عقيدة الشيعة في الأنبياء والنبوة
العقيدة الأولى: أعلم أن الشيعة يعتقدون أن بعث الأنبياء واجب على الله تعالى. ولا يليق ذلك بمرتبة الربوبية والألوهية، فإن الله هوالحاكم الموجب على عباده، فمن يحكم عليه بوجوب شئ؟ نعم تكليف العباد وبعثة الأنبياء واقع حتماً ولكن بمحض فضله وكرمه، بحيث لولم يفعل ذلك لم يكن لهم مجال شكاية، فإذا فعل فهوعين فضله ومحض رحمته، وهذا هومذهب أهل السنة، ولوكان بعث الأنبياء واجباً عليه تعالى لم يمتن ببعثهم في كثير من الآيات، قال تعالى: (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان (وقال تعالى (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم (الآية وغيرها من الأيات. وظاهر أنه ليس في أداء الواجب منه. وأيضاً لوكان واجباً لما سأله إبراهيم وطلب منه البعث في ذريته وبناء على كونهم مكلفين ووجوب تكليفهم قال (ربنا وأبعث فيهم رسولاً من أنفسهم (الآية لأن الدعاء بما هوواجب الوقوع لغولا معنى له، والأنبياء منزهون عن اللغو.
وأعلم أن الإمامية لابد عندهم أن لا يخلوزمان من نبي أووصي قائم مقامه، وهويعلمون أن بعث النبي أونصب الوصي واجب عليه تعالى. ولا يعتقد أهل السنة وجوب شئ على البارى تعالى.
وعقيدة الشيعة هذه مخالفة للكتاب والعترة: أما الكتاب فلأن كثيراً من آياته تدل على وجود زمن الفترة وخلوه عن النبوة وآثارها، كما قال الله تعالى (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترةٍ من الرسل (وغيرها من الآيات. وأيضاً تدل آيات كثيرة بالصراحة على ختم النبوة كقوله تعالى (ولكن رسول الله وخاتم النبيين (وفي إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر (16) قال عيسى للحواريين ((وأنا أطلب لكم من أبي أن يمنحكم ويعطيكم فارقليط ليكون معكم دائماً إلى الأبد)) وفارقليط في اللغة العبرية بمعنى روح الحق واليقين، وهولقب نبينا (. وأما أخبار الأئمة في هذا الباب فأريد من الحد والآحصاء، وقد تواتر عن الأمير في صفة الصلاة على النبي في كتب الإمامية هذه العبارة ((اللهم داحى المدحوات وفاعم المسموكات، أجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك على محمد عبدك ورسولك الخاتم لما سبق))، وأيضاً ورد في بعض خطب الأمير المتواترة عند الشيعة هذه العبارة ((أرسله على فترة من الرسل، وطول هجعه بين الأمم)) إلى أن قال ((وأمين وحيه وخاتم وبشير رحمته ونذير نقمته)) وهذه الخطبة كما تدل على ختم النبوة كذلك تدل على وقوع الفترة أيضاً، ومعنى الفترة إنما هي ان لا يكون نبي ولا قائم مقامه في الزمان، ولوأريد في معنى الفترة عدم نبي في الزمان فقط يلزم أن يكون زمن الأمير بعد وفاة النبي (أيضاً زمان الفترة، وأنت تعلم أن حكم زمان الفترة بنبي آخر الزمان لدوام شريعته إلى يوم القيامة فلا يصح أن يقال بالفترة بعد وفاته (.
العقيدة الثانية: أن الأنبياء أفضل من جميع خلق الله حتى الملائكة المقربين، ولا يمكن أن يستوى غير النبي في الثواب والقرب والمنزلة عند الله تعالى، فضلاً عن أن يكون أفضل منه. وهذا هومذهب أهل الحق وجميع فرق الإسلام إلا المعتزلة في الملائكة المقربين، والإمامية في الأئمة الأطهار. ولهم في هذه المسالة تنازع وتخالف كثير فيما بينهم، ولكنهم أجمعوا على أن الأمير أفضل من غير أولى العزم من الرسل والأنبياء، وليس بأفضل من خاتم النبيين عليه وعليهم السلام.
وأما غيره من سائر أولى العزم فقد توقف فيه بعضهم كابن المطهر الحلى وغيره، ويعتقد بعضهم أنه مساولهم وهذا مخالف لما ورد عن الأئمة، وأن من قال غير ذلك فهوضال. وروى ابن بابويه عن الصادق ما ينص على أن الأنبياء أحب إلى الله تعالى من علي. ولكتاب الله لأنه يدل في جميع آياته على أصطفاه الأنبياء وأختيارهم على جميع العالم، والعقل يدل صريحاً على أن جعل النبي واجب الإطاعة وجعله أمراً وناهياً وحاكماً على الإطلاق والإمام نائباً وتابعاً له لا يعقل بدون فضيلة النبي عليه، ولما كان هذا المعنى موجوداً في حق كل نبي ومفقوداً في حق كل إمام أفضل من نبي أصلاً بل يستحيل، لأن النبي متوسط بين العبد والرب في إيصال الفيضان إليهم فالذى يستفيض منه لوكان أفضل منه أومساوياً له لزم أن يكون أرفع منه في إيصال الفيض، ومفيضاً له أومشتركاً معه في الإيصال، وهذا خلف.
وهم يقولون إن الإمامية نيابة النبوة، ومعلوم أن مرتبة النيابة لن تبلغ مرتبة الأصالة أبداً فضلاً عن أن تفوقها، ومتمسكهم في هذا الباب عدة شبهات واهية ناشئة من عدة أخبار أثبتهامتقدموهم في كتبهم فحكموا بموجبها. وقد تبين حال رواتهم ورجالهم وكيفية الحكم بصحة الخبار الصادرة من علمائهم التى لا يستقيم الاحتجاج بها على وفق القواعد الأصولية لأنها معارضة للإجماع القطعي قبل ظهور المخالف، فلا يجوز القول بظاهر تلك الروايات بل يجب أن تؤول.
وأيضاً هي معارضة للروايات الآخر كرواية الكلينى عن زيد بن علي وابن بابويه عن الصادق المذكورة آنفاً، وخبر الواحد - وإن كان بلا معارض أيضاً - ظنى لا يتمسك به في اصول العقائد بل هوعند محققى الشيعة الإمامية كابن زهرة (1) وابن أدريس (2) وابن البراج
(3) والشريف المرتضى (4) وأكثر قدمائهم غير صالح للأحتجاج به وقد اختار متأخروهم هذا المذهب ولهذا لم يعدوا أخبار الآحاد في الدلائل بل أوجبوا ردها خصوصاً في الأعتقادات، قال ابن المطهر الحلى في (مبادئ الوصول إلى علم الأصول): إن خبر الواحد إذا أقتضى علماً ولم يوجد في الادلة القاطعة ما يدل عليه وجوب رده. وظاهر أن مدلول هذه الروايات ليس موجوداً في الدلائل القطعية، بل خلافه يوجد، ومع قطع النظر عن هذه الأمور كلها لا دلالة أيضاً لتلك الروايات على المدعى.
ولنذكر عدة من شبهاتهم ونبين عدم دلالتها على مدعاهم فنقول: (الشبهة الأولى) أن الأئمة كانوا أزيد من الأنبياء علماً فيكونون أفضل منهم رتبة أيضاً، لأ، الله تعالى يقول: (قل هل يستوى الذين يعملون والذين لا يعملون (وقد روى الراوندى عن أبي عبد الله قال: إن الله فضل أولى العزم من الرسل على الأنبياء بالعلم، وورثنا علمهم وفضلنا عليهم، وعلم رسول الله (مالا يعلمون، وعلمنا علم رسول الله (وتلا الآية المذكورة. (الجواب) عن هذه الشبهة بأن هذا الخبر بعد تسليم صحته يدل على زيادة الأئمة في العلم واستيعابهم علوم المرسلين لأن المتأخر يكون مطلعاً على علم المتقدم وناظراً فيه فيحيط بعلمه، بخلاف المعاصر والمتقدم فإنه لا يمكن له ذلك، مثاله أن النحوى في هذا العصر يكون مطلعاً على مسائل (اللباب) و(الوافى) وتصانيف ابن مالك وابن هشام والأزهرى وغيرهم ممن سبقوا من النحاة، ويكون بلا شبهة علمه بمسائل النحوأزيد من علم كل هؤلاء المذكورين، لأن كل واحد منهم لم يكن مطلعاً على المسائل المستخرجة لغيره والأفكار الناشئة من طبعه البتة، وقد تقرر أن الصناعات إنما تتكامل بتلاحق الأفكار، وهذا النحوى المتأخر حصل له الوقوف على كل منها، ومع هذا لا تكون رتبته في النحومساوية لرتبة أحد من أولئك العلماء فضلاً عن ان يتقدم عليهم لأن الرسوخ في العلم وتعمق النظر والغوص والفكر ومعرفة المسائل بدلائلها ودراية المآخذ لكل دقيقة واستخراج المسائل النادرة بقوة الفحص والتتبع في كلام العرب بالأصالة فضيلة لا يبلغها أصلاً الاستيعاب والغوص بتلك المسائل. وكذا المنطقى في هذا الزمان لا يكون مساوياً في المرتبة للمعلم الأول
------------------------
(1) حمزة بن على بن زهرة الحلبي المتوفى سنة 585 وللشيعة علماء آخرون من بنى زهر.
(2) محمد بن أحمد الحلى توفى في شوال 598.
(3) القاضى عبد العزيز بن نحرير توفى في شعبان سنة 481.
(4) على بن الحسين الموسوى (355 - 436) وهوأخوالرضى الشاعر.
والمعلم الثاني والشيخ الرئيس فضلاً عن أن يقال إنه أفضل منهم وسابقهم في الدرجة، مع أنه يعلم مستخرجات كل منهم بحيث لم يكن لكل منهم الاضطلاع بها اصلاً.
والذى قرأ العروض لا يفوق الخليل ابن أحمد. سلمنا ولكن لا يلزم من كثرة العلم كثرة الثواب، ومدار الفضل عند الله على كثرة الثواب لا على كثرة العلم، وإلا فيلزم تفضيل الخضر على موسى وهوخلاف الإجماع. سلمنا ولكن كثرة العلم الموجبة لكثرة الثواب هوالعلم الذى يكون مدار الاعتقاد والعمل عليه لا العلوم الزائدة، وذلك العلم هوالمراد في الآية المذكورة، وكل نبي كان ذلك العلم حاصلاً له بوجه أتم. ولوكان للأئمة اولغيرهم من العلماء فضل وزيادة في العلم يكون ذلك في العلوم الاخر والدليل على هذا المدعى أن كل نبي لولم يكن العلم الذى عليه مدار الاعتقاد والعمل حاصلا له بوجه أتم يخرج عن عهده التبيغ وبيان الأحكام، وكيف يتم غرض البعثة. ومع قطع النظر عن هذه الأمور كلها لا يذهب عليك ما في هذه الرواية من الخلل والفساد، فإن توريث الأئمة علم الأنبياء وتفضيلهم عليهم بذلك التوريث كما ذكر فيها يلزم منه أن يكون الأئمة افضل من نبينا (أيضاً، إذ وجه التفضيل وهوتوريث العلم ههنا ايضا، وهوفاسد البتة بالإجماع.
وثانياً علم الأئمة لتعلمهم علم رسول الله (نابع فرع لعلمه وعلم الأنبياء أصل وأول وبالذات، وما بالتبع لا يبلغ درجة ما بالذات، وحيث قال تعالى (وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسوله (وقال أيضاً (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من أرتضى من رسول (الآية يتبين منه أن غير الأنبياء ليس لهم علم مثل علم الأنبياء، فبطل عنه التساوى والزيادة بالطريق الأولى. ومع هذا فالاستشهاد بالآية المذكورة أغرب لأن معناها عدم الاستواء بين العالم والجاهل كما هوالظاهر، والأنبياء ما كانوا جاهلين بالإجماع، وغاية ما في الباب تسليماً أن الأئمة كان علمهم زائداً على علم الأنبياء، لا أن الأئمة علماء والأنبياء جهال، معاذ الله من ذلك.
(الشبهة الثانية) أنهم تمسكوا برواية الحسن بن كبش عن أبي ذر قال: نظر النبي (إلى على بن أبي طالب وقال: هذا خير الأولين والأخرين من أهل السماوات والأرضين. وأيضاً برواية عن أبي وائل عن عبد الله بن عباس قال حدثنا رسول الله (قال: قال لى جاء الإمامية بها، وحال رواتهم قد أتضح سابقاً (1) ومع هذا هاتان الروايتان ساقطتان من الإعتبار عند
--------------------------
(1) في الباب الثاني 47 - 5.
الإمامية أيضاً وليس لهما سند صحيح، لن الحسن بن كبش ومن بعده من الرواة كلهم مجاهيل وضعفاء كما نص عليه علماء رجالهم، ومع هذه كلها لا تنطبق على المدعى لأن التخصيص بغير الأنبياء في مثل هذه العمومات شائع في كلام الرسول (، فلولم يذكر في موضع واحد اعتماداً على غيره مما ذكر فيه فيكون ذلك التقيد ملحوظاً فيه أيضاً قياساً على ذلك الغير والعام المخصوص لا يكون حجة في القطعيات لكونه ظنياً فلا يعبأ به في الاعتقادات. سلمنا العموم في الأشخاص، ولكن لا نسلم العموم في الأوقات، لأن الأمير لم تكن هذه الخيريات العامة حاصلة له في عهد النبي (بلا نزاع، لكون النبي افضل منه البتة، ولكونه داخلاً في البشر الأولين والآخرين، فالمراد غير ذلك الوقت، والمراد من الأولين والآخرين والبشر من كانوا في وقته، وهوصحيح عند اهل السنة لأنه أفضل البشر في زمن خلافته ولا نزاع لاحد فيه ولا محذور.
(الشبهة الثانية) أنه متمسكوا برواية لسعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعرى القمى في كتاب (القصاص) عن ابيي جعفر (، وبرواية الكلينى في (الكافى) عن أبي عبد الله (أنهما قالا في تفسير قوله تعالى (قل الروح من أمر ربي (هوخلق اعظم من جبريل وميكائيل لم يكن مع احد ممن مضى غير محمد، وهومع الأئمة يوفقهم ويسددهم. الجواب عنها بأن الحديث الول قد وقع في سنده هشام بن سالم ومعلوم انه كان مجسماً وملعوناً من حضرات الأئمة (1) وفي سند الحديث الثاني أبوبصير وهوقد أعترف بكذبه على الأئمة وإفشاء أسرارهم. سلمنا الصحة ولكن فحوى هذا الحديث منافية لعصمة النبي والأئمة، لأن المحتاج إلى المؤدب والناصح إنما هومن لا يكون معصوماً، ولهذا ليست الملائكة محتاجة إلى المؤدب فلزم من تلك الرواية أن النبي (والأئمة كان لهم نقصان ظاهر في العصمة بالنسبة إلى الأنبياء السابقين حاصلاً فإنهم كانوا كاملين في العصمة موفقين مسددين من انفسهم غير محتاجين في ذلك إلى من سواهم من المخلوقات، وما كان للنبي والأئمة افتقار إلى من يؤدبهم في كل وقت وينبههم ويسدد بالصواب، معاذ الله من هذا الاحتمال الفاسد في جنابه.
وأيضاً نقول كون الروح مع النبي هل هوشرط لعصمته أولا فعلى الأول يلزم ان لا يكون الأنبياء السابقون الذين لم يكن الروح معهم معصومين، وهوباطل بالإجماع.
وعلى الثاني يلزم أن لا يكون النبي والأئمة معصومين في حد أنفسهم فإنهم كانوا محتاجين إلى تأديب الروح إياهم ولزم تفضيل الأنبياء على النبي والأئمة إذ كانوا معصومين بلا مصاحبة الروح وهؤلاء بمعيته. ولقد تناقض شيخهم ابن بابويه فقال في كتاب (الاعتقاد): إن الله لم
------------------------
(1) أنظر ص 63 و69.
يخلق افضل من محمد والأئمة، وهؤلاء أحب احباء الله، وإن الله يحبهم أكثر من غيرهم من جميع خلقه زبريته، ثم هوقد روى في كتاب (الأمالى) برواية صحيحة في ضمن خبر طويل في قصة تزويج سيدتنا فاطمة بالأمير رضي الله عنهما عن الصادق عن آبائه أن الله تعالى قال لسكان الجنة من الملائكة وأرواح الرسل ومن فيها: الا إنى زوجت أحب النساء إلى من أحب الرجال إلى بعد النبيين، وهذه الرواية تنادى بأعلى صوت: إن الأنبياء أحب إلى الله من الأمير لكونه أحب إليه بعدهم ولا عذر لابن بابويه في هذا التناقض الصريح والتهافت القبيح إلا أن يقول ((ليس للكذاب حفظ)) لا غير.
... العقيدة الثالثة: أن الأنبياء معصومون من التقول وقول الكذب والبهتان مطلقاً عمداً كان أوسهواً، قبل النبوة أوبعدها. وقال الإمامية: يجوز لهم ذلك من البهتان وقول الكذب، بل يجب عليهم تقية، مع أن الكذب لوجاز على الأنبياء، ولوتقية لم يبق الوثوق والاعتماد على قولهم، وانتفض غرض البعثة. ولوكانت التقية جائزة للأنبياء لما أمكن تبليغ أحكام الله تعالى للناس بالضرورة، لأن الاحتجاج إلى التقية في أول الآمر الذى لا يكون لهم فيه ممد وناصر أكثر وأمس، ولوأظهروا في ذلك الوقت خلاف حكم الله تعالى مخافة إيذاء القوم متى يعلم حكم الله بعد ذلك؟ وكيف يتصور علمه؟ فيجب عليهم ان يبلغوا كل أمرهم بتبيلغه لقوله تعالى (يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك (الآية ولوحقهم مخافة، كما قال تعالى (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً من الله وكفى بالله حسيباً (ولوكان الأنبياء فعلوا بالتقية لما عاداهم الكفار وكذبوهم وآذوهم وجادلوا قومهم ليلاً ونهاراً وصبروا على ما أصابهم من القتل والضرب والشتم وغير ذلك، فثبت أن التقية ليست جائزة لهم أصلاً.
... العقيدة الرابعة: أن الأنبياء لابد لهم من معرفة الواجبات الإيمانية قبل البعثة وبعدها بالضرورة، لأن الجهل بالعقائد موجب للكفر، ومعاذ الله أن يكون هذا الجهل لجنابهم الأقدس. نعم إنهم لا يحصل لهم علم بوجود الحكام الشرعية بدون ورود الوحي إليهم، وقد ورد باعتبار عدم هذا العلم قوله تعالى (وعلمك ما لم تكن تعلم (، وقد أجمع على هذه العقيدة جماهير المسلمين واليهود والنصارى، إلا الإمامية فإنهم قالوا لا تكون معرفة أصول العقائد حاصلة للأنبياء حين البعثة بل وقت المناجاة والمكالمة، معاد الله من هذا الاعتقاد الباطل الذى بطلانه بديهي لا يحتاج إلى دليل.
... العقيدة الخامسة: ان الأنبياء معصومون من صدور ذنب يكون الموت عليه هلاكاً خلافاً للإمامية فإنهم رووا في حق بعض الأنبياء صدور هذا الذنب منه، روى الكلينى عن أبن أبي يغفور أنه قال سمعت أبا عبدالله يقول وهورافع يده إلى السماء: رب لا تكلنى إلى نفسى طرفة عين ولا أقل من ذلك. فما كان باسرع من ان تحدر الدمع من جوانب لحيته، ثم اقبل على فقال: يابن ابي يعفور إن يونس بن متى وكله الله إلى نفسه اقل من طرفة عين فاحدث ذلك. قلت: فبلغ به كفراً أصطلحك الله؟ فقال: ولكن الموت على تلك الحال كان هلاكاً. وأعلم أن ما يظهر من نص الكتاب في امر يونس أنه ذهب عن قومه بلا إذن ربه فعوتب على هذا الامر، وأيضاً تعجل في الدعاء على قومه ولم يتحمل شدائد إيذائهم وتكذيبهم كما ينبغي لأولى العزم. وظاهر أن هذين الأمرين ليسا بذنب فضلاً عن أن يكونا كبيرة فلأن يونس قد قامت عنده قرائن قوية على ان قومه لن يؤمنوا به فدعا عليهم، وأيضاً خاف بعد أنكشاف العذاب عنهم أن يؤذوه إيذاء شديداً ويكذبوه تكذيباً صريحاً حيث لم يلحق العذاب على وفق وعده فلهذا هرب وفر منهم ولم ينتظر حكم الله فيه. ولما كان منصب الأنبياء أعلى وأرفع عوتب على هذا القدر عتاباً شديداً وأدب ونبه، وما ورد في القرآن المجيد في حقه (فظن أن لن نقدر عليه (فهومشتق من القدر بمغنى التضييق والأخذ الشديد من قبيل قوله تعالى (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر (لا من القدرة حيث يثبت فساد عقيدته، والدليل الصريح على هذا ما وقع بعده (فنادى في الظلمات (إذ لن يصح تخريج الدعاء والنداء على معنى القدرة، بخلاف ذلك المعنى المذكور فإنه الصق به. فحاصل المعنى على ما قلنا أنه ظن انا لن نضيق عليهم ولن ناخذهم أخذاً شديداً في العقاب فتاب وأستغفر لما فعله رجاء للقبول، وأعتراف يونس بالظلم على نفسه حيث قال (إنى كنت من الظالمين (إنما هولهضم النفس والتضرع في جنابه
تعالى والعلم القليل كثير كما هودأب الصالحين اولاجل ترك الأولى فانه في حق الأنبياء في حكم المعصية والظلم في حق عوام الناس.
العقيدة السادسة: أن آدم ابوالبشر كان صفى الله بريئاً من الحسد والبغض معصوماً من الأصرار على معصية الله تعالى. وهذا مذهب أهل السنة لقوله تعالى (ثم أجتباه ربه فتاب عليه وهدى (وقوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هوالتواب الرحيم (وقوله تعالى (إن الله اصطفى أدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (وقد وصفه الشيعة بالحسد والبغض وسائر الخصال الذميمة وأنه مصر على عصيان الله تعالى، وما ثبت لإبليس من القبائح كالحسد وترك امتثال الأمر بالسجود وغير ذلك مما حصل له بسبب آدم يثبته الشيعة لأدم بسبب الأئمة، فإنه حسدهم ولم يقر بولايتهم.
روى ابن بابويه في عيون أخبار الرضا عن الإمام الرضا أنه قال: عن آدم لما أكرمه الله بسجود الملائكة له وإدخال الجنة قال في نفسه أنا أكرم الخلق، فنادى عز وجل: أرفع رأسك يا آدم فأنظر إلى ساق العرش، فرفع رأسه فوجد فيه مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله على ولي الله أمير المؤمنين وزوجته فاطمة سيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. فقال آدم: يارب من هؤلاء؟ فقال عز وجل: هؤلاء من ذريتك وهم خير منك ومن جميع خلقى، ولولاهم ما خلقتك وما خلقت الجنة والنار ولا السماء ولا الأرض، فإياك أن تنظر إليهم بعين الحسد فاخرجك عن جوارى، فنظر إليهم بعين الحسد فسلط عليه الشيطان حتى اكل من الشجرة التى نهى الله تعالى عنها.
وروى ابن بابويه أيضا في عيون الأخبار عن المفصل بن عمر أبي عبد الله قال: لما أسكن الله عز وجل آدم وزوجته الجنة قال لهما (وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (فنظرا إلى منزلة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من بعدهم فوجداها أشرف المنازل التى في الجنة فقالا: ربنا لمن هذه المنزلة؟ فقال الله عز وجل: أرفعوا رءوسكم إلى ساق عرشي، فرفعا راسهما فوجدا اسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الجبار جل جلاله، فقالا: يا ربنا ما أكرم هذه المنزلة عليك، وما أجبهم إليك، وما أشرفهم لديك. فقال الله تعالى: لولاهم ما خلقتكما، هؤلاء خزنة علمى وأمنائى على سرى إياكم أن تنظرا إليهم بعين الحسد، وتتمنيا عندى ومحلهم من كرامتى، فتدخلا من ذلك في نهيى وعصياني فتكونا من الظالمين. فوسوس إليهما الشيطان فدلاهما بغرور وحملهما على تمنى منزلتهم، فنظرا إليهم بعين الحسد، فخذلا. لذلك ينبغي للعاقل أن يتامل في مدلول هذين الخبرين فإنهما - كما ذكر - فيهما ما فيهما من إهانة آدم وتحقيره، إذ الحسد مطلقاً من المذمومات والقبائح وأمراض القلب وأسقام الروح بإجماع جميع اهل الملل والنحل، خصوصاً حسد الأكابر والأخيار من عباد الله فإنه كبيرة من عمدة الكبائر، وهم يسبونه إلى آدم خاصة بعد تقييد الله وتأكيده التام له في منعه، ففي مذهبهم لم يبق فرق بين آدم وإبليس، فإن ما فعله إبليس في حقه فعله آدم في حق أولاده، بل إن فعل آدم صار أقبح من فعل أبليس، فإن إبليس لم يكن له علاقة بآدم من وجه بل كانت المباينة بينهما بالكلية بخلاف آدم فإنه كان بينه وبين هؤلاء الكبار علاقة الأبوة والنبوة، فلزم أن قطيعة رحم القريب وحسد الأولاد الذى هومن المحالات العادية في سلامة الفطرة قد نسب إلى نبي هوأول الأنبياء، وكان قبله الملائكة وساكن الجنة، معاذ
الله من ذلك. فهذا هوحال آدم وفعله في حق العباد عند الإمامية، وأما معاملته في حق الله تعالى فنشرحها على طبق ما عندهم من الرواية الأخرى: روى محمد بن الحسن الصفار عن أبي جعفر: قال الله تعالى لآدم وذريته التى اخرجها من صلبه: ألست بربكم وهذا محمد رسول الله (وعلي أمير المؤمنين واوصيناه من بعدى ولاة امرى، وأن المهدى أنتقم من أعدائى وأعبد به طوعاً وكرهاً؟ قالوا اقررنا وشهدنا، وآدم لم يقر ولم يكن له عزم على الإقرار به. ولا يخفى أن هذا الخبر قد ذكر فيه كفر آدم صريحاً، إذ لزمه كفر الجحود، وهونوع اشد من أنواع الكفر الأربعة. وتكفير نبي قد خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وقال في خلقه (إن الله اصطفى آدم (وأمر الملائكة بالسجود له، كم له بعد عن الدين والإيمان وقد أنكر الشريف المرتضى خير الميثاق في كتابه بالدرر والغرر حمية الإسلام في الجملة، وحكم بوضع ذلك الخبر وأختراعه، وأخرج ابن الصفار وشيوخه عن دائرة الإيمان ولله الحمد.
والعجب من علماء هذه الفرقة أنهم لا يتأملون في نظم الكتاب، ولا يجدون أن محل العتاب على آدم ليس إلا أكل الشجرة المنهى عنه فقط، وما هوكبيرة بالإجماع، ولوأن هذه الأمور وقعت منه لكان على الله أن يجعل تلك الأمور محل العتاب لا أكل الشجرة المنهى عنه، وكان يخبر بها دونه، ليكون لأبي بكر وعمر وعثمان عبرة في ذلك فيجتنبوا امثال هذه القبائح (1).
وقد لوحظ في كتبهم رواية أخرى أيضاً عن الإمامية في ترك العهد الذى كان على آدم. وروى ابن الصفار المذكور في قوله تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم (قال عهد الله إلى آدم في محمد والأئمة من بعده، فترك ولم يكن له عزم أنهم كذا.
... واصل الحقيقة أن (ابن الصفار) هذا كان رجلاً علجاً من علوج المجوس، وكان اسم جده فرخ، وهوكان يعد من موالى موسى بن عيسى الأشعري، وقد بقى في طينيه الخبيبثة المجوسية، غاية الأمر أنهم كانوا يتسترون بالتشيع: والدليل الصريح على هذا أن أبن الصغار يروى عن الئمة روايات تقدح بالحقيقة في الأئمة أيضاً كالأخبار المذكورة، لأن كل طائفة من طوائف المليين من اليهود والنصارى والمسلمين قد اجمعوا على فضيلة أبي البشر آدم وكرامته على الله تعالى واصطفائه على العالمين. وغذا انتشر مثل هذه الروايات عنه في العالم يعتقد الناس قاطبة في حق الأئمة بطلان غمامتهم وعدم حقيتها، بل عدم دليله وينفرون عنهم بهذه الكلمات، ويحدث في الإسلام ابتلاء عظيم، ويحصل للمجوس مدعاهم وأمانى قلوبهم من زوال نور الإسلام. وبحمد الله قد أطلع أهل السنة على خباثة هؤلاء القوم وطرحوا رواياتهم، ولكن الشيعة لما اضلهم الشيطان عن طريق الصواب وتركهم تبعاً لهؤلاء الشيوخ المضلين، جعلوا
------------------------
(1) لعل القارئ قد لاحظ من أول الكتاب إلى الأن المؤلف يخاطب الشيعة بعقليتهم، ويحتج عليهم برواياتهم واساليبهم، مبالغة منه في سد ابواب المراء في وجوههم وليقنع اتباعهم بان ماهم عليه يناقض دعاويهم وينقضها من اصولها.
دينهم وإيمانهم على رواية هؤلاء الكفرة، وبدلوا إيمانهم في سبيل متابعة أولئك الأبالسة، ومن يضلل فما له من هاد.
العقيدة السابعة: أن أحداً من الانبياء لم يستعف عن الرسالة قط، ولم يعتذر في أداء أحكام الله تعالى اصلاً، وهذا هومذهب اهل السنة. وقال الإمامية إن بعض اولى العزم من الرسل أستعفوا عن الرسالة واظهروا الاعتلال وعدم الموافقة وبينوا العذر منهم موسى على نبينا وعليه السلام، فإنه لما قال له تعالى وناداه بلا واسطة أحد يا موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون، قال موسى في جوابه: أعفنى من هذا الآمر إنى اخاف أن يكذبون، ويضيق صدرى من المباحثة، ولا ينطلق لسانى ايضاً لكونه العقدة فيه فيقصر في تقرير المطلب، ولهم على ذنب بما قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلونى بدله، فارسل هرون أخى هوافصح منى لساناً وأجعله رسولا إلى فرعون. والإمامية يخرجون هذه المعانى من آيات الكتاب ويفههمونها من كلام الله تعالى، مع ان الأستعفاء عن الرسالة متضمن لرد الوحي ومستلزم لعدم الأنقياد وترك الأمتثال لآمر الله تعالى، والأنبياء معصومون عن مثل هذه الأمور، وأنت تعلم انهم لا محل لهم بالتمسك في آيات الكتاب الوادرة في احوال موسى، بل تلك الآيات عند التأمل معجزة لهم ومكذوبة لدعواهم هذه، لأن موسى لم يقل عنه فيما حكى عنه في القرآن المجيد هذا القول ولوبمعناه ((اعفني من هذا الأمر)) أصلاً ولم يذكر من قبله فيه قط وكذا هذا القول ((أرسل هرون بالرسالة إليهم بدلا مني)) وهذه كلها ناشئة من سوء فهم علماء هذه الفرقة وشدة وقاحتهم. نعم قد بين سخافة تكذيب قوم فرعون وخوف قتلهم إياه قبل أداء الرسالة وضيق صدره وقصور لسانه ولكن لا من جهة الاستعفاء والاعتلال بل لطلب العون على امتثال الأمر وتمهيد العذر في طلب المعين وهذا عين الحجة لقبوله لا على رده ودفعه وفي آية (واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي أشدد به أزري وأشركه في أمري (ورد تفسير هذا بأن غرض موسى كان إشتراك أخيه بنفسه في أمر الرسالة لا المدافعة عن نفسه ولا جعل هرون في
مكانه. وكذا قوله أخاف أن يكذبون وأخاف أن يقتلوهن إنما كان لمحض استدفاعه البلاء عن نفسه واستجلابه الحفظ من رب الأرض والسماء لا دفع هذا المنصب العالي عن نفسه نعوذ بالله تعالى من سوء الفهم والظن لا سيما في حق الأنبياء وخصوصاً أولي العزم.
العقيدة الثامنة: أن المبعوث من عند الله تعالى إلى الخلق كافة هومحمد بن عبد الله ابن عبد المطلب بن هاشم (لا على بن أبي طالب بن عبد المطلب وأن جبريل أمين الله على وحيه الذي جاء به إلى النبي (من عند ربه لا من نفسه ولم يحن في أداء الرسالة قط. وخالفت الغرابية إحدى فرق الشيعة في ذلك (1) ولا يمكن الاحتجاج عليهم بالكتاب لأنه وصل النبي (بواسطة جبرائيل وهوغير مقبول عندهم، ولا بقول الأئمة لأن شهادتهم لجدهم وشرفه يعود إليهم بل لا بد من أن يحتج عليهم بالتوراة لأنها نزلت دفعة واحدة في الطور بلا واسطة أحد مكتوب على الألواح ولم يكن فيها دخل لجبريل قال الله تعالى في سفر التكوين من التوراة لا براهيم: إن هاجر تلد، ويكون من ولدها من يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخشوع (2) ولم يكن ذلك الولد إلا محمد (وحده لأن علياً كرم الله وجهه كان في زمن الخلفاء الثلاثة مغلوباً خائفاً مظلوماً (3). وفي سفر التثنية منها: يا موسى إني مقيم لبني إسماعيل نبيا وأجرى قولى في فيه ويقول لهم ما آمره به (4). وهذا النبي لا بد أن يبعث في بني إسماعيل وعلي بن أبي طالب لم يبلغ قط ما أمر الله تعالى بل هومن أتباع نبي وقته فليس ذلك النبي إلا محمد بن عبدالله. وفي الزبور: يا أحمد فاضت الرجمة على شفتيك من أجل ذلك أبارك عليك فتقلد السيف فإنه بهاؤك وحمدك الغائب وبوركت كلمة الحق فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك سهامك مسنونة والامم يجرون تحتك كتاب حق الله من اليمن والتقديس من جبل فاران وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه وملك الأرض ورقاب الأمم (5) وفي موضع آخر منه لقد
انكسفت السماء من بهاء أحمد وامتلأت الأرض من حمده. إلى غير ذلك من نصوص الانجيل مما هومذكور في الترجمة وعندي أن هذا مما لا حاجة إلى إقامة الحجة على بطلانه ومن أنكر شمس الضحى فليترك مع شيطانه.
العقيدة التاسعة: أن معراج النبي (إلى السماوات بشخصه حق، وليس لأحد من أهل عصره مشاركة له في ذلك لقوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى (وقوله تعالى (ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى - إلى قوله تعالى - لقد رأى من آيات ربه الكبرى (وكتب الامامية مشحونة من كلام الأئمة في ذلك. وخالفت أكثر
----------------
(1) تقدم التعريف بالشيعة الغرابية في ص13
(2) في سفر التكوين المتداول عندهم بالاصحاح 16: 1. - 12 ((وقال لها ملاك الرب: ها أنت حبلي فتلدين ابنا وتدعين اسمه إسماعيل…يده على كل واحد ويد كل واحد عليه وأمام جميع إخوانه يسكن…. إلخ)) وفي الصحاح 17 من سفر التكوين: 2. ((وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً، اثنى عشر رئيساً يلد واجعله أمة كبيرة)).
(3) أي حسب مزاعم الإمامية.
(4) في سفر التثنية من التوراة (18: 15): يقيم لك الرب الهك نبيا من وسطك - من إخوتك مثلى، له تسمعون)) (18: 18): ((أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به)).
(5) في سفر التثنية من التوراة 33: 2 ((جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم)) وبرية فاران هي التي سكنتها هاجر وابنها إسماعيل كما في سفر التكوين 21: 21.
فرق الشيعة في هذه المسألة فبعضهم أنكر وهم الاسماعيلية والمعمرية والذمية (1) أصل المعراج مستدلين بشبهات الفلاسفة من استبعاد الحركة السريعة وخرق السماوات وقد برهن عليها في كتاب الكلام وبعضهم وهم المنصورية (2) أنكر الاختصاص وقالوا إن أبا منصور العجلى قد صعد أيضاً بجسده في اليقظة إلى السماوات وشافه الله تعالى وكالمه ومسح الله تعالى بيده فوق رأسه والعجلى هذا هوالذي أخرجه الإمام الصادق من بيته وطرده ثم ادعى الإمامة لنفسه. ومن الإمامية من يقول بمشاركة الأمير في المعراج ومنهم من قال لا لكن رأى وهوفي الأرض ما رآه النبي (على العرش سبحانك هذا بهتان عظيم! إذ لوكانت تلك الرؤية ممكنة من الأرض لم كلف النبي (إلى الصعود؟ فيلزم على هذا تفصيل الأمير على النبي (وقد نبين بطلانه.
العقيدة العاشرة: نصوص الكتاب وسنن النبي (كلها محمولة على معانيها الظاهرة وأن التكاليف لم ترتفع. وذهب فرق كثيرة من الشيعة كالسبعية والخطابية والمنصورية والمعمرية والباطنية والقرامطة والرزامية إلى ان كل ما ورد في الكتاب والسنة من الوضوء والتيمم والصلاة والصوم والزكاة والحج والجنة والنار والقيامة والحشر ونحوها غير محمولة على ظاهرها بل هي إشارات إلى الأشياء أخر لا يعلمها إلا الإمام المعصوم، كقول السبعية (3) إن الوضوء موالاة الإمام، والتيمم الأخذ من المأذون في غيبة الإمام، والصلاة عبارة عن الرسول الناطق بالحق بدليل أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والغسل عبارة عن تجديد العهد للإمام، والجنة هي سقوط التكاليف الشرعية، والنار مشقة حمل التكاليف والعمل بالظواهر.
واما القائلون بأرتفاع التكاليف الشرعية بالكلية فهم المنصورية (4) القائلون من لقى إمام الوقت سقط عنه جميع التكاليف بنفسها فيفعل حينئذ ما يشاء، لأن الجنة عبارة عن الإمام، وبعد الوصول لا يبقى تكليف. والحميرية (5) القائلون إن أمر الشيعة مفوض إلى حجة الوقت، فإن شاء أوزاد أونقص.
--------------------------
(1) تقدم الكلام عن فرق الإسماعيلية في ص 17 و18، والكلام على المعمرية والذمية في ص 13.
(2) أنظر في ص 12 الكلام على المنصورية وأبي منصور العجلى.
(3) تقدم الكلام عليهم في ص 18.
(4) أنظر ص 12.
(5) نسبة إلى الحسن بن صباح الحميرى، وهم النزارية من الإسماعيليين. أنظر ص 19.
العقيدة الحادية عشرة: أن الله تعالى لم يرسل ملكاً إلى أحد في الأرض من البشر بعد خاتم النبيين (. وقالت الإمامية كان أمير يوحى إليه، والفرق بين وحى الروسل وبين وحى الأمير أن الرسول كان يشاهد الملك والأمير يسمع صوته فقط.
روى الكلينى في الكافى عن السجاد ان على بن أبي طالب كان محدثاً وهوالذى يرسل الله إليه الملك فيكلمه ويسمع الصوت ولا يرى الصورة (1). وهذه الرواية كذب مع انه يناقضها الروايات الأخر الثابتة عندهم عن الأئمة منها أن الرسول (قال: أيها الناس لم يبق بعدى من النبوة إلا المبشرات. ومنها ما كان البارى تعالى انزله من الكتاب المختوم بخواتم الذهب إلى نبي الزمان وهوأوصله إلى الأمير والأمير أوصله إلى الإمام الحسن وهكذا إلى المهدى وكان السابق يوصى اللاحق أن يفك خاتماً واحداً من ذلك الكتاب ويعمل بما فيه، فإذا كان الأمر كذلك لم يكن حاجة إلى إرسال الملك والإيحاء. وذهبت طائفة من الإمامية إلى أن سيدة النساء فاطمة غلبها السلام كان يوحى إليها بعد وفاة النبي (. وقد جمع ذلك الوحي وسماه (مصحف فاطمة (2)) وأكثر الوقائع الأتية وفتن هذه الأمة مذكورة فيه والأئمة إنما يخبرون الناس باخبار الغيب من ذلك المصحف، سبحانك هذا بهتان عظيم وقول وخيم.
العقيدة الثانية عشرة: أن الإمام لا يجوز له أن ينسخ حكماً من الحكام الشرعية ولا يبدله. وذهبت الإمامية إلى جواز ذلك مستدلين بروايات مفتراة على الأئمة، منها مارواه ابن بابويه القمى عن أبي عبد الله أنه قال: إن الله تعالى آخى بين الأرواح في ألأزل قبل أن يخلق الاجسام بالفى عام، فلوقد قام قائم أهل البيت ورث الأخ من اللذين آخى بينهما في الأزل ولم يورث الأخ من الولادة. ومما يدل على كذب هذه الرواية أن التكاليف الشرعية لما كانت لازمة لعامة الناس لابد أن تكون منوطة بالعلاقة الظاهرة والأمور الجلية كالتوالد والقرابة ونحوهما مما يدركه البشر، والمؤاخاة الأزلية لا يدركها العقل، ونص الإمام لا يمكن في كل فرد فرد.
---------------------------
(1) وأنظر ص 41 من الكافى الكلينى طبعة سنة 1278. وضلالة سماع الصوت أدعاها غاندى لنفسه ووافقه عليها قاديانيه في مجلة light الجزء 19 بتاريخ 16 يوليو1933 ورد عليهم الدكتور تقى الدين الهلالي في مجلة (الفتح) ثم نشر في رسالة مستقلة بعنوان ((سب القاديانيين للإسلام)). فالإمامية سبقوا القاديانيين وعابد البقر إلى هذه الخرافة.
(2) في كتاب (الكافى) للكلينى ص 57 وهوعندهم مثل صحيح البخارى عند المسلمين ان أبا بصير سمع من جعفر الصادق قوله ((وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام، وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام…. مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم هذا حرف واحد، وأبوبصير مخترع هذه الكذوبة هوليث بن البخترى وتقدم التعريف به في هامش ص 65، وقد أعترف علماء الإمامية بانه مطعون في دينه لكنهم قالوا إنه ثقة والطعن في دينه لا يوجب الطعن! وهكذا قالوا والله حسيبهم….
والحاصل أن هذه العقيدة مخالفة لظاهر العقل لأن الإمام خليفة النبي في ترويج الشريعة وتعليمها، فإن كان له دخل في تبديل الأحكام وتغييرها فقد خالفه، مع أنه ليس بشارع، وكذا النبي لقوله تعالى (شرع لكم من الدين (وقوله تعالى (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً (نسأله تعالى أن يعصمنا من مثل هذا الزلل ويوفقنا إلى ما يحب من القول والعمل.
عقيدة الشيعة في النبوة
المبحث الأول: النبوة ولوازمها:
قال شيخ الإسلام: (ومما يبين الكلام في مسألة العصمة أن تعرف النبوة ولوازمها وشروطها فإن الناس تكلموا في ذلك بحسب أصولهم في أفعال الله تعالى إذا كان جعل الشخص نبيا رسولا من أفعال الله تعالى)([1]).
ثم ذكر النبوة عند الجهمية والأشاعرة وأنها: (مجرد إعلامه بما أوحاه الله، والرسالة مجرد أمره بتبليغ ما أوحاه إليه)([2]).
ثم بين ما هي النبوية عند المعتزلة والشيعة فقال: (وكثير من القدرية المعتزلة والشيعة وغيرهم ممن يقول بأصله في التعديل والتجوير وأن الله لا يفضل شخصا على شخص إلا بعمله يقول إن النبوة أو الرسالة جزاء على عمل متقدم فالنبي فعل من الأعمال الصالحة ما استحق به أن يجزيه الله بالنبوة)([3]).
ثم ذكر النبوة عند المتفلسفة، وأنها: (فيض يفيض على الإنسان بحسب استعداده وهي مكتسبة عندهم... إلخ)([4]).
ثم بعد ذلك بين قول السف فقال: (والقول الرابع: وهو الذي عليه جمهور سلف الأمة وأئمتها وكثير من النظار أن الله يصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس والله أعلم حيث يجعل رسالاته فالنبي يختص بصفات ميزه الله بها على غيره وفي([5]) عقله ودينه واستعد بها لأن يخصه الله بفضله ورحمته كما قال تعالى: )وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ(([6]) وقال تعالى: )مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(([7]) وقال تعالى لما ذكر الأنبياء بقوله: ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين )وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(([8]).
فأخبر أنه اجتباهم وهداهم)([9]). (والأنبياء أفضل الخلق باتفاق المسلمين)([10]).
(أفضل الخلق وهم أصحاب الدرجات العلى في الآخرة فيمتنع أن يكون النبي من الفجار بل ولا يكون من عموم أصحاب اليمين بل من أفضل السابقين المقربين فإنهم أفضل من عموم الصديقين والشهداء والصالحين وإن كان النبي أيضا يوصف بأنه صديق وصالح وقد يكون شهيدا لكن ذاك أمر يختص بهم لا يشركهم فيه من ليس بنبى كما قال عن الخليل )وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(([11]) وقال يوسف: )تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(([12]) فهذا مما يوجب تنزيه الأنبياء أن يكونوا من الفجار والفساق وعلى هذا إجماع سلف الأمة وجماهيرها)([13]).
ثم قال: (وأما من جوز أن يكون غير النبي أفضل منه فهو من أقوال بعض ملاحدة المتأخرين من غلاه الشيعة والصوفية والمتفلسفة ونحوهم)([14]).
ثم بين الأدلة التي تدل على أن النبي لا يكون فاسقا ولا فاجرا فقال: (وأما الجمهور الذين يثبتون الحكمة والأسباب فيقولون نحن نعلم بما علمناه من حكمة الله أنه لا يبعث نبيا فاجرا وأن ما ينزل على البر الصادق لا يكون إلا ملائكة لا تكون شياطين كما قال تعالى: )وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ( -إلى قوله- )هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ(([15]).
فهذا مما بين الله به الفرق بين الكاهن والنبي، وبين الشاعر والنبي، لما زعم المفترون أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم شاعر وكاهن وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أتاه الوحي في أول الأمر وخاف على نفسه قبل أن يستيقن أنه ملك قال لخديجة: «لقد خشيت على نفسي» قالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق([16])
فاستدلت رضي الله عنها بحسن عقلها على أن من يكون الله قد خلقه بهذه الأخلاق الكريمة التي هي من أعظم صفات الأبرار الممدوحين أنه لا يجزيه فيفسد الشيطان عقله ودينه ولم يكن معها قبل ذلك وحي تعلم به انتفاء ذلك بل علمته بمجرد عقلها الراجح.... وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال له ذو الخويصرة([17]): اعدل يا محمد فإنك لم تعدل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لقد خبت وخسرت إن لم أعدل ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء»([18]) والرواية الصحيحة بالفتح أي أنت خاسر خائب إن لم أعدل إن ظننت أني ظالم مع اعتقادك أني نبي فإنك تجوز أن يكون الرسول الذي آمنت به ظالما وهذا خيبة وخسران.
فإن ذلك ينافى النبوة ويقدح فيها وقد قال تعالى: )وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(([19]) وفيه قراءتان: يَغُل ويُغَل([20]) أي ينسب إلى الغلول بين سبحانه أنه ما لأحد أن ينسبه إلى الغلول كما أنه ليس له أن يغل فدل على أن النبي لا يكون غالا)([21]).
ثم قال: (ودلائل هذا الأصل عظيمة لكن مع وقوع الذنب الذي هو بالنسبة إليه ذنب وقد لا يكون ذنبا من غيره مع تعقبه بالتوبة والاستغفار لا يقدح في كون الرجل من المقربين السابقين ولا الأبرار ولا يلحقه بذلك وعيد في الآخرة فضلا عن أن يجعله من الفجار)([22]).
***
المبحث الثاني
عصمة الأنبياء وتنازع الرافضة في ذلك
(أهل السنة متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى وهذا هو مقصود الرسالة فإن الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمين بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيء من الخطأ)([23]).
وقال شيخ الإسلام ردًا على القول الرافضي في ذكره لمذهب أهل السنة فزعم أن من مذهب أهل السنة: (أن الأنبياء غير معصومين) بل قد يقع منهم الخطأ.... إلخ)، (متفقون على أنهم لا يقرون علي خطأ في الدين أصلا ولا على فسوق ولا كذب ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله فهم متفقون على تنزيههم عنه وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون إنهم معصومون من الإقرار عليها فلا يصدر عنهم ما يضرهم.... وأما النسيان والسهو في الصلاة فذلك واقع منهم وفي وقوعه حكمة استنان المسلمين بهم كما روُي في موطأ مالك «إنما أنسىَّ أو أنسَى لأسن»([24]) وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» أخرجاه في الصحيحين([25]))([26]).
وأما الرافضة فإنهم طرفان: طرف غلوا في إثبات العصمة حتى جعلوهم في مرتبة الإله الخالق، وطرف غلوا في نفي العصمة وجوزوا عليهم العصيان حتى رفعوا الأئمة فوقهم، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام: (قال الأشعري في (المقالات): واختلفت الروافض في الرسول هل يجوز عليه أن يعصي أم لا؟ وهم فرقتان:
فالفرقة الأولى منهم: يزعمون أن الرسول جائز عليه أن يعصي الله وأن النبي قد عصى في أخذ الفداء يوم بدر فأما الأئمة فلا يجوز ذلك عليهم فإن الرسول إذا عصى فإن الوحي يأتيه من قبل الله والأئمة لا يوحى إليهم ولا تهبط الملائكة عليهم وهم معصومون فلا يجوز عليهم أن يسهوا ولا يغلطوا وإن جاز على الرسول العصيان قال والقائل بهذا القول هشام بن الحكم.
والفرقة الثانية منهم: يزعمون أنه لا يجوز على الرسول أن يعصي الله عز وجل ولا يجوز ذلك على الأئمة لأنهم جميعا حجج الله وهم معصومون من الزلل ولو جاز عليهم السهو واعتماد المعاصي وركوبها لكانوا قد ساووا المأمومين في جواز ذلك عليهم كما جاز على المأمومين ولم يكن المأمومون أحوج إلى الأئمة من الأئمة لو كان ذلك جائزا عليهم جميعا)([27]).
ثم قال: (فإذا قال مثل هؤلاء بأن الأنبياء والأئمة لا يجوز أن يخفى عليهم عاقبة فعلهم فقد نزهوا البشر عن الخطأ مع تجويزهم الخطأ على الله.... ومعلوم أن هذا من أعظم النقائص في حق الرب فإذا قالوا مع ذلك إن الأنبياء والأئمة لا يبدو لهم خلاف ما رأوا فقد([28]) جعلوهم لا يعلمون ما لم يكونوا يعلمونه في مثل هذا..
وقالوا بجواز ذلك في غيره وأما ما تقوله غلاتهم من إلهية علي أو نبوته وغلط جبريل بالرسالة فهو أعظم من أن يذكر هنا)([29]).
ثم ذكر أن العصمة قبل البعثة غير واجبة فقال: (اتفق المسلمون على أنهم معصومون [يعني الأنبياء] فيما يبلغونه عن الله فلا يجوز أن يقرهم على الخطأ في شيء مما يبلغونه عنه وبهذا يحصل المقصود من البعثة وأما وجوب كونه قبل أن يبعث نبيا لا يخطئ أو لا يذنب فليس في النبوة ما يستلزم هذا وقول القائل: "لو لم يكن كذلك لم تحصل ثقة فيما يبلغونه عن الله" كذب صريح فإن من آمن وتاب حتى ظهر فضله وصلاحه ونبأه الله بعد ذلك كما نبأ إخوة يوسف ونبأ لوطا وشعيبا وغيرهما وأيده الله تعالى بما يدل على نبوته فإنه يوثق فيما يبلغه كما يوثق بمن لم يفعل ذلك وقد تكون الثقة به أعظم إذا كان بعد الإيمان والتوبة قد صار أفضل من غيره.
والله تعالى قد أخبر أنه يبدل السيئات بالحسنات للتائب كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح([30]) ومعلوم أن الصحابة y من عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقبل أن يصدر منهم ما يدعونه من الأحداث كانوا من خيار الخلق وكانوا أفضل من أولادهم الذين ولدوا بعد الإسلام.
ثم يقال وأيضا فجمهور المسلمين على أن النبي لا بد أن يكون من أهل البر والتقوى متصفا بصفات الكمال ووجوب بعض الذنوب أحيانا مع التوبة الماحية الرافعة لدرجته إلى أفضل مما كان عليه لا ينافي ذلك وأيضا فوجوب كون النبي لا يتوب إلى الله فينال محبة الله وفرحه بتوبته وترتفع درجته بذلك ويكون بعد التوبة التي يحبه الله منه خيرا مما كان قبلها فهذا مع ما فيه من التكذيب للكتاب والسنة غض من مناصب الأنبياء وسلبهم هذه الدرجة ومنع إحسان الله إليهم وتفضله عليهم بالرحمة والمغفرة)([31]).
(والمقصود هنا أن الذين ادعوا العصمة مما يتاب منه عمدتهم أنه لو صدر منهم الذنب لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة لأن درجتهم أعلى فالذنب منهم أقبح وأنه يجب أن يكون فاسقا فلا تقبل شهادته وأنه حينئذ يستحق العقوبة فلا يكون إيذاؤه محرما وأذى الرسول محرم بالنص وأنه يجب الإقتداء بهم ولا يجوز الإقتداء بأحد في ذنب ومعلوم أن العقوبة ونقص الدرجة إنما يكون مع عدم التوبة وهم معصومون من الإصرار بلا ريب.
وأيضا فهذا إنما يتأتى في بعض الكبائر دون الصغيرة وجمهور المسلمين على تنزيههم من الكبائر لا سيما الفواحش وما ذكر الله تعالى عن نبي كبيرة فضلا عن الفاحشة بل ذكر في قصة يوسف ما يبين أنه يصرف السوء والفحشاء عن عباده المخلصين، وإنما يقتدي بهم فيما أقروا عليه ولم ينهوا عنه....فلا يجوز أن يصدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعمد الكذب ألبتة سواء كان صغيرة أو كبيرة.
بل قد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ما ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين»([32]))([33]).
ثم قال مبينا مقصود الرافضة فيما ذهبوا إليه من وجوب العصمة قبل البعثة: (وأما ما تقوله الرافضة من أن النبي قبل النبوة وبعدها لا يقع منه خطأ ولا ذنب صغير وكذلك الأئمة فهذا مما انفردوا به عن فرق الأمة كلها وهو مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف ومن مقصودهم بذلك القدح في إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لكونهما أسلما بعد الكفر ويدعون أن عليا رضي الله عنه لم يزل مؤمنا وأنه لم يخطأ قط ولم يذنب قط وكذلك تمام الاثنى عشر وهذا مما يظهر كذبهم وضلالهم فيه لكل ذي عقل يعرف أحوالهم ولهذا كانوا هم أغلى الطوائف في ذلك وأبعدهم عن العقل والسمع.
ونكتة أمرهم أنهم ظنوا وقوع ذلك من الأنبياء والأئمة نقصا وأن ذلك يجب تنزيههم عنه وهم مخطئون: إما في هذه المقدمة وإما في هذه المقدمة)([34]).
وقد وضح سبب هذا الخطأ فقال: (وهم قصدوا تعظيم الأنبياء بجهل كما قصدت النصارى تعظيم المسيح وأحبارهم ورهبانهم بجهل فأشركوا بهم واتخذوهم أربابا من دون الله وأعرضوا عن اتباعهم فيما أمروهم به ونهوهم عنه.
وكذلك الغلاة في العصمة يعرضون عما أمروا به من طاعة أمرهم والاقتداء بأفعالهم إلى ما نهوا عنه من الغلو والإشراك بهم فيتخذونهم أربابا من دون الله يستغيثون بهم في مغيبهم وبعد مماتهم وعند قبورهم ويدخلون فيما حرمه الله تعالى ورسوله من العبادات الشركية التي ضاهوا بها النصارى وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال عند موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»([35]) يحذر ما فعلوه قالت عائشة رضي الله عنها: «ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا»)([36]).
وقد بين أن (ما تذكره الرافضة من التنزيه إنما هو تعطيل وتنقيص لله ولأنبيائه)([37]). فقال: (وأما الأنبياء فإنكم سلبتموهم ما أعطاهم الله من الكمال وعلو الدرجات بحقيقة التوبة والاستغفار والانتقال من كمال إلى ما هو أكمل منه... ولم تعلموا أن هذا من أعظم نعم الله وأعظم قدرته حيث ينقل العباد من النقص إلى الكمال وأنه قد يكون الذي يذوق الشر والخير ويعرفهما يكون حبه للخير وبغضه للشر أعظم ممن لا يعرف إلا الخير)([38]).
وقد نقل عن الأشعري أن من الرافضة صنفا غلوا في النبي حتى نسبوا إليه الخلق فقال: (قال([39]): ومنهم صنف يزعمون أن الله وكل الأمور وفوضها إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه أقدره على خلق الدنيا فخلقها ودبرها وأن الله لم يخلق من ذلك شيئا)([40]).
وهذا من الخروج عن هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن أذيته، فإن إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم حرام في أمته وسنته وغير ذلك([41]) (وقد قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا(([42]) فأمر الله المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول ولو كان للناس معصوم غير الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأمرهم بالرد إليه فدل القرآن على أنه لا معصوم إلا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم)([43]).
ثم وضح أن هذه المسائل لا تختص بالإمامية فقال: (وأما المسائل المتقدمة فقد شرك غير الإمامية فيها بعض الطوائف إلا غلوهم في عصمة الأنبياء فلم يوافقهم عليه أحد أيضا حيث ادعوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يسهو([44]) فإن هذا لا يوافقهم عليه أحد فيما علمت اللهم إلا أن يكون من غلاة جهال النساك فإن بينهم وبين الرافضة قدرا مشتركا في الغلو وفي الجهل والانقياد لما لا يعلم صحته.
والطائفتان تشبهان النصارى في ذلك)([45]).
وقد رد رحمه الله على زعم الرافضي بأن أهل السنة يقولون: بأنه يجوز أن يعذب أحدًا من أنبيائه فقال: (أن هذا الذي قاله باطل باتفاق المسلمين فلم يقل أحد منهم أن الله قد يعذب أنبياءه ولا أنه قد يقع منه عذاب أنبيائه بل هم متفقون على أنه يثيبهم لا محالة لا يقع منه غير ذلك لأنه وعد بذلك وأخبر به وهو صادق الميعاد وعلم ذلك بالضرورة)([46]).
ثم وضح أنه ليس المراد نفي القدرة، وإنما نفي وقوع ذلك بوعد الله فقال: (إن أراد به أنهم يقولون إن الله قادر على ذلك فهو لا ينازع في القدرة، وإن أراد أنا هل نشك هل يفعله؟ أو لا يفعله فمعلوم: أنا لا نشك في ذلك بل نعلم انتفاءه وعلمنا بانتفائه مستلزم لانتفائه)([47]).
ثم رد على زعم الرافضي بأنه إذا جاز أن يسهو النبي أو يقع في خطأ فإن هذا مما ينفي الوثوق ويجب التنفير. فقال: (وأما قوله: "إن هذا ينفي الوثوق ويوجب التنفير" فليس هذا بصحيح فيما قبل النبوة ولا فيما يقع خطأ ولكن غايته أن يقال: هذا موجود فيما تعمد من الذنب فيقال بل إذا اعترف الرجل الجليل القدر بما هو عليه من الحاجة إلى توبته واستغفاره ومغفرة الله له ورحمته دل ذلك على صدقه وتواضعه وعبوديته لله وبعده عن الكبر والكذب بخلاف من يقول ما بي حاجة إلى شيء من هذا ولا يصدر مني ما يحوجني إلى مغفرة الله لي وتوبته علي ويصر على كل ما يقوله ويفعله بناء على أنه لا يصدر منه ما يرجع عنه.
فإن مثل هذا إذا عرف من رجل نسبه الناس إلى الكذب والكفر والجهل وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»([48]) فكان هذا من أعظم ممادحه وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله»([49]) وكل من سمع هذا عظمه بمثل هذا الكلام)([50]).
ثم ذكر عددًا من الأمثلة في ذلك، مبينا أن هذه الأحوال مما ترفع بها درجات الأنبياء لاعترافهم بفقر العبودية وكمال الربوبية، ثم قال: (وما ذكره من عدم الوثوق والتنفير قد يحصل مع الإصرار والإكثار ونحو ذلك وأما اللمم الذي يقترن به التوبة والاستغفار أو ما يقع بنوع من التأويل وما كان قبل النبوة فإنه مما يعظم به الإنسان عند أولي الأبصار.... فعلم أن التوبة والاستغفار لا توجب تنفيرا ولا تزيل وثوقا بخلاف دعوى البراءة مما يتاب منه ويستغفر ودعوى السلامة مما يحوج الرجوع إلى الله واللجأ إليه فإنه هو الذي ينفر القلوب ويزيل الثقة فإن هذا لم يعلم أنه صدر إلا عن كذاب أو جاهل.
وأما الأول: فإنه يصدر عن الصادقين العالمين ومما يبين ذلك أنه لم يعلم أحد طعن في نبوة أحد من الأنبياء ولا قدح في الثقة به بما دلت عليه النصوص التي تيب منها ولا احتاج المسلمون إلى تأويل النصوص بما هو من جنس التحريف لها كما يفعله من يفعل ذلك والتوراة فيها قطعة من هذا، وما أعلم أن بني إسرائيل قدحوا في نبي من الأنبياء بتوبته في أمر من الأمور وإنما كانوا يقدحون فيهم بالافتراء عليهم).
* * *
المبحث الثالث
تطاولهم على مقام النبوة
من ذلك طعنهم في رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإشراكهم عليا معه في الرسالة، و تفضيلهم للاثني عشر على الأنبياء وغيرها: وقد طعنوا في أبي بكر، وقالوا: إنه يظهر موالاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويبطن معاداته والطعن في الصحابة طعن في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الكلام ينطبق عليهم تمامًا وكل إناء بما فيه ينضح: قال شيخ الإسلام في معرض رده لهذه الفرية: (فكيف يشهد لأبي بكر بأن الله معهما وهو([51]) لا يعلم ذلك والكلام بلا علم لا يجوز وأيضا فإن الله أخبر بهذا عن الرسول إخبار مقرر له لا إخبار منكر له فعلم أن قوله إن الله معنا من الخبر الصدق الذي أمر الله به ورضيه لا مما أنكره وعابه.
وأيضا فمعلوم أن أضعف الناس عقلا لا يخفى عليه حال من يصحبه في مثل هذا السفر الذي يعاديه فيه الملأ الذين هم بين أظهرهم ويطلبون قتله وأولياؤه هناك لا يستطيعون نصره فكيف يصحب واحدا ممن يظهر له موالاته دون غيره وقد أظهر له هذا حزنه وهو مع ذلك عدو له في الباطن والمصحوب يعتقد أنه وليه وهذا لا يفعله إلا أحمق الناس وأجهلهم.
فقبح الله من نسب رسوله الذي هو أكمل الخلق عقلا وعلما وخبرة إلى مثل هذه الجهالة والغباوة)([52]).
(وقد برأ الله رسوله وصديقه من كذبهم وتبين أن قولهم يستلزم القدح في الرسول)([53]).
وقال في موضع آخر مبينا تفنيد هذا الزعم الباطل: (وأبو بكر معه دائما ليلا ونهارا حضرا وسفرا في خلوته وظهوره ويوم بدر يكون معه وحده في العريش ويكون في قلبه ضمير سوء والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم ضمير ذلك قط وأدنى من له نوع فطنة يعلم ذلك في أقل من هذا الاجتماع فهل يظن ذلك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وصديقه إلا من هو مع فرط جهله وكمال نقص عقله من أعظم الناس تنقصا للرسول وطعنا فيه وقدحا في معرفته. فإن كان هذا الجاهل مع ذلك محبا للرسول فهو كما قيل عدو عاقل خير من صديق جاهل)([54]).
وبين أنهم (مخالفون للقرآن والسنة المتواترة ولإجماع السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان)([55]).
وأن باطن أمرهم الطعن في الرسالة، قال رحمه الله: (وأما الرافضة فيطعنون في الصحابة ونقلهم وباطن أمرهم الطعن في الرسالة)([56]).
وقد بلغ بالرافضة حقدهم على الإسلام إلى أذية الله ورسوله قال شيخ الإسلام: (كما يذكر عن بعض الرافضة أنه آذى الله ورسوله بسبب تقديم الله ورسوله لأبي بكر وعمر وعن بعضهم أنهم كانوا يقرءون شيئا من الحديث في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتوا على فضائل أبي بكر فلما سمعها قال لأصحابه: «تعلمون والله بلاءكم من صاحب هذا القبر يقول مروا أبا بكر فليصل بالناس لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر»([57]))([58]).
وقال مبينا تفضيلهم للاثني عشر على من سواهم من المسلمين: (والرافضة تجعل الأئمة الاثنى عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وغاليتهم يقولون إنهم أفضل من الأنبياء لأنهم يعتقدون فيهم الإلهية كما اعتقدته النصارى في المسيح)([59]).
(ولهذا لا يوجد الغلو في طائفة أكثر مما يوجد فيهم. ومنهم من ادعى إلهية البشر، وادعى النبوة في غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وادعى العصمة في الأئمة، ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر الطوائف)([60]).
وقد وضح أن منهم من ادعى إشراك علي رضي الله عنه في النبوة، ومنهم من ادعى النبوة لنفسه، فقال مبينا بطلان تفسيرهم لبعض آيات القرآن كقوله تعالى: )وأشركه في أمري(([61]) فقال: (فصرحوا هنا بأن عليا كان شريكه في أمره كما كان هارون شريك موسى وهذا قول من يقول بنبوته وهذا كفر صريح وليس هو قول الأمامية وإنما هو من قول الغالية.
وليس الشريك في الأمر هو الخليفة من بعده فإنهم يدعون إمامته بعده ومشاركته له في أمره في حياته وهؤلاء الأمامية وإن كانوا يكفرون من يقول بمشاركته له في النبوة لكنهم يكثرون سوادهم في المقال والرجال بمن يعتقدون فيه الكفر والضلال وبما يعتقدون أنه من الكفر والضلال لفرط منابذتهم للدين ومخالفتهم لجماعة المسلمين وبغضهم لخيار أولياء الله المتقين واعتقادهم فيهم أنهم من المرتدين فهم كما قيل في المثل [رمتني بدائها وانسلت]([62]))([63]).
وقال: (وأما الشيعة فكثير منهم يعترفون بأنهم إنما قصدوا بالملك([64]) إفساد دين الإسلام ومعاداة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يعرف ذلك من خطاب الباطنية وأمثالهم من الداخلين في الشيعة... وأول هؤلاء بل خيارهم هو المختار بن أبي عبيد الكذاب([65]) فإنه كان أمير الشيعة وقتل عبيدالله بن زياد([66]) وأظهر الانتصار للحسين حتى قتل قاتله وتقرب بذلك إلى محمد بن الحنفية وأهل البيت ثم ادعى النبوة وأن جبريل يأتيه)([67]).
وقد وضح أن هذا ردة عن الإسلام و(أن أعظم الناس ردة هم في الشيعة أكثر منهم في سائر الطوائف)([68]).
([1]) المنهاج 2/ 413، 414.
([2]) المنهاج 2/ 414.
([3]) المنهاج 2/ 415.
([4]) المنهاج 2/ 415، انظر 4/ 520.
([5]) هكذا في المنهاج ولعل الصواب بحذف الواو في (عقله ودينه).
([6]) الزخرف آية / 31، 32.
([7]) البقرة آية / 105.
([8]) الأنعام آية 84- 87.
([9]) المنهاج 2/ 416- 417.
([10]) المنهاج 2/ 417.
([11]) العنكبوت آية 27.
([12]) يوسف آية 101.
([13]) انظر المنهاج 2/ 418، 419.
([14]) المنهاج 2/ 418.
([15]) الشعراء آية 192- 226.
([16]) رواه البخاري كتاب بدء الوحي باب «كيف كان بدء الوحي» 1/ 3 كتاب تفسير القرآن، سورة اقرأ 6/ 88، ومسلم كتاب الإيمان باب «بدء الوحي» 1/ 139- 143.
([17]) هو حرقوص بن زهير السعدي التميمي، القائل: «يا رسول الله اعدل» قتل مع الخوارج يوم النهروان، تجريد أسماء الصحابة 1/ 169، الإصابة لابن حجر 2/ 226- 227، 3/ 214.
([18]) رواه البخاري كتاب المناقب باب «علامات النبوة» 4/ 178- 179، ومسلم كتاب الزكاة باب (ذكر الخوارج وصفتهم) 2/ 743- 744.
([19]) آل عمران آية 161.
([20]) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بن العلاء وعاصم بفتح الياء وضم الغين والباقون بضم الياء وفتح الغين: البدور الزاهرة / 70، حجة القراءات لابن نجلة 179، 180.
([21]) المنهاج 2/ 419- 421.
([22]) المنهاج 2/ 421.
([23]) انظر المنهاج 1/ 470، 471، 2/ 410، 3/ 372، 7/ 421.
([24]) في كتاب السهو باب «العمل في السهو» 1/ 100، المسند تحقيق أحمد شاكر 6/ 36، وقال: إسناده صحيح.
([25]) رواه البخاري في كتاب الصلاة باب «التوجه نحو القبلة» 1/ 105، ومسلم في كتاب المساجد باب «السهو في الصلاة والسجود» 1/ 402.
([26]) المنهاج 1/ 471، 472.
([27]) المنهاج 2/ 394.
([28]) يقول (الخميني) في كتابه «الحكومة الإسلامية» صـ 61، (وقد ثبت ركنا أصيلا من عقيدتنا - نحن الإمامية- أن للمعصومين الأربعة عشر - عليهم السلام- امتيازا في جميع مراحل الوجود يفوقون به جميع الخلائق على الإطلاق).
([29]) المنهاج 2/ 395.
([30])وردت أحاديث كثيرة بهذا المعنى منها، ما رواه مسلم في كتاب التوبة، وباب قوله تعالى: )إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ( 4/ 2115.
([31]) المنهاج 2/ 396، 397.
([32]) رواه أبو داود في كتاب الجهاد باب «قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام» 3/ 133، كتاب الحدود باب «الحكم فيمن ارتد» 4/ 520، ورواه النسائي في كتاب تحريم الدم باب «الحكم في المرتد» 7/ 103.
([33]) المنهاج 2/ 426- 427، انظر 3/ 372، 373.
([34]) المنهاج 2/ 429.
([35]) رواه البخاري في كتاب الجنائز باب «ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور» 2/ 91، وفي باب «ما جاء في قبر النبي r، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما» 2/ 106، وفي كتاب الأنبياء باب «ما ذكر عن بني إسرائيل» 4/ 144، ومسلم في كتاب المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور.... إلخ، 1/ 376، 377، وفي المسند 5/ 204.
([36]) المنهاج 2/ 435، انظر المنهاج 1/ 473- 474.
([37]) انظر المنهاج 4/ 589.
([38]) المنهاج 4/ 590.
([39]) المقالات 1/ 88، قال: والصنف الخامس عشر من أصناف الغالية... فذكره.
([40]) المنهاج 2/ 511.
([41]) انظر المنهاج 4/ 588.
([42]) النساء آية 59.
([43]) المنهاج 3/ 380، 381.
([44]) انظر المقالات 1/ 121، وفيه أيضًا:... وكذلك الأئمة لا يجوز عليهم السهو.
([45]) المنهاج 2/ 453.
([46]) المنهاج 3/ 86، 87، انظر 1/ 446.
([47]) المنهاج 3/ 89.
([48]) البخاري كتاب المرضي في باب «تمني المريض الموت» 7/ 10، مسلم في كتاب المنافقين، باب «لن يدخل أحد الجنة بعمل...» إلخ 4/ 2169- 2171.
([49]) البخاري كتاب الأنبياء باب «واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها» الآية 4/ 142، والمسند 1/ 13، 24، 47.
([50]) المنهاج 2/ 403، 404.
([51]) الضمير يعود إلى الرسول r.
([52]) المنهاج 8/ 430.
([53]) المنهاج 8/ 431.
([54]) المنهاج 8/ 478، سيأتي تتمة لهذا في الفصل الأول من الباب الثاني إن شاء الله.
([55]) انظر المنهاج 4/ 177.
([56]) المنهاج 3/ 463.
([57]) سيأتي تخريج هذه الأحاديث في الباب الثاني الفصل الأول.
([58]) المنهاج 5/ 137- 138.
([59]) المنهاج 1/ 481- 482.
([60]) المنهاج 2/ 34، انظر المنهاج 1/ 374.
([61]) سورة طه / 32.
([62]) الأمثال لأبي عبيد باب «تعيير الإنسان صاحبه بعيب هو فيه»/ 73.
([63]) المنهاج 7/ 276.
([64]) أي بالتملك والتسلط.
([65]) المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، أبو إسحاق، كان أبوه من جلة الصحابة، ولد عام الهجرة، وليس له صحبة، ولا رؤية، وأخباره غير مرضية قتله مصعب بن الزبير بالكوفة سنة 67هـ، الإصابة 10/ 77، الأعلام 7/ 192.
([66]) عبيد الله بن زياد بن أبيه أبو حفص أمير العراق ولي البصرة سنة 55 هـ، وله 22 سنة، ت سنة 67هـ، قتله المختار بن عبيد الله الثقفي الكذاب، انظر السير 3/ 545- 549، البداية والنهاية 8/ 283، الشذرات 1/ 74.
([67]) المنهاج 2/ 68، 69، انظر المنهاج 3/ 459.
([68]) المنهاج 3/ 459، انظر 4/ 329.