الجفر
وأما الجفر الذي تعرض لذكره الدكتور وافي وحين قال:
"هذا الكتاب لم تتصل روايته، ولا عرف عينه ولا صحة نسبته إلى الإمام جعفر، ومع تردد ذكره في الكتب المعتمدة عند الشيعة الجعفرية، فإن معظمهم لا يعرض لتأييده". فإنه ثابت موجود لدى الشيعة الاثنى عشرية، مقرر عندهم، ولم يعرض أحد لرده خلاف الدكتور، وقد صحت نسبته إلى جعفر بن الباقر حسب زعم القوم واتصلت روايته، فإن محمد بن الحسن الصفار مثلاً الذي يعد من أصحاب الحسن العسكري - الإمام الحادي عشر المعصوم المزعوم - ومن أساتذة أئمة الحديث الشيعي كالكليني ووالد صدوق الشيعة علي بن الحسين، وغيرهم، ذكر في كتابه (بصائر الدرجات) أربعاً وثلاثين رواية موصولة متصلة، منها واحدة ثلاثون عن جعفر بن محمد، وواحدة منها عن أبيه محمد الباقر، وأخرى عن أبيه ابن الحسين، والثالثة منها عن أبي الحسن.
وكذلك أورد الكليني إمام محدثي الشيعة ثماني روايات في ذكر الجفر، كلها عن جعفر بن محمد، روايات متصلة صحيحة الإسناد حسب قواعد الشيعة وأصول القوم.
ولا أدري على أي أساس قال ما قاله سيادته في ذلك، تبرئة لساحة الشيعة عما يلزمهم من الشناعة والسخرية بسبب عقائدهم الغريبة.
ونود أن نورد هنا روايات كي يعرف القارئ الجفر الشيعي الذي يؤهل أئمة الشيعة أن يساووا الأنبياء والمرسلين، بل وأكثر من ذلك أن يضاهوا علم الله بعلمهم ومعرفتهم ما سيكون ويحدث إلى يوم القيامة - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون.
فيروي الكليني عن أبي بصير أنه قال:
دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: جعلت فداك، إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟
قال: فرفع أبوعبد الله ستراً بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه، ثم قال:
يا أبا محمد، سل عما بدا لك. قال: قلت: جعلت فداك، إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علم علياً عليه السلام باباً ينفتح له منه ألف باب؟
قال: فقال: يا أبا محمد، علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علياً عليه السلام ألف باب يفتح من كل باب ألف باب.
قال: قلت: هذا والله العلم. قال: فنكت ساعة في الأرض ثم قال إنه لعلم وما هوبذاك. . ثم قال:
وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟
قال: قلت: وما الجفر؟
قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل" [الكافي في الأصول كتاب الحجة باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة عليها السلام ج1 ص239].
وروي أيضاً عن الحسين بن أبي العلاء أنه قال:
سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن عندي الجفر الأبيض، قال: فقلت: أي شيء فيه؟
قال: زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم عليه السلام، والحلال والحرام .. وعندي الجفر الأحمر، قال: قلت: وأي شيء في الجفر الأحمر؟
قال: السلاح، وذلك إنما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل، فقال له عبد الله بن أبي يعفور: أصلحك الله. أيعرف هذا بنوالحسن؟
فقال: إي والله كما يعرفون الليل أنه ليل، والنهار أنه نهار ولكنهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والإنكار، ولوطلبوا الحق بالحق لكان خيراً لهم" [الأصول من الكافي ج1 ص240].
وروى الصفار عن أبي مريم عن محمد الباقر أنه قال في رواية طويلة:
"وعندنا الجفر، وهوأديم عكاظي قد كتب فيه حتى ملئت أكارعه، فيه ما كان وما هوكائن إلى يوم القيامة" [بصائر الدرجات الكبرى للصفار الجزء الثالث ص180].
وروي أيضاً عن أبي بصير عن جعفر بن محمد أنه قال في رواية طويلة عنه:
"إن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟ مسك شاة أوجلد بعير؟
قال: قلت: جعلت فداك ما الجفر؟
قال: وعاء أحمر أوأدم، أحمر فيه علم النبيين والوصيين، قلت: هذا والله هوالعلم. قال: إنه لعلم وما هوبذاك .. ثم سكت ساعة ثم قال: إن عندنا لعلم ما كان وما هوكائن إلى أن تقوم الساعة. قال: قلت: جعلت فداك هذا والله هوالعلم. قال: إنه لعلم وما هوبذاك، قال: قلت: جعلت فداك: وأي شيء هوالعلم؟
قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر بعد الأمر، والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة" [بصائر الدرجات 172].
فهذا هوالجفر لدى القوم، وما الله بغافل عما يقولون ويعملون.
وأما جعل الدكتور الجفر ومصحف فاطمة شيئاً واحداً فيدل على عدم علمه بكتب الشيعة ومعرفته بمذهبهم ومعتقدهم حيث أنهم يجعلون الجفر شيئاً آخر مستقلاً ومصحف فاطمة كتاباً آخر لا علاقة بينهما إطلاقاً.
كما أن حضرته نسي في غمرات الحب والدفاع عن معتقدات القوم أن ما يقوله في صفحة 72 من كتيبه عن الجفر يخالف ما قاله في صفحة 43، حيث يقول في معرض الكلام عن الجفر وعدم نسبته إلى جعفر:
ولوصح سنده لحمل أن ما فيه يتمثل في إلهام إلهي للإمام الصادق، وقد ذكرنا فيما سبق أن الجمهور يقر حقيقة الإلهام للمصطفين الأخيار من الناس، ومن عسى أن يكون أحق بهذا الوصف من الإمام جعفر الصادق وآل بيت الرسول صلوات الله وسلامه عليه" [بين الشيعة وأهل السنة ص72].
وهوالذي نقل رواية قبل ذلك عن الكليني في كتابه عن جعفر بن محمد:
"مكثت فاطمة بعد النبي خمسة وسبعين يوماً صبت عليها مصائب من الحزن لا يعلمها إلا الله، فأرسل الله إليها جبريل يسليها ويعزيها ويحدثها عن أبيها وما يحدث لذريتها وكان علي يسمع ويكتب حتى جاء به مصحفاً قدر القرآن ثلاث مرات ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون - ثم قال -: ولعل هذا هوالجفر" [بين الشيعة وأهل السنة ص43].
فكيف التوافق بين هذا وذاك؟
اللهم إنا نسألك العفووالعافية في الدنيا والآخرة.
وأما قوله: ومن عسى أن يكون أحق بهذا الوصف (يعني الإلهام) من الإمام جعفر الصادق وآل بيت الرسول: فليس إلا مجازفة ومبالغة ومغالاة، وتخصيص قوم بالفضائل دون قوم آخرين بدون سند ولا دليل من الكتاب والسنة، لأن التقرب إلى الله والاصطفاء لديه لا يكون لحسب ولا نسب، والعز والشرف والمكرمة عنده لا تكون لقوم دون قوم، وقبيلة دون قبيلة، بل مداره طهارة النفس وتقوى القلوب: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [سورة الحجرات الآية13].
فكم من الهاشميين لم ينالوا مرتبة أومنزلة عند الله وعند رسوله الهاشمي صلوات الله وسلامه عليه مثل ما نالها غيرهم من العرب وغير العرب أيضاً، وقد أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عمر بن الخطاب أنه ملهم في أمته، كما ذكره الدكتور وافي، ولم يخبر عن عباس - وهوسيد بني هاشم بعد نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمه الحقيقي - وكذلك نال من الكرامة والصحبة أبوبكر رضي الله عنه ما لم ينلها أحد غيره في الكون من أهل البيت وغير أهل البيت.
وغلى ذلك أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما نقل عنه الذهبي:
"ولولا أن الناس وجدوا عنه مالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء .. ونفس بني هاشم كانوا يستفيدون من علم مالك بن أنس أكثر مما يستفيدون من ابن عمهم موسى بن جعفر" [المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي ص191 - ط المطبعة السلفية - القاهرة].