تعلمتُ أن محادثة بسيطة أو حواراً قصيراً مع إنسان حكيم يساوي شهر دراسة.
مرّ وقت طويل، كان ذلك في نهايات الثمانينيات من القرن الماضي.
قبل موعد السفر بأيام قاصداً الدراسة، نصحني ناصح باتخاذ الحذر والحيطة من الوقوع في فخ التيارات الفكرية السياسية المخالفة للدين والعقل، من غير أن يذكر لي أسماء أو منظمات، منهياً حديثه بمثلين تعلمهما في شبابه.
أحدهما مثل مجري يقول: «جميل أن يموت الإنسان من أجل وطنه، والأجمل أن يعيش من أجله»، طالباً مني أن لا أنخدع من ظاهر أقوالهم، ففي باطنها الشر.
والمثل الآخر: «العملة المزيفة لا تساوي ثمن الكيس الذي وضعت فيه».. فعلمت من معلوماتي المتواضعة أنه يقصد الماركسية.
في يومي الأول استقبلني بعض الطلبة البحرينيين في القاهرة بشقتهم في مدينة الدُقي، أحدهم كان يعرفني وهو الذي عرّفني بالبقية، وكانوا من مختلف مناطق البحرين، منهم من كان من القرى ومنهم من كان من المدن.
لا أعلم ربما الحنين للماضي صفة من صفاتي، فبين الحين والآخر أتردد على السوق لشراء زجاجة عطر قديم «لابيدوس» الذي كان مشهوراً بين الشباب الجامعيين في تلك الفترة([17]).
رغم إكرامهم لي إلاّ أنني لم أتأثر بآرائهم المغطاة بشعارات الدفاع عن حقوق الطلبة من أجل حياة أفضل لهم فترة الدراسة، وضمان مستقبلهم بعد التخرج، والمطالبة بالحريات الشخصية على أوسع مدى، أي: الحرية المطلقة، «كلمة حق يراد بها باطل».
من يكذب، بإمكانه فعل أي شيء، ومن اكتُشفَ كذبه فلن يصدق منه شيء بعد ذلك.
فمن حرياتهم المنشودة مثلاً: أنه لا مانع من جلوس الزوجة مع زوجها بحضور أصدقائه في مجلس خمر، ولا مانع من تقبيل الرجل الأجنبي المرأة الأجنبية، حتى لو كان أمام زوجها، فكل الرجال لكل النساء!!
وحتى لا أنسى فإنهم لم يكشفوا لي عن دعوتهم إلى العمل السري، وجواز استخدام العنف مادام يخدم أهدافهم. والأهم من ذلك أنهم لم يصرحوا بإنكارهم وجود الله.
يبدو أن التصريح لي عن بقية ما يؤمنون به كان مازال مبكراً.
فترة قصيرة جداً اضطررت بمصارحتهم بما أؤمن وبما يؤمنون، فاتفقنا على أننا لن نتفق.
لملمت حاجياتي استعداداً للانتقال إلى شقة شباب آخرين ليس لهم أي نشاط سياسي معادي للدين أو الوطن، ولظروف خارجة عن إرادتي اضطررت للعودة إلى الوطن، وفي النهاية شاهدنا انهيار العهد الماركسي.
وعندما ظهر كتابي «ربحتُ الصحابة ولم أخسر آل البيت F»، الذي سردتُّ فيه قصة هدايتي وتركي لمذهب التشيع بكل صراحة، سُئلتُ مراراً: ألا تخاف أن تقتل؟ قلت: الشيء المضمون في حياة الإنسان هو موته، أما غير ذلك فلا يوجد ما هو مضمون.
ولأنني لازلتُ على قيد الحياة ولست ضمن قائمة الأموات فهل هناك من يريد قتلي؟
الكل يعلم أنه يموت، أما متى وكيف فذلك في علم الغيب، والموت بكرامة أطيب.
لستُ ممن يريد قطع أي ذكرى أو علاقة من أي مواطن بوطنه، لذلك أجاهد نفسي كثيراً بأن لا يقرأ ما أكتبه بالمقلوب.
لم لا يترجم لغة حب الوطن على الواقع؟
أعجبني قول صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء حفظه الله، والذي نشر في إحدى الصحف البحرينية أن الخبرة يمكن أن تشترى، ولكن الولاء لا يمكن شراؤه.
وقوله حفظه الله ورعاه يعلمنا أن المواطنة تكون بدون أي اشتراطات أو هبات، تماماً كما تعلمناه من آبائنا أنه يأتي بدون مقابل، بل يأتي من حب تاريخ الوطن وعاداته وتقاليده وأخلاقياته.
عندما أكتبُ مادحاً وطني فهو حق مشروع لي، فشكراً لقاتلي المجهول.
--------------
([17]) حتى أن بعض من يعرفني حتى يومنا هذا، أصبحت صوغته «الهدية» لي عند عودته من السفر زجاجة عطر «لابيدوس»، منهم الزميل المحرقي «عادل ولد جاسم الذهب».