معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

بحوث في ولاية الفقيه ..

نظريةُ وِلايةِ الفقيهِ
بين المؤيدين والمعارضين

فيصل نور
 رابط الكتاب


الشيعة بين ولاية الفقيه والشورى
يحيى محمد 

من الناحية المبدئية ظل الفكر الشيعي على مدى قرون طويلة يعتبر الحكم في النظام السياسي هو من خاصية الإمام المعصوم، مما جعله لا يتجاوب مع مبدأ الشورى في الحكم. فحتى الدعوة الحديثة التي نادت بوجوب تأسيس حكومة الفقيه إستناداً إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة لم ترعَ حق الشورى إلا في الحدود التي تظل محكومة بتلك الولاية دون التأثر بها، وذلك إتساقاً مع حكومة المعصوم الفردية، بإعتبار أن الولي الفقيه هو نائب عام للإمام المعصوم.

وربما تكون أول دعوة للشورى في الوسط الشيعي هي تلك التي حدثت فيما يسمى بـ (المشروطة)، حيث دعى السيدان عبد الله البهبهاني ومحمد الطباطبائي إلى إعلان قرار (المشروطة) وتأسيس مجلس للشورى لغرض تحديد السلطات المطلقة لملوك إيران. وتأسس هذا المجلس في نفس السنة التي طولب به (عام 1906م). وكان موقف العلماء منه بين مؤيد ومعارض، إذ ظهر ثقل التأييد له متجسداً في شخص الآخوند الخراساني صاحب (كفاية الأُصول)، بينما برزت قوة المعارضة عند غريمه محمد كاظم اليزدي صاحب (العروة الوثقى). وعلى أثر هذه المعركة ظهر كتاب (تنبيه الأُمة وتنزيه الملة) للفقيه محمد حسين النائيني أحد تلامذة الخراساني، حيث دعى فيه الى وجوب تحديد سلطات الحاكم بوضع دستور يتقيد به، وإنشاء مجلس للشورى من عقلاء وخبراء الشعب.

أما في العصر الحالي فقد دعى السيد محمد حسين الطباطبائي إلى ضرورة أن يكون حكم الحاكم في الدولة الإسلامية في عصر الغيبة قائماً على المشورة([1]). كما دعى السيد محمد باقر الصدر إلى أن يكون الحكم بيد الأُمة عن طريق الشورى([2]).

مع هذا فإن النظرية الغالبة في الفكر الشيعي هي نظرية ولاية الفقيه المطلقة. ذلك أن فكرة الشورى السياسية ما زالت غريبة في الأجواء الشيعية، اذ ظلت لقرون طويلة المنافس الأكبر لنظرية حكومة المعصوم. لذلك نجد الكتابات الشيعية في الأُمور العقائدية لا تتوانى عن نقد تلك الفكرة وإبطالها بإتهامها أنها تفتقد الدليل الشرعي، وهذا ما حصل حتى مع أُولئك الذين قبلوا فكرة شورى المؤمنين لتغطية الواقع السياسي في الوقت الحاضر، كما هو الحال مع الإمام الصدر([3]).

وبمثل هذا المنحدر سبق لبعض الذين تزعموا حركة الشورى الدستورية (المشروطة) أن إنقلبوا عليها بالرجوع إلى نظرية ولاية الفقيه المطلقة، كما حصل مع الشيخ فضل الله النوري الذي ناقضها إنطلاقاً من مبدأ ولاية الفقيه، فإعتبر هذه الولاية شاملة لمصالح الناس عامة وكونها الولاية الشرعية الوحيدة المبنية على نظرية النيابة العامة للإمام المعصوم؛ منكراً قيام التمثيل النيابي المؤسس على أكثرية الأصوات والآراء([4]).

وأعظم من ذلك أنه في بداية قيام مجلس الشورى الأنف الذكر دعى نائب المجلس السيد عبد الحسين الشيرازي إلى العمل بالرجوع إلى منطق ولاية الفقيه المطلقة، فطالب بتسليم رئاسة المجلس إلى رجل حائز على درجة الإجتهاد إنطلاقاً من مبدأ هذه الولاية؛ معتبراً إياها ضامنة لتنفيذ الأحكام الإلهية في الأُمة إستناداً إلى أنها حكم بالنيابة عن المعصوم، وبالتالي فلها حق الخلافة العامة في المجتمع.

هكذا نفهم أنه ليس من السهل الإنتقال المباشر من نظرية حكومة المعصوم إلى فكرة الشورى المناهضة لها في النظام السياسي. في حين أن من السهل - نسبياً - التحول من تلك النظرية إلى نظرية حكومة الفقيه المطلقة، خاصة بعد أن ظهرت وسادت بعض الممهدات لهذا السبيل، من قبيل فكرة إعتبار الفقيه نائباً عاماً للإمام الغائب.

وبالفعل فإن هذه النظرية هي التي أخذت مجراها في التطبيق من خلال تأسيس دولة تقوم على الولاية المطلقة للفقيه، والتي صادف أن قام بتأسيسها رجل يعد أول من حثّ عليها بقوة وإصرار وإعتبارها من أُولى الضرورات، وهو الإمام الخميني الذي إستند في حركته على بعض الممهدات النظرية. إذ قبل ذلك دعى الشيخ أحمد النراقي خلال القرن التاسع عشر إلى تلك الولاية من الناحية النظرية، وهي دعوة تأخذ بنظر الإعتبار المستثنيات غير الداخلة تحت مظلة هذه الولاية تبعاً للنص أو الإجماع أو غيرهما. وكما يقول النراقي: «كما كان للنبي والإمام - الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام - الولاية؛ فللفقيه أيضاً ذلك إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما»([5]). لكنها على ما يبدو لا ترى من بين هذه المستثنيات ما يتعلق بالنظام السياسي المرتهن بالإمام المعصوم تبعاً لما ورد حوله من نصوص غزيرة دالة على هذه الخصوصية، بل على العكس هناك إشارات عديدة تجعل من ولاية الفقيه ممتدة إلى ذلك النظام بأكمله([6]). والنراقي بهذا يعد أول من نظّر إلى الولاية المطلقة للفقيه في (عوائد الايام)، وقد أفاد منه الإمام الخميني كثيراً في كتابه (الحكومة الإسلامية) حتى إستطاع أن يؤسس على ذلك دولته الخاصة بتلك الولاية؛ كتجربة أُولى حديثة لم يسبق لها نظير من التطبيق في التاريخ الشيعي.

إلا أن تجربة الإمام الخميني في التطبيق أعادت النظر في الفكر الشيعي، حيث ظهرت دعوة جديدة تجمع بين ولاية الفقيه ومبدأ الشورى، فتجاوزت بذلك الخلاف بينهما، وهي التي أُطلق عليها (شورى الفقهاء). فقد برزت هذه الإطروحة متأثرة بالظروف التي فرضها الواقع السياسي، وذلك كرد فعل على طريقة الحكم الجديدة التي إتبعها مؤسس الدولة الإسلامية في إيران. حيث أقبل جماعة من العلماء على نقد الممارسات التي إتبعتها السياسة الحاكمة ودعوا إلى ضرورة إتخاذ الشورى للفقهاء مع رضا الأمة كمبدأ أساسي في الحكم، كما يلاحظ في عدد من الكتب والإصدارات الدورية، أبرزها كتاب (شورى الفقهاء) لمرتضى الشيرازي.

بيد أن فكرة الشورى بحسب تلك الإطروحة ظلت محصورة في نطاق معالجة موضوعات الواقع السياسي دون أن تمتد إلى نطاق الإجتهاد والفتوى في الأحكام العامة. ومن الناحية الآيديولوجية أن ذلك يكفي لسد الثغرة في المشكل المعاش، وهو المشكل السياسي. أما من الناحية المعرفية فهو أن أدلة الشورى ليست بصدد مطلق الأحكام وإنما هي بصدد الموضوعات والشؤون العامة، لذلك فإن أدلة التقليد بنظر الفقهاء توجب الرجوع إلى آحاد العلماء ولم تسمح للمقلد أن يرجع إلى المشهور ولا الأكثرية الذين يتسقان مع مبدأ الشورى.

وتُعد تلك الفكرة طرحاً جديداً لبحث جديد. اذ الملاحظ أن الفقه الشيعي يفتقر إلى معالجة مثل هذا الموضوع حتى بالنسبة لأُمور العلاقات الفردية المحدودة، وأن الفقهاء على ما يبدو لا يوجبون العمل بها، كما يلاحظ من السيرة العملية لهم، والتي تدل على عدم ممارستها، بل إدعى البعض أن الإجماع منعقد على عدم وجوبها([7]).

والسؤال الذي يطرح نفسه بهذا الصدد هو كالتالي:

ما هي المبررات المعرفية التي عوّلت عليها الفكرة الآنفة الذكر؟

لا بد من أن نذكّر ـ قبل كل شيء ـ بأنه لما كانت النصوص المتعلقة بالحكم تكاد تكون مفقودة؛ فأغلب الأخبار المعتمدة هي تلك التي تتعلق بالقضاء، وبعضها جاء في الأُمور العامة كالحث بالرجوع إلى العلماء، وحيث أن آيتي الشورى ليستا كافيتين بأن تغطيا مشكلة الحكم، وأن ظاهرهما يتعلق بالمؤمنين عموماً وليس العلماء منهم فقط؛ لذا عمدت الإطروحة الجديدة (شورى الفقهاء) إلى المزاوجة بين ما يُفاد من الآيتين في الحث على الشورى وبين ما تنص عليه الأخبار في الرجوع إلى الفقيه وقبول حكمه كما في القضاء، فكانت الحصيلة من عملية الجمع هذه هي التبشير بفكرة الشورى لكل من الأُمة والفقهاء. فشورى الأُمة تتمثل بإنتخابهم لشورى الفقهاء بما لهم من منصب من قبل الإمام، فيكون الحكم للأُمة والفقهاء، حيث لا يتم تنصيب الفقهاء إلا برضا الأُمة وكذا بالنسبة إلى نفوذ حكمهم، وفوق ذلك أن رأي الأُمة مقدم على رأي الفقهاء، إذ لو لم ترضَ الأكثرية بحكم وأنفذه الفقهاء لم يصدق ((أمرهم شورى بينهم)) كما في الآية الكريمة، رغم أن حكومة الحاكم منصوبة من قبل المعصوم كما في جملة من الروايات الدالة على قيمومة العلماء والرد إليهم في فصل الخصومات وما إليها([8]).

ومن حيث التفصيل، إعتبرت تلك الإطروحة أن بعض أدلة التقليد تصلح في مجال الموضوعات للشورى. فمن حيث الدليل العقلائي يلاحظ أن العقلاء يعولون على خبرة الكثرة ويرجحونها على خبرة الفرد في الموضوعات. ومن حيث حكم العقل فإن أدلة الأكثرية معتبرة من باب الطريقية وأن رأيها هو الأقرب للواقع عقلاً. ومن حيث الآيات فإن أوضحها آيتا الذكر والانذار؛ فإذا لم يكن لها إختصاص وظهور أو إنصراف إلى المحمولات الشرعية والأُمور الإعتقادية مما يستلزم كونها أجنبية عن دائرة الشورى في الحكم وهي الموضوعات؛ فإن النسبة بينها وبين أدلة الشورى هي العموم والخصوص المطلق، فتكون مقدمة عليها ومخصصة لها، وذلك لظهور وإنصراف آيتي الشورى إلى الموضوعات. أما من حيث الروايات فإن منها ما هو ظاهر في الموضوعات مما يعني إختصاص أدلة الشورى بها([9]).

في حين ان دليل التقليد لمّا كان متعلقاً بالأحكام العامة لذا فهو أجنبي عن دليل الحكومة المختصة بالموضوعات والشؤون العامة التي تنصرف إليها أدلة الشورى، رغم وجود الإرتباط والتزاوج بين أدلة التقليد والحكومة والشورى، وهو ما جعل تلك الإطروحة تعمل على إجلائه. فأدلة الحكومة كقول الإمام: «فإني قد جعلته عليكم حاكماً» حاكمة على أدلة التقليد بأجمعها، في حين أن آيتي الشورى مبيّنتان لكيفية الحكومة على أنها بيد الأكثرية أو كون الحاكم أحدهم بشرط إنضمام الأكثر.

لذلك فالأدلة الثلاثة تتسلسل هكذا:

تقتضي أدلة التقليد لزوم إتباع الخبير، وتقتضي أدلة الحكومة إتباع حكم الحاكم لا مطلق الخبير في شؤون الحكم، أما أدلة الشورى فهي ناطقة بوجوب الإستشارة على الحاكم وإتباعه للأكثرية، وبالتالي تكون الحكومة لكل الفقهاء لا لأحدهم، أو لأحدهم مشروطاً بإمضاء الأكثرية([10]).

مع هذا يلاحظ أن سياق آيتي الشورى ليس متسقاً مع سياق الأخبار التي تأمر بالرجوع إلى الفقهاء كما في القضاء، فهناك فارق كبير بين الأمرين. فإذا كان بالامكان التعويل على الآيتين في الحث على الشورى في الأُمور العامة الكبيرة كالحكم؛ فإن الحال في الأخبار المتعلقة بالقضاء لا يفاد منها ذلك. وكذا العكس، إذ إنه إذا كانت الأخبار تدعو للرجوع إلى العلماء؛ فإن آيتي الشورى لا تتقيدان بهذا القيد، رغم أن الحاجة تقتضي، على فرض صواب الإطروحة، التصريح والجمع بين قيدي الفقهاء والشورى؛ سواء في الأخبار أم في الآيتين، لكن ذلك لم يحصل. أي أننا لا نجد في الشورى قيد الفقهاء، كما لا نجد في الفقهاء قيد الشورى. يضاف إلى أن هناك ثغرة تتعلق بقياس باب القضاء على الحكم مع وجود الفارق الكبير بينهما. فضلاً عن أن الأخبار (الشيعية) لا يستفاد منها الحث والتشجيع على الحكم؛ فكيف يُستفاد منها فوق ذلك الشورى أياً كانت؛ سواء بين الفقهاء أو غيرهم؟!

ومع أن بعض الفقهاء المتأخرين حاول إستنباط معنى حكومة الفقيه في عصر الغيبة من الإشارات العامة غير المباشرة للأحاديث المنقولة عن النبي (ص) والأئمة (ع)، كما في الأخبار التي تقول: «العلماء ورثة الأنبياء».. «العلماء أُمناء الرسل».. «مجاري الأُمور بيد العلماء بالله الأُمناء على حلاله وحرامه».. «أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به».. «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله..».. وغير ذلك من الأحاديث.. لكنها ليست ذات دلالة واضحة على الحكومة، وأغلبها مطعون بضعف السند. وأقربها معنى في الموضوع هي مقبولة عمر بن حنظلة التي وردت في القضاء وفض المنازعات، حيث جاء في طيها جواب الإمام الصادق بعد أن سُئل ماذا يصنع المتخاصمان؟ فقال: «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا.. فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً..». فهذه المقبولة هي أقرب من غيرها في الدلالة على موضوع الولاية، حتى قال الشيخ النائيني بأن موضوع الولاية كله يستفاد من هذه الرواية. وقد إستدل السيد اللنكرودي من نص الرواية «فإني قد جعلته عليكم حاكماً» معتبراً أن الحكم أعم من القاضي، اذ الحاكم هو الذي يضرب بالسيف والسوط. لكن رغم ورود لفظة «الحاكم» في الرواية إلا أنها جاءت في سياق القضاء والخصومة وهي ترد في معنى القاضي؛ فلا ضرورة لفهمها بالعنوان العام. ومع هذا وذاك فالرواية تعد ضعيفة السند. والأهم من ذلك كله هو أن هناك روايات غزيرة أغلبها يدل بوضوح على منع التصدي للحكم في فترة الغيبة لإعتبارات التقية وضرورة الإنتظار قبل ظهور الإمام المهدي، كالرواية التي تقول: «كل راية تُرفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله»، وإن كان الغالب فيها ضعف السند([11]).

ناهيك عن أنه إذا كان يمكن إنتزاع أمر الحكم مما جاء في روايات القضاء، أو أنه على فرض قياس أحدهما على الآخر؛ فالذي يفضي إليه ذلك هو أن يكون دليل شورى الحكم للفقهاء مستلهماً بالضرورة من دليل شورى القضاء؛ استناداً الى افتراض جامع بينهما كوحدة مناط. لكن حيث لم يرد في القضاء دليل الشورى، لا في النص ولا في سيرة المتشرعة، لذا فإن شورى الحكم للفقهاء تصبح خالية من الدليل تبعاً لذلك.

مهما يكن فمن الناحية العقلية تظل الشورى مطلوبة لدى أهل الخبرة، سواء في الموضوعات والشؤون العامة، أو في الأحكام. واذا ما كان الشرع قد أكد عليها في المجال الأول فإنه لم ينه عنها في المجال الآخر، هذا إذا فرضنا أنه لم يحث عليها في هذا المجال، سيما أن قضية الإجتهاد في الأحكام لم تطرح في عصر النص طالما كانت النصوص متوفرة والأحوال واضحة بخلاف العصور التي تلت ذلك العصر الذهبي.


[1] الميزان في تفسير القرآن، ج4، ص121 و124ـ125 .

[2] الصدر، محمد باقر: خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ضمن سلسلة الإسلام يقود الحياة (4)، مطبعة الخيام في قم، 1399هـ، ص53ـ54. كذلك: الصدر: لمحة فقهية تمهيدية، سلسلة الإسلام يقود الحياة (1)، ص23 و33. وأنظر بهذا الصدد نقد جعفر مرتضى العاملي للسيد الصدر حول فكرة الشورى وقيادة الأُمة، وذلك كدفاع عن منطق ولاية الفقيه (الصحيح من سيرة النبي الأعظم،ج4، ص177 وما بعدها ).

[3] الصدر: بحث حول الولاية، دار التوحيد في الكويت، 1397هـ ـ1977م، ص19ـ21.

[4] مافي، هاشم محيط: مقدمات مشروطيت، بكوشش: مجيد تفرشي ـ جواد جان فدا، ص339 وما بعدها.

[5] عوائد الأيام، ص187ـ188.

[6] المصدر السابق، ص187ـ188. 

[7] عن: شورى الفقهاء، ج1، ص104 .

[8] المصدر السابق، ص421ـ424.

[9] المصدر السابق، ص371ـ376.

[10] المصدر السابق، ص372ـ373. كذلك: الشيرازي، محمد: الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام، مؤسسة الفكر الإسلامي، الطبعة الأُولى، 1405هـ ـ1985م، ص507ـ508. والشيرازي: الحكم في الإسلام، ضمن موسوعة الفقه، دار العلوم، الطبعة الثانية، 1410هـ ـ1989م، ج99، ص40 وما بعدها.

[11] انظر حول ما سبق المصادر التالية: النراقي: عوائد الأيام، ص185 وما بعدها. والأنصاري، مرتضى: المكاسب، مؤسسة مطبوعات ديني بقم، الطبعة الرابعة، 1370هـ.ش، ص154. واللنكرودي، مرتضى المرتضوي الحسيني: رسالة الإجتهاد، ضمن رسائله الثلاث، مطبعة الإسلام بقم، 1380هـ، ص26ـ28. والخوئي: الإجتهاد والتقليد، ص379ـ380 و143ـ144. والخميني، روح الله الموسوي: الحكومة الإسلامية، المكتبة الإسلامية الكبرى، إيران، ص56 وما بعدها. والحائري، كاظم: الكفاح المسلح في الإسلام، إنتشارات الرسول المصطفى في إيران، ص110 وما بعدها.


ولاية الفقيه

  • مراجع الدين يعارضون ولاية الفقيه .

  • صلاحيات المرشد .

  • احياء اسطورة السلطة الالهية .

  • الامام القائم يضطهد الامام القاعد .

  • ولاية الفقيه بدعة في الدين .

   (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (14))
ولاية الفقيه
عندما كان الخميني في النجف الف كتابا سماه (ولاية الفقيه) ، ولم يفكر احد قط ان هذا الكتاب سيكون في يوم ما مثل (كفاحي) لادولف هتلر ويطبق على شعب ايران المسكين فلذلك لم يعر احد اهتماما بمضامينه وفحواه ، واعتبر فرضية فقية كثيرا ما نجد مثلها في مؤلفات المؤلفين ، وموضوع ولاية الفقيه من البدع التي ابتدعها الخميني في الدين الاسلامي واتخذ منه اساسا للاستبداد المطلق باسم الدين ، وهناك اتفاق تام بين فقهاء الشيعة الامامية والسنة ، ان الغرض من كلمة اولو الامر الواردة في الاية الكريمة (====) انما هو الوالي الذي نصبه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حياته حيث يسري عليه من اطاعة الامر ما يسري على الرسول الكريم نفسه فقط ، اما ان يكون الفقيه وليا للمسلمين يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فانه هذيان يأبى من قوله حتى المجانين .
ولكي نعطي صورة واضحة المعالم لبشاعة هذه الفكرة التي ادخلها الخميني في الدستور الايراني نورد هنا هذا السؤال ، من هو الفقيه ؟ والجواب : ان الفقيه هو الرجل الذي يستطيع استنباط الاحكام الشرعية عن الكتاب والسنة الواردة من الرسول الكريم او الروايات التي صدرت من الائمة عليهم السلام او الاخذ بالقياس او دليل العقل في استنباط الاحكام الشرعية . فالعالم باحكام الصوم والصلواة والحج والزكاة وهكذا الاحكام المتعلقة بالمعاملات والديات وغيرها يكون فقيها ، وهذا الفقيه قد يكون عادلا وقد يكون فاسقا وقد يوجد في بلد فقيه واحد او عشرين فقيها او اقل او اكثر ، اذن الفقاهة هو الاختصاص في موضوع واحد من مواضيع العلم وهو الشريعة التي يستمد اصولها من العقيدة والايمان بالله ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، وليت شعري ان اعرف ما هي الرابطة بين الاختصاص في الاحكام الشرعية وادارة دفة الحكم بتلك الصورة الاستبدادية المطلقة ، انها اذن تجسيد واحياء لنظرية السلطة الالهية التي كان رؤساء الكنيسة الكاثوليكية يصفون انفسهم بها في عهد محاكم التفتيش في القرن الثامن والتاسع الميلادي وارتكبوا بهذا الاسم من المجازر والاثام في اسبانيا ما لاينساه التاريخ الانساني ، واليوم وفي عهد تسخير الفضاء وهبوط الانسان على سطح القمر ، يجدد الخميني المسلم في بلد مسلم اسطورة السلطة الالهية المسيحية ولكن لتتجسد هذه المرة لا في البابا عزيعْوار المسيحي ، بل في الامام الخميني المسلم .
ولم يقنع الخميني باعطاء هذه السلطة الالهية لنفسه بل اعطاها لكل من هو على شاكلته والذين سماهم الفقهاء او المرشدين ، وادخل هذا البند الجهنمي المشين للانسان وكرامته في الدستور الايراني بلا حياء ولا خجل من الله ورسوله والتاريخ . ان على العالم اجمع من مسلمين وغير مسلمين ان يعرفوا ان فقهاء ايران الكبار والمراجع الدينية العظام فيها عارضوا ولاية الفقيه معارضة شديدة واعلنوا انها لاتمت إلى الدين بصلة وانها بدعة وضلال ، وكاد الامام الشريعتمداري الزعيم الروحي الكبير والذي ساهم في الثورة الايرانية مساهمة عظيمة في اخر ايامها ان يدفع حياته ثمنا لمعارضته مع هذه الفكرة ، وعندما اصر الامام الشريعتمداري على موقفه المعارض ارسل الخميني عشرة الاف شخص من جلاوزته يحملون العصى والهروات إلى دار الامام يريدون قتله وقتل اتباعه وهم ينادون بصوت واحد ويشيرون إلى دار الامام (وكر التجسس هذا لابد من هدمه واحراقه) ودافع حرس الامام الشريعتمداري دفاع الابطال عن دار الامام واستشهد رجلين من اتباعه في ذلك الهجوم البربري الذي شنه امام قائم ضد امام قاعد .
وهكذا اعطى الامام الخميني درسا لكل الائمة الاخرين الذين ارادوا الوقوف ضد ولايته ليعلموا ان مصير الامام الشريعتمداري سيكون مصيرهم اذا ما ارادوا الوقوف ضد رغبته ولم يكن نصيب الامام الطباطبائي القمي في خراسان من المحن والبلاء اقل من نظيره الامام الشريعتمداري في قم عندما عارض ولاية الفقيه معارضة الابطال ، لقد تقبل الامام القمي ما لاقاه من الاضطهاد من زميله القديم في السجن والجهاد الامام الخميني ، صابراً  للله تعالى محتسبا في سبيله ، كما ابلى بلاء حسنا في مواجهة انصار الخميني الذين يسمون انفسهم (حزب الله) او كما يسميهم الناس حزب الشيطان ، اذن فان الخميني وزمرته فرضوا رغباتهم وافكارهم على ماسواهم ائمة كانوا او مامومين . اما ما يتضمن الدستور الايراني الجديد في بنده العاشر بعد المائة حول صلاحيات الولي الفقيه (المرشد) فنورده هنا نصا ليكون تجسيدا حيا لمغزى الجملة المنسوبة إلى الفيلسوف باسكال ( من اراد ان يدرك اللامتناهي فليمعن جيدا فيما يتعرض للعقل البشري من سقوط او انحطاط ) .
يقول البند 110 :
المرشد هو القائد الاعلى للقوات المسلحة وله الصلاحيات المدرجة ادناه :
1.   تعيين الفقهاء المراقبين على صيانة الدستور والقوانين التي يسنها مجلس الشعب .
2.  تعيين اعلى سلطة قضائية في البلاد .
3.  نصب وعزل رئيس اركان الحرب .
4.  نصب وعزل قائد الحرس الثوري .
5.  صلاحية تعيين اعضاء الدفاع الوطني .
6.  تعيين قادة القوات المسلحة (الارض ، الجو ، البحر ) .
7.  اعلان الحرب والصلح .
8.  تنفيذ رئاسة الجمهورية .
9.  عزل رئيس الجمهورية اذا اقتضت مصالح الامة .
10. العفو عن المحكومين في حدود قوانين الاسلام وباقتراح من المحكمة العليا .
وهكذا اسفرت الثورة التي قدمت الاف الشهداء للخلاص من ملك مستبد متوج واحد النقاب عن نوايا مرشدها ، فسلط على رقاب الامة ولاة طغاة استبدلوا التيجان بالعمائم وهم يتبجحون بالسلطة الالهية المطلقة .
فمرحى لهم مرحى .


ولاية الفقيه بين الشورى والاستبداد

كيف ومتى نشأت نظرية ولاية الفقيه؟ وهل تشكل أساسا من أسس الإسلام أو التشيع أو الثورة؟وما هو دورها في إضفاء الطابع الديني على النظام الحاكم في إيران؟ ولماذا امتاز الشيعة بهذه النظرية؟

كل هذه الأسئلة وغيرها قفزت إلى الأذهان مع مطالبة بعض كبار رجال الدين في إيران ، مؤخرا ، بإعادة النظر في نظرية ولاية الفقيه وتعديلها أو التراجع عنها ، لأنها - حسب قولهم - ابتعدت عن الشورى ومالت إلى الاستبداد.

من المعروف ان نظرية ولاية الفقيه ولدت قبل مائة وخمسين عاما على يدي الشيخ احمد النراقي (توفي سنة 1245هجرية)صاحب كتاب :( عوائد الأيام) وطبقها الإمام الخميني لأول مرة في (الجمهورية الإسلامية الإيرانية). وكانت هذه النظرية قد شكلت تطورا كبيرا في نظام المرجعية الدينية الذي نشأ عند الشيعة الامامية في ظل مقاطعتهم للأنظمة السياسية المختلفة في عصر غيبة (الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر).

وقد ولدت (المرجعية الدينية)للفقهاء ، واكتسبت صبغة شرعية من نظرية (النيابة العامة للفقهاء عن الإمام المهدي) التي بدأت تتبلور وتتطور منذ أواسط القرن الخامس الهجري ، حتى اكتملت على يدي الشيخ علي بن عبد العالي الكركي في القرن العاشر الهجري ، عندما قام بمنح الشاه طهماسب بن اسماعيل الصفوي إجازة للحكم باسمه باعتباره يمثل النائب العام عن الإمام المهدي.

وقد أثارت نظرية (النيابة العامة) عند ظهورها جدلا واسعا في صفوف الشيعة في القرون الوسطى وقسمتهم إلى (أصوليين) و (إخباريين) مثلما فعلت نظرية (ولاية الفقيه) التي أثارت معارضة شديدة من قبل كبار الفقهاء والمحققين كالشيخ مرتضى الانصاري (توفي سنة 1281) والسيد أبو القاسم الخوئي (توفي سنة 1412) حيث قال الأول في كتابه : ( المكاسب): ان الروايات التي يستشهد بها المريدون لولاية الفقيه لا تبين إلا وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية والفتيا والقضاء ، لا كونهم كالأنبياء وإلائمة في كونهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وان الدليل على وجوب طاعة الفقهاء دونه خرط القتاد.

اما السيد الخوئي فقد قال في كتاب ( الاجتهاد والتقليد) : ان ما استدل به على الولاية المطلقة غير قابل للاعتماد عليه، ومن هنا قلنا بعدم ثبوت الولاية له إلا في مورد الفتوى والقضاء ، وان الأخبار المستدل بها على الولاية المطلقة قاصرة السند والدلالة.

ولا يشك أحد في ضعف الروايات التي يستند إليها القائلون بنظرية ولاية الفقيه ، والمنسوبة إلى الإمام الغائب ، وهم يعترفون بذلك ، ولكنهم يتشبثون بها كأدلة مساعدة بعد تقريرهم لضرورة إقامة الحكومة الإسلامية في (عصر الغيبة) والتخلي عن نظرية التقية والانتظار للإمام الغائب.

وقد شكل القول بنظرية ولاية الفقيه ثورة في الفكر السياسي الشيعي لأنه أدى بالفقهاء إلى التخلي عن شروط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية التي كان يشترطها الشيعة في الإمام في القرون الأولى.

وبالرغم من الجدل العنيف الذي كان يدور حول هذه النظرية فأنها شقت طريقها بعد نجاح الإمام الخميني في تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران قبل حوالي عشرين عاما، ولكنها كانت ولا تزال غامضة وبحاجة إلى بلورة وتطوير، خاصة في ما يتعلق بحدود الولاية وعلاقة الفقيه بالأمة. وقد أصبحت عرضة لجدل طويل في مجلس الخبراء التأسيسي الأول الذي انعقد بعد انتصار الثورة لصياغة الدستور، حيث كان يميل البعض إلى تقليص سلطة الفقيه إلى درجة الاقتصار على مهمة الإرشاد الروحي ، ويميل البعض الآخر إلى تمديد سلطته إلى درجة الهيمنة الكاملة على الحياة السياسية. وقد ولد الدستور الإيراني الإسلامي وهو يميل إلى كفة الأمة التي أعطاها حق التشريع من خلال مجلس شورى منتخب ، وحق التنفيذ من خلال سلطة تنفيذية منتخبة ممثلة برئيس الجمهورية ، ولم يعط الفقيه الولي سوى منصب قائد القوات المسلحة وحق تنصيب الرئيس الأعلى للقضاء.

ولكن الإمام الخميني الذي صادق علة الدستور لم يكتف عمليا بالصلاحيات التي منحه إياها الدستور ، بل فرض هيمنته الكاملة علة مجلس الشورى ورئاسة الجمهورية وأقال الرئيس الأول أبوا لحسن بني صدر لأنه تمرد على تعليماته ، ووجه رسالة شديدة اللهجة إلى الرئيس السيد علي الخامنائي سنة 1988 لأنه اعترض على بعض ممارساته ، خاصة في ما يتعلق بإجازة قانون العمل الذي لم يكن يحظى بموافقة مجلس المحافظة على الدستور.

وقد اتهم الإمام الخميني خامنئي في تلك الرسالة بالجهل بنظرية ولاية الفقيه وقال لهL يظهر انكم لا تؤمنون ان الحكومة التي تعني الولاية المخولة من قبل الله إلى النبي الأكرم مقدمة على جميع الأحكام الفرعية الإلهية… وان استشهادكم بقوليL ان صلاحية الحكومة هي في إطار الأحكام الإلهية) يخالف بصورة كلية ما قلته. ولو كانت صلاحيات الحكومة محصورة في إطار الأحكام الفرعية الإلهية لوجب ان تلغى أطروحة الحكومة الإلهية والولاية المطلقة وان تصبح دون معنى. وما قيل حتى الآن وما قد يقال ناشيء من عدم معرفة الولاية المطلقة الإلهية).

وقد اعتبر الإمام الخميني في تلك الرسالة ولاية الفقيه كولاية الرسول الأعظم وقال بصراحة: انه يستطيع ان يلغي الاتفاقيات الشرعية التي يعقدها مع الأمة من طرف واحد إذا رأى بعد ذلك انها مخالفة للإسلام أو لمصلحة البلد.

ولم يكن الإمام الخميني يؤمن بحاجة الفقيه إلى رأي الأمة أو انتخابها له لأنه منصب ومعين من قبل الإمام المهدي الغائب ، ولذا فقد كان يطالب الأمة بتقديم النصح والنصرة والولاء له ، ويستند في ذلك على تراث (المرجعية الدينية) ونظرية (نيابة الفقيه العامة عن الإمام المهدي) التي تعطي للفقيه قدسية لا مثيل لها وتجعله مشابها للنبي أو الإمام المعصوم بناء على الحديث المنسوب إلى الإمام المهدي والذي يقولL ان الراد على الفقهاء كالراد علينا والراد علينا كالراد على الله)

وبناء علة نظرية الإمام الخميني هذه انطلق الشيخ محمد يزدي رئيس القضاء الأعلى في إيران قبل عدة اشهر في دعوته إلى تعديل الدستور وحصر السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في يدي الولي الفقيه وتحريم ممارسة أي شيء من ذلك إلا بإذنه.

وفي الحقيقة ان نظرية (النيابة العامة) هي سر الصبغة الدينية لنظام الحكم وللحاكم في إيران . إلا انه بالرغم من سيادة هذه النظرية اليوم فأنها - كما قلنا - جوبهت ولا تزال تجابه بمعارضة من قبل بعض الفقهاء والمحققين الكبار الذين يرفضون الصفة الدينية المقدسة للحاكم، حتى وان كان فقيها عادلا ، وذلك لاحتمال تعرضه للجهل أو الهوى أو حب السلطة والانحراف والاستبداد.

ومن هنا فان الفقهاء يناقشون في صحة نظرية ولاية الفقيه أو النيابة العامة ويقولون انها ليست سوى فرضيات أو نظريات اجتهادية حادثة لم تكن معروفة بين الفقهاء السابقين ولا تحظى بإجماع الشيعة أو عامة المسلمين.

ان إعادة النظر في (ولاية الفقيه) لا تعني إعادة النظر في الإسلام أو الحكم الإسلامي ، وإنما تعني إعادة النظر في أسس الحكومة وهل تقوم على تفويض الهي للحكم باسم الإمام الغائب أو تفويض من الأمة للحكم باسمها بالحدود والصلاحيات التي ترسمها وتحددها.

ويتوقف على هذا الجدل الدائر في إيران مستقبل النظام السياسي بين تشديد قبضة الولي الفقيه والاستبداد بالسلطة بصورة كاملة ، أو الاتجاه نحو مزيد من الحرية والشورى والمشاركة الشعبية في تقرير الأمور , كما يتوقف عليها موقع رئيس الجمهورية المنتخب السيد محمد خاتمي وقدرته على تنفيذ وعوده الانتخابية بتوفير الحرية الثقافية والتعددية السياسية والسماح للأحزاب بالعمل في ظل الجمهورية الإسلامية.

_________________________

المصدر: نشرت في جريدة الحياة بتاريخ 8/12/1997


في ولاية الفقيه وأدلتها

بعد أن بسطنا القول بعصمة أئمة الشيعة وبينت بدعتها وضلالها، نبحث في بدعة معاصرة سماها أصحابها بولاية الفقيه.

فالرافضة تعتقد أن الإمام لابد أن يكون معصوماً، لأن إمامته راجعة إلى الله تعالى لا إلى اختيار الأمة، لأن الأمة ليست معصومة عن الخطأ، فكيف لها أن تختار معصوماً!

وحيث أن الرافضة يرون هذا الرأي نلاحظ أن بدعتهم في ولاية الفقيه قد قلبت مفهومهم في الإمام المعصوم وعودته رأساً على عقب وخصوصاً بما يتعلق باختيار الأمة لإمامها أونائبه وصلاحيات هذا النائب الذي ينسخ عقيدة الرافضة في انتظار الفرج عن إمامهم المزعوم الذي طالت غيبته مما جعل اليأس، والإحباط يملأ قلوب الرافضة ونقرأ هذا جليأ في قول الخميني: (قد مر على الغيبة الكبرى ([1]) لإمامنا المهدي أكثر من ألف، وقد تمر ألوف السنين قبل أن تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر، في طول هذه المدة المديدة هل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس من خلالها ما يشاؤون، القوانين التي صدع بها في الإسلام صلى الله عليه وسلم وجهد في نشرها وبيانها وتنفيذها طيلة ثلاثة وعشرين عاماً، هل كان ذلك لمدة محدودة؟ هل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام مثلاً؟ وهل ينبغي أن يخسر الإسلام بعد عصر الغيبة الصغرى كل شئ؟ الذهاب إلى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الإسلام منسوخ ... ) ([2]).

ومن خلال مقالة الخميني الرافضي نستطيع أن نستنتج ما يلي:

أن غيبة إمام الرافضة المزعومة قد طالت وربما تطول قروناً ولا بد من مخرج من هذا المأزق الذي وضعوا فيه أنفسهم جراء بدعتهم ومخالفتهم للإسلام وأصوله.

أن الرافضة قد أصابهم اليأس من طول الغيبة المزعومة وخصوصاً أنهم لا يملكون شيئاً أمام هذه العقيدة الفاسدة التي صاغها الشيعة الرافضة لأنفسهم.

أن عقيدة الشيعة قائمة على عدم تطبيق الأحكام الشرعية إلا بوجود الإمام المعصوم حتى أنهم قالوا: (كل راية قبل راية القائم رضي الله عنه صاحبها طاغوت) ([3]).

أن عقيدة انتظار خروج الإمام أدت إلى فساد المجتمع الشيعي لعدم وجود من يردعهم دينياً.

أن عقيدة انتظار خروج الإمام المعصوم أدت إلى نسخ الشريعة عند الشيعة، لأن أحكام الشريعة عندهم لا تطبق إلا بوجود إمامهم المعصوم وهذا المزعوم غائب ولا يمكن معرفة تاريخ عودته إن كان سيعود أصلاً.

وأمام هذه الحقائق الواقعية حاول الخميني ومن أخذ برأيه الخروج من هذا المأزق ببدعة جديدة أطلقوا عليها اسم " ولاية الفقيه "

أدلة ولاية الفقيه:

رحم الله تعالى الإمام الشاطبي الذي قال: (لا تجد مبتدعاً ممن ينتسب إلى الملة إلا وهويستشهد على بدعته بدليل شرعي فينزله على ما وافق عقله وشهوته)).

وعلى هذا كان لابد لهؤلاء النفر أصحاب بدعة ولاية الفقيه من أدلة نقلية وعقلية لتسويغ بدعتهم وتمريرها على أتباع المذهب الشيعي الرافضي ومن هذه الأدلة ما يلي:

أولاً - القرآن الكريم:

قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)) [النساء:58].

قال الخميني مستدلاً بهذه الآية لتبرير بدعته: (إن الخطاب موجه إلى من يمسكون الأمور بأيديهم، وليس خطاباً للقضاة، لأن القضاة جزء من الحكومة) ([4]).

ثانياً - السنة المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم:

وجاء القوم بحديث منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه: (اللهم ارحم خلفائي - ثلاث مرات - قيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال الذين يأتون بعدي، يرون حديثي وسنتي فيعلمونها الناس من بعدي).

وقد قال الخميني: (أن المقصود بخلفاء الرسول أولئك الذين يسعون إلى نشر علوم الإسلام وأحكامه ولا علاقة لها بنقلة الحديث ورواته المجردين عن الفقه، فالمقصود هم فقهاء الإسلام الذين يجمعون إلى فقههم وعلمهم العدالة والاستقامة في الدين ليصل في نهاية المطاف إلى تبرير نظرية ولاية الفقيه وصلاحية الفقيه لتعمم جميع شؤون الحياة) ([5]).

ثالثاً - أقوال منسوبة للإمام الغائب:

كما استدل أصحاب هذه البدعة بتوقيع منسوب عن إمام الرافضة المغيب والذي زعموا فيه أنه قال: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) ([6]).

قال الهمداني الرافضي في شرح هذا القول: (يتضح من التأمل والتدقيق في الرواية المذكورة، التي هي الدليل لأساس على نصب الفقهاء في عصر الغيبة أن الفقيه الذي يأخذ روايات الأئمة ويتمكن منها، يكون في موقعهم، ليرجع الشيعة إليه في الأمور التي يجب أن يرجعوا فيها إلى الإمام) ([7]).

صلاحيات الفقيه في ولايته:

بعد أن أورد فقهاء الشيعة أدلتهم من أجل تبرير وتشريع بدعة ولاية الفقيه، اختلفوا في حدود وسلطات الفقيه الولي إلى اتجاهات ثلاثة ([8]):

الاتجاه الأول: يرى أن للفقيه ولاية عامة، فالفقيه هونائب الإمام الغائب وله أن يملكه الإمام الغائب.

الاتجاه الثاني: يرى أن للفقيه ولاية خاصة فقط، أي يملك سلطة الفتيا والقضاء، ويملك إصدار الأحكام في الموضوعات العامة أوالخاصة فينفذ حكمه فيها، كما ينفذ حكمه في القضايا الشرعية ولكنه لا يملك الولاية العامة.

الاتجاه الثالث: هذا الاتجاه يسلب من الفقيه سلطة إصدار الأحكام في الموضوعات، فليس له الحق في ذلك، ولا يجب على الناس إطاعته فيها، فلوأصدر حكماً في ثبوت هلال شهر رمضان، فلا يجب على الناس الصيام، لأن حكمه ليس حجة عليهم إلا إذا أوجب لهم الاطمئنان الذاتي.

وأمام هذه الآراء لمتكلمي الشيعة الروافض اختيار الخميني المبتدع هذه البدعة القائلة بالولاية العامة للفقيه.

إذ يرى الخميني أن سلطة الفقيه أثناء ولايته سلطة مطلقة، لا تختلف أبداً عن سلطة الإمام المعصوم، ولا حتى عن النبي صلى الله عليه وسلم ويستند في ذلك إلى التوقيع المزعوم للإمام المزعوم، الذي يقول فيه: (أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله).

فالخميني يرى أن الفقيه حجة على أهل زمانه ولا فرق بينه وبين الإمام الغائب مما يعني حقيقة أن عقيدة ظهور الإمام أوعدم ظهوره أصبحت تحصيل حاصل للشيعة الرافضة ما دام هناك من يطبق شريعة الشيعة.

وقد توقف الخميني طويلاً عند رواية سماها (صحيحة قداح) وهي قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء) ([9]) ليثبت من خلالها ما يريد من أن المقصود بالعلماء في البيان النبوي هم الفقهاء، وليسوا الأئمة وأن منزلة العلماء مثل منزلة الأنبياء من حيث الطاعة والامتثال لأوامرهم.

ومما قاله لتبرير بدعته: (إن المقياس في فهم الروايات آخذ بظواهر ألفاظها، هوالعرف والفهم المتعارف وإذا رجعنا إلى العرف في فهم عبارة (العلماء ورثة الأنبياء) وسألنا العرف: هل أن هذه العبارة تعني الفقيه بمنزلة موسى وعيسى عليهما السلام؟

لأجاب: نعم!؟ لأن هذه الرواية تجعل العلماء بمنزلة الأنبياء، وبما أن موسى وعيسى عليهما السلام من الأنبياء، فالعلماء بمنزلة موسى وعيسى عليهما السلام، وإذا سألنا العرف: هل أن الفقيه وارث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأجاب: نعم ... فورود كلمة الأنبياء بصيغة الجميع، إنما يقصد به كل الأنبياء ... حتى لونزلنا العلماء منزلة الأنبياء بوصفهم أنبياء، فإنه ينبغي إعطاء جميع أحكام المشبه بهم للمشبه) ([1.]).

ثم يؤكد الخميني بدعته بقوله: (أن جميع شؤون الرسول صلى الله عليه وسلم قابلة للانتقال والوراثة، ومن جملتها الإمارة على الناس، وتولي أمورهم، من كل ما ثبت للأئمة من بعده وللفقهاء من الأئمة) ([11]).

ثم ينتهي إلى البدعة التي تمناها، فيقول: تبين لنا أن ما ثبت للرسول صلى الله عليه وسلم والأئمة فهوثابت للفقيه) ([12]).

وتبعاً لهذه المقدمات فإن الجاحد لولاية الفقيه يعتبر جاحداً للإمام المعصوم والجاحد للإمام المعصوم يعتبر جاحداً لحقوق الله والجاحد للحقوق الله يقع في حد الشرك الأكبر عند الشيعة الروافض.

وهذا ما عبر عنه الخميني عندما قال: (إن الراد على الفقيه الحاكم يعد راداً على الإمام، والرد على الإمام رد على الله، والرد على الله يقع في حد الشرك بالله) ([13]).

وقد بين النراقي الرافضي في كتابه عوائد الأيام صلاحيات الولي الفقيه، فقال: (إن كلية ما للفقيه العادل تولية وله الولاية فيه أمران:

أحدهما: كلما كان للنبي والأئمة الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام وفيه الولاية وكان لهم، فللفقيه أيضاً ذلك إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أونص أوغيرهما.

وثانيهما: إن كل فعل يتعلق بأمور العباد في دينهم أودنياهم ولابد من الإتيان به ولا مفر منه عقلاً أوعادة، أومن حجة توقف أمور المعاد أوالمعاش لواحد أوجماعة عليه وإناطة انتظام أمور الدين أوالدنيا، أوشرعاً من حجة ورود أمر به) ([14]).

ومما سلف يتبين لنا مما نقلناه حول حدود بدعة ولاية الفقيه أن للفقيه ما للإمام المعصوم من صلاحيات وحدود وهذا الأخير كل ما كان للنبي من حدود وصلاحيات.

والسؤال الذي يطرح نفسه عند هذه النتيجة التي أرادها الخميني ومن دار بفلك بدعته.

ما هي الضمانات التي وضعت لعدم انحراف واستبداد الفقيه أثناء ولايته وخصوصاً أن له صلاحيات وسلطات الإمام المعصوم بحسب ما يعتقد هؤلاء؟.

لا شك أن الروافض بهذه البدعة الجديدة قد خرجوا حتى عن أس دينهم ومعتقدات شيعتهم الأوائل. لا بل ضربوا بعرض الحائط أصول دينهم الذي يدور على بدعة الإمام المعصوم وعودته. وفي معنى أوضح أن الشيعة الجدد قد نسخوا عقيدة الإمام المعصوم وعودته، ليتلاقوا مع إخوانهم في النظرية والتطبيق الفرقة البهائية المعروفة بالكفر والفساد والضلال.

ذلك أنهم قد قرروا أن حكم الفقيه هوبمثابة حكم الرسول وحكم أئمتهم مع الفارق الذي ذكره الخميني إذ قال: (أن عصمة المعصوم إنما كانت بسبب المنزلة العالمية والمقام المحمود الذي لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأيضاً بسبب خلافته التكوينية التي تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون) ([15]).

فالخميني وغيره من شيوخ الرافضة يضع أئمة الشيعة فوق الأنبياء وهذا كفر بواح، لا تأويل ولا تفسير حسن له، عصمنا الله من هذا الاعتقاد وأمثاله.

والحقيقة أن الخميني ومن قال بقوله يتلاقى مع البهائية في بدعة ولاية الفقيه ذلك أن هذا الاعتقاد قد أدى إلى نسخ عقيدة الإمام المعصوم وعودته فما الحاجة إلى ظهور الإمام الغائب وهناك من يتولى جميع صلاحياته فعلاً ولم يعد هناك أي ضرورة أوحاجة لعودته.

لذلك نرى أحد مراجع الشيعة (الخوئي) الذي عارض عقيدة ولاية الفقيه فأسس جمعية في إيران سماها (جماعة الحجتية) أي جماعة الإمام الحجة، والتي ترفض الولاية من حيث المبدأ وتدعوا إلى الالتزام بمبدأ الانتظار حتى يظهر إمامهم الغائب ([16]).

كما نجد الشيخ محمد جواد مغنية الرافضي ينتقد ولاية الفقيه في كتاب أسماه (الخميني والدولة الإسلامية) الذي قال فيه: (إن التفاوت في المنزلة يستدعي التفاوت في الآثار لا محالة ومن هنا كان للمعصوم الولاية على الكبير والصغير حتى على المجتهد العادل، ولا ولاية للمجتهد على البالغ الراشد، وما ذاك إلا لأن نسبة المجتهد إلى المعصوم تماماً كنسبة القاصر إلى المجتهد العادل) ([17]).

لذلك يصل جواد مغنية الرافضي ومن أخذ برأيه إلى نتيجة مفادها أنه: (لا دليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام المعصوم، رغم ورود أخبار تبين أن العلماء كالأئمة فالإنصاف يقتضي الجزم بأن مقام العلماء لنشر الأحكام الشرعية، لا كون العلماء كالأنبياء والأئمة المعصومين) ([18]).

-----------------

([1]) يدعي الشيعة أن لإمامهم غيببة صغرى وغيبة كبرى أما الغيبة الصغرى: فالإمام احتجب عن عامة الشيعة دون نفر قليل سموا رواة الحديث إذ كانوا هؤلاء - حسب دعواهم - ينقلون إلى الإمام المزعوم مسائل الناس ومشاكلهم، ويعودون بالأجوبة عنها. أما الغيبة الكبرى: فإن الإمام المزعوم احتجب عن جميع الشيعة العامة والخاصة منهم.

([2]) الحكومة الإسلامية، للخميني، ج23 - 24.

([3]) أصول مذهب الشيعة الإمامية، ج2/ 738.

([4]) الحكومة الإسلامية، ج 2/ 738.

([5]) الحكومة الإسلامية، ص 6. - 63 - 69.

([6]) آراء في المرجعية الشيعية، ص 65.

([7]) آراء في المرجعية الشعية، ص 65.

([8]) آراء في المرجعية الشيعة، ص 137 - 138.

([9]) ففي مجمع الزوائد: عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العلماء خلفاء الأنبياء قلت له في السنن العلماء ورثة الأنبياء، رواه البزار ورجاله موثقون، ج 1/ 126.

([1.]) الحكومة الإسلامية للخميني، ص 84 - 85.

([11]) المصدر السابق، ص 86.

([12]) المصدر السابق، ص 88.

([13]) كشف الأسرار للخميني، ص 2.7.

([14]) آراء في المرجعة الشيعية، ص 6..

([15]) الحكومة الإسلامية، للخميني، ص 47.

([16]) إيران من الداخل، فهمي الهويدي، ص 1.5.

([17]) الخميني والدولة الإسلامية، ص 61 - 62.

([18]) المصدر السابق ص 63.

الخاتمة

ومما سلف يتبين لنا النتائج التالية:

إن أصحاب عقيدة ولاية الفقيه يرون أن تولي الفقيه لمصالح الناس إنما هوتنفيذ لأوامر الله ورسوله وإمامهم الغائب المزعوم، لأن الإمام عند الرافضة معين من قبل الله تعالى وحيث إن هذا الإمام غائب وأن رجعته غير معلومة، فإن الفقيه نائب عن ذلك الإمام الغائب في كل صلاحياته ومميزاته.

إن بدعة ولاية الفقيه ما هي من حيث النظرية والتطبيق إلا الابن التوءم لعقيدة البهائية الذين يعتقدون أن إمامهم ناطق بعلم الإمام المستور وأنه الباب إليه ([1]).

من خلال استقراء آراء مخالفي عقيدة ولاية الفقيه (من الشيعة الروافض أنفسهم) يتبين لنا أنه لا يوجد عند الشيعة ما يدل على وجوب طاعة الفقيه طاعة عامة مطلقة كطاعة إمامهم الغائب ومما يعني عدم شرعية ولاية الفقيه وبالتالي بطلان تأسيس ما يسمى بجمهورية إيران الإسلامية بحسب قواعد الشيعة أنفسهم.

إن إثبات عقيدة ولاية الفقيه تنتهي عند الشيعة إلى مساواة الفقيه بإمامهم المعصوم صاحب المقامات العليا التي تتغلب حتى على الأنبياء وهذا مخالف لكل منقول ومعقول.

إن الفكر الشيعي المعاصر يعيش في مأزق خطير يتمثل في استحالة التوفيق بين بدعة الإمام المعصوم وعودته وبدعة ولاية الفقيه بصلاحياته المطلقة ([2]).

إن عقيدة الشيعة قائمة على أن الدولة الشيعية لا تقوم بشكل شرعي إلا بظهور الإمام الغائب مما يعني أن تلك العقيدة أصبحت من الأوهام الخيالية عند أصحاب بدعة ولاية الفقيه الذين ضربوا بعرض الحائط كل آمال الشيعة وتاريخهم في الإمام الغائب وعودته. ذلك أن إعطاء الحق للأمة في اختيار الفقيه النائب عن الإمام الغائب يعتبر مناقضاً لأصول الشيعة في إنكارهم حق الأمة في اختيار إمامها باعتبار أن الإمامة لطف إلهي أوجبه الله على ذاته - والعياذ بالله تعالى - فلا يجوز بأي حال من الأحوال فعله وهم الذين أنكروا على الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - اختيارهم للخلفاء الراشدين بالشورى بين أهل الحل والعقد. وهاهم اليوم بعد كل هذه الفتن التي حاكوها ضد أهل السنة والجماعة يعطون الحق للأمة في اختيار إمامها.

وأخيراً أختم هذا البحث بقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى عندما قال في الرافضة:

(هم أعظم ذوي الأهواء جهلاً وظلماً يعادون خيار أولياء الله تعالى، من النبيين، من السابقين الأوليين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - رضي الله عنهم ورضوا عنه - يوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين وأصناف الملحدين،.) ([3]).

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ* لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (سورة البقرة: 286 - 285).

كتبه

العبد الفقير إلى ربه

مسلم محمد جودت اليوسف

الأحد 13 ذي الحجة 1425هـ

------------

([1])  انظر تاريخ المذاهب الإسلامية، محمد أبوزهرة، ص 212.

([2]) عقيدة العصمة بين الإمام المعصوم والفقيه عند الشيعة، د. محمد الخطيب، ص 225.

([3]) -منهاج السنة النبوية، ج1/ 20.

عدد مرات القراءة:
8559
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :