جديد الموقع

نقد تفسير الشيعة لآية التطهير قرآنيًا وحديثيًا - القعقاع العراقي ..
الكاتب : القعقاع العراقي ..

نقد تفسير الشيعة لآية التطهير قرآنيًا وحديثيًا

 
المبحث الأول: المقصود ب «أهل البيت»
إن النص الكريم ليس آيةً كما ادعوا، بل هو جزءٌ من آية، لكن كالعادة يقتطعها الشيعي من السياق القرآني! فالآية الكريمة بكاملها هي: { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } الأحزاب: 33
وهي ضمن آيات موجهة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، إذ يقول تبارك وتعالى ما قبل النص وبعده: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا • وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا • يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا • وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا • يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفًا • وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا • وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } 28-34
 
وقد استدل بعضهم على استقلالية النص (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) بما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها، قال علّامتهم المعاصر جعفر السبحاني: ( أطبقت الروايات المنتهية إلى الأصحاب وأُمّهات المؤمنين والتابعين لهم بإحسان على نزولها مستقلة ، سواء أقلنا بنزولها في حق العترة الطاهرة أو زوجات النبي أو أصحابه ، فالكل ـ مع قطع النظر عن الاختلاف في المنزول فيه ـ اتفقوا على نزولها مستقلة ، وقد مضت النصوص عن الطبري و « الدر المنثور » والصحاح ترى أنّ أُمَّ سلمة تقول : نزلت في بيتي ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )... وعلى ذلك تسهل مخالفة السياق ، والقول بنزولها في حق العترة الطاهرة ، وانّ الصدر والذيل راجعان إلى نسائه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ما ورد في ثناياها ، فهو راجع إلى غيرهن ) (1).
وهذا واضح البطلان فأن نزول كلام معيّن لا يعني بالضرورة أنه آية مستقلة، فقول الصحابي " نزلت هذه الآية " قد يعني به جزءًا من آية، وإليك الأدلة:
- قال ابن عباس: نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} هي آخِرُ ما نَزَلَ، وما نَسَخَهَا شَيءٌ (2).
قلتُ: ومن المعلوم أنها جزء من آية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} النساء: 93
 
- قالت عائشة: نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ {وَلَا تَجْهَرْ بصَلَاتِكَ ولَا تُخَافِتْ بهَا} في الدُّعَاءِ (3).
قلتُ: ومن المعلوم أنها جزء من آية: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} الإسراء: 110
 
وغيرهما الكثير
 
وعليه فإن النص الكريم هذا: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) قد نزل بنساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك لموضع النص الواقع في سياق الآيات الموجهة لنساء النبي، ووجود ميم الجمع بدلًا من نون النسوة في قوله ( منكم ) لا يضر، فلم تذكّر لإخراج النساء بل لإدخال غيرهن، كعلي والحسنين، وإلا لما كانت فاطمة من أهل البيت! رضي الله عنهم، فهي - ميم الجمع - لغويًا تشمل الذكر والأنثى معًا، ولهذا قال العلامة الشنقيطي : ( فإن قيل: إن الضمير في قوله : ( ليذهب عنكم الرجس )، وفي قوله : ( ويطهركم تطهيرا )، ضمير الذكور ، فلو كان المراد نساء النبي صلى الله عليه وسلم لقيل : ( ليذهب عنكن ويطهركن ) .
فالجواب من وجهين:
الأول : الآية الكريمة شاملة لهن ولعلي والحسن والحسين وفاطمة ، وقد أجمع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجموع ونحوها .
الوجه الثاني: هو أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل ، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر ، ومنه قوله تعالى في موسى : ( فقال لأهله امكثوا )، وقوله : ( سآتيكم ) وقوله : ( لعلي آتيكم ) والمخاطب امرأته ; كما قاله غير واحد ) (4).
 
وكما قال، وأيضًا منه قوله تعالى: ( اهبطوا) في خطاب الله لآدم وحواء عليهما السلام في قوله تعالى: { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } سورة البقرة: 36 
ومنه قوله تعالى على لسان نبيه إبراهيم عليه السلام وهو يخاطب زوجته بقوله تعالى: { قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ } سورة هود: 73
فهنا خاطب إبراهيم زوجته بقوله " أهل البيت " مما يعني أن الزوجة من أهل البيت، وخاطبها أيضًا بميم الجمع.
فليس للشيعي أن يخرج نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مصطلح أهل البيت لتذكير الضمير، وإلا لخرجت فاطمة كما قلنا!
 
وقد أتى محققهم جعفر السبحاني بكلام غريب، فقال: ( وقد حاول القرطبي التقصّي عن الإشكال فقال: إنّ تذكير الضمير يحتمل لأن يكون خرج مخرج »الأهل«كما يقول لصاحبه: كيف أهلك، أي امرأتك ونساؤك؟ فيقول: هم بخير، قال اللَّه تعالى: »أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ« (سورة هود - 73) .
ولكن المحاولة فاشلة فانّ ما ذكره من المثال على فرض سماعه من العرب، إنّما إذا تقدّم «الأهل» وتأخّر الضمير، دون العكس كما في الآية، فإنّ أحد الضميرين مقدّم على لفظ «الأهل» في الآية كما يقول:«عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ».
وأمّا الاستشهاد في الآية فغير صحيح، لأنّ الخطاب فيها لإبراهيم وزوجته، فيصح التغليب تغليب الأشرف على غيره في الخطاب والمفروض في المقام أنّ الآية نزلت في زوجاته ونسائه خاصة فلا معنى للتغليب ) ا.هـ
وقريبٌ منه جعفر مرتضى العاملي: ( إن كلمة «أهل» في آية التطهير تابعة لكلمة «عنكم»، والتابع لا يؤثر في المتبوع لا تذكيراً ولا تأنيثاً.
والقول: بأن كلمة عنكم أيضاً تابعة لـ«أهلٍ» آخر منتزع من النساء.
لا يصح، إذ لو صح لاقتضى أن تكون الضمائر السابقة في الآية أيضاً بالتذكير، مع أنها كلها قد جاءت بالتأنيث. فما هو وجه العدول في ذيل الآية إلى التذكير؟!.
أما بالنسبة لآية: (رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)، فإنما يقصد بها الذكور، وهم أهل بيت إبراهيم، ودخول المرأة فيهم ربما يكون للتغليب والتجوز، فالقياس عليه في غير محله. لأن التغليب مع قيام القرينة عليه مما لا ينكره أحد.
وهكذا الحال بالنسبة لقوله تعالى: (قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا).
وكذا يقال بالنسبة لقول الرجل لصاحبه: كيف أهلك يريد زوجته، فيقول: هم بخير. فإنه مما قامت القرينة على تعيين المراد منه. ومع وجود القرينة، لا يوجد إشكال، ولا هو محل كلام أو جدال
هذا بالإضافة إلى وجود فرق في الاستعمال: بين أهل الرجل وأهل بيت الرجل، فإن إطلاق كلمة «أهل» على الزوجة، لا يلزم منه صحة إطلاق كلمة «أهل البيت» عليها.
وقد تقدم في روايات حديث الكساء، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد نفى أن تكون أم سلمة من «أهل البيت»، ولكنه قرر: أنها من أهله.
بل ربما يكون دخول زوجة إبراهيم في «أهل البيت» في قوله تعالى: (رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)، من جهة أنها كانت ابنة عم إبراهيم (عليه السلام). فهي داخلة في «أهل البيت» من جهة النسب لا من حيث كونها زوجة. ولا أقل من الشك في ذلك ) ا.هـ (5).
 
يفهم من كلامهما الاعتراض من عدة نقاط:
1- أن التغليب يكون في حالة تقدم كلمة (الأهل) على الضمير لا العكس، وإن تقدم الضمير كما في آية سورة هود (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) إنما هو من تغليب الأشرف على غيره، وأن أهل السنة يقولون أنها خاصة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فلا معنى للتغليب.
 
والرد: أما كلامه -أن أهل السنة يقولون أن الآية خاصة بنساء النبي صلى الله عليه وسلم- فكذب، فأهل السنة يدخلون الذكور والإناث في الآية، كالنبي صلى الله عليه وسلم وعلي والحسنين رضي الله عنهم، وإنما غاية ما قلناه: أن الآيات نازلة أصلًا في حق النساء، بدلالة السياق، ولكن لا يعني عدم شمولية الآيات لغيرهن.
قوله: أن التغليب جائز إن تأخر الضمير فقط، وإن تقدم فهو من تغليب الأشرف، فباطل، فهذه الدعوى غريبة لا دليل عليها من لغة العرب ولا مثال، بل الدليل على خلافها، فقد يتأخر الاسم عن الضمير ويكون الضمير مذكرًا وشاملًا للذكور والإناث وليس من جنس تغليب الأشرف بنفس الوقت، وإليك هذه الشواهد التي تؤيدنا:
- في حديث يروونه - الشيعة - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (... وإذا الجارية قاعدة على الطريق، فقال لها رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله: ما لك لا تأتين أهلك؟ قالت: يا رسول الله إني قد أبطأت عليهم وأخاف أن يضربوني، فقال لها رسول الله، صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله: مرّي بين يدي ودليني على أهلك، فجاء رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله، حتى وقف على باب دارهم، ثم قال: السلام عليكم يا أهل الدار ..) وصححه محمد الغروي (6).
والشاهد أنهم يروون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل الجارية: السلام عليكم يا أهل الدار، فهنا تقدم الضمير وتذكّر، و ( أهل الدار) شاملة للرجال والنساء.
 
- وقد صح عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: ( نفضلكم يا معشر العرب، لتفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم، لا ننكح نساءكم، ولا نؤمكم فى الصلاة ) قال الألباني: إسناده جيد (7).
والشاهد: " نفضلكم " فذكر معشر العرب بعدها شاملًا الرجال والنساء.
 
ومن الشعر:
- يقول الشاعر بهاء الدين زهير (ت 656 هـ):
وَقُلِ السَلامُ عَلَيكُمُ .. أَهلَ القُصورِ العالِيَه
 
- يقول الشاعر الفارسي سعدي الشيرازي ( ت 691هـ) :
سلامٌ عليكُم أهل بيتِ كرامةٍ .. ومقصَد محتاجٍ ومأمنَ خائفِ
 
- يقول الشاعر المصري أحمد الكاشف ( ت 1948 م )
سلام عليكم أهل مصر إلى حينِ .. معاذير ممعود ولوعة مشجونِ
 
ولنسلم جدلًا أنه يجوز فقط لتغليب الأشرف، فنحن أهل السنة نشمل النبي صلى الله عليه وسلم وعلي والحسنين رضي الله عنهم، وهم بمجموعهم أفضل من النساء وأشرف.
 
2- يجوز التغليب مع قيام القرينة فقط، كما في آية إبراهيم عليه السلام، قاله العاملي وفي كلامه مخالفة لكلام السبحاني.
 
الرد: وكما قلنا أن في قوله مخالفة لكلام السبحاني الذي اشترط تقدم الاسم على الضمير، وأن يكون التغليب لوجود الأشرف، فهنا العاملي اشترط وجود القرينة فقط، ونقول: أن القرينة موجودة وهي السياق، فالآيات استمرت بالتحدث عن النساء بعد الآية - آية التطهير - وقبلها، فقبلها تسعة عشر نون نسوة، وبعدها نونان.
 
3- وجود فرق في الاستعمال: بين أهل الرجل وأهل بيت الرجل، فإن إطلاق كلمة «أهل» على الزوجة، لا يلزم منه صحة إطلاق كلمة «أهل البيت» عليها، كما زعم العاملي.
 
الرد: أن «أهل» في اللغة إذا أُضيفت فيفسرها المضاف إليه، فعندما نقول أهل الإسلام، أي من تعلق به، وكذا أهل البيت: أي سكانه ومن كان فيه، فتدخل بذلك أزواجه صلى الله عليه وسلم وبناته.
 
وهذا ما قاله أئمة اللغة، كالفراهيدي في «العين» : ( أهل: أَهْلُ الرَجل: زوجهُ، وأخصّ الناس به. والتَّأَهُّل: التَّزوُّج. وأهل البيت: سكانه، وأهلُ الإسلام: من يدين به ) (8).
وقال الراغب الأصفهاني: ( أهل الرجل: من يجمعه وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، وأهل الرجل في الأصل: من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوّز به فقيل: أهل الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وتعورف في أسرة النبيّ عليه الصلاة والسلام مطلقا إذا قيل:
أهل البيت لقوله عزّ وجلّ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب/ ٣٣] ، وعبّر بأهل الرجل عن امرأته.
وأهل الإسلام: من يجمعهم ) (9).
ويوضح المسألة ابن منظور أكثر: ( وأهل المذهب: من يدين به. وأهل الإسلام: من يدين به. وأهل الأمر: ولاته. وأهل البيت: سكانه. وأهل الرجل: أخص الناس به. وأهل بيت النبي، صلى الله عليه وسلم: أزواجه وبناته وصهره، أعني عليا، عليه السلام، وقيل: نساء النبي، صلى الله عليه وسلم، والرجال الذين هم آله ) (10).
 
وبذلك يبطل زعم العاملي.
 
4- ربما يكون دخول زوجة إبراهيم في «أهل البيت» في قوله تعالى: (رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ)، من جهة أنها كانت ابنة عم إبراهيم (عليه السلام). فهي داخلة في «أهل البيت» من جهة النسب لا من حيث كونها زوجة.
 
والرد: ولهذا القول لازم لا مفر منه، مفاده اعتقادكم بدخول بنات عم النبي صلى الله عليه وسلم في «أهل البيت»، كأم هانئ بنت أبي طالب، وأسماء بنت أبي طالب، وفاطمة بنت حمزة، وغيرهن، رضي الله عنهن، وأنتم تعتقدون أن أهل البيت هم الأئمة الاثنى عشر، وفاطمة، والنبي صلى الله عليه وسلم، أي 14 فقط، فلِمَ لا تدخلون بنات عمه صلى الله عليه وسلم ضمن «أهل البيت» ؟! فكان إشكال العاملي حجة عليه لا له!
 
----------------------------------------------------
(1) مفاهيم القرآن ج10 ص163-164
(2) صحيح البخاري ح4590
(3) صحيح البخاري ح7526
(4) أضواء البيان ج6 ص238
(5) أهل البيت في آية التطهير ص105-107
(6) السلام في القرآن والحديث ص105
(7) إرواء الغليل ج6 ص280
(8) العين ج4 ص89
(9) المفردات في غريب القرآن ص96
(10) لسان العرب ج11 ص29 - دار صادر
----------------------------------------------------
 
وهناك اعتراض شيعي مفاده: لا بدَّ قبل الاستدلال بوحدة السياق من إثبات ترتيب آيات القرآن الكريم في المصحَف بحسب التسلسل الزمني لنزولها، ودون ذلك خَرْط القَتاد، بل الثابت أنّ آيات القرآن الكريم لم تُرتَّب بحسب التسلسل الزمني لنزولها، فما أثبته الباحثون في علوم القرآن والسيرة أنّ آياتٍ نزلتْ في المدينة قد وُضعتْ في سُوَرٍ مكّيّة، كما في سورة إبراهيم المكّيّة، عدا آيتين منها، كما إنّ آياتٍ مكّيّة قد وُضِعت في سُوَر مدنيّة والشواهد في القرآن أكثر من أنْ تُحصى.
 
ونقضه: إن ترتيب الآيات الكريمة هو توقيفي وإن لم يكن حسب التسلسل الزمني لنزولها، وهذا باتفاق السنة والشيعة، وهنا يتحقق إلزام، فبما أن الترتيب توقيفي ومن شخص النبي ﷺ ، فيلزم أن يكون موضع النص مناسب وفي محله، وإذا كان غير مناسب وليس بمحله - كما زعم المجلسي والحائري وغيرهما - فليس للشيعي إلا جوابان وأحلاهما مر:
الأول: أن النبي ﷺ - وحاشاه - لم يوفق لاختيار هذا الموضع موضعًا للنص!
الثاني: أن لا يؤمن بإن النبي ﷺ هو من وضع النص في موقعه هذا، وهذا يفضي إلى القول بالتحريف والتبديل بالضرورة! فإن المؤمن بعدم تناسب مواضع الآيات مع الآيات نفسها لا يختلف عن القائل بالتحريف صراحةً في الحقيقة، وقد قال بقريب من هذا القول، جعفر مرتضى العاملي: ( إن ما دلّ على أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان هو الذي يعين مواضع الآيات، لا يدل على أنه (صلى الله عليه وآله) قد تصرف حتى في أجزاء الآية الواحدة، كما هو الحال هنا؛ لأن آية التطهير جزء من آية، وليست آية مستقلة، وهل يعقل أن يكون (صلى الله عليه وآله) قد لفق بين جزء آية وجزء آية أخرى؟! إن نظير ذلك لم يُنقَل إلينا ولا ادعاه أحد. ومجرد الاحتمال لا يكفي ) (1)
وإن كان ينفي التحريف عن القرآن، فكلامه يتضمن اتهامًا عظيمًا لبلاغة القرآن الكريم ونسقه.
وهذا قوله - بشأن مواضع الآيات - يؤدي بالضرورة إلى القول بالتحريف، وذلك لأهمية ترتيب الآيات في ضبط المعنى ومعرفته، فقوله يستلزم عشوائية الآيات وعدم تناسقها، فبعشوائيتها لن نحصل على المعنى المراد، وبعبارة أخرى أن هذا الزعم يبطل حجيّة «السياق» في تفسير الآيات، وإن قال بدخول التغيير في آية واحدة فقط!
كما يظهر من كلام المعترض هذا أنه لا يقيم للسياق وزنًا ولا يعده حجةً وهذا غلط عظيم " فالسياق القرآني هو امتداد للقول بأن القرآن ترتيبه توقيف من الله، وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما هو إلا مبلغ لذلكم الترتيب، ومن يقل بخلاف هذا فهو ضارب لسلطة السياق القرآني وحاكميته، ويضبط السياق القرآني فهم المتلقي، وبدون الأخذ به فإن الفوضوية الفكرية ستكون هي المسيطرة على عقلية وطبيعة الفهم للناظر في كتاب الله؛ كما حصل لطائفة ممن ألقى السياق جانباً " (2)
 
----------------------------------------------------
(1) أهل البيت (ع) في آية التطهير ص112
(2) نظرية السياق القرآني ص357 للدكتور المثنى عبد الفتاح محمود
----------------------------------------------------
 
بل إن من أوضح أدلة شمول الآية لنساء النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن، هو تخبط علماء التشيّع وقولهم بتحريف الآية، وذلك لأن النص جزءٌ من آية وليست آية مستقلة، كما قال العاملي، فهذا علّامتهم المجلسي - وهو يرد على أهل السنة بقولهم أن الآيات نزلت بنساء النبي ﷺ - : ( وأجاب المخالفون عن هذا الدليل بوجوه : الاول أنا لا نسلم أن الآية نزلت فيهم بل المراد بها أزواجه لكون الخطاب في سابقها ولاحقها متوجها إليهن ، ويرد عليه أن هذا المنع بمجرده بعد ورود تلك الروايات المتواترة من المخالف والمؤالف غير مسموع وأما السياق فمردود بما ستقف عليه في كتاب القرآن مما سننقل من روايات الفريقين أن ترتيب القرآن الذي بيننا ليس من فعل المعصوم حتى لا يتطرق إليه الغلط ، مع أنه روى البخاري والترمذي وصاحب جامع الاصول عن ابن شهاب عن خارجة بن زيد ابن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت يقول : فقدت آية في سورة الاحزاب حين نسخت الصحف قد كنت أسمع رسول الله يقرء بها ، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الانصاري « من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه » فألحقناها في سورتها من المصحف، فلعل آية التطهير أيضا وضعوها في موضع زعموا أنها تناسبه ، أو أدخلوها في سياق مخاطبة الزوجات لبعض مصالحهم الدنيوية ، وقد ظهر من الاخبار عدم ارتباطها بقصتهن ، فالاعتماد في هذا الباب على النظم والترتيب ظاهر البطلان.
ولو سلّم عدم التغيير في الترتيب فنقول : سيأتي أخبار مستفيضة بأنه سقط من القرآن آيات كثيره ، فلعله سقط مما قبل الآية وما بعدها آيات لو ثبتت لم يفت الربط الظاهري بينها  ) (1).
 
وقريبٌ منه المرجع المعاصر كاظم الحائري - وهو يتكلم عن مواضع الآيات - : ( وكم له ـ أي لجعل الآية في غير محلّها المناسب ـ من نظير، ونذكر لذلك النماذج التالية: ... الثاني: آية التطهير التي اُقحمت ضمن آيات نساء النبيّ رغم القطع بعدم ارتباطها بها; ذلك لأنّ الاحتمالات البدويّة فيها ثلاثة:
الاحتمال الأوّل : اختصاصها بنساء النبيّ .
الاحتمال الثاني : شمولها لنساء النبيّ ولعليّ وفاطمة والحسن والحسين .
الاحتمال الثالث : اختصاصها بعليّ وفاطمة والحسن والحسين .
والاحتمال الأوّل باطل جزماً بدليل تبدّل اللحن من ضمير الجمع المؤنّث المستعمل في جميع تلك الآيات قبل آية التطهير وبعدها إلى ضمير الجمع المذكّر.
 
والاحتمال الثاني يستلزم التناقض في داخل تلك الآيات; لأنّه من ناحية نرى أنّ لحن تلك الآيات لا يناسب افتراض العصمة لنساء النبيّ فإنّ اللحن يقول: ﴿أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ويقول: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَد مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ..... فلكي لا يلزم التناقض ضمن آيات نساء النبيّ ، ولكي يعقل تبدّل اللحن من ضمير الجمع المؤنّث إلى ضمير الجمع المذكّر في آية واحدة ضمن ما قبلها وما بعدها، يتعيّن الاحتمال الثالث.
إذن فالآية أجنبيّة عمّا قبلها وما بعدها واُقحمت في غير المقام المناسب لها، سواء كان ذلك بفعل إنسان غافل لدى تنظيم الآيات، أو كان بفعل عزيز حكيم، أو بفعل الرسول لحكمة ما كحفظ الآية عن التحريف أو الحذف ) (2).
 
قلت: وكلامه يخرج فاطمة من مصطلح أهل البيت لكونه أخرج نساء النبي ﷺ لتبديل ضمير الجمع المؤنث إلى المذكر!
 
وآخرٌ صريحٌ وهو المرجع الملقب بأسد الشيعة، محمد جميل حمود العاملي، فعندما سُئل: " إذا كانت آية التطهير آية مستقلة، فلماذا جاءت في المصحف جزءٌ من الآية 33 من سورة الأحزاب ولم تكتب بصورة آية تامة في جنب الآيات الأخرى؟
أجاب - العاملي-: حلُّ الإشكالِ: مجيئها جزءُ آية من الآيات المتقدمة عليها والمتأخرة عنها دليل على وجود تحريف في وضع الآيات في المصحف على عهد أعمدة السقيفة الثلاثة لا سيَّما في عهد أبي بكر... حيث بدَّلوا أمكنة الآيات التي كانت في مكانها الأصلي إلى أماكن أخرى من المصحف ... من هنا عندما جاءهم أمير المؤمنين عليه السلام بالمصحف الذي جمعه بحسب ترتيب نزوله ردوه به قائلين له "لا حاجة لنا بقرآنك فعندنا قرآننا" ... ونحن نعتقد ــ طبقاً للأدلة والبراهين ـــ بأن آية التطهير قد وضعت في ضمن آيات أزواج النبي الأعظم لغاية لئيمة تستهدف طمس معالم أهل البيت عليهم السلام وحطهم عن مقاماتهم المقدسة وجعل غيرهم أفضل منهم ... هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى رفع مقام عائشة على سيدة نساء العالمين سلام الله عليها ..
وآية التطهير نظير آية الإكمال وآية البلاغ دسَّها أعداء آل محمد ضمن آيتي تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وحليتها عند الاضطرار ... ومحاولة بعض علماء الشيعة البتريين الوحدويين تبرير وضع الآيات الخاصة بأهل البيت كآية التطهير والولاية والبلاغ ضمن غيرها من الآيات المخالفة لها من ناحية السياق والقرائن الدالة على عدم صحة كونها في موضعها الحالي، هي محاولة موبوءة تصب في خانة مدرسة السقيفة من ناحية، ومن ناحيةٍ أُخرى تعارض الروايات الكاشفة عن أن أعمدة السقيفة حرّفوا مواضع الآيات عن مسارها الصحيح ورفضهم للقرآن الذي جمعه أمير المؤمنين سلام الله عليه...! فمحاولة بعض علماء الشيعة تبرير الوضع الحالي للآيات تحت ذريعة إن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله هو من صنع ذلك.... ليست سوى محاولة ترقيعية تريد أن ترفع من قدر أعمدة السقيفة وما جاؤوا به من منكرات تستلزم الكفر والزندقة ) (3).
 
وأيضًا علّامتهم الطهراني الذي قال: ( نعم وكما ذكرنا ، فإنَّ القول بتحريف القرآن لا اعتبار له ، لأنَّ هذا القول مرهون بحجية أخبار التحريف ، وحجيتها مرهونة بحجية قول الإمام ورسول الله ، وعلى حجية القرآن في النهاية . فالعمل بمفاد أخبار التحريف التي تسقط حجيّة القرآن سيوجب إسقاطها هي بنفسها من الاعتبار ، أي أنَّ ثبوتها يستلزم عدم ثبوتها ، لذا فإنَّ العمل بها مستحيل . 
نعم ، من الممكن وقوع تغيير مواضع بعض الآيات ، لكن تغيير محل الآيات أمر ، والتحريف أمر آخر . وبحسب الظاهر - والله أعلم - أنَّ هناك موضعين في القرآن لا أشك في تغيير موضع الآية فيهما . كما يمكن أن نقول في مواضع أُخرى بأنَّ محل الآية لم يغيّر ، وأن نبرّر ذلك . أما في هذين الموضعين فلا يمكن التبرير أبداً .
الموضع الأول في سورة المائدة ، والآخر في سورة الأحزاب . أما في سورة المائدة فالآية الكريمة القائلة : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا
حيث يظهر من الشواهد التي جمعناها ، ومن الخصائص الموجودة في هذه الآية وفي الآيات التي سبقتها والتي تليها، أنّها تشير - دونما شك - إلى حصول تغيير وتبديل في ذلك الموضع وإلى إبدال موضع الآية ....
وأمّا الموضع الثاني الذي يظهر أمر تغييره بوضوح، فهو آية التطهير الواردة في سورة الأحزاب: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
وهذه الآية قد وضعت بدورها موضعاً حيث لا يربطها علاقة بأيّ وجه من الوجوه مع ما قبلها وما بعدها ، لأنَّ ما قبلها يختص بنساء رسول الله وما بعدها أيضاً يختص بنساء رسول الله . 
وقد حُشرت هذه الآية بين هذه الآيات بالرغم من أنها تختص بأهل بیت رسول الله من أجل أن يشتبه الأمر . ومجموع الآيات هي : يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا - وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا .
حيث لم يرد لأهل البيت ذكرٌ هنا ، ولم تبيّن لهم أوصاف ، ليخاطبهم الله تعالى ويطهّرهم من كلّ رجس ودنس . بل إنَّ الآيتين تتحدثان عن نساء النبي (زوجاته ) فقط ... ) (4).
وتفريقه بين تغيير مواضع الآيات والتحريف مردود، فإنّي ناقشتُ كلامه ورددت عليه في بحثي " تحريف القرآن عند أهل البهتان " في صفحة 36 - 37 فقلتُ: أما تفريق الطهراني بين التحريف وتغيير مواضع الآيات فلا يصح، وذلك لأهمية ترتيب الآيات في ضبط المعنى ومعرفته، فقوله يستلزم عشوائية الآيات وعدم تناسقها، فبعشوائيتها لن نحصل على المعنى المراد، وبعبارة أخرى أن هذا الزعم يبطل حجيّة «السياق» في تفسير الآيات ، وإن قال بدخول التغيير في آيتين فقط أو أكثر، لأن هذا لا دليل عليه، فما دليله على دخول التغيير والتبديل بهاتين الآيتين فقط اللتين ذكرهما؟ فما دليله على عدم حصول التغيير والتبديل في آيات كثيرة أخرى؟
ثم إن كان التغيير قد وقع بآيتين أو أكثر؛ ألا يعد هذا من الباطل الذي قد نُزّه القرآن الكريم عنه؟ فقد قال تعالى: { لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } فصلت: 42
 
فاعتقادهم بتحريف الآية دليلٌ من أدلة شمول النص لنساء النبي عليه الصلاة والسلام! فإنّ موضع النص - وأقصد، بالنص " إنما يريد الله ليذهب ... " - يقتضي تفسيره بنساء النبي صلى الله عليه وسلم وهذا ما اعترفا به هما ، ولذلك ذهبا إلى الشك بموضع النص وموقعه!
----------------------------------------------------
(1) بحار الأنوار ج35 ص234-235
(2) أصول الدين ص256-257
(3) https://www.aletra.org/print.php?id=1019
(4) الشمس الساطعة ص376-380
----------------------------------------------------
 
أما حديثيًا.. فهل يمكن تعيين مصداقها بعيدًا عن سياق الآيات؟
 
تعيين المصداق حديثيًا وروائيًا بعيدًا عن سياق الآيات صعب جدًا بل لا يمكن، وهذا ليس خاصًا بآية التطهير بل آيات القرآن كافة، إذ تفسير آية وتعيين مصداقها بمبعد عن السياق أمر طاعن بحجيّة السياق وضرورته، فوجوده ليس عبثًا، تبعًا لموقوفيّة الآيات، وإلا لكان التشتت الذهني عند التلاوة والتفسير..
 
وقد تكلمنا عن المصداق الحقيقي للآية والمراد ب « أهل البيت » قرآنيًا كما سبق، لكن ذلك لا يعني أيضًا عدم أهمية الأحاديث الواردة في الموضوع، بل يُنظر لها ويُعتبر بها.
 
لكن ما أريد أقوله هنا في مقدمة الكلام عن الموضوع حديثيًا: هل يعقل مناقضة الأحاديث الصحيحة الواردة للآيات الصريحة في تعيين المصداق؟ فغاية ما يحتج به الشيعي من الأحاديث وغيرها وأؤكد بتعبير واضح " تفسيره " يتناقض مع السياق القرآني مناقضة واضحة، إذ لا يمكن أن نتكلم حديثيًا معهم متجاهلين الاعتبار للآيات، إذ فلنضع هذه قاعدةً وحكمًا عند مناقشة الشيعي في الأحاديث، وإذا وضعنا فشبهاته ستتبخر، واحدة تلو الأخرى!
 
وأؤكد: لا أعني أننا لن نناقش هذا المبحث، بل سنناقشه وبإمكاننا أن نناقشه بغض النظر عن حجيّة السياق! وهذا هو الآتي.
وربما يُقال: ولماذا الإصرار على السياق؟!
ببساطة أن لحجية السيّاق لوازمًا عديدةً، وأهمها القول بالتحريف، وقد تكلمنا عنه.
 
ولذا نقول: هل ينفي حديث الكساء دخول النساء ضمن أهل البيت؟
 
في حديث الكساء المشهور: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جلل على علي وحسن وحسين وفاطمة كساءً، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي، اللهم أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًا. فقالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، أنا منهم؟ قال: إنك إلى خير ) (1).
فيستدل الشيعة على اختصاص أهل البيت بالخمسة ( النبي صلى الله عليه وسلم وعلي والحسنان وفاطمة رضي الله عنهم) لرفض النبي ﷺ كما هو الظاهر دخول أم سلمة رضي الله عنها في الكساء بإجابته: إنك إلى خير.
والحق أن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم [ إنك إلى خير ] ليس نفيًا واضحًا لدخول أزواجه في الآية، فيحتمل الوجهين، والأظهر والأقرب هو شمول الآية لأم سلمة، مما يعني أن رفض النبي ﷺ بسبب دخول أم سلمة أصلًا في الآية، لدلالة السياق كما قلنا، ويؤيد هذا وجود ألفاظ أخرى للحديث يؤكد فيها النبي أنها - أم سلمة - من أهل البيت، بطرقٍ ضعيفة يقوّي بعضُها البعض:
 
الطريق الأول: روى ابن سعد: [ قال: أخبرنا خالد بن مخلد. قال: حدثنا موسى بن يعقوب الزمعي. قال: حدثني هاشم بن هاشم. عن عبد الله بن وهب. قال:
أخبرتني أم سلمة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: جمع فاطمة وحسنا وحسينا ثم أدخلهم تحت ثوبه. ثم جار إلى الله فقال:، رب هؤلاء أهلي،. قالت أم سلمة فقلت يا رسول الله: أدخلني معهم. فقال: إنك من أهلي] (2).
قال المحقق: ( إسناده ضعيف.
- خالد بن مخلد القطواني. صدوق يتشيع.
- موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن ربيعة الزمعي أبو محمد المدني. صدوق سيئ الحفظ. من السابعة مات بعد سنة ١٤٠ هـ (تق: ٢/ ٢٨٩).
- هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المدني. ثقة. من السادسة (تق: ٢/ ٣١٤).
- عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود بن المطلب الأسدي. ثقة. من الثالثة (تق: ١/ ٤٥٨) ) (3) ا.هـ
 
الطريق الثاني: [ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدوري، ثنا عثمان بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، ثنا شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة رضي الله عنها، أنها قالت: في بيتي نزلت هذه الآية {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} [الأحزاب: ٣٣] قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم، أجمعين فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي» قالت أم سلمة: يا رسول الله، ما أنا من أهل البيت؟ قال: «إنك أهلي خير وهؤلاء أهل بيتي اللهم أهلي أحق» قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وقال الذهبي: على شرط مسلم ] (4).
وفيه عبد الرحمن بن عبد الله، قال عنه الدارقطني: ( خالف فيه البخاري الناس يعني باحتجاجه بحديثه، وليس بمتروك، ومرة: إنما حدث بأحاديث يسيرة، وهو عند غيره ضعيف، فيعتبر به ) (5).
وقال ابن حبان: ( كان ممن ينفرد عن أبيه بما لا يتابع عليه مع فحش الخطأ في روايته، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد، كان يحيى القطان يحدث عنه، وكان محمَّد بن إسماعيل البخاري ممن يحتج به في كتابه ويترك حماد بن سلمة ) (6).
 
وأيضًا فيه: شريك بن أبي نمر، قال الدكتور بشار عواد معروف، والأرناؤوط، عند قول ابن حجر فيه " صدوق يخطئ " : ( بل: صدوقٌ حسنُ الحديثِ، فقد وثقه أبو داود، وابن سعد، والعجلي، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال ابن الجارود: ليس به بأس، وليس بالقوي، وكان يحيى بن سعيد لا يُحدث عنه، وقال ابن عدي: "وشريك رجل مشهور من أهل المدينة، حدث عنه مالك وغير مالك من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته إلا أن يروي عنه ضعيف". قلنا: وإنما أُنزل إلى مرتبة "صدوق" بسبب خطئه في حديث المعراج، قال المؤلف في مقدمة "الفتح": احتج به الجماعة، إلا أن في روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضع شاذة ) (7).
 
الطريق الثالث: روى أحمد: [ حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد يعني ابن بهرام، قال: حدثني شهر بن حوشب، قال: سمعت أم سلمة... فاجتبذ من تحتي كساء خيبريا كان بساطا لنا على المنامة في المدينة، فلفه النبي صلى الله عليه وسلم عليهم جميعا، فأخذ بشماله طرفي الكساء، وألوى بيده اليمنى إلى ربه عز وجل، قال: " اللهم أهلي، أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا، اللهم أهلي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا اللهم أهل بيتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " قلت: يا رسول الله، ألست من أهلك؟ قال: " بلى، فادخلي في الكساء " قالت: فدخلت في الكساء بعدما قضى دعاءه لابن عمه علي وابنيه، وابنته فاطمة رضي الله عنهم ] (8).
 
وفيه شهر بن حوشب: ضعفوه، إلا أن رواية عبد الحميد بن بهرام عنه صحيحة، قال الشيخ عدنان العرعور: " فروايةُ عبدِ الحميدِ بنِ بهرامَ عن شهرٍ لا تضره؛ فقد روى عن شهرٍ جماعةٌ من الثقاتِ كقتادةَ، وغيره، ولم يكن ذلك بضَارٍّ لهم وقد أثنى جماعةٌ منَ الأئمةِ على حديثِ عبدِ الحميدِ عن شهرٍ؛ فقال أحمد بن حنبل: "حديثُه عن شهرٍ مقارب، كان يحفظها كأنه يقرأُ سورةً منَ القرآنِ".
وقال الترمذيُّ: "قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: لا بأسَ بحديثِ عبدِ الحميدِ بنِ بهرامَ عن شهرِ بنِ حَوشبٍ"، وقال يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ: "مَن أرادَ حديثَ شهرٍ فعليه بعبد الحميد بن بهرام".
وقال أحمدُ بنُ صالحٍ: "أحاديثُه عن شهرٍ صحيحةٌ"، وبمثلِ هذا قالَ أبو حاتم الرازيُّ " (9).
 
وهذه الطرق ضعيفة لسوء حفظ رواتها، لا كذبهم، وبهذا تنجبر وتُقوّى، هذه إحدى قواعد التصحيح في علم الحديث، قال ابن الصلاح: " لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكومًا بضعفها مع كونها قد رُويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة مثل حديث «الأذنان من الرأس» ونحوه، فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن لأن بعض ذلك عضد بعضًا كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفا.
وجواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت، فمنه ضعف يزيله ذلك، بأن يكون ضعفه ناشئًا من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه ولم يختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر.
ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته. وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذًا " (10).
 
فالحديث بهذا اللفظ الذي فيه أُدخلت أم سلمة رضي الله عنها ضمن أهل البيت، صحيح، لكن لغيره لا لذاته.
 
ثم على فرض انحصار أهل البيت بهؤلاء الخمسة، طبقًا لهذا الحديث، ففيه إلزام خطير للشيعة وهو أنه لن يشمل الأئمة التسعة الباقين، وهذا إلزام يصعب الهروب منه، وقد اعترفوا بعدم دلالة الآية على شمولهم، فعندما سُئل جواد التبريزي: ( انّ آية التطهير تختص في التفسير بالمعصومين الخمسة فكيف أدخلنا بقية المعصومين (عليهم السلام) معهم بدليل غير النص الوارد من الإمام على الإمام؟
فأجاب: .. وأمّا آية التطهير فإنّها وإن كان شأن نزولها في الأنوار الخمسة عليهم صلوات اللّه إلّا أنّ شمولها للأئمة الباقين (عليهم السلام) لأجل ما ورد عنهم (عليهم السلام) أنّهم داخلون تحت مدلولها وهم أعلم بالقرآن من غيرهم بل هم (عليهم السلام) عدل القرآن هداكم اللّه للحق ووفقكم ) (11).
 
فهم يستشهدون بشمول الأئمة الباقين لأجل ما ورد عنهم، وهذا استدلال غريب جدًا ومفاده أن الآية لم تشر إليهم ولا تشملهم مما جعلهم يعمدون إلى الروايات الشيعية التي هي غير ملزمة لنا أهل السنة!
 
ولا ننسى أن بعضهم قد استشهد بكلام لزيد بن أرقم رضي الله عنه، إذ روى الإمام مسلم عنه: ( قَامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فإنَّما أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُما كِتَابُ اللهِ، فيه الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا به، فَحَثَّ علَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: وَأَهْلُ بَيْتي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتي. فَقالَ له حُصَيْنٌ: وَمَن أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يا زَيْدُ، أَليسَ نِسَاؤُهُ مِن أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قالَ: نِسَاؤُهُ مِن أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قالَ: وَمَن هُمْ؟ قالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ، قالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قالَ: نَعَمْ. وفي روايةٍ: كِتَابُ اللهِ فيه الهُدَى وَالنُّورُ، مَنِ اسْتَمْسَكَ به وَأَخَذَ به، كانَ علَى الهُدَى، وَمَن أَخْطَأَهُ ضَلَّ. وفي روايةٍ: دَخَلْنَا عليه فَقُلْنَا له: لقَدْ رَأَيْتَ خَيْرًا؛ لقَدْ صَاحَبْتَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، وَصَلَّيْتَ خَلْفَهُ... وَسَاقَ الحَدِيثَ، غَيْرَ أنَّهُ قالَ: أَلَا وإنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ؛ أَحَدُهُما كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، هو حَبْلُ اللهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كانَ علَى الهُدَى، وَمَن تَرَكَهُ كانَ علَى ضَلَالَةٍ، وَفِيهِ: فَقُلْنَا: مَن أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قالَ: لَا، وَايْمُ اللهِ، إنَّ المَرْأَةَ تَكُونُ مع الرَّجُلِ العَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَرْجِعُ إلى أَبِيهَا وَقَوْمِهَا أَهْلُ بَيْتِهِ أَصْلُهُ، وَعَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ ) (12) 
ومحل الشاهد: " فَقُلْنَا: مَن أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قالَ: لَا، وَايْمُ اللهِ، إنَّ المَرْأَةَ تَكُونُ مع الرَّجُلِ العَصْرَ مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَرْجِعُ إلى أَبِيهَا وَقَوْمِهَا أَهْلُ بَيْتِهِ أَصْلُهُ، وَعَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ "
 
ونقول إن الروايتين ظاهرهما التعارض، فالأولى فقد قال فيها بدخول أزواجه ﷺ في أهل البيت، والثانية لا ( كما هو الظاهر) ولكن مقصوده أن أهل البيت هم من حُرمت عليهم الصدقة، وأن النساء لا يدخلن بذلك في أهل البيت من هذه الجهة، إنما يدخلن من جهة أخرى وهي المساكنة، قال النووي: ( وأما قوله في ‌الرواية ‌الأخرى: ( ‌نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ )، قال وفي الرواية الأخرى: ( فَقُلْنَا: مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا ): فهاتان الروايتان ظاهرهما التناقض والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنه قال: ( نساؤه لسن من أهل بيته ) فتتأول الرواية الأولى على أن المراد أنهن من أهل بيته الذين يساكنونه ويعولهم، وأمر باحترامهم وإكرامهم وسماهم ثقلا ووعظ في حقوقهم وذكر، فنساؤه داخلات في هذا كله، ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة، وقد أشار إلى هذا في الرواية الأولى بقوله: ( نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ ) فاتفقت الروايتان ) (13).
 
رغم أن قول زيد رضي الله عنه فيه نظر، قال ابن حجر العسقلاني: ( قد نقل ابن بطال أنهن -أي الأزواج- لا يدخلن في ذلك باتفاق الفقهاء ؛ وفيه نظر ، فقد ذكر ابن قدامة أن الخلال أخرج من طريق بن أبي مليكة عن عائشة قالت: ( إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ) . قال: وهذا يدل على تحريمها.
قلت: وإسناده إلى عائشة حسن، وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا ) (14).
----------------------------------------------------
(1) مسند أحمد بتحقيق الأرناؤوط ح26597
(2) الطبقات الكبرى متمم الصحابة، بتحقيق محمد بن صامل السلمي، ج1 ص379
(3) المصدر السابق نفسه
(4) المستدرك على الصحيحين ج2 ص451
(5) كتاب موسوعة أقوال أبي الحسن الدارقطني في رجال الحديث وعلله ج2 ص399
(6) المجروحين ج2 ص16
(7) تحرير تقريب التهذيب ج2 ص114
(8) مسند أحمد ج44 ص173-174
(9) ديوان السنة - قسم الطهارة ج22 ص623
(10) علوم الحديث لإبن الصلاح ص33-34
(11) الأنوار الإلهية في المسائل العقدية ص163
(12) صحيح مسلم ح2408
(13) شرح صحيح مسلم ج15 ص180
(14) فتح الباري ج3 ص356
----------------------------------------------------
 
المبحث الثاني: الاستدلال بالعصمة
 
ووجه الاستدلال بالعصمة كما بيّنه علّامتهم محمد تقي الحكيم: ( وتقريب الاستدلال بها على عصمة أهل البيت : ما ورد فيها من حصر إرادة إذهاب الرجس ـ أي الذنوب ـ عنهم بكلمة (انما) ، وهي من أقوى أدوات الحصر ، واستحالة تخلف المراد عن الإرادة بالنسبة له تعالى من البديهيات لمن آمن بالله عزوجل وقرأ في كتابه العزيز : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ) (1).
 
وهذا مردود من وجهين:
الأول: أن أداة الحصر (إنما) تعليلة لما قبلها من الأوامر والنواهي، فهي عللت الأوامر والنواهي لنساء النبي ﷺ بإرادة التطهير وإذهاب الرجس عنهن، وبهذا لا يمكن أن يكون النص ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) مستقلًا عمّا قبله، ولهذه الآية نظيران في القرآن:
- قال تعالى: ( فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ) التوبة: 55
- قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ) المائدة: 90-91
 
والآيتان متطابقتان - في أسلوبهما - مع آية التطهير تمامًا، ولاحظت أن الإرادة في الآيتين الكريمتين لم تكن مستقلة عما قبلها، بل هي تعليلة لما قبلها في الآيات السابقة، وبهذا يظهر أن المراد بأهل البيت هم نساء النبي ﷺ لأن الآيات السابقة تأمرهن وتنهاهن، وهذا يعني أيضًا أن الإرادة شرعية لا كونية، ولا يقال أنها كونية لأن إرادة إذهاب الرجس لكل أحد، نعم إرادة إذهاب الرجس للجميع لكن ذلك لا ينافي اختصاص نساء النبي ﷺ وتمييزهن، وبعبارات أوضح أن التبرج والخضوع في القول - مثلًا - حرام على كل امرأة ولكن التحريم يشتد على نساء النبي ﷺ أكثر ولذلك نزلت الآيات فيهن، والدليل هو مضاعفة العذاب لهن إن يأتن بفاحشة، ومضاعفة الأجر عندما يأتن بالطاعة، وأنهن لسن كأي نساء: ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا • وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا • يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء ..).
 
الوجه الثاني: هذا التفسير الفاسد يستلزم القول بعصمة الصحابة أيضًا، فإن الله تعالى أيضًا قال للصحابة في آية الوضوء: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } المائدة: 6 
ومحل الشاهد قوله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
وقوله تعالى: { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ } الأنفال: 11
 
قال العلّامة الشيخ عبد العزيز الدهلوي معلقًا على استدلالهم: ( وبعد اللتيا (2) والتي إن كان ليذهب مفعول به وأهل البيت منحصرين في هؤلاء الأربعة والمراد من الرجس مطلق الذنوب فدلالة الآية على العصمة غير مسلمة بل هي تدل على عدمها إذ لا يقال في حق من هو طاهر إني أريد أن أطهره ضرورة امتناع تحصيل الحاصل. وغاية ما في الباب أنهم محفوظون من الذنوب بعد تعليق الإرادة بإذهابها، قد ثبت ذلك بالآية على أصول أهل السنة لا على أصول مذهب الشيعة، لأن وقوع مراد الله لزم إرادته تعالى عندهم: فرب أشياء يريد الله وقوعها ويمنعه الشيطان من أن يوقع ذلك! ولو كانت إفادة معنى العصمة مقصودة لقيل هكذا: إن الله أذهب عنكم الرجس أهل البيت، الآية. وأيضا لو كانت هذه الكلمة مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين لأن الله تعالى قال في حقهم في مواضع من التنزيل {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} وقال {ليطهركم به وليذهب عنكم رجس الشيطان} وظاهر أن إتمام النعمة في الصحابة كرامة زائدة بالنسبة إلى ذينك اللفظين، ووقوع هذا الاتمام أدل على عصمتهم، لأن إتمام النعمة لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان. فليتأمل فيه تأملا صادقا لتظهر فيه حقيقة الملازمة وبيان وجهها وبطلان اللازم مع فرض صدق المقدم، فالتخصيصات المحتملة في لفظ التطهير وإذهاب الرجس صارت هباءً منثورا ) (3).
 
كما أن الرجز هو عين الرجس فلا يختلف عنه، على قول أغلب أهل اللغة، فهذا قول الكسائي والفراء وأبو نصر الجوهري، وأبو عمرو بن العلاء ( أحد القراء السبعة ) وإمام النحو أبو الحسن الأخفش، وأبو عبيدة البصري، وغيرهم الكثير.
ومن خالفهم من النحاة، فإنهم قالوا معنى الرجس: القذر والنجس، والرجز: العذاب.
فإن كان القول الأول هو الأصوب فيستلزم القول بعصمة الصحابة - حسب تفسير الشيعة - ! وإن كان قول من خالفهم هو الأصوب؛ فلا يستلزم العصمة مطلقًا، لأن الرجس هو الكبائر، فالرجس - حسب السياق القرآني وفي الآيات - يكون نجسًا أو عذابًا، كقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ } يونس: 100 وقوله:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } المائدة: 90
وقوله: { فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ } الأنعام: 125
وقوله: { ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } الحج: 30 وغيرها من الآيات التي ذكرت الرجس! 
 
وهم يعتقدون بأن العصمة تشمل عدم وقوع السهو والنسيان والخطأ غير المتعمد، وهنا سؤالُنا: ومن قال أن السهو والنسيان والخطأ غير المتعمد من الرجس؟! أو من القذارة والنجاسة ؟! فهذا والله لا يقول به عاقل! ولهذا قال علّامتهم المعاصر علي الميلاني: ( وكلمة الرجس نستبعد أن تطلق وتستعمل ويراد منها الخطأ والنسيان والسهو، إذن، لا بد من دليل آخر.. ) (4).
كما أن السهو أمرٌ جبلي طبع عليه البشر فهو فطري، وكذا النسيان، فعلى تفسير الشيعة؛ جميع البشر " نجسون " والشيعة أيضًا!
بل حتى مراجعهم " نجسون " فمراجعهم ليسوا بمعصومين عندما يفتون، فقد يقع السهو والنسيان لهم! 
 
بل تفسيرهم يعد اتهامًا لله بالعبث والظلم - عياذًا بالله - وذلك أنهم اعتقدوا أن الله جعل الذي لا ينسى ولا يسهو نجسًا وقذرًا ! والسهو والنسيان - كما قلنا - أمران جبليان ليسا بيد الإنسان ولا تحت سيطرته! 
 
ولا مجال للشيعي الواحد التراجع عن إلحاق هذه الجزئية - السهو والنسيان - بدائرة العصمة، فأن هذا هو قول عامة الشيعة ومتفق عليه، إلا شيخهم الصدوق وغيره، فقد قال بجواز السهو والنسيان، إلا أن الصدوق قد أُتهم في دينه! وذلك من قبل الشيخ المفيد، فمن أقوال المفيد في الصدوق:  "ناقص العقل، ضعيف الرأي، قريب إلى ذوي الآفات المسقطة عنهم التكليف " (5) وهذا فقط لاعتقاد الصدوق بجواز السهو على النبي عليه الصلاة والسلام! 
 
أما عن الإرادة في الآية، فقد تكلم مرجعهم كاظم الحائري ملاقيا صعوبةً في تحديد نوع الإرادة، فيقول: ( والنقاش الوارد على الاستدلال بهذه الآية المباركة يكون على مستويين: مستوى الدلالة، ومستوى السياق.
أمّا النقاش على مستوى الدلالة، فيقال: إنّ الله سبحانه عندما قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ...﴾ فإنّه:
أ ـ إمّا أن يقصد الإرادة التشريعيّة، فلا تدلّ الآية عندئذ على العصمة، ولا تكون هذه الإرادة خاصّةً بشأن أهل البيت(عليهم السلام).
ب ـ وإمّا أن يقصد الإرادة التكوينيّة، وعندئذ تدلّ على أنّهم مجبورون على العصمة، فلا فضل لهم بها ولا ميزة.
ولتوضيح هذا الأمر نقول: إنّ علماءنا الأبرار ـ رضوان الله عليهم ـ قسّموا الإرادة إلى قسمين:
۱ ـ الإرادة التشريعيّة: ويعنون بها ما يريده الله تبارك وتعالى من تشريعات وأحكام، فهي إرادة راجعة إلى التشريعات والأحكام، فتحريم الخمر والميسر وإيجاب الصلاة والزكاة ـ مثلاً ـ يعني أنّ الله قد أراد من الخلق أن يتركوا الخمر والميسر، وأن يقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة، وهذا النوع من الإرادة يسمّى بــ ( الإرادة التشريعيّة )، أي: أنّه تعالى قد أراد منّا بتشريعاته وأحكامه وقوانينه ونظمه أن نترُك الخمر والميسر، ونُقيم الصلاة ونُؤتي الزكاة.
۲ ـ الإرادة التكوينيّة: وهي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(۱)، فقد أراد الله تعالى أن يخلُقنا فخُلقنا، وأراد أن يخلُق الأرض والسماء فخُلقتا، وقال العلماء: إنّ إرادة الله التكوينيّة لا تتخلّف عن المراد، أي: أنّ الله تعالى حينما يُريد أن يخلُق شيئاً فإنّه يُخلق بمجرّد إرادته تعالى لخلقه.
وأمّا الإرادة التشريعيّة، فتتخلّف عن المراد، أي: أنّ إرادة الله تعالى الكامنة في الأحكام والتشريعات تتخلّف عن مراده، فقد أراد الله منهم أن يُقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة و...، ولكنّ الكثير منهم لا يُصلِّي ولا يُؤدِّي، وأراد الله منهم أنّ لا يشربوا الخمر ولا يُقامروا، بينما نرى أنّ هناك من يشرب أو يُقامر، وهذا هو معنى تخلّف الإرادة التشريعيّة عن المراد.
وهنا نقول: إنّ الله سبحانه وتعالى عندما قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ هل كان يقصد الإرادة التشريعيّة أو الإرادة التكوينيّة؟ فإن كان يقصد بها الإرادة التشريعيّة، فإنّ الآية إذن لا تدلّ على العصمة أوّلاً، ولا تكون مختصّة بأهل البيت (عليهم السلام) ثانياً. أمّا أنّها لا تدلّ على العصمة، فلأنّ الإرادة التشريعيّة ـ كما قلنا ـ قد تنفكّ وتتخلّف عن المراد، فلا تكون مطابقة للمراد دائماً، فلا تثبت العصمة. وأمّا إن كان المقصود بها هو الإرادة التكوينيّة من قبيل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فإنّ هذه الإرادة لا تتخلّف عن المراد، فإذا كانت إرادة الله التكوينيّة قد تعلّقت بطهارة أهل البيت(عليهم السلام) وابتعادهم عن الرجس، فإنّ هذا يعني: أنّهم المبتعدون عن الرجس حتماً، وأنّهم مطهّرون حتماً؛ إذ لا يمكن أن تتخلّف إرادة الله التكوينيّة عن المراد، إلّا أنّ هذا هو الجبر بعينه، ويعني: أنّ أهل البيت مجبورون على الطهارة وعن الابتعاد عن الرجس؛ لأنّ الله أراد لهم إرادة تكوينيّة، وما أراده الله إرادة تكوينيّة فإنّه كائن حتماً، وبذلك نرجع إلى الجبر مرّةً اُخرى. وهذا معناه: أنّ عصمة أهل البيت إذن ليست شرفاً أو مدحاً لهم؛ لأنّ العصمة لم تكن باختيارهم، وإنّما كانت بإرادة الله تعالى كإرادته للبشر أن يكونوا بشراً وإرادته للحجر أن يكون حجراً. هذا هو الإشكال الكامن في الاستدلال بهذه الآية المباركة ) ا.هـ (6)
 
فعلى لسان الحائري أن الشيعة قد وقعوا في إشكال لا مخرج منه في تعيين الإرادة، فإن كانت تشريعية فما الدليل على تحقق المراد؟ وإن كانت تكوينية فلا فضل فيها لهم - أئمة أهل البيت - ، وللخروج من هذا المأزق أتى بكلام استاذه الصدر: ( وقد كان اُستاذنا الشهيد الصدر ـ رضوان الله تعالى عليه ـ يُجيب عن هذا الإشكال قائلاً بأنّ هناك إرادة ليست تكوينيّة ولا تشريعيّة، وإنّما هي قسم ثالث من الإرادة من سنخ ما يقول المعلّم لطلاّبه: اُريدكم أن تكونوا علماء، واُريد أن أصنع منكم علماء أو فقهاء مثلاً، فهذه الإرادة ليست تكوينيّة ولا تشريعيّة ومجرّد أمر ونهي تشريعيّين بأن يأمرهم أن يكونوا علماء، وإنّما تعني أنّ هذا المعلّم يُريد أن يُهيّئ ما بيده من المقدّمات التي ستؤدّي بهؤلاء الطلاّب إلى أن يتخرّجوا أو يُصبحوا علماء، وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا يكون بمحض اختيارهم وليس بالجبر، فالمعلّم يُلقي على طلاّبه الدروس الدقيقة ويوفّر مناخ الدرس والفهم لهم، فيُصبحون بذلك علماء، وسوف تكون إرادة المعلّم هذا مطابقة للواقع حينما يكون قادراً على توفير كلّ المقدّمات لطلاّبه، فيصبحون علماء فعلاً. ويرى(قدس سره) أنّ هذه الإرادة لم تكن تشريعيّة بحتاً، ولم تكن تكوينيّة بمعنى ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وإنّما هي إرادة بمعنى أنّه أراد أن يُحقّق المقدّمات التي تنتهي إلى النتيجة، وهي: أنّ هؤلاء الطلاّب يصبحون علماء، ولكن هذه النتيجة تنتهي بمحض اختيار الطلاّب وقدراتهم وبإرادتهم. والآية الشريفة السابقة الذكر هي من هذا القبيل، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يعني: أنّ الله تبارك وتعالى أراد أن يوفّر كلّ المقدّمات الدخيلة في صيرورة أهل البيت(عليهم السلام) طاهرين وبعيدين عن الرجس، ولم تكن مجرّد إرادة تشريعيّة ولا هي تكوينيّة من قبيل ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ... ) (7) ا.هـ
 
ونقض ذلك ببساطة: عندما أراد المعلمُ من طلابه أن يكون علماءً، والتي هي كجنس طلب الله من أئمة أهل البيت أن يكون معصومين:
1- إن كانوا حتمًا سيصيرون معصومين ولا يجوز لهم أن يخالفوا الطلب فهذا هو عين الجبر!
2- إن كانوا مخيّرين - وهذا ما قال به الصدر - فهل طابقت المراد؟!
فالصدر قال بالإرادة التشريعية دون أن يدري، فطلبُ الله هذا إن كانوا به الأئمة مخيّرين - وهو كطلبه من المؤمنين أن يصلوا ويعبدوا ويصوموا - فمن أين علمت أنه طابق المراد وصاروا معصومين بمجرد الطلب؟!
وعلى إجابته هذه: لا تدل على العصمة أيضًا كما قال الحائري!
 
والحق أنها إرادة تشريعية، لكونها مسبوقة بأوامر ونواهي، فالنهي عن التبرج والخضوع في القول والخروج من البيوت وغيره كان لأجل تطهير أهل البيت - إن كانوا الخمسة أو غيرهم - ولهذا قال جعفر مرتضى العاملي بأن الإرادة تشريعية: ( أن الإرادة الملحوظة في الآيات أولاً وبالذات. لم تتعلق بإزالة الرجس مباشرة لكي تكون إرادة تكوينية، بل هي إرادة تشريعية تعلقت بأوامر وزواجر موجهة إلى زوجات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ) وقال: ( الإرادة التشريعية أولى وأدل: ولا شك في أن الإرادة التشريعية أشد وآكد، وأكثر رسوخاً وجديةً من إرادة التكوين، في دلالتها على عظيم فضل أهل البيت عليهم السلام وذلك لأن الله سبحانه وهو في مقام جلاله وعزته يهتم بأن لا يلحق بيت النبوة ـ لا العشيرة ولا بيت السكنى ـ وهم الخمسة أصحاب الكساء أدنى شيء يوجب حزازة وإساءة إليهم ولو من طرف خفي ولو بالانتساب المجازي إليهم )
وأيضًا يقول: ( أما لو كانت الإرادة تكوينية وقد تعلقت بإذهاب الرجس عنهم فإنها لا تدل على عظيم فضلهم عنده، إذ لو فرضنا أن إرادة التكوين قد تعلقت بخلق شيء بعينه فإن ذلك لا يدل على عظمة ذلك المخلوق.
وإرادة خلق الذباب لا تدل على عظمة الذباب، بل تدل على الحاجة إليه. كما أن حاجتنا إلى سائق سيارة لا تدل على عظمة ذلك السائق ولا على قداسته نعم قد يكون لذلك السائق قداسته لأسباب أخرى غير مجرد كونه سائقاً ) ا.هـ (8)
 
كما أن الشيعة يعتقدون أن النبي ﷺ قد رفض شمول التطهير وأهل البيت لأم سلمة رضي الله عنها بعدما طلبت الدخول في الكساء، وقد وضحنا أن النبي ﷺ أوضح أنها من أهل البيت أصلًا فلا حاجة لدخولها، ولكن عندنا إلزام للشيعة هنا، وهو أن لو كانت الإرادة تكوينية فكيف تطلب أم سلمة رضي الله عنها الانضمام لأهل البيت والتطهير؟! فإذن هي طلبت شيئًا لا يُحقق البتة! فهل خفي عليها أن الأمر تكويني، ليعلم الشيعة به!
 
ولنا سؤال: هل هم معصومون قبل الآية، أم هم عُصموا بعد نزول الآية؟!
فإن كانوا قبل الآية فما دليلهم؟! وإن كانوا بعد نزول الآية فيبطل اعتقادهم بعصمتهم منذ الولادة.
----------------------------------------------------
(1) الأصول العامة للفقه المقارن ص143
(2) يعني: الدواهي
(3) مختصر التحفة الاثني عشرية ص152-153
(4) العصمة ص21
(5) عدم سهو النبي ص32
(6) الإمامة وقيادة المجتمع ص87- 90
(7) المصدر السابق ص90-91
(8) الصحيح من سيرة الإمام علي ج8 ص153-154

عدد مرات القراءة:
168
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :