يقول حكيم يوناني: كنتُ أبكي لأنني أمشي بدون حذاء، ولكنني توقفت عن البكاء عندما رأيت رجلاً بلا قدمين!
ربما لأنني إنسان، تبقى صور أصدقاء الطفولة والصبا ذكريات، تزورني كلما سنحت لها الفرصة.
لا لأنني حبيسها، ولكن ربما من باب الاستئناس فقط.
أصدقائي كانوا شيعة اثني عشرية، وهذا طبيعي كوني شيعياً اثني عشرياً، وبعد تركي للمذهب هجرني أغلبيتهم طواعيةً، وأجبر البعض الآخر على مقاطعتي([12]).
ذهبت لزيارة أحدهم، فرأيت الخوف في وجهه وطلب مني أن أرحل وأبتعد، وقال: إنه لا يستطيع مصاحبتي بعد تسنني، لأن أخوه الأكبر رفع في وجهه السكين وهدده بالقتل إذا شاهده أو سمع أنه يلتقيني.
وبعد أن شربت من كأس الأذى، وتحليت بالصبر وجوفي ارتوى، ما كان عليّ إلاّ أن أهجر الأماكن والبيوتات التي مشيت ولعبت بين طرقاتها، من غير وداع، ومركب من غير شراع، لا أدري إلى أين، ولكن كنتُ مؤمناً بأن الله سيدافع عني، مصداقاً لقوله U: {۞إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨} [الحج: 38]. وقوله تعالى: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨} [البقرة:38]. ورغم كل هذا، كنت أستقوي بالصبر بعد التوكل على الله، وشعوري بلذة التسنن، ولازال هذا الإحساس الجميل ينتابني كل حين، حتى أنني أود لو أتسنن كل يوم، حتى أعيش لذة التحول.
وأعلم كلما اشتقت للأماكن والبيوتات، أزورها من دون موعد ومن دون لقاء الأصدقاء.
بعد فترة طويلة التقيت بأحدهم، وقال لي: قرأت كتاباتك، ولكن لماذا ذكرت الكثير من المواقف ولم يأت على بالك أن تذكر اسمي؟ فهمت من كلامه أن ذلك يروق له([13]).
هذا الرجل ومن هُدد بالقتل كانا من أعز أصدقائي في الصغر، ومازلت أستحضر صورهما أمامي، لعبنا معاً، وضحكنا معاً، وبكينا معاً في الحي، في المدرسة، في الصف، في السوق، وفي مواكب الحسينيات والطرقات كنا معاً، حتى الأكل والشرب كنا نتقاسمهما معاً.
لم يأت على بالي يوماً أن أذكر أسماء بيوتات الفريج «الحي»، كان حينا الصغير الكائن بمنطقة القضيبية يعرف بـ «فريج العرب» إلّا أن الأولين من آبائنا كانوا يعرفونه بـ «فريج بيوت الحكومة»، أو بيوت العمال، وهناك أحياء في منطقة القضيبية صغيرة مجاورة لنا فيها عائلات تربطهم بنا مصاهرات ونسب([14]).
كنا عيال الفريج «الحي» كأي حي من الأحياء نتفق على الذهاب إلى نزهة ما، كالذهاب إلى عين أم الشعوم في الماحوز، وعين عذاري، وعند العودة كنا نحمل معنا السمك «حراسين»([15])، نضعها في قنينة من الزجاج فرحين برؤيتها، ولا يفوتنا أكل صحن الباقلة الشعبية «الفول»، وشرب المشروبات الغازية من القهوة الشعبية الصغيرة الكائنة في أول طريق عين عذاري. وكذلك كنا نذهب إلى بحر القضيبية للسباحة، أو لصيد السمك، أو حاملين معنا الفخاخ لصيد الطيور»([16])، المتوفرة في المقبرة الكائنة في الحي، وحكايات حديقة السلمانية، ولعبة الساحرة «الطائرة الورقية»، وتعصبنا لنادينا الكروي «النادي الأهلي» «النسور سابقاً»، وبناء أول مجمع تجاري في البحرين الذي اشتهر باسم العمارة الكويتية «بحرين سنتر»، نسبة لمالكها الكويتي الجنسية، وهناك ألعاب شعبية كثيرة لعبناها مثل: لعبة التيلة، الدوامه، الصرقيع، الصيّده، وغيرها، وكأنها بالأمس القريب.
-----------------
([12]) هناك من أهل السنة من وقف إلى جانبي من أهالي القضيبية، أسأل الله أن يتقبل منهما، وهما الأخوان: فوزي بن ناصر الجنيد، وعادل بن ناصر الجنيد.
([13]) الصديق هو «أبو سلمان»، داود سلمان صادق، -أحد أحفاد النوخذة صادق- أسأل الله له وللجميع الهداية.
([14]) إضافة إلى مناطق أخرى قريبة لنا جداً، مثل: «سنككي، الحمام، المخارقة»، فيها عائلات تربطهم بنا مصاهرات ونسب أيضاً.
([15]) مفردها «حرسون»، باللهجة الشيعية في البحرين، تعني: السمك الصغير الذي يعيش ويتكاثر في مياه العيون العذبة، وباللهجة السنية يقال لها: «عفاطي» مفردها «العفطي».
([16]) ممارسة هذا النوع من الصيد تسمى «الحَبال».