دعوى نسبة الأحاديث إلى الصحابة، لا إلى النبي صلى الله عليه وسلم(*)
مضمون الشبهة: يدعي بعض منكري السنة أن الأحاديث النبوية كلها من أقوال الصحابة، وأفكارهم، وأفعالهم، ولا نستطيع أن نجزم أنها من أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله. ويستدلون على ذلك بأن ما روي عن الصحابة والتابعين يفوق بكثير ما روي عنه صلى الله عليه وسلم. هادفين من وراء ذلك إلى الطعن في أصل السنة وإنكار حجيتها. وجه إبطال الشبهة: · لقد ميز الصحابة - رضي الله عنهم - بين حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وما كان منهم من أقوال أو آراء أو اجتهاد ونصوا على ذلك صراحة؛ فأقوالهم هي الفتاوى والشروح والتفسير والفهم لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا واضح من الدليل الذي ادعاه المغرضون أنفسهم بأن ما روي عن الصحابة يفوق بكثير ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن أين لهم معرفة ذلك إلا إذا كان الأمر واضحا عند الجميع في التمييز بين أقوال الصحابة والحديث الشريف؟! فدليلهم شاهد عليهم لا لهم. التفصيل: تمييز الصحابة بين أقوالهم وبين أقوال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أراد القوم التلبيس على جمهور المسلمين من العامة وذلك بخلطهم المتعمد بين ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث نبوية معصومة بعصمة الوحي، وبين ما صدر عن الصحابة من آراء وأقوال حتى يوهموا الناس أن السنة المدونة في كتب الحديث والفقه ما هي إلا أقوال الصحابة التي نسبوها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك كان لا بد أن نوضح لهم الفرق - الذي يعلمه كل مسلم - بين الحديث النبوي والخبر الموقوف على الصحابي. وقبل ذلك نود أن نطمئنهم أن تلك الأمور هي من المعلوم من الدين بالضرورة ويعرفها كل مسلم ولا تخفى على أحد مهما تدنت ثقافته ومعرفته بأمور دينه، فليس من المسلمين أحد يجهل ذلك حتى يمكن أن تنطلي عليهم تلك الدعاوى المغرضة. فالحديث النبوي: هو ما أضيف للنبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خلقية[1]. أما الخبر الموقوف: فهو ما روي عن الصحابة من أقوالهم وأفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم ولا يتجاوز به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم[2]، وكذلك كانت هناك أقوال موقوفة على التابعين ومن بعدهم: هي خلاصة ما فهموه من جملة النصوص الشرعية سواء كانت قرآنا أم سنة، فيقال: حديث كذا وقفه فلان على عطاء، وحديث كذا وقفه فلان على طاوس، وحديث كذا وقفه فلان على الزهري، ويقال: موقوف على مالك، موقوف على الثوري، موقوف على الأوزاعي... ونحو ذلك. وكل ما ورد عن التابعين والذين من بعدهم من أقوال وأفعال تسمى بالمقطوع[3]. · حرص الصحابة على الحفاظ على السنة: ومما يؤكد على أن أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدخل فيها أي قول أو لفظ من أقوال الصحابة أو غيرهم، بل ظلت محفوظة مصانة كما صدرت عنه صلى الله عليه وسلم - أن الصحابة - رضي الله عنهم - وتابعيهم كانوا يحرصون كل الحرص، ويتوخون منتهى الدقة عند روايتهم لما يحفظون من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه حذر من الكذب عليه، فقد أخرج البخاري بسنده عن أنس أنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار»[4]، مع العلم أن أنس - رضي الله عنه - وغيره من الصحابة الأبرار ما كانوا ليتعمدوا الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما أراد أنه لا يكثر من الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخافة أن ينسى شيئا فيقوله بالمعنى أو يغير لفظا بمرادفه، مع أن الوعيد لا يلحقه إذا فعل ذلك عن غير عمد، ولكن يتورع حتى لو كان لا يغير المعنى. فالسنة النبوية الشريفة كانت محفوظة في صدور الصحابة يحدثون بعضهم بعضا، ويصدقون بعضهم بعضا، ولم يكن الصحابة يعرفون الكذب، فقد جاء عن أنس بن مالك أنه حدث بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رجل: أسمعت هذا من رسول الله؟ قال: نعم. أو حدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب ولا ندري ما الكذب[5]. وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: «من سمع حديثا فحدث به كما سمع فقد سلم»[6]. وعن بشير بن نهيك قال: كنت أكتب عن أبي هريرة ما سمعت منه، فإذا أردت أن أفارقه جئت بالكتاب فقرأته عليه، فقلت: أليس هذا ما سمعته منك؟ قال: نعم[7]. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قلنا لزيد بن أرقم: يا أبا عمرو، ألا تحدثنا؟ فقال: قد كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شديد[8]. ومما يدل أيضا على شدة حرص الصحابة وحفظهم للسنة حتى لا يدخل فيها ما ليس منها - فضلا عن أن يضعوا فيها ما ليس منها – وحاشاهم ذلك وهم حماة الشريعة وحراس الدين - أنهم كانوا يتحرون في اللفظ، ويرد بعضهم حديث بعض إذا أورده بمعناه حتى ولو كان المعنى صحيحا لم يتغير. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت؛ فقال رجل: الحج وصيام رمضان؟ قال: لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم»[9]. وعن سعيد بن جبير قال: «قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر، فقال: كذب... حدثني أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم...» فذكر الحديث بطوله [10]. وقيل لابن مسعود: إن سلمان بن ربيعة وأبا موسى الأشعري قالا في بنت وبنت ابن وأخت: إن المال بين البنت والأخت نصفان، ولا شيء لبنت الابن، وقالا للسائل: ائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا، فقال ابن مسعود: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، بل أقضي فيها بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للبنت النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت[11]. ومما يدل على حرص الصحابة على حفظ السنة نقية كما صدرت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون أن يدخلها ما ليس من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم - ذلك التمسك الشديد بالسنة، ورد أي حكم إليها، ونبذ أي رأي حتى ولو كان كلام صحابي مقاسا على نصوص أخرى، ما دام الأمر من السنة قد ورد في ذلك، أو وجد نص منها في المسألة كان خافيا على من أفتى فيها من قبل؛ فإنهم يرجعون إليه فور بلوغه لهم، فعن بلال بن عبد الله بن عمر أن أباه عبد الله بن عمر قال يوما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم فقال بلال: والله لنمنعهن. فقال له عبد الله: أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقول أنت: لنمنعهن»[12]. وعن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال: «سألت عائشة فذكرت لها قول ابن عمر ما أحب أن أصبح محرما أنضخ طيبا، فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرما»[13]. وعن عبد الله بن أوس قال: «سألت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض؟ قال: ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت. فقال الحرث: كذلك أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: أربت عن يديك، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكني ما أخالفه[14]»؟! وقدم عمر بن الخطاب المدينة فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة، إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا[15]. وقد روي عن ابن مسعود أنه كان يقوم الخميس قائما فيقول: إنما هما اثنان: الهدي والكلام، فأفضل الكلام - أو أصدق الكلام - كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها، ألا وكل محدثة بدعة، ألا لا يتطاولن عليكم الأمر فتقسو قلوبكم، ولا يلهينكم الأمل؛ فإن كل ما هو آت قريب، ألا إن بعيدا ما ليس آتيا[16]. · تفريق الصحابة أنفسهم بين أقوالهم وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم:
* منهجية جمع السنة وجمع الأناجيل، د. عزية علي طه، دار البحوث العلمية للنشر، مصر، 1987م. [1]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، 1/ 22. [2]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، 1/ 23. [3]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، 1/ 23. [4]. صحيح البخاري بشرح فتح الباري، كتاب: العلم، باب: إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، 1/ 241، رقم 108. [5]. الكامل، ابن عدي، تحقيق: د. سهيل زكار، دار الفكر، بيروت، ط3، 1/ 159. [6]. المحدث الفاصل، الرامهرمزي، تحقيق: د. محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، دمشق، ط3، 1404هـ/ 1984م، ص538. [7]. الكفاية، الخطيب البغدادي، تحقيق: أبي إسحاق الدمياطي، مكتبة ابن عباس، مصر، 2002م، 1/ 506. [8]. الكفاية، الخطيب البغدادي، تحقيق: أبي إسحاق الدمياطي، مكتبة ابن عباس، مصر، 2002م، 1/ 504. [9]. صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب: الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، 1/ 320، رقم 111. [10]. صحيح البخاري بشرح فتح الباري، كتاب: الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى، 6/ 497، رقم 3401. صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب: الفضائل، باب: فضائل الخضر عليه السلام، 8/ 3505، رقم 6047. [11]. جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، مكتبة التوعية الإسلامية، القاهرة، 1428هـ/ 2007م، 2/ 915. [12]. صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة، 3/ 1016، رقم 978. [13]. صحيح البخاري بشرح فتح الباري، كتاب: الغسل، باب: غسل المذي والوضوء منه، 1/ 454، رقم 270. [14]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكيين، مسند الحرث بن عبد الله بن أوس، رقم 15478. وصحح إسناده شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند. [15]. جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، مكتبة التوعية الإسلامية، القاهرة، 1428هـ/ 2007م، 2/ 1179. [16]. جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، مكتبة التوعية الإسلامية، القاهرة، 1428هـ/ 2007م، 2/ 1162. [17]. جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، مكتبة التوعية الإسلامية، القاهرة، 1428هـ/ 2007م، 1/ 777. [18]. جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، مكتبة التوعية الإسلامية، القاهرة، 1428هـ/ 2007م، 1/ 777. [19]. جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، مكتبة التوعية الإسلامية، القاهرة، 1428هـ/ 2007م 1/ 778. [20]. أعلام الموقعين، ابن القيم، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل، بيروت، د. ت، 1/ 54. [21]. أعلام الموقعين، ابن القيم، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل، بيروت، د. ت، 2/ 55. [22]. أعلام الموقعين، ابن القيم، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل، بيروت، د. ت، 1/ 54. [23]. صحيح بشواهده: أخرجه أحمد في مسنده، مسند الشاميين، مسند محمد بن مسلمة الأنصاري، رقم 18009. وقال شعيب الأرنؤوط: الحديث صحيح بشواهده. [24]. صحيح البخاري بشرح فتح الباري، كتاب: الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثا، 11/ 28، رقم 6245. [25]. منهجية جمع السنة وجمع الأناجيل، د. عزية علي طه، دار البحوث العلمية للنشر، مصر، 1987م، ص355، 365. [26]. انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، 11/ 32. [27]. صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان، 9/ 3788، رقم 6673. [28]. صحيح البخاري بشرح فتح الباري، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس، 13/ 296، رقم 7307. [29]. الجامع لأخلاق الراوي، الخطيب البغدادي، تحقيق: د.محمد عجاج الخطيب، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ/ 1994م، 2/ 407. [30]. المحدث الفاصل، الرامهرمزي، تحقيق: د. محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، دمشق، ط3، 1404هـ/ 1984م، ص546. [31]. الجامع لأخلاق الراوي، الخطيب البغدادي، تحقيق: د.محمد عجاج الخطيب، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ/ 1994م، 2/ 402. [32]. الجامع لأخلاق الراوي، الخطيب البغدادي، تحقيق: د.محمد عجاج الخطيب، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ/ 1994م 2/ 404. [33]. المحدث الفاصل، الرامهرمزي، تحقيق: د. محمد عجاج الخطيب، دار الفكر، دمشق، ط3، 1404هـ/ 1984م، ص545. [34]. حسن: أخرجه البخاري في الأدب المفرد، كتاب: السلام والمصافحة، باب: المعانقة، 1/ 337، رقم 970. وحسنه الألباني في تعليقه على الأدب المفرد. [35]. جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، مكتبة التوعية الإسلامية، القاهرة، 1428هـ/ 2007م، 1/ 392. [36]. مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، مصر، ط3، 1426هـ/ 2005م، 4/ 85. [37]. المستصفى من علم الأصول، الغزالي، تحقيق: د. محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1417هـ/ 1997م، 1/ 400. [38]. انظر: شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، 1/ 24. موقع بيان الإسلام ..
To view this video please enable JavaScript, and consider upgrading to a web browser that supports HTML5 video