معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

قناة المستقلة - طريق العرب إلى استعادة الوعى ..
الكاتب : محمد جاد الزغبي ..

قناة المستقلة - طريق العرب إلى استعادة الوعى
دراسة تحليلية

قبل أكثر من ثمانية وثلاثين عاما قام المفكر المصري الأشهر توفيق الحكيم بصياغة هذا التعبير البليغ { استعادة الوعى } فى كتابه الصغير الحجم العظيم الأثر الذى نشره تحت عنوان { عودة الوعى " 1 "

وقام فيه المفكر المؤيد للناصرية وللثورة عبر العديد من أعماله الروائية بإثارة انتقادات ذاتية دفعته للقول أنه استعاد وعيه ودعا المجتمع لاستعادة الوعى , ليس لحساب عبد الناصر بعد رحيله , بل لتقييم التجربة تقييما موضوعيا لتلافي أخطائها الفادحة التى عانت منها أمة بأكملها رغم الإخلاص الذى كان يؤدى به عبد الناصر دوره ,
وبالطبع تعرض توفيق الحكيم ـ رغم مكانته الأدبية والفكرية الهائلة ـ إلى هجوم ساحق من الناصريين فى الوطن العربي لا سيما فى بيروت ومصر وصل إلى حد الاتهامات الأخلاقية , لمجرد أنه تعرض لنقد الذات بأسلوب موضوعى !
ولأن الحكيم مفكر حقيقي فقد صنع بكتابه الصغير ما لم يستطع عتاة خصوم الناصرية أن يصنعوه عبر مجلدات ضخمة , عندما انتقد العاطفة التى خربت العقل العربي وجعلته يطوى قدراته داخل سجن الانتماءات المذهبية والحزبية 
وجاء بعد الحكيم مفكر آخر لا يقل حجما فى نفس الفترة تقريبا وهو المفكر د. فؤاد زكريا " 2 " أشهر فلاسفة القرن فى مصر والعالم وصاحب الميول اليسارية المعروفة , والتى لم تمنعه من أن يقوم أيضا بنقد الذات فى التجربة اليسارية مع عبد الناصر وإعادة تقييمها بأسلوب بالغ الحيادية فى دراسة مسلسلة بحلقات عبر مجلة روز اليوسف , أثارت بدورها ضجة كبيرة لا سيما عندما تم نشرها بكتاب تحت عنوان { عبد الناصر واليسار المصري 
وتعرض فؤاد زكريا لمثل ما تعرض له توفيق الحكيم , وواجه ثورة يمكن استساغتها لو أنها قامت للدين أو القومية والتى تمثل ثوابت مطلقة للأمة لا يجب المساس بها , وليس المقصود بالدين والقومية هو الإطلاق فى المفهومين بل المقصود بيان حدود الثوابت الغير قابلة للمساس وهى ثوابت التوحيد والعقيدة وما هو معلوم من الدين بالضرورة , وبالثوابت القومية التى تنحصر فى اعتبار وحدة قضايا ومصير العرب مبدأ لا يُـقبل المساس به
وتحت تأثير الأزمة الأولى لفؤاد زكريا وعقب صدور كتاب { خريف الغضب " 3 " للمفكر السياسي العملاق محمد حسنين هيكل , دخل فؤاد زكريا الساحة مجددا بكتاب نابغ أسماه { هيكل وأزمة العقل العربي } رد فيه على هيكل متناولا أبعاد الرؤية السياسية له من زاوية أكثر اتساعا من تلك التى تناولها هيكل بالمقارنة بين عبد الناصر والسادات , حيث قام فؤاد زكريا بالتعرض للقضية من زاوية عبد الناصر والسادات بالمقارنة لما كان واجبا أن يتبعوه , 
واستمرت الثورة كاسحة ووصلت لدرجة التخوين من الساداتيين ضد هيكل وضد فؤاد زكريا بنفس المنطق الذى واجهه توفيق الحكيم عندما دخل هؤلاء جميعا منطقة محظورة اسمها { نقد العقل العربي نقدا ذاتيا }

ثم مرت السنوات الطوال بلا تجربة لافتة فى هذا الميدان بعد أن دخلت حقبة الثمانينات والتسعينيات وبدايات القرن الحادى والعشرين وبلغ العقل العربي مرحلة الموت الإكلينيكى , فأصبحت الأزمات التى تثور بين الفينة والأخرى عبارة عن أزمات غياب الوعى غيابا تاما , 
وهو أمر أشد خطورة من أزمة الثورة الفكرية التى تفجرها معالجة النقد الذاتى الجاد , لأن هذه الثورة تمنح الحراك للماء الراكد على الأقل , بينما التغييب يقتل معنى الوعى والإدراك ليصل بنا كجماهير إلى درجة لم تبلغها الأمة من التسطيح فى تاريخها بعد أن انحصرت القضايا فى الممثلين والممثلات وكرة القدم وستار أكاديمى !
حتى جاءت النقلة النوعية على يد مفكر تونسي شاب هو د. محمد الهاشمى الحامدى مدير قناة المستقلة الناطقة بالعربية من العاصمة البريطانية { لندن } والتى خرجت من بوتقة إعلامية لم تعرفها أجهزة الإعلام العربي من قبل قط , بعد أن وضع لها محمد الهاشمى خطا توعويا نادر الوجود فى العالم العربي والإسلامى الذى لا يتميز كالمجتمعات الغربية من علو الوعى والإدراك على النحو الذى سمح للقنوات الغربية الجادة فقط بالظهور والإنتشار كالقنوات الإخبارية وقنوات الأفلام الوثائقية والقنوات العلمية المتخصصة 
بينما عالمنا العربي لم ينجح فيه على مستوى الإعلام المرئي والمقروء إلا كل مُـتاجر بالإثارة المتعمدة ! إلا فيما ندر
وكان هذا رد فعل طبيعى للغاية بعد أن فشلت التجارب الجادة من الناحية المادية فشلا ذريعا , فسقطت مشروعات مجلات وصحف وقنوات فضائية تعتمد على الجدية فى التناول , ونجحت إلى حد الإنتشار الساحق قنوات الفيديو كليب والأفلام ولقاءات نجوم السينما والمسرح وكرة القدم , وأيضا صحف الخلاعة والإثارة الرخيصة وصحف الحوادث !
وفى وسط هذا الركام برزت قناة المستقلة كما برزت فى مجال الصحافة المصرية جرائد فكرية عملاقة مثل وجهات نظر والدستور والمصري اليوم اكتسبت جماهيرية كاسحة رغم كونها بالغة الجدية فى تناول المادة الصحفية 
وفى إحدى الإحصائيات العالمية اكتسبت المستقلة مركزا مساويا لقناة الجزيرة الإخبارية فى معدل الانتشار , وشاهدها وواظب عليها الملايين يتابعون برامجها شديدة التفرد التى ركزت على النقد الذاتى لأخطر قضايا العالم العربي والإسلامى فى الدين والسياسة والأدب والفكر , رغم أن تناولها للقضايا جاء عالى الثقافة إلى درجة التخصص ومستوى الحوار فى برامجها احتوى على كم هائل من الفكر الإنسانى ليس متصورا أبدا فى ظل التردى الثقافي أن يستجيب له الجمهور ,
ورغم هذا فقد تابعها الملايين على نحو يثبت عمليا فشل نظرية السوق الشهيرة { الجمهور عايز كده } والتى اتخذها أصحاب المال والأعمال ذريعة لتقديم ما يشبع الغرائز لا ما يشبع العقول ,
لأن الجمهور العربي أثبت بقناة المستقلة أنه جمهور أمّىْ يتعطش للإعلام الرائد , لا جمهور جاهل يميل للإعلام الراكد

المستقلة فى ميزان التفرد الإعلامى

تميزت المستقلة بعدد من المميزات العامة والخاصة جعلها منهجا لم يعرفه المشاهد العربي , ومن صور هذا التميز برنامج الحوار الصريح , والذى يتم بثه بشهر رمضان يوميا بعنوان الحوار الصريح بعد التروايح , ومضمون هذا البرنامج أنه سلسلة مناظرات طويلة وتفصيلية فى أى شأن تاريخى أو مذهبي يهم المسلمين المعاصرين 
وأول وجوه التفرد ,
أن البرنامج يتم بثه مباشرة حتى بما يدور فى كواليسه على غير ما هو متبع فى كافة البرامج المماثلة فى أكثر القنوات جرأة , فلو حدثت مشادة أو مشكلة أو حتى اتهام من أحد الأطراف لطرف لم ينقطع البرنامج ولم يتدخل الدكتور الهاشمى لإيقافه وذلك لكى تكون الأمور كلها واضحة للمشاهد دون أدنى إعداد لما يتم بثه 
وثانى وجوه التفرد ,
أنه برنامج لا يحكمه وقت محدد فى غالب الأمر بل يلتزم مقدمه الدكتور الهاشمى بمد وقت البرنامج حسب الحاجة وقد وصلت بعض الحلقات إلى ثلاث ساعات تقريبا ويلحق بهذا البند أيضا أنه البرنامج الوحيد الذى يفرد مساحة هائلة لمناقشة أى موضوع حتى أن موضوع أى مناظرة رمضانية يمتد لشهر رمضان بأكمله وقد يمتد فى أجزاء تالية على شهر رمضان وفى نفس موضوع الحوار وهذا ما لم تغامر به قناة إعلامية من قبل المستقلة قط , 
وأدى إفراد هذه المساحة إلى تحويل قناة المستقلة من قناة إعلامية إلى جامعة حقيقية تزخر بمئات المعارف التفصيلية فى التفسير والمذاهب والفكر وتحتوى ما لا يستطيع المشاهد أن يجده عند بعض المتخصصين الدارسين والمتعمقين لهذه الموضوعات , لأن أطراف المناظرات كلهم تقريبا من أهل العلم والبحث الأكاديمى ويطرحون بالمناظرات حتى نوادر المعلومات فى مجال تخصصهم إضافة إلى مئات بل آلاف المراجع التى يقتبس منها المناظرون مع توضيح المصدر بمنتهى الدقة بالإسم ورقم الصفحة مما يعطى الدارسين والباحثين فرصة لاغتراف تلك الكنوز على طبق من ذهب
وأستطيع أن أجزم أن المجهود البحثي الذى يبذله كل طرف من أطراف المناظرة يتفوق حتى على جهد باحثي رسالة الماجستير أو الدكتوراه فى ظل تمسك أطراف المناظرة بألا يتم طرح معلومة دون توثيق مصدرها وفى أحيان أخرى مشاهدة المصدر نفسه
وثالث وجوه التفرد ,
أن مدير البرنامج د. محمد الهاشمى هو أول مدير لبرنامج حوارى تناظرى " 4 " يدير الحوار بغرض الخروج بالفائدة والمعلومة بغض النظر عن السخونة المفتعلة التى يلجأ إليها كافة مقدمى البرامج المماثلة حتى يكون هناك جو من الإثارة فى النقاش يجذب المشاهد فتجد مقدمى البرامج يتعمدون التدخل وطرح أفكار الخصوم على بعضهم البعض بأسلوب إستفزازى حتى يخرج كل ضيف عن شعوره وينقلب الأمر لصراع ديكه لا حلبة تناظر منهجية 
لهذا فإن الهاشمى لم يلجأ قط إلى هذا الأسلوب بل لجأ للعكس حيث يتدخل بكل ثقله كى يمنع الانفعال عن أى طرف من أطراف المناظرة كما يتدخل لتخفيف وقع الألفاظ التى تخرج من المتحدثين لكى لا ينفعل الطرف الآخر
ورابع وجوه التفرد ,
أن مقدم البرنامج لم يكرر العبارة السقيمة التى يكررها مذيعو هذا العصر عند كل فاصل , وهى " إبقي معنا عزيزى المشاهد " وما إلى ذلك من عبارات التحفيز للمشاهدين كى يكونوا باستمرار أمام شاشة قناتهم , 
بل فعل العكس تماما عندما تلقي بريد القناة مئات الرسائل المعترضة على إثارة الحوار السنى الشيعى والحوار الصوفي وما إلى ذلك من القضايا الحساسة فما كان من محمد الهاشمى إلا أن شرح لهم فى بساطة أهمية طرح هذه الموضوعات على مائدة بحث علمي ثم ختم كلامه بهدوء للمشاهدين وقال { ومن لم يقتنع من المشاهدين فليعفنا ويعفي نفسه من رسائل السب والشتم ويقوم بتغيير القناة بضغطة زر على أى قناة أخرى }
وخامس وجوه التفرد ,
هو تفانى القناة فى أداء رسالتها الجادة دون النظر للربح , وهذا أمر مذهل فى نطاق القنوات الفضائية الخاصة التى تجعل الربح هو مقامها الأول لأنها مؤسسة إقتصادية خاصة تتكلف ميزانية ضخمة للغاية وتحتاج للإعلانات وغيرها من الموارد المالية , بل إنه حتى المؤسسات الإعلامية الرسمية التى لا تمثل القطاع الخاص وتنتمى لأجهزة الدولة لا تفعل ذلك بل تضع الموارد الإعلامية على رأس أولوياتها بغض النظر عن الفائدة التى تقدمها لمواطنيها رغم أن هذه المؤسسات ملك للدولة والأصل فى مؤسسات الدولة أنها مؤسسات لا تهدف للربح بل للخدمة العامة 
ولهذا نرى فى بعض القنوات الفضائية والرسمية كمية فواصل إعلانية رهيبة تقطع على المشاهد متابعته للبث أيا كان نوعه , ووصل عدد الإعلانات فى أحد البرامج الذى لا تزيد مدته عن ساعة واحدة إلى حوالى عشرين إعلانا !
بينما برزت قناة المستقلة كما لو أن تمويلها ذاتى بغرض فائدة الجماهير فقط رغم أن مؤسسها محمد الهاشمى أسسها على حسابه الخاص ويعانى فى سبيل إبقاء بثها ماديا لأنه لا يقطع برامجه إلا للفواصل الضرورية لتغيير شرائط التسجيل أو لمنح فرصة لأحد ضيوفه للبحث عن مصدر أو ما شاكل ذلك , كما أنه قام بتحميل البث على الأقمار الصناعية بدون تشفير وهذا ما جعل القناة متاحة للمشاهدين فى العالم بلا مقابل 
وقد أعلن فى موقع القناة منذ أيام عن دعوة للمشاهدين أن يشاركوا باشتراكات سنوية تساعد على استمرار بث القناة , وهذا الإشتراك تبرع إختياري أى أنه رغم الأزمة التى تحيط بتمويل القناة لم يبادر للحل الطبيعى وهو التشفير والذى كان يكفل له البث والربح أيضا 
وسادس وجوه التفرد , 
أن بث القناة كله دون إستثناء ليس فيه برنامج واحد بسيط أو تافه أو معروض للمتعة والترفيه , وهذه الميزة تجعل المستقلة فى دائرة خارج المنافسة ويكفي لإدراك مدى صعوبة هذا الأمر أن نعرف أن المادة الإعلامية البالغة الغنى التى تقدمها يوميا تحتاج لمصادر وأفكار تفنى دونها الجهود , ولو أن المستقلة كانت مجلة صحفية لاحتاجت لتغطية مادتها الصحفية بفريق عمل لا يقل عن ألفي شخص لأن العدد الواحد منها يكفي بمادته الصحفية لتغطية عشر أعداد من نظائره
وإذا تعرضنا لنوعية البرامج سنجد أن المستقلة لم تترك قضية محورية أو مجالا أساسيا من مجالات الأمة لم تفرد له فى نشاطها مساحة كافية وغنية , فعالجت السياسة والإجتماع والأديان والمذاهب والأدب والعلوم والتاريخ , 
ولم تكتف بالدخول فى هذه المجالات فحسب بل طرقت أبواب هذه المجالات حاملة فى جهودها جهد البحث والتنقيب للإصلاح , فقامت بالتركيز على الحوار الدينى لمعالجة نواقض الفكر المذهبي بين المسلمين لكى يعرف العوام موقف كل مذهب اعتنقوه بلا دراية بل اعتنقوه لأنهم وجدوا آباءهم وعشيرتهم عليه , وهذا المنظور هو أول ما جاء الإسلام به من أهداف ليهدمه , 
يقول تعالى 
[وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ] {البقرة:170} 
فقامت المستقلة عبر المناظرات الدينية التى تناولت الشيعة الإثناعشرية والصوفية والوهابية " 5 " والأشعرية وغيرها ببيان أصول تلك المذاهب لكى يحيي من حى عن بينة
وهى بهذا التطرق العلمى الراسخ تعرضت لمصيبة من مصائب المسلمين قلما حمل دعوتها اتجاه مؤثر , لأن مسألة الانتماء المذهبي الغير مبنى على قناعة والمأخوذ فقط بالوراثة مرفوض حتى فى الإسلام , وهو نفس الأمر الذى أدى إلى ظهور الفرق فيما بعد " 6 "
لأن معظم العامة والجماهير تقلد وفقط دون أن تطرق باب السؤال والاستفسار , بينما السؤال هو باب العلم الرئيسي واليقين , 
وقد أتت مناظرات المستقلة لتكشف لملايين المسلمين حقائق مغيبة عنهم إما عمدا وإما جهلا وتقليدا , فعرفت الشيعة خطورة ما هو مبثوث فى كتب الإثناعشرية من أمور عقائدية تضرب أساس الإسلام , كما عرفت جماهير المدرسة السلفية خطورة التكفير الذى يلجئون إليه بالخلاف لما يدعو إليه أئمة السلفية أنفسهم " 7 " , وعرفت الصوفية تعدد الفرق الصوفية واختلافها فيما بينها وعرفوا خطورة ما لحق الزهد و مكابدة النفس من الخرافات على مر العصور والتى ورثتها الطرق الصوفية المعاصرة
باختصار ..

يمكن إجمال الدور الذى نجحت فيه المستقلة إلى أبعد حد فى قولنا أنها أيقظت عقول الملايين من سباتهم , وهى إن لم تنجح فى جذبهم جميعا إلى الطريق الصحيح فيكفي أنها جعلت محركات العقول تدور وتسأل وتحقق , وهذا هو قمة النجاح الذى لم يستطع تحقيقه قبل المستقلة رواد عظام فى حركات الإصلاح 
مع العلم أن رواد الإصلاح السابقين نجحوا فقط بشكل جزئي فى ظل جماهير واعية ومتفهمة لقيمة العلم ورجال الإصلاح فى القرن السابق والذى سبقه , بينما نجحت المستقلة فى أمر الإصلاح الذى أصبح فى ظل عموم الجهل والتسطيح ورغبة الناس عن القراءة والحوار الجاد أحد المستحيلات السبعة
وذلك لأنها طرقت الباب الإعلامى المباشر بأسلوبٍ ـ وفق الله كثيرا ـ من يقفون خلفه للوصول للآذان والأبصار , ليس فقط لأنها واجهت الشريحة الأعظم من الجماهير بأكبر وسيلة إعلامية وهى شاشة التلفاز فى عصر تراجعت فيه القراءة على جميع المستويات , بل يكمن نجاحها فى أنها استغلت الشاشة إلى أقصي حد فأشركت الجماهير إشراكا مباشرا وفعالا فى البرامج وعلى جميع المستويات , وهناك بعض المداخلات التى قام بها أفراد عاديون من عامة الناس تجاوزت فى بعض الأحيان خمس وأربعين دقيقة كاملة , وهذا مما لا يحظى به ضيف كبير داخل الإستديو فى البرامج المماثلة 
ولم يقتصر الأمر على المداخلات بل إن هناك بعض البرامج التى قدمتها المستقلة تم إفرادها للجمهور وحده بصفته الشريك الرئيسي للحوار , فعرف الجمهور لأول مرة على شاشات الفضائيات معنى الشراكة الحيادية الفعالة

نظرة إلى مناظرات المستقلة


بالرغم من أن المستقلة كقناة إعلامية وإخبارية بها العديد من البرامج التى أحدثت أثرا كبيرا فى سائر المجالات بل وتم إعلان مسابقة شعرية ضخمة على مراحل متعددة يشرف عليها الشاعر العراقي والمذيع اللبق عباس الجنابي واستمرت مراحلها لعامين وما زالت مستمرة ولفتت نظر الأوساط الأدبية إليها لأنها تمثل سبق إعلامى لنصرة الشعر العربي الأصيل فى عالم تزايدت فيه موجة الحداثة المدعاة وظُـلمت المواهب الأدبية الحقيقية طيلة نصف قرن فى وسائل الإعلام 
بالإضافة إلى العديد من البرامج السياسية يعد أقواها الندوة المسلسلة التى أجرتها قناة المستقلة حول نظرة الجماهير إلى شكل الوحدة العربية المتوقع وهل المرشح المفضل هو مرشح تيار معين أم لا 
بالرغم من ذلك 
إلا أن مناظرات المستقلة عبر برنامج الحوار الصريح ظل هو البرنامج الأعلى كعبا بين سائر برامجها دونما استثناء وهذا ـ للغرابة ـ رغم أنه برنامج علمى متخصص فى الأديان والمذاهب والتاريخ يندر أن يجد المشاهد العادى فيه ما يجذبه فى ظل الاهتمامات التقليدية التى تنحصر فى المجال السياسي وما يتعلق به 
وهذ يؤكد ما ذهبنا إليه سابقا من أن الجمهور متعطش للجدية ومستعد لها بدليل التفاعل الغير مسبوق فى المداخلات التليفونية من الجماهير بالبرنامج والمتابعة الثرية له التى عبرت عن مستوى ثقافي متميز للغاية ما كان أكبر المثقفين تفاؤلا يتوقعه من عموم الجماهير التى غسلت كرة القدم والأفلام والبرامج التافهة عقولها عبر سنوات
هذا فضلا على ما أثارته مناظرات المستقلة من شعبية ساحقة على شبكة الإنترنت التى بادر الأعضاء لتحميل حلقاتها على مختلف المواقع فغطت على نظائرها من مواد الفيديو فى مواقع التحميل
وتميزت المناظرات بتوافر سائر أنواع الفائدة للجمهور علميا وأدبيا وثقافيا عاما , بل إنها لم تخل من الطرفة التى ولدتها سخونة المناقشات وخفة ظل العديد من المشاركين 
وتناولت مناظرات المستقلة الجانب التاريخى البالغ الثراء فى التاريخ الإسلامى المهمل من أهله , فناقشت سير وتراجم أبرز شخصيات تاريخنا العريق مثل سيرة أبي بكر الصديق أول الخلفاء الراشدين رضي الله عنه التى شارك فيها الدكتور منير غربال من سوريا والباحث الموهوب عثمان الخميس أحد أبرز الوجوه العلمية الكويتية ود. مهدى رزق الأستاذ الجامعى السودانى والشيخ جمال قطب رئيس لجنة الفتوى الأزهرية بمصر سابقا , وأيضا د. أحمد الريسونى عضو رابطة علماء المغرب ود. محمد سعيد رمضان البوطى المفكر السورى الشهير , وأخيرا د. عائض الدوسريالأستاذ الجامعى السعودى البارز
وتمت مناقشة سيرة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه على مرحلتين من البرنامج خلال عدد حلقات تجاوزت العشرين حلقة تقريبا كان من المشاركين فيها الداعية الإسلامى السعودى د. محمد العريفي , ود. ناصر الحميمى الأستاذ الجامعى السعودى أيضا , بالإضافة للمشاركات الهاتفية المفتوحة 
وأيضا اختار البرنامج شخصية الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه والتى تحولت تلقائيا إلى مناظرة بين السنة والشيعة الإثناعشرية مع إصرار المشاركين من علماء ودعاة السنة على عرض التراث الحقيقي للإمام جعفر الصادق بعيدا عن الغلو العنيف والروايات المكذوبة الخالية من الإسناد الموثق" 8 " وكشفت المناظرة عن أهوال لا حصر لها منسوبة لهذا الإمام الجليل كذبا فى اعتقاد الإثناعشرية التى أشرفت المراجع الكبري على اختيار أعضائها وبدلتهم واحدا بعد الآخر رغم استقرار مناظرى السنة على ثلاثة وجوه فقط وهى الباحث عثمان الخميس والباحث محمد الخضر والذى انسحب بعد حضور د. عائض الدوسري مكتفيا بوجوده , 
واشتعل جو الحوار اعتراضا من الجانب الشيعى على وجود عثمان الخميس " 9 " الذى احتفظ بهدوئه ولم يمنحهم الفرصة لإفساد النقاش فلجأت المرجعيات إلى تغيير وتبديل المشاركين إلى جوار د. محمد الموسوى , فجاء للمشاركة كل من د. عبد الحميد النجدى الأستاذ الجامعى العراقي ثم تم استبداله بالدكتور محمد الصغير ثم تم استبداله بحسين الأسدى أحد أساتذة الحوزة العلمية فى قم ثم شارك أحد الرؤوس المرجعية الشيعية مباشرة فى الحوار وهو المرجع على الكوارنى العاملى ورغم كل هذا أبرز عثمان الخميس والدوسري حقائق الروايات المثبتة والمصححة عند الإماميين وتتعلق بالقول بتحريف القرآن والقول بالكثير من عقائد الفرقة التى تنافي مضمون وشكل الإسلام وكان من أبرز المفاجآت التى أظهرها عثمان الخميس بالتوثيق المباشر هو أن القول بتحريف القرآن أحد أصول الفرقة المذهبية ودلل على ذلك بدليل لم يتمكن مناظروه من الرد عليه وهو خلو الفرقة الإثناعشرية من إسناد واحد من أى شكل للقرآن الكريم منسوب للإمام الصادق أو غيره من أئمتهم الذين يدعون فيهم العصمة ويقررون أن العلم لا يؤخذ إلا من طريقهم , فسقط إدعاؤهم بأنهم لا يقرون تحريف القرآن عندما عجزوا عن الإتيان بالقرآن الكريم المروى من طريق الأئمة " 10 " 
بل عجزوا عن مجرد الإتيان برواية واحدة عن أحد الأئمة تقول بأن القرآن غير محرف وهذا فى مقابل ألفي حدث يروونه عن التحريف وإثباته !
كما ناقشت المستقلة تراث الإمام بن تيمية ومدرسته الأصولية وألقت الضوء على حقيقة دعوة هذا الإمام وعلمه وشارك فيها الباحث الأردنى حسن السقاف والباحث العراقي أحمد الكاتب , 
وتعد حلقات بن تيمية رضي الله عنه متممة لحلقات مناظرات المدرسة السلفية التى أقامها برنامج الحوار الصريح لنقد الخطاب السلفي وكان عنوانها { الخطاب السلفي وتحديات العصر } وكان من جملة المشاركين فيها أحمد الكاتب والشيخ عدنان عرعور والباحث عبد الرحمن دمشقيةوالباحث عبد الرحيم البلوشي , وخلال تلك الحلقات تم تشريح المدرسة السلفية والتعرض لسائر الإنتقادات الموجهة لها بمنتهى التفصيل , وكانت سجالا عنيفا فى إطار علمى محترم أشاد به الجمهور 
كما تمت مناقشة الصوفية ومختلف مدارسها فى حلقات أخرى من البرنامج تم فيه التعرض للصوفية قديما وحديثا وتشريح هذه الإتجاه وبيان صحيحه من سقيمه وكان المشارك الرئيسي فيها الشيخ عدنان عرعور والباحث المغربي الطيب بيتى العلوى والدكتور عمر كامل , وتراجع الصوفي الشهير على الجفري عن المشاركة بعد إعلانه الموافقة على الحضور !
هذا بالطبع إلى جوار الحوار السنى الشيعى الذى بدأ به البرنامج منذ ثلاث سنوات وجدد الحوار فيه فى مناظرات رمضان الماضي , على مجموعتين من الحلقات امتدت كل منهما طيلة شهر كامل.

عدد مرات القراءة:
4150
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :