوثيق ربيعة هذا فليس له مستند في ذلك سوى ابن حبان والعجلي، مع انه قد خالف بذلك قاعدة مهمة من القواعد التي بينها في مقدمة (التقريب)، فقال عن المرتبة التاسعة من مراتب الجرح والتعديل: (من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق واليه الإشارة بلفظ مجهول) إ. ه. قلت: وقد جعل هذه المرتبة دون مرتبة (الضعيف) التي هي الثامنة بدءا من الأخف. وهذه أوصاف تنطبق تماما على رواينا هذا ربيعة بن ناجذ، وتوثيق ابن حبان والعجلي لا يعتبر هنا لأنه مستند أساساً إلى رواية واحد فقط فلا يمكن اعتباره شرطا منفصلا كما هو في التعريف. .

وعلى كل حال فربيعة هذا مجهول، وهي جهالة أشد من ضعف عباد بن عبد الله الأسدي الذي قال عنه ابن النمديني: ضعيف الحديث، وضعفه أيضاً الحافظ في (التقريب) . فلا أظن هذا الإسناد يصلح شاهدا لتقوية الأول، بل يزيده ضعفا، والله أعلم.

تنيبه: عباد بن عبد الله الأسدي هذا الذي في الإسناد والذي تكلمنا عنه وبينا ضعفه وهو غير عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، أما الأول فهو الضعيف وهو الذي له رواية عن علي وروى عنه المنهال بن عمرو- كما في ترجمته من (التهذيب)- وهذا عين الإسناد هنا، وأما الثاني منهما فهو ثقة لكن ليس له رواية عن علي ولم يرو عنه المنهال بن عمرو، ثم ان الثاني وان كان أسدياً لكنّه لا يعرف به ومن راجع ترجمة كل منهما في (تهذيب التهذيب) وغيره علم ان الذي في إسناد حديثنا هذا هو الأول الأسدي الكوفي الضعيف وليس الثاني بخلاف ما زعمه هذا الموسوي عند ذكره لهذا الإسناد في (المراجعة- 22-) (ص148)، فأحببت التنبيه على ذلك، وسيأتي مزيد من الكلام إن شاء الله عليه وعلى هذا الحديث عند الكلام على (المراجعة-22-) بعد أن بينا ان طرق هذه القصة كلها ما بين موضوع في إسناده كذاب أو ضعيف جداً لا يثبت مع ما في متنها ولفظها من النكارة التي سبق بيانها من كلام شيخ الإسلام، ولله الحمد والمنّة. .

قوله: (و هم أولوا الأرحام وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله). 

قلت: لو أنه رجع إلى كتب التفسير والحديث وأسباب النزول لما قال ما قال، فهذا من جهله انه يفسر القرآن برأيه، وربما يكون قد رجع اليها فلم يرَ فيها ما يوافق هواه فأعرض عنه وفسر الآية بما يشتهي . وكان من سبب نزولها الذي ذكره السيوطي في (أسباب النزول) (ص91-92) وغيره: ان المهاجرين لما قدموا المدينة قدموا ولا أموال لهم فوجدوا الأنصار وتأخوا بينهم حتى ان أحد الأخوين كان يرث الآخر اذا مات، وبقي الحال على هذا حتى عقيب معركة بدر حين أنزل الله سبحانه هذه الآية فنسخ التوارث فيما بين أولئك وجعله بين أولي الأرحام فقط. وقد أخرج ذلك أو دأود الطيالسي- كما في (الدر المنثور) (4/118)- ومن طريقه أخرجه الطبراني في (الكبير) (11748) عن ابن عباس رضي الله عنهما: (ان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آخى بين أصحابه فجعلوا يتوارثون لذلك حتى نزلت {و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض} فتوارثوا بالنسب). وإسناده لا بأس به، وعزاه السيوطي لابن مردويه أيضاً .

وذكر السيوطي أيضاً (4/ 117) حديثا آخر عن الزيبر بن العوام رضي الله عنه وعزاه لابن سعد وابن أبي حاتم والحاكم- وصححه- وابن مردويه. وقد أخرجه ابن جرير (10/ 36) عن كل من ابن الزبير وقتادة، وهو الذي قال به سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم. فهذا هو سبب نزول الآية وهذا ما صح في تفسيرها عن الصحابة وآل البيت كعبد الله بن عباس والزبير بن العوام، وعن التابعين أيضاً كسعيد بن جبير وغيره، فأين الحجة له فيها بعد ذلك؟

قوله: (و هم المرتقون يوم القيامة إلى درجته الملحقون به في دار جنات النعيم بدليل قوله تعالى: {و الذين آمنوا واتبعتهم ذريّتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريّتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء}. 

وقال في الهامش (53/72): (أخرج الحاكم في تفسير سورة الطور ص468 من الجزء الثاني من صحيحه المستدرك عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ {ألحقنا بهم ذريّتهم وما ألتناهم }، قال: إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وان كانوا دونه في العمل، ثم قرأ: والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم، يقول: وما نقصناهم)إ. ه.

قلت: قول ابن عباس هذا صحيح وقد أخرجه ابن جرير (27/18) وغيره، وهو أحد القولين في معنى هذه الآية، والقول الآخر ان المراد بالذرية هنا الصغار دون الكبار لأن البالغين لهم حكم أنفسهم في الثواب والعقاب فانهم مستقلون بأنفسهم ليسوا تابعي الآباء في شيءٍ من أحكام الدنيا ولا أحكام الثواب والعقاب ولإستقلالهم بأنفسهم، ولو كان المراد بالذرية البالغين لكان أولاد الصحابة البالغون كلهم في درجة آبائهم ويكون أولاد التابعين البالغون كلهم في درجة آبائهم أيضاً وهلمّ جرا إلى يوم القيامة فيكون الآخرون في درجة السابقين، وهذا القول بأن الذرّيّة هنا الصغار فقط مروي عن ابن عباس أيضاً في هذه الآية، يقول: والذين أدرك ذريتهم الإيمان فعملوا بطاعتي ألحقتهم بإيمانهم إلى الجنة وأولادهم الصغار تلحق بهم، وهكذا يقول الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وقتادة وأبو صالح والربيع بن أنس والضحاك وابن زيد، وهو الذي اختاره ابن جرير في تفسيره، واختاره أيضاً ابن القيّم في (حادي الأرواح) فقال: (ص284): (واختصاص الذرية هنا بالصغار أظهر لئلا يلزم استواء المتأخرين والسابقين في الدرجات، ولا يلزم مثل هذا في الصغار فان أطفال كل رجل وذريته معه في درجته والله أعلم) إ. ه. فلا يبقى بعد ذلك أية حجة لهذا الموسوي في هذه الآية، مع انه حتى ثبت ما قال فيها ليس فيها أي دليل على الأفضلية ولا على الإمامة، فما علاقة ارتقائهم في الجنة إلى درجات النبي صلّى الله عليه وسلّم - على زعمه- بتقديمهم في الدنيا على غيرهم؟ ثم ان الآية حتى على تفسيره هو لا تشمل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فليس هو من ذرية النبي صلّى الله عليه وسلّم، ومعلوم انه أفضلهم وخيرهم، فأما أن يقال ان الأئمة بعده- وهم من ذريته- يرتقون يوم القيامة في الجنة إلى درجته هو رضي الله عنه، وبذلك حصرت المسألة في أهل البيت دون غيرهم فليس في هذا أي دليل على أفضليتهم على من سواهم لأنهم أصبحوا في درجة علي، وأبو بكر وعمر خيرٌ منه، فلا ترفعه الآية فوق درجة أبي بكر وعمر، بل ترفع ذريته إلى درجته، أو يقال في معنى الآية ان أئمة أهل البيت يرفعون إلى درجة النبي صلّى الله عليه وسلّم - لأنهم من ذريته من ابنته فاطمة- لكنّها لا تشمل عليا رضي الله عنه ويبقى هو خارجها، وقد قدمنا أنه خيرهم وأفضلهم حتى على قول هذا الموسوي وشيعته، وعلى كلا الوجهين لادليل له في هذه الآية، والحمد لله.

قوله: (و هم ذوو الحق الذي صدع القرآن بإيتائه: {و آت ذا القربى حقه}، وذوو الخمس الذي لا تبرأ الذمة إلا بأدائه: {و اعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذوي القربى}، وأولوا الفيء: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى}إ. ه.

قلت: ما أفسد احتجاجه بهذه الآيات وما أدله على جهله، فما علاقة الخمس والفيء بالإمامة والتقديم على الناس؟ وهذه الآيات بإمكان المساكين والفقراء واليتامى وأبناء السبيل أن يحتجّوا بها أيضاً على أفضليتهم وعلى أحقيتهم بالإمامة لأن لهم نصيبا في كل تلك الآيات، فهل يمكن أن يقبل هذا عاقل؟ وماذا يقول هذا الموسوي بعد ذلك؟ فقد قال الله سبحانه وتعالى في الآية الأولى التي ساقها: {و آت ذا القربى حقّه والمسكين وابن السبيل ولا تبذّر تبذيراً} (الإسراء/ 26) ومثلها قوله تعالى (الروم/38): {فآت ذا القربى حقّه والمسكين وابن السبيل} وحق ذوي القربى هو صلتهم كما فسره غير واحد من المفسرين، وهو ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم- (الدر المنثور) (5/271)- عن ابن عباس في الآية الأولى قال: (هو أن تصل ذا القرابة وتطعم المسكين وتحسن إلى ابن السبيل)إ. ه.

وأما ما روى من أن هذه الآية حين نزلت دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاطمة فأعطاها فدك- التي فتحت مع خيبر- فهو حديث موضوع لا شك في ذلك، وفقد رواه البزار- (تفسير ابن كثير) (3/36)- من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد، وقد تقدم غير مرة ذكر ضعف عطية هذا وانه كان يدلس تدليساً شنيعاً إ كان يأتي محمّد بن السائب الكلبي، وهو كذاب فيأخذ عنه الحديث ويكنيه أبا سعيد يوهم أنه أبو سعيد الخدري وليس هو كذلك، ومما يبين كذب هذا الحديث أيضاً ان فدك فتحت مع خيبر سنة سبع للهجرة في حين ان هذه الآية مكية فكيف يلتئم هذا مع هذا؟ قال ابن كثير: (فهو إذن حديث منكر والأشبه أنه من وضع الرافضة والله أعلم) إ. ه. هذا بالنسبة للآية الأولى أما الآية الثانية فقد قال الله تعالى (الأنفال / 41): {و اعلموا أنما غنمتم من شيءٍ فإنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إنْ كنتم آمنتم بالله . . . } الآية، والمذكورون في هذه الآية أكثر من الأولى فما بال اليتامى والمساكين وابن السبيل حتى أخرجهم هذا الموسوي منها؟ والآية الثالثة قال الله تعالى (الحشر/7): {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم. . . } الآية، فانظر إلى فعل هذ الموسوي كيف يحرف النّصوص بتقطيعها وأخذه منها ما يظن أنه يؤيّد قوله وتركه لما سوى ذلك، وقد مر بنا من ذلك أمثلة كثير من فعله، فأين الدقة والأمانة في النقل التي زعمها له مترجمه في مقدمة كتابه؟ لا والله ليس عنده أمانة في نقل النّصوص حتى مع آيات الكتاب العزيز, أمثل هذا يعد إماماً يقتدى به ويوثق بقوله؟

قوله: (و هم أهل البيت المخاطبون بقوله تعالى: {إنّما يريد الله ليُذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا} إ. ه.

قلت: قد تقدم الكلام على معنى هذه الآية والمقصود منها في كلامنا على ما جاء في (المراجعة-12-) (ص62) من المراجعات حيث ذكر هذا الموسوي آية التطهير هذه وادعى اختصاصها بهم دون غيرهم وقد بينا هناك بيانا شافيا- إن شاء الله- ان المقصودين الحقيقيين بهذه الآية هم نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم، وباقي أهل البيت تبعا لهم بحكم عموم اللفظ وبحكم حديث الكساء، لكن سياق الآيات في سورة الأحزات ما قبل هذه الآية وما بعدها كذلك كله خاصّ بنساء النبي صلّى الله عليه وسلّم فهنّ أولى المقصودات بهذه الآية، فراجع الكلام عليه هناك مفصّلاً حتى تتبين أن لا حجّة للشيعة في هذه الآية إطلاقاً بل هي حجّة عليهم، ولله الحمد. وهم في كلامهم مع أهل السّنّة لا يحتجون بالحديث ويدعون إلى الإحتجاج بالقرآن فقط بدعوى ان الأحاديث منها ما هو مكذوب، فإذا ما وصل الأمر إلى هذه الآية تركوا الإحتجاج بلفظها وسياقها الدال على المراد إلى الإحتجاج بحديث الكساء وحده مع أنّ أهل السّنّة لا ينكرون هذا الحديث بل يقولون بموجبه مع موجب الآية فجمعوا بين الأمرين وهذا من توفيق الله، أما هم فيأخذون الحديث ويتركون دلالة ظاهرة الآية لعدم موافقته لمذهبهم الفاسد، وصدق عبد الرحمن بن مهدي حين قال: أهل العلم يكتبون ما لهم وماعليه، وأهل الجهل لا يكتبون إلا ما لهم. . .

قوله: (و آل ياسين الذين حياهم الله في الذكر الحكيم فقال: {سلامٌ على آل ياسين}) وفي الهامش (54/73): (هذه هي الآية الثالثة من الآيات التي أوردها ابن حجر في الباب 11 من صواعقه، ونقل ان جماعة من المفسرين نقلوا عن ابن عباس القول: بأن المراد بها السّلام على آل محمّد، قال ابن حجر: وكذا قال الكلبي إلى أن قال وذكر الفخر الرازي ان أهل بيته يسأوونه في خمسة أشياء. . . إلى آخر كلام الرازي المنقول)إ. ه.

قلت: على فرض ان الآية كما فسرها به وان قراءتها كما ادعى فإن آل محمّد صلّى الله عليه وسلّم ليسوا هم ذرية عليّ فقط، بل أيضاً ذرية العباس وعقيل وجعفر رضي الله عنهم ويشمل أيضاً أزواجه صلّى الله عليه وسلّم فهم من آله حتماً كما قدمنا بيان ذلك بالتفصيل بالأدلة في الملاحظة الرابعة من خمس ملاحظات تعقيبا على كلامه في (ص60) من المراجعات ونقلناه هناك من عدد من العلماء أيضاً، فعلى هذا تكون هذه الآية شاملة لأزواجه صلّى الله عليه وسلّم ضمن باقي أهله، مع ان هذا لا ينكره أهل السّنّة من فضل أهل البيت لكن النزاع في أفضليتهم بذلك على من سواهم. فكيف إذا كأنت قراءته للآية خاطئة وان الصحيح هم {سلامٌ على إل ياسين } بدليل السياق قبلها في قصة إلياس عليه السّلام، قال تعالى (الصافات /123- 132): {و إن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون. أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين. الله ربّكم وربّ آبائكم الأولين. فكذّبوه فإنهم لمحضرون. إلا عباد الله المخلصين. وتركنا عليه في الآخرين سلامٌ على إل ياسين. إنا كذلك نجزي المحسنين. إنّه من عبادنا المؤمنين}. فسياق الآيات كلها قبلها وبعدها في إلياس عليه السّلام، فمن أين يأتي ذكر آل محمّد صلّى الله عليه وسلّم فيه ؟ وقوله تعالى عن إلياس (إلياسين) كما يقال في إسماعيل إسماعين، قال ابن كثير (4/20): وهي لغة بني أسد، ومثله يقال: ميكال وميكائيل وميكائين، وإبراهيم وإبراهام وإسرائيل وإسرائين وطور سيناء وطور سينين. ونظير هذا الكلام قال الإمام ابن القيّم في (جلاء الإفهام) (ص118) بأنه من السّلام على النبي إلياس أوعلى آله ويكون هو داخلاً فيه، وقال: (و لا سيما عادة العرب في استعمالهم للإسم الأعجمي وتغييرها له فيقولون مرةً: إلياسين، ومرةً إلياس، ومرةً ياسين، وربما قالوا: ياس ويكون على إحدى القراءتين قد وقع السّلام عليه، وعلى القراءة الأخرى على آله)إ. ه.

قلت: يعني به النبي إلياس لا غيره وان الآية تخصه لا تخص أحداً غيره على كلا القراءتين . وهذه القراءة التي زعمها هذا الموسوي لا تثبت مع انها مروية عن ابن عباس رضي الله عنهما، فقد أخرجها الطبراني في (الكبير) (11064) وفي إسنادها موسى بن عمير القرشي قال أبو حاتم: ذاهب الحديث كذاب، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الحافظ في (التقريب): متروك.

وأما ما نقله عن ابن حجر من (الصواعق) فقد اقتطع من كلامه ما يفيده وترك الباقي كعادته في التلاعب بالنّصوص حسب ما يشتهي . فتتمة كلام ابن حجر من (الصواعق): (. . . لكن أكثر المفسرين على ان المراد إلياس عليه السّلام وهو قضية السياق) إ. ه. فهذا هو ابن حجر نفسه يقرر ان قول أكثر المفسرين على خلاف ذلك، فما حجة هذا الموسوي إذن غير قراءة ابن عباس التي قدمنا ان في إسنادها كذاب؟ ولا يفيده قول الكلبي الذي نقله فإن الكلبي هذا هو محمّد بن السائب، متهم بالكذب كما في ترجمته من (التهذيب) و(التقريب) .

قوله: (وآل محمّد الذين فرض الله على عباده الصلاة والسّلام عليهم فقال: إنا الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليماً، فقالوا: يا رسول الله أما السّلام عليك فقد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد. . الحديث فعلم بذلك ان الصلاة عليهم جزء من الصلاة المأمور بها في هذه الآية، ولذا عدّها العلماء من الآيات النازلة فيهم، حتى عدّها ابن حجر في الباب 11 من صواعقه في آياتهم عليهم السّلام) وقال في الهامش (55/73): (كما أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن من الجزء الثالث من صحيحه في باب ان الله وملائكته يصلّون على النبي من تفسير سورة الأحزاب، وأخرجه مسلّم في باب الصلاة على النبي من كتاب الصلاة من الجزء الأول من صحيحه، وأخرجه سائر المحدثين عن كعب بن عجرة)إ. ه.

قلت: قد تقدم الكلام- في الملاحظات الخمسة تعقيباً على ما جاء في كلامه في (المراجعة 10) (ص60) من المراجعات- على فرضية أو وجوب الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم وآله في الصلاة وبيان حكمها هناك، وهذا الموسوي يعيد الكلام والإستدلال رغبة في التطويل، وقد بينا هناك معنى الآل الصحيح وبينا شمول هذا الإسم لأزواجه صلّى الله عليه وسلّم، بل فوق ذلك جاء التصريح بذكرهن في أحد الألفاظ الصحيحة في الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد التشهّد، وذلك في حديث أبي حميد الساعدي الذي أخرجه البخاري (4/178)، ومسلّم (1/306) بلفظ: (اللهم صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمّد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) وقلنا هناك: إن هذا اللفظ يدفع ماقاله هذا الموسوي وما ادعاه ويهدم كلّ ما بناه على أساس وجوب الصلاة على آل النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصلاة. وما اشار اليه في الهامش (55/73) مما أخرجه البخاري ومسلّم لا يؤيد ما قاله وفق معنى الآل الذي سبق بيانه، ونقول له قد أخرج البخاري ومسلّم أيضاً حديث أبي حميد الساعدي السابق الذكر فلم أعرضت عنه؟ ففيه التصريح بذكر زوجاته صلّى الله عليه وسلّم ورضي الله عنهنّ.

وكلام ابن حجر الذي أشار اليه في المتن وذكر موضعه في الهامش (56/74) يرد عليه بذلك أيضاً فقد شمل ابن حجر أزواجه بذكر الآل، وذكر رواية الصحيحين بخصوصه، وقال: (قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم. . .) فراجع كلام ابن حجر في (الصواعق) (ص87) إذ لم يكن هذا الموسوي أميناً في نقله كعادته. . .

قوله: { فطوبى لهم وحسن مآب . جنات عدن مفتّحةً لهم الأبواب} وقال في الهامش (57/74) عن معنى طوبى: (أخرج الثعلبي في معناها من تفسيره الكبير بسند يرفعه إلى رسول الله صَلّى الله عليه وآله وسلّم قال: طوبى شجرة في الجنة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة- فقال بعضهم يا رسول الله سألناك عنها فقلت: أصلها في دار عليّ وفرعها على أهل الجنة، فقال (ص) أليس داري ودار علي واحدة؟) إ. ه.

قلت: لم يبين إسناده ولا مخرجه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يصرح هذا الموسوي بمصدره ومن أين نقله فتفسير الثعلبي غير مطبوع ولا أدري من أين نقله، وتفسير (طوبى) بأنها شجرة في الجنة جاء عن بعض الصحابة والتابعين وجاء ذلك أيضاً مرفوعاً إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكن ليس في أي من طرقه تلك ان أصلها في دار النبي صلّى الله عليه وسلّم أو في دار علي، وقد رواه ابن جرير الطبري في (تفسيره) (13/87-88) عن كل من أبي هريرة وابن عباس وشهر بن حوشب والضحاك ووهب بن منّبه وحماد وغيره وليس فيها ما ذكره هذا الموسوي، وقد استقصى طرقه والأقوال الأخرى السيوطي في (الدر المنثور) (4/643-650) عن عدد من الصحابة والتابعين وعزاه إلى عديدين ولم يذكر ما أخرجه الثعلبي هذا، وبعضهم فسرّ (طوبى) بأنها الجنة وانها من أسماء الجنة بالحبشية أو الهندية.

وروى الطبري (13/86) عن ابن عباس في قوله {طوبى لهم} قال: فرح وقرّة عين. وروى أيضاً عن عكرمة قال: نِعم مالهم . وعن الضحاك: غبطة لهم. وأخرج أيضاً (13/86) عن قتادة قال: حسنى لهم، وهي كلمة من كلام العرب، يقول الرجل طوبى لك أي أحببت خيراً. وعن إبراهيم قال: الخير والكرامة الذي أعطاهم الله سبحانه وتعالى. قال ابن كثير (2/521) بعد نقله لهذه الأقوال: (و هذه الأقوال شيء واحد لا منافاة بينها).

وعلى فرض صحة ما ادّعاه هذا الموسوي فليس فيها دليل على الأفضلية- أكرر- بل دليل على الفضل ولا تلازم بين هذا وبين الإمامة والتقديم على الناس، وفي الأثر الذي ساقه فضل لعليّ رضي الله عنه وحده فأين الفضل فيه لباقي الأئمة وآل البيت؟ ثم ان سياق الآيات عام في كل المؤمنين، قال الله تعالى {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب} (الرعد/29) فلم يخصّصها بعليّ رضي الله عنه وحد؟

قوله: (فهم المصطفون من عباد الله، السابقون بالخيرات بإذن الله، الوارثون كتاب الله الذين قال الله فيهم: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه} وهو الذي لا يعرف الأئمة {و منهم نقتصد} وهو الموالي للأئمة { ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} وهو الإمام {ذلك هو الفضل الكبير}. وقال في الهامش (58/74): (اخرج ثقة الإسلام الكليني بسنده الصحيح عن سالم قال: سألت أبا جعفر (الباقر) عن قوله تعالى {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا. . . } الآية قال عليه السلام: السابق بالخيرات هو الإمام، والمقتصد هو العارف بالإمام، والظالم لنفسه هو الذي لا يعرف الإمام، وأخرج نحوه عن الإمام أبي عبد الله الصادق وعن الإمام أبي الحسن الكاظم وعن الإمام أبي الحسن الرضا، وأخرجه عنهم الصدوق وغير واحد من أصحابنا، وروى ابن مردويه عن عليّ انه قال في تفسير هذه الآية: هم نحن، والتفصيل في كتابنا (تنزيل الأيات) وفي غاية المرام)إ. ه.

قلت: ها هو يخلّ ثانيةً بالشرط الذي اشترطه على نفسه من الإستشهاد بالنّصوص من كتب أهل السّنّة، ويلجأ إلى ما ليس بحجّة عند أهل السّنّة اضطراراً، وسأجعل ردي هنا من عدة أوجه:

(الوجه الأول): استدل على تفسيره للآية بما نقله عن محمّد الباقر وابنه جعفر الصادق والكاظم وأبي الحسن الرضا، وهم أئمة أهل البيت، وليس قولهم لوحده حجّة عند أهل السّنّة فهم عندهم بمنزلة باقي أئمة التابعين وتابعيهم ان لم يكن في الآخرين من هو أعلم منهم، ومن كان من الصحابة من أهل البيت فلا مزية له على سائر الصحابة من جهة الإستدلال بقوله، فكلٌّ يؤخذ منه ويردّ عليه إلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والعبرة في صحة القول والأخذ به أن ينسب إلى المعصوم صلّى الله عليه وسلّم، وما سوى ذلك يحتمل الصحّة والخطأ على فرض صحة السّند إلى من ينسب له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريفه للعلم الشرعي الصحيح: نظر محقق في خبر مصدق عن المعصوم صلّى الله عليه وسلّم.

فأهل السّنّة إذن لا يقدحون في هؤلاء الأئمة ولكن ليس قولهم بأولى من قول غيرهم من أئمة هذه الأمة، هذا كله على فرض صحّة نسبة ما ادّعاه اليهم، فكيف وهو لم يبين إسناده، وقوله بسنده الصحيح لا يُلزم به أهل السّنّة فهوه صحيح باعتبار مذهبه لا مطلقاً، وإلا ليسق إسناده إن كان صادقاً، فأي حجة في قول الباقر والصادق وغيرهما بعد ذلك يلزم به أهل السّنّة خصوصاً وانه معارض بتفسير غيرهم لهذه الآية وهو ما سنبينه إن شاء الله .

(الوجه الثاني): قيل في الأصناف الثلاثة المذكورين في الآية وهو الظالم لنفسه والمقصد والسابق بالخيرات إن السابق بالخيرات والمقتصد من أمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والظالم لنفسه من غيرهم، والصحيح إن الظالم لنفسه من هذه الأمة أيضاً فتكون جميع هذه الأصناف من أمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وهو ظاهر الآية لقوله تعالى{ثمّ أورثناالكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ومن هم مقتصدٌ ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله} فبين ان هذه الأصناف من جنس واحد وأمة واحدة، ثم قال الله تعالى بعدها بثلاث آيات: { والذين كفروا لهم نار جهنم لا يُقضى عليهم فيَموتوا. . . } الآية فدلّ هذا على أنّ المقدّمين غير الذين كفروا وأنّ هؤلاء هم أهل النار هذا أولاً. وثانياً هو موافق لما جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من طرق يسد بعضها بعضاً، فمنها ما رواه الإمام أحمد (3/78)، والترمذي (4/171)، وابن جرير (22/137) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال في هذه الآية: (هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنّة) وقال الترمذي: حديث غريب حسن قلت: وقد حسّنه لشواهد فمنها حديث أبي الدرداء عند أحمد (5/194، 198) (6/444)، وابن جرير (22/137) وابن أبي حاتم- (تفسير ابن كثير) (3/555)- من طريقين. ومثله حديث عوف بن مالك رضي الله عنه عند الطبراني في (الكبير) (18/66) (رقم 149)، وابن أبي حاتم- (إبن كثير) (3/556)- وأخرج نحوه أيضاً الطبراني في (الكبير) (410) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. وفي كل هذه الأحاديث التصريح بأن جميع هذه الأقسام الثلاثة هم من أمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم وإنهم جميعاً من أهل الجنة، فراجع نصّ هذه الأحاديث في مواضعها التي أشرنا اليها أو راجعه في ما ساقه ابن كثير في (تفسيره) (3/555-556) من ألفاظها أو ما أورده السيوطي في (الدر المنثور) (7/23- 26) وقد ذكر كلّ منهما آثاراً أخرى عن عدد من الصحابة والتابعين وذكرا من أخرجها ورواها مثل قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأنس والبراء وعائشة وغيرهم من التابعين رضي الله عنهم أجمعين، وهو اختيار ابن جرير وابن كثير في معنى الآية أيضاً.

والمهم انه جاء تفسير الآية بما يخالف ما ذكره حتى عن بعض أئمة أهل البيت رضي الله عنهم، فقد روى ابن جرير (22/133- 134) عن ابن عباس في هذه الآية قال: (هم أمة محمّد صلّى الله عليه وسلّم ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله فظالمهم يُغفر له ومقتصدهم يحاسَب حساباً يسيراً وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب) فهذا تفسير حبر الأمة رضي الله عنه ان المقصودين بالذين أورثهم الله الكتاب هم أمة صلّى الله عليه وسلّم وهم المصطفون من عبادالله لا كما زعمه هذا الموسوي باختصاص ذلك بأهل البيت ثم جعله للظالم لنفسه هم من لم يعرف الأئمة وانه من أهل النار، فها نحن نردّ عليه بقول ابن عباس رضي الله عنهما المسند، وله طريق آخر بلفظ آخر أخرجه الطبراني (الكبير) (11454) قال: (السابق بالخيرات يدخل الجنّة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمّد صلّى الله عليه وسلّم) فهذا تصريح ابن عباس بدخول الظالم لنفسه الجنة، فإن قيل أنه لا يخالف كونه لم يعرف الأئمة، قيل يلزمه ان معرفة الأئمة ليست حتماً لدخول الجنّة كما يزعمه هذا الموسوي إذ جعلها الركن الأساس للإيمان كما مرّ في كلامه، ويلزمه أن من لم يعرفهم لا يسيئه ذلك شيئاً فأي فضيلة تبقى لهم بعد ذلك ؟ وفوق ذلك روى ابن جرير (22/135) بإسناده عن محمّد بن الحنفية رضي الله عنه قال: إنها أمة مرحومة ؛ الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنات عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله.

وذكر ابن كثير (3/556) عن أبي الجارود قال: سألت محمّد بن عليّ- الباقر- رضي الله عنهما عن قول الله تعالى {فمنهم ظالمٌ لنفسه} فقال: هو الذي خلظ عملاً صالحاً وآخر سيّئاً . فهذا ما قاله الباقر، يردّ ما زعمه هذا الموسوي من قوله، والحمد لله، وما ادّعى انه من قول عليّ رضي الله عنه فيما أخرجه ابن مردويه فهو غير صريح في ما أراده هذا الموسوي، إذ قول عليّ: هم نحن، يمكن حمله على أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وهو الحق وبذلك يوافق ما سقناه من الأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين في ذلك مع انه لم يبين لنا إسناده ولا من أين نقله فتفسير ابن مردويه غير مطبوع.

(الوجه الثالث): من ملاحظة سياق الآيات يتبين عدم استقامة ما ادّعاه في تفسير الآية، قال الله تعالى: {ثمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} فذكرسبحانه وتعالى أنه أورث الكتاب أمةً اصطفاها ثم قال عنها: {فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصدٌ ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} بعد ذلك، فأثبت ان من هؤلاء المصطفين الوارثين للكتاب ظالمٌ لنفسه كما ان منهم المقتصد والسابق بالخيرات، وهذا ما يرد قول الموسوي إذ جعل الظالم لنفسه من غير جنس المصطفين الوارثين للكتاب إضافةً إلى ثبوت ان من هؤلاء المصطفين الوارثين للكتاب- والذين جعلهم هذا الموسوي أهل البيت- من هو ظالمٌ لنفسه، وهو ما لا يقوله هذا الموسوي في أهل البيت، فبطل بذلك مذهبه من أساسه في عصمتهم وبعدهم عن الخطأ والظلم وفقا لما فسّر به الآية هو نفسه، والحمد لله رب العالمين.

(الوجه الرابع): إعتماده ما نقله الكليني، ولم يذكر من أي كتاب ولا أظنه إلا كتاب المعروف له، وقد تقدمت الإشارة منا خلال بعض التعليقات إلى الكليني هذا وإلى كتابه الكافي، ومن أراد الإستزادة فليراجع ما قلناه في مقدّمة ردّنا هذا على الكتاب بشأن الكليني وكتابه (الأصول من الكافي) وغيره ممّا يعلم كذبه وبطلانه في إطلاقه عليه (ثقة الإسلام). وذلك واضح لا لبس فيه لكل من علم بما في كتبه تلك من الأباطيل التي لا تصدر إلاّ عن أعداء الإسلام أو تلامذتهم يبغون بها سبيل الله سبيلاً أعوج؛ كسبّ الصحابة ولعنهم والأنتقاص حتى من الأنبياء ومن محمّد صلّى الله عليه وسلّم نفسه، وليس ذلك فحسب بل والقول بتحريف القرآن والقدح في صفات الله سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً، ثم بعد ذلك يأتي هذا الأحمق ويستشهد بما عنده على أهل السّنّة.

وأما الصدوق الذي أشار اليه فهو محمّد بن علي بن بابويه القُمّي- وقد ذكره المؤلف بعد صفحات قليلة- ولا أعلم من أي كتاب نقل قوله، فمما علمته من كتبه كتاب ا(الخصال) وقد طبع في طهران وفي دار التعارف في بيروت، وكتاب (من لا يحضره الفقيه) وقد طبع في طهران، وهو ليس أحسن حالاً من سابقه فكتابه (الخصال) مملوء بالطعن بسادة الصحابة كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وغيرهم، أنظر ما جاء في الصفحات (80، 81، 82) من كتابه ذاك (طبعة طهران)، وفي (ص 143) روى حديث (لا تشدّ الرّحال إلا . . .) لكنّه بلفظ محرف فقال فيه: (. . . المسجد الحرام، ومسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومسجد الكوفة). فهذا تحريف من يسمّونه بصدوق المسلّمين، مع ان الحديث على لفظه المحرّف هذا يردّ على كثير من أفعالهم في شدّ الرّحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة؛ كمشهد كربلاء، وليس هذا موضع ذكره، فهل يشك أحد في كذب تلك الألفاظ التي أطلقوها على علمائهم من أجل إخفاء حقيقة كذبهم وتحريفهم للنصوص؟ وبكل حال كيف يظن هذا الموسوي أن أحداً من أهل السّنّة يطمئن إلى تلك الكتب بعد أن يعلم بما فيها مما بيناه وما لم نبينه؟

قوله: (وفي هذا القدر من آيات فضلهم كفاية، وقد قال ابن عباس: نزل في علي وحده ثلاث مئة آية، وقال غيره: نزل فيهم ربعُ القرآن، ولا غرو فإنهم وإياه الشقيقان لا يفترقان، فاكتفِ الآن بما تلوناه آيات محكمات هنّ أم الكتاب، خذها في سراح ورواح ينفجر منها عود الصباح، خذها رهواً سهواً، وعفواً صفواً، خذها من خبير عليه سقطت، ولا ينبئك مثل خبير والسّلام) إ. ه. وقال في الهامش (59/ 74) عن قوله ابن عباس المذكور: (أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس كما في الفصل 3 من الباب 9من الصواعق ص 76) إ. ه.

قلت: قول ابن عباس هذا أورده ابن حجر في الصواعق، نعم لكنّه لم يتكلم على صحته ولم يبين إسناده، وقد ذكره ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/352) وقال: حديث موضوع. ومن لم يقل بوضعه وكذبه قال إنه ضعيف جداً كما فعل الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/362) وقد أخرجه الخطيب في التاريخ (6/221) وفي إسناده جويبر ابن سعد البلخي. قال الحافظ في (التقريب): ضعيف جداً، وقال النسائي وغيره متروك وفي إسناده كذلك سلام بن سليمان الثقفي وهوضعيف أيضاً كما في (التقريب) . ثم إنه من رواية الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس ولم يلقه وفي إسناده أيضاً إسماعيل بن محمّد بن عبد الرّحمن المدائني وهومجهول. فلا يثبت قول ابن عباس هذا، والقول الآخر الذي ساقه لم يبين صاحبه ولا مخرجه ولا أظنه إلاّ كذباً الا ان اراد بغيره هو نفسه- أي هذا الموسوي-، أو احد أئمته.

ثم انظر إلى المغالاة في مدح نفسه وقوله انه خبير بتلك النّصوص، ولا أظن أحداً نظر في ردنا عليه هذا إلا سيضحك منه ومن قوله هذا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. . .

المراجعة (13): س: 

            1-                                              موافقة شيخ الأزهر على كل كلامه وإعجابه به. 

            2-                                              اعتراض شيخ الأزهر بأن رجال الشيعة لا يحتج بهم أهل السّنّة

المراجعة (14): ش: 

            1-                                              زعمه بأن أهل السّنّة احتجّوا حتى بأهل الرفض- الغلاة- من الشعة ومثّل على ذلك بشيوخ البخاري. 

            2-                                              إدّعاؤه بأن الشيعة إنما جرّوا على منهاج العترة في الصدق والأمانة. 

            3-                                              زعمه امتيازهم بتغليظ حرمة الكذب في الحديث. 

الردّ على المراجعة (14): 

1-                    نقض ادعائه احتجاج أهل السّنّة ومنهم البخاري بأهل الرفض من الشيعة وتفصيل مسألة الإحتجاج بأهل البدع. 

2-                    أئمة العترة أنفسهم يكذبون الشيعة في أتباعهم

3-                    عدم امتيازهم بما ادّعى. 

قال في (ص76): (وفي شيوخ البخاري رجال من الشيعة نبزوا بالرفض ووصموا بالبغض، فلم يقدح ذلك في عدالتهم عند البخاري وغيره حتى احتجّوا بهم في الصحاح بكل ارتياح). 

قلت: ههنا مسألتان مهمتان، ، أحدهما فرع من الأخرى، الأولى وهي الأصل منهما: هل تقبل رواية أهل البدع والأهواء، ومنهم الرافضة؟ والثانية وهي الفرع من الأصل: تحقيق صحة القول برواية البخاري عن بعض أهل الرفض والتشيّع واحتجاجه بهم. فنقول مبتدئين بالمسألة الأولى:

بعيداً عن نقل واستقصاء الأقوال التي قيلت في هذه المسألة والتي يراجعها من أرادها في مظانها في كتب علوم المصطلح في الحديث فليس هذاموضع استقصائها، بعيداً عن ذلك اقول لا شك ان العبرة في قبول الرواية بصدق الرأوي وأمأنته والثقة بدينه مع حفظه وضبطه، ومن نظر في أحوال الرواة يرى ان من أهل البدع من هو موضع للثقة ولقبول روايته، وان منهم كثيراً لا يوثق بهم ولا بخبرهم، قال الحافظ ابن حجر في (نزهة النظر) (ص81) عن رواية أهل البدع: (فالمعتمد ان الذي تُردّ روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضمّ إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله).

قلت: ويخصص من ذلك من كان داعية إلى بدعته فإنّه لا يقبل خبره على الصحيح، وهو مذهب ابن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ويحبى بن معين فيماحكاه عنهم ابن رجب في (شرح علل الترمذي)(ص64-65) قال: (و ورى أيضاً عن مالك) قلت: وقد نسبه إلى مالك أيضاً الحاكم في (معرفة علوم الحديث) (ص135)، وهو القول الذي رجحه النووي في (التقريب) وقال: (و هو الأظهر الأعدل وقول الكثير والأكثر) ومال اليه الحافظ في (نزهة النظر) مع قيد آخر فقال: (والثاني: يقبل من لم يكن داعيةً في الأصح إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المذهب المختار وبه صرّح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي دأود والنسائي في كتابه معرفة الرجال فقال في وصف الرواة: ومنهم زائغ عن الحق أي عن السنة . صادق اللهجة، فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكراً اذا لم يقو به بدعته، والله أعلم) إ. ه. قلت: ما نقله عن الجوزجاني هو مضمون كلامه فهناك اختلاف يسير بن ما قاله وبين ما هو موجود في نص كتابه (ص32) لا يضر ههنا. وهذا التحقيق هوالذي مال إليه ابن دقيق العيد في (الإقتراح) (ص336) من التوقف في قبول رواية المبتدع فيما يقوي بدعته، إضافةً إلى عدم قبول رواية الداعي إلى بدعته. وهذا كله قاله العلماء فيمن كأنت بدعته بدعةً صغرى من غير غلوّ فيها، قال الحافظ الذهبي في (الميزان) (1/5-6) بعد ذكره لتوثيق ابان بن تغلب الكوفي- وهو شيعي- عن أحمد وغيره: (فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحدّ الثقة العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة؟ وجوابه ان البدعة على ضربين؛ فبدعةٌ صغرى كغلوّ التشيّع أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلوّ فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتجّ بهم ولا كرامة . وأيضاً فما استحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقاً ولا مأموناً، بل الكذب شعارهم والتقية والنفاق دثارهم فكيف يقبل نقل من هذا حاله! حاشا وكلا. فالشّيعي الغإلى في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليا رضي الله عنه وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين أيضاً، فهذا ضال معثر ولم يكن ابن بن تغلب يعرض للشيخين اصلا، بل قد يعتقد عليا أفضل منهما) إ. ه. قلت: وسيذكر المؤلف ابان بن تغلب هذا فأردت التقديم لحاله نقلا من (الميزان).

والمقصود ان هذه هي الشروط التي وضعها أهل العلم بالحديث لقبول رواية أهل البدع وقد ذكرنا بعضا من أولئك العلماء واقوالهم في ذلك يضاف اليهم ما قال الحافظ ابن كثير في (اختصار علوم الحديث) (ص99- 100) وراجع ما قاله العلامة احمد محمّد شاكر رحمه الله في الهامش هناك ففيه فوائد جمة. على ان هناك شيئا اخر لا ينبغي لنا اغفاله هنا وهو ما قاله الحافظ ابن رجب في (شرح العلل) (ص65): (على هذا المأخذ فقد يستثنى من اشتهر بالصدق والعلم كما قال ابو دأود: ليس في أهل الاهواء اصح حديثا من الخوارج ثم ذكر عمران بن حطّان وأبا حسان الأعرج. وأما الرافضة فبالعكس، قال يزيد بن هارون: لا يكتب عن الرافضة فإنهم يكذبون، خرّجه ابن أبي حاتم) إ. ه.

قلت: راجع قول يزيد بن هارون هذا في (الجرح والتعديل) (1/28)، ومثل هذا الذي قاله ونقله ابن رجب قاله قبله شيخ الإسلام ابن تيمية في (الفرقان بين الحق والباطل) (ص32) عن الرافضة ولفظه: (و لهذا لا يوجد في فرق الأمة من الكذب أكثر مما يوجد فيهم بخلاف الخوارج فإنّه لا يعرف فيهم من يكذب، والشيعة لا يكاد يوثق برواية أحدٍ منهم من شيوخهم لكثرة الكذب فيهم، ولهذا أعرض عنهم أهل الصحيح فلا يروي البخاري ومسلّم أحاديث عليّ إلا عن أهل بيته كأولاده مثل الحسن والحسين ومثل محمّد بن الحنفية وكاتبه عبيد الله بن أبي رافع أو أصحاب ابن مسعود وغيرهم مثل عبيدة السلّماني والحرث التميمي وقيس بن عباد وأمثالهم، إذ هؤلاء صادقون فيما يروونه عن عليّ، فلهذا أخرج أصحاب الصحيح حديثهم) إ. ه.

قلت: وهذا واضحٌ بين في شأن الخوارج فإنهم يقولون بتكفير أصحاب الذنوب الكبيرة مطلقاً، إذ كان المؤمن هو البر التقي قالوا فمن لم يكن برّاً تقياً فهو كافر وهو مخلد في النار، فعندهم ان الكذب مكفّر وموجب للخلود في النار، لذا أمن أهل العلم حديثهم وأخرجوه في الصحيح أيضاً كما أخرج البخاري لعمران بن حطان الخارجي مادح عبد الرحمن بن ملجم قاتل عليّ، بخلاف الرافضة فإن من أساس مذهبهم التقية وأخفاء الحقّ والتظاهر بسواه، روى ثقة إسلامهم الكليني في (الكافي في الأصول) (باب التقية) (2/222) (طبعة إيران) عن جعفر الصادق انه قال لأحد شيعته: (يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزّه الله، ومن أذاعه أذله الله) فهذا يروونه- كذباً- عن جعفر الصادق انه يأمر بالنفاق والكذب، فكيف يؤمن بعد ذلك حديثهم، هذا مع ان هناك نصوصاً يروونها هم عن أئمة أهل البيت في ذم الشيعة أنفسهم وبيان ما عندهم من الكذب والنفاق منها ما رواه أبو عمر الكشي في (رجاله) (ص254) (مؤسسة الأعلمي- كربلاء) بسنده عن الإمام الصادق قال: (ما أنزل الله سبحانه آية في المنافقين الا وهي فيمن ينتحل التشيّع)، وورى أيضاً (ص253) عن الصادق أيضاً قوله: (لو قام قائمنا بدأ بكذّابي شيعتنا فقتلهم). وغير ذلك من نصوص كتبهم، مثل ما رواه الكليني في (الكافي) (8/228) (طهران) بسنده عن موسى بن بكر الواسطي قال: قال لي ابو الحسن عليه السّلام: (لو ميّزت شيعتي لم أجدهم إلا واضعة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدّين، ولو تمحّصتهم لما خلص من الألف واحد) ومعنى واضعة أي يضعون الحديث ويكذبونه، فهذا حال عموم رواة الشيعة، بل الشيعة أنفسهم فيما بينه أئمة أهل السّنّة ممّن نقلنا قوله في ذلك وغيرهم، وهو ما وصفهم به أئمة أهل البيت أنفسهم برواية الشيعة ذاتهم، نقلناه من كتبهم لا غيرها، وبه يعلم بطلان قول هذا الموسوي في الفقرة (2) من (المراجعة-14-) (ص76) ونصّه: (و لكن المعترضين لا يعلمون ولو عرفوا الحقيقة لعلموا أن الشيعة إنما جروا على منهاج العترة الطاهرة . . .) إلى أن قال: (لا يُبارون في الحفظ والضبط والإتقان، ولا يُجارون في تمحيص الحقائق والبحث عنها بكل دقّة واعتدال) إلى آخر كلامه الذي يكفي في ردّه كما قلنا نقول أئمتهم من كتبهم التي يعتمدونها مثل كتاب الكافي هذا وغيره، فما بال عليّ رضي الله عنه- فيما نقلناه من (الكافي)- يتهم شيعته بأنهم وضّاعين للحديث ومرتدّين؟ وما بال جعفر الصادق- فيما نقلناه من (رجال الكشي)- يحكم بالنفاق على من ينتحل التشيّع ويذكر ان فيهم كذّابين؟ وليس قول هذا الموسوي- غير المدعوم بالأدلّة- بأولى من أقوال أئمته هؤلاء من كتبه التي يعتمدها طبعاً.

ومع ذلك لم يردّ أهل الحديث رواية كل من عنده تشيّع. بل ساروا فيها وفق المنهج العلمي الذي بيناه في شأن رواية أهل البدع عموماً، وما ردوا من ذلك سوى رواية الغالين منهم في الرفض، ومن أئمة أهل الحديث في ذلك الإمام البخاري رحمه الله، وهذا هو بيان المسألة الثانية التي أشرنا اليها وقنا انها فرع من الأصل الأول، فالإمام البخاري لم يختلف منهجه في ذلك عن باقي أهل العلم بالحديث لكن في عبارة الموسوي، هذا تدليس قبيح عندما قال: (رجال من الشيعة نبزوا بالرفض ووصموا بالبغض) فهناك فرق بين من قيل أنه شيعي أو عنده تشيّع وبين من قيل انه رافضي أو اتهم بالرفض، فالأول من أهل العدالة والقبول وهم من أهل البدعة الصغرى التي أشار اليها الذهبي في (الميزان)، وهم الذين روى لهم البخاري وغيره واحتج بهم ضمن الضوابط التي ذكرناها، أما أهل الرفض فهم ممن قدح بهم لأجل ذلك وهم أهل البدعة الكبرى فيما بينه الذهبي فيما نقلناه عنه، وهؤلاء ليس لهم رواية عند البخاري ولا عند من روى الصحيح فهم الذين لا يحتجّ بهم ولا كرامة. فتسوية الموسوي بينهما تدليس سيء منه، ثم قوله (و وصموا بالبغض) ان كان قصده بغضهم لأبي بكر وعمر وسائر الصحابة فلا والله ليس عند البخاري وليس لهم ذكر في اي حديث صحيح عند أهل السّنّة بل وجودهم في حديث دليل على ضعفه أو كذبه عند أهل الحديث.

وبعد هذا فنحن نقول لهذا الموسوي أو لمن ينوب عنه إن كنتم تقولون ذلك عن البخاري وعن صحيحه وعن رواته، فلِمَ لا تحتجّون به ما دام هو يروي ويحتج بأناس منكم ثقات عندكم؟ ولم تتهمونه- رحمه الله- بأنه متعصّب ضد أهل البيت مبغض لهم مائل عن مذهبم؟ كما فعل هذا الموسوي في كتابه هذا (ص148) حين اتهم الإمام البخاري تجاه عليّ وأهل البيت وانه ما أخرج أحاديث- يزعمونها هم- في فضل علي وأهل البيت بسبب بغضه لهم، ولم يكتف بذلك بل اتهم البخاري في سريرته، وهذا من أقبح الكذب وهو ما لم يقله حتى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم بأنه يعلم سريرة أحد من الخلق، فكيف تسنى لهذا الموسوي معرفة سريرة البخاري؟

فكلامه هذا يناقض بعضه بعضاً، فمرةً يقول إن البخاري احتجّ برجالهم، لا بل بالغلاة منهم ممن اتهم بالرفض والبغض لأبي بكر وعمر، ومرةً يقول إنه مبغض لآل البيت وشيعتهم ولا يروي عنهم ولا يذكر فضائلهم، ولو كان البخاري كما قال هذا الموسوي ما روى لمثل هؤلاء الذي أشار اليهم، بل ما عقد باباً في صحيحه (5/22-26) في مناقب عليّ وآخرين من أهل البيت وغيره رضي الله عنهم أجمعين.

وقوله: (يتّهم ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني وصدوق المسلّمين محمّد بن علي بن بابويه القُمّي، وشيخ الأمة محمّد بن الحسن بن علي الطوسي، ويستخفّ بكتبهم المقدّسة وهي مستودع علوم آل محمّد صَلّى الله عليه وآله وسلّم ويرتاب في شيوخهم أبطال العلم وابدال الأرض الذين قصروا أعمارهم على النصح لله تعالى ولكتابه ولرسوله صَلّى الله عليه وآله وسلّم ولأئمة المسلّمين وعامتهم) إ. ه.

قلت: قد تقدم التعريف بهؤلاء الرجال وغيرهم من أئمتهم وبكتبهم في مقدمة كتابنا هذا، الأمر الذي يبين- بما نقلناه من نصوص كتبهم موثقاً بذكر مواضعها- ان هؤلاء أبعد الناس عن النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلّمين وعامّتهم، وإنهم قالوا في كتاب الله ما لم تستطعه اليهود ولا النصارى من القول بنقصانه بل وتحريفه وإنه فقد منه أضعاف ما هو عليه الآن وإنه سيخرجه المهدي المزعوم بظنّهم حين خروجه، فلم أرَ أحداً من النصارى ولا الملحدين يجرؤ على القول في كتاب الله ما قاله أئمة الشيعة هؤلاء كالكليني والبرقي والعياشي والطبرسي والمجلسي والحر العاملي والسيد الجزائري والسيد البحراني وغيرهم ممّن نقله عنهم أحد علماء الشيعة وهو السيد طيب الموسوي في (مقدمة تفسير القُمّي) (ص23و 24)، أو من الذين نقلنا قولهم في ذلك في المقدمة، مضافاًإلى أقوالهم الشنيعة الأخرى كالقول بالبداء الذي فصّناه هناك والطعن بالصحابة عموماً وسبهم وتكفيرهم والغلوّ في الأئمة وغير ذلك، وكله يدحض كلام هذا الموسوي من ثقتهم وأمأنتهم ونصحهم، ويكذّبه في إطلاق تلك الألقاب عليهم، ومن ارتاب في كل ذلك فليراجع مقدّمتنا هنا بالتفصيل ففيها القول الفصل إن شاء الله.

ثم قوله هنا (و يستخفّ بكتبهم المقدّسة وهي مستودع علوم آل محمّد صَلّى الله عليه وآله وسلّم) من الغلوّ الذي ما بعده غلو، فمن أين أتى التقديس كتب هؤلاء الضّالّين المُضلّين؟ فهم يطعنون بكتاب الله تعالى وينفون عنه التقديس بقولهم بنقصانه وتحريفه ثم يثبتون التقديس لكتب هؤلاء، وصدق الله العظيم إذ يقول عن كتابه: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} أما كتب هؤلاء فلا يأتيها الحق من بين أيديها ولا من خلفها ولا من فوقها ولا من تحتها، فهي نسجُ إبليس وأعوانه. وما هي إلا مستودعٌ لخبث إبليس ومكره. .

قوله في الفقرة (3) من هذه المراجعة: (و قد علم البرّ والفاجر حكم الكذب عند هؤلاء الأبرار، والألوف من مؤلفاتهم المنتشرة تلعن الكاذبين، وتعلن ان الكذب في الحديث من الموبقات الموجبة لدخول النار، ولهم في تعمد الكذب في الحديث حكم قد امتازوا به حيث جعلوه من مفطرات الصائم)إ. ه.

قلت: نجيب عن ادّعائه هذا فنقول إن كان هذا حكم الكذب عندهم فما بالُ عليّ رضي الله عنه يتّهم شيعته بالكذب في الحديث ووضعه فيما نقلناه قريباً من (الكافي) (8/228) عن موسى بن بكر الواسطي، وكذلك ما نقلناه عن جعفر الصادق من كتاب (رجال الكشي) (ص253، 254) الذي يحكم بالكذب الصريح على من ينتحل التشيّع، بل يقرر ان المهدي حين يخرج يبدأ بكذّابيهم، فها نحن نرد على زعم هذا الموسوي لا بما قاله أهل السّنّة عنهم بل بما قاله أئمتهم فيما روته كتبهم التي يعتمدها هذا الموسوي نفسه، فما عساه يقول؟

وفوق ذلك روى الكشي في (رجاله)- وهو من كتب الجرح والتعديل عندهم- (ص252) عن الإمام الصادق انه قال: (ان ممن ينتحل هذا الأمر- أي التشيّع- لمن هو شرّ من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا) وصدق جعفر الصادق رحمه الله في قوله هذا.

وروى الكشي أيضاً (ص179) عن الإمام الباقر انه قال: (لو كان الناس كلهم لنا شيعةً لكان ثلاثة أرباعهم لنا شكاكاً والربع الآخر أحمق) . وقال ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة (1/103- 105) (و اعلم أن أصل الكذب في حديث الفضائل كان من جهة الشيعة، فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم حملهم على وضعها عدأوة خصومهم، نحو حديث السطل وحديث الرمانة . . . إلى أن قال: وأحاديث كثيرة تقتضي نفاق قومً من أكابر الصحابة والتابعين الأولين وكفرهم) إ. ه. فهذه شهادة من مقرّبيهم إن لم تكن من أئمتهم.

وما زعمه بما امتازوا به من حكمهم بإفطار الصائم حين يتعمّد الكذب فإنما يمدح الأنسان ويحكم بصحة قوله وحكمه ما كان ذلك القول والحكم مدعماً بدليل شرعي صحيح غير نابع من هوى وتحكّم مجرد، وعبارته- حتى على فرض صحة ما ادعاه- لا توحي بنسبة ذلك إلى دليل شرعي صحيح كما هو واضح. ثم ام ما ادعاه لم يمتازوا به هو وحدهم بل هو قول إمام أهل الظاهر أبي محمّد ابن حزم الأندلسي قال بأن الصوم يبطله كل معصية من متعمّد لها ذاكراً لصومه سواء كأنت فعلاً أو قولاً، واستشهد على ذلك وتابعه على هذا بعضُ أهل الظاهر وليس هذا موضع تفصيله لكن المقصود هنا ان قوله اشد وأكثر حيطةً وأدلّ على تحرّزه، فقد أدخل الكذب وغيره من الذنوب في ذلك ولم يقله تعصّباً ولا تحكّماً محضاً، بل مستشهداً على ذلك بأحاديث، فبطل بذلك قول الموسوي بامتياز أئمّته بذلك ولله الحمد.

- راجع لمذهب ابن حزم الذي نقلناه (المحلّى) (6/177)، ونقله عنه أيضاً الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) (4/131)-.

وما زعمه هذا الموسوي من اختصاصهم بذلك ليس مردّه إلا إلى التحامل الصريح أو الجهل القبيح، ذلك الوصف الذي غمز به أهل السّنّة وهو وأصحابه أحق الناس به، ونحن نقول نعوذ بالله من الخذلان وبه نستجير من سوء عواقب الظلم والعدوان ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

المراجعة (15): س: 

شيخ الأزهر يطلب أسماء رجال الشيعة الذين احتجّ بهم أهل السّنّة. 

المراجعة (16): ش: 

ذكر مئة رأو (و سمّاهم أسانيد) . ونسبهم إلى التشيّع ثم ادّعى احتجاج أهل السّنّة بهم. 

الرّد على المراجعة (16): 

1-        التقديم لذلك بأمرين مهمّين ؛ الأول: إن ثبوت قوله هو حجة على الشيعة. والثاني: بعض قواعد أهل العلم بالجرح والتعديل مما يفيد عند استعراض هؤلاء الرواة. 

2-                    سرد أسماء هؤلاء الرواة والتعقيب على ما ساقه في تراجمهم. 

3-        الخلوص إلى ان نصف المذكورين هم ممن يقدّم أبا بكر وعمر على عليّ ولا يطعن بباقي الصحابة، والنصف الآخر منهم من لم يثبت تشيّعه إطلاقاً، أو عندهم ما يخالف مذهب الشيعة عموماً، وأغلبهم من الكذابين أو المتهمين أو المتروكين أو الضعفاء الذين لا يحتجّ بهم وإن قيل إنّهم من الشعية أو الرافضة. 

ذكر في هذه المراجعة مائة رأو ممن استشهد أو احتج بهم أهل السّنّة- كما زعم- وقد سماها مائة إسناد وهذا من جهله فليس كل واحد منهم إسناداً بل الإسناد مجموعة رواة كما هو واضح، ونذكّر هنا بما قلناه سابقاً من نظرة أهل العلم بالحديث لأهل البدع هؤلاء والاحتجاج بهم، وانه يشمل أصحاب البدعة الصغرى فقط وهم من عنده تشيع أو تقديم لأهل البيت على غيرهم دون الطعن بالآخرين- كما سنبينه مرة أخرى خلال التعليق على هؤلاء الرواة- وأما أصحاب البدعة الكبرى كالطعن بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وسائر الصحابة، وهم الذين يريدهم هذا الموسوي فهؤلاء لا يحتج بهم ولا كرامة، كما قال غير واحد من أهل الحديث ممن نقلناه عنهم، وسيأتي لذلك بعض الأمثلة إن شاء الله . لكن ههنا مسألتان لا بد من بيانهما:

الأولى: ان ثبوت ما ادعاه هذا الموسوي في هؤلاء الرواة وغيرهم مما يفيدنا نحن- حتى وإن كان مبالغا فيه- فهو دليل عليه بإلزامه بما رواه أهل السّنّة في كتبهم لأنهم يروون عن رجالهم أنفسهم فما حجته في عدم الأخذ بروايتهم؟ وهو ما نخاطب به كل شيعي في بيان إنصاف أهل السّنّة لهم وإنه لم تحملهم مخالفتهم في المذهب على عدم الأخذ برواية الصادقين منم في الوقت الذي يخلو المذهب الشّيعي من كل إنصاف لأهل السّنّة حتى إنهم ليسمّونهم (أبناء العامة)، وحتى ان مقياس التوثيق والتعديل عند أئمتهم هو القدح في أبي بكر وعمر والتبرّؤ منهما، فقد نقل المامقاني في كتابه (تنقيح المقال) (1/207) جملة من الأحاديث من طريقهم استدلالاً على ضلال غير الشيعة وكفرهم، ومنها الحديث العاشر فقال: (العاشر: مانقله محمّد ابن إدريس الحلي في آخر السرائر عن كتاب (مسائل الرجال ومكاتباتهم إلى مولانا أبي الحسن علي بن محمّد بن علي بن موسى) في جملة مسائل محمّد ابن علي بن عيسى قال: كتبت اليه أسأله عن الناصب هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت- قلت: يعنى أبا بكر وعمر كما مرّ بنا في التعليق على الهامش (14) (ص63) من المراجعات- واعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب) إ. ه. فهذا هو مقياس الثقة عندهم، فأين الإنصاف الذي تدّعيه يا هذا ؟ ! وكل ما يصدر عن أحد من علمائهم خلاف ذلك مما فيه رضى أو محبة أو مدح لأئمة أهل السّنّة فإنما مصدره التقية التي ينادون بها في مذهبهم لا غيرها.

ومن الأدلة الأخرى على إنصاف أهل السّنّة لهم إنك تجد في كتب أهل السّنّة عموماً مدحاً لرؤوسهم وأئمتهم من أهل البيت واحتجاجا بهم، وتجد غير ذلك مما يخصهم بإسناد صحيح أو غير صحيح، لكن لا تجد نظير ذلك إطلاقا في أي من كتبهم حتى ولا بإسناد موضوع، فأين الإنصاف يا هذا ؟! ورحم الله عبد الرحمن بن مهدي حين قال: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم.

المسألة الثانية: معرفة بعض قواعد أهل العلم بالجرح والتعديل مما يهم ويفيد في معرفة مدى قبول التعديل أو الجرح في الرأوي، وممن يقبل هذا؟ وكيف إذا تعارض جرحٌ مع تعديل ؟ وذلك لما سيرد من خلال استعراض تراجم الرواة المذكورين من أقوال أهل العلم في ذلك فنقول وبالله التوفيق .

أجمع جماهير أئمة الحديث على انه يشترط فيمن يحتج بروايته شرطان أساسيان وهما:

1-                     العدالة: ويعنون بها أن يكون الرأوي: مسلّماً بالغاً عاقلاً سليماً من اسباب الفسق وخوارم المروؤة.

2-         الضبط: ويعنون به أن يكون الرأوي: غير سيّء الحفظ ولا فاحش الغلط ولا مخالفاً للثقات ولا كثير الأوهام ولا مغفّلاً، عالماً بمعنى ما يرويه وبما يحيل المعنى عن المراد إن روى المعنى.

فمتى ما كان الرأوي عدلاً ضابطاً بالمعنى المتقدم سمّي (ثقة) . لكن ينبغي لنا معرفة كيفية ثبوت العدالة والضبط في الرأوي.

أما العدالة: فتثبت إما بالإستفاضة والشهرة بالخير والثناء الجميل عليه، واشتهاره بالصدق واستقامة الأمر مثل مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي والثوري وغيرهم. أو أن ينصّ علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم على عدالته.

وأما الضبط: فيعرف بموافقة الرأوي باقي الثقات المتقنين في الرواية، فان وافقهم في روايتهم فهو ضابط، ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فإذا كثرت مخالفته أختل ضبطه ولم يحتج به.

ثم المهم أيضاً معرفة كيفية قبول التعديل والجرح، أما التعديل فيقبل من غير بيان سببه لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها فيكتفي به دون ذكر السبب، وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسّراً ومبين السبب لاختلاف الناس في أسباب الجرح فقد يجرح أحدهم بما ليس بجرح، لكن هذا فيمن ذكر فيه جرح وتعديل، أما إذا ذكر الجرح غير المفسر في رجل خلا عن التعديل فان الجرح يقبل هنا وإن لم يبين سببه، كما بيّه الحافظ ابن حجر.

ومن المسائل المهمة التي تفيدنا هنا كيفية العمل في حالة اجتماع جرح وتعديل في رأو واحد، فالمعتمد انه يقدم الجرح على التعديل اذا كان الجرح مفسراً وان كثر عدد المعدلين لما مع الجرح من زيادة علم بحال الرأوي لم يطّلع عليها المعدّل: ولان المعدّل أخبر عن ظاهر حاله ولم يعلم بباطن خفي عليه بينه الجارح، وقال السيوطي: وقيدّ الفقهاء ذلك بما إذا لم يقل المعدل: عرفت السبب الذي ذكره الجارح ولكنّه تاب وحسنت حاله، أو اذا ذكر الجارح سببا معينا للجرح فنفاه المعدّل بما يدلّ يقيناً على بطلان السبب إ. ه.

ومن المسائل التي تفيدنا أيضاً أن نعرف ان رواية الثقة عن رأو لا تكون توثيقا له حتى ولو كان ممن ينص على عدالة شيوخه، ومثله لو قال (حدثني الثقة) لا يكون توثيقا له على الصحيح قصارى ما يقال انه ثقة عنده لا عند غيره، ويخصص ذلك برواة البخاري أو مسلّم عن رأو محتج به- لا في المعلقات والمتابعات- لأن روايته عنه تعد تعديلاً له، كما قاله ابن دقيق العيد وابن حجر، وذلك لإطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين الصحيحين فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما.

هذا ما أردت تقديمه من أقوال أهل العلم بالجرح والتعديل ممّا يبين منهجهم في ذلك ويفيدنا في استعراضنا للرواة الذين ذكرهم هذا الموسوي.

وتحقيقاً لما قلناه من تلك القواعد انظر ما قاله الحاكم في (معرفة علوم الحديث) (ص52- 53)، والخطيب البغدادي في (الكفاية) (ص86- 87، ص105- 108)، وابن الصلاح في (علوم الحديث) (ص94-99)، وابن دقيق العيد في (الإقتراح) (الباب السابع والباب الثامن ص 323، 330)، وابن كثير في (اختصار علوم الحديث) (ص92-96)، وابن حجر في (نزهة النظر) (ص112- 114) وكذا ما قاله في مقدمة فتح الباري (هدي الساري) (ص543-544)، وابن رجب في (شرح علل الترمذي) (ص79- 82) والسيوطي في (تدريب الرأوي) (1/253- 256)، وقبله قول النووي في متنه (التقريب) في تلك المواضع أيضاً. وفي ذلك تجد ما نقلناه أوبعضاً منه مما يبين مذهبهم في ذلك، إضافة إلى قواعد أخرى في هذا العلم الشريف لا حاجة بنا إلى ذكرها هنا . . .

وهذا أوان الشروع في استعراض أولئك الرواة فنقول وبالله التوفيق:

     1)  أبان بن تغلب: لم ينقل هذا الموسوي بيان الذهبي- الذي نقلناه سابقاً عند الكلام على رواية أهل البدع- في كيفية الإحتجاج بمثل أبان هذا، ومن من هؤلاء يقبل حديثه، إذ جعل الذهبي أبان هذا مثالاً لذلك، وقال: (و لم يكن أبان بن تغلب يعرض للشيخين أصلاً بل قد يعتقد عليّاً أفضل منهما) إ. ه. ومثل كلام الذهبي قاله الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) (1/94) فراجع التفصيل في ذلك فيما سلف.

     2)  إبراهيم بن يزيد النخعي: ترجم له كثير من أهل العلم بالجرح والتعديل لكن أحداً منهم لم يعده من رجال الشيعة سوى ابن قتيبة الدينوري وعليه اعتمد هذا الموسوي، وهو لا يثبت وذلك ان ابن قتيبة ليس من أهل الجرح والتعديل الذين يُقبل تفردهم ويعتمد عليه، وهو مؤرخ نعم ونحوي وأديب فاضل لكنّه ليس من فرسان الجرح والتعديل خصوصاً في ذكر الملل والنحل ودليله انه عدّ ضمن رجال الشيعة في كتابه (المعارف) (ص206) سفيان الثوري، وهو باطل قطعا عند كل من عرف الثوري وبغضه الشديد للرافضة، وهو أمر لم يدّعيه أحد حتى ولا من الشيعة ولا هذا الموسوي نفسه، مما يبين عدم صحة الإعتماد على قول ابن قتيبة لوحده في ذلك.

الأمر الثاني: إنه على فرض صحة ما قاله ابن قتيبة من تشيّع إبراهيم هذا فهو لا يخرج عما بيناه سابقاً من عدم غلوّه في ذلك الذي يوصله إلى الرفض المردود، وهو أيضاً دليل آخر على إنصاف أهل السّنّة.

وحال ابن قتيبة الذي بيناه هنا في وصفه لبعض الرواة بالتشيّع يشبهه حال أبي الفتح الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) الذي اعتمد عليه أيضاً هذا الموسوي في عدد من الرواة، ونحن نقول إنه لا يمكن الإعتماد على قول ابن قتيبة لوحده في ذلك وكذا قول الشهرستاني لوحده ما لم يوافقهما احد من أهل العلم بالجرح والتعديل الذين اليهم المنتهى في هذا العلم الشريف وكما ذكرنا عن ابن قتيبة انه عد ضمن الشيعة سفيان الثوري، فمثله، بل أبطل منه ما فعله أبو الفتح الشهرستاني في (الملل والنحل) (2/ 27) إذ عد هناك ضمن رجال الشيعة الشعبي، وهو باطل كما قلنا لا يرتاب في ذلك أحد من السنة أو الشيعة على السواء، بل الشعي هذا من خصوم الرافضة المعروفين ويدلّ على ذلك غمز هذا الموسوي له في ترجمة الحارث بن عبد الله الأعور، وإنما نقلنا ذلك عن ابن قتيبة والشهرستاني لنبين انه لا يمكن الإعتماد عليهما فقط في ذلك، فكما ان الشيعة لا تعترف بالثوري والشعبي من رجالها مع إقرار ابن قتيبة والشهرستاني بذلك، فكذلك نحن لا نطمئن لحكم ابن قتيبة والشهرستاني بمفردهما في ذلك على أي من الرواة، والحمد لله .

     3)  أحمد بن المفضّل الحفري: مع أن كثيرين قالوا بتشيّعه فليس هو من الغالين في ذلك الغلو الذي يوجب ردّ حديثه، ولا يمكن هذا الموسوي وأشباهه ادعاء ذلك، فيبقى هو ضمن أصحاب البدعة الصغرى الذين يحتج بهم فيما لا يدخل في أصل بدعتهم كما نقلناه سلفا عن أهل الجرح والتعديل، وهذا من العدل ومن إنصاف أهل السّنّة والحمد لله.

     4)  إسماعيل بن أبان الورّاق: حاله كسابقه تماما وكحال أبان بن تغلب، وراجع ما نقلناه عن الإمام الذهبي عند الكلام على كيفية الإحتجاج بحديث أصحاب البدع والأهواء ومنها التشيع ففيه تمام العدل الذي أمر به الله سبحانه وتعالى ولا يخرج إسماعيل هذا وأمثاله عنه.

     5)  إسماعيل بن خليفة أو إسرائيل الملائي: قال عنه الذهبي بما نقله هذا الموسوي، وإن كان قد دلّس فيما سوى ذلك، فلم يحتج به الترمذي إذ إخراجه لحديثه في كتابه لا يعد توثيقا له ولا احتجاجا به فليس كتاب الترمذي صحيحا كله مقطوعا به بل ولا يسمى صحيحاً أيضاً، مع أن الترمذي نفسه قد ضعّف أبا إسرائيل هذا فقال عنه في كتابه (1/177): (و ليس بذلك القوي عند أهل الحديث) مما يبين عدم احتجاج الترمذي به مع انه قد روى له حديثا يخالف مذهب الشيعة وهو في إثبات قول (الصلاة خيرٌ من النوم) في أذان الفجر، وأهل السّنّة يثبتونه بأحاديث أخرى كثيرة ليس هذا موضع ذكرها، والمقصود ان أبا إسرائيل الملائي هذا أحد رواه هذا الحديث مع ما عنده من الغلوّ في التشيّع وهو ما يبين تناقض الشيعة عموماً حتى في دقائق مذهبهم، وهم محجوجون برواياتهم ورجالهم، والحمد لله.

وأما قول أبي حاتم عن إسماعيل هذا فنصّه: لا يحتجّ به، وهو حسن الحديث إ. ه. فتصرف هذا الموسوي بعبارة أبي حاتم كما يحلو له. وقال ابن معين عنه: ضعيف. وقال مرة: ثقة . والجرح مقدّم على التعديل كما أسلفنا من قواعد هذا العلم الشريف، ويبدوا أن توثيق ابن معين له كان قبل علمه بحقيقة حاله ومذهبه الفاسد ثم لما علمه ضعّفه. وإنما قلنا هذا وليس العكس حتى يوافق قول ابن معين قول الآخرين الذين ضعّفوه وعليه استقر رأيهم فيه.

وقد ضعفه النسائي والعقيلي وقال ابن حبّان: وكان رافضياً شتّاماً وهو مع ذلك منكر الحديث إ. ه. وقال أبو أحمد الحاكم: متروك الحديث، وقال ابن المبارك: لقد منّ الله على المسلّمين بسوء حفظ أبي إسرائيل إ. ه. وهو إلى ذلك كله كان يشتم عثمان- رضي الله عنه ولعنة الله على مُبغضيه- فكيف يحتج به أهل السّنّة بعد ذلك؟ إن كان هذا الموسوي وأشباهه يحتجون بحديث من يشتم عثمان ويلعنه فهذا مما يبين حقيقة مذهبهم في عثمان، فرضي الله عن عثمان ولعنة الله على شاتميه ومبغضيه.

             6)    إسماعيل بن زكريا الخلقاني: عنده تشيع من غير غلوّ، كما قاله أهل العلم عنه ولم يثبت احد غلوّه في ذلك، وما ساقه هذا الموسوي في ترجمته من نسبة أقوال الغلو والكفر اليه فقد رده- كما نقله الموسوي أيضاً- الذهبي في ترجمته وبرّأه من ذلك، فيبقى من اصحاب البدعة الصغرى الذين يحتج بهم في غير بدعتهم.

     7)  إسماعيل بن عبّاد، الملقب بالصاحب بن عبّاد: هو من أئمة اللغة والأدب، وله رواية قليلة كما قال الذهبي في (الميزان) فلا يعد من أهل الحديث، وكان شيعياً ومعتزلياً كما بينه الذهبي في (الميزان) و(تاريخ الإسلام) وكل من ترجم له كابن كثير في (البداية والنهاية)، وابن العماد في (شذرات الذهب) وغيرهم. وأما ما قاله هذا الموسوي في (الهامش) من أن الذهبي قد هضمه حقّه فلم يطول في ترجمته فذلك لأنه ليس معروفا بالحديث، و(ميزان الإعتدال) إنما موضوعه رواة الحديث لا مطلق التراجم، لذا نرى الذهبي حين أتى على ترجمته في (تاريخ الإسلام) و(سير أعلام النبلاء) أطال فيها كثيرا وذكر ما نقله هذا الموسوي وأضعافه. راجع (سير أعلام النبلاء) للذهبي (16/511-541) و(تاريخ الإسلام) له أيضاً (/92-98). فكان الأجدر بهذا الموسوي أن يتأدّب مع أهل العلم هؤلاء- كالإمام الذهبي- ويتحقق مما يقوله فيهم، بل كان الأجدر أن يقرأ ويطّلع أكثر قبل أن يقول ما قال، فليس كل من قرأ كتابا أمكنه التأليف وعدّ عالماً.

ثم إني لم أجد لإسماعيل هذا أية ترجمة في (تهذيب التهذيب) ولا (التقريب) وهما في رجال الكتب الستة ومنها (سنن أبي دأود) و(جامع الترمذي)، وبحثت عن روايته عندهما فلم أجدها ولا أظن أنّ له رواية عندهما أبدا ولا في الكتب الستة قاطبةً، والله أعلم. . .

وأخيراً إنّ ما يهمّنا في ترجمة إسماعيل بن عبّاد هذا بيان حقيقة تشيّعه، وهو ما بينه الحافظ الذهبي في (تاريخ الإسلام) (9/59) فقال: (و له . . وكتاب "الإمامة" ذكر فيه فضائل علي رضي الله عنه وثبت إمامة من تقدّمه، وكان شيعياً كآل بويه وما أظنه يسبّ لكنّه معتزلي) إ. ه. فهو أولاً لم يكن يسب الصحابة، وثانياً كان يقول بثبوت إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وإن كان يقول بأفضلية علي عليهم رضوان الله عليهم أجمعين وهو نوع من التشيّع والبدعة الصغرى التي قلنا إن أهل النسة يحتجون بأصحابها، بخلاف أصحاب الطعن والسب للصحابة أمثال إسماعيل بن خليفة أبي إسرائيل السابق الذكر، والحمد لله رب العالمين.

     8)  إسماعيل بن عبد الرحمن، المعروف بالسدّي الكبير: أما ما رمي به من التّشيع فهو صحيح، وأما ما سوى ذلك من شتمه لأبي بكر وعمر فهذا لا يثبت عنه بل هو من تقوّل البعض عليه، أو لاختلاطه بالسدّي الصّغير الآخر وهو محمّد بن مروان، فذاك متّهم بالكذب بخلاف صاحبنا هذا والا لما روى له أهل السّنّة إطلاقاً. وقد اتّهم السدّي هذا بالكذب أيضاً لكنّه لم يثبت فهو إذاً جرح غير مفسر ولا ثابت فيقدم عليه تعديل من عدله كما هو مقرر في (المصطلح)، لذا نقل الحافظ ابن حجر في ترجمته من (التهذيب) عن الحاكم انه قال في كتابه (المدخل) في باب الرواة الذين عيب على مسلّم إخراج حديثهم: (تعديل عبد الرحمن بن مهدي- يعني للسدي- أقوى عند مسلّم ممن جرحه بجرح غير مفسر) إ. ه. والسدي إلى ذلك في حفظه شيء من ضعف لذا قال الحافظ في (التقريب9: صدوق يهم. .

     9)  إسماعيل بن موسى الفزاري: شأنه في التّشّيّع شأن قريبه السدّي المار ذكره، وهو أيضاً لا يحتج به منفردا لما في حفظه من ضعف، قال الحافظ في (التقريب): صدوق يخطئ. .

    10) تليد بن سليمان الكوفي الأعرج: قال الحافظ في (التقريب): رافضي ضعيف. . ومن زعم أن أهل السّنّة احتجوا به فقد كذب عليهم- كما فعل هذا الموسوي- فروايتهم عنه لا تُعد توثيقا له كما قررناه في قواعد هذا العلم مختصرا، بل يروون عنه ليُحَذّروا الناس من أباطيله، وأما ما نقله من قول الإمام أحمد فيه: لا بأس به، فهذا ربما قاله قبل علمه بحاله، بدليل أنه ثبت عن أحمد بن حنبل أنه قال: حدثنا تليد بن سليمان، هو عندي كان يكذب- أنظر (تهذيب التهذيب) (1/509)- وإليك أقوال أهل العلم بالجرح والتعديل فيه إضافة لما قدمنا: قال ابن معين: (كذّاب كان يشتم عثمان وكل من شتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم دجّال لا يكتب عنه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) فرحمه الله على ابن معين في قوله هذا وهو ينطبق على ما سبق بيانه في ترجمة إسماعيل بن خليفة الملائي.

وقال أبو دأود عن تليد هذا: رافضي خبيث، رجل سوء، يشتم أبا بكر وعمر . وقال النسائي: ضعيف . وقال يعقوب بن سفيان: رافضي خبيث. وقال صالح بن محمّد: كان أهل الحديث يسمونه بليداً وكان سيء الخلق لا يحتج بحديثه وليس عنده كثير شيء وقال ابن عدي: يتبين على روايته أنه ضعيف. وقال الساجي: كذّاب . وقال الحاكم وأبو سعيد النقاش: رديء المذهب، منكر الحديث. وقال ابن حبّان: كان رافضياً يشتم الصحابة روى في فضائل أهل البيت عجائب. وقال الدارقطني: ضعيف أنظر ترجمته في (ميزان الإعتدال)، (تهذيب التهذيب)، (الضعفاء والمتروكين) للنسائي والدارقطني وغير ذلك، ومع كل ما تقدم فقد روى تليد هذا حديثا في فضائل أبي بكر وعمر عند الترمذي (4/314)، ويبدو أنه لم يكن يتعرض للشيخين بل لعثمان فقط. وهذا الموسوي يريدنا أن نحتج بأمثال هؤلاء الشاتمين للصحابة، بل ويزعم أننا نحتج بهم فما أجرأه على الكذب ألم يقرأكتب الجرح والتعديل حتى يرى حال ما يسوقه؟

    11) ثابت بن دينار أبو حمزة الثمالي: لم يحتج به أهل السّنّة وليس ثقة عندهم بالمرة، بل رووا حديثه فسحب مع تضعيفه، قال الحافظ في (التقريب): ضعيف رافضي . قلت: وكيف يخطر على بال أحد أن أهل السّنّة يحتجّون ويرضون بمن يطعن بعثمان رضي الله عنه؟ ! لكن هذا ما يهواه هذا الموسوي وأشباهه, ولم يكن أميناً- كعادته- في النقل من (ميزان الإعتدال) إذ ساق الحافط الذهبي هناك من أقوال أهل العلم في ثابت هذا ما يبين رده عندهم . فقد قال أحمد وابن معين: ليس بشيء . وقال أبو حاتم: لين الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة . وقال الدارقطني: متروك. وقال مرة: ضعيف . وضعفه أيضاً ابن سعد. وقال يزيد بن هارون كان يؤمن بالرجعة , أي عقيدة الرّجعة عند الرافضة الضّلال التّي يقولون فيها برجعة أئمتهم إلى الدنيا حتى يقتصّوا من مخالفيهم، وهي التي أشرنا اليه في مقدمة كتابنا. وقد ذكر ثابتاً هذا الذهبي في كتابه (المغني في الضعفاء) وقال: واهٍ جداً. فانظر كيف يفتري هذا الموسوي على أهل النسة بزعمه أنهم احتجوا بحديث أبي حمزة الثمالي هذا.

    12) ثوير بن أبي فاختة: حالة كاسبقه، قال الحافظ في (التقريب): ضعيف رمي بالرفض إ. ه. وساق الذهبي في (الميزان) وكذا الحافظ في (التهذيب) أقوال أهل العلم بتضعيفه ورد حديثه الأمر الذي تعمّد إخفاءه هذا الموسوي وإليك البيان:

قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم وغيره: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: متروك. أما سفيان الثوري فقد قال عنه- كما في (الميزان)- ركن من أركان الكذب. مع روايته عنه مما يؤكد ما قررناه سابقا من أن رواية الثقة عن رجل لا تعني تعديلا ولا قبولا له.

وقال البخاري عن ثوير: تركه يحيى وابن مهدي، فمن أين تخيّل هذا الموسوي احتجاج أهل السّنّة بصاحبه هذا؟

    13) جابر بن يزيد الجعفي: قال الحافظ في (التقريب): ضعيف رافضي إ. ه. وهو من أضعف الناس عند أهل السّنّة كما سنبينه إن شاء الله وما ساقه هذا الموسوي منسوباً إلى الأمام مسلم صاحب الصحيح فإنّه يؤيد ذلك، فقد روى له مسم مثل هذه المنكرات الأباطيل وغيرها في مقدمة صحيحة (1/101- 103) (صحيح مسلم مع شرح النووي) في معرض كلامه على ضعفاء الرواة والمتّهمين بالكذب وجعله مثلاً لذلك مع آخرين كما يتبين لكل من راجع مقدمة الصحيح تلك بعكس ما أراد الإيهام به هذا الموسوي- عامله الله بما يستحق- حتى قال مسلّم عقب أنتهائه من سرد هؤلاء الرواة (1/123): (و أشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متّهمي رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم كثير يطول الكتاب بذكره على استقصائه وفيما ذكرنا كفياة لمن تفهّم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا، وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر) إ. ه. وأما إخراج أبي دأود والترمذي لحديثه فلا يُعد ذلك تعديلاً له إطلاقا كما قررنا، فليس شأنهما شأن الصحيحين ولا يقال أنهما احتجّا به أصلاً. بل ان مما عيب على أبي دأود إخراجه لحديث جابر هذا مع أنه روى له حديثاً واحداً فقط لا كما تشعره عبارة هذا الموسوي في الوقت الذي قال عنه أبو دأود نفسه: ليس عندي بالقوي في حديثه. وقال النسائي: متروك. وقال يحيى: لا يُكتب حديثه ولا كرامة. وقال جرير بن عبد الحميد- وهو الذي سيذكره هذا الموسوي في الترجمة القادمة-: لا أستحلّ أن احدث عن جابر الجعفي.

كان يؤمن بالرجعة. وقال يحيى بن يعلي المحاربي: طرح زائدة حديث جابر الجعفي وقال هو كذّاب يؤمن بالرجعة. وقد كذّبه أيضاً ابن معين في رواية، وقال أبو حنيفة: ما رأيت فيمن رأيت أفضل من عطاء ولا أكذب من جابر الجعفي. وقال العقيلي في الضعفاء: كذّبه سعيد بن جبير.

وقد كذّبه أيضاً ابن عيينة كما حكاه الساجي. وقال شهاب بن عباد: سمعت أبا الأحوص يقول: كنت اذا مررت بجابر الجعفي سألت ربي العافية! وقال الشافعي: سمعت سفيان: سمعت من جابر الجعفي كلاما بادرت خفتُ أن يقع علينا السقف. وروى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي انه قال: يا جابر لا تموت حتى تكذب على النبي صَلّى الله عليه وسلّم، قال إسماعيل: فما مضت الأيام والليالي حتى اتهم بالكذب. وغير ذلك من كلام أهل العلم بالجرح والتعديل الذي يبين كذبه ورد حديثه عند أهل السّنّة لا كما زعم وافترى هذا الموسوي. ولا يلتفت بعد ذلك إلى تعديل من عّدله- على فرض صحته- خصوصاً وهو معارض لهذا الجرح المفسّر. وأما رواية شعبة وسفيان الثوري عنه فلا تُعد تعديلاً له إطلاقا بل كانا ينهيان الناس عن الأخذ عنه ويرويان حديثه حتى تُعرف نكارته، والدليل عليه ما نقله الحافظ ابن حجر في ترجمته من (التهذيب) عن معلي بن منصور قال: قال لي أبو عوانة كان سفيان وشعبة ينهياني عن جابر الجعفي، ونقل عن وكيع أنه قال: قيل لشعبة: لم طرحت فلاناً وفلاناً ورويت عن جابر؟ قال لأنه جاء بأحاديث لم نصبر عليها. وقد بين ذلك ابن حبان أحسن بيان فقال بعد تضعيفه لجابر هذا: (فإن احتج محتج بأن شعبة والثوري رواي عنه قلنا الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء، وأما شعبة وغيره فرأوا عنده أشياء لم يصبروا عنها وكتبوها ليعرفوها فربما ذكر أحدهم عنه الشيء بعد الشيء على جهة التعجب- ثم روى بإسناده- عن محمّد بن رافع قال رأيت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون ومعه كتاب زهير عن جابر الجعفي فقلت له يا أبا عبد الله تنهونا عن جابر وتكتبونه ؟ قال: لنعرفه) إ. ه. ومصداق ذلك قد مر في ترجمة ثوير بن أبي فاختة، إذ مع تكذيب الثوري له ووصفه بأنه ركن من أركان الكذب فقد روى عنه فلا يعد ذلك تعديلاً له بالمرّة. وأيضاً ممن كان يروي عن جابر هذا ثم تركه لمّا تبين كذبه عبد الرحمن بن مهدي كما في ترجمته من (التهذيب) و(الميزان) عن عمرو بن علي قال: كان عبد الرحمن يحدثنا عنه قبل ذلك ثم تركه إ. ه.

وأخيراً ضعّف إسناد جابر هذا، بل عده أوهى أسانيد أهل البيت الحاكم النيسابوري الذي يعوّل عليه هذا الموسوي وأشباهه كثيراً لكنّه نفسه قال في (معرفة علوم الحديث) (ص65): (إن أوهى أسانيد أهل البيت عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث الأعور عن عليّ) لاجتماع ثلاثة من الضعفاء فيه، أحدهم صاحبنا هذا جابر الجعفي، والآخر الحارث الأعور وسيأتي رقم (19)، فلم يكن جابر هذا ضعيفا فحسب بل أضعف الرواة. والله المستعان على ما يصف هذا الموسوي. .

    14) جرير بن عبد الحميد الضبي: صدوق يتشيّع إ. ه. ولم يكن عنده من الغلوّ في ذلك ما يوجب رد حديثه فهو إذا لا يخرج عن حال أصحاب البدعة الصغرى، مثل أبان بن تغلب وآخرين قد قدمنا الحكم في رواياتهم بالعدل والإنصاف الذي أمر الله سبحانه وتعالى به. .

    15) جعفر بن زياد الأحمر: قال الحافظ في (التقريب): صدوق يتشيّع إ. ه. ولم يكن عنده من الغلوّ في ذلك ما يوجب رد حديثه فهو إذا لا يخرج عن حال أصحاب البدعة الصغرى، مثل أبان بن تغلب وآخرين قد قدمنا الحكم في رواياتهم بالعدل والإنصاف الذي أمر الله سبحانه وتعالى به. .

    16) جعفر بن سليمان الضبعي: قال الحافظ في (التقريب): صدوق زاهد لكنّه كان يتشيع إ. ه. قلت: وليس هو ممن يسب الصحابة ولا يبغضهم والا لما احتج به أهل السّنّة، وأما ما نقله هذا الموسوي من (الميزان) من أنه قيل له: بلغني أنك تشتم أبا بكر وعمر فقال: أما الشتم فلا، ولكن البغض ما شئت، فقد بينه غير واحد من أهل العلم بالجرح والتعديل انه لم يكن يعني بهما الشيخين وإلا لما احتجوا به إطلاقاً كما قرره الذهبي في مقدمة (الميزان) ونقلناه عنه سابقاً، وكذلك قول يحيى بن معين المار في ترجمة تليد بن سليمان، فلا يتصور أن يخالفوا في ذلك أصلاً وضعوه، بل من كان على هذا الحال فهو ساقط بالمرة، وهو كاف لجرحه وردّ حديثه، لكن جعفراً هذا كان يعني بأبي بكر وعمر جارين كان قد تأذى بهما، فيما بينه الذهبي في (الميزان) نقلا عن ابن عدي قال: سمعت الساجي يقوله .

وعقب الذهبي على ذلك بقوله: (قلت: ما هذا ببعيد فإن جعفراً قد روى أحاديث من مناقب الشيخين رضي الله عنهما) إ. ه. لكن هذا الموسوي غير أمين إطلاقاً في نقله، فحذف هذا الكلام كله محأولاً الإيهام بأن جعفراً هذا يسب الشيخين، فلعنة الله على من سبّهما وعلى من حاول ذلك وطلبه. ولا يمكن أن يكون جعفر يبغضهما وهو يروي فضائلهما، وقد قال نحو ذلك ابن عدي أيضاً- كما نقله الذهبي في (الميزان)- بأن جعفراً قد روى في فضائل الشيخين مع ما عنده من التشيع، فهو إذاً ليس من الغالين في ذلك بل بدعته من نوع البدعة الصغرى التي يحتج بأصحابها ولم يثبت أنه كان يشتم أو يبغض الشيخين، وقد نقل هذا الموسوي كلام ابن عدي هذا من (الميزان) لكنّه حذف منه عبارة رواية فضائل الشيخين، إذ قال ابن عدي: (جعفر شيعي أرجو أنه لا بأس به، قد روى في فضائل الشيخين أيضاً واحاديثه ليست بالمنكرة وهو عندي ممّن يجب أن يقبل حديثه) إ. ه.

فقارن هذا الكلام مع ما ساقه هذا الموسوي المتلاعب بالنّصوص والكلام كما يحلو له، وهو أمر لا يخطر ببال أحد أن مؤلفاً يحترم نفسه يمكن أن يفعل مثل فعله هذا!

وقد نقل الحافظ في (التهذيب) أيضاً رواية بين فيها أن جعفراً كان يعني بأبي بكر وعمر جارين كان يتأذى منهما وليس هما الشيخين. ونقل الحافظ أيضاً عقبها ما يؤيد ذلك وهو قول أبي أحمد الحاكم أن جعفراً روى في فضل الشيخين أيضاً. فمن كل ما تقدم يتبين أن جعفراً ليس من الغالين بل عند بدعة صغرى من نوع التي بينا احتجاج أهل العلم بأصحابها. وأنه لم يكن يعرض للشيخين أبي بكر وعمر أصلا، بل روى في فضائلهما ومما يؤكد أيضاً عدم مغلاة جعفر في التشيع انه نفسه قد روى حديث أبي سعيد الخدري قال: مات رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم ولم يستخلف أحداً، وقال الذهبي عقب إيراده: فما حدث به إلا وعنده أن عليّاً ليس بوصيّ إ. ه. فليسمع اصحاب هذا الموسوي ثم ليحكموا بعد ذلك.

    17) جميع بن عميرة بن ثعلبة الكوفي: لا أدري كيف يفتري هذا الموسوي على أهل السّنّة مثل هذه الإفتراءات، فجميع هذا عندهم متهم بالكذب، وأبو حاتم لم يوثّقه لكنّه سكت عن تضعيفه لما لم يكن يعلم من حقيقة حاله التي علمها غيره فبينها لنا، والجرح المفسر- كهذا- مقدم على التعديل على فرض أن يعد كلام أبي حاتم تعديلاً له، كما قررنا سابقاً من قواعد هذا العلم الشريف أما جميع هذا فقد قال عنه البخاري: فيه نظر إ. ه. ومن علم حقيقة ألفاظ البخاري وأنه لا يستعمل الألفاظ الشديدة في الجرح يتبين له أن قوله هذا من أشد أنواع التضعيف.

وقال عنه ابن عدي: هو كما قال البخاري عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن نمير عنه أيضاً: كان من أكذب النّاس. وقال ابن حبّان: رافضي يضع الحديث. وهذا كله موجود في (الميزان)، فلا أدري هل أعمى الله بصر هذا الموسوي فلم يره؟ أم هو الهوى والعصبية؟ أم التدليس والغش الذي حمله على ذلك ؟ وأكثر من هذا فإنّه نقل قول ابن حبان نفسه في (الميزان) الذي ذكرناه لكنّه حذف- باجتهاده- آخره وهو: (يضع الحديث) وأبقى قوله (رافضي) . فإن كان ذلك لا يعجبه فلم لم يعرض عن قول ابن حبان كله؟ وكل تصرفاته هذه في نقل النّصوص لهذه التراجم مما تضحك عليه الصبيان قبل الكبار!

فأما الحديث الذي ذكره في مؤاخاة النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعليّ فهو من منكرات (جميع) وأباطيله كما سيأتي بيانه في موضعه، وبيان أنه موضوع مكذوب.

    18) الحارث بن حصيرة: فيه كلام يمنع من الإحتجاج بحديثه لكنّه يستشهد به فقط دون الإحتجاج. قال الحافظ في (التقريب): صدوق يخطئ ورُمي بالرفض إ. ه. ثم إنه لا يستشهد به في شيء من فضائل علي رضي الله عنه لما عنده من الرفض كما هو مقرر في (المصطلح) . وقد ساق هذا الموسوي عبارة أبي حاتم عنه من (الميزان) لكنّه حذف منها شيئاً مهماً، فقد قال أبو حاتم: (هو من الشيعة العتق لولا الثوري روى عنه لترك) إ. ه. فبان بهذه ضعف حاله، وهو ما صرّح به ابن عدي فيما ساقه هذا الموسوي، وذكر مسلّم في مقدمة صحيحه (1/103) (شرح النووي) ضمن الرواة الضعفاء والمتّهمين. وأما رواية الثوري عنه فلا تعد تعديلاً له إطلاقاً لما تقرر من أن رواية الثقة عن رجل لا تعد تعديلا له خصوصاً الثوري، وقد مرت بنا من ذلك أمثلة كثيرة. وما ساقه هذا الموسوي من أحاديثه إنما نقله من (الميزان)، وهي من الأحاديث المنكرة التي ردت على رواتها، وما علم هذا الموسوي إن منهج الذهبي- كما هو منهج ابن عدي من قبله- أن يسوق لكل رأو ضعيف أو متهم بعضاً من منكراته مدللاً عليها فلا يعد ذلك تصحيحاً لها كما هو معلوم عند أهل العلم دون أهل الجهل.

    19) الحارث بن عبد الله الهمداني: وهو الأعور، ضعيف جداً وقد اتهم، وما احتج به أحد من أهل السّنّة إطلاقاً على خلاف ما زعم هذا الموسوي. وليس هو من أفضل التابعين بل كان من كبار علمائهم في الفرائض والحساب فقط، وبه اشتهر . وقد أشار الذهبي إلى تضعيفه فيما تعمّد إخفاءه الموسوي. وقد كذّبه غير واحد، إذ لم ينفرد الشعبي بتكذيبه، فقد كذّبه أيضاً إبراهيم النخعي نفسه وأبو إسحاق السبيعي، وقال جرير بن عبد الحميد: كان زيفاً. وهؤلاء الثلاثة مقبولون مرضيون عند الشيعة وعند هذا الموسوي بالذات، يدلك على ذلك ذكره لهم في التراجم المائة هذه في مواضعها وقد كذّب الحارث الأعور أيضاً المغيرة صاحب إبراهيم النخعي وابن المديني، وضعّفه الدارقطني وابن معين- في رواية- وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وكان يحيى وعبد الرحمن بن مهدي لا يحدثان عنه وقال أبو زرعة: لا يُحتج بحديثه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي ولا ممّن يُحتجح بحديثه، وضعّفه النسائي أيضاً فقال في موضع: ليس بالقوي، وقال ابن سعد: كان له قول سوء, وهو ضعيف في رأيه . قلت: والقول السوء الذي أشار إليه منه ما رواه الإمام مسلّم في قدمة صحيحه لما ذكر الحارث الأعور هذا وعدّه فيمن اتّهم، ونقل تكذيب الشعبي وغيره له، عن إبراهيم أن الحارث قال: (تعلّمت القرآن في ثلاث سنين والوحي في سنتين، أوقال الوحي في ثلاث سنين والقرآن في سنتين) إ. ه. قال النووي في شرحه (1/98- 99): (فقد ذكره مسلّم في جملة ما أنكر على الحارث الأعور وجرح به وأخذ عليه من قبيح مذهبه وغلوّه في التشيع وكذبه) ثم ذكر اعتذار القاضي عياض عن قول الحارث هذا ثم قال: (قال القاضي- يعني عياض- ولكن لما عرف قبح مذهبه وغلوّه في مذهب الشيعة ودعواهم الوصية إلى علي رضي الله عنه وسر النبي صَلّى الله عليه وسلّم إليه من الوحي وعلم الغيب ما لم يطلع غيره عليه بزعمهم سيء الظن بالحارث في هذا وذهب به ذلك المذهب ولعلّ هذا القائل فهم من الحارث منكراً فيما أراده والله أعلم) إ. ه. وقال النووي قبل ذلك عن الحارث الأعور هذا: (متّفق على ضعفه) فلا معنى بعد ذلك لمشاغبة هذا الموسوي في رده لقول ابن سعد في الحارث الأعور، فهو لم ينفرد به أولاً، ثم هو مبين السبب وليس سببه ما ادعاه هذا الموسوي محأولاً تخطئة ابن سعد فادّعى أن القول السّيء الذي عناه ابن سعد هو الولاء لآل محمّد، فأهل السّنّة لا يعادون آل محمّد صَلّى الله عليه وسلّم بل يوالونهم ولكن هذا الموسوي يحأول الردّ بما لا قبل له به أو ربما هو خلاف الحق كما بيناه. .

وممن ضعّف الحارث الأعور أيضاً ابن حبّان فقال: كان الحارث غالياً في التشيّع واهياُ في الحديث، وروى له ابن حبّان حديثاً منكراً.

فكيف يزعم هذا الموسوي بعد كل هذا أن أهل السّنّة احتجّوا به؟ نعم قال الذهبي أن النسائي- وحده- قد احتج به وهو قول مردود على الذهبي- رحمه الله- لم يوفق فيه للصواب كما بينه الحافظ ابن حجر في (التهذيب) إذ قال عقب إيراده كلام الذهبي هذا: (قلت: لم يحتج به النسائي وإنما أخرج له في السنن حديثاً واحداً مقروناً بابن ميسرة، وآخر في اليوم والليلة متابعة، هذا جميع ماله عنده) إ. ه. ثم ردّ الحافظ أيضاً على من زعم أن ابن حبان احتجّ بالحارث الأعور هذا وبين أنه لا يصح ذلك . والنسائي قد سبق قوله في تضعيف الحارث هذا، فكيف يحتج به؟ وإنما له في المتابعات والشواهد كما قال الحافظ وأيضاً ليس ذلك كثيراً بل في حديثين فقط.

بقي من كلام هذا الموسوي ما ذكره من تكذيب إبراهيم النخعي للشعبي نقلاً من كتاب (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر وابتداءً نقول: أنّ إبراهيم النخعي نفسه قد كذّب الحارث الأعور ووافق الشعبي في ذلك فيما ساقه الذهبي وابن حجر ورواه مسلّم في مقدمة صحيحه ونقلناه سابقاً عند ذكر من كذّب الحارث الأعور هذا. وتكذيب إبراهيم النخعي للشعبي مردود ولا ينظر اليه فهو من كلام الأقران بعضهم في بعض، وللشعبي كلام يشبهه أيضاً في إبراهيم النخعي، وقدح كل منهما في الآخر غير معتبر ولا قائم. ألا ترى أن عبد البر نفسه قد جعل ذلك كله في (باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض) وقال عقب سرده لتلك الأقوال (2/157-158): (و هذا مما ذكرنا مما لا يسمع من قولهم ولا يلتفت اليه ولا يعرج عليه) إ. ه. وهذا كله بخلاف تكذيب الشعبي للحارث الأعور هذا فإنّه معتبر مأخوذ به ولم يرده أحد من أهل العلم بالجرح والتعديل، ودعوى ابن عبد البر بمعاقبة الشعبي لتكذيبه للحارث مردودة لا دليل عليها، فإبراهيم نفسه قد كذّب الحارث كما قلنا ويلزم من ذلك أن يعاقب عليه، وكذلك كل من كذّب الحارث ممن ذكرناهم أولاً، وهو أمر باطل لا يقوله عالم، بخلاف موافقة الكثيرين للشعبي في تكذيبه الحارث الأعور ورد حديثه. ومن تساهل منهم اكتفى بتضعيفه مع الإلتزام بردّ حديثه وما يروى ان ابن معين قال عن الحارث: ثقة، فهو لا يتابع عليه. قال عثمان الدارمي: ليس يتابع ابن معين على هذا إ. ه. ويبدو ان ابن معين قد وثق الحارث هذا أولا قبل علمه بحاله ثم لما تبين له امره ضعفه. كما نقله رواية عن ابن معين الذهبي في (الميزان) وذكرناه سابقا. وهو امر وافق عليه ابن معين باقي أهل العلم بتضعيف الحارث الأعور. ومن ثم قال النووي في (شرحه لصحيح مسلّم) (1/98) عن الحارث الأعور: متفق على ضعفه إ. ه. ومع كل ما تقدم أيضاً فقد روى الحارث عن علي رضي الله عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (ابو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ما خلا النبيين والمرسلين) اخرجه الترمذي (4/310) وابن ماجه (95) وهو شوكة في أعين الرافضة . وأهل السّنّة يصح عندهم هذا الحديث لا بالحارث فهو ضعيف متهم بل لطرقه الاخرى ولله الحمد.

    20) حبيب بن ابي ثابت: لم يدع احد انه من رجال الشيعة سوى ابن قتيبة والشهرستاني. وقد قدمنا حالهما إذا انفردا في ذلك. ومع ذلك فليس عنده من الغلو ما ينكر.

واما قول هذا الموسوي: وقد تكلم فيه الدولابي لمجرد تشيعه، فهو قول باطل واتهام للدولابي دون علم ومعرفة، وانظر كتاب (الكنى والاسماء) للدولابي (2/165، 166) ففيه ذكر حبيب هذا. لكن ضعفه الدولابي لكلام ابن عون فيه، إذ قال فيه ابن عون: كان اعور ولم يرد بذلك تضعيفه بل وصفه وقد بينه الذهبي في (الميزان) بأن هذا وصف لا جرح، لكن الدولابي فهم منه معنى الجرح فأورده. وأوهى من ذلك ان ادعى هذا الموسوي تضعيف ابن عون لحبيب هذا بهذا الوصف فأخذ يرد عليه بما لا حاجة له به، فابن عون لم يجرحه بل وصفه وبين ذلك الذهبي نفسه في (الميزان) الذي نقل منه هذا الموسوي ثم ادعى انه هو الذي رد على ابن عون ذلك، فهو متشبه بما لم يعط، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

    21) الحسن بن حيّ واسم حيّ صالح: ثقة فقيه عابد. وتشيعه ليس من الغلو في شيء فهو من نوع البدعة الصغرى التي نبهنا عليها مرارا. وقد ذكره الذهبي في (الميزان) فقال: (فيه بدعة تشيع قليل) ونقل عبارة الذهبي هذه الموسوي لكنّه حذف منها (قليل) محأولا الايهام بغلوه، فلعنه الله على الكاذبين والمحرفين الطالبين للغلو في الباطل. اما الحسن بن صالح هذا فتشيعه قليل ولا يرد به حديثه، ولم يكن بالتأكيد من الذين يسبون الصحابة أو يبغضونهم. ثم نقول ما بال هذا الموسوي هنا يحتج بتوثيق ابن سعد للحسن ابن صالح؟ ألم يطعن بابن سعد قبل قليل ويدع انه مجاف للشيعة ورجالهم؟ فما بال ابن سعد- ان كان كما يزعم هذا الموسوي- يوثق الحسن بن صالح هذا ثم يستشهد بتوثيقه هذا الموسوي؟ ولو كان ابن سعد كما وصفه هذا الموسوي في ترجمة الحارث الأعور- زوراً وبهتاناً- لضعف الحسن بن صالح هذا لأجل تشيعه. وقد رأيت للحسن بن صالح هذا حديثا في (سنن أبي دأود) (156) فيه اثبات المسح على الخفين هو احد رجاله وهو ما لا تقول به الشيعة عموما مما يؤكد عدم غلو الحسن هذا كما قلنا. ومن جهة أخرى فهو حجة على الشيعة في هذه المسألة برجال هم مرضيون عند الشيعة والحمد لله.

    22) الحكم بن عتيبة: ثقة فقيه ثبت. وتشيعه لم يكن فيه غلو اطلاقا ولم ينقل عنه من الغلو في ذلك كالطعن بالصحابة أو بغضهم ما يوجب رد حديثه. بل لم يظهر منه تشيعه في الغالب كما نقل الحافظ ابن حجر في (التهذيب) عن العجلي أنّه قال: (و كان من فقهاء اصحاب ابراهيم وكان صاحب سنة واتباع وكان فيه تشيع الا ان ذلك لم يظهر منه) أ. ه. وأيضاً ان مما يبين عدم غلوه كسابقه الحسن بن صالح ان له عند ابي دأود حديثا (157) هو احد رواته في اثبات المسح على الخفين وهو على خلاف مذهب الشعية. , لله الحمد.

    23) حمّاد بن عيسى الجهني: ضعيف، ولم يوثّقه أحد سوى من ذكرهم هذا الموسوي من أئمة الشيعة . وهو لا يلزم أهل السّنّة بشيء، فأين فيه ما زعمه من احتجاج أهل السّنّة به؟ ثم انظر إلى صنيعه هنا فإنّه اكتفى في توثيقه باقوال أئمته الشيعة في الوقت الذي يزعم انه يلزم أهل السّنّة الحجة برواة هم عندهم ثقات. أليس هذا عجيباً؟ لكنّه لا شك قد اضطرإلى ذلك لما رأى ان أهل السّنّة اجمعوا على ضعفه وأن ذلك مما يفضحه فاضطر إلى فعل هذا وقد اعترف هو نفسه بتضعيف الذهبي وغيره من أهل السّنّة لحماد هذا، فماذا يريد منا بايراده هنا؟ واما قوله عن الذهبي (و تحامل عليه إذ نسب الطامات اليه) فنحن نقول ان تلك الطامات التي ذكرها الذهبي قد رواها حماد هذا عن جعفر الصادق وابن جريج، ونحن لتأكدنا من صدق هذين الامامين وصلاحهما وثقتهما عصبنا هذه الطامات بحمّاد بن عيسى هذا، وإلاّ فهل يرغب هذا الموسوي منا بخلاف ذلك؟

وقد ضعف حمادا هذا، ابو دأود وابو حاتم والدارقطني، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به وما فعله الذهبي من نسبة الطامات إلى حماد هذا لم ينفرد به بل وافقه فيه أيضاً الحاكم والنقاش فقالا: - كما في (التهذيب)- (يروي عن ابن جريج وجعفر الصادق احاديث موضوعة) إ. ه. وزعم هذا الموسوي احتجاج الدارقطني به ليس صحيحا ولا يقوله أهل العلم، فان رواية الدارقطني عنه في (سننه) لا تعد توثيقا له ولا تعديلا ولا حتى احتجاجا به كما نبهنا عليه مرارا، فكيف وقد تقدم ان الدارقطني قد ضعفه ايضا؟ ثم انا نقول لهذا الموسوي واشباهه: بمثل هذه الامور كأنت سنن الدارقطني ليست صحيحة كلها عندنا، افتراها عندك صحيحة كلها؟ ؟

ثم نقول لهم ايضا، ان أهل العلم بالحديث يعلمون ان موضوع (سنن الدارقطني) ليس مطلق السنن كأبي دأود وامثاله، فان هذه كأنت موجودة هي والصحيحين في زمن الدارقطني فلا حاجة لتصنيف سنن اخرى، بل كان قصده فيها ذكر ما يستغرب من الاحاديث في ذلك وجمعها لذا نراه اعتنى كثيرا بطرق الحديث دون اي شيء سواها، وهذا هو السبب الذي من أجله حوى كتاب الدارقطني كثيرا من الضعفاء الذين تكلم عليهم هو نفسه، وهو الامر الذي حير عقول الجاهلين المرتابين مثل صاحبنا الموسوي هذا، والله المستعان. .

    24) حمران بن أعين: ضعيف رمي بالرفض، كما قال الحافظ في (التقريب) . ولم يوثّقه أحد من أهل السّنّة وأقرّ بذلك الموسوي نفسه بما نقله من كلامهم فيه، فما وجه الحجة بايراده؟ قال ابن معين: ليس بشيء، وفي رواية: ضعيف ذكرها ابن حجر في (التهذيب) وقال النسائي: ليس بثقة . فان كأنت هذه حال اثبات الشيعة كما وصفه بذلك الموسوي فكيف يريدون منا الاعتماد والثقة بما يروونه في كتبهم وهذه حال أثباتهم؟

وقد أشار هذا الموسوي في ترجمة حمران هذا إلى أخيه زرارة بن أعين، وعده في المكانة عندهم كأخيه سواء، وانما لم يذكره في هذه التراجم في مكانه حتى لا يفتضح فزرارة هذا عنده من الكذب الذي سنبينه ما يسقط الاحتجاج به عند أهل العلم، ثم ليس له رواية اصلا عند أهل السّنّة. وهو في الاصل مقل من الرواية، قال الذهبي في (الميزان): زرارة قلما روى. وذكر له بعضاً من منكراته ومنها مارواه عن ابن السماك قال: حججت فلقيني زرارة بن أعين بالقادسية فقال: ان لي اليك حاجةً وعظّمها، فقلت: ما هي؟ فقال: إذا لقيت جعفر بن محمّد فأقرئه مني السّلام وسله أن يخبرني أنا من أهل النار أم من أهل الجنة ؟ فأنكرت ذلك عليه، فقال لي: إنه يعلم ذلك، ولم يزل بي حتى أجبته، فلما لقيت جعفر بن محمّد أخبرته بالذي كان منه، فقال لي: هو من أهل النار! فوقع في نفسي مما قاله جعفر فقلت: ومن أين علمت ذاك؟ فقال: من ادّعى عليّ عِلمَ هذا فهو من أهل النار. فلما رجعت لقيني زرارة فأخبرته بأنه قال لي إنه من أهل النار، فقال: كال لك من جراب النورة، قلت: وما جراب النورة؟ قال: عمل معك بالتقية ! إ. ه. قلت: ولا يخفى ان تكذيب أي مسلّم أو لعنه أو الحكم عليه بالنار لا يصحّ أن يقال على سبيل التقية، خصوصاً مِن مثل جعفر الصادق رحمه الله، فإن نسبة ذلكا إليه وعلى وجه التقية من أقبح الأمور التي يُنزَّه عنها جعفر رحمه الله.

ولم يثبت تكذيب جعفر لزرارة بن أعين هذا عند أهل السّنّة فقط بل ثبت أيضاً في كتب الشيعة أئمة هذا الموسوي . فقد جاء في كتاب (ثقات الرواة) لأغا حسن الموسوي الأصفهاني المتوفى سنة 387ه (1/317) (الطبعة الأولى- مطبعة الآداب في النجف) أن جعفر الصادق قال عن زرارة هذا (لعن الله زرارة لعن الله زرارة) وروى ذلك أيضاً في (رجاله) (ص135)، وقد أشرنا إلى كتاب (رجال الكشي) هذا في مقدمة كتابنا . وروى الكشي أيضاً (ص134) وفي (ثقات الرواة) أيضاً (1/319) ان جعفر الصادق قال: (ما أحدث أحدٌ في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع لعنه الله) إ. ه. فمن هم أئمة هذا الموسوي يا ترى؟ هل هو زرارة ؟ أم هؤلاء الذين ضعّفوه وكذّبوه؟

ولزرارة هذا أخ هو عبد الملك يأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضعه رقم (54) . .

          25) خالد بن مخلّد القطواني: صدوق لكنّه يتشيّع، كما قال الحافظ ولم يكن من المغالين الطأعنين أو المبغضين للصحابة وإلا لردّ حديثه فهو جرح بنفسه، وسنذكر دليلاً على عدم غلوّه، لكنّه كان عنده تشيع، وحتى هذه العبارة توحي بخفته في ذلك إذ لم يقولوا عنه: شيعي، بل قالوا عنده تشيّع أو يتشيّع، مما يوحي ببساطته وعدم مغالته وهو أمر لا يخفى على من فهم كلام القوم بخلاف من تحامل وتحامق.

وأما قول الجوزجاني عنه: كان شتّاما معلناً بسوء مذهبه، فهو أمر لم يثبت ولم يلتفت إليه أحد لما عُرف من الجوزجاني- رحمه الله- من الحط والطعن بالكوفيين عموماً لذا قالوا ان قوله في هؤلاء الكوفيين غير مقبول لشدة تحامله عليهم ولمخالفته لهم في مذهبهم، والدليل على ذلك انه لم يلتفت إلى جرح الجوزجاني لخالد هذا الذهبي ولا غيره.

وقد عدّ الذهبي الجوزجاني من المتعنتين في الجرح والتعديل فقال: في (ذكر من يُعتمد قوله في الجرح والتعديل) (ص148- 159): (إن الذين قبل الناس قولهم في الجرح والتعديل على ثلاثة أقسام: قسم منهم متعنت في الجرح متثبّت في التعديل . . . فهذا إذا وثّق شخصاً فعضّ على قوله بناجذيك وتمسّك بتوثيقه، وإذا ضعّف رجلا فانظر؛ هل وافقه غيره على تضعيفه فإن وافقه ولم يوثق ذلك أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثّقه أحد فهذا الذي قالوا فيه لا يقبل تجريحه إلا مفسّراً. . . الخ) إ. ه. وكذا قال الحافظ ابن حجر في (التهذيب) في ترجمة أبان بن تغلب لما طعن فيه الجوزجاني: (و أما الجوزجاني فلا عبرة بحطّه على الكوفيين) إ. ه.

وقد نقل هذا الموسوي كلام ابن سعد في خالد هذا وحذف منه ما لا يوافقه، إذ قال ابن سعد عنه: (وكان في التشيّع مفرطاً وكتبوا عنه ضرورة) إ. ه. فحذف هذا الموسوي من عبارة ابن سعد قوله (ضرورة) وهو بذلك يؤكد عدم أمأنته.

وأما الدليل على عدم غلو خالد هذا في التشيع وان أهل السّنّة علموا منه ذلك فارتضوه ورووا عنه أن له حديثاً في (صحيح البخاري) (5/26) في فضائل الزبير بن العوّام رضي الله عنه، ورواه عنه البخاري مباشرة من حديث عثمان بن عفّان رضي الله عنه، ورأوي الحديث عثمان ومن يخصه الزبير هما من أعداء الرافضة لعنهم الله ورضي عن عثمان والزبير. وحديث خالد هذا شوكة في أعينهم إذ هو من رواية رجالهم كما يزعمون، والحمد لله رب العالمين.

          26) دأود بن أبي عوف أبو الجحاف: وثقه غير واحد نعم، لكن توثيقه هذا ليس في أعلى مراتبه بل عنده بعض المنكرات نبّه عليها أهل العلم فيكون توثيقه في العموم صحيحاً، وابن عدي إنما قال فيه ما قال لما رأى له بعض المنكرات، وقد ساق الذهبي نفسه في (الميزان) بعضها وقال عقبها: (هذا منكر)، ووافق ابن عدي على ذلك العقيلي فقال عنه (كان من غلاة الشيعة)، وقال الأزدي: زائغ ضعيف. ومن زعم أن ابن عدي من النواصب وإنّه قال قوله ذلك بذلك الدافع فهو أضلّ من حمار أهله. ومرة أخرى نقول إن رواية الثقات عنه لا تعتبر تعديلاً له ولا احتجاجاً به فلا يغفلنَّ أحدٌ عن هذا فقد مرت بنا أمثلة من ذلك كثيرة.

وقال الحافظ في (التهذيب): (و له في السنن وابن ماجة حديث واحد في فضل الحسن والحسين) إ. ه. فهو اذا ليس له عند أصحاب السنن سوى حديث واحد لكثرة ما عنده من المنكرات فلم يكفروا عنه بل رووا عنه ما يعرف من حديثه دون ماينكر .

وعبارة الموسوي تبين أنه إنما وثق دأوداً هذا لتوثيق سفيان له ورد بذلك كلام ابن عدي عنه، فتأمل واعجب فلم لم يلازم هذا الموسوي كلام سفيان عن الرواة السابقين الذين منهم من كذّبه سفيان نفسه ؟ ؟ أم هو الهوى والعصبية ؟ !

    27) زبيد بن الحارث: ثقة ثبت عابد فيه تشيّع. وقد قدمنا ان العبارة تعني أن بدعته من نوع البدعة الصغرى التي يحتج بأهلها وهم الذين لا يسبّون الصحابة ولا يطعنون بهم ولا يبغضونهم، وليس عنده من الغلوّ في ذلك ما يقتضي ردّ حديثه، وإلاّ لبينه أهل العلم بالجرح والتعديل، وأما شأن الجوزجاني فمن إنصاف أهل السّنّة وعدلهم- الذي يعلمه هذا الموسوي لكنّه يتكابر على الحق وينكره- أنهم بينوا حال الجوزجاني في مثل الكوفيين مع بقاء ثقته وأمأنته عندهم وعلمه وإمامته في الجرح والتعديل، الأمر الذي أراد هذا الموسوي المصادرة عليه وإنكاره، فله من الله ما يستحق. .

    28) زيد بن الحباب: لم يعدّه من الشيعة سوى ابن قتيبة، وقد قدمنا حاله في ذلك ولا أظنه يثبت مع اني قد رأيت له حديثاً من روايته بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه في إثبات المسح على الخفّين بخلاف مذهب الشيعة، رواه ابن ماجة في (سننه) (555) . وأكثر من ذلك أخرج له الترمذي (4/317) حديثاً عن عائشة رضي الله عنها في فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وزيد بن الحباب هذ أحد رجال إسناده، وفيه أخبار النبي صَلّى الله عليه وسلّم بأن شياطين الأنس والجنّ تهرب من عمر ابن الخطاب، فإن كان هذا الموسوي يبغض عمر ويهرب منه فهو أحد شياطين الأنس هؤلاء.

    29) سالم بن أبي الجعد: لم أرَ دليلاً صحيحاً في إثبات تشيع سالم هذا وما ذكره هذا الموسوي لا يقوى على إثبات ذلك، ومع هذا فلا يعدو حاله حال أمثاله ممن ذكرناهم من غير أن يكون عندهم غلو ولا رفض مردود وقد فصّلنا القول فيهم. .

    30) سالم بن أبي حفصة: عنده نوع غلوّ في التشيّع، وقد ضعّفه لذلك غير واحد ومن وثّقه وقبل خبره فإنما عنى في غير ما يدخل في بدعته ويقوّيها مثل فضائل أهل البيت ما لم يشاركه فيها غيره، فمن كان عنده نوع غلوّ في التشيّع فلا يقبل خبره في أي من فضائل علي وآل البيت كما هو مقرر في (المصطلح) . والعجب من هذا الموسوي فإنّه نقل في ترجمته لسالم هذا تضعيف الفلاس له ولم يبين وجه جوابه عليه ولا وجه عدم أخذه بهذا التضعيف ولا أظنه إلاّ التحكّم المحض النابع من الهوى والعصبية وقد ضعف سالماً هذا إضافةً للفلاس النسائي فقال عنه: ليس ثقةً، وهو ما حذفه هذا الموسوي فيما نقله من ترجمة سالم من (الميزان) . ونقل الحافظ في (التهذيب) عن الفلاس أنه قال عنه في موضع آخر: كان يحيى وعبد الرحمن لا يُحدّثان عن سالم. وقال أبو حاتم: هو من عتق الشيعة يكتب حديثه ولا يُحتج به. وقال العقيلي: ترك لغلوّه وبحقّ ترك. وقال ابن حبّان: يقلب الأخبار ويهم في في الروايات . وكل ما ساقه هذا الموسوي في الترجمة فهو من منكرات

سالم هذا التي بها يضعف، وما يدري هو انه بإيراده لها إنما يحمل من لا يعرف من أهل السّنّة على تركه وطرح حديثه.

أما كونه ممن يتنقّص أبا بكر وعمر فهو لا يثبت عنه والله أعلم ففي إسناده اليه من الضعف ما يمنع ثبوته هذا أولاً. وثانياً: عقب الذهبي في ترجمة سالم هذا من (الميزان) على هذا الزعم بقوله: (و قد روي أن سالماً كان إذا حدّث بدأ بفضائل أبي بكر وعمر، فالله أعلم) إ. ه. قلت: وقد ثبت بالإسناد الصحيح إلى سالم هذا عند الترمذي: حدثنا قتيبة حدثنا محمّد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة والأعمش وعبد الله بن صهبان وابن أبي ليلى وكثير النواء كلهم عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: (إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما) وقال الترمذي: هذا حديث حسن إ. ه. فهذا ما رواه سالم من فضائل أبي بكر وعمر ذكرته دون استقصاء لروايته في فضائلهما رضي الله عنهما ولو استقصينا لجمعنا من ذلك الكثير، وهو ما يبين أن سالماً هذا لم يثبت عنه طعنه ولا بغضه لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، بل كان يروي في فضائلهما رغم أنف هذا الموسوي وأشباهه والحمد لله. .

    31) سعد بن طريف الإسكاف: قال الحافظ في (التقريب): متروك ورماه ابن حبّان بالوضع وكان رافضياً إ. ه. قلت: وما أعلم أحداً من أهل السّنّة وثّقه ولا قبل خبره، وقد ساق الذهبي في (الميزان) وكذا الحافظ في (التهذيب) من أقوال أهل العلم فيه ما يمنع قبول خبره والإحتجاج به، لكن قد أخفاه هذا الموسوي عمداً كعادته في التزييف والغش. وإليك ما جاء في ترجمته من (الميزان): (قال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروي عنه. وقال أحمد وأبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائي والدارقطني: متروك. وقال ابن حبّان: كان يضع الحديث على الفور. وقال الفلاس: ضعيف يفرط في التشيّع. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم) إ. ه. فلا أدري هل أعمى الله بصر هذا الموسوي فلم يره ؟ واكتفى بذكر تضعيف الفلاس له وزعم أنه قد ردّ عليه بقوله: (إفراطه في التشيع لم يمنع الترمذي وغيره عن الأخذ عنه) إ. ه. وهذا قول من لم ينظر في كتب أهل العلم، فقد قلنا مراراً ان رواية الثقة عن أحد لا تُعدّ تعديلاً له بالمرة- إلا ما كان من شأن الصحيحين- وها هو الترمذي الذي روى له يقول عنه (2/71): (يُضعّف) إذ روى له حديثاً هناك وضعّف إسناده بسبب سعد هذا.

وممّن ضعّف سعداً هذا أبو دأود، وقال أبوبكر الأعين: سمعت أبا الوليد يضعّفه، وقال ابن عدي: ضعيف جداً . وضعّفه العجلي أيضاً مع تساهله، وقال الساجي: عنده مناكير يطول ذكرها. فمن أين تخيّل هذا الموسوي ان أحداً من أهل السّنّة قد وثّق سعداً هذا فأورده؟

    32) سعيد بن أشوع: وهو سيعد بن عمرو بن أشوع، قال الحافظ في (التقريب): ثقة رمي بالتشيّع إ. ه. وهذا تعبير يقتضي عدم غلوّه فيه وانه ممّن يقبل خبره وليس عنده من المنكرات. وأما قول الجوزجاني عنه (غال زائغ) فهو قول لا يتابع عليه لما قدمنا من حال الجوزجاني هذا مع الكوفيين وتحامله عليهم ممّا يمنع قبول قوله فيهم، رحمه الله وغفر له. لهذا لم يلتفت اليه أحد، ولم يذكر سعيداً هذا في الغالين من الشيعة أحد من أهل العلم بالجرح والتعديل.

ومعنى ذلك أنه لا يسب الصحابة ولا يبغضهم ولا يقول بالأقوال الباطلة التي تدعيها الرافضة، ومن زعم خلاف ذلك فليأتنا بدليل.

          33) سعيد بن خثيم الهلالي: حاله كسابقه في عدم غلوّه وإفراطه في التشيّع، فليس هناك دليل ينقض ما قلناه، ولله الحمد.

    34) سلّمة بن الفضل الأبرش: قال الحافظ في (التقريب): صدوق كثير الخطأ. وقد ضعّفه غير واحد؛ ضعفه إسحاق بن راهويه . وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير. وقال النسائي: ضعيف . وقال ابن المديني: ما خرجنا من الري حتى رمينا بحديث سلّمة. وقال أبو حاتم: لا يُحتجّ به. وهذا كله في (الميزان) فلم ينقله هذا الموسوي كعادته في التصرّف في النقل. وقول ابن معين الذي نقله من (الميزان) لا يدل على غلوّه في التشيع بل خفته في تلك البدعة الأمر الذي لا يمنع من قبول روايته فيما لا يخص بدعته لولا انّ سلّمة هذا كان يخطئ ويخالف كما قال ابن حبّان. وأما قول أبي زرعة الذي نقله من (الميزان) أيضاً فقد تصرّف فيه هذا الموسوي تصرّفاً قبيحاً، إذ قال أبو زرعة فيما نقله الذهبي والحافظ: (كان أهل الري لا يرغبون فيه لسوء رأيه وظلم فيه) إ. ه. فهذا قول أبي زرعة، حذف منه هذا الموسوي قوله (وظلم فيه) إذ كان قاضياً عليهم ويبدوا أنهم رأوا منه ظلماً فكانوا يكرهونه لذلك مع ما عنده من بدعة التشيع، لكن هذا الموسوي تحامل وتحامق فقال: (بل لسوء رأيهم في شيعة أهل البيت) مع ما حذفه من قول أبي زرعة ونسي أنه نفسه وافق الذهبي في وصفه لجرير بن عبد الحميد المارّ ذكره بأنه (عالم أهل الري) الذي يبين أن عالمهم نفسه عنده نوع تشيّع مما يدل على بعدهم عن ما وصفهم به هذا الموسوي من سوء رأيهم في شيعة أهل البيت، فهل هذا هو الإنصاف ؟ وهل هذ هي الأمانة عندكم يا رافضة ؟!!

    35) سلّمة بن كهيل الحضرمي: هو من الثقات وكان عنده تشيع قليل من غير غلوّ، قال العجلي عنه: (كوفيّ تابعيّ ثبت في الحديث وكان فيه تشيّع قليل) فليس هو من الطأعنين بالصحابة ولا المبغضين لهم ولا ممن عنده من الأقوال الباطلة ما يوجب ردّ حيدثه. وقد فصّلنا احتجاج أهل العلم بمثل هؤلاء. .

    36) سليمان بن صرد الخزاعي: صحابيّ جليل، والصحابة كلهم عدول عند أهل السّنّة بخلاف أهل الزيغ والضّلال من الروافض، ولا شك ان سليمان هذا رضي الله عنه لم يكن يطعن ولا يبغض أبا بكر وعمر وسائر الصحابة وليس عنده من بدع التشيع شيء، ومناصرته للحسين رضي الله عنه من أجل القربات عند الله وهو أمر لا يخالف فيه أحد من أهل السّنّة وليس هو مختصاً بالشيعة، فلا يعد من يفعل ذلك شيعياً بمجرّد فعله، فهذه دعوى غير مقبولة. .

    37) سليمان بن طرخان: من الثقات الأثبات، ولم يكن عنده من التشيع سوى ميله لعلي رضي الله عنه، كما قال ابن سعد فيما نقله عنه الحافظ في (التهذيب) والذهبي في (تاريخ الإسلام) وهذا أمر حق لا يُعدّ من الغلو في شيء ولا شك انه على مذهب ليس كمذهب هذا الموسوي وأشباهه وإلا لردّ حديثه واعتبر مجروحاً.

    38) سليمان بن قرم: قال الحافظ في (التقريب): سيّء الحفظ يتشيّع- إ. ه. وقال ابن حبّان- وهو الذي نقله الذهبي في (الميزان) والحافظ في (التهذيب)-: (كان رافضياً غالياً ومع ذلك يقلب الأخبار) وهذا مالم ينقله بتمامه هذا الموسوي كعادته في التصرف بالنّصوص بهواه. فليس هو من أهل الأمانة في ذلك، وقد سبقت من ذلك أمثلة كثيرة جداً. وأما سليمان هذا فقد وثّقه أحمد بن حنبل وابن عدي، لكن ضعّفه قومٌ آخرون كثيرون، وجرحهم مفسّر فهو مقدّم على تعديل من عدّله وتوثيق من وثّقه، كما هو مقرّر فيما سبق من قواعد هذا العلم الشريف. فقد ضعّفه ابن معين وقال: ليس بشيء، وفي رواية: كان ضعيفاً. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين.

وقال النسائي: ليس بالقوي . وقال أبو زرعة: ليس بذاك. ولولا إخراج مسلّم لحديثه في صحيحه لقلنا بضعفه مطلقاً. وغلوه لا يصل به إلى القول بما تقوله الرافضة من سب الصحابة وبغضهم وغير ذلك، بل قد نقل الذهبي في (الميزان) عن أبي بكر بن عيّاش عن سليمان بن قرم هذا قال: قلت لعبد الله بن الحسن: أفي أهل قبلتنا كفّار؟ قال: نعم، الرافضة إ. ه. فروايته لهذا تبين لنا حقيقة مذهبه، وهي رواية ترد على هذا الموسوي احتجاجه به.

وأما الحديث الذي نقله من (الميزان) عن عبد الله بن عمرو، وفيه ان النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعن الحكم بن أبي العاص وما يخرج من صلبه إلى يوم القيامة، فهو من منكرات سليمان هذا، ذكره الذهبي تبعاً لابن عدي كعادتهما في سرد بعض منكرات الضعفاء الذين يترجمون لهم، لا على أنه صحيح ثابت كما لا يخفى على أهل العلم، وسليمان بن قرم هو إحدى علتيّ إسناد هذا الحديث الذي ساقه الذهبي في (الميزان)، وله علّة أخرى وهي تدليس الأعمش مع عنعنته. وأخرجه أيضاً الدارمي- (البداية والنهاية) لا بن كثير (6/243)- والطبراني- (مجمع الزوائد) (5/242- 243)- من طريق أبي الحسن الجزري- وهو الحمصي- عن عمرو بن مرّة الجهني وكأنت له صحبة، وفيه قال: (إلاّ الصالحين منهم) أو (إلاّ المؤمنين) ومع أنّ هذا الإستثناء مهمّ إذ بإمكانه أن يشمل من لا تحبّه الشيعة كمعاوية وأبيه، إلاّ أن الحديث ضعيفٌ أيضاً، فأبو الحسن الجزري هذا قال عنه الحافظ: (مجهول). وفي الإسناد أيضاً سعيد بن زياد أخو حمّاد وهو ضعيف له أوهام. والحديث أخرجه أيضاً من نفس هذا الطريق أبو يعلى- (المطالب العالية) (4533)- ونقل في الهامش هناك قول ابن المديني عن أبي الحسن الجزري هذا: (مجهول، ولا أدري سمع من عمرو بن مرة أم لا) إ. ه.

    39) سليمان بن مهران الأعمش: أحد الثقات الأثبات الحافظين. وعداده في رجال الشيعة باطل لا يصح، فقد كان رحمه الله صاحب سنّة كما قال غير واحد. وحتى من عدّه من رجال الشيعة فإنما صرّح بخفته في ذلك لا بغلوّه، كما قال أحمد بن عبد الله العجلي: (. . . وكان فيه تشيّع) . لكن حتى هذا لم يثبت بل ثبت عنه خلافه، إذ عقب الذهبي في (تاريخ الإسلام) في ترجمة الأعمش على قول العجلي السابق بقوله: (كذا قال وليس هذا بصحيح عنه بل كان صاحب سنّة) إ. ه. ثم إنّ الأعمش قد روى أحاديث كثيرة في فضل الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وهو لم يروها إلاّ وهو معتقد بأفضليتهما على غيرهما، وأقرب مثال لذلك الحديث الذي مرّ ذكره في ترجمة سالم بن أبي حفصة، إذ الأعمش أحد رجال إسناده، وهو قول النبي صَلّى الله عليه وسلّم: (إنّ أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما). وأيضاً الأعمش هو أحد رواة حديث: (لو كنت متّخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتّخذت أبا بكر خليلاً. . .) في الصحيحين. وأكبر من ذلك أنه نُقل عن الأعمش ثناؤه على معاوية رضي الله عنه وتفضيله له، فيما أخرجه الطبراني في (الكبير) (19/266-267) (رقم 691) باسناده إلى أبي يحيى الحماني قال: سمعت الأعمش يقول: (لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي) إ. ه. ومع ان الأعمش لم يدرك معاوية رضي الله عنه- وهو الأمر الذي دعا الهيثمي ليحكم عليه بالارسال كما في (المجمع) (9/357)- الا ان هذا ما روى عن الأعمش في معاوية رضي الله عنه وهو ما يدحض حجّة هذا الموسوي في ادعائه تشيع الأعمش، فإن كان هذا هو التشيّع من تفضيل أبي بكر وعمر والثناء على معاوية فحيهلا على هذا التشيع.

وسائر ما ساقه هذا الموسوي في ترجمة الأعمش يدل دلالة واضحة على حماقته وسفاهته وتعصّبه، من ذلك طعنه بالإمام أبي إسحاق الجوزجاني ورده لكلامه بما لازم للجوزجاني به، فالجوزجاني- مع ما عنده من تحامل على أهل الكوفة قد سبق منا بيانه- لم يطعن بهؤلاء المذكورين ومنهم الأعمش بل قال عنهم إنهم رؤوس محدثي الكوفة وووصفهم بصدق ألسنتهم في الحديث، لكن غمزهم بما عنده من تحامل على أهل الكوفة جميعاً وهو أمر مخطئ هو فيه نسأل الله له المغفرة، وهذا لا يعنى إطلاقاً أنه من النواصب كما ادعى هذا الموسوي إذ لا علاقة بين بغض الجوزجاني للكوفيين وبين البغض لعليّ رضي الله عنه، ثم هو عند أهل السّنّة كحال الصادقين من الذين عندهم نوع تحامل- من غير طعن ولا سب- على معاوية أو على عثمان وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين سواء بسواء. وأما قول المغيرة الذي ساقه هذا الموسوي، ولفظه: (أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعمشكم هذا) فلا علاقة له بالتّشّيع إطلاقاً ولا يقول ذلك الا الحمقى المتحاملون، إذ قوله هذا كقول ابن المبارك: (إنما أفسد حديث أهل الكوفة أبو إسحاق والأعمش) وكلا القولين ساقهما الذهبي في (الميزان) وبين أن المراد من ذلك هو التدليس الذي كانا يمارسانه في بعض روايتهما، وأعني به الرواية بالعنعنة وعدم التصريح بالتحديث في غير ما سمعاه عمّن ذكراه، وقد قال الذهبي في ترجمة الأعمش من (الميزان): (ما نقموا عليه إلاّ التدليس) إ. ه. وهو ما بيناه، وسببه أنه كان يحسن الظن بمن يحدثه ويروى عنه، كما قال الذهبي وزاد: (و لا يمكننا أن نقطع عليه بأنه علم ضعف ذلك الذي يدلّسه، فإن هذا حرام) إ. ه. وقال: (وهو يدلّس وربما دلّس عن ضعيف ولا يدري به فمتى قال حدّثنا فلا كلام ومتى قال "عن" تطرّق اليه احتمال التدليس الا في شيوخ له أكثر عنهم) إ. ه. فهذا هو سبب كلام المغيرة وابن المبارك في الأعمش وأبي إسحاق لا كما شاغب به هذا الموسوي من سوء فهمه أو مقصده.

وما ساقه من كلام الأعمش في أبي حنيفة رحمه الله معارض بما نقل من مدح الأعمش لأبي حنيفة، مثل ما ذكره الذهبي في ترجمة الإمام أبي حنيفة من (تاريخ الإسلام) (7/312) عن الأعمش أنه سئل عن مسألة فقال: (إنما يحسن هذا النعمان بن ثابت الخزار وأظنه بورك له في علمه) . ومعارض أيضاً بما ذكره ابن عبد البر نفسه في (الأنتقاء) (ص126) فقال: (خرج الأعمش يريد الحج فما صار بالحيرة قال لعليّ بن مسهر اذهب إلى أبي حنيفة حتى يكتب لنا المناسك) إ. ه. وابن عبد البر ساق كلام الأعمش الذي نقله هذا الموسوي في الإمام أبي حنيفة ليبين أنه من نوع الكلام المردود غير المنظور اليه وجعله مثالاً لذلك فقال في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) (باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض) (2/152)- من المختصر (ص195)-: (هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك والصحيح في هذا الباب ان من صحّت عدالته وثبتت في العلم أمأنته وبأنت ثقته وعنايته بالعلم لم يلتفت فيه إلى قول أحد الا ان يأتي في جرحته بينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والعناية لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر) إ. ه. ثم قال أيضاً بعد سرده لتلك الأقوال ومنها قول الأعمش في أبي حنيفة هذا (2/157-158)- من المختصر (ص199)-: (وهذا مما ذكرنا مما لا يسمع من قولهم ولا يلتفت اليه ولا يعرج عليه) إ. ه. فجزى الله هذا الموسوي بما يستحق بصنيعته هذا الذي يريد به الإساءة إلى أئمة الإسلام هؤلاء، وصدق ابن عبد البر حين وصف أمثال هؤلاء فيما سبق: (ضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك)

    40) شريك بن عبد الله النخعي القاضي: قال الحافظ في (التقريب): صدوق يخطئ كثيراً إ. ه. فهو في نفسه ثقة صادق مأمون لكنّه كان كثير الخطأ وهو إلى ذلك تغير حفظه لما ولي القضاء بالكوفة، ولم يحتج به مسلّم كما ادعى هذا الجاهل الموسوي بل أخرج له في المتابعات وهو بذلك فقط يصح حديثه اذا توبع وإلا فلا لما عنده من سوء الحفظ لا لضعفه في نفسه، وقد نص الذهبي على ان مسلّماً إنما أخرج لشريك متابعة فقط ولم يحتج به، وهو ما لم يفهمه- فيما يبدو- هذا الموسوي لبعده عن هذا العلم الشريف. وأما إخراج أهل السنن لحديثه فلا يعتبر ذلك تعديلاً وقبولاً لحديثه وحده كما قررنا فليس هذا من لوازم ثقته وحفظه، هذا أولاً.

وثانياً: قد تحامق هذا الموسوي كثيراً في هذه الترجمة وأخفى كثيراً من الحق، فان ما ذكره من أحاديث شريك مثل: (علي خير البشر. . .)، (لكل نبيّ وصيّ ووارث. . .)، (و إذا رأيتم معاوية على منبري . . .) فهذه كلها من منكرات شريك وأباطيله التي ردت عليه، وقد نبّهنا مراراً أن منهج الذهبي- كما هو منهج ابن عدي قبله- ان يورد لكل رأو ضعيف أمثلة من أباطيله ومنكراته، لا ليحتج بها كما فعل هذا الجاهل الموسوي، وقد صرّح الذهبي بذلك فقال: (و من مناكيره. . .) وأخذ يسرد تلك الأحاديث وغيرها، إذ لم يتابع على أكثرها شريك وبعضها تابعه عليها الكذابون الدجّالون الوضّاعون، فلا حجة بها ولا كرامة ولله الحمد، وإليك الآن ما نقل عن شريك القاضي مما يرد زعم هذا الموسوي في مغلاة شريك أولاً، ويبين أنه لا يمكن أن يعتقد بخلاف قول أهل السّنّة ثانياً:

نقل الذهبي في (الميزان) عن إبراهيم بن أعين قال: قلت لشريك: أرأيت من قال لا أفضل أحداً؟ قال: (هذا أحمق قد فضل أبو بكر وعمر) . ونقل عن شريك قوله: (لا يفضل عليّاً على أبي بكر إلا من كان مفتضحاً) فليسمع أصحاب هذا الموسوي بآذانهم ولا يصمّوها عما أخفاه وغشهم فيه صاحبهم الموسوي هذا. ومن أجل ما جاء عن شريك هذا بين الذهبي معنى قول شريك (عليّ خير البشر) على فرض ثبوته عنه، وهو انه إنما عنى في زمانه لموافقته ما نقل عنه من تفضيل أبي بكر وعمر على عليّ، بل أكثر من ذلك ذهب شريك إلى أفضلية عثمان أيضاً على عليّ رغم أنف هذا الموسوي، إذ نقل الذهبي أيضاً بالإسناد إلى شريك انه قال: (قبض النبي صَلّى الله عليه وسلّم فاستخلف المسلّمون أبا بكر، فلو علموا ان فيهم أحداً أفضل منه كانوا قد غشوا. ثم استخلف أبو بكر عمر، فقام بما قام به من الحق والعدل، فلما احتضر جعل الأمر شورى بين ستة فاجتمعوا على عثمان، فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا) إ. ه. وهذا موافق لمذهب أهل السّنّة والجماعة، وهو يبين ان حديث (لكل نبي وصي ووارث. . .) الذي نسب إلى شريك كذب عليه اختلقه الرواة، وفي إسناده إلى شريك محمّد بن حميد الرازي، قال الذهبي: ليس بثقة، وقد كذبه غيره واحد، وقد نصّ الذهبي على كذب هذا الحديث في (الميزان) في ترجمة شريك هذا لكنّه برأ منه شريكاً وقد أحسن رحمه الله.

ودعوى أن شريكا هذا ممن ينتقص أبا بكر وعمر، وهي التي أراد ان يروّج لها هذا الموسوي دعوى باطلة، وأبطل منها مذهب من يعتقد ذلك ومنهم هذا الموسوي فيما يبدو، وقد قدمنا لك ما جاء عن شريك هذا في تفضيله أبي بكر وعمر وحتى عثمان على عليّ رضي الله عنهم أجمعين. ومثل ذلك ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنّة) (1/43) عن أبي القاسم البلخي قال: سأل سائل شريك بن عبد الله فقال له: أيّهما أفضل أبو بكر أم عليّ؟ فقال له: (أبو بكر) فقال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقل له: (نعم، من لم يقل هذا فليس شيعياً، والله لقد رقى هذه الأعواد علي فقال: ألا ان خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، فكيف نردّ قوله وكيف نكذبه والله ما كان كذّاباً) . قال شيخ الإسلام: نقل هذا عبد الجبار الهمذاني في كتاب تثبيت النبوة قال ذكره أبو القاسم البلخي في النقض على ابن الرأوندي على اعتراضه على الجاحظ، نقله عنه القاضي عبد الجبار إ. ه. قلت: فليسمع الشيعة اليوم قول صاحبهم شريك القاضي هذا وهو يقول: (من لم يقل هذا فليس شيعياً) . .

    41) شعبة بن الحجّاج: ثقة ثبت فاضل، لكنّه ليس من الشيعة إطلاقاً وهو ادعاء باطل كل البطلان، وذكر ابن قتيبة لذلك والشهرستاني لا يفيد في ثبوته كما لم يفد أيضاً في صحة ادعائهما تشيع سفيان الثوري والشعبي كما قدمنا. .

    42)          صعصعة بن صوحان: ثقة, وكان من أصحاب علي رضي الله عنه وشهد معه الجمل, وهذا كله لا يعني أنه من الشيعة الغلاة فأهل السّنّة عموماً يؤيّدون عليّاً رضي الله عنه في حروبه ويقولون أنه على الحق فلا يلزم من ذلك تشيع, ثم أن الجوزجاني ذكره في عداد الخوارج في كتابه (معرفة الرجال), وهي دعوى أصح من دعوى هذا الموسوي وأقبل منها. .

          43)                        طأووس بن كيسان: ثقة فقيه فاضل, كما قال الحافظ, وقول الموسوي هذا: (أرسل أهل السّنّة كونه من سلف الشيعة ارسال المسلّمات) من الكذب لا يخفى على من قرأ كتب الحديث فليس هو كذلك ولم يقله أحد سوى ما نقل عن الثوري قوله: يتشيّع, وهو لفظ مع ما فيه من بيان خفّته في ذلك فليس مقطوعاً في ثبوته عنه, ثم لنفرض أنه كذلك فما باله يروي عمّن تبغضه الشيعة ولا تحتج بحديثه من الصحابة أو التابعين الذين ذكرهم هذا الموسوي نفسه, مثل أبي هريرة وابن عمر وعائشة وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين, ومن التابعين مجاهد وعمرو بن دينار والزهري, وهؤلاء كلهم مبغوضون عند الشيعة كما يعلمه الخاص والعام, مطعون فيهم بل ومطعون بمن يروي عنهم ويحتج بهم, أليس هذا تناقضاً من قبل هذا الموسوي؟؟

    44)          ظالم بن عمرو أبو الأسود الدؤلي: ثقة, نعم ومن أصحاب علي رضي الله عنه, لكنّه غير غال إطلاقاً ولا عنده من منكرات الروافض ما يردّ به حديثه من الطعن بالصحابة وبغضهم, ولا أدلّ على ذلك من احتجاج أهل السّنّة به, إذ لو كان عنده ذلك- كما يريد الإيهام به هذا الموسوي- لردّ أهل السّنّة حديثه بالمرة, وكونه من المخلصين في ولاية علي والحسن والحسين أمر لا يدل على تشيّع وغلوّ فأهل السّنّة هم كذلك أيضاً كما بيناه. ثم ألا يرى هذا الموسوي أن أبا الأسود هذا قد روى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه, الأمر الذي يبين بما لا مجال للشك فيه أنه غير غالٍ أبداً ومن زعم خلاف ذلك فعليه الدليل, إذ لم يأتِ هذا الموسوي بأي دليل على ذلك, ولله الحمد. .

    45)          عامر بن واثلة أبو الطفيل: صحابي, وقد تقدم مذهب أهل السّنّة في الصحابة وأنهم كلهم عندهم عدول بخلاف مذهب أهل الزيغ والضلال والرفض من الذين يسبّونهم ويُبغضونهم. ومن المؤكد انه لم يكن من غلاة الروافض كما زعم هذا الموسوي إذ ليس عنده من الغلوّ شيء, ومناصرته لعليّ رضي الله عنه لا تكفي لإثبات ذلك, أما كونه كان حامل راية المختار بن أبي عبيد- الكذّاب- فهذا إن ثبت عنه فإنّه مما نقم على أبي الطفيل وعيب عليه مع بقاء عدالته وثقته في نفسه وفيما حدث رضي الله عنه, شأنه شأن باقي الصحابة الذين وقعوا في أخطاء مثل معاوية رضي الله عنه وغيره. ودليل من أدلة عدم غلو أبي الطفيل روايته عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما اعترف به هذا الموسوي وأنطقه الحق بذلك رغماً من أنفه.

وبمناسبة بيت الشعر الذي ذكر في الترجمة:

لا ألفينك بعد الموت تندبني            و في حياتي ما زودتني زادا

فإن أحق الناس بوصفهم به هم هؤلاء الشيعة, خصوصاً منهم من امتنع عن نصرة عليّ والحسين في حياتهما ثم بعد موتهما أخذوا يندبون حظّهم وينوحون عليهما كما يفعله الجهلة والضُّلال من أهل زماننا ويشجّعهم هذا الموسوي في كتابه (المجالس الفاخرة), فإلى الله المشتكى.

    46)          عباد بن يعقوب الرواجني: من غلاة الشيعة ورؤوس البدع لكنّه صادق في الحديث, كما قال الذهبي فيؤخذ عنه من الحديث ما كان غير متعلّق ببدعته ولا مقوّ لها ويرد ما سوى ذلك. وهذا موقف كله إنصاف من أهل السّنّة, في الوقت الذي يخلو فيه مذهب الشيعة من أي إنصاف لأهل السّنّة فحسبنا الله ونعم الوكيل. وفي كل ما ساقه هذا الموسوي- المفتري- وفي الترجمة من الأحاديث التي رواها عباد هذا فإنما هي أحاديث مكذوبة مردودة عند أهل السّنّة, وهو لا يعلم- لما عنده من حماقة- أنه بذكره لأقوال عبّاد هذا ولأحاديثه المنكرة هذه إنما يكشف عن عيب عبّاد وجرحه, هذا فيما يخص روايته في صلب بدعته بل ولا يستحيي أن يذكر أن عباداً هذا كان من شدة غلوّه أنه يحرّف حتى عند قراءته القرآن, فيقرأ: (و كفى الله المؤمنين القتال بعليّ). ومن غلوّه الفاحش أيضاً أنه كان يزعم أن الذي حفر البحر عليّ, والذي أجراه الحسين, فانظر إلى حماقات الشيعة ما تصنع بهم؟ وهذه رواية ثابتة عن عبّاد لا كما يزعم هذا الموسوي في ردّها, فإنما قوله تحكم محض ولئلا يفضح صاحبه فاضطّر إلى تكذيبها, وكذب رأويها القاسم بن زكريا المطرز, وهو حافظ ثقة كما قال الذهبي, وقال الخطيب: وكان ثقةً ثبتاً. وقال ابن المنادي: وكان من أهل الحديث والصدق والمكثرين في تصنيف المسند والأبواب والرجال. قلت: وله ترجمة في (تذكرة الحفاظ) (2/717) و(تاريخ بغداد) (12/441) وغيرها فما أجرأ هذا الموسوي- المفتري- على تكذيب أهل العلم والحفظ هؤلاء. وهذه شيمة الجهلاء, والله المستعان على ما يصفون مع أنّ تحريفه للآية السابق ذكره أشد وأنكر من قوله هذا الذي دفعه هذا الموسوي وأقر التحريف فلم يردّه!!

وردّاً على قول عبّاد هذا الذي نقله الموسوي هنا: (من لم يتبرأ في صلاته كل يوم من أعداء آل محمّد حشر معهم) قال الأمام الذهبي: (قلت: فقد عادى آل عليّ آل عباس, والطائفتان آل محمّد قطعا فممّن نتبرأ؟ بل نستغفر للطائفتين ونتبرأ من عدوان المعتدي كما تبرأ النبي صَلّى الله عليه وسلّم مما صنع خالد لما أسرع في قتل بني جزيمة، ومع ذلك قال فيه: خالد سيف سله الله على المشركين. فالتبري من ذنب سيغفر لا يلزم منه البراءة من الشخص) إ. ه. وقول عبّاد هذا تقوله الشيعة اليوم, وهو ما يبين ضلالهم في تسمية أعداء آل محمّد صَلّى الله عليه وسلّم, وإلا فما عساهم يجيبون عمّا قاله الذهبي هنا, الذي اطلع عليه وعلمه هذا الموسوي لكنّه لم يورده لعدم تمكّنه من الرّدّ عليه, ولله الحمد.

وأخيراً أقول ان عبّاداً هذا لم يكثر له البخاري من الرواية بل روى له حديثاً واحداً فقط ومقروناً بغيره لا محتجاً به وحده.

    47)          عبد الله بن دأود: قال الحافظ في (التقريب): ثقة عابد. . ولم يعدّه أحدٌ من رجال الشيعة على كثره من ترجم له, ولا أظنه يثبت مع ذكر ابن قتيبة له فقد قدمنا حال ابن قتيبة في ذلك, ومع كل هذا فليس عنده من منكرات الروافض وبدعتهم وغلوّهم مايوجب ردّ حديثه, ومن خالف فعليه الدليل.

    48)          عبد الله بن شداد بن الهاد: من كبار ثقات التابعين, وكان يتشيّع. وقد قدمنا ان هذا اللفظ يدل على عدم غلوّه في ذلك, ولا أدلّ على ذلك من روايته عن عمر وابن عمر وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم جميعاً ممّن تبغضهم الشيعة ولا تروي عنهم شيئاً, أنظر شيوخه في (تهذيب التهذيب).

    49)          عبد الله بن عمر بن محمّد بن أبان: صدوق فيه تشيّع, كما قال الحافظ. فليس هو من الغالين في تشيّعه, ويؤكد ذلك ان السيوطي قد نقل في (تاريخ الخلفاء) (ص149) عن البيهقي في سننه أنه أخرج بإسناده عن عبد الله بن عمر- وهو الجعفي- أنه قال: قال لي خالي حسين الجعفي: (تدري لمَ سمي عثمان ذا النورين؟) قلت: لا. قال: (لم يجمع بين بنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان, فلذلك سُمّي ذا النورين). فلم يروه إلا وهو موقن به مصدق به على رغم أنف هذا الموسوي. .

    50)          عبد الله بن لهيعة: صدوق اختلط حفظه وساء, وقد ضعّفه غيرُ واحد بعد اختلاطه, والصواب ان رواية عبد الله بن يزيد وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب عنه صحيحة لأنهم رووا عنه قبل اختلاطه, وما سوى ذلك ضعيف مردود, كما قرره غير واحد من أهل العلم. وأما تشيّعه فلم يكن عنده من الغلو في ذلك ما يرد حديثه بسببه مثل الطعن بالصحابة وبغضهم, والحديث الذي ساقه هذا الموسوي لعبد لله بن لهيعة هذا في تعليم النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعلي ألف باب. . . إلى آخره نقله من (الميزان) إذ ذكره الذهبي هناك وعدة من منكرات ابن لهيعة فليس هو من رواية أحد من العبادلة السابقين عنه فيُردّ كما قرّرناه. ومن أكبر الأدلة على عدم غلوّه في التشيّع أنه هو نفسه أحد رواة حديث (عمر مني وأنا من عمر والحق بعدي مع عمر) وفي رواية (عمر معي وأنا مع عمر, والحق بعدي مع عمر) وقد ذكره أيضاً الذهبي في (الميزان) لكن هذا الموسوي قد أغمض عينيه عنه وتعدّاه إلى ما يهواه, إذ هو ينسف كل مذهبه وما قرره سابقاً. وهذا الحديث وإن كان أيضاً من منكرات ابن لهيعة فليس هو من رواية العبادلة فيرد أيضاً, لكننا ذكرناه لنبين ما رواه ابن لهيعة من الأحاديث التي تردّ على من زعم أنه غالٍ في التشيّع. وحديث (عمر مني وأنا من عمر والحق بعدي مع عمر) أو الرواية الأخرى (عمر معي وأنا مع عمر . . .) روا من طريق ابن لهيعة ابن عدي في (الكامل) (4/1468) وروي أيضاً من طرق أخرى, عند الطبراني في (الكبير) (18/235- 236) (رقم 718), وعزاه الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/25- 26) للطبراني في (الأوسط) أيضاً ولأبي يعلي في (مسنده), ورواه أيضاً القضاعي في (مسند الشهاب) (246), والبيهقي في (دلائل النبوة) (7/179-180) وعنه نقله ابن كثير في (البداية والنهاية) (5/ 231) وقال: (و في إسناده ومتنه غرابة شديدة) إ. ه.

ومن أدلة عدم غلو ابن لهيعة هذا أيضاً وعدم بغضه للصحابة رضي الله عنهم أنه روى حديثاً في فضائل عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو ممن تعدّه الشيعة من أعدائها, والحديث هذا عند الترمذي (4/355) رواه عنه قتيبة بن سعيد, وهو من ثقة ثبت حافظ. .

    51)          عبد الله بن ميمون القدّاح: قال الحافظ في (التقريب): منكر الحديث متروك إ. ه. ولم يوثّقه أحد من أهل السّنّة بل أجمعوا على تضعيفه ورد حديثه, قال البخاري: ذاهب الحديث. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال النسائي: ضعيف. وقال أبو حاتم: متروك. وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج ببما انفرد به. وغير ذلك من ألفاظ الجرح والتضعيف, ثم يأتي هذا الموسوي ويفتري على أهل السّنّة انهم احتجّوا به ووثقوه فله من الله ما يستحق, وأما الترمذي فقد روى له نعم, لكن لم يحتج به لما قدمنا مراراً ان رواية الثقة عن رأو لا تُعدّ توثيقاً له ولا احتجاجاً به سوى ما في الصحيحين, علأوة على ذلك فقد صرّح الترمذي نفسه بتضعيف عبد الله بن ميمون هذا فقال في (جامعه)1/201) بعد ان روى حديثاً لعبد الله هذا: (عبد الله بن ميمون منكر الحديث), فكيف يجرؤ هذا الموسوي ويزعم أن الترمذي احتج به؟

    52)          عبد الرحمن بن صالح الإزدي: صدوق يتشيّع, كماقال الحافظ, ولم يكن عبد الرحمن هذا من الرافضة الغلاة بل كان عنده تشيّع فحسب يتمثل بتنقصه شيئاً ما لعثمان وباقي الصحابة رضي الله عنهم, أما الشيخان أبو بكر وعمر فلم يكن يتعرّض لهما أصلاً, بل جاء عنه أنه قال: (أفضل هذه الأمة بعد نبيّها أبو بكر وعمر), سمعه منه الحافظ الثقة الكبير أبو القاسم البغوي, وذكره الحافظ في (التهذيب) والذهبي في (الميزان), فحأول هذا الموسوي إخفاءه ولكن الله يُظهر الحق رغم أنف المبطلين, فان كان هذا الموسوي يرضى بعبد الرحمن بن صالح هذا فيما يبدو فليُجب إذاً عن تفضيله لأبي بكر وعمر بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم . .

    53)          عبد الرزاق بن همام الصنعاني: قال الحافظ: ثقة حافظ مصنّف شهير عميَ في آخر عمره فتغيّر وكان يتشيّع إ. ه. قلت: لا ريب أن أئمة العلم وحفاظه يحتجون بحديثه إلاّ تلك المناكير التي حدّث بها بعدما كبر وعمي في آخر عمره فتردّ, والتي منها الحديث الذي ذكره هذا الموسوي في الهامش (31/211): (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه) وصحّحه طبعاً لموافقته مذهبه الفاسد من الطعن بصحابة رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم, وفاته ان الذهبي في (الميزان) قد عدّه من منكراته وأباطيله, وكذا ابن عدي في (الكامل), ويكفي في ردّ الإسناد الذي ساقه في الهامش ذاك ان عبد الرزاق رواه بعدما كبر وخلط كما قال الذهبي, هذا أولاً, وثانياً: في الإسناد أيضاً علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف كما قال الحافظ في (التقريب) وغيره, وسيأتي برقم (63). وقد ساق الذهبي في (الميزان) أقوال أهل العلم في إثبات تغيّر وتخليط عبد الرزاق بعدما كبر فأعرض عن ذلك كله هذا الموسوي- المفتري- فمنها:

قال أحمد بن حنبل: أتينا عبد الرزاق قبل المائتين وهو صحيح البصر, ومن سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع. وقال أيضاً في رواية أحمد بن شبويه عن عبد الرزاق: هؤلاء سمعوا منه بعدما عمي, كان يلقن فلقّنه وليس هو في كتبه, وقد أسندوا عه أحاديث ليست في كتبه كان يلقنها بعدما عمي إ. ه. وقال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بآخره, روي عنه أحاديث مناكير إ. ه. وقد حذف هذا الموسوي من عبارة الذهبي التي ساقها من (الميزان) رداً على تضعيف العباس بن عبد العظيم لعبد الرزاق شيئاً مهما ألا وهو قول الذهبي: (بل سائر الحفاظ وأئمة العلم يحتجون به الاّ في تلك المناكير المعدودة في سعة ما روى) إ. ه. وهذا تحريف صريح من الموسوي هذا العاري تماماً من الأمانة في النقل, كما أثبتنا ذلك غير مرة. وأما القصة التي ساقها هذا الموسوي نقلاً من (الميزان) في طعن عبد الرزاق بعمر بن الخطاب, فقد صرّح الذهبي بعدم صحّتها وعدم ثبوتها عنه فاغفله هذا الموسوي عمداً فله من الله ما يستحق. وكيف يمكن لعبد الرزاق هذا, ان يطعن بعمر وهو يفضله على عليّ كما نقله غير واحد من أصحابه, الأمر الذي ينغص على هذا الموسوي الاحتجاج بعبد الرزاق هذا. قال عبد الله بن أحمد سمعت سلّمة بن شبيب يقول سمعت عبد الرزاق يقول: (و الله ما انشرح صدري قط أن أفضل علياً على أبي بكر وعمر, رحم الله أبا بكر وعمر وعثمان, من لم يحبهم فما هو بمؤمن) وقال أيضاً: (أوثق أعمالي حبّي إيّاهم). وقال أحمد بن الأزهر- وهو الذي قال عنه هذا الموسوي نفسه أنه ثقة بالإتفاق في الهامش (30/112)- سمعت عبد الرزاق يقول: (أفضل الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسِهِ, ولو لم يفضّلهما لم أفضلهما كفى بي ازدراء أن أحبّ علياً ثم أخالف قوله).

قلت: فليسمع هذا كل الشيعة ولا يصمّون آذانهم عن هذا الحق الواقع الذي نطق به عبد الرزاق هذا مع تشيّعه, وهو الذي نقله عنه الحافظ في (التهذيب) والذهبي في (الميزان), وذلك الذي أغمض عنه عينيه هذا الموسوي كعادته في الغش والتدليس. وأكثر من ذلك نقل الحافظ في (التهذيب) في ترجمة عبد الرزاق عن أبي دأود قال: سمعت الحسن بن علي الحلواني يقول سمعت عبد الرزاق وسُئل أتزعم أنّ عليّاً كان على الهدى في حروبه؟ قال: (لا, ها الله اذا يزعم عليّ أنها فتنه وأتقلّدها له) إ. ه. فهو حتى لا يراه محقّاً في حروبه ويرى أنها كلها فتنة! فإن كان هذا التشيع هو الذي يزعمه الموسوي فلا مانع عندنا, والا فهذا حال الرجال الذين يسوقهم لنا ويتفاخر بهم أمامنا. ونقل الذهبي في (الميزان) عن أبي بكر بن زنجويه قال: سمعت عبد الرزاق يقول: (الرافضي كافر) إ. ه. فهو إذن غير غال أولاً ويفضل ابا بكر وعمر وعثمان على عليّ ثانياً, كما نقلناه عنه قبل قليل. لكنّه عنده من التشيع بعض التعريض بمعاوية رضي الله عنه, ومعاوية لا يحط من قدره تنقص مثل عبد الرزاق إياه وإنما قد جنى عبد الرزاق على نفسه بذلك.

بقي مما ساقه هذا الموسوي في ترجمة عبد الرزاق حديثان من روايته, وذكرهما في الهامش (30/112): الأول عن ابن عباس أن رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم نظر إلى علي فقال: (أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة من أحبك فقد أحبني ومن أبغضك فقد أبغضني . . الحديث).

وعزاه الموسوي للحاكم في (المستدرك) (3/128), وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.

قلت: وليس هو كذلك. بل منكر ليس ببعيد من الوضع كما قال الذهبي فيما سنبينه, إذ هو من رواية احمد بن الازهر وهو ابو الازهر قال: حدثني عبد الرزاق خلوة من حفظه. قال الذهبي في (تلخيص المستدر) رداً على تصحيح الحاكم لهذا الحديث: (قلت: وهذا وان كان رواته ثقات فهو منكر ليس ببعيد من الوضع, والا لأي شيء حدث به عبد الرزاق سراً ولم يجسر ان يتفوه به لاحمد وابن معين والخلق الذين رحلوا إليه. وابو الأزهر ثقة ذكر أنه رافق عبد الرزاق من قرية له إلى صنعاء, قال: فلما ودعته قال: قد وجب حقك علي وأنا احدثك بحديث لم يسمعه مني غيرك, فحدثني والله. بهذا الحديث لفظاً) إ. ه. قلت: وقد رد هذا الحديث وكذبه أيضاً يحيى بن معين فيما نقله الخطيب في (التاريخ) والحافظ في (التهذيب) في ترجمة أبي الأزهر هذا عن أحمد بن يحيى التستري قال: (لما حدث ابو الازهر بحديث عبد الرزاق في الفضائل- قلت: يعني هذا الحديث- . . . . . اخبر بذلك يحيى بن معين فبينا هو عنده في جماعة من أهل الحديث إذ قال يحيى: من هذا الكذّاب النيسابوري الذي يحدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ فقام أبو الأزهر فقال هو ذا أنا. فتبسم يحيى, فقال: أما انك لست بكذاب وتعجب من سلامته وقال: الذنب لغيرك في هذا الحديث) إ. ه. ونقل الخطيب في (التاريخ) والحافظ في (التهذيب) هناك وكذا الذهبي في (الميزان) في ترجمة أبى الأزهر هذا عن أبى حامد الشرقي أنه قال: (هو حديث باطل والسبب فيه أن معمرا كان له ابن أخ رافضي وكان معمر يمكنه من كتبه فأدخل عليه هذا الحديث وكان معمراً مهيباً لا يقدر أحد على مراجعته فسمعه عبد الرزاق في الكتاب) إ. ه. قال الذهبي عقبه: (قلت: وكان عبد الرزاق يعرف الأمور فما جسر أن يحدث بهذا إلا سراً لأحمد بن الأزهر وغيره) إ. ه. وذكره أيضاً في (الميزان) (2/613) وقال انه أوهى ما أتى به عبد الرزاق ثم قال: (قلت: مع كونه ليس بصحيح فمعناه صحيح سوى آخره ففي النفس منها شيء وما اكتفى بها حتى زاد (و حبيبك حبيب الله وبغيضك بغيض الله والويل لمن أبغضك) فالويل لمن ابغضه هذا لا ريب فهي, بل الويل لمن يغضّ منه أو غضّ من رتبته ولم يحبه كحب نظرائه أهل الشورى رضي الله عنهم أجمعين) إ. ه.

قلت: فقد رد هذا الحديث وكذبه ابن معين وأبو حامد الشرقي والذهبي فيما نقلناه سلفا. بالإضافة إلى ابن عدي في (الكامل) (1/195, 196). وابن الجوزي في (العلل المتناهية) (2/218) وقال: (موضوع ومعناه صحيح, فالويل لمن تكلف وضعه إذ لا فائدة في ذلك) إ. ه. وكذا أورده ابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/398) وعزاه للخطيب البغدادي وقد أخرجه الخطيب (4/414) وذكر من أقوال أهل العلم بتكذيبه ما سبق نقله من قول ابن معين وأبي حامد الشرقي وغيرهما وأقرّهم عليه. وكذا أقرّ هذا الكلام في تكذيب هذا الحديث الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) في ترجمة احمد بن الأزهر إذ ساقه ولم يعقب عليه بشيء. وكل هذا مما يبطل دعوى الحاكم بتصحيحه إذ لم يوافقه على ذلك أحد ولله الحمد, وهو ما نبه عليه أهل العلم كثيرا بتساهل الحاكم وقلة عنايته بالتصحيح, ويبطل أيضاً دعوى هذا الموسوي بموافقة المنصفين- زعم- لعبد الرزاق على هذا الحديث. وقد أعاد ذكر هذا الحديث الموسوي هذا في صفحة (191) من مراجعاته هذه وسنبين في حينها ما في تعليقه هناك في الهامش من المغالطة والغش.

والحديث الثاني: قالت فاطمة: يا رسول الله زوجتني عائلاً لا مالَ له, قال: (أما ترضين أن الله اطلع إلى أهل الأرض فاختار منهم رجلين, فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك) إ. ه. وعزاه للحاكم (3/129) وصححه على شرط الشيخين فأفحش, وقد رواه الحاكم فقال: حدثنا أبو بكر بن أبى دارم الحافظ ثنا أبو بكر محمّد بن احمد بن سفيان الترمذي ثنا سريج بن يونس الإسناد الذي ساقه هذا الموسوي في الهامش (30/112). وقال الذهبي: موضوع على سريج. قلت: وأبو بكر بن أبي دارم هذا- شيخ الحاكم- منهم هو وشيخه محمّد بن احمد بن سفيان الترمذي. أما الترمذي هذا فقد اتهمه باختلاق هذا الحديث صراحة الذهبي (الميزان) (3/457) وقال: (لعله الباهلي) قلت: يعني محمّد بن احمد بن سهيل الباهلي قال أبو زرعة: (هو ممن يضع الحديث) وعلى كل ان لم يكن هو الباهلي فهو اخر متهم بوضع الحديث أيضاً. وأما شيخ الحاكم أبو بكر بن أبي دارم فقد قال عنه الذهبي في (الميزان): (الكوفي الرافضي الكذاب) ونقل عن الحاكم نفسه انه قال عنه (رافضي غير ثقة) إ. ه. وهو ما يبين وهم الحاكم بتصحيحه, فإنّه نفسه قد ضعف شيخه ثم غفل عنه وصحح الحديث, الأمر الذي يجعلنا لا نعتمد على تصحيحه إطلاقا. وقد ذكر ابن أبي دارم هذا أيضاً الذهبي في (تاريخ الإسلام) (8/68), وفي (تذكرة الحفاظ) (3/884) واتهمه بالوضع, وأيضاً اتهمه ابن العماد في (شذرات الذهب) (3/11). هذه حال الطريق الأولى لهذا الحديث والطريق الثانية ذكرها هذا الموسوي أيضاً في الهامش مقطوعة نقلا من (الميزان) رواية أبي الصلت الهروي- وهو عبد السّلام بن صالح- عن عبدالرزاق عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. أخرجه الطبراني في (الكبير) (45111) والخطيب في (تاريخ بغداد) (4/196). وآفته عبد السّلام بن صالح هذا كما قال الذهبي, فإنّه ضعيف جدا وقد كذبه ابن عدي والدارقطني والعقيلي, وقال العقيلي في رواية: رافضي خبيث. وقال النسائي: ليس بثقة. وكذبه أيضاً محمّد بن طاهر. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به اذا انفرد إ. ه.

وله طريق اخرى عن عبد الرزاق رواه عنه ابراهيم بن الحجاج- وهو غير الشامي والنيلي- اخرجه الخطيب البغدادي (4/195), وعزاه في (تنزيه الشريعة) (1/396) لأبي الشيخ وعزاه الهيثمي في (المجمع) (9/112) للطبراني في (الكبير) وذكره الذهبي في (الميزان) (1/26). وضعفوه وهو خليق به إذ ان ابراهيم هذا نكرة لا يعرف كما قال الذهبي, وقال أيضاً: والخبر الذي رواه باطل إ. ه. قلت: يعني هذا. وطريق رابعة عن عبد الرزاق رواه عنه احمد بن عبد الله بن يزيد- في الاصل (زيد) وهو خطأ يتضح لمن راجع ترجمته في (تاريخ بغداد) و(الميزان) وغيرهما- الهيثمي, اخرجه الخطيب البغدادي (4/196) وهو مكذوب أيضاً على عبد الرزاق فأحمد بن عبد الله الهيثمي هذا قال عنه ابن عدي: (كان بسا مرا يضع الحديث)- نقله عنه الذهبي في (الميزان) (1/109). والخطيب في (تاريخ بغداد) (4/219- 220)- وقال الدار قطني- فيما نقله الخطيب- (يترك حديثه) وعده ضمن المتروكين في رسالته بذلك (رقم 68), وقال الذهبي في (المغني): كذاب.

فهذه طرق هذا الحديث فيها خمسة من الكذابين أو المتهمين بذلك. فلم يروه عن عبد الرزاق غير كذاب أو مجهول نكرة أو ضعيف جداً, فكيف يمكن تصحيح هذا الحديث حتى بتعدد الطرق؟؟ وقد حكم عليه بالوضع والكذب أو الضعف والمردود كل من الذهبي والهيثمي- على تساهل- وابن الجوزي في (العلل المتناهية) (1/220-221) وابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/396) وغيرهم.

تنبيه . . . اخرج الطبراني في (الكبير) (11153) وقال: (حدثنا محمّد ابن جابان الجنديسابوري والحسن بن علي المعمري قالا: ثنا عبد الرزاق. . الحديث) بهذا اللفظ نفسه. وفي اسناده سقط ينبغي لنا التنبيه عليه حتى لا يغتر بهذا الاسناد احد ويزعم صحة الحديث استناداً إليه فنقول: قبل ذكر ذلك السقط أود الاسارة إلى ان شيخ الطبراني الأول (محمّد بن جابان الجنديسابوري) لم اجد له ترجمة أبداً, ثم رجعت إلى (المعجم الصغير) للطبراني الذي روى فيه لكل شيخ من شيوخه حديثا واحداً فوجدته هناك في حديث برقم (881) لكنّه قال: (محمّد بن حابان الجنديسابوري) بالحاء المهملة لا بالجيم المعجمة. ولم يتبين لي أيهما الصواب فالاخر هذا لم اجد له ترجمة أيضاً. لكن جهالته هذه لا تضر لمتابعة شيخ الطبراني الاخر وهو الحسن بن علي المعمري. وهو فيه كلام لا يسقط الاحتجاج به, قال الدارقطني: (صدوق حافظ), وقال الخطيب البغدادي: (كان من أوعية العلم يذكر بالفهم ويوصف بالحفظ), وله ترجمة في (تاريخ بغداد) (7/369-372), (تذكرة الحفاظ) (2/667-778), (شذرات الذهب) (2/ 218) , (ميزان الاعتدال) (1894) , وقال الذهبي في (المغني) (1435): (تفرد برفع أحاديث تحتمل له) إ. ه.

لكن السقط الذي أشرنا إليه ما بين الحسن بن علي المعمري وعبد الرزاق , فبينهما طبقتان أو ثلاث, إذ أن الحسن هذا وُلِدَ بعد وفاة عبد الرزاق بسنتين , توفي عبد الرزاق سنة إحدى عشرة ومائتين , وتوفي الحسن بن علي المعمري سنة خمس وتسعين ومائتين وقد بلغ اثنتين وثمانين سنة, أي أنه ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين, فلا يمكن أبداً أن يتلاقيا, ويوضحه الإسناد الذي بعده عند الطبراني في (الكبير) (11154) وفيه بين الحسن المعمري وعبد الرزاق رأو. وهذا كله يبين الخطأ الفاحش الذي جاء في الإسناد الذي فيه التصريح بالتحديث بين الحسن المعمري وعبد الرزاق أن هناك رأو بينهما موجود في الأصل لكنّه سقط في النسخ- وهو الغالب- ويدل عليه أن الهيثمي في (المجمع) (9/112) قد ذكر إحدى طرق هذا الحديث عن عبد الرزاق عند الطبراني في (الكبير) أنها من رواية إبراهيم بن الحجاج الذي قدمنا الكلام عليه, في الوقت الذي يخلو فيه اسنادي هذا الحديث عند الطبراني من ذكر إبراهيم هذا, مما يؤكد سقوطه من أحدهما, ولا مجال لإدخاله إلا في هذا الإسناد لما فيه من السقط فرجع الحديث بذلك إلى رواية إبراهيم بن الحجاج عن عبد الرزاق, والله أعلم بالصواب. .

    54)          عبد الملك بن اعين أخو زرارة: قال الحافظ في (التقريب): صدوق شيعي , له في الصحيحين حديث واحد متابعة إ. ه. فهو أولا ليس من رجال الصحيحين إذ لم يحتجا به بل رووا له فيما تابعه فيه غيره, وقد أقرّ بذلك الموسوي نفسه بما نقله من قول الذهبي: (و اخرجا له مقروناً بغيره في حديث) إ. ه. وقد ذكر الحافظ في (تهذيب التهذيب) الرأوي الذي قرن به عبد الملك هذا, وهو جامع بن أبي راشد, ثقة فاضل ومنه يتبين أن الاعتماد في ذلك الحديث الوحيد الذي له في الصحيحين على جامع هذا في الدرجة الأساس. وثانيا ليس عند عبد الملك هذا من التشيع ما يرد حديثه من الغلو الموصل للرفض والطعن بالصحابة وبغضهم كما هو عند أخويه حمران وزرارة فيما قدمنا من حالهما في ترجمة حمران الذي وصفه أهل العلم بالجرح والتعديل بالرفض وليس التشيع مما يبين أن مرادهم بالتشيّع هو الخفة فيه وعدم الغلوّ وهو الذي يقبل خبره في غير ما يخص بدعته كما قررناه سلفا. .

    55)          عبيد الله بن موسى: ثقة كان يتشيع, ولم يكن هو من الطأعنين بالصحابة قطعاً, ولم ينقل عنه من الغلو في تشيعه ما يوصله إلى الرفض المردود . وإخراج البخاري لحديثه واحتجاجه به من اكبر الأدلة على إنصاف أهل السّنّة وتحريهم للحق بخلاف غيرهم من أهل الرفض والزيغ كهذا الموسوي, فأهل السّنّة يتحرون الصادق في حديثه غير الغالي في بدعته- إن كان مبتدعاً- فهذا يروون حديثه ويحتجون به فيما لا يدخل في بدعته كما قررناه من أصولهم سابقاً , فكما أخرج البخاري لعبيد الله بن موسى هذا مع تشيعه فقد أخرج لعمران بن حطّان الخارجي مادح عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي لصدقه في نفسه مع ما عنده من البدعة, فأهل السّنّة يفخرون بصنيع البخاري هذا وغيره من أئمة أهل السّنّة فهو أكبر دليل على إنصافهم وعدم تعصبهم, الأمر الذي يخلو منه أهل البدع عموماً وأهل الرفض خصوصاً.

    56)          عثمان بن عمير: قال الحافظ في (التقريب): ضعيف واختلط, وكان يدلس ويغلو في التشيع إ. ه. ولم يوثقه أحد من أهل السّنّة . قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) (7/220): (و هو ضعيف بالاتفاق) إ. ه. فلا أدري ما وجه الحجة بإيراد هذا الموسوي له هنا مع إقراره بتضعيف أهل السّنّة له؟ ولا مستند له بنفي إيمان عثمان هذا بالرجعة سوى الإنكار المحض الخالي عن الدليل بعد أن أثبتها عنه ابن عدي وأبو أحمد الزبيري, تلك العقيدة الفاسدة من عقائد الرافضة التي تكلمنا عليها في مقدمة كتابنا هذا. وقد اقتطع هذا الموسوي من كلام الإمام أحمد بن حنبل ما صرح فيه بتضعيف صاحبه عثمان هذا, فقال أحمد: (أبو اليقظان خرج في الفتنة مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن, وهو ضعيف الحديث) إ. ه. فتصرف بكلامه هذا الموسوي كعادته كما يحلو له.

وقد ضعفه إضافة لمن تقدم ذكرهم ومن ذكرهم هذا الموسوي وانطقه الحق به, كل من الدارقطني والنسائي والفلاّس , وقال الجوزجاني في (أحوال الرجال) (23): (سمعت أحمد بن حنبل يقول: هو منكر الحديث وفيه ذاك الداء) وأما احتجاج الموسوي هذا على توثيقه برواية من ذكرهم عنه فهو أوهى من خيط العنكبوت, لما قدمنا مراراً أن رواية الثقة عن رأو لا تعدّ توثيقاً له بالمرّة, كيف إذا انضم إلى ذلك اتفاق أهل الجرح والتعديل على تضعيفه؟ ونقل المباركفوري في (تحفة الأحوذي) (1/119) عن الحافظ المنذري أنه قال عن عثمان هذا: (لا يحتج بحديثه) . ومع ضعف عثمان هذا ففي رواياته ما لا يستقيم على مذهب الشيعة أنفسهم مثل نفي استخلاف النبي صَلّى الله عليه وسلّم لأحد من بعده, علي وغيره, فقد نقل الذهبي في ترجمته من (الميزان) أنّ عثمان هذا قال: حدثنا زاذان عن حذيفة: قلنا يا رسول الله لو استخلفت , قال: (لو استخلفت فعصيتم نزل العذاب, ولكن ما أقرأكم ابن مسعود فاقرؤا, وما حدّثكم حذيفة فاقبلوا أو قال فاسمعوا) إ. ه. وقد رواه عن عثمان شريك القاضي وهو ثقة مقبول عند الشيعة فما عساهم يقولون عن إسناد رجاله ثقات عندهم فيه نفي لأحد أركان عقيدتهم؟؟

    57)          عدي بن ثابت الكوفي: ثقة رمي بالتشيع, كما قال الحافظ وهو قول يشعر بعدم غلوه في ذلك ولا ادل عليه من قول الذهبي الذي نقله هذا الموسوي نفسه: (لو كأنت الشّيعة مثله لقل شرهم) . ولم يحتج أهل السّنّة به فيما يقوي بدعته كما هو مقرر في قواعد هذا العلم الشريف, قال الحافظ في (هدي الساري) (595): (و ما أخرج له في الصحيح شيء مما يقوي بدعته) إ. ه.

    58)          عطية بن سعد العوفي: قال الحافظ في (التقريب): صدوق يخطئ كثيراً كان شيعياً مدلّساً إ. ه. وقال الذهبي في (الميزان): ضعيف . وقد ضعّفه غير واحد , وقول ابن سعد في توثيقه مردود لمعارضته من ضعفه بجرح مفسر واجب الأخذ , فضلا عن ان الموسوي حذف من قول ابن سعد الأخير الذي نقله ما شعر بتضعيفه, قال ابن سعد: (و كان ثقة وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به) إ. ه. فأخفى ذلك هذا الموسوي عمداً لانعدام الأمانة عنده. وقد ضعف عطية هذا أيضاً أحمد بن حنبل وهشيم وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والساجي.

وأما تدليسه فهو من أقبح أنواع التدليس, وقد مر بنا في كتابنا هذا ذكره والتنبيه عليه عدة مرات, فمنه إنّه كان يأتي الكلبي- وهو محمّد بن السائب الكلبي, متهم بالكذب- فيأخذ عنه ويكنيه أبا سعيد فيقول حدثنا أبو سعيد ويوهم أنه أبو سعيد الخدري, نقله الإمام أحمد بن حنبل عن أبي أحمد الزبيري ورواه أيضاً ابن حبان بإسناده في كتابه (الضعفاء) ثم قال عقبه: (لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب) إ. ه. أما زعم هذا الموسوي باحتجاج أبي دأود والترمذي به فهو مردود , فليست رواية الثقة بمن أخرجا عنه ولم يدّعيا ذلك, بل أكثر من هذا نقل الحافظ في (التهذيب) عن أبي دأود أنه قال عن عطية بن سعد هذا, (ليس بالذي يعتمد عليه) إ. ه.

    59)          العلاء بن صالح التيمي: قال الحافظ في (التقريب): صدوق له أوهام إ. ه. ومع ما عنده من أوهام يبقى هو ثقة في العموم, وأما تشيعه فلم يكن عنده من الغلو في ذلك ما يوجب رد حديثه, وإلاّ فلا دليل على خلاف ما قلناه. فهو إذاً من أصحاب البدعة الصغرى الذي يحتج بحديثهم في غير ما يدخل في بدعتهم شأنه شأن من سبق من أمثاله, والله الموفق للصواب.

    60)          علقمة بن قيس النخعي: ثقة ثبت فقيه عابد, وإن ثبت تشيعه فهو فيه كحال أقرانه الذين أشار إليهم هذا الموسوي , مثل أبي إسحاق السبيعي- وسيأتي- والأعمش وزبيد اليامي وقد قدمنا حالهما وأنهما لا يخرجان عن أصحاب البدعة الصغرى, وكحال منصور بن المعتمر- وسيأتي أيضاً- ولا أدل على عدم غلوه من روايته عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه, وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ونحن نتحدى كلّ مخالف بأن يأتينا بدليل واحد على غلو علقمة وأصحابه المذكورين من رواياتهم أو رأيهم, في تنقّص الشيخين أو غير ذلك من الغلو.

    61)          علي بن بذيمة: ثقة رمي بالتشيع, كما فال الحافظ , ولا نريد اعادة ذكر حال أصحاب البدعة الصغرى ومنهم علي هذا فليس في الاحتجاج بهم ما يدخل في بدعتهم مع نفي أي غلو عنهم, ولا دليل على خلاف هذا ولله الحمد.

    62)          علي بن الجعد: ثقة ثبت رُمي بالتشيّع, وهذا لفظ يومئ بخفّته في ذلك, فحاله إذن لا يختلف عن حال سابقه, ولا نرى داعياً لإعادة الكلام.

    63)          علي بن زيد بن جدعان: قال الحافظ في (التقريب): ضعيف. وقد ضعفه غير واحد, ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعثمان الدارمي وابن سعد, وقال أبو زرعة: ليس بقوي, وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به . قلت: يعني لا يحتج به إلاّ إذا تابعه أحد. وضعفه أيضاً النسائي والدارقطني وآخرون. وضعفه هذا بسبب سوء حفظه كما صرح به ابن خزيمة وابن حبان , أما تشيعه فلم يكن عنده من ذلك من الغلو ما يرد به حديثه, كحال من قبل حديثه من المتشيعين السابقين. ومسلّم لم يحتج به منفرداً بل أخرج له في المتابعات, فلا يعد لذلك من شرط مسلّم.

    64)          علي بن صالح, أخو الحسن: حاله في التشيع كحال أخيه الحسن وقد قدمنا من الكلام عليه هناك فراجعه مع أني لم أجد ذكر صراحة علي بن صالح هذا فيمن عنده تشيع أبداً ولا أظنه كذلك والله أعلم, وإن كان فحاله لا يختلف عما سبق بيانه من حال أخيه.

    65)          علي بن غراب: صدوق في نفسه, لكنّه ضُعّف بسبب بدعته هذه التشيع كما قال الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) (12/46) فحديثه مقبول محتج به إلاّ فيما يدخل في بدعته فيرد حتى يوافقه أحد في روايته . وابن سعد أشار في ترجمته إلى ضعفه فقال: (و كان علي صدوقاً وفيه ضعف) إ. ه. ولم يذكره في الشيعة أبداً, فأخفى هذا كله الموسوي عمداً.

    66)          علي بن قادم: حاله كسابقه تماماً فهو صدوق في نفسه لكن عنده بدعة تشيّع , فمن ضعفه نظر إلى بدعته , فلا يقبل خبره فيما يدخل في صلب بدعته, وما سوى ذلك مقبول محتجّ به, والله أعلم.

وكعادته تصرف هذا الموسوي في كلام ابن سعد واقتطع منه ما يهواه وترك الباقي, إذ قال عنه ابن سعد: (و كان ممتنعاً منكر الحديث شديد التشيّع) فاكتفى هذا الموسوي بالوصف الأخير فقط دون الوصفين الأولين اللذين فيهما تضعيف صاحبه بسبب بدعته كما بينا. ومع ذلك يسمون من يتلاعب بالنّصوص هكذا إماماً جليلاً!!

    67)          علي بن المنذر الطرائقي: صدوق يتشيع, وحاله كسابقيه. ومما يدل على عدم غلوه أنه روى حديثاً في فضائل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, رغم انف هذا الموسوي وأشباهه, أخرجه الترمذي (3/385) وقال: حدثنا علي بن المنذر- يعني هذا- وذكر الإسناد أنّ رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم قال لعائشة: (أنّ جبريل يقرئك السّلام. . . الحديث). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, ونحن نقول: فليعتبر المرجفون المجحفون كهذا الموسوي, فإن النسائي قد احتج به من أجل ما ذكرنا من علمه بعدم غلوه, بل ومن علمهم بأنه ممن يحب ويوالي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, ولعنة الله على الظالمين المبغضين لها.

    68)          علي بن هاشم بن البريد: صدوق في نفسه, أنكروا عليه تشيّعه, فما رواه في غير ما يدخل في بدعته يقبل منه ويحتج به, وما كان من صلب بدعته رد عليه, كما روى أحاديث منكرة في فضائل علي رضي الله عنه لم يتابعه عليها أحد فردت عليه, وعلي رضي الله عنه أجل من أن يتكلف بذكر فضائله بالموضوعات المنكرات.

    69)          عمار بن رزيق الكوفي: لا بأس به, ولم يدع أحد أنه من الشيعة أو الرافضة سوى السليماني المذكور فيما نقله الذهبي, ولم يتابعه على ذلك أحد, وقد رد قوله الذهبي نفسه وبين عدم ثبوته, الأمر الذي أخفاه هذا الموسوي وأراد الإيهام بموافقة الذهبي له على ذلك, وهو خلاف الحق الواقع, فلا تبقى له بعد ذلك أيّة حجة بإيراده وقد رد ذلك الإمام الذهبي ولله الحمد.

    70)          عمار بن معاوية: صدوق يتشيع, وقد قدمنا حال أشباهه. وفي كلام هذا الموسوي من المبالغة ما لا يخفى , إضافة لكذبه على العقيلي بأنه ما غمز عماراً هذا إلاّ لتشيعه وهو خلاف الحق, إذ بين الذهبي في (الميزان) بأنه غمزه لما رواه عنه أبو بكر بن عياش أنه سأله: أسمعت سعيد بن جبير؟ قال: لا فغمزه لانقطاع روايته عن سعيد بن جبير لا غير, فلعنة الله على المحرفين المبدلين لكلام القوم.

    71)          عمرو بن عبد الله أبو إسحاق السبيعي: قال الحافظ في (التقريب): ثقةٌ عابد. . . اختلط بآخره إ. ه. قلت: واختلاطه هو تغير قليل كما بينه الذهبي في (الميزان) , ونقل الحافظ في (التهذيب) عن الإمام أحمد أنه قال: أبو إسحاق ثقة ولكن هؤلاء الذين حملوا عنه بآخره إ. ه. وحاله في التشيع كحال من سبقه ممّن عنده بدعة تشيع وقبلهم أهل السّنّة, وعبارة الجوزجاني التي ساقها هذا الموسوي هنا وفي مواضع أخرى تدل على ذلك بكل وضوح, وقطعاً لم يكن السبيعي هذا ممن يطعن بالصحابة ولا يبغضهم, وما عنده من المنكرات فإنما كأنت بسبب اختلاطه وتغيره وبسبب تدليسه أيضاً, وهذا لا يسقط عدالته لكن ترد تلك المنكرات فحسب, ومنها ذلك الحديث الذي سوّد هذا الموسوي ترجمة السبيعي به, وهو حديث باطل موضوع, ولفظه: (مثلي مثل شجرة أنا اصلها وعلي فرعها. . .) رواه يحيى بن بشار الكندي عن عمرو بن إسماعيل الهمداني عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور عن علي. ذكره الذهبي في (الميزان) (3/246) (4/366) وقال: خبر باطل , وعده من الموضوعات كل من: ابن الجوزي في (الموضوعات) (1/397), والسيوطي في (اللآلئ المصنوعة) (1/196), وابن عراق الكناني في (تنزيه الشريعة) (1/365), والشوكاني في (الفوائد المجموعة) (379)، وآفته يحيى بن بشار الكندي وعمرو بن إسماعيل الهمداني، وكلاهما متّهم.

وأما زعم هذا الموسوي أن المغيرة بقوله: (إنما أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعمشكم) يعني به التشيع فهو باطل يدل على جهله، إذ أن المغيرة عنى به التدليس كما بينه الحافظ في (التهذيب) في ترجمة السبيعي هذا وفي غير موضع. وقد بينا ذلك بالتفصيل في ترجمة سليمان بن مهران الأعمش فليراجع. وهذا ما يمنع قبول رواية أبي إسحاق السبيعي هذا إذا عنعن ولم يصرح بالتحديث لأنه مدلس، فمتى صرح بالتحديث قبل فيما وافق فيه سائر الثّقات.

ومن أدلة عدم غلو أبي إسحاق السبيعي هذا وأنه يقدم الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما على غيرهما أنه هو نفسه أحد رواة حديث النبي صَلّى الله عليه وسلّم (لوكنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) عند الترمذي (4/308) وقد رواه هناك أيضاً عبد الرزاق الصنعاني الذي عنده تشيع أيضاً، مما يدل على حقيقة مذهب الشيعة الأوائل وأنهم مع تشيعهم لا يعدلون بأبي بكر وعمر أحداً بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم. وكذلك روى أبو إسحاق السبيعي هذا عند ابن ماجه (456) عن ابن حية- أحد أصحاب علي- قال: (رأيت علياً توضأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثم قال: أردت أن أريكم طهور نبيكم صَلّى الله عليه وسلّم) إ. ه. وهو يخالف مذهب الشيعة المعروف في ذلك مع إضافته للنبي صَلّى الله عليه وسلّم أولاً؛ ولعليّ رضي الله عنه نفسه ثانياً؛ ولأبي إسحاق السبيعي هذا ثالثاً؛ ولله الحمد والمنة.

    72)          عوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي: ثقة, رمي بالتشيع, وهو إلى ذلك لم يكن عنده غلو ولا طعن بالصحابة رضوان الله عليهم فحاله وحال أمثاله قد قدمناه مراراً لا نرى داعياً لإعادته.

    73)          الفضل بن دكين، أبو نعيم: ثقة ثبت لكنّه يتشيع، وبين الذهبي في (ميزانه) أن تشيعه من غير غلو ولا سب، الأمر الذي كتمه هذا الموسوي العاري من الأمانة في النقل تماماً، قال الذهبي: (حافظ حجة إلاّ أنه يتشيع من غير غلو ولا سب) إ. ه. وقد فصلنا حال من عنده تشيع من غير غلو ولا سب وبينا أن هذا ممن يقبل خبره. وروى الخطيب في (تاريخ بغداد) (12/351) ونقله الحافظ في ترجمة أبي نعيم من (التهذيب) عن أبي نعيم هذا انه قال: (ما كتبت عَلَيَّ الحفظة أني سببت معاوية) وأمر بنقل ذلك عنه، وهو ما بين اعتداله في تشيعه وأنه من نوع البدعة الصغرى لا كما افترى هذا الموسوي. يضاف إلى ذلك أنه قد روى حديثين صحيحين عند البخاري (1/62) في إثبات المسح على الخفين، وهو يخالف ما عليه الشيعة الغلاة أيضاً.

(74) فضيل بن مرزوق: قال الحافظ في (التقريب): صدوق يهم ص324، ورمي بالتشيع إ. ه. وعبارة الذهبي التي نقلها هذا الموسوي فيها اقتطاع مهم، اقدم عليه الموسوي كعادته في اقتطاع ما يوافق هواه وترك الباقي. قال الذهبي في (الميزان) عن فضيل هذا: (و كان معروفاً بالتشيع من غير سب) إ. ه. فحذف منها هذا الموسوي نفي السب الأمر الذي يدل على حقيقة مذهبه من محبته لسب الصحابة- لعن الله من سبهم- وإلا فما الذي حمله على هذا؟ أما بالنسبة لفضيل هذا فقد قدمنا حال أمثاله غير المغالين في تشيّعهم أصحاب البدعة الصغرى.

بقي مما جاء في الترجمة هنا أمر أضحكني والله من جهل هذا الموسوي وعمايته، وذلك يتعلق بحديث ساقه الذهبي في ترجمة فضيل من (الميزان) فيه أخبار النبي صَلّى الله عليه وسلّم عن تأمير أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم وهو من رواية زيد بن الحبّاب عن فضيل هذا، ولا ادري ما الذي لم يُعجب هذا الموسوي في الحديث حتى كذبه مع أن فيه فضلاً لعلي رضي الله عنه، لكنّه سارع إلى تكذيبه واتهم زيد بن الحبّاب وأنه اختلقه على فضيل، فقال: (و كذب عليه زيد بن الحبّاب فيما رواه عنه من حديث التأمير) إ. ه. والحال إلى هنا ليس فيه ما يدعو إلى الضحك والسخرية بهذا الموسوي، ولكن الأمر ليس كذلك إذا علمنا أن هذا الموسوي قد ذكر زيد ابن الحبّاب هذا نفسه ضمن هؤلاء الرواة المئة الذين ساقهم (رقم 28) وعده هناك من رجالهم- رجال الشيعة- وطبيعي أن ذكره له يدل على ثقته وصدقه عند هذا الموسوي، وأنه كذلك أيضاً- فيما ادعى- عند أهل السّنّة، ثم عاد هنا وكذبه، أليس هذا مما يدعو إلى الضحك والسخرية بهذا الموسوي وحماقته؟ أليس هو أحق أن يوصف بما هو معروف عند العلماء بأنه (أضل من حمار أهله)؟ نقول: نعم هو كذلك. . .

(75) فطر بن خليفة: صدوق رمي بالتشيع، كما قال الحافظ في (التقريب). وتشيعه لم يكن فيه غلو ولا سب كما صرح به احمد العجلي بقوله: (كان فيه تشيع قليل) نقله الذهبي في (تاريخ الإسلام) في ترجمة فطر هذا ونقله الحافظ في (التهذيب) وفي (هدي الساري) (ص608). وحقيقة تشيعه بينها الساجي- فيما نقله عن الحافظ في (التهذيب)- فقال: (و كان يقدم عليا على عثمان) فهذا ما نقل عنه لا غير، أما الشيخان فلم يكن فطر هذا يعدل بهما أحدا بعد رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، إذ لم يتعرض لهما أصلا.

أما ما زعمه- الموسوي- بجهله من احتجاج البخاري بفطر هذا فليس صحيحاً بل ما روى البخاري لفطر هذا إلا مقرونا بغيره، كما تبينه إشارة الذهبي له في (الميزان)، وهو الذي صرح به الحافظ ابن حجر في (التهذيب) وفي (هدي الساري) (ص608)، وأيضاً ليس له ذكر في البخاري إلا في حديث واحد تابعه فيه الأعمش والحسن بن عمرو عن مجاهد، انظر (هدي الساري) (ص608)، فلا يعد فطر هذا من رجال الصحيح المحتج بهم، كما يعرفه أهل العلم. .

(76) مالك بن إسماعيل: ثقة مُتقن، كما قال الحافظ وتشيعه لم يكن فيه غلو ولا سب وهو قلما يعرف بتشيعه لخفته في ذلك، ومع تشيعه كان يقدم أبا بكر رضي الله عنه على من سواه من الصحابة ويروي من فضائله ما يؤكد ذلك، مثل الحديث الذي رواه عند الترمذي (4/311) أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال لأبي بكر رضي الله عنه: (أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار)و قال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. وقال العلماء في شرحه: أي صاحبه في الدنيا والآخرة. وهذا قد رواه مالك بن إسماعيل نفسه مما يؤكد تقديمه لأبي بكر رضي الله عنه على من سواه- وأيضاً روى مالك هذا حديثا صحيحا في فضائل الزبير بن العوام رضي الله عنه، وهو ممن تبغضه الشيعة وتكفره وصاحبهم مالك- كما يزعمون- يروي في فضائله، أخرج هذا الحديث البخاري في (صحيحه) (5/27) بإسناد مالك بن إسماعيل هذا أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال: (إن لكل نبيّ حواريّ وأن حواريّ الزبير بن العوام) والحواريّ: هو خاصة الرجل من أصحابه وناصره. والحواريّون هم أيضاً: صفوة الأنبياء، انظر (المعجم الوسيط). وهذا كله مما يبين اعتقاد مالك بن إسماعيل هذا وبعده عن الرفض المذموم، بخلاف هذا الموسوي.

(77) محمّد بن خازم، أبو معاوية الضرير: ثقة ثبت، أحفظ الناس لحديث الأعمش وقد يهم في حديث غيره كما مقرر في ترجمته من (التهذيب) و(التقريب) و(الميزان) و(تذكرة الحفاظ) وغيرها، ولم يذكره أحد بغلو مردود إلى الرفض، بل قبول أهل السّنّة له وأخرجهم لحديثه يدل على اعتداله في ذلك، هذا إن صح إدعاء الحاكم في تشيعه وغلوه في التشيع دون الرفض.

(78) محمّد بن عبد الله النيسابوري أبو عبد الله الحاكم: إمام حافظ صدوق صاحب التصانيف، وقول هذا الموسوي (و كلّ من تأخر عنه من محدّثي السنة عيالٌ عليه وهو من أبطال الشيعة وسدنة الشريعة) مبالغة واضحة يريد بها حيازة سبق، ومع ذلك فلو كان الشيعة كلهم مثل الحاكم هذا لقلّ شرّهم، فليس هو رافضياً بل شيعيّ كما بينه الذهبي، وقد قدمنا التفريق بينهما مراراً، ثم أنه لم يكن يتعرض للشيخين أبي بكر وعمر كما حققه الذهبي وغيره، وهو ما أخفاه عمداً هذا الموسوي، وقد روى الحاكم في (المستدرك) أحاديث كثيرة في أفضلية أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، مع تقديم الشيخين أبي بكر وعمر على غيرهما، بل يُستبعد تفضيله لعليّ على عثمان رضي الله عنهما إذ له معارض أقوى لا يقدر على دفعه فإنّه عقد بابا في كتاب الأربعين لتفضيل أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأختصهم من بين الصّحابة رضوان الله تعالى عليهم. وقدم في (المستدرك) ذكر عثمان رضي الله عنه وروى في الفضائل (3/96- 97) حديث عائشة رضي الله عنها قالت: أول حَجَرٍ حجَرٌ حمَله النبيّ صَلّى الله عليه وسلّم لبناء المسجد ثم حمل أبو بكر حجراً ثم حمل عمر حجرا ثم حمل عثمان حجراً، فقلت: يا رسول الله ألا ترى إلى هؤلاء كيف يساعدونك؟ فقال: (يا عائشة هؤلاء الخلفاء من بعدي). وخرج أيضاً في فضائل عثمان (3/97) حديث (لينهض كل رجل منكم إلى كفئه، فنهض النبي صَلّى الله عليه وسلّم إلى عثمان). وهذا كله رواه الحاكم صاحب الشيعة في (المستدرك). وكل ما نُقم على الحاكم أنه أخرج في (المستدرك) أحاديث كثير ليست على شرط الصحة، بل فيه أحاديث موضوعة مستنكرة وقال الذهبي في (الميزان): (إمام صدوق لكنّه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة، ويكثر من ذلك فما أدري هل خفيت عليه فما هو ممن يجهل ذلك) إ. ه. وقال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان): (إنما وقع للحاكم تساهل لأنه سوّد الكتاب لينقحه فعأجلته المنيّة ولم يتيسّر له تنقيحه) إ. ه.

وأعتذر عن ذلك أن الحاكم صنفه في أواخر عمره وقد اعترته غفلة، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب الضعفاء له وقطع بترك الرواية عنهم ومنع الاحتجاج بهم لكنّه أخرج في (المستدرك) أحاديث بعضهم وصححها، وقد مر بنا من ذلك أمثلة أقربها شيخ الحاكم أبو بكر بن أبي دارم وقد مر ذكره في ترجمة عبد الرزاق الصنعاني، فراجعه.

فهذه حال الحاكم وحال تشيّعه، فلم يكن عنده من ذلك سوى بعض الكلام في معاوية رضي الله عنه. وفي (شذرات الذهب) (3/177) عن الذهبي أنه قال: (هو معظّم للشيخين بيقين ولذي النورين وإنما تكلم عن معاوية) إ. ه. وقد ذكر الحاكم نفسه فضائل طلحة والزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين مما يبعد غلوّ التشيّع عنه. ومن اتهمه بأنه رافضي فقد تحامل عليه وبالغ في اتهامه كما فعل ابن طاهر المقدسي، وقد ردّ تهمته هذه الذهبي فجزاه الله خيراً.

(79) محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع: قال الحافظ في (التقريب): ضعيف. وكذا قال الذهبي في (الميزان) ونقل من أقوال أهل العلم بالجرح والتعديل ما بين ضعفه عندهم وردهم لحديثه، من ذلك قول البخاري فيه: منكر الحديث. وقال معين: ليس حديثه بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جدّاً ذاهب، وقال الدارقطني: متروك وله معضلات. فهذه حال صالح سلف الشيعة كما وصفه هذا الموسوي.

ومن معضلات محمّد هذا ومناكيره ذلك الحديث الذي نقله هذا الموسوي من ترجمته في (الميزان)، وفيه قول النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعلي: (أول من يدخل الجنة أنا وأنت، والحسن والحسين وذرارينا خلفنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا) وهو حديث باطل كما بينه الذهبي الذي لم يرض بقوله هذا الموسوي فأعرض عنه وليس عنده من بينة في ذلك سوى التحكم المحض والتحامل القبيح. فقد أخرج هذا الحديث الطبراني في (الكبير) (950) من طريق حرب بن الحسن الطحان ثنا يحيى بن يعلي عن محمّد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده. وحرب ويحيى كلاهما ضعيف منكر الحديث إضافة إلى محمّد بن عبيد الله هذا، فالحديث إذا من رواية ضعيف عن ضعيف عن ضعيف، اجتمع فيه ثلاثة ضعفاء فأنى له الصحة؟ وقد ضعفه إضافة للذهبي الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/131).

(80) محمّد بن فضيل بن غزوان: قال الحافظ في (التقريب): صدوق عارف رُمي بالتشيع إ. ه. ولم يكن عنده من الغلو في ذلك ما يوصله إلى الرفض المردود، بل هو من نوع البدعة الصغرى التي تكلمنا عليها سابقاً، ودليله ما نقل عنه مما يبين بعده عن الرفض الكامل وغلو التشيع، مثل ما رواه عنه أبو هشام الرفاعي قال سمعت ابن فضيل يقول: (رحم الله عثمانَ ولا رحمَ من لا يترحم عليه)قال وسمعته يحلف بالله أنه صاحب سنة رأيت على خفه أثر المسح إ. ه. فها هو ينقل عنه ما يخالف مذهب الشيعة مما يدل على عدم غلوه في ذلك، ذكر ذلك الحافظ في ترجمته من (التهذيب) وفي (هدي الساري) (ص616).

ومما يدل على عدم غلوه أيضاً وتفضيله لأبي بكر وعمر أنه ثبت عنه عند الترمذي (4/308) أنه أحد رواة حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم: (أن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهما وأنعما). وقد تقدم ذكره أيضاً في ترجمة سالم بن أبي حفصة فهو أحد رواته أيضاً.

(81) محمّد بن مسلّم الطائفي: قال الحافظ في (التقريب): صدوق يخطئ. وقد ضعفه الإمام أحمد بن حنبل لسوء حفظه وهو ما بينته عبارة الحافظ فهو جرح مفسر يقدم على تعديل من عدله أولا، وثانيا تقطع به لسان هذا الموسوي بإدعائه أنه انما ضعفه من ضعفه لتشيعه، إذ لم يعده أحد من أهل العلم بالجرح والتعديل من الشيعة إطلاقا، بل هذا ما ادعاه بعض رجال الشيعة كأبي جعفر الطوسي الذي ذكره هذا الموسوي وهو لا يشكل عند أهل السّنّة أية حجة ولله الحمد. فبطلت بذلك دعوى هذا الموسوي.

وأحب أن أنبه هنا إلى أن محمّداً هذا لم يحتج به مسلّم منفرداً بل أخرج له في المتابعات كما قرره الذهبي في (الميزان) والحافظ في (التهذيب)، وذلك بسبب سوء حفظه هذا، وليس له عند مسلّم سوى حديث واحد في جواز أكل المحدث للطعام (1/283) تابعه فيه ابن عيينة وحماد.

    (82)         محمّد بن موسى الفطري: قال الحافظ: صدوق رمي بالتشيع إ. ه. وحاله كحال من قدمنا من أصحاب البدعة الصغرى التي يقبل من أهلها ويحتج بهم في غير ما يقوي بدعته.

    (83)         معاوية بن عمار الدهني: قال الحافظ: صدوق. وقال النسائي وغيره: ليس به بأس . . . فهو ثقة محتج به لكن ليس بالمستوى الذي أظهره به هذا الموسوي مغالياً في ذلك، ثم أني لم أجد أحداً إدّعى أنه شيعي أو عنده تشيع أبداً وما أظنه كذلك، واسمه معاوية يدل على عدم تشيعه وعدم غلو أبيه في ذلك كما قدمنا حاله في ترجمته (برقم70).

وقول هذا الموسوي (احتج به مسلّم) من الخطأ الفاحش الذي يقع فيه من هم بعيدون عن هذا العلم الشريف إذ أن مسلّماً روى لمعاوية هذا لكن ليس محتجا به لوحده بل متابعة، فلا يقال عن مثل هذا احتج به مسلّم، بل هذا ما يزعمه الجهلة، وأهل العلم يفرقون بينهما، ثم إنّه ليس عند مسلّم والنسائي سوى حديث واحد، انظر (صحيح مسلّم) (2/990) تجده هناك قد تابعه في روايته للحديث أبوه عمار بن أبي معاوية الدهني، وانظر كذلك (سنن النسائي) (5/201). .

    (84)         معروف بن خرّبوذ الكرخي: قال الحافظ في (التقريب): صدوق ربما وهم. وليس عنده من الغلو في التشيع ما يوجب رد حديثه، ولم يدّع ذلك أحدٌ، ثم هو أصلا مقلّ من الرواية كما قال الذهبي وكان معروفاً بالزهد وكثرة العبادة رحمه الله . وليس له عند البخاري سوى روايته عن أبي الطفيل عن علي أنه قال: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله. أخرجه البخاري في (صحيحه) (1/44). وليس له عند مسلّم وأبي دأود وابن ماجة سوى حديث واحد عن أبي الطفيل في الحج. فلم يثبت عنه ما يشير إلى غلوه في التشيع ولله الحمد، لذا احتج به أهل السّنّة.

    (85)         منصور بن المعتمر: ثقة ثبت، كان لا يدلّس، قدمه كثيرون على الأعمش، وأما تشيعه فلم يكن عنده من ذلك غلو ولا رفض ولا بغض لأصحاب رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم رغم أنف هذا الموسوي، وحاله في التشيع لا يفرق عن حال الأعمش الذي قدمناه وأنه مع تشيعه يروي كثيراً من فضائل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، شوكة في عيني هذا الموسوي وأشباهه . ومما يدل على خفة تشيعه ما نقله الحافظ في (التهذيب) عن العجلي أنه قال عنه: (و كان فيه تشيع قليل ولم يكن بغالٍ) إ. ه. ونقله أيضاً الذهبي في (تذكرة الحفاظ) و(تاريخ الإسلام). فقول العجلي هذا لا يسع هذا الموسوي ولا أحداً من أصحابه رده، فليس عند منصور هذا من منكرات الرافضة ما يوجب رد حديثه مثل الطعن بالصحابة وبغضهم والقول بالوصاية وغير ذلك من المنكرات الأباطيل. وقول الجوزجاني الذي ساقه قد نبهنا عليه غير مرة أنه من أكبر الأدلة على إنصاف أهل السّنّة، فهم مع بغضهم لبدعة التشيع لا يطعنون بكل من حملها بل يتحرون الصدق مع ذلك، بعكس من سواهم من الرافضة والشيعة المبتدعين الخالين عن الإنصاف تماماً، وأكبر الأدلة على ذلك كتاب الموسوي هذا (المراجعات)، لكنّه هنا يتبجح ويدعو إلى الإنصاف، وهذا دأبهم دائماً كلما فضحهم الله وأخزاهم وأظهر عيبهم تستروا بالدعوة إلى الإنصاف والائتلاف وتوحيد الكلمة وغير ذلك من أقوال الحق التي يريدون بها باطلاً. ولا يضر مثل الجوزجاني في علمه وقدره أنتقاص هؤلاء الجهلاء والحمقى والضّلاّل مثل عبد الحسين الموسوي هذا، وهو أكبر داعية إلى التنابز بالألقاب لكنّه ينكر ذلك الآن لافتضاح أمره . ومن أراد التحقق من حقيقة جهله وحماقته وضلاله فليراجع ردنا عليه في مراجعاته هذه تجد الأمثلة الكثيرة الوافرة- بحمد الله- على ذلك. وأما من أراد التحقق من حقيقة تعصبه وحقده على أهل السّنّة وأئمتهم ونبزهم إياهم بألقاب السوء فليراجع كتابيه (أبوه هريرة) و(المجالس الفاخرة).

وكل ما وصف به أهل البيت أو عليّاً من تلك العبارات إنما هي افتراءات أخذها من الأحاديث المكذوبة التي لفقها أصحابهم الرافضة وقد بيناها هنا فلتراجع.

وتعقيب هذا الموسوي على قول حماد بن زيد: (و ما أظنه كان يكذب) فقال الموسوي (كأن الكذب من لوازم أولياء آل محمّد) نرد عليه بقولنا: إن كنت تعني بأولياء آل محمّد من هم على شاكلتك فنعم والله فإن الكذب من لوازمكم، ولا أدلّ على ذلك من كتاب (المراجعات) هذا بموضوعه الأصلي وبما احتوى من الكذب الصريح الذي بيناه مما لا يخطر على بال ومن لم يصدق فلينظر إلى تعقيباتنا، ثم قد نقلنا في صفحة (251-252) من أقوال أئمتكم في تكذيبكم ما لا يسعكم رده، فما عساكم تقولون؟

    (86)         المنهال بن عمرو: صدوق ربما وهم، ولم أرَ أحداً زعم أنه شيعي غير هذا الموسوي الذي لا تطمئن النفس لادعاءاته. وقول الجوزجاني لم يرد به رد رواياته بل لبيان مذهبه وأنه سيئ المذهب، إن كان يعني به التشيع، والله أعلم. وهو جرح غير مقبول لما لم يكن عند المنهال هذا من الغلو ولا من الرفض ما يستوجب ردّ حديثه.

    (87)         موسى بن قيس الحضرمي: قال الحافظ في (التقريب): صدوق، رمي بالتشيع إ. ه. فهو إذن من أصحاب البدعة الصغرى، ممن يقدم عليا على باقي الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من غير بغض لهم، وهو واضح من قوله الذي نقله هذا الموسوي في ترجمته حين سئل عن أبي بكر وعلي فقال: عليّ أحبّ إليّ، ولم يطعن بأبي بكر رضي الله عنه، فهذا لا يستوجب منه غلوّاً في الرفض.

    (88)         نفيع بن الحارث، أبو دأود: قال الحافظ في (التقريب): متروك وقد كذبه ابن معين إ. ه. فافترى هذا الموسوي على أهل السّنّة بتوثيق نفيع هذا, مع أنه لم ينقل قبوله ولا توثيقه عن أحد علماء هذا الشأن فنعوذ بالله من الكذب والإفتراء الذي يزأوله هذا الموسوي، ويبدو أنه لا بضاعة له غيرها. أما نفيع هذا فقد ضعفه وتركه البخاري والدارقطني والنسائي وأبو حاتم وأبو زرعة والدولابي، وكذبه ابن معين والساجي، وقال ابن حبّان: يروي عن الثقات الموضوعات لا يجوز الإحتجاج به إ. ه. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه، وكذبه بعضهم وأجمعوا على ترك الرواية عنه إ. ه. فليسمع أصحاب هذا الموسوي ولينظروا إلى ما فعل صاحبهم من الإفتراء والكذب الذي لا يخطر على بال أحد أن مؤلفاً يحترم نفسه يقع في مثله. وأما الترمذي فلم يحتج به كما افترى هذا الموسوي، بل روى له فقط ولا يعد ذلك توثيقاً ولا إحتجاجاً به ولا قبولاً له كما هو معلوم عند أهل هذا الشأن، لذا نرى الترمذي نفسه قد صرح بضعف نفيع هذا في (جامعه) (3/370) وضعف حديثه أيضاً.

    (89)         نوح بن قيس: صدوق رمي بالتشيع، كما قال الحافظ فهو إذاً من أهل البدعة الصغرى، لم يكن عنده غلو مذموم، وقد قدمنا حال أمثاله.

    (90)         هارون بن سعد العجلي الكوفي: قال الحافظ في (التقريب): صدوق رمي بالرفض ويقال رجع عنه إ. ه. فحتى على فرض عدم رجوعه عنه فهو من أدلّ الدلائل على إنصاف أهل السّنّة وتحرّيهم للحق والصدق إذ لم يحملهم هذا الاتهام لهارون على عدم إخراج حديثه، مثل ما فعله الإمام مسلّم إذ أخرج حديث هارون هذا في صحيحه، مع خلو مذهب الرافضة من أي إنصاف لأهل السّنّة، لأن حالهم- كحال جميع أهل الأهواء- لا يكتبون إلاّ ما لهم بخلاف أهل العلم- وهو حال أهل السّنّة- فإنهم يكتبون ما لهم وما عليهم كما قاله الإمام عبد الرحمن بن مهدي، ونقل الحافظ في ترجمة هارون من (التهذيب) عن ابن قتيبة- أنه أنشد شعراً لهارون، هذا يدل على نزوعه عن الرفض لذا لم يعده ابن قتيبة- من الرافضة ولا من الشيعة حين ذكرهم في كتابه(المعارف)، وأيضاً هذا هو السبب الذي من أجله أعرض هذا الموسوي عن الاستشهاد بابن قتيبة هنا بخلاف صنيعه في باقي التراجم ومما يدل على عدم غلو هارون هذا ما صرح به الإمام الذهبي في هارون من (تاريخ الإسلام) (الجزء السابع من المطبوع) (ص316) فقال رداً على قول ابن حبّان عن هارون: كان غالياً في الرفض، قال (قلت: لم يكن غالياً في رفضه فإن الرافضة رفضت زيد بن علي وفارقته) إ. ه.

    (91)         هاشم بن البريد: ثقة إلا أنه رمي بالتشيع كما قال الحافظ في (التقريب)، وحاله كحال ولده علي فيما قدمناه (برقم 68) مع ملاحظة أن هاشماً هذا أوثق من ولده أولاً، وتشيعه أقل من ذلك ثانياً، إذ لم يحفظ عنه من المنكرات ما يدل على غلوه، وقد صرح بذلك الإمام أحمد بن حنبل كما في ترجمة هاشم من (التهذيب) فقال: (وفيه تشيع قليل). .

        (92)                      هبيرة بن يَرِيم الحميري: لا بأس به كما قال الحافظ، وقد أقر هذا الموسوي بما نقله من (الميزان) بتضعيف بعض أهل العلم بالجرح والتعديل له، فانظر إلى من وصفه بأنه صاحب عليّ رضي الله عنه ونظير الحارث في ولائه، ومع ذلك فقد قدحوا فيه، وهو وإن كان جرحهم لا يؤخذ مطلقاً إلا أنه يدل على أن فيه كلاماً يمنع من الأخذ بحديثه فيما خالف به من الثقات الحافظين وهو ليس منهم قطعاً، هذا أولاً . وثانياً: مع حاله هذا فإنّه عيب عليه التشيع، مما يمنع قبول حديثه فيما يخص بدعته هذه، كما قد قررناه من قواعد هذا العلم الشريف . . .

    (93)         هشام بن زياد، أبو المقدام البصري: قال الحافظ في (التقريب): متروك، وقال الذهبي حين ذكره في (الكنى): تالف وحين ذكره في الأسماء قال: (ضعفه أحمد وغيره، وقال النسائي: متروك. وقال ابن حبّان يروي الموضوعات عن الثقات، وقال أبو دأود: كان غير ثقة، وقال البخاري: يتكلمون فيه) كل هذا في (الميزان) لكن لم يره هذا الموسوي فيما يبدو، وصدق الله العظيم إذ يقول: {لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أعينٌ لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون}.

وقد ساق الحافظ في ترجمته من (التهذيب) أقوال أهل العلم بتضعيفه وترك حديثه ورده أكثر من هذا وعن آخرين غيرهم، وقد ضعفه الترمذي نفسه الذي روى له- وليس هو توثيقاً له ولا إحتجاجاً به كما زعم هذا الموسوي- فقال (4/47): (هشام أبو المقدام يضعّف). وهذا قال مع تساهله المعروف، فمن أين زعم هذا الموسوي توثيقه عند أهل السّنّة وإحتجاجهم به حتى يورده ضمن هؤلاء الرواة المئة؟

    (94)         هشام بن عمار بن نصير: لم يعده من الشيعة سوى ابن قتيبة، ولا أظنه يثبت إذ لم يتابعه على هذا أحد من أهل العلم. لكن هشاماً هذا عنده مناكير بسبب كبره واختلاطه فكان يلقن الحديث فيحدث به، كما هو مفصل في ترجمته من (الميزان) و(التهذيب)، قال الحافظ في (التقريب): (صدوق مقرئ كبر فصار يلقن فحديثه القديم أصح) إ. ه. وممن أثبت تغيره وحاله هذا أبو حاتم وعبد الله بن محمّد بن سيار الفرهياني، وقال أبو دأود: حدث بأربعمائة حديث لا أصل لها، وأثبت له الذهبي منكرات. من أجل هذا لم يكثر البخاري من الأخذ عنه بل أنتقى منها ما صح وما ثبت أنه من غير تلقين، فلم يخرج له سوى حديثين اثنين بمتابعة قاصرة، وعلق له في (الأشربة) حديثاً واحداً، كما بينه الحافظ في (هدي الساري) (ص625- 626)، وأحاديثه الثلاثة هذه في (صحيح البخاري) في كتاب (البيوع) و(كتاب الأشربة) و(كتاب فضائل أصحاب النبي صَلّى الله عليه وسلّم) لا غيرها. لكن القارعة على هذا الموسوي وأصحابه- والتي أخفاها عمداً هذا الموسوي- أن البخاري قد روى لهشام هذا في واحد من تلك الأحاديث الثلاثة حديثاً في فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه في (كتاب فضائل أصحاب النبي صَلّى الله عليه وسلّم)و هو الذي أشار إليه الموسوي نفسه، وهو حديث يبين بُعد هشام هذا عن التشيّع، أو على الأقل يبين أنه مع تشيعه فإنّه يقدم أبا بكر رضي الله عنه، فإن كان هذا الموسوي يدعي أن هشاماً هذا ثقة عنده لأنه شيعي فليحتج به إذن وليقبله في هذا الحديث عند البخاري (5/6) عن أبي الدرداء رضي الله عنه في حديث طويل، فيه أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم قال يدافع عن أبي بكر رضي الله عنه: (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين فما أوذي بعدها) إ. ه. فهذا فضل لأبي بكر رضي الله عنه لا يدانيه فضل أهل بيت ولا عترة ولا أبي تراب ولا غيره، رضي الله عنهم أجمعين.

وأما ما ذكره هذا الموسوي من موافقة هشام هذا لغيره من الشيعة في قوله أن ألفاظ القرآن الكريم مخلوقة لله تعالى، فينبغي لنا أن نقف هنا عنده وقفة ولو قصيرة لبيان مجمل أمور:

الأمر الأول: أن هشاماً لم يكن يقول بخلق ألفاظ القرآن جملة، بل أنه قال: (لفظ جبريل ومحمّد عليهما السّلام بالقرآن مخلوق) كما نص عليه الذهبي فيما نقله في ترجمة هشام من (الميزان) ومنه نقله هذا الموسوي فدلس تدليساً شنيعاً، إذ القول بأن ألفاظ القرآن مطلقاً مخلوقة هو كالقول بخلق القرآن صراحة، وهو الذي ذهبت إليه الشيعة الرافضة، أما قول هشام وهو أن لفظ المخلوقين بالقرآن مخلوق فهو وإن كان منكراً وشنيعاً وباطلاً ومردوداً إلا أنه غير الأول فهو أخف منه كما سنبينه إن شاء الله.

الأمر الثاني: أن قول هشام بن عمار هذا لو كان نفسه قول الشيعة الرافضة والذي أخذوه من إخوانهم المعتزلة لكان ذلك كافياً في جرح هشام وإسقاط عدالته بالكلية، إذ أن أهل السّنّة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قال ابن أبي العزّ في (شرح العقيدة الطحأوية) (176)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- (مجموع الفتأوى) (12/504)-: (و أئمة الدين كلهم متفقون على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة من أن الله كلم موسى تكليماً وأن القرآن كلام الله غير مخلوق). وقال أيضاً- (المجموع) (12/531)-: (لكن هؤلاء الطوائف كلهم متفقون على تضليل من يقول أن كلام الله مخلوق والأمة متفقة على أنّ من قال كلام الله مخلوق لم يكلّم موسى تكليماً يُستتاب فان تاب وإلاّ يُقتل) . وهاهو الحافظ أبو القاسم الطبري المعروف باللالكائي قد ذكر في كتابه (شرح أصول إعتقاد أهل السّنّة والجماعة) من قال إن القرآن كلام الله غير مخلوق ثم قال عقبه (ص312): (هؤلاء خمسمائة وخمسون نفساً أو أكثر من التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة على اختلاف الأعصار ومضيّ السنين والأعوام وفيهم نحو من مئة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم، ولو اشتغلت بنقل قول أهل الحديث لبلغت أسماؤهم ألوفا لكنّي اختصرت فنقلت عن هؤلاء عصراً بعد عصر لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم إستتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو صلبه) إ. ه. ثم رواه اللالكائي في كتابه ذلك (370، 371) من طريقين عن علي رضي الله عنه نفسه بأن القرآن غير مخلوق ورواه أيضاً البيهقي في (الأسماء والصفات) (ص243)، وهو حجة قاطعة على الشيعة ولله الحمد. وكذا رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما اللالكائي أيضاً (378، 379)، وعبد الرزاق في (المصنف) (15946، 15947، 15950)، والبيهقي في السنن (10/43) عن ابن مسعود رضي الله عنه. وعبد الرزاق هذا قد ذكره هذا الموسوي أيضاً، ضمن هؤلاء الرواة المئة.

وقال شيخ الإسلام- (مجموع الفتأوى) (12/506)-: بل اشتهر عن أئمة السلف تكفير من قال القرآن مخلوق وأنه يستتاب فإن تاب وإلاّ قتل) ثم نقله عن مالك بن أنس والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو- أعني تكفير من قال القرآن مخلوق- قول سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وإسماعيل ابن ادريس وأبو عبيد القاسم بن سلام وسليمان بن دأود الهاشمي وإسحاق ابن راهويه ووكيع بن الجراح وغيرهم كثير، انظر لأقوالهم ما رواه البخاري في رسالة (خلق أفعال العباد) ضمن كتاب (عقائد السلف) (ص119-123)، وما ساقه منها شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتأوى) (12/505-517)، وانظر كذلك ما سيأتي في ترجمة وكيع بن الجراح الذي ذكره هذا الموسوي نفسه.

ونقل شيخ الإسلام في (كتاب الرد على الطوائف الملحدة) ضمن (الفتأوى الكبرى) (6/523) عن علي بن عاصم أنه قال لرجل: (أتدري ما يريدون بقولهم القرآن مخلوق؟ يريدون أن الله تعالى لا يتكلم، وما الذين قالوا إنّ لله ولداً بأكفر من الذين قالوا إنّ الله لا يتكلم لأن الذين قالوا لله ولد شبهوه بالأحياء، والذين قالوا لا يتكلم شبّهوه بالجمادات) إ. ه.

فإذن مذهب الشيعة الرافضة أن القرآن مخلوق، وحكم أهل العلم عليهم كحكمهم على غيرهم ممن وافقهم في مقالتهم الباطلة هذه، أما هشام بن عمار فلم يقل ذلك بل قال: (لفظ المخلوق بالقرآن مخلوق) وهو دون قول المعتزلة والرافضة لكنّه باطل أيضاً، لذا لم يكفّره الإمام أحمد بن حنبل بل اكتفى بتجهيمه أي أن عنده نوع من بدعة الجهمية، ولو كان قوله كقول المعتزلة والرافضة بأن القرآن مخلوق لكفره أحمد بن حنبل وباقي علماء الأمة ممن نقلنا قولهم، ولأسقطوا عدالته وما احتجوا به. وليس هذا موضع بسط الكلام على مسألة خلق القرآن وبيان بطلان من قال به، بل نكتفي بما ذكرناه من أقول أئمة الدين في ذلك وحكمهم فيمن خالفهم فيها، ومن أراد التفصيل فدونه ما كتبه علماء أهل السّنّة والجماعة في ذلك ففيها القول الفصل الشافي إن شاء الله تعالى.

الأمر الثالث: إن قول هشام بن عمار هذا يشبه تماماً ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة رحمه الله في (الفقه الأكبر) (ص47-50) فإنّه قال: (و القرآن كلام الله في المصاحف مكتوب وفي القلوب محفوظ وعلى الألسن مقروء وعلى النبي صَلّى الله عليه وسلّم منزل، ولفظنا بالقرآن مخلوق وكتابتنا له مخلوقة وقراءتنا له مخلوفة والقرآن غير مخلوق . . . كلام الله غير مخلوق وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق والقرآن كلام الله لا كلامهم) إ. ه. وقد نقله أيضاً ابن أبي العز في (شرح العقيدة الطحأوية) (176-177). وهذا كله طبعاً يخالف قول المعتزلة وأفراخهم الشيعة الرافضة القائلين بخلق القرآن صراحةً ولم يكن هشام بن عمار منهم إطلاقاً

بل قوله داخل ضمن أقوال أهل السّنّة لا يكفر به بلا شك بخلاف قول المعتزلة والشيعة الرافضة كما قلناه. , والله الموفق للصواب.

    (95)         هشيم بن بشير: لم يعده أحد من رجال الشيعة غير ابن قتيبة ولا أظنه يثبت لما قدمناه من حال ابن قتيبة، ثم أن الجوزجاني المعروف بتحامله الشديد على من عنده تشيع ولو قليل مع ذلك أثنى على هشيم هذا وقال: هشيم ما شئت من رجل. وإن صح أن عنده تشيع فمن المؤكد أنه من غير غلو ولا تحامل، فليس عنده من المنكرات في ذلك شيء.

    (96)         وكيع بن الجراح: ثقة حافظ عابد، لا تصح نسبة الرفض إليه مطلقاً بل كان عنده تشيع قليل فقط كما نص عليه ابن المديني فيما نقله الذهبي في (الميزان) إذ صرح بقلة تشيعه، وهو الذي أخفاه هذا الموسوي، أما الرفض فلا، ولو ثبت لكان من قوادح وكيع هذا. ألا ترى ان ابن معين قد رد على مروان بن معاوية لمّا اتهم وكيعاً بالرفض، وهذا نقله هذا الموسوي نفسه وهو أكبر دليل يقر به- من غير أن يعلم- ببعد وكيع عن الرفض. وهو في خفة تشيعه وقلته كالحسن بن صالح المشار إليه هذا والذي تقدمت ترجمته في موضعها.

وبمناسبة ذكر مذهب الشيعة من قولهم بأن القرآن مخلوق قبل قليل ذكر الحافظ الذهبي في ترجمة وكيع من (تذكرة الحفاظ) (1/306) عن وكيع أنه قال: (من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر) . فحال هذا الموسوي وأصحابه إما أن يتبرؤا من تشيع وكيع ويطعنون به فلا يبقى لهم حجة به بعد ذلك على أهل السّنّة، وإما أن يتبرؤا من قولهم الضال الكفر هذا.

وقد نقل الحافظ في (التهذيب) عن ابن معين أنه قال أن وكيعاً كان يفتي بقول أبي حنيفة الإمام رحمه الله ورضي عنه، ولو كان وكيع شيعياً بحتاً أو مغالياً لأفتى بقول أئمة العترة كما هو معروف.

    (97)         يحيى بن الجزار العرني: قال الحافظ في (التقريب): صدوق رمي بالغلو في التشيع إ. ه. قلت: وليس عنده من ذلك من المنكرات ما يوصله إلى الرفض المذموم المردود، فهو داخل في أهل البدعة الصغرى كما بيناه . وقول هذا الموسوي عنه: (صاحب أمير المؤمنين عليه السّلام)، قول بلا دليل بل هناك ما يرده إذ نفى الإمام أحمد بن حنبل أن يكون يحيى هذا قد سمع من عليّ رضي الله عنه شيئاً فيما نقله الحافظ في (التهذيب)، وابن أبي الحجاج- وهو ممن تخيله هذا الموسوي من الشيعة- نفى أن يكون يحيى هذا قد سمع من عليّ رضي الله عنه غير ثلاثة أحاديث فقط، فراجع ترجمته من (التهذيب) (11/191-192).

    (98)         يحيى سعيد القطان: إمام متقن حافظ ؛ ولم يثبت تشيعه ولم يصفه بذلك سوى ابن قتيبة وهو غير صائب، نظير اتهام شعبة وسفيان الثوري بالتشيع.

وقد نقل الحافظ الذهبي في ترجمته من (تذكرة الحفاظ) (1/298) ما يدل على بعده عن مذهب الشيعة، مثل قوله: (من قال أن "قل هو الله أحد" مخلوق فهو زنديق) يعني الذين يقولون بخلق القرآن، وقد حشر الموسوي نفسه معهم فشأنه وما أراد، ولسنا نصفه بذلك بل هذا وصف أئمةٍ ورجالٍ قد ارتضاهم هو نفسه. وأكبر من ذلك ما نقله الذهبي في ترجمته هناك عن أبي قدامة السرخسي قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: (كل من أدركت يقولون الإيمان قول وعمل ويُكفّرون الجهمية ويقدّمون أبا بكر وعمر) إ. ه. فهذا يبين مذهب يحيى بن سعيد القطان أولاً، ومذهب كل علماء الأمة وسلفها وأنهم كانوا أبعد ما يكونون عن التشيع والرفض، وأن التشيع لم يكن إلا منبوذاً لوضوح بطلانه وضلاله، فها هو يحيى بن سعيد القطان- الذي يثق به هذا الموسوي- صرح بكل وضوح بمذهب كل من أدركه، وقد أدرك هو- والحمد لله- خلقاً كثيرين بالمئات من شيوخه يقولون بهذا ألا يدل هذا على نبذهم للتشيع وبعدهم عنه؟

    (99)         يزيد بن أبي زياد الكوفي: قال الحافظ في (التقريب): ضعيف، كبر فتغير، صار يلقن، وكان شيعياً إ. ه. وكذا ضعفه لسوء حفظه الذهبي في (الميزان)، ونقلا- هو والحافظ ابن حجر- تضعيفه عن كل من ابن معين وابن المبارك وأحمد بن حنبل والنسائي والدارقطني وابن عدي وأبي حاتم، وقال أبو زرعة: يكتب حديثه ولا يحتج به، وضعفه غيرهم أيضاً، وهو جرح مفسر مبين السبب وهو سوء حفظه أولاً ثم اختلاطه عند كبره ثانياً، وهو ما نرد به سفاهة قول هذا الموسوي: (فقد تحاملوا عليه) إذ أنهم اتفقوا على ضعف حفظه واختلاطه لا تحاملاً كما يقول الحمقى. ثم إنّ يزيداً هذا ليس من رجال مسلّم المحتج بهم، بل أخرج له مسلّم مقروناً بغيره كما صرح به الذهبي في (الميزان) .

ثم رأيت الذهبي قد ذكره في (تاريخ الإسلام) (الجزء السادس من المطبوع) (ص564-565) وقال عنه: (و كان محدثاً مكثراً شيعياً ليس بحجة) ثم نقل تضعيفه عن ابن معين وأحمد وغيرهما.

وأما الحديث الذي ذكره في دعاء النبي صَلّى الله عليه وسلّم على معاوية وعمرو بن العاص- رضي الله عنهما- فلا شك أنه من منكرات يزيد هذا كما عدّه الذهبي في (الميزان) وقال: غريب منكر. فلا يمكن لهذا الموسوي أن يحتج به وهو ينقله من (الميزان) ويقرأ قول الذهبي عنه ثم يعرض عن هذا، أليس هذا تحكماً محضاً عارياً عن الأمانة ؟ وهذا الحديث روى عن ابن عباس وعن أبي برزة، وكلاهما لا يثبت.

أما حديث ابن عباس فقد أخرجه الطبراني في (الكبير) (10970) وفي إسناده عيسى بن سوادة النخعي، قال ابن معين- فيما نقله الذهبي في (الميزان): (كذاب) وكذّبه أيضاً الهيثمي في (مجمع الزوائد) (8/121) فسقط بذلك حديث ابن عباس بالكلية والحمد لله .

وأما حديث أبي برزة فقد اخرجه الإمام أحمد (4/421)، والبزار وأبو يعلى- (مجمع الزوائد) (8/121)- بالإسناد الذي ساقه الذهبي في (الميزان) بزيادة رأو هو أبو هلال بين أبي برزة وبين سليمان بن عمرو بن الأحوص، وهو من رواية يزيد بن أبي زياد هذا عن سليمان به، ولكن ليس فيه التصريح بذكر معاوية وعمرو بن العاص بل قد أبهم فيه اسميهما وقال: (فلان وفلان) فلا حجة فيه عليهما أولاً، ولا يمكن القول بتقوية ذكرهما بحديث ابن عباس السابق لما قدمنا أن في إسناده كذّاباً ثانياً، وثالثاً ضعف إسناده وعدم ثبوته بسبب ضعف يزيد بن أبي زياد هذا واختلاطه مع ما عنده من قبول التلقين فيما بيناه سابقاً، وهو مما لقن بلا شك لوجود رواية أخرى لهذا الحديث من طريق آخر عن شقران مولى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، رواها ابن قانع في (معجمه)- (تنزيه الشريعة) (2/16)- وفيها تسمية الرجلين بأنهما معاوية بن رافع وعمرو بن رفاعة بن التابوت، قال ابن عراق الكناني معقباً عليها: (و هذه الرواية أزالت الإشكال وبينت أن الوهم وقع في الحديث الأول في قوله: ابن العاص، وإنما هو ابن رفاعة وكان أحد المنافقين، وكذلك معاوية بن رافع كان أحد المنافقين) إ. ه. وقد عدّ هذا الحديث في (الموضوعات) غير واحد كابن الجوزي والسيوطي وغيرهما.

   (100)        أبو عبد الله الجدلي: قال الحافظ في (التقريب): ثقة رُمي بالتشيّع إ. ه. قلت: فهو لم يكن من المغالين في ذلك الواصلين إلى الرفض المردود، إذ لم ينقل عنه من ذلك ما ينكر، إضافة إلى أنه قد روى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وعن خير ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، مما يدل على عدم غلوّه في تشيّعه، وإلاّ لما روى عنهما بل لأبغضهما كما تفعل الشيعة اليوم، راجع ترجمته من (التهذيب) ونقل الحافظ هناك قصة دفاعه عن محمّد بن علي بن أبي طالب- وهو محمّد ابن الحنفية- وبين أنها السبب في رمي عبد الله الجدلي هذا بالتشيع، إذ قال: (فمن هنا أخذوا على أبي عبد الله الجدلي هذا بالتّشيّع، إذ قلت: يعني التشيّع- لأنه كان في ذلك الجيش ولا يقدح ذلك فيهما إن شاء الله تعالى) إ. ه. ومما يؤكد عدم غلوّه في مذهب الشيعة ما رأيت له مما رواه من الأحاديث ما أخرجه الترمذي (1/97) . وأيضاً أبو دأود (157) بالإسناد إلى عبد الله الجدلي هذا عن خزيمة بن ثابت عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم أنه سئل عن المسح على الخفين فقال: (للمسافر ثلاثاً، وللمقيم يوماً) إ. ه. وقد مرّ ذكره في ترجمة الحكم بن عتيبة. وهو يخالف تماماً ما عليه مذهب الشيعة اليوم من نفيهم المسح على الخفين مع أنه من رواية من يرضون من الرواة، في الوقت الذي يمسحون على أرجلهم مخالفين بذلك نصّ القرآن الكريم وصريح السنة وصحيحها، وليس هذا موضع بسطه.

هذا ما أردت بيانه من حال هؤلاء الرواة المئة الذين ترجم لهم هذا الموسوي وزعم أنهم من الرافضة وأنهم محتج بهم عند أهل السّنّة، وفيما قدمنا من حال كل واحد منم ما يبين زيف كلامه وكذبه، إذ تبين أن حوالي نصفهم ليسوا من غلاة الشيعة الذي وصل بهم الغلوّ إلى الرفض المذموم المردود، بل لا يتعدّى حالهم حال أصحاب البدعة الصغرى الذي يقبل خبرهم فيما لا يدخل في بدعتهم وهي التشيّع، والتفصيل فيما قدمنا من الكلام عليهم وبينا أنهم من الذين يقدمون الصحابة وبالأخص أبا بكر وعمر . والنصف الباقي من هؤلاء الرواة منهم من لم يثبت تشيّعه إطلاقاً أو عندهم فيما نقلناه في تراجمهم ما يخالف مذهب الشيعة تماماً، وأغلبهم من الكذابين أو المتّهمين أو المتروكين أو الضعفاء الذين لا يحتجّ بحديثهم وإن قيل أنهم من الشيعة أو الرافضة فهؤلاء لم يوثقهم أحد من أهل السّنّة فلا حجة لهذا الموسوي بإيرادهم وقد رددنا عليه في ذلك وفصّلناه والحمد لله، ثم قوله: (و أظن المعترضين سيعترفون بخطئهم فيما زعموه من أن أهل السّنّة لا يحتجّون برجال الشيعة وسيعلمون أن المدار عندهم على الصدق والأمانة بدون فرق بين السّنّي والشّيعي)، يدل دلالةً واضحة على ما نقلناه، فقد أنطقه الحقّ- والحقّ ينطق منصفاً وعنيداً- في بيان إثبات إنصاف أهل السّنّة وتحرّيهم الحقّ والصدق أينما كان، في الوقت الذي يخلو فيه-كما قلنا- مذهب هؤلاء الشيعة من أي إنصاف لأهل السّنّة حتى على وجه المجاملة، بل عندهم من الطعن والسّبّ والبغض لأئمة أهل السّنّة ما يعلمه كل من طالع كتبهم الأصول. ثم إنّ ما اعترف به هذا الموسوي دليل عليه وحجة عليه بما عند أهل السّنّة مما رووه في كتبهم حين قرر هو أن المدار عندهم على الصدق والأمانة بدون فرق بين السّنّي والشّيعي، ثم يناقض نفسه بعدم الأخذ بما في كتب أهل السّنّة من الأحاديث والروايات، أليس هذا عجيباً ؟ نقول: لا عجب إذا استحضرنا ما عند هذا الموسوي من العصبية المذمومة وتحكيم الهوى، بل والتزييف والكذب.

المراجعة (17) س: 

-                   لفّق على شيخ الأزهر كلاماً مفاده أنه مصدق بكل الأدلّة التي وردت في المراجعة الماضية وأن لا مانع لأهل السّنّة من الاحتجاج بثقات الشيعة، ثم نسب إليه أيضاً إيمانه بآيات أهل البيت لكنّه (أي شيخ الأزهر) حار في الجمع بينها وبين ما عليه أهل القبلة (من أهل السّنّة). 

المراجعة (18) ش: 

-                   زعم أن العدول عن أهل البيت في فروع الدين ليس إلاّ جزء من العدول عن إمامتهم العامة، بعد ثبوت النص بها على خلافة عليّ رضي الله عنه بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم، ثم من بعده دريّته. 

الرد على المراجعة (18):

1-                    نقض دعواه هذه إجمالياً.

2-        بيان أصل القول بوصاية عليّ وخلافته للنبي صَلّى الله عليه وسلّم وأنه من صنيع اليهودي ابن سبأ باعتراف أئمة الشيعة أيضاً. 

قوله في الفقرة الثالثة من هذه المراجعة: (و إنما عدل عن أهل البيت في فروع الدين وأصوله ساسة الأمة وأولياء أمورها منذ عدلوا عنهم بالخلافة فجعلوها بالاختيار مع ثبوت النص بها على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب) خرافة لا أساس لها من الصحة، نسجها لهم اليهودي الماكر عبد الله بن سبأ على منوال وصية موسى ليوشع بن نون، وهذا ثابت مستقر- بحمد الله- عند أهل السّنّة، وقد اعترف به أيضاً رجال من أئمة الشيعة مثل الكشي- وقد قدمنا حاله وحال كتابه في مقدمتنا- قال في كتابه (رجال الكشي) (ص101)- مؤسسة الأعلمي بكربلاء-: (و ذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلّم ووالي علياً عليه السّلام وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلوّ، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في عليّ مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة عليّ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وكفّرهم، ومن هنا قال من خالف الشيعة أنّ أصل التشيّع والرفض مأخوذ من اليهودية) إ. ه. ونقل المامقاني إمام الجرح والتعديل مثل هذا عن الكشي في كتابه (تنقيح المقال) (2/184) (إيران). وإمام آخر من ائمتهم وهو النوبختي يقول في كتابه (فرق الشيعة) (ص44) (المطبعة الحيدرية بالنجف 1379ه) عن عبد الله بن سبأ هذا: (و هو أول من أشهر القول بفرض إمامة عليّ عليه السّلام)إ. ه. وذكر مثل هذا أيضاً مؤرخ شيعيّ في مجموعة تاريخ شيعي (روضة الصفا) (2/292) (إيران) أن ابن سبأ بعد أن رسخ قدمه في مصر بدأ يروّج مذهبه ومسلكه، قال: (و منه أنّ لكل نبيّ وصيّاً وخليفةً فوصيّ رسول الله وخليفته ليس إلاّ علياّ المتحلّي بالعلم والفتوى والمتزيّن بالكرم والشجاعة والمتصف بالأمانة والتقى، وقال: إن الأمة ظلمت عليّاً وغصبت حقّه، حق الخلافة والولاية، ويلزم الآن على الجميع مناصرته ومعاضدته، وخلع طاعة عثمان وبيعته) إ. ه. وهو نظير قول هذا الموسوي هنا تماماً، ومنه يعلم تأثير اليهود في الرافضة هؤلاء. وأما دعوى وجود أحاديث تدل على ذلك فهي دعوى باطلة سنبينها إن شاء الله تعالى خلال ردنا على ما زعمه هذا الموسوي فيها في المبحث الثاني من كتابه هذا. .

المراجعة (19): س: 

1-                    شيخ الأزهر يصرّح بأن اتباع مذهب الشيعة أولى من غيرهم (رغم بطلان هذا فيما سبق). 

2-                    إلتماس شيخ الأزهر النّصّ بخلافة عليّ للنبي صَلّى الله عليه وسلّم. 

المراجعة (20): ش: 

1-                    إشارة إجمالية إلى كون عليّ وزير رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في حياته. 

2-                    ذكر ما أسماه بنص الدار يوم الإنذار، ومخرجوه من أهل السّنّة. 

الرد على المراجعة (20): 

1-        نقض ادعائه بوزارة عليّ للنبي صَلّى الله عليه وسلّم وبيان أن أحق الناس بذلك الوصف هو أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. 

2-                    بيان كذب الحديث المزعوم والمسمى بنص الدار يوم الإنذار رغم كثرة من رواه. 

قوله في الفقرة الأولى من هذه المراجعة: (إن من أحاط علماً بسيرة النبي صَلّى الله عليه وآله وسلّم في تأسيس دولة الإسلام. . . يجد علياً وزير رسول الله في أمره . . . إلى آخر كلامه) باطل مردود منبعه من العصبية والتحكم المحض العاري عن الدليل، فأين علي من أبي بكر الصديق رضي الله عنه صاحب رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم وخليفته إذا غاب في حياته وبعد موته رغم أنف المبطلين. وكان أبو بكر الصديق بحضرة النبي صَلّى الله عليه وسلّم يفتي ويأمر وينهى ويقضي ويخطب كما كان يفعل ذلك إذا خرج هو ورسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يدعو الناس إلى الإسلام ولما هاجرا جميعاً ويوم حنين وغير ذلك من المشاهد والنبي صَلّى الله عليه وسلّم ساكت على ذلك ويرضى بقوله، ولم تكن هذه المرتبة لغيره وكان النبي صَلّى الله عليه وسلّم في مشأورته لأهل العلم والفقه والرأي من أصحابه يقدم في المشورة أبا بكر وعمر فهما اللذان يتقدمان في الكلام والعلم بحضرة الرسول صَلّى الله عليه وسلّم على سائر أصحابه مثل قصة أسارى بدر وغير ذلك. وأيضاً فأبو بكر وعمر كان اختصاصهما بالنبي صَلّى الله عليه وسلّم فوق اختصاص غيرهما,و كان أبو بكر أكثر اختصاصاً فإنّه كان يسهر عنده عامة الليل يحدّثه في العلم والدين ومصالح المسلّمين كما ثبت ذلك عن عمر رضي الله عنه: (كان رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يسهر عند أبي بكر في أمور المسلّمين وأنا معه)- أخرجه الإمام أحمد (1/26، 34) والترمذي (1/153- 154)- . .

وفي سفر الهجرة لم يصحب غير أبي بكر، ويوم بدر لم يبقَ معه في العريش غيره، وقال صَلّى الله عليه وسلّم: (إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر. ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتّخذت أبا بكر خليلاً) وهذا من أصحّ الأحاديث المستفيضة في الصحاح من وجوه كثيرة رواه من الصحابة أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وأبو المعلّى وعبد الله بن الزبير وغيرهم- أنظر (مستند الإمام أحمد) (1/270، 359، 377، 389، 409، 412، 433، 434، 437، 439، 455، 463) (2/ 253، 366) (3/18، 478) (4/5، 4، 211-212),(صحيح مسلّم) (4/1854-1855، 1856)، (سنن الترمذي) (4/308، 309، 310)، (سنن ابن ماجة) (93، 94)- وبعض هذه الطرق جاءت ممّن عنده تشيّع وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك خلال استعراضنا لتراجمهم مثل سليمان بن مهران الأعمش وعبد الرزاق الصنعاني وأبي إسحاق السبيعي وغيرهم وقد روى هذا الحديث صحابة آخرون ليس هذا موضع استقصائه.

وبمناسبة ذكر الرواة المتشيّعين- أو الذين عندهم تشيّع- فإن حديث عمر السابق في سهر النبي صَلّى الله عليه وسلّم عند أبي بكر في مصالح المسلّمين، قد جاء من طريق رواة متشيّعين أقرّ بذلك الموسوي نفسُه حين ذكرهم ضمن الرواة المئة السابقين، إذ رواه عن عمر رضي الله عنه علقمة بن قيس النخعي، وقد أقرّ بثقته وتشيّعه هذا الموسوي حين ذكره برقم (60) ورواه عن علقمة إبراهيم بن يزيد النخعي، وهو متشيع أيضاً ذكره هذا الموسوي برقم (2)، ورواه عن إبراهيم سليمان بن مهران الأعمش، وله ذكر عند هذا الموسوي برقم (39). ورواه عن الأعمش أبو معاوية الضرير وهو محمّد بن خازم، ذكره أيضاً هذا الموسوي برقم (77). وانظر إسناده هذا الذي ذكرناه عند الترمذي (1/153-154) وكذا مسند الإمام أحمد (1/26، 34). فلا حجة لهذا الموسوي ولا لأصحابه- والحمد لله- برد هذا الحديث، بعد أن أظهر الله الحق وأزهق الباطل وقطع ألسنة هؤلاء الرافضة.

وقد أقر عليّ رضي الله عنه نفسه باختصاص أبي بكر وعمر بالنبي صَلّى الله عليه وسلّم أكثر من غيرهما وذلك فيما رواه الإمام أحمد (1/109، 112)، والبخاري (197)، ومسلّم (4/1859)، وابن ماجة (98) عن ابن عباس قال: (وضع عمر على علي سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبَيَّ من ورائي فالتفتّ فإذا هو عليّ، وترحّم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحبّ إليّ أن ألقى الله عزّ وجلّ بعمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذلك إني كنت كثيراً ما أسمع النبي صَلّى الله عليه وسلّم يقول جئت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت أرجو أن يجعلك الله معهما) إ. ه. وكذلك سؤال أبي سفيان يوم أحد- لما أصيب المسلّمون- عن النبي صَلّى الله عليه وسلّم وصاحبيه أبي بكر وعمر فقط، فحتى الكفار كانوا يعلمون أن هؤلاء هم رؤوس المسلّمين؛ النبي صَلّى الله عليه وسلّم ووزيراه وإن قيام الدين بهؤلاء.

وكل هذا وأمثاله لا ينازع فيه أحد من أهل العلم بسيرة المصطفى صَلّى الله عليه وسلّم وأقواله وأفعاله وأخلاقه، وإنما ينفي هذا أو يقف فيه من لا يكون عالماً بحقيقة أمور النبي صَلّى الله عليه وسلّم وان كان له نصيب من كلام أو فقه أو حساب أو غير ذلك ومن يكون قد سمع أحاديث مكذوبة تناقض هذه الأمور المعلومات بالإضطرارا عند أهل العلم وسياتي لذلك تفصيل وبيان إن شاء الله تعالى.

ثم ساق هذا الموسوي فيما تبقى من هذه المراجعة حديثاً في نزول قوله تعالى: {و أنذر عشيرتك الأقربين} وزعم أنه من صحاح السنن المأثورة، وهو قول كذب عند كل من كان عنده حظ من علم الحديث والأسانيد، وقد تقدم ذكره عند ذكر هذا الموسوي لهذه الآية (ص220-221) من ردّنا هذا. وبينا هناك ما صحّ من الآثار في نزول هذه الآية أولاً، وثانياً كذب هذه القصة ووضعها التي فصّلها هنا هذا الموسوي، وذلك من جهة إسنادها ومتنها فلتراجع، إذ هي من طريق كذاب أو متّهم بالكذب، أو ضعيف جداً متروك فلا يصح من ذلك شيء ولله الحمد، ولا نريد الإطالة بإعادة الكلام عليها هنا كما يفعل هذا الموسوي، ولا يغترن أحد بكثرة العزو في التخريج الذي ذكره هذا الموسوي فكلها ترجع إلى طريقين أو ثلاثة كما فصّلبناه في موضعه، مع ملاحظة أنه قد ذكر هنا مصادر التخريج بشكل قبيح، إذ يذكر المصدر لأكثر من مرة وبألقاب مختلفة ليوهم كثرة المصادر التي روته، من ذلك أنه ذكر ابن جرير أولاً ثم عاد فذكره مرةً ثانيةً وسمّاه الطبري في تفسيره وتاريخه وهو تكرار واضح وعمل قبيح يراد به التمويه للكثرة، وقد أشرنا إلى إخراج ابن جرير الطبري لهذه القصة في تفسيره عند الكلام عليها أولاً ونضيف هنا أنه رواها أيضاً في (تاريخه) (2/319، 321) من طريقين فقط لا أكثر بخلاف زعم هذا الموسوي، الأول منهما هو نفس الإسناد في تفسيره الذي تكلمنا عنه أولاً، والثاني هو نفس إسناد الإمام أحمد في مسنده الذي تكلمنا عليه أيضاً هناك فاستغنينا عن الإشارة إليه لوحدة الإسناد.

وهاك استعراض لكل من ذكرهم مع بيان موضع ذكرنا له:

أما ابن إسحاق فقد ذكرنا إسناده في صفحة (224) ومثله ابن جرير- وهو الطبري- وابن أبي حاتم، وأما ابن مردويه وأبو نعيم فهو منقول من (كنز العمال)، ومثله الثعلبي بعد ذلك، والبيهقي في (سننه) و(دلائله) تقدم في (ص224- 225)، وأما بالنسبة لابن الأثير فقد ساق في كتابه (الكامل) (2/60) القصة الصحيحة الثابتة في نزول قوله تعالى {و أنذر عشيرتك الأقربين} التي ذكرناها في (ص222-223) وقد قدمها ابن الأثير على سائر الروايات مما يُشعر بأنه الصحيح عنده لا غيره كما هي عادته، ثم ساق في (2/62) هذه القصة المكذوبة من دون إسناد ولا تصحيح بل كعادتهم في استقصاء الروايات مع مراعاة تقديم الصحيح، فيكف تصحّ دعوى أنه أرسلها إرسال المسلّمات ؟ لا والله ما هكذا تكون الأمانة العلمية.

وأبو الفداء المذكور هو ابن كثير وقد تقدم ذكر ما ساقه من إسناد هذه القصة في تاريخه (البداية والنهاية) و(تفسيره) (ص224) أيضاً، أما أبو جعفر الإسكافي في (كتابه) (نقض العثمانية) فهو مجرد ناقل لا يروي بإسناد ولا يراعي صحةً ولا ثبوتاً فلا يصح العزو إليه، وكتاب الحلبي (السيرة) شأنه شأن كتاب ابن الأثير (الكامل) السابق ذكره. ثم سائر الباقين ؛ الطحأوي والضياء المقدسي وسعيد بن منصور مع أحمد بن حنبل كلهم قد رووا الرواية المختصرة لهذه القصة التي فيها فقط الخلافة في أهله صَلّى الله عليه وسلّم وهي خارج موضوع البحث كما قدمنا تفصيل الفرق بينهما في صفحة (226- 227) فليراجع.

وبهذا الإستعراض التفصيلي تبين دجل هذا المدعو عبد الحسين في محأولته تقوية القصة المكذوبة بكثرة المخرجين لها وإخفاء كونهم رووها- على كثرتهم- من طريق أو طريقين مكذوبين، والحمد لله على توفيقه.

المراجعة (21) س: 

التشكيك في صحة سند نصّ يوم الدار. 

المراجعة (22) ش: 

1-                    سوقه لسند زعم أنه يخص تلك الحادثة. 

2-        طعنه بالشيخين صاحبيّ الصحيح وبالأخصّ البخاري لعدم إخراجهم لهذا النصّ وأن لهم مذهباً معروفاً في كتمان العلم- كما زعم- واتهامه البخاري حتى في سريرته. 

الرد على المراجعة (22): 

1-                    كشف كذبه بأن السند الذي ذكره ليس للفظ الذي ساقه في المراجعة (20)، بل هذا اللفظ لم يصححه أحدٌ أبداً. 

2-                    تبرئة صاحبي الصحيح مما اتهمهما به. 

3-                    بيان أن أكثر الطوائف كتماناً للعلم والحق هم الرافضة أمثال هذا الموسوي. 

زعم في أول كلامه في هذه المراجعة تصحيح أهل السّنّة لتلك القصة المكذوبة والتي فيها التصريح بنيل عليّ الولاية العامة، وهو باطل وكذب وما أشار إليه من تصحيح ابن جرير نقلاً من (كنز العمال) فعلى فرض ثبوته فان صاحب الكنز، وكذا في (منتخب الكنز) ذكرا تصحيح ابن جرير للرواية الثانية التي فيها قول النّبي صَلّى الله عليه وسلّم (من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون خليفتي في أهلي) دون الرواية الأولى والتي كذبها وأشار إلى ضعفها كثيرون منهم حتى صاحب الكنز الذي لم يشر إليه هذا الموسوي لانعدام الأمانة عنده تماماً. والرواية التي صححها ابن جرير فيها التصريح كلّ التصريح بقصر ولاية عليّ على أهل بيت النبي صَلّى الله عليه وسلّم الأمر الذي استبعده هذا الموسوي لحماقته وما علم أنه قد جاء التصريح بذلك في هذه الرواية، فراح يستبعد وروده وإمكانه كما في المراجعة القادمة (24). ومع ذلك فقد بينا فيما سبق لكل من كان عنده عقل يعي ويفهم عدم ثبوت حتى هذه الرواية الأخرى التي فيها قصر ولاية عليّ على أهل البيت لضعف إسنادها وعدم أنتهاضها للاحتجاج رغم تصحيح ابن جرير لها مع أنّ في ثبوتها ما لا يضير كما قلنا.

لكنني أؤكد مرة أخرى إن أحداً من أهل السّنّة لم يصحح إطلاقاً تلك الرواية المكذوبة الأولى والتي ذكرناها سابقاً والتي فيها التصريح بولاية عليّ العامة على كل الناس، ونتحدى أصحاب هذا الموسوي في إثبات ذلك، أما الرواية التي صححها ابن جرير فهي وإن كأنت لا تثبت كما بيناها فليس فيها أيّ من دعأوى الشيعة الباطلة في الولاية والوصاية العامة ولله الحمد.

ولعدم تمكّن هذا الموسوي المفتري من إثبات الرواية الأولى التي ساق لفظها أولاً عدل عنها إلى ذكر إسناد الرواية الأخرى الأصغر منها ظنّاً منه أنه بذلك يتمكن من خداع أهل السّنّة في ثبوتها. يوضح ذلك أنه حين ساق لفظ هذه القصة في (المراجعة-20-) ذكر اللفظ الذي فيه ذكر الولاية والوصاية العامة، ثم لما طولب بذكر إسنادها ذكر إسناد الرواية الأخرى التي فيها قصر الولاية والوصاية على أهل البيت لعلمه بوجود كذاب في سند الرواية الأولى، ألا لعنة الله على المحرّفين المبدّلين، ونحن لا نستبعد هذا من هذا الموسوي وأمثاله إذ أنهم تجرّأوا حتى على تحريف القرآن الكريم.

فالإسناد الذي ساقه إذن في هذه المراجعة هو لتلك الرواية التي تنصّ على خلافة عليّ للنبيّ صَلّى الله عليه وسلّم في أهله فقط، وقد سقناه هناك، هذا أولاً.

وثانياً. . حتى هذا الإسناد لهذه الرواية مع أنه لا يضيرنا صحته فليس بصحيح إطلاقاً ولا ثابت فقد قدمنا عند كلامنا على هذا الإسناد (ص226) ما عند شريك القاضي من سوء الحفظ، وكذلك حال الأعمش إذا دلّس فروى بالعنعنة دون التصريح بالتحديث كما واقع هنا، لكن الأكبر من ذلك هو ضعف عبّاد بن عبد الله الأسدي الذي حأول هذا المفتري أن يوهمنا بأنه عبّاد بن عبد الله بن الزبير بن العوام وأنه ثقة من رجال الصحيح، بينما هو الآخر الأسدي الكوفي الذي له رواية عن عليّ وروى عنه المنهال بن عمرو كما في إسنادنا هذا وهو الضعيف، والأول ليس له رواية عن عليّ ولم يرو عنه المنهال، ويتأكد ذلك من مراجعة ترجمتيهما في (تهذيب التهذيب) (5/98) وميّز بينهما ابن حجر هناك، وقد أشرنا إلى فعل هذا الموسوي من الغش والتدليس هنا في (ص228- 229).

فقد كذب هذا الموسوي هنا أولاً في ادعائه أن هذا الإسناد الذي ساقه لتلك الرواية التي ذكر لفظها، وكذب ثانياً في زعمه صحة هذا الإسناد وإنّ عباد بن عبد الله الذي فيه هو الثقة ابن الزبير بن العوام، ثم كذب ثالثاً في اتهامه صاحبيّ الصحيح البخاري ومسلّم وغيرهما من أهل السّنّة بأنهما لم يخرجا هذه الرواية لمخالفتها لرأيهم- زعم- وقد قدّمنا أن ذلك كان لعدم مجيئها من طريق صحيح إطلاقاً، ولله الحمد. ثم لم يكتف هذا الموسوي في اتّهامه بهذا الحد بل قال عن أهل السّنّة: (و إن كثيراً من شيوخ أهل السّنّة كانوا على هذه الوتيرة يكتمون كل ما كان من هذا القبيل ولهم في كتمانه مذهب معروف. . . وعقد البخاري لهذا المعنى باباً في أواخر كتاب العلم من الجزء الأول من صحيحه فقال (باب من خصّ بالعلم قوماً دون قوم) إ. ه. قلت: وهذا اتّهام آخر لأهل السّنّة وعلمائهم بأنهم كانوا يكتمون العلم، نظير اتّهام هؤلاء الرافضة الضّلاّل للصحابة بأنهم كتموا وصية النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعليّ، وهذا دأب كل المبطلين مع أهل العلم، فما فعله أهل السّنّة لا يعد كتماناً للعلم بل نشر للعلم بين أهله المستحقّين له حتى يحقق الغرض منه، ويدل على ذلك نفس لفظ ترجمة البخاري في بابه ذاك الذي اقتطع منه هذا الموسوي ما يبين سبب فعل ذلك إذ قال البخاري (1/44) (باب من خصّ بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا) فالسبب في ذلك أولاً خشية عدم فهم هؤلاء، ثم هو ليس كتماناً مطلقاً بل إعطاؤه لبعضٍ دون بعض، وأيضاً لأهل السّنّة في ذلك أدلة منها ما أخرجه البخاري نفسه في ذلك الباب، ومنها قول عليّ رضي الله عنه نفسه الذي يشكّل لطمةً على وجه هذا الموسوي وأصحابه من جهة إسناده ومتنه، أما إسناده عند البخاري فقد رواه شيخ البخاري عبيد الله بن موسى عن معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن عليّ قال: (حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله) فإسناده رجالٌ كلهم عندهم تشيّع، أقرّ بذلك هذا الموسوي نفسه وبثقتهم حين ذكرهم ضمن الرواة المئة السابقين فراجع تراجمهم في مواضعها هناك، ومتنه في دليل لما ذهب إليه أهل السّنّة من تخصيص بعض العلم لقوم دون قوم، وهو حجة على هذا الموسوي لا يمكنه- ولله الحمد- دفعها لأنها من قول عليّ أولاً. ومن إسناد كلهم شيعة قد ارتضاهم هذا الموسوي نفسه فما عساه يقول؟؟

ثم إنّ أهل السّنّة لا يقولون بذلك مطلقاً في كل أبواب العلم بل في ما يؤدي ظاهرها إلى ذلك مثل الأحاديث التي في ظاهرها الخروج على السلطان أو أحاديث الفتن ونحوها، قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (1/300): (و ضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم) إ. ه. أما عند الرافضة المخذولين أصحاب هذا الموسوي فتجد كتمان العلم كله وإظهار الباطل وطمس الحق، ولا أدلّة على ذلك من مذهب التقية القائلين به، ونحن نسأل: من الذي يجعل أصول دينه قائمةً على إخفائها وطمسها والتظاهر بخلافها؟ أليسوا هم الشيعة الرافضة الضّلال؟ فإن كان هذا الموسوي قد نقل من (صحيح البخاري) ما يظن- بحماقته- أنه دليل على كتمان أهل السّنّة للعلم- مع أنه ثابت عن عليّ نفسه- فنحن ننقل له ولأصحابه نصّاً قاطعاً من أهم كتبهم فيه التصريح بالأمر بكتمان لا العلم وحده بل الدين كله، ألا وهو ما رواه ثقة إسلامهم الكليني في (الكافي في الأصول) (باب التقية) (2/222) (طبعة إيران) عن جعفر الصادق أنه قال لأحد شيعته: (يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزّه الله ومن أذاعه أذله الله). وأما نحن أهل السّنّة فنقول بقول الله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} وصدق الله العظيم.

ثم عاد هذا الموسوي فاتّهم في الفقرة الثالثة هنا البخاري وفي سريرته أيضاً تجاه عليّ وأهل البيت وهو ما أشرنا إليه في (ص253- 254) وقلنا إن هذا أمر ما ادعاه أحد حتى رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم بأنه يعلم سريرة أحدٍ من الناس، فكيف تسنّى لهذا الموسوي أن يعلم سريرة البخاري؟

ثم هو مناقض لما سبق من قوله (ص76) بأن البخاري قد أخرج لأناس رافضة مبغضين لأبي بكر وعمر، وهذا شأن كل أهل الأهواء غايتهم رد الحق ودفعه وإن كان في ذلك من التناقض ما لا يخفى، والله المستعان على ما يصفون,

المراجعة (23): س: 

موافقة شيخ الأزهر في ثبوت ذلك الحديث لكنّه اعترض ببعض الإعتراضات الواهية وأقواها أن الحديث يدل على الخلافة الخاصة في أهل بيته صَلّى الله عليه وسلّم. (يريد بهذه الإعتراضات الواهية التي لفقت على شيخ الأزهر الصادرة على الإعتراضات الصحيحة لأهل السّنّة ومنها سقوط الحديث عن الإحتجاج). 

المراجعة (24): ش: 

1-                                         زعمه صحة هذا الحديث عند أهل السّنّة ومن ثم احتجاجه به عليهم. 

2-                 زعمه كذلك ان الخلافة الخاصة منفية بالإجماع وأن كل من قال أن علياً خليفة رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في أهله قائل بخلافته العامة

3-                                         ثم ادعى توالي النّصوص بعد ذلك في هذه الخلافة المزعومة. 

الرد على المراجعة (24): 

1-                                         تكذيبه في صحة هذا الحديث عند أهل السّنّة

2-                                         الإشارة إلى ما تقدم من النصّ الصريح في إثبات الخلافة الخاصة وهو ما ينقض قوله. 

3-                                         إدعاء توالي النّصوص إدعاء بلا ضابط ولا تحقق. 

قوله في الفقرة الأولى من هذه المراجعة عن أهل السّنّة: (فنحن نحتج عليهم بهذا لصحته من طريقهم) قد قدمنا كذبه في ادعاء صحته عند أهل السّنّة سواء باللفظ الذي ساقه لتلك الرواية والتي فيها التصريح بالولاية والوصاية العامة أو باللفظ الآخر فلا وجه لإعادته هنا.

ومن نظر في هذه المراجعة وأمثالها تبين له كذب موضوع هذه المراجعات والمناظرات من أساسها، إذ واضح من سياقها أنه هو نفسه- هذا المفتري المبطل- الذي يفترض الإعتراضات ويجيب عنها وقد فصّلنا ذلك في مقدمة كتابنا هذا.

ثم قوله في الفقرة الثانية بأن (كل من قال بأن علياً خليفة رسول الله في أهل بيته قائل بخلافته العامة، وكل من نفى خلافته العامة نفى خلافته الخاصة) لا يثبت ولا يقدر هو على إثباته، فكل ما عنده عدم علمه بذلك واستبعاده له، وهو لا يشكل في ميزان الحق شيئاً، كيف وقد قدمنا لك نص الرواية الأخرى لتلك القصة وفيها التصريح بخلافة عليّ رضي الله عنه للنبي صَلّى الله عليه وسلّم في أهله فقط، وهي التي لم يذكرها ولم يصرح بها هذا الموسوي فكتمها تحقيقا لمذهبه الفاسد ودليلاً على ممارسته لكتمان الحق، ذلك الوصف الذي غمز به علماء أهل السّنّة زوراً وبهتاناً وهانحن نعطيك دليلاً على ممارسة هذا الموسوي نفسه لهذا الكتمان.

فلا يُنظر بعد ذلك إلى استبعاد هذا الموسوي قصر ولاية عليّ في أهل البيت فقط بعد أن بينا مجيئها بالنص على ذلك في الحديث السابق، مع أنه أيضاً لا يثبت ولا يصح كما فصلناه، ولا يبقى بعد ذلك أيضاً أي وجه لدعوى: ان لا قائل بالفصل، والحمد لله رب العالمين.

ثم زعمه في الفقرة الثالثة أن هناك نصوصاً كثيرة متوالية يؤيد بعضها بعضاً- زعم- على هذه الولاية العامة باطل وهو يدّعيه بلا ضابط ولا تحقق وسنفصّل الردّ عليه في ذلك إن شاء الله في حينها.

المراجعة (25): س: 

   طلب شيخ الأزهر المزيد من النّصوص في خلافة عليّ. 

المراجعة (26): ش: 

1-                                         سياق حديث ابن عباس في بضع عشرة فضائل لعليّ رضي الله عنه. 

2-                                         زعمه دلالته على المدّعي (أي دلالته على خلافة عليّ ((رض)). 

3-                 اعتماده بشكل كبير على تشبيه منزلة عليّ من النبي صَلّى الله عليه وسلّم بمنزلة هارون من موسى وما استنتجه من ذلك. 

الرد على المراجعة (26): 

1-        بيان ضعف هذا الحديث بياناً واضحاً شافياً مع احتوائه فضائل لباقي الصحابة أقدم على حذفها هذا الموسوي من نص الحديث. 

2-                    نقض ما استنتجه من الحديث ببيان تفصيلي خصوصاً في مسألة المنزلة. 

ساق في هذه المراجعة حديثاً عن ابن عباس رضي الله عنهما فيه لعليّ رضي الله عنه بضع عشرة من الفضائل كان قد أشار إليه قبل قليل، وعزاه للإمام أحمد في (مسنده) وللحاكم في (مستدركه) وللنسائي في (خصائص علي) وقال: (و غيرهم من أصحاب السنن بالطرق المجمع علي صحّتها) وهو كذب واضح لا يخفى على أهل العلم فهوه أولاً ليس عند أحد من أصحاب السنن في سننهم، وهذا الموسوي لا يستحي من مثل هذا الكذب، وثانياً ليس مجمعاً على صحته بل هو ليس بصحيح إطلاقاً، فإسناده ضعيف لا يثبت وهذا الحديث منكر مردود كما سنبينه إن شاء الله، وقد أخرجه الإمام أحمد (1/330-331)، والحاكم (3/132-134) والنسائي في (خصائص علي) (ص61-64)، والطبراني في (الكبير) (12593) وابن أبي عاصم في (السنة) (1351)، وهو من طريق أبي عوانة عن أبي بلج- وهو يحيى بن سليم أو ابن أبي سليم- عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس. وعلّته يحيى بن سليم أبو بلج هذا فإنّه وإن كان في نفسه صدوقاً لكنّه ضعيف من قبل حفظة يأتي بمنكرات وبلايا بسبب ضعف حفظه، قال الجوزجاني وأبو الفتح الإزدي: غير ثقة، وقال احمد: روى حديثاً منكراً. وقال ابن حبان: كان يخطئ. وقال البخاري: فيه نظر. قلت: وأهل العلم بالجرح والتعديل يعلمون أن قول البخاري في حق أحد من الرواة: فيه نظر، يدل على أنه متهم عنده- وهذا خاص بالبخاري وحده- وكذا إذا قال: فلان سكتوا عنه.

قال الذهبي في (الميزان) في ترجمة عبد الله بن دأود الواسطي التمّار (2/415-416): (و قد قال البخاري: فيه نظر، ولا يقول هذا إلاّ فيمن يتّهمه غالباً) إ. ه. ونقل أيضاً في ترجمة البخاري من (سير أعلام النبلاء) (12/441) عن البخاري نفسه: (حتى أنه قال إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو متّهم واهٍ. وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله إني اغتبت أحداً، وهذا هو والله غاية الورع) إ. ه. وقد قرر مثل هذا أيضاً العراقي في (شرح الألفية) (2/11)، والحافظ السخأوي في (شرح الألفية) أيضاً (ص161)، وقبلهما الحافظ ابن كثير في (اختصار علوم الحديث) (ص106) قال: (. . . من ذلك أن البخاري إذا قال في الرجل: (سكتوا عنه) أو (فيه نظر) فإنّه يكون في أدنى المنازل وأردئها عنده، ولكنّه لطيف العبارة في التجريح فليُعلم ذلك) إ. ه.

ومما سبق يُعلم أن توثيق من وثّق أبا بلج هذا كابن معين وغيره ليس توثيقاً مطلقاً بل فيما وافق فيه الثقات، وإن ضعفه هذا لا لعلة في نفسه بل لضعف حفظه ألا ترى ان ابن معين نفسه قد ضعّفه أيضاً؟- نقله الحافظ ابن حجر في (التهذيب) فقال: ونقل ابن عبد البر وابن الجوزي أن ابن معين ضعّفه- وهذا الحديث مما انفرد به أبو بلج هذا فلم يتابعه عليه أحد في روايته عن عمرو بن ميمون، قال أبو نعيم في (الحلية) (4/153) لما ذكر طرفا يسيراً من هذا الحديث: (لم يروه عن عمرو إلا أبو بلج) إ. ه.

فيبقى هذا الحديث إذن من منكرات أبي بلج هذا، وقد حكم عليه بذلك الذهبي نفسه في (الميزان) في ترجمة أبي بلج هذا وقال: (و من مناكيره: عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس أن النبي صَلّى الله عليه وسلّم أمر بسدّ الأبواب إلاّ باب عليّ رضي الله عنه، رواه أبو عوانه عنه) إ. ه. قلت: وهو طرف يسير جداً من هذا الحديث، فيُستبعد بعد ذلك تصحيح الذهبي له.

وحتى يطمئن أهل السّنّة لما قررناه من ضعف إسناد هذا الحديث وصحة ما قلناه في أبي بلج نذكّرهم بأن الإمام أحمد قال عنه: روى حديثاً منكراً، ولا أظنه يعني إلا هذا بدليل أن الذهبي ألحقه بما قال عنه: من مناكيره، ثم إن أبا بلج هذا كان علّة ضعف إسناد أثر ابن عمرو المعروف في فناء النار، وبه ردّ أهل العلم ثبوت ذلك الأثر واستبعدوه مثل الحافظ الذهبي في (الميزان) وعدّه من بلايا أبي بلج، ومثل المحدث الشيخ الألباني في (الضعيفة) (2/72) وفي تحقيقه لرسالة الصنعاني (رفع الأستار) (ص82) (هامش رقم 42) وغيرهم، وإنما ذكرنا هذا لدفع شبهة من يقول بثقة أبي بلج هذا مطلقاً وبالتالي يصححون حديثَه، وقد سلكنا فيما سبق المنهج العلمي الثابت في نقد هذا الإسناد ودللنا على صحته بصنيع أهل العلم في ذلك ولله الحمد.

ومما يزيد هذا الحديث وهناً- إضافةً إلى ضعفه السابق- أنه عند أهل السّنّة الذين يحتج به عليهم هذا الموسوي مخالف تماماً لما صحّ وثبت عندهم بل واستفاض من أحاديث النبي صَلّى الله عليه وسلّم التي فيها ما يعارض بعض ما جاء في هذه الفضائل مثل قوله لما بعثه بسورة التوبة (لا يذهب بها إلاّ رجل هو مني وأنا منه) وأن رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم كان قد بعث بها أولاً أبا بكر، وهو باطل لا يثبت فإن أبا بكر خرج أميراً على الحج في تلك السنة قبل نزول سورة التوبة، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله، وكذلك من المنكرات التي فيه قوله لما خلفه في غزوة تبوك (أنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي)، وكذلك سدّ أبواب المسجد غير باب عليّ، فإن هذا من المنكرات الأباطيل التي ردّها أهل العلم وبينوا نكارتها أو وضعها.

ونحن لا نقول برده لمجرد مخالفته لتلك الأحاديث، كما قد يظنّ بعض الجهلة، وان كان هذا لوحده كافٍ لذلك كما هو مقرر عند أهل العلم، في الحديث المنكر المردود الذي يسمّون ما عارضه من الصحيح المعروف والمحفوظ، لكننا نقول بردّه لضعف إسناده أولاً الذي بيناه معززاً بأقوال أهل العلم وثانياً لمعارضته الأحاديث الصحيحة المستفيضة في ذلك فأصبح منكراً مردوداً لذلك. وقد أطلت الكلام في بيان ضعف هذا الحديث لدقّة عِلَّتِه وخفائها، وأرجو أن تكون قد أصبحت واضحةً جليةً إن شاء الله.

ولا يفوتني أن أنبّه إلى ما أخفاه هذا الموسوي من لفظ الحديث هذا الذي ساقه مما لا يعجبه ولا يرضى به فأقدم على حذفه كعادته في التصرّف حتى في النّصوص التي يسوقها، الأمر الذي يؤكد عدم أمأنته بهذا العمل.

فحينما ذكر نوم عليّ رضي الله عنه مكان النبي صَلّى الله عليه وسلّم عندما هاجر لم ينقلها بالتفصيل بل هضم منها ما فيه أكبر فضيلة لأبي بكر الصدّيق رضي الله عنه وهو مصاحبته للنبي صَلّى الله عليه وسلّم دون أي شخص آخر في تلك الهجرة، وهي فضيلة لم ينل منها أحدٌ ولا قريباً منها، عليّ والآخرون، إذ نقل هذا الموسوي قوله (و شرى عليّ نفسه فلبس ثوب النبي ثم نام مكانه وكان المشركون يرمونه، إلى أن قال: وخرج رسول الله في غزوة تبوك. . .) فقوله (إلى أن قال) يشير إلى ما اقتطعه من نص الحديث، قطع الله ذكره وأصحابه، وهو من فضائل أبي بكر الصّدّيق كما قلنا، وكما يتضح لكل من راجع نص الحديث في مواضعه تلك. وأمر آخر أقدم عليه هذا الموسوي في تصرّفه بهذا النصّ، ألا وهو ما اقتطعه من آخره، وقد يعجب من ينظر إلى فعله هذا كيف يقتطع من النص الذي فيه فضائل لعليّ، وإن الأولى به سرده بالكامل لكن هذا العجب يزول لمن راجع نفس النص في موضعه إذ يتبين له أن ما اقتطعه من آخره فضائل ليست مخصوصةً بعليّ بل يشاركه فيها صحابةٌ آخرون وأولهم في ذلك الشيخان أبو بكر وعمر، فها هو الموسوي يرتاع عند مروره بأيّ من فضائلهما أيضاً حتى أنه ليرضى بأن يحذف هذه الفضائل من عليّ إذا كان في حذفها أيضاً حذف لفضائلهما، وقد علم الصبيان فضلاً عن الكبار مكأنتهما وفضلهما في الإسلام وعند رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم التي لا يزاحمهما فيها أحد، وصدق الله العظيم إذ يقول عن أصحاب النبي صَلّى الله عليه وسلّم {ليغيظ بهم الكفار} وأحقهم في هذه الآية أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

وأما ما اقتطعه هذا الموسوي فإنّه بعد قوله في الحديث: (فإن مولاه عليّ) قال: (و أخبرنا الله عزّ وجلّ في القرآن أنه قد رضي عنهم عن أصحاب الشجرة فعلم ما في قلوبهم وهل حدّثنا أنه سخط عليهم بعد، قال وقال نبي الله صَلّى الله عليه وسلّم لعمر حين قال ائذن لي فلأضرب عنقه قال أو كنت فاعلاً وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم) إ. ه. هذا ما أقدم على حذفه هذا المفتري المجرم مما فيه فضائل لأصحاب بدر أجمعين ومنهم أبو بكر وعمر وسائر الصحابة الذين تبغضهم الرافضة الملعونون. وأيضاً فضائل لكل أصحاب الشجرة الذين بايعوا محمّداً صَلّى الله عليه وسلّم تحتها ويشمل الشيخين، وعثمان رضي الله عنه بالأخص فإنّه هو الذي من أجله كأنت تلك البيعة نصرةً وأنتقاماً له حين أشيع أنه قُتِل، كما هو مفصّل في كتب السيرة.

وقوله في الفقرة الثانية: (و لا يخفى ما فيه من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على أنّ علياً وليّ عهده وخليفته من بعده) باطلٌ مردود، إذ قد بينا عدم ثبوت الحديث . مع أن معظم ما جاء فيه لا يختصّ به عليّ بل يشاركه فيه غيره من الصحابة أو جميع المؤمنين بالله ورسوله، كقوله: (يحبّ الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)، فإنّ من المعلوم أنّ كل مؤمن ومؤمنة حتى تقوم الساعة يحب الله ورسوله، وكذا فإنّ الله يحب المؤمنين كلهم وهو وليّهم كلهم كما قال: {الله وليّ الذين آمنوا} فبان بهذا أن لا اختصاص لعليّ رضي الله عنه بأي شيء مما ذكر وإنما عُدّت من فضائله لإقرار النبي صَلّى الله عليه وسلّم بها وبيان صدق عليّ رضي الله عنه فيها، وأيضاً فإن الولاية في الدنيا والآخرة ثابتة لجميع المؤمنين كما قال تعالى: {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة}. ثم استدلّ هذا الموسوي على مطلوبه بحديث (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) وما اتبع ذلك من الآيات، ومن حماقاته أنه قال: (و لم يستثن من جميع المنازل إلا النبوة واستثناؤها دليل على العموم) وسنبين ما في هذا من الباطل إن شاء الله فنقول وبالله التوفيق:

قد كأنت لهارون من موسى عليهما السّلام منازل: الأول أنه أخوه، والثاني كان شريكه في النبوة: والثالث انه خلفه في قومه لما توجّه لميقات ربه، وكما هو واضح فليس منها أبداً- ولله الحمد- أنه خلفه بعد موته لأن هارون مات قبل موسى بسنين وإنّما خلف موسى بعد موته يوشع بن نون، قال الإمام ابن حزم في (الفصل) (4/94) عن ما لعليّ في هذا الحديث: (و هذا لا يوجب له فضلاً عن من سواه ولا استحقاق الإمامة بعده عليه السّلام لأن هارون لم يلِ أمر بني إسرائيل بعد موسى عليهما السّلام وإنما ولي الأمر بعد موسى عليه السّلام يوشع بن نون فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السّلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة) إ. ه.

وهذا الأحمق الموسوي لم يستثن من تلك المنازل سوى النبوة وقال إنها تعني العموم، وتكون نتيجة قوله أن علياً أخو رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم، لأنه لم يستثن الأخوة وعملاً بالعموم الذي قاله هذا الأحمق. ونحن نقول أنه لا يجوز أن يكون النبي صَلّى الله عليه وسلّم عنى بقوله هذا انك أخي لأبي وأمي، ولا انك تخلفني بعد موتي لأن هذه المنزلة لم تكن لهارون من موسى أبداً، فثبت إذن أنه أراد: إنك خليفتي على المدينة فقط عند توجّهي إلى هذه الغزوة، غزوة تبوك.

فثبت أن الفضيلة لعليّ رضي الله عنه في هذا الحديث إنما هي في هذا الإستخلاف المؤقت فقط ولله الحمد، وكل ما يمكن أن تدّعيه الشيعة من فضائل عليّ من هذا الحديث هو استخلافه المذكور هذا، وتشبيهه بهارون عليه السّلام، ونحن نجيب عن ذلك بأن هذا الإستخلاف لم يكن خاصاً بعليّ رضي الله عنه، فقد استخلف رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم أبا لبابة بن عبد المنذر لما سار النبي صَلّى الله عليه وسلّم لغزوة بدر، واستخلف عثمان بن عفان رضي الله عنه لما خرج لغزوة ذات الرقاع، واستخلف ابن أم مكتوم لما خرج لحرب بني النضير، واستخلف أيضاً أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري لما خرج رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم لفتح مكة، وهذا كله ثابت في (السيرة)، وهو كله ليس استخلافاً مطلقاً ولهذا لم يقل في أحد من هؤلاء أنه خليفة رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم إلا مع التقييد، مع العلم إن استخلاف هؤلاء كان أكبر من استخلاف عليّ لما خرج لغزوة تبوك فإن أولئك كانوا يستخلفون على المدينة وفيها جماهير المؤمنين، ولما استخلف عليها عليّ في غزوة تبوك لم يكن فيها إلاّ النساء والصبيان والعجزة حتى حزن عليّ لذلك وعدّه منقصةً له خصوصاً وقد طعن به المنافقون لذلك فطيّب رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم نفسه بذلك. فكما أن استخلاف الآخرين لم يوجب لهم فضلاّ على غيرهم ولا ولاية الأمر بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم فكذلك استخلاف عليّ لا يوجب له أيّاً من ذلك.

وأما عن فضيلة تشبيهه بهارون عليه السّلام فليس هو بأعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى عليهما السّلام. وتشبيه عمر بنوح وموسى عليهما السّلام وذلك فيما رواه الإمام أحمد (1/383)، والترمذي (3/37) (4/113)، والحاكم في (المستدرك) (3/21- 22) وصححه من حديث ابن مسعود في قصة أسرى بدر وهؤلاء الأربعة إبراهيم وعيسى نوح وموسى أفضل من هارون عليهم السّلام أجمعين، وكل من أبي بكر وعمر شبّه باثنين لا بواحد فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه عليّ.

وأحب أن أشير إلى أن حديث تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى وتشبيه عمر بنوح وموسى قد رواه الأعمش وهو ممن عنده تشيّع وقد ذكره هذا الموسوي من الرواة المئة السابقين برقم (39) وأقرّ بثقته، وقد رواه عن الأعمش أبو معاوية الضرير محمّد بن خازم وجرير بن عبد الحميد وكلاهما عنده تشيّع وقد ذُكرا أيضاً ضمن أولئك الرواة المئة، فلا حجة لهذا الموسوي ولا لأصحابه بردّ هذا الحديث فهو من طريق رواة أقروا بثقتهم وبما عندهم من تشيع، والحمد لله رب العالمين.

ثم ما قرره هذا الموسوي من كون عليّ شريك رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في أمره ما خلا النبوة، وما استنتجه من ذلك كله هراء وسخف، وكما قال الإمام أبو محمّد بن حزم لو لم يكن من الحجة على أن الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء ويزين لكل أمة عملها إلا وجود من يعتقد هذه الأقوال السخيفة لكان أقوى حجة وأوضح برهان وإلا فما خلق الله عقلاً يسع فيه مثل هذه الحماقات، والحمد لله على عظيم منّته علينا وهو المسؤول منه دوامها وهو حسبنا ونعم الوكيل.

وسياق الآيات لا يساعده أبداً كما لا يخفى على العقلاء دون المجانين، لكني أظن أنه يشير إلى حديث كذب لا يعجز عن وضع أمثاله المبطلون ممن هم أكذب الطوائف على الإطلاق الذين يبنون دينهم على الكذب والنفاق، ذلك الحديث الذي ذكر طرفاً منه في (ص170) (المراجعة-34-) وما استحى من أن ينسبه في الهامش (25) هناك إلى تفسير الثعلبي الذي لم يره هذا الموسوي ولا أحد من أقرانه إذ هو غير مطبوع، لكنّه نقله من سلفه ابن المطهر الحلي وفيه ان النبي صَلّى الله عليه وسلّم دعا لعليّ بن أبي طالب مثل دعاء موسى لهارون عليها السّلام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية- (المنتقى) (ص482)-: علماء الحديث يعلمون وضع هذا بالضرورة إ. ه. قلت: وهؤلاء الرافضة لا يقدرون على الإتيان بإسناد واحدٍ صحيح لهذا الذي يزعمونه ونحن نتحداهم به، وإلا لما تعمّد هذا المفتري الموسوي عزوه إلى تفسير لم يُطبع رغبةً في إخفاء حقيقته. وقد أشار إلى هذا الحديث أيضاً السيوطي في (الدر المنثور) (5/566) وقال- رغم تساهله الشديد وقلة عنايته- (بسندٍ واهٍ) وهذا شأن من بنى مذهبه على الظنون التخرصات.

وخرافة أن علياً كان شريك رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في الأمر ما خلا النبوة تعني أنه صَلّى الله عليه وسلّم ما كان مستقلاً بأمر الأمة في حياته منذ بداية بعثته صَلّى الله عليه وسلّم، فإذا كان كذلك كيف لم يعلمه عليّ رضي الله عنه حتى أخبر بذلك في آخر غزوة غزاها رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم؟ وإذا كأنت مشاركته في الأمر حصلت عند غزوة تبوك لا قبلها فما الفائدة منها وقد انقضت سيرة محمّد صَلّى الله عليه وسلّم إلا قليلاً؟ ثم ما الذي يمنع أن يكون عليّ وزيراً لمن يخلف النبي صَلّى الله عليه وسلّم أيضاً كأبي بكر رضي؟ أليس هذا ما تقتضيه الوزارة؟ وما علمنا بوزير انقلب فصار ملكا أو نحوه إلا الغادرين.

ثم قوله: (و هذا نص صريح في كونه خليفته، بل نص جليّ في أنه لو ذهب ولم يستخلفه كان قد فعل ما لا ينبغي أن يفعل) ما تقول يا أحمق في خروج عليّ رضي الله عنه مع رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في باقي غزواته مثل بدر وأحد والخندق وغيرها من المشاهد وما تقول في خروجهما في حجة الوداع؟ فقد خرج معه، فهل تقول عن فعل النبي صَلّى الله عليه وسلّم هذا انه مما لا ينبغي له أن يفعل؟ ؟ والله هو الكفر بعينه، فلعنة الله على الظالمين.

وإنما وقع هذا الموسوي في مثل هذا لحماقته وضلال مذهبه، فنحمد الله على الهداية ونسأله تمامها. وقد بينا كذب هذا الحديث الذي استدل به (إنّه لا ينبغي أن اذهب إلا وأنت . . .) مع ما فيه من الخطأ اللغوي، والله أعلم. ومثله الحديث الآخر في نفس القصة: (إن المدينة لا تصلح إلا بي وبك) وهو كذب أيضاً ذكره في الموضوعات غير واحد كابن الجوزي (1/357) والكناني في (تنزيه الشريعة) (1/382)، ورواه ابن حبان في (المجروحين) (1/285) من طريق حفص بن عمر الأبلي، وقد كذّبه أبو حاتم وغيره، وقال ابن حبان عن الحديث باطل، في سنده حفص وهو كذاب. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن بكير الغنوي عن حكيم بن جبير وصححه فأفحش، إذ تعقّبه الذهبي- جزاه الله خيراً- بأن عبد الله هذا وحكيم ضعيفان عندهما مناكير.

مع مخالفة كلا الحديثين لما ثبت من خلو المدينة مرات عديدة من النبي صَلّى الله عليه وسلّم وعليّ رضي الله عنه، الأمر الذي يبين كذب هذا الحديث.

وسائر ما ذكره هذا الموسوي في هذه المراجعة مثل قوله تعالى {يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك} وكل ما شاغب به أيضاً تقدم منا الرد عليه بحمد الله عند ذكره لهذه الآية في (المراجعة-12-) فراجع ما قلناه في (ص155-157) ففيه الرد- إن شاء الله- الذي يُخرس أمثال هذا الموسوي.

المراجعة (27): س: 

تشكيك شيخ الأزهر بسند الحديث اعتماداً على ما نُسب إلى الآمدي. 

المراجعة (28): ش: 

1-                    ذكر حديث (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ومخرجيه. 

2-                    زعمه الرد على الآمدي في تضعيفه هذا الحديث. 

الرد على المراجعة (28): 

1-        بيان التدليس الشنيع في سوقه هذا الحديث بعد حديث ابن عباس السابق، مع التشكيك في ثبوت رد الآمدي للحديث. 

2-                    الإشارة إلى الزيادات الموضوعة من قبل الرافضة في حديث المنزلة هذا. 

تكلّم في هذه المراجعة على صحة قول النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعليّ (أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى) وبيان ثبوته، وقد سمّاه حديث المنزلة، ولم يتأكد لي تشكيك الآمدي به ولا تطمئن النفس لنقل هذا الموسوي لما قدمنا من انعدام الأمانة عنده، وعلى أي حال فإن كان هذا الموسوي يعني بحديث المنزلة ذاك الذي ساق لفظه في (المراجعة-26-) الذي فيه بضع عشرة من الفضائل لعليّ ومنها هذه الفضيلة فهو باطل مردود ومنكر كما قلنا ولا يمكن هذا الموسوي إثباته حتى يلج الجمل في سم الخياط. لكن الظاهر أنه يعني هذا اللفظ الذي ذكرناه فقط ليس غيره. وإن كان قد دلّس تدليساً شنيعاً إذ ساقه بعد ذكره تلك الألفاظ فهو صحيح ثابت عند أهل السّنّة، وذكر هذا الموسوي له هنا بين هذه الأحاديث الموضوعة كمثل من يلقي درة بين بعر.

واعلم أن هذا الحديث قد وردت له زيادات عديدة من صنع هؤلاء الرافضة وأذنابهم كشأنهم في ما صحّ من فضائل عليّ رضي الله عنه كلها لا يكتفون بالحق وإن جاءهم حتى يخلطوه بالباطل ويشوّهوه، وأما هذا الحديث فلم يصح منه سوى هذا اللفظ الذي ذكرناه أولاً وزيادة (إلاّ أنه لا نبيّ بعدي) وما سوى ذلك فباطل موضوع أو منكر مردود لم يثبته أحد من أهل العلم، ولا يغفلنّ أحد عن إن هذا الموسوي حأول التسوية بين كل ألفاظ الحديث مستعملاً صحة ما ثبت منه لإثبات ما يريده من الزيادات الباطلة، ونحن إذ نوافقه على ثبوت هذا الحديث والذي قال به أهل العلم نقصد به اللفظ الذي ذكرناه فقط دون أية زيادات أخرى وعليه سنتكلّم فيما بعد إن شاء الله .

لكن أحب أن أنبّه إلى أن هذا الحديث جاء من طريق معاوية رضي الله عنه نعم لكن ليس هو في مسند الإمام أحمد كما ادعى هذا الموسوي لذا تراه لم يذكر موضعه من (المسند) في الهامش لعدم وجود فيه وإنما نقله من (الصواعق المحرقة) لابن حجر، وأظن أن حديث معاوية قد رواه ابن عساكر فيما ذكره ابن كثير في (البداية والنهاية) (7/340-341).

ثم إن هذا الرافضي البغيض قد نبز معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما بالسوء ووصفه بالوقاحة في عدوانه واتّهم بأنه لعن عليّاً وأمر بلعنه، وهو باطل لا شك فيه، وما هذه بأول أكاذيب الشيعة على معاوية رضي الله عنه، فإنّ لعن علي رضي الله عنه إنما كان بعد معاوية في خلافة مروان ابن الحكم حتى أزاله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله. وحديث صحيح مسلّم الذي ساقه وفيه قول معاوية لسعد: (ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟) ليس فيه تصريح بأنه أمره بسبّه كما بينه النووي في (شرح مسلّم) (15/175) وقال: (و إنما سأله عن السّبب المانع له من السّب كأنه يقول هل امتنعت تورّعا أو خوفاً أو غير ذلك فإن كان تورّعاً وأجلالاً له عن السّبّ فأنت مصيب محسن وإن كان غير ذلك فله جواب آخر ولعلّ سعداً قد كان في طائفة يسبّون فلم يسبّ معهم وعجز عن الإنكار وأنكر عليهم فسأله السؤال) إ. ه. ثم كون معاوية رضي الله عنه وأصحابه هم الفئة الباغية لا يوجب ذلك فسقهم أو كفرهم، فإن الله تعالى قال: {و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلو التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم} فقد جعلهم مع وجود الإقتتال والبغي مؤمنين اخوة، بل مع أمره بقتال الفئة الباغية جعلهم مؤمنين. ثم إن كل باغٍ إما أن يكون متأولا أو غير متأول، فإن كان متأولاً فغايته أن يكون مجتهداً مخطئاً وخطؤه مغفور له بنص القرآن والحديث، وإذا لم يتبين له أنه باغٍ بل اعتقد أنه على الحق- وإن كان مخطئاً في إعتقاده- لم تكن تسميته باغياً موجبة لإثمه فضلاً عن أن توجب فسقه أو كفره، وكان الأمر بقتاله لدفع ضرر بغيه لا عقوبة له مع بقاء عدالته، وإنما الواجب منع عدوانه بقتاله كما يمنع الصبي والمجنون من العدوان أن لا يصدر عنهم مع عدم تحمله للإثم في ذلك.

وإن كان باغياً غير متأول فغايته أن يكون بغيُه ذنباً، والذنوب تزول عقوبتها بأسباب متعددة كالحسنات الماحية والمصائب المكفّرة وغير ذلك خصوصاً إذا كان من خير القرون كمعاوية رضي الله عنه.

هذا فصل الأمر في المسألة وعليه تدل آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صَلّى الله عليه وسلّم، والحمد لله رب العالمين.

المراجعة (29): س: 

-                إعتراض شيخ الأزهر بأن الحديث مخصوص بمورده (و هذا التلفيق على شيخ الأزهر مرأوغة من عبد الحسين لصرف النظر عن جواب أهل السّنّة الصحيح). 

المراجعة (30): ش: 

1-                                         جوابه بما لا طائل تحته في تحقيق عموم الحديث وعدم اختصاصه بمورده. 

2-                                         زعمه مجيء هذا الحديث في موارد أخرى. 

الرّد على المراجعة (30): 

1-                                         مع تطبيق ما قاله من عموم الحديث فإنّه لا دليل فيه على المدعى. 

2-                                         الإشارة الإجمالية إلى عدم ورود هذا الحديث في غير غزوة تبوك مع أنه ورد فيها مخصوصاً أيضاً. 

أجاب في هذه المراجعة بما لا طائل تحته ولا حاجة له به، فإن أحداً من أهل السّنّة لم يردّ على الشيعة استدلالهم بهذا الحديث بدعوى أنه لا يفيد العموم أو أنه عام مخصوص، وإنما هذا أمر تخيّله هذا الموسوي واصطنعه من قبل نفسه فأورده في مراجعاته، وهو بصنيعه هذا يريد صرف النظر عن جواب أهل العلم الصحيح عن استدلال الشيعة به.

وحتى لا نبقي للشيعة أي حجة فيه- إن شاء الله- نقول لهم تعالوا فلنطبّق ما قاله صاحبكم الموسوي هذا وما أجلب بخيله ورجليه عليه: فلنقل بعموم المنزلة المذكورة في الحديث ولنرى هل إن ذلك في الإمكان؟ وقد سبق قولنا بأن لهارون من موسى عليهما السّلام منازل منها أنه أخوه، وهذا طبعاً لا يمكن انطباقه على عليّ رضي الله عنه فإن الأخوة هنا هي إخوة النسب من أب وأم وهو ما لا يحلم به الشيعة بقوله وادعائه والحمد لله، والمنزلة الأخرى أنه نبي معه وهذا أيضاً منتفٍ في حق عليّ ولم تبقَ من تلك المنازل سوى خلافته له لما ذهب لميقات ربّه، وأنتهت هذه الخلافة بعودة موسى عليه السّلام، وهذا هو الذي يقوله أهل السّنّة وهو مقتضى الحديث وغايته، ولا يسمى هذا تخصيصاً له بلا حجة فقد قدمنا لك عدم إمكان حمله على النبوّة ولا على الأخوة من النسب فلم يبقَ إلاّ هذا، وأيضاً ليس في تلك المنازل كما قلنا إن هارون خلف موسى بعد موته، فنحن نقول بعموم الحديث لكن ليس في عمومه إطلاقاً أنه خليفته بعد موته ولله الحمد حتى إذا ادعى الجهال إن من تلك المنازل وزارة هارون لموسى وشراكته له في أمره فليس في كل ذلك- على فرض صحته- ما يشير أدنى إشارة إلى خلافته بعد موته، وطبعاً لا يمكن أحداً أن يدّعي أن موسى أوصى لهارون في خلافته بعده. فها أنت ترى- بحمد الله- أنّا لا نردّ بتخصيصه بل مع قولنا بعمومه لا نرى فيه أية إشارة إلى إستخلاف عليّ بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم كما لم يكن ذلك من منازل هارون من موسى عليهما السّلام فلا يرد علينا قول هذا الموسوي إذن، ونظيره ما ذكره في الفقرة الثانية فهو مردود من وجهين:

الوجه الأول: إن أحداً من أهل السّنّة لم يردّ على الشيعة في هذا الحديث بقصر لفظه على سبب وروده فهم أصحاب القاعدة المعروفة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)، وقال الإمام الشافعي: (السبب لا يصنع شيئاً إنما تصنع الألفاظ)، وانظر (المسودة في أصول الفقه) (ص130). لكننا مع قولنا بعموم لفظه نؤكد على عدم دلالته على استخلاف عليّ بعد النبي صَلّى الله عليه وسلّم كما قدمنا ذلك وليس عند من يقوله إلاّ المكابرة والمعاندة.

الوجه الثاني: ما زعمه من مجيء هذا الحديث في غير غزوة تبوك باطل، وما هذه بأول أكاذيبه وادعاءاته الباطلة فلا يثبت ذلك عند أهل السّنّة كما سنبينه إن شاء الله في المراجعة القادمة عند سرد هذا الموسوي لتلك الأحاديث، وأما قوله بثبوتها في صحاحهم المتواترة- زعم- فلا دليل فيه بحمد الله على أهل السّنّة فضلاً على عدم امتلاكهم لما يسمّى بالصحاح المتواترة كما فصلنا ذلك في صفحة (106-108) بنقل قول حجّتهم الحالي الخوئي، فراجعه.

وأكثر من ذلك أنه ثبت في الحديث الصحيح أن إستخلاف النبي صَلّى الله عليه وسلّم لعليّ رضي الله عنه في غزوة تبوك ليس استخلافاً على المدينة كلها بل على أهل بيته فقط، أخرج ذلك ابن إسحاق في (السيرة)- أنظر (سيرة ابن هشام) (4/163)- ومن طريق ابن إسحاق أخرجها ابن أبي عاصم في (السنة) (1332) ونقلها ابن كثير في (البداية والنهاية) (5/7) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لما نزل رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم بالجرف لحقه عليّ ا بن أبي طالب يحمل سلاحه فقال: يا رسول الله خلفتني ولم أتخلّف عنك في غزوة قبلها وقد أرجف بي المنافقون وزعموا أنك إنما خلفتني إنك استثقلتني، قال: سعد: فسمعت رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم يقول: (ألا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك) إ. ه. فهذا صريح في تقييد خلافته بأهل البيت رضي الله عنهم، وجاء ذلك أيضاً من حديث عليّ رضي الله عنه نفسه عند أبي نعيم في (الحلية) (7/196) قال: قال رسول الله صَلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك: (خلفتك أن تكون خليفتي في أهلي) فأي وجه يبقى للشيعة فيه بعد هذا؟ ونحن لا نردّ على هذا الموسوي بنقض ادعائه في مجيء هذا الحديث في غير غزوة تبوك فسحب بل نورد ما فيه تخصيص حتى ما جاء في تلك الغزوة من خلافة علي في أهل البيت فقط، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

بقي أن ننبّه إلى أنً ما قرّره هذا الموسوي في الفقرة الثالثة من هذه المراجعات من (حجّية العام المخصوص) لم ينفرد هو به ولا فضل له به فهذا مذهب جمهور الأصوليين من أهل السّنّة، بل ومن غير أهل السّنّة وهو الذي اختاره الآمدي وابن الحاجب وغيرهما من محققي المتأخرين، وانظر على سبيل المثال (إرشاد الفحول) (ص137)، وكلام هذا الموسوي هنا منقول من كتب الأصول حتى بما يضربه من الأمثال، وقد أورد هو هذه المسألة بما تخيّله من ردّ لا حقيقة له إذ لم يقل أحد من علماء أهل السّنّة ذلك في هذا الحديث فيما علمت، ولا أظن أحداً مثل شيخ الأزهر يعترض مثل هذه الإعتراضات الواهية ودونه كتب فحول أهل السّنّة في ردّهم على الشيعة في احتجاجهم بهذا الحديث، مع ما قدمنا من صحة تخصيص استخلاف عليّ رضي الله عنه في غزوة تبوك بأهل البيت في الحديث الآنف الذكر، والله الموفّق للصواب.

المراجعة (31): س: 

-                                              إلتماس موارد هذا الحديث. 

المراجعة (32): ش: 

-                                              سرد لستة موارد مزعومة لهذا الحديث وادعاؤه تشبيه عليّ وهارون كالفرقدين. 

الرد على المراجعة (32): 

-                                              نقض ما زعمه من هذه الموارد وبيان ضعفها وسقوطها عن الإحتجاج. 

ذكر في هذه المراجعة عدداً من الأحاديث وادعي صحتها وثبوتها وإليك التفصيل.

     1- ما روى من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سليم: (يا أم سليم إنّ عليًاً لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى) إ. ه. ضعيف لا يثبت وقد عزاه هذا الموسوي في (الهامش) (2/161) لكنز العمال ولمنتخب الكنز لكنه لم ينقل تخريج صاحب الكنز لهذا الحديث وهو قصور فاحش منه يريد به عدم الكشف عن ضعف هذا الحديث، إذ عزاه صاحب الكنز (32936) للعقيلي في (الضعفاء)، وهو بهذا العزو يستغني عن بيان ضعفه كما بيّنه في مقدمة كتابه (1/ 10): إذ قال بعد ذكره للعقيلي هذا وابن عدي والخطيب وابن عساكر ما لفظه: (وكل ما عزي لهؤلاء الأربعة وللحكيم الترمذي في نوادر الأصول أو للحاكم في تاريخه أو لابن الجارود في تاريخه أو للديلمي في مسند الفردوس فهو ضعيف فسيتغنى بالعزو إليها أو إلى بعضها عن بيان ضعفه) إ. ه. من أجل هذا لم ينقل هذا الموسوي تخريج صاحب الكنز لهذا الحديث، وكتم بذلك علماً فله من الله ما يستحق . وأخرج هذا الحديث أيضاً الطبراني في (الكبير) (12341) عن ابن عباس رضي الله عنهما، لكن ذكر فيه أم سلمة وليس أم سليم بنفس اللفظ هذا، وهو لا يفرح به إذ هو من طريق محمد بن تسنيم عن الحسن بن الحسين العرني، ومحمد هذا هو الورّاق ذكره الذهبي في (الميزان) وقال: (ما أعرف حاله، لكنه روى حديثاً باطلاً).

والحسن العرني أيضاً ضعيف، قال أبو حاتم: لم يكن بصدوق عندهم كان من رؤساء الشيعة. وقال ابن حبان: يأتي عن الإثبات بالملزقات ويروي المقلوبات . قلت: ومنها هذا الحديث، وبه أعلّ الحديث، وضعفه الهيثمي في (مجمع الزوائد) (9/111) فهو إذن ضعيف لا يثبت ولله الحمد.

     2- الحديث الوارد في قصة اختصام عليّ وجعفر وزيد في ابنة حمزة أخرجه البخاري (3/241-242) (5/179-180)، والإمام أحمد (1/ 98، 108، 115) من حديث البراء بن عازب عند البخاري، ومن حديث علي بن أبي طالب عند الإمام أحمد وليس فيه هذا اللفظ أبداً بل فيه قوله لعلي (أنت مني وأنا منك) وقوله لجعفر (أشبهت خَلقي وخُلُقي)، وقوله لزيد (أنت أخونا ومولانا) . فهذا الحديث فيه فضل لهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم ومنقبة كبيرة لجعفر بتشبيه خلقه بخلق النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى لنبيّه: {و إنّك لعلى خُلُقٍ عظيم} . أما قوله لعليّ رضي الله عنه (أنت مني وأنا منك) فهو فضل له نعم، لكنّ ذلك لا يدلّ على تقديمه على من سواه، مع أن هذا اللفظ لم يختص به عليّ رضي الله عنه بل قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم لغيره مثل جُلَيبيب رضي الله عنه لما قتل في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قتل سبعةً من المشركين، فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال (قتل سبعةً ثم قتلوه، هذا منّي وأنا منه، هذا منّي وأنا منه)، أخرجه مسلم في (صحيحه) (4/1919) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أيضاً للأشعريين قوم أبي موسى، فيما أخرجه البخاري (3/181) ومسلم (4/1945) عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم). وأخرج الإمام أحمد نحوه من حديث أبي عامر الأشعري (4/129) . ورواه الإمام أحمد أيضاً (1/169) من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك أيضاً لبني ناجية . وكلّ هذا يبيّن عدم اختصاص عليّ رضي الله عنه بهذا الفضل.

أما الحديث المزعوم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعليّ في هذه الحادثة بالخصوص: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) فقد رواه النسائي في (خصائص علي) (ص19) من طريق المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي، وهذا الإسناد ضعيف من أجل عباد بن عبد الله هذا، قال عنه إبن المديني: ضعيف الحديث . وقال البخاري: فيه نظر. فمثل هذا لا يصح الإحتجاج به . وانظر ما قلناه في بداية الكلام على المراجعة (26) عن إصطلاح البخاري هذا وأنه لا يقوله إلاّ فيمن يتّهمه غالباً.

     3- ما روى من قول النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ (أنت أول المؤمنين إيماناً . . .) الحديث، باطل مكذوب، وقد نقله هذا الموسوي مع تخريجه في (الهامش) (4/164) من (كنز العمال) (36392، 36395) وعزاه للحسن بن بدر فيما رواه الخلفاء، والآخرين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وقد توقفت فيه أولاً لعدم معرفة إسناده ثم تبيّن لي أن صاحب الكنز كان قد ذكره قبل ذاك (36378) وساق إسناده، فهو من طريق الحسين بن عبيد الله الابزاري البغدادي نا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدّثني أمير المؤمنين مأمون حدّثني الرشيد حدّثني المهدي حدّثني المنصور حدّثني أبي حدّثني عبد الله بن عباس