جديد الموقع

عبد المنعم شفيق ..
الكاتب : عبد المنعم شفيق ..

حزب الله .. رؤية مغايرة
حقيقة المقاومة - قراءة في أوراق الحركة السياسية الشيعية في لبنان

عبدالمنعم شفيق

أثار حزب الله في الفترة الأخيرة ، وبعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام ، سواء عن مذهب الحزب ، أو عن دوره في لبنان ، أو عن شعاراته ، ويأتي هذا الكتاب للإجابة على كثير من التساؤلات المطروحة ، فيعرض لتاريخ الحركة السياسية الشيعية في لبنان منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ، مروراً بالواقع الشيعي في لبنان وتحولاته ، وحركة موسى الصدر ، وحركة أمل ، وبدايات النشأة لحزب الله ، والارتباط مع إيران وسوريا ، ودور الحزب الذي يقوم به ، والخدمات التي يقدمها وأهدافها ، ثم يعرض لحقيقة أهداف الحزب ، وما الذي تحقق منها ، وحقيقة الشعارات التي رفعها ، وحقيقة النجاح العسكري .

ولا تنسوا مؤلف الكتاب من صالح دعائكم ، وأن تسدوا له النصح فيما وجدتم من نقص وخلل.

مقدمة
توطئة
الفصل الأول : أصول وجذور
لبنان: أي أرض.. أي دولة؟
لبنان وإيران.. قصة العلاقة
المنتظرون .. إلى متى؟
الأطوار المنسوخة
من الانتظار إلى الثوار
الفصل الثاني : من هامش الحياة إلى نسيجها
بين بداية القرن ونهايته
من هامش الحياة إلى نسيجها
الملالي ومدارج المعالي
لا عزاء للملة ولا للملالي
التثوير قبل الثورة
التثوير السياسي:
1 ـ تحديث القيادة الشيعية
2 ـ وضوح التميز الطائفي
تأسيس المجلس الشيعي الأعلى
تأسيس حركة المحرومين
التثوير العلمي والديني:
1 ـ توطين العلم الإمامي
2 ـ تطوير العلم الإمامي
الملا.. الانتحاري
الفصل الثالث : البناء بالحرب
إعلان الحرب
أمل تبعث الأمل
الخروج إلى بيروت
غياب الصدر
كمون حزب الله
الخروج من الشرنقة
الانقلاب على أمل
لماذا استمر بري بأمل؟
ثورة تحمي الثورة
البناء بالحرب
الفصل الرابع: فدائيون أم عملاء؟
فدائيون أم عملاء؟
هل كان الإحسان خالصاً؟
دور المؤسسات الاجتماعية وهدفها
مؤسسة الشهيد
المؤسسات الصحية
مؤسسة الجرحى
مؤسسة جهاد البناء
المدرسة
الطابور الإعلامي
من أين لك هذا؟
الحلفاء قصة التحالف
أين الشيعة؟
بين طهران ودمشق
مسوغات التحالف
الغزو الإسرائيلي للبنان والتحالف
تجديد الثقة
الموازنات الصعبة
المتغيرات الدولية وأثرها على الحزب
تحول الحزب وأسبابه
ماذا حقق حزب الله؟
حقيقة النجاح العسكري
ميثاق حزب الله
الخاتمة
ثبت المراجع

المقدمة
عيد المقاومة .. وعرس التحرير!!

( وقل جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقاً ) [الإسراء: 18].

أيها اللبنانيون الشرفاء يا أبناء شعبنا الأبي . اليوم يزهر الدم القاني ، دم الشهداء ، عبير النصر الفواح ، ويقطف اللبنانيون ثمرة تضحياتهم وصمودهم عزا وفخارا ومجدا وكرامة وحرية.

واليوم يدخل لبنان كما لم يدخل من قبل قلب التاريخ من بابه الواسع، باب الانتصار بفخر على الغازي المحتل، فيعيد استحضار مجد صيدا وصور وجبيل.

ولا ريب أن التاريخ سيسجل للبنان بأحرف من نور، وسيتوج أهله بإكليل من الغار، لتسجيلهم أول انتصار حقيقي على الغازي المحتل الإسرائيلي منذ قامت قضية الصراع العربي الإسرائيلي في المنطقة.

وسيسجل التاريخ أيضا كيف تحول كل لبنان إلى مدرسة في البطولة والفداء والإيثار، وفي الترفع عن الصغائر في سبيل القضايا الكبيرة.

أيها اللبنانيون، يا أبناء شعبنا الأبي، لقد بتم المثل والنموذج لكل أمة تفتش عن الحرية من ربقة جلاديها ، وبتم المعلمين الكبار في البذل والتضحية والإيثار، وفي العزة والكرامة والمجد.

لذا ، فلتكن أيامنا هذه أيام عيد، وهل ثمة عيد أسمى من عيد الحرية والعزة والكرامة.. وهل من فرحة أعظم من فرحة كسر شوكة الظالم وقهر الغاصب، والثأر من حقده ولعناته (1).

كان هذا البيان الذي أصدره حزب الله اللبناني عقب الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، واعتبار يوم 25/5/2000م عيدا وطنيا رسميا .

وعد أولئك هذا النصر التاريخي ( و الفتح المبين ) على أنه منارات شاهقة في مشروع نهضة العالم العربي والإسلامي، وظلت الأقلام تشيد بهذا الإنجاز الذي أعاد للأمة شرفها المسلوب وكرامتها المهدرة!!

وراح المطبلون والمزمرون يهرقون دماء أقلامهم ويزخرفون لنا الصورة عساها أن تنطلي على بعض منا ، وينقلب الباطل حقا والحق باطلا بتأثير السحر الإعلامي.

جاء الانسحاب الإسرائيلي ليتم تصويره على أنه نصر ليس كأي نصر ، فإن له مدلولات خاصة ، وطعما خاصا ، ونكهة خاصة، ونسي أولئك إكمال العبارة الدعائية.. إنه ألذ.. ألذ.. ألذ!!

لكم عانت أمة الإسلام من خلط المفاهيم وتشويه صورتها ومن تبديل الحقائق وتزويرها، ولكم عانت كثيرا من تجارب مريرة خدعتها زخرفة الصورة وبهاء منظرها وحلو منطق مزخرفها، ونحن لا نرد على المبالغة بمبالغة ولكن نريد أن تصور الحقائق كما هي، فهي ليست على سبيل المثال هذه الصورة التي رسمها أحدهم حين يقول: ( كانت إسرائيل تعتقد أن اجتياحها للأراضي اللبنانية هو المقدمة الكبيرة لابتلاع مارد الصحوة الإسلامية الموضوعية)التي اجتاحت العالم العربي في 11 شباط 1979م عبر الانتصار الإسلامي في إيران بقيادة الإمام الخميني.لكن هذه الصحوة وخصائص ( المشروع الخميني ) في التاريخ العربي الراهن والدعم العربي القومي السوري في هذا المجال أعطيا الزخم الواقعي في بلورة القرار السياسي للمواجهة، وفي صناعة الكتلة القيادية التي تتفهم نهضة العالم الإسلامي وتواكب تحولات الصحوة وتقفز على ركام الهزيمة وتحول الاجتياح إلى قرار باجتياح القرار الإسرائيلي، والمخطط الأمريكي بتمزيق الأمة.

لقد أفرزت عملية التحرير أن المقاومة الإسلامية هي الشرف العربي الأول بعد أن تراجع هذا الشرف إلى مقاعد الدرجة العاشرة بعد المئة بفعل مشروع الهيمنة أمام إسرائيل طوال نصف قرن )!! (2)

وليست الأمور كما يوردها كاتب آخر وتحت عنوان: ( لماذا انتصرت المقاومة فيما عجزت عنه الجيوش ) (3) حين يصور أن حزب الله حقق ما لم يحققه جيش عربي وأتى بما لم يأت به الأوائل!!

(لا نريد أن نغبن حق الجيوش وتضحياتها في مواجهة العدو.. ولكن السؤال يطرح نفسه بإلحاح: فلأول مرة في تاريخ الصراع مع إسرائيل ننجح في طرد العدو، بينما أسفرت كل معاركنا السابقة إما بهزيمة نكراء كما حصل عام 1948م أو بنكبة حزيران في عام 1967م أو بهجوم تمثل في عبور قناة السويس في حرب أكتوبر 1973م سرعان ما أعقبه دفرسوار إسرائيلي وعبور مضاد كاد أن يؤدي إلى تطويق الجيش المصري شرق القناة لولا ما يقال عن تهديد سوفييتي جاد ، وقرار وقف إطلاق النار الصادر عن مجلس الأمن.

عندما قادت الجيوش المعارك كنا نسارع لنستصرخ الدول الكبرى ومجلس الأمن ونسارع في طلب وقف إطلاق النار وتطبيق القرارات الدولية.. كانت إسرائيل على العكس تأخذ كامل وقتها لإنجاز أهدافها.

فما الذي حصل هذه المرة لتطالب إسرائيل أولا بتطبيق القرار 425 والانسحاب من الأراضي اللبنانية بقرار منفرد، ومن دون شروط، فخرجت وهي تجر أذيال الهزيمة بعد احتلال دام 22 عاما ؟

كيف نجحت المقاومة اللبنانية، وبالذات حزب الله في تحقيق هذا النصر المبين؟

هل حسن حال البلاد وزال الفساد واتحدت الكلمة، وهو الأمر الذي سوغنا به نكبة 1948م؟

أم أخذت المقاومة إسرائيل على حين غرة فبادرتها بتدمير طائراتها وهي جاثمة على مدرجاتها وأسرت جنودها وقضت على تفوقها الحربي وعزلت بينها وبين حلفائها وهو الأمر الذي سوغنا به هزيمة 1967م؟

أم تفوقت على إسرائيل في التكنولوجيا ولم تتحرك إلا بعد أن حلت الديمقراطية والحريات في بلداننا وصار لها الحظوة نفسها لدى الأمريكان لتصحح من التوازن الاستراتيجي كما يقولون، وهي الحجج التي سوغنا بها أيضا دفرسوار أكتوبر (تشرين الأول) 1973م ؟

هل تحول جنوبنا في لبنان إلى ما يشبه مستنقعات فيتنام وبدأنا بتلقي الدعم البشري واللوجستي من الصين والاتحاد السوفييتي وخضنا حربا شعبية بأمواج بشرية نقاوم بها أمواج الصواريخ والطائرات والأساطيل؟

أم كسبنا تأييد ما يسمى بالرأي العام العالمي؟

لا شيء من كل هذه الحجج التي سوغنا بها هزائمنا الماضية، لا شيء من كل هذا غير أمر واحد، هو أن المقاومة اللبنانية وبالذات حزب الله قد اكتشف الطريق الصحيح الذي يناسب مواجهة هذا العدو الخبيث ليستثمر نقاط القوة في صفوفه وليضرب في نقاط الضعف في صفوف العدو.. فالكل يعلم حالة الإحباط والتمزق التي يعيشها العالم العربي اليوم.. والكل يعلم حالة الانهيار التي بلغها بعض في الانبطاح أمام إسرائيل والولايات المتحدة، والكل يعلم أن الاتحاد السوفييتي الذي ناصر العرب إلى حد ما لم يعد قائما ، والكل يعلم أن الهوة التكنولوجية بيننا وبين العدو ومن يدعمه قد ازدادت اتساعا ، والكل يعلم أن حزب الله لم يولد ولادة سهلة وأن قوى محلية وأجنبية هائلة وكبيرة وقفت ضده.

رغم ذلك نجحت المقاومة اللبنانية وحزب الله بالذات في تحقيق واحد من أعظم الانتصارات التي عرفها العرب والمسلمون في هذا القرن.

الجيوش العربية لم تدرك الحقيقة، وهي إذا ما أدركتها فإنها لا تستطيع تحقيقها لأن العديد من قادتها تعلموا قواعد الهزيمة والنصر والقوة والضعف في المعاهد الأمريكية والروسية والبريطانية، ونسوا الدروس التي حقق بها أسلافهم انتصاراتهم ونجاحاتهم.كان لا بد أن تسقط في فخ الحسابات حول الموت والحياة والقوة والضعف فخسرنا المعارك في سيناء، وفي الجولان وفي القدس والبحيرات والضفة. بل خسرنا الحرب كلها ؛ لأننا عندما كنا نقرع طبولها كنا نؤذن بالسقوط في فخ أعدائنا، فكأن جيوشنا ذهبت لتعلن التقسيم في 1948م، ولتحقق مشروع إسرائيل الكبرى من النهر إلى النهر في 1967م ولتوقيع صلح كامب ديفيد في 1973م ).

وإن كانت هذه الصورة التي ر سمت للجيوش العربية صحيحة إلى حد كبير، إلا أن المقارنة غير صحيحة إلىحد أكبر.

لقد جاء الانسحاب الإسرائيلي من لبنان ليثير كثيرا من التساؤلات والاستفهامات حول أشياء عديدة تدور في المنطقة ، بيد أن القضية الأكثر إثارة وإلحاحا ، هي قضية المقاومة اللبنانية، وهذا الانتصار الذي عُد ملحمة ضخمة ومدرسة كبيرة وفتحا مبينا ، ولذلك تأتي هذه الدراسة لإلقاء الضوء على هذه المقاومة وقصتها وحقيقتها، من خلال إثبات الإيجابيات والسلبيات دون مبالغة أو تزوير.

المؤلف

--------------------------
(1) جريدة العهد اللبنانية الشيعية الأسبوعية، عدد خاص، 22/2/1421هـ 26/5/2000م.
(2) حزب الله مشروع لتحرير الأرض والإنسان، ماجد الأسدي ، جريدة العهد، المصدر السابق.
(3) عادل عبد المهدي ، مجلة المجلة ، العدد: 1060، 2/3/1421هـ 4/6/2000م.

توطئة

( الوهابيون رجس من عمل الشيطان، سننتقم من الوهابيين، لن تمر هذه الجريمة دون عقاب !! ) كانت هذه عبارات مكتوبة ومحمولة على لافتات في تظاهرة أخرجها ( حزب الله ) في الجنوب اللبناني عقب اتفاق الطائف الذي كان من أسباب وقف الحرب الأهلية التي كانت تدور في لبنان.

في المظاهرات تخرج الكلمات غالبا من القلب، منطوقة أو مكتوبة.

على جانب آخر كانت هناك كلمات أخرى خرجت من القلب كذلك ترسم صورة أخرى مغايرة.

فيقول أخو العشيرة عن الحزب:( إنهم صفوة الصفوة، وطليعة الأمة، ومرشدوها، وباعثو دينها وحضارتها ومجدها، ومعلموها، ورساليوها، و..أنبياؤها) (1).

( إن المقاومة الإسلامية في لبنان تمثل لنا ضوءا باهرا في الأفق المعتم، وصوتا جسورا وسط معزوفة الانكسار، وقامة سامقة تصاغر إلى جوارها دعاة الانبطاح والهرولة، وهي مع هذا كله لم تنل ما تستحقه من متابعة وتقدير في الخطاب الإعلامي العربي. ويحزن المرء أن بعضا منا أغمضها حقها، محاولا النيل منها وتلطيخ صورتها الوضاءة.

إن الإفصاح عن مشاعر المؤازرة والامتنان لأولئك الشباب بمثابة (فرض عين( لا يسقط بالتقادم!! إنهم يدافعون بهذا الدور البطولي الذي يقومون به عن شرف الأمة العربية وعن الأمل في أعماق كل واحد فينا، إنهم يرفعون رؤوسنا عاليا ويرصعون جبين أمتنا )(2)

( إن حزب الله يقوم بدور رائد في إيقاظ الأمة وتقديم الدليل على قدرتها لصد العدوان) (3).

( فالمقاومة الإسلامية لحزب الله واحدة من أبرز معالم نهضة الأمة وأكبر دليل على حيويتها) (4).

( إن المؤشرات تدل على فشل محاولات التسوية الجارية لكونها انهزامية، وهذا يفتح الباب واسعا لبقاء حزب الله رمزا حيويا للمقاومة الإسلامية، بل والعربية، وسيتمتع في هذا الإطار بالشموخ والاستعلاء على كل دعاوى التسوية الاستسلامية السائدة في المنطقة) (5). ( لماذا حظيت المقاومة الإسلامية في لبنان بهذا القدر الهائل من التضامن الشعبي العربي والإسلامي؛ بل من كل المستضعفين في العالم ؟ وهل يتحول الطرح السياسي والحضاري لتلك المقاومة إلى أيديولوجية للمحرومين في كل مكان في العالم في مواجهة النمط الحضاري والقيمي الغربي الذي يهدد العالم بأسره ؟ لماذا نجحت المقاومة اللبنانية في أن تصبح طليعة لكل قوى التحرر العـربي على اختلاف مشاربها الدينية والطائفية والسياسية والطبقية ؟! وبصيغة أخرى: لماذا نجحت المقاومة اللبنانية في الخروج من مأزق الطائفية الضيق إلى رمز للتحرر لكل إنسان مسلما كان أم مسيحيا ، عربيا أم عالميا ، أبيض أو أسود ؟ لماذا كانت المقاومة وحزب الله بالتحديد هي الجزء الحي في النسيج العربي الذي اهترأت الكثير من أجزائه وأطره الفكرية والتنظيمية ؟ ) (6).

صورتان متناقضتان تثيران أسئلة كثيرة عن قصة الحقيقة، ولا يخفي بعض الناس شدة الحيرة التي تنتابه مع هذه الصور المتباينة الشديدة التنافر ؛ فبين مسلمات عقدية راسخة، وأصول مستقرة، وبين واقع ضاغط على الفكر والشعور، تضطرب الرؤى وتحار العقول.

وحقيقة فقد كانت الكتابة عن الحركة الشيعية اللبنانية بعامة، وحزب الله بخاصة، هي محاولة خوض في حقل ألغام، وذلك لعدة أسباب:

الأول: ذلك المفهوم المستقر في نفوس كثير من الناس عن أن حركة المقاومة يجب أن تدعم مهما كان توجهها، ما دامت منضوية تحت راية (الإسلامية( وإن المرء ليعجب من بعض أهل الفضل والفهم حين يرون في أن الخطاب السني الموجه إلى الشيعة عامة هو خطاب يحتاج إلى إعادة النظر في أصوله ومنهجه وطريقة عرضه. وهذا المسلك بدأ في الظهور لدى طبقة المثقفين والمفكرين المنتسبين إلى الفكر السني. وهذا المفهوم في حد ذاته يمثل عائقا كبيرا في أن تجد مجالا خصبا لتبادل الآراء حول الحركة بما لها وبما عليها. كما أنه يذهب بك إلى أن تبدأ نقاشك بعرض المسلمات المنهجية والبدهيات الفكرية لمنهج أهل السنة والجماعة.

الثاني: أن حجم التأثير الإعلامي لتلك الحركة كان كبيرا ومؤثرا ، وكان هذا الإعلام ضاغطا على انهزامية الأمة واستسلامها وخضوعها أمام الاستكبار العالمي لليهود، والشيطان الأكبر، مما أعطى تفريغا للشحنات المكبوتة في نفوس كثير ممن ضاق بهم أفق الأمل في وعد الله، أو حين رأوا أن الحلول القومية وتوابعها الفكرية والسياسية قد سقطت في مزبلة التاريخ والتزييف، فراحوا يتعلقون بأية راية تزعم حلا لواقع الأمة المنكوبة، فكان توجيه الحديث إلى تلك الفئة صعبا كذلك، حين يرون في هذه الصورة التي يرونها وردية لأحلامهم صورة أخرى مغايرة، ولذلك فإن من يوقظ النائم الحالم ليشعره بأنه في واقع آخر حقيقي، لا بد أن يصيبه من لومه ونقده.

الثالث: تلك الأنفة التاريخية التي ترسخت لدى الكثيرين من عدم القبول بالنقد والتحليل، وخاصة للحركات التي تتبنى العمل المسلح؛حيث يرون أن الذين يضحون بأرواحهم ودمائهم هم أرفع الناس عن النقد وأبعدهم منه، فكان ذلك المفهوم عائقا نفسيا في أن يجد الحديث مسلكا سلسلا يتجاوز به حتى نصل إلى مسائل الاتفاق.

وبرغم ذلك فسيبقى أن من الضرورة التي سبق أن نبه إلى مثلها علماء الأمة أن ترصد الحركات الفكرية والعقدية والسياسية والعسكرية التي تعمل في جسد الأمة، معملة فيها معاولها البانية والهادمة ، ليميز الله الخبيث من الطيب:

( فأما الز بد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) [الرعد: 71].

ولا أظن أن أمة من الأمم كان فيها مثل هذا السجل الضخم من تراجم الرجال وسيرهم، ولا عرض لمنهج الفرق والملل، مثل أمة الإسلام.

ولا أزعم الإلمام بكافة جوانب القضية ، بيد أنها محاولة لرسم صورة تقريبية عن ) حزب الله ) في لبنان، والحركة السياسية الشيعية فيها.

وبداية لا بد من التنبيه إلى عدد من النقاط الهامة قبل الخوض في تفاصيل هذه الدراسة:

أولا : هذه دراسة نقدية للحركة السياسية الشيعية المعاصرة في لبنان، وعلى رغم ذلك فإن العدل يلزمنا أن نذكر محاسن هذه الحركة كما نذكر مساوئها، وهذا أمر مقرر شرعا ، والآيات والأحاديث شاهدة عليه، ولكن عندما نورد هذه المحاسن فهي ليست من باب (التلميع( كما قد يظن ذلك وإنما للوقوف على طريقة العمل ومواطن النجاح وسبله للاستفادة والاعتبار.

ثانيا : مع أن حزب الله ينتمي إلى فرقة الشيعة الإثني عشرية إلا أن هذه الدراسة لن تعنى بعرض تفاصيل هذه الفرقة ونقدها لأني أعتقد أن مناقشة المنهج العقدي لها ليس هذا محلها، حيث إن ذلك مبسوط في كتب السلف والخلف، وأحسب أن فيها الغنية والكفاية.

ثالثا : واقع أهل السنة في لبنان _ من حيث الجملة _ واقع غير مرض ، وهو بحاجة إلى الوقوف عليه لإدراك تطوراته وتحولاته، وتاريخه غير واضح المعالم، ومع هذه الأهمية للحديث عن واقع أهل السنة في لبنان، إلا أن دراستنا هذه لم تتعرض لتفاصيله، ولا لمداخلاته مع الطوائف الأخرى لأن ذلك سيجرنا إلى الخروج عن أصل هذه الدراسة.

كما أننا لن نتطرق إلى الحديث عن العلاقة التاريخية بين أهل السنة والشيعة وتفاصيل تلك العلاقة، حيث إنه مبسوط في كتب أخرى كثيرة(7).

وحزب الله في لبنان جزء من قصة طويلة وصراع مرير، والحديث عنه وعن حقيقته وأهدافه أمر ضروري في وقت بدأ فيه تحول كبير في دور الحزب، بعد أن تحقق جزء كبير من أهدافه التي ر سمت له، خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، وفي الوقت ذاته حظيت المقاومة بدعم عربي لم يسبق له مثيل، بيد أن المسألة متشعبة شديدة التعقيد فرضتها عوامل شتى؛ لذا كان من المهم استعراض حقائق الأمور وتفاصيلها.
----------------------

(1) وضاح شرارة دولة حزب الله، ص: 339 دار النهار، بيروت، ط/1/1996م.
(2) إنهم يرصعون جبين أمتنا، فهمي هويدي، جريدة الأهرام: 30/3/1999م.
(3) د. حلمي القاعود: جريدة الشعب القاهرية، التي تصدر عن حزب العمل، 9/3/1999م.
(4) مجدي أحمد حسين، وانتصرت المقاومة، ص 7، مركز يافا للدراسات والأبحاث، القاهرة، ط/1/1996م.
(5) منتصر الزيات، جريدة الحياة، العدد، 13512، 3/12/1420هـ ، 9/3/2000م.
(6) د. محمد مورو، الجهاد في سبيل الله، حزب الله نموذجا ، ص 62، مركز يافا للدراسات والأبحاث، القاهرة، ط/1/1996م.
(7) تعرضتُ لتاريخ هذه العلاقة في كتاب: ويل للعرب.. مغزى التقارب الإيراني مع الغرب والعرب، الناشر، مكتب الطيب، عام 1420هـ.

لبنان.. أي أرض.. أي دولة !!؟

يصف أحد المؤرخين اللبنانيين الواقع اللبناني فيقول: «إن الشعب اللبناني لم يكن في الماضي أمة واعية لكيانها، وموحدة في أهدافها، وإنما كان مجموعة من الطوائف جمع بينها حلف هو أقرب ما يكون إلى العقد الاجتماعي. وتاريخ لبنان ـ منذ القرن الثامن عشر ـ هو في المقام الأول، تاريخ تطور هذا العقد الاجتماعي وأثره في نمو البلاد»(1).

وعندما زار الجنرال ديجول لبنان بعد الحرب العالمية الثانية، قال: «إني جئت إلى الشرق المعقد بأفكار ساذجة»(2).

«فلبنان بلد صعب المراس مولع بالعنف، من المستحيل فهم الشرق الأوسط قبل فهم لبنان»(3).

«لبنان أرض سائبة يتقاتل عليها وفيها الآخرون، إنه بلد موبوء بمختلف الفيروسات الاجتماعية التي لا يرجى منها شفاء»(4).

«الوطن الأعجوبة الذي اسمه لبنان، مارس فيه المقاتلون كل أنواع العنف اللا أخلاقي والوحشية المفترسة والتعصب الطائفي والهمجية القبلية، وتشريع أبوابه على مصراعيها لكل أجنبي يتوسله ويستخدمه لا لحماية استقلاله وكيانه، بل لحماية طوائفه والحفاظ على مكاسبها، وربط ما تبقى من استقلاله في عجلة هذه أو تلك الدولة الأجنبية، ومن المؤسف أن سمعة لبنان منذ أن صار له اسم على الخريطة السياسية هي سمعة الارتماء في أحضان الحماية»(5).

إن الخوض في الأزمة اللبنانية أو حتى التاريخ اللبناني عموماً، هو خوض في مستنقع كبير قد لا يخرج الإنسان منه بشيء إلا تعب الخوض وعلامات الاستفهام الكثيرة، وقد يصيبه من طين المستنقع ومائه الآسن، فيخرج بأفكار وتصورات مركبة. هذا هو ما أريد لأي مطَّلع على الشأن اللبناني أن يخرج به، وهكذا أريد لهذا البلد الصغير أن يظل لفترة طويلة وقريبة مكاناً مناسباً للمنافسة وتصفية الحسابات وتحقيق المصالح. ولا شك أن الوضع اللبناني بالغ التعقيد، إلا أنه قابل للفهم لمن أتى الأمور من أبوابها، ولعلنا نعرض موجزاً سريعاً ومجملاً لصور ذلك التعقيد.

لن نذهب في التاريخ بعيداً، وإنما سنذكر صورة منه، فقد قامت الدولة اللبنانية على ركيزة أساسية هي «الطائفية»، وولد الاستقلال والميثاق في أحضانها، وورث الاستقلال نهجاً يجسد التفسخ الوطني في إطار علاقات سياسية تعمل على إبقاء هذا الأمر واستمراريته.

هذا النهج السياسي وقف عائقاً أمام تطوير الواقع الطائفي ومحاولة تجاوزه، وحمل الاستقلال معه كل أمراض التخلف والتعصب والتفرقة؛ لأن أبطاله لم يعملوا على استئصال الرواسب وإقامة الوطن على قاعدة الانتماء إليه؛ بل اكتفوا بوحدتهم الفوقية وتركوا التشتت الطائفي في القاعدة؛ فقام لبنان على قاعدة تعدد الطوائف المتعايشة على أرض واحدة تقتسم المغانم فيما بينها.

إن الاستقلال والدستور قد قاما على ركيزتين أساسيتين هما: تجميع الطوائف وتجميع المناطق؛ وشتان ما بين التجميع والانصهار.

لقد استبدلت الوحدة الوطنية(6)ـ كما هو الحال في الدول الأخرى ـ بوحدة الطوائف المتعايشة، ورعت دولة الاستقلال المؤسسات الطائفية لتوسع نشاطاتها ولتزيد من انقسام المواطنين.

ففي الحقل التربوي بقي لكل طائفة مؤسساتها التربوية لتلقن المواطنين ثقافات مختلفة، وعلى الصعيد التنظيمي السياسي صار لبعض الطوائف مجالس مِلّية تحولت إلى مؤسسات سياسية تسهم في السلطة بدرجة أو بأخرى. وعلى الصعيد السكاني بقيت المدن الكبرى ذات طابَع طائفي؛ وعلى الرغم من احتوائها على اختلاط سكاني من مختلف الطوائف إلا أنها تمتعت بغالبية سكانية من طائفة معينة، أو تضمنت أحياء سكانية لكل طائفة، أو لكل مذهب حي يجمع أبناء المذهب نفسه، وهذا الأمر قد سهَّل فيما بعد الانقسام الجغرافي؛ حيث هجَّرت كلُّ منطقة الأقليات الموجودة في

ها من الطوائف الأخرى؛ مما جعل السلطة عبارة عن حكم بين مختلف الأطراف «الطوائف» لا سلطة دولة بيدها المبادرة والقرار الذي تستطيع فرضه على الجميع.

في لبنان ازدواجية سلطوية: قامت سلطة الدولة وتساكنت جنباً إلى جنب مع سلطة الطائفة، وكثيراً ما أذعنت سلطة الدولة إلى سلطة الطائفة البارعة في توظيف التمايزات الدينية لأغراض سياسية. والطائفة هنا تلعب دور الحزب السياسي المُدافِع عن مصالح الأفراد، وتحل مشكلة انتماء الفرد طالما أنه لا توجد أطر أخرى أكثر فعالية لتنظيم حياته وضمان توازنه المادي والنفسي، وهكذا يندفع الفرد إلى أحضان الطائفة؛ فالتخلي عنها ضياع لآلية التضامن الأسري والعائلي إذ لم يسنده ظهور مؤسسات تضامن جماعي نقابي ومدني أعلى، كما يعني العزلة للأفراد، ويعني الاغتراب النفسي والاجتماعي كذلك .

لقد عجزت الدولة اللبنانية عن بناء الإطار الفكري والسياسي والإداري والاقتصادي الذي يوحد الشعب ويبني إجماعاً؛ إنها لم تمتلك رسالة اجتماعية تسمح لها بأن تكون دولة الشعب لا دولة الجماعات. وبدلاً من أن ترتفع ـ باعتبارها مؤسسة سياسية وسلطة ـ فوق التمايزات والتناقضات، انخرطت هي نفسها بفعل طبيعة بنيتها وتركيبتها العصبية في التناقضات التي أخذت تمزقها، أو بالأحرى تبرز تمزقها الداخلي المستور بأيديولوجيا الوفاق والتعايش.

لقد اعترفت الدولة القانونية في لبنان بتعدد القوى السياسية، ومنحتها حق التنافس الحر حتى بلغ حد الفوضى المسلحة؛ فالتدريب والتسلح غير المشروع، وقيادة الجيوش غير النظامية، وتخريج دفعات من الميليشيات اللبنانية كان يتم في احتفالات علنية تنقلها الصحف اليومية تحت سمع الدولة وبصرها. كان نشوب الحرب بتلك الضراوة والشراسة، وقدرتها على الاستمرار لأعوام طويلة ما كان يمكنها لولا وجود ميليشيات قد أنشئت أصلاً؛ لأن لها دوراً يُنتظر أن تلعبـه.

وإثر الاعتداءات (الإسرائيلية) المتكررة على الفلسطينيين داخل الأراضي اللبنانية منحتهم الدولة حق الدفاع عن أنفسهم ضد الاعتداءات الخارجية عليهم بدلاً من أن تكون هي المسؤولة عن حماية كل من يقطن داخل حدودها سواء بالطرق السلمية أم بالقوة؛ فالدولة عادة ـ كل دولة ـ تقدم نفسها مركز استقطابٍ وحيد لممارسة العنف القانوني في المجتمع؛ فعنف الدولة له أساليبه ـ أي قانونيته ـ لكن الدولة اللبنانية بتركيبتها الضعيفة سلطوياً قد سمحت لنباتات (العنف اللاشرعي) ـ أي الخارج عن إطار الدولة ـ أن تنمو على جوانبها، ومهدت للاحتراب بين اللبنانيين عندما وقفت شاهد زور من استعداداتهم للحرب، وهي بتركيبتها الطائفية الحساسة لم تستطع التعامل مع القضية الفلسطينية كما تعاملت معها سائر الدول العربية، فمهّدت بذلك لحرب الآخرين على الأرض اللبنانية.

حتى الأحزاب التي تؤكد أنها غير طائفية من حيث المبدأ والغاية، وتلك التي ترفع شعار العلمنة والديموقراطية والمساواة لا تفلت من فخ الطائفية إلا قليلاً. والظاهرة البارزة التي نشأت في ظل الحرب هي تعدد الأحزاب والمنظمات والحركات بشكل لم يسبق له مثيل. واللافت للنظر أن إمعان الأحزاب والمنظمات في تحديد هويتها الطائفية ربما كان لاستقطاب أكبر عدد من (الأتباع) أو لإبراز(خصوصيتها).

وفي جميع الأحوال انخرطت تلك الأحزاب في لعبة الطائفية نفسها التي استخدمها الإقطاع السياسي لإحكام سيطرته وتثبيت مواقعه. أما الأحزاب العلمانية فإن كلاً منها قد اتخذ صبغة القطاع الطائفي (الكانتون) الذي يـوجد داخل حـدوده.

وحددت الأحزاب والميليشيات مناطق نفوذ لها، وأخذت تثبت مواقعها داخلها؛ واعتباراً من عام 1984م أخذت الخطوط الفاصلة بين مناطق النفوذ تتضح؛ ففي بيروت وضواحيها وفي جزء من جنوب لبنان هناك سيطرة لقوات أمل الشيعية وحلفائها، وفي ضاحية بيروت الجنوبية وبعض مناطق البقاع والهرمل هناك سيطرة لقوات حزب الله الشيعية، وفي بيروت الشرقية وضواحيها وبعض مناطق الجبل هناك سيطرة للقوات اللبنانية المارونية على جزء منها، وسيطرة فئة من الجيش اللبناني على الجزء الآخر في عام 1990م، وفي الشوف سيطرة لقوات الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزية وحلفائها، وفي الشمال سيطرة لقوات المرَدة المارونية المعادية للقوات اللبنانية، وفي أقصى الجنوب هناك الحزام الأمني الذي صنعته (إسرائيل) بينها وبين جنوب لبنان، يسيطر عليه «جيش لبنان الجنوبي» المدعوم من قِبَلِ (إسرائيل).

فماذا بقي للدولة وسط هذه (البانوراما السلطوية) حتى تسيطر عليه؟

من جهة أخرى، شكلت الطائفية أفق الدولة اللبنانية الذي استوحت منه تصوراتها للمجتمع والكون ونمط الوجود، وللتنظيم الاجتماعي، والتوزيع البيروقراطي، كي تجند لا جيشاً عقلانياً عسكرياً واحداً وجيشاً مدنياً منظماً واحداً (من البيروقراطيين وموظفي الدولة) بل جيوشاً طائفية مرتهنة لجماعاتها المتنطعة والمتوجهة عقلياً وعاطفياً نحو الذات الطائفية المنغلقة.

ثم بدأ طرح إلغاء الطائفية السياسية؛ لأنها سبب البلاء، ولأنها تمنع الانصهار الوطني، وتحقيق المواطنة الحقة. والمطالبون بإلغاء الطائفية السياسية أغلبهم في مواقع طائفية بعضها شديد العصبية؛ فالأحزاب المطالبة بإلغاء الطائفية أحزاب طائفية بتركيبتها، وبدهي أن المطلب الصادر من موقع طائفي هو طائفي أياً كان التعبير اللفظي عنه، ومطلب إلغاء الطائفية يعني تحديداً: استبدال ديمقراطية عددية تعني سيطرة على الحكم والإدارة بحكم العدد أو بحكم ما يظن من غلبة عددية بالديمقراطية الإصلاحية المركبة المعقدة أساساً للعيش المشترك اللبناني(7).

لقد كان لبنان في خاتمة الأمر تركيباً مرقعاً من العشائر والعقائد والمجموعات العرقية التي تعيش في توازن قلق، وهذه حالة كان معترفاً بها من خلال التقاسم المعقد للمناصب العامة والامتيازات، مهما كانت صغيرة وثانوية، على أساس الهوية الطائفية. وكان من أعجب ملامح النظام اللبناني استمرار النفوذ السياسي لحفنة من الوجهاء مدة طويلة، والانقسامات الطائفية والسيطرة على الحياة الاقتصادية من قِبَلِ شبكة من الأسر والعوائل العاملة في التجارة والصيرفة والتي تهمها أرباحها أكثر من الصالح العام. وكانت الترتيبات سبيلاً لمحاباة الأقارب، ومقاومة الإصلاح، والمناورة والتلاعب من قِبَلِ قوى خارجية أي أن هذه الأوضاع كانت تولد بنفسها الخصوم والأعداء في لبنان الذي تصل فيه الحرية للجميع إلى حد التسيب؛ حيث تطبع أكثر من خمسين صحيفة يومية من بين عدد آخر لا يحصى من الدوريات، وراحت تنمو وتزدهر مجموعات ضغط صاخبة الأصوات من خارج البرلمان، وتستورد إلى البلد مختلف التيارات والمشاجرات السياسية السائدة في العالم العربي الفسيح، وأخذ الشيوعيون، والاشتراكيون، والبعثيون، والناصريون، والقوميون السوريون، والأجنحة والفئات والتكتلات المتفرعة منهم أو المنشقة عنهم، يشنون الحملات بعضهم ضد بعض وضد الجهاز السياسي الذي لم تمتد إليه يد الإصلاح في لبنان. إن مثل هذا المجتمع المجزأ قد جعل نفسه عرضة للاختراق والتلاعب والمناورات على يد وكلاء وعملاء من البلدان المحيطة به ومما هو أبعد منها. وفي هذا «المركز» للعالم العربي، حيث تتم المتاجرة والتبادل بالأموال، والأفكار والعقائد والسياسات، اشتد الصراع على النفوذ بين (إسرائيل) وجيرانها، بين سوريا وخصومها العرب، العراق ومصر، وبين بريطانيا وفرنسا، وبين فرنسا والولايات المتحدة، وبين الاتحاد السوفييتي والغرب، مما أدى إلى اضطراب المشهد السياسي المحلي وتعكيره(8).

ويصف أحد أبرز الرموز الشيعية في لبنان، وهو محمد حسين فضل الله الواقع اللبناني فيقول: «إن الموقف اللبناني بالغ التعقيد، والموقف السياسي في لبنان أكثر صعوبة من الموقف السياسي في أي بلد آخر، وذلك بسبب هذه التعددية الواسعة الموجودة بداخله، ويخلق هذا الموقف حواجز نفسية متعددة في لبنان إلى جانب حواجز طائفية. إن كل طائفة في لبنان تتصرف كأنها دولة مستقلة لها وجودها ومصالحها الخاصة بها، ولهذا فإن من الصعب أن يكون هناك تبادل حر للأفكار بين أفراد الطوائف المختلفة، ومن شأن هذا أن يؤدي إلى تجميد لبنان، وسيستمر لبنان في الانهيار طالما أن لدينا نظاماً طائفياً»(9).

ولقد كانت الدول الغربية والجهات التي تقف خلف هذا التمزق ترمي بخلق هذا الواقع المرير في لبنان إلى أهداف أخرى أشد مرارة وأكثر خبثاً، لكي تحقق أهدافها التي تريدها. «إن لبنان يُعد لكـي يكون الحفرة التي يساق إليها العـرب جميعاً برجالهم أو أموالهم أو بخلافاتهم، إنها الحفرة التي يراد منها أن ينسى العرب ما قبلها، فالإنسان لا ينسى كارثة إلا بكارثة تتلوها يراد بها أن تكون دماراً يضحى فيها بلبنان، ولكن أيضاً لكي ينسى العرب فلسطين»(10).

هذا الواقع المأزوم والمَرَضِي مثَّل مرتعاً خصباً لأحلام كل طائفة في السيطرة ـ وفي لبنان خصوصاً ـ لا تمثل قوة الطائفة إلا بمددها الخارجي وتبعيتها الدينية والسياسية والمالية. ولعل ذكر صورة لأثر التدخل الخارجي في الشأن اللبناني يوضح بعضاً من تعقيد هذا الواقع وهو ما أدى إلى أحداث الفتنة المشهورة في لبنان بين 1858م ـ 1860م. «فما أن جاءت أواخر 1857م حتى أصبحت الحالة في لبنان في منتهى التعقيد. فقد جرّ طغيان مشايخ الدروز ووكلائهم في المناطق الجنوبية خلاف الدروز والنصارى إلى هاوية الأزمة. وهنا أيّد البريطانيون الدروز، فيما أيّد الفرنسيون النصارى. أمّا في المناطق الشمالية، فلم تكن الحالة أقل سوءاً؛ إذ وقف الفلاحون والإكليروس الماروني، يؤيدهم الفرنسيون والنمساويون وجهاً لوجه أمام الأسر الإقطاعية، تشد أزرها بريطانيا. وفي الوقت نفسه دعم الفرنسيون القائمقام بشير أحمد أبي اللمع وأنصاره من الحزب الأحمدي، فيما انتصر البريطانيون للعسّافيّين. أما العثمانيون، فسعوا إلى توسيع شقة الخلاف في قائمقامية النصارى، وهكذا أصبحت القضية اللبنانية من التشابك بحيث لم تقع حادثة في لبنان إلا كان لها صدى في عواصم أوروبا، وخصوصاً لندن وباريس، وفي ذلك قال أحد زعماء اللبنانيين آنذاك: لقد أصبحت أمورنا في هذه الأيام تابعة لإنجلترا وفرنسا، وإنه إذا ضرب أحدهم رفيقه تصير المسألة إنجليزية فرنسوية، وربما قامت إنجلترا وفرنسا من أجل فنجان قهوة يهرق على الأرض»(11).

واستمرت هذه الصورة إلى الوقت القريب وكان لها نفس الأثر السلبي على البلد بكامله. «فلبنان هو ضحية اللعبة السياسية القذرة للمعسكرين الشرقي والغربي. كل المنظمات الفاعلة على الساحة اللبنانية ارتبطت بإحدى الدول العربية، أو بإحدى القوى الخارجية، وكل هذه المجموعات والمنظمات تورطت بشكل عميق وكثيف في لبنان، وكافة التطورات التي جرت فيه»(12).

وكانت الطائفة الشيعية التي يمثلها «حزب الله» سياسياً وعسكرياً ـ موضوع حديثنا ـ من تلك الطوائف التي أرادت ـ أو بالأصح أريد منها ـ أن تحقق الحلم بتكوين دولة تقوم على تبني المذهب الجعفري الاثني عشري منهجاً ونظاماً؛ فلبنان أريد به أن يكون: إما دولة نصرانية عربية بميول غربية وسط تجمع مسلم ضخم، وإما دولة شيعية عربية بميول فارسية وسط تجمع سني ضخم كذلك. والدولة الأولى: النصرانية لعل لها حديثاً آخر، أما المراد الآخر فلا بد من الوقوف فيه أولاً على بعض المرتكزات؛ حتى تتضح الصورة من بداياتها وصولاً إلى منتهاها.

---------------------
(1)كمال الصليبي، تاريخ لبنان الحديث ، ص 28، دار النهار، بيروت، الطبعة السابعة، 1991م.
(2)حرب الألف عام في لبنان، جوناثان راندال، ص 10، ترجمة: فندي الشعار، دار المروج، 1984م.
(3)المصدر السابق، ص 6.
(4)المصدر السابق، ص 10
(5)رياض نجيب الريس، المسيحيون والعروبة، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ص 27
(6)من المسلَّم به أن الوحدة الوطنية وغيرها من الشعارات والرايات التي ملأت العالم الإسلامي ضجيجاً، لم تفلح ـ ولن تفلح ـ في حل قضايا الأمة، لعدم انطلاقها من المنهج الإسلامي القويم.
(7)انظر: د. فاطمة بدوي، الحرب، المجتمع والمعرفة، الحرب الأهلية وتغير البنى الاجتماعية والعقلية في لبنان، ص 99 ـ 118، دار الطليعة، بيروت، ط 1/1994م. وانظر: د. محمود حسن عبد العزيز الصراف، الطائفية اللبنانية من النشأة حتى الأزمة، دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع، 1987م، وانظر: هاني فارس، النزاعات الطائفية في تاريخ لبنان الحديث، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1980م وانظر: ألبير منصور، الانقلاب على الطائف، ص 51 ـ 57، دار الجديد، بيروت، ط/1/1993م.
(8)انظر: باتريك سيل، الأسد؛ صراع على الشرق الأوسط، 440 ـ 442، دار الساقي، لندن، الطبعة الثانية.
(9)محمد حسين فضل الله، قراءة في فكر زعيم ديني لبناني، حلقات: الإسلام والكونجرس الأمريكي، الحلقة/ 37، د. أحمد إبراهيم خضر، مجلة المجتمع، العدد: 954، ص 42.
(10)أحمد بهاء الدين، لبنان في حرب دولة لا تنتظر نصائح الملوك والرؤساء، جريدة الأهرام، 30/6/1978م.
(11)تاريخ لبنان الحديث/ 114
(12)أمل والشيعة، نضال من أجل كيان لبنان، أ.ر. نورثون، ترجمة: غسان الحاج عبد الله، دار بلال، الطبعة الأولى، 1408هـ ـ 1988م/ 139.

لبنان وإيران .. قصة العلاقة

تعد العلاقة بين لبنان وإيران علاقة متميزة على اختلاف مراحلها الزمنية، ووقفت إيران ـ غالباً مواقف حُمدت لها في لبنان، وكان وراء هذه العلاقة قصة يحسن أن نقف عليها لإدراك أبعادها.

حين استولى الصفويون على حكم إيران، في مطلع القرن السادس عشر، وجعلوا من التشيع الإمامي دين الدولة والأمة، وحصنوا إيران به بإزاء الفتح العثماني «التركي السني» كان التشيع يذوي ويتلاشى، سواء في مـدارس النجف أو في مدارس خراسان، فعمد الشاه إسماعيل إلى استقدام علماء من جبل عامل ـ جنوب لبنان ـ لتدريس الفقه الإمامي، فكان منهم: (بهاء الدين العاملي محمد بن الحسين بن عبد الصمد، 953هـ ـ 1031هـ ) الذي أصبح شيخ الإسلام في أصفهان في عهـد الشاه عباس الكبير، والمعروف بـالمحقق الكركي (علـي بن الحسين بن عبد العالي العاملي، ت 940هـ ـ 1533م) الذي قَدِم النجف ثم رحل إلى بلاد العجم لترويج المذهب، والسلطان حينئذ الشاه إسماعيل الصفوي الذي مكنه من إقامة الدين وترويج الأحكام، وكان يُرغِّب عامة الناس في تعلم شرائع الدين ومراسم الإسلام، ويحثهم على ذلك بطريق الالتزام، وكان أن جعل في كل بلدة وقرية إماماً يصلي بالناس ويعلمهم شرائع الدين، وبالغ في ترويج مذهب الإمامية؛ بحيث لقبه بعضهم بمخترع مذهب الشيعة(1).

ومنطقة جبل عامل (أو عاملة) في قلب جنوب لبنان كانت أهم مرجعية شيعية في العالم بين القرنين الميلاديين الرابع عشر والسادس عشر، ومع بداية هذا التعاون مع الدولة الصفوية أُبيد الآلاف من السُنّة من العامة والعلماء؛ ففي تبريز ـ العاصمة ـ وحدها كان السُنّة فيها لا يقلون عن 65% من السكان، وقد قتل منهم في يوم واحد 40 ألف سني!! كما أُجبر الألوف على التحول القسري إلى مذهب الإمامية(2). كما كانت هناك مؤامرات عديدة وتعاون مع قوى غربية على إسقاط الدولة العثمانية، وهي من الأمور غير الخافية عبر التاريخ(3).

«وقد استهوت التجربة الصفوية الشيعية «المضطهدين» في العراق وجبل عامل ـ جنوب لبنان ـ والبحرين، وذهب العلماء بالخصوص ليدعموا تأسيس الدولة الشيعية الصفوية الوليدة»(4).

ونستطيع أن نتجاوز حقبة زمنية بعيدة حتى نصل إلى صورة قريبة تبين تلك العلاقة الحميمة والوطيدة التي يحاول نفر من الناس فصلها وتزييف الواقع ووقائعه.

فقد قيل لـ (حسن نصر الله)(*) الأمين العام لحزب الله إن دور حزبه لن ينتهي؛ لأنه حزب مستورد من الخارج، (سوريا أو إيران) فقال:«لنكن واضحين ونحكي الحقائق: الفكر الذي ينتمي إليه «حزب الله» هو الفكر الإسلامي، وهذا الفكر لم يأت من «موسكو» أيام الاشتراكية ولا من «لندن وباريس» ولا حتى من «واشنطن» في زمن الليبرالية، هو فكر الأمة التي ينتمي إليها لبنان، إذن نحن لم نستورد فكراً، وإذا كان من يقول: إن الفكر إيراني. أقول له: إن هذه مغالطة؛ لأن الفكر في إيران هو الفكر الإسلامي الذي أخذه المسلمون إلى إيران، وحتى هذا الفكر خاص بعلماء جبل (عامل). اللبنانيون هم الذين كان لهم التأثير الكبير في إيران على المستوى الحضاري والديني في القرون السابقة؛ أين هو الاستيراد؟ هذا الحزب كوادره وقياداته وشهداؤه لبنانيون»(5).

وفي إحدى الاحتفالات التأبينية التي تقام في لبنان قال إمام جمعة مسجد الإمام المهدي، الشيخ حسن طراد: «إن إيران ولبنان شعب واحد وبلد واحد، وكما قال أحد العلماء الأعلام: إننا سندعم لبنان كما ندعم مقاطعاتنا الإيرانية سياسياً وعسكرياً»(6).

وفي مناسبة تأبينية أخرى قال الناطق باسم حزب الله ـ ذاك الوقت ـ إبراهيم الأمين: «نحن لا نقول: إننا جزء من إيران؛ نحن إيران في لبنان ولبنان في إيران»(7).

ويقول محمد حسين فضل الله المرشد الروحي لحزب الله: «إن علاقة قديمة مع قادة إيران الإسلامية بدأت قبل قيام الجمهورية الإسلامية، إنها علاقة صداقة وثقة متبادلة، ورأيي ينسجم مع الفكر الإيراني ويسير في نفس سياسته»(8).

وقد عين مرشد الثورة السيد علي خامنئي الشيخ محمد يزبك عضواً شورياً لحزب الله والمدرس بحوزة الإمام المنتظر ببعلبك، والسيد حسن نصر الله أمين عام الحزب، «وكيلين شرعيين» عنه في لبنان في الأمور الحسبية والوجوه الشرعية، فيستلمان عنه الحقوق ويصرفانها في مصالح المسلمين ويجريان المصالحات الشرعية، ويعينان الوكلاء من قِبَلِهِمَا(9).

ويقول حسن نصر الله: «إننا نرى في إيران الدولة التي تحكم بالإسلام والدولة التي تناصر المسلمين والعرب! وعلاقتنا بالنظام علاقة تعاون، ولنا صداقات مع أركانه ونتواصل معه، كما أن المرجعية الدينية هناك تشكل الغطاء الديني والشرعي لكفاحنا ونضالنا»(10).

«وفي وقت الاجتياح الإسرائيلي كادت الحرب تتسع وتطول سوريا وتصبح إقليمية؛ إذ أتت قوات إيرانية إلى سوريا ولبنان للمساعدة، وهذه القوات هي التي تولت تدريب مقاتلينا»(11).

«وإذا أقمت علاقة مع من يساندون الحق العربي أكون متهماً؟! فأنا أعتز بهذه التهمة ولا أتبرأ منها»(12).

ويُؤَمِّن على كلام أمين الحزب مساعد وزير الخارجية الإيرانيـة للشؤون العربية والإفريقية، د. محمد صدر، فيقول: إن السيد حسن نصر الله يتمتع بشعبية واسعة في إيران كما تربطنا به علاقات ممتازة(13).

وقد حذر علي خامنئي مرشد الثورة من إضعاف المقاومة الإسلامية وقال: إنه يجب التيقظ ومنع الأعداء من ذلك. إن شعلة المقاومة يجب أن لا تنطفئ؛ لأن أولئك الأبطال واجب على إيران مساعدتهم(14).

هذه العلاقة والرابطة المذهبية بين إيران وشيعة لبنان جرت على لبنان ويلات زادت من نار الحرب المستعرة في أرض غير مستقرة في الأساس، وكان لسعي الحركة الخمينية إلى تثبيت أقدامها في لبنان، الأثر البالغ على لبنان. يقول وضاح شرارة: «كما كان لبنان ساحة مهمة لعمل الحركة الخمينية، وكان على لبنان أن يصطلي بنار أرادت الحركة أن تستمر إلى أن تحقق أهدافها؛ فهذا إبراهيم السيد ـ الناطق السابق باسم حزب الله ـ يقول: إن الأساس في لبنان بالنسبة إلينا أن يبقى ساحة وموقعاً للصراع مع (إسرائيل)، إن مصلحة الإسلام أن يكون لبنان كذلك!!»(15).

«إن الأجهزة الإيرانية كافة، من حوزات قم إلى حرس الثورة، ومن الدعاة، إلى وزارة الداخلية، سهرت على الشأن اللبناني، وأعملت فيها رأيها وآلاتها»(16).

بيد أن هذا الوجود الإيراني كان يستلزم أن يبقى لبنان في حالة من الضعف المستمر، ومن اقتتال جماعاته وأحزابه، ودوام انقسامه السياسي الشديد مع عدم تمكين فئةٍ مَّا من السيطرة، وذلك كله لإكمال الأهداف والأعمال دون أن ينتبه أحد لما يراد بالبلد. كما يمثل لبنان أهمية تتجاوز الارتباط العقدي ومضافة إليه في الوقت ذاته، وهي أن لبنان يمثل منفذاً لإيران على دول المشرق العربي بمجمله للتأثير السلبي أو الإيجابي؛ فبدون لبنان ستبقى إيران معزولة عن تلك المنطقة، وهي منطقة جوهرية من الصعب تعويضها في مكان آخر. وهكذا يتبين الترابط المتكامل بين إيران الثورة وحزب الله وشيعة لبنان؛ فقد أصبحت إيران الأم الرؤوم والمحضن الدافئ والمرعى الخصيب والنموذج الذي يتطلع إليه عموم الشيعة؛ فهي القبلة الدينية والسياسية لهم.

------------------------------

(1)انظر: أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي، ص 378 ـ 385، دار الجديد، بيروت، ط/1/1998م، وتاريخ جبل عامل، محمد جابر آل صفا،دار 1النهار، بيروت، ومحمد جواد مغنية، الشيعة في الميزان، دار التيار الجديد، ط/10/1409، ص 182 ـ 183، وانظر: تجربة الإسلام السياسي، أوليفيه روا، ترجمة نصير مروة، ص: 162، دار الساقي، ط/2/1996م.
(2)انظر: تاريخ الصفويين وحضارتهم، بديع جمعة ـ أحمد الخولي ، ص 55، دار الرائد العربي، وأحمد الكاتب، مصدر سابق، ص 378، و عبد الله الغريب، وجاء دور المجوس، ط/6/1408هـ.
(3) انظر: محمد العبدة، مئة مشروع لتقسيم الدولة العثمانية، ص 77، 125، وانظر: د. وجيه كوثراني، المسألة الثقافية في لبنان، الخطاب السياسي والتاريخ، ص 83 ـ 88، منشورات بحسون الثقافية/ط/1/1404هـ.
(4)أحمد الكاتب، مصدر سابق، ص 379.
(*)حسن عبد الكريم نصر الله، من مواليد 21 أغسطس 1960م، في حي شرشبوك في محلة الكرانتينا ببيروت، متزوج ولديه 4 أولاد. تلقى دروسه الأولى في مدرسة النجاح الخاصة، والتكميلية والثانوية التربوية في سن الفيل، ثم انتقل مع بداية سني الحرب إلى البازورية في قضاء صور، وعين مسؤولاً عن حركة أمل في البلدة دون الانقطاع عن دروسه في ثانوية صور الرسمية. سافر إلى النجف في العراق عام 1976م لتحصيل العلم الديني الإمامي، فتعرف على عباس الموسوي، ونشأت بينهما علاقة وثيقة، وعاد إلى لبنان عام 1978م، وأكمـل علومه الدينية في مدرسة الإمام المنتظر في بعلبك، استأنف نشاطه في حركة أمل عام 1979م وعين مسؤولاً سياسياً عن إقليم البقاع وعضواً في المكتب السياسي عام 1982م، ثم ما لبث أن انفصل عن الحركة، وانضم إلى العمل مع حزب الله وعين مسؤولاً عن بيروت عام 1985م، ثم عضواً في القيادة المركزية وفي الهيئة التنفيذية للحزب عام 1987م، واختير أميناً عاماً على أثر اغتيال الأمين العام السابق عباس الموسوي عام 1992م مكملاً ولاية سلفه، ثم أعيد انتخابه مرتين (1993م و 1995م).
وردت هذه الترجمة لنصر الله في مقدمة حواره مع مجلة المشاهد السياسي، العدد 147، 3/1/1999م.
(5)مجلة المقاومة، العدد: (40)، ص 29، وهي مجلة شهرية تصدر في مصر، تعنى بشؤون حزب الله وأخباره، يصدرها د. (رفعت سيد أحمد) مركز يافا للدراسات والأبحاث.
(6)جريدة النهار اللبنانية/11/12/1986م.
(7)جريدة النهار/ 5/3/1987م.
(8)حلقات الإسلام والكونجرس، الحلقة /38، ص: 46 د. أحمد إبراهيم خضر، نشرت في مجلة المجتمع، العدد: (955)
(9)جريدة السفير اللبنانية، 18/5/1995م.
(10)مجلة المقاومة، العدد: 27، ص 15 ـ 16.
(11)مجلة المقاومة، العدد: 31، ص 6.
(12)حواره مع مجلة المشاهد السياسي، العدد: 147/3/1/1999م.
(13)جريدة الشرق الأوسط، عدد: (7482) 9/2/1420هـ ـ 24/5/1999م.
(14)جريدة الحياة، العدد: (13252)، 6/3/1420هـ ـ 20/6/1999م.
(15)دولة حزب الله، ص 336.
(16)انظر: الحرس الثوري الإيراني نشأته وتكوينه ودوره، كينيث كاتزمان، ترجمة: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الطبعة الأولى، 1996م، 104

المنتظرون.. إلى متى؟

نتعرض هنا لقضية مهمة حول «التبديل» الكبير الذي حدث في عقيدة الشيعة الاثني عشرية ومنهجهم الذي حوَّلهم من طائفة على هامش التاريخ بفعل «نظرية الانتظار» بعد دخول محمد بـن حسن العسكري السرداب وغيابه ـ على حـد قولهم ـ إلى طائفة ثورية تريد تغيير العالم كله ومواجهة قوى الاستكبار في العالم وإنارته بالإسلام «الصحيح»، وتطهير الأرض من رجس يهود!! وقد كان لحزب الله نصيب وافر من هذه الشعارات الرنانة.

وتقوم نظرية «الانتظار والتَّقِيَّة» على تحريم الثورة والإمامة والجهاد وإقامة الحود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة؛ فقد تأثر الفكر السياسي الشيعي تأثراً كبيراً بنظرية وجود الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري داخل السرداب، واتسم لقرون طويلة بالسلبية المطلقة؛ وذلك لأن هذه النظرية قد انبثقت من رحم النظرية الإمامية التي تحتم وجود إمام معصوم معيَّن مِنْ قِبَلِ الله!!، ولا تجيز للأمة أن تعيِّن إماماً أو تنتخبه؛ لأنه يجب أن يكون معصوماً، وهي لا تعرف المعصوم الذي ينحصر تعيينه من قِبَلِ الله؛ ولذلك اضطر الإماميون إلى افتراض الإمام الثاني عشر، بالرغم من عدم وجود أدلة علمية كافية على وجوده.

وقد كان من الطبيعي أن يترتب على ذلك القول بانتظار الإمام الغائب، تحريم العمل السياسي، أو السعي لإقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة، وهذا ما حدث بالفعل؛ حيث أحجم النواب الخاصون بالإمام عن القيام بأي نشاط سياسي في فترة الغيبة الصغرى، ولم يفكروا بأية حركة ثورية، في الوقت الذي كان فيه الشيعة الزيدية والإسماعيلية يؤسسون دولاً في اليمن وشمالي إفريقيا وطبرستان(1).

لقد كانت نظرية انتظار الإمام الغائب بمعناها السلبي المطلق تشكل الوجه الآخر للإيمان بوجود الإمام المعصوم ولازمة من لوازمها؛ ولذلك فقد اتخذ المتكلمون الذين آمنوا بهذه النظرية موقفاً سلبياً من مسألة إقامة الدولة في عصر الغيبة، وأصروا على التمسك بموقف الانتظار حتى خروج المهدي الغائب.

وسنورد هنا روايات عديدة لأئمتهم على مر التاريخ، الذين يحرمون فيه العمل لإقامة دولة في ظل غياب الإمام، وكيف كان لهذه النظرية الأثر البالغ في وقف العمل المسلح، ولننظر إلى أي مدى استقرت هذه النظرية، ثم لنرى بعد ذلك ما أحدثوه من إهدار لكل هذا التاريخ العلمي، والتبديل لهذه النظرية «العقدية».

فقد نسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضـل أعمال أمتي انتظار فـرج الله ـ عز وجل ـ» يعنون به خروج الغائب المنتظر، وجعلوا الانتظار أحب الأعمال إلى الله، و«المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان»(2).

وبالرغم من قيام الدولة البويهية الشيعية في القرن الرابع الهجري، وسيطرتها على مناطق واسعة من الدولة العباسية، فإن العلماء الإماميين ظلوا متمسكين بنظرية الانتظار وتحريم العمل السياسي، وقد قال محمد بن أبي زينب النعماني (توفي سنة 340 هـ) في كتـابه الغيبة: «إن أمر الوصية والإمامة بعهد من الله ـ تعالى ـ وباختياره، لا من خلقه ولا باختيارهم؛ فمن اختار غير مختار الله وخالف أمر الله ـ سبحانه ـ وَرَدَ موردَ الظالمين والمنافقين الحالِّين في ناره».

وقال في باب «ما أُمر الشيعة به من الصبر والكف والانتظار للفرج وترك الاستعجال بأمر الله وتدبيره» بعدما ذكر سبع عشرة رواية حول التَّقِيَّة والانتظار فـي عصـر الغيبة: «انظروا ـ يرحمكم الله ـ إلى هذا التأديب من الأئمة وإلى أمرهم ورسمهم في الصبر والكف والانتظار للفرج، وذكرهم هلاك المحاضير والمستعجلين، وكذب المتمنين، ووصفهم نجاة المسلمين، ومدحهم الصابرين الثابتين، وتشبيههم إياهم على الثبات بثبات الحصون على أوتادها، فتأدبوا، رحمكم الله، وامتثلوا أمرهم، وسلِّموا لهم ولا تتجاوزوا رسمهم، ولا تكونوا ممن أرداه الهوى والعجلة، ومال به الحرص عن الهدى والمحجة البيضاء».

وكان من تلك الروايات التي اعتمد عليها محمد بن أبي زينب النعماني في تنظيره لفكرة الانتظار، ما رواه عن أبي جعفر الباقر أنه قال: «الزم الأرض، لا تحركن يدك ولا رجلك أبداً حتى ترى علامات أذكرها لك، وإياك وشذاذ آل محمد؛ فإن لآل محمد وعلي راية ولغيرهم رايات، فالزم الأرض ولا تتبع منهم رجلاً أبداً حتى ترى رجلاً من ولد الحسين معه عهد النبي ورايته وسلاحه.. فالزم هؤلاء أبداً وإياك ومن ذكرت لك». «أوصيك بتقوى الله، وأن تلزم بيتك وتقعد في دهماء هؤلاء الناس، وإياك والخوارج منا؛ فإنهم ليسوا على شيء ولا إلى شيء». «انظروا إلى أهل بيت نبيكم؛ فإن لبدوا فالبدوا، وإن استصرخوكم فانصروهم تؤجروا، ولا تستَبِقوهم فتصرعكم البلية». «كل راية تُرفع قبل راية المهدي فصاحبها طاغوت يُعبد من دون الله». «كل بيعة قبل ظهور القائم فإنها بيعة كفر ونفاق وخديعة». «واللهِ لا يخرج أحدٌ منا قبل خروج القائم إلا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان فعبثوا به»(3).

وجاء في كتاب بحـار الأنـوار عن المفضل بـن عمر ابن الصادق أنه قال: «يا مفضل كل بيعة قبل ظهور القائم فبيعة كفر ونفاق وخديعة، لعن الله المبايع والمبايَع له»(4).

وكما أثَّرت قضية الإمامة والولاية فكذلك أَثَّرتْ نظرية «الانتظار» على موضوع حديثنا، العمل الثوري «الجهاد» فتعطل، وكان مُحرَّماً. وقد نتج عن الالتزام بنظرية الانتظار، وتفسير شرط الإمام المُجمَع عليه في وجوب الجهاد أنه الإمام المعصوم نتج عن ذلك أن تَعَطَّلَ الجهاد في عصر الغيبة. فقد اشترط الشيخ الطوسي في كتاب المبسوط ـ في وجوب الجهاد ـ اشترط ظهور الإمام العادل الذي لا يجوز لهم القتال إلا بأمره، ولا يسوغ لهم الجهاد دونه، أو حضور مَنْ نصَّبه الإمام للقيام بأمر المسلمين، وقال بعدم جواز مجاهدة العدو متى لم يكن الإمام ظاهراً، ولا مَنْ نصَّبه الإمام حاضراً، وقال: «إن الجهاد مع أئمة الجور أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم، وإن أصاب لم يؤجر وإن أصيب كان مأثوماً».

وقال: «إن المرابطة في سبيل الله فيها فضل كبير وثواب جزيل، غير أن الفضل فيها يكون في حال كون الإمام ظاهراً، ومتى لم يكن الإمام ظاهراً لم يكن فيه ذلك الفضل». واشترط الشيخ سعد الدين عبد العزيز بن نحرير بن براج الطرابليسي القاضي (400 ـ 481هـ) في كتابه المهذب في وجوب الجهاد أن يكون مأموراً به من قِبَلِ الإمام العادل أو مَن نصَّبه الإمام، وحرَّم الخروج إلى الجهاد في حالة عدم وجود الإمام أو نائبه الخاص، وقال: «إن الجهاد مع أئمة الكفر، ومع غير إمام أصلي، أو من نصبه قبيح يستحق فاعله العقاب، فإن أصاب كان مأثوماً ،وإن أُصيب لم يكن على ذلك أجر». وكذلك قال الشيخ أبو جعفر محمد بن علي الطوسي المعروف بابن حمزة في (الوسيلة إلى نيل الفضيلة): «إنما يجب الجهاد بثلاثة شروط: أحدها حضور إمام عدل، أو من نصبه الإمام للجهاد، ولا يجوز الجهاد بغير الإمام ولا مع أئمة الجور». وقال السيد حمزة بن علي بن زهرة الحسيني، المعروف بأبي المكارم (511 ـ 585 هـ) في كتابه (الغنية): «الجهاد يجب بأمر الإمام العادل، به أو من ينصبه الإمام، أو من يقوم مقام ذلك من حصول خوف على الإسلام أو على النفس أو الأموال، ومتى اختل شرط من هذه الشروط سقط فرض الجهاد بلا خلاف أعلمه».

واعتبر ابن إدريس: «أن الجهاد مع الأئمة الجُوّار أو من غير إمام خطأ يستحق فاعله به الإثم، إن أصاب لم يؤجر وإن أُصيب كان مأثوماً»، وقال: «إن المرابطة فيها فضل كبير إذا كان هناك إمام عادل، ولا يجوز مجاهدة العدو من دون ظهور الإمام». وصرح يحيى بن سعيد في الجامع للشرائع بحرمة الجهاد من دون إذن إمام الأصل، و «أن وجوبه مشروط بحضور الإمام داعياً إليه أو من يأمره». وقسم العلاَّمة الحلِّيّ في تحرير الأحكام وتذكرة الفقهاء الجهاد إلى قسمين: الأول: الدعاء إلى الإسلام، والثاني: الدفاع عن المسلمين؛ واشترط في الأول إذن الإمام العادل أو من يأمره الإمام. واعتبر الحلي في تذكرة الفقهاء القتال مع غير الإمام المفروض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. واشترط في كتاب (الألفين) أن يكون الرئيس المكلف بقيادة الجهاد معصوماً؛ لأن الجهاد فيه سفك الدماء وإتلاف الأموال، فلا بد من أن يتيقن صحة قوله. وتساءل باستغراب: «كيف يقاتل وغير المعصوم لا يحصل الوثوق بقوله فتنتفي فائدة التكليف؟!».

وقال المقداد السيوري في كنـز العرفان: «الجهاد المأمور به إنه هو الجهاد مع الإمام المعصوم، لا أي جهاد كان».

وبالرغم من قيام الدولة الشيعية الصفوية تحت رعاية المحقق الكركي الشيخ علي بن الحسين، فإنه رفض تعديل الحكم في عصر الغيبة، وحصر في كتاب (جامع المقاصد في شرح القواعد) وجوب الجهاد بشرط الإمام أو نائبه، وفسَّر المراد بالنائب بـ «نائبه المنصوص بخصوصه حال ظهور الإمام وتمكنه، لا مطلقاً». وأغفل الشيخ بهاء الدين العاملي بحث الجهاد في كتابه: (جوامع عباسي) وفسر سبيل الله في عصر الغيبة ببناء الجسور والمساجد والمدارس. وحصر السيد علي الطباطبائي في كتاب: (رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل) وجوب الجهاد مع وجود الإمام العادل، وهو المعصوم أو من نصبه لذلك، أي النائب الخاص المنصوب للجهاد أو لما هو أعم. أما العام كالفقيه؛ فقال: «إنه لا يجوز له ولا معه الجهاد حال الغيبة بلا خوف أعلمه». وأكّد أن «النصوص متضافرة من طرقنا بل متواترة، منها: أن القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، ومنها: لا غزو إلا مع إمام عادل، والجهاد واجب مع إمام عادل». وصرح الشيخ جعفر في كتاب: (كاشف الغطاء في كشف الغطاء) باشتراط حضور الإمام أو نائبه الخاص دون العام في وجوب الجهاد الذي يُراد به الجلب إلى الإسلام، واعتبر أن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وبمن نصبوه بالخصوص دون العموم.

وذكر الشيخ محمد حسن النجفي (1266 هـ) في (جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام)، نصوصاً كثيرة حول اشتراط وجود الإمام في وجوب الجهاد، وقال: إن مقتضاها كصريح الفتاوى في عدم مشروعية الجهاد مع الجائر وغيره، (العادل غير المعصوم). وفي كتاب: (المسالك) وغيره: عدم الاكتفاء بنائب الغيبة، فلا يجوز له توليه، ونفـى علم الخلاف فيه حاكياً له عن كتاب: (ظاهر المنتهى) و (صريح الغنية) وظاهرهما الإجماع، مضافاً إلى ما سمعته من النصوص المعتبرة وجود الإمام. وأكد النجفي عدم إذن الأئمة للفقهاء في زمن الغيبة بجهاد الدعوة المحتاج إلى سلطان وجيوش وأمراء، وادعى علم الأئمة بعدم الحاجة إليه وإلى بعض الأمور المشابهة في عصر الغيبة، وقصور اليد فيها عن ذلك. وربط بين إمكانية الجهاد في عصر الغيبة وبين ظهور دولة الحق، أي دولة الإمام المهدي الذي لم يختفِ إلا تحت وطأة الخوف.

ولم يتحدث السيد كاظم اليزدي (1919م) عن الجهاد في (العروة الوثقى)، وفسر سبيل الله الوارد في مصارف الزكاة بأنه جميع سبل الخير، كبناء القناطر، والمدارس، والخانات، والمساجد، وتعميرها وتخليص المؤمنين من يد الظالمين، ونحو ذلك من المصالح، كإصلاح ذات البين، ودفع وقوع الشرور والفتن بين المسلمين، وكذا إعانة الحُجَّاج والزائرين، وإكرام العلماء والمشتغلين، مع عدم تمكنهم من الحج والزيارة والاشتغال ونحوها من أموالهم. ولا يـذكـر أحدٌ من العلمـاء المعاصرين ـ كالكبايكاني والشاهرودي والخونساري والخوئي والقمي والشريعتمداري الذين يعلقون على العروة الوثقى ـ لا يذكرون شيئاً عن الجهاد أو تفسير كلمة سبيل الله به.

ومن هنا ـ وإذا استثنينا عدداً محدوداً جداً من الفقهاء الذين شككوا في تحريم الجهاد، وربطه بالإمام العادل المعصوم ـ يكاد يكون إجماع الفقهاء الإمامية عبر التاريخ ينعقد على تحريم الجهاد، بمعنى الدعوة للإسلام والقتال من أجل ذلك، وخاصة لدى العلماء الأوائل منهم(5).

وقد قال الخميني: «في عصر غيبة ولي الأمر وسلطان العصر عجل الله فرجه الشريف يقوم نوابه وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام عليه السلام إلا البدأة بالجهاد»(6).

فهكذا كانت هذه النظرية «العقدية» والسياسية عائقاً كبيراً أمام الشيعة الإمامية في الانطلاق إلى تحقيق عقيدة الثأر الكربلائية، والانتقام ممن قتل الحسين ـ رضي الله عنه ـ وإن كان هذا الموقف ظاهرياً يُخفي خلفه أحلاماً توسعية فارسية(7)؛ فقد بدأ الانقلاب على البدعة ببدع أخرى؛ ولكنها هذه المرة تساعد على الخروج من هذه الشرنقة القاتلة التي وضعوا أنفسهم فيها بعد أن ضاقت عليهم بدعتهم وقال قائلهم: اللهم طال الانتظار، وشمت بنا الفجار، وصعب علينا الانتظار(8).

------------------------------
(1)انظر بيان بدول الشيعة وأحوالها: محمد جواد مغنية، مبحث دول الشيعة في كتابه: الشيعة في الميزان، ص 127 ـ174، دار التيار الجديد، ط /10/1409هـ.
(2)بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي ج/52/122، عن أصول مذهب الشيعة للقفاري ، ج2/860.
(3)أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي، ص 271 ـ 272.
(4)المصدر السابق، ص 276، وراجع: د. موسى الموسوي، الشيعة والتصحيح، ص: 9 ـ 50، 61 ـ 65/ 1408هـ.
(5)انظر: أحمد الكاتب، مصدر سابق، ص 292 ـ 299، باختصار.
(6)تحرير الوسيلة للخميني، /ج/1/482.
(7)انظر: عبد المنعم شفيق، ويل للعرب «مغزى التقارب الإيراني مع الغرب والعرب»، ص: 108 ـ 131، مكتب الطيب، القاهرة، ط/1/1420هـ.
(8)انظر: د. ناصر عبد الله القفاري، أصول مذهب الشيعة، ج/2/847 ، 892 ـ 897، ط/1/1414هـ.

الأطوار المنسوخة

مر المنهج الشيعي بأطوار يختلف بعضها عن بعض بشكل كبير؛ فبعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري بغير ولد اضطرب الشيعة وتفرق جمعهم؛ لأنهم أصبحوا بلا إمام، ولا دين لهم بلا إمام؛ لأنه هو الحجة على أهل الأرض، وبالإمام عندهم بقاء الكون؛ إذ «لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت» وهو أمان الناس «ولو أن الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله» ولكن الإمام مات بلا عقب، ولم يحدث شيء من هذه الكوارث، فتحيرت فرق الشيعة واختلفت، فادعت طائفة منهم أن الحسن له ولد غائب حفاظاً على المكاسب الأدبية والمادية، وأن له نواباً هم الواسطة بينه وبين الناس، وكانوا أربعة، وكانوا يجمعون الأموال من الناس لإيصالها لهذا الغائب، وكانت لهم الطاعة، فلهم ما للإمام، ولقولهم صفة القداسة والعصمة، وهم مخوَّلون كذلك بالتشريع، ثم كان أن توفي رابع النواب، ولم يوص بنائب خامس بعده، وأخرجوا مرسوماً موقعاً من الإمام الغائب يقول فيه: «أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله». فانتهت بذلك ما تسمى الغيبة الصغرى وبدأ تطور جديد بتفويض أمر النيابة عن الإمام المنتظر إلى رواة حديثهم وواضعي أخبارهم بعد النواب، وقد أفاد هذا التطور الشيعة في تخفيف التنافس على منصب البابية وبدأت الغيبة الكبرى(1).

وكل هذا العنت كان لربط الناس بأحلام مستمرة عن قيام دولة شيعية، وكلما اقتربت مرحلة التخدير النفسي من النهاية بدأ تطور آخر وأحلام أخرى حتى لا يتفلت الناس من هذه البدع ، وإن كان هذا قد حدث بالفعل مع نهاية كل مرحلة وبداية كل تطور جديد.

وكانت نظرية «ولاية الفقيه» التي تنازل فيها الفكر الإمامي عن شرط العصمة والنص في الإمام، وسمح بالنيابة الواقعية للفقهاء عن الإمام، والتي تسمح لهم بممارسة القضاء وتوجب التقاضي إليهم، وهو ما كان محرماً عندهم من قبلُ، وفتح باب الاجتهاد الذي كان محرماً كذلك، والقول بالقياس، وانسحبت أشكال التطور أو «التبديل» على كافة محرمات «نظرية الانتظار» كالعمل المسلح «الثورة» والإمامة والجهاد والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة؛ فقد طالت غيبة الإمام وتوالت القرون دون أن يظهر، والشيعة محرومون من دولة شرعية حسب اعتقادهم، فبدأت فكرة القول بنقل وظائف المهدي تداعب أفكار المتأخرين؛ فهذا الخميني يقول: «قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي أكثر من ألف عام، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر في طول هذه المدة المديدة، فهل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون ؟ ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ القوانين التي صدع بها نبـي الإسلام ( صلى الله عليه وسلم ) وجهد في نشرها، وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثـة وعشرين عاماً، هل كان كل ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلاً؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسـوأ في نظـري مـن الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ». ثم يقول: «إذن فإن كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ أحكام الإسلام، ويدعو إلى تعطيلها وتجميدها، وهو ينكر بالتالي شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف»(2).

ويقول: «وبالرغم من عدم وجود نص على شخص من ينوب عن الإمام حال غيبته، إلا أن خصائص الحاكم الشرعي موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر؛ فإذا أجمعوا أمرهم كان في ميسورهم إيجاد وتكوين حكومة عادلة منقطعة النظير»(3).

وإذا كانت حكومة الآيات والفقهاء لا مثيل لها في العدل ـ كما يقول ـ فما حاجتهم بخروج المنتظر إذاً ؟. ويرى الخميني أن ولاية الفقيه الشيعي كولاية رسـول الله صلى الله عليه وسلم. فيقول: «فالله جعل الرسول ولياً للمؤمنين جميعاً ومن بعده كان الإمام ولياً، ومعنى ولايتهما أن أوامرهما الشرعية نافذة في الجميع» ثم يقول: «نفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيـه، بفارق واحـد هـو أن ولاية الفقيه على الفقهـاء الآخرين لا تكون بحيث يستطيع عزلهم أو نصبهم؛ لأن الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأهلية»(4).

«وإن معظم فقهائنا في هذا العصر تتوفر فيهم الخصائص التي تؤهلهم للنيابة عن الإمام المعصوم»(5).

هذا الانقلاب يعتبر نسخاً لكل ما انبنى عليه دين الإمامية، أو على حد قول من قال:« إن الخميني أخرج (المهدي المنتظر) عند الروافض»(6).

---------------------------
(1)انظر: د. ناصر عبد الله القفاري، أصول مذهب الشيعة، ج/2/847 ، 892 ـ 897.
(2) الحكومة الإسلامية، ص 26 ـ 27.
(3) المصدر السابق، ص 48 ـ 49.
(4) المصدر السابق، ص 51.
(5) المصدر السابق، ص 113.
(6)د. ناصر القفاري، أصول مذهب الشيعة، ج3، ص 1169.

من الانتظار إلى الثوار

إن الفكر السياسي الإمامي هو فكر ثوري بطبيعته، وانتقامي من نشأته إلى منتهاه، وكما يقول قائلهم: «الشيعة هم التيار الثوري على مدار تاريخ المسلمين، لديهم عقدة ذنب متأصلة منذ مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب في كربلاء على يد زبانية يزيد بن معاوية ثاني حكام الدولة الأموية، عقدة سببها أنهم تخلوا عن الحسين الذي خرج يطلب الإمارة، وخذلوه؛ بل وسلمه نفر منهم إلى عدوه اللدود، ليمثل بجثته ويسبي أهله وذويه، وقد أتاح لهم الزمن «عدواً جديداً» يعوضون في جهاده وقتاله والثأر منه ما اقترفوه في كربلاء؛ وبالفعل هم يقاتلون بكل الهموم والآلام والأحزان والاضطهاد الذي جثم على صدورهم طيلة ما يقرب من 1300 سنة، يجاهدون ضده بعقيدة متماسكة وشعار حاد «كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء»، وإذا لم تكن الدماء قد جرت في كربلاء دفاعاً عن الحسين، فلتَسِلْ أنهاراً يغسلون بها العار عن الأرض ويستعيضون بها عن الشرف الضائع!»(1).

وتمت المبالغة في تحويل نظرية «الانتظار» السلبية إلى نظرية ثورية، كما قال عبد الهادي الفضلي: «إن الذي يُفاد من الروايات في هذا المجال هو أن المراد من الانتظار هو وجوب التمهيد والتوطئة بظهور الإمام المنتظر... وإن التوطئة لظهور الإمام المنتظر تكون بالعمل السياسي عن طريق إنارة الوعي السياسي والقيام بالثورة المسلحة!!»(2).

وإن كانت الدولة النبوية في المدينة التي أقامها المصطفى ( صلى الله عليه وسلم )هي أمنية الأماني التي يُسعى لتحقيقها باعتبارها نموذجاً ومثالاًَ يُقتفى أثره ويُرجى الوصول إلى صورته؛ فإن هذا النموذج لم يكن هو المثال والهدف الذي يسعى إليه الإمامية؛ بل كان مثالهم دائماً ـ وحتى يظهر مهديهم المنتظر ـ هذه «المصيبة» الكربلائية التي هي دائماً ماثلة أمامهم.

«فالأمة الحسينية أمة متصلة قوام اتصالها بـ «المصائب» المتعاقبة عليها، ومواقف الثورة الكربلائية التي لم تنقطع، هناك تدرك تماماً أنك تعرفهم فرداً فرداً منذ آلاف السنين، قاتلت معهم وقاتلوا معك، واستشهدتم سوياً في كربلاء، هناك تدرك تماماً أن المهدي ليس بعيداً وأنه في مكان ما على الجبهة»(3).

«وإذا غدا استمرار الثورة ودوامها من بعد حدوثها إنجاز الثورة الأعظم أوجب تجديد الإعجاز كل يوم، والقيام بالثورة من غير انقطاع ولا تلكؤ، ولا يُرتب تجديد الإعجاز حين تتصل الثورة الإسلامية الخمينية بين كربلاء وبين ظهور المهدي، إلا إظهار الدلائل على قيام الثورة، وحفظ معناها، والحؤول بين هذا المعنى وبين الاضمحلال والضعف. ولا يتم ذلك إلا بالإقامة على الحرب وفي الحرب. وينبغي لهذه الحرب أن تكون الحرب الأخيرة، ولو طالت قروناً؛ لأنها تؤذِن بتجديد العالم كله، وبطيِّ صفحة الزمان»(4). «فلم تكن الحرب بضواحي البصرة وعلى ساحل شط العرب إلا مقدمة حروب كثيرة أوكلت إليها القيادات الخمينية الشابة التمهيد لـ «فَرَج » المهدي صاحب الزمان من غيبته الكبرى، ولبسطه راية العدل على «الأرض» كلها، وتوريثه ملك الأرض للمستضعفين»(5).

وقد أعلن الخميني عن مقصده وخططه وعزمه، من أن انتصار قواته ـ الذي كان يأمله ـ سيضم الشعب العراقي المضطهد إلى الشعب الإيراني، ليقيما معاً ـ حسب أمانيهما ـ دولة إسلامية، وإذا توحد البلدان فإن الدول الصغيرة الأخرى في المنطقة ستنضم إليهم، وقد كان الطريق إلى لبنان يمر عبر العراق(6). واعتذر نائب وزير الخارجية الإيراني محمد عزيزي عن ضعف مشاركة القوات الإيرانية في القتال بلبنان؛ بأن الطريق إليه «تمر عبر العراق»!! فلا تصبح قوات إيران حرة تماماً في أن تلعب دوراً جوهرياً في لبنان إلا بعد سقوط النظام العراقي(7).

وهذا المفهوم الثوري المستمر كان له في الحركة السياسية الشيعية اللبنانية نصيب وافر؛ فقد ترجمه خطباء الحركة الخمينية بلبنان ونقلوه إلى «اللبنانية»، أو الكلام السياسي اللبناني، بعبارة «الحالة الجهادية» أو «الثورية أو الإسلامية»، وهي تعني الخروج من كل أشكال الإدارة التي تمتُّ بصلة إلى الدولة ومؤسساتها وقوانينها عامة، وإلى كيانها الحقوقي خاصة. لذا يحرص أبناء «حزب الله» على استمرار التشرذم والتجاذب والتخبط حرصهم على حدقات عيونهم، ويرفعون هذه الحال إلى مرتبة المثال. ويخاطب محمد حسين فضل الله جمهور المصلين في مسجد بلدة النبي عثمان قائلاً: «وعلينا أن نخطط للحاضر والمستقبل؛ لنكون مجتمع حرب!!» ويضيف: «إن الحرب هذه (مفروضة)، شأن كل الحروب التي يحل خوضها للإماميين، ولا يحل لهم خوض غيرها»(8)، والحرب «المفروضة» هي النظير الإيراني لحرب التطويق السوفييتية: فكلُّ ما يوقف توسع أصحاب مجتمع الحرب عدوانٌ عليهم.

--------------------------
(1) مجلة المقاومة، العدد: (35)، ص 16.
(2) في انتظار الإمام، ص 57 ، 67.
(3)دولة حزب الله، ص 287.
(4)المصدر السابق، ص 276.
(5)المصدر السابق، ص 231.
(6)انظر: المصدر السابق، ص 313، 315.
(7)انظر: المصدر السابق، ص 227.
(8) جريدة النهار، 14/5/1986م.

بين بداية القرن ونهايته

كانت الحالة الدينية السياسية الشيعية في بداية القرن العشرين الميلادي حالة منكمشة إلى حد كبير، وكان هناك تهميش واضح للشيعة باعتبارهم «طائفة»، وكان ذلك التهميش الذي عاناه «جبل عامل» والشيعة عامة خلال فترة الانتداب على لبنان وفترة بناء الدولة والاستقلال حال دون احتلال مواقع في الدولة تسمح أو تدفع بالمشاركة في سباق ادعاء رموز تاريخية مؤسسة لها من الطائفة الشيعية(1).

وعلى مستوى الحالة الدينية فقد ضعف دور العلماء وعزف الشيعة اللبنانيون عن العمامة ـ أي طلب العلم الشيعي الديني ـ وانزوى المسجد، وقد شهد أحدهم على هذا الواقع فقال: «فهذه القرى العاملية لا تذكـر اسم الله ـ تعالى ـ في ليل ولا نهار، برغم سخاء المهاجرين على بناء المساجـد؛ وكان يوجـد وقتها [1920 ـ 1930م] ما يزيد على الأربعمائة مسجد بين مسجد كبير وصغير»(2).

وتزامنت هذه الحالة الرثة والهامشية مع تغيرات عالمية ضخمة، فكان سقوط الخلافة العثمانية، وبدايات الدعوة إلى القومية العربية عقب الدعوة الطورانية التركية، والحرب العالمية الأولى، ثم كانت الدولة البهلوية «العلمانية». وكانت هذه الظروف وغيرها مجتمعة أدت إلى بدايات النهضة الحديثة للشيعة الإمامية التي انتهت في 1979م، بقيام الجمهورية الإسلامية ورغبة في قيام جمهوريات أخرى على غرار المثال الأم.

وبين هذه النهضة في بداية القرن وقيام الدولة وسعيها إلى إنشاء دول أخرى، خاصة في لبنان كانت هناك جهود كبيرة لذلك، وكان «حزب الله» مرحلة من مراحل ينبغي أن نقف عليها.

---------------------------
(1)انظر: د. وجيه كوثراني، مصدر سابق، ص 79.
(2) دولة حزب الله، ص 177.

من هامش الحياة إلى نسيجها

«النظام اللبناني غير شرعي ومجرم» و «من الضروري تسلم المسلمين الحكم في لبنان كونهم يشكلون أكثرية الشعب»(1). فتويان: الأولى خمينية، والأخرى خامنئية، وضعتهما الحركة الشيعية في لبنان في بؤرة القلب وبؤبؤ العين، ورفعتهما إلى مرتبة الهدف الذي يُسعى لتحقيقه. كما أفتى رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، مهدي شمس الدين بذلك أيضاً حين قال:« إن الدولة وجدت نتيجة لعقد، هذا العقد تبرمه الأكثرية من المواطنين بإرادتهم الحرة، فينتج عن إبرامه كيان الدولة، ومن المؤكد أن التنازل عن الهوية الثقافية والدينية ومظاهرها في المؤسسات والقوانين يتنافى مع موجبات هذا العقد، ولا يؤثر على موجبات هذا العقد موقف الأقلية التي توافق على التنازل عن هذه الهوية؛ فإن على الأقلية في هذه الحالة أن تخضع للأكثرية»(2) (*)

وفي معرض رده على الأسئلة الموجهة إليه في أحد البرامج قال محمد حسين فضل الله: «لم يكن هؤلاء الذين حكموا العالم الإسلامي في الماضي يحكمون باسم الإسلام فنحن لا نعتقد ـ على سبيل المثال ـ أن الحكم العثماني كان عادلاً وحراً وإسلامياً!!»(3).

وهكذا يُخرج الفقهاء الشيعة فتاويهم دون اعتبار لعامل التاريخ أو الجغرافيا ومن دون تقية كذلك. ولأثر التبديل فقد احتل الفقهاء والآيات والحجج مكانة عالية بلغت درجة التقديس، وأضحت الفتاوى، بل الكلام المجرد من القداسة الدينية ارتفع إلى مرتبة القداسة في النفوس.

وقد دأب الفكـر الإمامـي على ربط الأمة الجعفـرية برمـوز غير قابلة للنقد أو التجريح، وأعطاهم ـ أو أعطوا لأنفسهم ـ صلاحيات وصلت إلى خصائص الإمام الغائب المعصوم المعيَّن من قِبَلِ الله ـ تعالى ـ!! ولقد تجاوزت هذه الصلاحيات ما كان معطى للشاه المستبد الطاغية الدكتاتور عميل الإمبريالية والصهيونية!! فقد أقر مجلس الخبراء الإيراني على إعطاء الولي الفقيه صلاحيات تفوق ما كان مخولاً به الشاه السابق، ونص على ذلك في المادة (107) من الدستور الإيراني(4). كما تنص الفقرة (110) من الدستور نفسه على منح الفقيه سلطات واسعة لتعيين المسؤولين الكبار الآخرين، والموافقة على المرشحين لمنصب الرئاسة، وعزل الموظفين غير الأكفاء وتولي القيادة العامة للقوات المسلحة، مع تعيين قادة الجيش النظامي والحرس الثوري أو عزلهم وتنظيم مجلس الدفاع الأعلى الذي يعتبر أعلى هيئة لصنع القرار في القوات المسلحة الإيرانية(5).

«الثورة الإسلامية في لبنان» هذه العبارة هي آخر ما تقرؤه على عَلَم «حزب الله» في لبنان. والثورة بهذا الوصف محاولة استنساخ للثورة الأم في قم وكلتاهما ثورة آيات، أي أن العِلم الديني الإمامي هو أساس التصور والحركة؛ فالثورة ـ حسب المعلن ـ ثورة دينية، إمامها فقيه، رئيسها فقيه، وزيرها فقيه؛ فالمثال الذي ينبغي وضعه نصب العين هو إرادة الفقهاء؛ ولهذا فقد كان للحوزات والحسينيات دور هام في غرس مفاهيم التقديس، ودورها كذلك في إمداد الثورة بالوقود البشري

------------
(1)انظر مقال: صادق الموسوي، مجلة الشراع، 17/5/1993م. وانظر: وضاح شرارة، دولة حزب الله، ص 342.
(2)د. وجيه كوثراني، المسألة الثقافية في لبنان، الخطاب السياسي والتاريخ، ص 20 ـ 1.
(* ) ورد في الموسوعة العربية العالمية، ج 21/71 أن عدد السكان الشيعة في لبنان في عام 1990م بلغ مليون ومئتي ألف نسمة، أي بنسبة 54% من السكان المسلمين الذين يمثلون 62% من سكان لبنان. كما تذكر مصادر أخرى أنهم يشكلون 50% من نسبة السكان كما ورد ضمن حلقات الإسلام والكونجرس، مجلة المجتمع، العدد: 928، ص29، كما أوردت مجلة المجلة في العدد: 795/13/4/1995م أن عدد الشيعة في لبنان يبلغ 42% من مجموع سكان لبنان.
(3)قراءة في فكر زعيم ديني لبناني، ضمن حلقات الإسلام والكونجرس الأمريكي، د. أحمد إبراهيم خضر، مجلة المجتمع، العدد: 953، ص 45.
(4)انظر: بهمان بختياري، المؤسسات الحاكمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ضمن مجموعات أبحاث تحت عنوان: إيران والخليج، البحث عن الاستقرار، إعداد: جمال سند السويدي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ط 1، 1996م، ص 75.
(5) كينيث كاتزمان، الحرس الثوري الإيراني، نشأته وتكوينه ودوره، ص 60.

الملالي.. ومدارج المعالي

مع نهاية الغيبة الصغرى المدَّعاة للمهدي وجد علماء الشيعة أنفسهم في حيرة شديدة، وذلك خوفاً من انكشاف حقيقة أمر الغيبة والمهدي ودعاوى أخرى كثيرة لا تصل إلى الحق بسند ولا نسب، فأخرجوا مرسوماً منسوباً إلى مهديهم الغائب يقول فيه: «أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله» ثم تبعوه بمرسوم آخر يقول فيه: «أما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً مولاه، فللعوام أن يقلدوه»(1). ولهذا فقد وسع إمامهم المعاصر أن يقول: إن الفقهاء «هم الحجة على الناس كما كان الرسول ) صلى الله عليه وسلم ( حجة عليهم، وكل من يتخلف عن طاعتهم فإن الله يؤاخده ويحاسبه على ذلك، وعلى كل فقد فوض الله إليهم «أي الأنبياء» جميع ما فوض إليهم، وائتمنهم على ما ائتمنوا عليه»(2). « والله جعل الرسول ولياً للمؤمنين، ومن بعده الإمام ولياً، ومعنى ولايتهما أن أوامرهما الشرعية نافذة في الجميع، نفس هذه الولاية والحاكمية موجودة لدى الفقيه بفارق واحد، هو أن ولاية الفقيه على الفقهاء الآخرين لا تكون بحيث يستطيع عزلهم أو نصبهم»(3). «فإذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي ) صلى الله عليه وسلم (، وجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا»(4). وقد نسب إلى النبي ) صلى الله عليه وسلم ( أنه قال: وعلماء أمتي كالأنبياء السابقين(5) بل لقد وسعه أن يقول: «الفقيه الرافضي بمنزلة موسى وعيسى!!»(6).

ولهذا لم يكن مستغرباً أن يقول أحد المسؤولين الإيرانيين: إن الخميني أعظم من النبي موسى وهارون(7) وترتفع وتيرة التجاوزات في إعطاء الصلاحيات لفقهاء المذهب حين كتب آية الله آزاري قمي يقول: «ليس لدى الولي الفقيه أية مسؤولية أخرى غير إقامة نظام الحكم الإسلامي، حتى لو اضطره ذلك إلى أمر الناس بالتوقف مؤقتاً عن الصلاة والصيام والحج.. أو حتى الإيمان بالتوحيد!!»(8).

ويورد محمد باقر الصدر، أحد أئمتهم المشاهير في العصر الحديث، والذي أُعْدِمَ في العراق، يورد حديثاً منسوباً إلى الإمام السابع موسى بن جعفر يقول: «إن الفقهاء هم حصن الإسلام، وهم مثل سور المدينة يحمونها ويذودون عنها، ويصدون أي هجوم يستهدفها»(9).

ويستمر التضليل بمحاولة الإقناع بأن الفقهاء لا دخل لهم في وظائفهم وخصائصهم بل إن «الفقهاء معينون ضمناً من قِبَلِ الله»(10) وبذلك تكون سلطة الفقيه سلطة إلهية فـ «إن مصدر السلطة في القيادة الإسلامية وفي الدستور الذي يحكم الأمة ليس هو الأمة، وإنما هو الله، أما سلطة نائب المعصوم وولي الأمر في عصر الغيبة فهي الأخرى لا تُستمد من الأمة، إنما سلطته أيضاً إلهية، بحيث إن الراد عليه راد على الإمام المعصوم، والراد عليه كالراد على الله»(11).

وبهذه المراسيم والقوانين والتحذيرات والتهديدات، أصبحت سلطة الفقهاء فوق كل السلطات ولا تخضع لأي سلطة كانت، وكما يقول الخميني: «وإذا كان السلاطين على جانب من التدين فما عليهم إلا أن يصدروا في أعمالهم وأحكامهم عن الفقهاء، وفي هذه الحالة، فالحكام الحقيقيون هم الفقهاء، ويكون السلاطين مجرد عمال لهم»(12).

ولم يخرج محمد حسين فضل الله عن هذا الخط الساخن الرافع أقدار الفقهاء فوق منازل النبيين، فيورد حديثاً منسوباً إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول فيه «مجاري الأمور والأحكام بيد العلماء الأمناء على حلال الله وحرامه» ثم يقول: «وإذا فهمنا أن دور الأنبياء هو إقامة العدل بين الناس، وأن العلماء ورثة الأنبياء، فذلك يعني أن دور العلماء هو إقامة العدل في الأرض، وإقامـة العدل في الأرض لا تتم إلا من خلال الحكم؛ لأن الحكم هو الأساس في تنظيم حركة العدل في الحياة، وبهذا نستفيد أن العلماء عليهم أن يقودوا المسيرة تماماً كما كان الأنبياء»(13). ويضيف: «إن رأي الفقيه هو الرأي الذي يعطي للأشياء شرعية بصفته نائباً عن الإمام، والإمام هو نائب النبي ) صلى الله عليه وسلم ( ، وكما أن النبي ) صلى الله عليه وسلم ( هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فالإمام هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، والفقيه العادل هو أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم»(14). «فالواقع أن شرعية كل الأمور تنطلق من إمضاء الفقيه لها؛ وهذا يعني أن رئيس الجمهورية لا يستمد سلطانه من الشريعة الإسلامية، أو الدولة الإسلامية من انتخاب الناس له، وإنما من إمضاء الفقيه لرئاسته، والأمر ذاته يطبق بالنسبة للنواب في مجلس الشورى والخبراء في مجلس الخبراء وغيره من المؤسسات الدستورية في الدولة»(15).

وقد حرصت السياسة الإيرانية على الاستحواذ الكامل في إعداد رجال الدين الشيعة في لبنان، كما حرصت على إيلائهم دوراً متصدراً في الساحة اللبنانية؛ فهؤلاء وحدهم يبدون مضموني الولاء للقيادة الإيرانية ولسياستها، كما يَظهرون وحدهم قادرين على صبغ المجتمع الشيعي اللبناني بصبغة عميقة تحصنه من التأثيرات المخالفة للنفوذ الإيراني والمنافسة له، وتتوسل طهران وقم بالتعليم الديني إلى تأطير الاجتماع الشيعي اللبناني تأطيراً متيناً، فتحل نخب ثقافية جديدة محل النخب المدنية التي تدين بعقائد سياسية أخرى.

وبهذا فقد تحقق نجاح كبير في إنجاز أحد أكبر الأهداف وهو تأطير الأمة الشيعية بسياج الآيات وتجييشها تحت قيادة واحدة، وعليه فلا عجب أن نرى قوافل الشباب الكثيرة يضحون بأنفسهم في سبيل طاعة الفقهاء، وهذه الطاعة والسيطرة المطلقة كانت نتيجة لجهد كبير بذله الفقهاء على مر التاريخ الإمامي، فيقول د. موسى الموسوي معللاً كيفية سيطرة الفقهاء الشيعة على الأمة الإمامية: «لقد استغلّت الزعامات المذهبية والفقهاء عبر التاريخ ـ ومنذ أن بدأت تحكم علينا الطوق ـ سذاجتنا نحن الشيعة الإمامية وحبنا الجارف لأهل بيت رسول الله ) صلى الله عليه وسلم (، فأحدثت في مذهبنا بدعاً وتجاويف وتجاعيد كل واحدة منها تخدم مصالحهم وفي الوقت نفسه تضربنا بل تنسفنا نسفاً، إن كل واحدة من هذه البدع أدخلت في عقيدتنا، نحن الشيعة الإمامية، لإحكام طوق العبودية علينا والتحكم فينا كما يشاء الفقهاء، إذن السذاجة وحدها لم تلعب الدور الكافي، بل استغلال الفقهاء حبَّ الشيعة لأهل بيت رسول الله ) صلى الله عليه وسلم ( مضافاً إليه البدع التي أحدثوها في العقيدة جعلت من الشيعة أداة طيعة للفقهاء، يضحون في سبيل مآربهم في ساحات الوغى مرة وفي ساحات البلاء مرة أخرى، ولم يكن الفقهاء وحدهم هم الذين لعبوا هذا الدور الخطير في انحراف الشيعة عن نهجها الصحيح القويم المتمثل في تبعيته لفقه الإمام الصادق، بل كان للفقهاء أجنحة أخرى استمدّوا قوتهم منها وهم الرواة ورجال الحديث والمفسرون الذين نسبوا إلى أئمتنا الكرام زوراً وبهتاناً روايات وأحاديث كلها تؤيد البدع والتجاويف والتجاعيد التي أدخلوها في العقيدة الشيعية لصالحهم وتفسير الآيات القرآنية حسب أهوائهم بصورة تخدم أهواء الفقهاء، وبهذين الجناحين استطاع الفقهاء أن يحكموا قيود الاستغلال والاستبداد على أعناق الشيعة عبر التاريخ. كان فقهاؤنا على علم كامل بالنفسية الشيعية التي كانت مهيأة للخضوع إلى ما يطلب منها في عهد الظلام فنصبوا أنفسهم أولياء وأوصياء عليهم. ولكي تكون الحجة دامغة في نظرهم نسبوا روايتين إلى الإمام المهدي تقول إحداهما: (أما الحوادث الواقعة فارجعوا إلى فيها رواة أحاديثنا). وتقول الثانية: (أما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه). وهاتان الروايتان حتى وإن صح صدورهما فهذا لا يعني وجوب التقليد بالصورة التي رسمها فقهاؤنا، ولا تعني أبداً أن للفقهاء الحق في أن يأمروا الشيعة بالقيام بكل ما يرونـه من حق وباطل، ولا يعني أبداً أن لهؤلاء حق الولاية، ولا يعني أبداً أن من لم يأخذ برأيهم في مسألة فقهية أو غير فقهية فعمله عاطل باطل. لقد استخرجوا من هاتين الروايتين ـ وحتى إن صح صدورهما عن الإمام المهدي ـ مفاهيم ومضامين تتناقض تناقضاً تاماً مع منطوق الروايتين ولكن عندما تحكم السذاجة العقل الإنساني ويواجه هذا العقل الساذج دهاء المخططين فحينئذ يسهل الوصول إلى ما يصبو إليه المخططون الدهاة، وأعتقد جازماً أن فقهاءنا لم يقصدوا من استعبادنا ـ نحن الشيعة الإمامية ـ السيطرة الروحية والفكرية علينا فحسب، بل كانوا يخططون لأمرين كل واحد منهما أخطر من الآخر، كانوا يخططون للسيطرة على أموال الشيعة ومن ثَمَّ الاستيلاء على مقاليد الحكم. فأدخل الفقهاء تلك البدعة الكبرى في العقيدة الشيعية وفسروا الآية الكريمة التي تقول: {واعًلّمٍوا أّنَّمّا غّنٌمًتٍم مٌَن شّيًءُ فّأّنَّ لٌلَّهٌ خٍمٍسّهٍ ولٌلرَّسٍولٌ ...} [الأنفال: 41]، بأن هذه الآية نزلت في أرباح المكاسب؛ في حين أن المفسرين وأرباب الأحاديث والفقهاء أجمعوا على أنها نزلت في غنائم الحرب ولا علاقة لها بأرباح المكاسب، ثم أفتوا بوجوب تسليم هذا الخمس إلى يد الفقهاء، وأضافوا أن الشيعة إذا لم تسلم خمس أرباحها إلى يد المجتهد أو الفقيه فإن صلاتهم باطلة وصومهم باطل وحجهم باطل وهكذا دواليك، وخضعت الشيعة المسكينة إلى هذه الفتوى التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وهاهم عبر التاريخ يقدمون إلى الفقهاء خمس أرباح مكاسبهم، ولم يحدث قَطُّ أنَّ نفراً منهم قد سأل هؤلاء الشركاء الذين لا يشاركون الشيعة في رأس المال ولا في التعب والكد والجهد بل يشاركونهم في الأرباح فقط، من الذي جعلكم شركاء في أرباحنا؟ وما الأدلة التي تستندون عليها؟ ولماذا نكدح ونكافح نحن وأنتم قاعدون تجنون ثمار تعبنا؟ لقد خضعت الشيعة لهذه الضريبة الجائرة بلا سؤال ولا ضجر فاحتلبهم الفقهاء كما تُحتَلَبُ الناقة الطيعة. ولم يقنع الفقهاء بمشاركتهم في أرباح الشيعة، بل زعموا أنهم ولاة عليهم يجب إطاعتهم، ومن خرج عليهم فقد خرج على الله، ومن رد عليهم فهو كالراد على الله يجب قتله وقمعه من الوجود. فخضع كثير من الشيعة لهذه الفاجعة الفكرية وقبلوا وآمنوا بها، وضحوا بأنفسهم وأولادهم في سبيل هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم السلطة الإلهية وبدون أن يساندهم دليل أو يقف معهم برهان، بل إن الذي يدعونه لا يتناقض مع عقيدة التوحيد والشريعة الإلهية فحسب، بل يتناقض مع مبادئ العقل والبدهيات الأولية، حقاً إنه من الأمور المحزنة أن تواجه الشيعة محنة فكرية كهذه، وكثير منهم يؤمنون بها، ويتفانون في سبيلها»(16).

-------------------------------
(1)انظر: أصول مذهب الشيعة، للقفاري، ج 2/894، وانظر: تطور الفكر السياسي الشيعي 419 ـ 437.
(2)الحكومة الإسلامية، الخميني، ص 80.
(3)المصدر السابق، ص 51.
(4)المصدر السابق، ص 49.
(5)انظر إيران: تحديات العقيدة والثورة، د. مهدي شحادة، د. جواد بشارة، مركز الدراسات العربي ـ الأوروبي، ط/ 1، 1999م، ص 19.
(6)الحكومة الإسلامية، ص 95.
(7)انظر: د. موسى الموسوي، الثورة البائسة، ص 147.
(8)انظر: مهدي نور بخش، الدين والسياسة والاتجاهات الأيديولوجية في إيران المعاصرة، ضمن: إيران والخليج، البحث عن الاستقرار، ص 48.
(9)محمد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص 165.
(10)الحكومة الإسلامية، ص 54.
(11)إيران: تحديات العقيدة والثورة، د. مهدي شحادة، د. جواد بشارة، ص 21 ـ 22.
(12) الحكومة الإسلامية، ص 54.
(13)محمد حسين فضل الله، ولاية الفقيه، ص 46.
(14)المصدر السابق، ص 55.
(15)المصدر السابق، ص 24.
(16)يا شيعة العالم استيقظوا، ص 16 ـ

لا عزاء للملة.. ولا للملالي

لم يستثمر الفقهاء تلك السلطة التي صنعوها لأنفسهم، والأموال التي يجنونها من عامة الشيعة في تغيير الحال العلمية والاجتماعية الرثة إلى حد بالغ في جنوب لبنان، وقد استمرت هذه الحالة إلى ما يقرب من قرن كامل من الانحطاط والبؤس، إذ اعتُبِرَ شيعة لبنان منذ زمن طويل أكثر الطوائف اللبنانية حرماناً،فوفق أغلب ـ إن لم يكن كافة ـ المقاييس التي تحدد الحالة الاجتماعية والاقتصادية يأتي الشيعة في أدنى درجات السلم بالمقارنة مع الطوائف الأخرى.

«فاستناداً إلى إحصاءات 1972م نجد أن معدل دخل «العائلة» الشيعية كان ـ 5432 ليرة لبنانية (كان الدولار في العام 1976م يعادل ثلاث ليرات لبنانية) بينما يبلغ دخل «الفرد» ـ من غير الشيعة ـ 6247 ليرة لبنانية، وإنهم يملكون أكبر نسبة مئوية من العائلات التي يبلغ مدخولها أقل من 1500 ليرة لبنانية. وهم الطائفة التي تضم أقل عدد من العاملين في الحقول التالية: المهني والتقني، النشاط التجاري أو الصناعي وإدارة أعمال، الوظيفة المكتبية والأعمال الحرفية، وأكبر عدد من العمال والمزارعين والباعة المتجولين. ولقد وجد (مايكل هدسون) في دراسته التي أجراها عام 1968م أن نسبة التلاميذ إلى السكان في المنطقتين اللتين تعيش فيهما أغلبية شيعية (البقاع والجنوب) والبالغة حوالي 13% تقل بـ 5 % عن المحافظات الثلاث الأخرى. ووجد (رياض طيارة) في تحليله للفروق التعليمية أنه في 1971م كان 6,6% فقط من الشيعة قد نالوا تعليماً ثانوياً وما فوق؛ مقابل 15% و 17% على الأقل للسُّنَة والمسيحيين على التوالي.

ووجد (حسن شريف) أنه بناء على إحصاءات الدولة الرسمية لعام 1972م فإن الجنوب الذي يبلغ عدد سكانه 20% تقريباً من عدد السكان العام لا يحظى بـ 0.7% من ميزانية الدولة. ويظهر وصف (شريف) للتخلف في الجنوب الظروف التي كان على العديد من الشيعة أن يعيشوا في ظلها: «يحظى الجنوب بأقل نسبة من الطرقات المعبدة سواء بالنسبة للفرد أم بالنسبة للكيلو متر المربع. والمياه الجاريـة لا تزال مفقودة في كل القرى والبلدات رغم أنه تم في أوائل الستينيات تمديد الأنابيب إلى العديد من المناطق، وكذلك مدت شبكة الكهرباء في الوقت نفسه تقريباً، إلا أنها ظلت لا تعمل في معظم الوقت. ولا توجد تجهيزات لتصريف المياه إلا في المدن والبلدات الكبيرة، ويغيب الهاتف كلياً خارج المراكز الكبيرة اللهم إلا من كابينة يدوية واحدة هي في العادة معطلة. ويزور الأطباء القرى مرة في الأسبوع وأحياناً مرة في الشهر كله. ولا توجد المستوصفات إلا في القرى الكبيرة، إلا أنها لا تعمل بانتظام، بينما لا توجد المستشفيات والصيدليات إلا في المراكز الكبيرة. أما التعليم الابتدائي فيجري عادة في بيت قديم غير صحي تقدمه القرية نفسها. أما المدارس التكميلية فقد أدخلت إلى البلدات الكبيرة في منتصف الستينيات».

وبناء على بحث «نورثون» الميداني في لبنان عامي 1980م ـ 1982م فإن وصف (حسن شريف) لا يزال محتفظاً بصحته بشكل عام؛ فالظروف التي يصفها لا تزال في غالبيتها على الأقل سيئة بالمقدار نفسه، بل لعلها قد ازدادت سوءاً في مجالات عدة عبر سنوات الحرب الأهلية والتفتت الاجتماعي(1).

ولقد وصف أحد الرحالة (دافيد أوركهارت) في منتصف القرن التاسع عشر الشيعة بأنهم شعب خامل خانع يتمتعون بالقذارة والفساد، وحتى بعد ذلك بقرن من الزمان، كان هذا الوصف لا يزال صحيحاً في نظر العديد من المؤلفين: «يلبسون جميعاً أسمالاً بالية، باستثناء بعض المشايخ، وجميعهم متسولون. يتحلقون حول النار التي يطهى عليها الطعام في الهواء الطلق، وإذا طلب من واحدهم أن يحضر بعض البيض هز كتفيه. وإن قيل له أنه سيجزى مالاً لقاء تعبه (في إحضار البيض) يجيب «لا يوجد». إن قذارتهم تثير الاشمئزاز حتى تكاد تظنهم يتفاخرون بخروجهم عن القانون والشريعة، فهم لا يحافظون لا على نظافة أنفسهم ولا على نظافة قراهم»(2). ويصف محمد جابر آل صفا حال بني قومه من الشيعة في جبل عامل في الفترة التي عاصرهم فيها فيقول:«انتشر الفقر والخراب وكذا الغش والتزلف والنفاق والوشايات، فساءت الأخلاق، وفسدت النفوس، وتنافرت القلوب. ولم تزل آثار هذه الأخلاق تفتك فتكاً ذريعاً في أدبيات البلاد ومعنوياتها. وانقرض أبناء ذاك الجيل، جيل العز والمنعة والإباء، وخلفهم جيل اتخذ التزلف والخداع والأثرة ديدناً له، فكان أسوأ خلف لخير سلف. نعم الجدود ولكن بئس ما ولدوا... وإن القلب ليحزن والعين لتدمع على المصير المحزن، والعاقبة الوبيلة التي وصلت إليها الطائفة، وكيف تبدلت الحال غير الحال والأرض غير الأرض»(3). «وفتحت أبواب السلب والرشوة على مصراعيها. وقلَّما كنت ترى أو تسمع بموظف نزيه عفيف إلا ما شذ وندر. وكان كبار الموظفين يضغطون على صغارهم فيدفعونهم دفعاً لنهب الأهلين وسلب أموالهم. وكانوا في الغالب لا يسمعون لمظلوم شكوى في حق أحد الموظفين»(4). «وانتشرت الأخلاق الفاسدة، والميول الشريرة، وامتدت أيدي اللصوص وقطاع الطرق إلى مال الشعب البائس، فاختل الأمن وسادت الفوضى ووقعت البلاد في فقر مدقع وضنك شديد»(5).

«هذا وصف موجز للحالة الإدارية في جبل عامل في ذلك العهد: تجارة كاسدة، وأمن مختل، وزراعة بائرة، وفقر مدفع، وعيش أنكد»(6). «ولا يسع المنصف إلا أن يرسل دمعة سخية على المصير المحزن الذي وصلت إليه هذه البلاد، منبت الأبطال، ومهبط العبقرية، وكيف هوت للحضيض، وتدهورت في مهاوي الانحطاط»(7).

وبالرغم مـن الإحكام الشديد لطوق السيطرة الدينية الشيعية على الناس، إلا أن الوضع الديني والاجتماعي والتعليمي بلغ في لبنان وضعاً مزرياً؛ فهذا أحد أشهر العلماء الشيعة في ذلك الوقت، وأكثرهم حسرة على واقعهم يقول: «فهذه القرى العاملية لا يذكر فيها اسم الله ـ تعالى ـ في ليل ولا نهار، ولا فرق عند أهلها بين رمضان وشوال. أما مكانة عالم الدين فانحطت إلى أسفل الدركات: فهذا يموت جوعاً ولا يشعـر به إنسان، وذاك تتجهم السفهاء على كرامته، فلا يجد ناصراً ولا معيناً، وآخر يتحزب للبيك والنائب ليأكل الرغيف»(8).

وشيعة لبنان لم يرثوا سلكاً من العلماء واسعاً ومتماسكاً، وثمة مناطق في لبنان الجنوبي ومن لبنان الشرقي ترك أبناء الشيعة فيها طلب علم الدين منذ عقود، وأدى هذا الانصراف عن الدراسة على كبار مشايخ الشيعة في النجف إلى ضعف ترتيب رجال الدين رتباً ودرجات، فلم يبرز بين العلماء اللبنانيين من يقر لهم أقرانهم بالصدارة والتقدم على من سواهم؛ فهم مشتتون لم تجتمع كلمتهم على ما فيه صلاحهم، وتفكك جسم العلماء المحلي والوطني ولم تبق له صفة الجسم الواحد وقد دفعت هذه الحالة الحاج سليمان البزي ـ أحد وجهاء الجنوب ـ إلى الشيخ محمد حسين الكاظمي ـ أشهر علماء العرب في العراق وقتها ـ بطلب أحد اثنين: السيد إسماعيل الصدر، أو السيد مهدي الحكيم، وقَبِلَ الحكيم المجيء على أن يُرسَلَ له مئتا ليرة عثمانية ذهباً؛ وطَلبُ هذا المبلغ الكبير أمارة على علم الطالب بعزيز مكانته، وقبولُ وفائه علامة على الاحتياج إلى العالم. كما عزف أبناء علماء كبار أمثال: محسن الأمين، وعبد الحسين شرف الدين وغيرهم عن طلب العلم الإمامي، بل وقد خلع بعضهم العمامة ولم يكمل العلم الشرعي وانصرف لغيره. ولا يخفي جواد مغنية مرارته حين يقول: «إن ثلة من خيرة الشباب العاملي قضوا في طلب العلم والدين سنوات طوالاً، وبعد أن اجتمعت لهم الشروط تحولوا عنه مغتبطين حين وجدوا الفرصة للتحرر والانطلاق، هذه الظاهرة آيات بينات على عدم الثقة بمصير العلم ورجال الدين»(9).

وقد وصف أحد أتباع الصدر في الستينيات حال رجال الدين الشيعة فقال: «إن رجل الدين بيننا قد لبس عباءته ووضع رأسه على يده، ومضى إلى النوم، وهو لا يستيقظ إلا ليقول للآخرين أن يناموا. إن حياتـه عـاطلة، فلا يخدعنكم أنه يتحرك، ذلك أنه يتحرك للرجوع، ورجل الدين هذا يسيء بصورتين: عندما يرجع إلى الوراء، وعندما يجر الآخرين وراءه، لقد امتلأ عقله بأكثر الخيالات التي لا تقبل التصديق»(10).

وقد خاطب أحدهم يوماً عبد الحسين شرف الدين، كبير العلماء الشيعة في جبل عامل قائلاً: «هل كان هناك من يرد لك كلمة أو يعصي لك أمراً، كان الجميع مذعناً خاضعاً بين يديك يتخذ قولك الحد الفاصل بين الحق والباطل، ولو شئت أن ترمي بهم في البحر لما عصوا لك أمراً؛ فهل كانوا مقصرين في السمع والطاعة والإذعان بين يديك، وهل لك أن تعتذر بأن القوم لم يسمعوا ولم يطيعوا؟! كان ذلك إشارة إلى التقصير الشديد للقيادة الدينية في التحرك بمهام الطائفة مع الرغم من توفر ما يعين على ذلك.

لقد كانت الزعامة الدينية في تلك المرحلة عاجزة عن مقارعة الزعامة السياسية والسلطة، وذلك بسبب عجزها عن قيادة الجماهير والتأثير السياسي؛ إضافة إلى قناعتها بأن مجال عملها في الحقل الديني والتوجيه الاجتماعي»(11). «وكان طالب العلم في النجف يقيم مدة تؤهله لإصلاح إحدى القارات الخمس، فإذا عاد إلى بلده لم يحصل له من المال ما يتناوله حارس أو موظف بريد، فانحطت مكانة عالم الدين الاجتماعية والأدبية انحطاطاً ذريعاً، حتى لقد أخذ بعضهم على أهل جبل عامل ضنهم على العالم بالرغيف!!»(12).

وقد تسببت هذه الحالة في حسرة ومرارة شديدة لدى الشيعة، حيث مثلت هذه الحالة حائطاً كبيراً أمام تحقيق الأحلام المنشودة، ولهذا يقول وضاح شرارة: «ولا شك أن انصراف طلبة العلم الديني الإمامي إلى غيره وإحجام أبناء من استووا أعلاماً على التشيع، ليس في جبل عامل أو لبنان وحده، بل العالم العربي والإسلامي «الشيعي» كله عن اقتفاء سنة آبائهم، ظهر ذلك بمظهر تنكُّب تاريخ برمته، ولما كانت الجماعة العاملية التي جرى مثقفوها من علماء وأفندية وأساتذة على تسميتها بـ «الأمة» أناطت بتشيعها وببلائها وبلاء علمائها في حفظ التشيع ورعايته واستمرارها واستقلالها، وقع انقطاع المنقطعين عن طلب العلم النجفي عليها وعلى مثقفيها وقوعاً قاسياً وأليماً»(13).

وقد كان من أسباب اضمحلال التعليم الإمامي في لبنان والعزوف عنه أنه كان يؤخذ على جامعة النجف ـ إضافة إلى البعد المكاني ـ انزواؤها وانكفاؤها، وبعدها عن العالم المحيط بها ومشكلاته وقضاياه، وإذ تركها من تركها منهم أقبل على السياسة وعلى الحياة السياسية إقبال النهم وباشرها كتابة ودعاوة وتظاهراً وتنظيماً، أما من لم يتركها فقدم الدعوة إلى الإصلاح. واعتبر بعضهم أن أصل البلاء: هو عجز العلماء عن مماشاة العصر، وقال: «تطورت الحياة وجمدنا، وتكلم العصر وخرسنا، إن على العالم أن يتصل بجميع طبقات الشعب اتصالاً وثيقاً ويحيط بأحوالها مباشرة، ويسير بحسب التطور مع المحافظة على الدين الحقيقي»(14).

وبهذا فقد تمثلت المأساة الإمامية في لبنان في أمور عدة نوجزها بالآتي:

1 ـ غياب القيادة الدينية التي تمثل مرجعية واعية لتحقيق أحلام الطائفة.

2 ـ انكفاء العلم الإمامي على نفسه وعدم مواكبته لمتطلبات العصر.

3 ـ انحطاط مكانة العلم والعلماء بين عامة الناس وخواصهم.

4 ـ بُعد المدارس الدينية الشيعية الكبرى والذي يتطلب شد الرحال إليها والتحصيل منها مبالغ مالية كبيرة، وهو ما لم يكن في مستطاع الكثير من الناس وقتها.

5 ـ انصراف أبناء العائلات الدينية الكبيرة والمشتهرة بـ «بيوت علم ودين» عن طلب العلم الإمامي لأسباب مضت.

وهكذا اكتملت صورة المأساة للواقع الشيعي في لبنان، ولكن مع نهاية منتصف القرن العشرين الميلادي كانت هناك بدايات جديدة لحياة جديدة.

------------------------------
(1) أمل والشيعة، 47 ـ 48، وراجع الجنوب اللبناني في الجغرافيا والتاريخ، هاني فرحات، مجـلة الباحث، العـددان، 20، 21، ص 109 ـ 127، وهو عدد مزدوج خاص بعنوان: الجنوب اللبناني.. قضية وتاريخ.
(
2)أمل والشيعة/ 43.
(
3)تاريخ جبل عامل/ 106.
(
4 ، 5) المصدر السابق، ص 168، 301.
(
6)المصدر السابق، ص 168.
(
7)المصدر السابق، ص 107، وراجع: هاني فرحات، الجنوب اللبناني في الجغرافيا والتاريخ، مصدر سابق.
(
8) محمد جواد مغنية، الوضع الحاضر في جبل عامل، ص 58، نقلاً عن دولة حزب الله، ص 26.
(
9)جواد مغنية، المصدر السابق، ص 24 ـ 29.
(
10)الإسلام الشيعي، ص 189.
(
11) راجع: غسان الشيخ علي، السلطة السياسية في جبل عامل بعد سنة 1920م، مجلة الباحث، العـددان، 20، 21/ يناير ـ فبراير 1982م، ص 102 ـ 103.
(
12)الوضع الحاضر في جبل عامل، ص 47 ـ 48، 232.
(
13)دولة حزب الله، ص 30 ـ 31.
(
14)الوضع الحاضر في جبل عامل، مغنية، ص 43.

التثويـر قبل الثـورة

دفعت هذه المرارة بعض علماء الشيعة إلى النظر بجدية للواقع اللبناني، كما كان النظر منصرفاً لحال بقية الأمة الشيعية؛ فخلال الفترة السابقة للثورة كانت الأفكار الثورية حول الحكم تتطور وتُفَصَّل في أوساط القوى المعارضة للشاه في عملية ملحوظة من التفاعل الشيعي الشامل. لقد مثلت المدارس الدينية في قم بإيران وفي النجف بالعراق _وخاصة الأخيرة_ دوراً جاذباً ونقطة التقاء للعلماء والفقهاء من إيران ولبنان والعراق؛ حيث أُرسِيَت الأسس من أجل رؤية عالمية مماثلة ـ وإن لم تكن متطابقة تماماً ـ وشبكة من الصداقات الشخصية والولاءات السياسية الدينية التي كان لها أثر هام على المنطقة ككل. كان من بين رجال الدين الشيعة اللبنانيين الذين برزوا من هذه الشبكة الإمام موسى الصدر، ومحمد مهدي شمس الدين، ومحمد حسين فضل الله. وقد سبق أولئك النفر جميعاً في الاهتمام بحال الشيعة المتردية والسعي إلى إصلاحها محمد جواد مغنية(1) الذي كانت علاقاته تشوبها التوتر مع موسى الصدر.

«أما قائمة العلماء الناشطين الآخرين فكانت تضم محمد باقر الصدر الذي تابع تشكيل (حزب الدعوة) في العراق والذي كان الحزب البشير لحركات شيعية أخرى في المنطقة، ومن خلال توليه منصباً تدريسياً في النجف بين عامي 1965، 1978م كان آية الله الخميني وزملاؤه المتمركزون في إيران في قلب هذا المرجل الفكري والسياسي. إن العلاقة بين الإمام الصدر ورجال الدين الشيعة اللبنانيين الآخرين والخميني قد ساعدت في تأسيس الروابط التي سوف تسهِّل فيما بعد دخول إيران الثورية إلى الساحة اللبنانية، وعلى الرغم من الطبيعة الشيعية الخاصة بمدرسة النجف فإن هذه التجمعات ربما تكون بذلك قد ساعدت على التخفيف من حدة الطائفية الضيقة للعقيدة الثورية الجديدة»(2).

وهكذا فقد مثلت المدارس الشيعية الكبرى بؤراً أساسية لتجميع الملالي وتوحيد الأفكار الثورية، والتي كان على رأسها دولة شيعية كبرى تضم إيران والعراق ولبنان في بداية الأمر(*)

وعندما نظر علماء هذه المدارس إلى الحالة اللبنانية التي هي أحد أضلاع مثلث الحلم، كان لا بد من تذليل العقبات الكبرى التي تواجه تحقيق هذا الحلم، وكان التركيز العلاجي متوجه لحل الإشكاليات الخمس السابقة الذكر، وكان ذلك بسلوك خطين متوازيين في وقت واحد، يلتقيان في مرحلة ما فيشكلان نقطة انطلاقة واحدة، وكان الخطان هما: التثوير السياسي، والتثوير العلمي الديني، ثم ينتهيان إلى الثورة المسلحة.

---------------------------
(1)راجع ترجمة له في: الإسلام الشيعي، ص 190 ـ 192.
(


) سوريا وإيران: تنافس وتعاون، أحمد خالدي، حسين .ج. آغا، ترجمة: عدنان حسن، دار الكنوز الأدبية، ط 1/1997م، ص 19 ـ 20.
(* ) بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، وبعد الإحساس بتوطيد القدم الشيعي بشكل أكبر في لبنان وفي إحراز مكاسب كبيرة للطائفة، كتب أحد أبناء هذه الطائفة يقول: لقد وضعتنا المقاومة الإسلامية وأجبرتنا على التعامل مع «الميدان أولاً» كأساس في الصراع مع الاستبداد والهيمنة والديكتاتورية، الأمر الذي يدفعنا إلى مزيد من العمل على تأكيد مبدأ «الميدان أولاً» لإزالة القمع الممارس ضد أهلنا وشعبنا في العراق. انظر: ماجد الأسدي، حزب الله مشروع لتحرير الأرض والإنسان، جريدة العهد، العدد: 582، 2/6/2000م.

التثوير السياسي

عندما توفي المرجعية العلمية لشيعة لبنان عبد الحسين شرف الدين (1958م) طلب آل شرف الدين أحد أقربائهم المجيء إلى صور لخلافة عبد الحسين في هذه المرجعية؛ حيث إنه قد نص على هذا الشخص لخلافته، «وكان جد هذا القادم هو عبد الحسين العاملي من بين مجموعة من علماء جبل عامل الذين التحقوا ببلاط الدولة الصفوية ليساعدوها في ترسيخ المذهب الشيعي في إيران، ولد هذا المرجع في قم بإيران عام 1928م، ووافق آية الله محسن الحكيم على إرساله إلى لبنان»(1)، كما كان والده أحد الآيات الكبار في إيران، وتخرج هذا «المرجعية العلمية» من جامعة طهران، كلية الحقوق والاقتصاد والسياسة، وبالرغم من ذلك فقد حصل على لقب «الإمام».

كان هذا الرجل هو موسى الصدر(2)، وكانت تربطه صلة مصاهرة مع الخميني، فابن الخميني أحمد متزوج من بنت أخت الصدر، وابن أخت الصدر مرتضى الطبطبائي متزوج من حفيدة الخميني. كما يُذكر أن الصدر تتلمذ على يد الخميني في قم، وعندما قدم الصدر إلى لبنان وكان ذلك في عام 1958م، أي كان لديه ثلاثون عاماً فقط، عندما قدم حصل على الجنسية اللبنانية مباشرة بناء على قرار جمهوري أصدره الرئيس شهاب (1958م ـ 1964م)(3) وكان هذا القرار فريداً من نوعه؛ لأن إعطاء الجنسية اللبنانية لغير النصارى أمر في غاية المشقة، فكان ذلك القرار بمثابة التمكين لأقدام الصدر في لبنان. «وكانت شخصية الصدر وبداياته ودوره وتحالفاته مثار كثير من التساؤلات؛ إذ أحاطها الغموض الشديد وعلامات الاستفهام الكثيرة؛ فهذا كامل الأسعد ـ وهو شيعي ـ في حديث نشرته مجلة الحوادث اللبنانية في 3/1/1975م يقول: إن هناك أكثر من علامة استفهام تدور حول الخطة التي ينفذها موسى الصدر والأشخاص الذين يؤيدونه هنا وفي الخارج، وأبعاد هذه الخطة في لبنان وفي الخارج»(4).

«وكان يُذكر للشاه محمد رضا بهلوي أنه كان يقمع الحركات الأصولية داخل إيران، ويدعم توسعها خارجها، وقد دعم الشاة حركة الدعوة (محمد باقر الصدر) في العراق، وموسى الصدر في لبنان»(5). «وقد ذكر شهبور بختيار الذي قلده الشاه السلطة في إيران حينما تركها أن الشاه محمد رضا بهلوي كانت له أحلام توسعية كبيرة، فأرسل موسى الصدر إلى لبنان من أجل تعزيز مشروع إنشاء دولة شيعية تضم إيران والعراق ولبنان، ووعده الشاه بخمسمائة ألف دولار مقابلاً لذلك»(6). واللافت للنظر والذي يؤكد التواطؤ الواضح لتنفيذ مشروع الدولة الشيعية الكبرى، هو ذلك التوافق الزمني للبدايات في الدول الثلاث؛ فالخميني في إيران، ومحمد باقر الصدر في العراق، وموسى الصدر في لبنان، فهكذا كانت الأمور مرتبة ومعدة.

والآن نقف على الإنجازات التي حققها موسى الصدر للشيعة في لبنان، فقد حقق الصدر لشيعة لبنان عدة إنجازات تحولوا بها من هامش الحياة السياسية اللبنانية إلى متنها، بل وإلى عناوين موضوعاتها، وكان من أهم تلك الإنجازات:

1 ـ تحديث القيادة الشيعية:

وسع موسى الصدر أن يقول: «لقد أخذت بيد رجل الدين لأدخله في المجال الاجتماعي، ولقد رفعت عنه غبار القرون»(7). «فلقد آذن النحو الذي نحاه موسى الصدر في بناء القيادة الشيعية في العقد السابع من القرن العشرين الميلادي بتحول كبير في رسوم هذه القيادة وفي ترتيب معاييرها. فتصدى الشاب ذو الثلاثين ربيعاً لمثل هذه المهمة، القيادة، من غير ادعاء علم يفوق علم أقرانه، ومن غير الإدلال بإجازات ولا بتآليف أو اجتهادات. ولم يَعْنِ ذلك عزوفاً عن الخوض في المطالب الدينية. فهو توسل إلى غاياته بالعمل السياسي الجماهيري، وبتكثير العلاقات ونسج الروابط التي تجعل منه وسيطاً وطرفاً في شبكة الروابط اللبنانية والإقليمية. فتوجت مكانته، وإمامته، فلاحَ نهجه في إظهاره من يتكلم باسمهم، بمظهر القوة السياسية والاجتماعية التي ينبغي احتسابها في المشاريع العامة المختلفة، وإذ انضوى إلى الصدر وإلى حركته معظم العلماء الشيعة اللبنانيين واعتزلته جماعات أخرى منهم: أنصار حزب الدعوة، والمتحلقون حول الزعامات التقليدية، وأنصار التيارات التقدمية والعلمانية، ومردُّ ذلك إلى عمله السياسي في المرتبة الأولى. إلا أن الدور السياسي لم يـورث مرجعية دينية وفقهية التي بدا أن الصدر لا يوليها اهتماماً كبيراً، برغم حرصه وحرص شرف الدين الذي جاء الصدر ليخلفه، على تكثير العلماء، وتمهيد سبل إعدادهم. فتصدر الشيعة اللبنانيين تصدراً متنازعاً رجلُ دين لم يُجمِع أقرانه عليه، ولم يسع هو إلى مثل هذا الإجماع. لذا خلت مسألة المرجعية من كل مضمون، وجلا عنها كل إلحاح، فلم يتصدّ لها أحد من العلماء، لا قبل الصدر ولا بعده، فأثَّر موسى الصدر في إخلاء مسألة المرجعية من مضمونها وإلحاحها، برغم أن السياسة الخمينية تنهض في وجه من وجوهها على إنشاء سلك علمي وديني واسع ومتماسك تسوسه على نحو مركزي»(8).

وبهذا فقد أضعف الصدر إلى حد كبير دور الزعامات الشيعية التقليدية التي لم تكن لها تطلعات ثورية، وارتضت واقع العيش اللبناني، والتمسك بالمكاسب الخاصة دون النظر لتطلعات وآمال وآلام الأمة الشيعية إن لم يكن قضى عليها.

2 ـ وضوح التميز الطائفي:

اتخذ الصدر لإجلاء صورة الطائفية الشيعية أمرين مهمين:

الأول: تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: جاهد الصدر كثيراً لضم الشتات المبعثر لشيعة لبنان، وما أن بدأ الالتئام حتى سعى إلى الانفصال التـام بالشيعة باعتبارها طائفة مستقلة عن المسلمين «السنة» في لبنان، فقد كان للمسلمين في لبنان مفتٍ واحد ودار فتـوى واحدة، وكان المفـتي وقتـها هو الشيخ حسن خـالد ـ رحمه الله ـ، وادعى الشيعة أن الشيخ حسن خالد رفض التوصل إلى عمل مشترك معهم(9)، وفكر الشيعة في إنشاء «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» عام 1966م ووافق مجلس النواب اللبناني على إنشائه واختير الصدر رئيساً للمجلس، وبهذا أصبحت الشيعة طائفة معترفاً بها رسمياً في لبنان كالسنة والموارنة. وأصبح هذا المجلس المرجعية السياسية والدينية الجديدة التي تهتم بكل ما يتعلق بالشيعة اللبنانيين وبجميع شؤون حياتهم ومماتهم، وتحولت المرجعية بهذا المجلس من مرجعية فردية إلى مرجعية مؤسسية، وإن لم يتم التخلي عن دور المرجع الشخصي.

الثاني: تأسيس حركة المحرومين: أخذت هذه الحركة في بدايتها بالسمة الاجتماعية والمناداة بتحسين أحوال الشيعة في لبنان، وخاصة سكان الجنوب، ووضع لها الصدر شعارات براقة، كالإيمان بالله والحرية والعدالة الاجتماعية والوطنية وتحرير فلسطين، وأن الحركة لجميع المحرومين وليست خاصة بالشيعة، «فنزعت هذه السياسة مع موسى الصدر إلى استدراك ما فات الشيعة اللبنانيين من لحمة ومن قوة، وذلك من طريق وصل ما انقطع بين المقيمين في الأرياف وبين النازلين المدن، ومن طريق تقريب ما تباعد بين أهل جنوب لبنان وبين أهل بقاعه أو شماله الشرقي، وكان على حركة الصدر أن تصور الفروق الاجتماعية والثقافية المتعاظمة في صفوف الشيعة في صورة الأمر الهين والثانوي، والذي يتأخر عن وحدة جماعتهم زمناً قبل أن تتداركه فتجلو الجماعة الشيعية واحدةً، سياسة واجتماعاً. فجاءت السياسة الشيعية الجديدة تتويجاً لانفكاك السياسة من الحياة الاجتماعية ومن علاقاتها، وتتمة لهذا الانفكاك. لكن هذه السياسة نقلت إلى جملة الطائفة ـ أي إلى كل الشيعة ـ ما كانت الأنظمة النيابية والانتخابية تنيطه بطاقم نيابي، تتصدره مـراتب عائلية بعينها، لا تتصل بالحياة الاجتماعية إلا من طرق مواربة، ولما كان «كلّ» الشيعة، شأن «كلّ» أو «جميع» أي جماعة، لا كيان له إلا متخيّلاً ومتوهماً ومرموزاً إليه، عمل موسى الصدر على نصبه وتجسيمه في شارات تقربه من المخيّلات، وتحمله على الحقيقة. فكانت التظاهرات الكبيرة التي تجمع عشرات الألوف من الناس، وتضمّ أجنحة الشيعة اللبنانيين، في الجنوب والبقاع، وفي الريف والمدينة، وكان رفع «الحرمان» شعاراً ليميز في الشيعة أنفسهم الذين أقاموا على التشيع الحق ـ على ما يراه الشيعة ـ وما يفترضه من قهر أو «مظلومية»، ليميزهم عن الذين تخلوا عن قومهم والتحقوا بذوي الامتيازات. ولكنَّ لشعار «الحرمان» دوراً جامعاً؛ إذ يذكّر بالفرق بين الشيعة وبين غيرهم داخل الفئة أو المرتبة أو الطبقة الواحدة»(10).

وكان العديد من الشباب الشيعي قد انضم إلى جماعات مختلفة مثل التنظيم البعثي الموالي لسوريا والحزب القومي الاجتماعي السوري، وجبهة التحرير العربية التي يدعمها العراق، وبعض التنظيمات الماركسية المتعددة، ولقد كان من أسباب هذا الانضواء تحت هذه المذاهب المختلفة خلو الساحة السياسية من حركة شيعية تجمع هذا الشتات الكبير، كما أن هذه التنظيمات كانت تدفع رواتب مجزية لأعضائها، وقد كانت الحالة الاجتماعية للشيعة شديدة في فقرها. وعندما أعلن موسى الصدر عن حركة المحرومين دخلها من دخلها من هؤلاء بما هم عليه من أفكار هذا الشتات، وكما ضمت الحركة تلك التشكيلة المختلفة ضمت كذلك في ثناياها «الجماعة الإسلامية» أو الخمينية والإيرانية الولاء لاحقاً، وكانت أكثر الجماعات المنضوية تحت عباءة الحركة، وقد سعت للاستيلاء على الحركة من داخلها والسيطرة عليها فكانت حركة المحرومين هي «العباءة» التي لبستها وتسترت بها قبل أن يحين خلعها والسفور عن هوية سياسية مستقلة ومنظمة، ويبدو في تلك المرحلة أن الهم الأكبر كان جمع هذا الشتات الشيعي بأي شكل كان ،وتجميعه تحت قيادة جديدة تستطيع المحافظة على هذا الجمع إلى حين. وكان كذلك أن ذهب الصدر إلى علاج ما يلح عليه أهل الطائفة الشيعية، من احتياجهم إلى مرافق يتوسلون بها إلى ما فاتهم من تحديث التعليم والإعداد المهني والرعاية الصحية والاجتماعية، فأنشأ مدرسة الخياطة والتفصيل، ومدرسة التمريض، ومدرسة جبل عامل المهنية التي تخرج منها أهم كوادر المقاومة المسلحة لحركة أمل فيما بعد، كما شهد بذلك نبيه بري ـ زعيم الحركة بعد الصدر ـ،(11) كما أنشأ مبرة الزهراء ومستشفى الزهراء فيما بعد.

إلى هنا سنترك الصدر بهذين الإنجازين وسنعود إليه عندما يلتقي مع محمد حسين فضل الله في نقطة الانطلاق الثالثة.

--------------------
(1)أوليفيه روا ، تجربة الإسلام السياسي، ص 178.
(2) انظر ترجمته في: الإمام المستتر، فؤاد عجمي، والإسلام الشيعي عقائد وأيديولوجيـات، يان ريشار، وجاء دور المجوس، عبد الله الغريب، وتجربة الإسلام السياسي، أوليفيه روا، وأمل والشيعة، لنورثون.
(
3) يذكر أن الأسرة الشهابية كانت من الأسر الدرزية التي تنصرت، انظر: الطائفية اللبنانية من النشأة حتى الأزمة، د. محمـود الصـراف، دار الهداية للطباعة والنشر، ص 15، وانظـر: تاريخ لبنان الحديث، ص 40 ـ 41.
(
4)انظر: عبد الله الغريب، وجاء دور المجوس، 409 ـ 423.
(
5)تجربة الإسلام السياسي، ص 178.
(
6)انظر: الصدر ودوره في حركة أمل، ضمن حلقات: الإسلام والكونجرس الأمريكي، د. أحمد إبراهيم خضر، مجلة المجتمع، العدد: 957، ص 47.
(
7)فؤاد عجمي، الإمام المستتر، ص 58.
(
8)انظر: دولة حزب الله، ص 167 ـ 169.
(
9) انظر هذا الكلام وهو لحسين الحسيني ضمن حلقات حازم صاغية التي بعنوان: معرفة (بعض) لبنان، طوائف وعائلات، مناطق وأحزاباً سياسية، جريدة الحياة، العدد 13323 / 19/5/1420هـ، 30/8/1999م.
(
10)دولة حزب الله، ص 79 ـ 80.
(
11)راجع ذلك في حواره مع مجلة الوسط، العدد 275/5/5/1997م

التثوير العلمي والديني

الدور الذي قام به الصدر حل بعض الإشكالات التي تواجه التجمع الشيعي بأمراضه المزمنة؛ ولكن بقيت بعض الإشكالات الأخرى التي لا يصلح لمعالجتها الصدر وأمثاله، فبقيت قضية العلم الديني الإمامي: تدريسه وتطويره وتقريبه للناس، والترغيب في العودة إلى حِلَقه في الحوزات والحسينيات، ثم ربط ذلك كله بالهدف الأساس، وهو تحويل المجتمع الشيعي اللبناني إلى مجتمع حرب ـ على حد قول فضل الله نفسه ـ ليمهد للثورة وتحويل لبنان إلى دولة شيعية.

يحيط الغموض بماهية الدور المحدد الذي يلعبه السيد محمد حسين فضل الله (1). فقد برز فضل الله منذ خريف 1983م بوصفه أحد أكثر علماء الشيعة نفوذاً في لبنان، وبخلاف مرشده آية الله الخوئي الذي يرفض التدخل في السياسة، مارس فضل الله دوراً فعالاً على الساحة السياسية. وبدا أحياناً وكأنه يستمتع بوصفه شخصية سياسية معروفة.

ويُعتبر بشكل واسع قائد حزب الله أو مرشده الروحي. وبصراحة فإن التوصل إلى الحقيقة ليس بالأمر السهل، كما أنه لدى فضل الله من الدوافع التي تحمله على المكر والتضليل ما لدى أعدائه أو يزيد.

يزعم فضل الله بشكل دائم بأنه ليس رئيساً لأي حزب أو حركة؛ إذ ليس المهم أن يكون رئيساً (أو مرشداً) لحزب الله بقدر ما هو مهم أن تلقى دعوته صدى لها في صفوف الطائفة الشيعية جميعها(2). وفضل الله رجل زئبقي التصورات والأفكار، ويجيد المراوغة الكلامية والتلاعب بالألفاظ، ولكن يبقى أن كل هذه المؤهلات لا تستطيع الحياد به أو أن يحيد هو بها عن هدفه الأساس في لبنان، ومن هذه الأفكار التي تبدو متناقضة متنافرة نراه يقول: «أنا في الحقيقة رجل حوار، ولي كتب ومدرسة للحوار، وأطلب من الناس أن يحلوا مشاكلهم عبر الحب والتفاهم وليس عبر استخدام العنف»(3).

وسئل في حوار معه (4) : بالأمس دعوتم إلى التدرب على الحب «كما تدربنا على السلاح في لبنان» فهل يعني ذلك أن زمن السلاح قد ولى برأيكم؟ فأجاب: «ليس من الضروري أن يكون زمن السلاح في المطلق ولى؛ لأن الحياة تحتاج بحسب طبيعتها إلى حركية السلاح وترتبط بها في الجانب الإيجابي أو السلبي؛ لكن المسألة التي أحب أن أؤكد عليها دائماً أن قضية الحب هي قضية الحياة، بحيث إنك عندما تملك السلاح ، يجب أن تعيش معنى الحب في حركية السلاح في يدك؛ بحيث لا تحركه إلا من خلال خدمة الإنسان وخدمة الحياة بدلاً من أن تحركة لإسقاط الحياة، ومن المؤسف أن الناس لا يتدربون على الحب بل إنهم يتدربون على البغض والحقد حتى أصبحنا نتحدث عن الحقد المقدس وعن البغض الإنساني». هذا الكلام يجب أن نتذكر معه قول فضل الله وهو يخاطب جمهور المصلين في بلدة النبي عثمان قائلاً: «وعلينا أن نخطط للحاضر والمستقبل؛ لنكون مجتمع حرب!!»(5).

ثم يحاول الهروب من دوره في تعبئة الناس للحرب والتأكيد على دوره في ذلك في آنٍ واحد بقوله: «لا بد للشعب أن يعبر عن نفسه؛ ويأتي التعبير إما عبر الوسائل التقليدية، أو بغير الوسائل التقليدية؛ ولهذا نجده اختار الهجوم الانتحاري، وهذا شكل آخر من أشكال الصراع ويعتقد من يفعل ذلك أنه يصارع إذا حوَّل نفسه إلى قنبلة حية، ويصارع أيضاً لو كانت هناك بندقية في يـده، ولا فرق أن تموت بقنبلة في يدك أو أن تفجر نفسك، وهذه المفاهيم التي أتحدث عنها مفاهيم عقلية!! في مواقف الصراع، أو في الحرب المقدسة عليك أن تجد أفضل الوسائل لتحقيق أهدافك، نعم إنني أتحدث عن الشعب الذي يواجه الخطط الإمبريالية الأمريكية والأوروبية، لكنني لم أقل لهم على وجه الخصوص «فجروا أنفسكم» وقد سمعت من يتهمني بأنني أبارك الهجوم، أنا في الواقع أدعو إلى الحرية، إنني أدعو إلى التحرر من الاستعمار. إذا كان الاستعمار يظلم الناس فعلى الناس أن يحاربوه، أما أن نقول إني أتزعم الناس في أعمال عنف فلا». ثم يلتفت ويستدير للوجهة الأخرى من سياسته ويقول: «إننا يمكن أن نأتي بالتغيير في لبنان بتعليم الشعب وتنويره داخل المؤسسات الاجتماعية، وهناك طرق أخرى يمكنك أن تلجأ إليها، أن تبدأ بإقناع الناس، وهي نفس الطريقة التي يعظ بها المسيحيون، أو يفعلها الماركسيون ـ حتى لا يكون شاذاً في عرضه ـ إنك حين تقنع الأغلبية السائدة بأن تهتدي بالإسلام يكون وقتها لدينا الظروف السياسية المناسبة، ووقتها تستطيع أن توجد جمهورية إسلامية»، ثم يعرِّج على الدور العام للخدمات الاجتماعية الكبيرة التي يقدمونها للناس بقوله: «إن قوتنا تكمن في قدرتنا على صنع الناس والجماهير، وعلى أن نضع أوامرنا موضع التنفيذ؛ إنهم ينفذون أوامرنا؛ لأنهم يعرفون أننا أقرب الناس في تحقيق مطالبهم»(6).

فهذه عجالة من أفكار الرجل(7) التي يُبَيّنُ أهدافَها الواقعُ، كما تَبِينُ مراوغاتها الفكرية، وقد حقق فضل الله ـ كما حقق الصدر ـ عدة نجاحات هامة للشيعة في لبنان نوجزها فيما يلي:

1 ـ توطين العلم الإمامي:

كانت إحدى الإشكالات الكبرى التي تواجه المجتمع الشيعي اللبناني بُعد المدارس الدينية الكبرى، وكثرة المعوقات التي تحول دون الالتحاق بها، وكان من أكثرها تعويقاً للاتصال بها تلك المعاناة المالية التي لا بد أن يتحملها الطالب وأهله طوال مدة طلبه للعلم الإمامي، لذا كان الدور الذي أُنيط بفضل الله عند عودته من النجف أن ينقل معه هذه المدرسة في صورته وصورة مهدي شمس الدين، وتم اعتماد ذلك على أنه بمثابة السفر إلى النجف أو إلى قم، فأنشأ فضل الله «المعهد الشرعي الإسلامي» وبدأ في التدريس فيه، وأنشأ كذلك جمعية أسرة التآخي وحسينية الهدى، ثم بدأت المدارس في الانتشار فيما بعد.

كما تم اعتماد سياسة تعليمية تسهل الالتحاق بهذه المدارس، وقامت هذه السياسة الجديدة على:

1 ـ تكثير المدارس ونشرها في الأرياف الشيعية والضواحي، وحيث تكثر تجمعات الشيعة .
2 ـ إجراء وظيفة أو رواتب على الطالب.
3 ـ قبول الطلبة من غير شرط مدرسي أو شرط يتعلق بالسن(8). وقد أتاحت هذه السياسة للطلبة الانسلاخ من الأهل الذين يعارضون فكرة الالتحاق بهذه المدارس للعوارض السابقة، كما ساعدت على تكثير سواد الطلبة الجدد.

2 ـ تطوير العلم الإمامي:

كانت التقليدية والجمود الذي أصاب العلم الإمامي إحدى الإشكالات التي كان ينبغي التوجه إلى علاجها والتأكيد عليها، وكان مما قاله الخميني في ذلك: «قدِّموا الإسلام للناس في شكله الحقيقي، حتى لا يتصور شبابنا أن وظيفة رجال الدين أن يجلسوا في أحد أركان النجف أو قم لتدارس أمور الحيض والنفاس، بدلاً من شغل أنفسهم بالسياسة، ومن ثم يستنتج الشباب أنه يجب فصل الدين عن السياسة»(9).

«والمعهد الشرعي الإسلامي سعى إلى إخراج «العلم» الإمامي بلبنان، من شرنقة العائلات الدينية التقليدية، وقصد إلى جلاء صورة جديدة لرجل الدين تميل به عن صورة «الشحّاذ»، العاطل عن العمل، أو واعظ الناس «مواعظ تقليدية»، ومحدّثهم في الصلاة والصوم، ومرغبهم في الجنة، إلى صورة، بل إلى حال مختلفة يصح معها نزوعه إلى دور الولاية العامّة، وإلى محلّ الصدارة في ميادين النظر والعمل كافة، فأقبل على المعهد الشرعي الإسلامي طلاب حرص بعضهم حرصاً شديداً على الظهور بمظهر محصّلي العلم «العصري»، وعلى النجاح أو التفوق في مضماره ، ورمى الطلاب، ومرشدوهم، من وراء ذلك، إلى رفع ما لحق برجل الدين التقليدي من ازدراء به، وإلى محو وصمة البطالة والفراغ والجهل عنه. فلا يؤول ذلك إلى نفض الغبار عن دوره فحسب، بل تحلّ قوة العلم في دعوته وفي كلامه ومواقفه، ويشق الطريق أمام المحتذين على مثاله والمقتدين به، فيتكاثر عدد السالكين طريق علوم الدين. وجمع طلاب المعهد بين التحصيل الديني وبين أنشطة حياة عادية ووجوهها. ومثل هذا الجمع ضروري وحيوي للدعوة وحزبها»(10). «ولا يخفي القائمون على الحركة الإسلامية الشيعية بلبنان ما يتوقعونه من طلبة المدارس الدينية بمثل ما يقدمه الثوريون المحترفون قُوّام الحزب الشيوعي اللينيني والستاليني، من مرونة العمل، والتعبئة السريعة والانتشار العريض في ثنايا المجتمع الذي يعملون لأجل حكمه، والقبض على أزمَّته؛ فهؤلاء الطلبة هم الأطر، والكوادر ـ بحسب الاصطلاح الشيوعي ـ فهم من يُسرع إلى الاشتراك في الحرب وفي العمليات الخطيرة»(11).

وقد صب هذا التطوير للتعليم الديني في مجرى تحقيق الهدف الأساس من تحويل المجتمع اللبناني الشيعي إلى دولة شيعية قد تتوافق بداياتها مع البدايات الإيرانية أو تلحق بها فيما بعد فلا تقتصر السياسة على الوجه المتصل بالمدارس والتدريس، وعلى سلك العلماء وإعداده، فهي تعد الجسم الديني بغية تأطير «المجتمع الإسلامي» وقيادة المعقل الشيعي، فما العلماء، والطلبة من بعدهم وورائهم، إلا المبلِّغون عن الثورة، وعن مرشدها، ودولتها، وحوزاتها، وقد أوْلى التراث الشيعي العلماء والمبلغين والدعاة دوراً خطيراً، وأناط بهم نقل العلم الإمامي، أو الأدلة إليه. فكان التشيع الإمامي بين أُولى الفرق التي برعت في إعداد الدعاة وتنشئتهم ووضع رسوم عملهم. ولا يستقيم عمل العلماء الدعاة إلا بتدبير يتناول مواضع الدعوة ومطارحها ومظانها، وهي المساجد والنوادي الحسينية وغيرها.

---------------------------
(1) من سكان بئر العبد في الضاحية الجنوبية. هو ابن آية الله السيد عبد الرؤوف فضل الله، من قرية عيناتا الجنوبية، ولد السيد محمد حسين فضل الله في مدينة النجف العراقية في عام 1935م أو 1936م. ودرس على يد آية الله أبو القاسم الخوئي، من كبار مراجع الشيعة في العالم. قدم فضل الله إلى لبنان في عام 1966م وأقام في النبعة في ضاحية بيروت الشرقية، وعيّن في عام 1976م وكيلاً للإمام الخوئي (ممثله الشخصي) في لبنان. أقام في النبعة ـ حيث وعظ وكتب ـ إلى أن استولى عليها حزب الكتائب في 1976م فاضطر لمغادرتها كما فعل جميع سكان الحي من الشيعة. انظر ترجمة وافية له في: «العلاَّمة فضل الله وتحدي الممنوع» علي حسين سرور، الشركة العامة للخدمات الإنمائية، الطبعة الأولى، 1413هـ ـ 1992م.
(2)أمل والشيعة: 168 ـ 169.
(
3)حوار نشر ضمن حلقات الإسلام والكونجرس الأمريكي، أجراه معه. د. جورج نادر، ونُشر تحت عنوان: قراءة في فكر زعيم ديني لبناني، الأعداد: 953، 954، 955 من مجلة المجتمع.
(
4)جريدة الأنباء الكويتية، العدد: 8364/29/8/1999م.
(
5)جريدة النهار اللبنانية، 14/5/1986م.
(
6)قراءة في فكر رجل ديني لبناني، مجلة المجتمع، الأعداد: 953، 954، 955 مصدر سابق.
(
7) يمكن مراجعة كتابه: «الحركة الإسلامية هموم وقضايا» دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1412هـ ـ 1991م، وكتاب: قضايا إسلامية معاصرة، حوار مع السيد محمد حسين فضل الله» لـخالد اللحام، دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1413هـ ـ 1993م.
(
8) انظر: دولة حزب الله ، 135 ـ 136 ، 155 ـ 156.
(
9) الدين والسياسة والاتجاهات الأيديولوجية في إيران المعاصرة، ص 42.
(
10)وضاح شرارة، ص 88 ـ 89.
(
11)المصدر السابق، ص 161.

الملا.. الانتحاري!!

كان لا بد لهذا التطوير بعد هذا التأطير للمجتمع الشيعي من أن يصب في مجرى آخر للالتقاء مع حركة الصدر من أجل الثورة بعد التثوير. يذكر وضاح شرارة مثالاً لأولئك الطلبة الجدد، وهو من رمز إليه بالشيخ (حسن. ل) حيث عاد إلى لبنان من النجف في عام 1971م، وعهد إليه بتدريس الحلقات في بعلبك وبيروت والنبطية. يقول عن نفسه: «في عام 1972م أحسست أن الشعب يحتاج إلى قيادة دينية واعية، فبدأت أشارك الناس أعمالهم مثل زراعة التبغ!! وأعيش همومهم وقضاياهم، وقمت بإضراب سبيل الماء، وكانت لي صلات اجتماعية كثيرة وكنت متابعاً لأربع عشرة قرية، وأدرس فلسفتنا واقتصادنا «لباقر الصدر»، وكانت هذه الحلقات في المساجد والحسينيات والبيوت، هيأنا في منطقة النبطية جواً عاماً دينياً، وبدأت بتدريب الشباب تدريباً عسكرياً في 1975م، فدربت حوالي أربعمائة شاب»(1).

فما كانت تحتاجه الحركة الشيعية في المرتبة الأولى ليس العلماء المراجع والحجج، بل المحرضين والمعبئين والمقاتلين. فيقول محمد إسماعيل خليق ـ ممثل الشيخ حسين منتظري في لبنان ـ: «إن الحوزات العلمية على مدى العصور كانت منطلقاً للثورات ضد الظالمين؛ فهي مشعل لانتصار الإسلام والمسلمين في كل العالم، ومعين الطلبة الذين يشتركون في العمليات الجهادية»(2). ويقول حسن نصر الله:«يجب أن نعمل على إنضاج الممارسة الجهادية، فعندما يكون في لبنان مليون جائع، فإن مهمتنا لا تكون في تأمين الخبز، بل بتوفير الحالة الجهادية حتى تحمل الأمة السيف في وجه كل القيادات السياسية»(3).

وقد تم التوسل برباط «العلم» الإمامي الذي ينبغي أن يتعالى عن الأقوام والأهل واللغات، وأن يلحق المدارس الدينية والحوزات بـ «خط الإمام». وحملة «العلم» وأصحابه على «العمل» وحدت بين العمل وبين الحرب والقتال والشهادة، وتوّجته بالدم، فاستعادت من غير ملل ولا خشية من التكرار، المقارنة التي عقدها التراث الإمامي بين حبر العلماء وبين دم الشهداء، ومزجت بينهما، وجعلت مِزَاجهما عنواناً قاطعاً على وحدة «الشخصية الإسلامية» وعلى فرادتها، فاستحال عالم الدين إلى أحد وجهين متلازمين لكل مناضل إسلامي. أما الوجه الآخر فهو المقاتل أو المجاهد. فإذا اجتمع العلم والقتال والشهادة في شخص واحد ارتفع الشخص إلى مرتبة الولاية والمثال. وكما قال أحد شبابهم: «لا بد للعلم من جهاد يكمله ويتكامل معه»(4).

ولهذا فقد افتخر محمد حسين فضل الله بأن هذا الجيل الذي يمثله الآن «حزب الله» قد تربى على يديه (5)

--------------------
(1)دولة حزب الله، ص 91.
(
2)جريدة السفير اللبنانية، 12/2/1987م.
(
3)جريدة النهار، 27/1/1986م.
(
4) انظر: وضاح شرارة، ص 162.
(
5) انظر حواره مع مجلة: المشاهد السياسي، العدد: 168/30/5/1999م.

الفصل الثالث : البناء بالحرب

إعلان الحرب!!

في 18 فبراير من عام 1974م، وقبل بداية الحرب الأهلية اللبنانية بعام تقريباً، وقبل اندلاع الثورة الإيرانية بسنوات قليلة، وقف موسى الصدر أمام حشد كبير من شيعته ليقول: «إن اسمنا ليس المَتَاوِلة، إننا جماعة الانتقام، أي هؤلاء الذين يتمردون على كل استبداد، حتى إذا كان ذلك سيكلفنا دمَنا وحياتنا. إننا لم نعد نريد العواطف، ولكن نريد الأفعال، نحن تَعِبُون من الكلمات والخطابات، لقد خطبت أكثر من أي إنسان آخر، وأنا الذي دعا أكثر من الجميع إلى الهدوء، ولقد دعوت إلى الهدوء بالمقدار الذي يكفي، ومنذ اليوم لن أسكت أبداً، وإذا بقيتم خاملين، فأنا لست كذلك»(1).

«لقد اخترنا اليوم فاطمة بنت النبي، يا أيها النبي، يا رب، لقد اجتزنا مرحلة المراهقة، وبلغنا عمر الرشد، لم نعد نريد أوصياء، ولم نعد نخاف، ولقد تحررنا، على الرغم من كل الوسائل التي استخدموها لمنع الناس من التعلم، ولقد اجتمعنا لكي نؤكد نهاية الوصاية، ذلك أننا نحذو حذو فاطمة، وسننتهي كشهداء». ثم أعلن أنه لا ينحاز إلى المصالحات المهدئة التي اعتمدها الحسن بن علي ـ رضي الله عنهما ـ بل إلى التمرد الشاهـر سيفه الذي اعتمده الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ(2).

وبهذا الإعلان «الثوري» كانت بداية جديدة للحركة السياسية الشيعية في لبنان، وكانت نقطة الانطلاق التي اتفق فيها الصدر مع فضل الله.

-------------------
(1) الإمام المستتر، فؤاد عجمي، ص 155.
(
2) الإسلام الشيعي، عقائد وأيديولوجيات، يان ريشار، ترجمة: حافظ الجمالي، دار عطية للنشر والترجمة ـ بيروت، ط /1/1996م، ص 199، 200.

أمل تبعث الأمل

قصة البداية:

بعد حرب العام 1948م لجأ إلى لبنان أكثر من 150 ألف فلسطيني، وفي منتصف السبعينيات الميلادية من القرن العشرين وصل هذا العدد إلى أكثر من 400 ألف، وفي أعقاب الصدام العنيف في «أيلول الأسود» من عامي 1970، 1971م بين المنظمات الفلسطينية، والسلطات الأردنية، لجأ كثير من هذه المنظمات إلى لبنان، وبطبيعة الحال فإن هذه المنظمات كانت أفضل تسليحاً وتنظيماً من أي قوة أخرى في الجنوب. في ذلك الوقت كان المجتمع الشيعي في حالة صحوة كما مر، واجتمع للشيعة عدة عوامل تزيد من عدم رغبتهم في هذا الوجود الفلسطيني(1)، ومنها:

1 ـ عامل التاريخ: وهو ذلك العداء القديم لأهل السُّنَّة؛ فهاهم الآن في معقل من معاقلهم «جبل عامل» وبقوة مسلحة تستطيع تهديدهم بشكل مباشر؛ ولهذا كان الشيعة أول من سارع لمساندة الجيش اللبناني «الموارنة» في الاشتباكات التي جرت مع المنظمات الفلسطينية، بل ومساعدة اليهود في ذلك أيضاً؛ فالموارنـة لا يريدون تكثير «السُّنَّة» لأجل إنشاء دولتهم النصرانية، واليهود لا يريدون الفلسطينيين في لبنان لئلا يتهدد أمنهم من الشمال، والشيعة لا يريدونهم كذلك؛ لأنهم يمثلون عائقاً أمام تحقيق وجودهم وكيانهم الذي يسعون من أجله.

2 ـ عامل الجغرافيا: وهو الرغبة في عدم إثارة الدولة اليهودية «الجارة» وهذه الإثارة تنتج عن مهاجمة المنظمات الفلسطينية لأي أهداف إسرائيلية سواء من داخل لبنان أم خارجها، وذلك أن دولة اليهود دأبت على تأديب سكان الجنوب كلما حدث ذلك لتزيد من النقمة الشيعية على الفلسطينيين(2).

3 ـ عامل الأيديولوجيا الثورية: حيث إن الشيعة في حال جديدة رغبة في التطلع لوضع سياسي واجتماعي يدفعهم نحو الدولة الحلم في لبنان، والتمكين للطائفة في الواقع اللبناني، وحيث إن الجنوب هو معقلهم التاريخي، فلا مناص إذاً من التخلص من هذا العائق الكبير الذي يقف أمام هذا الحلم. ولهذا فقد كان من الضروري التعامل مع هذه القضية الشائكة بحذر وجدية في الوقت ذاته. فالحذر: كان لاعتبار تلك النداءات التي أطلقها الصدر من أنهم يحملون هَمَّ القضية الفلسطينية وأنها قلب دعوتهم كما جاء في ميثاق حركته: «فلسطين، الأرض المقدسة التي تعرضت ـ ولم تزل ـ لكل أنواع الظلم، هي في قلب حركتنا وعقلها، وإن السعي إلى تحريرها أول واجباتنا، وإن الوقوف إلى جانب شعبها وصون مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها، خصوصاً أن الصهيونية تشكل الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان، وعلى القيم التي نؤمن بها وعلى الإنسانية جمعاء، وأنها ترى في لبنان ـ بتعايش الطوائف فيه ـ تحدياً دائماً لها ومنافساً قوياً لكيانها»(3). كما كان من دواعي الحذر أن الصدام السريع مع المنظمات الفلسطينية سوف يكون لصالحها لا محالة.

وأما الجدية: فكانت في إيجاد حركة مسلحة تستطيع تحقيق الأمن الذي تحتاجه الطائفة الشيعية، والتخلص من هذا الهمِّ الجاثم على صدورهم، وكان أن أُعلن عن إنشاء «اتحاد محرومي لبنان»(4) أو «أفواج المقاومة اللبنانية» والتي عرفت فيما بعد باسم «أمل» ومن العجيب أن هذا الاسم الأخير «أمل» كان من اقتراح ياسر عرفات على موسى الصدر(5)، وكانت هذه الحركة هي «الجناح المسلح» لحركة المحرومين التي تم التدثر بها ابتداءاً.

«ومضى الصدر إلى أبعد من مجرَّد الدفاع الداخلي عن حقوق طائفته، فنراه يقيم علاقات وثيقة مع المقاومة الفلسطينية، وهكذا نجده يخرج عن تحفظه في موضوع العلاقات بين الدولة اللبنانية والمنظمات المسلحة التي كانت تعمل ضدّ (إسرائيل) بدءاً من جنوب لبنان، وكان تحالفه معها يتيح لرجل الدين الإيراني، أن يستفيد من دعم عسكري لكي يقف بقوة أمام الرؤساء التقليديين لجبل عامل، وأن يجد بعد عام 1975م دعماً شخصياً (كتقديم أسلحة، وتدريب) عندما أسست الميليشيا العسكرية لحركة أمل»(6). وكما تدربت ميليشيا أمل على يد «فتح» فقد كانت المنظمة تقدم خدماتها بهذه الصورة إلى ما هو أكبر وأوسع من دائرة أمل. فقد وسعت هذه الخدمة لتشمل النشاط الشيعي على مختلف الأصعدة، وكأنهم يقولون لهم: هكذا تذبحوننا!! «فحين عهد الشاه إلى جعفر شريف إمامي بتشكيل حكومة في صيف 1978م، عاد مئات من دعاة الكفاح المسلح الذين أُعِدُّوا بلبنان إلى إيران، وكان منهم ممثل الخميني لدى جبهة التحرير الفلسطينية آية الله علي جنتي الذي عمل في منظمة «فتح»، وابن آية الله محمد منتظري، المدعو «زينغو» لحمله على الدوام مسدساً في وسطه، وعشرات من حركة «أمل» التي كان منها بعض حرس الخميني الشخصي. وكان من الذين تدربوا في المعسكرات الفلسطينية، وفي معسكرات حركة «أمل» بلبنان، مصطفى وأحمد، ولدا الخميني نفسه، وأتمّ ما لا يقل عن سبعمائة عضو من حزب الدعوة ـ حتى عام 1976م ـ تدريبهم على أيدي فلسطينيين من «فتح» ، بينما زار ياسر عرفات في هذه الأثناء الخميني بالنجف مرتين»(7). وكان من أبرز من تدرب على يد «فتح» أول وزير دفاع للثورة الإيرانية مصطفى شمران الذي كان له دور هام في حركة أمل(8) ، كما تدرب كذلك مقاتلو منظمة «مجاهدي الثورة الإسلامية» الذين ناضلوا ضد الشاه لسنوات عديدة(9)، وأول وزير للحرس الثوري الإيراني محسن رفيق دوست(10).

وعندما وجد الصدر من جماعته القوة التي تستطيع أن تواجه المنظمة ـ التي دربته ـ قلب لها ظهر المجن؛ فبعد أن اشتعلت الحرب المدنية اللبنانية بدأ الصدر يغير موقفه بشكل واضح من المنظمات الفلسطينية، وقد نقل عنه كلمات قاسية جداً ضدها، قالها ـ قبل أن يختفي ـ لأحد رجال السياسة الموارنة القريب من الطلائع المارونية: «إن المقاومة الفلسطينية ليست بثورة، إنها لا تقبل البرهان على قضيتها بالشهادة. إن هذه مكنة عسكرية ترهب العالم العربي؛ فمع السلاح يحصل عرفات على المال، وبواسطة المال يمكنه أن يغذي الصحافة، وبفضل الصحافة يستطيع أن يجد آذاناً صاغية في الرأي العالمي. إن المنظمة (فتح) عامل اضطراب في الجنوب، وقد نجح الشيعيون بالتغلب على عقدة نقصهم تجاه المنظمة الفلسطينية»(11).

في الوقت ذاته كان الصدر لا يريد أن يفقد علاقته مع حلفائه من الموارنة في السلطة الحاكمة، فأعلن أن «أمل» عون ومدد للجيش اللبناني في الجنوب في التصدي للهجمات الإسرائيلية!! وبهذا الفعل حصل الصدر على عدة مكاسب:
1. اكتساب شرعية لميليشياته من الدولة اللبنانية، وعدم خسارة العلاقة معها.

2 ـ إضعاف سلطة الفلسطينيين في الجنوب بوجود قوة أخرى «لبنانية» مشتركة، وكان التعاون بينهم في هذا الجانب واضحاً(12).

3 ـ كان هناك كذلك مكسب هام ـ وإن كان إعلامياً ـ وهو الادعاء بأنه ما زال يدافع عن القضية الفلسطينية، وها هي قواته تقاتل في الجنوب ضد العدو الصهيوني، وهو ما اعتبره الصدر انتزاعاً لانفراد المنظمات الفلسطينية بالمواجهة؛ وعليه فقد تم التفريق بين القضية الفلسطينية وبين مواجهة الفلسطينيين.

---------------
(1)تجلت هذه الرغبة في البرنامج الأمني لحركة أمل بشكل واضح من خلال منهجها وطريقة عملها، راجع: أمل والشيعة نضال من أجل كيان لبنان، ص 118 ـ 121.
(
2)عند الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982م استقبل سكان الجنوب من الشيعة القوات اليهودية بالورد والأرز لفرحتهم بأنهم سوف يخلصونهم من الفلسطينيين.
(
3)من نص ميثاق حركة أمل، انظر: أمل والشيعة، نضال من أجل كيان لبنان، ص 231، وعبد الله الغريب، أمل والمخيمات الفلسطينية، ص 157.
(
4)انظر هذه التسمية عند باتريك سيل في كتابه: الأسد، الصراع على الشرق الأوسط، دار الساقي، ط 2/1989م.
(
5)انظر حوار نبيه بري مع مجلة الوسط، العدد: 274/28/4/1997م.
(
6)يان ريشار، الإسلام الشيعي، 200.
(
7)وضاح شرارة، دولة حزب الله، ص 109.
(
8)انظر: الحرس الثوري الإيراني، نشأته وتكوينه، ودوره، كينيث كاتزمان، ص 46.
(
9،10) المصدر السابق، 52 ، 53.
(
11)فؤاد عجمي، الإمام المستتر، ص 178.
(12)راجع في ذلك: أمل والمخيمات الفلسطينية لعبد الله الغريب، وراجع: حرب الألف عام في لبنان، جوناثان راندال، ترجمة فندي الشعار، دار المروج، 1984، ص 33.

الخروج إلى بيروت

بعد هذا الاستقواء الذي تم للحركة طالب الصدر أتباعه في خطاب جماهيري باحتلال القصور في بيروت، واعتبر الشيعة ذلك نداءاً مقدساً، واحتلوا من بيروت مناطق «أهل السنة» وقصورهم. يقول عبد الله الغريب: «ويغلب على ظني أن استيطان الشيعة في بيروت في الستينيات الميلادية ـ من القرن العشرين ـ وقبلها كان عفوياً، أما بعد الستينيات فكانت أهدافهم واضحة، وكان موسى الصدر مهندس هذه الخطة ومن ورائه النهج النصراني، ومن الأدلة على ذلك أن العمال والموظفين القادمين من الجنوب والبقاع والشمال كانوا يبنون منازلهم في جنوب بيروت على أملاك الغير، وكان ذلك يحدث تحت سمع السلطة وبصرها، بل وكان أصحاب الأراضي من أهل السنة يطالبون الأجهزة المسؤولة بوضع حدٍّ لهذا العبث، ورغم ذلك فالسلطة تترك قُطَّاع الطرق يفعلون ما يشاؤون. ولو كان هذا الذي يحدث في بيروت الشرقية أو في أي منطقة من مناطق النصارى لما صمت قادة الموارنة لحظة واحدة. وتضاعفت هجرة الشيعة خلال الحرب اللبنانية أضعافاً مضاعفة، واحتلوا المنازل والشقق والقصور كما أمرهم إمامهم، والسلطة تحرضهم وتشجعهم على مثل هذه الأفعال الشنيعة. وهكذا قامت أحياء في الضاحية الجنوبية وكأنها أحياء مقتطعة من بعلبك، وأحياء أخرى وكأنها مقتطعة من صور أو النبطية، وفي هذا الحي يقطن نبيه بري، وفي ذاك الحي حسين الحسيني رئيس المجـس النيابي وأمـين عـام منظمة أمل ـ سابقاً ـ ، وفي الحي الثالث عبد الأمير قبلان المفتي الجعفري الممتاز.

ويضاف إلى ما سبق ذكره أن المغتربين الشيعة الذيـن يعملون في الخليج أو إفريقيا أو الأمريكتين راحوا يشترون الأراضي في بيروت، ويقيمون المؤسسات والمشاريع الاقتصادية في العاصمة، وأصبحوا من أصحاب الفاعليات الاقتصادية فيها. وعندما سأل الصحفيون نبيه بري عن الأسباب التي دفعته إلى احتلال بيروت الغربية أجاب: بيروت الغربية عاصمة لبنان وملك لجميع المواطنين وليست حكراً على أهل السنة»(1).

«ونزل النازحون الشيعة في الأحياء التقليدية للسنة، واشترى ميسورون من الشيعة أقساماً من هذه النواحي، فآلت السنوات العشر من 1976م إلى 1986م وحتى أوائل التسعينيات الميلادية، إلى تغيير سكاني كبير نزع الصفة السنية عن بعض أحياء بيروت القديمة، وغلب عليها السكان الشيعة»(2). «كما شاع في وسط المهجَّرين الخروج عن القوانين العامة وعن الأعراف، مثال ذلك: أن 88% من الـ 4400 مبنى التي أحصاها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بالرمل العالي والأوزاعي وشاتيلا والجناح، وهي من نواحي الحركة الإسلامية «الخمينية»، شيّدت في الأملاك العامّة أو في أملاك الغير (اغتصبت عنوة)، وهذه الحال استمرت على الوجه نفسه إلى العام 1996م، ولن تتغيّر إلا إذا أنجز ما يسمّى مشروع «اليسار» وبناء هذا الجزء من ضواحي بيروت بناءاً جديداً في نصف العقد الآتي، ومع استهلال الألف الثالثة، فإن ما يقرب من 20% من المقيمين ببيروت الغربية كانوا فيها منذ العام 1986م واستمر معظهم على حاله إلى 1995 ـ 1996م يقيمون في منازل تسلّطـوا عليها واحتلّـوهـا احتلالاً 14%، أو ينزلون مؤقتاً ببيوت يملكها أقارب أو أصحاب 5.8%»(3).

وتشير القرائن إلى أن هذا الاحتلال الإسكاني كان ثمرة إعداد وتصميم، ولم يكن خبط عشواء(4).

وهكذا تظهر صورة من صور العلاقة بين الشيعة وأهل السنة فـي لبنان ولا نحسب أنها صورة مشرقة كالتي يتغنى بها الشيعة ويدغدغون بها مشاعر الناس البسطاء عبر ملاليهم وسياسييهم؛ فهذا الذي حدث في بيروت لا ينم عن نوايا حسنة لطلب حُسن العشرة.

---------------
(1)عبد الله الغريب، أمل والمخيمات الفلسطينية، ص 155، وانظر فصليْ: دول الجماعات، وبناء المعقل الإسلامي في كتاب: دولة حزب الله لشرارة.
(
2)دولة حزب الله، ص 234.
(
3)دولة حزب الله / 211.
(
4)المصدر السابق، ص 113.

غياب الصدر

وصل الصدر إلى ليبيا مع اثنين من رفاقه هما الشيخ محمد يعقوب، وشفيع عباس بدر الدين في 25 أغسطس عام 1978م في زيارة غير محددة المدة والغرض. وقد صرح أحد رفاق الصدر القريبين منه بأن الزيارة كانت استجابة لدعوة من الزعيم الليبي معمر القذافي، وقَبِل الصدر هذه الدعوة على أساس أنها سعي نحو تحقيق السلام في لبنان. وكثرت الروايات حول أسباب اختفاء الصدر، ولعل من أبرز الأسباب ما تمحور حول مسألتين:

الأولى: طموح الصدر؛ فقد سُئل علي الجمَّال، وهو أحد المقربين لموسى الصدر، ومن كبار ممولي حركته بالمال والسلاح، سُئل عن طموح الصدر فقال: أما طموحه فكان الوصول إلى الأمانة العامة للطائفة الشيعية في العالم(1).

الثانية: وهي نتيجة للأولى وسبب مباشر لها؛ حيث إن هذا الطموح لم يكن خافياً على الخميني مما اعتبره منافساً قوياً وخطيراً له؛ كما أشار بذلك الخبراء والقريبون من مصادر المعلومات الجيدة(2).

على الرغم من أن الغموض الذي يحيط باختفاء الصدر لا يزال قائماً فإن هذا الاختفاء شكل أهمية رمزية لحركة أمل؛ فقد ارتفع الصدر إلى مرتبة الشهيد القومي عند العديد من الشيعة اللبنانيين، وتصدرت صوره افتتاحيات صحف أمل، كما أعيد طبع خطبه وتعليقاته مصاحبة بصوره، وأطلق أعضاء الحركة على أنفسهم ـ من حين لآخر ـ «الصدريين» وارتدى معظم الشباب الصغير في الحركات قلادات وأزراراً وقمصاناً عليها صورة الصدر، وكان من الطبيعي أن يصل الصدر إلى هذه الدرجة، خاصة في مجتمع ليس له من الرموز المعاصرين إلا العدد القليل. لقد حقق اختفاء الصدر فوائد عدة لحركة أمل؛ فقد وجد العديد من الشيعة في «الإمام المختفي» رمزاً ملزماً للتعبير عن عدم الرضا الذي يشعرون به، وقد أكمل اختفاءُ الصدر هذا المزاجَ السياسيَّ للشيعة وغزَّاه، وكان وسيلة ملائمة للتعبير عبر الحركة التي خلفها وراءه. كما أن هناك بعضاً من قادتهم من يسلِّم بأن اختفاءه كانت له قيمة كبيرة في التعبئة السياسية لجماهير الشيعة لم يكن يحققها وجوده ذاته، كما أدى أيضاً إلى قلة حدة الانتقادات التي توجه للحركة بسبب تبجيلها لذكراه واعتباره رمزاً لها(3). وهكذا فقد حقق اختفاء الصدر هدفين في وقت واحد: التخلص من طموحه، وإعطاء دفعة معنوية لحركة أمل إلى حين.

--------------
(1)حوار مع مجلة الشراع اللبنانية، العدد: 898، 6/9/1999م، بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين لاختفاء الصدر.
(
2) انظر: الصدر ودوره في حركة أمل، ضمن حلقات: الإسلام والكونجرس الأمريكي، مجلة المجتمع، العدد: 957، ص 47.
(
3)راجع أمل والشيعة، ص 97 ـ 103، والمصدر السابق، 47

كمون «حزب الله»

كان محمد حسين فضل الله في ذلك الوقت يمارس دوره بهدوء بعيداً عن ضوضاء الصدر وحركته، وكانت عناية فضل الله ـ كما ذُكر قبل ـ متوجهة إلى التربية المنهجية لإعادة العِلم الإمامي الديني وتوطينه وتطويره، ولم تكن تلك المهمة لتمتد أكثر من ذلك؛ فقد بدأ الزرع يُخرج بعض الثمار، فبدأ «أبناء فضل الله» بالانتشار في نسيج المجتمع اللبناني، ومد أذرعهم في جنباته، وبالرغم من هذه الخطوة إلا أنهم لم يستطيعوا الإعلان عن هويتهم؛ إذ ما زال فيهم من الضعف ما يمنعهم من ذلك، فكان لا بد من الاحتماء بـ «أمل».

«فكانت الحركة الصدرية واقية لأنصار الدعوة والإسلاميين الخمينيين في حال ضعفهم، وحتى إعلانهم الاستقلال السياسي والعسكري، إلا أنهم في هذه الأثناء كانوا يعملون عملاً حثيثاً على بناء النواة التي في مستطاعهم إنشاء معقلهم حولها. فاتخذ محمد حسين فضل الله من مسجد الإمام الرضا ببئر العبد جامعاً ومدرسة ومنبراً ومجلساً ومكتباً، وأقام قريباً منه، ولم ينتقل وحده إلى بئر العبد، بل انتقلت معه جمعية أسرة التآخي التي رعت بناء الحسينية بالنبعة، فتملكت مكتباً قرب المسجد، ورعت مستوصفاً في الناحية نفسها. وانحاز أولئك إلى مواضع سكن جديدة، إلى المسجد وتحصّنوا فيه وبه، وامتنعوا به من الأيدي التي قد تمتدّ إليهم من خصومهم وأعدائهم. فحل المسجد أو أماكن العبادة عامة محلّ النواة العائلية الصلبة التي اتقى بها غيرهم طغيان الحركات السياسية والعسكرية، أو هذا ما سعوا إليه ولم يبلغوه بهذا القدر أو ذاك إلا بعد سنوات من العمل الدؤوب، فامتنعوا في حالة الضعف بالحركة الشيعية الجماهيرية التي انشأها ورعاها موسى الصدر، وسهروا وهم في صفوف هذه الحركة على الدعوة إلى أفكارهم وخطهم، كما سهروا على أخذ مواقع ومعاقل في أبنية الحركة الصدرية. فكان منهم حسين الموسوي الناطق باسم حركة «أمل» وعضو مكتبها السياسي حتى صيف 1982م؛ وكان منهم السيد إبراهيم الأمين رئيس مكتب حركة «أمل» بطهران حتى التاريخ نفسه»(1). وبالرغم من هذا الاحتماء بـ «أمل» إلا أنه لم يكن في حسبان الحركة الشيعية في لبنان أن تكون «أمل» هي صورتها الدائمة والمستقبلية ولا قائدة مسيرتها؛ إذ الصورة المطلوبة هي ذلك المثال «الإيراني» لا المثال «العلماني» الذي تدين به أمل، ولسوف يأتي اليوم الذي يخرج فيه الطائر ويكسر «قشرة البيضة» التي احتضنته لا محالة.

وفي ذلك الوقت لم تكن ـ كذلك ـ قد تبلورت الأفكار والمناهج والتصورات السياسية لـ «حزب الله» بل لم تكن تسمت هذه المجموعة بهذا الاسم، إلا أنها كانت تعيش أهم مستلزمات العمل الثوري، وهو ما أسمته الحركة بـ «الحالة الجهادية» أو «الحالة الثورية» أو «الذهنية الثورية» وكان الوصول إلى هذه الحال أساس التعليم الإمامي في الحوزات والحسينيات، فكان «لا بد للعلم من جهاد يكمله ويتكامل معه» وكان من لوازم التخرج من الحوزات العلمية أن تنتقل به إلى «ساحات الجهاد» وأصبحت هذه «الحال الجهادية» هي الحال التي يتمنى كل فرد منهم الوصول إليها؛ إذ هي تصل بصاحبها لـ «الشخصية المتكاملة» ولقد كان السعي لها لتتحقق أمنية الأماني: التمتع برؤية «الإمام الحسين»!! فهذا «(أبو هادي) كان على هذه الحال، وهو فتى في الثالثة عشرة، سمع أحد العلماء يتكلم عن استقبال الحور العين للشهيد حين يسقط على الأرض مضرجاً بدمه، فصرخ في العالم، وقال: «دع الحور العين لك أنت وحدك! أما أنا فحدثني كيف وأين أرى الإمام الحسين»!! ويعلق وضاح شرارة على ذلك فيقول: وهذه ـ أي رؤيا الحسين ـ هو ما يردد الرغبة فيه كل شهداء المقاومة الإسلامية بلبنان، وما يعربون عن الأمل في الحصول عليه، ويقاتلون في سبيله، ويرون فيه ثمناً لبذلهم دمهم وحياتهم. وتعمد التعبئة النفسية هذه إلى خلق المشهد والاحتفال اللذين يمهدان لهذه الرؤيا، ويبعثان على إرادتها إرادة لا ترد، ولا ينفع في دفعها أو ضبطها حساب أو رابطة من الروابط الإنسانية»(2). وعندما بدأ «حزب الله» في العمل العسكري أبقى منفذي العمليات الكبيرة التي قام بها ـ مثل تفجير موقع القوات الأمريكية والفرنسية والحاكم العسكري الإسرائيلي في صور ـ بقوا قيد الإغفال والإخفاء، وكان هذا الإغفال عاملاً مهماً في تماسك الحركة في بداياتها المتفجرة، وعدم لفت الأنظار إليها، وهي لم تستوِ بعدُ.

------------
(1)دولة حزب الله، 197 ـ 199.
(
2)السابق، 282.

الخروج من الشرنقة

أولت الحركة الإسلامية الخمينية في لبنان أمر المساجد والمدارس الدينية الاهتمام الكبير؛ إذ هي في تلك المرحلة محاضنها وبيوتها التي تحميها من حمأة الانصهار في جحيم المجتمع بحربه المستعرة والحركة ما زالت في مهدها «الثوري»، وإذ هي مدارس العلم وحوزاته كذلك. وتكلم مهدي شمس الدين عن دور المسجد الهام بالنسبة إليهم في هذه المرحلة وبتلك الاعتبارات، فقال: «إن المسجد في تاريخ الإسلام كان كل شيء. وعزا تخلف المسلمين إلى تحوُّل المسجد إلى مصلى خالص، واختصاصه بالصلاة دون غيرها، فنشأ عن الاختصاص هذا، وعن زوال المسجد عن الدور الجامع: الديني والتعليمي، والعسكري، والسياسي، والاجتماعي الذي كان ينهض به أن استعاض المسلمون عنه «بفكرة الحزب والتنظيم والنادي والجمعية والرابطة الخيرية» فازدهرت هذه كلها على أنقاض دور المسجد، وازدهرت معها المشاريع «الخاصة» مثل المؤسسات التي «تخرِّج مهندسين وأطباء وصيادلة كثيرين»، وانصرف الناس عن «المشروع العام الذي يتصل بمستقبل الأمة»، وضاعت «قضية الأمة» بضياع المدارس الدينية و «غيابها» لذا، فافتتاح المدارس الدينية يقوم مقام «الأساس»: المسجد والمدرسة الدينية يقومان على كتاب الله وسنة الرسول»(1).

ولهذا فقد اتخذت الحركة طريقها الأول عند الخروج من الشرنقة لعمل حزام من المساجد والمصليات تتحصن بها، ولتؤدي من خلالها دورها المنوط بها من تحويل المجتمع إلى وجهة أخرى، وكان لهذا الحزام دور هام في انتشار الحركة وتوسعها على ما نرى.

كما أن هذا الحزام ساعد أبناء الحركة على مد أيديهم لإخوانهم من الشيعة بإحلالهم محل منازل غيرهم. وهنا سنرى كيف استفادت الحركة الشيعية من هذا الحزام، وكيف تم استغلاله بصورة تصب في الأهداف العامة للحركة، واستعراض هذا الجزء من التجربة فيه بلا شك إفادة وإشارة. أما المصليّات فكانت أربعة: «المصلى الأول: (الإمام الباقر) ناحية الروشة، غـير بعيد من الصخرة ـ المعروفة ـ ، أقيم مكان مقصف وعلبة ليل رخيصة كانت تحفهما فنادق ومطاعم ومقاهٍ، بعد أن اتخذها الفلسطينيون المسلحون موئلاً ومعقلاً وملجأ، ولم يكد الفلسطينيون يخلونها حتى حل في أبنيتها التي لم تكتمل بعض أهالي الجنوب، وتبعهم أهالي كيفون، والقماطية، والبلدتان سكانهما من الشيعة وتقعان بدائرة «عاليه» الانتخابية التي يقتسمها الدروز والموارنة والأرثوذكس، ووقعت عشرات الأبنية ومنها ثلاثة فنادق سابقة في قبضة المسلحين، فأسكن المسلحون الشيعة المهاجرين والمهجّرين من الضاحية، وأنشؤوا مصلى الإمام الباقر في وسط المهجرين الشيعة، ونصبوا مذياعاً للصلوات والأدعية، وأقاموا من أنفسهم «شرطة أخلاق»، فمدوا طرفهم إلى المطعم القريب، وحرّموا تناول المشروبات الكحولية في شهر رمضان، وفي الأيام العشرة الأولى من محرم، وزينوا المصلى بالأعلام والصور، واتخذوه قاعدة للدعوة بالصورة والصوت.

أما المصلى الثاني (الإمام الصادق) فكان في بناء من أبنية الحمراء يقع خلف سينما ستراند، في شارع احتُلت بعضُ أبنيته الجديدة التي لم يتم إنشاؤها، وبعضُ أبنيتها القديمة التي كانت شققها مكاتب تجارية أو مكاتب مهن حرة، وأُنزل فيها الأهالي الشيعة الذين نزحوا من حي فرحان ومن حي ماضي، وأُخليت إحدى الشقق في بناء يقع بالطرف الغربي من بناء صالة ستراند، وأُخرج مكبر صوت إلى الشوارع التجارية الكبيرة وإلى الأبنية التي يقيم في معظم شققها من بقي من مسيحيي رأس بيروت، ومن الأرمن والسُّنَّة. وحاول أنصار الحركة الإسلامية الخمينية إتباع إنشاء المصلى بإنشاء لجان له، فصدر بيان باسم لجنة اجتماعية في المصلى يدعو إلى علاج الغلاء، وإلى ضبط العملات الأجنبية، ثم اقتصر نشاط القائمين عليه على لصق صور علماء الشيعة وقادتهم في المناسبات.

وأقيم المصلى الثالث (الإمام الحسين) في ناحية القنطاري غير بعيد من برج المر.

وأقيم المصلى الرابع (المصطفى) بعين المريسة، في وسط ناحية يتنازعها السنة الذين سبقوا إليها، والدورز، والشيعة الذين وجدوا بها ملاذاً شعبياً رخيصاً في العقد الخامس، ثم طرأ على الناحية تغير عميق من جراء انتشار الفنادق الفخمة والشقق المفروشة والمقاهي والمقاصف وعلب الليل. وهذه الفنادق والشقق أخلتها الأعمال الحربية ودمرتها وأسكنت في بقاياها وبين أنقاضها الذين قسروا على النزوح من برج حمود والنبعة... الخ. وإذا كان للمساجد مشايخ يأمون مصليها، فالمصليات لم يكن لها مثل هؤلاء إلا لماماً، إلا أن بعضها كان يعلن في الصحف عن زيارة أحد العلماء للمصلى، وعن الحديث الذي تحدث به في أثناء زيارته. ومع خلـوّ المصلى من عالم دين مقيم فإن ذلك لا يعني أن المصلى لا يذيع الأدعية الشيعية، وبعضها باللغة الفارسية ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يدعو إلى خير العمل، ولا يخلو جدار من الجدران التي تحف المصلى وبناءه من صور الشهداء، والملصقات الخمينية المختلفة. ويرفع المصلى في ذكرى الأيام الكبيرة: عاشوراء، مولد المهدي، يوم الغدير، 17 رمضان، ويوم القدس اللافتات والأعلام فوق الطرق القريبة، وتذاع الأدعية المناسبة، ويدعو المذياع إلى الاجتماع أو إلى التوجه إلى مكان احتفال هام. ولا تقتصر شبكة الحركة الإسلامية الخمينية على المساجد والنوادي الحسينية والمصليات البيروتية هذه، فانضمت إليها حسينيات وادي أبو جميل ومدينة الكرامـة (حي السُّلَّم) ، وبرج البراجنة، ومسجد الطيونـة؛ إلا أن هذه الأماكن لا يرد ذكرها ولا يشار إلى استعمال الحركة الإسلامية الخمينية لها إلا في معرض خطبة أو تأبين، وقلما يتجاوز الخبر هذا المعرض إلى غيره. أما خارج بيروت، فيدور نشاط الخمينيين على عدد من المساجد والحسينيات التي يتولى الصلاة فيها أو يرعى شؤونها دعاة الحركة من علماء الدين، وغالباً ما يتفق الاحتفال في البلدة مع سقوط أحد أفراد الحركة من أهل البلدة فتكون إحياء ذكراه جسراً إلى أقربائه وإلى أهالي بلدته. وتتصدر بلدات الجنوب اللبناني بمساجدها وحسينياتها نشاط الدعاة الخمينيين؛ ففي صور؛ حيث مدرسة من المدارس الدينية الإيرانية «حسينية» تستقبل على الدوام تظاهرات الإسلاميين، وكذلك نادي الإمام الصادق الذي يقوم مقام حسينية ثانية. وتعد صور من بين الأرياف اللبنانية الفقيرة التي تأخرت هجرة أهلها إلى بيروت، لكن هجرتهم كانت مبكرة جداً إلى فلسطين وإلى المهاجر الإفريقية والأمريكية، وإلى ذلك؛ فقد أدت هجرة أهل الريف الصوري إلى صور إلى طبع المدينة البحرية بطابع سكاني وطائفي جديد؛ فبعد أن كانت الغلبة للسنة والمسيحيين على المدينة، انتقلت الغلبة إلى الشيعة المهاجرين من الأرياف العاملية القريبة على نحو حاد، من غير أن تملي المدينة الصغيرة على المهاجرين إليها التطبع بطباع مدنية أو التأدب بآداب جديدة. أما في البقاع فتتصدر بعلبك نشاط الشيعة قبل مقدم الحرس الثوري في صيف 1982م وبعده. وكان يخطب السيد عباس الموسوي من بلدة النبي شيت في جامع الإمام علي في المدينة ويؤم في صلاة الجمعة مصليها. وخطب المصلين وأمّهم كذلك الشيخ صبحي الطفيلي. وفي جوار بعلبك في عين بورضاي أنشأ الإيرانيون حوزة الإمام المهدي وأوكلوا إدارتها إلى الشيخ محمد يزبك. وإلى أعباء إدارة الحوزة والتعليم بها ينهض محمد يزبك بإمامة مسجد بوادي غرب بعلبك، وبين اليمُّونة وإلى شمال اللبوة، وغير بعيد من عرسال، تقوم بلدة النبي عثمان، وإمام جمعتها الشيخ محمد حسن.

وإلى الجنوب من زحلة تقوم مشغرة في وسط ناحية مختلطة ومتنازعة إلى أن تم الاستيلاء على البلدة وحمل الشطر المسيحي الكاثوليكي من أهلها على تركها. هذه الخريطة لأبرز المساجد والحسينيات والمصليات التي يتخذ منها الإسلاميون الخمينيون «خلايا» دعوة وتعبئة»(2).

--------------
(1)جريدة النهار اللنبانية، 27/4/1987م.
(
2)دولة حزب الله، 235 ـ 239 بتصرف.

الانقلاب على «أمل»!!

يقول ميثاق حركة أمل: «إن حركة أمل ليست حركة دينية، وميثاق الحركة الذي تمت صياغته في عام 1975م، من قِبَل 180 مثقفاً لبنانياً معظمهم من المسيحيين!! يدعو إلى إلغاء النظام الطائفي في البلاد وإلى المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمييز.

ومؤسس الحركة الإمام موسى الصدر لم يكفَّ عن تكرار أنه تم تأسيس حركته للدفاع عن الطبقات المحرومة(1). وعندما نجحت الثورة الإيرانية كانت نقطة تحول كبيرة في الحركة الشيعية في لبنان؛ فقد تحقق جزء كبير من حلم الدولة الثلاثية، وأصبحت هناك دولة دينية شيعية آلت على نفسها منذ اليوم الأول لها تصدير ثورتها، وكان من شعاراتها المعلنة: نصرة المستضعفين في كل مكان. وكان على هذه الدولة الجديدة أن ترد الجميل لأهلها في لبنان؛ فقد احتضنوهم بالمأوى والتدريب، وكان رد الجميل سريعاً، فأمدوهم ـ بعد الدفعة المعنوية الكبيرة بنجاح الثورة ـ بالمال والسلاح والرجال والتخطيط. وهكذا ـ وبسرعة أيضاً ـ تم الإسفار عن الوجه المطلوب إظهاره في لبنان، وهو ذلك الوجه الكامن المختبئ إلى حين، وجاء موعد خروجه من كمونه، ولكن ما زالت «أمل» هي الصورة الواضحة في لبنان كممثل رسمي لشيعته، ولكن «أمل» بهذه الوجهة «العلمانية» أصبحت مرحلة مضت يجب تجاوزها؛ لأنها ستمثل عائقاً في طريق إكمال السعي للأهداف الجديدة، وبما أن الهدف من إيجاد «أمل» كان إخراج الفلسطينيين وحماية الشيعة منهم، فها هو الاحتلال الإسرائيلي لبيروت قد أخرج الفصائل المسلحة منها، كما أنه قد تمت تصفية عدد كبير منهم في مذابح مروِّعة قام بها اليهود والموارنة والشيعة.

وهكذا لم يعد لأمل دور تستطيع الدفاع عنه أو تنازع حوله، وعلى هذا فقد تم اتخاذ إجراءات عدة لزحزحة أمل من قلب الصورة إلى هامشها، وكان من ذلك:

1 ـ الضلوع في إخفاء الصدر أو قتله ـ كما مر ـ لإضعاف الحركة في أحد مراحلها.

2 ـ بروز خلافات «علنية» بين نبيه بري، ومهدي شمس الدين الذي كان نائباً لرئاسة المجلس الشيعي الأعلى؛ حيث كان الصدر ـ الغائب ـ لا يزال الرئيس، وسبب ذلك: عدم القبول بتصرفات بري ومنهجه «العلماني» !! وقد نقل راديو «صوت لبنان الكتائبي» أن المكتب الخاص لنائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى أعلن أنه لم تعد للقيادة الحالية لحركة أمل أي علاقة مع سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وقد أُبلغت القيادة الحالية لحركة أمل بهذا القرار في حينه(2).

3 ـ تصفية بعض الرموز المهمة في حركة أمل، أمثال: مصطفى شمران الذي كان له دور بارز في الحركة، وكان المسؤول التنظيمي فيها، كما تسلم إدارة المدرسة المهنية في جبل عامل التي أشرفت على تخريج كوادر أمل العسكرية بعدما حضر إلى لبنان يحمل خطاب تزكية من الخميني(3).

وبعد أن قامت الثورة استدعي لشغل منصب وزير الدفاع في إيران، وتم قتله أثناء زيارة للجبهة في الحرب مع العراق في ظروف غامضة(4).

4 ـ كان الخط الذي اتبعته «أمل» منذ بداياتها مع الصدر هو مد حبال الصلة مع الحكومة اللبنانية، وتمسكها «الظاهري» بشرعية الدولة، والسعي من خلال هذا الطريق لاستنقاذ حقوق الشيعة. وكان الاستمرار على هذه الطريقة هو مما يتعارض والهدف الجديد للحركة الشيعية في لبنان.

وجاء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، ودعا الرئيس اللبناني ـ وقتها ـ إلياس سركيس إلى اجتماع «هيئة الإنقاذ الوطني» وكان نبيه بري عضواً فيها، وقبلت القيادة الدينية حضور بري(5) باعتبار أن هذه الهيئة ستتحول إلى حكومة وطنية، وهو أحد أهداف بري وحركته في أن يكون لهم وجود حكومي قوي. وهنا أعلن أحد أبناء الحركة الخمينية الكامنة والمتدثرة بـ «أمل» انشقاقه عن «أمل» ورفضه لهذه المشاركة وأعلن «أمل الإسلامية» وكان هذا الرجل هو: حسين الموسوي، نائب رئيس حركة «أمل» وبهذا الانشقاق تم تفريغ «أمل» من كوادرها الخمينيين الذين انضموا إلى «أمل الإسلامية» وكان ذلك الإعلان الرسمي الذي تحول فيما بعد إلى «حزب الله» .

------------------------
(1) راجع نص الميثاق في: أمل والشيعة لـ «نورثون»، ص 229 ـ 264، وأمل والمخيمات الفلسطينية، ص 155.
(
2)انـظر: أ.ر. نورثون، أمل والشيعة: نضال من أجل كيان لبنان، ص 155، وانظر: حركة أمل، مرحلة ما بعد الصدر، مجلة المجتمع، العدد: 958، ص 51، وانظر: أمل والمخيمات، ص 178.
(
3)انظر: الإسلام الشيعي، ص 211، وانظر حوار نبيه بري مع مجلة الوسط، العدد: 278/26/5/1997م، وراجع بعض «بطولاته» في الحرس الثوري، ص 46 ـ 47.
(
4)انظر: حركة أمل، مرحلة ما بعد الصدر، المجتمع، العدد/958، ص 50.
(
5)انظر ذلك في حوار بري مع الوسط، العدد: 274، ص 18، والعدد، 277، ص 33.

لماذا استمر بري بـ «أمل »!؟

السؤال الذي يطرح نفسه: إن كان تم الانقلاب على «أمل» بهذه الطريقة، فلماذا استمر بري(1) في صدارة الصورة «السياسية» الشيعية، بل لا زالت «أمل» لها من الوجود نصيب؟

هناك قاعدة هامة يجب الالتفات إليها وهي: أن معيار الظهور السياسي الشيعي في لبنان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران ومطالبها في لبنان، وذلك حسب الخيارات والأهداف المرحلية التي تنتهجها(2).

ولقد كان استخدام إيران لبري بعد الصدر(3) لعدة اعتبارات:

1 ـ كان هناك إقرار وموافقة من قِبَل «الفقهاء» أصحاب السلطة الحقيقية، لبري ومنهجه والدور الذي سيؤديه، وإلا لما كان له وجود ابتداءاً باعتبار اليد الطولى للملالي.

2 ـ أن الواقع الطائفي اللبناني أفرز عدداً من الشخصيات شديدة التعصب لمذهبها، وإن لم تكن «متدينة» في سلوكها، وكان بري من تلك النماذج، وهو ما تقتضيه المرحلة.

3 ـ هذه المرحلة تحول فيها الشيعة إلى العمل المسلح الظاهر، وأضحى هدفهم بالتخلص من الفلسطينيين «السُّنَّة» معلناً، وكان من الصعب أن تلصق المذابح التي أعدوا لها وقاموا بها بأحد الآيات أو الحجج، كيف ذلك وهم ينادون بالتقارب مع أهل السنة وإزالة الحواجر، وعندما وقعت ألصقت بـ «علمانيي» المنهج. وعلى ما سبق فالود باق مع بري، كما لا نُغفل هنا عقيدة «التقية» التي هي من أصول دين الإمامية، وعليه فيبقى أن الأدوار توزع حسب الحالة، وليس أدل على ذلك من البيان الذي صدر في 8/10/1983م؛ حيث أعلن عبد الأمير قبلان ـ المفتي الجعفري الممتاز ـ باسم المجلس الشيعي الأعلى ما يلي: «إن حركة أمل هي العمود الفقري للطائفة الشيعية، وإن ما تعلنه (أمل) نتمسك به كمجلس إسلامي شيعي أعلى، ومن ثَمَّ فإن ما يعلنه المجلس الشيعي تتمسك به الحركة»(4).

وجاء هذا الإعلان بعد البيان الذي أذيع في 27/2/1983م من أن حركة أمل لم يعد لها علاقة بالمجلس الشيعي الأعلى!!

4 ـ جاء هذا التأييد ـ السابق ـ للحركة بعد الانشقاق الذي خرجت به «أمل الإسلامية» وبعد «الحضور الفعلي» لحزب الله على أرض الصراع.

5 ـ كان للسياسة الإيرانية في لبنان خطان تستعملهما في تحقيق أهدافها: «خط أول: يتلمس سبل طي الحرب المستمرة والمقيمة ولو من خلال التفاوض مع ممثل «القوات اللبنانية»، وفي رعاية وسيط أمكنه من القيام بالوساطة احتلالٌ إسرائيلي يطوِّق بيروت والقصر الجمهوري،ويلقي بثقله على الجنوب وعلى الجبل. وخط آخر: رأى في الاحتلال وفي ما حفَّه من أدوار سياسية ودبلوماسية أمريكية وأوروبية وعربية ذريعة إلى تجديد الحرب، وإلى اختبار الاستراتيجية الإيرانية في ميدان غير إيران. وبينما أملت الخط الأول عصبية شيعية لبنانية حفظت من الروابط المحلية والعالمية ومن اعتدال النخبة الصدرية الأولى ـ حركة أمل ـ قسطاً كان لم يزل فاعلاً، فقد أملت الخط الثاني نزعة إلى توسيع النزاع، وإلى تأجيجه وتوجيهه وجهة ضم جبهة لبنان إلى جبهة الخليج والجبهات الإقليمية المشرقية، وإلى استدراج القوى الغربية التي تلعب دوراً راجحاً في النزاع الإقليمي، ولو من غير الاشتراك في الاشتباك مع المجابهة المباشرة»(5).

ونختم هنا بكلام لحسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله. يقول: «إننا حريصون على علاقة طيبة مع «أمل» ونحن نعمل على تطوير هذه العلاقة، وهناك لجنة ثنائية من أحد قادة «أمل» مع أخيه في حزب الله ينظرون في كل الأمور المشتركة سياسية وعسكرية، وسياستنا تقول: إن الموضوعات التي نتفق عليها نتعاون معاً، وما نختلف عليه لا يؤدي الخلاف في وجهة النظر إلى نزاع، حتى الخلافات تم تنظيمها، الطابع العام لعلاقتنا الإيجابية والتنسيق والتعاون، وقبل أسابيع حضرت لقاء مع الرئيس «بري» لتثبيت هذه الصيغة وتفعيلها»(6).

وبهذا يتضح أنه لم يكن هناك إبعاد كبير للحركة بقدر ما هو زحزحة من الصورة «العسكرية» والمواجهة إلى الساحة «السياسية» واستبقاؤها لأدوار أخرى تتوافق والمتغيرات السياسية لإيران وملفاتها في لبنان.

-----------------
(1) ولد نبيه بري في فريتاون عاصمة سيراليون، لأب مهاجر يعمل في التجارة، هاجر إلى سيراليون كالكثير من إخوانه هرباً من النظام الاقتصادي المحبط في الجنوب. عاد بري الطفل إلى مسقط رأسه في بلدة تبنين الجنوبية. ولم تُعرف عائلته بغناها أو بنفوذها رغم كونها عائلة كبيرة نسبياً، فبري رجل ذو أصول برجوازية صغيرة، لا يملك أسلوب منافسيه الزاهي البراق ولا اتصالاتهم. كما أن خصومه داخل الطائفة الشيعية يشيرون تكراراً إلى أنه لم يرافق الإمام الصدر قبل عام 1974م، ويلمحون إلى أنه كان عضواً في حزب البعث. من السهل أن تسيء تقييم رجل كبري، فهو رجل لا لون له، على الأقل، بالمقارنة مع عدد مناوئيه السياسيين. بري محام، درس الحقوق في الجامعة اللبنانية، وفيها مارس نشاطات طلابية ـ سياسية، حتى وصل إلى منصب رئيس اتحاد الطلاب.و بعد تخرجه في عام 1963م، سافر إلى جامعة السوربون في فرنسا ليكمل دراسته. أمضى بري بضعة سنوات في إفريقيا الغربية، وزار الولايات المتحدة مرتين على الأقل في الفترة الواقعة بين 1963م وأوائل السبعينات ، ولقد حصل بري على إقامة «غرين كارد». نشط في الاتحادات والحركات الطلابية. التحق بحركة أمل ثم تولى قيادتها عام 1980م، وهو عضو في المجلس الشيعي الأعلى، وعضو لجنة الإنقاذ الوطني عام 1982م وشارك في مؤتمري جنيف ولوزان للحوار الوطني اللبناني عامي 1983، 1984م. دخل الوزارة لأول مرة عام 1984م وزيراً للموارد المائية والكهربائية، ثم وزيراً لإعمار الجنوب. عين نائباً عن الجنوب في التعيينات النيابية عام 1991م التي سبقت انتخابات 1992م، ثم انتخب فعلياً على رأس قائمة تحالف «أمل» و «حزب الله» وممثلي المستقلين اليساريين والقوميين ضد قائمة كامل الأسعد، وبعدها انتخب رئيساً لمجلس النواب. انظر: أمل والشيعة، ص 153، وانظر: حكام لبنان، مجلة المجلة، العدد: 795، 13/4/1995م، ص 44، وانظر ترجمة له في أمل والمخيمات، لعبد الله الغريب، ص 167 ـ 171.
(
2) راجع: آ. ر نورثون، لبنان: الصراع الداخلي والارتباط بإيران، ص 116 ـ 137 عن الإسلام الشيعي، ص 211.
(
3)شغل حسين الحسيني منصب الأمانة العامة لحركة أمل بعد غياب الصدر إلى أن تولى بري عام 1980م.
(
4) أمل والمخيمات، 184.
(
5)دولة حزب الله، ص 118ـ 119.
(
6)حوار أجرته مجلة المصور المصرية في شهر مارس 1999، ونشرته مجلة المقاومة في العدد: 40/إبريل/ 1999م، ص 26.

ثورة تحمي .. الثورة

إذا أراد شخص ما أن يحقق لعمله الهدوء والاستقرار، والأشخاص المحيطيون به لا يوفرون له ذلك، بل لا يريدون له ذلك، فلا بد من التفكير والسعي لأن يصنع لهم شيئاً يشغلهم عنه ويلتهون به، وهذا ما فعلته إيران بعد ثورتها. «فقد اعتبرت إيران تصدير الثورة ومساندة حركات المعارضة الراديكالية ـ خاصة ذات التوجه الإسلامي وبالذات الشيعة منها ـ في الدول المجاورة أسلوباً لهذا الهجوم الوقائي مستغلة البريق الأيديولوجي للثورة في سنواتها الأولى، كما هدفت من وراء ذلك إلى استخدام العامل الإسلامي الثوري من منطلق أنه عامل توحيدي إقليمي في مواجهة العامل القومي العربي؛ فالوضع الأمثل لريادة إيران ـ إن لم نقل زعامتها ـ على المستوى الإقليمي هو نظام إقليمي إسلامي وليس قومياً عربياً. ومن ثَمَّ توظف إيران دعمها للحركات الإسلامية خارج حدودها ـ حتى ولو كان معنوياً وإعلامياً فقط ـ في علاقاتها مع الأطراف الإقليمية والدولية بما يخدم أهداف سياستها ومصالحها الخارجية، ويلهي الحكومات المعادية لها عن محاولة التدخل في شؤون إيران الداخلية، واكتفائها بالحد من دور الجماعات الإسلامية لديها، وبما يحفظ الزخم الثوري في الداخل الإيراني.

ومنذ بداية انتصار الثورة الإيرانية عام 1979م، طالب التيار الداعي لتصدير الثورة باعتبار تصدير الثورة إحدى سبل حمايتها في الداخل، وبعدم الاكتفاء بالدعاية الخارجية للنموذج الإيراني بل بتقديم مساعدات ودعم لقوى سياسية خارج إيران، وخاصة القوى الراديكالية المعادية للنظم القائمة في العالم الإسلامي لإنشاء حكومات على النمط الإيراني.

وقد طالب الخميني منذ البداية بتكرار ثورة إيران في البلدان الإسلامية الأخرى على سبيل أن يكون ذلك خطوة أولى نحو التوحد مع إيران في دولة واحدة يكون مركزها إيران في المواجهة مع من أسماهم بأعداء الإسلام في الشرق والغرب. والتزم بتدمير من أسماهم بالأنظمة الفاسدة التي تقمع المسلمين واستبدالها بما اعتبره حكومات إسلامية، كما ربط بين تصدير الثورة وبين مواجهة الإمبريالية وتحرير فلسطين. ورأى للثورة الإيرانية دوراً عالمياً لمساندة المحرومين عبر العالم، واعتبر صراحة أن الدولة الإسلامية في إيران ستمثل قائداً للمستضعفين في الأرض، وأكد ضرورة تصدير الثورة لكل مكان؛ لأن الإسلام يدافع عن الشعوب المستضعفة ولا يعترف بالحدود بين البلدان الإسلامية. وتعهد الخميني بتصدير الثورة الإيرانية إلى كافة أرجاء الأرض، بل وعدّ ذلك ضمن واجبات الثورة الإيرانية، وأضفى على رؤيته قدراً من الواقعية عندما ذكر أن عدم تصدير إيران لثورتها سيضعفها أمام أعدائها.

وقد اتفقت معظم الأدبيات الثورية الإيرانية منذ عام 1979م على تصنيف حكام معظم البلدان الإسلامية ـ مثلهم مثل دول الغرب ـ بأنهم يمارسون «الاستكبار» ضد شعوبهم، وحثت هذه الشعوب على التخلص من حكوماتها التي تخدم ـ حسب الرؤية الإيرانية ـ مصالح أعداء الإسلام. وركزت هذه الأدبيات على إبراز النموذج الإيراني بوصفه النموذج الثوري الإسلامي الوحيد، ومن هنا فهو ملزَم بمساندة الحركات الإسلامية في بقية أنحاء العالم الإسلامي، مما يجعل تصدير الثورة واجباً دينياً وليس مجرد هدف سياسي يتمثل في جعل علاقات إيران الخارجية مع الشعوب وليس مع الدول، ويتطلب من إيران تقديم مساعدات مالية وعسكرية بالإضافة إلى التدريب العسكري والتلقين العقائدي لهذه الحركات، وعدم الاكتفاء بالدعاية الخارجية للثورة.

وقد جسد الحزب الجمهوري الإسلامي ـ الذي سيطر على الحكم في إيران منذ إقصاء الدكتور أبو الحسن بني صدر عن رئاسة الجمهورية في يونيو 1981م، حتى حل الحزب عقب نهاية الحرب مع العراق ـ نظرية تصدير الثورة. بل إن بعض الناس اعتبر الخلاف بين الحزب وبين الدكتور أبو الحسن بني صدر أول رئيس لجمهورية إيران هو ـ في أحد أبعاده ـ خلافاً بين المفهوم الوطني للإسلام وحركة الإسلام العالمية. فاعتبر الحزب نفسه ـ في برنامجه الأساس ـ حزب المسلمين في كافة أنحاء العالم وليس في إيران وحدها، وذكر برنامجه أن عالمية الثورة الإسلامية ومبدأ تصدير الثورة وجهان لعملة واحدة، وبذلك حدد مهمة إيران الثورة في إنقاذ المسلمين والبشرية بأجمعها.

وقد سوَّغ الدكتور حسن آيات ـ أحد منظري الحزب ـ تدخل الثورة الإيرانية في شؤون الدول الإسلامية الأخرى بأن على إيران نصرة المستضعفين في كل مكان حتى يتم ضمان استمرارية الثورة واتساع دائرة إشعاعها. وقد جاءت تصريحات لعدة مسؤولين إيرانيين لتؤكد أن إيران لن تأمن من مؤامرات الدول الكبرى إلا إذا حدثت ثورات مماثلة في العالم الإسلامي، ووعدت بمساعدة كل حركات التحرير والحركات الإسلامية الراديكالية في أي مكان في العالم»(1).

«كما بذلت إيران ما في وسعها منذ قيام الثورة لإدماج الأقليات الشيعية الأجنبية سياسياً تحت قيادة الإمام، وهكذا دعمت في فترة أولى تمتد حتى عام 1982م، كافة الحركات الشيعية الصرفة مثل حركة أمل في لبنان.

بعد ذلك راحـت تطلب المزيد من الراديكالية والمزيد مـن التخلّي ـ فـي آن معاً ـ عن المرجعية الوطنية والاندماج في بنى إيرانية محضة (مثل الباسداران ومكتب الدعاية الإسلامية في قم الذي كان يديره آية الله منتظري) وهذه الفترة الثانية هي الفترة التي بدأ فيها ظهور الأحزاب التي دُعيت بأنها أحزاب الله، سواء في لبنان أو أفغانستان، وإلى قيام تنظيمات باسداران لدى الشيعة. وهكذا، فإن السفارة الإيرانية في بيروت أصبحت بمثابة قيادة الأركان الشيعية الحقيقية في لبنان؛ حيث شرع حزب الله وأمل الإسلامية التي نشأت عام 1982م في معارضة حركة أمل، مع الابتعاد عن رجال الدين الأكثر تقليدية (مثل الشيخ محمد مهدي شمس الدين).

أما الشيعة العراقيون المنفيون في طهران فقد التقوا في إطار «مجلس الثورة الإسلامية العراقية» في تشرين الثاني ـ نوفمبر 1982م ، تحت قيادة محمد باقر الحكيم. وقد تمت عملية السيطرة هذه أحياناً بعد حرب أهلية داخلية فعلية، (أمل ضد حزب الله، والخمينيون ضد الشورى في أفغانستان)، انتهت هذه المرحلة عام 1983م. أما المرحلة التالية فكان قوامها توجيه المجموعات الشيعية لشنّ هجمات ضد خصوم إيران وهي المرحلة التي حولت لبنان بخاصة إلى ساحة حرب ضد الرعايا الغربيين (تدمير مركز قيادة الأركان الفرنسية والأمريكية عام 1983م)؛ ذلك أن أفغانستان سرعان ما شهدت قيام توازن بين الاتحاد السوفييتي وإيران (فلا هجمات شيعية ضد الروس، مقابل تحفظ سوفييتي نسبي في دعم العراق)، وقد بلغ إضفاء الطابع الإيراني ذروته بين عامي 1985 ـ 1986م، وهي الفترة التي شهدت الانتصار على الجيش العراقي في الفاو، فقد كان عام 1986م عام الانتصار الإيراني»(2).

وتفلسف أحد قادة الحركة في لبنان وهو إبراهيم الأمين ـ وقال: «إن تصدير الثورة لا يعني تسلط النظام الإيراني على شعوب منطقة الشرق الأوسط، وإنما المفروض أن تعيش هذه المنطقة الإسلام من جديد!! ـ أي إسلام؟ ـ فيكون المتسلط على هذه الشعوب الإسلام وليس الإنسان، على هذا الأساس نحن نعمل في لبنان من خلال المسؤولية الشرعية ومن خلال القناعة السياسية أيضاً، حتى يصبح لبنان جزءاً من مشروع الأمة في منطقة الشرق الأوسط، ولا نعتقد أنه من الطبيعي أن يكون لبنان دولة إسلامية خارج مشروع الأمة»(3). وكان الحرس الثوري الإيراني هو المؤسسة الرسمية الرئيسة التي ترفع راية مبادئ الثورة الإسلامية ومُثُلها التي حددها الخميني وتحميها، وقد لعب الحرس دوراً هاماً في ترسيخ أفكار الثورة وزعيمها(4).

وانطلاقاً من هذه السياسة الإيرانية بعد نجاح الثورة وبلوازم الدور الذي يقوم به الحرس الثوري لتصدير هذه الثورة، ولتحقيق الأمل الآخر بقيام الدولة الأخرى في لبنان فقد ساعدت مفرزة الحرس في لبنان على تأسيس «حزب الله»، وعلى تدريبه ودعمه فيما بعد، بهدف إقامة جمهورية إسلامية في ذلك البلد. وعموماً كانت قيادة مفرزة الحرس وأفراده في لبنان ـ وقوامها 2000 مقاتل ـ تضم أكثر رجال الحرس راديكالية من الناحية العقائدية. وإلى جانب المساندة والتدريب العسكريين المباشرين لحزب الله لعب الحرس دوراً عقائدياً وسياسياً كبيراً في وادي البقاع اللبناني، حيث بثوا معتقداتهم بين السكان المحليين، وأسسوا المدارس والمستشفيات والمساجد والجمعيات الخيرية، واكتسبوا التأييد للثورة الإسلامية وأمدوا حزب الله بالمجندين.

وقد نشبت خلافات واسعة في طهران حول المستوى والأسلوب الأمثل لنشاط الحرس في لبنان. وكان لدى الحرس مصلحة في إنكار مسؤوليته عن بعض أنشطته في لبنان؛ كما كان لمختلف الزعماء الإيرانيين صلات شخصية وسياسية واسعة مع المتشددين الشيعة اللبنانيين على اختلافهم؛ فعلى سبيل المثال: قام وزير الحرس السابق رفيق دوست بزيارات متكررة للبنان، ولعب دوراً رئيساً في أنشطة الحرس بلبنان؛ لأنه أقام علاقات واسعة هناك خلال التدريب الذي تلقاه على حرب العصابات، ولأنه كان مسؤولاً رسمياً عن تقديم الإسناد اللوجستي والإمدادات للحرس.

كما لعب السفير الإيراني السابق في سوريا ووزير الداخلية علي أكبر محتشمي، وهو أحد المتشددين البارزين، دوراً فاعلاً بالتعاون مع الحرس في تشكيل حزب الله، ويبدو أنه لا يزال يتمتع بنفوذ قوي في لبنان. كما تسعى السفارتان الإيرانيتان في سوريا ولبنان مع وزارة الخارجية الإيرانية وبعض الزعماء الإيرانيين إلى السيطرة على أنشطة الحرس والسياسة الإيرانية في لبنان(5).

-------------
(1) د. وليد عبد الناصر، إيران: دراسة عن الثورة والدولة، دار الشروق، ط 1/1418هـ، ص70 ـ 75 بتصرف، وانظر: د. عبد المنعم سعيد، العرب ودول الجوار الجغرافي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط/1/1987م، ص 86 ـ 87.
(
2)أولفيه روا، تجربة الإسلام السياسي، ص 182 ـ 183.
(
3)دولة حزب الله/210.
(
4)انظر: الحرس الثوري الإيراني، نشأته وتكوينه ودوره، ص 26 ـ 27.
(
5) راجع المصدر السابق، 139 ـ 140، 178 ، 180، وانظر: دولة حزب الله، ص 277. وانظر: مجلة المقاومة العدد: 31، ص 4.

 البناء بالحرب!!

حين وصلت الحركة الجديدة إلى «الحالة الثورية» كان لا بد من الاستجابة للنداء المقدس من ضرورة تحويل لبنان إلى دولة أخرى، وحيث الروح المعنوية عالية، والمدد المادي والعسكري والتنظيمي متوفر بكثافة وبكرم يفوق الخُلُق العربي ، فكان لا بد من الخروج الكلي من الشرنقة والإعلان الواضح عن الحركة، وكان من الطبيعي أن يتوجه الجهد العسكري لمحاربة الاحتلال وتطهير الأرض اللبنانية من «رجس اليهود» والسعي إلى إخراجهم من «الأرض المقدسة» إلا أن ذلك لم يكن هدف الحركة!! يقول وضاح شرارة: «لم يصرف الإسلاميون اللبنانيون ـ والقيادة الإيرانية من ورائهم ـ جهدهم إلى عمليات ضد الإسرائيليين وقوات احتلالهم، في الأشهر الأولى التي أعقبت صيف 1982؛ فمصدر الخطر الأول على «مجتمع الحرب» أو «الحالة الجهادية»، يومذاك ليس الاحتلال الإسرائيلي!! فكان المصدر الذي يتهددها هو استقرار الدولة اللبنانية وحملها اللبنانيين على تسليم أمورهم وشؤونهم إليها وإقرارهم بشرعيتها، وهذا ـ أي التسليم والإقرار بالشرعية ـ ما كان يبعد أن يحظى به الاحتلال الإسرائيلي.

ويبرز الفرق جلياً بين الإسلاميين وبين الأحزاب والقوى السياسية التي أمدت المقاومة الوطنية اللبنانية بالمقاتلين والسلاح والخطط، في هذه المسألة، وما احتجاج الشيوعيين اللبنانيين على سبقهم في هذا الميدان إلا إمعاناً في الغلط، وفي التعامي عن الاختلاف في تقدير الأوضاع؛ فذهب الحزب الشيوعي اللبناني، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وبعض فصائل حركة «أمل»، والمرجح أن قسماً من الفلسطينيين تابعهم على رأيهم، إلى أن الأمر الملحّ والداهم هو عرقلة الاحتلال الإسرائيلي، والحؤول دون استتبابه، والمضي على المقاومة التي جابهت العملية الإسرائيلية ـ ولو اختلف في تقويم هذه المقاومة ـ وعقدت الأحزاب والمنظمات آمالها على قيامها بـ «حرب التحرير» هذه، ورجت أن تقطف ثمار عملها قوة جديدة تمكنها من أخذ موقع سياسي راجح في الميزان اللبناني، وتضافر على تصويب هذا التناول وتصحيحه الرسم السياسي والتاريخي المتحدرُ إلى الحركات السياسية والعسكرية اللبنانية والعربية من ثقافة «حركات التحرير الوطني» المصطبغة بصبغة لينينية عميقة. وقوام هذا الأسلوب أن الحكم والسلطة يؤولان إلى من يضطلع بمهمات الحرب على الأجنبي والمحتل، وأن الحرب هذه حربان: واحدة على الأجنبي وأخرى على «حلفائه» أي: فعلاً وعملاً، على من قد ينازع «حركة التحرير» بقيادة الحزب الشيوعي المفترضة الحكم والسلطة، فالسبّاق إلى الحربين والساعي بحرب الأجنبي إلى حرب الوطني المنافس هو الأوفر حظاً في الاستيلاء على السلطة، ويسمي المرشحون لمثل هذه الدور، يسمون هذه الحبكةَ: إنجاز مهمات المرحلة الوطنية بقيادة الطبقة العاملة.

اطَّرح «الإسلاميون» هذه الطريقة من غير مواربة ولا تأخر، فقدَّموا على سائر المهمات والأعمال مهمة الحؤول بين الأبنية السياسية والإدارية اللبنانية وبين انتزاع الاعتراف بشرعيتها من جديد. والسبب في ذلك أن مثل هذا الاعتراف يحكم على الإسلاميين ، بالخروج على الشرعية، وعلى ما هو مُجمَع عليه، ويدينهم بعرقلة مسيرة السلم والعودة إلى الحياة السياسية الآمنة. وأعدت الإسلاميين لهذا المنهج عواملُ كثيرة، منها: أنفتهم من تناول الأمور تناولاً وطنياً ومحلياً، ومنها بروز الوجه الإقليمي والدولي للحرب الإيرانية العراقية، واختبار قادة طهران جدوى التعبئة الجماهيرية عسكرياً وسياسياً وانتقالهم بعد ربيع وصيف 1982م إلى مرحلة الهجوم، وسعيهم إلى انتزاع مكاسب إقليمية ثابتة في نهاية هجومهم المأمول. ولم يكن خافياً أن استقرار أبنية الدولة اللبنانية ناتج المساعدة الأمريكية والأوروبية التي تحوط هذه الأبنية، وترعى ذراعها المسلحة، وتحول بين القوى الإقليمية والمحلية وبين بعثها الأحزاب التي تسعى إلى تقطيع جسم الدول. ولما كانت الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية تقف عائقاً دون إحراز القوات الإيرانية انتصارات عسكرية في حربها مع العراق، تحالفت السياسة الإيرانية والسياسة السورية(1) والمصالح المحلية على ضرب القوة الأوروبية والأمريكية وإحباط الانتصارات الإيرانية معاً. وضربُ مثل هذا الغرض ـ القوات المتعددة الجنسية ـ كفيل إذا ما أفلح بحرمان الدولة اللبنانية الرعاية التي لا قيامة لها من دونها، وبإباحة لبنان أرضاً ومجتمعاً للمعاقل المختلفة، وهو كفيل أيضاً بإطلاق اليد السورية في لبنان، وبتعويض التراجع الذي منيت به القوات السورية في صيف 1982م، وبمد جسر إيراني إلى قلب المشكلات العربية يحول دون تأليب الإسلام العربي «السني» عليها، وتحويل إيران إلى قوة عربية عن طريق محاربة القوات الإسرائيلية والعلاقة بالمنظمات الفلسطينية على أرض دولة عربية. لذا أعدت القيادة الإيرانية العدة قبل أي شاغل آخر لاستعادة الضواحي الجنوبية من بيروت التي ترنو إلى أن تكون معقلاً لها، وانتزاعها من أيدي الجيش اللبناني. ومثل هذه الاستعادة ما كان لها أن تتوطد وتتمكن لولا حمل القوات المتعددة الجنسية ـ وعلى رأسها القوات الأمريكية ـ على التخلي عن مهمتها المفترضة، لذا حل هذا العمل ـ أي حمل القوات المتعددة الجنسية على ترك لبنان ـ مكانة رفيعة في تاريخ الخمينيين المقدس، واضطلع بدور كبير في رسم نهجهم وطريقتهم، فإقدام رجلين (أو أكثر) على مهاجمة بناءين مكتظين بالجنود الأمريكيين والفرنسيين صبيحة 23/10/1983م، وسقوط ثلاثمائة قتيل ونيف من جراء هذا الهجوم(2)، وانقلاب القوات المتعددة الجنسية إلى موقف الدفاع والتوقي، وإقلاعها عن حماية الدولة اللبنانية قبيل انسحابها، كل هذه جاءت مصدقة في الظاهر لمذهب مرشد الثورة الإيرانية الأول»(3).

ويعني هذا الأمر، بعبارة أخرى، وفي ضوء الثورة الإسلامية الإيرانية وتجربتها يومذاك، أن الحرب وحدها في مستطاعها أن تظلل إنشاء المعقل الإسلامي، وأن ترد عنه غائلة حياة اجتماعية وسياسية وثقافية مستقرة، لذا كان الإسلاميون الشيعة ذوو الهوى الإيراني والخميني في الصفوف الأولى من كل أعمال الكر والهجوم على «العدو العام»: على القوات الإسرائيلية، وعلى الوحدات الأمريكية والفرنسية، وعلى «القوات اللبنانية»، وعلى الجيش اللبناني، وعلى المواطنين اللبنانيين المسيحيين والمواطنين الأجانب، وعلى «جيش لبنان الجنوبي»، وعلى السفارات الأجنبية والعربية، وعلى القوات الدولية، وعلى بعض المواطنين اللبنانيين المسلمين الذين يخالفون الشيعة في الهوى والمشارب، وعلى المراقبين السوريين الذي سبق قدومهم الانتشار السوري في بيروت أواخر شباط 1987م، وعلى مسلحي «أمل» بالضاحية الجنوبية في صيف 1988م، وعلى المسلحين الفلسطينيين المتحالفين مع «أمل» في حروب المخيمات الطويلة (1985 ـ 1990م) فهؤلاء كلهم، الذين كانوا أو ما زالوا هدفاً لأعمال الخمينيين الحربية، تسهم حربهم في إنشاء الجيب الإسلامي الإيراني وفي إطالة الأمد الذي يحتاج إليه أصحابه من أجل إرسائه على أسس يظنونها ثابتة. فإلى الدور الذي تضطلع به هذه الحرب الكثيرة الوجوه في الوصول بمآرب السياسة الإيرانية إلى غاياتها الإقليمية والدولية، تضطلع بدور آخر لا يقوم الدور الأول إلا به، وهو تشييد أبنية المجتمع الإسلامي الذي تتعهده ولاية الفقيه ويتعهده وكلاؤه، ونواة هذه الأبنية «الشخصية الإسلامية التامة»،وهذه «الشخصية» تعد في المدارس والحوزات، بديهة ـ وهي بديهة من بدائه الإمامية ـ وتعد في هيئات تطيف بحياة «الملتزم الرسالي» من كل جهة، قبل أن تضعه في اللحد، وترعى ذكره وأولاده، وتسوق روحه وتضعها بين يدي صاحب الزمان أو نائبه»(4).

-------------------
(1)راجع مسوغات التحالفات الإيرانية، مبحث «بين طهران ودمشق» وما بعده، ص 173.
(
2) راجع تفاصيل العمليات التي قام بها حزب الله ضد الأهداف الأمريكية والفرنسية بمساندة الحرس الثوري، د. سعد أبو دية، دراسة تحليلية في العمليات الاستشهادية في جنوب لبنان، ط 1، 1407هـ.
(
3) دولة حزب الله، 231 ـ 232، 269 ، 271 بتصرف.
(
4)انظر دولة حزب الله/121 ـ 122.

فدائيون أم .. عملاء؟

في الوقت الذي كانت إحدى مجلات اليسار الثوري المتطرف تتوب فيه من اليسار، والثورة والتطرف، أوردت مقالاً بعنوان: حزب الله.. فدائيون أم عملاء؟ ووصلت كاتبة المقال في نهايته إلى أنهم عملاء(1)!!

في الوقت ذاته لم تمنع أُخُوة المذهب أحد الكتاب أن يطلق على حزب الله لقب «خدم للأسياد»(2)

وتلطف بعض الكتاب وأطلقوا عليهم.. الوكلاء(3)

بل إن أمينه العام اعتبر الحزب.. ورقة وأداة(4)!!

في جميع الأوصاف السابقة إشارات واضـحة باتهامات وإدانات لحـزب الله، وهنا لن نتبنى وصفاً معيناً ممـا سبق، ـ وإن صـدرنا واحداً منه ـ ولكن سنعرض تفاصيل الاتهامات وما يتعلق بهـا، ثم نترك القارئ يجيب على هذا السؤال.

ومع النظر إلى الخدمات التي يقدمها حزب الله لعامة الشيعة في لبنان، ومع حجم المبالغ المالية الضخمة التي تنفق على هذه الخدمات، والتي ينفقها الحزب على الجهاز العسكري، ومع النظر كذلك إلى سياسة الحزب تجاه إيران وتجاه سوريا، ونظرة الحزب إلى العالم، من خلالها سندرك بلا شك إجابة السؤال.

------------------------
(1) روز اليوسف ، د. فاطمة سيد أحمد ، العدد: (3685) 25/1/1999م.
(
2) وضاح شرارة، دولة حزب الله، ص 335.
(
3) أحمد خالدي، حسين ج.آغا، سوريا وإيران، تنافس وتعاون، ص 135.
(
4) حسن نصر الله، جريدة الأنباء، العدد: 8331، 14/2/1420هـ.

هل كان الإحسان خالصاً؟

«إننا يمكن أن نأتي بالتغيير في لبنان بتعليم الشعب وتنويره داخل المؤسسات الاجتماعية»(1).

«إن قوتنا تكمن في قدرتنا على صنع الناس والجماهير، وعلى أن نضع أوامرنا موضع التنفيذ، إنهم ينفذون أوامرنا؛ لأنهم يعرفون أننا أقرب الناس إلى تحقيق مطالبهم»(2).

بهذه الكلمات الموجزة يبين محمد حسين فضل الله، الزعيم الروحي لحزب الله إحدى الوسائل الهامة التي يسعون من خلالها إلى تحويل لبنان إلى دولة شيعية، أو على الأقل مجتمعاً شيعياً، فلم تقتصر وسائل التغيير لدى «حزب الله» على نمط واحد، بل تعددت وتشعبت في أركان لبنان، وكل وسيلة تغرس غرساً وتجني ثمراً.

وكان للخدمات الاجتماعية التي يقدمها «حزب الله» دور كبير في ترسيخ القناعة بأحقيته بأن يكون صوت العشيرة وراعيها الساهر على راحتها، الساعي إلى قضاء حوائجها، في وقت تقطعت فيه أوصال المجتمع اللبناني، وانهارت مؤسساته بعدما حل بالبلد ما حل.

وفي الوقت الذي سعى فيه حزب الله لأن يكون رأس الحربة في الساحة اللبنانية، وفي مقدمة الطائفة الشيعية، كان لا بد من النظر إلى عامة الشيعة نظرة تشعرهم بالاهتمام بهم، والسعي لرفع الفقر والحاجة التي طالما عانوا منها، فكان للحزب سعيان: سعي بالسلاح، وسعي بالإحسان؛ فالمبادئ والمثل والحقائق تبقى عند كثير من الناس بلا تأثير إن لم يروا لها أثراً حياً يتحرك بها في واقعهم.

ولم يكن هذا الإحسان خالصاً كله؛ فقد كان فيما يرمي خلق جبهة خلفية تتبنى الدفاع الأدبي والمعنوي عن الحزب، كما أنها تمثل المدد البشري الذي يدين بالولاء والطاعة، فليس جزاء الإحسان إلا الإحسان.

----------------------------
(1) قراءة في فكر زعيم ديني لبناني، د. أحمد إبراهيم خضر، مجلة المجتمع، العدد: 954، ص 43.
(
2) المصدر السابق، العدد: 958، ص 50.

دور المؤسسات الاجتماعية وهدفها

في الوقت الذي خسرت فيه كثير من الحركات السنية كثير من عامة الناس لإخفاقها في توجيه الخطاب المناسب لها، وتقديم الرعاية الاجتماعية، بل إن من هذه الحركات من ناصب عامة الناس العداء واعتبرهم «جاهليين» في الوقت ذاته نرى هنا تجربة الرعاية الاجتماعية التي قدمها حزب الله، وكيف كان لها أثرها في تثبيت أقدام الحزب، وبرغم الموقف الواضح هنا من الحركات الشيعية عامة، وحزب الله خاصة، فلا يُظن أن هذا الكلام ذم مطلق للحركات السنية، وإنما إشارة إلى جزء من منهجها الذي لم توفق فيه للوصول إلى أحد ركائز الدعوة.

وإن كانت صور التجربتين غير متطابقة في مكوناتها وتطبيقاتها إلا أن النظر إلى التجارب التي حققت نجاحاً أكثر من الأخرى ـ في بعض جوانبها ـ لا شك أنه سيعود بالفائدة.

«تنهض المؤسسات الاجتماعية بالصلة بعامة الشيعة؛ فهي نظير: «المنظمات الجماهيرية» في الحركات الشيوعية خاصة. والمقصد منها إنشاء دوائر أوسع، وكلها تفترض علاقة وثيقة ومتينة لسياسة الحركة وعملها. إن الهيئات المختلفة تعمل على الإحاطة بكل وجوه الحياة الاجتماعية، وعلى إنشاء مجتمع نقيض للمجتمع العام والظاهر، فينبغي لمن تسميهم الحركة الشيعية الإيرانية «الملتزمين» تارة، و«المجاهدين» تارة أخرى، ينبغي إذن لجمهورها وأنصارها أن ينتقلوا من المهد إلى اللحد هم وأهلهم الصغار منهم والكبار من غير الخروج من مرافق «ذلك المجتمع» مهما كانت الذريعة، من تعليم وتريض واستشفاء وصداقة وزواج وقتال وعبادة، إلخ... وإذ يقول دعاة «حزب الله» وخطباؤه إن الإسلام إسلامهم وهو حركة شاملة، وذلك يقتضي أن من ألحّ مهامهم عليهم: استكمال إنشاء الجمهورية الإسلامية بقيادة الخميني»(1).

«وكان لاجتماع عوامل التهجير والإقامة المرتجلة وانكماش فرص العمل المستقر وتدني الدخل، أن انتشرت مؤسسات الرعاية الاجتماعية والإغاثة على نحو واسع. وأخذت هذه المؤسسات على عاتقها مهمات كثيرة: من مساعدات طارئة للمهجرين «بما في ذلك ترميم المنازل التي تضررت من جراء الحرب ـ إلى المساعدة الطبية وتوزيع الأدوية، ومن التعليم المهني إلى تأهيل المعاقين تأهيلاً جديداً، ومن التأهيل الاقتصادي ـ قروض طويلة الأمد لمزارعين وحرفيين وتجار فقدوا مورد رزقهم ومعاشهم ـ، إلى إنشاء مساكن جاهزة ومساعدات مدرسية، وتولت اللجان والمؤسسات والهيئات والمنظمات، مهمات متفرقة في ميادين وحقول كثيرة، منها: معالجة الجرب، واكتشاف القمل، وتوزيع مساعدات غذائية، وإقامة معارض كتب، وإنشاء مستوصفات والقيام على خدماتها، وإصلاح أضرار من جراء النزاعات الداخلية، وإعداد دورات خياطة وتطريز، وتجريد حملات لمحو الأمية، وإعداد ممرضات، وتأهيل مشاتل وتوزيع شتول على المزارعين، وتعهد سياسة طب وقائي في المدارس، وتمكين الطلاب الأيتام والمعوزين من التعليم المهني والتقني، وتقديم منح طالبية، وتنظيف المدن من الردم، وإحصاء الأضرار والخسائر، ومساعدات نقدية دورية، وتوفير أطراف صناعية، ورعاية المعاقين وتأهيلهم، وإعداد اختصاصيين في تدبير أمور الأطفال، واستيعاب المكفوفين والصم، ومساعدة مستشفيات على سد العجز في ميزانياتها، وتعليم الطباعة على الآلة الكاتبة، وشراء بطاريات قلب، وإجراء فحوصات مخبرية، وتدريس القرآن.

فلم يبق حقل من حقول الحياة الاجتماعية بعيداً من يد المساعدة والإغاثة والتعويض والإحصاء والإرشاد. وسعت إمّا فـي جمـع المساعدة والحث عليها أو في صرف المساعدات المتوفرة والهبات إلى المحتاجين»(2).

وقد كان الاهتمام الشيعي بالخدمات الاجتماعية منذ بدايات النهضة الشيعية، فقد كانت خطوات موسى الصدر الأولى في لبنان أن أنشأ مدرسة الخياطة والتفصيل في عام 1963م، ومدرسة التمريض في 1969م، ومدرسة جبل عامل المهنية في 1969م، ومبرة الزهراء، ومستشفى الزهراء بعد ذلك(3).

وكان من أبرز المؤسسات الشيعية التي قامت بأدوار اجتماعية بارزة:

مؤسسة الشهيد:

«فعلى نحو ما احتلت «مؤسسة الشهيد» بإيران مكانة رفيعة وتوسل بها الحكم وأجهزته إلى النفاذ إلى النسيج الاجتماعي والأسري وإلى دقائقه الصغيرة والخفية، عمل فرع المؤسسة بلبنان على الاضطلاع بالدور نفسه، ولا شك في أن حضانة «عوائل الشهداء الشيعة» ورعايتها، لبنة مهمة في السعي إلى رسملة العلاقة بالشاب الذي سقط في صفوف الحركة، وذلك من طريق ضمان معاش العائلة التي خسرت ولدها، وإشراكها في مرافق الحركة المختلفة ونشاط هيئاتها.

وتحوط الحركة الإسلامية الخمينية من يُقتلون منها في معارك مختلفة ببناء كامل ومتماسك من الشعائر الحادة والمعقدة، لكنها لا تقصر على الشعائر، أو هي ترسي شعائرها على هيكل قوي يكون للتعبئة والتنظيم شطر منه، وللمصالح الدنيوية والأرضية شطر آخر!! وإذا كانت منظمات العلماء ومدارس التعليم الديني أقنية يسلكها النفوذ الإيراني ويجري فيها لينشئ نخباً جديدة على مثاله وتلبي حاجاته المحلية، فمنظمات «الشهداء» هي أوردة هذا النفوذ وشرايينه في لحم الاجتماع الشيعي اللبناني، وهي سُلَّمه وجسره إلى نواة هذا الاجتماع»(4).

«ولا تخفي «مؤسسة الشهيد» اضطلاعها تجاه «عوائل الشهداء» برعاية لا تقتصر على المواساة والعاطفة الصادقة، بل تتعداها إلى القيام بعبء مالي كبير، بعضه عيني يتمثل في تعويض ثابت ودوري، وبعضه الآخر خدمات مدرسية وصحية وتربوية ودينية.

ومن الخدمات الدينية الحج، وأداء مراسمه وشعائره على نفقة المؤسسة؛ ومنها تنظيم زيارات مشتركة للمشاهد بإيران التي قد كانت تختم وتتوج بلقاء «قائد الأمة » خميني عندما كان حياً.

يضطلع الفرع اللبناني لـ «مؤسسة الشهيد»، بخدمة دينية وإنسانية قلما يدور الكلام عليها علناً، إلا أنها لا تُهمل ولا تنسى، وهي رعاية اللواتي قتل أزواجهن، وقد نشرت الحركة الإسلامية الخمينية في صفوف مريداتها ومريديها مثالاً للزواج وللعلاقة العائلية ينهض على مطلب واحد هو الاشتراك في الإيمان وفي الاعتقاد. ويقلل هذا المثال من دور البواعث القوية التي لا يحكم المرء، ـ أو المرأة ـ، سيطرته عليها، ويقلل من خطر الاختيار الفردي والروابط التي لا ترجع إلى قياس عام تنضبط عليه»(5).

«والمؤسسة مسؤولة عن عوائل من يسقطون في المعارك والأسرى خدمة ورعاية بمن فيهم القتلى المدنيون من غير المقاومين، وقد بدأت المؤسسة عملها مع انطلاقة المقاومة، ولمداراة الآثار السلبية التي يمكن لها أن تحبط معنويات الأهل والبيئة المحيطة بهم. والمؤسسة منتشرة في معظم المناطق اللبنانية وتتولى فيما تتولاه الاهتمام بتعليم أبناء الذين قضوا نحبهم، وهي تنسق مع الأهل انطلاقاً من نظرية الرعاية ضمن الأسرة.

إن أساس الفكرة: هي التعويض قدر الإمكان عن غياب المعيل حتى لو كان مسؤولاً عن عائلتين: زوجته وأولاده من جهة وأهله من جهة ثانية، وللأولاد مدارس خاصة وأساتذة وأنشطة كشفية ورياضية وترفيهية، وللزوجة المسكن والعمل ولجان المؤازرة في إطار برنامج خاص بـ «دعم الأمومة» وثمة اهتمام خاص بهذه الناحية نظراً لأن الزوجات تبعاً لأعمار أزواجهن الشهداء هن بين السابعة عشرة والعشرين من العمر.

وتعد برامج (التكافل) أهم مصدر لتمويل «مؤسسة الشهيد» وهي تعتبر أن مهماتها إشاعة «ثقافة التكافل» والقيام بصلة وصل بين التكافل والكفيل لرعاية الثاني وإشعار الأول بدوره. ويلحظ في هذا المجال امتداد الكفالة إلى حين توفير القدرة لليتيم للاستغناء المادي وتدبر أموره بنفسه؛ وفي هذا السياق باتت المؤسسة تملك مكتب عمل متخصصاً بتأمين فرص العمل، مع إعطاء أفضلية لذوي القتلى والأسرى، والكلفة الإجمالية لكل ولد هي حوالي 2500 دولار شهرياً»(6).

المؤسسات الصحية:

«افتتحت «الهيئة الصحية» في مطلع 1987م، وبتمويل من «مؤسسة الشهيد» صيدلية في حي السُّلَّم أسمتها: «صيدلية الشهيد الشيخ راغب حرب»،وتضطلع بمد يد العون إلى المستضعفين كافة، وتبيع الدواء بأسعار معتدلة ومدروسة، ولا شك أن الإقدام على مثل هذه الخطوة يخرج الجناح الشيعي الخميني من جمهوره السياسي والحزبي إلى دائرة أصحاب الحاجات اليومية والعامة، وهم عامة الناس في الأحياء والشوارع التي يقطنها الشيعة ويجتمعون فيها اجتماعاً كثيفاً»(7).

«ومن المهمات التي تقوم بها الهيئة الصحية: الرعاية الصحية الأولية، مثل الإرشاد والوقاية وإقامة دورات في المناطق النائية، وتنظيم محاضرات، كما أن لها وجوداً في عدد كبير من القرى وذلك بواسطة «رابط صحي» غالباً ما يكون واحدة من المتطوعات. وتستفيد الهيئة من هذا الانتشار من أجل أن تشترك مع أجهزة الدولة في برامج محددة، كما تقوم بإجراء حملات التقليح ضد الشلل التي أفادت في عام 1998م حوالي 50 ألف شخص، كما قامت بالمسح الصحي للمدارس الرسمية من أجل وضع اختبارات دقيقة لكل طالب واستباق بروز أمراض معدية، وقد حصل أن وفرت هذه المعلومات القدرة على تدخل مسبق، وكذلك تجريد حملات لتحديد فئة الدم، وقد كان من الطبيعي أن تبدأ في القرى الشيعية الـ 65 المحاذية للشريط الحدودي المحتل وأثمرت عن وضع لوائح بكل المقيمين وفئات دمهم وهي لوائح بالغة الإفادة عند تعرض المدنيين إلى قصف إسرائيلي يوقع جرحى، إلى ذلك شاركت الهيئة في حملات مكافحة التدخين وحماية الأسنان عبر توزيع كل ما يلزم على جميع المدارس في الضاحية الجنوبية لبيروت. وتملك الهيئة حسب المسؤول عنها: 21 مستوصفاً و 9 مراكز صحية كبيرة و 13 عيادة تجول في 45 قرية في البقاع و 25 قرية في الجنوب، وقد خرجت 360 متطوعة في عام 1998م و 119 مسعفاً انضموا إلى جهاز واسع لـ «الدفاع المدني» يبلغ عدد أعضائه الآلاف كما يوجد مستشفى الجنوب في النبطية تابع للهيئة وكذلك مستشفى دارة الحكمة في البقاع وهما ـ مع غيرهما من المراكز ـ استقبلا ما يزيد عن مئتي ألف مريض خلال العام 1998م.

وتقدم الهيئة تسهيلات صحية للمواطنين. وقد استفاد 222 ألف لبناني من ذلك بمبالغ فاقت المليون دولار، وتوزعت بين مستفيد من دواء مجاني وبين دخول المستشفى لعملية جراحية.

كما أن هناك «مستشفى الرسول الأعظم» وهذا المستشفى يقع على تخوم الضاحية الجنوبية لبيروت المكتظة بالسكان التي تعاني من إهمال مزمن، يضم المستشفى ما بين 30 1 إلى 200 سرير وذلك حسب الأشغال الجارية فيه، ويتعرض المستشفى إلى إعادة نظر شاملة لتحديثه وضم أجنحة جديدة واستخدام أقسام وإعادة تأهيل بعض ما كان موجوداً، فلقد نما بسرعة من مستشفى ميداني صغير قبل عشر سنوات يهتم بجرحى الحروب الأهلية إلى مؤسسة تخدم سنوياً حوالي 200 ألف شخص ما بين المعاينة السريعة والعملية الجراحية، يعمل فيه مئة طبيب متنوعو الاختصاصات، وتؤكد الإحصاءات أن مستشفى الرسول الأعظم يمثل أكبر نسبه إشغال في مستشفيات بيروت، ويضم المستشفى معهداً للتمريض هو على الأرجح الأكبر في لبنان؛ إذ إنه يدفع سنوياً ما بين 200 و 250 ممرضة إلى سوق العمل؛ ومن الطبيعي أن تعمل متخرجات في المستشفى نفسه خصوصاً أنه قيد التوسيع من أجل الرد على احتياجات متزايدة تفوق ثلاثة آلاف حالة طوارئ شهرياً وستة آلاف استشارة في عيادة الأطباء العاملين، ويوجد لجنة طبية خاصة بعوائل القتلى ومن مهماتها ـ فضلاً عن المتابعة الصحية ـ تقديم خدمات أخرى تأخذ في الاعتبار فقدان المعيل»(8).

مؤسسة الجرحى:

«وللجرحى هيئة خاصة بهم، بدأ عملها في 1990م في عز الحروب الأهلية، وكانت تابعة لـ «مؤسسة الشهيد» ولكن الزيادة المضطردة في عدد الجرحى دفعت نحو الانفصال لتشكيل جسم خاص. ففي تلك المرحلة كان القصف المتبادل بين اللبنانيين يسقط العديدين، ولما استتب الأمن كان لا بد من تركيز الأنظار على جرحى القصف الإسرائيلي سواء كانوا مقاومين أم مدنين، وتقدم المؤسسة العناية الكاملة لجرحى المقاومة، والاعتناء بالجرحى المدنيين «شبه كامل». بالنسبة لجرحى المقاومة تكون التقديمات شاملة من لحظة دخول المستشفى حتى لحظة الخروج. وبالنسبة للآخرين فإن وزارة الصحة هي التي تتكفل النفقات في البداية، ولكن الاهتمام يتراجع تلقائياً فتكمل المؤسسة ـ الاهتمام بالجوانب الأخرى التي يحتاجها كل جريح. التقدير الإجمالي لعمل المؤسسة، كما يؤكد مسؤولها الإعلامـي (عماد خشمان) ـ هو اهتمامها، حتى آخـر إحصاءات بـ 3048 حالة لا تزيد نسبة المقاومين فيهم عن 8% فقط أصيب بعض هؤلاء بإعاقات جزئية «بتر قدم أو يد، أو فقدان عين..» كما أصيب 72 شخصاً آخرين بإعاقات كلية. إن المسؤولية شاملة عن المعاقين كلياً: مخصص شهري، سكن، صحة، تربية، تكاليف العائلة: إلخ، ويضيف: أن نجاحنا الأبرز ربما كان تزويج 68 شاباً من أصل 72 من الذين أصيبوا بإعاقة كلية، وكانت تدفع نفقات صناعة الأطراف وتركيبها إلى أن أخذت وزارة الصحة الأمر على عاتقها، غير أن ذلك دفع إلى إقامة مصنع للأطراف وذلك بعد النجاح في تشغيل مركز العلاج الفيزيائي، والمطلوب من مصنع الأطراف سد الحاجات ورد التكاليف وربما أمكن لاحقاً الاستفادة منه تجارياً. وثمة دورة تدريبية حالياً من أجل تخريج من يمكنه المعاونة في هذا العمل الدقيق. ولمؤسسة الجرحى التي يعمل بها أربعون شخصاً ـ معظمهم من الجرحى السابقين ـ فروع في النبطية وصور وبعلبك وهي تعمل وفق مبدأ. إن الرعاية من دون إعادة تأهيل غير ناجحة، ولذا فإن التركيز واضح على التعليم، ومن علامات النجاح وجود من تخرج جامعياً ومن انخرط في أعمال مهنية تؤمن مصدر رزق.

كما تعمل المؤسسة على رفض إيواء الجرحى، والسعي إلى رعايتهم ضمن العائلة والمجتمع»(9).

أما جرحى النفوس الذين أمضوا جزءاً من حياتهم في السجون الإسرائيلية فكانوا يتطلبون نوعاً آخر من الرعاية لرفع معنوياتهم وإعادة تأهيلهم، فكانت تقيم السفارة الإيرانية في بيروت رحلات خاصة لأولئك، من لبنان إلى «العتبات المقدسة» في إيران، وكانت تسمى هذه الرحلة بـ «رحلة التجلي» حيث: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»(10)!! وذلك حسب الوصف الشيعي لتلك العتبات.

مؤسسة جهاد البناء:

«جمعية مؤسسة جهاد البناء الإنمائية تأسست في لبنان سنة 1988م، شعارها: «إسرائيل تقصف يومياً ونحن نرمم يومياً» اقتصر عملها بعد التأسيس وفي ظروف الغياب الخدماتي للدولة، على رفع النفايات وتأمين المياه والكهرباء وما شابه من قضايا تهم اللبنانيين في حياتهم اليومية وتفاصيلها، ولكن بقدر ما كانت المقاومة تتحول إلى العنوان الرئيس لمناهضة الاحتلال عسكرياً، وبقدر ما كانت الردود ترتبط باسمها، وجدت «جهاد البناء» نفسها مدعوة إلى «ردم الهوة التي تريد إسرائيل إيجادها بين المقاومة والناس» و «ردم الهوة» بات يعني تحديداً القيام بأعمال الترميم بعد الاعتداءات. وبهذا المعنى فإن عدوانـي «يوليو» 1993م و «إبريل» 1996م كانا محطتين بارزتين على طريق تحويل المؤسسة إلى جهاز فاعل يطوق الآثار السلبية لعمليات القصف، ويُقَدر عدد المنازل والوحدات السكنية المتضررة في كل من العدوانيين بخمسة آلاف، وأمكن في المرتين إتمام الترميم خلال 3 إلى 4 أشهر، ثم إعادة البناء تماماً لكل ما تهدم، كما أن المؤسسة عاملة على بناء مدارس ومستشفيات ومستوصفات وملاجئ وعلى القيام بتمديدات كهربائية بعد القصف وعلى حفر آبار ارتوازية، ويزداد يوماً بعد يوم.

وللمؤسسة دورها في التنمية الزراعية فهي تقوم بإرشاد زراعي وبتسليفات وتضع صيدلياتها وتعاونياتها في الجنوب والبقاع في خدمة المزارعين، كما أن للمؤسسة مركزين في الهرمل وبعلبك يتعاطيان مع الفلاحين ويقدمان إليهم خدمات ذات صلة بالطب البيطري وتربية النحل وفحص الأتربة والتعريف بالأمراض الزراعية وسبل الوقاية منها. وهي تعتمد خطة تسليف عينية لا نقدية بسقف حده 2000 دولار يجري تقديمها على شكل مواد أولية لحوالي 3 إلى 5 آلاف مزارع، ويضاف إلى ذلك توفير طاقم فني يقدر الاحتياجات لكل من يقدم كفالات وضمانات، ويحصل مقابل ذلك على أسمدة وأدوية ومتابعة من جانب مهندسين مختصين، وكذلك أقدمت في مراكز الإرشاد على إقامة نماذج مصغرة من مزارع تعاونية ويتولى فريق مختص مهمة شرح فوائدها للفلاحين سواء من ناحية خفض كلفة الإنتاج أو حل مشكلة التصريف، ويهتم الإرشاد أيضاً بالجانب البيئي لجهة الترشيد في استخدام الأدوية والأسمدة ثم السعي مع البلديات إلى توسيع المساحات الخضراء وإقامة حدائق.

وتمويل «جهاد البناء» من «الحقوق الشرعية» ومن التبرعات، ومن إيرادات شركات تملكها في مجالات الإعمار والزراعة والتجارة والوقود. وهي تتشكل من جهاز يضم 93 موظفاً بينهم 40 مهندساً من الاختصاصات كلها فضلاً عن 25 مجازاً في الإدارة والمحاسبة ويحصل أحياناً ـ كما في عدوان نيسان ـ أن يرتفع عدد المهندسين إلى 130، وعدد العمال حوالي ثلاثة آلاف، وفتحت الانتخابات البلدية الأخيرة مجالات جديدة للتعاون بين المؤسسة والسلطات المحلية خاصة، وأن هذه الأخيرة قليلة الخبرة قياساً بتلك التي تملكها جهة موجودة في ميادين العمل منذ 15 سنة»(11).

«وقد قامت المؤسسة إلى أوائل تموز عام 1994م بإنشاء تسع وعشرين مدرسة أو تأهيلها، ورُمم نحو خمسة آلاف وثلاثمئة منزل، ورُفع خمسة عشر مسجداً وأُهل ثلاثة وخمسون، وشُيد سبعة عشر نادياً حسينياً (حسينية)، وشُرع في إنشاء مقام للأمين العام السابق السيد عباس الموسوي، «سيد الشهداء»!! الحزب الخميني»(12).

وكان الشيخ نبيل قاووق، رئيس شورى الجنوب نوه في أواخر أيلول عام 1993م، أي بعد عملية «تقديم الحساب» بنحو شهرين، بترميم «جهاد البناء» 1750 منزلاً في إحدى وثلاثين قرية جنوبية، وإسهام خمسة آلاف ومئة إداري ومهندس وعامل في الإنجاز(13).

المدرسة:

«يقول نعيم قاسم «نائب الأمين العام لحزب الله» إن لدى الحزب 50 مدرسة موزعة على مناطق لبنان»(14).

ونأخذ من هذه المدارس نموذجاً لنرى ما الذي يُقدم من خلالها، وهي مدرسة (شاهد)، «هذه المدرسة من حيث المبدأ هي لأبناء القتلى والأسرى، أو من كان هؤلاء مسؤولين عن تأمين التربية لهم، غير أن المبدأ المتبع فيها ـ كما في مؤسسة الشهيد ـ هو عدم عزل هؤلاء عن الآخرين فعددهم في (شاهد) هو 180 من أصل 675 طفلاً موزعين على صفوف حتى الرابع ابتدائي، وبانتظار بناء ثانويتي الذكور والإناث كما أن التعليم أكاديمي عادي ونسبة النجاح عالية جداً، ويتم تقديم تربية دينية ونركز على مقاومة العدو الإسرائيلي، والأقساط لأبناء القتلى ملغاة، وتقدم (شاهد) نموذجاً عن تعايش من نوع خاص:

1 ـ التعليم الذي تقدمه عصري إلى أبعد حد فهو شديد الاهتمام باللغات الأجنبية؛ وذلك وفق أساليب تعتمد على التلقين الشفهي قبل الكتابي بحيث يعرض على الفتى ما هو مستعد له ذهنياً لتقبله. ويتم اعتماد أسلوب «الصور المتحركة» من أجل توفير رؤية بصرية تساعد في استيعاب ما يصل إلى الأسماع، ولكن الأهم من ذلك وجود قاعة واسعة تحوي مواد وألعاباً جرى الحديث عنها في القصص القصيرة التي تُروى على التلامذة وحفظوها، وتخدم هذه المقومات كلها في تيسير الانتقال إلى القراءة والكتابة.

2 ـ تتشح المدرسة بالسواد لمناسبة عاشوراء، وفي هذا غير إشارة إلى الجو الديني الذي يؤطر البرامج التعليمية وذلك في سياق ما هو معروف في لبنان من حضور كثيف للتربية الدينية في التعليم الخاص.

3 ـ تضم المدرسة قاعة واسعة فيها ما لا يقل عن 200 جهاز كمبيوتر، أن كل ما له علاقة بهذا العالم هو جزء من البرامج وذلك بدءاً من الصفوف الأولية»(15).

وهكذا نرى أن الخدمات الاجتماعية كانت شاملة لجميع الاحتياجات الاجتماعية وهي خدمات لا تستطيع جماعة بمفردها القيام بها؛ إذ إنها مساعدات لا تقدر عليها إلا دول أو جماعات تمدها دول وقد كان الهدف من تلك الخدمات هو «حصار» الناس ضمن إطار مذهبي شيعي لا يشذ عنه، وكما قيل:من المهد إلى اللحد، ولو عدنا إلى الوراء قليلاً وأعدنا النظر إلى حال الشيعة في بداية القرن لأدركنا الفرق الكبير، ولهذا فقد وسع محمد حسين فضل الله أن يقول: «إن قوتنا تكمن في قدرتنا على صنع الناس والجماهير، وعلى أن نضع أوامرنا موضع التنفيذ، إنهم ينفذون أوامرنا؛ لأنهم يعرفون أننا أقرب الناس لهم في تحقيق مطالبهم»(16).

-----------------------------

(1)دولة حزب الله، وضاح شرارة، ص 6ـ 8.
(
2)المصدر السابق، 212 ـ 214.
(
3) انظر: المصدر السابق، ص 85.
(
4) المصدر السابق، ص 6 ـ 8 باختصار.
(
5) المصدر السابق، ص .
(
6) لبنان: أربعة وجوه للمقاومة الإسلامية، جوزف سماحة، جريدة الحياة، العدد: 13222، 6/2/1420هـ، 21/5/1999م، ونشرته مجلة المقاومة في العدد: 42، يوليو/ 1999م.
(
7) دولة حزب الله، ص 6 ـ 8، وانظر مزيداً من التفصيل في: سوريا وإيران تنافس وتعاون، أحمد خالدي، حسين ج. آغا، ترجمة: عدنان حسن، ص 44.
(
8) أربع وجوه للمقاومة، مصدر سابق.
(
9) المصدر السابق.
(
10) زيارة إلى إيران، مجلة العهد، العدد: 96، شعبان، 1406هـ.
(
11) لبنان: أربعة وجوه للمقاومة الإسلامية، مصدر سابق.
(12) دولة حزب الله، ص 337.
(13) جريدة النهار اللبنانية، 28/9/1993م.
(14) محمد القدوسي ، كربلاء الجديدة، أيام مع المقاومة في جنوب لبنان، اللجنة العربية لمساندة المقاومة
في لبنان، ط 1/ 1998م.
(
15) جوزيف سماحة، مصدر سابق.
(
16) قراءة في فكر زعيم ديني لبناني، مجلة المجتمع، العدد: 958، ص 50.

الطابور الإعلامي

لا نهاية لتأثير وسائل الإعلام، وإن إصابتها كالقذيفة تماماً، فاستخدِمْها لتحقق أهدافك.

هذا هو البند رقم 11 من مبادئ القتال لدى حزب الله(1).

الصورة المرسومة والمغروسة في أذهان الناس عن «حزب الله» لم يكن لها أن تنطبع بهذه الحدة والقوة لولا هذا الطابور الإعلامي الذي جنده الحزب خلفه؛ فمنهم المصور ومنهم المتحدث والخطيب، وفيهم الكاتب والصحفي، ومن جريدة إلى مجلة وصولاً إلى شبكة الإنترنت بعدة مواقع، ولا عجب أن الحزب قد استخدم حتى النائحة والثكلى في هذا الطابور الإعلامي لرسم صورة واضحة شفافة نقية لا تشوبها شائبة.

ولا شك أن الوسائل الإعلامية هذه تعمل في ترويج «كل» الحزب: عقائده، أفكاره، سياسته، أفراده، وفي غالب الأحيان يكون هذا الترويج مصحوباً بمساحيق وأدوات تجميل، فلا يظهر من الحزب وعقيدته وتوجهه إلا ما هو حسن أو «مُحَسّن»، كما سعى الحزب إلى غزو الوسائل الإعلامية العامة غير التابعة له، من محطات فضائية وصحف ومجلات ودوريات، ولعلنا سنرى من العرض الذي يقدمه أحد أولئك «الملمعين» كيف استخدم الحزب الإعلام وكيف خدمه الإعلام.

يقول وضاح شرارة:«تتوسل الحركة الخمينية إلى الدعوة والتعبئة بنشاط إعلامي كثيف ومنظم. ويتناول النشاط هذا وجوهاً مختلفة تترجح بين أداء بعض الشعائر وبين نشـر الخطب والأدعيـة والبيانات، فتحرص هيئة المسجد على ألا تخلو تظاهرة من «لطمة حسينية» تؤديها «فرقة لطيمة»، وتردد أناشيد جنائزية وحربية. ويحرص المسجد،ـ بإمامه وهيئته ـ والحركة الإسلامية الخمينية من ورائهما، على أن تتصل التظاهرة بمأتم أو تأبين. فالاحتفال الأبلغ، والأعمق وقعاً، والأقوى تعبئة واستنهاضاً، هو الاحتفال بدفن أحد القتلى، أو بذكرى أسبوعه، أو أربعينه، أو بالذكرى السنوية. ولا يغفل أصحاب الشأن أبداً عن مثل هذه الاحتفالات التي تمد القول والخطبة بمادة «المصائب» التي حض صاحب الحكومة الإسلامية الخميني على التوسل بها والكلام عليها، من غير كلل ولا ملل.

كذلك فهم لا يغفلون عن دعوة الصحف، والمصورين خاصة إلى مهرجاناتهم وتآبينهم وعروضهم العسكرية أو المدنية. فإذا اعتدلت الصحف في نقل الوقائع وتصويرها، أو في تقدير عدد المشاركين، أصلتها الصحافة التابعة لحزب الله حرباً كلامية سليطة!!، فوصفتها بـ «الإعلام اليزيدي» المتلفز، لتجاهلها «المسيرات الحسينية المذهلة في ضخامتها والمرعبة للأعداء من حيث مدلولاتها». ويتبع الإعلام الخاص لكل شاردة وواردة تتصل بالحرب. فتُسجَّل خطب ومحاضرات المتكلمين باسم الجماعة، وتُنقل على أشرطة، وتباع أو توزع وتصور الأحداث التي يمكن تصويرها، وتنقل على أشرطة فيديو. وإذا كان تصوير «لطمة حسينية» في مقدم مأتم أمراً لا يرتب على المصورين خطراً، لا يخلو تصوير عملية على موقع عسكري، من الخطر، إلا أن حرص الخمينيين على الصورة والصوت الحيين، وتعويلهم على فعلهما، يحملانهم على تجشم الصعاب وركبها، فأشركت دعاوة «المقاومة الإسلامية» بعض العاملين في التصوير السينمائي في تصوير بعض مواقعها. وتولى أمينها العام الحالي، حسن نصر الله، القيام ببعض أعمال التصوير هذه. ولعل الدور الذي اضطلعت به خطب خميني المسجلة على أشرطة، إبان الثورة الإيرانية، هو المثال الذي احتذاه أنصار الفقيه وتلامذته.

وما أن يدلي أحد الناطقين باسم الحركة بكلمة حتى يسرع أنصارها إلى نقلها إلى الصحافة المكتوبة والمصورة. وهم يخصون بعض العلماء بأشرطة مصورة يطلبون إلى «الإعلام اليزيدي» بثها في نشرات أخباره، وترتفع حلبة احتجاجهم إذا اقتصر البث على عشر دقائق. ولا تحصى الأحاديث الصحافية التي يدلي بها أعيان الإسلاميين إلى من شاء وأراد. فلا يندر أن تصدر الصحيفة اليومية الواحدة وطي صفحاتها خبرين واسعين أو ثلاثة أخبار تذيع أقوال الشخص الواحد. ولا يقتصر البث على الخطب، أو على الصحافة المكتوبة العامة، فكانت تتولى ثلاث إذاعات أو ثلاثة «أصوات»: صوت المستضعفين، صوت الإيمان، صوت الإسلام، قبل أن تخلفها كلها إذاعة النور بعد 1991م، في نقل الأخبار والبرامج والأحاديث إلى جمهور الحركة».

وإضافة إلى تلفزيون المنار، فإن الحزب أطلق محطة تلفزيونية جديدة ناطقة باللغة العبرية(2).

«وتوجت الإعلام الإذاعي الذي توليه القيادة الخمينية عناية ورعاية حارتين، محطة تلفزيونية هي محطة «المنار» ويبدو التوسل بالبث التلفزيوني مجاراة للرغبة والذوق الشائعين أكثر منه استجابة لنازع إعلامي وثقافي يولي القول والكلام والخطابة المحل الأول. فما تنقله الصورة المتلفزة هو في معظم الأحيان كلام ووجوه متكلمين وأجسامهم، باستثناء بعض الأعمال العسكرية التي يحرص إعلام «المقاومة الإسلامية» على بثها مصدقاً لبيانات تشوب المبالغات معظمها.

ولا تقتصر الصحافة الإسلامية على نشرتين: أسبوعية خلفت (المجاهد) وربما (أهل الثغور)، هي نشرة «العهد»، وأخرى كل شهرين هي مجلة المنطلق.

وتصدر «العهد»، وهي منتظمة الصدور منذ 1984م، عن «مركز الثقافة والإعلام» في «حزب الله»، وتتصدرها آيات قرآنية إلى يمين الصفحة الأولى، وصورة خميني خطيباً أو متكلماً أمام مذياع، إلى يسارها. وتقتسم المجلة الشهرية والنشرة الأسبوعية وجهي المخاطبة التقليديين في التعبئة السياسية والحزبية. فتتوجه المجلة الشهرية بمقالاتها المستفيضة بعض الشيء، وبالتجريد الذي تتسم به معالجتها، وبتناول موضوعات عامة، تتوجه بوجهة مثقفي الحركة والمتعلمين الذين تحوط نفسها بهم ولو لم يكونوا من الأنصار الخُلَّص. فهي مجلة «الكوادر».

أما النشرة الأسبوعية فتعبوية بالمعنى الشائع. فهي تقول كل أسبوع للمناضل المؤمن، ولأصدقائه وأصحابه وأهله ما يحسن به أن يفكر به، وما ينبغي أن يعرفه ويقوله ليصح فيه نعت الإسلام، فإلى مقالة بارزة تتصدر الصفحة الأولى وتجمل الكلام على حدث بارز ـ يدور على الحركة نفسها في معظم الأحيان ـ تعلق النشرة على عدد من المسائل والأخبار. فترد على «افتراء»، وتذكر بمناسبة، وتفسر أصلاً أو مبدأ، وتروي سيرة مجيدة، وتنشر خطبة أو حديثاً، وتعقب على مسألة محلية أو إقليمية، وتذيع «سراً» وتزف بشرى. وخلافاً للمجلة الشهرية تبتعد النشرة عن الأمور العامة والمجردة، وتكثر من الصور ومن التحقيقات، وتنقل أقوالاً شائعة على الألسنة. وتقوم «البلاد» منذ العام 1990م، وهي أسبوعية عامة، بمنزلة بين منزلتي النشرة التحريضية والمجلة النظرية والفكرية. ويكتب الدورية الأسبوعية العامة صحافيون محترفون يحذون في كتابتهم طريقة زملائهم في الصحافة اللبنانية، بـ «توجيه» إسلامي».

وهناك مجلة شهرية تسمى «المقاومة» وهي مجلة مدعومة من «حزب الله» وتصدر في مصـر، والعجيب أن القائـم على إصدارها يساري مصري، وهو د. رفعت سيد أحمد، وتصدر من مركز يسمى «مركز يافا للدراسات والأبحاث» ويقوم المركز على نشر إصدارات تدور جميعها حول النشاط والفكر الشيعي، ويقوم المركز بجهد كبير من خلال المؤتمرات والندوات التي يعقدها بشكل مستمر، في التعريف بتفاصيل أحداث المقاومة بخاصة والفكر الشيعي عامة.

«ويتابع المطبوعات المحلية جهاز صحافي إيراني واسع. وعلى رغم أن الصحافة الإسلامية المحلية لا تتأخر في إعلان الولاء للحكومة الإيرانية، وفي تفسير الأحداث الإقليمية والعالمية في ضوء قطب جديد للعالم هو إيران، وعلى رغم إعلان المتكلمين بلسان الإسلاميين مبايعتهم الخميني وممثليه بلبنان، وتضامنهم مع من قبلتهم طهران، تتصدر الأحداث اللبنانية والمعالجة السياسية والعسكرية والدعوية صحافة الإسلاميين اللبنانيين.

وليس من اليسير تقصي جهاز النشر والطباعة الذي يقوم على طباعة ما يسمى «الكتاب الإسلامي» ونشره وتوزيعه. فثمة دور إيرانية بطهران وغيرها مثل مؤسسة البلاغ، ومنظمة الإعلام الإسلامي، تضطلع بحصة وافرة وأعمال النشر العربي. وثمة دور مثل دار الصراط المستقيم، وهي القائمة على نشر كتاب خميني الفقهي، لا تشير إلى مكان صدور أو طباعة، ومثلها دار المرتضى، وإذا حمل كتيب (يا شهيد ـ لطمات حسينية)، اسم دار التيار الجديد، بيروت ـ لبنان، فالجزء الثاني منه جاء خالياً من كل إشارة إلى دار أو ناشر، وتقوم على طبع كتب محسن الأمين ومحمد باقر الصدر دار التعارف للمطبوعات، وتولت طبع كتب محمد حسين فضل الله الدار الإسلامية.

ونشر عباس الموسوي ما كتب بواسطة دار الأعلمي للمطبوعات. وترفق هذه الدار اسمها باسم آخر هو مؤسسة أهل البيت حين طباعة بعض كتب الشيعة التي تقوم مقام المراجع، مثل كتاب الاحتجاج للطبرسي. وتنشر دار الأضواء بعض الكتب المحققة التي كتبها كبار مؤلفي الشيعة مثل الشريف الرضي ونصير الدين الطوسي. ومثلها دار الوفاء التي أعادت طباعة كتاب (الحر العاملي)، وتضع لجنة مسجد الإمام الرضا اسمها على كراسات تنشرها، شأن الطلبة السائرين على نهج الإمام.

لا تستوي دور النشر هذه لا في نوع العمل ولا في أدائه، إلا أنها تسهم كلها ـ من وجه أو آخر ـ في نسج الشرنقة الكلامية والثقافية التي تحفظ الحركة الإسلامية من هجوم العَالَم عليها ومن مفاجآته. فالعمل الإعلامي والنشري الضخم، والباهظ الثمن الذي تتصدى له الحركة الإسلامية الخمينية، سواء أكان مصدره لبنان أم إيران، يرمي إلى أن يحوط «الفرد الشيعي» من كل الجهات بأحكام مرجع التقليد، وبالفروع التي تترتب على القبول بمرجع التقليد هذا. فعلى مثال انقسام البشر إلى بشرين وإلى معدنين وطينتين: بشر طينتهم «الاستضعاف» وآخرين طينتهم «الاستكبار»، فيدور الأوائل على محور «قائد الأمة الإمام»، ويدور الآخرون على محور «الشيطان الأكبر»، على مثال هذا الانقسام ينبغي أن ينقسم القول والكلام والإعلام إلى عالمين متقابلين ومتناظرين.

فليس ثمة ما يحدث في بقاع الأرض إلا وللإسلام الخميني فيـه رأي، لا يستثنى من ذلك حدث علمي أو أدبي أو اجتماعي أو استراتيجي، أو هذا ما ينبغي أن يتصور في ذهن القارئ. فكما سعى الشيعة إلى إنشاء اجتماع متماسك من الحطام الذي خلفه التهجير، وغصب أملاك الغير، والحلول بأنقاض سكن الناس، سعوا إلى التعبير عن هذا الاجتماع وإلى إعلاء معالمه اللغوية والثقافية. فمن الملصق والصورة، والكتابة على الحائط واللافتة، إلى الكتاب والشريط السينمائي، من غير إغفال الكلام الموقع والبيان والخطبة والدرس والحديث الإذاعي والشريط المصور، استعمل الشيعة آلات الإعلان كلها، من غير كلل ولا احتياط، وجمعوا بين بعضها، ومزجوها في الاحتفال الذي دعوه أحياناً «مسيرة حسينية» . فعاقبوا في مسيراتهم هذه بين الخطابة واللطم والتظاهرة والمشهد واللباس واللافتة والصورة والتعزية و (السيرة الحسينية) وتجويد القرآن. فهم المشهد والمشاهدون، وهم المتكلمون وما يوضع عليه الكلام، وهم الحدث وشراحه، والأبطال ورواة السيرة. وعلى الشرنقة الثقافية التي تجمع أهل المعقل الخميني، وتنطوي عليهم انطواء الرحم على الجنين أن تجعل من المعقل نفسه، ومن اجتماع أهله حدثاً كبيراً وعظيماً، أي حدثاً يرسي أركان التاريخ. ويستحيل التاريخ هذا إلى موت إذا لم يكن كل يوم حدثاً كبيراً وعظيماً، وإذا لم يصنعه ـ ولو من طريق عرض شريط أو إلقاء خطبة أو لطم صدر ـ أولئك الذين لا يذكرون أن الأرض كفت عن الزلزلة بهم، وعن تقاذفهم، منذ سنوات تتطاول في ذاكرتهم حتى تبلغ العقود»(3).

وقد أطلعت على عدد من المواقع على شبكة الإنترنت، والتي تقوم بالدور الإعلامي ذاته، بأهدافه ومراميه، وكان من أبرز هذه المواقع «المقاومة» و «حزب الله» و «المنار». وعليه فلم تبق هناك وسيلة إعلامية يستطيع من خلالها الحزب الوصول إلى الناس إلا وتم استغلالها والمشاركة من خلالها.

------------
(1) يؤاف ليمور، صحيفة معاريف ، 26/ 3/ 1999م.
(
2)انظر: جريدة الشعب القاهرية، العدد: 1412/1/8/1420هـ.
(
3) النصوص التي بين « » من دولة حزب الله، 240 ـ 247، وانظر: جوزيف سماحة، أربعة وجوه للمقاومة، مصدر سابق، ومجلة المقاومة، عدد يوليو / 299، مصدر سابق، وانظر: هيثم مزاحم، حزب الله وإشكالية التوفيق بين الأيديولوجيا والواقع، مجلة شؤون الأوسط، العدد: 59، يناير 1997م.

من أين لك هذا!؟

سؤال سوف يرد بلا شك على ذهن أي مطلع على حجم هذه الخدمات التي تُقدم، وسنورد حجم المبالغ التي تُنفق على حزب الله لينفقها بدوره على مشاريعه وأهدافه، وسنرى أن المورد الذي اعتمد عليه حزب الله كان سخياً.

«بالنظر إلى جانب المدارس الدينية وحجم الإنفاق على الطلبة والمدرسين فيها سنجد أن راتب العازب المقيم في المدرسة نفسها ألف وخمسمائة ليرة لبنانية (في صيف 1986م) (1)، أما راتب المتزوج فيبلغ ألفين وخمسمائة ليرة، وهذا رقم متوسط. ومع دولرة التداول وانتشارها ارتفع الراتب الأول إلى نحو مئتي دولار (من العام 1995م)، والثاني إلى نحو ثلاثمائة. أما المدرس فيُجرى عليه بقدر حاجته وأعبائه، ويرجح أن ما يتقاضاه المدرس لا يقل عن خمسة آلاف ليرة نقداً (1986م)، عدا الوظائف (الخدمات) التي تلازم الشؤون اليومية وتصريفها، وصار متوسط راتب المدرس نحو خمسمائة إلى ستمائة دولار»(2).

«كما تتولى «المؤسسات» مصاريف مالية وعيينة كبيرة، قياساً على ما كانت عليه القدرات اللبنانية في أثناء الحروب المتناسلة.

فإذا زيد على هذه المصروفات تكلفة الجهاز العسكري المحترف، ورواتب عديدة، وتكلفة الجهازين السياسي والأمني، وجهاز الدعاوة (الإعلام)، ألهبت جملة المصروفات مخيلة متصيدي الأخبار والأسرار.

فترجح تقدير الميزانية، بين العشرين مليون دولار والمئة والستين مليون دولار، ومهما كان من أمر التمويل الإيراني، ومن أمر تقدير الدخول والمصروفات النقدية والعينية، بما في ذلك السلاح، فلا شك في أنها تفوق قدرة التمويل الأهلي من طريق الحقوق والخُمس وغيرها من الدخول الشرعية الشيعية»(3).

وكان المال الإيراني يغرق لبنان عن طريق بعلبك منذ عام 1982م، ويغدق على التنشئة العسكرية لميليشيات حزب الله، كما يغدق للقيام بأعمال خيرية، كالمشافي والمدارس، ومن المؤكد أن هذا «المنَّ» يثير المطامع بين الجماعات السياسية ـ الطائفية اللبنانية التي تحاول توطيد وجودها في مناطقها، وهذا لا يعني ـ مع ذلك ـ أنه يوجد بينها اتفاق سياسي على تحقيق مخطط واضح جداً، حتى ولو كان هذا المخطط إيرانياً(4)

فكل له دور محدد.

ويقدر زين حمود، دخل «حزب الله» المالي النقدي من إيران بثلاثة ملايين دولار ونصف المليون في الشهر الواحد، بخلاف دخل شركات البناء والمقاولات والعقارات والاستشارات ومزارع الدواجن والسمك، وذلك منذ 1990م، أما علي نوري زاده، فذهب إلى أن دخل الحزب الخميني بلغ عشرين مليون دولار في عام 1992م، وخمسين مليون في 1991م، وقدر أن يبلغ مئة وعشرين مليوناً في 1992م، ومئة وستين في 1993م(5).

وتشير بعض المصادر إلى ارتفاع ميزانية حزب الله في عهد رفسنجاني إلى 280 مليون دولار(6).

وقد تواتر الخبر واستفاض العلم للقاصي والداني عن هذا الدعم الإيراني اللامحدود لحزب الله(7).

ولم تكن إيران وحدها على خط الدعم العام لحزب الله؛ فقد كانت سوريا شريكاً وحليفاً قوياً لإيران، وكان لهذا التحالف أثره على «حزب الله»، دعماً ومساندة سياسية، واستخداماً بما يتوافق مع أهداف الحليفين، لقد كان لهذا التحالف دور هام في تحديد مسار «حزب الله»، ولذلك فمن الضروري إلقاء نظرة عليه وقراءة لأوراقه.

-----------------------------
(1) أي قبل انهيار الليرة اللبنانية.
(
2)دولة حزب الله، ص 135 ـ 136.
(
3)المصدر السابق، ص 337 ـ 338.
(
4) الإسلام الشيعي، عقائد وأيديولوجيات، يان ريشار، ص 212.
(
5) حزب الله من الداخل، أسرار وخفايا، زين محمود، مجلة الشراع، 14/8/1995م، وانظر: د. وليد عبد الناصر، إيران دراسة عن الثورة والدولة، ص 83.
(
6) مجلة المجلة، العدد: 1013، 11/7/1999م.
(
7) انظر على سبيل المثال: حوار محمد حسين فضل الله مع مجلة الوسط، العدد: 222 / 11/2/1416هـ، وحوار حسن نصر الله مع مجلة المقاومة، العدد: 31، ص 6، ومقال: حرب حزب الله للاستقلال، رونين برجمان، صحيفة هآرتس اليهودية، 5/3/1999م

الحلفاء وقصة التحالف

حين يجتمع علماني قومي بعثي مع إسلامي شيعي متشدد، في تحالف وثيق ومتين، فإن هذا الحلف يشكل علامة استفهام كبيرة، خاصة إذا استمر هذا الحلف وطال أمده وازدادت قوته مع الأيام، والجانب العقدي من هذا التحالف له أثره البالغ في استمراره وديموميته ؛ إذ أن نقاط الاتفاق في هذا الجانب كثيرة ومتعددة، بيد أن الجانب التطبيقي السياسي وما يكتنفه من مصالح تتوافق وتتعارض بين الحين والآخر أضاف إلى البعد العقدي صورة أخرى وهو ما سنتعرض له هنا، ولقد كان لهذا الحلف السوري الإيراني مسوغات كبيرة لقيامه واستمراره، وهنا نعرض لكثير من جوانبه.

سوريا في لبنان:

سوريا ولبنان بالمفهوم العام عضوان للجسد نفسه، أو «شعب واحد في دولتين»(1) ولا تزال الذاكرة الحية لبعض الناس تعي كيف وَسَّع الفرنسيون منطقة الحكم الذاتي لجبل لبنان ليخلقوا منه جمهورية لبنان عن طريق اقتطاع شرائح كبيرة من سوريا كان سكانها من المسلمين؛ فالمدن الساحلية ـ طرابلس والأراضي الداخلية المحيطة بها، وبيروت نفسها وصور وصيدا ـ وكذاك وادي البقاع والجنوب، كانت كلها سورية قبل أن تصبح لبنانية؛ فالسوريون واللبنانيون كانوا من طينة واحدة في ثقافتهم وتنوع مذاهبهم الدينية وخلفيتهم العرقية ولهجتهم العامية المحلية وحتى في مآكلهم ومشروباتهم. وكان سكان البلدين مختلطين متمازجين بشكل كامل، مع وجود عائلات وأسر لا حصر لها تمتد فروعها عبر خط الحدود المصطنع الذي رسمه الفرنسيون.

ومثل هذا الالتصاق الحميم على أية حال لم يمنع وجود بعض الشك والتنافس يمتد حتى إلى القيمة النسبية لكل من الليرتين السورية واللبنانية، وكان النصارى اللبنانيون يخشون النزعة السورية لاسترجاع الأراضي التي اقتطعها الفرنسيون، كما كان السوريون بدورهم حذرين من الارتباط التقليدي لنصارى لبنان بالغرب، وعدم التزامهم بالقضية العربية، وعلى وجه العموم كان السوريون واللبنانيون يعرفون أن كلاً منهم ينتمي إلى الآخر.

وكان امتداد التأثير والتأثر في أي اتجاه مباشراً؛ فإن كلاً من السوريين واللبنانيين كانوا شديدي الحساسية لما يحدث في البلد الآخر.

وكان أي انقلاب في دمشق موضوعاً لتكهنات وتنبؤات قلقة في بيروت، بينما كانت دمشق تحاول دوماً أن يكون لها رأي مسموع في تركيب الحكومات اللبنانية، وخصوصاً في اختيار مدراء قوى الأمن والمخابرات. وكان البلدان مثل الأوعية الدموية الناقلة المتصلة بحيث أن درجة الحرارة السياسية في أي واحد منهما تؤثر حتماً على الآخر(2).

«يفهم الجميع أن سوريا ولبنان بلدان شبيهان بإنجلترا وإيرلندا ، والولايات المتحدة وكندا: الجغرافيا والتاريخ يحتمان أن تكون العلاقة بينهما حميمة وصعبة»(3).

«وكل زائر يدعى إلى قصر الأسد يتلقى درساً مرهِقاً لساعات طويلة حول (سوريا الكبرى) والتي تعتبر لبنان عضواً من أعضاء سوريا»(4).

ولا تزال فكرة الوحدة السورية اللبنانية محل حديث، وأخذ ورد حول الفكرة وأصولها وأهدافها التي تسعى إليها، وهل ما زالت كما هي؟ وهل الأهداف التي كانت ترمي إليها الفكرة القديمة «الهلال الخصيب» أو «سوريا الكبرى» كما هي بغير خلاف مع كثرة الاختلافات في لبنان(5).

وبغضِّ النظر عن ذلك فإن لبنان يمثل أهمية استراتيجية كبيرة لسوريا.

وفي الوقت الذي بدأت مصر تستجيب للغزل الأمريكي الكيسنجري لتوقيع اتفاقية سلام مع «إسرائيل» كانت لدى سوريا رغبة في تحقيق السلام، والسعي إليه، ولكن كان كيسنجر و «إسرائيل» بعد توقيع اتفاقية سيناء الثانية لفصل القوات قد شكَّلا وضعاً عربياً مناسباً لهما وعلى هواهما، وكان الأمر الواقع الذي تمليه اتفاقية سيناء الثانية يعني أن تتضاءل سوريا لتصبح مجرد دولة ضعيفة أخرى على حدود «إسرائيل».

وهذا الوضع قد أصبح مقلقاً للقيادة السورية، وكان لا بد من البحث عن إطار يضمن لسوريا الهدوء إلى حين، ووجد الأسد هذا الإطار في إحياء فكرة «سوريا الكبرى» .

فأصبحت بلاد الشام والمشرق ساحته الأساسية المثيرة لاهتمامه. إلا أن سوريا لكي تقاوم فقد كانت بحاجة إلى وزن وثقل وعمق استراتيجي وحلفاء. ومن هنا تمت إعادة إحياء فكرة قديمة تعود إلى ما قبل التمزيق الفرنسي ـ البريطاني لخريطة المنطقة، وهي الوحدة الجوهرية لسوريا الطبيعية مع وجود دمشق في مركزها البؤري. كانت بلاد الشام غلافه الواقي ونقطة ضعفه المحتملة في الوقت نفسه، فأصبحت الميدان الاستراتيجي الذي يجب عليه أن يناضل لتجميعه تحت سيطرته.

وإلى عام 1975م تعود إذن اهتمامات الأسد الشديدة المكثفة بكل جوانب وطوايا وزوايا السياسية الفلسطينية، وكل تحول في اتجاه سير أقدام الملك حسين النشيطة، وكل فصل من فصول العذاب اللبناني.

وكانت أول حركة دفاعية قام بها الأسد هي زيارة نادرة للبنان في مطلع عام 1975م للاجتماع بالرئيس سليمان فرنجية. وقد أحيطت هذه الزيارة لشتورا في البقاع بضجة إعلامية، وكانت تشير إلى جعل العلاقة أوثق بين سوريا وجارها في تلك الأوقات العصيبة.

كما كان عبد الحليم خدام المتابع السوري المباشر للشأن اللبناني منذ ذلك الوقت ولمدة عشر سنوات، حتى لقبه اللبنانيون بـ «الوالي» وكانوا يتذمرون من سياسته كثيراً، وقالوا إن الحياة تحت إمرته أسوأ منها تحت الحكم الفرنسي. وبعد ثلاثة أشهر من اجتماع الأسد بفرنجية، وفي نفس اليوم من شهر مارس سنة 1975م الذي بدأ فيه كيسنجر عملية فصل القوات الثانية في سيناء، دعا الأسد منظمة التحرير الفلسطينية التي يترأسها ياسر عرفات للاشتراك مع سوريا في إقامة «قيادة موحدة»، وفي يونيو عندما اشتدت مغازلة كيسنجر للسادات ردّ الأسد باقتراح تشكيل قيادة موحدة أخرى مع حسين ملك الأردن هذه المرة. وفي 10/6/1975م قام بزيارة للأردن هي الأولى من نوعها يقوم لها حاكم سوري منذ عام 1957م، وأعلن تجدد روح التضامن المشرقي لبلاد الشام مؤكداً أن «سوريا والأردن كيان واحد، وبلد واحد، وأبناء شعب واحد له آمال واحدة ومصير واحد» وبما أن حسين كان ساخطاً؛ لأن كيسنجر تركه خارج خطط السلام، ومعرضاً أكثر من الأسد للقوة الإسرائيلية، فقد ردد صدى هذه العواطف في زيارة لدمشق في شهر أغسطس، وتبع ذلك شهر عسل طويل بين سوريا والأردن.

ولم يتعلق الأسد بأية أوهام حول القيمة العسكرية لهذه الروابط والعلاقات مع لبنان والفلسطينيين والأردن، فقد كانت اتفاقيات سياسية تعكس اهتمامه بحماية نفسه بممارسة نوع من السيطرة على البيئة المحيطة به مباشرة. لم تكن هناك ثقة كبيرة فيما بين الأسد وعرفات وحسين، فلقد التقى الزعماء الثلاثة لاشتراكهم في الأمل الواهي بكبح جماح «إسرائيل» فيما لو توثقت بينهم علاقة تضامنية ترص صفوفهم.

وكان الفلسطينيون في تحالف مع قوى اليسار(6) التي يتزعمها كمال جنبلاط «الدرزي»، وتشكل بهذا التحالف جبهة وطنية قوية تستطيع السيطرة على لبنان، وانتزاعها من يد الأقلية المارونية.

وعندما وقعت الحرب الأهلية في العام 1975م بين الجبهتين وجدت سوريا نفسها في مأزق يجرها بعيداً عن أهداف السلام الذي تسعى إليه، وفي ربيع 1976م بدأ الحصار يشتد على الموارنة، وبدأت القوات اليسارية تشم رائحة النصر.

غير أن الأسد قد ملأه الفزع لاحتمالات وجود لبنان متشدد مغامر عند خاصرة سوريا، يستفز «إسرائيل» ويجعل الغرب يجفل من إطلاق العنان للمتصلبين الفلسطينيين، وكان هذا بالضبط هو ما يقود إليه طموح التحالف الوطني؛ ذلك أن جنبلاط ـ إذا لم يكن بوسعه السيطرة على لبنان بأكمله ـ فقد كان واضحاً أنه وضع نصب عينيه النصف «اليساري»، الجنوب و الشوف وصيدا وبيروت الغربية؛ حيث كان يتصور نفسه يدير نوعاً من «كوبا» أخرى على شواطئ الأبيض المتوسط، وكان يتصور أن الدعم السوفييتي سيحمي دولته هذه من أن يمسها أحد بسوء.

لم تكن لدى الأسد ثقة بالفدائيين، وصار يرى بأن العمليات الفدائية كانت مؤذية وخطرة من حيث أنها «لأجل نتائج تافهة وضئيلة» تمكن «إسرائيل» من حشد تأييد وعطف عالمي وتحريكه، وتعرض الدول العربية للهجوم!!

وفي عام 1975 ـ 1976م تنبه الأسد إلى أن الفسلطينيين يمسكون مفاتيح سيادة لبنان وسلطة اتخاذ قرار الحرب والسلام، وأصبحت تلك هي العقدة الجوهرية الكامنة في لب نزاعه معهم.

وقد حذر الأسد عرفات كي يبقى خارج الحرب؛ إذ إن الاضطراب في لبنان لم يكن في صالح المقاومة، وقد جادل بأنه ليست هنالك أية علاقة ممكنة بين مقاتلة النصارى في جبال لبنان واستعادة فلسطين.

وفي ليلة 31/5/1976م عبرت الطوابير السورية المدرعة الحدود اللبنانية بقوة، وعلى الفور فكت حصار الفلسطينيين واليساريين عن المعاقل المسيحية، ولا سيما مدينة زحلة الهامة في وادي البقاع.

كان هدف التدخل كما كان معلناً ليتعلم الفلسطينيون التعقل، وليبقى النصارى الموارنة عرباً !! ثم تدخلت المدفعية والطيران لدعم التدخل السوري أعمق فأعمق في لبنان.

وفي أواخر يونيو 1976م كانت القوات السورية تحاصر المعاقل الفسلطينية واليسارية وخطوط إمدادها وتموينها في البر والبحر، وتسيطر على نحو ثلثي البلد.

جعل التدخل السوري الفسلطينيين واليساريين يتخذون موقف الدفاع؛ وغيَّر مجرى الحرب الأهلية، ومكَّن النصارى(7) من التحول إلى الهجوم، وخصوصاً ضد الجيوب المعادية في أراضيهم، ولا سيما ضد مخيم تل الزعتر الكبير واسع الامتداد في ضواحي بيروت الشرقية، فحاصروه.

وكان هذا المكان الفقير المهترئ يقطنه ثلاثون ألفاً من اللاجئين الفلسطينيين، فسقط آخر الأمر في 12/8/ 1976 بعد اثنين وخمسين يوماً من الحصار الوحشي الشديد، وقد مات فيه حوالي ثلاثة آلاف مدني معظمهم ذبحوا بعد سقوط المخيم في أيدي «النمور» جيش كميل شمعون بقيادة ولده داني.

وفي تلك الأثناء راقبت «إسرائيل» الأسد وهو يتقلب في المستنقع اللبناني دون أن تخفي سرورها ورضاها بذلك. وقال رابين ساخراً: إنه لا يرى حاجة للتشويش على الجيش السوري في قتله «لإرهابي عرفات».

لم تؤد الانتقادات التي كيلت للأسد إلى ثنيه عن أهدافه في إبعاد الفلسطينيين عن قلب الأراضي الداخلية للنصارى، وفصلهم عن الحركة الوطنية اليسارية، وترويض الطرفين لمصلحة استراتيجية الأوسع، وانقضى صيف عام 1976م بعمليات عسكرية صغيرة، ثم شن في أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر 1976م عدد من الهجمات الكبرى، انتهت بما يقرب من الدحر الكامل للفلسطينيين وحلفائهم.

عندئذ أصبح الأسد مستعداً لقبول الدعوة إلى مؤتمر قمة للمصالحة في 16 أكتوبر لتكريس انتصاره الباهظ الثمن، فأضفيت الشرعية على وجوده في لبنان، وتم الاعتراف بقواته على أنها العمود الفقري لقوة اقترح تشكليها باسم «قوات الردع العربية»، ووافقت بعض الدول العربية على تمويل نفقات تدخله!!. وأعيد الفلسطينيون إلى مخيماتهم.

وفي منتصف نوفمبر، دخلت القوات السورية إلى غرب بيروت، فاختفت الجيوش اليسارية الخاصة من الشوارع، وأُعلن عن انتهاء الحرب الأهلية.

أما حليف عرفات في الحرب الأهلية «كمال جنبلاط» فقد اغتيل في 16/3/1977م عندما كان في طريقه من قلعته في المختارة إلى بعقلين، أكبر القرى الدرزية في الشوف؛ فقد اعترض مسلحون سيارته، ودخل إليها رجلان، وأمرا حراسه بالخروج منها ثم أطلقا الرصاص على رأسه قبل أن يهربا ويختفيا. ولم يكن الإعجاب السوفييتي به كأحد العربيين اللذين مُنِحا جائزة لينين للسلام، عاصماً له أو درع وقاية من غدر الحلفاء الأقوى شوكة.

وخلفه ولده وليد في زعامة عشيرة جنبلاط الدرزية، وكان واحداً من كثيرين ألقوا بالمسؤولية في اغتياله على السوريين.

ظل هدف الأسد الأساس الذي يروغ منه، وقاتل وشق طريقه في لبنان ضد الفلسطينين ونيابة عن المسيحيين من أجله هو حرمان «إسرائيل» من حجة التدخل، ولكن حركته الباهظة التكاليف والمثيرة للخلاف والجدل كانت بلا جدوى، فعند نهاية عام 1976م كانت «إسرائيل» قد تورطت في الشؤون اللبنانية تورطاً عميقاً، وكانت تستعرض بشيء من المباهاة علاقتها الحميمة مع الموارنة، ولقد قَبِلَ المسيحيون مساعدة سوريا، غير أنهم أثاروا حنق الأسد وغضبه ببحثهم عن «ضمانات تأمين» من «إسرائيل»، وهكذا راحت الأسلحة والأموال و«الخبراء» تتدفق من «إسرائيل» إلى داخل الأراضي المارونية عن طريق ميناء جونية، بينما أعيد ترتيب جنوب لبنان لصالح «إسرائيل».

ومنذ شهر يوليو سنة 1976م أي بعد شهر واحد فقط من دخول سوريا للبنان أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي شيمون بيريز برنامج «سياسة الجدار الطيب» التي بموجبها تم فتح «السياج الأمني» للمرور، وهو «حزام» كانت «إسرائيل» قد أقامته من جانب واحد في عام 1974م، ثم راحت من خلاله تقدم لسكان القرى الحدودية اللبنانية مجالات العمل، والرعاية الصحية الطبية، وأسواقاً إسرائيلية لمنتجاتهم، وفي الوقت نفسه أتيحت لـ «إسرائيل» الفرصة لتحويلهم إلى جواسيس متعاونين معها ضد الفلسطينيين. وراحت دوريات «إسرائيل» المدرعة تجتاز الحدود بحرية إلى داخل لبنان، وبحلول شهر أكتوبر سنة 1976 كانت هناك ميليشيا مؤيدة لـ «إسرائيل» يقودها سعد حداد الضابط المسيحي السابق في الجيش اللبناني، وتقوم بمهمة جهاز إنذار مبكر على طول الحدود كلها.

وهكذا أصبح المسيحيون ناكرين للجميل، والدروز مليئين بالمرارة، والثوريون المتشددون من كل الأنواع والدرجات باحثين عن الانتقام، أما الفلسطينيون فأصبحوا معادين واستمروا يحملون السلاح. وأما «إسرائيل» التي أصبحت جزءاً من المسرح السياسي اللبناني ـ كسوريا تماماً ـ فقد صار بمقدورها التحرش بالأسد كما تشاء وعلى هواها؛ ذلك أن الأسد، في سعيه للدفاع عن بيئته، قد سقط في الفخ اللبناني وفي العام 1982م وعند الغزو الإسرائيلي للبنان تلقى الأسد من «إسرائيل» ما لم يكن يتوقعه، على نحو ما سيأتي(8).

-------------------------------
(1) من كلام الرئيس السوري حافظ الأسد «إن شعب لبنان هو شعبنا تماماً كما شعب سوريا هو شعب لبنان... نحن شعب واحد في دولتين» رياض نجيب الريس، المسيحيون والعروبة، بيروت، ص 27.
(
2) انظر: باتريك سيل، الأسد: صراع على الشرق الأوسط، 435 ـ 436.
(
3) الإيكونومست/10/12/1983م.
(
4)مقال لـ: أرون شامور، صحيفة معاريف، 26/3/1998م.
(
5) لمزيد من التفاصيل حول مشروع سوريا الكبرى والهلال الخصيب يراجع: د. جلال يحيى، العالم العربي الحديث منذ الحرب العالمية الثانية، ص 55 ـ 75، دار المعارف، مصر ، 1980م، ود. حسن حلاق، التيارات السياسية في لبنان 1943 ـ 1952م، ص 357 ـ 375، الدار الجامعية، 1988، ومحمد عبد الغني النواوي، رؤية إسلامية في الصراع العربي الإسرائيلي، ج1، ص 83 ـ 86، ص 336 ـ 342.
(
6) تشكلت القوى اليسارية من: الحزب الشيوعي، حزب العمل الشيوعي، حركة 24 تشرين، حزب البعث العربي الاشتراكي السوري، والبعث العراقي، وحركة المرابطون، والحزب التقدمي الاشتراكي.
(
7) تجمع النصارى تحت «الجبهة اللبنانية» التي تتكون من ميليشيا حزب الكتائب بزعامة بيير الجميل، وميليشيا النمور التابعة لحزب الوطنيين الأحرار بزعامة كميل شمعون، وميليشيا جيش تحرير زغرتا بزعامة طوني فرنجيه، ومعهم ميليشيا حراس الأرز.
(
8) لمزيد من التفصيل يراجع: فصل: الفخ اللبناني في كتاب باتريك سيل، الأسد: صراع على الشرق الأوسط، ص 433 ـ 569، والصراع العربي الإسرائيلي للنوواوي، ص 236 ـ 237، 472، 475 ـ 481، 493 ـ 499، وسوريا وإيران تنافس وتعاون، ص 14 ـ 15 ، 33 ـ 34.

أين الشيعة!؟

في وسط هذه الفوضى التي عمت الواقع اللبناني، ومع كل هذه الاشتباكات السياسية والعسكرية بين كافة الطوائف، كان للطائفة الشيعية دور آخر يصب في نهاية المطاف في خدمة هدفها، ولكن أين كان الشيعة في هذا الوقت وما هو موقفهم من تلك الأحداث؟

«كانت نظرة الأسد إلى الشيعة أكثر إيجابية وتأييداً؛ ففي بيئة الأسد المشرقية الشامية كان الشيعة في غالبيتهم من فلاحي جنوب لبنان الذين ظلوا أجيالاً متلاحقة يعملون في حقول التبغ لدى عوائل الملاك الغائبين تماماً كما كان العلويون يفعلون في أيام شبابه، وكان كفاح الشيعة من أجل حصة أكبر في الدولة اللبنانية التي يسيطر عليها الوجهاء من النصارى والسنة نسخة من كفاحه هو في سوريا، وفي إحدى المناسبات في أوائل الثمانينيات طلب وفد من زعماء المسلمين السنة في بيروت مساعدة الأسد ضد جموع الفلاحين الشيعة التي تزحف على مدينتهم وتهدد بتغيير طابعها، فلم يُظهِر الأسد تعاطفاً مع هذا الطلب، وذكَّر زائريه بأنه هو نفسه كان فلاحاً أطاح بسلطة وجهاء المدن»(1).

وكان حزب البعث مدركاً منذ وصوله إلى السلطة في عام 1963م للقاعدة الضيقة للنظام، فإن علويي سورية سعوا للوصول إلى توازن قلق بين الحصول على الاعتراف بوضعهم المعلن ذاتياً كفرع من المذهب الشيعي الإثني عشري وبين الحفاظ على هويتهم ـ الثقافية الطائفية ومعتقداتهم السرية. لذا فإن الدور السياسي للعلويين باعتبارهم قاعدة للسلطة الحزبية قد ساعد في إبراز مشكلة الشرعية (إضفاء الشرعية) العلوية. وأضاف بعداً إلى السياسة السورية، ومن هنا كانت أهمية العلاقات مع شيعة لبنان وإيران على التوالي.

إن تطور السياسة السورية إزاء شيعة لبنان وإيران كان مقيداً أيضاً بالتطور المستقل لسياسة الشيعة اللبنانيين وبالتطورات داخل إيران بالطبع.

كان توكيد الواقع السياسي الجديد للشيعة في لبنان منذ أواخر الستينيات مصحوباً بوعي حاد من قبل كل من القادة السوريين والشيعة اللبنانيين المحليين لمصالحهم المتبادلة وقضيتهم المشتركة. فبالنسبة للشيعة اللبنانيين فإن البحث العلوي عن الشرعية كان يسير في موازاة حاجة الشيعة إلى حليف خارجي يُعتمد عليه، ولقد تعززت هذه العلاقة من وقت لآخر بفعل الروابط الشخصية الحميمة بين قادة الطرفين، كما تمثلت العلاقة بين الرئيس السوري والزعيم الشيعي موسى الصدر في أوائل السبعينيات، ويمكن النظر إلى فتوى الصدر باعتبار العلويين اللبنانيين المحليين شيعة في أيلول 1973م على أنها إيماءة شخصية وسياسية على درجة عالية في الوقت ذاته باتجاه القيادة السورية، بالرغم من الشكوك في قيمتها ـ وخاصة أن العلويين أعادوا لاحقاً تأكيد هويتهم الدينية المستقلة ـ، هذه الإيماءة تناغمت بشكل بارع مع هدف الصدر في الحفاظ على روابط قوية مع سورية من حيث إنها ثقل موازن قوي للأطراف الأخرى في المرجل اللبناني، وكانت هامة أيضاً في سياق اهتمام سورية الخاص بالطائفة الشيعية اللبنانية الدائمة النمو والتجذر.

إن الاستقرار النسبي للعلاقات السورية ـ الإيرانية في منتصف السبعينيات لم يمنع وفقاً لذلك من نشوء روابط وثيقة بين دمشق وعدد من الشخصيات القيادية في المعارضة الإيرانية.

فمع موسى الصدر الذي كان آنذاك صديقاً شخصياً للأسد ـ والذي كان يقوم بدور أحد الوسطاء الأساسيين ـ مَنح كبار شخصيات المعارضة الإيرانية امتيازات خاصة من قِبَل السلطات السورية.

وعندما طُرد آية الله الخميني من العراق في تشرين الأول (أكتوبر) 1978م عرض الأسد استقبال الزعيم الإيراني في دمشق أولاً، وقد رفض العرض بلباقة في حينه؛ لكنه ظل موضع تقدير من قِبَل الخميني كما نُقل إلى المسؤولين السوريين بعد ذلك بسنوات. وعلى كل حال من الأحوال، فإن الفحوى السياسية لقضية الشرعية قد لعبت دوراً هاماً في تطور العلاقات السورية الإيرانية، ويمكن في الواقع النظر إليها كإحدى المحركات الرئيسة لنشوء التحالف بين البلدين.

لقد ساعدت هذه الصلة أيضاً في تأسيس لبنان باعتباره نقطة تقاطع هامة بين العنصر الاجتماعي الديني للعلاقات الشيعية العلوية والمصالح الإقليمية والاستراتيجية لكل من سورية وإيران(2).

وقد قدم موسى الصدر خدمة جليلة للنظام السوري أثناء حربه مع القوات الوطنية المتحالفة عام 1976م بأن طالب الشيعة بعدم الانضمام إلى هذه الجبهة، أما حركته، حركة أمل فكفت يدها عن النصارى والنصيريين!! وبذلك فقدت الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينيون أحد الدعائم التي كان من الممكن أن تغير الوضع في لبنان(3).

وعلى نهج الصدر سار نبيه بري من بعده على هذا التحالف مع سوريا؛ فها هو يقول: نحن نعتبر أن العلاقة الوثيقة بين سورية ولبنان تخدم مصلحة البلدين. هذا الأمر نتيجة إيمان لقننا إياه الإمام مـوسى الصدر وسرنا عليه ولا نزال، وسنبقى، إننا اتخذنا خيارنا مع سوريا: نعيش معاً أو نموت معاً(4). إن حركة أمل لم تتسلم شيئاً على الإطلاق من أي إنسان خارج سوريا التي حصلنا منها على السلاح، أخذنا أسلحة ودبابات من سوريا، وإمداداتي العسكرية كلها من سوريا، أنا لا أنكر ذلك(5).

وهذا الارتباط السوري مع شيعة لبنان جزء من ارتباط أكبر مع إيران صاحبة اليد العليا التي تنفق وتخطط، ومن المهم استعراض هذا التحالف وأسبابه وأهدافه.

-------------------------
(1) باتريك سيل، 579.
(
2) راجع: سوريا وإيران تنافس وتعاون، 12 ـ 15.
(
3) راجع: رؤية إسلامية للصراع العربي الإسرائيلي، 483 ـ 484، وانظر: باتريك سيل. 573.
(
4) جريدة الحياة، العدد: 13402/ 9/8/1420هـ ـ 17/11/1999م.
(
5) حواره مع مجلة الوسط، العدد، 276، 277، 12، 19/5/1997م، وانظر: حركة أمل والابتعاد عن النموذج الخميني، د. أحمد إبراهيم خضر، مجلة المجتمع، العدد: 959، ص 49.

بين طهران ودمشق

منذ اللحظة التي تسلم فيها الخميني السلطة في أوائل عام 1979م اعتبر الأسد مصادقته شيئاً تقتضيه مصالحه العليا.

وبوقوفه إلى جانب دولة خارج الأسرة العربية، ومع حركة إسلامية ثورية تتحدى المؤسسات السنية أظهر الأسد تحرراً غير معهود من التقاليد، وأعاد رسم قواعد نظام القوى في الشرق الأوسط. وكانت هناك أسباب استراتيجية هامة لتحركه، ولكن كانت لها أيضاً جذور تكمن في خلفيته بوصفه أحد أبناء طائفة تنتسب إلى التشيع، وفي شعوره بالتعاطف مع رجل من أصول ريفية ومن أقلية كالشيعة المحرومين في لبنان على وجه الخصوص، وهم الذين عانوا من التهميش طويلاً.

كان الأسد عندئذٍ في غمرة صراع الحياة والموت مع الإخوان المسلمين، فراح يراقب بانتباه يقظ هجوم الخميني الإسلامي على الشاه.

كان تشيع آية الله نوعاً من الإسلام مختلفاً جداً عن النزعة الأصولية السنية لدى المقاتلين السوريين. والواقع أن غضب الأسد على هؤلاء وعلى المؤسسات السنية في العالم العربي ربما كان عاملاً في قراره مد يده إلى طهران؛ فثورة إيران لم تقلقه أبداً، بل إنه، على العكس، راح يشجعها.

وحتى عندما كان الشاه لا يزال في السلطة، مد الأسد يد المساعدة إلى بعض مساعدي الخميني، مثل إبراهيم يزدي ومصطفى شمران وصادق قطب زاده، الذين قدر لهم أن يعملوا فيما بعد وزراء في الجمهورية الإسلامية. فقطب زاده مثلاً أعطي جواز سفر سورياً مكَّنه من القيام بنشاطه المعادي لنظام الشاه وهو متنكر كمراسل صحفي لجريدة الثورة الدمشقية اليومية في باريس.

ورحب الأسد باستيلاء الخميني على السلطة في طهران ببرقية تهنئة حارة، وبعد ذلك بأسابيع قليلة أرسل له نسخة من القرآن مزخرفة بالذهب والأحرف الساطعة، هدية حملها إلى قم وزير إعلامه في ذلك الوقت أحمد إسكندر أحمد، وبعد تقبيل المصحف شكر آية الله سوريا على عرضها له بالنزول في ضيافتها في أكتوبر سنة 1978م عندما أُخرج من العراق ولم يكن قد استقر بعد في «نوفل لو شاتوه» بالقرب من باريس، وكان بحاجة إلى قاعدة يشن منها هجومه الأخير على الشاه، وقد تطورت العلاقات الإيرانية ـ السورية بسرعة بعد الثورة، فقام وزير خارجية الأسد في ذلك الوقت، خدام، بزيارة طهران في أغسطس سنة 1979م وأعلن بشيء من المبالغة والغلوّ أن الثورة الإيرانية هي «أعظم حدث في تاريخنا المعاصر»، وافتخر بأن سوريا قد دعمتها «قبل قيامها وأثناء اندلاعها وبعد انتصارها»(1).

وبعد ذلك قال الأسد في إحدى خطبه: إن الثورة الإسلامية في إيران هي ثورتنا فنحن ندافع عنها.

إن الاهتمام السوري بإيران والاهتمام الإيراني بسورية ولبنان يعودان زمنياً إلى ما قبل سقوط الشاه، وقبل العلاقات الحميمة الحالية بين سورية البعث وجمهورية إيران الإسلامية.

وتعود الروابط الاجتماعية الدينية بين جبل عامل وإيران الصفوية إلى القرن السادس عشر، وثمة شبكة واسعة من الروابط العائلية والتجارية لا تزال تعزز الاتصال السياسي بين مختلف الطوائف والتجمعات في المنطقة.

لقد كانت الخصومات السورية ـ الإيرانية الأحدث عهداً في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين الميلادي إلى حد كبير نتيجة للقلق الإيراني الإمبراطوري حول الطبيعة الراديكالية للنزعة القومية العربية الشاملة وتأثيرها المحتمل على زعزعة الاستقرار في عموم المنطقة وفي المناطق الناطقة بالعربية من إيران ذاته، وبالقدر نفسه فقد كان الرأي السائد في أوساط أنظمة الحكم القومية العربية في مصر والعراق وسورية هو أن إيران تحت حكم الشاه ليست سوى عنصر في مخطط استراتيجي غربي كبير ـ ويشمل إسرائيل ـ لاحتواء الاندفاع نحو الوحدة العربية وهزيمته.

فبقدر ما مثل الشاه القومية الفارسية المنبعثة في ظل العداء التاريخي العربي ـ الفارسي، فإن الطموحات القومية العربية كانت تبدو في حالة تعارض طبيعي مع كل من رموز وسياسات إيران الإمبراطورية.

وبحلول منتصف السبعينيات بدأ عدد من العوامل الجديدة يُحدِث تأثيراً جوهرياً في العلاقات العربية الإيرانية عموماً، وعلى موقف سورية إزاء إيران خصوصاً.

إن التقهقر النسبي للنزعة القومية العربية بعد وفاة عبد الناصر وتعزُّز سلطة النظامين البعثيين اللذين يتبادلان العداء في سورية والعراق قد فتح الباب أمام مثلث علاقات جديد.

لقد كان لهذه السيرورة ما يقابلها من تطور مماثل في السياسات الإيرانية من موقف التحفظ العلني على الأقل في الصراع العربي الإسرائيلي ـ مع القيام بتعاون مقصود وإن كان متدني المستوى مع إسرائيل ـ إلى خط «مناصر للعرب» أكثر تقدماً في حرب 1973م يشمل عرض المساعدة الاقتصادية والطبية على سورية «سورية فقط».

إن إيران بإدراكها للروابط الناشئة بين العناصر الثورية الإسلامية والجماعات الفسلطينية والشيعية المقاتلة في لبنان قد سعت لتقوية روابطها مع سورية باعتبارها وسيلة ممكنة للضغط المعاكس ضد معارضتها الداخلية. وفي الوقت ذاته فإن إيران الأكثر ثقة بقوتها الاقتصادية والعسكرية تقدم نفسها إلى «بعض» المحاورين العرب بوصفها وسيلة لتوسيع دورها وحضورها الإقليميين. وبحلول أواخر 1975م كانت إيران قد بنت علاقة عمل جديدة مع سورية تمثلت بالاتفاق الاقتصادي عام 1974م بين البلدين وزيارة الرئيس الأسد الرسمية إلى طهران في كانون الأول من عام 1975م، والتي لم تتكرر حتى أيلول عام 1990م.

وبالرغم من أن انفراج العلاقات في منتصف السبعينيات بين سورية وإيران الإمبراطورية لم يكن له تأثير دائم على العلاقات الثنائية أو على التوازن الإقليمي بشكل عام، فإن إدراك سورية لإيران باعتبارها قوة موازنة للعراق ـ والعكس بالعكس ـ ربما يكون قد تجذر في ذاك الوقت. إن البعد الجيوسياسي للعلاقات السورية العراقية من ناحية، والعلاقات الإيرانية العراقية من ناحية أخرى، وبغض النظر عن أي حوافز أو وظيفة خاصة بنظام الحكم، يشكل فيما يبدو إحدى أحجار الزاوية للعلاقات السورية الإيرانية، ولكن ثمة عوامل كثيرة أخرى تتقاطع وتتداخل مع الجانب الجيوسياسي، وهي عوامل داخلة بعمق في النسيح الاجتماعي السياسي والطائفي والديني للمنطقة(2).

-----------------------
(1) راجع باتريك سيل، 572، وما بعدها.
(
2) راجع: سوريا وإيران، 10 ـ 13، وراجع: د. عبد المنعم سعيد، العرب ودول الجوار الجغرافي.

مسوغات التحالف

بالإضافة إلى ما ذكر من الترابط العقدي بين سوريا العلمانية وإيران الثورية الخمينية بعدما سيطر حزب البعث على النظام في سوريا، فإن هناك عوامل أخرى كانت دافعاً لكل طرف لكي يتوثق التحالف مع الآخر، وقد تشبعت هذه العوامل وكثرت.

ويبدو أن سقوط الشاه في كانون الثاني عام 1979م قد مهد الطريق لاصطفاف استراتيجي جديد بين سورية وإيران.

بالنسبة للسوريين فقد كان توقيت الثورة الإيرانية الأكثر ملاءمة لهم؛ فقد تفاقم إحساس سورية بالعزلة وكونها عرضة للخطر الاستراتيجي بشكل متزايد نتيجة لتخلي مصر عن الصراع ضد «إسرائيل» وتوقيعها على اتفاقية كامب ديفيد في عام 1979م، كما أن إخفاق أي تحرك حقيقي باتجاه تقارب سوري عراقي وتصاعد التوتر مع العراق بعد محاولة الانقلاب المزعوم «المدعوم من سورية» في العراق في شهر يوليو من ذاك العام قد وضع حداً للتفكير بأي تجمع عربي جديد من شأنه أن يقوّم الاختلال القائم في ميزان القوى لصالح «إسرائيل»، كانت سورية قلقة أيضاً لكون مصر ـ وقد أصبحت في المعسكر «المؤيد للغرب» بثبات ـ سوف تجر في أعقابها أطرافاً عربية أساسية أخرى ـ بما في ذلك الأردن ـ مما يؤدي إلى زيادة عزلتها وإضعاف موقعها إزاء «إسرائيل».

إن اهتمام سورية بتوطيد علاقتها مع إيران ربما كان يمتلك عنصراً استباقياً: فمن خلال تواجدها المبكر، أمكن لسورية أن تدَّعي بعض الأولوية في مواجهة منافسة محتملة مبدئياً، ربما تكون سورية قد أخذت بعين الاعتبار الحاجة لمنع انزلاق إيراني ممكن باتجاه «إسرائيل» مرة أخرى، وذلك ما لم تكن سورية راغبة فيه في ذلك الوقت، وهي إمكانية ليست متعارضة كلياً مع مصالح طهران بنظر القيادة الإيرانية، كما ثبت لاحقاً من خلال قضية إيران ـ كونترا.

في أوائل عام 1982م تم تحفيز هذه الجهود بفعل الأحداث التي وقعت في سورية عندما واجه الأسد أصعب تحدٍّ داخلي حتى ذلك الوقت،«أحداث حماة» فقد أراد الأسد من خلال العلاقة مع إيران نزع الشرعية عن المعارضة.

لقد كان الدعم الإيراني للأسد آخذاً بعين الاعتبار رصيد إيران الثوري ودعواها الإسلامية، وهو ما ساعد في احتواء الانعكاسات الداخلية لتصفية الحساب مع الإخوان. ومع ذلك، وبالرغم من أن الإخوان ينادون بالنقيض، فإن إيران قررت علناً أن تعطي الأفضلية لعلاقتها الدولية (دولة لدولة) مع سورية على صلتها الأيديولوجية المفترضة مع حركة إسلامية شقيقة بالرغم من كونها سنية.

ويبدو أن الموقف السوري من إيران قد تحول من عداء إيديولوجي محض باتجاه موقف منطقي محسوب يقوم على اعتبارات القوة والتوازن مع النظام المنافس في العراق من ناحية، وبالمفهوم الإقليمي الأوسع من ناحية أخرى. إن دور إيران في تقييد حرية الحركة العراقية من حيث إنها ثقل موازن ممكن ضد أطراف عربية أخرى ـ بما في ذلك مصر ـ يمكن أن يكون قد أضاف بعداً إلى الحوافز السورية لإعادة نظرها بموقفها نحو إيران.

إن صلة سورية بإيران قد منحتها نفوذاً إقليمياً ودولياً على حد سواء؛ فقد كانت بعض الدول العربية بدت مستعدة للحفاظ على مساعدتها الاقتصادية لسورية واعترفت ضمناً بفائدة القناة السورية المؤدية إلى إيران.

وفي الوقت ذاته فإن مجرد التهديد بالتقارب مع صدام أعطى سورية نفوذاً ملحوظاً لدى إيران ذاتها بدون أن يتعين عليها التعهد بأي شيء أكثر من خطوات رمزية قليلة في هذا الاتجاه ـ كما أظهر لقاء الأسد وصدام في نيسان 1987م ـ وكان بمقدور سورية أن تمارس الضغط على إيران وترضي جماهيرها العربية في فترة مَّا في الوقت ذاته.

وتأتي اهتمامات إيران من ناحيتها لتعكس عدداً من العوامل المستقلة والمتداخلة، فكانت إيران في حاجة ملحَّةٍ إلى حليف يعتمد عليه بشكل كبير بسبب رغبتها في الحفاظ على مواطئ قدم هام في المعسكر العربي، وحاجتها لإبقاء الضغط على العراق.

إن الحفاظ على علاقات جيدة مع سوريا قد منح إيران فائدة أخرى هي تحديداً الوساطة السورية الممكنة مع عدد من الدول الهامة الأخرى وخاصة دول الخليج.

وهذه الدول، بالرغم من خوفها من النشاط الثوري لإيران وإغرائها الممكن للأقليات الشيعية الكبيرة في الخليج نفسه، كانت قلقة في الوقت ذاته من إمكانية انتصار عراقي حاسم، لذلك فإن سورية كانت في وضع مثالي جيد لتلعب دور الجسر مع الخليج، أولاً بحكم نفوذها المفترض لدى طهران، وثانياً من افتراض أنها قوة كامنة مضادة للعراق.

على الصعيد الدولي كانت روابط سورية الوثيقة مع الاتحاد السوفييتي قد منحت إيران قناة لا تقدر بثمن إلى القوة العظمى الأخطر على حدود إيران المباشرة. فإن إيران كانت مدركة لحاجتها إلى الحفاظ على علاقات الدولة للدولة مع الاتحاد السوفييتي بشكل نِدِّي لعدد من الأسباب السياسية والاقتصادية والمذهبية والاستراتيجية.

إن مساعي سورية الحميدة ربما ساعدت في بعض الأحيان أيضاً في تسريع الاستجابة السوفييتية للمطالب الإيرانية كما كان الحال ظاهرياً بالنسبة للشحنات العسكرية السوفييتية العابرة إلى إيران عن طريق سورية.

بيد أن الثورة الإيرانية قد فتحت الباب أمام دور إيراني جديد أصلاً في المنطقة. وكما أثبت الإسلام الشيعي الثوري قوته، وبدا أن إمكانية خلق نظام إقليمي جديد محوره إيران ليست وهمية؛ فقد تحرك النظام الجديد في طهران بسرعة لتعزيز علاقاته مع سورية، ولكن ظهور سلطة ثورية شيعية ذات ثروات كبيرة كامنة وقوة عسكرية ذات شأن كان بحد ذاته مزعزعاً للاستقرار بالمفهوم الإقليمي. إن المخاوف العراقية التقليدية من النزعة التوسعية الفارسية قد تضاعفت الآن بفعل ما يعتقد بالتهديد الانفصالي الداخلي من قِبَل الأغلبية الشيعية العراقية التي تشجعها إيران والمحفزة بمثالها. إضافة إلى ذلك هناك خطر محور إيراني ـ سوري يقوم بشكل فعال بدور كماشة جيوسياسية عملاقة ضد العراق.

لقد كانت الحرب الإيرانية ـ العراقية اللاحقة نتيجة لتفاعل المنافسة التاريخية والانقسامات الطائفية والجغرافيا السياسية والتحدي الأيديولوجي.

إن تحالف سورية مع إيران عكس عدداً من الاعتبارات، ومن هذه الاعتبارات كان خطر تراخي الضغط على صدام حسين. فالدعم السوري لإيران كان يعتمد على الخلاف مع العراق، وزاد من احتمال الانتقام العراقي ضد سورية إذا ما سنحت الفرصة لذلك؛ إذ إن انهيار التحالف مع إيران سيكون له تأثير ضئيل في تهدئة صدام حسين في هذه المرحلة، وقد تكون سورية رأت أن من الأفضل الإبقاء على إيران بوصفها ثقلاً موازناً للعراق بدلاً من التعويل على الاعتراف العراقي بالجميل مقابل تغير متأخر في العلاقة مع طهران.

ولقد ساعد الغزو العراقي لإيران في أيلول 1980م في تحضير الأساس لتحالف رسمي بين سورية وإيران أثناء المرحلة الأولى من الحرب ما بين 1980، 1982م.

أما بالنسبة للإيرانيين فقد قدم السوريون وسيلة غير مباشرة للضغط العسكري على العراق ومصدراً مباشراً للسلاح للقوات المسلحة الإيرانية المنغمسة في الحرب، لقد ذُكِرَ أن القيادة العراقية كانت مرغمة على نشر عدد من الفرق العسكرية على الحدود السورية لأغراض دفاعية وردعية، كما لقيت شحنات الأسلحة السورية المرسلة بموافقة ضمنية من الاتحاد السوفييتي ترحيباً خاصاً في ظل الحظر الغربي، فقد كان حوالي 70% من العتاد الإيراني قبل الثورة ذا منشأ غربي.

وقد ساعد الدعم السوري للأكراد، والرعاية المقدمة للاتحاد الوطني الكردستاني ـ بالإضافة إلى مجموع المعارضة العراقية المنضوية في «الجبهة الوطنية التقدمية والديموقراطية» ـ في ازدياد الضغط على حدود العراق الشمالية مما أدى إلى تحييد قسم آخر لا يستهان به من آلة صدام حسين الحربية.

كانت الحرب قد أذنت بتورط عراقي عميق طويل المدى في إيران من شأنه أن يشغل انتباه العراق عن سورية ويسمح لنظام الأسد بهامش أكبر للمناورة في المشرق بصورة عامة. وبالرغم من أن إمكانية الهزيمة الإيرانية قد سببت لسورية بشكل أساسي شيئاً من القلق فقد كان مؤكداً بعد أسابيع قليلة من الحرب أن النصر الحاسم لأي من الطرفين لم يكن وشيك الحدوث.

إن مكاسب سورية من عجز العراق عن إحراز نصر حاسم قد تضاعفت عندما تحول الصراع إلى حرب استنزاف، كما أن دور دمشق المكتشف حديثاً باعتبارها وسيطاً أعطاها ميزة خاصة لدى دول الخليج عند التماس المساعدات المالية والاقتصادية، وكانت علاقاتها مع إيران تحمل شعوراً خفياً بالتهديد لأولئك الذين كانوا يخافون من احتمال الانتصار الإيراني. وفي الوقت نفسه بدت سورية ثقلاً موازناً محتملاً للعراق بدون نزعات التوسع والهيمنة التي كانت تشوب موقف العراق من الخليج.

بعد أحداث مدينة حماة ـ لاحظ التوقيت ـ سارعت الدولتان باتجاه تحالف رسمي، فقد تم توقيع اتفاق تجاري واقتصادي بعيد المدى بين البلدين من قبل نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في طهران في آذار 1982م. لقد شمل الاتفاق تصدير 9 ملايين طن من النفط الإيراني إلى سوريا سنوياً، منها حوالي 20000 برميل مجاناً في اليوم وحسومات أخرى، مقابـل تصديـر الفوسفات السوري إلى إيران.

ولم يكن ليخفى السبب الكامن وراء السخاء الاقتصادي الإيراني بالرغم من احتياجات الحرب الملحة، فقد ظهرت ثمار هذا الكرم بعد ذلك بشهر واحد عندما أغلقت سورية حدودها مع العراق للمرة الأولى، ثم أقفلت خط النفط العراقي ـ السوري الحيوي الواصل ما بين كركوك وبانياس وإلى طرابلس في شمال لبنان، مما أدى إلى إنقاص صادرات النفط العراقي إلى النصف، وأضاف خسارة سنوية تقدر بـ 7 بلايين دولار أمريكي إلى جانب نفقات العراق الحربية، وتبين أن سلسلة الهجمات الإيرانية الناجحة المتزامنة مع الاتفاقيات السورية الإيرانية قد استفادت من شحنات السلاح السورية غير المعلنة الملحقة بالاتفاقية(1).

-----------------------
(1) راجع: سوريا وإيران تنافس وتعاون، والأسد: صراع على الشرق الأوسط.

الغزو الإسرائيلي للبنان .. والتحالف

في منتصف عام 1982م بدا أن التحالف السوري ـ الإيراني قد بدأ جدياً بالتأثير على مستقبل العراق في الحرب. ولكن وفي حزيران انجرفت سورية باتجاه آخر، ومع هذا الانجراف بدأ يتشكل دور إيراني جديد في المنطقة، فغزو «إسرائيل» للبنان في ذاك الصيف بدّل المشهد الاستراتيجي في المشرق العربي. ففي حين كان الهدف المباشر للغزو هو اجتثاث منظمة التحرير الفلسطينية من الساحة اللبنانية، كان الهدف الإسرائيلي الأكبر هو إضعاف سورية عسكرياً وإزاحة لبنان من دائرة نفوذ سورية وسيطرتها.

وفي هذه الحرب كان هناك استعراض تدميري للتفوق التكنولوجي الإسرائيلي على القوى الجوية السورية التي فقدت 102 طائرة و61 طياراً قتلوا في ثلاثة أيام، والتدمير شبه اليسير لشبكة صواريخ أرض ـ جو السورية التي كانت قد أمَّنت فيما سبق بعض الشعور بالأمان من القوة الجوية الإسرائيلية البعيدة المدى.

وكان هناك الغياب الواضح لأي دعم عربي أو دولي حقيقي، والأكثر حرجاً هو غياب أي رد فعل سياسي أو عسكري فعال من حليف سورية الاستراتيجي، الاتحاد السوفييتي.

إن الحذر السوفييتي فيما يتعلق بالغزو الإسرائيلي والمأزق العسكري لسورية عزز إدراك سورية لحدود الدور السوفييتي في المنطقة.

وبالقدر نفسه من السوء، كان بروز التحالف بين «إسرائيل» والنظام الكتائبي للرئيسين المتعاقبين: بشير وأمين الجميل على التوالي. وهذا التحالف قد هدد بوضع حكومة أقلية مدعومة من «إسرائيل» على خاصرة سورية بمباركة ودعم أمريكي كامل.

لكن غزو 1982م كان له أيضاً تأثير عميق على وجود إيران في لبنان عن طريق توسيع دورها في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. فإن الغزو وفر الفرصة للمساهمة الإيرانية المباشرة الأولى في المجهود الحربي الداعم للحركة الشيعية في لبنان على شكل وحدة عسكرية صغيرة نسبياً مكونة من 1500 ـ 2000 عنصر من الباسداران (الحرس الثوري الإيراني) الذي سُمح لهم بالدخول عن طريق سورية إلى البيئة الصديقة في وادي البقاع.

قبل ذلك الوقت كانت الجهود الإيرانية لإقامة وجود عسكري مستقل في لبنان قد صُدَّت من قبل الأسد نفسه، لكن الموقف السوري بعد الغزو الإسرائيلي ربما أضحى أقل مقاومة لعروض المساعدة الإيرانية من ذي قبل. إن عرض إيران للدعم الفعال كان في تعارض حاد مع عدم مبادرة بقية العالم العربي والاتحاد السوفييتي، وأثبت انعدام الفعل العربي قيمة الصلة الإيرانية في العيون السورية، وعزز القناعات السورية بأن مرحلة ما بعد كامب ديفيد كانت تستلزم إعادة اصطناع استراتيجية يمكنها أن تحد من هوامش المناورات الإسرائيلية المتسعة باطراد ـ وخاصة في لبنان ـ، مع وجود إيران بوصفها شريك سورية الوحيد الموثوق به عن بُعد في الساحة.

من وجهة نظر إيران فإن وجودها الجديد في لبنان قد أنتج نقطة التَّمَاس المباشرة الأولى بين النظام الثوري وطائفة شيعية كبرى في العالم العربي وهي أكبر طائفة من هذا النوع خارج العراق، ومن الآن فصاعداً ستصبح إيران لاعباً قيادياً في شؤون هذه الطائفة وسوف تعتبرها قاعدة ممكنة لمدّ نفوذها إلى قلب الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

في هذا الوقت بدأ تقاطع المصالح والتوجهات بين سورية وإيران بالاتساع. ففي حملتها لإخراج الإسرائيليين من لبنان كانت الدوافع المباشرة لسورية دوافع استراتيجية؛ فالوجود العسكري الإسرائيلي في النصف الجنوبي من لبنان، وعلى الأخص في وادي البقاع قد وضع العمق السوري تحت تهديد مزدوج. فلأول مرة كانت دمشق معرضة لخطر مزدوج محتمل من الجولان والمواقع الإسرائيلية الأمامية في لبنان، إضافة إلى ذلك، فقد كان هناك التهديد الجيوسياسي النابع من وجود نظام موالٍ لـ «إسرائيل» وموال للغرب في لبنان.

لقد كان القلق السوري حول إمكانية العزلة الإقليمية ومخاطر الصفقات الثنائية العربية ـ الإسرائيلية المستقلة آنذاك المحدد الأساس لسياستها الخارجية، فوجود لبنان في الفلك الإسرائيلي ـ الأمريكي سوف يزيد من ترجيح كفة التوازن الإقليمي المائل أصلاً بشكل غير مرغوب فيه عن طريق إكمال التهديدات العراقية والإسرائيلية بتطويق محتمل من الغرب.

كما أن ارتداد لبنان سوف يضيف ثقله إلى خسارة مصر، ومع الأخذ بعين الاعتبار الموقف المشكوك فيه للأردن. وفي ظل هذه الظروف فإن رغبة سورية في تقوية روابطها مع إيران ليست مفاجئة؛ فمن أجل المهمة الضخمة لإعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي لمصلحتها استطاعت سورية الاعتماد على إيران لتأمين المساعدة المادية على شكل معونة اقتصادية، وقوة بشرية على شكل جماهير محلية مهيأة وتحريض يتمثل وجهة نظر راديكالية معادية لـ «إسرائيل» وللغرب، ومصدر جديد للضغط والتهديد المحتمل لإلهاء كل خصوم سورية الإقليميين والدوليين تقريباً، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مسافة مادية وتاريخية كافية لتفادي أن تصبح قوية أكثر مما يجب أو مستقلة أكثر مما يجب على الحلبة الداخلية لسورية.

كان بروز كتلتين عربيتين كبيرتين في أواسط الثمانينيات، وهما مجلس التعاون العربي (الذي يضم مصر والعراق والأردن واليمن الشمالي) ودول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وعُمان) قد فاقم الإحساس السوري بالعزلة الإقليمية؛ وفي هذا الوقت استمرت إيران في إمداد سورية بشريك قوي وقطب بديل.

 تجديد الثقة

فيما بين أغسطس 1988، وأغسطس 1990م كان هناك عدد من التطورات التي أثرت على العلاقة السورية الإيرانية. فمع انتهاء الحرب الإيرانية العراقية بدت قوة العراق بشكل ملحوظ في وجه كل من سورية وإيران، فالعراق لم ينجح فقط في فرض نهاية مذلة للحرب بإثبات تفوقه العسكري شبه الكامل على إيران، بل كان في موقع جيد جداً لجني أفضل فائدة من التأييد الدولي والعربي الواسع للقيام بدور القوة العربية الكبرى المتربعة على الخليج والمشرق، لذلك فقد تقوت دوافع إيران للتمسك بالتحالف مع سورية بفعل تضافر عدة عوامل، وهي ضعفها مقابل القوة العراقية والانتشار العسكري الأمريكي في الخليج (مثل رفع الأعلام الأمريكية على السفن الكويتية ومرافقة ناقلات النفط عبر مياه الخليج) والعزلة الإقليمية والدولية.

وبالمثل فقد كانت سوريا مدفوعة بمصلحتها التقليدية في احتواء العراق والحفاظ على دورها الفريد في لبنان. بيد أن عوامل أخرى كانت تفعل فعلها، أولها وأهمها: التغيرات في علاقات الشرق ـ الغرب وإبعاد التنافس الأمريكي ـ السوفييتي في المنطقة. فقد بدأت علاقات سورية السياسية والاستراتيجية الطويلة الأمد مع الاتحاد السوفييتي بالتآكل مع مجيء الرئيس غورباتشوف في منتصف الثمانينيات والامتناع السوفييتي المتزايد عن إمداد المجهود الحربي لسورية أو تدعيم اقتصادها المتوعك.

إن جدول أولويات الاتحاد السوفييتي المتغيرة قد مارس ضغطاً على السوريين لكي يعدوا دراسة استراتيجيتهم الكبرى تجاه «إسرائيل» بما في ذلك مذهب التوازن الاستراتيجي الذي أوجده السوريون في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد، بناءاً على فرضية القوة العسكرية السورية والسقف الأعلى لحرية الحركة الإسرائيلية التي يقيدها الرادع السوفييتي الضمني؛ فإن تجربة 1982م في لبنان وضعت إشارة استفهام حول مصداقية المظلة الأمنية السوفييتية المزعومة.

وفي نيسان 1987م أبلغ غورباتشوف الأسد في موسكو أن «التوازن الاستراتيجي» بمعنى التكافؤ العسكري مع «إسرائيل» هو حلم مستحيل وأن الانقطاع المستمر للعلاقات الدبلوماسية السوفييتية ـ الإسرائيلية هو حالة «شاذة» من الشؤون الدولية(1).

كما أن التوجه السوري للمفاوضات مع إسرائيل لم يلق معارضة من إيران، بل لقد تفهمت إيران الدوافع السورية لهذه المفاوضات ولما ينتج عنها من آثار سوف تؤثر بلا شك على الوضع الإيراني في لبنان، وعلى عمل الحركات الشيعية في لبنان.

وقد أعلن حامد رضا آصفي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن بلاده تساند الجهود الدبلوماسية التي تبذلها سوريا لاستعادة مرتفعات الجولان(2).

وفي تلك الأثناء، والأجواء السلمية والمفاوضات تملأ أركان دمشق كان الاحتفال الكبير فيها بالذكرى المئوية لميلاد الخميني، والذي ضم شخصيات هامة من البلدين، إضافة إلى لبنان وفلسطين(3).

هذا الحلف الإيراني السوري كان له مركز هام لإظهار نتائجه، فكان لبنان هو مطبخ هذا الحلف الذي تشتم منه رائحة الصفقات والاتفاقيات؛ وبهذا فقد تم ربط لبنان بهذا الحلف شاء أم أبى.

فهذا وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي في محادثات مع نظيره السوري فاروق الشرع يقول: «إن مصير إيران وسوريا ولبنان في مجال السياسات التي تتخذها البلدان الثلاثة مترابط بعضهما مع بعض»(4)(*).

كما كان من الطبيعي أن يكون «حزب الله» ورقة بين أطراف هذا الحلف، أو الطرفين الأقوى إيران وسوريا، وكان عليه أن ينسجم مع أهدافهما؛ فوجوده ونشاطه مرتهن بتوجهاتهما السياسية، ولكن هل ينجح حزب الله في الاستمرار في دوره وعلى هذه الحالة من الانجذاب بين طرفين؟

-----------
(1) راجع سوريا وإيران، 21 ـ 29، 35 ـ 36، 49 ـ 51، وراجع الأسد، صراع على الشرق الأوسط، 575، 577، 581ـ 583، 642، ومقال لإفراهام سيلع ، صحيفة هآرتس 6/4/1999م، ومقال: من يعرقل الانسحاب، ليوسي أولمرت، صحيفة يديعوت أحرونوت ، 22/3/1998م، ومقال: لبنان، أوان تقييم الوضع، لشلومه جازيت، صحيفة معاريف، 21/8/1997م، ومجلة المجتمع، عدد: 959، وحوار محمد حسين فضل الله مع الوسط، العدد: 222/11/2/1416هـ، ومجلة المقاومة، عدد: 2، 25، 26.
(
2) انظر: جريدة الشرق الأوسط، العدد: 7693/13/9/1420هـ.
(
3) انظر: جريدة الشعب القاهرية، العدد: 1417/18/8/1420هـ.
(
4) جريدة الأنباء، العدد: 8302، 14/3/1420هـ ـ 28/6/1999م.
(*) وقد أكد الرئيس اللبناني «إميل لحود أن الانتصار على إسرائيل بانسحابها من الجنوب اللبناني ما كان ليتحقق لولا كل ما وفرته سورية بقيادة الرئيس حافظ الأسد لمساندة لبنان، كما كانت هناك إشارات مماثلة بالدور الإيراني. انظر: جريدة الحياة، العدد: 13596، 29/12/1420هـ.

الموازنات الصعبة

رسم الظهور العلني لحزب الله خطاً فاصلاً جديداً من وجهة نظر سورية، كان هذا التطور إشكالياً؛ فمن ناحية شكلت العناصر الراديكالية الموالية لإيران ذراعاً فعالاً للنشاط بالوكالة ضد «إسرائيل» والولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى، فإن المناداة بجمهورية إسلامية في لبنان وإخضاع إرادة حزب الله لأوامر طهران الروحية والسياسية، كل ذلك كان يشكل تناقضاً مباشراً بشكل محتمل مع المصالح السورية الوطيدة.

إن نجاح إيران ـ حزب الله في منع سورية من تنفيذ سياستها في لبنان سيكون بمثابة رسالة خطيرة بخصوص السلطة النسبية لكل عنصر فاعل على الساحة اللبنانية؛ فقد كان الدافع السوري قوياً أيضاً لرسم حدود ثابتة ومفهومة بشكل متبادل لهذه السلطة في أعقاب الحملة المشتركة لعامي 1983م ـ 1984م؛ إذ لم يبد تحمُّل سورية لنشاط حزب الله المعادي لـ «إسرائيل» في جنوب لبنان أي تغير في هذه الفترة وظل بدون انتقاص لفترة طويلة.

إن تحدي حزب الله للهيمنة السورية على الشيعة في لبنان بتجاوز الخلافات العملياتية حول الفلسطينيين والحرب في الجنوب، فمن الممكن أن يؤثر على النفوذ السوري وهيبته بالذات.

فسورية لم تكن مستعدة للوقوف مكتوفة الأيدي في حين كانت قوة حزب الله ونفوذه يتوسعان في لبنان، وقد أدى هذا في شباط 1987م إلى أن اصطدمت القوات السورية مباشرة مع حزب الله في ضاحية بيروت الجنوبية.

إن السيطرة السورية في لبنان، ومقدرتها على منع أية تحركات إيرانية ذات شأن في هذه الساحة من المكانة التي تجعل أي تحدٍ مباشر لمصالح سورية الحيوية من قِبَل حزب الله أو إيران لن يؤدي إلى أي مكسب إيجابي لإيران.

وفي الواقع فإن الفقدان المحتمل لحرية الوصول إلى الشيعة اللبنانيين يمكن أن يكون رادعاً لأي دور تخريبي إيراني، إضافة إلى كونه حافزاً كبيراً بالنسبة لإيران على تشجيع حزب الله على التقيد بقوانين التحالف.

«وعلى هذا فقد تحاشى «حزب الله» الخلاف المعلن مع السياسة السورية مهما كلفه الأمر وغلا الثمن، بل سعى إلى مزاوجة ولاءيه الخميني الإيراني ـ من وجه أول ـ والسوري ـ من وجه ثان ـ من غير انفصال. فالولاء الخميني هو مصدر التحزب والداعي إليه ومنشئ هذه الجماعة على الصورة التي هي عليها؛ وعلى هذا الولاء مبنى تماسك الحزب. وتَدِينُ المنظمة الخمينية إلى ولائها هذا بنهجها وطريقتها التي ميزتها عن غيرها، وتدين للدولة الخمينية بالإعداد والتجهيز والعتاد والموارد والملجأ والحماية و «الذراع الطويلة».

أما الولاء السوري فهو شرط بقاء الجهاز الخميني المادي «بقاءاً مادياً» بلبنان واستمراره على خطته ونهجه، وهو بهذا الاستمرار مسوغ دوره. وما أقام الوليَّان على وفاقهما وتنسيقهما وعقدهما لم يكن على «حزب الله» إلا المضي على مقاتلة الدولة العبرية، والتمتع بامتيازات سياسية تحول دون استقرار الدولة اللبنانية، وعلى هذا فاليد العليا معنىً ومورداً هي لإيران ، واليد العليا، سياسة وشرطاً مادياً هي لسوريا، ويسع «حزب الله» البقاء وهو يخدم سيدين لا سيداً واحداً!!»(1).

ولقد كان ذلك من أهم ما أكد عليه حسن نصر الله عقب الانسحاب الإسرائيلي، فحين تحدث عن ذلك قال: «هناك سورية التي لا يستطيع أحد أن يتحدث عن النصر بمعزل عنها لأنها ومنذ سنة 1982م وقفت إلى جانب المقاومة وساندتها وحمتها، سورية كانت دائماً إلى جانبنا، مساندة سوريا عامل أساسي في هذا النصر، وعندما نتحدث عن النصر يجب أن نتحدث أيضاً عن الجمهورية الإسلامية في إيران، وهي وقفت منذ 1982م إلى جانب المقاومة ودعمتها وساندتها وحمتها»(2).

-----------
(1) راجع: وضاح شرارة، ص 362 ـ 374.
(
2) مجلة الوسط، العدد: 435، 29/5/2000م.

المتغيرات الدولية وأثرها على الحزب

من الصعوبة بمكان، بل من الاستحالة أن تستمر الأمور على نسق واحد من بداياتها إلى منتهاها، بل إن المتغيرات التي تطرأ على الأحداث تجعل من الحكمة إعادة النظر في السياسات الاستراتيجية والأهداف بعيدة المدى وإعادة صياغتها بما يتناسب مع الوقائع الجديدة.

كان هذا المنطق واضحاً بشكل كبير لدى إيران، التي أنشأت «حزب الله» ورعته حتى أصبح كياناً له وزنه المعتبر في لبنان، وكانت التحولات التي طرأت على إيران تفرض لا محالة تغيرات جذرية على سياسة «حزب الله» ومنهجه وعمله.

ومنذ البداية، منذ أن كان رئيساً للبرلمان الإيراني عقب عام 1981م، ركز رفسنجاني على اعتبار الثورة الإسلامية قدوة ومثالاً دون الإشارة إلى التدخل الخارجي، وعبرت الصحافة الموالية له عن هذه المواقف، وقد ذكر رفسنجاني عام 1989م عندما كان رئيساً للبرلمان أنه يرفض التضحية بما تحقق على مستوى بناء المؤسسات داخل الجمهورية الإسلامية، أو إعاقة استكمال تنفيذ أهداف الثورة داخلياً مقابل تصدير الثورة خارجياً.

وجاء التخلص من مير حسين موسوي بإلغاء منصب رئيس الوزراء عقب انتخاب رفسنجاني رئيساً للجمهورية وتعديل الدستور ليعكس إقصاء أحد دعاة تيار تصدير الثورة الإيرانية، وكان قد سبق هذه الخطوة إقصاء مهدي هاشمي ـ صهر آية الله منتظري المرشح السابق لخلافة الخميني وأحد دعاة تصدير الثورة ـ مسؤول مكتب دعم حركات التحرير في العالم عام 1986م، بعد أن قام بتسريب أنباء فضيحة إيران جيت(1)، حيث ألمح إلى دور رفسنجاني فيها. وجاء إقصاؤه متزامناً مع وقف الدور الخارجي للمكتب، ثم تم إعدام هاشمي في صيف 1987م.

كما كررت إيران بكثرة منذ عام 1985م إدانة عمليات تخريب وخطف طائرات، كما ساهمت في الإفراج عن ركاب طائرات مختطفة، وعقب تولي رفسنجاني رئاسـة الجمهورية في عام 1989م قام بإقصاء علي أكبر محتشمي ـ أحد دعاة تصدير الثورة ـ من وزارة الداخلية.

وعقب تولي رفسنجاني رئاسة الجمهورية أيضاً، عبر عن رفض فرض الثورة على المسلمين خارج إيران، بينما طالب الحركات الإسلامية خارج إيران باتخاذ الثورة الإيرانية قدوة ومثالاً لها، وبالسعي لإيصال صوت الثورة إلى الناس؛ وأضاف أن إيران ستصدر أفكارها في القوانين الدولية، كما تحدث المرشد الجديد للثورة سيد علي خامنئي عن الدعاية لفكر الثورة الإيرانية في الخارج بين صفوف المستضعفين، وتزامن ذلك مع هزيمة الراديكاليين في انتخابات المجلس (البرلمان) في إبريل عام 1992م وفي طليعتهم أحمد الخميني، ومهدي كروبي، وأرملة الرئيس الإيراني الراحل محمد علي رجائي، وحجة الإسلام الخوئي، وعلي أكبر محتشمي، وآية الله صادق خلخلي رئيس المحاكم الثورية الإسلامية سابقاً، بالإضافة إلى قرار دمج وزارتي الدفاع والحرس الثوري في وزارة واحدة للقوات المسلحة في أغسطس عام 1989م مما عنى في الواقع إنهاء أي دور خارجي مستقل للحرس الثوري.

وسبق ذلك قبول الخميني استقالة خليفته المعين آية الله منتظري في 28 مارس 1989م، وكان منتظري يجسد دور راعي دعاة تصدير الثورة، وكان يميل إلى دور إيراني فعال ونشيط في تصدير الثورة، ودعم الحركات الإسلامية الراديكالية في البلدان الإسلامية الأخرى.

والواقع أن التحول نحو السياسة البراجماتية داخلياً وخارجياً قد ارتبط بانتهاء الحرب مع العراق والإحساس بالاختناق الاقتصادي وبالحاجة للانفتاح على العالم، خاصة في اجتذاب استثمارات الغرب وتكنولوجيته لإعادة تعمير إيران مما تطلب اعتدالاً في السياسة الخارجية.

ومنذ عام 1986م كانت إيران قد بدأت تمارس ضغوطاً على التنظيمات المسلحة الموالية لها في لبنان، للإفراج عن الرهائن الغربيين مقابل تحقيق مصالح وأهداف «للثورة الأم» في إيران؛ مثل الحصول على استثمارات فرنسية في قطاع البتروكيماويات الإيراني، أو طرد فرنسا لقيادات منظمة مجاهدي خلق المعارضة من أراضيها منذ يونيو عام 1986م، وتسوية ديون قديمة مع فرنسا، أو الحصول على أسلحة أمريكية، أو إفراج الرئيس الأمريكي عن 570 مليون دولار ودائع إيرانية مجمدة في 7 نوفمبر عام 1989م، بل إن إيران أدانت في نوفمبر عام 1991م احتجاز الرهائن، باعتباره عملاً غير إنساني، وذكَّرت بمطالبتها الإفراج عن 4 إيرانيين اختطفوا عام 1982م، كما حرصت منذ ذلك الوقت على تكرار إدانتها للإرهاب واعتبار نفسها ضحية لعمليات إرهابية.

ودعت إيران حزب الله إلى عدم الرد على القصف السوري على الفلسطينيين في بيروت الغربية حتى تحافظ على العلاقات السورية الإيرانية، وقد اضطرت إيران في مرحلة لاحقة ـ وبناءاً على ضغوط سورية ـ إلى سحب معظم الحرس الثوري الإيراني من لبنان، وبقي حوالي 500 عنصر منهم. ثم ساندت لاحقاً جهوداً سورية للتنسيق بين «حزب الله» و «أمل» خاصة عقب اتفاق الطائف في مطلع التسعينيات الميلادية في القرن العشرين.

كذلك ذكرت تقارير أن إيران مارست ضغوطاً على حزب الله لضبط النفس عقب اختطاف «إسرائيل» في 29/7/1989م للشيخ عبد الكريم عبيد، أحد قياديي حزب الله في الجنوب اللبناني، وعدم الإصرار على استبداله برهائن غربيين خلال صفقات لاحقة بين إيران والدول الغربية، وكذلك الشيء نفسه بعد اغتيال «إسرائيل» للشيخ عباس الموسوي زعيم حزب الله في هجوم بالهليكوبتر في فبراير 1992م، وإن اعتبر بعض المحللين تدمير السفارة الإسرائيلية في بيونس أيريس في 17/3/1992م رداً على هذا الاغتيال، رغم أن جماعة الجهاد الإسلامي ـ الموالية لإيران ـ هي التي أعلنت مسؤوليتها عن هذا التفجير. كما ساهمت إيران في إقناع حزب الله بالانضمام للهجوم الشامل ـ بالتعاون مع سوريا ـ ضد العماد ميشيل عون في بيروت الشرقية في 14/8/1989م(2).

ولعل السياسة البراجماتية التي اتبعها رفسنجاني لم تكن واضحة لدى بعض المتابعين. فعلى ما سبق لم تكن هذه الصورة من تحديد حجم حزب الله إلا صورة إعلامية؛ حيث إن رفسنجاني قام بسحب رجال الحرس الثوري من لبنان ـ وهذا صحيح ـ ولكن تم إحلال عناصر أخرى من استخبارات الحرس الثوري «بالزي المدني»، كما ارتفعت الميزانية السنوية لحزب الله في عهد رفسنجاني كذلك إلى حوالي 280 مليون دولار، كما كان تزويد الحزب بالسلاح والعتاد الحربي مستمراً طيلة العهد الرفسنجاني «البراجماتي».

وفي عهد محمد خاتمي شهدت علاقات إيران مع حزب الله (الذي كان قادته يعتبرون خاتمي من خريجي مدرسة الإمام الصدر ـ حيث إن زوجة الرئيس خاتمي هي ابنة شقيقة موسى الصدر ـ ولذلك صدرت عنهم تصريحات في بعض الاجتماعات غير العلنية التي لم تكن مختلفة عما كان يقال عن خاتمي في اجتماعات معارضيه اليمينيين داخل إيران) نوعاً من الركود في البداية إلى أن أرسل خاتمي رئيس مكتبه وكاتم أسراره محمد علي أبطحي إلى لبنان لطمأنة قادة حزب الله على استمرارية الدعم الإيراني لهم ولكن بشروط.

وأبطحي ليس رجلاً غريباً في لبنان؛ إذ إنه عاش في بيروت أربع سنين تولى خلالها رئاسة الملحقية الثقافية الإيرانية. وشروط خاتمي كانت تدور حول وضع حزب الله العسكري ودوره السياسي بلبنان.

واستناداً إلى المصادر الإيرانية فإن قادة حزب الله الذين زاروا إيران بعد انتخاب خاتمي بعدة أشهر أكدوا للرئيس الإيراني التزامهم باتفاقية الطائف وسعيهم للانخراط في الكيان اللبناني من أبوابه المشروعة (البرلمان ومؤسسات الدولة).

وفي 25 إبريل 1997م تلقى خاتمي شكاوى من بعض قادة حزب الله الزائرين لإيران حول تصرفات عناصر في السفارة الإيرانية ممن دخلوا في النزاعات الدائرة بين بعض أركان الحزب. (المواجهات التي حصلت بين أنصار صبحي الطفيلي وأنصار حسن نصر الله) وبوقوفه إلى جانب حزب الله واستدعائه أولئك الذين انتقد قادة حزب الله سلوكهم، عزز خاتمي موقعه عند قادة حزب الله.

ورغم أن إدارة مرشد الثورة تواصل دعمها المالي بشكل منفصل عن الحكومة للحزب غير أن هذا الدعم لا يزال رمزياً ولا يعوض الحزب عما حرم منه بسبب خفض المساعدات المالية له في الميزانية الإيرانية، علماً بأن دمشق فرضت رقابة مشددة على ما يدخل لبنان من السلاح من إيران. ووفقاً لمصدر قريب من الحكومة الإيرانية فإن سوريا رفضت عدة مرات السماح بمرور شحنات أسلحة إيرانية كانت تحوي معدات ثقيلة وصواريخ إلى لبنان، مؤكدة أنه يجب رعاية ظروف لبنان وعدم تعريض سيادته وسلامة أهله للخطر، كما نشرت صحيفة الوطن الكويتية خبراً يوم الاثنين 5 يوليو 1999م نقلاً عن مصادر إيرانية يفيد أن سوريا رفضت طلباً إيرانياً بتزويد حزب الله بمعدات وأسلحة ثقيلة.

وإيران خاتمي تعتبر حزب الله جزءاً من الكيان اللبناني وترغب في أن ينخرط الحزب في الجسم السياسي اللبناني أكثر فأكثر، وقد سمع قادة الحزب في سفرهم الأخير إلى طهران توصية بأن على الحزب أن يهيئ نفسه لمرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي. وقال أحد مستشاري خاتمي لزعيم حزب الله حسن نصر الله: إن مرحلة نزع السلاح تقترب بسرعة، وإيران تأمل بالتنسيق مع الحليفة الاستراتيجية سوريا أن تساعد حزب الله في مسيرته وتحوله من «قوة عسكرية ميليشياتية التوجه وحزب عقائدي متطرف» إلى «تنظيم سياسي واجتماعي وثقافي شريك في الحكم اللبناني المتميز، وبالطبع بتوجيهات قريبة من رؤية خاتمي عن المجتمع المدني الإسلامي»(3).

«إن إيران نفسها تبدو حريصة على تحسين علاقاتها الدولية والعودة إلى منظومة العلاقات الدولية المتعارف عليها، وإن حل المشكلة اللبنانية سيساهم في تحسين صورة إيران، وهذا أيضاً سيقلل التوتر القائم حالياً بين إيران وبعض الدول العربية التي تتهم طهران بدعم بعض الحركات المعارضة لأنظمتها السياسية(4).

ولا شك أن حزب الله اللبناني ساهم بدوره كرافعة للدور الإيراني في المشرق العربي، مما أعطى لإيران وزناً استراتيجياً أكبر من حجمها، وتم استغلاله منذ تدهور قوتها التقليدية بعد نهاية الحرب مع العراق والوجود شبه الدائم عسكرياً للولايات المتحدة في الخليح منذ 1991م.

«ويمكن لحزب الله أن يظل أحد مصادر التأثير السياسي لإيران، وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت طهران تشجعه على التفكير في أدائه المستقبلي. وبغض النظر عن الجانب الأيديولوجي والترابط العضوي فإن حزب الله اللبناني يمثل حالياً رافعة هامة لسوريا التي تعد أحد أهم اللاعبين الرئيسيين في منطقة الشرق الأدنى، والتي تعد إيران بحكم التعريف الجغرافي ليست جزءاً منها»(5).

ولهذا فقد كان التحول إلى وجه آخر وتبديل السياسات أمراً لا مفر منه لحزب الله خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.

يقول علي فياض عضو المجلس السياسي لحزب الله : «إن الاتجاه الأكبر داخل حزب الله مدرك للحاجة إلى التكيف مع وقائع التسوية الممكنة بين «إسرائيل» وكل من سورية ولبنان، ولقيود السعي لبسط الحكم ذي النمط الذي يدعو إليه في البلد الأكثر تنوعاً من حيث الطوائف والأديان في المنطقة. وقد انعكس هذا في استعداد حزب الله للمشاركة في النظام السياسي اللبناني، كما ثبت من النتائج القوية نسبياً للمرشحين الموالين لحزب الله في انتخابات 1992م البرلمانية فوز 12 ممثلاً، وانخفض العدد في انتخابات 1996 إلى 9 ممثلين ـ بالإضافة إلى إظهار رغبة الحزب بالالتزام بقوانين النظام السياسي اللبناني المنبعث مجدداً ، ونقل نشاطاته السرية إلى مجال غير موجه ضد الدولة بحد ذاتها، فإن موقف حزب الله الراهن يشدد بشكل أقوى على تحقيق حكم إسلامي في لبنان وبشكل أكثر على حقه في فرض القيم الإسلامية من داخل النظام السياسي ذاته»(6).

ويضيف عبد الله قصير، مرشح حزب الله عن منطقة صور قائلاً: «إن مهمتنا في المجلس النيابي هي بناء المؤسسات والعمل من أجل الإصلاح الإداري، وأعتبر أن المعركة اليوم هي بين من يريد حياة سياسية كريمة في البلد وبين من يريد مجلساً نيابياً يعطي الثقة لجميع المشاريع العائد مدخولها إلى أزلام السلطة وعدد من المحاسيب!!»(7) ولكن هل يتحقق له ذلك، أم أن هذه الدعوى هي مرحلية أيضاً ومرتبطة بمتغيرات الواقع؟

إن التسوية بين «إسرائيل» وكل من سورية ولبنان سوف تواجه حزب الله ببعض الخيارات الصعبة؛ فإن جاذبية حزب الله ونفوذه قد قاما على الصدى العام لموقفه من الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومقاومته لاحتلال «إسرائيل» للأرض اللبنانية؛ فقد أضحت أعمال مقاومة حزب الله مكوناً أساسياً من مكونات وجوده، وتشكل أبرز ما يميزه عن الأحزاب الأخرى في لبنان، بما في ذلك القوى المنافسة ضمن الطائفة الشيعية ذاتها مثل حركة أمل.

وسوف يُصوَّر انسحاب «إسرائيل» النهائي من جنوب لبنان باعتباره إثباتاً للخط الناشط لحزب الله، وقد يفيده ذلك في تزويده ببعض الرأسمال السياسي أثناء الفترة الأولية بعد التسوية في مسعاه للمحافظة على قاعدته الشعبية والبناء عليها. إن حزب الله حريص على حصر هجماته بالأراضي اللبنانية المحتلة، ويعرف بوضوح أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان سوف ينهي نشاطاته المسلحة ضد «إسرائيل»، وكما يعترف حزب الله، فإن النظام الأمني لما بعد التسوية ـ لكي يكون متفقاً عليه ومؤكداً من قبل «إسرائيل» وسورية ولبنان على حد سواء ـ سوف يمنع بشكل شبه مؤكد خياراً عسكرياً ذا مصداقية بأي حال من الأحوال مهما صرح مسؤولوه بعكس ذلك.

في أعقاب التسوية قد يتعين على حزب الله أيضاً أن ينظر بشكل أكثر واقعية إلى المنافسة السياسية الممكنة من قِبَل حركة أمل. بالرغم من أن الحزبين الشيعيين قد نجحا في إنشاء علاقة عمل مع بعضهما وتوزيع للأدوار فيما بينهما؛ فإن التهديد السياسي لأمل تجاه حزب الله يمكن أن يشتد إذا اختار هذا الأخير الخروج على النظام أو اختار المواجهة المباشرة معه، وهذا غير متوقع. ونظراً لأهمية الرعاية السياسية في النظام السياسي فإن صلات أمل الطويلة الأمد مع سورية ومع المؤسسة السياسية اللبنانية وعلاقاتها الجيدة مع مجتمع رجال الأعمال الشيعي النشيط والمزدهر في الداخل والخارج يمكن أن تفيدها في أي حسم سياسي أو انتخابي مستقبلي مع حركة فقدت وظيفتها في أن تكون وسيلة للضغط العسكري على «إسرائيل».

إن نقلة من هذا النوع في سياسة حزب الله وموقفه لن تحدث بين عشية وضحاها؛ إذ إنها تعتمد كثيراً على توازن الآراء ضمن الحركة والموقف النهائي الذي تتخذه إيران، إضافة إلى موقف حزب الله مع سورية.

تتمتع القيادة الرسمية لحزب الله، بما فيها الأمين العام الحالي حسن نصر الله بعلاقات جيدة مع كل من سورية وإيران، ومن المرجح أن تستجيب لمتطلبات الأولى وحساسياتها بقدر استجابتها لمتطلبات الأخيرة وحساسياتها(8).

ومن خلال هذا المنطلق فقد صرح السفير السوري في واشنطن، وليد المعلم، أن حزب الله حركة مقاومة وطنية ولن تكون عقبة في طريق السلام إذا كان يلبي المصالح السورية واللبنانية، إن قيادة الحزب تدرك بأن أي اتفاق مقبول من سوريا ولبنان يكون ملزماً لها على السواء(9).

وفي أثناء المباحثات السورية الإسرائيلية قصفت إسرائيل مدرسة أطفال في جنوب لبنان، بلدة عرب صاليم، وأدى ذلك القصف إلى جرح 15 تلميذاً وتلميذة وقد اضطر حزب الله إلى لزوم الصمت العسكري وعدم الرد بالمثل لئلا يعكر جو المفاوضات(10)!!

بل لقد استبق حسن نصر الله الجميع باعترافه بأنهم أداة في يد المفاوضين في عملية السلام، فيقول: «إن المقاومة ورقة ضغط بيد المفاوض العربي، والغريب أن باراك يريد أن يفاوض ومعه طائرات حربية أمريكية جديدة، ومئات الملايين من الدولارات من أمريكا، وهذا مسموح به، بينما المطلوب أن تذهب الوفود العربية مجردة من عناصر قوتها، وعنصر المقاومة هو الأهم»(11).

وهذا ما أكده كذلك نائبه نعيم قاسم حين قال: «إن المقاومة تخدم الموقف السوري بشكل صريح؛ لأن سوريا تعتبر المتصدي الأساس من خلال قدرتها على إدارة الوضع في المنطقة، لذلك تعمل إسرائيل على انتزاع هذه الورقة من يد السوريين»(12).

وكما كان لحزب الله دور هام في ترسيخ الوجود الإيراني في لبنان، فقد كان له الدور نفسه في خدمة سوريا، وهذا ما دفع صحيفة «لوموند» الفرنسية إلى القول بأن دمشق استعادت دورها عاصمة للسياسة الشرق أوسطية وذلك من طريق لبنان ودور الحزب الخميني فيه(13).

ولمعرفة سوريا بإمكانيات حزب الله التي تخدم سياساتها فقد كان الحزب الوحيد الذي لم تتم مصادرة أسلحته، على غرار ما تم لباقي الميليشيات اللبنانية، التي انضمت إلى الجيش اللبناني، وذلك تحت الإشراف السوري().

وتحفظ سوريا لحزب الله أن التفجيرات التي قام بها للقوات الأمريكية والدولية والتي كانت سبباً في خروجها من لبنان، كانت كذلك سبباً في ذهاب الحماية الغربية المباشرة عن نظام أمين الجميل في لبنان، مما دعا الجميل إلى الذهاب إلى دمشق في 28 فبراير 1984م، لتقديم احترامه للأسد(15).

وإمعاناً في التحول تلبية للإرادة الجديدة فقد قام «حزب الله» بتوسيع قاعدة المشاركة في عملياته العسكرية انطلاقاً من ذوبانه في الحالة اللبنانية، فقام بإنشاء «سرايا المقاومة» التي فتح فيها الباب لجميع شرائح المجتمع اللبناني بما فيهم النصارى لكي تنضم إلى صفوفه؛ فلم يكن الهدف إلا: تحرير التراب اللبناني!!(16).

-------------
(1) انظر بعض تفاصيل قضية إيران جيت في مذكرات وزير الخارجية الأمريكي وقت حدوث الفضيحة، جورج شولتز «اضطراب ونصر» الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، ط1/1414هـ.
(
2) راجع د. وليد عبد الناصر، إيران دراسة عن الثورة والدولة، 74 ـ 75، 83 ـ 85، والحرس الثوري الإيراني في عدد من فصوله.
(
3) انظر مجلة المجلة، العدد: 1013/11/7/1999م.
(
4) حوار مع د. شيرين هنتر، رئيسة قسم الدراسات الإسلامية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، مع مجلة المجلة، العدد: 1013 / 11/7/ 1999م، وانظر: ثمن اكتشاف نظرية الأمن، تسفي برئيل، هآرتس، 29/11/1998م.
(
5) حوار نيل باتريك، رئيس قسم الشرق الأوسط بالمعهد الملكي للدراسات الدفاعية في لندن، مع مجلة المجلة، المصدر السابق.
(
6) جريدة السفير، 31/7/ 1998م، ونشرته مجلة المقاومة، العدد: 32، ص 4، وانظر مقال: آنذاك ستبدأ الأيام الصعبة لحزب الله، لباروخ كيمد لينج، صحيفة هآرتس/ 4/ 3/ 1997م، ومقال: لبنان، أوان تقييم الوضع، شلوميه جازيت، معاريف، 21/8/1997م.
(
7) مجلة المقاومة، العدد: 9، ص/17.
(
8) راجع: سوريا وإيران، 136 ـ 139.
(
9) جريدة الأنباء، العدد: 8305 / 1/ 7/ 1999م، وانظر تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي حول تأثير سوريا على قرارات حزب الله في جريدة الحياة، العدد: 13290/ 15/4/1420هـ ـ 28/7/1999م.
(
10) انظر: جريدة الحياة، العدد: 13433/10/1420هـ.
(
11) جريدة الأنباء، 8331/14/2/1420هـ ـ 27/7/1999م، وانظر كلام فضل الله في حواره مع مجلة الوسط، العدد: 222، 11/12/1416هـ.
(12) انظر حواره مع مجلة المجلة، العدد: 1032/13/8/1420هـ ـ 27/11/1999م.
(13) لوموند، 21/2/1995م.
(14) بين أمل وحزب الله، إفراهام سيلع، صحيفة هآرتس /31/3/1999م.
(
15) راجع باتريك سيل/ 677.
(
16) انظر: حوار حسن نصر الله مع مجلة الوسط، العدد: 432 / 17/8/1998م، وحواره مع مجلة المقاومة العدد/ 40، ص 25 ـ 26، وحواره مع جريدة الشعب القاهرية، العدد: 1424/21/12/1999م، وانظر: محمد القدوسي، كربلاء الجديدة، ص 19 ـ 20.

تحوُّل الحزب وأسبابه

«تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وليس كل ما يتمنى المرء يدركه» تحققت هذه المقولة بشكل كبير مع حزب الله فيما خُطط له لتنفيذه، وقدر الله ـ عز وجل ـ بحكمه وعدله وعلمه ببواطن الأمور تحولات كبيرة أثرت في الأهداف التي من أجلها صنع هذا الحزب، وسنترك البواطن للعليم بها وننظر في التحولات الظاهرة.

ومن نافلة القول أن الشعارات والأهداف التي أطلقها حزب الله في بداياته، قد تأثرت بأجواء الهزيمة والانكسار وسقوط الشعارات والأيديولوجيات التي أحدثها الغزو الإسرائيلي للبنان (1982م) وهيمنة النظام الفئوي الذي أفرزه من جهة، وبأجواء الانتصارات الإيرانية في الحرب العراقية ـ الإيرانية، والتي كانت تعد بإسقاط النظام العراقي ومتابعة الزحف نحو القدس من جهة أخرى؛ لذلك كان من الطبيعي أن يغلب عليها طابع الحماس التعبوي الثوري والغيبية المثالية، على غرار كل الحركات الثورية في العالم.

وإذا كانت الثورة تصبح واقعية عندما تتحول إلى دولة، فإن الحزب الثوري أيضاً يصل إلى هذا الإدراك عندما يصطدم بحسابات القوى الإقليمية والدولية. وهكذا تنتقل الحركة الثورية من: «ما ينبغي أن يكون» إلى «ما يمكن أن يكون» في مواجهة «ما هو كائن».

من هنا، ليس مستغرباً الكلام على تحولات في رؤية حزب الله ومواقفه السياسية، بغية التكيف مع المتغيرات العالمية والإقليمية والمحلية خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.

أما أبرز تحولات حزب الله فهي الآتية:

ـ الموقف من النظام اللبناني: كان حزب الله يعتبر النظام اللبناني «صنيعة الاستكبار العالمي، وجزءاً من الخارطة السياسية المعادية للإسلام.. تركيبة ظالمة في أساسها، لا ينفع معها أي إصلاح أو ترقيع، بل لا بد من تغييرها من جذورها». وهو كان يدعو إلى اعتماد نظام متحرر من التبعية للغرب، يقرره الشعب بمحض اختياره وحريته ويطمح في أن يُعتمد النظام الإسلامي في لبنان على قاعدة الاختيار الحر للشعب.

وبعد توقيع اتفاق الطائف عام 1989، واتخاذه تسوية للأزمة اللبنانية تضع نهاية للحرب الأهلية وتقضي بتعديل الدستور لإلغاء الهيمنة المارونية، عارض حزب الله الاتفاق لكونه يقوم بإصلاحات ترقيعية للنظام اللبناني دون تغييره أو إصلاحه جذرياً(1). لكنه قبل بنتائج الاتفاق العملية من إنهاء الحرب وتوحيد لبنان وعودة مؤسسات الدولة، إلى حل الميليشيات وانتشار الجيش اللبناني في الأراضي اللبنانية كافة.

وبدأ التحول الأساس في موقف حزب الله من النظام اللبناني عندما شارك في الانتخابات النيابية عام 1992م ودخل البرلمان اللبناني بكتلة متنوعة طائفياً، فأصبحت معارضته للنظام من داخل مؤسساته الدستورية.

وهكذا لم يعد حزب الله يدعو إلى إقامة نظام إسلامي في لبنان لإدراكه عدم واقعية هذا الطرح في الظروف الراهنة، إنما أصبح يركِّز في خطابه السياسي على إصلاح النظام السياسي عبر إلغاء الطائفية السياسية وغيرها.

وقد أكد الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله بعد الانسحاب الإسرائيلي الذي تم من الجنوب اللبناني، أن الحزب لن يكون بديلاً عن الدولة(2).

ـ دعوة الحزب إلى توحيد الأمة الإسلامية وتغيير الأنظمة القائمة غير الإسلامية فيها: أضحت شعاراً قديماً أولاً لعدم قدرته على تحقيقها، ولالتزامه العمل في الإطار الجغرافي والقانوني للدولة اللبنانية ثانياً.

ـ تحرير فلسطين وإزالة «إسرائيل» من الوجود: يرى حزب الله في «إسرائيل» الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين العربية الإسلامية، والقائم على حساب تشريد شعب عربي مسلم، هو الشعب الفلسطيني، ويعتبره كذلك «الغدة السرطانية المغروسة في قلب العالم الإسلامي» التي تمثل قاعدة للاستعمار الغربي وتحمي مصالحه فيه.

من هذا المنطلق تعتبر «إسرائيل» في نظر الحزب كياناً غير شرعي من الناحية الإسلامية، لأنها قائمة على اغتصاب أراض إسلامية وقتل مسلمين وتشريدهم، إضافة إلى كون هذه الأرض تضم أماكن مقدسة إسلامية (المسجد الأقصى أُولى القبلتين، ومسجد الصخرة...إلخ) تضفي عليها بُعداً دينياً مقدساً.

ويترتب على هذه الرؤية عدم جواز الاعتراف بـ «إسرائيل» والتفاوض والصلح معها، والتنازل عن أي حق من حقوق المسلمين لها من جهة، ووجوب قتالها وإخراج اليهود المحتلين من فلسطين وسائر الأراضي العربية المحتلة، وإعادة الشعب الفلسطيني إليها من جهة أخرى، وجاءت أقوال الخميني الملهِم الروحي للحزب بشأن القضية الفلسطينية والموقف من «إسرائيل» لتعزز هذه الرؤية لدى حزب الله، ولا سيما قوله: «يجب إزالة إسرائيل من الوجود».

وعلى هذا الأساس انطلق حزب الله في مقاومته للاحتلال الإسرائيلي في لبنان، وهو لا يزال يرى أن تقاعس الأنظمة العربية عن واجبها في الصراع ضد «إسرائيل» من أجل تحرير فلسطين، ومن ثم دخولها في عملية تسوية سلمية معها، يجب ألا يؤديا إلى القبول بشرعية «إسرائيل» والاعتراف بحقها في الوجود وبحدودها واعتبارها دولة «أمر واقع» مكان فلسطين التي لا يمكن اختزالها إلى أجزاء من الأراضي المحتلة عام 1967م، وبقسم من الشعب الفلسطيني وحكم ذاتي محدود عليها.

لكن حزب الله الذي لا يزال يدعو العرب والمسلمين للنهوض وتوحيد طاقاتهم لتحرير فلسطين كلها «من النهر إلى البحر» قد أدرك أن ظروف الصراع مع «إسرائيل» قد تغيرت في ظل عملية التسوية العربية ـ الإسرائيلية الشاملة، وأن ثمة قواعد جديدة للمقاومة المسلحة ضد الاحتلال تلزمه العمل ضمن الأراضي اللبنانية، بحيث يقتصر هدفها على تحرير المنطقة المحتلة من لبنان.

وفي الخطاب الذي ألقاه حسن نصر الله في بنت جبيل عقب الانسحاب الإسرائيلي، والذي حضره مائة ألف جنوبي، أشار نصر الله إلى أن حزب الله لن يشارك في أي عمل عسكري ضد «إسرائيل» لهدف تحرير فلسطين!!، وخلا هذا المهرجان الخطابي من شعار «زحفاً زحفاً نحو القدس»(3).

ويذكر الحزب أنه سيواصل نضاله السياسي والثقافي الرافض للتسوية والتطبيع مع «إسرائيل». وقد تكرس التزام حزب الله بضوابط الصراع مع «إسرائيل» في تفاهمي يوليو (تموز) 1993م إبريل (نيسان) 1996م حيث تعهد الحزب بعدم ضرب أهداف إسرائيلية داخل فلسطين المحتلة بداية، وهو أمر كان الحزب يؤكد التزامه به، معتبراً أن إطلاق صواريخ «الكاتيوشا» على المستعمرات الإسرائيلية في الجليل ليس سوى رد فعل على الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين. وهذه المسألة تمثل تحولاً في رؤية حزب الله للصراع مع «إسرائيل» التي يتعاطى معها الحزب من حيث إنها أمر واقع موجود دون أن تكون لها أي صفة شرعية(4).

كما أنه من غير المستبعد أن تستمر بعض عمليات المقاومة لحزب الله، ولكن من خلال عملية «تفريخ» جماعات أخرى من تحت عباءته لا يتحمل مسؤولياتها، وتستوعب هذه الجماعات «المُفرِّخة» تلك العناصر المخدوعة التي لم تفطن لأهداف العمل الحقيقية وما زالت على تصوراتها التي تقتضي الاستمرار في المقاومة حتى زوال إسرائيل من الوجود.

كذلك فإن من المتوقع عدم التزام إسرائيل بالاتفاقيات التي توقع مع سوريا ـ كما هو شأنها في أي اتفاق تعقده مع أي طرف ـ، فإن هذه المجموعات ستكون ورقة أخرى للضغط من أجل الالتزام بما اتفق عليه.

كما أن هذا «التفريخ» ووجود هذه المجموعات لا يستبعد استخدامها ـ مثل حزب الله ـ إيرانياً كي تستمر في نغمة الدفاع عن المقدسات.

----------------------
(1) راجع: الانقلاب على الطائف، ألبير منصور.
(
2) انظر: جريدة الشرق الأوسط، العدد: 7851، 23/5/1421هـ ـ 27/5/2000م، ومجلة المجلة، العدد: 1060، 10/6/2000م، ص 25، وحوار حسن نصر الله مع مجلة الوسط، العدد: 435، 29/5/2000م.
(
3) جريدة الأنباء، العدد: 8630، 23/2/1421هـ  27/5/2000م.
(
4) انظر: هيثم مزاحم: حزب الله وإشكالية التوفيق بين الأيديولوجيا والواقع، مجلة شؤون الأوسط، العدد/ 59، يناير/ 1997م.

ماذا حقق حزب الله؟

رغم كل الجهود التي يبذلها حزب الله عبر تصريحات قياداته ومقابلاتهم الصحافية ووسائله الإعلامية لتوضيح النقاط التي تدور حولها التساؤلات، ورد الاتهامات والانتقادات، إلا أنه لم ينجح بعد في إزالة جميع الشكوك والهواجس، فضلاً عن الغموض والالتباس في شأن الشعارات والمبادئ الأيديولوجية التي أطلقها الحزب منذ تأسيسه(1).

ويعود ذلك لأسباب عدة، أبرزها:

أ ـ افتقار الحزب إلى الأدبيات الفكرية ـ السياسية التي تُنظِّر لمبادئه وأهدافه ومشروعه وبرامجه. وهذه الثغرة ناجمة عن أحد أمرين أو عنهما معاً، وهما:

ـ افتقاد الحزب لمنظِّرين يتمتعون بمستوى رفيع في الفكر الديني والسياسي.

ـ عدم اهتمام الحزب بتقديم رؤية فكرية ـ سياسية خاصة به، مستقلة عن الرؤية الإسلامية الإيرانية، وتُراعي الخصوصيات اللبنانية والعربية؛ وذلك لارتباطه الديني والسياسي بـ «الولي الفقيه» الذي هو بمثابة القائد الديني السياسي للحزب.

ب ـ عدم قيام الحزب بمراجعة نقدية شاملة لطروحاته الفكرية وتجربته السياسية منذ نشأته، وعدم تفسيره الأيديولوجي أو تسويغه الديني للتحولات السياسية التي عرفها الحزب منذ عام 1990م على الأقل، والتي يتعارض بعضها مع شعاراته، وهو الأمر الذي يُظهر أن الحزب لا يستطيع التوفيق بين شعاراته الأيديولوجية ومواقفه السياسية، مما سمح بالتشكيك في مصداقية الحزب من جهة، ومحاسبته وفقاً لشعاراته ومبادئه، وليس انطلاقاً من مواقفه العملية المغايرة لتلك الشعارات والمبادئ من جهة أخرى.

إذاً، ثمة أزمة بنيوية في خطاب حزب الله الديني والسياسي سببها صعوبة تكيف الخطاب مع الواقع.

كان الحزب لسنوات عدة بعد تأسيسه يرفض اعتبار نفسه حزباً بالمعنى التنظيمي الضيق للحزب، بل كان يعتبر الأمة بكاملها إطاراً للحزب. من هنا أطلق شعار «أمة حزب الله»(2) ولم تمض سنوات حتى تخلى الحزب عن هذا الشعار لاستحالة تجسيده في لبنان بعد أن تحول الحزب تدريجياً إلى حزب سياسي ـ عسكري ذي هرمية تنظيمية معقدة.

إن هذا التوصيف لم يعد ينسجم مع واقع الحزب الذي يمكن وصفه الآن بحزب سياسي يمارس المقاومة العسكرية ضد الاحتلال؛ ذلك لأن المقاومة العسكرية ليست سوى وسيلة لتحقيق غاية سياسية وطنية أو دينية، أي تحرير الأراضي المحتلة(3).

-----------
(1) يراجع في ذلك نص ميثاق حزب الله في خاتمة الكتاب، وكتاب: طريقة حزب الله في العمل الإسلامي، علي الكوراني.
(
2) راجع المصدر السابق.
(
3) انظر: هيثم مزاحم، حزب الله وإشكالية التوفيق بين الأيديولوجيا والواقع، مجلة شؤون الأوسط، العدد: 59، يناير 1997م.

حقيقة النجاح العسكري

تم تصوير النشاط العسكري لحزب الله ـ خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي ـ على أنه الإنجاز الأكبر، والمقاومة الوحيدة الباقية التي أذلت أنف الصهاينة، وهنا سوف نرى حقيقة هذه الادعاءات؛ فهذا الجانب الذي برز من خلاله نشاط حزب الله أصبح واضحاً اليوم لكل ذي عقل ـ أو على الأقل يجب أن يكون واضحاً ـ أنه في حرب العصابات التي دارت في جنوب لبنان لا توجد فرصة للانتصار، وذلك لعدة اعتبارات:

أولاً: لأنه لم يتغلب مطلقاً بأي شكل من الأشكال في العالم جيش نظامي على مقاتلي حرب عصابات.

ثانياً: أن حزب الله يعرف الميدان والمنطقة أفضل من جنود «إسرائيل» وأفضل من جيش نظامي بمعداته وترتيباته.

ثالثاً: لأن أتباع «حزب الله» يعملون في أوساط سكان متعاطفين معهم ويمنحونهم مزايا أخرى.

رابعاً: لأن جيش جنوب لبنان تحول من جيش أجير ـ الذي كان من المفروض أن يقوم بالعمل الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي ـ إلى أداة مكسورة هشة، والتي بدون حماية «إسرائيل» وحضورها فإنه يصبح بدون فائدة.

خامساً: أن الوجود الإسرائيلي على أرض لبنان حول حزب الله من تنظيم إرهابي إلى مقاتلين من أجل الحرية وشرعيين في أعين العالم، وبذلك تُخلى مسؤولية لبنان وسوريا من الدم المسفوك(1).

وهكذا تظهر صورة النجاح العسكري المدعاة وحقيقتها، وأنها من خلال الميزان العسكري ليست نجاحاً.

وقبل حرب لبنان قامت «إسرائيل» بإعداد العشرات من رجال المخابرات من الكتائب المسيحية من خلال دورات مخابراتية مكثفة في مدرسة الموساد. منذ ذلك الحين قام النصارى وبخاصة رئيس مخابراتهم، سمير جعجع، بالاستفادة من عملية العلاقة مع «إسرائيل»، وأصبحوا بالفعل عملاء لسوريا.

كذلك فإن جزءاً كبيراً من الذين يخدمون في جهاز أمن جيش جنوب لبنان الذي تستخدمه «إسرائيل»، هم دروز وشيعة من سكان الحزام الأمني، وقد مارس حزب الله معهم أساليب مختلفة ليجندهم، منها تهديد أقاربهم في بيروت ودفع أموال لهم مقابل معلومات .

في الوقت ذاته هناك افتراض بأن الدروز في جهاز الأمن لا يرون أن هناك أي مشكلة في إطلاع أعضاء الحزب التقدمي الاشتراكي ـ التابع لوليد جنبلاط ـ على المعلومات التي لديهم. وهؤلاء يتعاونون مع حزب الله(2)(*).

من الممكن القول إنه في أربعة مجالات أساسية لم ينجح حزب الله حتى الانسحاب الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، فهو لم يحتل موقعاً لجيش الدفاع الإسرائيلي، ولم يَنْهَرْ جيش جنوب لبنان على الرغم من أن ذلك كان يمثل هدفاً أساساً لحزب الله، وعلى الرغم من جهود حزب الله فلم ينجح التنظيم في اختطاف جنود لجيش الدفاع الإسرائيلي، ورغم كل محاولات حزب الله فإنه لم يسقط طائرة هليكوبتر أو طائرة للسلاح الجوي الإسرائيلي(3).

ولقد أعلن زعماء حزب الله في الماضي أنهم سيواصلون محاربة «إسرائيل» حتى «تحرير القدس»، ولكنهم قالوا مرات كثيرة ما هو عكس ذلك، أي أن هدفهم هو تحرير الأرض اللبنانية، وليس من شأنهم مواصلة العمل ضد «إسرائيل» بعد تحقيق هذا الهدف، وقد حظي الموقف الأخير بمساندة حكومة إيران.

من الناحية العملية، وعلى النقيض من المنظمات الفلسطينية التي حاربت «إسرائيل» نفسها، تجد أن حزب الله لم يبادر أبداً بعمل ضد أراضي «إسرائيل» السيادية، وقصر هذا النشاط على الأراضي اللبنانية. ورغم أن مقاتلي حزب الله قد وصلوا عدة مرات إلى خط الحدود، إلا أنهم لم يتسللوا إلى الأراضي الإسرائيلية،وكان يمكنهم أن يفعلوا ذلك بدون شك(4).

كما أن الحزب قد اعتمد على الحرب البعيدة وعدم المواجهة المباشرة مع جيش الدفاع الإسرائيلي، وذلك بزرع الألغام، والتي كانت تمثل نسبة عالية من الإصابات للجيش الإسرائيلي(5).

وهكذا نرى حتى النجاحات التي يدندن حولها حزب الله أنها لم تكن على مستوى لائق بهذا الزخم الضخم من الضجيج الإعلامي.

---------------------------
(1) انظر مقال: الخروج، يوئيل ماركوس، ملحق صحيفة هآرتس السياسي، 2/3/1999م.
(
2) انظر: مقال رونين برجمان، هآرتس، 5/3/1999م.
(*) وقد كشف بعد الانسحاب الإسرائيلي عن الصفقة التي كانت بين حزب الله وبين وليد جنبلاط والقاضية بعدم التعرض لعناصر جيش لبنان الجنوبي من الدروز في مقابل أن تحل هذه الكتائب الدورزية نفسها فور الانسحاب، وكان حزب الله قد وعد الجيش اللبناني الجنوبي ..بالذبح!! انظر جريدة الأنباء، العدد: 8628، 25/5/2000م.
(
3) فشل جيش الدفاع الإسرائيلي ومشكلة الحكومة، زئيف شيف، هآرتس، 29/11/1998م.
(
4) إفراهام سيلع، هآرتس. 31/3/1999م، وانظر: خرافة الحزام الأمني لرؤبات بدهستور، هآرتس 30/11/1998م، وحوار مجلة المجلة مع مديرة قسم الدراسات الخاصة بشؤون الشرق الأوسط في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والإخصائية في شؤون حزب الله، العدد: 106، 10/6/2000م.
(
5) انظر مقال: يمكن أن نهزم الإرهاب، عوديد جرانوت، معاريف 20/11/1998م.

ميثاق الحزب

بعد أن وصلنا إلى نهاية هذه الدراسة،لا بد لنا من الاطلاع ـ بعد هـذه المسيرة ـ على نـص ميثاق حزب الله لنرى ونقارن مدى التحولات في الأفكار والمبادئ والأهداف.

وتعتبر الرسالة المفتوحة للمستضعفين التي أعلن فيها حزب الله توجهاته الفكرية وأهدافه السياسية، بمثابة الوثيقة الأساسية الصادرة عن الحزب التي تحدد مبادئه الأيديولوجية وأهدافه السياسية، وعلى رغم انقضاء مدة زمنية على صدورها، وتجاوز الحزب للكثير من بنودها وتوجهاتها السياسية، إلا أنها لا تزال الوثيقة الفكرية والسياسية الرسمية الوحيدة؛ إذ لم يضع الحزب وثيقة جديدة معدلة تبرز التحولات التي أجراها في مواقفه السياسية بفعل تغير الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وتفسر أسباب هذه التعديلات وتسوغها من الناحية الأيديولوجية، ولا سيما تلك المتعارضة مع مبادئ الحزب وأهدافه. ولعل البرنامجين الانتخابيين اللذين خاض الحزب على أساسهما الانتخابات النيابية عام 1992م، ثم عام 1996م يكشفان معظم التعديلات التي أدخلها الحزب على خطابه السياسي بمقتضى القراءة الواقعية للظروف السياسية الإقليمية من جهة، وتحول رؤيته لواقع الكيان اللبناني ذي التعددية الدينية والسياسية. غير أن هذه التعديلات لم تصل إلى حد إعادة النظر في الخطاب الأيديولوجي والديني للحزب.

وسنورد نص ميثاق حزب الله كاملاً ودون تعليق، إلا ما دعت إليه الحاجة.

بسم الله الرحمن الرحيم

{ وّمّن يّتّوّلَّ الله ورّسٍولّهٍ والَّذٌينّ آمّنٍوا فّإنَّ حٌزًبّ الله هٍمٍ الغّالٌبٍونّ } [المائدة: 56] .

الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله إلى المستضعفين في لبنان والعالم مبيناً فيها تصوراته ومنهجه بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد رمز المقاومة الإسلامية شيخ الشهداء راغب حرب (رضوان الله عليهم). بتاريخ 26 جمادى الأول 1405هـ الموافق 16 شباط 1985م.

إهـداء

إلى المشعل الذي ازداد تألقاً وضياءاً فأنار للمستضعفين في لبنان درب الحياة الحرة الكريمة، وأحرق بوهج دمائه الطاهرة جبروت الكيان الصهيوني وأسطورته. إلى الرائد الذي صدق أهله؛ فكان قدوة لهم في الجهاد، ولم يبخل عليهم بروحه حتى قضى شهيداً في سبيل نصرتهم، وشاهداً على ظلم الاستكبار العالمي وغطرسته. إلى رمز المقاومة الإسلامية الظافرة والانتفاضة الرائعة التي لا يزال أهلنا يسطرون أروع ملاحمها الحسينية في الجنوب والبقاع الغربي. إلى الذي بدد أحلام أمريكا في لبنان، وقاوم الاحتلال الإسرائيلي رافعاً لواء العمل بولاية الفقيه القائد الذي كان يحلو له دائماً أن يصفه بأمير المسلمين عبد الله الخميني. إلى شيخ الشهداء راغب حرب (رضوان الله عليه) نهدي في ذكراه السنوية هذه الرسالة المفتوحة إلى المستضعفين في العالم، مثبتين بين ثنايا سطورها الخط السياسي الإسلامي الثوري الذي جسده الشهيد السعيد مع إخوانه الشهداء ليكون نهجاً بيناً ودليلاً واضحاً لكل المجاهدين في لبنان.. سائلين المولى ـ سبحانه وتعالى ـ أن يفرغ علينا صبراً ويثبت أقدامنا وينصرنا على القوم الظالمين..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حزب الله

بسم الله الرحمن الرحيم

{وّقٍلٌ الحّقٍَ مٌن رَّبٌَكٍمً فّمّن شّاءّ فّلًيٍؤًمٌن ومّن شّاءّ فّلًيّكًفٍرً إنَّا أّعًتّدًنّا لٌلظَّالٌمٌينّ نّارْا أّحّاطّ بٌهٌمً سٍرّادٌقٍهّا وإن يّسًتّغٌيثٍوا يٍغّاثٍوا بٌمّاءُ كّالًمٍهًلٌ يّشًوٌي الوٍجٍوهّ بٌئًسّ شَّرّابٍ وسّاءّتً مٍرًتّفّقْا} [الكهف: 29].

من نحن وما هي هويتنا؟

أيها المستضعفون الأحرار.. إننا أبناء أمة حزب الله في لبنان نحييكم ونخاطب من خلالكم العالم بأسره: شخصيات ومؤسسات، أحزاباً ومنظمات وهيئات سياسية وإنسانية وإعلامية.. ولا نستثني أحداً؛ لأننا حريصون على أن يسمع صوتنا الجميع، فيفهموا مقالتنا، ويستوعبوا طروحاتنا، ويتدارسوا مشروعنا. إننا أبناء أمة حزب الله نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم التي تواجه أعتى هجمة استكبارية من الغرب والشرق على السواء بهدف تفريغها من مضمونها الرسالي الذي أنعم الله به عليها لتكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، وبهدف استلاب خيراتها وثرواتها واستثمار طاقاتها وكفاءات أبنائها، والسيطرة على كافة شؤونها. إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم.. نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة وعادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط، وتتجسد حاضراً بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله الموسوي الخميني دام ظله.. مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة. وعلى هذا الأساس فنحن في لبنان لسنا حزباَ تنظيمياً مغلقاً، ولسنا إطاراً سياسياً ضيقاً.. بل نحن أمة ترتبط مع المسلمين في كافة أنحاء العالم برباط عقائدي وسياسي متين هو الإسلام الذي أكمل الله رسالته على يد خاتم أنبيائه محمد ) صلى الله عليه وسلم ( وارتضاه للعالمين ديناً يتعبدون به؛ إذ قال في القرآن الكريم:{اليّوًمّ أّكًمّلًتٍ لّكٍمً دٌينّكٍمً وأّتًمّمًتٍ عّلّيًكٍمً نٌعًمّتٌي ورّضٌيتٍ لّكٍمٍ الإسًلامّ دٌينْا} [المائدة: 3]. ومن هنا فإن ما يصيب المسلمين في أفغانستان أو العراق أو الفليبين أو غيرها إنما يصيب جسم أمتنا الإسلامية التي نحن جزء لا يتجزأ منها، ونتحرك لمواجهته انطلاقاً من واجب شرعي أساساً، وفي ضوء تصور سياسي عام تقرره ولاية الفقيه القائد. أما ثقافتنا فمنابعها الأساسية: القرآن الكريم، والسنّة المعصومة، والأحكام والفتاوى الصادرة عن الفقيه مرجع التقليد عندنا.. وهي واضحة غير معقدة وميسرة للجميع دون استثناء، ولا يحتاج إلى تنظير أو فلسفة، بل جل ما تحتاجه هو الالتزام والتطبيق. وأما قدرتنا العسكرية فلا يتخيلَنَّ أحد حجمها، وإذ ليس لدينا جهاز عسكري منفصل عن بقية أطراف جسمنا، بل إن كل واحد منا هو جندي مقاتل حين يدعو داعي الجهاد، وكل واحد منّا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد.. والله هو من ورائنا يؤيدنا برعايته ويلقي الرعب في قلوب أعدائنا وينصرنا عليهم بنصره العزيز المؤزر.

العالم المستكبر متفق على حربنا

أيها المستضعفون الأحرار: إن دول العالم المستكبر الظالم في الغرب والشرق قد اجتمعوا على محاربتنا، وراحوا يحرِّضون عملاءهم ضدنا يحاولون تشويه سمعتنا وافتراء الأكاذيب علينا.. في محاولة خبيثة للفصل بيننا وبين المستضعفين الطيبين، وفي سعي حثيث لتقزيم ومسخ الإنجازات المهمة والكبرى على مستوى مواجهتنا لأمريكا وحلفائها... لقد حاولت أمريكا عبر عملائها المحليين أن توحي للناس بأن من قضى على غطرستها في لبنان وأخرجها ذليلة خائبة وسحق مؤامرتها على المستضعفين في هذه البلاد، هم ليسوا إلا حفنة من المتعصبين الإرهابين الذين لا شأن لهم إلا بتفجير محلات الخمور والقمار وآلات اللهو وغير ذلك. ولكن كنّا على يقين بأن مثل هذه الإيحاءات لن تخدع أمتنا؛ لأن العالم بأسره يعلم أن من يفكر بمواجهة أمريكا والاستكبار العالمي لا يلجأ إلى مثل هذه الأعمال الهامشية التي تشغله بالذيل عن الرأس.

أمريكا وراء كل مصائبنا

إننا متوجهون لمحاربة المنكر من جذوره... وأول جذور المنكر أمريكا.. ولن تنفع كل المحاولات لجرنا إلى ممارسات هامشية إذا ما قيست بالمواجهة مع أمريكا. فالإمام الخميني القائد أكد ولمرات عديدة أن أمريكا هي سبب كل مصائبنا وهي أم الخبائث.. ونحن إذ نحاربها فلا نمارس إلا حقنا المشروع في الدفاع عن إسلامنا وعزة أمتنا. إننا نعلن بصراحة ووضوح أننا أمة لا تخاف إلا الله، ولا ترتضي الظلم والعدوان والمهانة.. وإن أمريكا وحلفاءها من دول حلف شمال الأطلسي، والكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين الإسلامية المقدسة، كل هؤلاء قد مارسوا ويمارسون العدوان علينا باستمرار ويعملون على إذلالنا باستمرار.. ولذا فإننا في حالة تأهب مستمر ومتصاعد من أجل رد العدوان والدفاع عن الدين والوجود والكرامة.

لقد هاجموا بلادنا ودمروا قرانا وذبحوا أطفالنا وهتكوا حرماتنا، وسلطوا على رقابنا جلادين مجرمين ارتكبوا مجازر رهيبة بحق أمتنا، ولا يزالون يدعمون هؤلاء الجزارين حلفاء إسرائيل، ويمنعوننا من تقرير مصيرنا بمحض اختيارنا. إن قنابلهم كانت تتساقط على أهلنا كالمطر أثناء الاجتياح الصهيوني لبلادنا ومحاصرة بيروت.. وطائراتهم كانت تغير بشكل متواصل في الليل والنهار على المدنيين من أهلنا وعلى أطفالنا ونسائنا وجرحانا.. وكانت مناطق الكتائبيين العملاء آمنة من قصف العدو ومركزاً لتوجيه وإرشاد قواته. وكنا نستصرخ ضمير العالم آنذاك فلم نسمع له حساً ولم نجد له أثراً. هذا الضمير الذي افتقدناه أيام المحنة هو نفسه كان مستنفراً ويقظاً يوم حوصر الكتائبيون المجرمون في مدينة زحلة البقاعية، ويوم حوصر المتحالفون مع إسرائيل في دير القمر الشوفية.. فهالنا الأمر وأيقنا أن هذا الضمير العالمي لا يهتز إلا بناء لطلب الأقوياء واستجابة لمصالح الاستكبار. لقد ذبح الإسرائيليون والكتائبيون عدة آلاف من آبائنا وأطفالنا ونسائنا وإخواننا في صبرا وشاتيلا خلال ليلة واحدة فلم يصدر عن أية منظمة أو هيئة دولة أي استنكار أو شجب عملي لهذه المجزرة البشعة التي ارتكبت بتنسيق مع القوات الأطلسية التي غادرت قبل أيام بل ساعات، المخيمات التي قَبِلَ المنهزمون أن يضعوها تحت حماية الذئب استجابة لمناورة الثعلب الأمريكي فيليب حبيب. وجاءت هذه الاعتداءات المجرمة لتؤكد ما ورد في معتقداتنا الثابتة أنه {لّتّجٌدّنَّ أّشّدَّ النَّاسٌ عّدّاوّةْ لٌَلَّذٌينّ آمّنٍوا اليّهٍودّ والَّذٌينّ أّشًرّكٍوا} [المائدة: 82].

لا خيار لنا إلا المواجهة

وعلى هذا الأساس رأينا أن العدوان لا يرد إلا بالتضحيات.. والكرامة لا تكون إلا ببذل الدماء، والحرية لا تعطى وإنما تسترد ببذل المهج والأرواح. فآثرنا الدين والحرية والكرامة على العيش الذليل والخضوع المستمر لأمريكا وحلفائها وللصهاينة وحلفائهم الكتائبيين...وانتفضنا لتحرير بلادنا وطرد المستعمرين والغزاة منها وتقرير مصيرنا بأيدينا. ولم يكن بوسعنا أن نصبر أكثر مما صبرنا عليه، فمحنتنا تجاوزت من السنين عشراً ولم نرَ إلا كل طامع أو متملق أو عاجز.

تنسيق صهيوني كتائبي

مئة ألف ضحية هو العدد التقريبي لجرائم أمريكا وإسرائيل والكتائب فينا. تهجير لنصف مليون مسلم تقريباً وتدمير شبه كامل لأحيائهم في النبعة وبرج حمود والدكوانة وتل الزعتر وسبنيه وحي الغوارنة وبلاد جبيل التي لا يزال من تبقى من أهلنا فيها يتعرضون للمحنة دون أن تتحرك هيئة عالمية واحدة لإنقاذهم. واحتلال صهيوني استمر في اغتصابه لأراضي المسلمين حتى وصل إلى احتلال لأكثر من ثلث مساحة لبنان بتنسيق مسبق واتفاق كامل مع الكتائبيين الذين استنكروا محاولات التصدي للقوات الغازية.. وشاركوا في تنفيذ بعض خطط إسرائيل ليكملوا مشروعها ويعطوها ما تريد ثمناً لإيصالهم إلى رئاسة الحكم. وهكذا كان؛ فلقد وصل الجزار بشير الجميل إلى سدة الرئاسة مستعيناً بإسرائيل والنفطيين العرب وبالزعماء المستزلمين للكتائب من نواب المسلمين وأثر محاولة متقنة لتجميل صورته البشعة في إطار غرفة عمليات سميت بـ «لجنة الإنقاذ» ولم تكن إلا جسراً أمريكياً ـ إسرائيلياً عبر عليه الكتائبيون باتجاه التسلط على رقاب المستضعفين. لكن شعبنا لم يستطع الصبر على هذه المهانة، فأباد أحلام الصهاينة وحلفائهم.. إلا أن أمريكا أصرت على حماقتها فأوصلت أمين الجميل لخلافة أخيه المقبور، وكانت أول إنجازاته تدمير منازل المهجرين، والاعتداء على مساجد المسلمين، وإعطاء الأوامر للجيش بقصف أحياء الضاحية المستضعفة على أهلها، واستدعاء قوات حلف الأطلسي للاستعانة بهم علينا، وتوقيع اتفاقية 17 أيار المشؤوم الذي يجعل من لبنان محمية إسرائيلية ومستعمرة أمريكية.

أعداؤنا الأساسيون

ولم يستطع شعبنا أن يتحمل كل هذه الخيانة فقرر مواجهة أئمة الكفر: أمريكا وفرنسا وإسرائيل. ونفذ بحقهم أول عقوبة لهم في 18 نيسان، ثم في 29 تشرين أول 1983م وكان قد بدأ حرباً حقيقية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي ارتقى خلالها إلى مستوى تدمير مركزين أساسيين لحكامه العسكريين، وصعد من مقاومته الإسلامية شعبياً وعسكرياً حتى أرغم العدو على اتخاذ قرار بالفرار المرحلي وهو قرار تضطر إليه إسرائيل لأول مرة في تاريخ ما سمي بالصراع العربي ـ الإسرائيلي. وللحقيقة نعلن أن أبناء أمة حزب الله باتوا الآن يعرفون أعداءهم الأساسيين جيداً في المنطقة: إسرائيل، أمريكا، فرنسا، والكتائب.

أهدافنا في لبنان

وهم الآن في حالة مواجهة متصاعدة ضدهم حتى تتحقق الأهداف التالية: ـ تخرج إسرائيل نهائياً من لبنان كمقدمة لإزالتها نهائياً من الوجود وتحرير القدس الشريف من براثن الاحتلال. ـ تخرج أمريكا وفرنسا وحلفاؤهما نهائياً من لبنان وينتهي أي نفوذ لأية دولة استعمارية في البلاد. ـ يرضخ الكتائبيون للحكم العادل ويحاكمون جميعاً على الجرائم التي ارتكبوها بحق المسلمين والمسيحيين بتشجيع من أمريكا وإسرائيل. ـ يتاح لجميع أبناء شعبنا أن يقرروا مصيرهم ويختاروا بكامل حريتهم شكل نظام الحكم الذي يريدونه، علماً بأننا لا نخفي التزامنا بحكم الإسلام وندعو الجميع إلى اختيار النظام الإسلامي الذي يكفل وحده العدل والكرامة للجميع، ويمنع وحده أية محاولة للتسلل الاستعماري إلى بلادنا من جديد.

أيها الأصدقاء

إذاً ... هذه هي أهدافنا في لبنان وهؤلاء هم أعداؤنا، أما أصدقاؤنا فهم كل الشعوب المستضعفة في العالم، وهم كل من يحارب أعداءنا ويحرص على عدم الإساءة إلينا.. أفراداً كانوا أو أحزاباً أو منظمات... وإننا نتوجه إليهم ونخصهم بهذا الخطاب فنقول: (أيها المحاربون والمنظمون أينما كنتم في لبنان وأياً كانت أفكاركم.. إننا متفقون وإياكم على أهداف كبيرة ومهمة.. تتمثل في ضرورة إسقاط الهيمنة الأمريكية على البلاد.. وطرد الاحتلال الصهيوني الجاثم على رقاب العباد.. وضرب كل محاولات التسلط الكتائبي على شؤون الحكم والإدارة.. وإن كنّا نختلف في أساليب المواجهة ومستوى المواجهة. فتعالوا نترفع عن التخاصم فيما بيننا على الأمور الصغيرة ونفتح أبواب التنافس واسعة أمام تحقيق الأهداف الكبيرة.

فليس مهماً أن يسيطر حزب على شارع، وإنما المهم أن تتفاعل الجماهير مع هذا الحزب. وليس المهم أن تكثر الاستعراضات العسكرية على المواطنين.. بل المهم أن تكثر العمليات ضد إسرائيل. وليس المهم أن نصيغ البيانات وندعو إلى مؤتمرات، بل المهم أن نجعل من لبنان مقبرة للمشاريع الأمريكية. إنكم تحملون أفكاراً ليست من الإسلام... وليس في هذا ما يحول بيننا وبين التعاون معكم من أجل هذه الأهداف؛ خصوصاً أننا نشعر بأن الدوافع التي تحرضكم من أجل النضال هي دوافع إسلامية في الأصل، منشؤها الظلم اللاحق بكم من الطاغوت، والاستضعاف الذي يمارس عليكم من قِبَله.. وهذه الدوافع إن تشكلت بأفكار غير إسلامية فلا بدّ أن تعود إلى جوهرها حين ترون الإسلام الثوري هو الذي يتصدى لقيادة الصراع، ولمقاومة الظلم والاستكبار. على إننا لا نرتضي منكم تحرشاً ولا استفزازاً ولا اعتداءات على أمننا وكرامتنا، ونلتزم معكم بمعالجة أي التباس بالتي هي أحسن أولاً، ونحرص على أن لا تشغلونا بما يعيق تحركنا لأهدافنا. وستجدوننا حريصين على الانفتاح عليكم، وستزداد العلاقة معكم كلما ازداد التقارب الفكري فيما بيننا وبينكم، وكلما شعرنا باستقلالية قراركم، وكلما اقتضت مصلحة الإسلام والمسلمين تعزيز هذه العلاقة وتطويرها. أيها المحازبون المستضعفون. أنتم ممن قصدتم الحق فأخطأتموه.. وليس من قصد الحق فأخطأه كمن قصد الباطل فأصابه.

ولذا فإننا نمد أيدينا إليكم ونقول لكم مخلصين {يا قومنا أجيبوا داعي الله} و { واستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.

نلتزم بالإسلام ولا نفرضه بالقوة

أيها المستضعفون الأحرار! إننا أمة التزمت برسالة الإسلام وأحبت للمستضعفين وللناس كافة أن يتدارسوا هذه الرسالة السماوية؛ لأنها تصلح لتحقيق العدل والسلام والطمأنينة في العالم. والله ـ تعالى ربنا ـ يقول:{لا إكًرّاهّ فٌي پدٌَينٌ قّد تَّبّيَّنّ پرٍَشًدٍ مٌنّ الغّيٌَ فّمّن يّكًفٍرً بٌالطَّاغٍوتٌ ويٍؤًمٌنً بٌاللَّهٌ فّقّدٌ اسًتّمًسّكّ بٌالًعٍرًوّةٌ الوٍثًقّى" لا انفٌصّامّ لّهّا واللَّهٍ سّمٌيعِ عّلٌيمِ <256> اللَّهٍ ولٌيٍَ الذٌينّ آمّنٍوا يٍخًرٌجٍهٍم مٌَنّ الظٍَلٍمّاتٌ إلّى پنٍَورٌ والَّذٌينّ كّفّرٍوا أّوًلٌيّاؤٍهٍمٍ پطَّاغٍوتٍ يٍخًرٌجٍونّهٍم مٌَنّ پنٍَورٌ إلّى الظٍَلٍمّاتٌ أٍوًلّئٌكّ أّصًحّابٍ پنَّارٌ هٍمً فٌيهّا خّالٌدٍونّ}. [البقرة: 256، 257]

ولذا فإننا لا نريد أن نفرض الإسلام على أحد، ونكره أن يفرض الآخرون قناعاتهم وأنظمتهم علينا، ولا نريد أن يحكم الإسلام في لبنان بالقوة كما تحكم المارونية السياسية الآن. لكننا نؤكد أننا مقتنعون بالإسلام عقيدة ونظاماً، فكراً وحكماً، وندعو الجميع إلى التعرف عليه والاحتكام إلى شريعته، كما ندعوهم إلى تبنيه والالتزام بتعاليمه على المستوى الفردي والسياسي والاجتماعي. وإذا ما أتيح لشعبنا أن يختار بحريته شكل نظام الحكم في لبنان فإنه لن يرجح على الإسلام بديلاً. ومن هنا فإننا ندعو إلى اعتماد النظام الإسلامي على قاعدة الاختيار الحر والمباشر من قِبَلِ الناس، لا على قاعدة الفرض بالقوة كما يخيل للبعض. ونعلن أننا نطمح أن يكون لبنان جزءاً لا يتجزأ من الخارطة السياسية المعادية لأمريكا والاستكبار العالمي وللصهيونية العالمية، والتي يحكمها الإسلام وقيادته العادلة. وهذا الطموح هو طموح أمة وليس طموح حزب، واختيار شعب لا اختيار عصابة.

الحد الأدنى لطموحنا في لبنان

وعلى هذا الأساس فإن الحد الأدنى الذي يمكن أن نقبل به على طريق تحقيق هذا الطموح المكلفين بالسعي لتحقيقه شرعاً، هو: (إنقاذ لبنان من التبعية للغرب أو للشرق وطرد الاحتلال الصهيوني من أراضيه نهائياً واعتماد نظام يقرره الشعب، بمحض اختياره وحريته). لماذا نواجه النظام القائم؟ هذه هي رؤيتنا وتصوراتنا عمّا نريده في لبنان، وعلى ضوء هذه الرؤية والتصورات نواجه النظام القائم لاعتبارين أساسيين:

1 ـ لكونه صنيعة الاستكبار العالمي وجزء من الخارطة السياسية المعادية للإسلام.

2 ـ لكونه تركيبة ظالمة في أساسها لا ينفع معها أي إصلاح أو ترقيع، بل لا بد من تغييرها من جذورها {ومّن لَّمً يّحًكٍم بٌمّا أّنزّلّ اللَّهٍ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الظَّالٌمٍونّ}. [المائدة: 45]

موقفنا من المعارضة

وفي ضوء الاعتبارين الآنفين نحدد موقفنا من أية معارضة للنظام اللبناني. فنعتبر أن كل معارضة تتحرك ضمن خطوط حمر فرضتها القوى المستكبرة هي معارضة شكلية لا بد وأن تلتقي في نهاية المطاف مع النظام القائم. وكل معارضة تتحرك ضمن دائرة الحفاظ والحرص على الدستور المعمول به حالياً، وتلتزم عدم إجراء أي تغيير أساسي في جذور النظام، هي معارضة شكلية أيضاً لا تحقق مصلحة الجماهير المستضعفة. وكذلك فإن كل معارضة تتحرك في المواقع التي يريدها النظام أن تتحرك من خلالها، هي معارضة وهمية ليست إلا لخدمة النظام. ومن ناحية أخرى، فإن كل طرح للإصلاح السياسي على ضوء النظام الطائفي العفن لا يعنينا فيه شيء، تماماً كما لا يعنينا تشكيل أية حكومة أو اشتراك أية شخصية في أية وزارة تمثل جزءاً من النظام الظالم.

كلمات برسم المسيحيين في لبنان

أيها المستضعفون الشرفاء! إننا نتوجه من خلالكم بكلمات قليلة نضعها برسم المسيحيين في لبنان وبرسم الموارنة على وجه الخصوص. إن السياسة التي ينتهجها زعماء المارونية السياسية من خلال «الجبهة اللبنانية» و «القوات اللبنانية» لا يمكن أن تحقق السلام والاستقرار للمسيحيين في لبنان؛ لأنها سياسة قائمة على العصبية والامتيازات الطائفية والتحالف مع الاستعمار وإسرائيل. ولقد أثبتت المحنة اللبنانية أن الامتيازات الطائفية كانت سبباً رئيسياً من أسباب الانفجار الكبير الذي قوض البلاد، وإن التحالف مع أمريكا وفرنسا وإسرائيل لم يُجْدِ نفعاً للمسيحيين يوم احتاجوا لدعم هؤلاء. ثم إن الأوان قد آن ليخرج المسيحيون المتعصبون من نفق الولاء الطائفي ومن أوهام الاستئثار بالامتيازات على حساب الآخرين، وأن يستجيبوا لدعوة السماء فيحتكموا إلى العقل بدل السلاح وإلى القناعة بدل الطائفة. إننا على يقين بأن رسول الله المسيح ـ عليه الصلاة والسلام ـ براء من المجازر التي ارتكبها الكتائبيون باسمه وباسمكم. وبراء من السياسة الحمقاء التي يعتمدها زعماؤكم للتحكم بنا وبكم. كما وأن رسول الله محمد ) صلى الله عليه وسلم ( هو براء أيضاً ممن يحسب على المسلمين ممن لا يلتزمون بشرع الله ولا يسعون إلى تطبيق أحكامه علينا وعليكم. فإذا ما راجعتم حساباتكم وعرفتم أن مصلحتكم هي ما تقررونه أنتم بمحض اختياركم لا ما يفرض عليكم بالحديد والنار، حينئذٍ نجدد دعوتنا لكم استجابة لقول الله ـ تعالى ـ: {قٍلً يّا أّهًلّ الكٌتّابٌ تّعّالّوًا إلّى" كّلٌمّةُ سّوّاءُ بّيًنّنّا وبّيًنّكٍمً أّلاَّ نّعًبٍدّ إلاَّ الله ولا نٍشًرٌكّ بٌهٌ شّيًئْا ولا يّتَّخٌذّ بّعًضٍنّا بّعًضْا أّرًبّابْا مٌَن دٍونٌ الله فّإن تّوّلَّوًا فّقٍولٍوا اشًهّدٍوا بٌأّنَّا مٍسًلٌمٍونّ}

[آل عمران: 64] .

يا مسيحيي لبنان... إن كان كبر عليكم أن يشارككم المسلمون في بعض شؤون الحكم.. فإنه والله كبر علينا ذلك أيضاً؛ لأنهم يشاركون في حكم ظالم لنا ولكم... وغير قائم على أحكام الدين ولا أسس الشريعة التي اكتملت بخاتم النبيين. وإن كنتم تريدون عدلاً، فمن أوْلى من الله بالعدل؟ وهو الذي أنزل من السماء رسالة الإسلام على امتداد بعثات الأنبياء من أجل أن يحكموا بين الناس بالقسط ويأخذوا لكل ذي حق حقه. وإن كان أحد قد ضللكم وعظم لكم الأمور وخوفكم أن ينالكم منّا ردود فعل على ما ارتكبه الكتائبيون من جرائم بحقنا، فهذا ما لا مبرر لكم فيه أبداً؛ إذ إن المسالمين منكم لا زالوا يعيشون بيننا دون أن يعكر صفوهم أحد. وإن كنّا نقاتل الكتائبيين فلأنهم يشكلون حاجزاً أمام رؤيتكم للحقيقة ويصدونكم عن سبيل الله ويبغونها في الأرض عوجاً بغير حق، وقد استكبروا وعتوا عتواً كبيراً. وإننا نريد لكم الخير وندعوكم إلى الإسلام لتسعدوا في الدنيا والآخرة، فإن أبيتم فما لنا عليكم من سبيل إلا أن تحفظوا عهودكم مع المسلمين ولا تشاركوا في العدوان عليهم. أيها المسيحيون.. حرروا أفكاركم من رواسب الطائفية البغيضة، وجردوا عقولكم من أسر التعصب والانغلاق، وافتحوا بصائركم على ما ندعوكم إليه من الإسلام؛ ففيه نجاتكم وسعادتكم وخير الدنيا والآخرة. ودعوتنا هذه نضعها برسم كل المستضعفين من غير المسلمين، أما المنتسبون للإسلام طائفياً فندعوهم للالتزام بالإسلام عملياً، والترفع عن العصبيات التي يمقتها الدين. ونؤكد للجميع بأن هذا العصر هو عصر انتصار الإسلام والحق، وهزيمة الكفر والباطل، فالتحقوا بركب الحق قبل أن يأتي {ويّوًمّ يّعّضٍَ پظَّالٌمٍ عّلّى" يّدّيًهٌ يّقٍولٍ يّا لّيًتّنٌي اتَّخّذًتٍ مّعّ پرَّسٍولٌ سّبٌيلاْ <27> يّا ويًلّتّى" لّيًتّنٌي لّمً أّتَّخٌذً فٍلانْا خّلٌيلاْ <28> لّقّدً أّضّلَّنٌي عّنٌ الذٌَكًرٌ بّعًدّ إذً جّاءّنٌي وكّانّ الشَّيًطّانٍ لٌلإنسّانٌ خّذٍولاْ}.

[الفرقان: 27 - 29].

قصتنا مع الاستكبار العالمي

أيها المستضعفون الشرفاء... وأما قصتنا مع الاستكبار العالمي فنوجزها لكم بهذه الكلمات: إننا نعتقد أن صراع المبادئ بين أمريكا والاتحاد السوفييتي قد ولى منذ زمن بعيد وإلى غير رجعة... فلقد أخفق الطرفان في تحقيق السعادة للبشرية؛ لأن الفكرة التي قدماها للناس وإن اختلفت من حيث الشكل إلى رأسمالية وشيوعية إلا أنها التقت في المضمون المادي وقصرت عن علاج مشاكل الإنسانية. فلا الرأسمالية الغربية ولا الاشتراكية الشرقية نجحتا في إرساء قواعد المجتمع العادل والمطمئن ، ولا استطاعتا أن تحققا التوازن بين الفرد والمجتمع ولا بين الفطرة البشرية والمصلحة العامة. وتوصل الطرفان إلى إقرار واعتراف متبادل بهذه الحقيقة، وأدركا أنه لم يعد من مجال للصراع الفكري فيما بين المعسكرين...وانعطفا سوياً إلى الصراع حول النفوذ والمصالح مستترين أمام الرأي العام وراء الاختلاف في المبادئ. وفي ضوء هذا الفهم فإننا نرى أن الصراع الفكري بين المعسكرين قد طوي نهائياً، وحل محله صراع المصالح والنفوذ بين دول العالم المستكبر التي يتزعمها اليوم أمريكا والاتحاد السوفييتي. وعلى هذا الأساس فالبلدان المستضعفة باتت هي محكم الصراع، والشعوب المستضعفة أصبحت وقوده. ونحن إذ نعتبر الصراع بين الجبارين ناتجاً طبيعياً للمضمون المادي الذي يدفع كلاً منهما .. إلا أننا لا نستطيع أن نقبل بهذا الصراع على حساب مصالح المستضعفين وبلادهم ونواجه كل أطماع وتدخل في شؤوننا.

وفي الوقت الذي ندين فيه جرائم أمريكا في فيتنام وإيران ونيكاراغوا وغرينادا وفلسطين ولبنان وغيرهما... ندين أيضاً الغزو السوفييتي لأفغانستان، والتدخل في شؤون إيران، ودعم العدوان العراقي وغير ذلك. أما في لبنان ومنطقة فلسطين، فإننا معنيون بمواجهة أمريكا بشكل رئيسي؛ لأنها صاحبة النفوذ الأقوى بين دول الاستكبار العالمي، وكذلك إسرائيل ربيبة الصهيونية العالمية… ومن ثم فإننا معنيون بمواجهة حلفاء أمريكا من دول حلف شمال الأطلسي التي تورطت في مساعدة أمريكا ضد شعوب المنطقة.. ونحذر الدول التي لم تتورط بعد من الانجرار إلى خدمة المصالح الأمريكية على حساب حرية أمتنا ومصالحها.

إسرائيل يجب أن تزول من الوجود

أما إسرائيل فنعتبرها رأس الحربة الأمريكية في عالمنا الإسلامي وهي عدو غاصب تجب محاربته حتى يعود الحق المغصوب إلى أهله. وهذا العدو يشكل خطراً كبيراً على مستقبل أجيالنا ومصير أمتنا خصوصاً أنه يحمل فكرة استيطانية توسعية بدأ تطبيقها في فلسطين المحتلة ويحاول التمدد والتوسع ليبني دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل. وصراعنا مع إسرائيل الغاصبة ينطلق من فهم عقائدي وتاريخي مؤداه أن هذا الكيان الصهيوني عدواني في نشأته وتكوينه وقائم على أرض مغصوبة وعلى حساب حقوق شعب مسلم. ولذا فإن مواجهتنا لهذا الكيان يجب أن تنتهي بإزالته من الوجود، ومن هنا فإننا لا نعترف بأي اتفاق لوقف إطلاق النار ضده، أو أية اتفاقية هدنة معه، أو أية معاهدة سلام منفردة أو غير منفردة.

وندين بشدة كل مشاريع الوساطة بيننا وبين إسرائيل، ونعتبر الوسطاء طرفاً معادياً؛ لأن وساطتهم لن تخدم إلا الإقرار بشرعية الاحتلال الصهيوني لفلسطين. وعلى هذا الأساس نرفض معاهدة كامب ديفيد، ونرفض مشروع فهد، ومشروع فاس، ومشروع ريغان، ومشروع بريجنيف، والمشروع الفرنسي ـ المصري، وكل مشروع يتضمن اعترافاً ولو ضمنياً بالكيان الصهيوني. ونسجل في هذا السياق إدانتنا لكل الدول والمنظمات المنحرفة التي تلهث وراء الحلول الاستسلامية مع العدو وتقبل «بمقايضة الأرض بالسلام» ونعتبر ذلك خيانة لدماء الشعب الفلسطيني المسلم ولقضية فلسطين المقدسة. ومن جهة أخرى فإن الدعوة اليهودية التي أُطلقت أخيراً للاستيطان في جنوب لبنان، وكذلك هجرة اليهود الأثيوبيين وغيرهم إلى داخل فلسطين المحتلة،ننظر إليها على أنها جزء من المشروع الإسرائيلي التوسعي في العالم الإسلامي، ومؤشر فعلي على الخطر الناجم من الاعتراف بهذا الكيان أو التعايش معه.

المقاومة الإسلامية المتصاعدة

وحين نتحدث عن إسرائيل الغاصبة لا بد أن نتوقف عند ظاهرة المقاومة الإسلامية التي انطلقت من المناطق اللبنانية المحتلة لتفرض تحولاً تاريخياً وحضارياً جديداً على مجرى الصراع ضد العدو الصهيوني. فالمقاومة الإسلامية المشرفة التي سطرت ولا تزال أروع الملاحم والبطولات ضد قوات الغزو الصهيوني، وحطمت بإيمان مجاهديها أسطورة إسرائيل التي لا تقهر، واستطاعت أن توقع الكيان الغاصب في مأزق حقيقي من جراء الاستنزاف اليومي له عسكرياً وبشرياً واقتصادياً اضطر قادته أن يعترفوا بقساوة المواجهة التي يلقونها على أيدي المسلمين.

هذه المقاومة الإسلامية لا بد أن تتواصل وتنمو وتتصاعد بعون الله ـ تعالى ـ وأن تلقى من المسلمين جميعاً في كافة أقطار العالم كل الدعم والتأييد والمساندة والمشاركة حتى نستطيع أن نجتث الجرثومة السرطانية ونقتلعها من الوجود. وإذ نصر على تأكيد إسلاميتها فإنما يكون ذلك انسجاماً منا مع واقعها الذي يبدو واضحاً أنه إسلامي في الدافع والهدف والمسلك وعمق المواجهة.. وهذا لا يلغي وطنيتها أبداً بل يؤكدها.. على العكس مما لو طمست إسلاميتها فإن وطنيتها تصبح هشة إلى حد كبير.

نداء من أجل مشاركة إسلامية واسعة

إننا ننتهز الفرصة لنوجه نداءاً حاراً إلى كافة أبناء المسلمين في العالم ندعوهم من خلاله إلى مشاركة إخوانهم في لبنان بشرف القتال ضد الصهاينة المحتلين، إما مباشرة أو من خلال دعم المجاهدين ومساعدتهم.. ذلك أن مقاتلة إسرائيل هي مسؤولية كل المسلمين في كافة الأقطار والمناطق وليست مسؤولية أبناء جبل عامل والبقاع الغربي وحدهم. لقد استطاعت المقاومة الإسلامية بدماء شهدائها وجهاد أبطالها أن ترغم العدو ولأول مرة في تاريخ الصراع ضده على اتخاذ قرار بالتراجع والانسحاب من لبنان دون أي تأثير أمريكي أو غيره، بل على العكس تماماً؛ فإن قرار الانسحاب الإسرائيلي أظهر قلقاً أمريكياً حقيقياً وشكل نقطة انعطاف تاريخية في مجرى الصراع ضد الصهاينة الغاصبين. وأثبت المجاهدون… من خلال مقاومتهم الإسلامية التي شاركت فيها النساء حيث سلاحها الحجارة والزيت المغلي، والأطفال حيث سلاحهم الصراخ والقبضات العارية، والشيوخ حيث سلاحهم الجسد الضعيف والعصا الغليظة.. والشباب حيث سلاحهم البندقية والإرادة الصلبة المؤمنة: هؤلاء جميعاً أثبتوا أن الأمة إذا ما تُرِكت تدير أمرها بحريتها قادرة على أن تصنع المعجزات وتغير المتوهم من الأقدار.

سياسة الارتزاق الحكومي والتفاوض الخياني

ونتوقف قليلاً عند الاستعراضات الحكومية التي تبرز في المواسم محاولة أن توهم الناس بمشاركة الحكم في دعم المقاومة ضد الاحتلال لنعلن بوضوح: أن الدعم الإعلامي والكلامي بات شعبنا يمجه ويحتقر أصحابه.. وإن صدرت بعض التصريحات عن بعض أركان الحكم القائم، فلا يتوهمن أحد أن الجماهير في غفلة عن أن هذه التصريحات لا تمثل موقف الحكم برمته خصوصاً وإن الحكم ليس في وارد أن يزج جيشه لينال شرف المشاركة في التحرير. أما الدعم المالي للمقاومة فليس ذا قيمة؛ إذ لم يصل إلى أيدي المجاهدين سلاحاً وذخيرة ونفقات قتال وما شابهه. وإن شعبنا يرفض سياسة الارتزاق على حساب المقاومة، وسيأتي يوم يحاكم فيه كل الذين تاجروا بدماء الشهداء الأبطال وبنوا لأنفسهم أمجاداً على حساب جروح المجاهدين. ولا يمكننا إلا أن نؤكد بأن سياسة التفاوض مع العدو، وهي خيانة كبرى للمقاومة التي يدعي النظام دعمها وتأييدها، وإن إصرار الحكم على دخول المفاوضات مع العدو لم يكن إلا مؤامرة تستهدف الاعتراف بشرعية الاحتلال الصهيوني ومنحه امتيازاً على ما ارتكبه من جرائم بحق المستضعفين في لبنان. ونقول استطراداً.. إن المقاومة الإسلامية التي أعلنت رفضها الالتزام بأية نتيجة تصدر عن المفاوضات، تؤكد على استمرار الجهاد حتى جلاء الصهاينة عن المناطق المحتلة كمقدمة لإزالتهم من الوجود.

القوات الدولية والدور المشبوه

وإن القوات الدولية التي يسعى الاستكبار العالمي لإحلالها على أراضي المسلمين في المناطق التي سينسحب منها العدو بحيث تشكل حاجزاً أمنياً يعرقل تحرك المقاومة ويحفظ أمن إسرائيل وقواتها الغازية هي قوات متواطئة ومرفوضة... وقد نضطر إلى معاملتها كما نعامل قوات الغزو الصهيوني على حد سواء. وليعلم الجميع أن التزامات النظام الكتائبي المفروض لا تلزم بأي شكل من الأشكال مجاهدي المقاومة الإسلامية،وعلى الدول أن تفكر ملياً قبل أن تتورط في المستنقع الذي غرقت فيه إسرائيل.

أنظمة الانهزام العربي(*)

وأما الأنظمة العربية المتهافتة على الصلح مع العدو الصهيوني فهي أنظمة عاجزة وقاصرة عن مواكبة طموح الأمة وتطلعاتها، ولا تستطيع أن تفكر بمواجهة الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين؛ لأنها نشأت في ظل وصاية استعمارية كان لها الدور الأكبر في تكوين هذه الأنظمة المهترئة. إن بعض الحكام الرجعيين خصوصاً في الدول النفطية، لا يتورعون أن يجعلوا من بلدانهم قواعد عسكرية لأمريكا وبريطانيا، ولا يخجلون من الاعتماد على خبراء أجانب يعينونهم في مناصب رسمية عليا، وينفذون ما تقرره لهم دوائر «البيت الأبيض» من سياسة تهريب الثروات وتوزيعها على المستعمرين بأساليب شتى.

ويدعي بعضهم أنه حامي الشريعة الإسلامية ليغطي خيانته وليبرر استسلامه لإرادة أمريكا، وفي الوقت نفسه يعتبر عبور كتاب إسلامي ثوري واحد إلى بلاده أمراً محرماً وممنوعاً. ونتيجة لسياسة الانهزام التي تتبعها هذه الأنظمة الرجعية تجاه إسرائيل، فقد استطاعت هذه الأخيرة أن تقنع الكثيرين منها بأنها أصبحت أمراً واقعاً، لا مجال لعدم الاعتراف بها فضلاً عن الإقرار بضرورة الالتزام بتوفير أمنها. وسياسة الانهزام هذه هي التي شجعت السادات المقبور أن يرتكب خيانته الكبرى فيبادر إلى مصالحة إسرائيل وتوقيع معاهدة الذل معها. وسياسة الانهزام هذه هي التي تحكم مجلس التعاون الخليجي ومحور الأردن ـ مصر والعراق والمنظمة العرفاتية. وسياسة الانهزام أمام أمريكا هي التي توجه موقف الحكام الرجعيين من الحرب العدوانية المفروضة على جمهورية الإسلام في إيران، وتقف وراء الدعم غير المحدود لصدام العميل، على مستوى التمويل والتموين الاقتصادي والعسكري ظناً منهم أن النظام التكريتي المتصهين يمكنه أن يقضي على الثورة الإسلامية ويمنع من انتشار وهجها الثوري ومفاهيمها. وسياسة الانهزام هذه هي التي تدفع الأنظمة الرجعية إلى تجهيل الناس وتمييعهم وتذويب شخصيتهم الإسلامية وقمع أي تحرك إسلامي مناهض لأمريكا وحلفائها في بلادهم، كما أنها هي التي تدفعها إلى الخوف من يقظة المستضعفين ومنعهم من التدخل في شؤون السياسة لما في ذلك من خطر كبير على بقاء تلك الأنظمة ناتج عن وعي الشعوب على فساد حكوماتها وارتباطاتها المشبوهة، وعن تعاطف هذه الشعوب مع حركات التحرر في كافة أنحاء العالم الإسلامي والعالم. إننا نجد في الأنظمة العربية الرجعية ما يشكل حاجزاً أمام تنامي وعي الشعوب الإسلامية ووحدتها، ونعتبرها مسؤولة عن عرقلة المحاولات التي تستهدف إبقاء الجرح مفتوحاً والصراع مستمراً مع العدو الصهيوني. وأملنا كبير بالشعوب المسلمة التي بدأت تبدي تذمرها بوضوح في معظم البلاد الإسلامية، واستطاعت أن تتسلل إلى عالم الثورات لتستفيد من تجاربها وخصوصاً من الثورة الإسلامية الظافرة... وسيأتي اليوم الذي تتساقط فيه هذه الأنظمة الهشة أمام قبضات المستضعفين كما تساقط عرش الطاغوت في إيران. ولا بد ونحن نخوض معركة شرسة ضد أمريكا وإسرائيل ومخططاتهما في المنطقة، إلا أن نحذر هذه الأنظمة الرجعية من العمل بالشكل المعاكس لتيار الأمة الناهض والمقاوم للاستعمار والصهيونية، وعليها أن تتعلم من المقاومة الإسلامية في لبنان دروساً كبيرة في الإصرار على مقاتلة العدو حتى إلحاق الهزيمة به. كما أننا نحذر هذه الأنظمة من التورط بمشاريع استسلام جديدة، وبمشاريع عدوانية تستهدف الثورة الإسلامية الفتية.. لأن ذلك سيؤول بأقطاب هذه الأنظمة إلى نفس المصير الذي لاقاه أنور السادات ومن قبله نوري السعيد وغيرهما.

جبهة عالمية للمستضعفين

ونتوجه إلى كافة الشعوب العربية والإسلامية لنعلن لها أن تجربة المسلمين في إيران الإسلام لم تبق عذراً لأحد، حين أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الصدور العارية المدفوعة بإرادة الإيمان قادرة بعون الله الكبير أن تحطم كل حديد الأنظمة الطاغوتية وجبروتها. (لذا فإننا ندعو هذه الشعوب لتوحد صفوفها وترسم أهدافها وتنهض لكسر القيد الذي يطوق إرادتها، وتسقط الحكومات العميلة التي تتسلط عليها. ونلح على جميع المستضعفين في العالم بضرورة تشكيل جبهة عالمية لهم تضم كافة حركاتهم التحررية بهدف التنسيق فيما بينها تنسيقاً كاملاً شاملاً من أجل تأمين الفعالية لتحركها والتركيز على نقاط ضعف أعدائها. فإذا كان العالم المستعمر بكافة دوله وأنظمته يجتمعون اليوم على حرب المستضعفين... فإن على المستضعفين أن يجتمعوا لمواجهة مؤامرات قوى الاستكبار في العالم. وعلى كافة الشعوب المستضعفة وخصوصاً الشعوب العربية والإسلامية أن تدرك بأن الإسلام وحده هو المؤهل ليكون الفكر المقاوم للعدوان بعدما أثبتت التجارب أن كل الأفكار الوضعية قد طويت إلى الأبد لمصلحة التوافق الأمريكي مع السوفيات وغيرهم. وقد آن الأوان لندرك أن كل الأفكار الغربية عن أصالة الإنسان وفطرته لا يمكن أن تستجيب لطموحاته أو تنقذه من ظلمات الضلال والجاهلية.. وحده الإسلام يحقق نهوض الإنسان وتقدمه وإبداعه لأنه {يٍوقّدٍ مٌن شّجّرّةُ مٍَبّارّكّةُ زّيًتٍونّةُ لاَّ شّرًقٌيَّةُ ولا غّرًبٌيَّةُ يّكّادٍ زّيًتٍهّا يٍضٌيءٍ ولّوً لّمً تّمًسّسًهٍ نّارِ نٍَورِ عّلّى" نٍورُ يّهًدٌي اللَّهٍ لٌنٍورٌهٌ مّن يّشّاءٍ} [النور: 35].

الله في وحدة المسلمين

يا أيتها الشعوب المسلمة حاذري من الفتنة الاستعمارية الخبيثة التي تستهدف تمزيق وحدتك لتزرع الشقاق فيما بينك وتثير العصبيات المذهبية السنية والشيعية. واعلمي أن الاستعمار ما استطاع أن يسيطر على ثروات المسلمين إلا بعد أن سعى في صفوفهم تمزيقاً وتفريقاً.. يثير السنة على الشيعة، ويحرض الشيعة على السنة، وأوكل هذه المهمة فيما بعد إلى عملائه من حكام البلاد حيناً ومن علماء السوء أحياناً ومن الزعامات التي سلطها على رقاب العباد. فاللهَ اللهَ في وحدة المسلمين ... فإنها الصخرة التي تتحطم عليها خطط المستكبرين والمطرقة التي تسحق مؤامرات الظالمين. فلا تَدَعوا لسياسة «فرق تسد» أن تمارَس في بلادكم وقاوموها بالالتفاف حول القرآن الكريم. {واعًتّصٌمٍوا بٌحّبًلٌ الله جّمٌيعْا ولا تّفّرَّقٍوا} [آل عمران: 103]. {إنَّ الذٌينّ فّرَّقٍوا دٌينّهٍمً وكّانٍوا شٌيّعْا لَّسًتّ مٌنًهٍمً} [الأنعام: 159]. {واذًكٍرٍوا نٌعًمّتّ الله عّلّيًكٍمً إذً كٍنتٍمً أّعًدّاءْ فّأّلَّفّ بّيًنّ قٍلٍوبٌكٍمً فّأّصًبّحًتٍم بٌنٌعًمّتٌهٌ إخًوّانْا وكٍنتٍمً عّلّى" شّفّا حٍفًرّةُ مٌَنّ پنَّارٌ فّأّنقّذّكٍم مٌَنًهّا} [آل عمران: 103].

يا علماء الإسلام

وأنتم يا علماء الإسلام فإن مسؤوليتكم كبيرة جداً بحجم المصائب التي تحل بالمسلمين... وأنتم خير من يقوم بواجبه في قيادة الأمة نحو الإسلام... وفي توعيتها على ما يخطط له الأعداء للسيطرة عليها ونهب ثرواتها واستعبادها.. ولا شك أنكم تدركون أن المسلمين ينظرون إليكم بصفتكم حملة الأمانة من رسول الله ) صلى الله عليه وسلم ( وبصفتكم ورثة الأنبياء والمرسلين .. فكونوا القدوة في الترفع عن بهارج الحياة الدنيا وزخرفها والتوق إلى الجنة والشهادة في سبيل الله. ولكم في رسول الله أسوة حسنة حيث كان يجوع مع الناس ويشبع مع الناس، وكان يؤم المصلين في المسجد ويتقدم صفوفهم في ساحات الجهاد. وكان ملجأ لهم في المهمات يستدفئون بتوجيهاته وحلوله وينقادون له واثقين مطمئنين. يا علماء الإسلام... إن الإمام الخميني القائد أكد مراراً على ضرورة صلاح العالِم واهتمامه بتزكية نفسه قبل الآخرين، وقال في أكثر من مقام: (إن الناس إذا عرفوا أن صاحب حانوت غير صالح، فيقولون إن فلاناً غير صالح، وإذا عرفوا أن تاجراً يغش الناس، فيقولون إن فلاناً غشاش، أما إذا عرفوا أن عالم الدين ـ لا سمح الله ـ غير صالح فإنهم سيقولون إن الدين غير صالح). فيا علماء الإسلام... لهذا الأمر وغيره... فإن مسؤوليتكم كبيرة جداً، فاستعينوا بالله على القيام بها وادعوا الله ـ عز وجل ـ بدعاء الإمام علي (عليه الصلاة والسلام): «اللهم إنا لا نسألك حملاً خفيفاً بل نسألك ظهراً قوياً» وستجدون الأمة خير مستجيب لنداءاتكم وتوجيهاتكم وقيادتكم. واعلموا أن موقعيتكم في الأمة قد عرف المستعمر أهميتها ولذا فإنه وجَّه أقوى طعناته إلى صدور العلماء المجاهدين... فدبر مؤامرة شيطانية لإخفاء الإمام السيد موسى الصدر بعدما أحس أنه عقبة كأداء في وجه مخططاته العدوانية ... وقتل الفيلسوف الإسلامي الشيخ مرتضى مطهري... وأعدم المرجع الإسلامي الكبير آية الله السيدمحمد باقر الصدر حيث أحس منه بخطورة موقفه الذي جسده بهذه الكلمات: «ذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب في الإسلام» وها هو يتربص الدوائر بكل عالم ديني يقوم بواجبه الإسلامي خير قيام. ومـن ناحية أخرى راح الاستعمار يختـرق المسلمين بـوعاظ للسلاطين لا يخافون الله ويفتون بما لا مجال فيه للفتوى فيجيزون الصلح مع إسرائيل ويحرمون قتالها ويبررون خيانة الحكام الظالمين. وما كان المستعمر ليفعل ذلك لولا أهمية تأثير العالم الديني على الناس. من هنا فإن من أهم مسؤولياتكم ـ يا علماء الإسلام ـ أن تربوا المسلمين على الالتزام بأحكام الدين، وتوضحوا لهم الخط السياسي الذي يسيرون على هديه، وتقودوهم نحو العزة والرفعة... وتهتموا بالحوزات العلمية بحيث تستطيع أن تخرِّج قادة مخلصين لله وحريصين على نصرة الدين والأمة.

كلمة أخيرة حول المنظمات الدولية

وأخيراً لا بد من كلمة حول المنظمات والهيئات الدولية كمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وغير ذلك. فإننا نسجل أن هذه المنظمات ليست منبراً للأمم المستضعفة بشكل عام وتبقى عديمـة الفاعليـة بسبب هيمنة دول الاستكبار العالمـي على قراراتها إجراءاً أو تعطيلاً. وما حق النقض ـ الفيتو ـ الذي تحظى به بعض الدول ألا دليلاً على صحة ما نقول.. (ومن هنا فإننا لا نتوقع أن يصدر عن هذه المنظمات ما يخدم مصلحة المستضعفين، وندعو كل الدول التي تحترم نفسها إلى تبني مشروع إلغاء حق النقض الفيتو لدول الاستكبار.. كما ندعوهم إلى تبني مشروع طرد إسرائيل من الأمم المتحدة باعتبارها كياناً غاصباً وغير مشروع فضلاً عن كونه معادياً للنزعة الإنسانية. أيها المستضعفون الأحرار... هذه هي تصوراتنا وأهدافنا، وهذه هي القواعد التي تحكم مسيرتنا؛ فمن قبلنا بقبول الحق فالله أوْلى بالحق، ومن رد علينا نصبر حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الظالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته حزب الله

----------------------------------
(*) بالنظر إلى هذه الفقرة من ميثاق الحزب، وإلى واقع الحزب الآن، وموقفه من الدعم العربي الكامل له، وبشتى أنواع الدعم، وكان أبرزه ما كان من اجتماع وزراء الخارجية العرب في لبنان في بدايات عام 2000م، لوقارنا بين هذه الفقرة وهذا التحول في موقف الحزب، لكان كفيلاً ببيان منهج الحزب وتقلباته.

الخاتـمة

مع النهاية لا بد أن السؤال المطروح في صدر الفصل الرابع: «فدائيون أم عملاء» قد أجيب عنه، وبغضِّ النظر عن النتيجة التي سيصل إليها قارئ هذا الكتاب، فستبقى تجربة «حزب الله» تستحق الاهتمام؛ حيث إن كثيراً من الناس، بل من المتابعين لشؤون الحركة السياسية الإسلامية، لم يكونوا مطلعين على هذه التجربة. فعلى الحركة الإسلامية «السنية» أن تنظر إلى هذه التجربة بشكل عملي للاستفادة من الإيجابيات وتحاشي السلبيات. فقد كان من أجلى إيجابيات «حزب الله» أو التجربة الشيعية في لبنان، ذلك النفس الطويل في العمل والحركة، مما أدى في نهاية التجربة إلى الوصول إلى نتيجة مرضية جداً مقارنة بالأهداف المرسومة أولاً، كذلك فإن من أبين ما يظهر من خلال ما سبق، هو أن دفة القيادة كانت بيد علمائهم، ولم يكن هؤلاء بمعزل عما يحدث في العالم، بل كانوا ساسة فقهاء موجهين لشؤون الدولة. كما كان هناك ملحظ هام، وهو ذلك الترابط الوثيق ـ في مرحلة طويلة ـ بين الملالي والمثقفين المنتسبين للحركة الدينية، فلم يظهر ذلك الفصام النكد إلا في مرحلة متأخرة لأسباب أخرى. كما أن من الإيجابيات التي ينبغي النظر إليها باهتمام شديد: الإعداد العلمي الهادئ الذي استمر مدة زمنية طويلة؛ حيث كان أساس الحركة ومنطلقها.

وقد تميزت التجربة بالاهتمام بعامة الناس بشكل كبير، مما أدى إلى اصطفافها وراء الحزب عاطفة وتأييداً ودعماً ومساندة، بيد أن الملحظ هنا أن الحزب خُلِّيَ بينه وبين الناس، وهو ما لم يتوفر للحركات السنية، وهذه الأخيرة لا يسعها ما وسع «حزب الله» من انحرافات وتقلبات في المنهج العلمي والحركي، ولا يسعها تبدل الولاءات، ولا أن تكون «أداة أو ورقة» في يد من له يد طولى في الواقع الذي تحياه، فلا يسعها إلا أن تكون راية تحت لواء الشريعة الحاكمة من قِبَلِ أهل الولاية الشرعية. وأخيراً: تبقى هذه الصفحات محاولة لدراسة حركة سياسية عسكرية تنتسب إلى العمل الإسلامي، ولا أزعم فيها الإحاطة والاستقصاء؛ ولذلك فإن التجربة ما زالت بحاجة إلى من يعيد النظر فيها يزيد أو ينقص. وإن صدر صاحب هذه الكلمات ليتسع لكل قول ناصح أمين. أسأل المولى ـ عز وجل ـ أن يجعل أعمالنا لوجهه خالصة، وأن يتجاوز عن زللنا وتقصيرنا. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المؤلف

 

ثبت المـراجع

1ـ الأسد، صراع على الشرق الأوسط، باتريك سيل، دار الساقي، لندن، الطبعة الثانية، 1989م
2 ـ انتصار الحق، مناظرة علمية مع بعض الشيعة الإمامية، مجدي محمد علي، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، 1418هـ ـ 1997م.
3 ـ اضطراب ونصر، مذكرات جورج شولتز، ترجمة: محمد محمود دبور، محمود العابد، عمار جولان، الأهلية للنشر والتوزيع ـ عمان، الطبعة الأولى، 1414هـ ـ 1994م.
4 ـ الانقلاب على الطائف، ألبير منصور، دار الجديد، بيروت، الطبعة الأولى، 1993م.
5 ـ إيران: تحديات العقيدة والثورة، د. مهدي شحادة ـ د. جواد بشارة، مركز الدراسات العربي ـ الأوروبي، الطبعة الأولى 1999م.
6 ـ إيران: دراسة عن الثورة والدولة، د. وليد عبد الناصر، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1418هـ ـ 1997م.
7 ـ إيران والخليج: البحث عن الاستقرار، إعداد: جمال سند السويدي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الطبعة الأولى، 1996م.
8 ـ أحوال أهل السنة في إيران، عبد الله محمد الغريب، الطبعة الثانية، 1411هـ.
9 ـ أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية، د. ناصر بن عبد الله القفاري، الطبعة الأولى، 1414هـ ـ 1993م.
10 ـ أمل والشيعة، نضال من أجل كيان لبنان، أ.ر. نورثون، ترجمة: غسان الحاج عبد الله، دار بلال، الطبعة الأولى، 1408هـ ـ 1988م.
11 ـ أمل والمخيمات الفلسطينية، عبد الله محمد الغريب، الطبعة الثالثة، 1409هـ ـ 1988م.
12 ـ الإسلام الشيعي عقائد وأيديولوجيات، يان ريشار، ترجمة: حافظ الجمالي، دار عطية للنشر والترجمة والتأليف، بيروت، الطبعة الأولى، 1996م.
13 ـ الإسلام والكونجرس الأمريكي، د. أحمد إبراهيم خضر، حلقات مسلسلة نشرت في مجلة المجتمع الكويتية من العدد 915 وحتى العدد: 974.
14 ـ برتوكولات آيات قم حول الحرمين الشريفين، د. عبد الله الغفاري، الطبعة الثانية، 1411هـ.
15 ـ تاريخ جبل عامل، محمد جابر آل صفا، دار النهار، بيروت، الطبعة الثالثة، 1998م.
16 ـ تاريخ لبنان الحديث، كمال سليمان الصليبي، دار النهار، بيروت، الطبعة السابعة، 1991م.
17 ـ تجربة الإسلام السياسي، أوليفيه روا، ترجمة: نصير مروة، دار الساقي، لندن، الطبعة الثانية،
1996م.
18 ـ تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه، أحمد الكاتب، دار الجديد، بيروت، الطبعة الأولى، 1998م.
19 ـ تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية، مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي، د. محمد جابر الأنصاري، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 1995م.
20 ـ التيارات السياسية في لبنان 1943 ـ 1952م، مع دراسة للعلاقات اللبنانية ـ العربية، والعلاقات اللبنانية ـ الدولية، د. حسان حلاق، الدار الجامعية، 1988م.
21 ـ الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، محمد خير هيكل، دار البيارق، بيروت، الطبعة الأولى ، 1993م
22 ـ الجهاد في سبيل الله حزب الله نموذجاً، محمد مورو، مركز يافا للدراسات والأبحاث، القاهرة ، 1996م
23 ـ حرب الألف عام في لبنان، جوناثان راندال ، ترجمة فندي الشعار، دار المروج، 1984م.
24 ـ الحرس الثوري الإيراني. نشأته وتكوينه ودوره، كينيث كاتزمان، ترجمة مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الطبعة الأولى 1996م.
25 ـ حقيقة الشيعة، عبد الله بن عبد الله الموصلي، مؤسسة صلاح الدين الخيرية، لندن، الطبعة السادسة، 1998م.
26 ـ حوار مع السيد محمد حسين فضل الله، خالد اللحام، دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1413هـ ـ 1993م.
27 ـ الحركة الإسلامية هموم وقضايا، محمد حسين فضل الله، دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1412هـ ـ 1991م.
28 ـ الحركات الإسلامية في مصر وإيران، رفعت سيد أحمد، سينا للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1989م
29. الخاتمية، المصالحة بين الدين والحرية، محمد صادق الحسيني، دار الجديد، لبنان، الطبعة الأولى 1999م
30 ـ خلفية صراع أهل الأديان حول فلسطين ولبنان، محمد عثمان صالح، مكتبة ابن القيم، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1989م.
31 ـ الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الإثني عشرية، السيد محب الدين الخطيب، الطبعة العاشرة، 1989م.
32 ـ دراسة تحليلية في العمليات الاستشهادية في جنوب لبنان ـ سعد أبو دية، عمان، الطبعة الأولى، 1986م
33 ـ دور الشعوبيين الباطنيين في محنة لبنان، محمد عبد الغني النواوي، الطبعة الأولى، 1989م.
34 ـ دولة حزب الله، لبنان مجتمعاً إسلامياً، وضاح شرارة، دار النهار للنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1996م.
35 ـ الدين والدولة، محمد خاتمي، الدار العالمية للكتب والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى 1998م.
36 ـ رجال الشيعة في الميزان، عبد الرحمن عبد الله الزرعي، مؤسسة صلاح الدين الخيرية، لندن، الطبعة الثانية، 1998م.
37 ـ سقوط الجولان، خليل مصطفى، دار النصر للطباعة الإسلامية، القاهرة.
38 ـ سوريا وإيران تنافس وتعاون، تأليف، أحمد خالدي، حسين ج.آ. غا، ترجمة عدنان حسن، دار الكنوز الأدبية، بيروت، الطبعة العربية الأولى، 1997م.
39 ـ الشيعة وأهل البيت، إحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة، باكستان.
40 ـ الشيعة والقرآن، إحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة، باكستان، الطبعة الثالثة 1983م.
41 ـ الشيعة في الميزان، محمد جواد مغنية، دار التيار الجديد، دار الجواد، بيروت، الطبعة العاشرة، 1989م
42 ـ الشيعة والتشيع فرق وتاريخ، إحسان إلهي ظهير، إدارة ترجمان السنة، باكستان، الطبعة الأولى، 1984م.
43 ـ الشيعة والتصحيح، الصراع بين الشيعة والتشيع، موسى الموسوي.
44 ـ رؤية إسلامية في الصراع العربي الإسرائيلي، محمد عبد الغني النواوي، الطبعة الأولى، 1983م.
45 ـ الطائفية اللبنانية من النشأة حتى الأزمة، محمود حسن عبد العزيز الصراف، دار الهداية.
46 ـ الطائفية والحكم في لبنان، جمال الألفي، دار الهلال.
47 ـ طريقة حزب الله في العمل الإسلامي، علي الكوراني
48 ـ العلامة فضل الله وتحدي الممنوع، علي حسن سرور، الشركة العامة للخدمات الإنمائية، الطبعة الأولى، 1413هـ.
49 ـ العرب ودول الجوار الجغرافي، عبد المنعم سعيد، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 1987م
50 ـ العالم العربي الحديث (منذ الحرب العالمية الثانية) د. جلال يحيى، دار المعارف، 1981م.
51 ـ العلاقات العربية الإيرانية الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل، مجموعة من الباحثين، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1996م.
52 ـ الغرباء في خطاب اللبنانيين، عن الحرب الأهلية، مارلين نصر، دار الساقي، الطبعة الأولى 1996م.
53 ـ الفقه السياسي في إيران وأبعاده، د. محمد السعيد عبد المؤمن، هجر للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1409هـ ـ 1989م.
54 ـ كربلاء الجديدة، أيام مع المقاومة في جنوب لبنان، محمد القدوسي، اللجنة العربية لمساندة المقاومة الإسلامية في لبنان، الطبعة الأولى، 1998م.
55 ـ كسر الصنم، نقض كتاب أصول الكافي، أبو الفضل ابن الرضا البرقعي، ترجمة: عبد الرحيم ملا زاد البلوشي، دار البيارق، عمان، الطبعة الأولى، 1419هـ ـ 1998م.
56 ـ المثلث الإيراني، العلاقات السرية الإسرائيلية الإيرانية الأمريكية، شموئيل سيحف، ترجمة، غازي السعدي، دار الجليل للنشر، عمان، الطبعة الأولى، 1983م.
57 ـ المسألة الثقافية في لبنان، الخطاب السياسي والتاريخ، د. وجيه كوثراني، منشورات بحسون الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى، 1404هـ ـ 1984م.
58 ـ مسار الدعوة الإسلامية في لبنان خلال القرن الرابع عشر الهجري، الشيخ حسن خالد، دار الدعوة، بيروت، الطبعة الأولى، 1400هـ ـ 1980م.
59 ـ المسيحيون والعروبة، رياض نجيب الريس، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت.
60 ـ معاً من أجل الجنوب، من أجل لبنان، وقائع ومقررات المؤتمر الثقافي النقابي الأول في لبنان من أجل الجنوب، المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، بيروت، 1979م.
61 ـ منطلق تاريخ لبنان، كمال سليمان الصليبي، نوفل للنشر،بيروت، الطبعة الثانية، 1992م.
62 ـ النزاعات الطائفية في تاريخ لبنان الحديث، هاني فارس، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1980م.
63 ـ النصوص الفاضحة لعقائد الشيعة الإثني عشرية، عبد الكـريم محمد عبد الرؤوف، دار الفرات والنيل، القاهرة، الطبعة الأولى، 1413هـ ـ 1993م.
64 ـ النظام الإقليمي العربي، دراسة في العلاقات السياسية العربية، جميل مطر، د. علي الدين هلال، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثالثة، 1983م.
65 ـ ويل للعرب، مغزى التقارب الإيراني مع الغرب والعرب، عبد المنعم شفيق، دار الطيب، القاهرة، الطبعة الأولى، 1420هـ ـ 1999م.
66 ـ وجاء دور المجوس، الأبعاد التاريخية والعقائدية والسياسية للثورة الإيرانية، عبد الله محمد الغريب، الطبعة السادسة، 1408هـ ـ 1988م.
67 ـ وانتصرت المقاومة، مجدي أحمد حسين، مركز يافا للدراسات والأبحاث، 1996م. 68 ـ يا شيعة العالم استيقظوا. د. موسى الموسوي.

المجلات والدوريات والصحف:

1 ـ مجلة المقاومة، تعنى بأخبار وشؤون المقاومة الإسلامية بلبنان، مركز يافا للدراسات والأبحاث، القاهرة.
2 ـ مجلة الباحث، مجلة محكمة، بيروت.
3 ـ كراسات استراتيجية، تصدر عن مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية.
4 ـ مختارات إسرائيلية، تصدر عن مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية.
5 ـ مجلة شؤون الأوسط.
6 ـ مجلة الوسط.
7 ـ مجلة المجلة.
8 ـ مجلة المشاهد السياسي.
9 ـ مجلة الأهرام العربي.
10 ـ مجلة السياسة الدولية.
11 ـ مجلة المجتمع الكويتية.
12 ـ مجلة الشراع.
13 ـ جريدة الخليج الإماراتية.
14 ـ جريدة البيان الإماراتية.
15 ـ جريدة الوطن الكويتية.
16 ـ جريدة الحياة.
17 ـ جريدة الشرق الأوسط.
18 ـ جريدة الأنباء الكويتية.
19 ـ جريدة النهار اللبنانية.
20 ـ جريدة السفير اللبنانية.
21 ـ جريدة الأهرام المصرية.
22 ـ جريدة الشعب القاهرية.
23 ـ دورية قراءات.
24 ـ دورية النافذة.
25 ـ جريدة الجرائد العالمية.
مواقع على شبكة الإنترنت:

ـ المقاومة:http://www.moqawama.org
ـ حزب الله: http://www. hizbollah.org
ـ جريدة العهد: http://www.alahed.org
ـ تلفزيون المنار: http://www. almanar.com.lb
ـ المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى: http://www.shiitecouncil.gov.lb

عدد مرات القراءة:
8572
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :