معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

الصحابة ... !! هم سلفنا الصالح ... ماذا يبقى لنا بعد سبهم ولعنهم؟! - سعيد زيد ..
الكاتب : سعيد زيد ..

الصحابة ... !! هم سلفنا الصالح ... ماذا يبقى لنا بعد سبهم ولعنهم؟!
لـماذا الطعــن فيهــم؟! ... الجــذور والأسبـــاب...

أبو بكر الصديق > الخليفة الحق ... ومعطيات سيرته العطرة

سعيد بن عبد الحكيم حسن زيد

د. عبد الله بن عبد الهادي أبو زيد

   مكتبة التراث والعلوم العربية

قال الله تعالى: 

﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾ [الفتح: 29].

وعنه ﷺ: 

«الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذىٰ الله تبارك وتعالىٰ، ومن آذىٰ الله فيوشك أن يأخذه»(1).

بيضاء

الإهداء

إلى آل البيت الطاهرين المطهرين، والصحابة الغر الميامين.

إلى العصبة المؤمنة المجاهدة، التي اختارها الله تعالى لنبيه ﷺ، ووصلت إلينا عن طريقهم شريعة الله كتابًا وسنة.

إلى الذين حكم الله تعالى لهم في قرآنه العظيم بالإيمان والصدق والإخلاص.

إلى الذين حملوا لواء هذا الدين وبلغوه إلى الناس أجمعين، واختارهم سبحانه أمناء عليه، وحراسًا على نقله.

إلى الذين بذلوا في سبيل تبليغ رسالة ربهم كل مرتخص وغال، وباعوا أرواحهم لله يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا.

إلى الذين لهم الفضل في استمرار صرح هذا الدين... نفذوا أحكامه، وثبتوا أركانه، وأعلوا بنيانه، وحافظوا عليه سليمًا طاهرًا نقيًّا بعيدًا عن الشبهات شامخًا.

إلى الذين ﴿ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴾ [الأحزاب: 23] السابقين منهم واللاحقين الذين صدق فيهم قوله سبحانه: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ..﴾ [النور: 37].

ثم: إلى كل الذين يتصدون للدفاع والذب عن صحابة رسول الله ﷺ... وكل الذين أحبوا صحابة رسول الله ﷺ.

أقدم هذا الجهد المتواضع؛ راجيًا أن ينفع الله به المسلمين، وأن يبدد به ظلمات الجهل وأباطيل الجاهلين... إنه بالإجابة جدير، وعلى كل شيء قدير.

 

المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾ [آل عمران: 102]

﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾ [النساء: 1].

﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾ [الأحزاب: 70: 71].

اللهم اهدنا سبلنا، وألهمنا رشدنا، وأرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

وبعد: نبتت فكرة هذا الكتاب الغاضب - الغاضب لله تعالىٰ، والمُدَافِع عن رسوله ﷺ وصحابته الأخيار -... نبتت بكل سطوره وصفحاته وفصوله، منذ أكثر من عقدين من الزمان.. يوم أن وطأت قدماي حوض الخليج العربي، في أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الميلادي الفائت، حين ألقت بي الأقدار علىٰ سواحل الخليج العربي، ولكثرة قراءة، ومزيد اطلاع في كتب القوم وكتابات، وكثرة لقاءات، ومحاورات مع الآخر - جيراننا في الوطن ممن ينتمون إلىٰ أمة الإسلام من الشيعة الإمامية الاثني عشرية - اعترتني الدهشة وأصابني الذهول مما قرأت ومما سمعت...

ما قرأته وما سمعته من سب صريح، وطعن سافر لصحابة رسول الله ﷺ، وخيارهم أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق ش - عدا نفر قليل منهم - زلزل كياني، وأقض مضجعي!! ويعلم الله كم كنت أتحاشىٰ في أول الأمر أن أثير مع الآخر أي نقاش حول دينهم ومذهبهم، حتىٰ لا نعكر صفو حياتنا أو صداقتنا.. ولكني وجدت من أوهموا العامة والجهلة من الناس أنهم يحبون أهل بيت النبي ﷺ، مع أن حبهم قد اقتصر علىٰ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب >، واثنين من أبنائه الكثيرين؛ دون أعمامه وأبناء عمه، وسائر بني هاشم!!.. وأظهروا عقيدتهم في بقية الصحابة؛ وبالأخص الخلفاء الأربعة دون علي ش، وأعلنوا أن الصحابة ش كفار منافقون ومشركون، وصرحوا بلعنهم وسبهم، كما تصرح كتبهم.. وجدت نفرًا، من منتسبي الإسلام، يخالفون النصوص القرآنية التي أثنت علىٰ الصحابة ش، وخاصة المهاجرين والأنصار وأولهم أبو بكر وعمر وعثمان.. ويردون الوحي ويخالفون كتاب الله بأقوالهم التي تفيد تكفير عامة الصحابة؛ إلا بضعة أنفارٍ منهم!! ويبررون تكفير صحابة رسول الله ﷺ، فيقولون إنه من يُكفِّر أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة... إلخ، فهو مجتهد، فإما أن يكون مصيبًا، وإما أن يكون مخطأ! أيْ أنه في كلا الحالتين يعتبرون تكفير الصحابة قربة إلىٰ الله! لأن المجتهد مأجور!!..

وجدتهم يعدون أكثر الصحابة؛ وأولهم الخلفاء الثلاثة في عداد المنافقين المنقلبين علىٰ أعقابهم، ويقسمون الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلىٰ قسمين: عدول، ومرتدين!!

ماذا يعني هذا؟! يعني الطعن في حكمة الله وسوء اختياره للنبي ﷺ.. يعني الطعن في القرآن؛ لأن الطعن في الناقل طعن في المنقول.

يعني الطعن في النبي ﷺ «من باب المرء علىٰ دين خليله وقرينه»، فلو صح قول الشيعة في جمهور الصحابة لكان قولهم تكفيرًا لرسول الله ﷺ.

ما كان بِوُدِّي إثارة مثل هذه السجالات، أو أنكأ جراح الخلافات المذهبية، أوأن ننشغل بها؛ لأني كنت أرىٰ دوما أن الدخول في مثل هذا السجال ليس بالأمر الهيِّن والمناسب؛ فالأرض وَعِرَة، والتضاريس صعبة!! ولكن وبعد أن طفح الكيل وأصبح صحابة رسول الله ﷺ اليوم هدفًا لأعداء الإسلام والمسلمين.. وزادت محاولات انتقاصهم من بعض السفهاء ومحاولات التشكيك في إمامتهم من نفر في مواقع شتىٰ من أراض إسلامية.. !! وفي هذا رد لأمر رسول الله ﷺ، وتلاعب بالنصوص الصحيحة من القرآن، وإسقاط للثوابت، وانحناء لغير الله... لهم من الله تعالىٰ ما يستحقون!! ومن هنا كان هذا البحث.. كان الخيار الصعب، لذا أفوِّض أمري إلىٰ الله تعالىٰ.. هو المستعان وعليه التكلان.

لقد وددت - كما شغلتني همومي عن سب ابن زياد وشمر، وتعاليت عن لعن ابن العلقمي، والبساسيري - أن ينتهي القوم عن الخوض في السب واللعن لخير جيل عرفه التاريخ الإنساني، وعن إثارة الفتن وتتبع كل زلة في الأمة. وددت أن تتصافح الأيدي المتوضئة، والقلوب النقية التقية الطاهرة، وددت أن نحرص علىٰ لَمِّ شمل هذه الأمة، ووددت أن نتخلص مما في قلوبنا من هوىٰ وغل ووَهْم، ونعلن للعالم كله من فوق المنابر ومن ميادين العلم والعمل عن هُويتنا ومنهجنا، يقودنا في ذلك محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدون المهديون من بعده، حتىٰ إذا هرم العالم فنحن شبابه، وإذا مرض العالم فنحن علاجه، وإذا أظلمت الدنيا فنحن النور والهدىٰ، وإذا انقطعت الأسباب فإن أسبابنا موصولة بالله إلىٰ يوم القيامة، وإذا ضل الناس الطريق فطريقنا لا إله إلا الله محمد رسول الله، القرآن منهجنا، والرسول قائدنا.

وددت أن نُحَكِّمَ العقل والمنطق!! إن العقل والمنطق والتاريخ ليؤكدون أنه لا يوجد مسلم واحد علىٰ وجه الأرض يرضىٰ بقتل الحسين >، ألا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين علىٰ من قتل الحسين أو رضي بقتله. فأهل السُّنة يترحمون علىٰ الحسين، وفي الوقت نفسه يعلمون أن الأنين المستمر لن يجدي ولن ينفع. وهل يُعْقل أن نرىٰ من المسلمين من ينسب لنفسه شرفًا ليس له، في حين يرمي الآخرين بجرم لا ذنب لهم فيه؟ ويجعل من ذلك دينًا وعقيدة؟!

أقول وبالله التوفيق: حين نجح الإسلام في تخليص شعوب فارس من الحكم الظالم، والعقيدة الوثنية، وفتح عقولها وعيونها وقلوبها لرؤية النور والتعرف إلىٰ الحق.. وحين انهزم قادة الفرس أمام كتائب الجيش الإسلامي المنقذ، لم يجد الفرس وسيلة للانتقام من صحابة رسول الله ﷺ - هؤلاء المحررين - إلا أن يشوهوا سمعتهم وسيرتهم في بث الأخبار الكاذية عنهم مما يزري بمكانتهم حقًّا لو صحت هذه الأخبار، ومما يحط من شأن هذا الدين وحضارته، إذ كان هؤلاء حملته وقادة جيوشه.. لقد انصبت نقمة أولئك الحاقدين علىٰ الذين خلصوا العراق وفارس من حكم الفرس!!

جاءوا محترقين من جهادهم المستمر، ومنتقمين من فتوحاتهم الجبارة الكثيرة التي أرغمت أنوف أسلافهم، وكسرت شوكة ماضيهم، ومزقت جموع أحزابهم، ودمرت ديارهم وأوكار كفرهم.

الصحابة ش هم من أذلوا الشرك والمشركين، وهدموا الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها ويعتكفون عليها، أزالوا ملكهم وسلطانهم، وخربوا قصورهم وحصونهم ومنازلهم، وأنزلوا فيها الفناء، وأعلوا عليها راية التوحيد وعَلَم الإسلام شامخًا مترفرفًا. ولذلك اجتمع أبناء المجوس واليهود ناقمين، حاقدين، حاسدين، ومتقنعين بقناع الحب لآل البيت - وآل البيت منهم براء - وسلّوا سيوف أقلامهم وألسنتهم ضد أولئك المجاهدين المحسنين، رفاق رسول الله ﷺ وأصحابه المشغوفين بحبه، والمفعمين بالولاء له، والمستميتين في طاعته واتباعه، والراهنين كل ثمين ونفيس في سبيله، والمضحين لأدنىٰ إشاراته بالآباء والأولاد والمُهَج، المقتفين آثاره، المتتبعين خطواته، السالكين منهجه، الغر الميامين رضوان الله عليهم أجمعين.

لقد جاء الآخر بمعلومات غير صحيحة ومبالغات ودعاوىٰ تنبع من أوهام، أوجبت الرد عليها لتصحيح الأخطاء ومحو الأوهام وإيضاح الحقائق للناس؛ لا سيما وأنها تتعلق بفترة من تاريخنا السياسي، وبأحكام شريعة الإسلام.. كنت أقول ربما يكون الموضوع قد فقد جديته، أو فقد أهميته، ولكنا نفاجأ من حين لآخر بمن يردد نفس الأخطاء والأباطيل والمزاعم - والتي وصلت حتىٰ إلىٰ مسقط رأسي في دلتا مصر، وبقاع شتىٰ من أرض الكنانة!! وتتكرر.. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نسمح للباطل أن يتمدد وتمتد جذوره في تراثنا؟! هل نسمح للشذوذ الديني والعقائدي أن ينعم بالنور والهواء في مجتمعاتنا وبين ظهرانينا؟!

لقد ترددتُ وترددتُ في الكتابة، ولكن في النهاية قلت وما جزاء من لم يكن للحق بمحض اختياره، إلا أن يكون عبدا للباطل بغير اختياره!!

من هنا، وبعد أن اعترتني الدهشة مما رأيت وسمعت.. وجدتهم يتشدقون بأقوال وكلمات ما أنزل الله بها من سلطان في حق الصحابة وما شَجَر بينهم؛ متذرعين بشبهات يتشبثون بها، وروايات ضعيفة ساقطة موضوعة مكذوبة واهية؛ أوهىٰ من خيوط العنكبوت، يتلقفونها ويلتقطونها من كتب الأدب والتاريخ وقصص السمر والكتب المنحولة والضعيفة؛ ككتاب الأغاني، والبيان والتبيين، والإمامة والسياسة، ونهج البلاغة، وغيرها من الكتب فيطيرون بها!!

ارتسمت في ذهني علامة استفهام كبيرة مما سمعت من سب صريح في خير جيل، وقلت إن التاريخ لا يتكون من مزاعم، بل يتكون من حقائق.. لكنْ هل يكفي مجرد نفي الأقوال بلا دليل؟! إذن: فلنرجعْ إلىٰ المراجع أو المصادر الموثوق بها فهي الحكم الفصل، وهي الحكم العدل.. وهذا ما هداني الله تعالىٰ إليه علىٰ صفحات هذا الكتاب، الذي يبين الحق ويرد الأمور إلىٰ نصابها، ويزيل هذه الأخطاء من النفوس والعقول؛ تعريفًا بحقيقة قضايا مهمة، مؤيدة بالوثائق.

وللحق أقول - معترفًا بتقصيري - إن الرد علىٰ كل ما كُتِبَ أبعد من أن يستطيع القيام به شخص مثلي كُتِبَ عليه أن يجاهد في ميادينَ شتَّىٰ.. منها لقمة العيش التي اضطرتني إليها ظروف معاشية وعائلية.. إلخ.

وعلىٰ أي حال: هذا البحث التاريخي ليس وسيلة لإثارة حماس النفوس الميتة، أو التغني بماض وأمجاد تراكم فوقها غبار السنين والقرون فحسب، وإنما هو للتحذير من واقع مرير تمر به الأمة اليوم - تتعاظم فيه خطورة الردة الرافضة، والمرتدين الذين يعيثون في الأرض فسادًا - هذا البحث للذكرىٰ والتجديد وشحذ الهمم عبر البحث عن القدوة الحسنة والمثل الأعلىٰ.. وصحابة رسول الله ﷺ وأبو بكر خليفة رسول الله.. هم الجيل القرآني الفريد والنموذج والرائد للأمة في بحثها الحثيث للتقدم والتطور والتخلص مما تعانيه.. ستظل فضائلهم، ومناقبهم، وخصالهم - رضوان الله عليهم - وكلُّ ما قدموا لأمتهم والإنسانية، العلاجَ الناجع لما تحتاجه.. وستبقىٰ سيرة أبي بكر > الإمام، والخليفة، والصديق، والقائد الفذ، وستبقىٰ أعماله تنير الدروب المظلمة للخروج من المأزق العسير الذي تمر به الأمة في بنائها للمستقبل علىٰ قاعدة صلبة.

ومن هنا كانت هذه السطور لعلها تفي ببعض حقهم علينا، وتنير الطريق للأجيال المسلمة...

جاء الكتاب في مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة.

الباب الأول يشتمل علىٰ ستة فصول: 

الفصل الأول كان توطئة للبحث: منهجه ودوافعه. والفصل الثاني: قراءة في كتب القوم، ودين إيران وسماته. والفصل الثالث كان عن حقيقة الثورة الإيرانية والمد الشيعي والحلم الإمبراطوري الفارسي. وفي الفصل الرابع تساءلت عن عداء إيران والغرب: حقيقة هو أم خيال، وحقيقة التجاذبات الحالية. وفي الفصل الخامس تناولت عقيدة الشيعة، وحقيقة الأيديولوجية الدينية الخمينية. ثم كان الفصل السادس عن محاولات الدعوة للوحدة والتقريب.

والباب الثاني اشتمل علىٰ ستة فصول أيضًا: الفصل الأول كان عن الصحابة ش، وضرورة معرفة فقه سيرتهم. والفصل الثاني بينت فيه كيف نقرأ سيرة صحابة رسول الله ﷺ. وفي الفصل الثالث أوضحت فضلهم وثناء الله تعالىٰ عليهم. ثم جاء الفصلان: الرابع والخامس وتحدثت فيهما عن الصورة المشوهة التي تقدمها الشيعة الإمامية الاثنىٰ عشرية عن الصحابة ش من واقع كتبهم وتفاسيرهم المعتمدة، وافتراءات أحد كبرائهم - الكليني - وأكاذيبه علىٰ الله تعالىٰ. ثم جاء الفصل السادس عن ارتباط الجرح والتعديل عندهم بعقيدتهم في الإمامية.

ثم كان الباب الثالث واشتمل علىٰ ثلاثة فصول: الفصل الأول وفيه تحدثت عن الخلافة الإسلامية والإمامة العظمىٰ. وفي الفصل الثاني تحدثت عن وجوب إقامتها. وفي الفصل الثالث تناولت افتراءات الشيعة الإمامية علىٰ أخيار الأمة من صحابة رسول الله ﷺ.. ثم أخيرًا جاء الباب الرابع واشتمل علىٰ أربعة فصول: في الفصل الأول تطرقت إلىٰ معطيات سيرة أبي بكر الصديق >.. وفي الفصل الثاني بينت مواقف خالدة من حياة أبي بكر >، وفي الفصل الثالث تكلمت عن مواقف تفرد فيها أبو بكر الصديق >، وفي الفصل الرابع عرضت معطيات أبي بكر، ومعطيات علي بن أبي طالب ب علىٰ الميزان. ثم كانت الخاتمة وأهم نتائج البحث ومراجعه ومصادره التي اعتمدتها في إعداد الكتاب.

صحابة رسول الله ﷺ.. طوبىٰ لمن أحبهم، وسلك سبيلهم، وترضَّىٰ عنهم، ويا ويل من أبغضهم أو أبغض بعضهم. قال الطبري: فالسعيد من تولىٰ جملتهم، ولَمْ يفرق بين أحد منهم، واهتدىٰ بهديهم، وتمسك بحبلهم، والشقي من تعرض للخوض فيما شجر بينهم، واقتحم خطر التفريق بينهم، وأتبع نفسه هواها في سب أحد منهم، فله الحمد والمنة ان أعاذنا من ذلك، ونسأله دوام نعمته وتمامها.

والله سبحانه المسئول أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يَجعله عملًا صالحًا نتقرب به إليه، وأن يَجمعنا به مع الصحابة الكرام في داره دار السلام، وكفاهم رفعة وشرفًا نسبتهم إلىٰ الرسول عليه الصلاة والسلام.. نسأله تعالىٰ أن يرزقنا محبة أصحاب النبي ﷺ وأهل بيته، وأن يحيينا ويميتنا ويبعثنا عليها، وأن يحفظنا من بغض أحد منهم أو نقيصته أو التعرض له بسوء، إنه علىٰ ذلك قدير وبالإجابة جدير، وصلىٰ الله علىٰ سيدنا محمد وعلىٰ آله وصحبه وسلم.

سعيد بن عبد الحكيم حسن زيد

المحرق - مملكة البحرين

1430هـ / 2009م

 

الباب الأول

الفصل الأول

توطئة

(بين يدي البحث.. منهجه ودوافعه)

نشاط محموم لنشر التشيع الفارسي في بلاد أهل السُّنة!!:

في النفس هموم، وفي الفم ماء مالح كثير، بعد أن اخترق الشيعة الإمامية الاثنىٰ عشرية مجتمعات أهل السُّنة وبلادهم في السنوات الأخيرة، علىٰ أساس أنها تحب آل البيت.. آخذين من التصوف قنطرة للتشيع في أرض الكنانة وغيرها.. في النفس هموم من محاولات التسلل التي يقوم بها الفكر الشيعي، ليدخل إلىٰ مَعاقل المسلمين السّنة.. مرة عن طريق التخفي في ثياب الصوفية... وأخرىٰ عن طريق صفقات مشبوهة يحصل من ورائها علىٰ منابر لترويج أفكاره.. يقولون: عام واحد أو عامان ثم يحدث انفجار شيعي داخل العالم الإسلامي.. وفي قلب الدول الإسلامية التي كانت من صروح الدفاع عن السُّنة... يقولون: سيبدأ المسلمون في سب الصحابة من فوق المنابر وستتغير بالكامل معالم الفقه الإسلامي!!! وماذا بعد؟!

في النفس هموم، وفي القلب شجون، وفي الذهن خواطر تتوارد وتجول، بعد سماعنا لما يقذف به صحابة رسول الله ﷺ!! رأيت دعاة الشيعة الإمامية يستفحل أمرهم في كل مكان.. ورأيت الناس قد شغلوا بالجدل والنقاش حول ما يثيرونه من أمور.. ورأيت صاحب الحق يخسر، والرابح هو الباطل وأصحابه.. ولا يزال أصحاب الباطل ماضين، ويزحفون ويسدون علىٰ الناس كل سبيل للحق.. تصدع قلبي لأقوالهم.. مكتبات متنقلة لبيع كتبهم بأسعار رمزية أمام أبواب جامعات القاهرة في أرض مصر..  مصر عمرو بن العاص وصلاح الدين، وحوارات تجري مع أبنائنا وفلذات أكبادنا في أروقة الجامعات المصرية!! ولم تعد كتب الشيعة حِكْرًا عليهم، ولا هي بالخافية علىٰ الناس، وإنما نشرها الشيعة أنفسهم بكل ما فيها من بلاء ومخالفات لقطعيات الإسلام، نشروها بأكثر من طريقة وأنفقوا مالهم بسخاء في هذا السبيل... محاولات ونشاط محموم لنشر التشيع ودين إيران في مصر أقوىٰ قلاع العالم السني؛ بتمويل ودعم فارسي ضخم!! استطاع الباطل بمؤسساته، ومطابعه، ودور نشره وإمكانياته المادية أن يثير الشبهات ليزيف وجه الحقيقة، ويفتح في النفوس ثغرات يلج منها لغرس الانحراف والإلحاد مستعملًا في ذلك كل وسائل التضليل والخداع، فوقع في تلك الشباك من وقع!! ولله الأمر من قبل ومن بعد.

تحولت السفارات والقنصليات الإيرانية في أوروبا إلىٰ مراكز لنشر عقيدتهم في أوساط المسلمين - لا الكفار - المقيمين في أوربا، وتؤكد ذلك عشرات بل مئات وآلاف الكتيبات والمنشورات الخاصة بالفكر الشيعي، وتوزع هذه الكتيبات علىٰ المسلمين الأوربيين في أماكن تجمعهم؛ وخاصة عند أبواب المساجد، أو في البريد، أو من خلال وسائل أخرىٰ.. وحتىٰ المراكز الثقافية والمكتبات تبدو وكأنها أقيمت من أجل نشر دعوة التشيع الإيراني بين الأقلية المسلمة في أوروبا، فبالإضافة إلىٰ ما تحتويه هذه المكتبات من كتب ونشرات حول الثورة الإيرانية ومنهجها العقائدي.. نجد أن القائمين علىٰ هذه المكتبات ينظمون دروسًا وندوات تتعلق في معظمها بالقضية العقدية.

يقومون بتنظيم محاضرات عقدية في فكر الثورة الإيرانية، وتوزع خلال ذلك المجلات والكتيبات والتسجيلات الصوتية.. ويُدعىٰ إلىٰ حضور هذه المحاضرات المسلمون كوسيلة من وسائل نشر المنهج الشيعي علىٰ الطريقة الإيرانية. كما بدأت المراكز الإيرانية بدفع بعض الشباب الذين غررت بهم وجعلتهم عملاء للمنهجية الإيرانية إلىٰ بعض مساجد المسلمين للاتصال بالمصلين وخاصة أيام الجُمَع، حيث يوجد عدد كبير من المسلمين في صلاة الجمعة.. شرهم لم يعد مقصورا في هذه الأيام علىٰ الكلام.. انتقلوا إلىٰ مرحلة العمل، بعد أن نجحوا في التسرب إلىٰ الحصون التي تحمي قيمنا... إنهم يعيثون في الأرض فسادًا. ألا يكفيهم خزيًا وعارًا تفاخرهم بمعاونة أمريكا في احتلال العراق وأفغانستان، إنهم انطلقوا من مرحلة التقية المستضعفة إلىٰ التقية المستعلية، ومازالوا يدغدغون بها عواطف من لا يحسب للعقيدة الصحيحة التي جاء بها رسول الله ﷺ حسابًا، فالحرب حرب عقيدة؛ سواءٌ كانت مع الغرب جميعا أو الشيعة أو أصحاب المناهج الكفرية الضالة الذين ما زال التمييع والمداهنة يسيطران علىٰ أدمغة بعض الإسلاميين تجاههم ﴿ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ﴾ [القلم: 9].. زحفهم البطيء ذو النفس الطويل إلىٰ منطقة الخليج والبقاع المقدسة، وسعيهم الدائب إلىٰ إقامة إمبراطورية فارسية شيعية تعيد مجد قورش وقمبيز ودارا، علىٰ أنقاض مجد سعد بن أبي وقاص، والمقداد، والمثنىٰ بن حارثة؛ أبطال وصناديد الفتح الإسلامي لبلاد الفرس.. يحن الشيعة اليوم إلىٰ استرداد مصر إلىٰ حظيرة التشيع.. البهرة تنفق عشرات الملايين من الدولارات علىٰ مقصورة المسجد الحسيني، ومسجد السيدة زينب، وتجديد مسجد الحاكم بأمر الله.. في قلب القاهرة!! لماذا؟! لماذا كل هذا؟! البهرة لم ينفقوا هذه الملايين «لله في لله»، وليسوا من السذاجة بمكان حتىٰ يجددوا مسجد لا يصلون فيه، ولكنهم لم يفعلوا ما فعلوه إلا ليكون لهم موطيء قدم في مصر التي حكمها أجدادهم الفاطميون العُبَيْديون، في القرن الرابع الهجري.. مصر لم تُمْحَ من قلوبهم، وستبقىٰ بمثابة الحلم الذي لا يخبو، حتىٰ أغاخان الكبير - زعيم طائفة الأغاخانية الفاطمية - الذي عاش حياته المديدة بين الغيد الحسان في العواصم الأوربية.. قبل أن يموت أوصىٰ بأن يدفنوه في أسوان، ليكون قبره القابع علىٰ ربوة عالية بمثابة المنارة التي يتطلع إليها الإسماعيلية في شرق أفريقيا والهند.

اقرؤوا التاريخ.. لم يؤمن مصري واحد بالتشيع!!

لقد ذوي الوجود الشيعي في مصر منذ 840 سنة، دون أن تجد مصريًّا واحدًا يؤمن بالتشيع، ولم يبق من فترة الحكم الشيعي التي امتدت 205 سنوات سوىٰ آثار تدل عليهم: الجامع الأزهر، وجامع الحاكم بأمر الله، وجامع الآمر، وذكرىٰ الاحتفالات الصاخبة التي كانت تمتد فيها الأسمطة، وتوزع الحلوىٰ التي أتقنوا صنعها مثل: الكنافة، والقطايف، ولقمة القاضي.. !!

حكم الفاطميون الباطنية عشرات بل مئات السنين في مصر السنية المذهب المحبة لآل البيت في الوقت نفسه... وتصور الفاطميون الباطنيون الذين هم فرع من فروع الشيعة.. تصوروا واهمين أنهم بالضغوط التي مارسوها علىٰ شعب مصر.. أنه بالإمكان تحويل شعب مصر إلىٰ دولة شيعية - بزعمهم - لكن ماذا حدث؟ يحكي التاريخ وهو خير شاهد علىٰ هذه الأحداث: أنه بمجرد أن دخل البطل المسلم «صلاح الدين الأيوبي» ؟ مصر انتهت كل ملامح الحياة الفاطمية في مصر ومحيت كل الآثار الدينية الباطلة من بقايا المذهب الشيعي الباطل، وعاد لمصر وجهها الإسلامي السني الصحيح ولم يبق في مصر من الآثار التي بذلها هؤلاء في مصر إلا حب آل البيت المغروس في القلوب منذ الفتح الإسلامي لمصر علىٰ يد الصحابي الجليل «عمرو بن العاص» >، وقبل مجيء هؤلاء الروافض إلىٰ مصر، وبقيت بعض الآثار التي استحدثها هؤلاء الذين جاءوا بكل باطل إلىٰ مصر؛ بدءًا من الضريح المكذوب للحسين > والسيدة زينب <.. وبدع المولد النبوي، وغيره من المنكرات!!

ذهب الفاطميون وذهبت دولتهم، وبقي المصريون علىٰ حبهم القديم لأهل البيت، واستطاع المصريون بفطرتهم السليمة أن يفرقوا بين هذا الحب الخالص، وبين مذهب مشبوه يتخذ من أهل البيت ستارًا لتنفيذ أغراض مذهبية وقومية هي أبعد ما تكون عن الإسلام الصحيح الذي استقاه المصريون من منابعه النقية. وتلك هي طبيعة المصريين منذ دخلوا الإسلام، نفروا من كل المذاهب والنحل والتيارات، التي تتعصب لبيت من البيوت حتىٰ لو كان بيت علي بن أبي طالب >.

عرف المسلمون الحب ولكنهم لم يعرفوا التعصب. واستقام المصريون علىٰ أحكام الشرع، وتشربوا روح الإسلام في نقائها وبساطتها وسماحتها، ونفروا من الغلو والهوس، ورفضوا الانحياز إلىٰ فريق دون فريق ونأوا بأنفسهم عن الدخول في أتون الصراع الدموي الذي قام بين الفرق والأحزاب المتناحرة علىٰ الحكم. هذه الحقيقة التاريخية ينبغي أن نكشف عنها، ونعتز بها، لأنها توضح إلىٰ أي مدىٰ فهم المصريون الدين علىٰ أنه قوة خلاقة ودعوة إلىٰ بناء الفرد والمجتمع علىٰ أساس الفضائل ومكارم الأخلاق، وليس قوة مدمرة تفرق الناس وتحولهم إلىٰ شيع متناحرة، وفِرَقٍ يضرب بعضها وجوه بعض من أجل الحكم.

قبائل سنية ترفَّضت بجهود الروافض وخداعهم!!:

لو أُعْلِنَ الحق وبُيِّنَ ما انخدع بالرفض أحد!!:

نشاط «الرافضة» متعدد الوجوه، متنوع الوسائل؛ لأنهم يرون في «التقية» تسعة أعشار الدين. وقد اعترف بعض علمائهم المعاصرين - من حيث لا يدري - أن التقية عندهم هي «الغاية تبرر الواسطة»( )؛ يعني في سبيل الغاية التي تنشدها استخدم أي وسيلة، أي هي «الميكافيلية»( ).. في الإسلام الغاية لا تبرر ولا تبيح الوسيلة المحرمة... عندما ييأس الرافضة في إثبات باطلهم المكشوف.. يلجئون إلىٰ «التقية» والكذب والمراوغة للوصول إلىٰ ما يريدون، ولذلك فإن وسائل الروافض لنشر مذهبهم قد اكتست بألوان من الخداع والتغرير راح ضحيتها جملة من القبائل المسلمة والأفراد المسلمين.. فقد دفعوا مجموعة من شيوخ القبائل إلىٰ اعتناق الرفض عن طريق إغرائهم بالمتعة( ).

وقد قدّم الحيدري في «عنوان المجد» بيانًا خطيرًا بالقبائل السنية التي ترفضت بجهود الروافض وخداعهم فقال: 

«وأما العشائر العظام في العراق الذين تَرَفَّضوا من قريب فكثيرون، منهم ربيعة.. ترفضوا منذ سبعين سنة، وتميم وهي عشيرة عظيمة، ترفضوا في نواحي العراق منذ ستين سنة بسبب تردد شياطين الرافضة إليهم. والخزاعل ترفضوا منذ أكثر من مائة وخمسين سنة وهي عشيرة عظيمة من بني خزاعة فحرفت وسميت خزاعل.. وعشيرة زبيد وهي كثيرة القبائل وقد ترفضت منذ ستين سنة بتردد الرافضة إليهم وانعدام العلماء عندهم.

ومن العشائر المترفِّضة: بنو عمير وهم بطن من تميم، والخزرج وهم بطن من بني مزيقيا من الأزد، وشمرطوكه وهي كثيرة، والدوار، والدفافعة.

ومن المترفضة: عشائر العمارة آل محمد وهي لكثرتها لا تُحصىٰ وترفضوا من قريب، وعشيرة بني لام وهي كثيرة العدد، وعشائر الديوانية، وهم خمس عشائر: آل أقرع، وآل بدير، وعفج، والجبور، وجليحة، والأقرع ست عشرة قبيلة، وكل قبيلة كثيرة العدد، وآل بدير ثلاث عشرة قبيلة وهي أيضًا كثيرة العدد، وعفج ثماني قبائل كثيرة العدد، وجليحة أربع قبائل كثيرة الأعداد، والجبور كذلك. ومن عشائر العراق العظيمة المترفضة منذ مائة سنة فأقل عشيرة كعب وهي عشيرة عظيمة ذات بطون كثيرةٍ( ).

وهكذا مضىٰ الحيدري علىٰ هذا المنوال يذكر قبائل أهل السُّنة التي اعتنقت الرفض في غفلة من أهل السُّنة، ولأنهم انخدعوا بأقاويل الروافض، مثل: دعونا نلتق ونتعاون، وهيا إلىٰ الوحدة والتقارب، والمذهب الشيعي لا يعدو الخلافُ بينه وبين أهل السُّنة الخلافَ بين المذاهب السنية نفسها. فهيأ أهل السُّنة بسكوتهم الأرضية لشيوخ الرافضة لنشر مذهبهم، وإلا لو أُعلن الحق وبُيّن لما انخدع بالرفض أحد.

لمن هذا الكتاب؟! ليس للشيعة.. كل الشيعة!!

للحق والتاريخ هذا الكتاب ليس موجهًا إلىٰ جمهور الشيعة عامة، إذ لا يجب أن يدفعنا الغضب إلىٰ عدم الإنصاف والعدل مع الآخرين، فقد حذرنا القرآن الكريم من ذلك مع من يصدون عن الكعبة المشرفة في قوله تعالىٰ: 

﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ﴾ [المائدة: 2].

ويقول سبحانه: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾ [النساء: 135].

ويقول سبحانه وتعالىٰ: ﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ﴾ [المائدة: 8].

وقال سبحانه وتعالىٰ: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾ [النحل: 90].

وقال سبحانه وتعالىٰ: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾( ) [الأنعام: 152].

والمعنىٰ واضح: العدل مطلوب حتىٰ مع الأعداء. ومبادئ الإسلام واضحة في المسئولية الفردية، تنهي عن أخذ البريء بذنب المسيء، وعقاب الكل بأخطاء البعض ﴿ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ﴾ [النجم: 38، 39]، هذه بدهيات نعلمها، فنحن أصحاب شريعة لا يحمل فيها أحد ذنب أحد، ونعلم أيضًا أن كثيرين من عامة الشيعة وجمهورهم ليسوا بمسؤولين عن هذه البذاءات في حق صحابة رسول الله، ما لم يشجعها أو يرضىٰ بها. ولكن العقل يقول - والمروءة كذلك - إن التصدي لها مصلحة، وواجب أخلاقي، واستجابة لتعاليم الإسلام؛ لأن سب الصحابة ش خط أحمر؛ بلون الدم؛ واحترام معتقدات الآخر وحقه في الاختيار من خصال الإنسان المتحضر.

لذا أقول إن الكتاب موجَّه إلىٰ كل من يسيء إلىٰ الصحابة ش، وإلىٰ الذين يكذبون علىٰ الأئمة الفضلاء من آل البيت وينسبون إليهم من الأقوال ما لم يقولوه، ومن الصفات ما لم يتحلوا به، ومن القدرات والمكانة ما لا يجوز في حق أحد إلا رب الأرض والسموات.. فالإمام جعفر الصادق رأس الشيعة الإمامية الجعفرية كان إمامًا فاضلًا ورعًا له من الإيمان والعلم الشيء الكثير.. والإمام أبو حنيفة كان تلميذًا للإمام زيد بن علي، أخذ عنه الفقه وأصول العقائد، والإمام مالك بن أنس كان تلميذًا للإمام جعفر الصادق!!

الكتاب موجه أيضًا إلىٰ الذين يصفون صحابة رسول الله ﷺ بلابسي المرقعات.. الحفاة العراة آكلي الضَّب.. ويقولون: لا للحفاة البدو.. نحن في عصر العلم والعقل والمخترعات، ويتناسون أن مِن أصحاب المرقعات مَن أثبت أنه أوعىٰ وأقدر وأذكىٰ من حكام عصر العلم.. وليتنا نعيش عصر لابسي المرقعات.. نعم لبسوا المرقعات ولكنهم ألبسوا الأمة تاج العزة والفخار والكرامة!!

الشيعة منهم الغلاة ومنهم من ينشد الاعتدال!! ومنهم من جمع بين الغلو والاعتدال!!:

الشيعة الاثنا عشرية ليسوا سواء؛ فمنهم الغلاة الذين نرىٰ فيما كتبوا الكفر والزندقة، ومنهم من ينشد الاعتدال، ويتصدىٰ لبعض هؤلاء الغلاة، ومنهم من يجمع بين الغلو والاعتدال.. ظهر في القرن الثالث الهجري ثلاثة كتب في التفسير هي: التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري، وتفسير العياشي، وتفسير القمي. وهذه الثلاثة كلها زيغ وضلال وزندقة: تكفِّر الصحابة رضي الله تعالىٰ عنهم، وعلىٰ الأخص الخلفاء الراشدين قبل الإمام علي، ومن بايعوهم، وتحرِّف القرآن الكريم نصًّا ومعنًىٰ، وتغلو في الأئمة الاثني عشر إلىٰ درجة الشرك بالله Q. وفي القرن الرابع الهجري يؤلف الكليني - وهو تلميذ القمي - كتابه «الكافي»؛ الكتاب الأول في الحديث عندهم، وقد ضل ضلالا بعيدًا، ونهج منهج التفاسير الثلاثة وزاد عليها كفرًا وضلالًا!!

وفي القرن الخامس يؤلف الطوسي كتابه: «التبيان في التفسير»، وينهج منهجًا فيه شيء من الاعتدال، ويتصدىٰ لحركة التشكيك والتضليل التي سبقته، ويحاول جاهدًا صيانة كتاب الله العزيز نصًّا ومعنًىٰ، وإنْ تأثر بعقيدته في بعض معاني الآيات الكريمة.

والإمامية الاثنا عشرية بعد هذا؛ منهم مَن سار في ظلمات الضالين الغلاة، ومنهم من اقترب من شيخ الطائفة الطوسي، ومنهم من أخذ من كُلٍّ نصيبًا. وما نراه في كتب الغلاة الرافضة، وما نصمهم به نتيجة ما قدمت أيديهم، لا ينطبق علىٰ المعتدلين من الطائفة؛ فهم يثنون علىٰ الصحابة الكرام، ويقولون بأن القرآن الكريم الذي بين أيدي المسلمين هو كما أنزله الله Q، وأن أي خبر يتعارض مع هذا؛ سواء أكان في «الكافي» أو غيره، يُضْرب به عُرْض الحائط، وكذلك ما يتصل بفرية علم الأئمة للغيب. ولكن الذي يعجب له المرء هو موقف المعتدلين من الشيعة الغلاة، حيث نرىٰ تناقضا واضحا - والتناقض يأتي في إشادتهم بكتب الغلاة؛ كالمراجعات، وهو الذي يتعارض مع كل ما سبق كما يظهر عند عرضه ومناقشته، وبيان ما فيه من البلايا والرزايا. وكذلك القول بأن كل ما في تفسير علي بن إبراهيم القمي صحيح، وهو الذي كفَّر الصحابة وقال بالتحريف تنزيلًا وتأويلًا، وعِلْمِ الأئمة بما كان وما يكون إلىٰ يوم القيامة. وهذا تناقض واضح جَلي بلا شك!!

هنالك طائفة من معتدلي الشيعة لم تقع في مثل هذا التناقض، وظهرت لهم كتب تفضح وترد علىٰ غلاة الشيعة، وذلك مثل كتاب «تحطيم الصنم» - والمقصود بالصنم: كتاب «الكافي» - للعالم الشيعي المعروف آية الله العظمىٰ «البرقعي»، الذي هاله موقف إخوانه الشيعة من كتاب «الكافي»، وهاله تقديس إخوانه الشيعة لهذا الكتاب، فألف كتابًا كبيرًا أسماه: «كسر الصنم»، أو «تحطيم الصنم»؛ علىٰ الرغم مما فيه، ولقد أحسن كثيرًا في اختيار العنوان؛ فالرافضة بالنسبة لهذا الكتاب كعبدة الأصنام بالنسبة للصنم، فكما حُطِّمت الأصنام يجب أن يُحَطَّم هذا الكتاب.

البرقعي رأىٰ أن يقرأ ما كتبه ابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما ممن يهاجمهم الشيعة، فشرح الله - عزوجل - صدره، وبدأ يصرِّح بهذا لإخوانه؛ ويُظْهر ما اقتنع بأنه الحق، ويبطل الباطل الذي نشأ عليه، ومن هنا جاء تأليف كتابه «كسر الصنم»، وترجم بعض ما كتبه ابن تيمية إلىٰ الفارسية. ولأنه آية الله العظمىٰ فلم يُسْجَن وحُدِّدَتْ إقامته حتىٰ مات.

وهناك كتاب «لله ثم للتاريخ»، فيه تبرئة الأئمة الأطهار مما نسب إليهم من الغلو، وما كتبه أحمد الكاتب، وموسىٰ الموسوي، وغيرهم.. فالشيعة إذن ليسوا سواء.

وللغافلين من أهل السُّنة!! إبراءً للذمة:

وأكثر قصدي من هذه الصفحات، شباب أهل السُّنة خاصة، أنبههم إلىٰ ما قد خفي عليهم لعل نائمًا يصحو... وغافلًا ينتبه.. وجاهلًا يتعلم.. ومجادلًا بالباطل يخرس.. ولعلي أيضًا أكون بذلك قد قمت بواجب في عنقي نحو ولاة أمورنا، أعينهم بالنصح فيما أعلم ابتغاء لثواب الله، وإبراء للذمة.. وقد يجري الله سبحانه خيرًا كثيرًا ويبارك جهود المخلصين ممن يبتغون بعملهم وجهه الكريم.. كما أن الغفلة عن الخطر تقود إلىٰ الوقوع فيه، وأن التغافل لن ينجي من الشر ولا يحمي من النار، والتغافل ليس سياسة ولا كياسة ولا فطنة؛ إذ لا فائدة من الالتفاف حول الحقائق، ولا مجال للمجاملات علىٰ حساب عقيدة الأمة ومستقبلها ومستقبل أجيالها، وإذا كانت وحدة الأمة لا تقوم إلا بالسكوت عن هذه الشناعات والمنكرات فلا بارك الله فيها.. واتقاء الخطر لا يكون بالتغافل عنه، ولكن يكون بمواجهته إن لم يكن هنالك سبيل إلا مواجهته.

أقول للغافلين من بني جِلدتي من أهل السُّنة ومحذرًا مما يحاك لهم: إن أية محاولة للتهوين من شأن المخطط الشيعي الرهيب لتحقيق الحلم بالإمبراطورية الشيعية، لهي من قبيل دفن الرؤوس في الرمال، والهروب من الواقع، والتاريخ خير شاهد.. ألم يكن آباؤنا يستبعدون نجاح العصابات الصهيونية في إقامة دولة عنصرية علىٰ أرض فلسطين؟!.. ما كان حُلمًا مستبعدًا بالأمس أصبح حقيقة واقعة اليوم وغدًا، وذلك بفضل إصرار أصحاب الحلم علىٰ تحقيقه، وبفضل غفلة الغافلين الذين استبد بهم الغرور وسيطر عليهم حسن الظن، فاستناموا لحسن النوايا، واستسلموا لأحلام اليقظة، فلما استفاقوا علىٰ الحقيقة الداهمة، كانت إسرائيل قد أصبحت قوة لا يُستهان بها. ويبدو أننا في صراعنا مع بؤرة الخطر الإيراني التي نشطت منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبلغت ذروة نشاطها علىٰ يد آية الله الخوميني، يبدو أننا نتعامل معها بنفس الأسلوب الساذج، الذي يتهرب من مواجهة الواقع قبل استفحاله، ويترك للزمن مهمة تصريف الأمور، والانحياز لصالحنا، حتىٰ صدقت علينا أوصاف خصومنا، بأن العرب لا يتعلمون من دروسهم، ولا يستوعبون الكارثة إلا بعد وقوعها، فيبدأون ملحمة لطم الخدود وشق الجيوب والنحيب علىٰ اللبن المسكوب!!... بعد سقوط العراق هُمّش أهل السُّنة، وسلطت إيران عليهم فِرَقَ الموت والاعتقال والقتل والتهجير. واندفعت بكل قوتها للتدخل في شؤون العراق الصغيرة والكبيرة، وهي تدعو الأمريكان لتقاسم النفوذ، وبعد إقرار الفدرالية سيُفتّت العراق، وسيصبح جنوبه محمية إيرانية، وشماله دولة عنصرية يستطيع كل أحد الإقامة فيها إلّا العربي السني، وبعد خراب البصرة راحت أمريكا تستنكر التدخل الإيراني، وهي التي باركته، وشجعت عليه بكل الوسائل. أما العرب فكأنهم لا يعلمون أن النار التي علىٰ حدودهم يمكن أن تحرقهم، وهم - كما يبدو - محتارون فيما يفعلون، أو يخافون من تبعات التحرك، والبعض يقول كما قال بنو إسرائيل يومًا لنبيهم موسىٰ عليه السلام: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [المائدة: 24]. أما المخدوعون بالخطاب الإيراني «المزدوج» فهم سيفاجَئون - ربما - بعد حرب لا تُبقي ولا تذر، أنهم في أفضل الأحوال يسمعون نصف ما يُقال.. ويتجاهلون كل ما تفعله إيران، وتلك كارثة.

النفوذ الإيراني يتزايد في المنطقة وهو يشكل خطرًا استراتيجيًّا علىٰ المسلمين من الجهتين: العقدية والسياسية؛ لاسيما مع تفرُّق أهل السُّنة وابتعاد حكوماتهم عن الدين، فخطر إيران واقع ملموس تصرح به بلا تقية. فهذا مساعد وزير الخارجية الإيراني لشئون الأبحاث «منوشهر محمدي» توقع سقوط الأنظمة الملكية العربية في الخليج. ونقلت وكالة «مهر» الإيرانية عن «محمدي» زعمه أن «الأزمة المقبلة التي ستصيب الخليج الفارسي بالشلل قريبًا تتعلق بشرعية الأنظمة الملكية والتقليدية التي لن يكون بإمكانها البقاء في ظل الأوضاع الحالية، وأن الشرق الأوسط سيبقىٰ مركزًا للتطورات والأزمات ما دامت الأنظمة الملكية في الخليج قائمة، وأن النزاعات لن تحل إلا بزوال تلك الأنظمة التقليدية حسب قوله».

ومن قبله طالب مستشار خامنئي بضم البحرين؛ فضلًا عن احتلال إيران لجزر الإمارات وطرد سكانها العرب منها!!

الإيرانيون يهددون بأنهم سيحرقون ويدمرون دول الخليج علىٰ أهلها لو نشبت أي حرب بينهم وبين أمريكا.. وكأن عدوهم الذي يُحاربهم هو دول الخليج وليس أمريكا! وهذا رغم وقوف دول الخليج ضد ضرب إيران، ورغم أن دول الخليج قد يسرت علىٰ الإيرانيين وفتحت لهم أسواقها وبنوكها بعد سلسلة العقوبات التي أجبرت الشركات والبنوك الأمريكية والأوربية - بل وحتىٰ الصينية - علىٰ تقليص تعاملاتها مع إيران، أو تجميد أرصدتها من عائدات النفط في البنوك الأمريكية والأوربية.

ولكن بعض أهل السُّنة أمرهم عجب!!:

والعجيب أن هناك من أهل السُّنة من لا يزال يجادل عن الذين يختانون أنفسهم من الروافض، ولا يكتفي باغتراره الجاهل بهم حتىٰ يغرّ غيره، ويدعي أن تلك العقائد والمواقف الشيعية هي صفحات من التاريخ الماضي، وأن القوم تغيروا، وأصبحوا يدافعون وينافحون عن قضايا الأمة، وعلىٰ رأسها قضية فلسطين، وأنهم هم الذين حققوا ما أسماه الروافض «أول نصر حقيقي في المعركة مع اليهود» في جنوب لبنان، وأنهم الطرف الإسلامي «الوحيد» الذي يقول «لا» للشيطان الأكبر وأنهم.. وأنهم.. ويتناسىٰ هؤلاء أن كل ذلك - لو صح - إنما هو لحسابهم هم ولشيعتهم هم، وليس لصالح مجموع الأمة.

إنهم يطلقون علىٰ - أهل السُّنة - وصفَ النواصب، واليوم يضيفون، بخبث واضح، وصف: التكفيريين والوهابيين والإرهابيين. ولا ينبغي أن يظن ظانٌّ أن تلك الأوصاف الجديدة جاءت وليدة معاناة لما يحدث في العراق علىٰ أيدي بعض المجاهدين الذين يستهدفون العملاء المباشرين المتعاونين مع المحتلين؛ فالشيعة موقفهم من جميع أهل السُّنة واحد، سواء كانوا مسالمين أو مقاتلين، وهم يكفِّرون أهل السُّنة بإطلاق، وليس «الوهابيين» أو «الإرهابيين» فقط - كما يدعون - وهم يبنون علىٰ هذا التكفير كل ما يترتب عليه من أحكام تتعلق بالأعداء النواصب. والناصب أو الناصبي، عند الشيعة، هو كل من ناصب أهلَ البيت العداءَ، وكل من لم يعترف بالأئمة الاثنىٰ عشر الذين اخترعهم ابن سبأ وبنىٰ عليهم أصول المذهب، ولأن أهل السُّنة هم أول من تصدىٰ لهذا الابتداع، فقد ناصبهم أهل التشيع العداء؛ مع علمهم بأن أهل السُّنة هم أكثر الناس محبة وإخلاصًا لأهل بيت رسول الله ﷺ واتباعًا لسنته وسنة أصحابه من أهل البيت وغيرهم. يقول البحراني الشيعي في كتابه( ): «الناصب هو من يقال له عندهم سنيّ، ولا كلام في أن المراد بالناصبة هم أهل التسنن».

غياب دولة أهل السُّنة!!:

لابد من وقفة لغياب دولة أهل السُّنة، وموت مشاعر الغيرة والحماسة علىٰ السُّنة ودماء أهلها وبلادهم عند عامة أهل السُّنة، وما يعانيه أبناؤها من قتل وسجن وتشريد دون أن يجدوا من يداوي جراحهم، أو يواسي مصابهم!!

أَنَّىٰ اتَّجَهْتَ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ فِي بَلَدٍ

تَجِدْهُ كَالطَّيْرِ مَقْصُوصًا جَنَاحَاهُ

الدول الصليبية والوثنية ترعىٰ أبناءها.. ودولة الرافضة تمد أتباعها بالمال والسلاح والعتاد والدعم الإعلامي والسياسي والاجتماعي وغيره. وأهل السُّنة يفرض عليهم الخناق من أبناء ملتهم! مع كل ما أمدهم الله به من ثروات، ويعانون من الغربة والإحساس بالظلم والهضم، والإقصاء والحرمان ما لم يمر عليهم في عصر من العصور، وعيونهم تنظر إلىٰ من ينهب ويسلب ويستبيح المحرمات، ولسان حالهم يردد قول القائل: 

إِلَىٰ دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي

وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الْـخُصُومُ

وهل يجوز السكوت والتجاهل عما يُمارَسُ من تدليس وتلبيس؛ لتشكيك الناس في عقيدتهم ومن تغذية مستمرة للإفك وثقافة الكراهية للصحابة ش؟! وهل يجوز أن نترك هذه الثقافات الهدامة تعيث في هُويتنا خرابًا وتمزيقًا؛ لتحقق المزيد من تجهيل الأمة بماضيها المُشْرِق، وقطْع ينابيع تواصلها مع الصحابة ش، واستبدال ظلمة المرجعيات المخادعة بأنوار الخلافة الراشدة؟!! ثم هل يجوز لأهل السُّنة أن يظلوا في لَـهْوِهِمْ سادرين، وفي شغل عما يجري لهم ممن يزرعون ثقافة الحقد اليومية، تلك التي تغص بمفردات التحريض المباشر والكراهية والاستفزاز، وشتم الصحابة وأمهات المؤمنين ش في صدور أتباعهم؟!

لقد سمحنا للباطل بأن تمتد جذوره في تراثنا، وللشذوذ الديني والعقائدي أن ينعم بالنور والهواء بين ظهرانينا، ولولا فضل الله علينا ورحمته لجعل منا القردة والخنازير، ولولا كتاب من الله سبق لأنزل علينا حجارة من السماء، وما جزاء من لم يكن جنديًّا للحق بمحض اختياره، إلا أن يكون عبدًا للباطل بغير اختياره!! ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ﴾ [هود: 117].

لابد من ثقافة صلبة تغرس في القلوب والعقول محبة الصحابة والخلفاء الراشدين ش، والغيرة عليهم وعلىٰ ما جاءوا به، وتطمس كل ما زرعه الرافضة من روايات مكذوبة عليهم تثير في النفوس الأحقاد والضغائن ضد السُّنة وأهلها، وأنه لا ينال من الصحابة مسلم، ولا يطعن فيهم مؤمن.. دون ذلك سيكون الشر المستطير علىٰ القرآن والسُّنة، وستكون الأخطار علىٰ أهل السُّنة.

ظهور اتجاه رافضي عند بعض الكتاب المنتسبين للسنة:

قامت الرافضة بشراء بعض أصحاب الأقلام والعقول الخاوية من الإيمان واستكتبوها للدعاية للتشيع والتقديم لكتب الشيعة. ترىٰ ذلك في بعض كتبهم التي تُرْسَل للعالم الإسلامي للدعاية للتشيع، ويستكتب فيها أمثال هؤلاء كما في كتاب «أصل الشيعة»، و«عقائد الإمامية» وغيرهما.. هنالك من الشخصيات التي دخلت في التشيع للإثراء والمال؛ لأن ما عند الشيعة من فكر لا يستطيع إنسان أُوتيَ من العقل؛ ولو بعضه - ولا نقول كله - أن يدخل في هذا الهراء الذي لا يمثل شيئًا إلا صياحًا لمرضىٰ العقول... ولأن هذا العبث الشيعي لا فائدة فيه ولا منه فقد يدخل البعض فيه للإثراء حتىٰ إذا حقق ما يريد ولّىٰ هاربًا.

ظهرفي كتابات بعض المفكرين من المنتسبين لأهل السُّنة «لوثات» من الفكر الرافضي، وبرزت كتابات لهؤلاء متأثرة بالشبهات التي يثيرها «الروافض» في أمر الإمامة والصحابة، والمُطالِعُ لما يكتبه ثُلّة من المفكرين والأدباء حول «تاريخ صدر الإسلام»، أو «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» أو «مسائل الإمامة والخلافة» يدرك مدىٰ تأثير الكيد الرافضي في تحوير الحقائق أمام هؤلاء.

وهذا الصنف «زمرة» مرتزقة قد أغراها بريق المال ودفعها «متاع الغرور» لتقول ما قالت، ولتكتب ما سطرت، والروافض يدفعون المال «للرموز المشهورة» حتىٰ يكتبوا للناس ما يتفق والمذهب الرافضي فكيف اليوم وقد كثر المال في أيديهم، وقلت الأمانة في نفوس الكثيرين وغرتهم الدنيا وغرهم بالله الغرور( ).

د. علي سامي النشار - سامحه الله - صاحب كتاب «شهداء الإسلام في عصر النبوة» يكتب كتابًا باسم «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» ويضع فيه ما تقر به عيون الروافض فيكفِّر فيه بعض صحابة رسول الله ﷺ، فيقول مثلًا عن معاوية >: «ومهما قيل في معاوية، 

ومهما حاول علماء المذهب السلفي المتأخر، وبعض أهل السُّنة مِن وضعه في نسق صحابة رسول الله، فإن الرجل لم يؤمن أبدًا بالإسلام، ولقد كان يطلق نفثاته علىٰ الإسلام كثيرًا ولكنه لم يستطع أكثر من هذا»( ).

فانظر إلىٰ عظيم افترائه! وهل يُعْهد مثل هذا القول إلا من الروافض وأشباههم.. وكيف يتفوه مسلم بهذه المقالة في صحابي جاهد مع رسول الله ﷺ حيث شهد معه غزوة حنين( )، وكان أمينًا عنده يكتب له الوحي، وكان متوليًا علىٰ المسلمين أربعين سنة نائبًا ومستقلًا يقيم معهم شعائر الإسلام( )؟

ثم هو يفتري علىٰ أهل السُّنة حين يزعم أن القول بصحبة معاوية هو قول للبعض من أهل السُّنة، وكأن الأكثرية علىٰ مذهبه، وهذا كذب واختلاق كمسلك الروافض في الكذب، فإن إيمان معاوية > ثابت بالنقل المتواتر وإجماع أهل العلم علىٰ ذلك( ).

وقال أيضًا عن أبيه «أبو سفيان بن حرب»: «ولقد كان أبو سفيان زنديقًا أي ممن يؤمنون بالمجوسية الفارسية»( )، مع أن أبا سفيان قد استعمله النبي ﷺ نائبًا له، وتُوفي النبي ﷺ وأبو سفيان عَامِلُه في نجران، فكيف يكون زنديقًا والنبي ﷺ يأتمنه علىٰ أحوال المسلمين في العلم والعمل؟!( ).

ويوافق أهل الرفض في قولهم بأن قلة من الصحابة كانوا يرون الحق لعلي، وأن الأمر قد نزع منه.. يقول: «وقد أحسَّ قلة مِنْ خُلَّص الصحابة أن الأمر نزع من عليٍّ للمرة الثالثة، وأنه إذا كان الأمر قد سُلِبَ منه أولًا لكي يُعْطىٰ للصاحب الأول، ثم يُؤْخَذُ منه ثانيًا لكي يُعطىٰ للصاحب الثاني فقد أُخِذَ منه ثالثًا لكي يُعطىٰ لشيخ متهاوٍ متهالك لا يحسن الأمر ولا يقيم العدل يترك الأمر لبقايا قريش الضالة»( ). وهو يقصد بهذا الخليفة الراشد ذا النورين عثمان بن عفان >، الذي اتفق الصحابة علىٰ خلافته.. فكأنه يزري بهم جميعًا بهذه الفرية.

ويقول عن الرافضة التي تتسمىٰ بالاثني عشرية والتي قالت كل ما مضىٰ من كفر وشنيعة، واستفاض ذمهم ومقتهم في كلام أئمة الإسلام، يقول: «إن الأفكار الفلسفية للشيعة الاثني عشرية هي في مجموعها إسلامية بحتة»( ).

ويقول - وكأن المتحدث أحد الروافض - بأن شيعة عليّ الذين أحبوه عن يقين وإيمان، وساروا في ركب الإمام وهم علىٰ إيمان مطلق بأنه الأثر الباقي لحقيقة الإسلام الكبرىٰ، وبجانب هذا «العثمانية» و«الأموية» الذين كرهوا الإسلام أشد الكراهية، وامتلأت صدورهم بالحقد الدفين نحو رسول الله وآله وأصحابه( ).

العرب يتفرجون!!:

الدول العربية تمارس دور المتفرج علىٰ حافة رصيف محطة القطار المعطَّل، ومعهم حقائب خلافاتهم ونزاعاتهم وأمزجتهم ونزعاتهم، وبينما تقف الشعوب علىٰ حافة براكين الغلاء والأزمات الاقتصادية والأوضاع المعيشية الصعبة إذ بالعرب بين مستعمريْن: أمريكي وإيرني، بلا استراتيجية مواجهة؛ إلا أماني وتمنيات بألا تحدث معركة بساحتهم. أمريكا وإيران اشتركتا في قتل مليون ونصف مليون في العراق «وهو ما يقارب جريمة التتار» وتهجير خمسة ملايين عراقي وتيتيم أربعة ملايين طفل وترميل مليون امرأة!!

العرب كأنهم ينتظرون حتىٰ يستولي الرافضة علىٰ بلاد المسلمين، كما فعل أسلافهم في القرن الرابع الهجري باستيلاء العُبَيْدِيين علىٰ مصر والمغرب، واستيلاء البُوَيهيين علىٰ بلاد فارس والعراق، واستيلاء القرامطة من الشيعة علىٰ الخليج والأحساء ووصولهم لمكة وتعطيلهم للحج؛ لأول مرة في تاريخ الإسلام عام 317 هجرية، حيث لم يقف أحد بعرفة، وقتلهم 30 ألف حاج، ودفنهم لزمزم بآلاف الجثث، ثم قاموا بعد ذلك بقلع الحجر الأسود من مكانه وحملوه معهم إلىٰ مدينة «هجر» بالبحرين وهي مركز دعوتهم وعاصمة دولتهم، وهدفهم من الاستيلاء علىٰ الحجر الأسود هو تعطيل الحج إلىٰ مكة وارتحال الناس إلىٰ مدينة «هجر». فبقي عندهم 22 سنة ثم أعادوه مقابل خمسين ألف دينار، وكان الحجر يُنْقل ما بين هجر والقطيف، ووضعوه في بناءٍ بنوه خارج القطيف وسموه «الكعبة» أيضًا، وكان أهل هجر والقطيف يتدافعون الحجر بينهم لما كان يحل بمن كان الحجر عندهم من المصائب وكثرة الوفيات. 

تَبْكِي الحَنِيفِيَّةُ الْبَيْضَاءُ مِنْ أَسَفٍ

كَمَا بَكَىٰ لِفِرَاقِ الْإِلْفِ هَيْمانُ

عَلَىٰ دِيَارٍ مِنَ الْإِسْلَامِ خَالِيَةٍ

قَدْ أَقْفَرَتْ وَلَـهَا بِالرَّفْضِ عُمْرَانُ

حَيْثُ المسَاجِدُ قَدْ صَارَتْ حُسَيْنَاتٍ

مَا فِيهِنَّ إِلَّا لَعْنٌ وَشَتْمٌ وَعِصْيَانُ

حقيقة قنبلة المهدي:

قال الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أمام حشد من الطلاب في مدينة «قم» في سبتمر 2005: «إن عودة المهدي صارت قريبة، وعلينا أن نستعد لاستقباله، وعلينا أن نهيئ أنفسنا لقيادة العالم»! 

وسواء كان أحمدي نجاد يخدم السياسة بالدين، أو يخدم الدين بالسياسة، فإن الدين الذي يخدمه نجاد ليس هو الدين الذي أُنزل علىٰ محمد ﷺ، ولا الدين الذي تلقاه عنه أصحابه ونقلوه إلينا؛ صادقين مخلصين مجاهدين، مستحقين ثناء رب العالمين - رغم أنف الشيعة - في قوله - تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [الفتح: 29].

رفضوا تزكية التوراة، وشهادة الإنجيل، وتصديق القرآن، وأصرّوا علىٰ أن جُلُّ أصحاب النبي ﷺ كانوا من الكفار، وأن محبيهم ومتبعيهم بإحسان هم كفار مثلهم. إن أحمدي نجاد ينافس مقتدىٰ الصدر وحسن نصر الله - والخميني قبلهما - في دعوىٰ التمهيد للقدوم القريب للمهدي المنتظر. لقد قال نجاد في إحدىٰ خطبه النارية في 16/11/2005: «إن المهمة الرئيسية لحكومتنا تتلخص في تمهيد الطريق للعودة المجيدة للإمام المهدي»! وفي خطابه أمام الأمم المتحدة في سبتمبر 2005م قال: إن هالة المهدي النورانية كانت تحيط به وهو يلقي كلمته!! ولم يرها إلا الحاضرون من الشيعة، وبعدها.. نقل عنه مهدي خروبي الرئيس السابق لمجلس الشورىٰ الإيراني بواسطة بعض المقربين له - أي لنجاد - أنه يتوقع خروج المهدي خلال العامين المقبلين!! وهذه التصريحات - وأمثالها كثيرة - تفرض علىٰ المراقبين من المشفقين علىٰ هذه الأمة أن يتساءلوا: أي مهدي يقصد أحمدي نجاد؛ هل هو مهدي السلام الذي نعرفه نحن أهل السُّنة، والذي ستنعم الأمة والأرض كلها في عهده نعيمًا لم تدركه قط في تاريخها؟! أم هو مهدي الانتقام والثأر والنار والدم والهدم علىٰ رؤوس العرب والمسلمين قبل غيرهم؟!

وهل ستكون التكنولوجيا النووية أو القنبلة النووية الإيرانية - إذا نجحت فيها - في خدمة الإسلام والمسلمين بالمعنىٰ المرضي لرب العالمين، أم ستكون تكنولوجيا إرهاب وإرعاب للمسلمين، لا تَقِلُّ خبثًا عن قنابل اليهود والأمريكان والبريطان والطليان والألمان وغيرهم؟!

عَلىٰ «المنبهرين» بشجاعة نجاد ونصر الله ومقتدىٰ الصدر وبطولتهم وجرائتهم أن يتريثوا، ويعيدوا قراءة قناعات القوم وعقائدهم القديمة والحديثة، ويسألوا أنفسهم في ضوئها: لصالح مَنْ يعمل هؤلاء؟!

تصريحات طنانة، وشعارات رنانة، يطلقها قادتهم السياسيون بين الحين والآخر، بما يوشك أن يكرر «سيناريو الخداع الكبير» الذي وقع فيه فئام من الأمة أيام ظهور الخميني، عندما أطلق علىٰ حركته وصف «ثورة المستضعفين»، فكشفت الأيام اللثام عن أنها لم تكن إلا ثورة علىٰ المستضعفين، وخدعة قدمت كل خدمة مأجورة للطغاة والمستكبرين، كما أظهرت أحداث أفغانستان والعراق.

وما جدوى الخوض في مثل هذه المسائل؟!:

دفاعًا عن الصحابة وذَبًّا عن حياضهم:

كان لابد أن أدْلي بدلوي المتواضع وأكتب بروح علمية حيادية، فلا مصلحة لنا ولا للإسلام في التقوُّل علىٰ أحد؛ دفاعًا عن الصحابة، وذبًّا عن حياضهم ش وتبصيرًا لأبناء الأمة بما يجول بخاطري وخاطر كل من آمن بالله ربًّا وبمحمد نبيًّا ورسولًا؛ إقرارًا بمكانة هذا الرهط الكريم من صحابة رسول الله ﷺ، وش، وتحذيرًا من الأخطار المحدقة من نفر نعيش في وسطه، ونسمع منه بآذاننا، ونقرأ ما يكتبه بأم أعيننا.

لم أجد ما يحز في نفسي، ويثير فيها الشجون الكامنة مثل ما قرأت وسمعت.. نعم، لقد اسْتُهْدِفَ الإسلامُ والمسلمون طيلة أربعة عشر قرنا مضت، وتعرض لأخبث فنون المكر والدس والتآمر، وتضافرت علىٰ تزوير حقائق التاريخ وتشويه مبادئه كل مخططات قوىٰ الشر، ولولا ما في الإسلام من قابلية للخلود اقتضته مشيئة الخالق Q وجعلته نورًا لا تطفئه الأعاصير، وقوة لا تنال منها المحن، لكان من إحدي أساطير التاريخ!!

كما اقتضت رحمته تعالىٰ أن يدافع عن الذين آمنوا، وأن يدفع عنهم كل غائلة تستأصل شأفتهم، تحقيقًا لوعده الكريم في قوله تعالىٰ: ﴿ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ﴾ [الحج: 38]، ومصداقًا لقوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة علىٰ الحق لا يضرهم من خالفهم حتىٰ يأتي أمر الله».

كان لا بد من وقفة تصوِّب ما نسمعه، وتُقوِّم ما نقرأه لمن ضلوا الطريق وحادوا عن الحق؛ راجين لهم الصلاح، والعودة إلىٰ الحق والصواب.

كان لابد من الكشف عن مآثر صحابة رسول الله ﷺ ومناقبهم المتنوعة، وفضائلهم المتعددة.. ولعله بذلك تزول عنا مرارة الألم والحسرة التي ضاقت بها صدور، وانكسرت منها نفوس أبناء أمة ضَعُفَ ولاؤها وخَفُتَ براؤها!!

لابد من وقفة أمام ما يرتكبه الرافضة، الذين أسقطوا كل القيم في تعاملهم مع المسلمين في مآتم وحسينيات حولوها إلىٰ سجون في العراق، واستهدفوا المساجد فحولوها إلىٰ أماكن للقمامة وقضاء الحاجة.

مما يؤكد أحقادهم المتوارثة علىٰ سنة الرسول ﷺ، من أيام الشاه عباس الصفوي، وجده إسماعيل الصفوي، وأحقادًا تحملها نصوصهم وقلوبهم المنزوعة الرحمة والإنسانية، تشهد عليها صور حملتها الفضائيات العالمية بين الحين والآخر!!

قد يقال: إن الخوض في مثل هذه المسائل لا طائل منه بعد هذه القرون المتطاولة، وقد اختفىٰ أبطالها من مسرح الحياة: فلا أبو بكر الصديق حي.. ولا علي بن أبي طالب حي، كي نختار أولاهما بالأمر.. هذا صحيح في ذاته... ونحن الغيورين علىٰ الإسلام والمسلمين نقول به وندعو إليه؛ لقوله تعالىٰ: ﴿ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ﴾ [البقرة: 134و141].

ولكن وجدتني أقول: «إن موضوع «الإمامة» والخلافة يطرق يوميًّا علىٰ مدار الساعة، ويثار باستمرار، وتُبْنىٰ عليه مسائل في غاية الخطورة. فهو من هذه الناحية حيّ يتحرك.. ولا يصح معه أن ندفن رؤوسنا في الرمال حلًّا للإشكال. ثم إن الإمامية يعتبرونه أصل الاعتقاد ومبدأه ومنشأه.. فكيف يتركونه؟! فمن أراد أن يلوم فليتوجه بلومه إلىٰ البادئ؛ فإن المدافع لا تثريب عليه. حتىٰ يكفّ الأول ويرجع عما هو عليه، عند ذاك يصح أن يُطَالب الآخر بالكف والسكوت. وهذا هو الذي نريده ونرجوه. فلو كفّ الشيعة عن هذه المسائل الجدلية العاطلة، التي لا أرضية ولا واقع ولا معنىٰ لها وسكتوا لكففنا وسكتنا.. وانشغلنا بحمد الله رب العالمين.. والعمل بشرائع الدين المبين.

لقد ثبت في الصحيح عن حذيفة بن اليمان > أنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه».. عقائد الآخر تهدد عقائد عامة المسلمين؛ خاصة بعد أن صار للقوم في هذه الأيام قوة، ودول تنفق الكثير من المال!!

ومن جدوى الخوض في هذه المسائل:

- الحرص علىٰ سلامة دين المسلمين ومصالحهم في بلادهم.. الحرص علىٰ مقدساتهم وحرماتهم وأوطانهم.. الحرص علىٰ تجنيبهم مخاطر ومزالق التشيع والرفض وما أكثرها.. تحذير الجميع من خطر الشيعة الروافض علىٰ المنطقة وأبنائها من المسلمين.. وقْف زحف الخطر الأكبر.. الحفاظ علىٰ ما تبقىٰ من إسلامٍ في نفوس الناس.. ومنع الخطر عنهم.. وعن أوطانهم وحرماتهم.

- دعوة الآخر للحق.. كان من أكبر الأخطاء التي ارتكبها الرئيس العراقي صدام حسين ؟ إبَّان حكمه أنه استهان بهذا الجانب، وتعامل مع الشيعة الروافض حوله من أبناء العراق بحسن الظن.. وأنه منع علماء السُّنة من أن ينشطوا في الدعوة إلىٰ الله ليخرجوا ضلَّال وجهلة الشيعة الروافض من جهلهم وضلالهم وشركهم إلىٰ نور الإسلام وتوحيده.. فكانت نهايته المؤلمة علىٰ يد هؤلاء الروافض من أبناء وشيعة العراق.. فاسْتَقْوَوا عليه بالعدو الأجنبي.

- التأكيد علىٰ أنه لا يجوز - شرعًا ولا عقلًا - أن نبارك أو نوافق علىٰ فكرة أو مبدأ تصنيع إيران الإمامية الاثني عشرية للقنبلة النووية - التي يقف بعض أهل السُّنة منها موقف الدفاع عن إيران في تصنيعها - لأن أول تجربة نووية لها ستكون في عاصمة عربية سنِّية إن لم تكن في المدينة المنورة، ومكة المكرمة حفظهما الله تعالىٰ، وزادهما شرفًا وأمنًا وتعظيمًا.. والدليل علىٰ ذلك أن بوادر ذلك ظهرت عند أول استفزاز لإيران وتصعيد في التصريحات بين إيران وأمريكا.. فقد صرَّح ساسة وآيات طهران أنهم سيحرقون ويدمرون عواصم الخليج العربي المسلم علىٰ أهلها وساكنيها.. وكأن مشكلتهم الأساسية مع الخليج العربي المسلم وأهله، وليست مع أمريكا.. وكأن الذي يصعِّد في تصريحاته ضد إيران هم أهل الخليج، وليس أمريكا! من حقِّنا كمسلمين أن نتخوف من مشروع إيران النووي.. ونتحفظ تجاه كل نشاط لإيران حول هذا المجال.. وما صرح به ساسة وآيات طهران مؤخرًا لبعض حكام دول المنطقة من طمأنة لهم ولشعوب المنطقة من أنهم لن يكونوا هدفًا لصواريخ وقنابل قم وطهران لا يكفي.. وهو غير مقنع، ولا مُطمئن.. لماذا؟! لأن التقية والكذب، والخداع، والغدر دين يتدين به الشيعة الروافض.. فمن لا تقيَّة له عندهم لا دين له.. وبالتالي كيف نستطيع أن نميز بين ما يقولونه كذبًا وتقية وبين ما يقولونه صدقًا غير كاذبين؟! ومن كان دينه قائمًا علىٰ التقية والكذب والتكذيب، وتصديق الكذب فكيف يريدنا أن نصدقه فيما يقول؟!

أمريكا - ومعها دول الغرب - لا يهمها في المنطقة إلا أمن وسلامة وقوة دولة الصهاينة اليهود.. وسلامة مصالحها الاقتصادية في المنطقة، وعلىٰ رأسها استمرار ضخ الذهب الأسود وبثمن بخس - وفي كثير من الأحيان بلا ثمن - من البلاد العربية إلىٰ السوق الأمريكية والأوربية. وألا تقوم للإسلام في المنطقة - علىٰ مستوىٰ الدولة والحكم والسياسة - قائمة تُذكر.. وأن يبقىٰ محصورًا في القلب.. وزوايا المساجد! لأنهم يرون في الإسلام سببًا في تهديد أمن وسلامة دولة إسرائيل.. وتهديد مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة.

ثم إن مسؤوليتنا تجاه عقيدتنا، ومسؤوليتنا تجاه وجودنا ذاته تفرض علينا أن نتصارح فيما يُدَبر لنا، حتىٰ نتيقظ وننتبه، ونتسلح بسلاح الوعي، ولعل أول أسلحة الوعي أن نقف علىٰ أصل الخلاف، ونقرأ من جديد وقائع وحيثيات الخلاف الذي نشب بين جمهور المسلمين وأهل التشيع، وما دام خصومنا قد فتحوا الملف بكل الوضوح والسفور، فلماذا لا نقرؤه؟

هنالك من استغل الخلاف الذي وقع في صدر الإسلام بين الصحابة رضوان الله عليهم حول الخلافة -، هذا الخلاف مثله يقع في كل أمة وفي كل عصر، ولكنا لم نر أمة من الأمم عنيت بمثل هذا الخلاف أكثر من أربعة عشر قرنًا!! لم نر في تاريخ العالم أمة شُغِلَتْ بنزاع بين أجدادها مضىٰ عليه أربعة عشر قرنا، وقد انتهوا جميعا إلىٰ ذمة الله، وهو وحده الذي يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون!! هل في العالم اليوم أمة تحترم نفسها وتغار علىٰ كرامتها، تشغل نفسها بخلاف عفىٰ عليه الزمان عن أخطار محدقة بها من كل مكان؟ ولكن ماذا عسانا أن نقول ونفعل إزاء هذا الواقع المر الأليم؟

اتهاماتهم لمن؟! للإسلام ونبي الإسلام!!:

ما يعتقده الشيعة الإمامية في الصحابة الكرام ش، يعني توجيه التهمة إلىٰ النبي ﷺ، ويثير الشبهات حول الإسلام، ذلك لأن من يعتقد في الذين آمنوا بالنبي ﷺ، أنهم لم يكونوا صادقين في إيمانهم إلا في الظاهر، أما في الباطن فكانوا كافرين؛ والعياذ بالله، حتىٰ إنهم ارتدوا عن الإسلام علىٰ إثر وفاة النبي ﷺ، لا يستطع أن يصدق النبي ﷺ في نبوته، بل يقول: لو كان النبي ﷺ صادقًا في نبوته لكانت تعليماته ذات أثر وتأثير، وإذا كان عدد الذين تأثروا بهداية النبي ﷺ ليسوا إلا بضعة رجال، والباقي منافقون ومرتدون؛ علىٰ حد زعم الشيعة الاثني عشرية والعياذ بالله، فمن دان بالإسلام؟ ومن انتفع بتعاليم محمد ﷺ وتربيته؟!

الحكم لهم!! ليس الأمر هكذا!! الشورى مبدأ أساسي في الإسلام:

افتعلوا مسألة: أن الحكم لهم - آل البيت - لا لغيرهم، والإمامة لهم لا لغيرهم وأنهم أئمة في الدين وفي الدنيا معًا، وأحاطوا الإمام بهالة من التقديس؛ كالأنبياء أو فوقهم حتىٰ قالوا: إن الأرض كلها للإمام أو الأئمة من آل البيت!!

لم يكن الأمر هكذا في سائر عصور الدولة الإسلامية.. كان الأمر شورىٰ، وكان الحاكم يُخْتَار بالشورىٰ، وليس لأحد - ولو كان الخليفة، أو شيخ الإسلام - قداسة خاصة، فكلٌّ يؤخذ منه ويُرَدّ؛ إلا صاحب هذا القبر - رسول الله ﷺ - كما قال الإمام مالك ؟.. ومبدأ الشورىٰ مبدأ أساسي في الإسلام.. رسول الله ﷺ لم يحصر الولاية والحكم في ذرية أحد!! ألم يجعل زيد بن حارثة، وهو العبد المعتق قائدًا أول للجيش الإسلامي في غزوة مؤته، وجعل ابن عمه جعفر بن أبي طالب بعده في القيادة؛ أي تابعًا لزيد!! لقد أوصىٰ رسول الله ﷺ فاطمة ابنته، وآل بيته بالعمل وعدم الاعتماد علىٰ النسب، وقال لهم: «لا يجيئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب».. من الإساءة البالغة أن يُلْصَق به ﷺ محاباته لذريته مِنْ عليٍّ وفاطمة، وجعلهم حكامًا علىٰ المسلمين إلىٰ يوم القيامة ولو كانوا غير أكفاء!! وهو القائل لابنته فاطمة: «يافاطمة اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا».

ألبسوا رسول الله ﷺ تهمة فقالوا: إنه ﷺ يعطي الإمام سلطة مطلقة في المسلمين، لا يسأله أحد، ولا يعارضه أحد، وكل أوامره أوامر إلهية لا ترد.. !! الخليفة الأول خليفة رسول الله أبو بكر الصديق >، حين ولي الخلافة والحكم، قال: «إني وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني علىٰ حق فأعينوني، وإن رأيتموني علىٰ باطل فقوِّموني... إلخ». وكرر ذلك الخلفاء الراشدون، فقام أحد الرعية ليقول لعمر الفاروق: لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوَّمناه بحد سيوفنا.. ولم يغضب الخليفة وحمد الله لوجود أمثاله من الرجال في أمة محمد ﷺ.. ويعلن عمر > علىٰ الملإ: أنه أخطأ وأصابت امرأة!! لم ولن يكون هنالك معصوم يؤخذ قوله قضية مسلَّمة، إلا رسول الله ﷺ، وخاصة فيما نزل به وحي.. أما في غير الوحي فقد كان الصحابة ش يراجعونه، وينزل علىٰ رأيهم أحيانًا... فكيف يعطي القوم أئمتهم فوق ما كان للرسول ﷺ؟! ليس للحاكم والعالم عصمة من خطأ، ويمكن أن يراجعهما المسلم في الحكم حتىٰ ولو كانت امرأة!! والمرجع في ذلك كله هو الكتاب والسُّنة المطهرة مع الاجتهاد في فهمها!!

المجتمع المسلم مجتمع منفتح علىٰ الرأي والرأي الآخر.. مجتمع قائم علىٰ الشورىٰ بين المسلمين!! يجعلون البراءة من الأعداء أصلًا من أصول الإسلام، لا تصح الولاية بدونها.. ومن يسمونهم بالأعداء هم: أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ، وعمر بن الخطاب الفاروق، وعثمان بن عفان ذو النورين!!.. روىٰ الكشي عن زرارة عي أبي جعفر: أن محمد بن أبي بكر بايع عليًّا علىٰ البراءة من أبيه( )، ويزعمون أن عليًّا قال: «قد عملت الولاة من قبلي أعمالًا خالفوا فيها رسول الله وغيَّروا سنته ونقضوا عهده»( ).

هذه هي الجذور.. وهذه هي الأسباب:

جهل الكثيرين بنظرية الإمامة!:

وجدتني بعد طول بحث وقراءة أتبين أنه قد غاب عن الكثيرين منا - نحن أهل السُّنة، وغير أهل السُّنة - نظرية الإمامة لدىٰ القوم والإمام ونوابه، وكيف أن الإمام عندهم معصوم ومقدس، وكيف يحل نائبه محله حين يغيب - وهو الغائب منذ سنة 260 هـ - فيطيعه أتباعه في المذهب طاعة عمياء؛ لأنه يمسك في يده - برضاه أو غضبه - مفاتيح الجنة والنار!! نائب الإمام لا يناقشه أحد، ولا معقب عليه في حكمه أو قوله.. لا يرىٰ أحد ما يراه.. هو المقدس المعصوم.. كلامه وحي أو كالوحي.. لا يُسْأَل عما يقول أو يفعل، وهو فوق مستوىٰ الشبهات.. أتباعه يخضعون له خضوعًا أعمىٰ، وإذا كان حوله مجلس شورىٰ ونيابة فهو فقط من لوازم الدولة الحديثة، ولا رأي لهم بجانبه!!

يقول المفيد - أحد أكبر علماء المذهب الاثنا عشري - في كتابه «أوائل المقالات في باب الفرق بين الإمامية وغيرهم من الشيعة وسائر أصحاب المقالات»: «واتفقت الإمامية علىٰ أن المتقدمين علىٰ أمير المؤمنين «ع» ضُلَّال فاسقون وأنهم بتأخيرهم أمير المؤمنين عليه السلام عن مقام رسول الله ص عصاة ظالمون وفي النار بظلمهم مخلدون... واتفقت الإمامية علىٰ أن من أنكر إمامة أحد الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالىٰ من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار».

وقال يوسف البحراني في كتابة: «الحدائق الناضرة» (جـ5/ صـ177): «إن الأخبار المستفيضة بل المتواترة دالة علىٰ كفر المخالف غير المستضعف ونصبه ونجاسته»، وقال أيضًا: «وليت شعري أي فرق بين من كفر بالله سبحانه ورسوله، وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام».

وقال الفيض الكاشاني في «منهاج النجاة» (صـ48) ط دار الكتاب الإسلامي بيروت: «ومن جحد إمامة أحدهم - أي الأئمة الاثني عشرـ فهو بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء». وقال المجلسي في «البحار» (جـ65/ صـ281): «إن من لم يقل بكفر المخالف فهو كافر أو قريب من الكافر»، وقال في «البحار» أيضًا (جـ23/ صـ390): «اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر علىٰ من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام وفضَّل عليهم غيرهم يدل علىٰ أنهم مخلدون في النار». وجاء في «جامع أحاديث الشيعة» (جـ1/ صـ503): «والذي بعثني بالحق لو تعبد أحدهم ألف عام بين الركن والمقام ثم لم يأتِ بولاية علي والأئمة من ولده عليهم السلام أكبه الله علىٰ منخريه في النار».

تعجبت وتعجبت وتساءلت كيف يخضع القوم لإمامهم، أو نائب إمامهم علىٰ هذا النحو.. إمامهم المعصوم، حكمه حكم إلهي مهما يكن، ولا تجوز مراجعته.. رأيه هو الرأي الأول والأخير.. !! هذه الحقيقة غابت وتغيب عن كثير من الناس!! مثلما غابت عقائدهم التي تلفعت بالغموض والتقية.

الحقيقة أنهم جعلوا الإمامة ركنًا من أركان الدين كالصلاة والصيام.. جعلوها ركنًا سادسًا من أركان الإسلام، وما دام الإمام ركنًا فلابد من النص عليه.. كل الشيعة يجمعون علىٰ ذلك!! والإمام عينه الرسول ﷺ، وهو علي بن أبي طالب، وبنوه من بعده!!

رسول الله ﷺ يصرح في حديث صحيح بأن الإسلام بني علىٰ خمس، ويقرر أن أركان الإسلام خمسة، ويأتي الشيعة فيقررون أن أركانه ستة!! ويجعلون الإيمان بالإمام هو الركن السادس، وكأن الرسول ﷺ قصر أو سَهَا في بيانه، فجاءوا هم ليكملوا ما قصر فيه الرسول ﷺ!! ويجعلوا لهذا الركن من المنزلة التي تجعل من لا يؤمن به يخلد في النار ولا يعد من المؤمنين.

كان هذا الركن الذي خلقوه وابتدعوه سببًا عندهم في إخراج الغالبية العظمىٰ من الصحابة والمسلمين لإسلامهم ولرسولهم من الإسلام، أو رموهم بالكفر والخروج من الإسلام؛ بدءًا من أبي بكر وعمر وجميع الصحابة - إلا ثلاثة أو أربعة - إلىٰ الآن وإلىٰ أن تقوم الساعة، ما لم يتداركوا أمرهم ويسايروا الشيعة ويؤمنوا بالإمام!!

أدىٰ هذا الركن إلىٰ تكفير جميع الصحابة، واعتبارهم منافقين كذابين، لم يكن همهم - كما يقول الخميني في كتابه «كشف الأسرار» - «إلا الدنيا والحصول علىٰ الحكم، دون الإسلام والقرآن، واتخذوا القرآن مجرد ذريعة لتحقيق نواياهم الفاسدة، حتىٰ أسقطوا منه تلك الآيات، التي تدل علىٰ خلافة علي >، وعلىٰ إمامة الأئمة، وكذلك تحريفهم الكتاب السماوي، وإقصاء القرآن عن أنظار أهل الدنيا علىٰ وجه دائم بحيث بقي هذا العار في حق القرآن والمسلمين إلىٰ يوم الدين. وإن تهمة التحريف التي يوجهونها إلىٰ اليهود والنصارىٰ إنما هي ثابتة عليهم»( ).

جذور الخلاف بين الشيعة والسُّنة.. هو موقفهم من الصحابة الكرام!!:

يرىٰ الكثيرون أن أسباب الخلاف بين الشيعة الإمامية والفرق الإسلامية الأخرىٰ ليس بسبب أن الإمام عليًّا أولىٰ بالخلافة من غيره؛ وأن السبب الأساسي في الخلاف بين الشيعة الإمامية والفرق الإسلامية الأخرىٰ ليس هو موضوع الخلافة، بل هو موقف الشيعة من الخلفاء الراشدين وتجريحهم إياهم. 

بدأ الصراع عندما حرَّفت الشيعة معنىٰ التشيع من حب الإمام عليٍّ وأهل البيت إلىٰ ذم الخلفاء الراشدين، وتجريحهم بصورة مباشرة، وتجريح الإمام عليٍّ وأهل بيته بصورة غير مباشرة.. هناك هُوَّة عظيمة تفصل بين الشيعة والتشيع، قد تصل في بعض الأحيان إلىٰ التناقض الصارخ، التشيع شيء والشيعة شيء آخر.. الإمامة هي الحجر الأساسي في المذهب الشيعي الإمامي، وهكذا في المذهب الزيدي والإسماعيلي، ومنها يتفرع كل ما هو مثار للجدل والنقاش مع الفرق الإسلامية الأخرىٰ.. الشيعة الإمامية تعتقد أن الخلافة في علي بعد رسول الله ﷺ ومن بعد علي في أولاده حتىٰ الإمام الثاني عشر الذي هو محمد بن الحسن العسكري الملقب بالمهدي.. لأن رسول الله ﷺ ألمح إلىٰ الخلافة لعلي من بعده في مواطن كثيرة، ونَصَّ علىٰ ذلك في مواطن أخرىٰ؛ أشهرها في موقع يسمىٰ غدير خم عند رجوعه من حجة الوداع، حيث عقد البيعة لعلي وقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه». كان ذلك في شهر ذي الحجة من العام العاشر بعد الهجرة... أما الفرق الإسلامية الأخرىٰ فترىٰ أن النبي ﷺ لم يخلف أحدًا من بعده، بل جعل الأمر شورىٰ بين المسلمين نزولًا عند نص الكتاب... هذا هو ملخص الخلاف بين الفريقين، ولكل فرقة آراؤها وأدلتها، حيث ألف علماء الفريقين في هذا الموضوع مئات الكتب المطولة والمختصرة، ولم تنفع تلك الكتب بطولها وعرضها في زحزحة الشيعة عما تعتقده في الخلافة، أو زحزحة السُّنة عما تراه أَوْلىٰ بالاتباع، غير أن المشكلة القصوىٰ هي أن الخلاف الفكري لم يتوقف إلىٰ هذا الحد، بل اتخذ شكلا خطيرًا، كلما مرت السنوات وَبعُدَ العهد عن عصر الرسالة، ولو أن الخلاف بقي محصورًا عند هذا الحد لكان الخطب هينًا، فالعالم الإسلامي لم يشاهد في تاريخه الطويل كثيرًا من المحن والمصائب التي حلت به إلا بسبب المتفرعات من فكرة الخلافة والخلاف فيها... فإن الخلاف الفكري تجاوز حدود البحث العلمي والاختلاف في الرأي، بل اتخذ طابعًا حادًّا وعنيفًا عندما بدأت الشيعة تجرِّح الخلفاء الراشدين وبعض أمهات المؤمنين، وذلك بعبارات قاسية وعنيفة لا تليق بأن تصدر من مسلم نحو مسلم، ناهيك عن أن تصدر من فرقة إسلامية نحو صحابة الرسول ﷺ وأزواجه؛ صحابة لهم مكانة كبيرة في قلوب المسلمين، وأزواج للنبي عبَّر الله تعالىٰ عنهن بأمهات المؤمنين. وهنا ظهر علىٰ ساحة الخلاف عدم التكافؤ بين الفريقين في طريقة التفكير والعقيدة، فالفرق الإسلامية كلها تحب عليٍّا وتكرمه؛ شأنه شأن الخلفاء الذين سبقوه وتحترم أهل بيت رسول الله ﷺ، وتصلي عليهم في الصلاة في كل صباح ومساء، ولكن الشيعة لها موقف آخر من خلفاء المسلمين؛ موقف فيه العنف والقسوة والكلام الجارح. وكانت النتيجة ظهور رد فعل عنيف من قبل علماء الفرق الإسلامية الأخرىٰ للدفاع عن أعز وأكرم خلفائهم، فألَّف ودوّن كُتَّابُ السنّة وعلماؤها في الشيعة الكتبَ المطولة والمختصرة معيّرة إياها بالكفر مرة، وبالخروج عن الإسلام مرة أخرىٰ، وهكذا شغلت فكرة الخلافة حيزًا كبيرًا من الكتب الإسلامية عند الفريقين، ولا زالت الأقلام تكتب والمؤلفات تنتشر، وكأن المسلمين بكل طبقاتهم لا يواجهون مشكلة في هذه الدنيا المليئة بالأحداث والمكاره إلا مشكلة الخلافة فحسب. لكن الحيرة - كل الحيرة - في الطريقة التي اتبعتها الشيعة في معالجتها لمشكلة الخلافة فهي تتناقض - كل التناقض - مع سيرة الإمام عليّ وسيرة أولاده من أئمة الشيعة.. شعار الشيعة هو حب الإمام عليّ وأولاده، ولكنهم يضربون بسيرةِ علي والأئمة من ولده عرض الحائط!!

قالوا: إن أبا بكر الصديق > تآمر علىٰ الناس من غير أن يبيح الله له ذلك، وطالب الناس بالبيعة له والانقياد إلىٰ طاعته، طوعًا أو كرهًا، فكان هذا أول ظلم في الإسلام.. وقالوا: إن النبي ﷺ لم يستخلفه وبذا صار ظالمًا وكاذبًا، وحق عليه قول النبي ﷺ: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار».

قالوا: إن رسول الله ﷺ قال - وهو راجع من الحج في غدير خم: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه». قالوا: إن ذلك يعني توصية من الرسول ﷺ، بأن يكون الحاكم من بعده هو عليًّا >..

وحديثه ﷺ حديث عادي بعيد تمامًا عن فكرة الحكم، ويعني حب رسول الله ﷺ لعلي وموالاته، مثله أحاديث أخرىٰ كثر وردت في شأن غيره من الصحابة ش، تعني تزكيتهم... ولم يفهمه هكذا الصحابة واحتكموا للشوري التي أمر بها القرآن الكريم.. لم يظهر هذا الحديث كنصٍّ في شأن الحكم ولا احتج به عليٌّ > أمام أبي بكر أو عمر أو عثمان أو غيرهم، بينما احتجوا بغيره.. ولا يعقل أنهم عرفوا هذا الحديث بهذا المعنىٰ ثم تجاهلوه لغرض سيئ في نفوسهم كما يزعم القوم.

الحديث ما هو إلا دعاء يقال لكل صحابي.. يقال لعلي ولأبي بكر وعمر وغيرهم بمعنىٰ أن الله تعالىٰ يرضىٰ عمن اتبع عليًّا وأبا بكر وعمر أو غيرهم من أساطين الصحابة، ووالاهم ونصرهم في الدين.

قال فيه شُرَّاح الحديث إن الرسول ﷺ قد قاله إشادةً بعلي لما رجع من اليمن ليعلم بعض من عارضوه هناك مقام علي عند رسول الله ﷺ، فلا يتمادوا في موقفهم منه ومعارضتهم له، ولم يكن للحديث صلة بحكم المسلمين بعد الرسول ﷺ.. لقد أول القوم الحديث علىٰ هواهم، بل هنالك من علماء الشيعة من لا يرىٰ ما يرونه، ولا يرون أن هناك نصًّا إلهيًّا في هذا؛ لأن مثل هذا يصادم ما قرره القرآن الكريم من الشورىٰ في أمور المسلمين!!

قالوا في أحقية علي بالحكم والخلافة: إن رسول الله ﷺ قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها».

قال العلماء عنه: حديث ضعيف لا يحتج به، وهو حديث يتحدث عن العلم لا عن الحكم والسياسة.

ملأوا ما بين الأرض والسماء بالمثالب، والمناقب، والمهاترات المنطقية، والجدل العقيم!! مما جعل أحد المستشرقين يقول: إن تسعة وتسعين بالمائة من الطقوس الدينية عند الشيعة تتركز في الطعن واللعن والبراءة من الخلفاء الثلاثة!! لقد رفع الإمامية عليًّا فوق منازل الأنبياء. ونزلوا بالصحابة تحت مستوىٰ البشر الأسوياء!!

بين الأمس البعيد والأمس القريب.. التاريخ يعيد نفسه.. !!:

في الماضي البعيد خرجت الشيعة الإسماعيلية، وظهرت علىٰ مسرح الأحداث في مشرق العالم الإسلامي ومغربه؛ دولة للقرامطة، ودولة للعُبَيْدِيين، وحاضرنا اليوم يشهد تحرك دولة الشيعة الاثني عشرية التي تتحرش بالعالم السني في حوض الخليج ومصر وسائر أقطاره، والراصد لتحركاتهم يرىٰ تشابهًا في النيَّات والأعمال والحركات بين الأمس القريب والأمس البعيد.. بالأمس البعيد - وكان ذلك عام 317هـ - اعتدىٰ الشيعة القرامطة علىٰ الحرم المكي وقتلوا الآلاف من الحجاج، وردموا بئر زمزم بجثث القتلىٰ، ونزعوا الحجر الأسود وباب الكعبة المشرفة، ونقلوهما إلىٰ مملكتهم في شرق جزيرة العرب، إلىٰ عاصمتهم الروحية طيلة اثنين وعشرين عامًا، ليقيموا كعبة هناك وما يسجله التاريخ اليوم من اعتداءات بدأت باعتداءاتهم علىٰ الحرم المكي قبل احتلال العراق واعتداءاتهم علىٰ مساجد وعلماء أهل السُّنة في العراق، بعد احتلاله عام 2003م، خير شاهد علىٰ مخططاتهم الآثمة منذ أكثر من ألف عام!! يعود لنا الوجه القبيح الذي ظهر من القرامطة الإسماعيلية وأبي طاهر الجنابي من أكثر من ألف ومائة عام.. يعود لنا علىٰ يد مذهب شيعي آخر هم الشيعة الاثنا عشرية.. الجميع - إسماعيلية، واثنا عشرية - يعتقدون أن أهل السُّنة والجماعة كفار زنادقة؛ من أول أبي بكر وعمر وجميع الصحابة الذين وافقوهم، ورضوا عن خلافتهما، وجميع التابعين الذين تابعوهم ويتبعونهم علىٰ ذلك؛ عدا الشيعة الزيدية فهم لا يلعنون الصحابة، ولا يتفقون مع الإمامية في أمور كثيرة.. التاريخ يعيد نفسه بكل فصوله علىٰ يد شيعة إيران تجاه المقدسات الإسلامية في بلد الرشيد، والبلد الحرام.

بماذا نفسر ما يجري منهم اليوم؟!:

بماذا نفسر ما يجري منهم اليوم علىٰ الساحة في العراق وحوض الخليج.. منهم من شهر السلاح منذ الساعات الأولىٰ لسقوط الرئيس العراقي صدام حسين ؟، ومنهم من شهر اللسان وتكفل بنشر الأراجيف والشائعات.. بعد أن خرجوا من جحور التقية استعدادًا لجولات وجولات!!

في عام 1958م وجدت هذه الطغمة الحاقدة علىٰ الإسلام والمسلمين في صنمها الأوحد «عبد الكريم قاسم» ضالتها المنشودة، فالتفت حوله وتسترت خلفه بعد أن تلفعت بالمبدإ الشيوعي؛ إمعانًا منها في مراغمة المسلمين، لتدفعه إلىٰ أهدافها القذرة التي كان مقررًا لها حسب المخطط الشيعي أن تنتهي بتوحيد البلاد والعباد تحت سيطرتهم.. وبعد أن جعلت من العراق نواة لهذا المخطط اللئيم، ومن مجرمها الأوحد رائدًا لحماقتها، ومن مناداتها بالوحدة الإسلامية ستارًا تخفي وراءه مخالبها وأنيابها.. بضم الكويت وشرقي المملكة العربية السعودية والبحرين وقطر والإمارات!!

وما احتلالهم لجزر الخليج وتهديداتهم المستمرة بضم البحرين إلا مقدمة!!

ولكن الله تعالىٰ خيب ظنونهم فسقط عبد الكريم قاسم، وعادوا إلىٰ جحورهم وكهوفهم...

كنت أقول لنفسي دومًا: إنهم من أهل القبلة، وينطقون بالشهادتين، ولكني كنت أقول في الوقت نفسه: منذ متىٰ كانت القبلة معيارًا للتدين، كما أن النطق بالشهادتين لا يعصم إلا دم من عمل بحقها لقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتىٰ يشهدوا أن لا إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم علىٰ الله».. إن من حق كلمة التوحيد أن يصدق القول العمل، وأن لا يخرج المتكلم بها من باب الوثنية، ليعود إليها من النافذة!! تقول مراجعهم: كيف نسوي بين الحق والباطل؟! أتريدون منا أن نتحد علىٰ قرآن يتضمن حكاية عن بقرة، وقصة غرامية كقصة يوسف؟! وهل مثل هذه الحكايات العجائزية تسمىٰ قرآنا؟!

يلبسون الباطل ثوب الحق!!

وفي «الأنوار النعمانية» لنعمة الله الجزائري (2/278) يقول: «إنا لم نجتمع معهم - أي أهل السُّنة - علىٰ إله، ولا علىٰ نبي، ولا علىٰ إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد ﷺ نبيه، وخليفته أبو بكر ونحن لا نقول بهذا الرب، ولا بذلك النبي، بل نقول إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا..» !!

انتابتني الحيرة، أليس في ذلك طعن برب العزة سبحانه وتعالىٰ، وبرسوله ﷺ؟!! إنهم لم يتورعوا عن نبذ القرآن الكريم والنبوة!!

يقولون: إنهم لا يجتمعون مع أهل السُّنة علىٰ رب، ولا نبي، ولا خليفة، ولا إمام!! وأهل السُّنة ربهم الله Q، الذي نبيه محمد بن عبد الله ﷺ، وخليفته أبو بكر الصديق >..

كيف يساء الظن برسول الله ﷺ، وكيف يطعن بخيارات رسول الله ﷺ المعصومة؟! أيتخذ النبي ﷺ له صاحبًا ثم لا يكون هو خير الأصحاب؟! ألا يحسن ﷺ الاختيار؟! أهكذا يظن برسول الله ﷺ، وهو من صفوة الرسل، وخيرة الخلق، وهو ﷺ القائل: «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي»( )؟!

أعلنوا عن هُويتهم!!:

يروي النعماني بن أبي زينب محمد بن إبراهيم، من علمائهم في القرن الثالث، في كتابه «الغيبة - مؤسسة الأعظمي - بيروت»: عن أبي جعفر أنه قال: «يقوم القائم بأمر جديد وكتاب جديد، وقضاء جديد علىٰ العرب، ليس شأنه إلا السيف، لا يستتيب أحدًا من أهل السُّنة، ولا يأخذه فيهم لومة لائم».

يعلنون عن هويتهم بأن كتابهم غير القرآن، وقضاءهم غير قضاء محمد ﷺ، وليس لقوم محمد ﷺ العرب؛ ولا سيما قريش عند قائم الرافضة سوىٰ السيف والقتل.. وهذا هو ما يجري علىٰ أيديهم في العراق وغيرها للعرب السُّنة!!( )

ومن هنا توصلت إلىٰ أنه من وراء هذا المنطلق العقدي البغيض والحاقد، كان هذا الواقع الأليم، الذي يعيشه أهل السُّنة في إيران والعراق، وهو واقعهم في كل مصر وعصر يتمكنون فيه عبر التاريخ!!

الرفض دينهم واحد:

لقد تبين لنا بعد طول بحث ودراسة؛ طالت ردحًا من الزمن، أن دينهم - دين كل الرفض وما تفرع عنه من إمامية اثني عشرية، وإسماعيلية ونصيرية وغيرهم - قائم علىٰ لعن الصحابة ش، وتكفيرهم.

تبين لنا أن جميعهم واحد.. واختلافهم إنما هو في الشكليات والفروع، وأن انقسامهم علىٰ أنفسهم لا يعني تنكر أحدهم للأصل الذي انبثق عنه، وهو الإلحاد المتستر ببدعة التشيع!!

قد يظن البعض أن فرق الشيعة التي يزيد عددها علىٰ أكثر من سبعين فرقة؛ كل فرقة تدعي أن الحق في جانبها، لا تتفق فيما بينها، علىٰ أصول مشتركة، وأن لكل فرقة عقيدتها الخاصة، ولكن تبين لنا، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الأصول الإلحادية للتشيع واحدة بين كل الفرق!!

يقول محب الدين الخطيب ؟: إن الاختلافات الجوهرية لم تكن موجودة بين هذه الطوائف، إلا في العصر الأول لظهور هذه النزعة الخبيثة، حيث كان يوجد بين المتشيعين غلاة وأنصاف غلاة.. أما منذ القرن الثاني وحتىٰ الآن، فإنه لا يوجد علىٰ وجه الأرض شيعي غير غال، ولم يدخل في سلك هذه العصابة إلا كل مارق من الإسلام.. وما كان في العصر الأول يعد غلوًّا، أصبح في القرن الثاني وما بعده من ضرورات التشيع، بل إن المذهب المذكور استقر الآن علىٰ الغلو باعتراف المامقاني في كتابه «تنقيح المقال»( ).

تبين لنا أن المرء عندهم لا يكون شيعيًّا بالمعني الصحيح إلا إذا شك في الإسلام، وفي القرآن الكريم، وحملة رسالة الإسلام؛ صحابة رسول الله ﷺ!!

تبين لنا أن المرء عندهم لا يبلغ ذروة التشيع، إلا إذا تطاول علىٰ الله تعالىٰ، وجعل نفسه فوق مرتبة الألوهية.. تعالىٰ الله عما يقول الكافرون علوًّا كبيرًا.

تبين لنا أن كل شيعي علىٰ وجه الأرض أو في بطنها هو سبئي؛ لأنه يتبع دينًا جاء به عبد الله بن سبأ اليهودي، وكما أن من يعتنق الإسلام يسمىٰ مسلمًا: سواء كان حنفيًّا، أو شافعيًّا، أو مالكيًّا، أو حنبليًّا، فإن من يعتنق التشيع يسمىٰ ملحدًا هدامًا؛ سواء أكان سبئيًّا، أو إماميًّا، أو إسماعيليًّا، أو خطابيًّا، أو بيانيًّا أو اثنىٰ عشريًّا أو غير ذلك؛ لأن من وطئ عتبة الكفر فهو كمن أوغل فيه.. إن من أهم طقوسهم، التي يتعبدون بها في دينهم، هو دعاء صنَميْ قريش الذي يشتمون فيه أمة الإسلام وأئمتها!!( ).

كنت أقول لنفسي: لا يوجد مِن بينهم مَن يستطيع التصريح بكل ما ورد في «الكافي» و«الوافي» وسائر كتبهم من مطاعن في القرآن الكريم، ومن غلو في عليّ بن أبي طالب > وجعله في مرتبة فوق مرتبة النبي ﷺ، ومن تكفير للصحابة، ولأمهات المؤمنين، ومن مطاعن مكشوفة ومستترة يوجهونها إلىٰ بنات النبي ﷺ، ورضي الله عنهن أجمعين!!

وفي الوقت نفسه كنت أقول: لا يوجد فيهم من يستطيع إعلان براءته من كل هذه المطاعن أو تكذيبها!! ليتهم يقولون كلمة الحق في أسلافهم ومشايخهم القدامىٰ والمحدثين، ويتبرءون من صحائفهم السوداء المشحونة بأفظع السباب والشتائم لمن أحبهم الله.

كنت أقول لنفسي: لا يوجد فيهم من يستطيع التصريح بأن كل ما تضمنته أسفار التشيع من زندقة وإلحاد، مكذوب ومفترىٰ علىٰ الإمام علي بن أبي طالب، وعلىٰ ذريته ش، وإذا وُجِدَ من يقول بعض ذلك، فإنه يقول: إنه لا يمثل إلا رأي صاحبه، واعتبروا قوله من باب التقية!!

وفي الوقت نفسه أرىٰ أن المتتبع لوقائع وأحداث التاريخ القريب والبعيد، يرىٰ أنهم لم يضمروا يومًا الولاء والإخلاص لأي نظام عاشوا في ظله، بل كانوا دومًا يتربصون به الدوائر، ويتحينون الفرص للانقضاض عليه؛ أملًا منهم في السيطرة علىٰ البلاد الإسلامية كلها، وأملًا في ظهور المهدي، وتحقيق الرجعة علىٰ حد زعمهم!!

بعد الاجتياح الأمريكي للعراق وأفغانستان، في السنوات الأولىٰ من العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، قتل الرافضة علماء وأعلام السُّنة، وفعلوا فيهم ما يقوم به أراذل الناس إذا ما سُلِّطوا علىٰ أهل الشرف والدين.. إحراق وتدمير واغتصاب.. وتمزيق للمصاحف وتدنيس لها.. وبمساندة حكومات رافضية تحالفت مع الصليبيين، وبمباركة من المرجعيات وأصحاب العمائم السوداء.. نهب وسلب وترويع وإرهاب وتهجير لأهل السُّنة من بيوتهم.. قتل وإبادة واغتيالات وانتهاكات لمجرد أنهم من أهل السُّنة، ويحملون أسماء صحابة رسول الله ﷺ!! حتىٰ قبور صحابة رسول الله ﷺ، لم تسلم من النبش والتخريب، كما فعلوا ذلك في قبر أنس بن مالك >، وقبر طلحة بن عبيد الله > في جنوب العراق.. بعد سقوط صدام حسين ؟..

سهامهم المسمومة الحاقدة صُوِّبت على من؟!:

صوبت الرافضة سهامها المسمومة علىٰ من اختارهم الله تعالىٰ كي يكونوا أصحاب نبيه ﷺ الذي أرسله بالهدىٰ والنور المبين.. أولئك الذين أزالوا بعدل جهادهم ظلم المشركين، وبغي ومكر الرافضة المرتدين، وأطفئوا بنور عقيدتهم نار المجوس الملحدين، وطغيان الروم الصليبيين، ومن والاهم من المنافقين!! صوبت علىٰ مَن جَيَّش الجيوش، وجهز الكتائب، وشمر عن ساعد الجد لمواجهة شاملة لأعداء الدين والأمة من يهود ونصارىٰ ورافضي الخلافة المرتدين، ومِن بعدهم صُوّبت علىٰ أبي بكر الصديق > وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين رضي الله تعالىٰ عن الجميع!!

يصرحون بأن الصحابة ش حرفوا القرآن الكريم؟! ويشتمون سنة نبينا ﷺ ورواتها ش، ويقذفون أهل بيته ﷺ وفي مقدمتهم الفاضلة الطاهرة عائشة أم المؤمنين العالمة العابدة زوجة الرسول ﷺ، ويلعنون القادة الفاتحين خالد بن الوليد «سيف الله الذي سله علىٰ الكافرين».

النَّيْل من صحابة رسول الله ﷺ نَيْلٌ من رسول الله ﷺ، ومن يَنَلْ من النبي ﷺ يُقتلْ.. فقد قُتِلَ كعب بن الأشرف اليهودي لسبه النبي ﷺ، وقال ﷺ: «من لكعب فإنه قد آذىٰ الله ورسوله»( ). ومر عمر بن الخطاب > براهب فقيل له: هذا يسب النبي ﷺ فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطهم الذمة علىٰ أن يسبوا نبينا ﷺ.

لندع من علماء الشيعة الكبار الإيرانيين، من يرد علىٰ ترهاتهم وهو د. موسىٰ الموسوي - كان زميلًا للخميني وعضوًا في البرلمان الإيراني، واختلف معه واستقر في أمريكا رئيسًا للمركز أو المجلس الشيعي الأعلىٰ في لوس أنجلوس.. وضع علمه وجهوده للحد من سلطة الخميني وكشف تصرفاته، في كتابه «الشيعة والتصحيح».

ينفي الدكتور الموسوي أن يكون هناك أمر إلهي نزل علىٰ الرسول ﷺ ليولي عليًّا الحكم من بعده، ويكشف خطأهم وتجنِّيهم علىٰ الخلفاء والصحابة الذين بايعوهم بسبهم وتكفيرهم والادّعاء عليهم بأنهم بدّلوا القرآن، ونافقوا الرسول، وخادعوه في حياته، من أجل الوصول إلىٰ الحكم، وحللوا الحرام وحرموا الحلال، وتسميتهم لأبي بكر وعمر بأنهما: الجبت والطاغوت، كما جاء في أمهات كتبهم، وفي الدعاء المشهور عندهم بأنه دعاء صنمي قريش - يريدون أبا بكر وعمر - وقد أصدره الخميني وجماعة معه، ويتضمن كله لعن أبي بكر وعمر والدعاء عليهما، ذاكرين سبب هذا الدعاء واللعن، بأنهما بدَّلا كتابك، وأحلَّا حرامك، وحرَّما حلالك.. إلخ.

يقول الموسوي: إننا لم نجد في أقوال الأئمة بعد الإمام علي حتىٰ جعفر الصادق، ومن بعده من الأئمة الاثني عشرية، حتىٰ اختفاء الإمام الطفل الثاني عشر الملقب بالمهدي، لم نجد أثرًا لفكرة الخلافة الإلهية في عهدهم، وحتىٰ الغيبة الكبرىٰ سنة 329هـ، ليس فيما نُقِل عنهم نقلًا صحيحًا أي كلام يدل علىٰ رمي الخلفاء بهذه الاتهامات.

يقول الموسوي: هل يعقل أن يفتخر الإمام جعفر الصادق - مؤسس المذهب الجعفري الإمامي الاثني عشرية - بجده أبي بكرمن جهة ويطعن فيه من جهة أخري؟! يقول الصادق: «أولدني أبو بكر مرتين» إذ ينتهي نسبه إلىٰ أبي بكر عن طريق أمه فاطمة بنت قاسم بن محمد بن أبي بكر، وعن طريق جدته أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.. ويعقب الموسوي فيقول: إن مثل هذا الكلام من روايات في تجريح الجد التي لا تعد ولا تحصىٰ، قد يصدر عن السوقي الجاهل، ولكن معاذ الله أن يصدر من إمام يعتبر أفقه وأتقىٰ وأورع عصره وزمانه!!

الصحابة هم سلفنا الصالح ش.

من المعلوم الذي يعرفه الخاص والعام وهو ما عُلم بالضرورة من دين الإسلام فضْلُ صحابة رسول الله ﷺ وعلوّ مكانتهم ورفعة درجتهم ش. هذا لما تكاثرت به الأدلة الدالة علىٰ ذلك من الكتاب والسُّنة، قال الله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [محمد: 29].

الآية الكريمة تشمل كل الصحابة ش؛ لأنهم كلهم مع رسول الله ﷺ.

وقال تعالىٰ: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ﴾ [الحديد: 10]. وهذه الآية أيضًا شاملة لكل الصحابة ش لمن أنفق قبل فتح مكة وقاتل ولمن أنفق من بعد الفتح وقاتل، كلهم وعدهم الله بالحسنىٰ، والحسنىٰ هي الجنة كما قال الله تعالىٰ: ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [يونس: 26].

وقال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 100]. وهذه الآية أيضًا شاملة لكل الصحابة ش.

ويؤيد ما تقدم ما جاء في السُّنة، فقد أخرج البخاري ومسلم؛ كلاهما من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبّه خالد فقال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه». وهذا لفظ مسلم.

وهذا الحديث شامل لكل الصحابة ش لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي».

إن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم ثقات عدول. وأما توجيه هذا الخطاب لخالد بن الوليد ولغيره فهذا لا يفيد خروجه من الصحابة بل هو بالإجماع صحابي، وإنما المقصود الصحبة الخاصة كما قال عليه الصلاة والسلام لعمر > عندما وقع خلاف بينه وبين الصديق >: «فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟» مرتين. أخرجه البخاري من حديث أبي إدريس عن أبي الدرداء. وأخرج البخاري ومسلم؛ كلاهما من حديث عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «يأتي علىٰ الناس زمان يغزو فئام من الناس يقال لهم: فيكم من رأىٰ رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأىٰ من صحب رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأىٰ من صحب من صحب رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم» وهذا لفظ مسلم.

ومن فضل الصحابة ش أنهم أمنة للأمة، أخرج مسلم من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ فرفع رأسه إلىٰ السماء فقال: «النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتىٰ السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتىٰ أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتىٰ أمتي ما يوعدون». وهذا أيضًا يشمل كل الصحابة ش؛ لأن الحديث عام في الصحابة ولم يخص أحدًا منهم دون أحد. جاء في كتاب الله تعالىٰ في قوله: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ [الأنفال: 74، 75].

فتبين مما تقدم ثناء الله تعالىٰ ورسوله الكريم ﷺ علىٰ الصحابة كلهم ش ولا شك أن الله تعالىٰ بعلمه للغيب اختار أصحاب رسوله ﷺ.

عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون علىٰ دينه، فما رأىٰ المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ( ).

صحابة رسول الله ﷺ هم سلفنا الصالح، وخير من طلعت عليه الشمس من هذه الأمة، بعد نبيها الكريم ﷺ.. شرفهم الله تعالىٰ بصحبة نبيه وأكرمهم بمؤازرته، وحفظ بهم كتابه، وطهر بهم الأرض من رجس الوثنية وقصم بهم ظهور الجبابرة، وأذل بهم الطواغيت، ورفع بهم لواء الإسلام عاليًا خفاقًا في مشارق الأرض ومغاربها.. فكانوا بحق سادة الدنيا وقادتها... ومع ذلك يسبون ويلعنون نهارًا جهارًا!!

صحابة رسول الله ﷺ، أثبتوا للدنيا أنهم في شتىٰ أدوارهم أعلىٰ كعبًا، وأجل قدرًا، وأدق نظرًا، وأبعد غورًا، وأشد إيمانًا.

جاهدوا مع رسول الله ﷺ لتأسيس دولة الإسلام، وهم فخر الأمة ومصابيح الهدىٰ هل نقبل الطعن فيهم؟!

قال سبحانه: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ﴾  [الأنفال: 74].

وصفهم جل شأنه فقال: ﴿ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [الأحزاب: 23].

الفصل الثاني

قراءة في كتب القوم

كتب تطفح بالسب واللعن.. والطعن فيمن؟!

حين استبد بي العجب رجعت إلىٰ كتب التاريخ.. عكفت علىٰ كل المراجع التاريخية المتاحة لنا.. رجعت إلىٰ الماضي البعيد، ورجعت إلىٰ الماضي القريب؛ لأستنطقه لعلي أجد تفسيرًا لما يجري.. فمعرفة الماضي ضرورة لمعرفة الحاضر، والماضي والحاضر والمستقبل وحدة واحدة، لا سبيل إلىٰ انفصامها.. وأيقنت أن معرفة الماضي هي وسيلتنا لتشخيص الحاضر، ولتنظيم المستقبل، كما أن معرفة الطبيب ماضي المريض خير وسائل التشخيص والعلاج والتطبيب.. وجدتني بعد طول قراءة وتأمل أرىٰ أن ما يجري علىٰ الساحة من أحداث في العالم الإسلامي، له من الخلفيات التي لا بد من معرفتها.. وأن هنالك أسبابًا كامنة من وراءه.

لذا قرأت وقرأت طويلًا وتأملت في كل ما وقعتُ عليه من كتب القوم وبِتَأَنٍّ ورَوِيَّة، فاتضح لنا أن هناك نفرًا يزعمون بأن النبي محمدًا ﷺ قد نصَّ نصًّا صريحًا، وبين بيانًا مؤكدًا أن الخليفة والإمام الحق للمسلمين من بعده ﷺ، ليس هو إلا علي بن أبي طالب >، وأن من أنكر ذلك فهو ضال ومن حزب الشيطان، ومخالف لله ورسوله لمبايعته غير الإمام الحق - علىٰ زعمهم - ولهذا فجميع الصحابة عندهم، إلا القليل النادر غير عدول، أي أنهم حصروا العدالة في المتشيعين لعلي وأهل بيته ومن والاهم من المسلمين!!

اتضح لنا بعد طول قراءة أن كتبهم تطفح بالسب واللعن والطعن في جميع صحابة رسول الله ﷺ؛ إلا القليل منهم( ).. زعموا أن كثيرًا من آيات القرآن الكريم قد نزلت في ولايته، ونصت علىٰ صحة خلافته، وحكمت بعدم إيمان من أنكر وصايته!!

اعترتني الدهشة مما قرأت، كيف يحدث هذا تجاه صحابة رسول الله ﷺ حملة الشريعة، ونقلة الكتاب والسُّنة، والمبلغون لها عن الرسول ﷺ إلىٰ أمته.. الطعن فيهم ضياع للدين وإبطال للشرع الحكيم، وفي ذلك من الضرر علىٰ الإسلام والمسلمين ما فيه!!

يقول عبد الحسين بن المظفر - المعروف عندهم بأبي ذر زمانه - في كتابه «الشافي في شرح أصول الكافي» - في مساق كلامه عن الإمامة، ووجوب معرفة الإمام: «إن هؤلاء العارفين من أصحاب النبي ﷺ، الذين أضلهم الشيطان؛ لأنهم مالوا عن الحجة الواضحة، والسبل المنيرة، بإطاعتهم غير أهل بيت العصمة، إذ الميول عنهم ميول إلىٰ حزب الشيطان. ثم قال: وبالجملة فإنهم لما تفطنوا إلىٰ وجوب الخليفة، وتمكنوا من معرفته، فالمانع لهم من الاهتداء إلىٰ ما هو الحق فيه ليس إلا الشيطان، لأن الله Q قدرهم علىٰ ذلك، وأعطاهم آلة المعرفة، فوجب عليهم تحصيل معرفة الإمام الحق، الذي نص عليه النبي ﷺ يعني علي بن أبي طالب >»!!

أسقطوا آيات المنافقين على الصحابة ش!!

جاء في كتاب «إحقاق الحق» (صـ89) للقاضي نور الله التستري، الذي يرد فيه علىٰ الفضل بن روزيهان ما نصه: 

«إن الثلاثة الذين قاموا بوظائف الخلافة من بين الصحابة كانوا متهمين بالنفاق في زمن النبي ﷺ، فغصبوا الخلافة بعده ممن نص الله عليه، ولذا تبرأ منهم الشيعة الإمامية، وهؤلاء؛ أي الخلفاء، وإن كانوا من الصحابة ومن المنتسبين إليهم، لكنهم كانوا أعداء لهم في الحقيقة، وإنهم كانوا يظهرون الإسلام؛ لأنهم رأوا انتظام رئاستهم الباطلة في ذلك، وكانوا يخرجون عداوة الإسلام في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وصلاح وهو غاية الجهل والإفساد، فكم ركن للإسلام هدموه، وكم حصن له قد قلعوا أساسه، وكم علم قد طمسوه، وكم لواء قد وضعوه، كما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين في دعاء صنمي قريش: اللهم الْعَنْ صنمي قريش وجبتَيْهما وطاغوتَيهما، الذيْن خالفَا أمرك، وأنكَرا وحيك وجحدَا أنعامك، وعصيَا رسولك، وقلبَا دينك، وحرفَا كتابك، وعطلا أحكامك، وأبطلا فرائضك، وألحدَا في آياتك، وعاديَا أولياءك، وأحبَّا أعداءك، وخربا بلادك، وأفسَدا عبادك، اللهم العنهما وأتباعهما وأولياءهما وأشياعهما ومحبيهما، واللهم العنهما فقد خربا بيت النبوة وألحقا سماءه بأرضه، وعلوه بسافله، وشاخصه بخافضه.. إلخ».

جاءوا إلىٰ آيات المنافقين فأسقطوها علىٰ المهاجرين والأنصار - صحابة رسول الله ﷺ - ظلمًا وتعسفًا؛ مع أن الآيات وصفت كل فريق بما يناسبه ويَفصِله عن غيره! لقد وصفت الآيات المنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك. ووصفتهم بالكسل عن الصلاة والإنفاق وغيرها من الأوصاف.

قوله تعالىٰ فيهم: ﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾ [التوبة: 67].

أسقطوا الآية علىٰ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف وطلحة؛ الذين جهزوا الجيش الذي سُمي بجيش العسرة؛ لشدة الحال والضيق والعسرة وقلة المال! وأنفقوا إنفاق من لا يخشىٰ الفقر؛ ليجهزوا ذلك الجيش العرمرم المتوجه لغزو إحدىٰ الدولتين العظميين في ذلك الزمان: دولة الرومان في الشام... جاء أبو بكر بماله كله. فلما سأله رسول الله ﷺ: ماذا أبقيت لأهلك؟ أجابه: أبقيت لهم الله ورسوله! وكذلك فعل ابن عوف! وجاء عمر بنصف أمواله. أما عثمان ذو النورين فتبرع بألف بعير وفرس سوىٰ الذهب الذي ملأ به حجر رسول الله ﷺ. فجعل الرسول يقلبه بكفيه ويقول: «ما ضر عثمان ما فعل بعدها».. وضعوهم في صف المنافقين الذين يقبضون أيديهم، والذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالىٰ ولا ينفقون إلا وهم كارهون!

نصوص تكفر وتستحل دم وحرمات المسلمين!!:

قال عبد الله المامقاني في «تنقيح المقال» (1/208) باب الفوائد ط نجف: «وغاية ما يستفاد من الأخبار جريان حكم الكافر والمشرك في الآخرة علىٰ كل من لم يكن اثني عشريًّا». وبناء علىٰ هذا فإن موقف القائلين بهذه الأقوال من جميع أتباع المذاهب الأخرىٰ وفيها الزيدية والإباضية هو أنهم كفار مخلدون في النار. ولأنهم كفار ومخلدون في النار فإنهم نجسون حسب المذهب.

وقال الخوئي في كتابه «منهاج الصالحين» (1/116) ط نجف: «في عدد الأعيان النجسة وهي عشرة - إلىٰ أنْ قال – العاشر: الكافر وهو من ينتحل دينًا غير الإسلام أو انتحل الإسلام وجحد ما يُعلم أنه من الدين الإسلامي.. ولا فرق بين المرتد والكافر الأصلي الحربي والذمي والخارجي والغالي والناصب».

وقال محسن الحكيم في كتابه «العروة الوثقىٰ» (1/68) ط طهران: «لا إشكال في نجاسة الغلاة والخوارج والنواصب».

وقال الخميني في «تحرير الوسيلة» (صـ118) ط بيروت: «وأما النواصب والخوارج لعنهما الله تعالىٰ فهما نجسان من غير توقف».

وقال محمد بن علي القمي الصدوق في «ثواب الأعمال وعقاب الأعمال» (صـ352) ط بيروت عن الإمام الصادق أنّه قال: «إنَّ المؤمن ليشفع في حميمه إلاّ أنْ يكون ناصبيًّا ولو أنَّ ناصبًا شفع له كل نبي مرسل وملك مقرب ما شفعوا»، ويروي في الصفحةِ ذاتها عن أبي بصير عن الصادق: «إنَّ نوحًا عليه السلام حمل في السفينة الكلب والخنزير ولم يحمل ولد الزنا، والناصب شر من ولد الزنا».

والناصب في المصطلح الاثني عشري هو السني ومن نهج نهجه أي مَن فضَّل وقدم أبا بكر وعمر وعثمان علىٰ علي رضي الله عنهم أجمعين.

وقال الجزائري في: «الأنوار النعمانية» (2/307) ط تبريز: «ويؤيد هذا المعنىٰ أنَّ الأئمة عليهم السلام وخواصهم أطلقوا لفظ الناصبي علىٰ أبي حنيفة وأمثاله مع أنه لم يكن ممن نصب العداوة لآل البيت».

وقال حسين ابن الشيخ محمد آل عصفور البحراني في: «المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية» (صـ157) ط بيروت: «علىٰ أنك قد عرفت سابقًا أنه ليس الناصب إلا عبارة عن التقديم علىٰ علي عليه السلام». وقال في (صـ147) من الكتاب نفسه: «بل أخبارهم تُنادي بأنَّ الناصب هو ما يُقال له عندهم سُنِّيّ»، ويقول في الموضع نفسه: «ولا كلام في أنَّ المراد بالناصبة هم أهل التسنّن».

وقال حسين بن شهاب الدين الكركي العاملي في كتابه «هداية الأبرار إلىٰ طريق الأئمة الأطهار» (صـ106) ط1: «كالشبهة التي أوجبت للكفار إنكار نبوة النبي ﷺ وللنواصب إنكار خلافة الوصي».

والاثنا عشرية - بناء علىٰ هذه التصورات - أباحوا دم غيرهم وماله وعرضه: قال الصدوق في «علل الشرائع» (صـ601)، والحر العاملي في «وسائل الشيعة» (18/463)، والجزائري في «الأنوار النعمانية» (2/ 308): عن داود بن فرقد «قال: قلتُ: لأبي عبد الله عليه السلام ما تقول في قتل الناصب؟ قال: حلال الدم، ولكن اتق عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطًا أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد عليك فافعل. قلت: فما ترىٰ في ماله؟ قال: خذه ما قدرت عليه»، وحاشا لأبي عبد الله > أن يقول مثل هذا المنكر الشنيع.

وقال الجزائري في «الأنوار النعمانية» (2/308): «وفي الروايات أن علي بن يقطين وهو وزير الرشيد قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين، وكان من خواص الشيعة، فأمر غلمانه وهدوا سقف الحبس علىٰ المحبوسين فماتوا كلهم، وكانوا خمسمائة رجل تقريبًا، فأراد الخلاص من تبعات دمائهم، فأرسل إلىٰ مولانا الكاظم، فكتب عليه السلام إليه جواب كتابه: بأنك لو كنت تقدمت إليَّ قبل قتلهم لما كان عليك شيء من دمائهم، وحيث إنك لم تتقدم إليَّ فكفّر عن كل رجل قتلته منهم بتيس، والتيس خير منه»، وحاشا للإمام الكاظم > أن يقول مثل هذا الخزي.

وقال أبو جعفر الطوسي في «تهذيب الأحكام» (4/122) ط طهران، و«الفيض الكاشاني في الوافي» (6/43) ط دار الكتب الإسلامية طهران عن الإمام الصادق: «خذ مال الناصب حيث ما وجدته وادفع إلينا خُمسه»، ومرّة أخرىٰ حاشا لأبي عبد الله > أن يكون أمارًا بالنهب والسلب.

وقال الخميني في «تحرير الوسيلة» (1/352): «والأقوىٰ إلحاق الناصب بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم منهم وتعلق الخُمس به، بل الظاهر جواز أخذ ماله أين وجد، وبأي نحو كان، وادفع إلينا خُمسه».

وقال يوسف البحراني في «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة» (12/323 – 324): «إن إطلاق المسلم علىٰ الناصب وأنه لا يجوز أخذ ماله من حيث الإسلام خلاف ما عليه الطائفة المحقة سلفًا وخلفًا من الحكم بكفر الناصب ونجاسته وجواز أخذ ماله بل قتله».

حكم «النواصب» - أي أهل السُّنة - عند الشيعة، يكفرونهم، ويستحلون منهم كل ما يحل من الكفار الأصليين أو المرتدين، هذا حكمنا عندهم في القديم والحديث: ثم يأتون اليوم ويتحدثون عن «التكفيريين.. الوهابيين.. الإرهابيين»!! إنه لا فرق عندهم بين كفر اليهود والنصارىٰ و(النواصب).

يقول إمامهم الخوئي في كتابه «منهاج الصالحين» (1/116): «لا فرق بين المرتد والكافر الأصلي الحربي والذمي والخارجي والغالي والناصب». واليهود والنصارىٰ عندهم أطهر من «النواصب»!!

ينعت الخميني الصحابة الكرام ش في كتابة «كشف الأسرار» بأوصاف تجعلهم عبادًا للدنيا، متجرئين علىٰ الله تعالىٰ، محرفين للقرآن الكريم، وفي عاقبة الأمر كافرين.. يقول الخميني: «أولئك الصحابة الذين لم يكن يهمهم إلا الدنيا والحصول علىٰ الحكم دون الإسلام والقرآن، والذين اتخذوا القرآن مجرد ذريعة لتحقيق نواياهم الفاسدة، قد سهل عليهم إخراج تلك الآيات من كتاب الله، التي كانت تدل علىٰ خلافة علي > بلا فصل، وعلىٰ إمامة الأئمة، وكذلك تحريف الكتاب السماوي، وإقصاء القرآن عن أنظار أهل الدنيا علىٰ وجه دائم، بحيث يبقىٰ هذا العار في حق القرآن والمسلمين إلىٰ يوم الدنيا، إن تهمة التحريف التي يوجهونها إلىٰ اليهود والنصارىٰ إنما هي ثابتة عليهم».

ويقول في موضع آخر: «هب أن القرآن إذا كان قد عين اسم الإمام، فمن أين نستنتج عدم حدوث الخلاف بين المسلمين؟ ذلك أن الذين كانوا قد ألصقوا نفوسهم بدين الرسول عليه السلام إلىٰ سنوات طويلة؛ طمعًا في الحكومة والولاية، وكانوا يتآمرون في سبيل ذلك ويتحزبون من مدة، ما كان يمكنهم أن يتنازلوا عن أغراضهم؛ نزولًا إلىٰ امتثال أوامر القرآن، وما كانوا يضنون بأي حيلة لتحقيق غايتهم، بل ربما أصبح ذلك سببًا للخلاف فيما بين المسلمين، الذي أدىٰ إلىٰ هدم أساس الإسلام، فقد كان من الممكن للذين كانوا يترقبون الفرص لتأسيس حكومة لهم وتحقيق غرضهم أن يتحزبوا ضد الإسلام، ويعارضوه بكل صراحة وجهر، إذا كانوا قد يئسوا أن غرضهم هذا لا يكاد يتحقق باسم الإسلام» (صـ113 - 114)( ).

يقرر هذا الخميني مستمدًّا ذلك من كتبهم الأصيلة والمعتمدة لديهم!!

جاء في كتاب «الكافي» - وهو أصح كتبهم عندهم - رواية عن الإمام أبي جعفر وهو محمد الباقر قوله: 

«كان الناس في ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة. فقيل: ومن الثلاثة؟ قال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ويضاف للثلاثة عمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين».

وهذا يعني أن جميع الصحابة ارتدوا بعد وفاة الرسول ﷺ؛ إلا هؤلاء الأربعة، الذين وقفوا بجانب علي وحقه في الحكم، علىٰ حد زعمهم!!

بالأدلة العقلية والنقلية أصحاب رسول الله ﷺ، هم خير جيل عرفته البشرية.. هم خير خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين.. كان قرنهم خير القرون، كما قال تعالىٰ: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴾ [آل عمران: 110].. القول بردتهم أمر لا يقبله مسلم عاقل سليم المعتقد.. كيف يستقيم عقلًا أن يكون أصحاب خاتم النبيين والمرسلين كفارًا ومرتدين، وقد أثنىٰ الله تبارك وتعالىٰ في كتابه الكريم، وكذا نبيه محمد ﷺ وأهل بيته، فهل يثني الله Q علىٰ كفار ومرتدين ومنافقين؟!

لا يجد المرء تفسيرًا لكل هذه الممارسات الاثني عشرية الإمامية سوىٰ أنها نابعة من عقيدتهم في أن حكم المسلمين بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، وإلىٰ أن تقوم الساعة إنما هو حق للإمام علي وذريته من الأئمة، أو نوابهم.. من هنا جاء حكم الآيات، ليروا أن من حقهم حكم العالم الإسلامي حسب نظرية الإمامة عندهم.. هذه الممارسات وراءها الباعث الديني، من هنا كان علىٰ المسلمين أن يدركوا ذلك ويتداركوه، حكامًا ومحكومين في العالم السني.

قال الخميني في كتابه «تحرير الوسيلة» (1/119): «غير الشيعة، إذا لم يظهر منهم نَصْبٌ أو معاداة لسائر الأئمة الذين لا يعتقدون بإمامتهم طاهرون، وأما مع ظهور ذلك منهم، فهم مثل سائر النواصب». وقال في كتابه المذكور (صـ 118): «أما النواصب والخوارج لعنهما الله، فهما نجسان من غير توقف». وكل من لا يقول بإمامة الأئمة الاثني عشر، عند الشيعة كافر!!

قال عالمهم يوسف البحراني في كتابه «الحدائق الناضرة» (18/153): «ليت شعري، أي فرق بين كفر بالله سبحانه ورسوله، وبين كفر بالأئمة عليهم السلام، مع ثبوت كون الإمامة من أصول الدين».

وقال الكاشاني في كتابه «منهاج الحياة» (صـ 48): «من جحد إمامة أحد من الأئمة الاثني عشر، فهو بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء».

وقال المجلسي في كتابه «بحار الأنوار» (23/390): «اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر علىٰ من لم يعتقد بإمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام، وفضَّل عليهم غيرهم يدل علىٰ أنهم مخلدون في النار».

و«النواصب» عند التكفيريين السبئيين الشيعة، تحل دماؤهم وأعراضهم وأموالهم: فهم يوردون أثرًا عن داود بن فرقد، أنه قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في قتل الناصب؟ قال: حلال الدم، ولكن اتقِ عليك؛ فإن قدرت أن تقلب عليه حائطًا أو تغرقه في ماء لكيلا يُشهد عليك فافعل. قلت: فما ترىٰ في ماله؟ قال: خذه ما قدرت عليه». وهذا الأثر أورده الصدوق في «علل الشرائع» (صـ 601)، وأورده الحر العاملي في «وسائل الشيعة» (1/463) والجزائري في «الأنوار النعمانية» (2/308).

وقال صاحب «بحار الأنوار» (8/369): «ويظهر من بعض الأخبار، بل كثير منها، أنهم - أي أهل التسنن - في الدنيا في حكم الكفار، لكن لما علم الله أن أئمة الجور وأتباعهم يستولون علىٰ الشيعة، وهم يبتلون بمعاشرتهم، أجرىٰ الله عليهم حكم الإسلام توسعة، فإذا ظهر القائم يجري عليهم حكم سائر الكفار في جميع الأمور، وفي الآخرة يدخلون النار ماكثين فيها أبدًا، وبه يجمع بين الأخبار، كما أشار المفيد والشهيد».

وأئمة المذاهب الأربعة السنية منحرفون عند الشيعة التكفيريين: قال محمد الرضوي في كتاب «كذبوا علىٰ الشيعة» (صـ 135): «ولو أن أدعياء الإسلام والسُّنة أحبوا أهل البيت 

- عليهم السلام - لاتّبعوهم، ولما أخذوا أحكام دينهم عن المنحرفين عنهم، كأبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل»!

لقد صبوا حقدهم الدفين علىٰ الإسلام وأهله.. الذي لا يُوازىٰ بحقد.. كثير من كتبهم القديمة والحديثة مليئة بالنقولات والنصوص التي تنص علىٰ أن دم وحرمات المسلمين حلال زلال.. وعلىٰ أي وجه كان السطو والاعتداء عليها!

هذه النصوص المتوارثة أنتجت منهم أجيالًا عامرة قلوبهم بالحقد والكراهية للإسلام وأهله.. ولو قيل لأحدهم: من عدوُّك الأول.. ثم الثاني.. ثم الثالث.. ثم العاشر.. وإلىٰ الألف.. لأجابك من فوره: المسلم السني.. ؟!

ولو اقتصر الأمر علىٰ أن هذه مجرد مواقف تاريخية عفىٰ عليها الزمن لهان الأمر، ولكن هذا هو ما تعيد نشر كتبه المطابع الشيعية الاثنا عشرية المعاصرة وهو ما تبثه أكثر المواقع والقنوات الاثنا عشرية؛ سواء في إيران أو في العراق أو لبنان أو باكستان وأفغانستان، وهو ما يعاد نشره في مواقع أكثر المراجع الشيعة المعاصرين دون أي تعليق علىٰ الإطلاق!!

أحداث العراق.. وحقيقة المذهب الشيعي:

أبانت أحداث العراق الأخيرة حقيقة المذهب الشيعي السبئي التكفيري، بشكل لا يلتبس علىٰ أحد إلا من أغواهم إبليس فكانوا للخائنين خصيمًا؛ فمراجع الشيعة وآياتهم وحججهم وملاليهم وأئمتهم المعاصرون، يتسابقون اليوم في إبراز ما كان مخفيًّا، بعد أن غرهم استقواؤهم بالكفار الأمريكيين، لا بل إنهم قد بدءوا بالفعل ينزعون عن رؤوسهم طاقية «التقِيَّة» التي يفتخرون بأنها دينهم ودين آبائهم، فراحوا يجاهرون بما كانوا يسرون من العداء، ويظهرون ما كانوا يخفون من البغضاء.

السيستاني المرجع الشيعي الإيراني، «خميني العراق الجديد» المقيم في مدينة النجف بالعراق، له موقف تكفيري من أهل السُّنة بشكل عام، لا يختلف عن مواقف من سبقوه، ومع هذا فإنه مع عدم حرصه علىٰ الظهور الإعلامي، يحرص علىٰ أن يبدو وديعًا مصلحًا، وحليمًا حكيمًا وهو يتعامل مع الأحداث، ولكن هيهات أن تكون هذه صفات من يكفِّر أصحاب النبي ﷺ، ويكفِّر من ثَمَّ السواد الأعظم من أمة محمد ﷺ؛ عدا الشيعة.

وقد بَلَغَتْ «سماحتُه» أنه امتنع عن الفتوىٰ بجواز مقاومة الأمريكان الذين غزوا العراق! ومن فتواه «السمحة» ما جاء في موقعه علىٰ الشبكة العنبكوتية «الإنترنت» حيث نُشرت له فتوىٰ، جاءت جوابًا علىٰ سؤال يقول: «ما صحة الرواية التي تقول بأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا اثني عشر ألفًا؛ ثمانية آلاف بالمدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، لم يُر فيهم قدري، ولا مرجئ، ولا حروري، ولا معتزلي، ولا صاحب رأي. كانوا يبكون الليل مع النهار، ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير». وهي رواية موجودة في كتاب الخصال للصدوق صفحة (639)، قال السائل: «هل سند هذه الرواية صحيح، وكيف يتفق مع أخبار ردة أغلب الصحابة؟». فقال السيستاني في الفتوىٰ المختومة بختمه وعلىٰ موقعه: 

«علىٰ تقدير صحة سند الرواية، فهي لا تنافي ما دل علىٰ ردة أغلب الصحابة، أولًا: لأن الارتداد كان بعد وفاة النبي ﷺ، ولعله كان من باب سوء العاقبة. وثانيًا: من المسلَّم وجود المنافقين في أصحاب النبي ﷺ، حتىٰ أنزلت في حقهم سورة كاملة مضافًا إليها الآيات الكثيرة التي تشير إليهم. ومن الضروري أن عددهم كان كبيرًا جدًّا، وإلا لم تنزل هذه السور والآيات في مقام التحذير منهم؛ فالمؤمنون كانوا متصفين بهذه الأوصاف المذكورة في الرواية حقيقة، والمنافقون كانوا يظهرون ذلك حتىٰ لا يتبين للناس نفاقهم وكفرهم، فكانوا يظهرون الزهد والإعراض عن الدنيا، ويظهرون العقائد الصحيحة» انتهت الفتوىٰ. فهل سيترفع ذلك المفتي «الورع» بعد تكفيره لعموم الصحابة، عن تكفير من يحبونهم ويوالونهم ممن جاؤوا بعدهم واتبعوهم بإحسان من أهل السُّنة والجماعة؟! وهل سيتورع السيستاني أو غيره من «الآيات» عن تطبيق أحكام هذا التكفير؟

هذا ما يجيب عنه - نيابة عن السيستاني - قرينه في المرجعية وقريبه في المرتبة والأكثر منه جرأة وشجاعة، كما يتباهىٰ ويتفاخر وذلك في فتوىٰ مسموعة - علىٰ شناعتها وبشاعتها - في كلمة صوتية لمن يُدعىٰ «آية الله العظمىٰ»: صادق الحسيني الشيرازي، أعلىٰ المرجعيات الدينية في كربلاء، ذكر في كلمته المبثوثة علىٰ الإنترنت قول الله تعالىٰ: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾ [المائدة: 33]. ثم نزَّل هذه الآية - كصنيع الخوارج الذي يقرءون القرآن ولا يجاوز تراقيهم - علىٰ المجاهدين، للأمريكيين وأعوانهم؛ من أهل السُّنة، وفَاهَ - فَضَّ الله فاه - بألفاظ وأحكام وعبارات تقشعر منها الأبدان، لها من الدلالة علىٰ العقيدة التكفيرية الشيعية مما لها.

قال الشيرازي: «الوهابي.. الإرهابي.. الكافر.. الناصب.. المتوحش، إذا لم يكن مصداق هذه الآية، فمن يكون إذن مصداق الآية الكريمة؟ والذين يؤيدون الوهابيين الإرهابيين الكفرة النواصب الوحوش من رجال الدين، ومن غير رجال الدين، بنحو أو بآخر، إن لم يكونوا مصاديق الآية الكريمة، فمن يكون؟

إذا كنا نكفُر بالقرآن الكريم، فلنكن شجعانًا نصرح بما نعتقد، أما إذا كنا نؤمن بالقرآن الكريم، فالوهابي الإرهابي الكافر الناصب الوحشي يجب قتله، وكل من يؤيده بنحو أو بآخر، من رجل دين أو غير رجل دين، يجب قتله، ومن لم يقل بوجوب قتل هؤلاء، ووجوب قتل مؤيديهم، فهو علانية يكفر بالقرآن الكريم، (مو) مشكلة.. الشيوعي أيضًا يكفر بالقرآن الكريم، ولكن الشيوعي يملك شجاعة أدبية، (فخليهم) يمتلكون شجاعة أدبية...

والشيرازي يتابع قائلًا: شيء آخر، الله يقول في القرآن الكريم: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 107]. إخواني: هذه الآيات الكريمات الواردات في مسجد الضرار، تنطبق علىٰ المساجد التي يتخذها الإرهابيون الوهابيون الكفرة النواصب الوحوش محاور لنشاطهم؛ فكل هذه المساجد يجب أن تدمر وتهدم وتحرق، وإلا فنكون كافرين بالقرآن الكريم. فلنكن صادقين مع أنفسنا ومع الله تعالىٰ، ومع القرآن، ومع أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ومع المؤمنين والمؤمنات، إذا لم تكن هذه الآيات الواردة في مسجد الضرار، لا تنطبق علىٰ المساجد الوهابية الإرهابية الناصبية الوحشية، فعلىٰ أي مساجد تنطبق؟

يقول الشيرازي: هذه المساجد يجب هدمها فورًا، ويجب إحراقها فورًا، ويجب تدميرها فورًا إن كنا مسلمين. وإذا لم نكن مسلمين، فخلِّنا نمتلك نفس الشجاعة الأدبية كما يمتلكها الشيوعي فيقول: الله خرافة، فخلهم يقولون: نحن لا نؤمن بالقرآن الكريم... إخواني: بقاء حانوت يبيع الخمر، يعني أن الحكم الإسلامي لا يجري في هذا البلد، وبقاء مسجد إرهابي وهابي، يعني أن الحكم الإسلامي لا يُجري في هذا البلد... إخواني: 

أي وهابي إرهابي كافر ناصبي وحشي، يعيش في بلد، ويعيش مؤيده بدون أن يقتل، فهذا يعني أن قولة الله تعالىٰ: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾ [المائدة: 33] لا يُعمَل بها، شئنا أم أبينا، والمساجد الإرهابية الوهابية بقاؤها لحظة واحدة، يعني أننا لا نعمل بالآيات الكريمات حول مسجد الضرار»...

ودعا الشيرازي في كلمته المسمومة إلىٰ الحسم مع من سماهم «العلماء البكريين» - نسبة إلىٰ أبي بكر الصديق >، ويقصد كل علماء أهل السُّنة - فقال: «إن كل من لا يستنكر ولا يشجب أعمال الوهابيين الإرهابيين، يجب أن يعامل بمثل المعاملة التي يعامل بها الإرهابيون الوهابيون». وختم بقوله: «الوهابي الإرهابي ضد الله وضد الإسلام وضد القرآن وضد رسول الله، وضد أمير المؤمنين، وضد سيدة نساء العالمين، وضد سائر المعصومين، وهم يقتلون المسلمين - أعني الشيعة - لأنهم موالون لله وللقرآن ولأهل البيت» انتهىٰ قوله.

بهذه المشاعر يتحدث القوم عن الذين ندبوا أنفسهم لمجاهدة الأمريكان الذين أعانتهم إيران علىٰ الغزو هي وحلفاؤها وأشباهها في داخل العراق وخارجه، وبمثل هذه النفسية السوداوية يتهيأ القوم ويمهدون لخروج مهديهم المنتظر.. الأشبه بالأعور الدجال، الذي سيركز ثاراته وفتوحاته ومآثره ومجازره علىٰ العرب والمسلمين. وكل هؤلاء يعدون أنفسهم من «الممهدين» للمهدي الذي ينتظرونه من قرون... ليثأر لآل البيت.. !! وقال في حديث لمجلة نيوزويك الأمريكية في 2/5/2006: «أطالب سنة العراق بتحديد موقفهم من التكفيريين الوهابيين».

إيمانهم لا يتحقق إلا بتكفير السُّنة!!:

«إيمان الشيعة» لا يتحقق إلا بتكفير هذه الأمة، وأولهم الخلفاء الراشدون، ثم عموم الصحابة وأمهات المؤمنين، والتاريخ في قديمه وحديثه يثبت أن الشيعة الروافض حملوا تلك الكراهية والضغينة والبغضاء لكل مسلم سني، فبغضهم لعامة أهل السُّنة لم - ولن - يقلَّ عن بغضهم لخاصتهم وأئمتهم، وهو بغض وكره يفضيان في كل مرة إلىٰ المحاربة والقتال والاستحلال، إما مباشرة، وإما عن طريق الوقوف مع الأعداء، والتحالف معهم، كما حدث أثناء الحروب الصليبية وغزوات التتار وأيام الدولة الصفوية الإيرانية الرافضية، التي شايعت كل الأعداء علىٰ الدولة العثمانية، وأخيرًا - وليس آخرًا - الخنوع والخضوع والركوع أمام «الشيطان الأكبر» - أمريكا - ليقفز من فوق ظهورهم إلىٰ حرمات المسلمين في أفغانستان والعراق، وهو ما تباهوا به مؤخرًا علىٰ لسان محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني، الذي قال في 6/4/2006م في مؤتمر عقد في أبو ظبي: «لولا التعاون الإيراني، لما استطاعت أمريكا أن تدخل أفغانستان أو العراق بهذه السهولة».

دين إيران الحديث وسماته!!:

وشهد شاهد من أهلها!:

دين إيران من سماته الجهل والتجهيل!!:

أظهرت دولة إيران الإسلامية لنا دينًا إسلاميًّا جديدًا في قيمه لا نعرفه، وهو غريب علينا وعلىٰ قيمنا.. العقيدة الإيرانية الجديدة تقوم علىٰ أساس حاكمية الإمام الغائب، الذي سيظهر ليقتل كل العرب وهو أمر جديد لم نألفه في كل المذاهب الإسلامية الجديدة!!

يقول د. كاظم عبد الحسين عباس - أكاديمي عراقي شرح الله صدره للحق: 

الدين الإيراني دين وضعي ظاهره التشيع وباطنه تمزيق وانتماء فِعْلي إلىٰ شعائر لا تمتُّ إلىٰ الإسلام ولا التشيع الجعفري الحقيقي بأية صلة.. إيران دولة فارسية قومية التطلع، تشيعت بالكامل في عهد إسماعيل الصفوي الذي تمت فيه عملية مذهبة الدولة بحد السيف.. غالبية الشيعة الفرس لا يجيدون قراءة القرآن الكريم ولا يفهمون شيئًا من معانيه ومفرداته بسبب عدم إجادتهم للغة العربية، الأمر الذي جعلهم يستوطنون ضفة بينها وبين الدين الحقيقي بحر متلاطم الأمواج.. ضفة تأخذ الدين عن لسان الرواة والنقالة من قراء المنابر الحسينية، وكان لهؤلاء دور بارز في تأسيس العقيدة الطائفية الجاهلة التي لا يحركها عوامل ارتكاز ربانية ولا محمدية، بل جُلُّ غطاءها الولاء المزعوم لآل بيت الرسول، ولاء منقطع عن صلة آل البيت بالقرآن وبالسنة وبتاريخ الدولة الإسلامية؛ صدرًا وملاحق، فصارت عندهم الإمامة والولاء لآل البيت وكأنها حالة معزولة عن الإسلام!! بل وأكثر من هذا أنها حالة قد تتقاطع مع الإسلام من لحظة خطبة الوداع في غدير خم، حيث يرمي بعضهم بالتهمة لرسول البشرية محمد ﷺ مِنْ أنه قد أخفق في إبلاغ رسالة سماوية مفادها أن علي عليه السلام هو الخليفة من بعد الرسول الكريم كحلقة تردفها حلقة أخرىٰ ترىٰ في إلباس علي الولاية في صيغة: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» علىٰ أنها لباس شفاف قابل للاختراق والزيغ واللايقين.

ثم تداخل الأمر تعقيدًا مع تنازل الإمام الحسن عليه السلام عن الخلافة ليصبح هدفًا لفقهاء فارس ومواليهم للطعن به علىٰ أنه يقف علىٰ خصال لا ترتقي به إلىٰ مصاف الإمامة، ويجري الطعن بالإمام الحسن حد هذه اللحظة في بحوث ودراسات، ومواقف محكمة الكتمان في الحوزات المختلفة.

ثم جعلوا من حادثة الطف واستشهاد الإمام الحسين بن علي عليه السلام نقطة الافتراق مع الأمة العربية التي اتهموها بقتل الحسين عليه السلام وحرمانه من فرصة استلام الخلافة فصارت إحدىٰ العلامات الفارقة في بناءهم الشاذ والمنحرف، شعار معروف يقول: لعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أُمة سمعت بذلك فرضيت به.

وإذا جاز لنا أن نقر بأن من قتل الإمام الحسين عليه السلام هم مجموعة من العرب من أبناء جلدته ودينه، في عملية صراع بين إرادة حكم أرضي تمثله مجموعة الغدر والقتل وبين إرادة روحية مسلمة عميقة للحسين وثورته الإصلاحية العظيمة، فإن تسييس الواقعة وتحويلها إلىٰ إسفين يمزق جسد العراقيين خصوصًا والمسلمين عمومًا، إنْ هو إلا مدخل من مداخل الدين الإيراني الجاهل والتجهيلي حيث نرىٰ أن قضية الحسين عليه السلام قد تحولت إلىٰ علامة فارقة في الاندفاعات الهوجاء والتحرك الجمعي البليد أينما أراد الفرس تحريك الأحداث لما يخدم مصالحهم.

إن تحويل قضية الحسين إلىٰ منبر سياسي قد أساء إلىٰ الإمام الحسين ولأمته، وحوله من شهيد حق وثائر تصحيح وإصلاح إلىٰ سوط يجلد ظهر الأمة ولعنة أزلية تحركها الحوزة عبر بضعة أشخاص، ويستجيب لها الجمع المليوني الجاهل الذي تصل درجات جهله وبلادته إلىٰ الحد أن النسبة العظمىٰ فيه لا تعرف نسب الحسين عليه السلام ولا تعرف قصة استشهاده، ولا تعرف قطعًا سورة الفاتحة بشكل سليم، ولا تدري المعنىٰ الحقيقي للتعبد في حضرته، ولا كيف يمكن لسيد الشهداء أن يكون وسيطًا بين الجمع الجاهل وبين الله سبحانه، ولا الآلية التي يمكن أن تتم بها شفاعته يوم الحشر لأناس لا يعرفون شيئًا عن الوحدانية، ولا عن مطبات الشرك، ولا عن أصول الدين وفروعه، ولا عن الفرق بين مذاهب المسلمين وفرقهم!!

أي جمع مليوني من بشر لا يفقهون معنىٰ الدين ولا التدين، ولا الفرق بين التوحيد المطلق لرب العزة وفق ما يقتضيه دين الإسلام الحنيف وبين الشرك الذي يمكن أن يقعوا فيه عبر اعتبار زيارة مقابر أهل البيت علىٰ أنها أصل أو فرع من فروع الدين، بل ربما يذهب الأمر بفعل الجهل إلىٰ اعتبار من لا يزور كافرًا.

هذا هو واقع حال الغالبية العظمىٰ من الشيعة، ومنهم بشر متعلمون ومثقفون غير أن البناء العقائدي المنحرف الذي ينمو مع الإنسان منذ لحظات وعيه يتحول مع تحولاته الفسيولوجية، حتىٰ يغدو وكأنه جزء من التكوين الهرموني والعضوي، يحول دون إدراك الحقائق والقبول بها في مراحل النضج، يعاون في ذلك تجانس الحالة الجمعية للكتلة البشرية التي يسيطر عليها هوىٰ الحوزة، ويحكم بصرها وبصيرتها قانون الجمع الجاهل: (ارمها برأس عالم واطلع منها سالم) الذي يعطي المجموعة الحوزية الصغيرة حق السيطرة الكهنوتية، ويقزم الجمع المليوني إلىٰ قطيع لا يدرك شيئًا غير الجهل!!

الخُمْس:

لكي تكتمل صورة الفئة الحاكمة الكهنوتية للدين الشيعي الإيراني، صار للحوزة ومراجعها مصدر مالي يشكل وضعًا ضريبيًّا لقادة القطعان، تدفعه لضمان عملية رفع العبء الأخروي عن كاهلها وتحمل تبعات يوم الدين بالإنابة.. إن الخُمس هو عملية جباية مالية عملاقة حولت الحوزة إلىٰ سلطة كنيسية مطلقة تدير دولة ضمنية، لا صلة له بالدين الذي سن عملية الزكاة كدرب مالي يحكم شرعية السيل الفائض من أموال المسلم ومشروعيتها من جهة ويجهز وسائل التكافل الجمعي بين المسلمين.

الخمس ضريبة حوَّلها دين إيران إلىٰ استحقاق مذهبي أعطىٰ لكل من يملك فعلًا أو ينتسب بالزيف لآل بيت الرسول الكريم حق التمتع به، فتحول هذا المذهب الضريبي إلىٰ وسيلة للاغتناء علىٰ حساب الناس البسطاء الجهلة، وعمّق فجوات القهر الاجتماعي والطبقي إلىٰ شلة المتبوعين المفترض بهم تحمل تبعات التبعية إلىٰ يوم الدين، وعمّق ممارسات الاتباع غير المستند إلىٰ دين.. أي أنه زاد الفجوة بين الدين الحنيف كأصل وبين اتباع المتبوعين كبدعة كهنوتية، زيادة في التنكيل بالجهلة وإبعادهم عن روافد وحياض الله الحقيقية.

عن زيارة القبور يقول عبد الحسين: 

نحن أبناء الفرات الأوسط والجنوب أبناء كربلاء والنجف وبابل والبصرة وميسان وذي قار... تتفتح عيوننا علىٰ الدنيا ومعها تنفتح ذاكرتنا علىٰ أن زيارة قبور آل البيت؛ كبيرهم وصغيرهم، نساءهم ورجالهم، أصلهم وفرعهم.. علىٰ أنها من أصل الدين.. هذه الأضرحة تنقذ أحلامنا، ويقبل رجاءنا ويطيب جذامنا وجنوننا ورمد عيوننا، وفيها نمنح فرمانات الدخول إلىٰ الجنة، وتقبل صلواتنا ودعاءنا.. فيها نتفوق دراسيًّا وبأدعيتها نصير ملائكة وقديسيين حتىٰ لو مارسنا العادة السرية واللواط والجنس مع الحمير.. وحتىٰ لو قتلنا أبناء بطون أمهاتنا واخترقنا أعراض الجيران.. كل شيء يغتفر ها هنا في مرقد العلويات بنات الحسن، والإمام أحمد بن هاشم، وضريح ابن الحمزة، وصحن الحر الرياحي الذي لا صلة له ببني هاشم؛ غير أنه قاتل ببطولة مع الحسين وانتصر له، وفي ضريح عون أبو نجم تعقل المجنونات من نساءنا ممن زوجناهن كرهًا أو سلبناهن حبًّا ملأ حياتهن أو أجهضنا أجنتهن تجنبًا للفضيحة، ورجال فقدوا عقولهم لأسباب مشابهة أو سواها الكثير.. وفي ضريح العباس بن علي عليه السلام تُسْترجع ضائعاتنا الثمينة ويظهر الحق من القتلة والسراق، إذ لا يَقْوُون علىٰ القسم بالعباس في حين يقوون علىٰ القسم بالله وبالقرآن وبمحمد كذبًا.. يمتلك قدرات خارقة عبر ضريحه لا يمتلكها الله تعالىٰ ولا القرآن ولا اسم الرسول.. وقيسوا علىٰ ذلك!!

إن من مقتضيات الدين الإيراني الذي توغل فينا وعلمنا إياه الفرس في منابر الحسين وكراسات الحوزة ودبابير المعممين المظلمة.. أن صار عندنا في كل قرية إمام واحد في أقل تقدير ومن لا يزور هذا الإمام؛ رجلًا كان أو امرأة فإنه كافر.. ننذر النذور للعباس وللحسين وللنبي أيوب وللعلوية رقية علىٰ نفس المستوىٰ والقدر، ونخاف علىٰ عجولنا وأغنامنا وحميرنا وبيادر زرعنا إن لم نوفِّ النذور.. ويطرق أبواب الطين صرائفنا زوار لا نعرفهم إذا لم نعطهم البيضة الوحيدة التي وهبتها دجاجتنا فجر اليوم وحفنة الحليب التي وهبتها بقرتنا، فالويل لنا والثبور؛ لأن زوارنا من أهل البيت الأعجمي هم سادة بالتبني وسادة بالرضاعة وسادة بالتمتع، ومن يطردهم يُطْرَدْ من رحمة الله، ويغادر احتمالات الاقتراب من الجنة.. وفي المساء يأتون إلىٰ قرانا يمتطون ظهور الحمير وربما الخيل ليقيموا مجالس العزاء لأهل البيت المظلومين؛ ليلة للقاسم، وأخرىٰ للعقيلة، وثالثة للعليل زين العابدين، ورابعة لكف العباس، وخامسة، وسادسة، والليلة الثلاثمائة، ونحن نذبح دجاجاتنا ونعطي الربع دينار الوحيد في صرة جدتي لهؤلاء الروزخونية الذين تنتفخ أوداجهم شبعًا وتتورد خدودهم كورد الجوري ونحن مصابون بالبلهارسيا والتراخوما والجفاف الناتج عن الإسهال شبه المستديم، وكبارنا يتربص بهم ضغط الدم وأنيميا الدم ويطيح بقواهم روماتيزم العظام ولا نمتلك درهمًا نشتري به العلاج. مفارقة ما بعدها من مفارقة.. ظلم أهل البيت من قبل الظلام وظلمنا نحن بجور عبدة أهل البيت!!

دين اللعن:

يقول عبد الحسين: ونحن نَحْبُو علىٰ ركبنا ونلوك أحرفنا الأولىٰ، تشتم أمهاتُنا عائشة أم المؤمنين رضوان الله عليها، حين يقعن في ضائق التوفيق بين إطعام بقراتنا وبين التفرغ لإعداد طعام؛ سيُضْرَبْن بالعصي إن أخفقن في إعداده في الوقت المحدد.. عائشة < هي السبب في ضنك التوقيت كما كانت سببًا في ضنك علي ابن عم رسول الله وأحب أحبابه وهي زوجة رسول الله ﷺ.. وبعد أن ننهي شهرين من العويل وشق الخدود والصدور والرؤوس بالسكاكين، هما شهرا محرم وصفر، فإننا نرتدي ثوبًا جديدًا فرحًا بفرحة الزهراء التي لا تكتمل إلا بأن نلعن الخلفاء الراشدين والصحابة رضوان الله عليهم، ويقوم بعض القوم بعمل شخصية كارتونية بشعة رثَّة مخبولة لشخص الفاروق رضوان الله عليه.. علمونا من منابر - يفترض أن تكون للتذكير بثورة الحسين عليه السلام وبطولته - أن اللعن سنة ودين ومن لا يمارسها فإنه يبغض الله ورسوله وهم كفرة فجرة - حاشاهم - وأنهم خارجون ومرتدون عن دين الإسلام الحنيف.. هل من أحد في الكون كله يستطيع أن يأتينا بقول أو خطبة أو كتاب أية حجة مسندة تبرهن علىٰ أية صلة بين مذهب جعفر الصادق عليه السلام وبين هذه الانتهاكات الإجرامية لديننا الحنيف؟ نحن ننتهي إلىٰ حقيقة ثابتة وهي: أن الذي يتوغل كالسرطان في جسد الشيعة من فكر وثقافة يقودها الفرس إنْ هو إلا تبشير بدينهم.. دين إيران الذي لا صلة له بالإسلام إلا في سطحيات وشكليات تمويهية مخادعة.

حقائق توصل إليها كاظم عبد الحسين عباس: 

1- أن دين إيران دين جديد وضعي بتعاليم وممارسات ما أنزل الله بها من سلطان.

2- أنه وسيلة سياسية لجعل إيران نقطة الارتكاز في إمبراطورية فارسية تتوسط ولاءات طائفية تسحق البعد الوطني وتقفز من فوقه إن لم تستطع تدميره بالكامل وتمتد من أفغانستان إلىٰ العراق وأجنحة بلاد الشام والخليج العربي.

3- أنه تشيع يستمد قوته من شيعة جهلة يمارسون شعائر مشركة لا صلة لها بالله ودينه الحنيف من بينها اللطم والتطبير وزيارة القبور وعبادتها.

4- أنه دين يعبد أشخاصًا يفترض انتماؤهم لأهل بيت النبوة ويعتبر أن زيارة قبورهم تعبُّد والنذر لهم تقرب إلىٰ عالم الغيب وهذا منهج يتعارض مع الإسلام الذي أوجد الصلات الحية المباشرة بين العبد وربه.

5- أنه تشيع شوفيني عنصري يعادي الأمة العربية المسلمة ويثأر لقيامها بإسقاط الإمبراطورية الفارسية( ).



الفصل الثالث

حقيقة الثورة الإيرانية والمد الشيعي

إبان قيام الثورة الخمينية في إيران في أواخر السبعينيات من القرن الميلادي الفائت، وانتصار آية الله الخميني علىٰ الشاه محمد رضا بهلوي، انبهر به نفر من المسلمين، علىٰ أنه زعيم إسلامي نجح في ثورته من أجل مصلحة شعبه، وأن قوته ستضاف إلىٰ قوة المسلمين، فيزدادون قوة، وأنه قد نادىٰ بحكم إسلامي، لذا التهبت عواطف بعض الشباب، بل وبعض الرجال الكبار تحت ضخ شعار الإسلام وحكم الإسلام، وتولىٰ علماء الإسلام الحكم علىٰ اعتبار أنهم سيحكمون بالإسلام وبشريعة الله، ويأخذون بسنن الله في نهج حياتنا.. وصار حينئذ مَعْقِدًا وممثِّلًا للآمال التي تراودنا في العودة إلىٰ أصولنا الإسلامية، وتفاعل العالم الإسلامي مع المد الشيعي بعد أن تولىٰ الخميني مقاليد الحكم في إيران وأزاح الشاه المخلوع، واستطاعت وسائل الإعلام الاثنىٰ عشرية أن تخدع كثيرًا من المسلمين في طرحهم المعاصر، وساندتها أجهزة الإعلام الغربي، وأجاد الخميني في تمثيل الدور الماكر، فتعاطف معه كتاب وصحفيون ودعاة محسوبون علىٰ أهل السُّنة؛ إلىٰ حد تمجيده ووصفه بأنه من المجددين في هذا القرن!! قيل وقتئذ: إن هذه الدولة هي التي تمثل الإسلام في هذا العصر، وإن شيوخها هم المراجع للمسلمين، ومؤسسها من المجددين. وقيل بعد قيام دولتهم بأنه قد عاد «المذهب الشيعي إلىٰ نقائه الأصيل؛ ولاءً لله ورسوله ﷺ وحبًّا لآل بيته حبًّا صادقًا لوجه الله لا يفقد صاحبه احترام غيرهم من المسلمين؛ وخصوصًا صحابة رسول الله ﷺ»( ) وزعمت بعض الصحف «أن ردود الفعل التي أحدثتها «حركة الخميني» كان مبعثها أن حركة الخميني حركة إسلامية مائة في المائة»( ). ورشحت مجلة المعرفة التونسية الخميني لنيل جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام( ). ومضت علىٰ هذا النهج مجلات أخرىٰ؛ كالرائد( ) والدعوة( ). وكتب بعض المنتمين لأهل السُّنة كتابات عن الخميني وثورته، يشيدون بها ويعدونها المثال الصادق للحكومة الإسلامية( ). وأصدرت بعض الحركات الإسلامية بيانات تثني وتؤيد المنهج الخميني، حتىٰ جاء في بيان التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وصف حكم الخميني بأنه «الحكم الإسلامي الوحيد في العالم»، فكانت فتنة مدلهمة لا تزال آثارها باقية، وإن أفاق البعض، وتبينت له الحقيقة؛ إلا أن منهم من لا يزال يعد ما يثار عن شيعة الخميني إنما هي «ضجة مفتعلة»( ). وقد استغل الشيعة هذا الجو بالدعاية لمذهبهم ونشره، وأسهمت هذه الحملة الإعلامية الدعائية في الصحف الإسلامية علىٰ إخفاء الحقيقة أمام شباب المسلمين، لأنها لا تعرف شيئًا من الخلاف بين الشيعة والسُّنة؛ إلا أنه خلاف حول من يستحق الولاية: 

علي أمْ أبو بكر، وتلك أمة خلت، وليس هذا الخلاف بأمر ذي بال اليوم. وكان ذلك كله سببًا في تضييع الحقائق لأجيال المسلمين، بعد أن تأثر بها كثير من عوام المسلمين الذين لا يملكون فهمًا ولا علمًا ولا اطلاعًا بحقيقة أمرهم وعقائدهم المنحرفة عن هدي الله( ).

خيبة أمل المسلمين في الثورة الإيرانية!!:

تصور وتوقع الكثيرون حين جاء الخميني أنه سيعمل علىٰ إحياء الإسلام من جديد، وفرح المسلمون وتخوف أعداء الإسلام.. وهنأت الخميني الدولُ الإسلامية ورحبت به، ولم تقف منه ومن ثورته موقفًا عدائيًّا.. ولكن انقلب فرح المسلمين إلىٰ خيبة أمل فيه، وانقلب تخوف الأعداء إلىٰ فرح به؛ بل وتأييد له، ليؤدي الخميني مهمته في تمزيق المسلمين!! وكانت الطامة الكبرىٰ، أنه لم يكن - مع الأسف - علىٰ مستوىٰ الآمال فيه، فاستباح لنفسه تكفير المسلمين بدءًا بأبي بكر الصديق >، وعمر بن الخطاب الفاروق، وعثمان بن عفان ذي النورين، ش، وحتىٰ الشعوب الإسلامية السنية وحكامها.. واستباح لنفسه تسيير المظاهرات للتنديد بالحكومات الإسلامية والسعي لإسقاطها.. وكانت الطامة الكبرىٰ أنْ قام أتباعه بتعليق لافتات كبيرة من القماش علىٰ جدار فندق هيلتون طهران، كتب عليها بخط كبير: «سنحرر الكعبة والقدس وفلسطين من أيدي الكفار»!! وكانت الطامة الكبرىٰ يوم جاء أتباعه بصور لحكام دول إسلامية، وقد لُفَّتْ بأعلام بلادها وعلىٰ أعناقهم عقود من النعال وبشكل ساخر، وبصورة قبيحة استفزازية ومهينة!! ( ).

لقد تصرف الخميني وأتباعه تصرف الرجل المذهبي الذي يمتلئ قلبه بالغيظ والحقد علىٰ كل المسلمين، الذين ليسوا علىٰ مذهبه وبدأ يعاملهم علىٰ أنهم كفرة.. رد عليهم رساءلهم بقوله: «والسلام علىٰ من اتبع الهدي».. كما كان الرسول ﷺ يختم رسائله إلىٰ الملوك والحكام الغير مسلمين، وهو يدعوهم فيها إلىٰ الإسلام!! وأخذ الخميني يشحن أتباعه بالعداء علىٰ المسلمين من غير مذهبه، وينظر إلىٰ الحكام المسلمين علىٰ أنهم وشعوبهم كفار وظلمة وطغاة، وأنهم أتباع أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، اللذيْن ظلما عليًّا >، وسلبَا منه الملك والحكم بعد وفاة النبي ﷺ، وتوليا الحكم الذي كانا يتآمران من أجله علىٰ الرسول ﷺ، ويعيشان معه بالنفاق من أجل الحصول عليه!!.. وأنهما السبب في كل ما أصاب عليًّا وآل بيته وأتباعهم من مصائب علىٰ مر التاريخ؛ إلىٰ غير ذلك من أساليب شحنهم بالعداء ضد الدول والشعوب السنية، في الوقت الذي يؤكد لهم مبدأ أن الحكم إنما هو لآل البيت من الأئمة ونوابهم، وأن من الضروري أن يعملوا علىٰ وضع الأمور في نصابها ويجاهدوا؛ لأنْ يسترد نائب الإمام حقه في حكم المسلمين جميعًا، وأن من الضروري العمل علىٰ إسقاط حكام هذه البلاد ليحكمها هو باسم آل البيت!! ومن هنا بدأ من أول أيامه يعلن عن تصدير ثورته إلىٰ تلك البلاد، لتحريض المسلمين فيها علىٰ الثورة علىٰ حكامهم الظلمة الطغاة، وتسليم الحكم فيها له، وكان ذلك بمثابة إعلان الحرب علىٰ هذه الدول وحكامها!!

انطلق الخميني للعبث بأمن الدول الإسلامية والاعتداء عليها؛ لفرض سلطانه ومذهبه عليها ومحو المذهب السني من الوجود، واستعباد أهل السُّنة؛ معتبرًا أن ذلك حق ديني له ولثورته!!

لما قام آية الله، الخميني بالدعوة إلىٰ الإسلام قبل أعوام من ثورته توقع الناس أنه لكي يعمم دعوته وينال إعجاب الناس، لن يفتح صفحات تاريخ الخلافات المستمرة القديمة بين الشيعة والسُّنة، وإذا لم يتمكن من سحبها من الكتب، فإنه لن يفتحها من جديد، وأنه إذا كان لن يستطيع أن يعلن براءته من معتقدات الفرقة الإمامية الاثنيْ عشرية؛ نظرًا لمصالح سياسية أو محلية، فعلىٰ أقل تقدير لن يقوم بإعلانها وإظهارها؛ توخيًا لتوحيد صفوف المسلمين، وأنه لا مجال الآن لهذه المعتقدات التي تزعزع أساس الإسلام، وتنال من سمعته وقيمته في العالم، والتي هي عائق كبير في سبيل توجيه دعوة الإسلام إلىٰ غير المسلمين، تلك المعتقدات التي أنتجتها مؤامرة خطيرة مناوئة للإسلام منذ القرن الأول وعهد الصحابة، تلك المعتقدات التي مفادها أن جماعة الصحابة الكرام ش التي بلغ عددها في حجة الوداع فقط أكثر من مئة ألف صحابي، ما بقي منهم علىٰ الإسلام إلا أربعة فقط بعد ما لحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلىٰ، أما غير هؤلاء الأربعة فكلهم سلكوا مسلك الردة - والعياذ بالله - والقرآن محرف بكاملهِ، وكان أئمة أهل البيت - من وجهة التقية التي تعتبر واجبًا دينيًّا وعزيمة - كاتمين للحق، ومغيبين للقرآن بعيدًا عن كل خوف وخطر، ويلقنون أتباعهم ذلك!!

كان علىٰ الخميني أن يقول بصراحة: يجب علينا أن نتناسىٰ الماضي لإعادة الإسلام لقوته، ولكن بالعكس من جميع الآمال، تمثلت أمام الناس رسائله وكتبه وكتاباته الصادرة من قلمه، تحدث فيها بكل قوة وصراحة عن نفس تلك المعتقدات الشيعية.. كتابه «الحكومة الإسلامية»، و«ولاية الفقيه» يتضمنان أفكارًا - عن الإمامة والألوهية - تثبت أن الأئمة أفضل من كل نبي وملك - وأن هذا الكون خاضع لهم ولمشيئتهم، وكتابه «كشف الأسرار» لا يتناول الخلفاء الثلاثة بالجرح والنقد فحسب، بل ينطوي علىٰ كلمات السب والشتم الموجهة إليهم، التي يمكن أن تطلق علىٰ جماعة ضالة مضللة فاجرة فاسقة، زائغة مزيغة ذات مؤامرات.. لم يُنْشر كل هذا كتعليمات سرية أو في صورة رسائل خاصة، وإنما هو مطبوع ومنشور علىٰ الملإ!!

رسائل الخميني وكتاباته عن الإمامة والأئمة، وتوجيه الطعن والتهم إلىٰ الصحابة الكرام ش، لم يعد هذا أمرًا خافيًا، بل إن رسائله هذه قد وزعت في إيران وخارجها بعدد هائل يبلغ مئات الآلاف!!

خطة مدبرة لتمزيق العالم الإسلامي: 

تآمر الغرب مع الخميني.. وجد فيه ضالته المنشودة!!

كنت ومعي كثيرون قد أصابهم الذهول وأصابتهم الدهشة، بعد قيام الثورة الإيرانية من رجل كالخميني قد استطاع وهو خارج بلاده أن يفعل بالشاه وحكومته ما فعل، ويقود أمة وكأنها معصوبة الفكر والعينين، وكنت ممن تساءل وتعجب مثل الكثيرين: كيف استطاع هذا الرجل أن يفعل هذا كله؟!

وكان السؤال الذي طرح نفسه علىٰ المتأمل في مجريات الأحداث.. كم من العلماء العاملين المخلصين في الأمة الذين لم يستطيعوا أن يفعلوا ما فعله الخميني؟!

الحقيقة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، أن هناك خطة مدبرة لتمزيق العالم الإسلامي وضربه بواسطة أحد المسلمين الذي يمكنه أن يمتد بنفوذه إلىٰ الأقطار الإسلامية الأخرىٰ ويجد له أنصارًا فيها؛ خاصة بعد أن برهنت الأحداث علىٰ عجز الكيان الصهيوني عن تحقيق أهداف هذه الخطة؛ لأن العالم الإسلامي يعاديها ويسيء الظن بها، من هنا وجد الغرب في شخص الخميني أنه خير من يصلح للقيام بهذا الدور!!

خرج الخميني من إيران بعد أزمة حدثت بينه وبين الشاه، انتهت بمغادرته إيران إلىٰ العراق ليقيم بالنجف، وليعيش كلاجئ؛ وفي شبه عزلة عن العلماء، وبعد مدة أخرجته العراق لاحتجاج الشاه بأنه يتدخل في سياسة إيران.. ذهب الخميني إلىٰ باريس عام 1978م وهناك أعد له الغرب مقامًا، وتركته فرنسا يبث دعوته ضد الشاه بوسائل مختلفة.. لماذا تركه الغرب يفعل ذلك، حتىٰ اتسعت شعبيته في الشارع الإيراني، وكان من الممكن لفرنسا - لو أرادت - أن تحد من حركته ودعوته كلاجئ سياسي؟! لم تفعل فرنسا وتركته حتىٰ تأزمت الأمور في إيران.. ووجدت أمريكا أن الحل هو عودة الخميني وخروج الشاه، وأعدت للخميني طائرة للوصول إلىٰ إيران.. كان بإمكان الشاه أن يخمد هذه الثورة بجيشه وقوته كما حصل أيام مصدق، ولكن السفير الأمريكي ذهب إليه ونصحه بالمغادرة ولو مؤقتًا حتىٰ تهدأ النفوس.. واستجاب الشاه وخرج ولكنه لم يعد!! وعاد الخميني بطائرة خاصة واستقبله الشعب استقبال الفاتحين.. !!

السؤال: هل كان بإمكان الخميني أن يصل إلىٰ ما وصل إليه، لو كانت أمريكا وقفت بجانب الشاه، ولم تقف بجانبه ليحقق لها ما تصبو إليه؛ من ضرب للعالم الإسلامي، وكسر شوكة من تحدث له نفسه بكيانه فيه، بأن يصيبه ما أصاب الشاه!!

ونقول: إن أمريكا والغرب قد وجدا ضالتهما المنشودة في الخميني، فعملا علىٰ إخراج الشاه وتعبيد الطريق للخميني، مما جعل الشاه في أخريات أيامه ينصح أولئك الذين يثقون في أمريكا من الحكام بأن يأخذوا حذرهم. وليتهم يستفيدون من درس الخميني والشاه!!

الحلم الإمبراطوري الفارسي.. والإمبراطورية الشيعية.. !!:

ينظر البعض إلىٰ أن إيران اليوم هي حاملة لواء الإسلام والمدافعة عن الأمة وعن مقدساتها، وهي نظرة في الحقيقة لا تخلو من الغفلة والتسطيح وغياب الوعي ونسيان التاريخ. فالعلاقة بين القومية الفارسية والعرب خلال عهود التاريخ لم تتسم باللقاء أو التصالح. وبالرغم من تمكن الملك الفارسي قورش عام 542 ق. م من احتلال العراق وأرض الشام، ومن تمكن ابنه من احتلال مصر وبعض بلاد العالم القديم، إلا أن الجزيرة العربية ظلت مستعصية علىٰ الفرس. ولم يخضع العرب لسلطان الفرس، وإنما كان فيهم حلفاء لهم. واستمر الحال كذلك إلىٰ أن عمد الملك الفارسي سابور الثاني عام 370م بشن حملة إبادة ضد العرب، فتك فيها بقبائل العرب علىٰ الساحل الإيراني وعبر الخليج، وحاول التوغل في جزيرة العرب فقتل من تمكن منه من العرب، وهاجرت قبائل منهم.

خضع العرب في العراق أو ما كان يعرف بأرض الحيرة، وفي البحرين علىٰ سواحل الخليج العربي للنفوذ الفارسي حتىٰ مجيء الإسلام؛ كما امتد نفوذ الفرس حتىٰ اليمن. وكان الفرس في حكمهم وقتالهم للعرب عتاة وقساة ومجرمون، وكان العرب لتفرقهم أضعف من أن يواجهوا الفرس ويتغلبوا عليهم، ومن بين المعارك المشهورة التي تغلب فيها العرب علىٰ الفرس معركة «ذي قار». وكان الفرس يحتقرون العرب ويستهينون بهم ويعاملونهم باستعلاء وعنصرية شديدة.

وحيث إن الفرس كانوا أصحاب رؤية توسعية وحلم إمبراطوري، فقد احتكوا منذ القدم بالغرب، ودخلوا معه في صراع نفوذ وهيمنة علىٰ المنطقة الممتدة من إيران وحتىٰ فلسطين. وقد سجل القرآن الكريم مشهدًا لهذا الصراع في مطلع سورة «الروم»: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ﴾ [الروم: 1-5].

وقد عبر القرآن الكريم عن فرح المسلمين بانتصار الروم؛ نظرًا لكونهم أهل كتاب في حين كان الفرس عبدة للنار، فكان في انتصار أهل الكتاب إشارة لانتصار قيم الحق السماوية وهو ما يبشر المسلمين بانتصارهم علىٰ من سواهم؛ نظرًا للحق الإلهي المطلق الذي يحملونه. وبعد هجرة الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - إلىٰ المدينة المنورة، وعقب عقد اتفاق صلح الحديبية مع كفار قريش، بعث الرسول ﷺ إلىٰ ملوك الأرض يدعوهم إلىٰ الإسلام. فبعث بعبد الله بن حذافة السهمي إلىٰ كسرىٰ يدعوه للإسلام، وقد قابل كسرىٰ كتاب النبي - عليه الصلاة والسلام - بأن مزقه! متطاولًا علىٰ مقام الرسول ﷺ بالشتم! فلما أُخْبر الرسول الكريم بما كان من أمر كسرىٰ وتمزيقه الكتاب دعا عليه بقوله: «مزق الله ملكه»!

وفي زمن أبي بكر وعمر ب توسعت فتوحات الدولة الإسلامية، ودخلت بلاد فارس تحت حكم الإسلام في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو ما زرع الحقد في قلوب أهل فارس عليه حين ذهبت دولتهم. وهذا ما دفع بأبي لؤلؤة المجوسي إلىٰ قتل عمر بن الخطاب، ويُعدُّ قبره اليوم مشهدًا يزار في إيران. وقد نشأت في العصر الأموي في بلاد فارس بوادر الدعوة «الشعوبية»، لكنها ظهرت وانتشرت في بدايات العصر العباسي. و«الشعوبية»: دعوة تنكر فضل العرب علىٰ غيرهم من العجم، بل تفضل العجم علىٰ العرب وتنتقص منهم وتحتقرهم( ). وقد استطاع الصفويون بمكرهم التلبس بالمذهب الشيعي الاثني عشري مع ما لديهم من دعوة «شعوبية» لإضفاء الطابع الديني علىٰ توجههم السياسي، وإمعانًا في تضليل العامة من المتشيعين لآل البيت، ولهذا نجد أن غالبية الشيعة الإيرانيين ينظرون إلىٰ غالبية العرب نظرة عداء وكره تحت مبررات دينية، كما أن الشيعة يميلون في محبتهم للإمام الحسين وذريته، لأنه قد تزوج من الفرس، في حين أن نظرتهم للإمام الحسن أقل توهجًا في مشاعرهم ووجدانهم العاطفي. ولا يزال الشيعة الاثنا عشرية، ومن قبلهم الصفويون، يمجدون آثار فارس ويتمدحون بمآثرها ويأخذون الكثير من العادات والتقاليد عن حضارتها. ولا يزال الإيرانيون يصرون علىٰ وصف الخليج العربي بالخليج الفارسي في مقرراتهم الدينية والسياسية والتعليمية والأدبية والثقافية!

الحق أَنّ إيران تنفصل عن كيان الأمة برؤية مذهبية طائفية، وقومية «شعوبية» معادية لأهم مكون من مكونات الأمة، وهم العرب؛ فنحن إذن أمام طرف آخر وكيان مستقل في أهون أحواله «الطبيعية» نِدٌّ يحمل بذور العداء التاريخية والدينية والسياسية!

إذن فلا غَرْوَ أنْ نجد سياسة إيران الخارجية تذهب باتجاه التوسع الإقليمي علىٰ حساب أمن المنطقة، فقد دخلت إيران في حرب طاحنة مع العراق لمدة ثماني سنوات، وعملت علىٰ تأجيج الأقليات الشيعية ضد الأنظمة الحاكمة في دول الخليج خلال ثمانينيات القرن الماضي، واحتلت الجزر الإماراتية الثلاث، وهي تطالب بالبحرين لتكون تحت سيادتها! وعملت علىٰ زرع ذراع سياسي وعسكري «طائفي» لها في لبنان! وعملت علىٰ دعم حركة «تمرد الحوثي» باليمن! وساعدت قوىٰ الاحتلال الأجنبي «الكافرة» علىٰ إسقاط نظام طالبان وحكومة بغداد والاعتداء علىٰ شعوب البلدين!

وفي صفحات التاريخ الإسلامي قامت انتفاضات شيعية كثيرة كانت تهدف إلىٰ أمر واحد، هو إقامة الدولة الشيعية علىٰ أنقاض دولة الخلافة الإسلامية.. منها حركة محمد النفس الذكية بالمدينة المنورة عام 145هـ، وحركات إخوته الثلاثة: إبراهيم بالبصرة، ويحيىٰ في بلاد الديلم، وإدريس الذي فر إلىٰ المغرب ونجح في إقامة دولة الأدارسة 172 هـ، وحركة الحسين بن علي بالمدينة 169 هـ، وحركة محمد بن إبراهيم وأبي السرايا بالكوفة 199 هـ، وحركة محمد بن جعفر الصادق في مكة 200 هـ، وحركة أبي عبد الله أخي أبي السرايا بالكوفة 202 هـ، وحركة إبراهيم بن موسىٰ الكاظم باليمن 200 هـ، وحركة عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله باليمن 207 هـ، وحركة محمد بن القاسم بن عمرو بن علي زين العابدين في خراسان 219 هـ... حركات متوالية بصفة منتظمة، وكان من شأن هذه الحركات أن تزعزع وحدة العالم الإسلامي وتصرف الدولة عن مواجهة العدو الخارجي لمواجهة الفتن والقلاقل التي تثيرها هذه الانقسامات الداخلية، بل كان الخلفاء يضطرون إلىٰ إقامة دويلات مستقلة لمواجهة خطر الدويلات المنشقة.. فعل هارون الرشيد ذلك عندما زرع بنفسه دولة الأغالبة في تونس؛ ليصدوا خطر دولة الأدارسة التي انشقت علىٰ سلطة الخلافة في المغرب، وفي بعض مراحل ضعف الخلافة عجزت عن مواجهة الدويلات الشيعية التي ظهرت في الأطراف، كما حدث لبعض الشيعة الإسماعيلية الذين فروا إلىٰ تونس ونجحوا في إقامة «الدولة الفاطمية العبيدية» التي لم تلبث أن زحفت علىٰ مصر واتخذت منها قاعدة للخلافة الفاطمية.

بروتوكولات الخميني والحزام الشيعي.. !!:

(شهادة بني صدر رئيس حكومة إيران الأسبق.. ) ( ).

الحلم الإمبراطوري الفارسي هو إقامة الإمبراطورية الشيعية الكبرىٰ التي تمتد من باكستان شرقًا إلىٰ سوريا ولبنان غربًا، وتضم إمارات الخليج، وتبسط نفوذها علىٰ أرض الحرمين، واليمن وعمان، ثم تقف في خط المواجهة الصارمة مع مصر، قلب العالم السني، وأكبر وحداته البشرية والسياسية والحضارية.. الحلم الإمبراطوري، هو قدس الأقداس في الشخصية الإيرانية، وهو المحرك الأساسي لها؛ سواء كانت شخصية آية الله الخوميني، أو محمد رضا بهلوي، أو إسماعيل الصفوي، أو كسرىٰ، أو قمبيز، أو دارا، فكل من هؤلاء حمل في باطنه عقدة الحلم الإمبراطوري، وسعىٰ إلىٰ تحقيقه بقدر ما سمحت به الظروف، وكل الحكام الذين سوف يجلسون علىٰ عرش الطاووس سيطالبون باستعادة مجد الإمبراطورية التي أقامها «قورش» العظيم في القرن السادس قبل الميلاد، وسيطرت علىٰ كل البلاد المجاورة لها، حتىٰ امتد نفوذها إلىٰ الصين.

تشهد بذلك الاحتفالات الأسطورية التي أقامها الشاه محمد رضا بهلوي في مطلع السبعينيات؛ إحياءً لذكرىٰ «قورش».. ودعا إليها المشاهير من الملوك والرؤساء والأمراء والأدباء والفنانين، وأقام لهم مدينة من الخيام الشاهانية ليعيشوا عصر «قورش»، وقدم لهم من أشكال الفنون والأطعمة الفارسية القديمة ما يخلب الألباب، ثم طالبهم في النهاية بأن يركعوا أمام صنم يمثل «قورش» العظيم، وكان هذا الاحتفال إيذانًا ببدء عصر التوسع الإيراني علىٰ حساب الأرض العربية، والذي تمثل في استيلاء القوات الشاهانية علىٰ ثلاث جزر عربية في الخليج بعد 24 ساعة من انسحاب القوات البريطانية منها، وكانت صدمة للعرب قابلوها - كعادتهم - بالاحتجاج والشجب، وبعد رحيل الشاه وقدوم آيات الله تصور العرب - بطيبتهم المعروفة - أن آيات الله لن يقبلوا هذه السرقة العلنية وسيعيدوا الحق المسلوب إلىٰ أهله، ولكن أثبت آيات الله أنهم لا يقلون عن سلفهم رغبة في السطو، واعتبروا الجزر الثلاث مجرد لقمة مؤقتة انتظارًا للوليمة الكبرىٰ حين يضعون أيديهم علىٰ الساحل الغربي من الخليج، وساروا في نفس الخطة التي بدأها الشاه في العدوان والتوسع داخل الأراضي العربية، وأعرض آيات الله عن الآمال التي كانت تراود قلوب العرب في قيام شكل جديد من العلاقات في ظل الحكم الإسلامي الجديد، وخيب الحكام الجدد الظنون فيهم، وجاوزوا خطة الشاه في العدوان السافر، وكانوا أكثر منه جرأة واستجابة لعقدة التوسع التي تتحكم في الشخصية الإيرانية.

المشروع - الحلم - الذي كان يراود «آية الله الخميني» هو إقامة حزام «شيعي» يتألف من إيران والعراق وسوريا ولبنان، يُمكِّنه من السيطرة علىٰ ضفتي العالم الإسلامي، ثم استخدام النفط وموقع الخليج العربي لاستكمال هذه السيطرة حسب ما ذكره «أبو الحسن بني صدر» أول رئيس لإيران بعد الثورة الخمينية، في حواره أوائل ديسمبر عام 2000مع قناة الجزيرة.

وضَعَ الخميني بروتوكولات محددة لضمان تنفيذ مشروعه، علىٰ المدىٰ الطويل، تستند علىٰ محورين رئيسيين: 

أولهما: حصار نطاق أمن مصر القومي لتحجيم دورها كقلعة للمسلمين السنّة وكأكبر قوة عربية.

وثانيهما: اكتساب التأييد الأمريكي والإسرائيلي، كحليفين علىٰ عدو مشترك هو العرب عموما سُنّة أو شيعة! واستخدام بروتوكول «فوبيا»؛ نشر المذهب الشيعي بين العرب «السُنّة» كستار يشغلهم عن الهدف السياسي الذي وضعه «الخميني» في مشروعه.

قال بني صدر: كان الخميني مقتنعًا بأن الأمريكيين سيسمحون له بتنفيذ حلمه، ولكن قلت له: إن الأمريكيين يخدعونك، ورغم نصائحي له ونصائح ياسر عرفات الزعيم الفلسطيني الذي جاء يحذره من نوايا الأمريكيين فإنه لم يكن يريد الاقتناع.. عبارة بني صدر للخميني «إن الأمريكيين يخدعونك» يُفهَم منها أن المشروع الإيراني كان معلومًا للأمريكيين وتم إقراره بالفعل من حيث المبدأ، وأن المفاوضات تجري حول ضمانات تنفيذه، وتتم بعلم «بني صدر» تحت رعاية «الخميني» وباطلاع شخصيات عربية، علىٰ نوايا الأمريكيين»!

بروتوكول الخميني - إسرائيل:

إذن فالمشروع الحلم لن يتحقق إلا بتقديم ضمانات تكفل الحصول علىٰ موافقة الإدارة الأمريكية بصورة كاملة؛ أهمها طمأنتها باستمرار علىٰ التعاون مع إسرائيل، كما كان عليه في عهد «الشاه» قبل «الثورة»..

إيران الشاه كان لها نفس الأطماع السياسية إلا أنها لم تسع لتحقيقها عن طريق الزعم بمسئوليتها أمام الله تعالىٰ عن نشر مذهب عقائدي أو أنها نموذج يُحتذىٰ به لما يجب أن تكون عليه الدولة الإسلامية الراشدة، لذلك لم يكن لها نفوذ إقليمي يُذكر علىٰ المستوىٰ الجماهيري، وبالتالي فلم يكن لها دور محوري فعّال في المنطقة يمكن استغلاله كآلية جيدة لصالح المشروع «الأمريكي - الإسرائيلي» ويضطر الأمريكيون إلىٰ استمرار دعمها، لذلك توقف دورها عند مرحلة الحليف القوي لأمريكا في مواجهة دوائر الحكم الإقليمية دون أن يكون لها أي تأثير ملموس علىٰ رجل الشارع العربي، علىٰ عكس «إيران الملالي» وبروتوكولها شديد الذكاء الذي ادعت من خلاله أنها «ثورة إسلامية» لدغدغة عواطف «الطيبين» في الدول العربية تحديدًا، وبالتالي الحصول علىٰ تعاطفهم وتأييدهم الجماهيري الضاغط كمرحلة أولىٰ، يليها دعم الحركات غير الشرعية، داخل هذه الدول لضمان ولائها «للملالي» ومن ثم تكرار تجربة الثورة الإيرانية في بلادهم أو علىٰ الأقل إثارة القلاقل فيها، تحت رعاية «الأب الروحي الإيراني»، حتىٰ لو كان هؤلاء المتعاطفون المدعومون من المسلمين السُّنّة! وبالتالي ينجح البروتوكول الشيطاني في جعل المشروع «الأمريكي - الإسرائيلي» هو الأشد حاجة والأكثر إلحاحًا وحرصًا علىٰ التحالف مع مشروع «إيران الملالي»، وهذا ربما يكون أحد المبررات الرئيسية، غير المعلنة، التي دفعت بالأمريكيين للتخلي عن رَجُلِهم «الشاه» بسهولة واستبدلوا به «الخميني» وثورته التي رُوج لها كثورة إسلامية، رغم ما يفترض من أن نجاح «الخميني»، لو تم رغم إرادتهم، فإنما يعني تصدير ثورته وكذلك مصطلحه «إن أمريكا هي الشيطان الأكبر» إلىٰ دول الجوار «المعتدلة» حتىٰ ولو بدون دعم، فالثورات دائمًا ما تكون مادة جيدة التوصيل بين الشعوب التي لها نفس الواقع والظروف؛ خاصة لو كانت ثورات دينية حقيقية.

في الحوار نفسه، كشف «بني صدر» أيضًا كيف وضع «الخميني» بنفسه أسس البروتوكول التعاوني مع إسرائيل قائلًا: «في اجتماع للمجلس العسكري أخبرنا وزير الدفاع أننا بصدد شراء أسلحة من إسرائيل، عجبنًا كيف يُعْقل ذلك؟! سألته: من سمح لك بذلك؟ فأجابني: الإمام الخميني، قلت: هذا مستحيل!! قال: إنني لا أجرؤ علىٰ عمل ذلك وحدي، سارعت للقاء الخميني، وسألته: هل سمحت بذلك؟ أجابني: نعم فالإسلام يسمح بذلك، وأضاف قائلًا: إن الحرب هي الحرب، صُعِقْتُ لذلك! صحيح أن الحرب هي الحرب، ولكن أعتقد أن حربنا نظيفة، الجهاد هو أن تقنع الآخرين بوقف الحرب، والتوق إلىٰ السلام، نعم، وهذا الذي يجب عمله وليس الذهاب إلىٰ إسرائيل وشراء سلاح منها لمحاربة العرب، لا، لن أرضىٰ بذلك أبدًا، حينها قال لي: إنك ضد الحرب وكان عليك أن تقودها؛ لأنك في موقع الرئاسة» ( ).

ولا غرابة في ذلك إذ كانت دولة إيران من أوائل الدول التي اعترفت بالكيان اليهودي سنة 1948م بقيادة القادة الشيعيين من ملوك إيران! والوضع لم يتغير بعد قيام الثورة «الإسلامية».

الجزء الخطابي الأخير من كلام «بني صدر» الذي تولىٰ رئاسة إيران لمدة 17 شهرًا منذ اندلاع الثورة وحتىٰ إقالته في أواخر مايو 1981م، ربما أراد منه غسل يديه من بروتوكول «الخميني - إسرائيل» لمجرد تحسين صورته أمام «بعض» الدوائر الرسمية العربية الغنية، بعد خروجه من السلطة وتحوله إلىٰ معارض لنظام «الملالي»، إذ ليس من المنطقي أنه لم يكن علىٰ دراية، مثلًا، أن إيران اشترت في عهده من الإسرائيليين إطارات لطائراتها من طراز F4، F5 في بداية حربها مع العراق (1980 - 1988)! استمر بروتوكول التعاون الإيراني الإسرائيلي، وحتىٰ الآن، وظهر في أكثر من موقف، مثل قضية «إيران - كونترا» الشهيرة، وهي الخطة التي باعت بمقتضاها إدارة الرئيس الأمريكي «رونالد ريجان» بواسطة نائبه «جورج بوش الأب» صواريخ مضادة للدروع إلىٰ إيران عن طريق إسرائيل تحت زعم إطلاق سراح خمسة من الأمريكيين المحتجزين في لبنان»!! «ثم استعمال عائد الصفقة في تمويل حركات «الكونترا» المناوئة للنظام الشيوعي في «نيكاراجوا»؛ بعيدًا عن رقابة الكونجرس، الذي صنف «إيران الملالي» أمام الرأي العام الأمريكي كدولة عدوة لا يجب التعامل معها، كذلك شراء إيران لصواريخ أخرىٰ من الإسرائيليين عام 1986، وغير ذلك الكثير الذي دفع بـ«بنيامين نتنياهو» رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد ذلك (1996 - 1999) إلىٰ إصدار أمره بعدم الإعلان عن أي تعاون سابق أو لاحق بين إسرائيل وإيران، وذلك حتىٰ يمنع «ناحوم منبار»، المتهم بتصدير كيماويات خاصة إلىٰ إيران في تلك الفترة، من الحصول علىٰ معلومات خطيرة عن صفقات الصواريخ والأسلحة، وذلك بعد أن حاول محاموه السعي لإثبات أن «منبار» هذا ليس هو الإسرائيلي الوحيد الذي يبيع السلاح لإيران، وأن هناك شبكة علاقات واسعة لإسرائيل «الرسمية» معها، وربما أراد «نيتنياهو» بقراره هذا حماية سرية بنود التعاون مع إيران، لأن كشفها سينسف كل البروتوكولات المتفق عليها سابقًا، وسيفضح محاولات «إيران الرسمية» المستمرة لارتداء مسوح «الأب الروحي» الداعم للثورات الإسلامية أمام الشعوب العربية، وسيهدم تبنيها لشعار «إزالة إسرائيل من علىٰ الخريطة» الذي لا يعدو عن كونه بروتوكولًا شيطانيًّا آخر لخداع البسطاء العرب، تحت زعم معاداة إسرائيل، لتستطيع من خلاله تحقيق مشروعها الحلم!

هذا التوجه نفسه يظهر بجلاء في بعض الدراسات والتصريحات الإسرائيلية المعنية، منها ما قاله «افرايم كام»، الباحث في مركز «جافي» للدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب «إن إيران لا تعتبر إسرائيل العدو الأول لها ولا حتىٰ الأكثر أهمية من بين أعدائها» والمعنىٰ نفس قاله «زيو مائور» الباحث بمعهد «أوميدا» الإسرائيلي في بحثه تحت عنوان «إيران بحاجة إلىٰ إسرائيل» جاء فيه: 

«إن إيران لا تشكل أي خطر علىٰ إسرائيل ولا تريد تدميرها، بل هي في حاجة إليها وتعتبرها مكسبًا إستراتيجيًا مهمًّا حتىٰ تظل قوة عظمىٰ في المنطقة»، وتصريح آخر «لديفيد ليفي» وزير خارجية إسرائيل الأسبق لجريدة «هاآرتس» الإسرائيلية عدد 1/6/1997 قال فيه: 

«إن إسرائيل لم تقل في يوم من الأيام إن إيران هي العدو»، وفي صحيفة «معاريف» الإسرائيلية عدد 23 /9/1997م يقول الصحفي «أوري شمحوني»: 

«إن إيران دولة إقليمية ولنا الكثير من المصالح الإستراتيجية معها، فإيران تؤثر علىٰ مجريات الأحداث وبالتأكيد علىٰ ما سيجري في المستقبل، إن التهديد الجاثم علىٰ إيران لا يأتيها من ناحيتنا، بل من الدول العربية المجاورة فإسرائيل لم ولن تكون أبدًا عدوًّا لإيران». وعن جريدة «لوس أنجلوس تايمز» نقلت جريدة الأنباء العدد 7931 مقالًا للصحفي الإسرائيلي «يوسىٰ مليمان» قال فيه: 

«في كل الأحوال فإنه من غير المحتمل أن تقوم إسرائيل بهجوم علىٰ المفاعلات الإيرانية فقد أكد عدد كبير من الخبراء تشكيكهم بأن إيران - بالرغم من حملاتها الكلامية - تعتبر إسرائيل عدوًّا لها، وأن الشيء الأكثر احتمالًا هو أن الرؤوس النووية الإيرانية موجهة للعرب».

كما جاء في مذكرات «أرييل شارون»( ) يقول: «لم أرَ يومًا في الشيعة أعداء لإسرائيل علىٰ المدىٰ البعيد»، هذا بصرف النظر عن جدية رأيه أو كونه يدق «إسفينًا» لصب الزيت علىٰ نيران الفتنة المذهبية الإسلامية التي «تصقل وتضيء» مستقبل إسرائيل القوية بضعف الآخرين، طبقًا لبروتوكولات «حكماء صهيون هذه المرة»!

وعلىٰ الجانب الآخر من «مزاد» الغزل غير العفيف، وفي تصريح «لإسفنديار مشائي» نائب الرئيس الإيراني «نجاد» نقلته صحيفة «اعتماد» ووكالة أنباء «فارس» الإيرانيتان في 20/7/2008م يقول: 

«إن إيران اليوم هي صديقة الشعب الأمريكي والشعب الإسرائيلي». وهو التصريح الذي انتقدته الدوائر المقربة من «المحافظين» الإيرانيين بشدة، ليس لأن إسرائيل تحديدًا هي من نعلم، ولكن لأنهم يرون أن شعبية الرئيس «نجاد» في العالمين العربي والإسلامي مبنية علىٰ مهاجمة إسرائيل والتشكيك بالمحرقة وليس علىٰ صداقتها!

في كتاب للدكتور «تريتا بارسي» أستاذ العلاقات الدولية في جامعة «جون هوبكينز» الأمريكية، ورئيس المجلس القومي الإيراني - الأمريكي، عنوانه:

 Treacherous Alliance: the Secret Dealing of Israel، Iran and the U. S. 

«التحالف الغادر: التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران وأمريكا» كشف فيه عن الكثير من الوثائق والمعلومات التي تؤكد وجود تحالف شيطاني بين المشروعين الأمريكي والإيراني، اتضحت أبعاده في عملية غزو العراق بحيث يستفيد المشروع الأمريكي من البترول ويقترب المشروع الإيراني من تحقيق المرحلة الأولىٰ من حلمه في السيطرة علىٰ منطقته الإقليمية، ويكشف كذلك عن أن الإيرانيين وجدوا فرصة ذهبية أخرىٰ لكسب الدعم الأمريكي، خلاف تعاونهم مع إسرائيل، وذلك عن طريق تقديم مساعدة أكبر وأهم للأمريكيين في غزوهم للعراق عام 2003م، فقدموا وقتها عرضًا احتوىٰ علىٰ مجموعة مثيرة من التنازلات السياسية في عدد من المواضيع الحساسة منها: برنامجهم النووي، محاربة القاعدة، والتفاوض علىٰ أسلحة الدمار الشامل والإرهاب والأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي كما ورد في الكتاب.

ما طلبته إيران مقابل هذه التنازلات، حسب ما ذكره مؤلف الكتاب ولخصه في عدة نقاط أهمها: 

إلغاء تصنيف إيران كدولة داعمة للإرهاب، ورفع العقوبات الاقتصادية والتجارية عنها، والإفراج عن أموالها المجمدة في البنوك الغربية، وعدم دعم حركة مجاهدي خلق المعادية لنظام الملالي، واحترام مصالحها الدينية في العراق، والسماح بوصولها إلىٰ الطاقة النووية السلمية والحصول علىٰ التكنولوجيا البيولوجية والكيماوية. ولكن الأخطر من كل ما سبق كان مطلب إيران الحصول علىٰ إقرار واعتراف أميركي بها كقوة إقليمية في المنطقة، وهو ما يعني أن تصبح إيران صاحبة اليد العليا في الخليج وهو ما رفضه الأمريكيون الذين رأوا أن إيران ساوت نفسها بالولايات المتحدة، الأمر الذي ما كان يتم قبوله للاتحاد السوفياتي «الراحل» فكيف بإيران! وهو ما حال دون إتمام الصفقة، حسب رأي المؤلف الذي يمكننا تلخيصه في أن هناك حالة من «العداء» مع أمريكا دفعت الإيرانيين إلىٰ تقديم هذا العرض! هذا ما أورده الكتاب إلىٰ جانب كتب أخرىٰ لا تقل أهمية؛ تحدثت عن العلاقات الإيرانية الأمريكية ولكن من منظور آخر، منها: كتاب «الصداقة المُرّة في أحضان الأعداء» للصحفية الأمريكية باربارا سليفن»

Bitter Friends، Bosom Enemies: Iran، the U. S. and the Twisted Path to Confrontation

وهو كتاب لا يقل أهمية عن غيره.

الأمريكيون رفضوا إتمام هذه الصفقة، لأسباب أخرىٰ غير التي أشار إليها الكتاب: 

أولها: الحرص علىٰ سرية العلاقة مع الحليف الإيراني حتىٰ يستمر تأثيره «الديماجوجي» الفعال من خلال تبنيه لعملية «التغييب»، والنُّصْرَة الدينية المزيفة التي يمارسها علىٰ العقل العربي بدعوىٰ الثورة الإسلامية والعداء لإسرائيل وتحدي أمريكا.. إلخ، وبالتالي يصبح هذا الحليف في وضع مميز يسمح بتمرير أي توجهات أو أيديولوجيات أمريكية إلىٰ عقل العربي «الغافل» من خلاله في الوقت الذي يدور فيه وراء الكواليس أمور أخرىٰ تختلف كليًّا عن ذلك، هذه واحدة.

وثانيها: وهو الأهم - وإن صُنِّف تحت باب مناورات الذئاب - وهو عدم السماح لإيران بالسيطرة علىٰ بترول الخليج بسهولة ويسر؛ لأن أمريكا تعلم يقينًا أن هذه السيطرة ستأتي مع الأيام رغمًا عنها لا ريب في ذلك، وأنها مسألة وقت لا أكثر؛ لأن حكمة الله تعالىٰ وضعت خزانات البترول الخليجية في المناطق ذات الكثافة السكانية «الشيعية» الكبيرة والمتزايدة والتي من البدهي أن ولاءها بالدرجة الأولىٰ سيكون للأب الروحي في «قم» الإيرانية قبل مواطنها الأصلية دون أدنىٰ شك.

هذا التصور يوضح عمق الإستراتيجيات الأمريكية وحُسن قراءتها لمستقبل المنطقة وقواها الإقليمية وكيفية توظيفها الجيد لخدمة هذه الإستراتيجيات مهما كانت التضحيات، علىٰ عكس الصورة السطحية الاستخفافية التي يخدعنا بها البعض عن غباء الأمريكيين وانجرارهم إلىٰ مستنقعات الاحتلال الموحلة بسبب افتقارهم للتخطيط! وخطأهم في تقدير قوة «الأشاوس» المحتَلين أو بني جلدتهم المجاورين!

لذلك وُضِعت الخطط والاتفاقات منذ عهد «الخميني» وربما قبل أن يقوم بثورته؛ لاحتواء عنفوان هذا الحليف الإيراني الفَتِيّ المتنامي القوة، صاحب السيطرة علىٰ البترول في المستقبل القريب، وذلك بطرق تضمن مصالح الغرب حاليًا ومستقبلًا، وتضمن كذلك تحويل هذا الحليف الصاعد إلىٰ حارس من نوع خاص جدًّا يحمي مصالح السيد الأمريكي في الخليج؛ حارس له دور محدد ومرسوم بدقة متناهية لا تستطيع أن تقوم به إسرائيل، ولا يُوثَق أبدًا في إسناده إلىٰ أي دولة عربية؛ مهما كانت قوتها أو حتىٰ، عفوًا، درجة «انبطاحها»، وذلك ببساطة لأن أمريكا بعيدة النظر، الباحثة عن مصالحها في المقام الأول، لن تراهن يومًا ما علىٰ دول تفتقد الثوابت السياسية وتتنقل نُظمها الحاكمة بين القومية والليبرالية والاشتراكية والديمقراطية والرأسمالية.. وهو ما قد يجوز اختصاره في عبارة «الشرق الأوسط الجديد» أو إعادة تقسيم المقسم أصلًا باتفاقية «سايكس بيكو» من قبل، مع بقاء محور «إسرائيل - إيران» عسكريًّا واقتصاديًّا لضبط إيقاع النبض العربي، والآسيوي خاصة الإسلامي؛ ليظل الجميع يسبِّح ويقدس صباح مساء بحمد العم «سام»!! وإلا لماذا تغاضت أمريكا عن الاحتلال الإيراني «الإسلامي الثوري» لجُزر «طنب» الإماراتية بما لها من أهمية إستراتيجية في تهديد خطوط ملاحة ناقلات البترول؛ إلا إذا كان لهذا الاحتلال دور مفيد لأمريكا! ولماذا لم تضغط الإمارات لتحرير هذه الجزر علىٰ غرار حرب تحرير الكويت!

وهناك سبب يتمثل في مسألة استيعاب الأمريكيين لتجربة الملك فيصل أثناء حرب أكتوبر 1973م وتزعمّه لعملية منع البترول العربي، عدا بترول العراق وليبيا والجزائر، عن الدول المتعاونة مع إسرائيل في الوقت الذي كانت البحرية المصرية في باب المندب تمنع ناقلات «إيران الشاه» من الوصول بإمداداتها البترولية إليها، ومقولته الشهيرة «لهنري كيسينجر» وزير الخارجية الأمريكي وقتها: 

«نحن كنا ولا نزال بدوًا، وكنا نعيش في الخيام، وغذاؤنا التمر والماء فقط، ونحن مستعدون للعودة إلىٰ ما كنا عليه، أما أنتم الغربيون، فهل تستطيعون أن تعيشوا بدون النفط؟» في إشارة واضحة إلىٰ استعداده لردم آبار البترول العربية لصالح كرامة العرب والعروبة، وقتها أصبح «الفيصل» قوة إقليمية عظمىٰ مؤثرة يمكنها تهديد المصالح الغربية في المنطقة وليس في بلاده فقط. كذلك استيعاب الأمريكيين أيضًا لتجربة «الشاه محمد رضا بهلوي» وتجربة «الرئيس صدام حسين»، ورغبة كل منهما في الهيمنة علىٰ بترول الخليج وتحويل بلده إلىٰ قوة بترولية تستطيع لَيَّ ذراع الدول العظمىٰ الصناعية لأسباب مختلفة عند كل من الزعيمين، لذلك تخلص الأمريكيون منهما معًا لصالح نظام الملالي في الحالتين، بدون مصادفة! وكخطوة أُولىٰ علىٰ طريق تحقيق مشروع «الخميني» بالتعاون الأمريكي لإنشاء «الهلال الشيعي» بدلًا من «الهلال الخصيب»؛ تمهيدًا لضم الجزيرة العربية ومصر وشمال إفريقيا للمشروع، وهو بالمناسبة ما ظهر مؤخرًا في الدعوة الغير مفهومة التي أطلقها القائد الليبي معمر القذافي لإحياء الدولة الفاطمية الشيعية من جديد!

مكاسب تحققت من التحالف الإيراني السري مع أمريكا:

- تسهيل الغزو الأمريكي لأفغانستان، السُّنّية، والذي لم يكن ليتحقق مطلقًا بغير الدعم الإيراني، (راجع خريطة المنطقة)، أو بدون فتح المجال الجوي الإيراني أمام المقاتلات الأمريكية والدعم اللوجيستي المحمول جوًّا والصواريخ التي تطلق من حاملات الطائرات المتمركزة في الخليج العربي عبر نفس المجال الجوي الإيراني لتدك جبال «تورابورا» وغيرها من المدن الأفغانية لما يقرب من ثلاثة شهور متصلة، حتىٰ انتهت أفغانستان ومقوماتها وبنيتها التحتية كدولة، وانتهت كذلك معها «حدوتة طالبان» التي كانت تقُضّ مضاجع إيران «الرسمية» ليل نهار بتشددها السُنّي.

- كانت فيما قدمه نظام الملالي إلىٰ الأمريكيين من دعم وخدمات جليلة مكنتهم من احتلال العراق في 2003م، وتسلمه منهم بعدها، منها الدور المحوري الشديد الخطورة الذي قام به «فيلق بدر» العراقي الشيعي المتشدد، الذي تشكل سنة 1980 كمخلب لإيران داخل العراق ثم أصبح جزءًا من الحرس الثوري الإيراني! حيث كان دوره حماية قوات المارينز الأمريكية القادمة من الكويت لاحتلال العراق وكذلك خطوط دعمها اللوجيستي بعد ذلك من عمليات المقاومة العراقية، وتأمينه لمنطقة «البصرة»، ذات الأغلبية الشيعية، وهو ما لخصه تصريح «محمد أبطحي» مدير مكتب الرئيس الإيراني وقتها قائلًا «لولا الدعم الإيراني لأمريكا لما استطاعت أن تحتل أفغانستان ثم العراق»!!

إذًا، وفي الحالتين؛ أفغانستان والعراق، يمكننا القول إن ما حدث كان تنسيقًا بين قوىٰ حليفة بالفعل ولم يكن أبدًا مجرد التقاء مصالح ينتهي بانتهاء تحقيق هدف وقتي محدد، إذ لم يكن الإيرانيون، بطبيعتهم التفاوضية البارعة، ليفعلوا ذلك دون الاتفاق علىٰ المقابل المرضي السَّخي؛ خاصة وهم المشهورون بصناعة السجادة الفاخرة في ساعة، بينما يمكنهم التفاوض حول سعرها لسنة كاملة دون كلل!! وأيضًا لم يكن الأمريكيون ليُقدِموا أو يجرؤوا علىٰ خطوة غزو أفغانستان أو العراق قبل التنسيق الكامل مع «الشريك» الإيراني، وسرًّا، في الوقت الذي أظهروا فيه أمام العالم العربي أن حليفهم الأول في احتلال العراق هم الحكام العرب! كما سبق وأظهروا أمام العالم الإسلامي أن حليفهم لاحتلال أفغانستان هو الرئيس الباكستاني وقتها «برويز مشرف»، الذي لم يع وقاحة الدروس الأمريكية، ولم ينتبه إلىٰ ما يهدد مستقبله السياسي كراع لأول قنبلة نووية إسلامية، إن لم يكن يهدد مستقبل حياته كلها!

الفصل الرابع

عداء إيران لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية

حقيقة أم شعار؟!

حقيقة ما يجري من تجاذبات!!:

يرىٰ الكثيرون أن العلاقة بين جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية تخضع لتجاذبات مختلفة وعوامل متعددة.. هنالك أقوال ومواقف متباينة تصدر من كل طرف تجاه الآخر. ولكن لإيران مشروعها الخاص ولـ «الولايات المتحدة الأمريكية» مشروعها الخاص، ولكل منهما أجندته الإقليمية والدولية، ووفقا لذلك فإن العلاقة بين هذين الطرفين تقوم علىٰ مدىٰ التقارب بين أهداف مشروعيهما واتفاق الأجندة التي يرغبون في تشكيلها. وإن كان مجال التقارب هذا تجاه السُّنَّة والعرب يأخذ الحيز الأكبر، كما أن المذهب الشيعي أقرب للتعايش مع الغرب المسيحي واليهودي من المذهب السني، الذي كان ولا يزال عصيًّا!

قبل الثورة الإيرانية كان الشاه محمد رضا بهلوي ونظامه في إيران أداة طيعة للولايات المتحدة الأمريكية وشُرطيًّا لها في المنطقة، ولم تكن ثورة الخميني «الإسلامية»! في الحقيقة طاهرة من دنس هذه العلاقة مع واشنطن وإن كانت في السر.. بعد فوز ريجان في انتخابات الرئاسة، استمرت الولايات المتحدة في تزويد الجيش الإيراني بالسلاح وقِطَع الغيار والعتاد.. وفي مارس - أبريل 1981م، نقلت الطائرات من إسرائيل إلىٰ إيران قطع غيار طائرات «إف - 14» المقاتلة ومعدات عسكرية أخرىٰ. وعبر إسرائيل، اشترت إيران في عام 1983م صواريخ أرض - أرض من طراز «لاتس»!

كانت واشنطن علىٰ علاقة سابقة مع قيادة الثورة «الإسلامية»! التي قادها الخميني، فقد نشرت مجلة تايمز الأمريكية في 5/3/1979م تصريحًا للرئيس كارتر رد فيه علىٰ معارضيه، قال فيه: «إن الذين يطلبون من الولايات المتحدة أن تتدخل بشكل مباشر لوقف الأحداث مخطئون ولا يعرفون الحقائق القائمة في إيران!! لقد سبق أن أجرينا اتصالات مع أبرز زعمائها منذ بعض الوقت»!( ).

هذا الاتصال ضمن لواشنطن بقاء مصالحها التي عبَّر عنها هارولد ساوندرز - مساعد وزير الخارجية الأمريكية الأسبق - في تقرير ألقاه أمام لجنة شؤون الشرق الأوسط، بقوله: «إن المصالح الأمريكية في إيران لم تتغير، ولنا مصلحة قوية في أن تبقىٰ إيران دولة حرة مستقرة ومستقلة»!( ).

وفي حديث لوزير الدفاع الأمريكي براون حينها وصف حكومة بازركان - أول رئيس وزراء في عهد الخميني - بأنها متعاونة جدًّا وباستطاعة الأمريكان أن يقيموا معها علاقات ودية! وفي تصريح مهم للراديو الحكومي قال بازركان: «إن جوهر الوجود الإيراني كدولة قد تولد من اتصالنا مع الغرب!! وإنه لما يتنافىٰ مع المبادئ الإسلامية تدمير كل ما هو أجنبي»! بل سبق أن صرح آية الله روحاني، الذي كان ممثلًا للخميني في واشنطن، عندما كان الأخير في فرنسا، بالقول: «أنا مقتنع بأن أمريكا أعطتنا الضوء الأخضر»!( ).

إيران جيت:

هذه العلاقة ظلت مستمرة حتىٰ في أجواء الحرب العراقية الإيرانية، ففي عام 1986م، قام مستشار الأمن القومي الأمريكي «بَدْ مكفارلن» بزيارة سرية لطهران، وحضر والوفد المرافق له علىٰ متن طائرة تحمل معدات عسكرية لإيران، وكان الكشف عن هذه الزيارة هو ما أثار القضية التي عرفت وقتها بـ«إيران غيت» والتي قام الأمريكان - بتعاون ومباركة يهودية - بتزويد إيران بأسلحة في وقت كانت تقوم فيه علىٰ حماية الخليج العربي من الزحف الإيراني الإرهابي!!( ).

وفي غمرة الاحتفالات بالذكرىٰ العشرين للثورة قال آية الله حسين علي منتظري: إن خيار القطيعة بين إيران والولايات المتحدة منذ انتصار الثورة وضع مؤقت قابل للتغيير وفقًا للظروف السياسية والاقتصادية! إن العلاقة مع أمريكا تحددها مصالح البلاد! لا بدَّ من مراجعة للسياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة في شكل عملي، وعلىٰ يد أصحاب الخبرة والاختصاص، وإذا توصلوا إلىٰ وجود مصلحة في التطبيع ما عليهم إلا أن يبادروا إلىٰ ذلك من دون تردد( ).

وفي مقال لتوماس فريدمان، في صحيفة هيرالد تربيون 30/3/1995م، ذكر أنه حتىٰ هذا العام كانت أمريكا هي الشريك التجاري الأول لإيران!! وأن الصادرات الأمريكية إلىٰ إيران زادت عشر مرات منذ عام 1979م( ).

أما وزيرة الخارجية الأمريكية الصهيونية مادلين أولبرايت فقد صرحت في 21/1/1999م بالقول: «فكرنا كثيرًا في شأن كيفية التعامل مع إيران؛ لأن من المهم ألا يُعزل إلىٰ ما لا نهاية بلد بهذا الحجم والأهمية والموقع»!! وكانت أولبرايت قد أوصت الرئيس كلينتون، في 25/11/1998م، برفع اسم إيران من القائمة الأمريكية للدول الرئيسة المنتجة للمخدرات، وذلك في خطوة إيجابية تجاه هذا البلد( ). ولم يتأخر الرئيس كلينتون في الاستجابة، فكان أنْ أصدر قرارًا برفع اسم إيران من القائمة بتاريخ 8/12/1998م( ).

ويقول السفير الأمريكي السابق لدىٰ قطر جوزيف جوجاسيان الذي عمل في الدوحة بين عامي 1985م و1989م: إن الرئيس الأمريكي سيلغي قرار حظر تعامل الشركات الأمريكية مع طهران قبل نهاية العام المقبل - 1999م. ولفت النظر إلىٰ أن كلينتون وضع علىٰ الرف قرارًا كان قد أصدره الكونغرس يمنع تعامل شركات غربية مع إيران، مشيرًا إلىٰ أن هذا القرار سينتهي تلقائيًا عام 2001م، وأعرب عن اعتقاده أنه لن يتم تجديده، وقال: إن الشركات الأمريكية ستعود قريبًا للعمل في إيران( ).

الحق أن إيران أحمدي نجاد( ) هي إيران محمد خاتمي هي إيران آية الله الخميني هي إيران الشاه، لا فرق! ولنستشهد هنا بتصريح علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام والرئيس الإيراني السابق، في 8 فبراير 2002م، في خطبته بجامعة طهران، حيث يقول: إن القوات الإيرانية قاتلت طالبان، وساهمت في دحرها، ولولا مساعدة القوات الإيرانية في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني! وتابع قائلًا: «يجب علىٰ أمريكا أن تعلم أنّه لولا الجيش الإيراني الشعبي ما استطاعت أمريكا أنْ تُسْقط طالبان»! كما صرح محمد علىٰ أبطحي، نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية سابقًا، في الإمارات العربية المتحدة في ختام أعمال مؤتمر «الخليج وتحديات المستقبل» الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية (15/1/2004م) قائلا: إنّ بلاده «قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربهم ضد أفغانستان والعراق»! وأنه «لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة»!!( ).

صرح مسئول المجلس الأعلىٰ للثورة الإسلامية محمد باقر الصدر أن مرشد الثورة الإسلامية بإيران - علىٰ خامنئي - أفتىٰ بالعمل مع المعارضة والتعاون مع الأمريكان من أجل إسقاط نظام صدام حسين، وأنه لولا هذه الفتوىٰ ما أقدم علىٰ هذه الخطوة!

وفي تقرير سري إلىٰ الخارجية البريطانية يذكر السير «هوارد جونس» - الوزير الإنجليزي المفوض في القرن الماضي - أن هناك طبقة متنفذة أخرىٰ في إيران غير البلاط الملكي والنخبة الحاكمة يجب أن تحمىٰ من قبل التاج البريطاني، وهم علماء الشيعة ومشائخهم؛ موجهًا إلىٰ استغلالهم في التأثير علىٰ عامة الشيعة. والشيء ذاته يشير إليه وزير خارجية بريطانيا، في جلسة سرية في السفارة البريطانية في طهران في11 أكتوبر 1914م، حيث يشير إلىٰ أن أقوىٰ جهاز متنفذ في إيران هو طبقة رجال الدين الشيعة، معبرًا عن ثقة حكومته فيهم( ).

يقول المفكر الشيعي محمد حسين فضل الله: 

«الخطوط السياسية في إيران لا تمنع من علاقات مع أمريكا، ولكن مسألة التجاذب والجدية بين أمريكا وإيران هي مسألة الشروط، إذ تعمل إيران علىٰ أن تحافظ علىٰ موقعها وعنفوانها واستقلالها بينما تريد أمريكا إخضاع إيران علىٰ الطريقة التي تخضع بها الدول الأخرىٰ. وأعتقد أن القضية لا بد أن تصل إلىٰ نقطة التوازن، لأن أمريكا وحسب رصدي للطريقة الأمريكية السياسية، التي تدير بها أمريكا المواجهة ضد إيران، أي طريقة العصا والجزرة، توحي أن أمريكا تفكر ولو في المستقبل البعيد في أن تحرك مصالحها الاقتصادية والسياسية في الساحة الإيرانية. ومن الممكن جدًّا أن تقدم بعض التنازلات في مقابل ما تقدمه إيران من تنازلات علىٰ الطريقة الواقعية التي تقول: لا يموت الذئب ولا يفني الغنم»!( ).

يا تُرىٰ مَن الذئب ومَن الغنم في المعادلة؟ وهل ستتخلىٰ إيران نجاد عن مشروع الخميني، الذي «كان يريد إقامة حزام شيعي للسيطرة علىٰ ضفتي العالم الإسلامي، كان هذا الحزام يتألف من إيران والعراق وسوريا ولبنان، وعندما يصبح سيدًا لهذا الحزام يستخدم النفط وموقع الخليج الفارسي للسيطرة علىٰ بقية العالم الإسلامي، كان الخميني مقتنعًا بأن الأمريكيين سيسمحون له بتنفيذ ذلك.

لقد قطعت واشنطن العلاقات مع إيران في عام 1980م، وكانت ترىٰ فيها خطرًا علىٰ مصالحها في الخليج! في حين كانت الولايات المتحدة الأمريكية في ثقافة الثورة الإيرانية «الشيطان الأكبر»! هذا في العلن، أما في السر فيبدو أن إيران - رابع أكبر منتج للنفط في العالم - كانت «تتمتع» بعلاقة دافئة مع واشنطن خلال تلك الحقبة الغابرة!!

وبالرغم من أن إيران ضمن محور الشر الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عقب الحادي عشر من سبتمبر، ورغم استمرارها في برنامجها النووي وصناعتها العسكرية للأسلحة بعيدة المدىٰ، ورغم اتهامها بأعمال إرهابية علىٰ صعيد الخارج، ورغم النظر إليها باعتبارها تهديدًا للأصدقاء؛ إلا أنها لم تتعرض لأي هجوم أمريكي! فمصلحة واشنطن تحجيم طهران وليس القضاء عليها، وذلك منذ الحرب العراقية الإيرانية!

و«الواقع أنه رغم أن إيران تصنف الولايات المتحدة علىٰ أنها «الشيطان الأكبر» الذي تنبغي مواجهته، فإن تأكيدات المواجهة لم تتعدَّ التصريحات والهتافات بالموت لأمريكا»، فقد أكد محمد خاتمي - الرئيس السابق للجمهورية - «أن إيران ليست راغبة في الحرب مع أحد، حتىٰ مع أعدائها»! ويقول العميد محمد باقر ذو القدر - نائب القائد العام لجيش حراس الثورة الإسلامية: «إننا لا نرحب بالحرب، ولكننا ندافع عن هويتنا»! الهوية! التي توصف اليوم بأنها ضد إسرائيل!!! وهذه قضية أخرىٰ! ( ).

غير أن «إيران غيت، شراء الأسلحة الأمريكية عبر إسرائيل» لم تغب عنها شمس الحقيقة! كما أن علاقة إيران الثورة مع الكيان الصهيوني لم تَدُم في الخفاء!( )، فقد صرح ديفيد ليفي - وزير الخارجية اليهودي في حكومة نتنياهو - قائلًا: 

إن إسرائيل لم تقل في يوم من الأيام إن إيران هي العدو( ). ويقول الصحفي اليهودي أوري شمحوني: إن إيران دولة إقليمية ولنا الكثير من المصالح الإستراتيجية معها، فإيران تؤثر علىٰ مجريات الأحداث وبالتأكيد علىٰ ما سيجري في المستقبل، إن التهديد الجاثم علىٰ إيران لا يأتيها من ناحيتنا بل من الدول العربية المجاورة! فإسرائيل لم تكن أبدًا ولن تكون عدوًّا لإيران!( ) كما أعلن إيتان بن تسور - مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية - عن عدم وجود خصومة بين البلدين - أي إسرائيل وإيران - فتنتفي دوافع العداء بينهما علىٰ المستويين الرسمي والشعبي!( ).

الشيء ذاته يؤكده السفير الإسرائيلي المتقاعد هانان باريمون - الذي عمل مستشارًا لرئيس بلاده عايزرا وايزمان - في اليوم الأخير من الحلقة النقاشية عن الخليج والغرب، والتي نظمها مركز مؤتمرات ويلتون بارك، يقول السفير: إيران دولة إقليمية مهمة ليس لنا معها أو مع شعبها أي خلاف أو عداء! وأن عليها أن تعمل للتكيف مع ظروف النظام العالمي الجديد!( ).

لكن إسرائيل حرصت ألا تحرج طهران أو تفضحها! فأصدرت حكومة نتنياهو أمرًا يقضي بمنع النشر عن أي تعاون عسكري أو تجاري أو زراعي بين إسرائيل وإيران، وجاء هذا المنع لتغطية فضيحة رجل الأعمال اليهودي ناحوم منبار الذي أدانته محكمة تل أبيب بالتورط في تزويد إيران بـ50 طنًّا من المواد الكيمائية لصنع غاز الخردل السام! وقد تقدم المحامي اليهودي أمنون زخروني - حينها - بطلب بالتحقيق مع جهات عسكرية واستخباراتية أخرىٰ زودت إيران بكميات كبيرة من الأسلحة أيام حرب الخليج الأولىٰ!( ) فقد قامت شركة كبرىٰ تابعة لموشيه ريجف، الذي يعمل خبير تسليح لدىٰ الجيش الإسرائيلي، ما بين 1992م - 1994م ببيع مواد ومعدات وخبرات فنية إلىٰ إيران، وقد كشفت عن هذا التعاون الاستخبارات الأمريكية بصور ووثائق تجمع بين موشيه والدكتور ماجد عباس رئيس الصواريخ والأسلحة البايولوجية بوزارة الدفاع الإيرانية( ). وقد نقلت جريدة الحياة (عدد 13070) عن كتاب «الموساد» للعميل السابق في جهاز الاستخبارات البريطانية ريتشارد توملينسون: وثائق تدين جهاز الموساد لتزويده إيران بمواد كيماوية! وذكرت الصحيفة عن صحيفة «هآرتس» أن ريتشارد توملينسون، أكد في كتابه أن جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية «الموساد» ساعد إيران علىٰ شراء عتاد كيماوي في وقت كان يقود حملة استخباراتية دولية لإحباط خطط إيران، لكن في الوقت ذاته عمل الموساد سرًّا وحده من دون علم الأطراف الأخرىٰ وبالتعاون مع الإيرانيين لعقد صفقة تهدف إلىٰ مساعدة الإيرانيين في جهودهم لإنشاء مصنع للأسلحة الكيماوية في مقابل إطلاق الطيار الإسرائيلي «رون أراد» الذي قبض عليه في لبنان بعد سقوط طائرته!( ).

«في كل الأحوال فإن من غير المحتمل أن تقوم إسرائيل بهجوم علىٰ المفاعلات الإيرانية، وقد أكد عدد كبير من الخبراء تشكيكهم بأن إيران - بالرغم من حملاتها الكلامية - تعتبر إسرائيل عدوًّا لها، وأن الشيء الأكثر احتمالًا هو أن الرؤوس النووية الإيرانية موجهة للعرب»! ( )

وإيران التي ساهمت في احتلال العراق، تعلم مؤكدًا بوجود الموساد الإسرائيلي وكافة الأجهزة الاستخبارية الأخرىٰ علىٰ أرض العراق، وتعلم أن هناك وجودًا صهيونيًّا! لا بل مشروعًا صهيونيًّا! تقوم به قوات الاحتلال الأمريكي والشركات اليهودية علىٰ أرض العراق لتمزيقه إلىٰ دويلات طائفية وعرقية! ونهب ثرواته ومقدراته! فلماذا لا تعمل علىٰ محاربة الوجود والتغلغل الإسرائيلي تحت غطاء الخبراء والضباط والجنود والشركات؟! رغم نفوذها في الأوساط الشيعية! ووجودها علىٰ الساحة من خلال عشرات الميليشيات المسلحة التي تصفي الوجود السني العربي! في حين يعلن الجعفري والبارزاني عن نيتهما لتطبيع العلاقات مع إسرائيل من خلال فتح قنصلية رسمية في أربيل شمال العراق!

وعلىٰ الرغم من تصريح كلٍّ من الجانبين بخطر التهديد الإستراتيجي الذي يمثله الطرف الآخر، وعلىٰ أعلىٰ المستويات السياسية غير أن التاريخ والواقع يثبتان أن هذا التهديد ليس إلا غطاء يحجب علاقة استراتيجية بين إيران وإسرائيل تتخلله لحظات فتور أو خلاف عابرة سرعان ما تلتئم. فقد حافظت إيران بزعامة الشاه علىٰ موقف مناصر لليهود الإسرائيليين أثناء حروب العرب ضد إسرائيل، فقد واصلت تزويد إسرائيل بالنفط في فترة الحظر النفطي الذي فرضه العرب في سبعينيات القرن الماضي. كما أنها وفرت طريق الهروب أمام يهود العراق الراغبين في الهجرة إلىٰ إسرائيل بعد عام 1948م، وكانت واحدة من أوائل الدول الإسلامية التي أقامت علاقات دبلوماسية وتجارية مع دولة إسرائيل المحتلة. كما كان اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية، ورغبة منه في استنزاف العراق ثروة وجهدًا، وراء تزويد الولايات المتحدة الأمريكية إيرانَ بالسلاح في حربها ضد العراق خلال ثمانينيات القرن الماضي، بل كانت إسرائيل وسيطًا في صفقة السلاح مقابل الرهائن التي أبرمت في عهد إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق «رونالد ريغان»!

ويبلغ عدد اليهود المهاجرين إلىٰ إسرائيل من أصل إيراني حوالي 200 ألف نسمة، وفي المقابل يبلغ عدد اليهود في إيران حوالي 25 ألف نسمة، وهي من أكبر الجاليات اليهودية في الشرق الأوسط خارج إسرائيل في الوقت الراهن( ).

يتحدث صبحي الطفيلي الأمين العام لحزب الله اللبناني: 

«اليوم هناك محاولة أمريكية لأنْ يلعب الشيعة دورًا لصالح أمريكا في المنطقة، وهناك جهات سُنية تراقب وتعتبر هذا الدور دور عمالة للكفر وجريمة ضد الإسلام، وبالتالي الشيعة يلعبون دورًا قذرًا، (حنقول) الأمور بوضوح، هذا الأمر قد يتفاقم ويصل إلىٰ درجة يصبح قتل الشيعي وقتل الأمريكي سيان عند شريحة واسعة من المسلمين، ويصبح إذا صدق الناقلون - وإن كنت أشك بذلك - أن قتل الناس في كربلاء في يوم عاشوراء أو في الكاظمية أمر من ضروريات العمل لتحرير الأمة الإسلامية من الوجود الأمريكي وهذه مصيبة!» وللخروج من هذه النتيجة يقول الطفيلي: علىٰ المسئولين الشيعة وعلىٰ رأسهم إيران أن يبعدوا أنفسهم عن القطار الأمريكي! لأن هذا القطار سيرحل في يوم من الأيام! وإذا رحل فسيكون في «أجواء أن الشيعي كان في خدمة الأمريكي»! مما قد يعرضهم للانتقام السني وقتلهم باعتبارهم عملاء للاحتلال! ويضيف الطفيلي: «من يتحمل المسؤولية؟ أليست السياسة الإيرانية؟!» ( ).

وثيقة تكشف سر التحالف الأمريكي الإيراني ومحاولات التغلغل الإيراني في المنطقة العربية:

جاء علىٰ موقع شبكة «البصرة»: في أواخر عام 2005م: 

أن المقاومة العراقية قد كشفت عن وثيقة خطيرة تفضح حجم التغلغل الإيراني في الأوساط العربية، مثل: الكتاب والصحفيين والسياسيين المحسوبين علىٰ الخط الوطني والقومي والإسلامي العربي، جاء فيها: 

«أن المهمة الأساسية في خطتنا الجديدة هي إخراج أمريكا من العراق بعد أن نجحنا في جرها إليه وحققنا هدفين كبيرين وتاريخيين: 

أولًا: القضاء علىٰ حكم الطاغية صدام إلىٰ الأبد علىٰ يد أمريكا التي صنعته، وبذلك تجنبنا التكاليف البشرية والمادية لحرب أخرىٰ مع العراق، وذلك هدف كان من بين أول الأهداف التي تبنتها جمهورية إيران الإسلامية والإمام الخميني قدس الله سره.

والهدف الثاني: كان توريط أمريكا في المستنقع العراقي من أجل منعها من الاعتداء علىٰ جمهوريتنا الإسلامية؛ أمل كل المسلمين والمستضعفين في العالم. وفي هذا الصدد يجب ألا يخجل من يدافع عن إيران من تأكيد أن تعاوننا مع أمريكا ضد الطاغية يخدم أهدافنا الإسلامية ويعزز مركز الجمهورية الإسلامية ويزيل أكبر وأخطر عقبة من طريق انتصارنا الحاسم في كل الأمة الإسلامية ونشر مذهبنا فيه وإعادة الحق إلىٰ أهله بعد حوالي 14 قرنًا علىٰ سلبه. ولأجل تعزيز موقف أصدقائنا العرب يجب تأكيد أن المعيار المعول عليه هو: أن جمهورية إيران الإسلامية هي التي تحارب أمريكا استراتيجيًّا الآن وليس تعاونها تكتيكيًّا مع أمريكا لتدمير الطاغية صدام في بداية الغزو.

أعداء الإسلام في العراق يستعدون لتوجيه ضربات لنا تدفعنا لترك العراق بعد أن نجحوا في تعبئة أقسام غير قليلة من الرأي العام العربي ضدنا، لذلك يجب أن يكون عام 2006 عام الحسم بالنسبة لنا من خلال المبادرة بتوجيه ضربات قوية لأعدائنا؛ خصوصًا في بغداد وجعلها منطلقًا لنشر سيطرتنا علىٰ العراق. وقد كلفنا الأخوة في التيار الصدري «جيش الإمام المهدي عجل الله فرجه» بالقيام بالسيطرة علىٰ بغداد وتطهيرها من النواصب بأسرع وقت ممكن.

ولأجل توفير جو مناسب لنا عربيًّا للقيام بعملية السيطرة علىٰ بغداد وعدم توفير الفرصة للتركيز علىٰ أحداث العراق القادمة أصدر المرشد الأعلىٰ السيد خامنئي أوامره «للسيد» حسن نصر الله لجعل لبنان ساحة جلب الأنظار عن طريق الاشتباك مع الكيان الصهيوني الغاصب للقدس الشريف، لضمان حشد الرأي العام العربي مع إيران ومنع مهاجمتها بسبب العراق. ولأجل ذلك وفرنا لحزب الله كل ما يحتاجه لأجل تحقيق أفضل صمود ممكن مما يضعف قدرة أعدائنا علىٰ مهاجمتنا بنجاح، ويسمح ببقاء الكثير من المثقفين العرب معنا مستندين علىٰ ما يحققه حزب الله من انتصارات ومكاسب استراتيجية، رغم الضغوط العربية الشعبية عليهم. ويجب أن نفهم بأن العراق هو منطقة معركتنا الحاسمة، وما لم نكسب المعركة فيها لن تجد جمهورية إيران الإسلامية أي فرصة أخرىٰ لنشر المذهب في العالم وتحقيق النصر. لقد عطل الطاغية صدام محاولة الثورة الإسلامية الانتشار في الثمانينيات عندما شن حربه الظالمة علينا بدعم أمريكي لذلك يجب ألا نفقد الفرصة التاريخية التي أتيحت لنا مرة أخرىٰ مما يتطلب جعل كل الطاقات الخاصة بنا في العالم العربي تخدم هدفنا الأهم وهو جعل العراق جمهورية إسلامية حليفة لجمهورية إيران الإسلامية ومساندة بقوة لها وتحت قيادة الإخوة العراقيين المساندين لنا. ويجب أن يكون واضحًا وبلا لبس أن انتصارنا في العراق هو مفتاح تحقيق أهدافنا في البلدان العربية كلها وفي الأمة الإسلامية كلها.

إن نجاحنا في العراق سوف يجعل شعبيتنا كاسحة في البلدان العربية، ويفتح الباب أمامنا لجعل الإسلام الحقيقي القوة الأساسية في العالم الإسلامي، وبالتالي يصبح للمسلمين دولة مهابة بين كبار العالم. إن الإسلام سيعود إلىٰ أصوله التي غيبتها سرقة الخلافة وسوف ننجح فيما أجهضه أعداء آل البيت قبل 14 قرنًا».

سر مهادنة الغرب لإيران!!:

يرىٰ المراقبون أن صراع أمريكا وإيران الحالي فيه الحقائق والأكاذيب والتمويهات، وأن التصعيد الإعلامي أو التهدئة ليسا مؤشرًا حقيقيًّا في الصراع الأمريكي الإيراني، فالثورة الشيعية قد تزوجت الشيطان الأكبر زواج متعة مرتين: الأولىٰ في بداية الثورة الإيرانية زمن قمة الصفاء الثوري أثناء الحرب الإيرانية العراقية، فكانت الثمرة: ولادة صفقة أسلحة عبر إسرائيل عرفت بفضيحة إيران جيت. والثانية: عبر عملاء إيران من الشيعة في تمكين أمريكا من احتلال العراق فهذا زواج قديم ومودة رغم كل الجعجعة الإعلامية. وإن الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي هو صراع سياسي علىٰ مصالح لا علىٰ مبادئ وعقائد، والاختلاف هو اختلاف المحاصصة واقتسام الغنيمة، والغنيمة هنا هي المنطقة العربية السنية. وإن الشواهد كثيرة وما تغنَّىٰ ثوار إيران بالمبادئ إلا لخداع البسطاء من المسلمين، والدليل صفقة إيران جيت في عز الثورة وسماح الخميني بنقل الآلاف من يهود إيران بالحافلات سرًّا إلىٰ باكستان، ومنها إلىٰ إسرائيل «وعندما سُئل الخميني عن مدىٰ شرعية التعامل مع إسرائيل، كان جوابه: ما دام التعامل لم يكن مباشرًا فإنني لا أبالي». وفي موضوع الهجوم علىٰ المفاعل النووي العراقي فقد تم التباحث بشأنه بين إسرائيل وإيران. «وقد وفرت إيران لإسرائيل الصور الفوتوغرافية والخرائط المفصلة وقد تم الاجتماع بين موفد إسرائيل وممثل للخميني في فرنسا قبل شهرين من ضرب المفاعل، وشرح الإيرانيون تفاصيل هجومهم غير الناجح علىٰ المفاعل العراقي في 30/9/1980م وسمحوا للطائرات الإسرائيلية بحق الهبوط في مطار تبريز في حال الضرورة، ومساعدة إيران لأمريكا في احتلال العراق وأفغانستان لا تحتاج لأدلة.

إيران تريد دورًا إقليميًّا معترَفًا به في العراق وغيره، ورغم ما قدمته لإسقاط العراق؛ إلا أن أمريكا لم تمنحها إلا القليل في العراق وبصورة غير رسمية، وقد تسحبه، فكان السلاح النووي وسيلة لترسيم نفوذها في المنطقة وتحقيق حلم مجدها الفارسي التليد، وأما عملاؤها الشيعة في العراق فلا تأمن انقلابهم عليها كما حاول محمد باقر الحكيم.

ساعدت إيران الولايات المتحدة علىٰ القدوم إلىٰ المنطقة؛ لإسقاط نظاميْن كانا لدىٰ إيران قبل أمريكا العائق؛ بل الجدار الرئيس لاجتياح الأمة الإسلامية، ونجح الطرفان - بفضل التعاون المشترك - في بلوغ هذا الهدف، ولكن هذا الحلف كان يحمل عوامل انهياره منذ البداية. أول هذه العوامل: رغبة كل طرف بأن يكون له الكلمة الفصل في شئون هذه المنطقة، بالإضافة إلىٰ أن أحد الأطراف هو الذي كان يدفع الثمن دائمًا؛ ونقصد به أمريكا، بينما الطرف الثاني يجني الأرباح دونما أي خسائر تقريبًا، وهو بالطبع إيران.

ورئيس إيران يمشي في بغداد، وفي المنطقة الخضراء وبحماية أمريكية! وعلىٰ البساط الأحمر، وباستقبال رسمي، وبوش وتشيني ورايس يأتون خفية وتحت جنح الظلام!!

إسرائيل لا تعتبر الشيعة وإيران خطرًا علىٰ وجودها ولكن خطرًا علىٰ نفوذها؛ فقط بدليل تأييد شارون لشيعة لبنان حيث قال في مذكراته: اقترحت إعطاء قسم من الأسلحة التي منحتها إسرائيل؛ ولو كبادرة رمزية إلىٰ الشيعة الذين يعانون هم أيضًا مشاكل خطيرة مع منظمة التحرير الفلسطينية، ومن دون الدخول في أي تفاصيل، لم أرَ يومًا في الشيعة أعداء إسرائيل علىٰ المدىٰ البعيد!! ( ).

أمريكا ليس من مصلحتها تدمير إيران علىٰ النحو الذي تم في العراق. وإسرائيل تشاركها هذه الرؤية، بصفتها أكبر المستفيدين من وجود خطر إيراني علىٰ العرب. فبقاء إيران كقوة عسكرية في هذه المنطقة مصلحة أميركية وإسرائيلية في المقام الأول. والخلاف ليس علىٰ بقاء هذه القوة أو عدمه، وإنما علىٰ حجمها ودورها. فالمحافظة علىٰ القوة الإيرانية يعني في الإستراتيجية الأميركية تشتيت وإضعاف ما يسمىٰ بالخطر الإسلامي، فإيران - بحكم دوافعها الطائفية الدينية الخطيرة القائمة علىٰ الاختلاف والمخالفة لكل ما يمت إلىٰ الإسلام بصلة - تلعب دورًا مهمًا في تقسيم الأمة إلىٰ أمتيْن حتىٰ في أعيادها. والتصدي لأطماعها بالنسبة للعرب بات بديلًا عن الصراع مع إسرائيل. وهنا تكمن أهميتها.

ومن هنا يرى كثيرون أن سر مهادنة الغرب لإيران يرجع إلى أن: 

- إيران حليف وَفِيٌّ لأمريكا ودول الغرب.. عندما تكون الهجمة باتجاه العالم المسلم السني.. كما حصل في العراق وأفغانستان.. ولو اضطروا إلىٰ غزو منطقة سنية أخرىٰ فسيجدونها بجوارهم.. لذا ليس من الحكمة التفريط في الحليف بسهولة.. ومن دون دراسة العواقب والنتائج!

- إيران بتركيبتها الطائفية عنصر توتر في المنطقة.. وهو مما يستدعي من دول المنطقة الضعيفة أن ترمي بنفسها وثرواتها وقرارها السياسي في حضن أمريكا ودول الغرب؛ ليحموها من «البعبع» الإيراني ومن طموحاته التوسعية - طيلة فترة التوتر - وفي ذلك مكسب ظاهر لأمريكا؛ لذا من صالحها أن تبقي علىٰ عنصر التوتر هذا، وأن تُطيل من أمده؛ ليستمر الابتزاز، ويستمر وجود القواعد الأمريكية العسكرية في المنطقة! فإذا خلا وجود العدو أو الخطر من المنطقة.. فما هو المبرر للابتزاز، والتدخل في شؤون المنطقة؟! وما هو المبرر لاستمرار بقاء تلك القواعد العسكرية الأمريكية الغربية في المنطقة؟! كان من قبل صدام حسين.. فقضوا عليه.. والآن إيران.. فإذا قضوا علىٰ خطرها كليًّا.. فمن أين سيأتون بخطر جديد.. يبتزون به أموال العرب وثرواتهم.. وبخاصة الدول الخليجية منها؟!.. أمريكا بحاجة - في المنطقة - إلىٰ كلب عقور.. ترخي له الحبل وقتما تشاء.. وتلجمه وقتما تشاء.. تُرهب به من يستعصي أو يُحاول أن يفكر من عملائها الصغار في الخروج عن طاعتها.. أو التحرر من التبعية لها!

- إيران - بحكم دوافعها الطائفية الدينية الخطيرة القائمة علىٰ الاختلاف والمخالفة لكل ما يمت إلىٰ الإسلام بصلة - تلعب دورًا مهمًا في تقسيم الأمة.. وهذا التفرق في الكلمة.. وعلىٰ جميع المستويات.. مطلب أمريكي غربي - يساعدها علىٰ التدخل في شؤون المنطقة - قد لا يُمكن أن يحققوه من دون آيات وأحبار وساسة قم وطهران!

- إيران قد تضخمت قوتها العسكرية وتضخم نفوذها في المنطقة وضرب إيران يُعد مجازفة لا تؤمن عواقبها.. وقد يترتب عليها تكاليف تفوق قدرات وطاقات أمريكا وحلفائها في هذه المرحلة أو الظروف.. لذا نجد أمريكا تحسب ألف حساب لهذه الخطوة.. وتقدم خطوة وتُحجم أخرىٰ.. يومًا تُصعد فيه الخطاب.. ويومًا آخر تلجأ فيه إلىٰ التهدئة والخطاب الأقرب إلىٰ الدبلوماسية والموادعة!

- إيران قد نجحت في جر أمريكا ومعها المجتمع الدولي إلىٰ المستنقع العراقي والأفغاني.. وإشغالها عن مشروعها العسكري النووي، وعن طموحاتها الخاصة في المنطقة.. إلىٰ درجة الاستنزاف.. بحيث يصعب علىٰ أمريكا وحلفائها أن يفتحوا جبهة ثالثة مع دولة بقوة إيران ونفوذها.. وساسة أمريكا والغرب قد صرحوا بذلك أكثر من مرة!

- ضرب إيران من قبل أمريكا وحلفائها.. قد يحمل إيران - من قبيل ردة الفعل، والدفاع عن النفس - علىٰ مد بعض الحبال للتجمعات السنية المجاهدة المحاصرة في كل من العراق، وأفغانستان.. لقربها الجغرافي من المنطقتين.. إضافة إلىٰ تحريض عملائها ودبابيرها الكامنة في المنطقة والتي تنتظر أمرًا من ساسة وآيات قم وطهران.. وهذا ما يؤذي أمريكا جدًّا.. ويُفسد عليها مخططاتها ويزيدها إرهاقًا وخسارة في جنودها وعتادها.. وهي تحسب لذلك ألف حساب!

- إيران سوق نفطية كبيرة.. والاعتداء عليها يربك الاقتصاد العالمي.. وهذا أمر معتبر لدىٰ المجتمع الدولي.. التفريط به ليس بالأمر الهيّن أو السهل!

هذه الأوجه مجتمعة وغيرها هي التي تمنع أمريكا ومعها حلفائها من الاجتراء علىٰ ضرب إيران.. وتصعيد الخلاف معها..

الخلاصة: 

سياسة النظام الإيراني تقوم علىٰ محوريْن أساسيين؛ كلٌّ منهما يؤدي إلىٰ الآخر ويمده بالقوة والحياة.. غير قابليْن للتفاوض والمساومة: 

الأول والأهم: العمل المكثف علىٰ نشر مذهب التشيع والرفض في المنطقة.. وحماية ودعم كل نشاط شيعي رافضي في المنطقة، وهذه مهمة غالبًا ما يقوم بها أئمتهم وآياتهم وأحبارهم؛ مدعومين بصورة مباشرة من الطبقة الحاكمة المتنفذة.

والثاني: العمل الدؤوب - وبصورة جنونية ومريبة - علىٰ تطوير برنامجها التسليحي؛ التقليدي منه وغير التقليدي.. والذي لن يتوقف إلا عند تصنيع القنابل النووية والذرية تنفيذًا لوصية إمامهم الخميني!

إيران تُمارس دوريْن متناقضيْن: 

- دور العميل لأمريكا وحلفائها من دول الغرب؛ وذلك عندما تكون ضحية هذه العمالة هم المسلمين السُّنة، كما حصل في أفغانستان والعراق؛ حيث صرح المسؤولون الإيرانيون أكثر من مرة أنهم ساعدوا أمريكا في غزوها لأفغانستان والعراق، وأنهم لولا مساعدة إيران لما استطاعت أمريكا أن تُسقط نظام الطالبان في أفغانستان، ونظام وحكم صدام في العراق.. وهذا أمر واضح لا يحتاج لمزيد تدليل أو براهين.

- ودور الندِّ الذي يسعىٰ لمصالحه وبسط نفوذه؛ ونفوذ التشيع والرفض في المنطقة.. وإن أدىٰ به هذا الطموح لنوع مواجهة مع من تعامل معهم من أجل ضرب العالم المسلم السني.. فإيران تتعامل مع أمريكا وحلفائها من دول الغرب ككاسحات ألغام.. تستعين بهم وتعينهم وتتعامل معهم علىٰ ضرب المسلمين السُّنة واحتلال بلادهم.. ثم هم بعد ذلك يدخلون بسلام - بعد أن تكون الكاسحات الأمريكية قد مهدت لهم الطريق، وأزالت من طريقهم الألغام والعقبات - ليقطفوا الثمار.. ويبسطوا نفوذهم.. وينشروا سمومهم.. سموم التشيع والرفض.. سموم الهدم والطعن.. وسموم التخريب والقتل لكل مناوئ سني قوي.. كما حصل في أفغانستان والعراق؛ أي أن إيران حتىٰ في الجانب الذي تظهر فيه كعميل، فهو من أجل تسخير واستخدام الطرف الآخر الأمريكي الغربي في بسط نفوذها في المنطقة.. ونشر التشيع والرفض.. وثقافة ولاية الفقيه المطلقة.. بأقل خسارة ممكنة.. ومن عرف هذه الحقيقة أمكنه التوفيق بين المواقف المتذبذبة المتناقضة لساسة وآيات وأحبار قم وطهران، وأدرك أن إيران تستخدم أمريكا ودول الغرب «كطنابر» تعبر من خلالهم إلىٰ القلاع الإسلامية السنية الصعبة الحصينة، التي قد تكلف إيران قتالًا عشرات السنين.. ومئات الآلاف من شبابها.. لو أرادت أن تقتحم تلك القلاع بمفردها.. دون استخدام تلك الطنابير.. والحرب الإيرانية العراقية السابقة أكبر دليل علىٰ صحة ما نقول.

نخلص مما سبق إلىٰ أن التحالف الإيراني الأمريكي حقيقة لا مراء فيها، تؤكدها الحقائق الواقعية، وأنها تأتي في نسق العداء العقدي مع جمهور الأمة من السُّنة والعرب، ومِنْ ثمَّ فهي امتداد طبيعي للتاريخ التآمري للشيعة مما يذكره المؤرخون وأهل العلم، ويغذي التوجه نحو هذا التحالف «المعتقد الديني» الذي يرىٰ في اليهود والنصارىٰ كفارًا أصليين، وفي المسلمين السُّنَّة كفارًا مرتدين، و(التعصب الطائفي) الذي رُبي عليه عموم الشيعة وقامت دولهم علىٰ أساسه، و(الانتماء القومي) لحضارة مغايرة للحضارة الإسلامية العربية، و(المصالح السياسية) التي تريد إيران اقتناصها في زمن الهجوم علىٰ المكون «السني» للأمة من قبل اليهود والنصارىٰ، فإيران تعمل بمبدإ: «ليس في السياسة أعداء دائمون، أو أصدقاء دائمون، إنما هي مصالح دائمة فحسب»!

وهكذا يلتقي الديني بالطائفي والقومي والسياسي في رؤية ووعي ومواقف مرجعيات الشيعة الاثني عشرية بقيادة إيران تجاه المسلمين السُّنة والعرب عمومًا!

وهذا التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل يأخذ أبعاده السياسية والدينية والاقتصادية والعسكرية المشتركة، فمن حيث السياسة يلتقي الطرفان في إسقاط بعض الأنظمة السنية أو إضعافها، وتغيير خارطة المنطقة. ودينيًّا: تريد الولايات المتحدة القضاء علىٰ الإرهاب «السني» ولا مانع لديها من مساندة المذهب «الشيعي» الثائر؛ كذبًا! إلا علىٰ الحكومات السنية والعربية. واقتصاديًّا: يرغب كل من الطرفيْن في الوصول إلىٰ ثروات العراق والخليج. وعسكريًّا إضعاف الدول الإسلامية والعربية عمومًا لصالح أمن إسرائيل وتأمين مصالح الغرب!

ومن نتائج هذا التحالف ما شاهدناه في أفغانستان والعراق ولبنان واليمن.. والدور قادم علىٰ دول أخرىٰ( ).

شهادة الموسوي.. الشيعي!!:

يقول الدكتور الشيعي موسىٰ الموسوي في كتابه «الثورة الخمينية - الثورة البائسة» عن النظام الإيراني وإسرائيل: «إسرائيل تعرف جيدًا أن عدوها الأول والأخير هو العرب، وأقوىٰ الدول العربية هي أقوىٰ أعدائها، أما إيران فكانت منذ قيام دولة إسرائيل صديقًا حميمًا سواء في عهد الشاه أو بعد سقوطه، وإسرائيل علىٰ علم ويقين أن تصريحات الخميني وسائر زمرته من احتلال القدس والحرب مع الكيان الصهيوني هي للاستهلاك المحلي ومزايدات سياسية داخلية وخارجية. لقد ثبت هذا عندما زودت إسرائيل إيران بقطع الغيار والأسلحة لاستعمالها في الحرب الإيرانية العراقية، ولقد حاولت الزمرة الخمينية الحاكمة إخفاء هذه الفضيحة الكبرىٰ، وحاول الخميني نفسه أن يدخل الميدان وكذب الخبر مرات ومرات؛ إلا أن الفضيحة كانت أكبر من أن تُخفىٰ.

إن المخطط المشؤوم الذي نفذته إيران بالتعاون مع إسرائيل يعطي مؤشرات خطيرة، هي أبعد بكثير من التعاون الاقتصادي والسياسي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني، إن المتتبع لأحداث المنطقة يعرف بوضوح أن إسرائيل لا تستطيع العيش في المنطقة إلا إذا ضعفت الدول العربية التي تهدد كيانها التوسعي، فقوة الدول العربية تعني ضعف إسرائيل، ولأن العراق كان أقوىٰ الدول العربية الرافضة لمعاهدة كامب ديفيد ورفض الحلول الاستسلامية، وبما أنه كان أقوىٰ دول المواجهة عسكريًّا وبشريًّا والذي كان يقود السياسة العربية الرافضة للحل الاستسلامي الذي اتبعه الرئيس المصري أنور السادات، فكان لا بد من إضعاف العراق عسكريًّا بأي ثمن، ومهما كلف الأمر وبدون أن تثير مخاوف دول المجابهة الأخرىٰ، فلذلك فإن الحرب الإيرانية العراقية كانت ضمن التخطيط الأساسي لدعم الكيان الصهيوني، ومن هنا استغلت إسرائيل الحرب الإيرانية العراقية لتتوسع في الأراضي العربية كما تريد وبلا رادع ومانع. إن استمرار إيران في حربها مع العراق ورفضها للصلح هو مخطط صهيوني استعماري أوضح من الشمس في رابعة النهار، إن في ضعف العراق تكمن قوة إسرائيل، وضعف العراق ضعف العرب، وضعف العرب قوة إسرائيل أيضًا.

إن العالم يسخر مما يسمع من الخميني والخمينيين حول عدائهم مع إسرائيل، ويعتبره نوعًا من الهذيان السياسي، وإسرائيل ترىٰ تعاونها وصداقتها مع النظام الإسلامي في إيران فرصة ذهبية لابد أن تستغلها في سبيل مآربها، ولذلك يعتقد الضالعون في شؤون السياسة - كما نشرت بعض الصحف -أن الأسلحة وقِطَع الغيار التي باعتها إسرائيل لإيران تجاوزت مائة مليون دولارًا، كما أن خبراء إسرائيليين وصلوا إيران لتدريب حرس الثورة علىٰ استعمال تلك الأسلحة.

إن الدول العربية التي تواكب النظام الإيراني في مسيرته الشائنة إنما تشارك في هدم نفسها وكيانها وشعوبها؛ بعمد أو جهل، ولأول مرة يحدث مثل هذا الخطأ الجسيم في تقييم العلاقات العربية الخمينية. إن تأييد النظام السوري للزمرة الخمينية الحاكمة في إيران إنما هو تأييد لبيغن وإسرائيل، وفي الحقيقة والواقع هدم لسوريا وأمة العرب جميعًا والإسلام. كما أن الأموال التي ينفقها الأخ القذافي علىٰ النظام الحاكم في إيران إنما تضاف إلىٰ أرصدة إسرائيل بعد تحوير صغير. وإذا كانت الدول الاستعمارية الكبرىٰ تساعد إسرائيل ضد العرب بالمال والسلاح، فإن الجمهورية الإسلامية الخمينية تساعد إسرائيل بالمال والسلاح والدم. إن قتل كل جندي في جبهة الحرب الإيرانية العراقية حياة لجندي إسرائيلي واقف في الجبهة العربية بالمرصاد. لقد ثبت لإسرائيل أن إيران في ظل التاج والعمامة سوق رائجة له وصديق لا غِنًىٰ عنه، فالبضائع الاستهلاكية التي تستوردها إيران في عهد الخميني، والنفط الذي تستورده إسرائيل من إيران أضعاف ما كانت تستورده في عهد الشاه، والتعاون الإيراني في ظل الخميني وزمرته يتجاوز تعاون الصديق مع صديقه، بل أصبح تعاون الحليف مع حليفه، فمتىٰ كان الشاه يشتري الأسلحة ويستورد قطع الغيار من إسرائيل كما فعلت الدولة الخمينية؟! غير أن الشاه كان شجاعًا في التصريح بعلاقته مع إسرائيل، والخميني وزمرته الحاكمة جبناء أذلاء، وَمِنْ وَرائِهِم قَوم اشتَروا الضَّلالة بِالهُدىٰ فَما رَبِحَتْ تِجارتُهُم، وَكانوا مِن الخَاسِرين.

الخميني يقول: (لا تلهكم الحرب الصغيرة عن الحرب الكبيرة):

جمع الخميني خطباء المساجد، وأجهزة إعلام نظامه، وأركان حكومته، وخطب فيهم قائلًا: «إن ما يحدث في لبنان؛ ولا سيما بعد احتلال إسرائيل لتلك البلاد إنما هي مؤامرة لصرف أنظاركم إلىٰ تلك المنطقة المنكوبة والتقليل من شأن الحرب مع العراق. إن الحرب الكبيرة هي الحرب مع العراق، وأما الحرب مع إسرائيل فإنها الحرب الصغيرة فلذلك لا تلهكم الحرب الكبيرة عن الصغيرة». وهكذا ساند الخميني بيغن في احتلاله للبنان، وهذا هو المنطلق الذي ينطلق الخميني منه لحفظ مصالح الإسلام والمسلمين والأمة العربية. لقد رفض الخميني اقتراح العراق بوقف الحرب الدائرة بينهما حتىٰ يتسنىٰ للعراق مساعدة لبنان. وجَّه الخميني نداء إلىٰ الشعب الإيراني يقول فيه: لا تلهكم الحرب الصغيرة عن الحرب الكبيرة، فمحاربة العراق أهم لنا بكثير من محاربة إسرائيل..). ويقول مؤلف كتاب «الغزو الفارسي للعالم العربي» عبد الله عبد الله السعيد - عام 1404هـ - عن الحرب الإيرانية العراقية: «العالم كله يتحرك ويتوسط إلا أن إيران ترفض إلا أن تُفتَحَ العراقُ ليصعد الشيعة فيها إلىٰ سدة الحكم، وليقيموا المشانق لنحو 65( من شعب العراق السني. ويا له من يوم كيوم القيامة، يوم تفتح يأجوج ومأجوج علىٰ السُّنة في العراق والخليج، ولا أحد - إلا الله - يعلم كم من ملايين السُّنة سوف تباد في ذلك اليوم المنحوس». وقد كان ما تنبأ به السعيد بعد سقوط النظام السني ووصول الشيعة إلىٰ سدة الحكم!!

حقائق ومرتكزات لفهم إيران الشيعية:

تملك إيران مشروعًا للهيمنة والسيطرة علىٰ ما حولها بدافع قومي فارسي ودافع ديني شيعي، وقد يقوىٰ دافع علىٰ حساب آخر وقد يجتمعان، ولذلك لم تتغير المطامع الإيرانية في البحرين أو جزر الإمارات بتغير التاج أو العمامة، ولذلك وصف بعض الخبراء هذه السياسة بقولهم: «التاج تحت العمامة»!!

- المصالح الإيرانية القومية الفارسية والدينية الشيعية تتعارض مع المصالح العربية والإسلامية، ومن ذلك: عدم الاعتراف باستقلال بعض دول الخليج، وتصدير الثورة عبر تحريض الشيعة العرب واحتضان المعارضة السنية والشيعية، وتقاسم النفوذ مع الطامعين.

- الصراع الداخلي بين المحافظين والإصلاحيين هو صراع في الوسائل علىٰ تحقيق أفضل المكاسب بأقل الأثمان للمصالح القومية الفارسية والدينية الشيعية، علىٰ غرار صراع أحزاب إسرائيل وأمريكا، وقد استحدث الإيرانيون مؤخرًا لعبة جديدة هي: توزيع الأدوار بين المحافظين ليصبحوا محافظين تقليديين ومحافظين إصلاحيين!!

- استراتيجية إيران الشيعية اليوم تقوم علىٰ اللعب في ساحة الآخرين وبدمائهم وتجنيب إيران أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات، فلذلك تحرّض التجمعات الشيعية علىٰ أوطانها، وتدعم الحركات السنية المعارضة، وتتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، ولهذا لم تحدث أي عملية تفجير أو اغتيال في إيران.

- حقيقة نزاع إيران مع أمريكا وإسرائيل في المنطقة هو حول حصص النفوذ لكل منهم، كما وضّحته الدراسات الجادة، مثل: كتاب تريتا بارزي، والذي تُرْجم إلىٰ العربية حديثًا بعنوان «تحالف المصالح المشتركة».

- التشدق بالدفاع عن قضية فلسطين هو الباب الذي تتسلل منه إيران إلىٰ قلوب وعقول الجماهير المسلمة؛ وخاصة من خلال استقطاب مباركة جماعة الإخوان؛ وبخاصة في مصر، مع التركيز علىٰ كسب العديد من أقلام وحناجر الصحفيين والإعلاميين؛ وبخاصة من القوميين والإسلاميين.

- لا تتورع إيران عن التحالف مع أي عدو لها «إسرائيل، أمريكا، القاعدة.. » في ساحة سياسية محددة لتحقيق مكسب استراتيجي.

 

الفصل الخامس

عقيدة الشيعة الإمامية في الصحابة

مناقضات صريحة للإسلام.. ومجاهرة بالكفر!!:

العقيدة الخمينية الاثنى العشرية:

الخميني في عقائده لا يختلف عن عقائد الإمامية الاثني عشرية. وذلك في تكفيره لصحابة رسول الله ﷺ؛ حتىٰ إنه يقرر في كتابه «تحرير الوسيلة مشروعية» التبري من أعداء الأئمة في الصلاة؛ وأعداء الأئمة في قاموس الشيعة هم صحابة رسول الله ﷺ؛ إلا ثلاثة أو سبعة ( ).

في كتابه: «كشف الأسرار» يصرح الخميني بتكفير الشيخيْن، وينعت أهل السُّنة عمومًا، ينعتهم بالنواصب - ما عدا من يسمونهم بالمستضعفين.. بل هو يأخذ بالرأي المتطرف من آراء قومه في ذلك، وهو معاملتهم كالحربي حيث قال: «والأقوىٰ إلحاق الناصب بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم منهم وتعلق الخمس به، بل الظاهر جواز أخذ ماله أينما وجد، وبأي نحو كان، ووجوب إخراج خمسه». وهو يريد بالناصب: أهل السُّنة ومن يلحق بهم - في نظرهم - من الشيعة الزيدية؛ ما عدا الجارودية لا الخوارج فقط، والذين هم يُسَمَّوْن بالنواصب عند أهل السُّنة؛ لإجماعهم علىٰ تكفير أمير المؤمنين علي، ولذلك يذكر الخوارج كقسم آخر مع النواصب، فيقول مثلًا: «وأما النواصب والخوارج لعنهم الله تعالىٰ فهما نجسان» ( ).

ويلمح الخميني في عقيدته في القرآن إلىٰ تصديقه بخرافة وجود قرآن لعلي بن أبي طالب عرضه علىٰ الصحابة فرفضوه، وأنه متضمن لزيادات ليست في القرآن، فيقول: «ولعل القرآن الذي جمعه - يعني عليًّا - وأراد تبليغه للناس بعد رسول الله - هكذا في النص بدون ذكر الصلاة عليه ﷺ - هو القرآن الكريم مع جميع الخصوصيات الدخيلة في فهمه، المضبوطة عنده بتعليم رسول الله»( ).

وهو يترحم علىٰ المجوسي الملحد صاحب «فصل الخطاب»، ويتلقىٰ عن كتابه: «مستدرك الوسائل» ويحتج به( )، كما يتلقىٰ من أصولهم التي حوت هذا الكفر؛ كـ«الكافي» للكليني( )، و«الاحتجاج» للطبرسي( ) وغيرهما.

هذا وقد ذكر الندوي في ترجمته لبعض نصوص «كشف الأسرار» ما يتضمن مجاهرة الخميني بهذا الكفر. وفي النص المترجم من كشف الأسرار يجيب الخميني علىٰ من يقول: لماذا لم يُذْكر الأئمة في القرآن بقوله: 

«إن الذين لم يكن ارتباطهم بالإسلام والقرآن إلا لأجل الرئاسة والدنيا، وكانوا يجعلون القرآن وسيلة لمقاصدهم الفاسدة، كان من الممكن أن يحرفوا هذا الكتاب السماوي في حالة ذكر اسم الإمام في القرآن وأن يمسحوا هذه الآيات منه، وأن يلصقوا وصمة العار هذه علىٰ حياة المسلمين».

فهو هنا لم يصرح بوقوع التحريف إلا بالتلميح، ولكنه يزعم صراحة أنه بإمكان أحد من الناس تحريف كتاب الله، وفي هذا تكذيب لقوله سبحانه: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾ [الحجر: 9]..

وكذلك يقول الخميني بخرافة الغيبة ويزعم رجعته، بل يقول: لقد جاء الأنبياء جميعًا من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم لكنهم لم ينجحوا!! حتىٰ النبي محمد خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية.. لم ينجح في ذلك!! وإن الشخص الذي سينجح في ذلك هو المهدي المنتظر( ).

«وقد استنكر المسلمون ذلك، وأصدرت رابطة العالم الإسلامي بيانًا تنكر هذه المقالة وتوضح أنها تحوي مناقضة صريحة للإسلام وما جاء به القرآن والسُّنة النبوية المطهرة، وما أجمعت عليه الأمة( ). وقد نشرت مجلة الجماعة الإسلامية بباكستان خطاب الخميني، وعلقت عليه بقولها: «هذا نفي للإسلام، وتاريخ الإسلام، وأمر لا يحتمله حتىٰ الأصدقاء»( ). وهو في تصريحه هذا لم يخرج عن طبيعة مذهبه المفرطة في الغلو، فهو يرىٰ أن الأئمة - والمهدي منهم - أفضل من الأنبياء، ويرىٰ أن صحابة رسول الله ﷺ ارتدوا بعد وفاة الرسول ﷺ بسبب بيعة أبي بكر دون علي، وجوهر الرسالة عندهم هو إمامة علي، ولهذا قال: «يعتبر الرسول - لولا تعيينه الخليفة من بعده - غير مبلغ للرسالة» فمن هنا قال: إن الرسول ﷺ لم ينجح لأنه لم يتول علي الخلافة بعده مباشرة!

وقد أصدر الخميني بيانًا يجيب فيه علىٰ المنكرين، وليس في جوابه إلا التأكيد علىٰ هذا المنكر، حيث قال: «ونقول بأن الأنبياء لم يوفقوا في تنفيذ مقاصدهم، وأن الله سيبعث في آخر الزمان شخصًا يقوم بتنفيذ مسائل الأنبياء»، ثم ينكر علىٰ المنكرين بأنهم يسعون لتفريق المسلمين»( ) ويقول خميني: إن «تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن»( )، بل هو يعمل حتىٰ بحكايات الرقاع ويعطيها نفس القدسية التي توليها الأمة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وقد استدل بها علىٰ مذهبه في عموم ولاية الفقيه( ) إلىٰ آخر قائمة العقائد التي تقول بها الاثنا عشرية، ويتابعهم فيها خميني، وقد يأخذ بأشدها تطرفًا مما لا حاجة إلىٰ تفصيله واستقصائه؛ إذ الغرض بيان أنه لم يكن كما يتوهم أصحاب تلك النظرة السطحية الساذجة.. لكن رأيت بعضهم يقول بأن الخميني قد تخلىٰ عن بعض عقيدته في التقية( )، وأنه قد أمر أتباعه بالصلاة مع أهل السُّنة مما يعد اعتدالًا في صورته الظاهرة. والجواب عن ذلك يوجد في رسالته في التعادل والترجيح، وفي رسالته في التقية، وحسبك أن تعلم من هذا إيمانه بأن أصل دينهم يقوم علىٰ مخالفة أهل السُّنة، وأن هذا الأصل هو من المرجحات عنده في حالة اختلاف الروايات.. فهو يقول: «إن أخبارهم الآمرة بالأخذ بخلاف العامة.. كقوله: «ما خالف العامة ففيه الرشاد».. وقوله: «دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم» هي من أصول الترجيح، وليس الترجيح بها بمحض التعبد، بل «لكون المخالفة لهم طريقًا إلىٰ الواقع، والرشد في مخالفتهم»( ). الحق أن خميني من غلاة الروافض؛ بل هو يأخذ من آرائهم ما هو أكثر شذوذًا، ويتعمد مخالفة أهل السُّنة، وإن خرج عن ذلك فهو تقية( ).

عقيدة شيعة اليوم على درب شيعة الأمس:

كثير مِنْ مراجع الشيعة، من بينوا عقيدة الشيعة في الصحابة ش صراحة.. واحد من علمائهم ممن يدعو إلىٰ التقريب والوحدة ليل نهار، وكان قائدها في العراق في الخمسينيات من القرن الفائت وهو آية الله محمد الخالصي، قال: 

«لم أذكر الصحابة بخير؛ لأني لا أريد أن أتعرض لعذاب الله وسخطه، بمخالفتي كتابه وسنته في مدح من ذمه الكتاب والسُّنة، والإطراء علىٰ من قبح أعماله القرآن المجيد والأحاديث المتواترة عن النبي، وغاية ما كنت أكتبه وأقوله هو أن كتاب الله وسنته لم تذكر الصحابة بخير ولا تدل علىٰ فضل لهم لأنهم صحابة»( ).

* وقال السيد هاشم الهاشمي في كتابه حوار مع فضل الله حول الزهراء: 

«لو فرضنا أن الأحاديث المادحة لأبي بكر وعمر قد بلغت حد الاستفاضة أو التواتر، فهذا لا يعني قبولها؛ لأنه قد حصل العلم ومن خلال أدلة أخرىٰ واضحة ونصوص صحيحة كثيرة أن واقع أمرهما ليس كذلك، فينتفي تحقق العلم والاطمئنان من كثرة الأحاديث المادحة لهما»( ).

وقال المجلسي في بحاره: 

«الأخبار الدالة علىٰ كفر أبي بكر وعمر وأضرابهما وثواب لعنهم والبراءة منهم، وما يتضمن بدعهم، أكثر من أن يذكر في هذا المجلد أو في مجلدات شتىٰ، وفيما أوردناه كفاية لمن أراد الله هدايته إلىٰ الصراط المستقيم»( ).

وذكر الشيرازي النجفي القمي في كتابه «الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين» - المطبوع في جمهورية إيران الإسلامية - بابًا تحت عنوان: (في ذكر نسب أبي بكر وبيان دناءته وخساسته) فقال: 

«إن أبا قحافة أبا أبي بكر كان أجيرًا لليهود يعلم لهم أولادهم، فاشتهر عنه أنه كان يلوطهم… وكان أبو قحافة في قريش مشهورًا باللواط. وأم أبي بكر سلمىٰ من ذوات الأعلام في مكة، وكانت لها راية في الأبطح؛ لأن العرب كانوا يأنفون من أن تنازلهم البغايا، فكانوا يبعدونها عن قرب منازلهم، وكانت رايتها حمراء تدل علىٰ فجورها وعهرها … وكان أبو بكر ظالمًا فاسقًا لا يستحق الخلافة»( ).

* وذكر الشيرازي بابًا تحت عنوان: «إن عمر كان قبل الإسلام نخاس الحمير، أبو عمر بن الخطاب قطعت يده في سوق عكاظ، ومن قلة حياء عمر أنه قال علىٰ المنبر: ألا إني فسوت وها أنا أنزل لأعيد الوضوء».

ثم قال عن عمر بعد ذكر عدد كبير من الروايات التي تذمه: «هذه روايات المخالفين في ظلم عمر، وكفره، ونفاقه، وأما رواياتنا في هذا الباب فكثيرة جدًّا بالغة حد التواتر»( ).

وقال عن عثمان >: «إن عثمان ممن يلعب به ويتخنث، وكان يضرب بالدف، وذكر أدلة يثبت فيها كفر عثمان»( ).

وقال عن معاوية: «والذي سماه النواصب - أهل السُّنة - كاتب الوحي وخال المؤمنين؛ بغضًا لأمير المؤمنين. وعديله ونظيره في الكفر والزندقة، عمرو بن العاص، وطلحة، والزبير، والدليل علىٰ كفر هؤلاء الأربعة في غاية الوضوح: لأن الأمة بين قائلَيْن: 

قائل بكفر هؤلاء، وهم القائلون بإمامة أمير المؤمنين من غير فصل وكفر الخلفاء الثلاثة. وقائل بإيمان هؤلاء، وهو أكثر القائلين بإمامة الخلفاء الثلاثة. فلما أثبتنا بطلان خلافة الثلاثة ثبت كفر هؤلاء لعدم القائل بالفصل»( ).

وقال أيضًا: 

«مما يدل علىٰ إمامة أئمتنا الاثني عشر، أن عائشة كافرة مستحقة للنار، وهو مستلزم لحقية مذهبنا وحقية أئمتنا الاثني عشر …. وكل من قال بإمامة الاثني عشر قال باستحقاقها اللعن والعذاب. وقال: ومما يدل علىٰ كفرها وكفر حفصة تظاهرهما علىٰ رسول الله ﷺ وشبههما الله بامرأة نوح وامرأة لوط …»( ).

ويقول يوسف البحراني في كتابه «الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب»: 

«فهل لعائشة ولمعاوية عليهما اللعنة مزية وفضيلة … غير ما ذكرنا من تظاهرهم، زيادة علىٰ غيرهم علىٰ أهل البيت بالظلم والفجور»( ).

وفي الوقت الذي تبكي فيه إيران بدموع التماسيح علىٰ التقريب ووحدة المسلمين الضائعة، تقوم بطباعة كتاب «الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين»، وكتاب «الشهاب الثاقب في بيان معنىٰ الناصب»، وقد تم طباعتهما في مدينة قم - الجمهورية الإسلامية الإيرانية تاريخ الطبع 1418هـ، 1419 هـ علىٰ التوالي. وموضوع كتاب «الشهاب الثاقب في بيان معنىٰ الناصب» هو إثبات أن الناصبي هو من قدَّم أبا بكر وعمر علىٰ عليٍّ أو أحبهما، وإن لم يبغض عليًّا، وإثبات أن أهل السُّنة جميعًا نواصب يحل دمهم ومالهم!

وقال المجلسي في بحاره: 

عن أبي بصير قال: «يؤتىٰ بجهنم لها سبعة أبواب: بابها الأول للظالم وهو زريق، وبابها الثاني لحبتر، والباب الثالث للثالث، والرابع لمعاوية، والباب الخامس لعبد الملك، والباب السادس لعسكر بن هوسر، والباب السابع لأبي سلامة. فهي أبواب لمن اتبعهم، ثم قال بيان: (زريق كناية عن أبي بكر؛ لأن العرب تتشاءم بزرقة العين، والحبتر هو عمر، والحبتر هو الثعلب، ولعله كنَّي عنه لحيلته ومكره، وفي غيره من الأخبار وقع العكس، وهو أظهر إذا الحبتر بالأول أنسب، ويمكن أن يكون هنا أيضًا المراد ذلك وإنما قدم الثاني لأنه أشقىٰ وأفظ وأغلظ … ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وسائر أهل الجمل إذ كان اسم جمل عائشة عسكرًا، وروي أنه كان شيطانًا)( ).

وعقد البحراني عدة أبواب في موضوع سب وتكفير الصحابة منها: 

الباب 97: اللذان تقدما علىٰ أمير المؤمنين علي مثل ذنوب أمة محمد إلىٰ يوم القيامة.

والباب 98: إن إبليس أرفع مكانًا في النار من عمر، وإن إبليس شرف عليه في النار( ).

في «مستدرك الوسائل» للنوري الطبرسي عقد بابًا بعنوان: باب استحباب لعن أعداء الدين عقيب الصلاة بأسمائهم( ).

ومما ذكره علي بن عبد العال الكركي في كتابه: «نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت» في حق صحابة رسول الله: قال: روىٰ الشيخ في التهذيب أن الصادق كان ينصرف من الصلاة بلعن أربعة من الرجال منهم أبو بكر وعمر).

وقال: وليتأمل العاقل المنصف أنه: هل يجوز أن يتولىٰ منصب الخلافة الذي هو معظم منصب النبوة مثل شيخ تيّم الجاهل - أبو بكر - بأمور الدين … ومثل عُتلّ عدي الزنيم - عمر - ذي الفظاظة والغلظة والمكر والخديعة … ومثل ثور بني أمية - عثمان - الذي حملهم علىٰ أعناق الناس( ).

ومن عباراته التي يلعن فيها الصحابة: وقد وقع كل من الأمرين من أبي بكر وعمر عليهما اللعنة … وقد وقع من عثمان لعنه الله …. عثمان بن عفان لعنه الله … في نبذه من الأحكام التي صدرت من أبي بكر لعنه الله … في نبذه من مخالفة عمر لعنه الله … نبذه من مخالفات عثمان لعنه الله … ومن أدل دليل علىٰ كفر عثمان واستحقاقه اللعن … فلعنة الله عليه - أي عثمان - وعلىٰ صاحبيه، وأشياعهم، وأتباعهم إلىٰ يوم الدين( ).

وقال الكركي: 

«إن من لم يجد في قلبه عداوة لعثمان ولم يستحل عرضه، ولم يعتقد كفره، فهو عدو الله ورسوله كافر بما أنزل الله»( ).

وقال آية الله محمد نبي التوسيركاني في كتابه «لئالي الأخبار» في باب الأدعية الواردة للتعقيب: «ومما يستفاد منه أن اللعن عليهم وعلىٰ غيرهم من الأعداء أفضل من جميع الأذكار والأوراد والتعقيبات حتىٰ الصلاة علىٰ النبي وآله، وكلمة التوحيد وغيرها مما مر فصلها في الباب السابع، بل من جميع الطاعات والعبادات حتىٰ الصلاة والصوم». وقال: مرت في الباب السابع قصة غريبة من امرأة فاحشة كانت تزني بابنها ونجت بعد موتها بسبب الصلاة علىٰ النبي وآله، واللعن علىٰ أعدائهم، لهما نفع عظيم في المقام فأرجعهما لأنها لا تَفْتُر من لعن هؤلاء الملاعين وغيرهم من الأعداء.

ثم أعطىٰ تنبيهًا للقراء يقول فيه: اعلم أن أشرف الأمكنة والأوقات والحالات وأنسبها للعن عليهم «عليهم اللعنة» إذا كنت في المبال فقل عند كل واحدة من التخلية، والاستبراء، والتطهير، مرارًا بفراغ من البال: اللهم العن عمر ثم أبا بكر، وعمر ثم عثمان، وعمر ثم معاوية، وعمر ثم يزيد، وعمر ثم ابن زياد، وعمر ثم ابن سعد، وعمر ثم شمرًا وعمر، ثم عسكرهم وعمر، اللهم العن عائشة وحفصة وهند وأم الحكم والعن من رضي بأفعالهم إلىٰ يوم القيامة( ).

ويقول محمد حسين كاشف الغطاء - من علماء الشيعة المعاصرين - في كتابه «أصل الشيعة وأصولها»: 

«لولا علي لكان الإسلام ضرطة عنز»( ). وفي هذا إلغاء كامل، وشطب نهائي لجهود جميع الصحابة الذين حملوا الإسلام علىٰ أكتافهم، وثبتوا أركانه بدمائهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأولهم الصديق والفاروق، وحصْر الدور كله في عليّ. هذا عدا إلغاء الإسلام نفسه في غياب علي! والحق أنه لولا الإسلام ما كان علي ولا غيره. والإسلام كلمة الله وشرعه وقدره الذي لا بد أن يكون بعلي أو بسواه.

ويقول في كتابه المذكور (صـ43): إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة. يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنبًا الىٰ جنب، وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والري حتىٰ نمت وازدهرت في حياته، ثم أثمرت بعد وفاته.

ويقول أيضًا في (صـ79) من الكتاب المذكور: أما ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب، ومروان بن الحكم، وعمران بن حطان الخارجي، وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس له عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة، وأمرهم أشهر من أن يذكر.

ويسأل محمد حسين فضل الله: 

هل يجوز التعبد في فروع الدين بالمذاهب السنية الأربعة، وكذلك بقية المذاهب غير الشيعية؟ يجيب: لا يجوز التعبد بأي مذهب إسلامي غير مذهب أهل البيت عليهم السلام، لأنه المذهب الذي قامت عليه الحجة القاطعة( ).

ويذكر صباح الموسوي الأحوازي أن «فضل الله» هذا قام بطرد أحد المشائخ الشيعة، اسمه «طالب السنجري» من حوزته الكائنة في منطقة السيدة زينب في سوريا، كان أستاذًا للفقه فيها، بسبب تأليفه كتابًا أكد فيه علىٰ أن الرجوع إلىٰ الخليفة عمر بن الخطاب كالرجوع إلىٰ الإمام علي بن أبي طالب ب، لكون الاثنان يستقيان علمهما من منبع واحد، وهو القرآن والسُّنة( ).

وموسي الصدر مؤسس منظمة «أمل» - إيراني من مواليد قم - وهو لا يحسن الكلام باللغة العربية. وهو صنيعة الشاه أرسله إلىٰ لبنان، فأسس «منظمة أمل» صاحبة المجازر الطائفية المشهورة.. خرج رجاله في المنظمة المذكورة يهتفون في شوارع بيروت الغربية في يوم (2/6/1985): (لا إله إلا الله والعرب أعداء الله) محتفلين بمجزرتهم في مخيم صبرا الفلسطيني - وفقًا لما ذكرته صحيفة الوطن الكويتية في اليوم التالي - والفرحة تعم أوساط المنظمة التي يترأسها عضو البرلمان اللبناني الحالي، ورئيسه سابقًا نبيه بري؛ فقد خلَّفوا للتو نحو 3000 شخصًا بين قتيل وجريح في صفوف الفلسطينيين! وكان صراخ الفلسطينيين يتعالىٰ من بين جثث الشهداء: (اليهود أفضل منهم)! وقد جاء في وصف المجزرة «أمل والمخيمات الفلسطينية لعبد الله محمد الغريب»: (إن المنازل جُرّفت، والمساجد خُرِّبت، وخزانات المياه فُجِّرت، والكهرباء والماء قطعت، والمواد الغذائية نفدت، والجرحىٰ دون أطباء أو أدوية، والشهداء في الشوارع بسبب حصار حركة أمل واللواء السادس والثامن ومن يساندهم في البرزة). وقد هتكوا عرض (25) امرأة فلسطينية وعلىٰ مرأىٰ من أهالي المخيم المذكور! (كما ذكرت وكالات الأنباء الكويتية في 4/6/1985، والوطن في 3/6/1985) ونحروا ممرضة بالسكين؛ لأنها اعترضت علىٰ قتل جريح في المستشفىٰ أمامها! وقتلوا عددًا من الفلسطينيين في مستشفيات بيروت. وقال مراسل صحيفة صنداي تلغراف في (27/5/1985): إن مجموعة من الجثث الفلسطينية ذبح أصحابها من الأعناق. وذكرت وكالة «أسوشيتد برس» عن اثنين من الشهود أن ميلشيات أمل جمعت العشرات من الجرحىٰ والمدنيين خلال ثمانية أيام من القتال في المخيمات الثلاثة وقتلتهم. وقال الشاهدان: إنهما رأيا أفراد أمل واللواء السادس يقتلون أكثر من 45 فلسطينيًا بينهم جرحىٰ في مستشفىٰ غزة وحوله.

هكذا هم يفعلون اليوم في العراق! وهكذا يفعلون في أي بلد متىٰ ما تمكنوا منه!

ومحمد باقر الصدر - مؤسس حزب الدعوة العميل في العراق - وقد أثبتت الأحداث عمالته بلا شك - يتحدث عن خليفة رسول الله: «فلا غرابة في أن ينتزع من أهل البيت أموالهم المهمة ليركز بذلك حكومته، أو أن يخشىٰ من علي عليه السلام أن يصرف حاصلات فدك وغير فدك علىٰ الدعوة إلىٰ نفسه. وكيف نستغرب ذلك من رجل كالصديق وهو الذي قد اتخذ المال وسيلة من وسائل الإغراء، واكتساب الأصوات( ). ويطعن في شرعية خلافته ويصفها بأنها: خلافة لم تباركها السماء ولا رضي بها المسلمون( ). ويقول أيضًا: والنقطة الأولىٰ التي نؤاخذ الصديق عليها هي وقوفه موقف الحاكم في المسألة «فدك» مع أن خلافته لم تكتسب لونًا شرعيًّا( ).

ويفسر الخير والعدل والحق الذي كان عليه الخلفاء الثلاثة بأنهم كانوا مُلْجَأين إليه؛ إرضاءً للناس؛ لأنهم تحت مراقبة النظر الإسلامي العام الذي كان مخلصًا كل الإخلاص لمبادئه، وجاعلًا لنفسه حق الإشراف علىٰ الحكم والحاكمين. ولأنهم يتعرضون - لو فعلوا شيئًا من ذلك - لمعارضة خطرة من الحزب الذي ما يزال يؤمن بأن الحكم الإسلامي لا بد أن يكون مطبوعًا بطابع محمدي خالص، وأن الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يطبعه بهذا الطابع المقدس هو علي - وارث رسول الله ووصيه وولي المؤمنين من بعده( ).

يقول الخميني: وهذا يؤكد أن هذه الفرية صدرت من ابن الخطاب المفتري، ويعتبر خير دليل لدىٰ المسلم الغيور، والواقع أنهم «أي الصحابة» ما أعطوا الرسول حق قدره!! الرسول الذي جدّ وكدّ وتحمل المصائب من أجل إرشادهم وهدايتهم، وأغمض عينيه وفي أذنيه ترن كلمات ابن الخطاب القائمة علىٰ الفرية والنابعة من أعمال الكفر والزندقة( ).

يقول سعيد حوى ؟ عن سبهم الصحابة وتكفيرهم: 

وهذا الأمر مستفيض عند علمائهم وثقات محدثيهم من المتقدمين والمتأخرين، أمثال ابن بابويه القمي، وشيخ الطائفة الطوسي، والشيخ المفيد، وابن طاووس، والأردبيلي وأبو الحسن القمي، ومحمد باقر المجلسي الملقب عندهم بخاتمة المحدثين والذي أسهب الخميني في الثناء عليه في كتابه «كشف الأسرار»، وقد أورد المجلسي في كتابه «زاد المعاد» و«حق اليقين» و«بحار الأنوار» من الأكاذيب والحكايات في حق سادتنا أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وخالد بن الوليد وغيرهم ما نتأدب عن نقله.

أما الخميني الذي نادىٰ في أول حركته بوحدة الأمة الإسلامية، فقد كان من المفروض أن يسدل الستار علىٰ مثل هذه الضلالات بحق أطهار هذه الأمة ويعلنها حربًا علىٰ من يقول بها ويمنع الكتب المؤلفة في سبهم وتكفيرهم، ولكنه بدلًا من كل ذلك تبنىٰ أعتىٰ الشذوذ في هذا المجال. وكان الخميني قد كتب فصلين في كتابه «كشف الأسرار» أحدهما في بيان مخالفة أبي بكر للقرآن، والآخر في مخالفة عمر لكتاب الله، فيهما من الكذب والافتراء والحقد علىٰ أئمة المسلمين ما لا يتصور وصفه من رجل يدعي العلم والمعرفة والدين. فقال في حق الشيخين: 

«إننا هنا لا شأن لنا بالشيخين وما قاما به من مخالفات للقرآن ومن تلاعب بأحكام الإله، وما حلَّلاه وما حرماه من عندهما، ومامارساه من ظلم ضد فاطمة ابنة النبي وضد أولاده. ولكننا نشير إلىٰ جهلهما بأحكام الإله والدين... إن مثل هؤلاء الأفراد الجهال الحمقىٰ والأفاكون والجائرون «كذا» غير جديرين بأن يكونوا في موضع الإمامة وأن يكونوا ضمن أولي الأمر». ووصف عمر بن الخطاب > بأن أعماله: «نابعة من أعمال الكفر والزندقة والمخالفات لآيات ورد ذكرها في القرآن الكريم».

بل ذكر خلاصة كلامه عن سبب عدم ورود ذكر الإمامة في القرآن الكريم وما قام به الشيخان في زعمه من اغتصاب للخلافة ما نصه: 

«من جميع ما تقدم يتضح أن مخالفة الشيخين للقرآن لم تكن عند المسلمين شيئًا مهمًّا جدًّا، وأن المسلمين إما كانوا داخلين في حزب الشيخين مؤيدين لهما، وإما كانوا ضدهما ولا يجرؤون أن يقولوا شيئًا أمام أولئك الذين تصرفوا مثل هذه التصرفات تجاه رسول الله وتجاه ابنته. وحتىٰ إذا كان أحدهم يقول شيئًا فإن كلامه لم يكن ليؤخذ به. والخلاصة: حتىٰ لو كان لهذه الأمور ذكر صريح في القرآن، فإن هؤلاء لم يكونوا ليكفوا عن منهجهم ولم يكونوا ليتخلوا عن المنصب» ا هـ.

جعل الخميني من مذهب أهل السُّنة مذهبًا باطلًا وضع لبناته أبو بكر وعمر وأصحابهما تحت قبة السقيفة، من أجل التوصل إلىٰ هدم دين الإسلام! ويقول في كتابه المسمىٰ «الأربعون حديثًا» (صـ592): إن ولاية أهل البيت عليهم السلام شرط في قبول الأعمال عند الله سبحانه، بل هي شرط في قبول الإيمان بالله والنبي الأكرم ﷺ.

وقال (صـ590 - 591): فكل من توفرت فيه هذه الأمور الثلاثة - آمنوا وتابوا وعملوا صالحًا - فاز وشملته ألطاف الله سبحانه وأصبح مكرَّمًا أمام ساحة قدسه، فتتحول سيئاته وآثامه إلىٰ حسنات. ومن المعلوم أن هذا الأمر يختص بشيعة أهل البيت، ويحرم عنه الناس الآخرون؛ لأن الإيمان لا يحصل إلا بواسطة ولاية علي وأوصيائه من المعصومين الطاهرين عليهم السلام، بل لا يقبل الإيمان بالله ورسوله من دون الولاية... ويعتبر هذا من الأمور المُسَلَّمة، بل من ضروريات مذهب أهل التشيع المقدس، وتكون الأخبار في هذا الموضوع أكبر من طاقة مثل هذه الكتب المختصرة علىٰ استيعابها وأكثر من حجم التواتر.

وقال في كتاب «المكاسب المحرمة» (1/249 - 252) بعدم الأُخوة بينهم وبين المخالف - وأول المخالفين عنده أهل السُّنة - ووجوب البراءة منهم ومن مذهبهم وأئمتهم، كما تدل عليه الأخبار واقتضته أصول المذهب... فغيرنا ليسوا بإخواننا وإن كانوا مسلمين.

وقال: فلا شبهة في عدم احترامهم بل هو من ضروري المذهب كما قال المحققون، بل الناظر في الأخبار الكثيرة في الأبواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الأئمة المعصومون، أكثروا في الطعن واللعن عليهم وذكر مساويهم. فعن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: إن بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم؟ فقال: الكف عنهم أجمل ثم قال: يا أبا حمزة إن الناس كلهم أولاد بغاة - أي زنا - ما خلا شيعتنا. والظاهر منها جواز الافتراء والقذف عليهم.

الإمامية أكثر الفرق غلوًّا في التكفير.. وأشنعهم دموية!!:

- الشيعة الإمامية - عند المحققين - من أكثر الفرق غلوًّا في التكفير، وأشنعهم دموية في الثأر، وأكثرهم همجية في الانتقام،.. غلوهم في ذلك قد فاق غلو الخوارج؛ لأن الخوارج - علىٰ الرغم من غلظ بدعتهم - لم يكفِّروا أبا بكر وعمر وعثمان وبعض أمهات المؤمنين - رضي الله عن الصحابة أجمعين - ولم يتسببوا في كوارث أودت بالملايين من المسلمين، مثلما حدث من الروافض إبَّان الحملات الصليبية والتتارية.

- يتعبدون بسوء الظن وإكثار التهم لجمهور حَمَلَة هذه الرسالة والسابقين في حمايتها، ولكن العجب يزداد عندما نرىٰ أن هذه الاتهامات والظنون تتركز حول خاصة المبعوثين بالدين، وحواريي المبلغ بالرسالة ﷺ. فحين يزعمون تعظيم الرسالة وتعزير الرسول، يبالغون في أذية أمته، ولا يبرِّئون خاصته من أقرب بطانته وألصق الناس به، وحتىٰ أزواجه أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن - ما نجون من التهم التي تُكال لهن ذات اليمين وذات الشمال.

لقد علم العقلاء الأمناء في هذه الأمة أن هذا الطعن في حَمَلَة الرسالة هو طعن في الرسالة نفسها، بل في المبلِّغ بها ﷺ؛ إذ كيف يكون أمناؤه وأوصياؤه وأصدقاؤه وأحبَّاؤه من الخائنين وهو لا يَعْرِفُ أو يُعرَّف؟! وكيف يتنزل القرآن بالثناء عليهم؛ دون «اكتشاف» أنهم سيرتدون بعد حين؟!إن الشيعة الاثني عشرية - بجهل أو تجاهل - لم يستثنوا من جيل الصحابة العظيم، ومن حواريي الرسول الكريم ﷺ إلا بضعة عشر شخصًا، بالغوا في رفعهم والغلو فيهم حتىٰ رفعوهم إلىٰ منزلة الملائكة أو أرفع، كما بالغوا - في الوقت نفسه - في الحط من شأن البقية المفترىٰ عليهم، حتىٰ وضعوهم في درك الشياطين أو أنزل!!

المطّلع علىٰ مقالات القوم قديمًا وحديثًا يفهم أن مداركهم ومفاهيمهم قد انحطت إلىٰ ذلك الحضيض.. يدَّعون أن الخلفاء الثلاثة الأُوَلَ أصحابُ ضلالة، ومن ذلك ما جاء في كتاب «الكافي» للكليني، منسوبًا إلىٰ أبي جعفر أنه قال: «الناس صاروا بعد رسول الله ﷺ بمنزلة من اتبع هارون، ومن اتبع العجل، وإن أبا بكر دعا، فأبىٰ عليٌّ إلا القرآن، وإن عمر دعا، فأبىٰ عليٌّ إلا القرآن، وإن عثمان دعا، فأبىٰ عليٌّ إلا القرآن، وإنه ليس من أحد يدعو إلىٰ أن يخرج الدجال إلا سيجد من يبايعه، ومن رفع راية ضلالة فهو طاغوت»( )!!

يقولون إن بيعة أبي بكر > انعقدت لإبليس؛ ففي الكافي أيضًا، ينسبون لعلي > أنه قال لسلمان الفارسي > عندما بويع أبو بكر بالخلافة: «يا سلمان! هل تدري من أول من بايعه علىٰ منبر رسول الله ﷺ؟ قال: قلت: لا أدري، إلا أني رأيت في سقيفة بني ساعدة حين خصمت الأنصار، وكان أول من بايعه بشير بن سعد وأبو عبيدة بن الجراح، ثم عمر ثم سالم. قال: لست عن هذا أسألك، ولكن تدري أول من بايعه علىٰ منبر رسول الله ﷺ؟ قال سلمان: قلت: لا، ولكن رأيت شيخًا كبيرًا متوكئًا علىٰ عصاه، بين عينيه سجادة شديدة التشمير، صعد إليه أول من صعد وهو يبكي ويقول: الحمد لله الذي لم يمتني من الدنيا حتىٰ رأيتك في هذا المكان، ابسط يدك.. فبسط يده فبايعه ثم نزل فخرج من المسجد، فقال عليٌّ - عليه السلام -: هل تدري من هو؟ قال: لا، ولقد ساءتني مقالته كأنه شامت بموت النبي ﷺ، فقال علي: ذاك إبليس لعنه الله»( )!! هكذا يقولون - عليهم من الله ما يستحقون.

- في تفاسيرهم، ينكرون فضل أبي بكر الذي نزل فيه القرآن، ويحوِّلون مناقبه إلىٰ مثالب؛ ففي قول الله تعالىٰ: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ [التوبة: 40]، قال عبد الله بن محمد رضىٰ العلوي المتوفىٰ سنة 1242هـ في تفسيره للقرآن المسمىٰ (الوجيز): «﴿ﯕ ﯖ ﯗ﴾ لا مدح فيه؛ إذ قد يصحب المؤمن الكافر، كما قال: ﴿ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾ [الكهف: 37]، وقوله: ﴿ﯘ ﯙ﴾ يدل علىٰ أنه خاف وقبض واضطرب، حتىٰ كاد يدل عليه فنهاه»( ).

يتهمون الصديق بأنه مكذب بالرسالة، ففي تفسير «الصافي»، لمؤلفه محمود مرتضىٰ المعروف بملّا محسن الكاشي المتوفىٰ سنة 1091هـ، أورد ذلك «المفسر» قصة مختلقة في هذه الآية، مفادها أن أبا بكر أخذته الرعدة وخاف، فجعل النبي ﷺ يشغله بأن يطلعه علىٰ جعفر وأصحابه وهم يغوصون في البحر، فأضمر أبو بكر في تلك الساعة أنه - أي النبي ﷺ - ساحر، ثم نقل ذلك المفسر عن العياشي قوله: «يحتجون علينا بقوله تعالىٰ: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ﴾، وما لهم في ذلك حجة، فوالله لقد قال الله تعالىٰ: ﴿ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ﴾ وما ذكره بخير»!!

أنعجب من افترائهم علىٰ الله في تفاسيرهم، أم افترائهم علىٰ رسوله ﷺ في كتب أحاديثهم، أم افترائهم علىٰ التاريخ في الآثار والأخبار المكذوبة، أم افترائهم علىٰ الحقيقة والعقل في نقل ما لا يصدقه عقل؟! يكفِّرون الفاروق بآيات من الفرقان الذي عاش مجاهدًا عنه وقائمًا به حتىٰ لقي ربه. ففي تفسير قول الله - تعالىٰ -: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾ [الفرقان: 27 - 28]، روىٰ «محدثهم» علي بن إبراهيم القمي عن أبي جعفر أن «الظالم» أبو بكر، والسبيل علي، والخليل عمر. يجعلون عثمان ذا النورين من المرائين، وأنه ومن سبقه كانوا من المبدِّلين، فيدعي عالمهم ومحدثهم «الكشي» أن فيه نزل قول الله - تعالىٰ -: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ﴾ [الحجرات: 17]، ويذكر مفسرهم «القمي» أن قول الله - تعالىٰ -: ﴿ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [آل عمران: 106]، نزل في أبي بكر وعمر وعثمان، وأورد في ذلك «حديثًا» طويلًا، يدعي فيه أن رسول الله ﷺ قال: «ترد عليَّ أمتي يوم القيامة علىٰ خمس رايات..» ثم ذكر «راية العجل» و(راية فرعون) و(راية السامري) و(راية زعيم الخوارج) و(راية المتقين). ويقصدون بالأربعة الأُول رايات أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية، وبالراية الخامسة راية علي بن أبي طالب، وادعوا أن النبي ﷺ سأل أصحاب كل راية عما فعلوه مع «الثقلين» أي: الحسن والحسين، فكلهم اعترفوا بأنهم خذلوهما وظلموهما، فحق عليهم العذاب وقيل: ﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴾ [آل عمران: 106]. وفي تفسيرهم لقول الله - تعالىٰ -: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [الانشقاق: 19]، يقول «الملَّا عبد اللطيف الكازراني» في تفسيره «مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار»: «أي: لتركبن هذه الأمة بعد نبيها طبقًا عن طبق في أمر فلان وفلان وفلان... أي كانت ضلالتهم بعد نبيهم مطابقة لما صدر عن الأمم السابقة في ترك الخليفة «يقصد عليًّا >» وأتباع السامري وأشباه ذلك( ). يتهمون خيار الأمة بخيانة النبي ﷺ في حياته وبعد مماته فعند تفسيره لقول الله - تعالىٰ -: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [آل عمران: 144]

قال محمد بن حيدر الخراساني من القرن الرابع عشر الهجري في تفسيره «بيان السعادة»: «المراد بالشاكرين هنا، علي ونفر يسير بقوا عند رسول الله ﷺ حين انهزم المسلمون»( ). وعند تفسيره لسورة التحريم، أورد «المفسر» نفسه العديد من القصص الملفقة والأراجيف المخترعة، يستدل بها علىٰ أن كلًّا من أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة، تآمروا علىٰ قتل النبي ﷺ!!

معروف موقف التكفيريين السبئيين القدامىٰ الشائن من أكثر أزواج النبي ﷺ - وكيف أنهم أخرجوهن من مسمىٰ أهل البيت بالرغم من وصف الله - تعالىٰ - لهن بأنهن أمهات المؤمنين في قوله - سبحانه -: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ﴾ [الأحزاب: 6]، ولم يسمع العقلاء من الناس بقوم يشهّرون بـ ﴿ﯟ ﯠ﴾. ويلخص محمد باقر المجلسي في كتابه «حق اليقين» عقيدة الشيعة «التكفيرية» في أصحاب وأزواج النبي ﷺ فيقول: «وعقيدتنا في البراءة، أننا نتبرأ من الأصنام الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية، والنساء الأربع: عائشة وحفصة وهند وأم الحكم، ومن جميع أتباعهم وأشياعهم، وأنهم من شر ما خلق الله علىٰ وجه الأرض، وأنه لا يتم الإيمان بالله ورسوله والأئمة إلا بعد التبرؤ من أعدائهم»( ).

كان الشيعة يرجئون انتقامهم من أهل السُّنة حتىٰ يخرج «مهديهم» فيقودهم إلىٰ ذلك، حتىٰ جاء «الخميني» واخترع لهم «ولاية الفقيه» وأذن لهم بـ «الجهاد» و«الإمامة» التي كانت ممنوعة بانتظار المهدي.. يحملون عقيدة شاذة في أمر المهدي، لا تزال موجودة في كتبهم بتفاصيلها حتىٰ اليوم.

إنهم يؤمنون بأن المهدي «الذي نعتقد نحن أنه سيكون علىٰ سيرة الخلفاء الراشدين» سيأتي بمقتضىٰ عقيدتهم - لكي ينتقم من هؤلاء الخلفاء؛ لأنهم عندهم أئمة الكفر، وبدلًا من أن يخرج لكي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، فإنه «سيتفرغ» للقصاص من قادة القسط ورموز العدل من المسلمين، وعلىٰ رأسهم كبار الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - لا بل إن النبي ﷺ نفسه - في اعتقادهم - سيرجع وسيرجع معه إلىٰ الدنيا علي والحسن والحسين وجميع الأئمة المنصوص عليهم، لا لينقذوا العالم ويخلصوه من الظلم، بل لينتقموا من «خصوم» أهل البيت وعلىٰ رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان، وهو ما يسمىٰ عندهم بعقيدة «الرجعة».

يقول صادق الحسيني الشيرازي في كتابه «المهدي في القرآن» عند قوله تعالىٰ: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [القصص: 6]: «إن فرعون وهامان، هما شخصان من جبابرة قريش، يحييهما الله تعالىٰ عند قيام القائم من آل محمد في آخر الزمان، فينتقم منهما بما أسلفا». ويقول المجلسي في كتابه «حياة القلوب»: «إذا ظهر الإمام المهدي، فإنه سيحيي عائشة، ويقيم عليها الحد انتقامًا لفاطمة».

أساطير اختلقوها وأكاذيب لفقوها:

وحملات ظالمة على من صنعوا تاريخ الإسلام!!:

اختلقوا الأكاذيب، واخترعوا الأباطيل، وملئوا الدنيا بالمؤلفات والمصنفات... يستدلون بالقرآن الكريم، ولكن بعد أن يبطنوه بروايات مختلفة تحمل النصوص ما لا تحتمل، لما يتفق مع مفاهيم مقلوبة.. مفاهيم ألفاظ القرآن ومعاني الآيات مختلفة. كفروا صحابة رسول الله، وألصقوا بهم أشنع التهم، زعموا فيما زعموا: 

«أن صحابة رسول الله ﷺ، قد أطفئوا بطغيانهم مصابيح دين الله وأنواره، وهدموا معالمه وأنواره، وأن أمة محمد أصبحت؛ إلا القليل منها لحدود الله تاركة، ولغير سبل الله سالكة، ولحقوقه مضيعة، ولحرمة دينه هاجرة، ولغير أولياء الله متبعة، كأنهم صم لا يسمعون، وبهم لا يعقلون، قد شملهم البلاء، وغلبت عليهم الأهواء، وملكتهم الضلالة وأهلكتهم الفتن، وعدمت فيهم الأحكام، والسنن حتىٰ ملئت الأرض جورًا، وظلمًا واعتداء، ومعاصي وطغيانًا!!

كل واحد من الثلاثة - يقصدون الخلفاء الثلاثة - قد ابتدع بدعًا في شريعة الإسلام علىٰ قدر طول عمره، وتراخي أيامه، وعلىٰ قدر تمكنه في سلطانه مما يوجب علىٰ مبتدعه الهلاك والدمار وسوء العاقبة والبوار!! واتبعهم في ذلك السواد الأعظم من الناس مع إقرارهم بخطرها، وإيجاب الكفر علىٰ فاعلها، عدا فرقة قد فرت منهم مشردة في كل بلد ممتنعة عن موالاتهم، وهم شيعة آل محمد ﷺ، فاستحلوا عند ذلك سفك دمائهم، وإباحة أموالهم وهتك محارمهم، وصاروا بينهم مقهورين مستضعفين خائفين، وهم مع ذلك مستمسكون بدينهم، صابرون علىٰ محنتهم، حامدون لربهم، منتظرون الفرج في غدوهم ورواحهم..».

أول ظلم في الإسلام.. بيعة أبي بكر!!:

قالوا: تآمر أبو بكر علىٰ الناس، من غير أن يبيح الله له ذلك، وطالب جميع الناس بالبيعة له، والانقياد له طوعًا أو كرهًا.. وكان ذلك أول ظلم في الإسلام.

ولما انقاد الناس له، طالبهم بالخروج عما كان يأخذه رسول الله ﷺ من الصدقات، والأخماس، ثم تسمىٰ بخليفة رسول الله، وقد علم الخاص والعام أن النبي ﷺ لم يستخلفه، وبذا صار ظالمًا وكاذبًا، وحق عليه قول النبي ﷺ «من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار».

ولما انقاد الناس إليه طوعًا وكرهًا، امتنعت عليه قبيلة من العرب في دفع الزكاة، وقالوا: إن الرسول لم يأمر بالدفع إليك ولا أمرك بمطالبتنا فسماهم أهل الردة، وبعث إليهم خالد بن الوليد في جيش فقتل مقاتلتهم وسبىٰ ذراريهم واستباح أموالهم، وقتل خالد مالك بن نويرة، وأخذ زوجته فوطئها من ليلته من غير استبراء.. واعترض عمر علىٰ فعل خالد، وطلب من أبي بكر إقامة الحد عليه فرفض أبو بكر، وقال: لا أغمد سيفًا سله الله علىٰ المشركين، وهذا الفعل الفظيع لا يخلو أن يكون بأمر الله ورسوله أو برأي استحسنه، فإن قالوا بأمر من الله ورسوله طولبوا بالدليل، وإن قالوا برأي استحسنه قيل لهم: هل هو عندكم ظلم أو محق؟ فإن قالوا: محق أباحوا دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم بغير حق، وقائل هذا خارج من دين الله. وإن قالوا: إنه ظالم كفاهم ذلك خزيًا وكفرًا وجهلًا.. !!

فدك وفاطمة:

وفي ميراث فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالوا: 

«والمصيبة العظمىٰ في ظلم فاطمة فيما خلفه أبوها من ضِياع وبساتين، وجعل ذلك بزعمه صدقة للمسلمين وزعم أن النبي ﷺ قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة»، ورد دعوىٰ فاطمة أن النبي ﷺ قد وهبها فدكًا فطالبها بالبينة، فجاءت بأم أيمن فشهدت لها، فرد شهادتها كما رد من قبلها شهادة علي؛ قائلًا: هذا بعلك... وهم قد رووا جميعًا أن النبي ﷺ قال: «علي مع الحق والحق مع علي يدور، ولن يفترقا حتىٰ يردا عليَّ الحوض». هذا مع ما أخبر الله به من تطهيره لعلي وفاطمة من الرجس، فمن توهم بعد هذا أن عليًّا وفاطمة يدخلان في شيء من الكذب والباطل علىٰ غفلة أو تعمد فقد كذب علىٰ الله، ومن كذب علىٰ الله فقد كفر، فغضبت فاطمة وحلفت أن لا تكلمه وصاحبه، حتىٰ تلقىٰ أباها، فلما حضرتها الوفاة أوصت عليًّا بأن يدفنها ليلًا لئلا يصلي عليها أحد منهم.. وهم قد رووا جميعًا أن النبي ﷺ قال: «فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني». فقال عمر: اطلبوا قبرها لننبشها ونصلي عليها، فطلبوه فلم يجدوه، وهم قد رووا أن النبي ﷺ قال لها: «يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضىٰ لرضاك». وقد ثبت بذلك أنهم أغضبوا الله بإغضابهم لفاطمة، فاستحقوا بذلك اللعن بنص قول الله تعالىٰ: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾ [الأحزاب: 57].

«وأنه لما استتب الأمر لأبي بكر قطع لنفسه أجرة من مال بيت الصدقة كل يوم ثلاثة دراهم، وهذا من أظهر الحرام، وذلك أن أبواب أموال الشريعة معلومة، كل باب منها مفروض من الله ورسوله لقوم بأعيانهم، لا يحل لأحد أن يأكل حبة واحدة حتىٰ يصير في أيديهم».

«.. وأن النبي ﷺ، قد ضم قبل وفاته إلىٰ أسامة مع صاحبه وجماعة من رؤساء المهاجرين والأنصار، وأمرهم بالمسير إلىٰ الشام، وقال: «أنفذوا جيش أسامة، لعن الله المتخلف عن جيش أسامة» فلم ينفذوا وتأخروا..

«وأن أبا بكر قد عهد، لما حضرته الوفاة، إلىٰ عمر من بعده، وطالب الناس بالبيعة له؛ كره من كره ورضي من رضي».

«.. وكانت الطامة الكبرىٰ أن أمر وقت وفاته أن يدفنوه مع رسول الله ﷺ في بيته حتىٰ اقتدىٰ به عمر وهذا منكر عظيم.. !!».

الحق أن: 

أبا بكر > لم يطلب الخلافة، ولم ينصب نفسه أميرًا بالقوة، ولم تكن عنده وقت المبايعة قوة عسكرية يستطيع أن يخضع بها الناس أو يخيفهم.. كما أنه لم يقم بانقلاب عسكري علىٰ خلافة قائمة، وإنما بويع فلم يرفض؛ إذ ليس من حقه أن يرفض ما دام أنه يشعر في نفسه بالمؤهلات اللازمة لهذا المنصب الخطير، أما دعوىٰ أن الله لم يبح له الخلافة فقول مردود؛ إذ لا سند له من عقل أو نقل وليس في آي الكتاب، ولا في سنة محمد ﷺ ما يمنع أبا بكر أو غيره من تَوَلِّي الخلافة.. ولو كانت الخلافة حقًّا خاصًّا لعلي >، فقد ثبت تنازله عنها بمبايعته للخلفاء الثلاثة الذين تقدموه، كما أنها إن كانت حقًّا عامًّا للمسلمين فليس لأحد أن ينتزعها بغير رضاهم، وقد ثبت أنهم رضوا بخلافة الخلفاء الثلاثة، وبايعوهم ولم ينازعهم فيها أحد.

أما مطالبته بالصدقات والأخماس، فليست إلا جزءًا من مسؤوليات الخلافة، وثبوت شرعية الخلافة يؤدي ضمنًا إلىٰ إباحة ممارسة مسؤولياتها.

أما تسميته بخليفة رسول الله ﷺ، فقد سماه صحابة رسول الله الذين أخبر الله عنهم أنهم صادقون.

قبيلة مالك بن نويرة كانت قد أظهرت السرور بموت النبي ﷺ، وثبت لأبي بكر أنهم ضربوا الدفوف وشتموا أهل الإسلام، وأن مالكًا قال لخالد: هذا رجلكم أو صاحبكم!! يعني النبي ﷺ، وأنه أعاد صدقات قومه عليهم، وقال لهم: قد نجوتم من هذا الرجل، وأن قومه وافقوه علىٰ منع الزكاة.

أما مسألة فدك فإن أبا بكر > لم يأخذ منها شيئًا لنفسه، وما كان في امتناعه عن تسليمها، إلا منفذًا لأمر رسول الله ﷺ، وفاطمة < أَوْلىٰ الناس بالخضوع والانقياد لتعاليم الإسلام التي جاء بها مَنْ هي أقرب الناس إليه.. فاطمة لا يؤذيها أن الخليفة كان حريصًا علىٰ تطبيق تعاليم الإسلام، ولا تغضب إلا لمخالفة هذه التعاليم.

احتجوا علىٰ ثبوت الإرث من الأنبياء بقول الله تعالىٰ: ﴿ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾ [النمل: 16]» وقوله تعالىٰ فيما أخبر به عن زكريا عليه السلام: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [مريم: 5، 6].

المقصود هو: إرث العلم والنبوة لا إرث المال.

وفيما يتعلق بالأجر الذي كان لأبي بكر، لم يقطعه الخليفة لنفسه، وإنما المسلمون هم مَنْ قطعوا ذلك الراتب له.. رآه عمر بعد توليه الخلافة ذاهبًا إلىٰ السوق، وعلىٰ كتفه أثواب لبيعها، فقال له: إلىٰ أين؟ قال: إلىٰ السوق لأبيع ما عندي وأشتري غيره، فقال له عمر: وشؤون المسلمين إلىٰ مَن تتركها؟ فقال له: ومن أين ما أطعم به عيالي؟ فقال له: لنذهب إلىٰ المسجد، وهناك أعلن عمر بن الخطاب علىٰ المسلمين أن يقترحوا تخصيص راتب معين لأبي بكر؛ ليتفرغ لشؤون الخلافة، فاستقر الرأي علىٰ تخصيص هذا المبلغ له، وهذا العمل إن كان حرامًا فقد كان علي > أحد من أقروه وقدروه، وقد أفتىٰ علي لعمر بن الخطاب أيام خلافته بأن يأخذ من بيت المال ما يصلحه ويصلح عياله.

نظرتهم السوداوية لتاريخنا.. ضرورة التصالح مع التاريخ العربي:

انظر إلىٰ قطيعتهم لتاريخ العرب والإسلام، ونظرتهم إليه علىٰ أنه تاريخ أسود، ليس فيه من إشراقة تضيء الدرب، أو مكرمة يرتفع لها الرأس. إلا ما علقوه بمجموعة من الشخصيات، شدوا أحداث التاريخ جميعًا إلىٰ ظلالها. وعدة أحداث، أداروا أجيالهم جميعًا حول محورها. فليس إلا الغدير والسقيفة والجمل وصفين والطف، وما إليها. وقد وقفوا بعجلة الزمن فهي ترابط عندها لا تبغي عنها حولًا.

اللعنة اليومية لأصحاب النبي ﷺ عامة، وللشيخين خاصة: قبل الصلوات وبعدها، وقبل النوم وحين الاستيقاظ. وتصل أحيانًا إلىٰ ألف مرة بحسب الإمكان. وكذلك الدعاء عليهم بالنار والغضب والهلاك... إلخ.

القطيعة الروحية بين الشيعي وأمته؛ تاريخًا وواقعًا. فهو لا يحتفي بذات السلاسل، والقادسية، والمدائن، وجلولاء، ونهاوند، ولا اليرموك، وذات الصواري، وحطين، والقسطنطينية. ويغتاظ لذكر عمر والزبير وخالد وابن العاص ويزيد بن أبي سفيان وابن أبي سرح وصلاح الدين؛ لأن هذه الوقائع والأشخاص ترتبط في ذاكرته المستنسخة عن الذاكرة الفارسية بكل ما يؤلم، ويشعر بالذل والهزيمة والهوان.

الأمة مجمعة علىٰ عدالة صلاح الدين، وأنه من رجالها الأفذاذ المعدودين في تاريخها. ولا ترضىٰ بمن يبخسها في رموزها وعظمائها، ولا يمكن أن ترضىٰ بالتصالح معه، إلا الشيعة، فإنهم يسبونه ويكفرونه ويحقدون عليه! وذلك لأسباب طائفية سوداوية بحتة تغطي منظارهم فلا يرون منه إلا ما هو أسود مكروه.

علماء التشيع أدخلوا التاريخ في العقيدة. فـ «بيعة الغدير»، و(اغتصاب أبي بكر للخلافة)، و(كفر الصحابة) بذلك، و(كسر ضلع الزهراء)... إلخ من الخزعبلات التاريخية التي امتزجت عند الشيعي مع عقيدته امتزاجًا لا يمكن بعده الفصل أو التمييز بينهما. فإن تخلىٰ عنها شعر أنه تخلىٰ عن دينه وشيعيته.

يقول الخميني: في صدر الإسلام سعىٰ الأمويون ومن يسايرهم لمنع استقرار حكومة الإمام علي بن أبي طالب «ع»، مع أنها كانت مرضية لله وللرسول. وبمساعيهم البغيضة تغير أسلوب الحكم ونظامه، وانحرف عن الإسلام؛ لأن برامجهم كانت تخالف وجهة الإسلام في تعاليمه تمامًا. وجاء من بعدهم العباسيون، ونسجوا علىٰ نفس المنوال. وتبدلت الخلافة، وتحولت إلىٰ سلطنة وملكية موروثة، وأصبح الحكم يشبه حكم أكاسرة فارس، وأباطرة الروم، وفراعنة مصر، واستمر ذلك إلىٰ يومنا هذا( ).

يُشبِّه الخميني الدولة الأموية التي قدمت للإسلام الشيء الكثير ونشرت الإسلام في أرجاء المعمورة بأنها أشد من إسرائيل العنصرية، في خطابه الذي ألقاه عام 1383ه‍ـ ما نصه: وليعلم السادة الخطباء والمبلغون بأن الخطر الذي أحدق اليوم بالإسلام لا يقل عن خطر بني أمية ( ).

يصف خلفاء الإسلام ابتداء من أبي بكر إلىٰ هارون الرشيد بالجهل كما قال في كتابه «الحكومة الإسلامية» (صـ132): «وها هو التاريخ يحدثنا عن جهال حكموا الناس بغير جدارة ولا لياقة، هارون الرشيد، أية ثقافة حازها؟ كذلك من قبله ومن بعده».

هل تغير موقفهم اليوم من الصحابة ش؟!:

يتساءل د. ناصر عبد الله القفاري في أطروحته «أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية - عرض ونقد».

«السؤال المطروح اليوم من البعض: هل تغير شيء في مذهب هذه الطائفة، ولاسيما - بعد قيام دعوات التقارب والوحدة.. وتكالب العدو الكافر علىٰ الأمة من كل حدب وصوب.. ومُضِيّ القرون المتطاولة، ولم تعرف الأمة أشرف ولا أعظم ولا أفضل من ذلك الجيل القرآني الفريد؛ جيل الصحابة رضوان الله عليهم؟

هل تفتحت عقول الشيعة وقلوبهم علىٰ الحقيقة، وعرفت خطورة تلك الأسطورة التي تتناقلها كتبهم القديمة من حكاية ردة الصحابة، ومن افتعال ذلك الصراع المكذوب بين الآل والأصحاب؟! أما آن لها أن تؤمن بالتنزيل الإلهي، والسُّنة المطهرة، وإجماع الأمة، وما علم من الدين والتاريخ بالضرورة، وتوازن بالعقل بين الأخذ بذلك، أو الاغترار بنقل حثالة من الكذابين استفاض ذمهم وتكذيبهم؟! فهل يقبل عقل سليم تصديق شرذمة من الكذابين، وتكذيب الصحابة أجمعين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؟!

كتابات لبعض المعاصرين منهم:

خرج من شيعة العصر الحاضر رجل يدعي «أحمد الكسروي» اكتشف بطلان مذهب الشيعة حول الصحابة، وتخلص من تلك الأساطير التي وضعتها تلك الزمرة الحاقدة حول الصحابة وارتدادهم لمخالفتهم النص علىٰ إمامة علي - كما يزعمون - وبيَّن ضلال طائفته في هذا المذهب فقال: «وأما ما قالوا عن ارتداد المسلمين بعد موت النبي ﷺ؛ إلا ثلاثة أو أربعة منهم فاجتراء منهم علىٰ الكذب والبهتان، فلقائل أن يقول: كيف ارتدوا وهم كانوا أصحاب النبي، آمنوا به حين كذبه الآخرون ودافعوا عنه، واحتملوا الأذىٰ في سبيله ثم ناصروه في حروبه ولم يرغبوا عنه بأنفسهم. ثم أي نفع لهم في خلافة أبي بكر ليرتدوا عن دينهم لأجله؟ فأي الأمرين أسهل احتمالًا: أكذب رجل أو رجلين من ذوي الأغراض الفاسدة، أو ارتداد بضع مئات من خُلَّص المسلمين؟ فأجيبونا إن كان لكم جواب»( ). وقد كان لهذا الاتجاه عند الكسروي أثره في التفاف بعض المثقفين حوله وإقبال الشباب عليه فأحاط به الآلاف منهم، وقاموا بنصرته وبث آرائه ونشر كتبه؛ إلا أن خصومه منهم عاجلوه بالقتل قبل انتشار دعوته وظهورها!!

وقد ظهرت كتابات لبعض المعاصرين من الشيعة ممن يتظاهرون بالدعوة للتقارب، وهي موضوعة للدفاع عن معتقد التشيع والدعاية للشيعة، وموجهة لبلاد السُّنة. وقد تضمنت القول بأن الشيعة لا تسب؛ فضلًا عن أن تكفِّر الخلفاء الثلاثة، وأنها تقدر أصحاب رسول الله ﷺ. فالخنيزي في كتابه: «الدعوة الإسلامية إلىٰ وحدة أهل السُّنة والإمامية» يقول: «بأن الإمامية - في هذا العصر - لا تمس كرامة الخلفاء البتة فهذه كتاباتهم، وهذه كتبهم تنفي علنًا السب عن الخلفاء وتثني عليهم»( ).

وقال الخنيزي: وممن صرح بنفي السب محمد باقر أحد مشاهير المجتهدين في كربلاء في منظومته المطبوعة قال: 

فَلَا نَسُبُّ عُمَرًا كَلَّا ولَا

عُثْمانَ والّذِي تولَّىٰ أولا

ومَنْ تَولَّىٰ سَبَّهُمْ ففاسِق

حُكْمٌ به قضىٰ الإمامُ الصادق

ثم قال: 

وعندنا فلا يحل السبُّ ونحن - وايم الله - لا نَسُبّ( ).

ولذلك فإن الخنيزي يلقب عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ويترضىٰ عنه( ). ويطلق علىٰ عائشة وحفصة أمهات المؤمنين.. وكذا يلقب أبا بكر بأمير المؤمنين( ).

ويقول: «إن جعفر الصادق يقول مفتخرًا: ولدني أبو بكر مرتين؛ لأن أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فهي بكرية أمًّا وأبًا». ويقول: إن من قضاء جعفر الصادق «فسق من سب الخلفاء الثلاثة»( ).

ويرىٰ الشيعي أحمد مغنية أن الشيعة تثني علىٰ عمر بن الخطاب وتترضىٰ عنه، وأن القول بأن الشيعة تنال من عمر هو من أحط أنواع الدس، ثم يكشف السبب في وجود مثل هذه الإشاعة عنهم فيقول: «إن المفرقين وجدوا في اتفاق الاسمين: عمر بن الخطاب الخليفة العظيم، وعمر بن سعد قاتل الحسين ميدانًا واسعًا يتسابق فيه في تشويه الحقيقة والدس علىٰ الشيعة بأحط أنواع الدس.. وكان طبيعيًّا أن يكون لعنة اللعنات عمر بن سعد؛ لأنه بطل الجريمة وقائد المجرمين الجبناء، ومَنْ من المسلمين لا يلعن عمر بن سعد قاتل ابن بنت رسول الله ﷺ؟!

إن أولئك الآثمين المفرقين استغلوا كلمة «عمر» وقالوا: إن الشيعة تنال من خليفة النبي عمر بن الخطاب > وإني في الوقت الذي أثور فيه علىٰ الدساسين التجار أصحاب الغايات والمصالح الرخيصة، لا أنكر وجود أفراد بالأمس من سواد الشيعة وبسطائها لا يفرقون بين هذين الاسمين، بل لا يعرفون أن في دنيا التاريخ الإسلامي عمرين: تقيًّا وشقيًّا»( ).

فهو يرىٰ أن وجود هذا التشابه في الأسماء، واستغلال المفرقين من الأعداء لذلك، ووجود بعض عوام الشيعة في الماضي الذين لا يفرقون بين العُمَرَيْن.. كل ذلك ساعد علىٰ نسبة سب عمر إلىٰ الشيعة.. أما كتب الشيعة، وشيوخها فهي بريئة من هذه التهمة.. لأنها ترىٰ فيه الخليفة التقي العظيم خليفة رسول الله.

وهذا الرفاعي أحد العراقيين الشيعة وقد لجأ إلىٰ مصر لنشر التشيع، وأنشأ جمعية لهذا الغرض سماها «جمعية أهل البيت» وسمىٰ نفسه بـ«إمام التشيع في جمهورية مصر العربية»( ). علىٰ الرغم من أنه لا يوجد في مصر شيعة بعد جهود العظيم صلاح الدين الأيوبي.. وقد أصدر في مصر كتابًا بعنوان «تقدير الإمامية للصحابة»، وفي هذه الكتيب نفىٰ أن تكون الشيعة ترمي الشيخين ومن بايعهما بلعن أو تكفير( ).

وقال: إن الشيعة لو كفَّرْتهما لكفرتْ عليًّا؛ لأنه بايعهما، ولكفّرت سلمان وعمارًا؛ لأنهما بايعوهما؛ بل إن سلمان تولىٰ علىٰ المدائن لعمر فكيف يتصور منه أن يلي لعمر لو كان يرىٰ كفره( )؟! ثم قال: إن الشيعة تؤمن بالقرآن وقد جاء فيه الثناء علىٰ الأصحاب واستدل بالآية المائة من سورة التوبة، والآية التاسعة والعشرين من سورة الفتح، ثم أردف ذلك ببعض ما جاء في نهج البلاغة والصحيفة السجادية من الثناء عليهم( ).

ونقل بعد هذا أقوال بعض شيوخهم المعاصرين في مدح الصحابة، واستدل بقول باقر الصدر: «إن الصحابة بوصفهم الطليعة المؤمنة والمستنيرة كانوا أفضل وأصلح بذرة لنشوء أمة رسالية، حتىٰ إن تاريخ الإنسان لم يشهد جيلًا عقائديًّا أروع وأنبل وأطهر من الجيل الذي أنشأ الرسول القائد»( ).

ثم ختم حديثه عن هذه المسألة بقوله: «إن من ينسب إليهم ذلك «أي الصحابة» فهو إما أن يكون خصمًا سيئ النية، وإما لم يطلع علىٰ مذهب الشيعة؛ إلا من خلال كتب خصومها، ولم يتمكن من الاطلاع علىٰ كتب أصحاب المذهب نفسه»( ).

وفي تفسير الكاشف لرئيس المحكمة الجعفرية في بيروت محمد جواد مغنية يقول: إن الشيعة لا ينالون من الصحابة، ويستدل بقول زين العابدين علي بن الحسين في الصحيفة السجادية من دعاء له في الصلاة علىٰ أتباع الرسل وهو: «اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلو البلاء الحسن في نصره.. وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته»( ).

ثم قال جواد: هذه المناجاة جاءت في الصحيفة السجادية التي تعظمها الشيعة وتقدس كل حرف منها( ). وهي رد مفحم لمن قال: إن الشيعة ينالون من مقام الصحابة( ).

وبمثل هذه الأقوال قال آخرون من شيعة العصر الحاضر؛ مثل: حسين يوسف مكي العاملي الذي قال: «لا نسوغ لأحد أن يسبهما «يعني الشيخين» ولا أن يتحامل علىٰ مقامهما، ولا أفتينا لأحد بجواز سبهما، فلهما عندنا من المقام ما يقتضي الإجلال والاحترام، وإننا نحرص كل الحرص علىٰ تدعيم قواعد المودة والألفة بين المسلمين»( ).

هذا حسن ولكن أين هذا من أرض الواقع؟!

يرد د. ناصر القفاري ويتساءل: 

هل حقيقة هذا ما يقوله هؤلاء أم تقية ومصانعة؟!

إننا نقول للخنيزي وأحمد مغنية، والرفاعي، ومحمد جواد مغنية وغيرهم ممن يقول إننا نقدر الصحابة، ولا ننقصهم ونترضي عنهم: تلك كلمات طيبة تنزل علىٰ قلوبنا بردًا وسلامًا، ومرحبًا بهذه الروح الكريمة الجامعة الموحدة بين المسلمين.

وإننا لنفتح صدورنا لكل كلمة توفق ولا تفرق.. ونستبشر بكل محاولة صادقة لرفع تلك الأدران والصفحات السوداء التي تمس صحابة رسول الله ﷺ.

ولكن ألا يعلم الخنيزي وغيره أن المكتبة الشيعية المعاصرة قد أخرجت كتبًا مليئة بالسب والطعن والتكفير لخيار صحابة رسول الله ﷺ، فلِمَ القول بأن شيعة العصر الحاضر لا يسبون، وأن سب الشيخين عندهم فسق؟

فهذا أحد آيات الشيعة ويدعىٰ «حسين الخراساني» يقول في كتابه «الإسلام علىٰ ضوء التشيع»، والذي أهداه إلىٰ مكتبة دار التقريب بالقاهرة، وجاء علىٰ غلافه بأنه قد نشر باللغات الثلاثة العربية والفارسية والإنجليزية، وحاز علىٰ رضا وزارة المعارف الإيرانية، يقول في هذا الكتاب: تجويز الشيعة لعن الشيخين أبي بكر وعمر وأتباعهما، فإنما فعلوا ذلك أسوة لرسول الله ﷺ واقتفاء لأثره»( )، «فإنهم ولا شك - كما يفتري - قد أصبحوا مطرودين من حضرة النبوي 

- كذا - وملعونين من الله تعالىٰ بواسطة سفيره ﷺ»( ).

فانظر كيف يعلن أحد آياتهم - لا واحد من عوامهم -  أن اتجاه الشيعة هو اللعن والتكفير لعظيمَيْ هذه الأمة وأفضل الخلق بعد النبيين، ومن أمر الرسول ﷺ أمته بالاقتداء بهما، وأنهم يرون لعنهما شريعة ودينًا، فكيف ينكر أولئك وجود السب، مع اللعن والتكفير الصريح والذي يجاهر به، ويطبع باللغات المختلفة؟

يقول القفاري: وقع بيدي كتاب من كتب الأدعية عندهم باللغة الأردية موثق من ستة من شيوخ الشيعة، وصف كل منهم بأنه «آية عظمىٰ»، منهم: الخوئي والخميني وشريعتمداري.. وفي هذا الكتاب الموثق من هؤلاء الآيات دعاء بالعربية بحدود صفحتين يتضمن لعن أبي بكر وعمر ب وابنتيهما أمهات المؤمنين عائشة وحفصة ب، ومما جاء في هذا الدعاء: 

«اللهم العن صنمي قريش وجبتيها، وطاغوتيها، وإفكيها، وابنتيهما الذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرفا كتابك، وأحبا أعداءك، وجحدا آلاءك - كذا - وعطلا أحكامك، وألحدا في آياتك»( ).

هكذا يوجه هؤلاء الآيات كل شيعي علىٰ وجه الأرض، لأن يدعو بهذا الدعاء ويتعبد الله بهذا اللعن؛ ليزرعوا الحقد والكراهية في نفوس أتباعهم ضد خير القرون ومن اتبعهم بإحسان إلىٰ يوم الدين.. وليضعوا العقبات والعراقيل في وجه كل تآلف وتقارب.. وحتىٰ يضمنوا أن باطلهم لا ينكشف، يخدعون ويخادعون بقولهم: إننا لا نسب.. وهيا إلىٰ التقارب والتعاون.

إذن الشيعة لم تترك السب واللعن، ولا يزال طائفة من شيوخهم يهذون بهذا الضلال، وعوامهم علىٰ آثارهم يهرعون، يشتمون ويكفرون.

وقد كشف لنا حقيقة الأمر الشيخ موسىٰ جار الله، حينما زار ديار الشيعة في إيران والعراق، وحضر مجالسها ومحافلها وحلقات درسها في البيوت والمساجد والمدارس، فاطلع علىٰ ما يدور في واقع الشيعة من تكفير لمن رضي الله عنهم ورضوا عنه حتىٰ قال: 

«كان أول شيء سمعته وأنكرته هو لعن الصديق والفاروق، وأمهات المؤمنين: السيدة عائشة والسيدة حفصة، ولعن العصر الأول كافة، وكنت أسمع هذا في كل خطبة وفي كل حفلة ومجلس في البداية والنهاية، وأقرأه في ديابيج الكتب والرسائل وفي أدعية الزيارات كلها، حتىٰ في الأسقية؛ ما كان يسقي ساقٍ إلا ويلعن، وما كان يشرب شارب إلا ويلعن. وأول كل حركة وكل عمل هو الصلاة علىٰ محمد وآل محمد، واللعن علىٰ الصديق والفاروق وعثمان الذين غصبوا حق عليّ - بزعمهم - وظلموه، حتىٰ أصبح السب واللعن عندهم أعرف معروف يلتذ به الخطيب، ويفرح عنده السامع، وترتاح إليه الجماعة»( ).

وهذا الواقع المظلم الذي تجري السُّنة أهله باللعن والتكفير والسب ليس بغريب علىٰ من يرتضع منذ طفولته كره أصحابه رسول الله ﷺ، ويلقن من صغره أن ما يقع له من مصائب إنما هو بسببهم، وتجري أمامه في كل عام «التمثيليات» التي تصور ما جرىٰ علىٰ أهل البيت من ظلم - كما يزعمون - من قبل الصحابة أو بسببهم، وقد أشار صاحب «الوشيعة» إلىٰ ما شاهَدَه من أعمالهم في ذلك. وقال بأن كل هذه التمثيليات والألعاب فيها إغراء وعداوة وبغضاء( )، بل هي مدرسة لزرع الحقد والكراهية ضد خير القرون وأتباعهم. وهذا ليس من أفعال عوامهم، بل شيوخهم وآياتهم يغرونهم بذلك ويدفعونهم إليه بمختلف الوسائل، فقد قُدِّمَ إلىٰ آيتهم ومرجعهم محمد آل كاشف الغطاء السؤال التالي: 

«ما يقول مولانا حجة الإسلام في المواكب المشجية التي اعتاد الجعفريون اتخاذها في العاشر من المحرم؛ تمثيلًا لفاجعة الطف، وإعلامًا لما انتهك فيها من حرمة الرسول ﷺ في عترته المجاهدين بالتمثيل للشهداء وجهادهم، وماجرىٰ عليهم، وما جرىٰ علىٰ الأطفال من القتل والقسوة، وبإعلانهم الحزن لذلك بأنواعه من ندب، ونداء وعويل، وبكاء، وضرب بالأكف علىٰ الصدور، وبالسلاسل علىٰ الظهور، فهل هذه الأعمال مباحة في الشرع أم لا؟ أفتونا مأجورين».

فأجاب آيتهم على ذلك بقوله: 

«بسم الله الرحمن الرحيم، قال سبحانه وتعالىٰ: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾ [الحج: 32، 33]، ولا ريب أن تلك المواكب المحزنة، وتمثيل هاتيك الفاجعة المشجية من أعظم شعائر الفرقة الجعفرية»( ). فهو يعد هذه «البدعة الخطيرة في دينهم» والتي هي من أعظم الباطل، من شعائر الله، فإذا كان هذا رأي مرجعهم فما بالك بمن دونه مع أنه يجري فيها تعذيب للنفس وقتلها وتكفير للمسلمين من الصحابة والتابعين، والنياحة ولطم الخدود..، والشرك بدعاء المخلوق.. إلخ مما يُعْلم بطلانه من الإسلام بالضرورة، ومع ذلك يتفاخر شيخهم محسن الأمين أنه أقام مجلسًا للعزاء في دمشق - كما يزعم - حضره عدد كبير، «وختم باللطم المهيج المؤثر»( ).

وهذه الأعمال التي تجري منهم في المحرم من كل عام لا موضوع لها إلا سب الصحابة، وإعلان الشرك بالله؛ حيث تسمع أصواتهم تردد «يا حسين يا حسين»، وتصب اللعنات علىٰ العصر الأول، ولاسيما الخلفاء الثلاثة رضوان الله عليهم، فتزرع في نفوسهم أحقادًا لا حدود لها، ولذلك ترىٰ المعاصرين منهم يكتبون عن الصراع المزعوم بين الآل والأصحاب وكأنه واقع الساعة، كأنه خطر محيط بالأمة يهدد وجودها.

هذا ولا تزال مظاهر الطعن والتكفير للصحابة موجودة ومستمرة عبر روافد أخرىٰ، وشيوخهم يمدونهم بهذا الغي ويدفعونهم إليه، ولا يقصرون، فمن هذه المظاهر الموجودة، والروافد الجارية التي لا تنبت إلا أشجار الحنظل، ولا تزرع إلا الفرقة والحقد والبغضاء والتي لم تتوقف حتىٰ هذه الساعة ما يأتي: 

أولًا: لا تزال حركة نشطة تقوم لبعث التراث الرافضي القديم ونشره بين الناس وترويجه بينهم، وهذا التراث مليء باللعن والتكفير والتخليد في النار للمهاجرين والأنصار الذين ش ورضوا عنه، وفي مقدمتهم الخلفاء الثلاثة وبقية العشرة المبشرين بالجنة، ما عدا أمير المؤمنين عليًّا [في حين أن أمير المؤمنين يناله من ذلك أمور كثيرة بشكل غير مباشر كما يظهر ذلك في نصوصهم].

فكيف يقال إن شيعة هذا العصر لا يسبون، وهم قد ألبسوا تلك الصفحات السوداء المظلمة ثيابًا جديدة ونشروها بين أتباعهم بلا نقد ولا اعتراض؟

ثانيًا: ولا يزال أيضًا هناك مجموعة كبيرة من شيوخهم المعاصرين قد تفرغوا لهذا «الباطل» فلا همّ لهم فيما يكتبون وينشرون إلا سب رجال الصدر الأول وتجريحهم، وكأنه لا همّ للشيعة في هذا العصر إلا هذا.

وقد تخصصت كتب عندهم لهذا تفوق ما جاء في كتبهم القديمة في البذاءة وسوء المقال، مثل كتاب الغدير - لشيخهم المعاصر عبد الحسين الأميني النجفي - المليء بالدس والكذب والطعن فيمن رضي الله عنهم ورضوا عنه.. وعليه تقريظات عدد من آياتهم.

وكانت حملته ضد صحابة رسول الله، ولا سيما الخليفة الراشد عمر بن الخطاب > محل رضا أعداء الأمة، كما تجد ذلك - مثلًا - في كلمات بولس سلامة الشاعر النصراني الذي استكتبه هذا الرافضي في مقدمة الجزء السابع من الكتاب، فكتب كلمات يظهر فيها رضاه وغبطته بما قام به هذا «الأفاك» ضد الأمة ودينها، وإشادته بحملته المسعورة ضد فاروق هذه الأمة وعظيمها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، والتي كانت فتوحاته وجهاده ونشره للإسلام شجًىٰ وغصة في حلوق الأعداء إلىٰ اليوم [صَدَّرَ الرافضي الجزءَ السابع من كتابه بتقريظ هذا النصراني فكتب له النصراني بعد ذلك يقول: 

«وقد شرفتموني بإدراج رسالتي في المقدمة، وقد اطلعت علىٰ هذا السفر النفيس فحسبت أن لآلئ البحار قد اجتمعت في غديركم. ولقد لفت نظري علىٰ الأخص ما ذكرتموه بشأن الخليفة الثاني، فلله دركم! ما أقوىٰ حجتكم!»( ) وقد ابتهج هذا الرافض الرافضي المغفل، أو الزنديق المرتدي ثوب الإسلام بثناء هذا الكافر، فبادله الثناء وقال عن رسالته تلك: «أتانا من بحاثة المسيحيين القاضي الحر والشاعر النبي الأستاذ بولس سلامة... الخالد الذكر، فشكرًا له ثم شكرًا»( ). لاحظ هذا الرافضي الذي يرمي الصحابة بكل مذمة ونقيصة.. وهو يمتدح الكفار ويتقرب إليهم.. وهذه عادة الروافض من قديم الزمان].

ومثل كتاب «أبو هريرة» لشيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي الذي اتهم فيه أبا هريرة >، راوية الإسلام بالكذب والنفاق في حين تجده يدافع عن الكذابين الوضاعين أمثال جابر الجعفي( )، وغيره؛ كدفاعه عن هشام بن الحكم( ). ومثل كتاب «السقيفة» لشيخهم محمد رضا المظفر الذي صور فيه الصحابة عصابة لا هدف لها إلا التآمر علىٰ الإسلام حتىٰ قال: ما مات النبي ﷺ، ولابد أن يكون المسلمون كلهم (لا أدري الآن) قد انقلبوا علىٰ أعقابهم( ).

وغيرها كثير؛ مثل كتاب «النص والاجتهاد» لشيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي الذي أراد أن يعتذر عن الصحابة لمخالفتهم - بزعمه - النصّ علىٰ عليّ فاعتذر عنهم اعتذارًا ماكرًا خبيثًا، حيث زعم أنهم يدينون بمبدأ فصل الدين عن الدولة، ولذلك لم يأخذوا بالنص وهذه فرية مكشوفة يكشفها ثناء الله عليهم ورسوله، وورعهم وزهدهم وجهادهم..، ومثل كتاب: «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة» لأسد حيدر الذي يهاجم فيه خلفاء المسلمين، ويفتري علىٰ أئمة المسلمين؛ كالإمام أحمد وغيره افتراءات لتأييد مذهب الرافضة، ويتحدث عن المحن المزعومة لآل البيت، ومثل كتاب «علي ومناوئوه» للدكتور نوري جعفر والذي يفتعل وجود صراع بين علي والصحابة، ويقول: إنه كالصراع بين النبي وكفار قريش، يقول: «وإذا كان النصر قد كتب للنبي في نزاعه مع مناوئيه لاعتصامهم بالأوثان، فإن النصر لم يكن في متناول الإمام لتقمص مناوئيه رداء الإسلام»( ).

فالتفكير - كما ترىٰ - لم يتغير عن زنادقة الماضي، وإن كان الكاتب يحمل شهادة علمية.. ومن غرائب «إصداراتهم» كتاب: «الرسول الأعظم مع خلفائه» لشيخهم مهدي القرشي، والذي صور فيه، حسب خياله ومعتقده ما يجري يوم القيامة لأبي بكر وعمر والصحابة، وكان يضع محاورات من عنده يزعم أنها ستجري بين الرسول وصحابته يحاسبهم فيها علىٰ تركهم بيعة علي.

وتلك الأدعية التي يرددها الشيعة كل يوم وهي لا تكاد تخلو من لعن خيار هذه الأمة وروادها وأحباء رسول الله ﷺ وأصهاره وبعض زوجاته أمهات المؤمنين.. ولا تختلف كتب الأدعية المؤلفة حديثًا عما تراه في كتبهم القديمة، كما نجد في كتاب «مفاتيح الجنان» لشيخهم المعاصر عباس القمي، و«ضياء الصالحين» لشيخهم محمد الجوهري وغيرهما.

وبعد هذا كله، فهل يبقي لإنكار هؤلاء المنكرين تفسير إلا التقية والكذب؟ فالخنيزي الذي يقول إن الشيعة لا تسب، هل يتجاهل ما سطره شيوخهم القدامىٰ والمعاصرون في ذلك؟! بل إن الخنيزي نفسه ارتكب جريمة السب فهو يطعن في الصديق >( )، ويزعم بأن ما ورد عندهم في الكافي من سب للصحابة وتكفيرهم يوجد مثله في «صحيح البخاري»( ). وهي دعوىٰ لا حقيقة لها.. إلا البحث عن مسوغ لمذهبهم في الصحابة، ولو كان في «صحيح البخاري» مثلما يوجد في «الكافي» لكان في السُّنة من هو كالشيعة يطعن ويكفِّر، ولكن الرجل يريد إثبات معتقده الباطل بأي وسيلة.

أما الأستاذ أحمد مغنية الذي يرىٰ أن الشيعة إنما تلعن عمر بن سعد لا عمر بن الخطاب وإنما وقع الوهم في التشابه في الأسماء، فهل خفي عليه أن عمر بن الخطاب قد تعرض للعن والتكفير في كتب الشيعة المعتمدة وعلىٰ رأسها الكافي والبحار، وتفسير القمي والعياشي وغيرها؟ كما سلف نقل ذلك( )؛ فلا حاجة لإعادته. وهل غاب عنه أن شيعة العصر الحاضر أيضًا لا يزالون علىٰ هذا النهج يتخبطون كما رأينا من صاحب «الغدير» و«السقيفة» و«الإسلام علىٰ ضوء التشيع».. وغيرهم. بل إن من يلهج بالدعوة للوحدة الإسلامية منهم لا يزال في هذا الضلال يهذي ويفتري؛ فهذا آيتهم محمد الخالصي من كبار مراجع الروافض في العراق وممن يتزعم الدعوة إلىٰ الوحدة الإسلامية بين السُّنة والشيعة، يشكك في إيمان أبي بكر وعمر ب فيقول: «وإن قالوا: إن أبا بكر وعمر من أهل بيعة الرضوان الذين نص علىٰ الرضا عنهم القرآن في قوله: ﴿ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾ [الفتح: 18].

قلنا: لو أنه قال: لقد رضي عن الذين يبايعونك تحت الشجرة لكان في الآية دلالة علىٰ الرضا عن كل من بايع ولكن لما قال: ﴿ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ﴾ فلا دلالة فيها إلا علىٰ الرضىٰ عمن محض الإيمان»( ). ومعنىٰ هذا أن أبا بكر وعمر لم يمحضا الإيمان فلم يشملهما رضا الله في زعم هذا الرافضي، وهل هناك فهم أسقم من هذا الفهم الذي يجعل وصفهم بالإيمان دليلًا علىٰ خروج خيارهم من الإيمان؟

ولهذا الخالصي أمثاله من روافض العصر الحاضر( ). فهل خفي ذلك علىٰ أحمد مغنية أم أراد خداع أهل السُّنة؟! الله أعلم بالحقيقة.. والتقية بلية الشيعة ومصيبتها.

أما الرفاعي الذي يقول بأن الشيعة تقدر الصحابة.. وأن من نسب إلىٰ الشيعة خلاف ذلك فهو خصم سيئ النية.. فهل يخفىٰ عليه أن الذي نسب إلىٰ الشيعة هذا المذهب هو كتبهم.. والذي سجل عليهم هذا العار هو مشايخهم، أمثال: الكليني والقمي والعياشي والمجلسي، وليس خصمًا سيئ النية أو جاهلًا بما في كتبهم؟!

والرفاعي نفسه قد رجع في كتيبه الذي سماه «تقدير الإمامية للصحابة» إلىٰ البحار( ). للمجلسي، والذي حوىٰ من السب واللعن والتكفير ما تقشعر منه جلود المؤمنين؛ حتىٰ إنه عقد بابًا بعنوان باب: كفر الثلاثة( ) (أي الخلفاء قبل علي) فكيف يقول بأن الشيعة تقدر الصحابة؟ وإذا كان يؤمن بمبدأ تقدير الصحابة فعليه أن ينشر ذلك في الوسط الشيعي لا في القاهرة، وأن يجاهد من أجل إقناع إخوانه الإمامية حتىٰ يغيروا هذا البلاء الذي عم وطم في كتبهم أو يعرضوا عنها ويعلنوا فسادها، أما نفي ما هو واقع فلا يجدي في الدفاع؛ لأنه سيؤول من قبل الشيعة والمطلعين علىٰ كتبهم من غير الشيعة بأنه تقية.

وهذا الرفاعي الذي يكتب في القاهرة بين أهل السُّنة «تقدير الإمامية للصحابة» ويتجاهل ما جاء في كتبهم؛ قديمها وحديثها، وما يجري في واقعهم من عوامهم وشيوخهم.. هو نفسه يسب خيار صحابة رسول الله ﷺ؛ فهو من الذين يقولون ما لا يفعلون، كما هو من الذين ينكرون ما يعرفون.. فيتهم فاروق هذه الأمة بالتآمر وأنه أول من قال بالرجعة من المسلمين( ). كما يسب أبا بكر وعمر وأبا عبيدة رضوان الله عليهم( ).

والغريب أنه يستدل بما جاء في رسالة محمد باقر الصدر والتي سماها «التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية»؛ مع أن هذه الرسالة محاولة يائسة وعاجزة لإثبات أصالة مذهب الرافضة.. وأن الصحابة رضوان الله عليهم ليسوا بأهل لحمل الرسالة وتبليغ الشريعة - كما يفتري - وأن الجدير بحملها والمبلغ لها هو علي.. وهذا مع ما فيه من النيل من صحابة رسول الله فهو دعوىٰ جاهلية غبية، أو حاقدة مغرضة تحاول النيل من السُّنة المطهرة، وتواتر هذا الدين. فهو يزعم أن نقل الواحد أوثق من نقل المجموع.. وهذا «إفراز» لعقيدة عصمة الأئمة، وتكفير الصحابة.. والثناء المزعوم علىٰ الصحابة، الذي نقله من رسالة الصدر، قد قاله الصدر من باب تخدير القارئ حتىٰ يتقبل ما يفتريه علىٰ استدلاله ويبطله، فالصدر يقول: «وبالرغم من أن الصحابة بوصفهم الطليعة المؤمنة كانوا أفضل وأصلح بذرة لنشوء أمة رسالية.. بالرغم من ذلك نجد من الضروري التسليم بوجود اتجاه واسع منذ كان النبي حيًّا يميل إلىٰ تقديم الاجتهاد في تقدير المصلحة واستنتاجها من الظروف علىٰ التعبد بحرفية النص الديني، وقد تحمل الرسول ﷺ المرارة في كثير من الحالات بسبب هذا الاتجاه»( ).

فهل ترىٰ في هذا النص مدحًا؟ إنه يزعم أن الصحابة رضوان الله عليهم يجتهدون مع وجود النص؛ بل يرفضون أوامر رسول الله، ويتبعون مصالحهم.. فهل هذا تقدير للصحابة؟! إن من المعروف أنه لا اجتهاد مع النص، وأن مخالفة أمر رسول الله جرم عظيم: ﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ﴾ [النور: 63].

وكل هذه الدعاوىٰ من هذا الرافضي لتأييد فريته، وهي دعوىٰ النص علىٰ علي، وأن الصحابة أعرضوا عن العمل بها لمصلحة راعوها، فأي مصلحة لهم في بيعة أبي بكر؟!

ولا يستدل الرفاعي من رسالة الصدر فحسب؛ بل ينشر باطلها، ويتحفه بتقريظه وتأييده، ويقول في كتيب آخر: إن الإمامية يقدرون الصحابة، فأي تقدير هذا؟! إلا إن كان يريد أن تقدير الإمامية للصحابة هو السب واللعن والتكفير. فما أجرأ هؤلاء علىٰ الكذب!!

وأما محمد جواد مغنية الذي يقول بأن الشيعة لا تنال من مقام الصحابة هو الذي يقول في كتابه «في ظلال نهج البلاغة» عن الخليفة الراشد ذي النورين صاحب الجود والحياء، وصهر النبي ﷺ في ابنتيه، ومجهز جيش العسرة، وصاحب الهجرتين، والمبشر بالجنة من رسول الله ﷺ. يقول فيه: «إن عثمان انحرف عن سنة الرسول، وخالف شريعة الإسلام، واستأثر هو وذووه بأموال المسلمين، فامتلكوا القصور والمزارع والرياش والخيول والعبيد والإماء، ومن حولهم ملايين الجياع والمعدمين»( ).

ويقول: «وكان الزبير وطلحة وعائشة وراء ما حدث لعثمان وعليهم تقع التبعة في دمه»( ). ويتهم عمر > وأهل الشورىٰ الذين فوض لهم عمر اختيار خليفة من بعده - يتهم الجميع بالخيانة والتآمر( ).

فأي احترام لمقام الصحابة وهذا الكلام الحاقد يوجه لخيارهم؟!

وأي إيذاء لرسول الله ﷺ أشد من هذا الإيذاء الذي يوجه له بسب بعض زوجاته، وأصهاره، وخيار أصحابه. وبعد هذا كله.. فكيف نفسر هذا التناقض من هؤلاء؟ هل هذا تقية؟ والتقية عندهم تسعة أعشار الدين ولا دين لمن لا تقية له، أو هي مؤامرة للدعاية للشيعة والتشيع؟

حقيقة ثنائهم على الصحابة: 

يزعمون أنهم يوالون أهل البيت ويعنون بهم أئمتهم الاثني عشر ويتناولون البقية، ولا سيما من خرج منهم لطلب الإمامة بالسب والتجريح، بل التكفير والتخليد في النار. كذلك يزعمون - أحيانًا - أنهم يوالون الصحابة ويريدون بهم الثلاثة أو الأربعة أو السبعة الذين لم يرتدوا كما تصور ذلك أساطيرهم.

والذي لا يعرف هذه الحقيقة قد ينخدع بكلامهم في هذا الباب ولا يتصور أن للصحابة عندهم تفسيرًا معينًا. وهناك تفسير آخر لهم في الصحابة جاء بيانه في بعض رواياتهم، تقول رواياتهم بعد ثناء علىٰ الصحابة وأمر بالرجوع لأقوالهم وإجماعهم: فقيل: يا رسول الله، ومن أصحابك؟ قال: أهل بيتي( ). فهم يفسرون الصحابة بأهل البيت.

ثم هناك مسلك ثالث يسلكونه في الثناء علىٰ الصحابة وهو حمله علىٰ التقية، وقد أشار إليه شيخهم الطوسي، حيث قال بعد أن سب عائشة أم المؤمنين <: «فإن قيل: أليس قد روي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر أن سائلًا سأله عن عائشة وعن مسيرها في تلك الحرب، فاستغفر لها وقال له (الراوي): تستغفر لها وتتولاها؟ فقال: نعم، أما علمت ما كانت تقول: يا ليتني 

كـنت شـجرة، ليتني كنت مدرة». قال الطوسي: «لا حجة في ذلك علىٰ مذاهبنا؛ لأنا نجيز عليه - صلوات الله عليه - التورية، ويجوز أن يكون السائل من أهل العداوة واتقاه بهذا القول، وورىٰ فيه تورية يخرجه من أن يكون كذبًا، وبعد، فإنه علق توبتها بتمنيها أن تكون شجرة ومدرة وقد بينا أن ذلك لا يكون توبة وهو عليه السلام بهذا أعلم»( ).

إن علىٰ الذين يقولون بتقدير الشيعة للصحابة أن يعلنوا خطأ هذه المسالك وعدم صحتها، وأن يعترفوا ببطلان تلك الروايات السوداء، وأن يصدقوا ولا يتناقضوا، حتىٰ يقبل منهم موقفهم، ثم لِمَ يذهبون للرد علىٰ أهل السُّنة إذا قالوا: إن مذهب الشيعة الطعن في الصحابة وتكفيرهم، ولا يردون علىٰ أنفسهم وعلىٰ كتبهم وعلىٰ مشايخهم المعاصرين الذين لا يزالون يهذون في هذا الضلال؟

وأي فائدة اليوم في اللعن والسب والتكفير الذي ملأوا به كتبهم، وأسواقهم، ومزاراتهم، وقد انقضىٰ العصر الأول بكل ما فيه؟! لا هدف في الحقيقة إلا الطعن في القرآن والسُّنة والدين بعامة، وإلا إثارة الفتنة وتفرقة الأمة.

وماذا يبقى لنا بعد سبهم ولعنهم؟!:

وماذا يبقىٰ من أمجادنا وتاريخنا إذا كان أولئك السادة القادة الأتقياء الأصفياء الأوفياء الرواد، الذين نشروا الإسلام وأقاموا دولته، وفتحوا البلاد وأرشدوا العباد، وبنوا حضارة لم تعرف لها الدنيا مثيلًا، إذا كان هؤلاء الرواد الأوائل لكل معالم الخير والعدل والفضائل يستحقون اللعن من أحفادهم، وتشويه تاريخهم، وهم الذين أثنىٰ الله عليهم ورسوله، وسجل التاريخ الصادق مفاخرهم بمداد من نور. فمن الذي يستحق الثناء والمديح؟ وأين أمجادنا وتاريخنا إذا كان أولئك كذلك؟!.

إن تلك الصفحات السوداء التي تتضمن الطعن واللعن والتكفير لأولئك الصحب العظام، وهم الذين تلقوا هذا الدين، ونقلوه لنا، هي في الحقيقة طعن في دين الإسلام ورسول الإسلام.. وإن علىٰ الصادقين المخلصين من الشيعة وهم يريدون التقارب مع المسلمين أن يعلنوا براءتهم من تلك الأقوال الشاذة الملحدة التي تتناول خيار صحابة رسول الله باللعن والتكفير، ويبينوا لأقوامهم أولًا وللمسلمين عامة أن تلك الروايات والأقوال هي آراء لبعض الطوائف المنحرفة الضالة القديمة يبوؤن بإثمها وإثم من اتبعهم فيها إلىٰ يوم القيامة، حتىٰ يزيلوا تلك النفرة التي سكنت في قلوب أهل السُّنة منذ أقدم العصور إلىٰ الآن.

وإن أجدىٰ طريق لإزالتها هو بيان أنهم لا يعتقدون صحة تلك الآراء التي يستوحش منها المؤمنون في كل بقاع الأرض، فأي مؤمن صادق الإيمان يعلم أن فرقة من الفرق تدين بلعن صدّيق هذه الأمة الذي لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح بهم، أو فاروقها الذي لم يَفْرِ في الإسلام فريه أحد، ثم بعد ذلك يقبل علىٰ دراسة مذهبها، إلا إذا أوتي قدرة فكرية خاصة؟!

وأي مؤمن يثق بآراء هذه الطائفة إذا كان يعلم أنها تدين بهذا اللعن؟! إن إزالة هذه الأدران والبلايا هي من أركان التقارب وأسسه، وإن عليهم أن يعلنوا هذه الإزالة والتغيير( )، إذا كانوا صادقين في رغبتهم في التآلف مع المسلمين، وليس الأمر مؤامرة لنشر معتقداتهم في ديار السُّنة»( ).



الفصل السادس

على أي أساس تقوم الوحدة معهم؟! ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [التوبة: 49]!!

جهل الساسة بالشرع.. وجهل العلماء بالسياسة!!:

الحيرة تجاه قضايا إيران وزمرتها القيادية هو ما شخّصه العلامة رشيد رضا قبل 100 عام حين قال: «جهل الحكام بالشرع وجهل العلماء بالسياسة سبب مصائبنا»، فغالب المتولين لشؤون السياسة في عالمنا الإسلامي من خلفيات علمانية ليبرالية أو يسارية لا يَعون حقيقة الأيديولوجية الدينية الشيعية التي ينطلق منها الخميني وأتباعه، كما أن الكثير من علمائنا، وخاصة قادة الحركات الإسلامية يشاطرونهم هذا الجهل بالعقيدة الشيعية!!

أما الذين يملكون المعرفة الصحيحة بالفكر الشيعي من علمائنا فقليل منهم مَن يملك القدرة علىٰ ترجمة أثر هذه العقيدة في حركة إيران السياسية وتحالفاتها وتكتيكاتها المتناقضة، وتقديم خطاب متماسك ومقنع للنخب والعامة يبين حقيقة المصالح والمفاسد من سياسات إيران علينا.

محاولات الدعوة للوحدة والتقريب:

هنالك نفر من العلماء ورجال العلم وقادة الفكر، قد خدعوا بعد أن تصوروا الأشياء علىٰ غير حقيقتها، وانطمست في أعينهم الحقائق بعد أن أضحوا ينظرون إليها بالمنظار الذي تصنعه الدسائس والمؤامرات، فراحوا يمدون أيديهم إليهم؛ ظنًّا منهم أنهم يستطيعون انتشالهم من مصائد الشيطان.

قد يظن البعض أن الطوائف الشيعية التي يزيد عددها علىٰ سبعين فرقة، كل فرقة تدعي أن الحق في جانبها، لا تتفق فيما بينها، علىٰ أصول مشتركة، وأن لكل طائفة عقيدتها الخاصة، وطقوسها التي لا يعتد بها غيرها، ولكن الدراسات أكدت - بما لا يدع مجالًا للشك - أن الأصول الإلحادية للتشيع مشتركة بين جميع الطوائف، وأن الاختلاف بين كل طائفة وأخرىٰ شكلي لا جوهري، بل هو أقل بكثير من الاختلاف الواقع بين أحد المذاهب الإسلامية، وبين ما بقي منها؛ لأن الدين عند كل طائفة منهم هو عبادة إمام من أئمتهم تكفر به الطوائف الأخرىٰ، وتلعنه وتتبرأ منه.

هذه الاختلافات الجوهرية - كما يقول محب الدين الخطيب، في «شرح المنتقىٰ من منهاج السُّنة» - لم تكن موجودة بين هذه الطوائف إلا في القرن الهجري الأول، حين كان منهم الغلاة وأنصاف الغلاة، أما منذ القرن الثاني فقد صار الكل غلاة، وما كان يعد غلوًّا أصبح من ضرورات التشيع، باعتراف علمائهم.

روي عن الحسن المثنىٰ بن الحسن السبط، قال لرجل من الشيعة: «والله لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم ثم لا نقبل لكم توبة، فقال رجل له: ولم لا تقبل منهم التوبة؟ قال: نحن أعلم منكم بهؤلاء إن شاءوا صدقوكم وإن شاءوا كذبوكم، وزعموا أن ذلك يستقيم لهم، ويلك إن التقية باب رخصة للمسلم إذا اضطر إليها وخاف من ذي سلطان أعطاه غير ما في نفسه، يدرأ عن ذمة الله، وليست باب فضل، وإنما الفضل في القيام بأمر الله وقول الحق، وايم الله ما بلغ من التقية، أن يجعل بها لعبد من عباد الله أن يضل بها عباد الله». أخرجه الحافظ ابن عساكر.

إن طائفة كبيرة من أحاديث بخاريهم الذي يسمونه «الكافي» مروية عن أناس مطعون في دينهم، لكنهم يعدون عندهم ثقات؛ لأن الطعن في الدين لا يوجب الطعن في الرواية، ولأن ميزان الإيمان عندهم هو الحب والبغض لا لرسالة الإسلام، ومن أجلها، بل لأشخاص وهميين زعموا لهم ما ليس للبشر من صفات، فانتحلوا محبتهم، ليستروا بها أهدافهم الدنيئة التي لا تعدوا القضاء علىٰ الإسلام وتشويه مبادئه.

ينسبون بعض كتبهم إلىٰ بعض مشاهير أهل السُّنة، بعد أن يقوموا بحشوها بكلمات تتقزز منها النفوس، من مطاعن في الدين، وفي صحابة رسول الله ﷺ، ثم يحتجون بها علىٰ أهل السُّنة.

يشترون ذمم بعض الكتاب وحملة الأقلام؛ نظير ثمن بخس، وطمعًا في مجد زائف.

إقامة حفلات العزاء والنياحة في أيام عاشوراء للنكاية بأهل السُّنة والجماعة، ولاستفزازهم بما يلقونه في هذه المآتم من خطب مشحونة بأقذع الشتائم لسلفنا الصالح، وممارستهم في هذه المآتم أنواعًا من الممارسات لا يمكن أن توصف إلا بأنها خطط مدبرة لتشويه سمعة سلفنا الصالح في الصدر الأول من الإسلام، وإظهارهم للشعوب الأخرىٰ بمظهر عصابات تتناحر علىٰ الحكم، وتتطاحن علىٰ الزعامة، بعد أن كانت تتناحر في الجاهلية علىٰ القوت، وتتطاحن علىٰ لقمة العيش.. لا يتهاونون عن إقامة هذه المآتم التي يحرمها الكتاب والسُّنة، ولا يقيمون الجمعة والجماعة المؤكدتين في الكتاب والسُّنة بحجة غيبة الإمام المنتظر.. وفي عاشوراء يقف البعض جماعات جماعات في حلقات، وتؤدي كل جماعة منها طقسًا معينًا.. ومنهم من يردد أناشيد معينة يضربون فيها صدورهم حتىٰ تتورم من الضرب.. ومنهم من يضرب جباههم بالسلاسل والسيوف.. ومنهم من يأتي بسخلة ويسمونها بعائشة، ثم يبدءون بنتف شعرها، وينهالون عليها ضربًا بالأحذية حتىٰ تموت.. ومنهم من يأتي بكلب ويسمونه عُمَر، ثم ينهالون عليه ضربًا بالعصي ورجمًا بالحجارة حتىٰ يموت... وغير ذلك من الممارسات المستنكرة، والتي تمارس باسم الدين...

محاولات دعوتهم إلىٰ الوحدة والتقريب بين المذاهب.. هي دعوىٰ محببة إلىٰ النفوس، ولكن علىٰ أي أساس تقوم هذه الوحدة؟ هل سيكون كتاب الله أساسًا لها؟

هل هو مصحف فاطمة، أم هو المصحف الذي سيأتي به المهدي المنتظر؟!

ننخدع بالشعارات الجوفاء التي يرفعون لواءها، وهي في الحقيقة تخدير للذين يجهلون حقيقتهم ومقاصدهم بعد أن لبسوا مسوح التقوىٰ والصلاح.. !!

تجربة الشيخ القرضاوي:

أطلق الشيخ يوسف القرضاوي تحذيرًا شديد اللهجة من خطورة المشروع الشيعي في المنطقة، وجهر بالتحذير من التمدد الشيعي في المجتمع السني وما يترتب علىٰ ذلك من خطورة علىٰ الدين والأمة، ولقي تحذير الشيخ ترحيبًا من المخلصين الفاقهين الحريصين علىٰ المصلحة الشرعية، ولكن هذا التحذير لم يَرُقْ لمراجع الشيعة ووسائل إعلامهم فشنّوا عليه حملة متشنجة كشفت كثيرًا من مخازيهم، ومع الأسف الشديد، فإن هذا التحذير لم يَرُقْ أيضًا لبعض الناس من أهل السُّنة، حيث دعوا - كالمعتاد - إلىٰ تنحية الخلافات بين السُّنة والشيعة، والتوحد أمام الهجمة الصهيونية والأمريكية (وهو ما لم يسبق حدوثه). لقد أظهر هذا الموقف مدىٰ التغلغل الشيعي داخل أدمغة بعض النخب المحسوبة علىٰ الاتجاه السني؛ فقد عارض موقفَ الشيخ مَن عارضه ممن كان يُظَنُّ به متابعته له، كما صمت عن نصرته مَن صمت، حيث لا يصلح الصمت في مكان ينبغي فيه الجهر. إن هذا الموقف من يوسف القرضاوي لم يأت من فراغ ولم يكن ناتجًا عن تسرُّع أو جهل بحقيقة الشيعة، بل كان علىٰ علم ومعرفة بالمشروع الإيراني الطائفي، وجاء بعد معاناة طويلة، فعندما عاتبه بعض أصحابه علىٰ هذا الجهر وطالبه بالحديث غير المعلن مع علماء الشيعة قال الشيخ: «هذا قد تم يا دكتور خلال أكثر من عشر سنوات تم في مؤتمرات التقريب ومن خلال زيارتي لإيران سنة 1988م بيني وبين علماء طهران وقم ومشهد وأصفهان، وتم فيما كتبته من بحوث ورسائل آخرها رسالة مبادئ الحوار والتقريب بين المذاهب الإسلامية، ولكني وجدت أن المخطط مستمر، وأن القوم مصمِّمون علىٰ بلوغ غاية رسموا لها الخطط ورصدوا لها الأموال وأعدوا لها الرجال وأنشؤوا لها المؤسسات، ولهذا كان لا بد أن أدقَّ ناقوس الخطرِ؛ وأجراسُ الخطر يا دكتور لا تؤدي مهمتها ما لم تكن عالية الصوت، توقظ النائم، وتنبه الغافل، وتُسمِع القريب والبعيد». ثم قال بكل وضوح: «الخطر في نشر التشيع أن وراءه دولة لها أهدافها الاستراتيجية وهي تسعىٰ إلىٰ توظيف الدين والمذهب لتحقيق أهداف التوسع ومد مناطق النفوذ حتىٰ تصبح الأقليات التي تأسست عبر السنين أذرعًا وقواعد إيرانية فاعلة لتوتير العلاقات بين العرب وإيران وصالحة لخدمة استراتيجية التوسع القومي لإيران».

حاول الدكتور يوسف القرضاوي البحث عن مواضع لقاء معهم والتماس الأعذار لهم، وهو يعلم أنهم يسبون عائشة أم المؤمنين والصحابة رضوان الله عنهم، ومؤكدًا علىٰ إمكانية التعايش، وأنه هناك ما يمكن أن نقف عليه كأرضية مشتركة تقاوم أعداء الإسلام، ونتعاون فيه فيما ينفع الأمة الإسلامية؛ رافضًا كل ما من شأنه أن يزيد التوتر بين الطرفين السُّنة والشيعة قائلًا: 

(وأما الخلاف المذهبي حقيقة بين السُّنة والشيعة، وهذه الأشياء يمكن أن يلتقي فيها العلماء ويناقشوا، ويكون هناك أشياء في ظل الحرص علىٰ وحدة الأمة، وفي ظل العمل علىٰ التوفيق قدر الإمكان، فهذا هو الرأي الذي ينبغي أن نتبناه ولا نتركه).

فماذا كانت النتيجة؟! فماذا كان منهم بعد كل هذا من القرضاوي للقرضاوي؟! حين طالبهم بالتوقف عن نشر مذهبهم الضال في بلاد السُّنة، وقال قولة حق طال غيابها في مذهبهم، شنوا عليه حملة شعواء، وصفوه فيها بأنه خائن وعميل للصهيونية، وأقاموا الدنيا عليه ولم يقعدوها بعد، وهذا هو دأبهم فيمن يتناولهم بحق!!

استخدموا التقية والتدليس لتخدير رموز أهل السُّنة.. إن خلاف أهل السُّنة والجماعة مع المذهب الشيعي الإمامي، هو من نوع خلاف التضاد وليس خلاف التنوع؛ لأنه متعلق بالعقيدة وبكتاب الله وتفسيره، والموقف من السُّنة النبوية المشرفة، وعدالة الصحابة الكرام والتاريخ الإسلامي، والمنظومة الأخلاقية.. وغير ذلك كثير، لقد تشكلت لجنة في القاهرة باسم دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، وكان علىٰ رأسها علماء كبار من شتىٰ المذاهب وبالخصوص من الشيعة والسُّنة.. إلخ، ثم خبا صوتها وخفت نتيجة لما وصلت إليه قناعة دعاة التقريب من أهل السُّنة، وكشفهم لألاعيب الشيعة وأكاذيبهم، وتحققهم من انعدام صدقهم، وقد كان من المتحمسين للتقريب يومها د. مصطفىٰ السباعي ؟، ففوجئ بعد لقاءات وحوارات بالطعن في الظهر ونكث ما اتفق عليه حيث قال: «إن عبد الحسين شرف الدين الموسوي، الذي كان متحمسًا لفكرة التقريب، قام بإصدار كتاب في أبي هريرة >؛ مليء بالسباب والشتائم، بل انتهىٰ فيه إلىٰ القول بأن أبا هريرة > كان منافقًا كافرًا، وأن الرسول قد أخبر عنه بأنه كان من أهل النار.. ثم يقول السباعي: «لقد عجبت من موقف عبد الحسين من كلامه وفي كتابه معًا، ذلك الموقف الذي لا يدل علىٰ رغبة صادقة في التقارب ونسيان الماضي». ويذكر السباعي أن غاية ما قدم شيوخ الشيعة تجاه فكرة التقريب هي جملة من المجاملة في الندوات والمجالس، مع استمرار كثير منهم في سب الصحابة، وإساءة الظن بهم، واعتقاد كل ما يروىٰ في كتب أسلافهم من تلك الروايات والأخبار. ) مفهوم التقريب عند الشيعة الإمامية؛ أن يتاح لهم المجال لنشر عقائدهم في ديار السُّنة، وأن يستمروا في نيلهم من أصحاب رسول الله ﷺ، وأن يسكت أهل السُّنة عن بيان الحق، وإن سمع دعاة الشيعة الحق هاجوا وماجوا قائلين: ان الوحدة في خطر.. !! تجربة أخرىٰ مطابقة لتجربة السباعي؛ قام بها الشيخ موسىٰ جار الله التركستاني القازالي الروسي، شيخ مشايخ روسيا في نهاية العصر القيصري وبداية الحكم السوفياتي، وكان صاحب الكلمة الأولىٰ والأخيرة في أمور مسلمي روسيا، فقد حاول أن يجمع شمل الأمة، وتحمس للتقريب، ثم درس كتب الشيعة، والْتقىٰ بعلمائهم، وذكر لهم قضايا خطيرة في أمور منكرة تحول بين الأمة واتحادها. وقد انتهت تجربته إلىٰ نفس ما انتهت إليه تجربة السباعي والقرضاوي.

الخلاف بين أهل السُّنة والشيعة خلاف في الأصول قبل الفروع.. !!:

الخلاف في العقائد قبل المسائل الفقهية.. !!:

وإذا كنّا لا نتفق على القرآن الكريم؛ المصدر الأول الذي يجب أن نتفق عليه، فعلى أي شيء نتفق؟!:

ذهب أكثر علماء الشيعة؛ أمثال: الكليني صاحب الكافي، والقمي صاحب التفسير، والمفيد، والطبرسي صاحب الاحتجاج، والمجلسي، وغيرهم من علماء الشيعة - وسيأتي ذكر الباقي منهم - إلىٰ القول بتحريف القرآن، وأنه أُسقط من القرآن الكريم كلمات بل آيات، حتىٰ إن بعض علمائهم المتأخرين يلقبونه بخاتمة المحدّثين». النوري الطبرسي صنّف كتابًا أسماه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب»، أورد فيه كلام علماء الشيعة القائلين بالتحريف، غير أن بعض علماء الشيعة أمثال الطوسي صاحب «التبيان»، والمرتضىٰ الذي هو ثاني اثنين شاركا في تأليف «نهج البلاغة» - المنسوب زورًا وبهتانًا - إلىٰ علي >، والطبرسي صاحب «مجمع البيان»، والبعض منهم في العصر الحاضر أنكروا التحريف، ولكن ذلك الإنكار لم يكن صادرًا عن عقيدة، بل إن الواقع: إنما صدر منهم ذلك لأجل التقية التي يحتمون بها، لاسيما من المسلمين.

يقول الطبرسي في كتاب «الاحتجاج» (جـ1/ صـ225): عن أبي ذر الغفاري أنه قال: لما توفي رسول الله صلىٰ الله عليه وآله جمع علي عليه السلام القرآن، وجاء به إلىٰ المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه رسول الله صلىٰ الله عليه وآله، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه عليه السلام وانصرف. ثم أحضروا زيد بن ثابت - وكان قارئًا للقرآن - فقال له عمر: إن عليًّا جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلىٰ ذلك، ثم قال: إذا فرغت من القرآن علىٰ ما سألتم، وأظهر عليّ القرآن الذي ألفه، أليس قد بطل كل ما عملتم؟ قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: فما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه؟ فدبر في قتله علىٰ يد خالد بن الوليد فلم يقدر علىٰ ذلك. فلما استخلف عمر سأل عليًّا عليه السلام أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلىٰ أبي بكر حتىٰ نجتمع عليه؟ فقال عليه السلام: هيهات ليس إلىٰ ذلك سبيل، إنما جئتُ به إلىٰ أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي. قال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم. فقال عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي، يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السُّنة به( ).

اتهموا الصحابة الكرام بالارتداد؛ لأنهم بايعوا أبا بكر وتركوا عليًّا الذي لا وصيّ غيره، كيف نتحد مع من يطعنون في كتاب الله؟! يدعون أن عثمان > زاد فيه وانتقص!! عثمان أسقط كثيرًا من السور والآيات التي توصي بمتابعة أهل البيت ومحبتهم، ولعن من لا يؤمن بولايتهم، وأن من السور المحذوفة «سورة الولاية»، ومن الآيات في سورة «الشرح» «وجعلنا عليًّا صهرك».

تفاسيرهم مملوءة بالمطاعن!! يفسرون «ودًّا» و«سُواعًا» بطلحة والزبير، و﴿ﮯ﴾ بعثمان، ﴿ﮰ ﮱ﴾ بمعاوية وعمرو بن العاص، «والجبت والطاغوت» بأبي بكر وعمر.. مئات النصوص أوردها علي بن إبراهيم القمي، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتابه «الاحتجاج» و«فصل الخطاب».. وغير ذلك من كتبهم.. أبو علي الطوسي في «مجمع البيان» يؤكد علىٰ أن الزيادة مجمع علىٰ بطلانها، وأما النقصان والتغيير فهو موجود. وقسموا القرآن الكريم إلىٰ أربع مراتب وهي: فهم العبارة وهو للعامة، وفهم الإشارة وهو للخاصة من العلماء، وهناك ما لا يفهمه إلا الخاصة من الأولياء الذين لازموا الأوصياء، أما الحقائق ومراد الله سبحانه فهو للأوصياء خاصة!!

كيف يدعون إلىٰ الوحدة، وهم عاجزون عن توحيد فرقهم وشراذمهم.. هم لا يجرؤون علىٰ مهاجمة «الأغاخان» الذي أسقط الصوم والصلاة عن أتباعه، واستبدل ما تهمهم بها الشفاه بضع دقائق في كل صباح!!

يقولون: إن القرآن الذي بين أيدينا ليس بتمامه، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير ومحرف، وأنه قد حذفت منه أشياء كثيرة، منها: اسم عليّ في كثير من المواضع.. يروي الكليني عن جعفرالصادق: أن القرآن الذي نزل به الوحي علىٰ محمد سبعة آلاف آية، والآيات التي نتلوها ثلاث وستون ومائتان وستة آلاف، أما الفرق بين العددين فهو مخزون عند أهل البيت.. وأنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، وأنهم يعلمون علمه كله، وقد كذَّب الكليني من ادعىٰ من الناس أنه جمع القرآن كله!! وقال: ما جمعه وحفظه كما نزله الله إلا علي بن أبي طالب، والأئمة من بعده.. والذي جمعه علي هو مثل قرآنكم ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد.. !!

ويروي الكليني أيضًا أن فاطمة < قد مكثت بعد وفاة النبي ﷺ خمسة وسبعين يومًا، صبت عليها مصائب من الحزن لا يعلمها إلا الله، فأرسل الله إليها جبريل يسليها ويحدثها عن أبيها، وعما يحدث لذريتها إلىٰ يوم القيامة، وكان علي يسمع ويكتب ما سمع، حتىٰ جاء به مصحف قدر القرآن ثلاث مرات ليس فيه شيء من حلال وحرام، ولكن فيه علم ما كان وما يكون، وما لم يكن إلىٰ يوم القيامة.

يقولون: لدىٰ الأئمة ما يسمونه «بزبور آل محمد، وإنجيل أهل البيت»، وهي معتبرة عندهم بمنزلة القرآن الكريم!!

ما رواه المرتضىٰ في المسائل الناصرية، أن أبا بكر وعمر سيصلبان علىٰ شجرة في زمن المهدي المزعوم عند الرجعة.

يقولون: «حب علي حسنة لا تضر معها سيئة».

وفي بصائر الدرجات ينسبون للنبي ﷺ قولهم: «تشهدون لله بالوحدانية، ولي بالرسالة، ولعلي بالوصية والولاية، لا أقدم علىٰ علي أحدًا، والبيعة بعدي ضلالة، للأول ثم للثاني ثم للثالث» ثم يقولون: «وويل للرابع ثم الويل له ولابنه يزيد، وويل لمن كان قبله». ومن الغريب أن عليًّا هو الذي كان قبله، وقد وجهوا إليه ويلاتهم الملتهبة مرتين ولغيره مرة واحدة.

وعن جعفر الصادق - علىٰ حد زعمهم قوله: «لنا مع الله حالات، نحن فيها هو وهو نحن».. وفي الوافي عن جعفر: «كنا عند الله وليس عنده أحد سوانا لا ملك مقرب ولا غيره، ثم بدا له خلق السموات والأرض فخلق ونحن معه»!!

وفي الوافي: «كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله»، و«الجهاد مع غير الإمام حرام، مثل حرمة الميتة والخنزير ولا شهيد إلا الشيعة، والشيعي شهيد ولو مات علىٰ فراشه حتف أنفه، والذين يقاتلون في سبيل الله من غير الشيعة فالويل يتعجلون»( ).

من اعتقادات الشيعة أن دين أهل السُّنة ناقص لم يكتمل، إلا إذا اعتنقوا مذهب أهل البيت رضوان الله عليهم حيث إنه المكتمل وحده، ولأن الأئمة وحدهم هم الذين استوعبوا جميع أحاديث رسول الله ﷺ وفهموا كتاب الله تعالىٰ؛ لأن له ظاهرًا وباطنًا ويستدلون بقول الله تعالىٰ: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [آل عمران: 7]. ومن يطلع علىٰ تفاسير الشيعة الاثني عشرية يجد تفسير ﴿ﯚ ﯛ ﯜ﴾ هم الأئمة المعصومون؛ أولهم حقيقة وآخرهم خرافة. هذا هو اعتقاد الشيعة الاثني عشرية في دين أهل السُّنة( ).

هل دعوتهم إلى وحدة إسلامية - مزيفة - وتقريبهم للمذاهب مجدي؟!:

وراء الأكمة ما وراءها!! أي وحدة هذه، لا يكون كتاب الله أساسا لها؟!

لقد أملت علىٰ الآخرين مصالحهم الشخصية، أن يخترعوا بدعة منكرة قوامها الدعوة إلىٰ وحدة إسلامية، وتقريب بين المذاهب الإسلامية!!

إن من لديه أدنىٰ معرفة بالأسس التي قام عليها دينهم يعجب أشد العجب من هذه الخدعة المفضوحة!! كيف تنقلب الذئاب الشرسة إلىٰ أحمال وديعة؟! وكيف يجمع بين الحق والباطل والهدىٰ والضلال؟!

هنالك هوة سحيقة بين أهل السُّنة والجماعة وبين الشيعة، تجعل من المستحيل تحقيق هذه الوحدة، فهم يعتقدون بأن القرآن الكريم الذي بين أيدينا محرف، وأن ما يعترفون به منه له معنىٰ ظاهر تفهمه العامة، ومعنىٰ خاص لا يفهمه إلا الأئمة المعصومون من الخطإ والنسيان.. يقولون، وكل ما يقولونه حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!! يتهمون الصحابة بالارتداد لمبايعتهم أبي بكر وعمر دون علي بن أبي طالب ش، وغير ذلك من الأمور!!

حقيقة التشيع أن نتنازل عن كل شيء!!:

حقيقة التشيع تقول: إنهم يريدون منا أن نتنازل عن كل شيء، عندئذ يترضون عنا كما يترضون عن بابا شجاع الدين أبو لؤلؤة المجوسي؛ الذي قتل عمر الفاروق.. يترضون عنا إذا ما وضعنا عقولنا تحت أقدامنا، ورضينا بأن نكون رعاعًا نسمع لكل ناعق ونتبع كل مارق!!

ولقد انخدع بالفعل - بعد أن انزلقوا في مجارف التقية وأوحالها - رجال من ذوي المكانة العلمية في العالم الإسلامي، وممن تصدوا للفتوىٰ ونصبوا من أنفسهم حماة للإسلام والمسلمين!! الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمود شلتوت ؟، كان ممن سقطوا في كهوف تقيتهم، فأعلن أن المذاهب الإسلامية الخمسة واحدة جوهرًا، واحدة مصدرًا، واحدة موردًا، وأنه يجوز التعبد بالفقه الإمامي الاثني عشري الجعفري!!

ليس حقيقةً ما اصطلح علىٰ تسميته بالمذهب الفقهي الإمامي، الذي يحاول البعض نسبته إلىٰ جعفر الصادق، ويسمونه بالمذهب الجعفري، رغم عدم وجود أي علاقة بين جعفر الصادق وهذا المذهب؛ لأن معظم المؤلفات الفقهية للشيعة الإمامية ألفت بعد وفاة الصادق بأكثر من مائتي عام، بل إن الروايات المنسوبة في كتب القوم لهذا الإمام الجليل تتعدىٰ تلك المدة الزمنية، ولذا هناك هوة واسعة؛ تاريخيًّا بين الشيعة الإمامية كعقيدة، وبين فقههم، لم يستطيعوا إخفائها علىٰ مر العصور، بل حاولوا أن يسدوا هذه الهوة بما أوتوا من مكر وكذب، ولم يفلحوا في ذلك أبدًا؛ نظرًا لضعف حجتهم وتأخر كتبهم الفقهية، ولذا نجدهم يملئون فهارسهم (مثل «فهرست» الطوسي) بمؤلفات وهمية لرجالهم، وفي بعض الأحيان ينسبون مؤلفات أهل السُّنة لهم، علىٰ اعتبار أن أصحابها كان عندهم شيء من التشيع، علىٰ مذهب المحدثين من أهل السُّنة في ذكر مثل هذه المسائل عند استعراضهم للرجال في كتب الجرح والتعديل وكتب التراجم.

ليس هناك تحديد دقيق لنشأة الفقه عند الإمامية.. هم يخلطون بين الرواية والفقه، وربما يفعلون ذلك عمدًا؛ نظرًا لتأخر ظهور الفقه عندهم؛ مقارنة بالروايات المنسوبة للأئمة.. أول من كانت له عناية حقيقية بالفقه من علماء الإمامية ومصنفيهم، هو ابن بابويه القمي المعروف عندهم بالصدوق ووفاته كانت في سنة 381هـ، وأشهر المؤلفات التي كتبها هو كتابه «من لا يحضره الفقيه»، ولا يعدو هذا الكتاب كتابًا فقهيًّا، بقدر ما هو كتاب للمرويات عن الأئمة، وليس فيه آراء فقهية يمكن نسبتها لابن بابويه نفسه، لكنه ألف فيما بعد كتابين مهمين جدًّا عند فقهاء الإمامية، الأول هو كتاب «المقنع»، والثاني كتاب «الهداية»، وهما مختصرات فقهية لم يشرحها علماء الإمامية، إلا بعد موت ابن بابويه بأكثر من أربعمائة عام.

وبعد هلاك ابن بابويه، لم تكن عناية من جاء من بعده من علماء الإمامية ومصنفيهم كبيرة بكتب الفقه، فأُهمِل هذا الجانب كثيرًا، اللهم إلا إذا استثنينا محمد بن النعمان المعروف عندهم بالمفيد - وفاته سنة 413هـ - في مختصره الفقهي «المقنعة»، والمرتضىٰ المعروف عندهم بعلم الهدىٰ - وفاته سنة 436هـ - في كتابه «الانتصار» وفي بعض الرسائل الصغيرة، ولذا تأخرت ولادة الفقه كثيرًا عن ولادة المرويات عند الإمامية، ولم يهتم به فقهاؤهم إلا في القرن الثامن والتاسع الهجريين علىٰ يد ابن المطهر الحلي وابنه والعاملي وغيرهم.

وهذه الحقيقة تخفىٰ علىٰ كثير من الدارسين لهذا المذهب؛ فضلًا عن عامة أهل السُّنة والجماعة.. لم يكن هناك فقه ولا فقهاء عند الإمامية طوال سبعة قرون من تاريخ الإسلام، والأدهىٰ من ذلك أنهم يدعون أنهم من أوائل المذاهب الفقهية عند المسلمين، ونحن نقول لهم: فأين هي كتبكم، وأين هي مصنفاتكم، وأين هم علماؤكم: ﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ﴾ [البقرة: 111]( ).

الإمام الأكبر ؟ ونفر من العلماء الأجلاء، تصوروا الأمور علىٰ غير حقيقتها، وانطمست في أعينهم الحقائق، فراحوا يمدون أيديهم النظيفة إلىٰ أيدٍ ملطخة؛ ظنًّا منهم أنهم يستطيعون أن ينتشلوهم من حمأة السفاسف ومصائد الشيطان!!

أي كتاب ستقوم عليه هذه الوحدة؟ كتاب الله يطعنون فيه؛ لأن مَن جمعه أناس - علىٰ حد زعمهم - كفار مرتدون؛ لأنهم بايعوا أبا بكر وتركوا عليًّا الذي لا وصي غيره!! ويدعون أن عثمان زاد فيه وانتقص!! فأي كتاب يريدون منا أن نتحد علىٰ أساسه؟ هل هو مصحف فاطمة؟ أم هو مصحف سيأتي به المهدي بعد عمر طويل؟! إن كان الأول، فأين هو؟ وإن كان الثاني فليؤجلوا دعوتهم إلىٰ الوحدة إلىٰ أن يتحلىٰ مهديهم بالشجاعة ويخرج من السرداب!!

هم يهدفون من وراء المطالبة بالوحدة بين المذاهب الإسلامية أو التقريب بينها الظفر باعتراف صريح من علماء المسلمين بعدم وجود فروق ذات بال بين عقائد الشيعة والعقيدة الإسلامية الصحيحة.. ليحتفظوا بهذا الاعتراف علىٰ ما يتمتعون به من مكانة بين السذج والبسطاء، وليضمنوا بقاء نفوذهم الديني!!

كيف تقوم الوحدة الإسلامية مع دين يستمد مقوماته من المجوسية واليهودية والنصرانية والمذدكية والزرادشتية؟! إذا ما تمت الوحدة بين المذاهب الإسلامية والرافضة ستكون الكلمة لهم في كل رأي.. لأن اعترافنا بمذهبهم يعني اعترافنا بعصمة الأئمة!!

جميع أصول هذه العقيدة وفروعها تقوم علىٰ أساس مخالفة أهل السُّنة والجماعة، في كل شيء، فكل حكم شرعي لا يجدون له دليلًا يؤيد مخالفتهم، يأتون له بسيل من الأحاديث والنصوص الملفقة، وكل همهم أن يطبقوا نصًّا وروحًا قول جعفر الصادق - علىٰ حد زعمهم: «إذا اختلفتم في شيء من المسائل فخالفوا هؤلاء فإن الرشاد في مخالفتهم». والمقصود بهؤلاء هم أهل السُّنة والجماعة!!

يقول الشيخ محمد عرفة - ؟ عضو هيئة كبار العلماء في مصر عام 1946م، وكان عضو جماعة التقريب بين السُّنة والشيعة، وبعد أن تبين له الحق - وذلك في مقدمة كتاب «الوشيعة في نقد عقائد الشيعة»: 

لقد صدرت آراء من دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية، يثنون فيها علىٰ مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، علىٰ أن لهذه الطائفة أصولها المستمدة من كتاب الله تعالىٰ، ومن سنة رسوله ﷺ. ولعله لا يكون من السهو أن يفوت هؤلاء أن هذا المذهب يقول بردة الصحابة جميعًا بعد وفاة الرسول ﷺ، إلا قليلًا منهم، وأن أبا بكر وعمر كافران ملعونان! فهل يجوز للمسلمين تقليدهم في ذلك؟ وأن يكون من المسلمين من يلعن أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة، ويقول بكفر الصحابة؟! وأن هذا المذهب يقول بكفر المسلمين من غير الشيعة: الحاضرين والماضين؛ فالمسلمون في رأيهم كفار؛ حكامهم ومحكوموهم في نظرهم!!

والذي دعاهم إلىٰ ذلك أنهم يجعلون الإيمان بإمامة علي ومن بعده من أبنائه جزءًا من الإيمان، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فمن لم يؤمن بالأئمة من أهل البيت لم يكن مؤمنًا، ولذلك كفَّروا الصحابة الذين قالوا بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وكفروا هؤلاء الخلفاء؛ لأنهم أخذوا ما ليس لهم من الإمامة، ولذلك أيضًا كفروا المسلمين الحاضرين والماضين الذين لا يقولون بالإمامة التي جعلوها جزءًا من الإيمان، وجعلوا حكامهم أهل جور؛ لأنهم لم يستمدوا حكمهم من الأئمة المعصومين ذوي الحق، وجعلوا الرعية كفارًا؛ لأنهم اتبعوا أئمة الجور، ولم يؤمنوا بإمامة الأئمة من أهل البيت.

فهل يجوز تقليد هذا المذهب في ذلك؟! وهل نقول للمسلمين: لكم أن تقلدوا هذا المذهب فيما ذكرنا؛ فيكفِّر بعضهم بعضًا، وتكون عداوات بين الحاكمين والمحكومين؛ بعضهم وبعض؟! وهذا المذهب يقول: إن هذا القرآن الذي بأيدي الناس ليس هو القرآن كله، وإن عليًّا هو الذي جمعه كله، فهل يجوز للمسلمين تقليده في ذلك؟ إن ما نسبناه إليهم ينبغي ألا نتركه حتىٰ نبين نسبته إليهم من كتبهم المعتبرة، التي جعلوها أصول هذا المذهب، والتي هي عندهم كالبخاري عندنا.

أما أن هذا المذهب يقول بردة الصحابة، فنحن نستدل عليه بما ورد في «الوافي» (صـ48) في الباب العشرين منه، قال: عن أبي جعفر عليه السلام قال: «ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد. قيل: فعمار؟ قال: كان حاص حيصة ثم رجع! ثم قال: إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد، فأما سلمان فإنه عرض في قلبه أن عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم، لو تكلم به لأخذتهم الأرض، وهو هكذا، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين بالسكوت ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأبىٰ إلا أن يتكلم».

وفي الباب نفسه (صـ48): «عن عبد الرحيم القصير، قال: قلت لأبي جعفر: إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا. فقال: يا عبد الرحيم، إن الناس عادوا، بعدما قبض رسول الله ﷺ أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت فلم تعتزل بخير».

وفي الباب حديث طويل، وفي آخره: «فلما قبض رسول الله ﷺ وأقام الناس غير علي - عليه السلام - لبس إبليس تاج الملك، ونصب منبرًا وقعد في ألويته، وجمع خيله ورجله، ثم قال لهم: اطربوا، لا يطاع الله حتىٰ يقوم إمام، وتلا أبو جعفر عليه السلام: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ﴾ [سبأ: 20]. فقال أبو جعفر: كأن تأويل هذه الآية لما قبض رسول الله ﷺ ».

من فرق المسلمين ومزق شملهم؟!:

إن المستقرئ للدستور الإيراني يتأكد له أنه ليس دستورًا إسلاميًّا، ولم ينبثق من عقيدة الإسلام. إن نص المادة الثانية عشرة تلزم مجلس الشورىٰ بالتقيد التام بقواعد المذهب الجعفري ولا تجيز له سن أي قانون وفقًا لقواعد أي من المذاهب الإسلامية الأخرىٰ. والعجيب الغريب أن المشرِّع الإيراني لم يراع أن الشعوب الإيرانية بحكم تنوع قومياتها ومذاهبها الدينية لا تتبع مذهبًا واحدًا بعينه. وإلزام الجميع بمذهب واحد هو نوع من الجبر والقهر والسيطرة الطائفية والمذهبية، فإذا ما أضيف إلىٰ ما في المادة الثانية عشرة من نص علىٰ الطائفية والمذهبية ما جاء بنصوص المادة الخامسة عشرة التي تشترط في رئيس الجمهورية: «أن يكون إيراني الأصل، ويحمل الجنسية الإيرانية مؤمنًا ومعتقدًا بمبادئ الجمهورية الإسلامية والمذهب الرسمي للدولة»، يتضح لنا أن هذا الدستور ما وضع إلا للمحافظة علىٰ النزعة العنصرية والأطماع الإيرانية المتأصلة في نفوس الفرس الذين يحلمون بالهيمنة علىٰ مقدرات الشعوب المجاورة ذات يوم باسم الدين الإمامي ونزعته العنصرية.

قال تعالىٰ: ﴿ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴾ [الأنعام: 159].

لم يختلف أهل السُّنة والجماعة في أصل واحد من أصول الإسلام، بل يعتبرون من خالفهم في أصل واحد كمن خالفهم في سائر الأصول، يوجبون البراءة منه ومن قوله.. وهذه حقائق لا ينكرها اثنان.

حدث أن طلب أبو جعفر المنصور، من مالك بن أنس، أن يحمل الناس علىٰ ما في الموطأ، فرفض مالك وقال ما معناه: دع الناس وما يختارون لأنفسهم.

علي > لم يكفِّر أحدًا ممن لا يؤمن بإمامته!! لم يكفر الخوارج الذين خرجوا عليه، ولم يخرجهم من حظيرة الإسلام؛ لأنهم لم يخرجوا للقضاء علىٰ الإسلام، وكانوا طلاب حق ولكن أخطئوا الوسيلة، ومحنة الإسلام لم تأت ممن طلبوا الحق فأخطئوه، وإنما جاءت ممن طلبوا الباطل فأصابوه.. ممن يبيتون الشر والنوايا الشريرة لرسالات السماء!! ممن جعلوا من التشيع دينًا ليأكلوا فريقًا من أموال الناس بالباطل؛ مستغلين فيهم غريزة التدين التي خلقها الله لعبادته.

كُثُر هم من كانوا وراء انقسام المسلمين منهم: بابك الخرمي، وصاحب الزنج، والمختار بن عبيد، وأبو الخطاب الأسدي، والمغيرة العجلي، والحسن الصباح، وحمدان قرمط، وطاهر الجنابي، والمقنع الكندي، وأبو عبد الله الشيعي، وإسماعيل الصفوي، والأغاخان، وغيرهم.

أهل السُّنة والجماعة لم يكفِّروا أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يلصقوا بهم أشنع التهم، كما أنهم لم يبطنوا آيات القرآن الكريم بقصص خيالية تقلب الحقائق، وتحمل النصوص غير ما تحتمل، ولم يرفعوا أحدًا فوق مستوىٰ البشر، ويخفضوا آخرين إلىٰ ما تحت مستوىٰ البهائم؛ نكاية بالإسلام، وانتصارًا للحاقدين عليه!!

فقهاء السُّنة والجماعة لم يضعوا النظريات والمذاهب الهدامة التي جرَّت علىٰ الأمة النكبات والويلات، ومزقتها شر ممزق!!

قالوا: ما وافق كتاب الله وسنة رسوله من آرائي فخذوا به، وما خالفهما فاضربوا به عرض الحائط.. لم نجد منهم من يطالبنا بأن نؤمن بما يقوله إيمانًا أعمىٰ.. لم يأمرونا بأن نتجاهل نعمة العقل التي مَنَّ الله بها علىٰ عباده.



الباب الثاني

الفصل الأول

الصحابة ش

معرفة فقه سيرتهم ضرورة

لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها:

لا يختلف اثنان علىٰ أن الإنسانية كلها اليوم أشد حاجة إلىٰ معرفة فضائل أصحاب رسول الله ﷺ، وكرم معدنهم، وأثر تربية رسول الله فيهم وما كانوا عليه من علو المنزلة التي صاروا بها الجيل المثالي الفذ في تاريخ البشر... سيرتهم وتاريخهم المجيد من أقوىٰ مصادر الإيمان والعاطفة الإسلامية الصحيحة التي لا تزال هذه الأمة تقتبس منها شعلة الإيمان، وتحمل زاد الدعوة فتشعل أنوار الحق في قلوب الناس حتىٰ لا تنطفئ بريح الهدم التي يوجهها أعداء الأمة ضد دعوتها وتاريخها.. سيرتهم مليئة بالدروس والعبر بم اتصفوا به من مكارم الأخلاق والصفات الحميدة.. وستظل الحضارة الإنسانية مدينة لهم بجهادهم الرائع في نشرهم الإسلام في الأمم والدول والشعوب بحركة الفتوحات العظيمة التي لم يشهد لها التاريخ الإنساني مثيلًا.. بذروا العدل والحرية وسقوها بدماء الشهداء الذكية فأتت أكلها من كل الثمرات تقدمًا عظيمًا في العلوم والفكر والثقافة.

يقول د. محمد حسين هيكل ؟: إن الأوربيين وجدوا من علمائهم من يشيد بعظمائهم ويستقصي نواحي مجدهم، بل قد دعتهم العصبية أحيانًا أن يتزيدوا في نواحي العظمة ويعملوا الخيال في تبرير العيب وتكميل النقص؛ تحميسًا للنفس وإثارة لطلب الكمال.. أما نحن فقد كان بيننا وبين عظمائنا سدود وحواجز حالت بين شبابنا والاستفادة منهم، وهذه من الأمور التي لها أخطارها الجسيمة وعاقبتها الوخيمة والنتيجة السيئة علىٰ أجيال الأمة الإسلامية.. ذلك الفراغ الفكري والخلاء والخواء المهيمن علىٰ العقول، من الذين لا يؤخذ إلا عنهم، ولا يقتدي إلا بهم، ولا يسمع إلا لهم، ولا تصلح لنا حال إلا بما صلح حالهم به، ذلك الجيل القرآني الفريد.. قادوا العالم بعد أن دكوا العروش وفتحوا البلدان، وأسسوا حضارة إسلامية مزدهرة، علىٰ منهج الله تعالىٰ.

الصحابة الكرام هم «نور النبوة».. نماذج إنسانية عُلْيَا:

يقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي: إن ما تقتضيه طبيعة الرسالات السماوية ودراسة تاريخ حملتها، هو أن تتحقق معجزة صنع الإنسان، كما لو كانت ولادته من جديد.. تتحقق هذه النتيجة الخارقة للعادة من غير اعتماد علىٰ الأساليب والوسائل التربوية والإعلامية التي تستخدمها مؤسسات التربية وخبراء التعليم؛ لأن ما يتحقق من التحول في العقائد والميول والسيرة والأخلاق في ظل تعاليم الرسول ﷺ وفي أحضانه، ينبثق من رعاية الله وتأييده الغيبي، ولا يمكن أن يعبر عنه بكلمة غير «نور النبوة» و«بركات الصحبة».. إن الذين يسعدون بتربية الرسول ﷺ وصحبته، إنما تتحلىٰ حياتهم بالصلة الوثيقة بالله، وبالإخلاص والعبودية والتواضع والإيثار، وذوق العبادة، والانصراف عن حطام الدنيا والاهتمام بالآخرة، ومحاسبة النفس محاسبة دقيقة أمينة، والاستقامة علىٰ الدين.. هذه التربية النبوية صورها القرآن الكريم في قوله تعالىٰ: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ﴾ [الجمعة: 2].

ويقول Q: ﴿ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ﴾. 

[الحجرات: 7]

هذه التربية النبوية للصحابة ش، كان لا بد وأن تثمر جيلًا جديدًا لا يقبل انتكاصًا ولا انتكاسًا، وأن يظهر نماذج إنسانية عليا من أروع ما شاهد التاريخ من نماذج وأجملها، يشق الطريق للإسلام، وتترامىٰ بفضله وتأثيره أمم وأقطار في أحضان الإسلام، ويتكون مجتمع كامل يعتبر مجتمعًا نموذجيًّا مثاليًّا من كل جهة.

الشجرة التي لم تؤت ثمارها اليانعة الحلوة، ولم تتفتح أزهارها العطرة الجميلة، أيام شبابها وفي موسم ربيعها وهو - عهد النبوة - لا تعتبر شجرة مثمرة سليمة.

صاغت التربية النبوية الإنسان صياغة جديدة وربته تربية فاضلة، لذا فالصحابة ش هم أعز مأثرة تلمع علىٰ جبين الإنسانية، من بين مآثر النبوة، وهم المأثرة الكبرىٰ التي قام بها محمد رسول الله ﷺ.. هي التوفيق الذي أكرمه الله به في مجال تربية الإنسان وصياغته، إنما تفرد به من بين الأنبياء والمرسلين.. يقول الشيخ الندوي ؟: 

كل فرد من أفراد الجيل الذي أعده النبي ﷺ كان نموذجًا رائعًا للتربية النبوية، ومفخرة وشرفًا للنوع الإنساني، لا توجد في الكون كله أجمل وأشرف من هذه النماذج الإنسانية؛ باستثناء الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

إن إيمانهم الراسخ وعلمهم العميق، وقلبهم الصادق، وحياتهم الساذجة، وتواضعهم، وخشيتهم لله، وعفتهم وطهرهم وعطفهم ورأفتهم، وشجاعتهم وجلادتهم، وتذوقهم للعبادة وحنينهم إلىٰ الشهادة، وفروسيتهم بالنهار، وقيامهم بالليل، وتحررهم من سلطان الثروات، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة واستهوائها، وزهدهم في زخارف الدنيا، وعدلهم وحسن تدبيرهم، كل ذلك مما لا يوجد له نظير في الدنيا، ومن مآثر النبوة أنها صنعت رجالًا كانوا أفذاذًا من نوعهم في التاريخ.. هذه حقائق تاريخية، وواقع معلوم لا مجال فيه للشك( ).

قام النبي ﷺ بالنصح لأصحابه وإرشادهم وتربيتهم، وظلَّ علىٰ دوام تعهدهم ﷺ حتىٰ لحق بالرفيق الأعلىٰ.. رباهم رسول الله ﷺ فكانوا علىٰ أعلىٰ مستوىٰ من الدين والخلق والإخلاص والتفاني في سبيل نصرة هذا الدين؛ فاستحقوا بذلك رضا الله Q، ورضا رسوله ﷺ. وفتح الله Q بهم البلاد وقلوب العباد، وتكونت الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة في فترة كأنها لحظات من عمر الدنيا بعد ثلاثة عشر عامًا من ابتداء البعثة النبوية المباركة، ثم توالت الانتصارات، وانتشر الضوء وعم الخير فجاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا في السُّنة الثامنة من الهجرة، وما فارق النبي ﷺ الدنيا حتىٰ عم الإسلام جزيرة العرب ثم سطع النور بعد ذلك في المشارق والمغارب، حتىٰ دق المسلمون أبواب فينا في أوربا ووصلوا إلىٰ حدود الصين.. الصحابة ش كانوا خير أمة أخرجت للناس.

حبهم لرسول الله ﷺ:

ضربوا لنا أروع الأمثلة في حبهم للنبي عليه الصلاة والسلام.. يقول مبعوث قريش لما رجع‏ إلىٰ أصحابه: «أي قوم والله لقد وفدت علىٰ الملوك ووفدت علىٰ قيصر وكسرىٰ والنجاشي والله ما رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون علىٰ وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر؛ تعظيمًا له».

يقول عمرو بن العاص: «وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه؛ إجلالًا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه».

‏عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم، هل تعرف  أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يابن أخي؟ قال: أُخْبِرْتُ أنه يسب رسول الله ﷺ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتىٰ يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلىٰ  أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه. قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتىٰ قتلاه ثم انصرفا إلىٰ رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلت. فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا. فنظر في السيفين، فقال: «كلاكما قتله». وقضىٰ بسَلَبِهِ لمعاذ بن عمرو بن الجموح!

‏ والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء من صغار الصحابة رضي الله عنهم.

تعظيمهم لأمر الله Q وأمر رسوله ﷺ:

كان الصحابة رضوان الله عليهم يسارعون إلىٰ تنفيذ أوامر الله Q وأوامر رسوله ﷺ.. ومن سرعة استجابتهم لأوامر النبي ﷺ أنه كان الواحد منهم يأخذ النص لينفذ ويعمل مباشرة، دون أي تردد، حتىٰ ولو كان العمل ضد هوىٰ الواحد منهم: «عن معقل بن يسار أنه زوج أخته رجلًا من المسلمين علىٰ عهد رسول الله ﷺ فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة، لم يراجعها حتىٰ انقضت العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخُطَّاب، فقال له: يا لكع، أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها! والله لا ترجع إليك أبدًا آخر ما عليك. قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلىٰ بعلها، فأنزل الله تبارك وتعالىٰ ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴾ - إلىٰ قوله - ﴿ﭪ ﭫ ﭬ﴾ [البقرة: 231، 232]، فلما سمعها  معقل  قال: سمعًا لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك».

وهذه زينب بنت جحش < يخطبها رسول الله ﷺ لفتاه زيد بن حارثة وحين يفاتحها في ذلك تأبىٰ وتقول: لست بناكحته. فيقول رسول الله ﷺ: «بل فانكحيه». وبينما هما يتحدثان إذا بالمولىٰ سبحانه وتعالىٰ ينزل قرآنًا علىٰ رسوله ﷺ فتقول: قد رضيته لي يا رسول الله منكحًا؟ فيقول: «نعم». فتقول: إذن لا أعصي رسول الله ﷺ قد أنكحته نفسي»( ).

ولما سقط مسطح بن أثاثة مع من سقط في حادثة الإفك واتهام أم المؤمنين < بالزنا مع صفوان بن المعطل، شق ذلك علىٰ أبي بكر وأهله وقال: هذا أمر لم نتهم به في الجاهلية أفبعد إذ أعزنا الله بالإسلام نتهم به؟ وحلف أن لا ينفع مسطحًا بنافعة أبدًا فأنزل الله Q آيات تتلىٰ وسمعها قَالَ أَبُو بَكْرٍ، بَلَىٰ وَالله إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَىٰ مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ التي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا عَنْهُ أَبَدًا»( ).

شجاعتهم واستهانتهم بالحياة الدنيا:

كانت تربيتهم علىٰ الشجاعة والإقدام، يقتحمون الأسوار ويسلمون أرواحهم للسيوف تمزقها؛ لتدخل جنة عرضها السموات والأرض، شجاعة تكسر أسوار الحديد المادي. عَنْ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي  يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «‏إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ». فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَىٰ آنْتَ سَمِعْتَ 

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَىٰ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَأَلْقَاهُ ثُمَّ مَشَىٰ بِسَيْفِهِ إِلَىٰ الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّىٰ قُتِلَ( ).

عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم علىٰ الله لأبره منهم البراء بن مالك»( ). وإن البراء لقي المشركين، وقد أوجع المشركون 

في المسلمين فقالوا له: يا براء، إن رسول الله ﷺ قال: إنك لو أقسمت علىٰ الله لأبرك، فأقسم 

علىٰ ربك. قال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم. وفي يوم اليمامة أغلقت بنو حنيفة 

أنصار مسيلمة الكذاب الباب عليهم وأحاط بهم الصحابة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرماح حتىٰ ألقوه 

عليهم من فوق سورها. فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتىٰ فتحه، ودخل المسلمون الحديقة 

من حيطانها وأبوابها يقتلون مَن فيها من المرتدة من أهل اليمامة، حتىٰ خلصوا إلىٰ مسيلمة -

لعنه الله. قال الذهبي( ): «بلغنا أن البراء يوم حرب مسيلمة الكذاب أمر أصحابه أن يحتملوه علىٰ ترس علىٰ أسنة رماحهم ويلقوه في الحديقة، فاقتحم عليهم وشد عليهم وقاتل، حتىٰ افتتح باب الحديقة. فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحًا، ولذلك ظل خالد بن الوليد عليه شهرًا يداوي جراحه»( )( ). 

موالاة الله Q ورسوله ﷺ والمؤمنين: 

الولاء( ) والبراء( ) أوثق عرىٰ الإيمان، وهو من أعمال القلوب لكن تظهر مقتضياته علىٰ اللسان والجوارح، قال ﷺ «أوثق عرىٰ الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله Q»( ). الولاء والبراء ركن من أركان العقيدة، وشرط من شروط الإيمان. أخرج البزار عن أبي هريرة > قال: «مر رسول الله ﷺ بعبد الله بن أُبَيّ وهو في ظل أطم»( ) فقال: غبّر علينا ابن أبي كبشة. فقال ابنه عبد الله بن عبد الله - >: يا رسول الله والذي أكرمك لئن شئت لأتيتك برأسه! فقال: «لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته»( ). وهذا حنظلة بن أبي عامر يستأذن رسول الله ﷺ في قتل أبيه لما آذىٰ الرسول ﷺ والمسلمين فينهاه النبي ﷺ عن ذلك( ). وكان أبو عزيز بن عمير بن هشام أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارىٰ (يوم بدر) قال أبو عزيز: مر بي مصعب بن عمير، ورجل من الأنصار يأسرني فقال: شد يدك به؛ إن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك. فقال أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بي. فقال له مصعب: إنه أخي دونك. فسألت أمه: من أعلىٰ ما فدىٰ به قرشي فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها»( ).

استهانتهم بزخارف الدنيا وزينتها الجوفاء:

لم يغتروا بزينة الدنيا وزخرفها عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «‏لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَىٰ كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ»( ). فعلم الصحابة ش حقارة الدنيا وزيف زخارفها، فاستهانوا بها فلم تبهرهم الأضواء، ولم تشغلهم الشهوات.

أرسل سعد بن أبي وقاص، قبل القادسية، رِبْعِيَّ بن عامر رسولًا إلىٰ رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي الحرير، وأظهروا اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة، وعليه تاجه، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس علىٰ سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتىٰ داس بها علىٰ طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل عليه بسلاحه ودرعه وبيضته علىٰ رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إني لَمْ آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ علىٰ رمحه فوق النمارق فخرق عامتها. فقال له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلىٰ عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلىٰ سعتها، ومن جور الأديان إلىٰ عدل الإسلام( ).

حرصهم على الاجتماع والوحدة ونبذ الخلاف:

كان الصحابة ش من أحرص الناس علىٰ أسباب الرفعة والنصر والعزة، ولا شك في أن من أسباب النصر والرفعة والعزة الوحدةَ والاجتماعَ ونبذَ الفرقة والخلاف. أخرج عبد الرزاق في المصنف من حديث قتادة أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان صدرًا من خلافته كانوا يصلون بمكة ومني ركعتين، ثم إن عثمان صلاها أربعًا، فبلغ ذلك ابن مسعود فاسترجع، ثم قام فصلىٰ أربعًا. فقيل له: استرجعت ثم صليت أربعًا؟ قال: الخلاف شر( ). وأخرج أحمد في «المسند» عن رجل قال: كنا قد حملنا لأبي ذر > شيئًا نود أن نعطيه إياه، فأتينا الربذة، فسألنا عنه فلم نجده، قيل: استأذن في الحج فأذن له، فأتيناه بالبلدة - وهي منىٰ - فبينما نحن عنده إذ قيل له: إن عثمان صلىٰ أربعًا، فاشتد ذلك عليه، وقال قولًا شديدًا. وقال: صليت مع 

رسول الله ﷺ فصلىٰ ركعتين، وصليت مع أبي بكر وعمر، ثم قام أبو ذر > فصلىٰ أربعًا. فقيل: عبت علىٰ أمير المؤمنين شيئًا لِمَ تصنعه؟ قال: الخلاف أشد، إن رسول الله ﷺ خطبنا فقال: «إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه، فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقه من الإسلام»( ). ومن ذلك ما جاء عَنْ عَلِي > قَالَ: «اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلَافَ حَتَّىٰ يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي». فَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَرَىٰ أَنَّ عَامَّةَ مَا يُرْوَىٰ عَنْ عَلِيّ الْكَذِبُ‏( ). 

مسارعتهم ش إلى التوبة والإنابة إن بدرت منهم معصية:

كانوا ش يسارعون في التوبة والرجوع إلىٰ الله كما في قصة ماعز الذي أقر عند رسول الله ﷺ علىٰ نفسه بالزنا، فأمر بإقامة الحد عليه، ثم أتت الغامدية تقر علىٰ نفسها ذلك( ). وربط أبو لبابة بن عبد المنذر نفسه في سارية من سواري المسجد، لما أحس بأنه قد خان الله Q ورسوله ﷺ، وبقي أبو لبابة مرتبطًا بالاسطوانة، وكانت ابنتُه أو زوجته تأتيه في مواعيد الصلاة، وتحلّ رباطه، فيصلّي ثم تعيد الرباط. فلما كان السَّحَرُ من اليوم السابع، نزلت توبة أبي لبابة - بواسطة ملك الوحي - علىٰ رسول الله وهو في بيت اُم سلمة، فلما نظرت أم سلمة إلىٰ رسول الله - صلّىٰ الله عليه وآله - وهو مستبشر يضحك، قال صلّىٰ الله عليه وآله لها: «لقد تيب علىٰ أبي لبابة إن شئتِ فبشريه». فقامت إليه وهو مرتبط بالجذع في المسجد وقالت له: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. فلما عرف الناس بذلك أرادوا أن يطلقوه فقال: لا والله حتىٰ يكون رسول الله - صلّىٰ الله عليه وآله - هو الذي يطلقني. فلما مر عليه رسول الله – صلّىٰ الله عليه وآله - خارجًا إلىٰ صلاة الصبح أطلقه( ). وكذا الثلاثة( ) الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر، فاعترفوا بين يدي رسول الله ﷺ، وما تعللوا بالأباطيل والكذب؛ كما فعل المنافقون، وأمر النبي ﷺ بمقاطعتهم حتىٰ مر عليهم خمسون ليلة، ثم نزلت براءتهم من السماء. فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم من أسرع الناس إلىٰ التوبة والإنابة والاعتراف بالذنب.

اتهامهم أنفسهم دائمًا بالتقصير: 

انتصر الصحابة ش باتهامهم أنفسهم بالتقصير والشعور بعدم الزهو أو الافتخار، وهو سبيل النبي ﷺ حيث يقول لربه في دعاء سيد الاستغفار: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَىٰ عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَي وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ»( ). أما أبو بكر: فإنه يدخل عليه عمر بن الخطاب مرّة فيراه يجبذ لسانه، فيقول له: (مه! غفر الله لك)، فيقول الصديق: (إن هذا أوردني شر الموارد)( ). وهذا عمر بن الخطاب >، لما طعن كان ولده عبد الله يضع رأسه في حجره، فإذا أفاق قال لابنه: ضعه، لا أم لك، ويلي، ويل أم عمر إن لم يغفر لي ربي( ). وهذا عمران بن حصين يدخل عليه بعض أصحابه، وكان قد ابتلي في جسده، فيقول له نفر منهم: إنا لنبأس لك لما نرىٰ فيك، قال: فلا تبتأس بما ترىٰ، فإن ما ترىٰ بذنب وما يعفو الله عنه أكثر، ويصيب أبا الدرداء المرض، ويدخل عليه أصحابه ليعودوه ويقولون له: أي شيء تشتكي؟ فيقول: ذنوبي، فيقولون: أي شيء تشتهي، فيقول: الجنة»( ). وهذه أسماء بنت أبي بكر كانت تصدع فتضع يدها علىٰ رأسها وتقول: بذنبي وما يغفره الله أكثر.

ثباتهم أمام المطامع والشهوات:

لا شك في أن قوة الإيمان في قلب العبد تجعله يترفع عن شهوات الدنيا وأغراضها الدنية، فيصون العرض، ويؤدي الأمانة، ويعف عن الغلول. قال الطبري في تاريخه: لما هبط المسلمون المدائن، وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحق معه فدفعه إلىٰ صاحب الأقباض. فقال والذين معه: ما رأينا مثل هذا قط، وما يعدله ما عندنا ولا يقاربه فقالوا: هل أخذت منه شيئًا؟ فقال: أما والله، لولا الله ما أتيتكم به، فعرفوا أن للرجل شأنًا، فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني، ولا غيركم لتقرظوني. ولكني أحمد الله وأرضىٰ ثوابه. فأتبعوه رجلًا حتىٰ انتهىٰ إلىٰ أصحابه، فسألهم عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس. وعلىٰ الصحابة أيضًا ما قرره القرآن الكريم وطبقه الرسول الأمين محمد ﷺ عمليًّا من أن تطهير وتزكية النفس هما أساس التغيير المنشود، وأساس النجاح والنصر المنشود في الدنيا، والفوز والفلاح، فقد قَامَ النبي ﷺ حَتَّىٰ تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: «‏أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»( ). ويقول ﷺ «‏حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة»( ). وعىٰ الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا ذلك كله، فعملوا جاهدين علىٰ تمثله في أنفسهم، بحيث صار واقعًا حيًّا ملموسًا يتحرك في دنيا الناس، وتتحدث عنه كتب التراجم والسير والتواريخ، وتتناقله الأعداء في مجالسهم الخاصة والعامة في كتبهم. هذا عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتىٰ إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، ثم يقول لهم: «الصلاة». وعن نافع بن عمر ب «أنه كان يحيي الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع، أَسْحَرْنا؟ فيقول: لا فيعاود الصلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحرنا؟ فيقول: نعم: فيقعد ويستغفر ويدعو حتىٰ يصبح»( ). وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يختم القرآن في ثلاث، وواظب علىٰ ذلك وهو طاعن في السن، حتىٰ أدركته الوفاة.

تكافلهم فيما بينهم ومواساتهم لإخوانهم:

كان الصحابة رضوان الله عليهم بينهم من التكافل والتناصر والمواساة ما يُضْرب به المثل. عَنْ أَنَسٍ >، قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ، فَآخَىٰ النبي ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِي، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللهُ لَكَ في أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي عَلَىٰ السُّوقِ، فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَرَآهُ النبي ﷺ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ النبي ﷺ: مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ. قَالَ: فَمَا سُقْتَ فِيهَا؟ فَقَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ النبي ﷺ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ‏( ). وهذا أبو بكر الصديق، يتزوج أسماء بنت عميس؛ ليقوم علىٰ أمرها وأمر صغارها بعد مقتل زوجها. وهذا عثمان بن عفان، يقول لعبد له: «إني كنت عركت أذنك فاقتص مني، فأخذ بأذنه، ثم قال عثمان للعبد: اشدد، يا حبذا قصاص في الدنيا، لا قصاص في الآخرة». وهذا عبد الرحمن بن عوف يتزوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي هاجرت من مكة وحدها سرًّا؛ ليقوم عليها فلا تضيع. وليست أحداث الأخوة التي وقعت بين الصحابة عنكم ببعيد، فبمثل ذلك انتصر الصحابة، قد ابتعدوا عن الأنانية والأثرة، وتخلصوا من حب الذات، وسموا بالإيثار وكرم النفس والعدل والإنصاف.

يقول كعب بن مالك: «فبينا أنا جالس علىٰ الحال التي ذكر الله Q فينا، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفىٰ علىٰ سلع، يقول بأعلىٰ صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدًا وعرفت أنْ قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا، حين صلىٰ صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلىٰ فرس، وسعىٰ ساع من أسلم قبلي وأوفي الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ، يتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة، ويقولون: لتهنأك توبة الله عليك، حتىٰ دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتىٰ صافحني وهنأني».

استنصارهم بالله Q:

طلبهم العزة بما أعزهم الله Q به، فقد كان من هدي الصحابة الكرام أنهم يطلبون النصر من الله Q. أخرج ابن عبد الحكم عن زيد بن أسلم قال: لما أبطأ علىٰ عمر بن الخطاب > فتح مصر، كتب إلىٰ عمرو بن العاص >: أما بعد: لقد عجبت بإبطائكم عن فتح مصر، تقاتلونهم منذ سنين، وما ذاك إلا لما أخذتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تعالىٰ لا ينصر قومًا إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل علىٰ ما أعرف، إلا أن يكون غيَّرهم ما غيَّر غَيْرَهم... فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس، وحضهم علىٰ قتال العدو، ورغبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، وأمر الناس أن يكونوا لهم صدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل فيها الرحمة، ووقت الإجابة وليعج الناس [أي: يرفعون أصواتهم] إلىٰ الله، وليسألوه النصر علىٰ عدوهم». فلما أتىٰ عمرو الكتاب، جمع الناس، وقرأه عليهم، ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين، ثم يرغبون إلىٰ الله ويسألونه النصر ففتح الله عليهم. وعياض الأشجعي قال: شهدت اليرموك وعليها خمسة أمراء: أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد وعياض ش، وليس عياض هذا الذي حدث - فقال: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة، فكتبنا إليه: أنه قد جاش إلينا الموت، واستمددناه فكتب إلينا: أنه قد جاءني كتابكم تستمدوني، وإني أدلكم علىٰ من هو أعز نصرًا وأحضر جندًا: الله Q، فاستنصروه، فإن محمدًا ﷺ قد نُصر يوم بدر في أقل من عدتكم. وكانوا ش يطلبون العزة بما أعزهم الله Q به من الإيمان والعمل بالإسلام، وطاعة النبي ﷺ. عن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب > إلىٰ الشام، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح >، فأتوا علىٰ مخاضة وعمر علىٰ ناقة له، فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما علىٰ عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة. فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أنت تفعل هذا؟! تخلع خفيك وتضعهما علىٰ عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك. فقال عمر: أواه! لو قال ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد ﷺ، «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله( ).

ثقتهم بنصر الله Q:

كان الرسول ﷺ يبث فيهم بشائر النصر؛ يَعِدُ سراقة بسواري كسرىٰ في حفر الخندق، يبشرهم بتدمير ممالك الكفر: كسرىٰ وقيصر، والصحابة موقنون، يعلمهم الثقة. ولقد كانت الآيات القرآنية تنزل بمكة تبشر بانتصار الإسلام، والصحابة ش يعذبون في ربوع مكة، وهُزِمت جموع المشركين في أول لقاء بين الكفر والإيمان في يوم الفرقان يوم التقىٰ الجمعان، كما بشر الله Q وبشر رسوله ﷺ بانتصار الإيمان وغلبة جند الرحمن في كل زمان ومكان وقال ﷺ: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين؛ بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل به الكفر( )» وقال ﷺ: «إن الله زوىٰ لي الأرض - أو قال: إن ربي زوىٰ لي الأرض -، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، ولا يسلط عليهم عدوًّا من سوىٰ أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال لي: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوًّا من سوىٰ أنفسهم، فيستبيح بيضتهم لو اجتمع عليهم مَن بين أقطارها - أو قال  بأقطارها -، حتىٰ يكون بعضهم يهلك بعضًا، وحتىٰ يكون بعضهم يسبي بعضًا. وإنما أخاف علىٰ أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلىٰ يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتىٰ تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتىٰ تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون؛ كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي علىٰ الحق - قال ابن عيسىٰ: «ظاهرين» ثم اتفقا - لا يضرهم من خالفهم حتىٰ يأتي أمر الله»( ). فكان من ثقة الصحابة الكرام بنصر الله Q يتهمهم المنافقون بالغرور؛ فهذا خالد بن الوليد > يقول للروم وقد تحصنوا بالحصون: أيها الروم، انزلوا إلينا، فو الله، لو كنتم معلقين بالسحاب لرفعَنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا. وهذا عقبة بن نافع، ربَّاه النبي ﷺ، وقف عقبة بن نافع بفرسه علىٰ المحيط الأطلنطي يقول للماء: يا ماء! أوراؤك أرض؟ والله، لو أعلم أن وراءك أرضًا لخضت البحر إليها؛ لأنشر اسم الله العظيم هناك ( ).

هناك نفر من الناس قد قاس الصحابة الكرام ش، والذين تربوا في مدرسة النبوة، علىٰ عباد الجاه والملك، وطماعي المال والثراء، الذين تمثلت نماذجهم في ملوك فارس؛ من بهلويين وصفويين وقاجاريين، ممن يستسيغون استخدام كل وسيلة ويسوغونها للحصول علىٰ متاع قليل: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ﴾ [النجم: 30].

وصفوة القول: «لا يختلف منصفان في أن العصر الأول للإسلام يُعَدُّ أنظف العصور وأسلمها من حيث استقامة المجتمع، وتوفيق رجاله وصلاحهم، ولا غَرْوَ، فإن جلّ القيادات كانت من الصحابة». كما أن التربية القرآنية التي غرسها ﷺ في صحبه، وتعهدها بالرعاية كانت عاملًا فعالًا في تطهير نفوس الأصحاب مما يطرأ عادة علىٰ القلوب والنفوس من أهواء ورغائب تكون مدعاة للكذب والافتراء؛ ولا سيما والقرآن الكريم يتوعد الكاذبين بأشد الوعيد، ويصف الكذب بأنه ظلم قال تعالىٰ: ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [الزمر: 32]. وقال سبحانه: ﴿ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ﴾ [يونس: 69] وكيف يكذبون وقد اشتهر وأعلن فيهم وتواتر عنهم قوله ﷺ: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»؟! وكيف نتصور وصفهم بالكذب وعشرات من الآيات القرآنية، وعشرات أخرىٰ من الأحاديث النبوية تزكيهم وتصفهم بالصدق، والإخلاص، والتقوىٰ؟!

هم الصفحة الأولى من صفحات تاريخنا الإسلامي!!:

تأتي أهمية سيرة الصحابة ش ومعرفتها، في أنها الصفحة الأولىٰ من صفحات التاريخ الإسلامي؛ تاريخ الكمال الإنساني علىٰ وجه الأرض، بما حوىٰ من القيم والمعاني السامية. فأحداث القرن الهجري الأول كانت من معجزات التاريخ، وما أنجزه الصحابة ش بإمامة أبي بكر الصديق - الذي أقامه النبي ﷺ مقامه، وأمَّ الأمة في ساعة المحنة والفتنة الكبرىٰ، يوم وفاة النبي ﷺ، وسار بها علىٰ منهج الكتاب والسُّنة.

إن ما أنجزوه، ومن بعدهم التابعون، لم تنجز مثله أمة من الأمم في التاريخ... لقد استحقوا بصدق وصف رب العزة لهم في محكم التنزيل: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾ [الفتح: 29].

وقوله سبحانه: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ﴾ [الأنفال: 74].

مكَّن الله تعالىٰ بهم لدينه... ولم تأخذهم في نصرة الله ونصرة رسوله لومة لائم... أشار القرآن الكريم إلىٰ سيرتهم وحياتهم، وقصص مؤاخاتهم ومناصرتهم وتراحمهم، وفصلتها الأحاديث النبوية المطهرة في كتب السُّنة... آمنوا بالله تعالىٰ خالقهم إيمانًا غسل قلوبهم من أدران الكفر والفسق والنفاق... وحملوا مع نبيهم ﷺ هموم الإسلام، ونقلوا الكتاب والسُّنة بمنتهىٰ الحرص والحذر إلىٰ الأجيال القادمة... ولم يغادروا الدنيا إلا وقد هدوا الناس إلىٰ الصراط المستقيم، ورفعوا لواء الحق والقوة والحرية.

كانوا حريصين علىٰ أداء الأمانة، وإعلاء دعوة الحق، وضحوا بدمائهم في سبيل نقل البشر من عبادة العباد إلىٰ عبادة رب العباد... وأنقذوا الناس من الطواغيت الفجرة الذين استعبدوا عباد الله، وسفكوا دماءهم ونهبوا أموالهم واستلبوا كرامتهم الإنسانية.

عصرهم هو عصر الخلافة الراشدة، إنما هو امتداد لعصر السيرة النبوية، أميز عصور التاريخ بعد عصر النبوة، حيث تولىٰ الحكم كبار الصحابة المقربين من النبي ﷺ، ممن شهد لهم بالسابقة والفضل والبشارة بدخول الجنة... هم الذين نقلوا القرآن والسُّنة إلىٰ الأجيال التالية... وهم قادة الفكر والسياسة والاقتصاد والفتوح.

أساليبهم في الحكم والقيادة والإدارة صارت مثالًا يتطلع إليه المؤمنون في كل الأجيال... يقيسون أحوال زمانهم به، ويصفونه لبيان الانحراف والظلم وانهيار القيم الاجتماعية والخلقية والسياسية، الواقع في مجتمعاتهم.

فتحوا البلدان وأقاموا العدل:

فتح أصحاب رسول الله ﷺ وتابِعُوهم ثلاثةَ أرباع العالم آنذاك، وحملوا معهم العلم والهدىٰ، والعدل والأمن إلىٰ البلاد التي فتحوها... لم يخونوا، ولم يغدروا، ولم يغلوا، ولم يمثلوا بأعدائهم... لم يقتلوا امرأة ولا طفلًا ولا شيخًا، ولم يهدموا منزلًا، ولم يهيجوا معتزلًا، ولا عابدًا كما يفعل أعداؤهم اليوم من يهود وصليبيين، وحلفاؤهم من المرتدين في هذا العصر من تدمير، وتخريب وقتل، وتشريد ونهب، واغتصاب وقتل الأطفال والنساء، وتدمير للمستشفيات والجسور وموارد المياه، وإغلاق الطرق والتشفي بتعذيب المسنين والمصابين والجرحىٰ؛ فضلًا عن تدمير المساجد وتدنيس المصاحف وقتل الأئمة ومداهمة البيوت، واعتقال النساء وسومهم سوء العذاب... إلىٰ غير ذلك من الممارسات التي نزعت منها كل قيم الخير والإنسانية، وماتت فيها كل مشاعر الرحمة والفضيلة، وانعدمت فيها كل مظاهر النبل والرجولة.

أين هذه الممارسات الحاقدة المتجردة من الإنسانية من الفتوحات التي قادها صحابة رسول الله ﷺ؟! فجلبوا العدل والأمن والمحبة وملكوا بالعدل قلوب الناس. 

مَلَكْنَا فَكَانَ الْعَدْلُ مِنَّا سَجِيَّةً

فَلَمَّا مَلَكْتُمْ سَالَ بالدَّم أَبْطُحُ

وَحَلَّلْتُم قتلَ الأسارىٰ وطالما

عَدَوْنَا علىٰ الأَسْرَىٰ نَمُنُّ ونَصْفَحُ

فحَسْبُكُمْ هذا التفاوُتُ بيننا

فكلُّ إناءٍ بالذي فيه يَنْضَحُ

تلك هي أخلاق الصحابة ش، ذلك الجيل القرآني الفريد... فأين أخلاق أعداء الصحابة وسادتهم من أهل الصليب والسواد والنجمة، المجردة من كل فضيلة، والتي تنضح من قلوبهم وأفواههم وأقلامهم ثقافة الكراهية لسنة رسول الله ﷺ وحملتها؟!.. انتصروا بالطاعة والحب لله ورسوله ﷺ والجهاد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية وسحق الباطل في الأرض... انتصروا بأخلاقهم وحسن سيرتهم عندما حكموا بالعدل والحق والقسطاس المستقيم.

لماذا تتجاهلون دورهم ش؟!:

حرص أعداء الصحابة علىٰ تجاهل دور الصحابة في بناء الأمة، وتأصيل هويتها، وتعزيزوحدتها وترسيخ عقيدتها... حرصوا علىٰ تجهيل الناس بهذا الدور وتزييف معالمه وطمس محاسنه، قال تعالىٰ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾ [البقرة: 217].

وقال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴾ [البقرة: 120].

معظم كتابات أعداء الإسلام من اليهود والنصارىٰ والمجوس ومن سار علىٰ نهجهم من سفهاء العرب والمسلمين في مجالات الأدب والتاريخ والفكر الإسلامي جاءت لتحقيق أهدافهم التخريبية، والانتقاص من حقهم وطمس محاسنهم.

علموا أن صحابة رسول الله ﷺ، هم حلقة الوصل بين نبي الأمة ﷺ وبين أمته في نقل الشريعة، وأن الطعن فيهم هو طعن في مصادر الإسلام وسلامة وصوله إلينا... هو نقض لعرىٰ الدين، فالانتقاص منهم يسقط هيبتهم من نفوس الذين جاءوا من بعدهم، فيشكُّون في إيمانهم وسيرتهم وصدقهم مع الله تعالىٰ ورسوله ﷺ!! والتشكيك في إيمانهم وسيرتهم، تشكيك في نقلهم لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ.

الطعن في الصحابة الكرام طعن في الوحي وطعن في النبوة:

بدلًا من أن ينظر أعداء السُّنة الذين تحللوا من عقيدتهم إلىٰ ما أصاب الأمة المسلمة من الهوان والتمزق والضياع والتبعية، بعدما تخلت عن منهجية وعقيدة وأخلاق المهاجرين والأنصار، وأن يبحثوا ويحللوا ذلك بموضوعية ويستخرجوا من ذلك العظة والعبرة، فقد اتخذوا تاريخ صدر الإسلام؛ عصر الفتح والفكر والحضارة مسرحًا لأوهامهم ومرتعًا لأمانيهم الباطلة!!

يمجدون عصر الانحراف والتبعية... عصر الهزيمة وفقدان الهوية وضياع الوحدة ونكران الأخوة وحقوق الجوار... يمجدون من يقود الأمة بمنهجية وأخلاقية بعيدة كل البعد عن سيرة الصحابة... منهجية يريدها أعداء الأمة!!

يأبىٰ أعداء الأنصار والمهاجرين، إلا أن يعملوا علىٰ وصم الصحابة الكرام ش ببعض أخلاق الجاهلية، التي طهرهم الله تعالىٰ منها، وشهد لهم في ذلك الكتاب والسُّنة... ينتقصون أصحاب محمد ﷺ، وهم الناقصون الآثمون.

من الإنصاف والعلمية والموضوعية أن يُتَّهم كل من يطعن في أحد من الصحابة الكرام، بل وبكل من يثق بأعداء الصحابة ويدعو إلىٰ مودتهم وهم علىٰ ما هم عليه... هم الناقصون في الرؤية والبحث والصدق والأمانة... المتَّهَمون بالعمل علىٰ هدم الدين... يدعون إلىٰ تكذيب الله ورسوله ﷺ... وتصديق أباطيلهم المبنية علىٰ الحقد والضغينة... هؤلاء هم العاقون لعقيدتهم وحَمَلَتها، وهؤلاء الطاعنون بالصحابة، مقاصدهم أخطر وأكبر مما يفصحون عنه... هم يعملون علىٰ هدم الإسلام وانتزاع الثقة من عقول المؤمنين بهذا الدين، ولما لم يجرؤوا علىٰ الإفصاح بتكذيب القرآن الكريم والطعن بالرسول الأمين ﷺ، جعلوا من الصحابة غرضًا لهم وهدفًا لنشر سمومهم؛ لأنهم علموا أن الطعن فيهم طعن في الوحي وطعن في النبوة؛ لأنهم هم حملة الوحي وورثة النبوة بعد رسول الله ﷺ... قال تعالىٰ: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾ [التوبة: 117].

غرضهم من الطعن في عدالة رواة السُّنة النبوية من صحابة رسول الله ﷺ هو تحطيم الوسيلة التي وصلت السُّنة النبوية بها إلينا، وإذا تحطمت الوسيلة يصبح الأصل معتمدًا علىٰ (لا شيء) فيصبح (لا شيء). وقديمًا صرح بذلك أحد الزنادقة فيما رواه الخطيب البغدادي في «تاريخه» عن أبي داود السجستاني قال: «لما جاء الرشيد بشاكر - رأس الزنادقة ليضرب عنقه - قال: أخبرني، لِمَ تعلِّمون المتعلم منكم أول ما تعلمونه الرفض - أي الطعن في الصحابة -؟ قال: إنا نريد الطعن علىٰ الناقلة، فإذا بطلت الناقلة؛ أوشك أن نبطل المنقول»( ).

الصحابة ش «الطعن فيهم جرح لشعور المسلمين، يقوض دعائم الشريعة، ويشكك في صحة القرآن، لذلك عني علماء الإسلام قديمًا وحديثًا، بالدفاع عن عدالة الصحابة؛ لأنه دفاع عن الإسلام، ولم يكن ذلك الدفاع نزوة هوىٰ، ولا عصبية؛ بل كان نتيجة لدراسات تحليلية وأبحاث تاريخية، وتحقيقات بارعة واسعة، عرضتهم علىٰ أدق موازين الرجال؛ مما تباهي به الأمة الإسلامية كافة الأمم والأجيال.

الصحابة هم خير أمة أخرجت للناس، وأسمىٰ طائفة عرفها التاريخ، وأنبل أصحاب لنبي ظهر علىٰ وجه الأرض، وأوعىٰ وأضبط جماعة لما استحفظوا عليه من كتاب الله Q، وهدي رسول الله ﷺ.

الصحابة ش هم حجر الزاوية في بناء الأمة المسلمة، عنهم - قبل غيرهم - تلقت الأمة كتاب الله Q، وسنة رسوله ﷺ، فالغض من شأنهم والتحقير لهم، بل النظر إليهم بالعين المجردة من الاعتبار، لا يتفق والمركز السامي الذي تبوءوه، ولا يوائم المهمة الكبرىٰ التي انتدبوا لها ونهضوا بها. كما أن الطعن فيهم والتجريح لهم، يقوض دعائم الشريعة، ويشكك في صحة القرآن، ويضيع الثقة بسنة سيدالأنام ﷺ ! فضلًا عن أنه تجريح وقدح فيمن بوَّأهم تلك المكانة، وجعَلَهم خيرأمة أخرجت للناس!!

معرفة فقه سيرتهم ش واجب شرعي على كل مسلم:

والسير على هديهم ينير لنا الطريق:

كم يتوجب علىٰ المنصفين من أبناء هذه الأمة أن يتعلقوا بمعالم عصر الصحابة ش وعقيدتهم وثوابتهم، وكم يتوجب عليهم العمل والصبر والاحتساب حتىٰ تعود الأمة إلىٰ منهجها ومسارها الصحيح، وكم يتوجب علىٰ الذين خُدعوا وغُرر بهم حتىٰ تشككوا في عقيدتهم وخرجوا من ملتهم، فأصبحوا هائمين علىٰ وجوههم في هذا الوجود!! كم يجب علىٰ هؤلاء من التنبه والحذر ممن يدعونهم إلىٰ غير منهج الصحابة وعقيدتهم.

محبة صحابة رسول الله ﷺ وموالاتهم - في وقت تكاتف وتآزر فيه أعداء الصحابة علىٰ حرب السُّنة وأهلها في كل مكان، وبكل وسيلة مغتنمين فرصة العبث الحاصل في صفوف أهل السُّنة وانشغالهم بأنفسهم أو بلهوهم ودنياهم، وضعف الولاء والبراء والانتماء - محبتهم والوقوف علىٰ فضائلهم ومناقبهم... وتفاصيل سيرهم، وجميل صفاتهم، وعميق إخلاصهم، وصدق إيمانهم واجبٌ شرعي علىٰ كل مسلم، وما أحوج المسلمين اليوم، أمام ما يجري، وكل ما يجري من مجريات، إلىٰ معرفة فقه سيرتهم ش... لعلاج جراح الأمة.

من سيرتهم تتعلم الأمة فنون الإيمان، وخدمة الأمة، وفهم العقيدة ونصرتها والبذل والعطاء من أجل عزتها وسلامتها.

معرفة فقه سيرتهم واجبة، أمام أمراض وأوجاع، ورجس الإقليمية ودين القطرية والجنسية، ولون جواز السفر وهويته... أمام كل هذه الأوزار وغيرها، تلك التي جعلت من أهل السُّنة النبوية مطمعًا للقريب والبعيد، ولقمة تكاد تكون سهلة من الخصوم والطامعين!!

معرفة فقه سيرتهم واجبة أمام ما يخطط له من أمور وسياسات تناصب السنةَ وأهلها العداءَ... ولإعادة النظر في المناهج والوسائل التي يتبعها المسلمون في هذا العصر، وقياس الأمور بمقاييس الشرع علىٰ مناهج علمية صحيحة، ومن ثَمَّ إصلاح الخلل؛ امتثالًا لقوله تعالىٰ: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ﴾ [الحجرات: 10].

السير علىٰ هدي الصحابة ش ينير لنا الدروب، قال تعالىٰ: ﴿ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ﴾ [المائدة: 11].. معرفة فقه سيرتهم ضرورة أمام ما يجري الآن في أكثر من مصر، ويتأصل في أكثر من قطر للقضاء علىٰ ما تبقىٰ من انتماء وولاء وبراء عند عامة أهل السُّنة، الذين تتساقط بلدانهم وتتألب عليهم أعداؤهم، وهم في غَيِّهم سادرون؛ إلا من رحم الله منهم... أمام ما يجري من تخبط أو عجز، وما نراه ونسمع عنه من نكبات وآلام ومحن يتعرض لها المسلمون، وثمن باهظ يدفعونه في عامة البلدان الإسلامية. في الوقت الذي يزداد فيه أعداء السُّنة تنظيمًا وتعاونًا، وتحالفًا ومكرًا، واستعدادًا وتوثبًا للقتل والاغتيال، والتدمير والهتك، والاستباحة والتقسيم والتمزيق، في عداء سافر معلن علىٰ الثوابت والأعلام والأشخاص والعقيدة وحملتها من الصحابة الكرام وأتباعهم دون أي قيد أو حرج أو رحمة!!

تقاعس البعض وفقدان الهُوية السنية... لماذا؟!:

معرفة فقه سيرتهم واجبة، بعد أن فقد الكثير من عامة أهل السُّنة، وجهلوا امتداداتهم العقدية والجغرافية، وانعدم تمييزهم بين عدوهم ومحبهم؛ في وقت لا يفرق فيه عدوهم في عدائه لأهل السُّنة بين صحوىٰ وغفوىٰ أو بين سلفي وصوفي... الكل عنده في الميزان سواء، والحرب قائمة علىٰ الهوية وليس علىٰ التيار أو الجماعة... يستخدم كل الطاقات والتحالفات في كل الاتجاهات لطمس هوية السُّنة النبوية قبل أن يستيقظ ماردها فيلقي بكل العابثين في هذا الوجود في مكانهم الذي يجب أن يكونوا فيه.

ويعجب المرء ويتساءل: كيف يكون من أهل السُّنة من يوالي أعداء السُّنة الذين زيفوا الدين؟ بدءًا من الأذان بما أضافوا وحذفوا، ومرورًا بالصلاة بما قدموا وأخروا وزادوا وأنقصوا وأشركوا، والزكاة التي استبدلوا بها الخمس الذي أصبح يؤخذ من الأتباع؛ بدلًا من الأعداء، وكذلك الصيام والحج والقبلة والكعبة وباقي شعائر الدين، وكيف يكون من أهل الإسلام من لا يأتم بإمامة الصديق >؟!

يعجب المرء المسلم ممن يزعمون أنهم من أهل السُّنة، ويقولون: ما الفرق بين عقيدتنا وعقيدة مكذبي القرآن الكريم، وقتلة الفاروق، ومعظمي الغادر أبي لؤلؤة المجوسي - صاحب مقام بابا شجاع في مدينة كاشان الإيرانية -، الذي كتبوا علىٰ مدخله لعن الخلفاء الراشدين الثلاثة ش، المتعبدين بحبه وموالاته؟ لعنه الله ولعن من يعظمه ويواليه، لما اقترف من الجرم والسوء والإثم بغدره بالعادل الطاهر الفاروق نصير رسول الله ﷺ... قال تعالىٰ: ﴿ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ﴾ [الأعراف: 37].

معرفة فقه سيرتهم ضرورة أمام تقاعس بعض المسلمين وتناحر توجهاتهم، وعدم تأصيل الهوية السنية في ضمائرهم، وعدم معرفة من يناصبهم المكر والعداء، ومسالمته وموالاته... أمام ممن يحسبون علىٰ علماء أهل السُّنة، أولئك الصامتون الخرس أمام الباطل، الذين أسهموا ويسهمون إسهامًا مباشرًا في تمدد الرفض وبغض الصحابة وكراهية السُّنة في أكثر من مصر وعصر، حتىٰ تلبس به كثير من الغوغاء الذين لا علم لهم ولا تجربة، ولم يرشدهم أحد إلىٰ الحقيقة الناصعة، فباء بإثم التفريط وتقوية الباطل وإضعاف الحق... أمام كل من لديه علم من أهل السُّنة، وليس له مشاركة وإسهام في التصدي لأعداء الصحابة، ورد بغيهم وكشف زيفهم وباطلهم الذي يسعون به لتطويق السُّنة وسحق أهلها الأبرار؛ ولا سيما هذه المرحلة التي عبثت فيها العلمانية بعقول الكثير من أهل السُّنة، فأفرغت فكرهم من الولاء للسنة ومحبة الصحابة، وتركتهم في مهب الريح فاجتالتهم الشياطين، واغتالت ولاءهم وفهمهم لموروث الأمة وأعلامها المؤتمنين من أئمتها الصالحين.

أين إسهامهم في رد الباطل والعدوان ولو بمحاضرة أو بمقال أو بكتاب أو ندوة تعقد أو أي إسهام آخر لإيقاف هذا البغي والظلم والانتقاص من صحابة رسول الله ﷺ، ممن يزعمون أنهم حماة السُّنة وأهلها؟!

في الوقت الذي يبخل أغنياؤهم في مواجهة هذا الباطل... بالقليل من أموالهم في دفع الشر والمكر وحماية السُّنة وأهلها... يبذل فيه أعداء الصحابة أموالهم لهدم السُّنة النبوية، ويستثمرونها في شراء ضعاف النفوس والجهلة ومن لا دين لهم، وزرعهم كجراثيم سامة في جسد أهل السُّنة، ينشرون الشك والحقد، ويبثون الفتن والإفك، ليشقوا الصفوف ويصدعوا الوحدة، ويتربعوا علىٰ كرسي العمالة لأعداء الصحابة علىٰ حساب الدين والأمة... يبيعون دينهم بثمن بخس؛ كما هو الحاصل في كثير من بلدان أهل السُّنة والجماعة... !!

الحاجة إلى ثقافة عقائدية تقدس السُّنة المطهرة!!:

تفريط لا تسوغه الأعذار!!:

معرفة فقه سيرتهم ضرورة أمام ما يقوم به أعداء الصحابة من أفراح وأحزان وقبول ورفض وحب وبغض له أبعاد عقائدية جاهلية، تم صنعها لتأصيل الأحقاد في نفوسهم علىٰ الصحابة والسُّنة النبوية المطهرة وأهلها، وتأمين استمرارية تغذية البغض وإمداد ثقافة الكراهية في نفوسهم للسنة وأهلها علىٰ مر السنين، في ثقافة حاقدة يتشربها كل منهم، ويرضع صديدها مع اللبن الذي يتناوله في مهده، مما سمح لهم في التمدد والانسياح داخل الكيان الإسلامي، وقد أعانهم علىٰ ذلك غفلة عامة أهل السُّنة، وضعف الإحساس بالهوية السنية عند طبقات هائلة من أجيالهم، وصمت مريب من عامة علمائهم، وتزييف ظاهر للأحداث من كُتَّابهم، وفتاوىٰ آثمة ممن يتصدر بين الناس من علمائهم تدعو إلىٰ نصرة أعداء أهل السُّنة وموالاتهم، في الوقت الذي يستبيحون فيه كل محرمات أهل السُّنة!!

معرفة فقه سيرتهم ضرورة؛ لإيجاد ثقافة عقائدية بأدلة شرعية تقدس السُّنة المطهرة وتتبرأ من كل من ينالها بقول أو فعل أو كتابة شركية تنال من حملتها ش... والإسهام في مد ثقافي يفصل بين الصحابة وأعدائهم وبين السُّنة وأعدائها، وإنقاذ البسطاء من أهل السُّنة من علماء يدعون إلىٰ محبة أعداء القرآن والسُّنة... من لا يسهم في تكوين هذه الثقافة فإنه يشارك في توفير الفراغ العقدي الذي يتمدد فيه سرطان الهدم والتخريب لدين الإسلام والدمار لبلادهم... أعداء الصحابة يشاركون بكل طاقاتهم وندواتهم، ومحاضراتهم، وفضائياتهم في دمار السُّنة والعمل علىٰ تمزيقها وسحق أهلها... أمام التقاعس المشبوه عن الدفاع عن الصحابة وميراثهم الطاهر، والإسهام في رد العدوان المستمر علىٰ السُّنة المطهرة!!.. أمام التفريط وانعدام الغيرة من علماء السُّنة تحت ما يسمىٰ بالحكمة والعقلانية، وهو في الواقع ما هو إلا تزييف للحق وشك بالسُّنة... تفريط لا تسوغه الأعذار ولا تغسل عاره الأنهار!!

أمام من يتهم القرآن بالتزييف، والنبي ﷺ بعدم التبليغ، والصحابة بالردة، وأمهات المؤمنين بالفحشاء - حاشاهن - والبخاري ومسلم بالكذب، والسُّنة النبوية بالبهتان، ويرفض خلافة النبوة، ويكفر بكل إنجازاتها وتشريعاتها، ويستبيح دماء الخلفاء الراشدين، ويرىٰ أن كل من يسير علىٰ نهجهم مستباح الدم والمال والعرض، وكل من لا يشارك بلعن الصحابة ش وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فهو غير مؤمن، وكذلك من لا يعتقد بأن هناك شيئًا اسمه أئمة، هم فوق الأنبياء والملائكة، وأن لهم وكلاء في الأرض يحلون ويحرمون من دون الله تعالىٰ، وقولهم فوق كل قول!!

معرفة الصحابة معرفة لديننا، والجهل بهم جهل بديننا... وتشويه صورتهم تشويه لسيرة نبينا ﷺ، هم الجيل القرآني الفريد... تلقوا الوحي غضًّا كما أُنزل علىٰ رسول الله ﷺ، وأخذوه عن مصدر التلقي دون واسطة، وحملوه إلىٰ العالمين كما أراد وأمر به رسول الله ﷺ، فأثبتوا أنهم هم النخبة البشرية المختارة لهذه المهمة... تربوا في مدرسة النبوة... رباهم محمد ﷺ، آمنوا به وماتوا علىٰ دينه. لذلك فإن موالاتهم ومتابعتهم والاعتزاز بنشر سيرتهم فضلًا عن حبهم ووجوب الاقتداء بهم علامةُ الإيمان والرشاد والسداد، ومناصبتهم العداء والتشكيك بآثارهم علامة الجحود والنفاق والردة، وطمس لنجاحاتهم وإنجازاتهم العظيمة التي حفظت الدين والأمة. 

برئت من الخوارج لست منهم

من الغزال منهم وابن باب

ومن قوم إذا ذكروا عليًّا

يردون السلام علىٰ السحاب

ولكني أحب بكل قلبي

وأعلم أن ذاك من الصواب

رسول الله والصديق حبًّا

به أرجو غدًا حسن الثواب

وحب الطيب الفاروق عندي

كحب أخي الظما برد الشراب

وعثمان بن عفان شهيد

نقي لم يكن دنس الثياب



الفصل الثاني 

كيف نقرأ سيرة صحابة

رسول الله ﷺ

تاريخ صحابة رسول الله ﷺ، هو جزء من ديننا، لا يصح بحال أن نسوي بينه وبين أي تاريخ آخر، أو نتساهل في أخذه وروايته؛ لأن أي تمييع في حق هذا التاريخ وتوثيقه، يعود أثره علىٰ الدين، من هنا لا ينبغي لطالب الحق أن ينجرف بمجرد أن يقرأ رواية تاريخية، لا يعرف مصدرها فضلًا عن أن يعلم صحيحها من سقيمها، ثم يحدِّث بها... !! علىٰ المسلم أن يتحرىٰ الحق، ويكون دقيقًا في أخذه للروايات، فيتمسك بالصحيح والذي تنطبق عليه قواعد وشروط الحديث النبوي الشريف، ولا يغتر بكثرة الروايات الموضوعة والمختلقة المكذوبة، تلك التي وضعها أهل الفتن لتمزيق الصف المسلم!! عليه أن يبحث عن اتصال السند ورواية العدل الضابط الحافظ... لابد من التثبت من صحة الإسناد وضعفه!!

وضع العلماء المسلمون قواعد لعلم الرواية، تبلورت عن مجموعة من العلوم، مثل: علم أصول الحديث أو مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل وتاريخ الرجال، وعلم الدراية أو نقد المتن، فلإثبات الحقائق وتوثيق الروايات اختط العلماء المسلمون منهجًا مستقلًّا لم يشاركهم فيه أحد، يقوم علىٰ التزام الإسناد واعتماده ومعرفة الرجال والكشف عن حالهم واستعمال النقد للمتون والأسانيد، كما يقوم علىٰ التحري والتثبت في الرواية وهو ما حث عليه القرآن الكريم، فقد أمرنا الله تعالىٰ من التثبت والتبين في خبر الفاسق؛ لقوله تعالىٰ: 

﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ 

ﭯ ﭰ﴾ [الحجرات: 6] وهو أيضًا ما حثت عليه السُّنة المطهرة وسنة الخلفاء الراشدين، وعمل الصحابة ش... يعني هذا أنه لابد من الرجوع إلىٰ القواعد التي وضعها العلماء لمعرفة الحقيقة، فلا يؤخذ الخبر من الكذابين والفاسقين؛ لأن فسقهم يدفعهم إلىٰ تصويره علىٰ خلاف ما هو عليه... ومن هنا حذر المحققون الغيورون أمثال: القاضي ابن العربي الأندلسي، والمؤرخ المسلم عبد الرحمن بن خلدون من الصيغ الاستسلامية في التعامل مع الحشود من الروايات والمعطيات التاريخية، ورفضها إذا اقتضىٰ الأمر، ومقاطعة أهل الباطل، ورفض كل ما ورد إذا ما كذب صراحة أو ضمنًا ما ورد في كتاب الله تعالىٰ وسنة رسوله، والاقتصار علىٰ روايات العدول، يكون ذلك بالبحث عن المصدر ودرجة الثبوت الثقة، وتقديم الأوثق ثبوتًا كالنقل المتواتر، وتقديم المصادر الشرعية علىٰ كل مصدر، فالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل قد تكفل الله تعالىٰ بحفظه من التحريف أو الزيادة أو النقصان: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾ [الحجر: 90] وهو قطعي الثبوت. ويأتي بعده الحديث النبوي الشريف في قوة الثبوت؛ لأن النبي ﷺ، كما أخبر عنه لا ينطق عن الهوىٰ، وقد حفظه أصحابه ش، ودوَّنه علماء الحديث والرواية تبعًا لأرقىٰ منهج علمي في نقد الروايات والمرويات.

تاريخ الصحابة ش جزء من ديننا لا نتساهل في أخذه وروايته... إذا كانت الأخبار والروايات تحكي كريم سجاياهم، ولا تخرج عن الأصول العامة للشريعة، ولا تأباه الفطرة السليمة، لا مانع من رواياتها والأخذ بها؛ لأنها لا تمس ولا تخدش أصلًا شرعيًّا.

لابد من التعامل السليم مع كل ما كُتب عن صحابة رسول الله سيرهم وتاريخهم ش، وتبيان ما يمارسه البعض من نقل للروايات التاريخية دون نقد وتمحيص، فقد يكون مبنيًّا علىٰ الهوىٰ والتشويه المتعمد لحقائق التاريخ!!

لابد من إعمال قواعد البحث العلمي والتحقيق، ومعرفة مناهج وشروط العلماء في التعامل مع سائر مرويات كتب التراث والتاريخ، والاعتماد علىٰ أقوال النقاد من أئمة الجرح والتعديل... النظر في الأسانيد ومحاكمتها محاكمة عادلة... الروايات الباطلة سندًا والمنكرة متنًا يجب الحذر منها، تلك التي تضمها كتب انتهكت حرمات الإسلام والصحابة الكرام( ).

من هو الصحابي؟:

الصاحب في اللغة: اسم فاعل من صحب يصحب فهو صاحب، وقيل غير ذلك( ).

واصطلاحًا: قيل كل من لقي الرسول ﷺ مؤمنًا به ومات علىٰ ذلك، سواءٌ أطال هذا اللقاء أم قصر.

يقول ابن حجر العسقلاني في تعريفه للصحابي: 

أصح ما وقفت عليه في تعريف الصحابي: أنه من لقي النبي ﷺ مؤمنًا، ومات علىٰ الإسلام فيدخل فيه: من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روىٰ عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يَغْزُ، ومن رآه رؤية بصر ولم يجالسه، ومن لم يَرَهُ لعارضٍ كالعمىٰ، كعبد الله بن أم مكتوم، كان أعمىٰ ولقي النبي ﷺ ولم يره( ).

إذن الصحابي هو: من لقي النبي ﷺ يقظة، مؤمنًا به بعد بعثته، حال حياته - أي يشترط الإيمان بالنبي ﷺ، وما جاء به، فمن لقي النبي ﷺ وهو علىٰ الكفر من أهل الكتاب والمنافقين وغيرهم، سواءٌ أسلم بعد وفاة الرسول ﷺ أو لم يسلم فلا صحبة له - ومات علىٰ الإيمان، أما من أسلم بعد وفاة النبي ﷺ ورآه قبل دفنه فلا يعد صحابيًّا، وكذلك من مات مرتدًّا بعد وفاة النبي ﷺ، فلا يقال عنه: إنه صحابي ولا كرامة له( ).

ويدخل فيه من طالت مجالسته ولازم النبي ﷺ، مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، أو قصرت مثل: الوافدين عليه ممن لم يمكثوا معه إلا قليلًا كما ذكر ابن حجر في «الإصابة»، أو رآه ولم يجالسه مثل بعض الأعراب الذين شهدوا مع النبي ﷺ حجة الوداع، فإنهم رأوه ولم يجالسوه ﷺ .. ويدخل فيه من روىٰ حديثًا واحدًا أو حديثين أو أكثر، أو لم يرو شيئًا أصلًا... ويدخل فيه من غزا مع النبي ﷺ غزوة أو أكثر، أو لم يغز مع النبي ﷺ أصلًا... ويدخل فيه الذكور والإناث، والبالغون منهم؛ - باتفاق أهل الحديث -، وأما غير البالغين فيشترط التمييز، كسبطي 

رسول الله ﷺ: الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير ش... واختلفوا بعدُ في غير المميزين مثل: محمد بن أبي بكر الذي ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أشهر وأيام. 

ويدخل في مفهوم الصحبة من لقيه مؤمنًا به ثم ارتد، وعاد إلىٰ إيمانه في حياة النبي ﷺ ولقيه مرة أخرىٰ. وذلك باللقاء الثاني، بلا خلاف بين العلماء، وذلك مثل: عبد الله بن سعد بن أبي السرح( )، ويدخل فيه أيضًا: من لقيه مؤمنًا به ثم ارتد، وعاد إلىٰ إيمانه في حياة النبي ﷺ، ولم يلقه مرة أخرىٰ، أو عاد بعد انتقال النبي ﷺ إلىٰ الرفيق الأعلىٰ.

ويخرج من مفهوم الصحبة: ومن آمن به ولم يره كأصحمة النجاشي، وزيد بن وهب، وأبي مسلم الخولاني وغيرهم( ). ومن لقي النبي ﷺ في منامه، فإنه ليس بصحابي( ).

يخرج منه من لقيه كافرًا به، فإنه لا يعد من الصحابة، سواءٌ أكان من المشركين أم من المجوس أم من أهل الكتاب - اليهود والنصارىٰ - وسواء بقي علىٰ كفره مثل: أبي جهل وأبي لهب وغيرهما من الكفرة والمشركين، أم آمن بعد انتقال النبي ﷺ إلىٰ الرفيق الأعلىٰ كرسول قيصر... ويخرج من مفهوم الصحبة من لقيه مؤمنًا به قبل بعثته ﷺ، مثل: زيد بن عمرو بن نفيل، وجرجيس بن عبد القيس المعروف ببحيرا الراهب؛ فقد عرفه وهو ذاهب إلىٰ الشام وآمن به قبل بعثته( )، فإن هؤلاء لا يدخلون في مفهوم الصحابة؛ لأن النبي ﷺ، لم يكن مبعوثًا حين آمنوا به وصدقوه( ).

وهناك من توسع في تعريف الصحابي، قال الحميدي: في القرآن الكريم قال الله تعالىٰ: ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾ [الكهف: 34] فقضىٰ بالصحبة مع الاختلاف في الإسلام الموجب للعداوة لما جرىٰ بينهما من ملابسة الخطاب للتقدم، وقد أجمعت الأُمة علىٰ اعتبار الإسلام في اسم الصحابي فلا يُسمّىٰ من لم يسلم صحابيًّا إجماعًا، وقد ثبت بالقرآن أن الله سمّىٰ الكافر صاحبًا للمسلم فيجب أن يكون اسم الصحابي عرفيًّا، وإذا كان عرفيًّا اصطلاحيًّا كان لكل طائفة أن تصطلح علىٰ اسم.

قال تعالىٰ: ﴿ﮩ ﮪ﴾ [النساء: 36] وهو المرافق في السفر، ولا شك أنه يدخل في هذه الآية الملازم وغيره، ولو صحب الإنسان رجلًا ساعة من نهار وسايره في بعض الأسفار لدخل في ذلك؛ لأنه يصدُق عليه أن يقول: صحبت فلانًا في سفري ساعة من النهار، ولأن من قال ذلك لم يردّ عليه أهل اللغة ويستهجنوا بكلامه.

وفي السُّنة فكثير غير قليل، ومن أوضحها ما ورد في الحديث الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة <: «إنكن صواحب يوسف». فانظر أيها المنصف ما أبعد هذا السبب الذي سُمّيت به النساء صواحب يوسف، وكيف يستنكر من آمن برسول الله ووصل إليه وتشّرف برؤية غرّته الكريمة صاحبًا له، ومن أنكر علىٰ من سمّىٰ هذا صاحبًا لرسول الله ﷺ فلينكر علىٰ رسول الله حيث سمّىٰ النساء كُلهُنَّ صواحب يوسف.

ومن ذلك الحديث الذي أُشير فيه علىٰ النبي ﷺ أن يقتل عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين فقال عليه الصلاة والسلام: «إني أكره أن يُقال إن محمدًا يقتل أصحابه». فَسُمِّي صاحبًا مع العلم بالنفاق للملابسة الظاهرة مع العلم بكفره الذي يقتضي العداوة ويمحو اسم الصحبة في الحقيقة العرفية.

ومما يدل علىٰ التوسع الكثير في اسم الصحبة: إطلاقها بين العقلاء وبين الجمادات كقوله تعالىٰ: ﴿ﭮ ﭯ﴾ [يوسف: 39] ومثل تسمية ابن مسعود صاحب السواد، وصاحب النعلين والوسادة.

وأما الإجماع، فلا خلاف بين الناس أنه كان رسول الله ﷺ إذا لاقي المسلمين في الحرب فقُتِل من عسكر النبي جماعة ومن المشركين جماعة أن يُقال: قُتِل من أصحاب النبي ﷺ كذا وكذا، ومن المشركين كذا وكذا، وبذا جرىٰ عمل المؤرخين والإخباريين، يقولون في أيام صفين: قُتِل من أصحاب عليّ كذا ومن أصحاب معاوية كذا، ولا يعنون بأصحاب عليّ من لازمه وأطال صحبته بل من قاتل معه شهرًا أو يومًا أو ساعة، وهذا شيء ظاهر لا يستحق بمن قال مثله الإنكار( ).

الصحابي والمنافق:

النفاق في اللغة يعني: التقلب علىٰ أكثر من وجه والاستتار.

يزعم البعض أن في قوله تعالىٰ: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾ [التوبة: 100] دليلًا علىٰ أن في الصحابة منافقين. وقوله ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ﴾ [المنافقون: 1] دليل علىٰ ذلك أيضًا في الاصطلاح.

يقول ابن القيم: «المنافق الذي يظهر الإسلام ومتابعة الرسول ويبطن الكفر ومعاداة الله ورسوله»( ).

الصحابي والمنافق لا يتفقان، لا من الناحية اللغوية، ولا من الناحية الاصطلاحية؛ فالصحابي: هو الذي آمن بالنبي ص ومات علىٰ الإسلام، والمنافق: من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، فلا يتوافق أن يكون الصحابي منافقًا ولا المنافق صحابيًّا.

كيف نعرف الصحابي من المنافق؟:

وهل كل من رأى النبي ﷺ صحابي؟:

للمنافق صفات وعلامات ظاهرة بالكتاب والسُّنة، نستطيع من خلالها أن نميزه عن الصحابة... لم يكن المنافقون مجهولين في مجتمع المدينة، إنما كانوا فئة مفضوحة، فقد عُلم بعضهم بعينه، والبعض الآخر عرف بالأوصاف المذكورة في القرآن. ويبين هذه الحقيقة حديث كعب بن مالك؛ وهوأحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وذلك حين قال: «فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ص، فطفت فيهم أحزنني أني لا أرىٰ إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء... إلخ».

من صفات المنافقين: 

- وصفهم الله تعالىٰ بالإفساد في الأرض، والاستهزاء بدينه وبعباده، وبالطغيان واشتراء الضلالة بالهدىٰ، والصم والبكم والعمىٰ والحيرة، والكسل عند عبادته.

- بالتردد والتذبذب بين المؤمنين والكفار؛ فلا إلىٰ هؤلاء ولا إلىٰ هؤلاء، والحلف باسمه تعالىٰ كذبًا وباطلًا، وبعدم الفقه في الدين، وبالجبن، وبعدم الإيمان بالله وباليوم الآخر والرب.

- يحزنون بما يحصل للمؤمنين من الخير والنصر، ويفرحون بما يحصل لهم من المحنة والابتلاء.

- يتربصون الدوائر بالمسلمين وبكراهتهم الإنفاق في مرضاة الله وسبيله.

- يفرحون إذا تخلفوا عن رسول الله ص ويكرهون الجهاد في سبيل الله، وأنهم أحلف الناس بالله، قد اتخذوا أيمانهم جنة تقيهم من إنكار المسلمين عليهم، وبأنهم مضرة علىٰ أهل الإيمان، يقصدون التفريق بينهم والفجور عند الخصام، ويؤخرون الصلاة إلىٰ آخر وقتها، ويتركون حضور الجماعة، وأن أثقل الصلوات عليهم الصبح والعشاء.

هذه بعض صفات المنافقين التي وصفهم الله سبحانه بها... فضح الله المنافقين في سورتي «المنافقين»، و«التوبة»؛ مبينًا حالهم ودسائسهم وما تكنه صدورهم تجاه المؤمنين؛ لذلك سُمّيت سورة «التوبة» بالفاضحة والمدمدمة؛ لما أظهرت من صفاتهم ونواياهم، ثم أظهرت حال أهل الإيمان من الصحابة الميامين بشهادة رب العالمين. وبالنسبة لسورة «المنافقين» فقد نزلت في رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، فقد أخرج البخاري في «صحيحه» عند تفسير سورة «المنافقين» عن زيد بن الأرقم أنه قال: 

«كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا علىٰ من عند رسول الله حتىٰ ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكر للنبي ص فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله ص إلىٰ عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله ص وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثلُهُ قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله ص ومقتك، فأنزل الله تعالىٰ: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ﴾ [المنافقون: 1] فبعث إليّ النبي ص فقرأ فقال: «إن الله قد صدقك يا زيد».

وأما بالنسبة لسورة «التوبة»، فقد دمدمت علىٰ أهل النفاق في مواضع عديدة وفضحت الكثير من صفاتهم، ففي قوله تعالىٰ: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ﴾ إلىٰ قوله: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾ [التوبة: 44 - 49]، ومعلوم أن الصحابة جميعًا قد خرجوا للقتال وقد تخلف في بادئ الأمر أبو ذر وأبو خيثمة، ثم لحقا بالنبي ص، وقد تخلف أيضًا من الصحابة ثلاثة، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وهم من الأنصار، الله سبحانه غفر لهم وتاب عليهم، وبقي في المدينة أهل النفاق والمعذورون من الجهاد.

وقوله تعالىٰ: ﴿ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾ [التوبة: 64] يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: 

«قال مجاهد: يقولون القولَ بينهم ثم يقولون: عسىٰ الله أن لا يغشىٰ علينا سرنا هذا، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالىٰ: ﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴾ [المجادلة: 8]، أي: أن الله سينزل علىٰ رسوله ما يفضحكم به ويبين لكم أمركم، كقوله تعالىٰ: ﴿ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ﴾ [محمد: 29، 30] الآية، ولهذا قال قتادة: كانت تسمىٰ هذه السورة الفاضحة؛ فاضحة المنافقين». أي: أن الله فضحهم أمام الخلائق وبين حقيقتهم للناس بعد ما كان مكرهم سرًّا وفي الخفاء.

لهذا لا يقول: إنهم والصحابة الكرام قسم واحد إلا من تسربل بالغباء!

وقوله تعالىٰ: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾ إلىٰ قوله تعالىٰ: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴾ [التوبة: 95، 96]. هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وجاؤوا يعتذرون للنبي ص وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، ليس فيهم أحد من أصحاب النبي ص( ). وقوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ... ﴾ إلىٰ قوله: ﴿ﮃ ﮄ ﮅ﴾ [التوبة: 107، 108]. وهذه الآية أيضًا فضحت المنافقين وذلك عندما بنوا مسجد ضرار لأبي عامر الراهب الفاسق لحرب المؤمنين، وأرادوا من النبي ص أن يصلي فيه، فأخبره جبريل بأمرهم فأمر بعض أصحابه بهدمه، وأمره بالصلاة في المسجد الذي أسس علىٰ التقوىٰ...

ولا شك أن الذين قاموا ببناء مسجد ضرار غير مجهولين عن الصحابة، ولكن في نظر الكارهين للحق أن أكثر الصحابة منافقون، والبداهة تقول: إن المسجد الذي يصلي فيه الرسول ص هو مسجد الصحابة، والمسجد الذي أمر بهدمه هو مسجد أهل النفاق، فإذا كان أكثر الصحابة منافقين، وصلىٰ الرسول ص في مسجد الصحابة المنافقين، فهل الرسول ص هدم مسجد المؤمنين ليصلي في مسجد المنافقين؟!

وفي السورة نفسها يخبر الله برضاه عن الصحابة من السابقين الأولين مهاجرين وأنصارًا بقوله سبحانه: 

﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 100].

انظر كيف يخبر الله برضاه عن الصحابة من المهاجرين والأنصار!!

أهل السُّنة يترضون عمن رضي الله عنه ويسبون من سبه الله ورسوله ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدعون؛ ولهذا هُم حزب الله المفلحون وعبادُه المؤمنون.

وقوله سبحانه: 

﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾ [التوبة: 117].

وهذه الآية أيضًا صريحة في مدح الصحابة من المهاجرين والأنصار وصفاء ضمائرهم وسرائرهم، فهاتان الآيتان تصرحان بعدالة الصحابة الأخيار بشهادة الكبير المتعال، ثم رضي الله سبحانه علىٰ الثلاثة الذين تخلفوا، وهم من جملة الصحابة، خلاف بقية المتخلفين عن الغزوة من المنافقين الذين قبل الرسول ص عن ظاهرهم، وهذا أعظم دليل علىٰ الفارق الكبير بين الصحابة المعدَّلين من الله سبحانه، رغم أخطائهم، وبين المنافقين الذين فضحهم الله سبحانه في كتابه الكريم.

موقع الصحابة الكرام من هذه الصفات:

صحابة رسول الله ص هم أبعد الناس من أن يوصفوا بتلكم الأوصاف، لقد استحقوا رضا الله سبحانه ومرضاته حتىٰ قال فيهم: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴾ [آل عمران: 110]. وقال تعالىٰ: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [الأنفال: 64].

وقال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [الفتح: 29].

وقال سبحانه: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ﴾ [الأنفال: 74] .

فالذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا هم المهاجرون من الصحابة، والذين آووا ونصروا هم الأنصار من الصحابة، وقد وصفهم الله بصيغة الجمع بأنهم هم المؤمنون حقًّا. من المتفق عليه أن النبي ص قد علّم بعض أصحابه أسماء المنافقين، وقد ثبت أيضًا أن النبي ص قد ترضىٰ عن صحابته، وأوجب حبهم والثناء عليهم، وحمىٰ أقدارهم من التعرض لهم بسوء فقال: 

«لاتسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفه». وقال: «من سب أصحابي، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

وقال أيضًا صلوات الله وسلامه عليه: «احفظوني في أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،... إلخ».

وهذا يقتضي بالضرورة عدالة جميع الصحابة، ولا يمكن بحال إدخال المنافقين في جملة هذه الأحاديث وقد أنزل الله فيهم قوله: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ [النساء: 145] - و(أل) للاستغراق - اللهم إلا إذا كان النبي ص يتناقض في أقواله، وحاشاه ذلك.

يقول علي بن أبي طالب >: «لقد رأيت أصحاب محمد ص، فما أرىٰ أحدًا يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثًا غبرًا، وقد باتوا سجّدًا وقيامًا، يراوحون بين جباهِهِم وخدودهم، ويقفون علىٰ مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم رُكب المعزىٰ من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتىٰ تبُلَّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف؛ خوفًا من العقاب ورجاءً للثواب».

سأله أصحابه: ... يا أمير المؤمنين حدثنا عن أصحابك. قال: عن أي أصحابي؟ قالوا: عن أصحاب محمد ص. قال: كل أصحاب محمد أصحابي.

الصحابة الكرام طبقات:

والصحابة ش طبقات، اختلف العلماء في عدهم، منهم من جعلهم خمس طبقات: البدريون - من شهدوا بدرًا - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا - ومنهم من أسلم قديمًا ممن هاجر عامتهم إلىٰ الحبشة وشهدوا أُحدًا فما بعدها، ثم من شهد الخندق فما بعدها، والرابعة: مسلمة الفتح وما بعدها، والخامسة: الصبيان والأطفال الذين رآهم النبي ﷺ، ممن لم يغزوا.

وبهذا القول أخذ ابن سعد في كتابه «الطبقات الكبرىٰ».

صحابة رسول الله ﷺ، ليسوا علىٰ درجة واحدة في الفضل والمرتبة، بل تتفاوت مرتبتهم في الفضل؛ بحسب سَبْقهم إلىٰ الإسلام والجهاد والهجرة، وبحسب ما قاموا به من أعمال تجاه دينهم ونبيهم... والمهاجرون يقدمون علىٰ الأنصار، وأهل بدر يقدمون علىٰ أهل بيعة الرضوان، ومن أسلم قبل الفتح وقاتل يقدمون علىٰ غيرهم... فضل الله سبحانه وتعالىٰ المهاجرين والأنصار علىٰ سائر الصحابة ش، وذلك لسبقهم في الاستجابة لدعوة النبي ﷺ ودخولهم فيها وتحملهم الأذىٰ لأجلها... وفضل الله تبارك وتعالىٰ المهاجرين علىٰ الأنصار؛ لأن المهاجرين جمعوا بين الهجرة والنصرة، وقد تركوا أهلهم وأموالهم وأوطانهم، وخرجوا إلىٰ أرضٍ هم فيها غرباء طالبون فقط الأجرَ ونصرة الله ورسوله ﷺ... وأما الأنصار فقد أتاهم النبي ﷺ في بلادهم، فنصروه وقسموا أموالهم ونساءهم؛ نصرةً لله ولرسوله.

قال تعالىٰ: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ﴾ [الحشر: 8- 9].

قال تعالىٰ: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ [الأنفال 74: 75].

بعد المديح العام للصحابة المهاجرين والأنصار ش، جعل الله سبحانه وتعالىٰ الأفضلية والمراتب العظيمة لمن شهد بدرًا من المسلمين، وكانوا يومئذ قلة، سارعوا إلىٰ القتال مع النبي ﷺ من غير دعوة وميعاد، وتحقق لهم النصر بفضل الله ومنته علىٰ أيدي هؤلاء القلة، وقد اطلع الله علىٰ أعمالهم وبشرهم بأنهم لن يموتوا علىٰ الكفر، وأن ذنوبهم مغفورة بإذنه سبحانه، وهذا ما أكده النبي ﷺ لعمر بن الخطاب حين أراد ضرب عنق حاطب بن أَبي بلتعة > فقال له: «وما يدريك لعل الله اطلع علىٰ أهل بدر فغفر لهم، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم».

وهذه تزكية وشهادة أبدية من الله سبحانه علىٰ لسان رسوله ﷺ لأهل بدر وأنه راض عنهم إلىٰ يوم القيامة.

وجاء الثناء بعد أهل بدر للذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح، هؤلاء هم أهل بيعة الرضوان وصلح الحديبية، بايعوا النبي ﷺ علىٰ الموت، حينما صد المشركون رسول الله ﷺ وأصحابه عن دخول مكة... وقد خصوا بالفضل وعلو المكانة للحاجة الماسة التي ألمت بالنبي ﷺ والصحابة في وقتها، وكانت ظروف عصيبة، وكان الصلح وما جرىٰ بعده من مبايعة... وسميت هذه البيعة فتحًا لما حصل بسببها وبعدها من الخير الكثير والنصر المبين للمسلمين، وقد أثنىٰ الله تبارك وتعالىٰ عليهم، وزكىٰ ظاهرهم وباطنهم فقال سبحانه: ﴿ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾ [الفتح: 18].

عدالة الصحابة ش:

صحابة رسول الله ﷺ كلهم عدول، وليس المراد بعدالة الصحابة ش هو عصمتهم من الخطأ والنسيان والذنوب والعصيان؛ إذ العصمة لم تثبت لأحد بعد أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وإنما المراد بعدالتهم: أنهم لا يتعمدون الكذب علىٰ رسول الله ﷺ، كما أن إخبار الله تعالىٰ برضاه عنهم، وأنهم من أهل الجنة، دليل علىٰ أن ما يقع فيه البعض منهم يوفق فيه إلىٰ التوبة... ولذلك نقبل مروياتهم من غير أن نبحث عن عدالتهم أو نطلب من أحد تزكيتهم( ).

يقول الإمام الألوسي في «الأجوبة»: «اعلم أن أهل السُّنة - إلا من شذ - أجمعوا علىٰ أن جميع الصحابة عدول، يجب علىٰ الأمة تعظيمهم، فقد أخلصوا الأعمال من الرياء؛ نفلًا وفرضًا، واجتهدوا في طاعة مولاهم ليرضىٰ، وغضوا أبصارهم عن الشهوات غضًّا، فإذا أبصرتهم رأيت قلوبًا صحيحة وأجسادًا مرضىٰ، وعيونا قد ألفت السهر فما تكاد تطعم غمضًا، بادروا أعمالهم لعلمهم أنها ساعات تنقضي... ومن ارتكب منهم ما يخالف بعض هذه الأوصاف، لم يمت إلا وهو أنقىٰ من ليلة القدر، غير مدنس بوصمة ولا مصر علىٰ سيئة... ويقول: إنهم لم ينتقلوا من هذه الدار إلىٰ دار القرار إلا وهم طاهرون مطهرون، تائبون آيبون، ببركة صحبتهم للنبي ﷺ، ونصرتهم إياه، وبذل أنفسهم وأموالهم في محبته وتعظيمهم له أشد التعظيم؛ سرًّا وعلانية، كما يدل علىٰ ذلك الكتاب، وتشهد له الآثار»( ).

وقال الخطيب البغدادي في «كفايته» (صـ69): «علىٰ أنه لو لم يرد من الله Q ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ علىٰ عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين. قال: هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء».

الثناء على الصحابة ش تحقق في كتاب ربنا Q، وفي سنة نبينا محمد ﷺ:

المنافقون الذين كشف الله ورسوله سترهم، ووقف المسلمون علىٰ حقيقة أمرهم، والمرتدون الذين ارتدوا في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، ولم يتوبوا ويرجعوا إلىٰ الإسلام، وماتوا علىٰ ردتهم، هم بمعزل عن شرف الصحبة، وبالتالي بمعزل عن أن يكونوا من المرادين بقول جمهور العلماء والأئمة: إنهم عدول، وفي تعريف العلماء للصحبة ما ينفي عنها هؤلاء؛ وأولئك من وصفوا بالنفاق في حياة رسول الله ﷺ، ليسوا من الصحابة، وكانوا معروفين للنبي ﷺ والصحابة؛ بأعيانهم وبأوصافهم، وقد بينت آيات القرآن الكريم كل حركاتهم وسكناتهم، بل حتىٰ في خلجات نفوسهم.

كان الصحابة ش من أكثر الناس خوفًا من الله Q وخشية علىٰ أنفسهم أن يقعوا في النفاق.

الصحابة ش معصومون في إجماعهم، فلا يمكن أن يجتمعوا علىٰ شيء من كبائر الذنوب أو صغيرها، فيستحلونها ويفعلونها، وأما وقوع المعاصي من بعضهم ففيه الدلالة علىٰ عدم عصمة أفرادهم، ولا يضر هذا الزلل في عدالتهم، ولا يحط من مكانتهم... ومما يدل علىٰ عدالتهم علىٰ وجه العموم: ما قام به الأئمة من تمحيص لروايات الصحابة التي رووها عن النبي ﷺ، فلم يجدوا بعد الفحص والنظر صحابيًّا كذب كذبة واحدة علىٰ النبي ﷺ... لقد اصطفاهم الله ورعاهم وميزهم واختارهم لصحبة نبيه ﷺ ونشر دينه القويم.

ولا يلزم إثبات العدالة للصحابة ش إثبات العصمة لهم من الأخطاء، فهم بشر يخطئون ويصيبون، وإن كانت أخطاؤهم مغمورة في بحور حسناتهم... لهم من السوابق والفضائل التي لن يلحقهم فيها أحد... نصروا النبي ﷺ حين اجتمع عليه المشركون، وجاهدوهم بأموالهم وأولادهم وأنفسهم، وقاتلوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم، وبذلوا رقابهم لإعلاء كلمة الله، وكانوا سببًا في نشر ووصول هذا الدين العظيم إلينا... وهذه توجب - بإذن الله تعالىٰ - مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب ما لم يصل إلىٰ الكفر.

العدالة ليست العصمة، فقد يعصي المؤمن العادل ثم يتوب بعد انتباهه؛ لذلك يرىٰ العلماء أن العدالة ترتفع بمجرد وقوع المعصية، وتعود بالتوبة والندم، ولا يفرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة( ).

الآيات القرآنية، التي جاء فيها عتاب للصحابة أو لبعضهم لارتكابهم بعض المعاصي لَخير دليل شاهد علىٰ أن المراد بعدالتهم جميعًا: عصمتهم من الكذب في حديث رسول الله ﷺ، وليس معنىٰ عدالتهم عصمتهم من المعاصي أو من السهو أو الغلط، فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، وحتىٰ مع ارتكاب بعضهم لبعض الذنوب، فقد امتن الله Q عليهم بالتوبة والمغفرة لذنوبهم؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

شبهات حول عدالة الصحابة والرد عليها:

روايات شاعت... لم تثبت أسانيدها:

قالوا في قوله تعالىٰ: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾ [آل عمران: 144]: تدل علىٰ ردة الصحابة، وأن الصحابة سينقلبون علىٰ أعقابهم بعد وفاة الرسول ص مباشرة، ولا يثبت منهم إلا القليل.

هذه الآية نزلت يوم أُحد، عندما أصاب المسلمين ما أصابهم، وشُج رسول الله ص، وكُسرت رباعيته، وشاع في الناس أن الرسول ص قتل، فقال بعض المنافقين: إن محمدًا قد قتل فالحقوا بدينكم الأول؛ فنزلت هذه الآية.

روىٰ الطبري في «تفسيره» بسنده عن الضحاك قال في قوله تعالىٰ: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴾ [آل عمران: 144]: «ناس من أهل الارتياب والمرض والنفاق، قالوا - يوم فرّ الناس عن نبي الله ص، وشج فوق حاجبه، وكسرت رباعيته: قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول، فذلك قوله: ﴿ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ﴾ [آل عمران: 144]». ‎

لو كانت الآية فيمن ارتد بعد موت النبي ص لكانت أظهر في الدلالة علىٰ براءة أصحاب النبي ص من المرتدين، فإنهم هم الذين قاتلوهم، وأظهر الله دينه علىٰ أيديهم، وخذل المرتدين بحربهم لهم، فرجع منهم من رجع إلىٰ الدين، وهلك من هلك علىٰ ردته، وظهر فضل الصّديق والصحابة بمقاتلتهم لهم.

وثبت عن علي > أنه كان يقول في قوله تعالىٰ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ﴾ [آل عمران: 144]: «الثابتين علىٰ دينهم: أبا بكر وأصحابه». وكان يقول: «كان أبو بكر أمين الشاكرين، وأمين أحباءِ الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلىٰ الله». ‎ وقد ذهب بعض المفسرين إلىٰ أن قول الله تعالىٰ: ﴿ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ﴾ [البقرة: 217] أنها كانت في أبي بكر وأصحابه، لما كان في علم الله أنهم سيقاتلون أهل الردة. روىٰ الطبري بسنده عن علي > أنه قال في قوله تعالىٰ: ﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾ [المائدة: 54]: «بأبي بكر وأصحابه». وعن الحسن البصري قال: «هذا والله أبو بكر وأصحابه». وعن الضحاك قال: «هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام جاهدهم أبو بكر وأصحابه؛ حتىٰ ردهم إلىٰ الإسلام». وبهذا قال قتادة وابن جريج وغيره من أئمة التفسير. ‎

قالوا: إن الصحابة اختلفوا في أن يكتب لهم رسول الله ص ذلك الكتاب( )، الذي يعصمهم من الضلالة إلىٰ قيام الساعة، واختلافهم هذا هو الذي حرم الأمة الإسلامية من الوحدة، ورماها في الضلالة، فانقسمت وتفرقت وتنازعت وفشلت وذهبت ريحها... وقالوا: اختلف الصحابة في الخلافة، فتوزعوا بين حزب حاكم، وحزب معارض، وسبب ذلك تخلف الأمة، وانقسامها إلىٰ: شيعة علي، وشيعة معاوية... وهم أيضًا الذين اختلفوا في تفسير كتاب الله، وأحاديث رسوله ص، فكانت المذاهب والفرق والملل والنحل، ونشأت من ذلك المدارس الكلامية والفكرية المختلفة، وبرزت فلسفات متنوعة؛ أملتها دوافع سياسية محضة، تتصل بطموحات الهيمنة علىٰ السلطة والحكم. فالمسلمون لم ينقسموا ولم يختلفوا في شيء لولا الصحابة، وكل خلاف نشأ وينشأ إنما يعود إلىٰ اختلافهم في الصحابة.

هذه المزاعم تعني أن الرسول ص قد ترك تبليغ أمته ما فيه عصمتها من الضلال، ولم يبلغ شرع ربه لمجرد اختلاف أصحابه عنده حتىٰ مات علىٰ ذلك، وأنه بهذا مخالف لأمر ربه في قوله: ﴿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ﴾ [المائدة: 67]. ‎‎والرسول ص مبرأ من ذلك ومنزه بتزكية ربه له في قوله: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾‎ [التوبة: 128]. فوصفه بالحرص علىٰ أمته: أي علىٰ هدايتهم، ووصول النفع الدنيوي والأخروي لهم، ذكره ابن كثير في تفسيره، وإذا كان هذا الأمر معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام عند الخاص والعام، لا يشك فيه من في قلبه أدنىٰ مثقال ذرة من إيمان، أن هذا الرسول الكريم قد بلغ كل ما أُمر به، وكان أحرص ما يكون علىٰ أمته، بما هو متواتر من جهاده، وأخباره الدالة علىٰ ذلك!!

القول بأن الصحابة اعترضوا على تعيين أسامة بن زيد أميرًا للجيش!!:

قالوا بأن كبار الصحابة بما فيهم أبو بكر وعمر قد طعنوا في تأمير أسامة، وقالوا: كيف يؤمر علينا شاب لا نبات بعارضيه، وقد طعنوا من قبل في تأمير أبيه!، وقد قالوا في ذلك وأكثروا النقد...

بلغ ذلك الرسول ﷺ، فقام الرسول ﷺ يتكئ علىٰ شخصين حتىٰ صعد المنبر، وقال: «أيها الناس! ما مقالة بلغت عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن ضقتم في تأمير أبيه من قبل، وايم بالله إنه كان خليقًا بالإمارة،، وإن ابنه لخليق بها». وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» عن عبد الله بن عمر: «بعث رسول الله بعثًا، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال رسول الله ﷺ: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده».

لما تمت البيعة لأبي بكر بعد انتقال الرسول ﷺ إلىٰ الرفيق الأعلىٰ أمر أبا بكر بإنفاذ بعث أسامة إلىٰ الشام وتحقيق وصية النبي ﷺ، رغم الحاجة إلىٰ جيش أسامة بوقوع الردة.

روىٰ الترمذي عن أسامة بن زيد > قال: «كان رسول الله ﷺ قد عقد لي لواءً في مرضه الذي مات فيه، وبرزتُ بالناس، فلما ثقل رسول الله ﷺ أتيته يومًا، فجعل رسول الله ﷺ يضع يده عليَّ ويرفعها، فعرفت أنه كان يدعو لي، فلما بويع لأبي بكر، كان أول ما صنع، أمر بإنفاذ تلك الراية التي كان عقدها لي رسول الله ﷺ؛ إلا أنه كان سألني في عمر: أن أتركه له ففعلت».

وقد قام الصِّدِّيق بتشييع أسامة ماشيًا، وأسامة راكب .. وأوصاه وصيته التاريخية المشهورة بأسمىٰ مبادئ المدنية والحضارة، ونجح أسامة في مهمته، وعاد بجيشه سالمًا غانمًا إلىٰ المدينة، ولما سمع المسلمون بقدومهم، خرج أبو بكر مع المهاجرين، وخرج أهل المدينة حتىٰ العواتق وسُرُّوا بسلامة أسامة ومَن معه، وفي هذا الاستقبال الحافل ردد الناس قول النبي ﷺ: «إنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقًا لها».

اشتد علىٰ رسول الله ﷺ وجعه فدخل أسامة من عسكره والنبي مغمور، فطأطأ رأسه فقبله وهو ﷺ لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلىٰ السماء ثم يضعها علىٰ أسامة >، قال أسامة: فعرفت أنه ﷺ يدعو لي، ورجع أسامة > إلىٰ عسكره ثم دخل عليه ﷺ يوم الاثنين فقال له ﷺ: اغدُ علىٰ بركة الله تعالىٰ، فودعه أسامة وخرج إلىٰ معسكره، وأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن < قد جاءه يقول: إن رسول الله ﷺ يموت، وفي لفظ: فسار حتىٰ بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول له: لا تعجل فإن رسول الله ﷺ ثقيل، فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح ش فانتهوا إلىٰ رسول الله ﷺ وهو يموت، فتوفي رسول الله ﷺ حين زاغت الشمس.

وجوه المهاجرين والأنصار من خيار الصحابة لم يطعنوا في تأمير أسامة، وإن الذي تكلم في ذلك هم أشخاص نكرات غير معروفين، وقد ذكر الطبري وابن الأثير أن الذين أطلقوا ألسنتهم في تأمير أسامة هم المنافقون، فلو كانوا من صحابة رسول الله ﷺ لذكر ذلك واحدٌ من المؤرخين فضلًا عن جميعهم، والمنافقون ليسوا بأي حال من جملة الصحابة، ومن هنا نعلم أن الصحابة العدول رضي الله عنهم وأرضاهم براء من ذلك الأمر.

قالوا: «لعن الله من تخلف عن جيش أسامة»؛ حتى تصيب اللعنة أبا بكر وعمر:

استثنىٰ ﷺ أبا بكر، وأمره بالصلاة بالناس، أي: فلا منافاة بين القول بأن أبا بكر > كان من جملة الجيش، وبين القول بأنه تخلف عنه؛ لأنه كان من جملة الجيش أولًا، وتخلف لما أمره ﷺ بالصلاة بالناس، وبهذا يُرَدُّ قول من قال - طعنًا في أبي بكر >-: إنه تخلف عن جيش أسامة > لما علمت أن تخلفه كان بأمر منه ﷺ لأجل صلاته بالناس.

إن أبا بكر لم يكن أبدًا في جيش أسامة، ولم يقل النبي ﷺ في يوم من الأيام: «لعن الله من تخلف عن جيش أسامة»، بل هذا كذب علىٰ النبي ﷺ. وأما كون عمر في جيش أسامه فهذا هو المشهور في السير. كيف يكون أبو بكر في جيش أسامة، والنبي أمر أبا بكر أن يصلي بالناس في فترة مرض النبي ﷺ، هذا تناقض لا يمكن أن يحدث، ولذلك لما أراد أسامة أن يخرج استأذن أبو بكر أسامةَ أن يبقىٰ عمر بعد وفاة النبي ﷺ، بل ما سَيَّر جيش أسامة إلا أبو بكر الصديق، وذلك أنه بعد وفاة النبي ﷺ أشار بعض الصحابة علىٰ أبي بكر أن يبقىٰ جيش أسامة في المدينة؛ خوفًا علىٰ المدينة من المرتدين ومن العرب الذين لم يسلموا بعد، فأبىٰ أبو بكر أن ينزل راية رفعها رسول الله ﷺ، وقال: يخرج جيش أسامة، وخرج جيش أسامة بأمر من أبي بكر الصديق >.

فكيف جعلوا أبا بكر الصديق الذي أخرج جيش أسامة ممن تخلف، وجعلوه ممن يستحق اللعن من النبي ﷺ؟! وما هذا إلا من شيء في قلوبهم علىٰ أصحاب النبي ﷺ.

يقولون: إن النبي ص لما جهز جيش أسامه؛ وذلك لينتقم أسامة > لأبيه زيد بن حارثة لما قُتل في مؤته، جهز النبي جيش أسامة ليذهب إلىٰ مؤته، وقالوا: جعل من ضمن هذا الجيش أبا بكر وعمر حتىٰ يصفو الجو لعلي > ويستطيع النبي أن يعينه خليفة!!

جعلوا النبي ﷺ ضعيفًا يخاف من أبي بكر وعمر فيرسلهما في الجيش، حتىٰ يستطيع أن يبين للناس أن عليًّا هو الخليفة!! هكذا يكتم الدين بهذه الدرجة! وهذا طعن في النبي صلوات الله وسلامه عليه.

انفضاض الصحابة عن رسول الله ﷺ!!:

قالوا في قوله تعالىٰ: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [الجمعة: 11]: نزلت في أكثر الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله ﷺ إلىٰ العير التي جاءت من الشام، وتركوه وحده في خطبة الجمعة، وتوجهوا إلىٰ اللهو، واشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل علىٰ عدم الديانة.

قصة انفضاض أكثر الصحابة عن رسول الله ﷺ إلىٰ العير القادمة من الشام، وتركهم خطبة الجمعة، إنما وقع ذلك في بدء زمن الهجرة، ولم يكونوا إذ ذاك واقفين علىٰ الآداب الشرعية كما ينبغي، كما أن كبار الصحابة - كأبي بكر وعمر - كانوا قائمين عنده، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة. فعن جابر بن عبد الله > قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا، إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ حتىٰ لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلًا، فيهم أبو بكر وعمر ب ونزلت الآية: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [الجمعة: 11]، ولذا لم يشنع عليهم، ولم يتوعدهم سبحانه وتعالىٰ بعذاب ولم يعاتب الرسول ﷺ أيضًا »... كما أن الانفضاض كان في الخطبة كما جاء في رواية مسلم: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا.

يقول الحافظ ابن حجر: «ترجيح كون الانفضاض وقع في الخطبة لا في الصلاة، هو اللائق بالصحابة تحسينًا للظن بهم، وعلىٰ تقدير أن يكون في الصلاة حمل علىٰ أن ذلك وقع قبل النهي كآية: ﴿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾ [محمد: 33] وقبل النهي عن الفعل الكثير في الصلاة ونزول قوله تعالىٰ: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴾ [المؤمنون: 2]. ويؤيد ذلك: ما رواه أبو داود في «المراسيل» أن هذه القصة كانت لما كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة قبل الخطبة، مثل العيدين، فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الجمعة شيء، فأنزل الله Q: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [الجمعة: 11] قدم النبي ﷺ الخطبة يوم الجمعة، وأخر الصلاة، وهو ما رجحه أيضًا النووي في «شرحه علىٰ مسلم». وعلىٰ تقدير أنه في الصلاة، فلم يكن تقدم لهم نهي عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذم ذلك، اجتنبوه ». وبالجملة: الطعن في الصحابة بهذه القصة التي كانت من بعضهم في أوائل أمرهم، وقد أعقبها منهم عبادات لا تحصىٰ، سفه ظاهر، وجهل وافر.

فرية النفاق:

- استدلوا أيضًا بما ورد في القرآن الكريم من آيات تتحدث عن النفاق والمنافقين، وحملوها علىٰ أتقىٰ خلق الله، وأطهرهم رضوان الله عليهم أجمعين، كقوله تعالىٰ: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾ [التوبة: 101].

نسبة النفاق إلىٰ خيار هذه الأمة بدعوىٰ أنه كان في المدينة منافقون، وأن النبي ﷺ أطلق لفظ الصحابة عليهم: «معاذ الله! أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي».

هذه الشبهة فرية واضحة لا تثبت لها قدم؛ لأن إطلاق لفظ الصحابة علىٰ المنافق، كما جاء في الحديث، هذا الإطلاق لغوي، وليس اصطلاحيًّا نظير قوله تعالىٰ: ﴿ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴾ [الأعراف: 184] وقوله تعالىٰ: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴾ [النجم: 2]، فإضافة صحبة 

النبي ﷺ إلىٰ المشركين والكافرين إنما هي صحبة الزمان والمكان لا صحبة الإيمان، وذلك كقوله تعالىٰ في حق سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾ [يوسف: 39]. فالصحبة في الحديث الشريف بمعناها اللغوي كما في الآيات السابقة، وليست الصحبة الاصطلاحية، فتعريفها السابق يخرج المنافقين والمرتدين، ثم كيف يكون المنافقون من الصحابة بالمعنىٰ الاصطلاحي وقد نفاه عنهم رب العزة بقوله: ﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [التوبة: 56]. ثم إن المنافقين لم يكونوا مجهولين في مجتمع الصحابة الكرام ش ولم يكونوا هم السواد الأعظم، والجمهور الغالب فيهم، وإنما كانوا فئة معلومة، آل أمرهم إلىٰ الخزي والفضيحة، حيث علم بعضهم بعينه، والبعض الآخر منهم علم بأوصافه، فقد ذكر الله في كتابه العزيز من أوصافهم وخصوصًا في سورة «التوبة»، ما جعل منهم طائفة متميزة منبوذة، لا يخفىٰ أمرها علىٰ أحد، كما لا يخفىٰ علىٰ أحد حالهم في زماننا. ويدل علىٰ ما سبق من قلة المنافقين في المجتمع الإسلامي، وأنهم فئة معلومة تكفل رب العزة بفضحهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم... ومع كل هذا فقد تقرر أن العدالة لا تعني العصمة من الذنوب أو السهو أو الخطإ، ومن فضل الله عليهم ش أن وعدهم بالمغفرة ولا سيما أهل بدر.

- استدلوا بقوله ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وقالوا: تقاتل الصحابة في صفين والجمل!!

يقول ابن تيمية: «والذين قاتلوا الإمام عليًّا > لا يخلو: إما أن يكونوا عصاة، أو مجتهدين مخطئين أو مصيبين، وعلىٰ كل تقدير، فهذا لا يقدح في إيمانهم، ولا في عدالتهم، ولا يمنعهم الجنة، بما سبق من تصريح القرآن الكريم؛ من تسميتهم إخوة، ووصفهم بأنهم مؤمنون، وتأكيد النبي ﷺ ذلك بما سبق من رواية الحسن بن علي عن أبي بكرة >، ولهذا اتفق أهل السُّنة علىٰ أنه لا تفسق واحدة من الطائفتين، وإن قالوا في إحداهما أنهم كانوا بغاة. والبغي إذا كان بتأويل كان صاحبه مجتهدًا، والمجتهد المخطئ لا يكفر، ولا يفسق وإن تعمد البغي فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وشفاعة النبي ﷺ ودعاء المؤمنين، وغيرذلك وعلىٰ هذا القول إجماع الأمة من علمائها».

يقول الإمام الآمدي: «فالواجب أن يحمل كل ما جرىٰ بينهم من الفتن علىٰ أحسن حال، وإن كان ذلك إنما لما أدىٰ إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين، وإلا فجمهور الصحابة وسادتهم تأخروا عن تلك الفتن والخوض فيها، كما قال محمد بن سيرين: «هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرة آلاف فما حضر منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين». وإسناد هذه الرواية كما قال ابن تيمية أصح إسناد علىٰ وجه الأرض، وعلىٰ هذا فالذي خاض في تلك الفتن من الصحابة إما أن يكون كل مجتهد مصيبًا، أو أن المصيب واحد، والآخر مخطئ في اجتهاده مأجور عليه، وعلىٰ كلا التقديرين، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة، إما بتقدير الإصابة فظاهر، وإما بتقدير الخطأ مع الاجتهاد فبالإجماع».

يقول الإمام الجويني: «أما التوقف في تعديل كل نفر من الذين لابسوا الفتن، وخاضوا المحن، ومتضمن هذا الانكفاف عن الرواية عنهم، فهذا باطل من دين الأمة، وإجماع العلماء علىٰ تحسين الظن بهم، وردهم إلىٰ ما تمهد لهم من المآثر بالسبيل السابقة، وهذا من نفائس الكلام». اهـ. وصدق عمر بن عبد العزيز خ: «تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلا نخضب بها ألسنتنا» اهـ( ).

ما جرىٰ بين الصحابة ش في الجمل، فالأمر فيهم أوضح وأبين مما جرىٰ في صفين؛ وذلك أن الزبير وطلحة ب من العشرة المبشرين بالجنة، وعائشة هي أم المؤمنين وحبيبة رسول رب العالمين، وهم لم يخرجوا لطلب الملك أو المشاقة لأمير المؤمنين علي >، وإنما خرجوا من أجل المطالبة بدم عثمان > والإصلاح بين الناس. أخرج الإمام أحمد في «المسند» (6/97): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم أن عائشة لما أتت علىٰ الحوأب سمعت نباح كلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ﷺ قال لنا: «أيتكن تنبح عليها الكلاب الحوأب» فقال لها الزبير: ترجعين! عسىٰ الله أن يصلح بك الناس.

وأخرجه أحمد (6/52) ثنا يحيىٰ، عن إسماعيل به، ولفظه «فقالت: ما أظنني إلا أني راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله Q ذات بينهم». وهذا إسناد صحيح، وقال ابن كثير في «البداية» (9/187) عن الإسناد الأول: علىٰ شرط الشيخين ولم يخرجاه.

ولذلك قال أبو محمد بن حزم في «الفِصَل» (4/158) عن الذين خرجوا إلىٰ البصرة وهم من تقدم: «فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلىٰ البصرة لحرب علي ولا خلافًا عليه ولا نقضًا لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، هذا ما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد، فصح أنهم إنما نهضوا إلىٰ البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان > ظلمًا، وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم فبينوا عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم، فدافع القوم عن أنفسهم في دعوىٰ حتىٰ خالطوا عسكر علي فدفع أهله عن أنفسهم، وكل طائفة تظن ولا شك أن الأخرىٰ بُدئ بها بالقتال، واختلط الأمر اختلاطًا لم يقدر أحد علىٰ أكثر من الدفاع عن نفسه، والفسقة من قتلة عثمان لا يفترون من شن الحرب وإضرامه، فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها ومقصدها مدافعة عن نفسها، ورجع الزبير وترك الحرب بحالها وأتىٰ طلحة سهم غاير وهو قائم لا يدري حقيقة ذلك الاختلاط فصادف جرحًا في ساقه كان أصابه يوم أحد بين يدي رسول الله ﷺ فانصرف ومات من وقته >. وقتل الزبير > بوادي السباع علىٰ أقل من يوم من البصرة. فهكذا كان الأمر اهـ( ).

وقالوا: اختلفوا في الخلافة فتوزعوا بين حزب حاكم وحزب معارض، وسبب ذلك تخلف الأمة وانقسامها إلىٰ شيعة عليّ وشيعة معاوية...

الخلاف بين الصحابة ش في عهد عليّ > لم يكن في الخلافة، فإن الذين اختلفوا مع عليّ > هم: طلحة، والزبير، وعائشة، ومعاوية ش، ولم يكن هؤلاء ينازعونه في الخلافة بل لم يَدَّعِ أحد؛ لا من هؤلاء ولا من غيرهم، أنه أولىٰ بالخلافة بعد مقتل عثمان > من علي؛ لأنه أفضل من بقي، وقد كانوا يقرون له بالفضل، وإنما أصل الخلاف بين هؤلاء الصحابة المذكورين وعلي هو في المطالبة بدم عثمان وقتل قتلته، فقد كانوا يرون تعجيل ذلك والمبادرة بالاقتصاص منهم، وقد كان علي > لا ينازعهم في أن عثمان > قُتل مظلومًا، وعلىٰ وجوب الاقتصاص من قتلته، وإنما كان يرىٰ تأجيل ذلك حتىٰ تهدأ الأوضاع ويستتب له الأمر؛ لأن قتلة عثمان كثير، وقد تفرقوا في الأمصار كما كانت طائفة كبيرة منهم في المدينة بين الصحابة.

ومع هذا كله فإن اختلافهم ش لم يصل بهم إلىٰ الطعن في الدين، واتهام بعضهم لبعض، وإنما كان كل فريق يرىٰ لمخالفه مكانته في الفضل والصحبة، ويرىٰ أنه مجتهد في رأيه، وإن كان يخطئه فيه...

الخلاف بين علي ومخالفيه ش إنما هو في تقديم الاقتصاص من قتلة عثمان أو تأخيره؛ مع اتفاقهم علىٰ وجوب تنفيذه، وأن الصحابة ش الذين اختلفوا في الفتنة لم يتهم بعضهم بعضًا في الدين، وإنما كان يرىٰ كل فريق منهم أن مخالفه وإن كان مخطئًا، فهو مجتهد متأول، يعترف له بالفضل في الإسلام وحسن الصحبة لرسول الله ص، وهذه مسألة مقررة عند أهل العلم أيضًا بما ثبت من ثناء الصحابة بعضهم علىٰ بعض رضي الله عنهم أجمعين، فمن ذلك ما جاء عن علي > بعد معركة الجمل أنه كان يتفقد القتلىٰ، فرأىٰ طلحة بن عبيد الله مقتولًا، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: «رحمة الله عليك أبا محمد يعزّ عليَّ أن أراك مجدولًا تحت نجوم السماء»، ثم قال: «إلىٰ الله أشكو عُجَري وبُجَري». ‎ وأما معاوية > فقد جاء في حواره مع أبي مسلم الخولاني، لما قال له: أنت تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: «لا والله إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني...». إلخ كلامه. وقد روىٰ أبو نعيم في حلية الأولياء أن ضرارة بن ضمرة الصُّدَائي دخل علىٰ معاوية فقال له: صف لي عليًّا، فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال: «أما إذ لابد فإنه كان، والله، بعيد المدىٰ، شديد القوىٰ، يقول فضلًا، ويحكم عدلًا... ». وذكر كلامًا طويلًا في وصف علمه وشجاعته وزهده. إلىٰ أن قال: «فوكفت دموع معاوية علىٰ لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن ؟».

‎ ما ينقل عن الصحابة من اختلاف في التفسير، وفي فهم بعض الأحاديث، لم يترتب عليه ما ذكر من نشأة الفرق والمدارس الكلامية والفلسفات المتنوعة. وذلك أن الاختلاف ينقسم إلىٰ قسمين: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد، وغالب ما ينقل عن الصحابة في تفسير بعض الآيات، من باب اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ؟، قال: «الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلىٰ اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد».

والخلاف بين أهل السُّنة كان في مسائل جزئية ودقيقة، الاجتهاد فيها سائغ والخطأ فيها مغفور؛ لأنه ناشئ عن اجتهاد من غير تعمد للمخالفة، وقد ثبت في حياة النبي ص أن اختلف الصحابة إلىٰ فريقين في فهم قصد النبي ص من قوله: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظةً». فصلىٰ فريق منهم في الطريق، وفريق آخر لم يصلِّ إلا في بني قريظة، وحصل هذا في حوادث كثيرة يطول ذكرها، ومع هذا لم يؤثمهم النبي ص وهو أغير الأمة علىٰ دين الله؛ لأن أخطاءهم نشأت عن اجتهاد أو تأويل قد رفع الحرج فيه عن الأمة.

بل إن الأمة استفادت بسبب اختلاف الصحابة في الاجتهاد، مع عدم التفرق والتمزق من الدروس والعبر ما كان سببًا في اجتماع الأمة لا تفرقها، ووحدتها لا تمزقها، كما حصل هذا لأهل المتابعة لطريقهم الذين اهتدوا بهديهم واقتفوا أثرهم في ذلك، فلم يتفرقوا لاختلاف الآراء في الاجتهاد. ألا وهم أهل السُّنة، الذين هم أهل الاجتماع والائتلاف، وفارقهم وخالفهم في هذا سائر أهل البدع، الذين هم أهل التفرق والاختلاف، ولذا لما رأىٰ خيار السلف من بعد الصحابة هذه الثمار الطيبة المباركة لاجتهادات الصحابة، وأثرها في الأمة، وما حصل بسببها من الرحمة للأمة والتوسعة في الاجتهاد والترجيح بين أقوالهم، ما كرهوا اختلاف الصحابة، بل أظهروا الفرح والرضا به. قال عمر بن عبد العزيز ؟: «ما يسرني أن أصحاب رسول الله ص لم يختلفوا». ‎‎ وفي رواية أخرىٰ عنه: «ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم». ‎ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ؟: «ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، فأقوال هؤلاء الأئمة تدل دلالة ظاهرة علىٰ أن اختلاف الصحابة ش في الاجتهاد، لم يفض إلىٰ مفسدة في الدين، ولم يكن سببًا في تفرق المسلمين، ونشأة الفرق المبتدعة في الإسلام.

زعموا أن الصحابة لم يمتثلوا أمر النبي في صلح الحديبية!!

قالوا: إن رسول الله ﷺ خرج في السُّنة السادسة للهجرة يريد العمرة مع ألف وأربعمائة من أصحابه، فأمرهم أن يضعوا سيوفهم في القرب، وأحرم هو وأصحابه بذي الحليفة، وقلدوا الهدي ليعلم قريش أنه إنما جاء زائرًا معتمرًا وليس محاربًا، ولكن قريشًا بكبريائها خافت أن يُسمع بأن محمدًا دخل عنوة إلىٰ مكة وكسر شوكتها؛ فبعثوا إليه بوفد يرأسه سهيل بن عمرو بن عبد ود العامري وطلبوا منه أن يرجع في هذه المرة من حيث أتىٰ، علىٰ أن يتركوا له مكة في العام القادم ثلاثة أيام، وقد اشترطوا عليه شروطًا قاسية، قبلها رسول الله لاقتضاء المصلحة التي أوحىٰ إليه ربه Q، ولكن بعض الصحابة لم يعجبهم هذا التصرف من النبي وعارضوه في ذلك معارضة شديدة، وجاءه عمر بن الخطاب فقال: ألست نبي الله حقًّا؟ قال: «بلىٰ»، قال عمر: ألسنا علىٰ الحق وعدونا علىٰ الباطل؟ قال: «بلىٰ»، قال عمر: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال رسول الله ﷺ: «إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري»، قال عمر: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلىٰ، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟» قال عمر: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوف به». ثم أتىٰ عمر بن الخطاب إلىٰ أبي بكر فقال: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلىٰ: ثم سأله نفس الأسئلة التي سألها رسول الله، وأجابه أبو بكر بنفس الأجوبة، قائلًا له: أيها الرجل، إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، ولما فرغ رسول الله من كتابة الصلح قال لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، فوالله ما قام منهم رجل حتىٰ قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يمتثل لأمره منهم أحد، فدخل خباءه ... ثم خرج فلم يكلم أحدًا منهم بشيء حتىٰ نحر بدنة بيده، ودعا حالقه فحلق رأسه، فلما رأىٰ أصحابه ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتىٰ كاد بعضهم يقتل بعضًا.

قال النووي: «قال العلماء: لم يكن سؤال عمر وكلامه المذكور شكًّا بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًّا علىٰ إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه وقوته في نصر الدين وإذلَالَ المبطلين». ‎ونقل هذا أيضًا ابن حجر ؟ عن بعض شراح الحديث. ‎ فعمر كان في هذا مجتهدًا، حمله علىٰ هذا شدته في الحق، وقوته في نصرة الدين، والغيرة عليه، مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله من المشورة وإبداء الرأي؛ امتثالًا لأمر الله تعالىٰ: ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾ [آل عمران: 159]. وقد كان كثيرًا ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم، كما استشارهم يوم بدر في الذهاب إلىٰ العير، وأخذ بمشورتهم، وشاورهم يوم أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج للعدو فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذٍ فأبىٰ عليه السعدان - سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة -، فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية أن يميل علىٰ ذراري المشركين، فقال أبو بكر: إنا لم نجيء لقتال، وإنما جئنا معتمرين فأجابه إلىٰ ما قال في حوادث كثيرة يطول ذكرها. فقد كان عمر يطمع أن يأخذ رسول الله برأيه في مناجزة قريش وقتالهم، ولهذا راجعه في ذلك، وراجع أبا بكر، فلما رأىٰ اتفاقهما أمسك عن ذلك وترك رأيه، فعذره رسول الله لما يعلم من حسن نيته وصدقه.

أما توقف الصحابة عن النحر والحلق حتىٰ نحر رسول الله وحلق، فليس معصية لأمر رسول الله... قال ابن حجر: 

«قيل: كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول وحي بإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوّغ لهم ذلك؛ لأنه كان زمان وقوع النسخ، ويحتمل أنهم ألهتهم صورة الحال فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم علىٰ بلوغ غرضهم، وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم».

وجاء في بعض الروايات أن الرسول لما رأىٰ عدم امتثالهم، دخل علىٰ أم سلمة فذكر لها ذلك فقالت: «يا رسول الله، لا تكلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت علىٰ نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح». فأشارت عليه كما جاء في رواية البخاري: 

«أن اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتىٰ تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتىٰ فعل ذلك؛ نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا». قال ابن حجر: 

«ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي أمرهم بالتحلل أخذًا بالرخصة في حقهم، وأنه يستمر علىٰ الإحرام أخذًا بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي صواب ما أشارت به ففعله... ونظير هذا ما وقع لهم في غزوة الفتح من أمره لهم بالفطر في رمضان، فلما استمروا علىٰ الامتناع، تناول القدح فشرب، فلما رأوه شرب شربوا».

وهذا الوجه حسن، وهو اللائق بمقام أصحاب النبي، فإنهم كانوا علىٰ قدر كبير من تعظيم الإحرام والحرص علىٰ إكمال النسك، فلما أمرهم النبي بالتحلل ولم يفعل، ظنوا أن الذي حمله علىٰ هذا هو الشفقة عليهم، كما كانت سيرته معهم، فكأنهم ش آثروا التأسي به علىٰ ما رخص لهم فيه من التحلل، ثم لما رأوه قد تحلل أيقنوا أن هذا هو الأفضل في حقهم، فبادروا إليه، وهذا مثل ما حصل منهم في الحج مع النبي لما بلغوا مكة وطافوا وسعوا أمرهم أن يحلوا، وأن يصيبوا النساء ويجعلوها عمرة، فكَبُر ذلك عليهم لتعظيمهم لنسكهم، وقالوا: نذهب إلىٰ عرفة ومذاكيرنا تقطر من المني، فلما علم بذلك الرسول وكان لم يتحلل، قال لهم: «أيها الناس أحلوا فلولا الهدي الذي معي لفعلت كما فعلتم».

قال جابر راوي الحديث: فحللنا وسمعنا وأطعنا. وهذا كله من حرص أصحاب رسول الله علىٰ الخير والرغبة في التأسي برسول الله التأسي الكامل، فرضي الله عنهم أجمعين، وبهذا تظهر الوجهة الصحيحة لمواقف الصحابة الجليلة في هذه الغزوة المباركة، التي ازدادوا بها رفعة عند الله، وسبقًا في دينه، ومحبة في قلوب المؤمنين. ما بدر من الصحابة ش يوم الحديبية كان بحضور رسول الله، وقد كان الوحي ينزل عليه، فهل ذمهم الله بذلك؟ فإن الله لا يقر علىٰ باطل، أو أنكر عليهم رسوله؛ فإنه لا تأخذه في الله لومة لائم، فإذا لم يحصل شيء من ذلك ولم ينقل عن أحد من الصحابة الذين شهدوا الواقعة أنهم سعوا في الإنكار علىٰ من يدعي أنه مخالف ومنازع، ثم تتابعت الأمة بعد ذلك جيلًا بعد جيل علىٰ عدم الإنكار بل الترضي علىٰ أولئك الأخيار، أفاد كل ذلك حقيقة حتمية، وضرورة شرعية عند كل متدين بهذا الدين داخل في عقد المسلمين ألا وهي: براءة الصحابة وطهارتهم من كل ما يرميهم به الرافضة والزنادقة من العظائم وأن الطعن فيهم بعد هذا رد علىٰ رب العالمين، ومشاقة لرسوله الكريم، واتباع لغير سبيل المؤمنين، إن الله تعالىٰ قال في سورة «الفتح» التي أنزلها علىٰ رسوله بعد رجوعه من الحديبية في طريقه إلىٰ المدينة:

﴿ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴾ [الفتح: 18، 19]. وكان عدد أهل الحديبية الذين بايعوا النبي تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة رجلٍ، كما ذكر جابر قال: «كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة». وفي «صحيح مسلم» أن أم بشر سمعت النبي يقول: 

«لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها». فثبت بصريح الكتاب والسُّنة أن الله رضي عنهم، وأنزل السكينة في قلوبهم، وشهد لهم الرسول بالجنة، والنجاة من النار، فالطعن فيهم بعد هذا تكذيب صريح لما دلت عليه النصوص، ورد علىٰ الله ورسوله، ولهذا لم يتوقف العلماء في تكفير من كفّر أو فسق عامة الصحابة؛ لمناقضته لصريح الكتاب والسُّنة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ؟ في تفصيل حكم سب الصحابة: «... وأما من جاوز ذلك إلىٰ أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضا عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين». لم يعارض الصحابة النبي ﷺ معارضة شديدة كما يدعي من طمس الله بصيرتهم، ولا يظهر في الحديث ما يدل علىٰ أنهم أرادوا مخالفة نبيهم ﷺ، ولكنهم فعلوا ما فعلوه حبًّا لدينهم وعقيدتهم وحنقًا علىٰ الكافرين، وظنوا كما يظن أي إنسان تعتريه الأعراض البشرية أن ما جاء في المعاهدة التي أبرمت من الشروط ما يعتبر إجحافًا في حق المسلمين، وهذا ما كان ظاهرًا وجليًّا في هذه المعاهدة، وليسوا هم معصومين ويوحىٰ إليهم مثل نبيهم ﷺ، ثم كيف يخالف الصحابة نبيهم ولا يمتثلون أمره ثم ينزل فيهم قوله تعالىٰ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾ [الفتح: 18].

فهذه الآية نزلت في صلح الحديبية، فكيف يخبر الذي يعلم السر وأخفىٰ برضاه عن الصحابة لعلمه ما في قلوبهم من الصدق والوفاء والسمع والطاعة، ويبشرهم بالفتح القريب، ثم يأتي من يشكك في نيات الصحابة تجاه نبيهم ﷺ!

وروىٰ أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «لن يدخل النار رجل شهد بدرًا والحديبية». فقد أخبر الله برضاه عن المؤمنين المبايعين للنبي ﷺ تحت الشجرة وشهد لهم بالجنة... لماذا؟ لأنه علم صفاء ظواهرهم وبواطنهم، ولا شك أن عمر بن الخطاب من أوائلهم، فإذا كان الله سبحانه علام الغيوب يخبر عن صفاء قلوب الصحابة، ثم يأتي من يطعن في قلوب الصحابة ألا يكون هذا طعنًا في الدين؟!

قالوا: إن معاوية كان يحمل الناس عليّ سب علي ولعنه فوق منابر المساجد!!

معاوية > منزه عن مثل هذه التهم، بما ثبت من فضله في الدين، فقد كان كاتب الوحي لرسول الله ص، وثبت في «سنن الترمذي» بسند صحيح أن النبي ص قال لمعاوية: «اللهم اجعله هاديًا مهديًّا واهد به». ‎ وكان محمود السيرة في الأمة، وعن علي > أنه قال بعد رجوعه من صفين: «أيها الناس، لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل». ‎ وفي صحيح البخاري أنه قيل لابن عباس: «هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: إنه فقيه». ‎‎ وعن قتادة قال: «لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي». ‎ وعن مجاهد أنه قال: «لو رأيتم معاوية لقلتم: هذا المهدي». ‎ وعن الزهري قال: «عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئًا». ‎ وعن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله فقال: «فكيف لو أدركتم معاويه؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله». ‎ وسُئل المعافىٰ: معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: «كان معاوية أفضل من ستمائه مثل عمر بن عبد العزيز». والآثار عن السلف في ذلك كثيرة كما أثنىٰ علىٰ معاوية > العلماء المحققون في السير والتاريخ، ونقاد الرجال. يقول ابن قدامة المقدسي: «ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين رضي الله تعالىٰ عنهم». ‎ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واتفق العلماء علىٰ أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة؛ فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكًا ورحمة». ‎ وقال: «فلم يكن من ملوك المسلمين خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرًا منهم في زمان معاوية». ‎ وقال ابن كثير في ترجمة معاوية >: «وأجمعت الرعايا علىٰ بيعته في سنة إحدىٰ وأربعين... فلم يزل مستقلًّا بالأمر في هذه المدة إلىٰ هذه السُّنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو». ‎ وقال ابن أبي العز الحنفي: «وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين». ‎ وقال الذهبي في ترجمته: «أمير المؤمنين ملك الإسلام». ‎ وقال: «ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم علىٰ ظلمهم». ‎

وإذا ثبت هذا في حق معاوية > فإنه من أبعد المحال علىٰ من كانت هذه سيرته أن يحمل الناس علىٰ لعن علي > علىٰ المنابر وهو مَن هو في الفضل، وهذا يعني أن أولئك السلف وأهل العلم من بعدهم الذين أثنوا عليه ذلك الثناء البالغ، قد مالؤوه علىٰ الظلم والبغي واتفقوا علىٰ الضلال، وهذا مما نزهت الأمة عنه بنص حديث الرسول ص: «إن أمتي لا تجتمع علىٰ ضلالة».

ومن علم سيرة معاوية > في الملك، وما اشتهر به من الحلم والصفح، وحسن السياسة للرعية، ظهرله أن ذلك من أكبر الكذب عليه، فقد بلغ معاوية > في الحلم مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال قال: عبد الملك بن مروان - وقد ذكر عنده معاوية -: «ما رأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه». ‎ وقال قبيصة بن جابر: «ما رأيت أحدًا أعظم حلمًا، ولا أكثر سؤددًا، ولا أبعد أناة، ولا ألين مخرجًا، ولا أرحب باعًا بالمعروف من معاوية». ‎ ونقل ابن كثير: «أن رجلًا أسمع معاوية كلامًا سيئًا شديدًا، فقيل له: لو سطوت عليه؟ فقال: إني لأستحيي من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي». ‎ وقال رجل لمعاوية: «ما رأيت أنذل منك، فقال معاوية: بلىٰ من واجه الرجال بمثل هذا». ‎

فهل يعقل بعد هذا أن يسع حلم معاوية > سفهاء الناس وعامتهم المجاهرين له بالسب والشتائم، وهو أمير المؤمنين، ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب علىٰ المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان. الحكم في هذا لكل صاحب عقل وفهم. ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: «لما جاء خبر قتل علي إلىٰ معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك! إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم».

فهل يسوغ في عقل ودين أن يسب معاوية عليًّا بل ويحمل الناس علىٰ سبه، وهو يعتقد فيه هذا؟!

كما أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية > تعرض لعلي > بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناس علىٰ سبه وشتمه. وأن معاوية > انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علىٰ ب له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سب علي؟ بل الحكمة وحسن السياسه تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئه النفوس، وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفىٰ علىٰ معاوية > الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير.

ما رووه عن أبي بكر أنه قال علىٰ المنبر: إن النبي ص كان يعتصم بالوحي، وإن لي شيطانًا يعتريني، فإن استقمت فأعينوني، فإن زغت فقوموني، وكيف يجوز إمامة من يستعين بالرعية علىٰ تقويمه، مع أن الرعية تحتاج إليه؟

الحديث من أكبر فضائل الصديق > وأدلها علىٰ أنه لم يكن يريد علوًّا في الأرض ولا فسادًا، فلم يكن طالب رياسة، ولا كان ظالمًا، وإنه إنما كان يأمر الناس بطاعة الله ورسوله فقال لهم: إن استقمت علىٰ طاعة الله فأعينوني عليها، وإن زغت عنها فقوّموني.

كما قال أيضًا: أيها الناس، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. والشيطان الذي يعتريه يعتري جميع بني آدم؛ فإنه ما من أحد إلا وقد وكَّل الله به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن. ومقصود الصديق بذلك: إني لست معصومًا كالرسول ﷺ، وهذا حق. وقول القائل: كيف تجوز إمامة من يستعين علىٰ تقويمه بالرعية؟كلام جاهل بحقيقة الإمامة، فإن الإمام ليس هو ربًّا لرعيته حتىٰ يستغني عنهم، ولا هو رسول الله إليهم حتىٰ يكون هو الواسطة بينهم وبين الله، وإنما هو والرعية شركاء، يتعاونون - هم وهو - علىٰ مصلحة الدين والدنيا؛ فلا بد له من إعانتهم، ولا بد لهم من إعانته، كأمير القافلة الذي يسير بهم في الطريق: إن سلك بهم الطريق اتّبعوه، وإن أخطأ عن الطريق نبّهوه وأرشدوه، وإن خرج عليهم صائل يصول عليهم تعاون هو وهم علىٰ دفعه، لكن إذا كان أكملهم علمًا وقدرة ورحمة كان ذلك أصلح لأحوالهم( ).

وهنالك روايات تاريخية كُثُر شاعت وانتشرت، لم تثبت أسانيدها في مقابل النقد العلمي!! هناك مرويات مثلًا عن إهانة أبي بكر الصديق لفاطمة، وحديث طويل مكذوب عن فدك وميراث الزهراء من أبيها، ومرويات عن موقف خالد بن الوليد من مالك بن نويرة وزوجته!!

لا شك أن الأعداء قد وضعوا الكثير، والقسم الأكبر منها بين أيدي الرواة، والتي لم تثبت عدالتهم بعد التمحيص والتدقيق.

ضرب الزهراء!!:

قضية ضرب الزهراء وكسر ضلعها وإسقاط جنينها - علىٰ ما ذكرت الروايات التاريخية - بعد وفاة النبي ﷺ، مما لا يقبله عقل ولا منطق!! يقول محمد حسين كاشف الغطاء - العالم الشيعي: «... لا؛ لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية التي ركزتها الشريعة الإسلامية وزادتها تأييدًا وتأكيدًا تمنع بشدة أن تضرب المرأة».

رواية عارية عن الصحة!! كيف يقبل عليّ > الاعتداء علىٰ منزله وزوجه سيدة نساء العالمين، وبحجة أن عليًّا أمر بعدم مقاتلة الصحابة؛ لحفظ راية الإسلام من السقوط، وافتراق الأمة! ألم تكن هناك مقاتلة منه يوم الجمل لجيش طلحة وأم المؤمنين عائشة، ويوم صفين، وكذلك في النهروان حين قاتل الخوارج؟ ولم وقع منه كل هذا القتال وسفك الدماء؟ أليس في تلك الفعال دلالة منه علىٰ نبذ وصية النبي بعدم تفريق المسلمين؟! لم يؤمر علي بعدم دفع الظلم إن وقع عليه، أو انتهكت حرمات الله!!

مسألة فدك!!:

في مسألة فدك رووا أن أبا بكر الصديق لم يعط فاطمة حقها في ميراثها في أرض فدك وغيرها، بعد وفاة أبيها ﷺ، وأنها ماتت دون أن تكلمه، مع أن الله تعالىٰ قرر الميراث في كتابه العزيز في قوله: ﴿ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [النساء: 11]، وقوله تعالىٰ: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾ [مريم: 5: 6]... إلخ. وأنه بذلك قد أغضب النبي ﷺ لقوله في حقها: «إن فاطمة مني من أغضبها أغضبني».

الحق أنه كان لفاطمة وزوجها مكانة عظيمة عند أبي بكر الصديق وغيره من الصحابة... أبو بكر هو الذي أشار علىٰ علي بن أبي طالب بالزواج من الزهراء، وأمره النبي ﷺ بالإشراف علىٰ تجهيزها للزواج من الإمام عليّ، وشاركته زوجته أسماء بنت عميس، ولما ماتت فاطمة قامت زوجة أبي بكر نفسها بتجهيز الزهراء وتغسيلها!!

أرض فدك كانت فيئًا من الله علىٰ رسوله ﷺ، من خيبر، والفيء: ما يكون من غنيمة من غير حرب، وما أفاءه الله علىٰ رسوله ﷺ فهو له ﷺ، جعلها لحاجته وأهل بيته، ولم يورثها أحد من أهله، ولم يتملكها أحد في عهود أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ والحسن والحسين وزيد بن الحسن... وقد أخبر النبي ﷺ أصحابه بأن الأنبياء لا يورثون بعد مماتهم كسائر الناس، وقد روي عن أبي عبد الله قوله: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظًّا وافرًا».

واستدلالهم بقوله تعالىٰ: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾ [النمل: 16] استدلال باطل؛ لأن الوراثة هي وراثة نبوة وعلم وحكمة وليست وراثة مال... قال العلماء: إن الإرث المقصود هو العلم والنبوة وليس شيئًا آخر!! وحين تسَلَّم الإمام علي خلافة المسلمين، لم يعط أولاده (فدك)، وعندما سئل في رد فدك قال: «إني لأستحي من الله أن أرد شيئًا منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر». وإذا كان الحكم علىٰ أبي بكر أنه كان ظالمًا لمنعه حق الزهراء، فهل يكون الحكم نازلًا كذلك علىٰ الإمام علي - والعياذ بالله -؛ لأنه لم يرجع لأولاده الحق في ميراث والدتهم؟!

والمسلم ينزه الجميع عن الظلم، ويبتعد عن سوء الظن... !!

قصة خالد بن الوليد ومالك بن نويرة!!:

قصة خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة وزوجته، جاء فيها ثلاث روايات: الأولىٰ أن خالد بن الوليد > جاء لمالك بن نويرة وقومه، فقال لهم: أين زكاة الأموال؟ مالكم فرقتم بين الصلاة والزكاة؟

فقال مالك بن نويرة: إن هذا المال كنا ندفعه لصاحبكم في حياته، فمات، فما بال أبي بكر؟ فغضب خالد بن الوليد وقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ فأمر ضرار بن الأزور بضرب عنقه.

وقيل: إن مالك بن نويرة قد تابع سجاح التي ادعت النبوة.

وهناك رواية ثالثة وهي: أن خالد بن الوليد، لما كلم قوم مالك بن نويرة وزجرهم عن هذا الأمر، وأسر منهم من أسر، قال لأحد حراسه: أدفئوا أسراكم، وكانت ليلة شاتية، وكان من لغة ثقيف: «أدفئوا الرجل تعني: اقتلوه»، فظن الحارس أن خالدًا يريد القتل فقتلهم؛ وفق فهمه بدون أمر خالد بن الوليد >.

لو كان خالد قد وقع في خطأ، فقد حدث مثله مع الصحابي الجليل أسامة بن زيد >، حينما تأول في قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، ولم يوجب النبي ﷺ عليه دية أو كفارة.

أما القول بأن خالدًا قتل مالك بن نويرة، ثم تزوج امرأته في تلك الليلة، فهو قول باطل لا يستند علىٰ رواية صحيحة، ولم يتوصل إلىٰ إسناد واحد صحيح يدل علىٰ ما زعمه البعض... روايات ضعيفة تم تحريفها وتأويلها التأويل الباطل... القول بأن خالدًا قد قتل مالك لأجل الظفر بزوجته ضرب من البهتان!!

كثيرون هم الذين وقعوا ضحايا لما كتبه الأعداء من أكاذيب وترهات مختلقة تتعلق بصحابة رسول الله ﷺ؛ مروجين لها، ومعتمدين علىٰ كونها مسطرة في ثنايا بعض الكتب التاريخية، وكأن وجودها في بطون الكتب كاف لإسباغ صفة الصدق والثبوت لما تحويه من الأكاذيب والأباطيل، متغافلين عن تطبيق وإعمال قواعد البحث العلمي؛ لأن كثيرًا مما ينقلونه إما ضعيف السند، أو مكذوب، أو ليس له أصل... هذه المرويات لا تقوم بها الحجة، ولا تفضي إلىٰ التصديق... بعض العلماء مثل الطبري وابن كثير أشارا في مقدمة كتابيهما أنهما جمعا في كتبهم الصحيح والسقيم، ولم يشترطا الصحة فيما ساقاه من مرويات، وأن العهدة علىٰ الرواة فيما نقل، ذلك ليكون القارئ علىٰ بينة من الأمر، ولكن الكثيرين من الكتاب تجاهلوا هذه المنهجية وأهملوها في بحوثهم وكتاباتهم التاريخية ففقدوا الكثير من الموضوعية والمصداقية وإصابة الحق!!

بعض هؤلاء المؤرخين كان منهجهم نقل الروايات والأخبار مسندة بغض النظر عن حال رجال أسانيدها؛ سيرًا علىٰ القول الشائع: «من أسند فقد أحال»؛ تقليدًا منهم ومحاكاة لبعض علماء الحديث في تدوين الحديث، إذ إنهم يكتبون كل المرويات المسندة كمرحلة أولية، ثم تأتي المرحلة التالية، وهي الفارق بين المؤرخين والمحدثين، حيث يقومون بالتنقيح والتفتيش والتحقيق وتمييز الصحيح من الضعيف!!

من هنا كان لزامًا علىٰ القارئ البحث والتفتيش عن حال الرواة؛ اعتمادًا علىٰ أقوال النقاد من أئمة الجرح والتعديل؛ كالإمام أحمد وابن معين والبخاري ومسلم وشعبة وابن المبارك والرازي وابن حجر والذهبي وغيرهم، وأقوالهم في كتبهم؛ كتب الرجال مثل: كتاب «الجرح والتعديل» للرازي، و«تهذيب الكمال» للمزي، وقد اختصره ابن حجر في «تهذيب التهذيب»، و«تقريب التهذيب»، و«ميزان الاعتدال» للذهبي، وهناك مصنفات غيرها، منها ما يهتم بالضعفاء، ومنها ما يختص بالثقات.

كذلك لابد من النظر في متون هذه المرويات ونقدها بمطابقتها علىٰ كتاب الله تعالىٰ والسُّنة الصحيحة الثابتة والأصول العامة المستنبطة منها؛ لمعرفة المنكر منها من المحفوظ، والناسخ والمنسوخ...

الموقف فيما وقع بين الصحابة ش من تشاجر وتقاتل:

كثر كلام أهل العلم بالأمر بالسكوت عما حصل بين الصحابة ش، بل نُقل الإجماع علىٰ ذلك، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السُّنة، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا ومصر وشامًا ويمنًا: فكان من مذهبهم... الترحم علىٰ جميع أصحاب محمد ﷺ وعلىٰ آله والكف عما شجر بينهم. اهـ( ).

ودليل هذا هو قوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾ [الحشر: 10]. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي». وأخرج عبد الرزاق في «الأمالي» عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا». وقول أهل العلم بهذا معناه: عدم الكلام والقدح فيهم وليس معناه عدم ذكر ما جرىٰ مثلًا في صفين أو الجمل، فإن هذا أولًا: أخبر عنه الرسول ﷺ، ثم هو تاريخ؛ ولذلك ذكره ودوَّنه أهل العلم، بل وألفت المؤلفات الخاصة في ذلك، وأطال الكلام في ذلك ابن جرير وابن كثير وابن حجر وغيرهم من أهل العلم، ولكن لم يبنوا علىٰ هذا القدح في الصحابة والطعن فيهم.

هنالك نفر ممن اتخذوا مما وقع بين الصحابة وقت الفتنة من الاختلاف والاقتتال سببًا وذريعة للنيل من عدالتهم، وجعلوا من أنفسهم حكمًا بين أصحاب النبي ﷺ، يصوبون بعضهم، ويخطئون آخرين بلا دليل وحجة.

اختلقوا القصص حولهم، وأبرزوا الخلافات فيما بينهم وبين غيرهم لتمهيد الطريق لإطفاء نور الله الذي سار عليه صحابة رسول الله ﷺ، بإسقاط عدالتهم ومن ثم يسهل عليهم ضرب كتاب الله الذي نقلوه وحفظوه، ومن ثم سنة نبيه محمد ﷺ، التي فيها تفصيلات التشريعات الربانية، فيسهل بعد ذلك تفريق صفوف الإسلام والمسلمين، وجعل الفتن والبغضاء متأصلة بينهم... !!

رووا رويات عديدة مكذوبة تدعو إلىٰ الفرقة والاختلاف بين أصحاب رسول الله ﷺ، ليس فيها رواية واحدة صحيحة متصلة السند عن رواة عدول!!

موقف المسلم فيما حدث بين أصحاب النبي ﷺ هو: موقف الاعتدال والوسط؛ بعيدًا عن الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء... موقف المسلم أن يتولىٰ جميع أصحاب النبي ﷺ؛ لا سيما السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وكذلك الذين اتبعوهم بإحسان، وأن نعرف فضلهم ومناقبهم ودرجاتهم، وأن نمسك عما شجر بينهم!! وأن نعلم أن ما وقع بينهم زمن الفتنة مرجعه إلىٰ تأويل واجتهاد، إذ كان كل واحد منهم يظن أنه علىٰ الحق دون غيره، كما قال الإمام علي >: «إنا لم نقاتلهم علىٰ التكفير لهم، ولم نقاتلهم علىٰ التكفير لنا، ولكنا رأينا أنَّا علىٰ الحق ورأوا أنهم علىٰ الحق»، لنكون ممن قال فيهم الله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾ [الحشر: 10].

موقف المسلم يكون من أصحاب رسول الله ﷺ وسطًا عدلًا، لا إفراط ولا تفريط... وسطًا بين الغلاة الذين يرفعون من يعظمونه منهم إلىٰ ما لا يليق إلا بالله سبحانه وتعالىٰ، أو برسله عليهم السلام، وبين الجفاة الذين ينتقصونهم ويسبونهم ولا يعرفون لهم قدرهم... فأهل السُّنة وسط بين هؤلاء وأولئك، يحبون أصحاب رسول الله ﷺ جميعًا، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالإنصاف والعدل، ويعرفون للخلفاء الراشدين المهديين قدرهم، ولبقية العشرة المبشرين بالجنة، ولأهل بدر، ولأهل بيعة الرضوان، ولأهل بيعة العقبة، ولمن أنفق قبل الفتح وقاتل، ولمن أنفق بعد الفتح وقاتل، وعد الله الكل الحسنىٰ وهي الجنة.

لا يرفعونهم إلىٰ ما لا يستحقون، ولا يقصرون بهم عما لا يليق بهم، فألسنتهم رطبة بذكرهم الجميل اللائق بهم، وقلوبهم عامرة بحبهم، وما صح فيما جرىٰ بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون، إما مصيبون فلهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون فلهم أجر الاجتهاد، ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لخطإ غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلىٰ خطإ غيرهم، وقد وعدوا من الله المغفرة والرضوان( ).

يقول محمد بن علي الشوكاني عن مذهب الحق في شأن ما شجر بين الصحابة ش: إذا كان السائل طالبًا للنجاة، فليدع الاشتغال بهذه الأمور في هذا المضيق الذي تاهت فيه الأفكار، فإن هؤلاء الذين تبحث حوادثهم وتتطلع لمعرفة ما شجر بينهم قد صاروا تحت أطباق الثرىٰ، ولقوا ربهم في المئة الأولىٰ من البعثة... فما لنا والاشتغال بهذا الشأن الذي لا يعنينا... و«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وأن ندع ما يريبنا إلىٰ ما لا يريبنا ويكفينا أن نعتقد أنهم خير القرون وأفضل الناس.

ومن أحسن ما قيل: ما قاله الإمام أحمد بن حنبل، وقد سئل عن الفتن أيام الصحابة، فما زاد أن تلا قول الله تعالىٰ: ﴿ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ﴾ [البقرة: 134].

المسلم يحفظ اللسان فيما شجر بين صحابة رسول الله ﷺ، ولا يقول فيهم إلا خيرًا بعد أن أفضوا إلىٰ ما قدموا، وما جرىٰ من تخاصم وتشاجر يحمل علىٰ محامل صحيحة، ونقول: تحروا الحق والصواب، لم يكونوا طلاب دنيا أو رئاسة، وكان الإخلاص وتحري الحق رائدهم، ولنتذكر قول ابن سيرين حين سئل عن الحجاج: ما لك لا تقول في الحجاج شيئًا؟ فقال: أقول فيه وينجيه الله بتوحيده، ويعذبني باغتيابه... !!

ذهب أهل السُّنة إلىٰ وجوب الإمساك عن ذلك، وعدم جواز الخوض فيه، فيقول ابن تيمية في «العقيدة الواسطية» (صـ25): إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو مكذوب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.

وأهل السُّنة طريقتهم الإمساك عما شجر بين الصحابة؛ لما في ذلك من توليد العداوة والبغضاء والحقد علىٰ أحد الطرفين، وذلك من أعظم الذنوب، والواجب حب الجميع والترضي عنهم والترحم عليهم، وحفظ فضائلهم والاعتراف لهم بسوابقهم، ونشر مناقبهم؛ لقوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [الحشر: 10]( ).

إن البحث فيما جرىٰ بين الصحابة من الموافقة والمخالفة ليس من العقائد الدينية، وليس مما ينتفع به في الدين، بل ربما أضر باليقين، لا يباح الخوض فيه إلا للتعليم، أو الرد علىٰ المتعصبين... والعوام لا يجوز لهم الخوض فيه لفرط جهلهم، وعدم معرفتهم بالتأويل( ).

وحين سئل خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز > عن ذلك، قال: تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني؟

وحين سئل الإمام جعفر الصادق > عن ذلك، قال: أقول ما قاله الله: ﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [طه: 52]( ).

والإمساك عما شجر بينهم قال به علماء كثر، وقالوا: إن ذلك أسلم للعقيدة، وأحفظ للدين، ولئلا يزين الشيطان للبعض الخوض في أعراض الصحابة، ورميهم بالنقائص والضلال والخروج من الإسلام، وفي ذلك ما فيه من تجريح أصحاب رسول الله ﷺ، وبالتالي عدم الثقة بنقلهم الشريعة عنه ﷺ، وأن في الخوض في هذه المسائل فتح لباب الشر والفتنة بين الناس، إذ لكل إنسان غرض وهوىٰ، وقد يميل البعض إلىٰ هذا، ويميل الآخر إلىٰ ذاك فتشتعل نار الفتنة بين المسلمين والواجب إطفاؤها وإخمادها... هذا هو قول أهل السُّنة وهو ما عليه الجمهور من المسلمين.

وإن كان هناك من يرىٰ جواز الخوض في ذلك حتىٰ يتبين الأمر ويظهر الحق و﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴾ [الأنفال: 42]، وأن المرء ينبغي له أن يخوض في الشر ليعرفه حتىٰ يتوقىٰ الوقوع فيما لا يجوز الوقوع فيه، وليتمكن من دفع ما يقذفه شياطين الجن من وسوسة، وما يلقيه شياطين الإنس من تضليل.

عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه

ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه

فالحق في حروب الصحابة، وما حدث بينهم من خلاف وتشاجر وتقاتل، لم يكن لمطامع دنيوية، أو شهوات نفسانية، إنما كان عن اجتهاد في إقامة كتاب الله وتطبيق حدوده، وقطع دابر المفسدين... كان الحق مع علي > ومن وافقه من الصحابة ش، وكان هو المصيب في ذلك، وأن الذين قاتلوه كانوا بغاة خرجوا عليه عن اجتهاد منهم أخطئوا فيه.

لماذا يسبون أبا بكر >؟!

أبو بكر الصديق أفضل الصحابة ش:

ومما أجمعت عليه الأمة، وارتضاه علماء الملة؛ أن أفضل الصحابة علىٰ الإطلاق هو أبو بكر الصديق >، ومن بعده عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب ش.

آيات الكتاب الحكيم وأحاديث رسول الله ﷺ ناطقة بفضلهم ومشيدة بمكانتهم، وهم ش وإن تساووا في شرف الصحبة وشملهم الفضل إلا أنهم متفاوتون في فضائلهم، ومتمايزون في درجاتهم.

الصحابة ش كلهم لهم فضل الصحبة لرسول الله ﷺ، وجميعهم عدول ومشمولون

بالثناء من الله تعالىٰ ووعده Q لهم بالجنة ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ﴾ [النساء: 95]، ولكنهم كغيرهم من

سائر الخلق، ليسوا في درجة واحدة، منهم من كان له السبق إلىٰ الإسلام وأنفق وجاهد قبل

فتح مكة، ومنهم من أنفق وجاهد بعد الفتح، والأول أعظم درجة وأكثر ثوابًا عند الله تعالىٰ

من الثاني.

قال تعالىٰ: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ﴾ [الحديد: 10].

والتفاضل بينهم يكون بعظم الدرجة والمنزلة، وعظم الأجر وكثرة الثواب، وهو ما يشير إليه القرآن الكريم في قوله تعالىٰ: ﴿ﯽ ﯾ ﯿ﴾ [الحديد: 10].

ومذهب أهل السُّنة أن أفضل الصحابة علىٰ الإطلاق هو أبو بكر الصديق >.. يقول ابن كثير: أفضل الصحابة بل أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم السلام هو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة التيمي، ثم من بعده عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.

ويقول ابن قدامة المقدسي في «لمعة الاعتقاد»: أفضل أمته ﷺ: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضىٰ، ش.

أما ابن تيمية فيقول في «العقيدة الواسطية» (صـ24): ... ويقرون - أي أهل السُّنة - بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب > وغيره أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي.

وروىٰ البيهقي عن الشافعي أنه قال: ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما علىٰ جميع الصحابة.

ومثل ذلك قال النووي وابن حجر الهيثمي وأحمد بن حنبل وغيرهم.

وأيدوا ما ذهبوا إليه بأدلة، منها قوله تعالىٰ: ﴿ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [الليل: 17، 18]. قال أكثر المفسرين: إنها نزلت في أبي بكر >، والأتقىٰ هو الأفضل؛ لقوله تعالىٰ: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾ [الحجرات: 13]، والأكرم هو الأفضل.

يقول الإمام الفخر الرازي: لا يمكن حمل هذه الآية علىٰ علي بن أبي طالب، فتعين حملها علىٰ أبي بكر، وإنما قلنا: إنه لا يمكن حملها علىٰ علي بن أبي طالب لأنه كان في تربية النبي ﷺ، أخذه من أبيه، وكان يطعمه ويسقيه، ويكسوه ويربيه، وكان الرسول ﷺ منعمًا عليه نعمة يجب جزاؤها، وأما أبو بكر فلم يكن للنبي ﷺ عليه نعمة دنيوية، بل أبو بكر كان ينفق علىٰ الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان للرسول ﷺ نعمة الهداية والإرشاد إلىٰ الدين.

ومنها: ما رواه البخاري عن ابن عمر ب أنه قال: كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ش( ).

وفي «مسند الإمام أحمد» عن علي بن أبي طالب > أنه قال لأبي جحيفة الذي كان علي يسميه وهب الخير: يا أبا جحيفة، ألا أخبرك بأفضل هذه الأمة بعد نبيها؟ قال: قلت: بلىٰ - ولم أكن أرىٰ أن أحدًا أفضل منه - قال: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر، وبعدهما آخر ثالث ولم يسمه( ).

وما رواه البزار عن شقيق قال: قيل لعلي: ألا تستخلف؟ قال: ما استخلف رسول الله ﷺ 

فأستخلف عليكم، وإن يرد الله تبارك وتعالىٰ بالناس خيرًا فسيجمعهم علىٰ خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم علىٰ خيرهم( ).. لما امتاز به أبو بكر > من فضائل جمة... حين لم يكن يجرؤ أحد علىٰ الدعوة غيره، فأدخل في دين الله كثيرًا من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ممن أصبح لهم قدم صدق في هذا الدين مثل: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وغيرهم ش.

ولما امتاز به أبو بكر > من تنصيص النبي ﷺ علىٰ إمامته بالناس أيام مرضه عليه الصلاة والسلام، بل وتأكيده علىٰ ذلك... ثم إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين علىٰ أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ومن بعد أبي بكر عمر، ثم عثمان، ثم علي رضوان الله عليهم، ولا يمكن لمثل هؤلاء أن يتواطئوا علىٰ خيانة، أو يجتمعوا علىٰ ضلال، وكيف وهم القوم الذين لا يخشون إلا الله، ولا يتطلعون إلا إلىٰ رضاه( ).

ومن مجموع ما تقدم وغيره أوجب العلماء اتباع أهل السُّنة في تقديم أبي بكر علىٰ سائر الصحابة في الفضل.

إن الذين يسبون أبا بكر > ويطعنون في إمامته إنما هم زنادقة، يريدون هدم الدين، وهم إخوان لمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وابن سبإ وأمثالهم، ومقصدهم هو سب رسول الله ﷺ والطعن في نبوته، وأن الله تعالىٰ اختار لنبيه ﷺ شرار الخلق، وأن النبي ﷺ أحبهم وولاهم أمور المسلمين وهم ليسوا بأهل لذلك!!

قال الإمام أبو زرعة الرازي ؟ كما نقله الخطيب البغدادي في «الكفاية» (صـ97): «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدىٰ إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسُّنة، والجرح بهم أولىٰ، وهم زنادقة».

لقد اختار الله تعالىٰ أصحاب رسول الله ﷺ لنشر دعوته وإعلاء كلمته، وشرفهم بصحبة نبيه ﷺ ومحبته، فكانوا له وزراء وأنصارًا، يذبون عن شريعته وينافحون لتبليغ سنته، حتىٰ أوصلوا الدين إلىٰ من بعدهم كاملًا غير منقوص – رضي الله عنهم وأرضاهم -... فكيف يكون سبهم وتجريحهم أو الطعن فيهم والحط من قدرهم؟!

قال ابن عمر ب: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ، فلمقام أحدهم ساعة - يعني مع النبي ﷺ - خير من عمل أحدكم أربعين سنة( ).

وعن عائشة <: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا أصحابي، لعن الله من سب أصحابي».

حكم الإسلام فيمن سب صحابة رسول الله ﷺ:

ذهب جمع من أهل العلم إلىٰ القول بتكفير من سب الصحابة ش أو تنقصهم وطعن في عدالتهم وصرح ببغضهم، وأن من كانت هذه صفته فقد أباح دم نفسه وحل قتله، إلا أن يتوب من ذلك ويترحم عليهم. وممن ذهب إلىٰ ذلك: الصحابي الجليل عبد الرحمن بن أزىٰ،

وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وأبو بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن يوسف الفريابي وبشر بن الحارث المروزي وغير كثير. فهؤلاء الأئمة صرحوا بكفر من سب الصحابة، وبعضهم صرح مع ذلك أنه يعاقب بالقتل، وإلىٰ هذا القول ذهب بعض العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية.

وذهب فريق آخر من أهل العلم إلىٰ أن ساب الصحابة لا يكفر بسبهم بل يفسق ويضلل ولا يعاقب بالقتل، بل يكتفىٰ بتأديبه وتعزيره تعزيرًا شديدًا يردعه ويزجره حتىٰ يرجع عن ارتكاب هذا الجرم الذي يعتبر من كبائر الذنوب والفواحش المحرمات، وإن لم يرجع تُكرر عليه العقوبة حتىٰ يظهر التوبة. وممن ذهب إلىٰ هذا القول: عمر بن عبد العزيز، وعاصم الأحول، والإمام مالك، والإمام أحمد، وكثير من العلماء ممن جاء بعدهم.

بعض أقوال العلماء في من سب الصحابة ش: 

* الإمام مالك: 

قال مالك: الذي يشتم أصحاب النبي ﷺ ليس لهم اسم - أو قال: نصيب – في

الإسلام( ).

قال القرطبي: «لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد علىٰ الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين»( ).

* الإمام أحمد:

رويت عنه روايات عديدة في تكفيرهم. روىٰ الخلال عن أبي بكر المروذي قال: سألت أبا عبد الله عمن يشتم أبا بكر وعمر وعائشة؟ قال: ما أراه علىٰ الإسلام.

* البخاري: 

قال ؟: «ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارىٰ، ولا يُسلَّم عليهم، ولا يُعَادون، ولا يناكحون، ولا يُشهدون، ولا تُؤكل ذبائحهم»( ).

* ابن قتيبة الدينوري: 

قال: إن غلو الرافضة في حب علي المتمثل في تقديمه علىٰ من قدمه رسول الله ﷺ وصحابته عليه، وادعاءهم له شركة النبي ﷺ في نبوته، وعلم الغيب للأئمة من ولده، وتلك الأقاويل والأمور السرية، قد جمعت إلىٰ الكذب والكفر أفراط الجهل والغباوة( ).

* السمعاني: 

قال ؟: «واجتمعت الأمة علىٰ تكفير الإمامية؛ لأنهم يعتقدون تضليل الصحابة، وينكرون إجماعهم وينسبونهم إلىٰ ما لا يليق بهم»( ).

* ابن تيمية: 

قال ؟: «من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، فلا خلاف في كفرهم، ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضىٰ عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسُّنة كفار أو فساق، وأن هذه الآية التي هي: ﴿ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾ [آل عمرن: 110] وخيرها هو القرن الأول، كان عامتهم كفارًا، أو فساقًا، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام»( ).

* ابن كثير: 

ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلىٰ الفجور والتواطئ علىٰ معاندة الرسول ﷺ ومضادته في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلىٰ هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام، وكفر بإجماع الأئمة الأعلام، وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام»( ).

* أبو حامد محمد المقدسي: 

قال بعد حديثه عن فرق الرافضة وعقائدهم: «لا يخفىٰ علىٰ كل ذي بصيرة وفهم من المسلمين أن أكثر ما قدمناه في الباب قبله من عقائد هذه الطائفة الرافضة علىٰ اختلاف أصنافها كفر صريح، وعناد مع جهل قبيح، لا يتوقف الواقف عليه في تكفيرهم والحكم عليهم بالمروق من دين الإسلام»( ).

* أبو المحاسن الواسطي: 

وقد ذكر جملة من مكفراتهم، فمنها قوله: «إنهم يكفرون بتكفيرهم لصحابة رسول الله ﷺ الثابت تعديلهم وتزكيتهم في القرآن بقوله تعالىٰ: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ﴾ [البقرة: 143] وبشهادة الله تعالىٰ لهم أنهم لا يكفرون بقوله تعالىٰ: ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ﴾ [الأنعام: 89]( ).

* الخلاصة: 

اتفق العلماء علىٰ حرمة سبهم، وعظيم إثم منتقصهم ش، ذلك هو مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، أو يتنازع فيه اثنان.

اختلفوا في الحكم المترتب علىٰ من سبهم وجرحهم، فذهب فريق إلىٰ تكفير من سب الصحابة أو انتقصهم وطعن في عدالتهم أو جاهر ببغضهم، وأنه يهدر بذلك دمه، ويحل قتله إلا أن يتوب ويترحم عليهم - رضي الله عنهم وأرضاهم... قال بذلك الإمام السرخسي في «أصول السرخسي» (3/134)، قال: من طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام، داؤه السيف إن لم يتب. 

وقال الإمام الطحاوي في «عقيدته»: وحبهم - أي الصحابة ش - دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. (صـ528).

والقول بتكفير من سب الصحابة ش هو إحدىٰ الروايتين عن الإمام أحمد ؟، وذهب إلىٰ ذلك معظم الحنفية، استدلوا لما ذهبوا إليه بأن سب الصحابة وانتقاصهم والطعن فيهم إيذاء لرسول الله ﷺ وانتقاص له وحط من مكانته عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم أصحابه الذين رباهم وزكاهم، وذكرهم بخير وأوصىٰ بهم خيرًا، ومعلوم أن إيذاء النبي ﷺ كفر، فيكون سب أصحابه كفرًا... الطعن فيهم والتجريح لهم يؤدي إلىٰ بطلان الشريعة، إذ هم نقلتها والمبلغون لها... قال القرطبي: من نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد علىٰ الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين.

كما أن في ذلك إنكار ما قام الإجماع عليه من فضلهم وشرفهم، ومصادمة المتواتر من الكتاب والسُّنة الدالين علىٰ أن لهم الزلفىٰ من ربهم( ).. ولا شك أن معارضة الله في كتابه، وعدم قبول دليل القرآن الكريم أو إنكار حرف منه، مخرج من الملة، ومدخل في الكفر( ).

استدلوا بحديث رسول الله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» من سبهم فقد زاد في بغضهم.

وهناك من قال غير ذلك وذهب إلىٰ تفسيق وتضليل من سب الصحابة ش... فقال ابن تيمية في «الصارم المسلول»: سب أصحاب رسول الله ﷺ حرام بالكتاب والسُّنة... ولكن مطلق السب لغير الأنبياء لا يستلزم الكفر. (صـ571).

وقال مثل هذا من العلماء ابن عابدين والقسطلاني والباقلاني وإبراهيم النخعي وابن راهويه وأحمد ومالك وغيرهم، مستدلين علىٰ ذلك بأن سب الصحابة قد حصل علىٰ عهد رسول الله ﷺ وبمسمع منه ولم يحكم بكفر الساب ولا إهدار دمه، وإنما اكتفىٰ بالنهي عن ذلك.

إذن القول بعدم تكفير من سب الصحابة ش ليس علىٰ إطلاقه، وإنما هو مشروط بعدم مصادمة النصوص الصريحة من الكتاب والسُّنة الصحيحة، وعدم إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وعلىٰ هذا يحمل كلام من أطلق القول بعدم التكفير.

إذن مطلق السب للصحابة ش أو الطعن في عدالتهم حرام بالكتاب والسُّنة، وأن فاعل ذلك فاسق ضال يجب زجره وتأديبه، غير أن ذلك لا يستلزم الكفر والخروج من الملة، إلا إذا اشتمل علىٰ إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو اصطدم بنص صريح، وذلك كمن طعن في جميع الصحابة ش، المؤدي إلىٰ إبطال الشريعة، أو أنكر صحبة أبي بكر الصديق >، أو طعن في براءة عائشة أم المؤمنين <، أو نحو ذلك مما ثبت بالأدلة القطعية، فإن من تفوه بذلك كان كافرًا خارجًا عن الملة والدين، بعيدًا عن حظيرة المسلمين، داؤه السيف إن لم يتب( ).



الفصل الثالث

فضل الصحابة وثناء الله تعالى عليهم

النصوص القرآنية والنبوية دلت على محبتهم ش:

دلت النصوص القرآنية ونصوص السُّنة النبوية المطهرة علىٰ حبهم وتعظيمهم وتوقيرهم وتكريمهم، والاستنان بآثارهم، وحرمة سب أحد منهم؛ لما شرفهم به الله تعالىٰ من صحبة رسوله ﷺ والجهاد معه، والصبر علىٰ أذىٰ المشركين، والهجرة من أوطانهم وأموالهم وأبنائهم، وتقديم حب الله تعالىٰ ورسوله ﷺ علىٰ ذلك كله.

لذا فإن من لا يحبهم بل يبغضهم، ولا يتولاهم وفي قلبه غل عليهم، هو خارج عليهم... تمردوا علىٰ هذه الآيات ببغضهم ورفضهم الاستغفار للصحابة السابقين بالإيمان... بل تجاوزوا البغض لمن أحبهم الله تعالىٰ وأثنىٰ عليهم إلىٰ الافتراء عليهم والتدين ببغضهم وكراهيتهم وكراهية الأمة التي تواليهم وتوالي قرآنهم وسنة نبيهم ﷺ.

قال تعالىٰ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾ [الفتح: 18].

فالصحابة بايعوا رسول الله ﷺ يوم الحديبية تحت الشجرة سنة ست من الهجرة في ذي القعدة، عندما صده المشركون عن العمرة... بايعوا علىٰ الموت لمقاتلة من اعتدىٰ علىٰ سفير رسول الله ﷺ عثمانَ بن عفان >... كانوا شموسًا سطعت في سماء الإنسانية مرة، ولا تطمع الإنسانية في طلوع شموس من طرازهم مرة أخرىٰ إلا إذ عزم المسلمون علىٰ أن يراجعوا دينهم ويتأدبوا بآداب سنة نبيهم فيوالون من والاها ويتبرؤون ممن عاداها، ولعل بعض تلك الشموس تطلع من جديد... رضي الله تعالىٰ عنهم، قال تعالىٰ: ﴿ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ﴾ [الأنعام: 124].

لابد من معرفة حق صحابة رسول الله ﷺ، وما لأصحاب القرون الأولىٰ في تاريخ الإسلام من تميز وفضل، دون غلو أو تفريط، فإن الذي أعطاهم هذا التميز والمنزلة النصوص الشرعية من الكتاب والسُّنة، إذ ليس الأمر اجتهادًا منا أو افتراء علىٰ الحق.

علىٰ كل مسلم أن يعتقد علو مكانتهم، وأنهم أفضل الأمم، وخير قرون الإسلام قرنهم؛ وذلك لسبقهم للإسلام، وشرف اختصاصهم بصحبة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ، والجهاد معه، وتحمل الشريعة عنه، وتبليغها لمن بعده.

سجل التاريخ الإنساني للرسل والأنبياء مآثر نبوية كثيرة، ولكن محمدًا ﷺ ينفرد من بين الأنبياء والمرسلين بأن سجل التاريخ مآثره في تفصيل لا يوجد له نظير في غيره... تأتي أعظم مآثره في مجال تربية الإنسان وصياغته، والمستوىٰ الذي بدأ منه والمستوىٰ الأعلىٰ الذي بلغه النبي ﷺ ووصل به إلىٰ أعلىٰ قمة للإنسانية وأعلاها... تمثل ذلك في تربيته لأصحابه ش الجيل القرآني الفريد، مفخرة وشرف للنوع الإنساني، لا توجد صورة أجمل ولا أروع منه باستثناء الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم.

ما عُلم بالضرورة من دين الإسلام فضل صحابة رسول الله ﷺ وعلوّ مكانتهم ورفعة درجتهم - كل الصحابة - ش، وهذا لما تكاثرت به الأدلة الدالة علىٰ ذلك من الكتاب والسُّنة.

ثناؤه Q على الصحابة في القرآن الكريم والسُّنة المطهرة: 

في القرآن الكريم: 

قال تعالىٰ: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ﴾ [الحشر: 8].

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ 

ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ﴾ [الحشر: 9].

وقوله تعالىٰ فيمن جاء من بعدهم وسار علىٰ سنتهم ومنهجهم من المسلمين والمؤمنين: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾ [الحشر: 10].

هذه الآيات تتضمن الثناء علىٰ صحابة رسول الله مهاجرين وأنصار، وعلىٰ الذين جاءوا من بعدهم من المسلمين يستغفرون لهم ويسألون الله تعالىٰ أن لا يجعل في قلوبهم غلًّا عليهم.

قال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [محمد: 29].

وهذه الآية الكريمة تشمل كل الصحابة ش؛ لأنهم كلهم مع رسول الله ﷺ.

وقال تعالىٰ: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ﴾ [الحديد: 10].

وهذه الآية أيضًا شاملة لكل الصحابة ش لمن أنفق قبل فتح مكة وقاتل ولمن أنفق من بعد الفتح وقاتل، كلهم وعدهم الله بالحسنىٰ، والحسنىٰ هي الجنة كما قال الله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [يونس: 26].

وقال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 100].

وهذه الآية أيضًا شاملة لكل الصحابة ش.

وفي قوله تعالىٰ: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [الأنفال: 64].

أثنىٰ الله تعالىٰ علىٰ المؤمنين الذين اتبعوا النبي ﷺ، وأخبر أنهم يكفونه في جميع أموره، وفي ذلك تنويه بفضلهم، وبيان لعظيم شرفهم.

وفي قوله تعالىٰ: ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ 

ﭻ ﭼ﴾ [التوبة: 88، 89].

أثنىٰ الله تعالىٰ علىٰ جميع المؤمنين الذين آمنوا مع النبي من المهاجرين والأنصار وغيرهم، وجعل لهم الخيرات، وأثبت لهم الفلاح والفوز عند الله... وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها.

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ 

ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾. 

[آل عمران: 173 - 174]

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ﴾ [الأنفال: 74].

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾. 

[التوبة: 117]

وقوله تعالىٰ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴾ [الفتح: 18 - 19].

وقوله تعالىٰ: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾.

[آل عمران: 195]

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [التوبة: 19: 22].

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ﴾ [النحل: 41 - 42].

وقوله تعالىٰ: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ﴾. 

[الحج: 58 - 59]

وقوله تعالىٰ: ﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ﴾. 

[البقرة: 207]

نزلت في صهيب الرومي >، لما خرج مهاجرًا من مكة وتبعوه فأخرج من كنانته أربعين سهمًا وهددهم بها إن لاحقوه... فيها مدح له وثناء عليه بأنه اشترىٰ نفسه بماله ليهاجر إلىٰ نبيه ﷺ؛ رغبة في رضا ربه... وحين رآه النبي ﷺ قال له: «ربح البيع أبا يحيىٰ». أو كما قال... وتلا عليه الآية.

وقوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [الأحزاب: 23].

نزلت الآية في فضل أنس بن النضر وأشباهه ش.

في السُّنة الصحيحة: 

نهىٰ رسول الله ﷺ عن سبهم، وقد وصفهم بالصحبة؛ تنويهًا لفضلهم وبيانًا لشرف منزلتهم، وأنهم يفضلون غيرهم بما ينفقون من أموالهم في سبيل الله، وذلك فيما رواه البخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري >، قال: 

قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه». النصيف بمعنىٰ النصف، أي: أن إنفاق مد طعام أو نصفه من أحدهم أفضل عند الله من إنفاق مثل جبل أحد ذهبًا من غيرهم( ).

أثبت لهم رسول الله ﷺ الخيرية، وأنهم مقدمون في الفضل علىٰ التابعين وأتباع التابعين، وذلك فيما رواه البخاري ومسلم عن عمران بن حصين > يقول: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن». واللفظ للبخاري، والقرن: هم أهل كل زمان، وقيل: القرن أربعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مئة، وقيل غير ذلك.

وفي بيان فضل الأنصار قوله ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي هريرة >، عن النبي ﷺ أنه قال: «لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شعبًا لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار».

جعل حبهم ﷺ دليلًا علىٰ إيمان الشخص، وبغضهم دليلًا علىٰ نفاقه، ودعا لمن أحبهم بأن يحبه الله، وعلىٰ من أبغضهم بأن يبغضه الله، وذلك في قوله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم عن البراء >، قال: قال النبي ﷺ: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله». وذلك لما فازوا به من إيوائهم للنبي ﷺ ومن معه، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم علىٰ أنفسهم.

وهناك نصوص نبوية كثر تبين فضلهم، وتدل علىٰ أنهم ش أمان للأمة من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن واختلاف القلوب، ونحو ذلك.

ويؤيد ما تقدم ما جاء في السُّنة، فقد أخرج البخاري ومسلم كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء؛ فسبّه خالد؛ فقال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه». وهذا لفظ مسلم.

وهذا الحديث شامل لكل الصحابة ش؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي».

تبين مما تقدم ثناء الله تعالىٰ ورسوله الكريم ﷺ علىٰ الصحابة كلهم ش ولا شك أن الله تعالىٰ بعلمه للغيب اختار أصحاب رسوله ﷺ؛ عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون علىٰ دينه، فما رأىٰ المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئ، وقال فيهم رسول الله ﷺ: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم...». مسلم.

وقال فيهم عبد الله بن مسعود: من كان مستنًّا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا علىٰ الهدىٰ المستقيم.

فالصحابة قاموا بتطبيق أحكام الإسلام ونشروه في مشارق الأرض ومغاربها، فعصرهم خير العصور، فهم الذين علموا الأمة القرآن الكريم ورووا لها السنن والآثار عن رسول الله ﷺ، فتاريخهم هو الكنز الذي حفظ مدخرات الأمة في الفكر والثقافة والعلم والجهاد.

يقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي ؟: «إن إيمانهم الراسخ، وعلمهم العميق، وقلبهم الصادق، وتواضعهم وخشيتهم لله، وعفتهم، وطهرهم، وعطفهم، وشجاعتهم وجلادتهم، وتذوقهم للعبادة، وحنينهم للشهادة، وفروسيتهم بالنهار، وقيامهم بالليل، وتحررهم من سلطان الثروات، وزهدهم في زخارف الدنيا، وعدلهم وحسن تدبيرهم، حقائق تاريخية... لقد صنعت منهم تربية محمد لهم رجالًا أفذاذًا من نوعهم في التاريخ».

موقف أهل البيت من الرافضة:

موقف أهل البيت من الرافضة هو موقف سائر أهل السُّنة... يعتقدون ضلالهم وانحرافهم وبعدهم عن الحق، وهم من أشد الناس ذمًّا ومقتًا لهم، وذلك لنسبتهم تلك العقائد الفاسدة إليهم، وكثرة كذبهم عليهم.

وعن عمرو بن الأصم، قال: قلت للحسن بن علي ب: إن الشيعة تزعم أن عليًّا مبعوث قبل يوم القيامة. قال: كذبوا والله ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه، ولا اقتسمنا ماله.

في «حلية الأولياء» (2/37): قيل للحسن بن علي ب: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة، قال: كانت جماجم العرب في يدي، يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء أمة محمد ﷺ.

وفي «سير أعلام النبلاء» (4/302): كان الحسين بن علي ب يقول في شيعة العراق - الذين كاتبوه ووعدوه بالنصر ثم تفرقوا عنه وانحازوا لأعدائه -: اللهم إن أهل العراق غروني وخدعوني، صنعوا بأخي ما صنعوا، اللهم شتت عليهم أمرهم وأحصهم عددًا.

ثم كانت نتيجة غدرهم وخذلانهم له استشهاده > هو وعامة من كان معه من أهل بيته، بعد أن تفرق عنه هؤلاء الخونة، فكان مقتله معيبة عظيمة ومأساة جسيمة يتفطر له قلب كل مسلم... وثبت عن علي بن الحسين قوله: يا أهل العراق، أحبونا حب الإسلام، ولا تحبونا حب الأصنام، فما زال بنا حبكم حتىٰ صار علينا شينًا.

وهذه هي أقوال أئمتهم... يتبرءون منهم!!

قال جعفر بن محمد بن علي: «برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر».

وسئل زيد بن علي عمن يتبرأ منهما؟ قال: «أبرأ منه».

روىٰ الطوسي في «الأمالي» عن الباقر > أنه قال: «صلىٰ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالناس الصبح بالعراق، فلما انصرف وعظهم فبكىٰ وأبكاهم من خوف الله تعالىٰ، ثم قال: أما والله لقد عهدت أقوامًا علىٰ عهد خليلي رسول الله ﷺ وآله، وإنهم ليصبحون ويمسون شعثًا غبرًا خمصًا، بين أعينهم كركب المعزىٰ ذوات شعر من الغنم - القصد منه كثرة السجود -، يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ربهم، ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم وهم جميع مشفقون منه خائفون».

كما روىٰ ابن عساكر عن الباقر قوله: «أجمع بنو فاطمة علىٰ أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول».

لقد فات من يتهم أبا بكر وعمر ب بالنفاق والكفر أن عليًّا > كان وزيرًا لهما ومعينًا لهما، وقد قال الباقر: «العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به شركاء ثلاث»( ).

لا يستطيع أحد أن ينكر أن عليًّا > كان وزيرًا للشيخين، بل إن كثيرًا ممن يطعنون بالشيخين يثبتون وزارة علي لعمر ب ومناصحته، ويرددون القول المنسوب إلىٰ عمر: «لولا علي لهلك عمر». ويستدلون به علىٰ رجاحة عقل علي رضي الله عنه وأرضاه، لكنهم في الوقت ذاته يغفلون عن قول الباقر السابق... وهم بهذا يتهمون عليًّا رضي الله عنه وأرضاه بتولي الظالمين والمشاركة في ظلمهم، أيقبل عاقل هذا؟!

لا سبيل لتنزيه علي رضي الله عنه وأرضاه من هذا الظلم إلا بتنزيه إخوانه الصحابة، وعلىٰ رأسهم الشيخان أبو بكر وعمر من هذا الأمر... فمن نسب إلىٰ الصحابة الردة والكفر فقد جمع معهم عليًّا > لأنه كان معينًا لهم في جميع أحواله.

روىٰ النوري الطبرسي عن الباقر أنه قال: «قال أمير المؤمنين عليهم السلام: إن رسول الله ﷺ كان يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤاخين كافرًا، ولا يخالطن فاجرًا، ومن آخىٰ كافرًا أو خالط فاجرًا كان كافرًا فاجرًا»( ).

وللمرء أن يتساءل: أيخالط علي > الكفار الفجار، بل ويتزوج منهم ويزوجهم؟! بل السؤال الأهم هو: أيخالط النبي ﷺ الكفار الفجار ويتزوج منهم ويزوجهم بناته؟!

كانت عائشة بنت أبي بكر الصديق هي زوج النبي، وإن ابنتي رسول الله ﷺ كانتا زوجتين لعثمان بن عفان >!!

جاء في «نهج البلاغة» نصيحة علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب ب بعدم الخروج للروم قائلًا: «إنك متىٰ تسر إلىٰ هذا العدو بنفسك فتلقهم بشخصك فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصىٰ بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا مجربًا واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرىٰ كنت ردءًا للناس ومثابة للمسلمين». فإن كان عمر > مرتدًّا أو ضالًّا - حاشاه الله من ذلك - كان علي > مداهنًا له، فكلامه لا يحتمل إلا أن يكون كلام حق في صالح عادل أو مداهنة لظالم غاشم!!

وجاء في «تهذيب التهذيب» لابن حجر أن سالم بن أبي حفصة قال: «سألت أبا جعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر، فقال لي: يا سالم، تولهما وابرأ من عدوهما؛ فإنهما كانا إمامي هدىٰ، وقال: ما أدركت أحدًا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما».

وفي «الطبقات الكبرىٰ» لابن سعد (5/321) عن جابر الجعفي - وهو من مبغضي الصحابة -، قال: قلت لمحمد بن علي: «أكان منكم أهل البيت أحد يقر بالرجعة؟ قال: لا، قلت: أكان منكم أهل البيت أحد يسب أبا بكر وعمر؟ قال: لا، فأحبهما وتولهما واستغفر لهما».

وجاء في «البداية والنهاية» (9/ 340): قال عروة بن عبد الله: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيف، فقال: لا بأس به قد حلىٰ أبو بكر الصديق سيفه، قال: قلت: وتقول الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة، ثم قال: «نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولًا في الدنيا والآخرة»( ). كيف يكون يسيرًا علىٰ النفس الحكم بكفر الصحابة وردتهم، مع أن الإمام عليًّا > لم يكفر أحدًا من مقاتليه من أهل الجمل وصفين، ولم يسب أحدًا منهم... كان هذا مع من قاتله، فكيف بمن لم يقاتله كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم!!

هل يعقل أن يطيع المهاجرون والأنصار جميعهم أبا بكر > في الكفر بالله؟!

كيف يأمرنا النبي ﷺ بمجالسة الصالحين، وينهانا عن مجالسة أهل السوء، وقد جالس النبي ﷺ الصحابة - المرتدين المنافقين كما يزعمون -، وكيف ينهانا عن تزويج ومصاهرة أهل الكبائر والمعاصي، ويخالف هو ويصاهر المرتدين - أبي بكر وعمر وعثمان في زعمهم - ؟! فهل أخطأ النبي ﷺ لأولئك النفر؟!

إذا كان الصحابة مرتدين مارقين مغيرين لدين الله... فعلىٰ هذا فإن كل ما نقل عنهم فهو باطل!! إذن بأي شرع صحيح نتعبد ربنا؟! وكيف نعتمد علىٰ قرآن نقله هؤلاء؟!

معتقد أئمة أهل البيت في الصحابة الكرام:

ثبت عن علي بن أبي طالب > أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ب وقوله: لا يفضلني أحد علىٰ الشيخين إلا جلدته حد المفتري، وفي «الصحيحين» أنه قال في حق عمر عند تشييعه: ما خلفت أحدًا أحب إلي من أن ألقىٰ بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت أسمع – كثيرًا - رسول الله ﷺ يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر»، وإن كنت لأظن أن يجعلك الله معهما.

وعن علي بن الحسين أنه جاءه نفر من أهل العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ش، فلما فرغوا قال لهم: ألا تخبروني: أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا.

قال: فأنتم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علىٰ أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون؟ قالوا: لا.

قال: أشهد أنكم لستم من الذين قال الله Q فيهم: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾ [الحشر: 10]، اخرجوا، فعل الله بكم!!( ).

وجاء عن محمد بن علي الباقر أنه قال: أجمع بنو فاطمة أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول، وعنه ؟ أنه قال لجابر الجعفي: إن قومًا بالعراق يزعمون أني أمرتهم بذلك، فأخبرهم أني أبرأ إلىٰ الله تعالىٰ منهم، والله بريء منهم، والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلىٰ الله بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد إن لم أكن أستغفر الله لهما، وأترحم عليهما، إن أعداء الله غافلون عنهما( ).

عن بسام الصيرفي، قال: سألت أبا جعفر عن أبي بكر وعمر، فقال: والله إني لأتولاهما وأستغفر لهما، وما أدركت أحدًا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما( ).

وعن زيد بن علي أنه قال: كان أبو بكر إمام الشاكرين، ثم تلا: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ﴾ [آل عمران: 144]، ثم قال: البراءة من أبي بكر هي البراءة من علي ب، فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر.

وهذه من مروياتهم في كتبهم!!:

روى علم الهدى الشيعي في كتابه «الشافي» في الحديث: 

«إن عليًّا عليه السلام قال في خطبته: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر.

هكذا كان حب علي > لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين أبي بكر الصديق ولعمر الفاروق ب وأرضاهما عنه، وهذا كان موقفه تجاههما وتجاه المعادي لهما.

وعلىٰ ذلك لما جاءه أبو سفيان > بعد بيعة أبي بكر الصديق > واجتماع الناس عليه يحرضه علىٰ معارضته حسب روايتهم قال ردًّا عليه: «ويحك يا أبا سفيان هذه من دواهيك، وقد اجتمع الناس علىٰ أبي بكر، مازلت تبغي الإسلام عوجًا في الجاهلية»( ).

وأما عثمان فهو الذي أرسل ابنيه للدفاع عنه.

يقول في مبغضي الصديق بعد ما يبالغ في مدحه: «فغضب الله علىٰ من ينقصه ويطعن فيه»( ).

وفي مبغضي الفاروق بعد الثناء العاطر عليه: «وأعقب الله من ينقصه اللعنة إلىٰ يوم الدين»( ).

وفي مبغضي ذي النورين بعد ما ذكر أوصافه الجميلة وأخلاقه الحميدة: «فأعقب الله من يلعنه لعنة اللاعنين»( ).

وحفيد علي المرتضىٰ > وسميّه علي بن الحسين، علىٰ سنة آبائه يحارب من حاربهم، ويعادي من عاداهم، يبغض من قلاهم، ويخرج من يتبرأ منهم ويتكلم فيهم، فلقد روىٰ الأربلي الشيعي أن نفرًا من أهل العراق قدموا عليه، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ش: 

«فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا، قال: فأنتم: الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علىٰ أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [الحشر: 10]. اخرجوا عني فعل الله بكم»( ).

وزيد ابنه علىٰ شاكلته، زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم ورحمته، الذي بالغ القوم في مدحه، وخصصوا أبوابًا كثيرة للثناء العاطر عليه في كتبهم، فسلك نفس المسلك الذي خططه أبوه علي بن الحسين وجده علي بن أبي طالب ومن قبلهما محمد رسول الله ﷺ القائل: «دعوا لي أصحابي»( ).

ولقد روىٰ الشيعة: «وكان أصحاب زيد لما خرج سألوه في أبي بكر وعمر، فقال: ما أقول فيهما إلا الخير، وما سمعته من أهلي فيهما إلا الخير، فقالوا: لست بصاحبنا، وتفرقوا عنه ورفضوه، فقال: رفضونا اليوم؛ فسموا من ذلك اليوم الرافضة»( ).

ويضيف المرزا تقي على ذلك: 

«إن زيدًا منعهم عن الطعن في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ورضوان الله عليهم أجمعين، فلما عرفوا منه بأنه لا يتبرأ من الشيخين - أبي بكر وعمر - رفضوه وتفرقوا عنه، وبعد ذلك استعمل هذه الكلمة في كل من يغلو في المذهب، ويجوّز الطعن في الأصحاب»( ).

ثم ومحمد الباقر بن علي بن الحسين - الإمام الخامس عند القوم - أيضًا يقول بقولهم ويرىٰ رأيهم، ولأجل ذلك يثب علىٰ من يتنكر لقب الصديق علىٰ أبي بكر > ويشدد عليه النكير بقوله: نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولًا في الدنيا والآخرة( ).

وها هو «نهج البلاغة» مليء من منعه أصحابه من السب والشتم والتكفير والتفسيق، وحتىٰ لمقاتليه في حرب صفين، وعنوان الخطبة: «ومن كلام له عليه السلام وقد سمع قومًا من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم صفين»، فقال: 

«إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم؛ كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتىٰ يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به»( ).

وذكر مثل ذلك الدينوري الشيعي، وصرح بأن الشاتمين كانوا من الذين قتلوا الإمام المظلوم عثمان ذا النورين >، كما صرح بأنهم لعنوا معاوية وأصحابه، وكان بينهم وبين علي سؤال وجواب.

وها هو يذكر القصة بتمامها: 

«بلغ عليًّا (ع) أن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران شتم معاوية ولعن أهل الشام، فأرسل إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما، فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين، ألسنا علىٰ الحق، وهم علىٰ الباطل؟ قال: بلىٰ ورب الكعبة المسدنة، قالوا: فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا شتامين، لعانين، ولكن قولوا: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم...» إلخ( ).

وهذا هو علي بن أبي طالب الذي لا يرضىٰ أن يشتم أهل الشام، ومحاربه معاوية بن أبي سفيان، وينهىٰ عن ذلك، هل يتوقع منه أنه يرضىٰ بلعن أهل المدينة - مدينة النبي -، وشتم أصحاب النبي ورحمائه وأصهاره؟

ثم ولقد صرح بإسلامهم وإيمانهم مع محاربتهم إياه، ومقالته إياهم بأنهم ليسوا بكفره، مرتدين، خارجين عن الإسلام والدين.

كما رواه جعفر عن أبيه: «أن عليًّا عليه السلام كان يقول لأهل حربه: إنا لم نقاتلهم علىٰ التكفير لهم، ولم نقاتلهم علىٰ التكفير لنا، ولكنا رأينا أنا علىٰ حق، ورأوا أنهم علىٰ حق»( ).

ويقول في خطبته أمام أنصاره ومخالفيه: «فلقد كنا مع رسول الله ﷺ، وإن القتل ليدور علىٰ الآباء والأبناء، والإخوان والقرابات، فما نزداد علىٰ كل مصيبة وشدة إلا إيمانًا، ومضيًّا علىٰ الحق، وتسليمًا للأمر، وصبرًا علىٰ مضض الجراح، ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام علىٰ ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبه والتأويل»( ).

وأصرح من ذلك: «أوصيكم عباد الله بتقوىٰ الله، فإنها خير ما تواصىٰ العباد به، وخير عواقب الأمور عند الله، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة»( ).

بل وأكثر من ذلك يجعلهم مساوين له في الإيمان بالله والتصديق بالرسول، وأيضًا يعلن براءته من دم عثمان بن عفان > فيكتب إلىٰ أهل الأمصار يقصّ فيه ما جرىٰ بينه وبين

أهل صفين: 

وكان بدأ أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء - وما أدري مع هذا كيف اجترأ المجلسي وهو يدعي موالاة أهل البيت واتباع مذهبهم أن يقول: إن أمير المؤمنين عليًّا يبيح

قتله، ولم يكن يرىٰ منه بأسًا مع قول علي هذا؟ ثم وأكثر من ذلك أن «نهج البلاغة» مليء من أقوال إمامه المعصوم الأول الذي يعده بأنه لا يخطئ، من أقواله هو بأنه بريء من قتل

عثمان وقتلته، ومن طالع «نهج البلاغة» أو قرأه يشهد علىٰ ذلك، ولكن من للقوم؟ فإن

الحسد أكل قلوبهم، وأعمىٰ أبصارهم، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور -، فقلنا:

تعالوا... إلخ( ).

شهادات أهل البيت للصحابة رضوان الله عليهم:

ثناء أهل البيت على الصحابة ش... روايات من كتبهم:

روايات كثيرة ساقها العلماء في كتبهم، واردة عن الأئمة من أهل البيت تدل علىٰ توقيرهم الصحابة وتبين الحب لهم... وأهل البيت هم أقرب الناس عهدًا بالشيخين، ولم يفتهم ما عملا ولا غاب عنهم ما فعلا.

نال الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان من ثناء آل البيت الشيء الكثير لتميزهم وانفرادهم بخصائص لم تتوفر في غيرهم من الصحابة، وللعلاقة الوطيدة بين الخلفاء الثلاثة وأهل بيت النبوة، فقد تزوج النبي ﷺ من عائشة وحفصة ابنتي أبي بكر وعمر ب، وزوج ابنتيه رقية وأم كلثوم لعثمان بن عفان، وزوج الإمام علي > ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب، وسمىٰ أولاده بأسمائهم وكذا أبناؤه( ).

علي بن أبي طالب > يمدحهم، ويثني عليهم: 

يقول علي >: «ولعمري إن مكانهما – أي: أبي بكر وعمر - في الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد، رحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا»( ).

يقول مثنيًا علىٰ خلافة الثلاثة وعلىٰ من اختارهم: «إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان علىٰ ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورىٰ للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا علىٰ رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضًا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلىٰ ما خرج منه، فإن أبىٰ قاتلوه علىٰ اتباع سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولىٰ»( ).

وقال مثنيًا علىٰ عمر بن الخطاب: «لله بلاء فلان! فلقد قوم الأود وداوىٰ العمد، وأقام السُّنة، وخلف الفتنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرها، أدىٰ إلىٰ الله طاعته، واتقاه بحقه»( ).

وقال لعمر في حياته - حين شاوره في الخروج إلىٰ غزو الروم -: «إنك متىٰ تسر إلىٰ هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة - ستر ووقاية - دون أقصىٰ بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا مجربًا واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرىٰ كنت ردءًا للناس ومثابة للمسلمين»( ).

يقول >: «لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ، فما أرىٰ أحدًا يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثًا غبرًا وقد باتوا سجدًا وقيامًا، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون علىٰ مثل الجمر من ذكر معادهم! كأن بين أعينهم ركب المعزىٰ من طول سجودهم! إذا ذكر الله هملت أعينهم حتىٰ تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف؛ خوفًا من العقاب، ورجاء للثواب»( ).

علي > يمدح أصحاب النبي عامة، ويرجحهم علىٰ أصحابه وشيعته الذين خذلوه في الحروب والقتال، وجبنوا عن لقاء العدو ومواجهتهم، وقعدوا عنه وتركوه وحده، فيقول موازنًا بينهم وبين صحابة رسول الله: 

يقول علي بن أبي طالب > واصفًا حاله مع صحابة رسول الله ﷺ: 

«ولقد كنا مع رسول الله ﷺ نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، ومضيًّا علىٰ اللقم، وصبرًا علىٰ مضض الألم، وجدًّا في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأىٰ الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر؛ حتىٰ استقر الإسلام ملقيًا جرانه، ومتبوئًا أوطانه، ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود، ولا اخضر للإيمان عود، وايم الله لتحتلبنها دمًا، ولتتبعنها ندمًا»( ).

ويذكرهم أيضًا مقابل شيعته المنافقين المتخاذلين، ويأسف على ذهابهم بقوله: 

«أين القوم الذين دعوا إلىٰ الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلىٰ القتال فولهوا وله اللقاح إلىٰ أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفًا زحفًا وصفًّا صفًّا، بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء ولا يعزون عن الموتىٰ، مرة العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، علىٰ وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي علىٰ فراقهم»( ).

ويذكرهم، ويذكر بما فازوا به من نعيم الدنيا والآخرة، ولهم حظ وافر من كرم الله وإحسانه، حيث يقول: 

«واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا

في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها

بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه

الجبابرة المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح، أصابوا لذة زهد الدنيا في

دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غدًا في آخرتهم، لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب

من لذة»( ).

ويمدح المهاجرين من الصحابة في جواب معاوية بن أبي سفيان ب، فيقول: «فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم»( ).

وأيضًا: «وفي المهاجرين خير كثير تعرفه، جزاهم الله خير الجزاء»( ).

ومدحهم مدحًا بالغًا موازنًا أصحابه ومعاوية مع أنصار النبي بقوله: 

«أما بعد، أيها الناس، فوالله لأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب، وما كانوا يوم أعطوا رسول الله ﷺ أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين حتىٰ يبلغ رسالات ربه إلا قبيلتين صغير مولدهما، وما هما بأقدم العرب ميلادًا، ولا بأكثرهم عددًا، فلما آووا النبي ﷺ وأصحابه، ونصروا الله ودينه، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وتحالفت عليهم اليهود، وغزتهم اليهود والقبائل قبيلة بعد قبيلة، فتجردوا لنصرة دين الله، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل وما بينهم وبين اليهود من العهود، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة وأهل الحزن والسهل، وأقاموا قناة الدين، وتصبروا تحت أحلاس الجلاد حتىٰ دانت لرسول الله ﷺ العرب، ورأىٰ فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه، فأنتم في الناس أكثر من أولئك في أهل ذلك الزمان من العرب»( ).

وسيد الرسل نفسه يمدح الأنصار - حسب قول الشيعة -: «اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، يا معشر الأنصار، أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاه والنعم وفي سهمكم رسول الله ﷺ»( ).

وكذلك قال النبي ﷺ: «الأنصار كرشي وعيبتي، ولو سلك الناس واديًا، وسلك الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار»( ).

وعن الطوسي في رواية موثوقة عن علي بن أبي طالب أنه قال لأصحابه: 

«أوصيكم في أصحاب رسول الله ﷺ، لا تسبوهم؛ فإنهم أصحاب نبيكم، وهم أصحابه الذين لم يبتدعوا في الدين شيئًا، ولم يوقروا صاحب بدعة، نعم! أوصاني رسول الله ﷺ

في هؤلاء»( ).

ويمدح المهاجرين والأنصار معًا، حيث يجعل في أيديهم الخيار لتعيين الإمام وانتخابه، وهم أهل الحل والعقد في القرن الأول من بين المسلمين، وليس لأحد أن يرد عليهم، ويتصرف بدونهم، ويعرض عن كلمتهم؛ لأنهم هم الأهل للمسلمين والأساس، كما كتب لأمير الشام معاوية بن أبي سفيان ب ردًّا عليه دعواه بإمرة المؤمنين وحكم المسلمين؛ فإن الإمام من جعله أصحاب محمد إمامًا لا غير، فها هو علي بن أبي طالب > يذكّر معاوية بهذه الحقيقة ويستدل بها علىٰ أحقيته بالإمامة، والكلام من كتاب القوم.

«إنما الشورىٰ للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا علىٰ رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضىٰ، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلىٰ ما خرج منه، فإن أبىٰ قاتلوه علىٰ اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولىٰ»( ).

ويقول > في خطبة له: «أين القوم الذين دعوا إلىٰ الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلىٰ القتال، فولهوا وله اللقاح إلىٰ أولادهم، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفًا زحفًا وصفًّا صفًّا، بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء ولا يعزون بالموتىٰ، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء صفر الألوان من السهر، علىٰ وجوههم غبرة الخاشعين... أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم، ونعض الأيدي علىٰ فراقهم».

وما روي عن أمير المؤمنين في كتاب كتبه إلىٰ معاوية جوابًا عن كتابه، قال - بعد ذكر أبي بكر وعمر -: «ولعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم، وإن المصاب لهما لجرح في الإسلام شديد، يرحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا»، وهذا الكتاب أورده شارحو «نهج البلاغة».

ومنها أنه قال في كلام له في «النهج»: «الزموا السواد الأعظم؛ فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة؛ فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب»، والروافض - كالخوارج - رفضوا السواد الأعظم.

ومنها ما في «النهج» أيضًا، أنه > كتب إلىٰ معاوية: «إنما الشورىٰ في المهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا علىٰ رجل وسموه إمامًا كان لله رضىٰ، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلىٰ ما خرج منه، فإن أبىٰ قاتلوه علىٰ اتباع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولىٰ وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا، وقد اجتمع المهاجرون علىٰ أربع من الصحابة، وسموا كلًّا منهم إمامًا؛ فهم أئمة، ومتبعوهم علىٰ الحق، ومخالفوهم علىٰ الباطل».

ومنها ما صرح به شرّاح «النهج»: أن أمير المؤمنين كتب إلىٰ معاوية: «ألا إن للناس جماعة يد الله معها، وغضب الله علىٰ من خالفها...» إلخ.

ومنها ما صرح به الشرّاح أيضًا: أنه كتب إلىٰ معاوية: «ما كنت إلا رجلًا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا، وصدرت كما صدروا، وما كان الله ليجمعهم علىٰ الضلال».

ومنها ما روىٰ يحيىٰ بن حمزة الزيدي في آخر كتاب «طوق الحمامة في مباحث الإمامة» عن سويد بن غفلة أنه قال: «قلت لعلي: إني مررت بقوم من الشيعة يذكرون أبا بكر وعمر وينتقصونهما، ولولا يعلمون أنك تضمر ما هم عليه لم يجترئوا علىٰ ذلك، فقال: أعوذ بالله Q أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل رحمهما الله. ثم نهض وأخذ بيدي وأدخلني المسجد وصعد المنبر، ثم قبض علىٰ لحيته - وهي بيضاء - فجعلت دموعه تتحادر عليها، وجعل ينظر للبقاع حتىٰ اجتمع الناس، ثم خطب فقال: ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله صلىٰ الله تعالىٰ عليه وسلم، ووزيريه وصاحبيه، وسيدي قريش، وأبوي المسلمين، وأنا بريء مما يذكرون، وعليه معاقب، صحبا رسول الله صلىٰ الله تعالىٰ عليه وسلم بالجد والوفاء، والجد في أمر الله، يأمران وينهيان ويغضبان ويعاقبان لله، لا يرىٰ رسول الله كرأيهما رأيًا، ولا يحب كحبهما حبًّا؛ لما يرىٰ من عزمهما في أمر الله، فقبض وهو عنهما راضٍ والمسلمون راضون، فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله صلىٰ الله تعالىٰ عليه وسلم وأمره في حياته وبعد موته، فقبضا علىٰ ذلك رحمهما الله، فوالذي فلق الحبة وبرئ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما إلا شقي مارق، وحبهما قربة، وبغضهما مروق. ثم أرسل ابن سبإ إلىٰ المدائن؛ لأنه أحد الطاعنين»( ).

شهادة جامعة من أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب > لكل صحابة رسول الله صلىٰ عليه وسلم، لم تكن خاصة بسلمان وأبي ذر والمقداد فحسب... بيان رائع لما عرف به أهل البيت النبوي من الصدق والأمانة، ومثال ناطق للبلاغة التي اشتهر بها علي >!!

عقائد الشيعة اليوم المنطوية علىٰ بغض السلف الصالح - وعلىٰ الأخص أبو بكر وعمر وعثمان وأزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين - والمبنية علىٰ إنكار القرآن الموجود بأيدي الناس، والمبنية علىٰ السُّنة التي أخذوها عن عبد الله بن سبإ وتوارثوها عن اليهودية البغيضة. الأئمة من أهل البيت كانوا محبين لأصحاب محمد ﷺ وعلىٰ رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وأزواج النبي الطاهرات المطهرات، والمقتفين آثارهم والمقتدين هداهم، وعلىٰ رأسهم علي > أمير المؤمنين وخليفة رسول الله الأمين الراشد الرابع، حيث كان يحبهم حبًّا جمًّا ويظهر موالاته لهم، ويعاند كل من يعارضهم، ويعاقب كل من يتكلم فيهم، كما كان يحارب بكل قوة وشدة تسرب أفكار السبئية واليهودية في أتباعه وأنصاره وشيعته، ويطرد كل من يشك فيه بتسممه من هذه العقائد المسمومة، فلقد ذكر الشيعة أنفسهم أن عليًّا > سمىٰ أبناءه بأسماء الخلفاء الراشدين السابقين الثلاثة، بأبي بكر وعمر وعثمان؛ وابنه الحسين كذلك سمىٰ أبناءه بأبي بكر وعمر، وكذلك الآخرون من أبناء علي وأبناء الحسين سموا أبناءهم بأسماء هؤلاء الأخيار البررة تحببًا إليهم وتبركًا بهم.

وأما الاقتداء والاتباع نثبت هنا عبارة عن الملا باقر المجلسي الشيعي الإيراني الذي يلقب بخاتمة المحدثين، والذي ألف أكبر مجموعة في الحديث باسم «بحار الأنوار»، فهو يكتب في كتابه «جلاء العيون في حياة ومصائب أربعة عشر معصومًا» أن الحسين بن علي بن أبي طالب صالح معاوية بن أبي سفيان علىٰ أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة الخلفاء الراشدين، وأن لا يعين أحدًا بعده، وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن، وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم، وأخذ علىٰ هذه الشروط العهود المغلظة باليمين».

فجعل الحسن بن علي - وهو الإمام الثاني عند الشيعة - أحد شروط الصلح مع معاوية أن يكون متبعًا لسيرة الخلفاء الراشدين، ولم يكن هؤلاء إلا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا، كما أنه لم يجعل العمل بسيرة هؤلاء شرطًا من أهم الشروط إلا لأنه كان يحسن فيهم الظن، ويعتقد فيهم الخير، ويؤمن بتقواهم وطهارتهم زيادة علىٰ إيمانهم وإسلامهم الصحيح الخالص، هذا ومثل هذا كثير لمن تتبع أخبار علي وأولاده رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين.

علي بن الحسين زين العابدين:

يذكر أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، ويدعو لهم في صلاته بالرحمة والمغفرة لنصرتهم سيد الخلق في نشر دعوة التوحيد وتبليغ رسالة الله إلىٰ خلقه، فيقول: 

«فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان، اللهم وأصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلىٰ وفادته، وسابقوا إلىٰ دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الحق عليك، وكانوا من ذلك لك وإليك، واشكرهم علىٰ هجرتهم فيك ديارهم وخروجهم من سعة المعاش إلىٰ ضيقه ومن كثرة في اعتزاز دينك إلىٰ أقله، اللهم وأوصل إلىٰ التابعين لهم بإحسان

- الذين يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان - خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحروا جهتهم، لو مضوا إلىٰ شاكلتهم لم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام بهداية منارهم، مكانفين ومؤازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم»( ).

موقف أهل البيت من الصديق >:

يقول فيه ابن عم النبي وصهره، زوج ابنته، ووالد سبطيه علي بن أبي طالب >، وهو يذكر بيعة أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ عند انثيال [انثيال الناس أي: انصبابهم من كل وجه كما ينثال التراب]( ) الناس علىٰ أبي بكر، وإجفالهم [الإجفال: الإسراع] إليه ليبايعوه: 

«...فمشيت عند ذلك إلىٰ أبي بكر، فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتىٰ زاغ الباطل وزهق؛ وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولىٰ أبو بكر تلك الأمور فيسر، وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحًا، وأطعته فيما أطاع الله [فيه] جاهدًا»( ).

ويقول أيضًا وهو يذكر خلافة الصديق وسيرته: «فاختار المسلمون بعده – أي: النبي ﷺ - رجلًا منهم، فقارب وسدد بحسب استطاعته علىٰ خوف وجد»( ).

ولم اختار المسلمون أبا بكر خليفة للنبي وإمامًا لهم؟ يجيب عليه المرتضىٰ > وابن عمة الرسول الزبير بن العوام > بقولهما: «وإنا نرىٰ أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لنعرف له سنة، ولقد أمره رسول الله بالصلاة وهو حي»( ).

ومعنىٰ ذلك أن خلافته كانت بإيعاز الرسول عليه السلام.

وعلي بن أبي طالب > قال هذا القول ردًّا علىٰ أبي سفيان حين حرضه علىٰ طلب الخلافة كما ذكر ابن أبي الحديد.

جاء أبو سفيان إلىٰ علي عليه السلام، فقال: وليتم علىٰ هذا الأمر أذل بيت في قريش، أما والله لئن شئت لأملأنها علىٰ أبي فصيل خيلًا ورجلًا، فقال علي عليه السلام: 

«طالما غششت الإسلام وأهله، فما ضررتهم شيئًا، لا حاجة لنا إلىٰ خيلك ورجلك، لولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلًا لما تركناه»( ).

«وعن أمير المؤمنين عليه السلام لما قيل له: ألا توصي؟ فقال: ما أوصىٰ رسول الله ﷺ فأوصي، ولكن إذا أراد الله بالناس خيرًا استجمعهم علىٰ خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم علىٰ خيرهم»( ).

هذا هو علي بن أبي طالب > يتمنىٰ لشيعته وأنصاره أن يوفق الله لهم رجلًا خيرًا صالحًا كما وفق للأمة الإسلامية المجيدة بعد أن اصطدموا بوفاة النبي ﷺ برجل خير صالح، أفضل الخلائق بعد نبيه ﷺ، بأبي بكر الصديق >، إمام الهدىٰ، وشيخ الإسلام، ورجل قريش، والمقتدىٰ به بعد رسول الله ﷺ حسب ما سماه سيد أهل البيت زوج الزهراء ب، كما رواه السيد مرتضىٰ علم الهدىٰ في كتابه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن رجلًا من قريش جاء إلىٰ أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: سمعتك تقول في الخطبة آنفًا: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين، فمن هما؟ قال: حبيباي، وعماك أبو بكر وعمر، وإماما الهدىٰ، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدىٰ بهما بعد رسول الله ﷺ، من اقتدىٰ بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي إلىٰ الصراط المستقيم»( ).

هذا وقد كرر في نفس الكتاب هذا: «إن عليًّا عليه السلام قال في خطبته: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر»، ولم لا يقول هذا وهو الذي روىٰ: «أننا كنا مع النبي ﷺ علىٰ جبل حراء إذ تحرك الجبل، فقال له: قر، فإنه ليس عليك إلا نبي وصديق وشهيد»( ).

هذا هو رأي علي > الخليفة الراشد الرابع، كما قالوا: «الموالي له ناجٍ، والمعادي له كافر هالك، والمتخذ دونه وليجة ضال مشرك»( ).

ابن عباس يقول وهو يذكر الصديق: «رحم الله أبا بكر، كان والله للفقراء رحيمًا، وللقرآن تاليًا، وعن المنكر ناهيًا، وبدينه عارفًا، ومن الله خائفًا، وعن المنهيات زاجرًا، وبالمعروف آمرًا، وبالليل قائمًا، وبالنهار صائمًا، فاق أصحابه ورعًا وكفافًا، وسادهم زهدًا وعفافًا»( ).

ويقول ابن أمير المؤمنين علي، ألا وهو الحسن، نعم! الحسن بن علي، الإمام المعصوم الثاني عند القوم، والذي أوجب الله اتباعه علىٰ القوم حسب زعمهم - يقول في الصديق، وينسبه إلىٰ رسول الله عليه السلام أنه قال: «إن أبا بكر مني بمنزلة السمع»( ).

وكان الحسن بن علي ب يوقر أبا بكر وعمر، فجعل من إحدىٰ الشروط علىٰ معاوية بن أبي سفيان ب: «إنه يعمل ويحكم في الناس بكتاب الله، وسنة رسول الله، وسيرة الخلفاء الراشدين، - وفي النسخة الأخرىٰ - الخلفاء الصالحين»( ).

وأما علي بن الحسن بن علي، فقد روي عنه أنه جاء إليه نفر من العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ش، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: «ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا، قال: فأنتم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علىٰ أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [الحشر: 10]، اخرجوا عني، فعل الله بكم»( ).

مساعدة الصديق في تزويج علي من فاطمة:

توسط أبو بكر الصديق لعلي في زواجه من فاطمة < وساعده فيه، كما كان هو أحد الشهود علىٰ نكاحه بطلب من رسول الله ﷺ.

مما يرويه أحد أعاظم القوم ويسمىٰ بشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي، عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: 

«سمعت علي بن أبي طالب يقول: أتاني أبو بكر وعمر، فقالا: لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت له فاطمة، قال: فأتيته، فلما رآني رسول الله ﷺ ضحك، ثم قال: ما جاء بك يا علي؟ وما حاجتك؟ قال: فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام ونصرتي له وجهادي، فقال: يا علي، صدقت، فأنت أفضل مما تذكر، فقلت: يا رسول الله، فاطمة تزوجنيها»( ).

وأما المجلسي الذي لا يستطيع أن يذكر أصحاب النبي وخاصة الصديق والفاروق إلا ويسبق ذكرهم بالسباب القبيحة والشتائم الفضيحة والألقاب الخبيثة الرديئة مثل: «الملاعين» و«مسودي الوجوه» و«الشياطين» - يذكر هذه الواقعة ويزيدها بيانًا ووضوحًا حيث يقول: في يوم من الأيام كان أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ جلوسًا في مسجد رسول الله ﷺ، وتذاكروا ما بينهم بزواج فاطمة، فقال أبو بكر: أشراف قريش طلبوا زواجها عن النبي ولكن الرسول قال لهم بأن الأمر في ذلك إلىٰ الله - ونظن أنها لعلي بن أبي طالب - وأما علي بن أبي طالب فلم يتقدم بطلبها إلىٰ رسول الله لأجل فقره وعدم ماله، ثم قال أبو بكر لعمر وسعد: هيا بنا إلىٰ علي بن أبي طالب لنشجعه ونكلفه بأن يطلب ذلك من النبي، وإن مانعه الفقر نساعده في ذلك، فأجاب سعد ما أحسن ما فكرت به، فذهبوا إلىٰ بيت أمير المؤمنين عليه السلام … فلما وصلوا إليه سألهم ما الذي أتىٰ بكم في هذا الوقت؟ قال أبو بكر: يا أبا الحسن، ليس هناك خصلة خير إلا وأنت سابق بها … فما الذي يمنعك أن تطلب من الرسول ابنته فاطمة، فلما سمع علي هذا الكلام من أبي بكر نزلت الدموع من عينيه وسكبت، وقال: قشرت جروحي ونبشت وهيجت الأماني والأحلام التي كتمت منذ أمد، فمن الذي لا يريد الزواج منها؟ ولكن يمنعني من ذلك فقري.

الصديق أبو بكر هو الذي حرض عليًّا علىٰ زواج فاطمة ش، وهو الذي ساعده المساعدة الفعلية لذلك، وهو الذي هيأ له أسباب الزواج وأعدها بأمر من رسول الله ﷺ كما يروي الطوسي أن عليًّا باع درعه وأتىٰ بثمنه إلىٰ الرسول. «ثم قبضه رسول الله من الدراهم بكلتا يديه، فأعطاها أبا بكر، وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، أردفه بعمار بن ياسر وبعدة من أصحابه، فحضروا السوق، فكانوا يعرضون الشيء مما يصلح فلا يشترونه حتىٰ يعرضوه علىٰ أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه... حتىٰ إذا استكمل الشراء حمل أبو بكر بعض المتاع، وحمل أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه الباقي»( ).

الصديق ورفاقه كانوا شهودًا علىٰ زواجه بنص الرسول ﷺ وطلبٍ منه، كما يذكر الخوارزمي.

ويكشف النقاب عن الشهود الأربلي في كتابه «كشف الغمة»، حيث يروي: «عن أنس أنه قال: كنت عند النبي ﷺ فغشيه الوحي، فلما أفاق قال لي: يا أنس، أتدري ما جاءني به جبرئيل من عند صاحب العرش؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: أمرني أن أزوج فاطمة من علي، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أن أخذوا مجالسهم قال رسول الله ﷺ بعد أن حمد الله وأثنىٰ عليه: ثم إني أشهدكم أني زوجت فاطمة من علي علىٰ أربعمائة مثقال فضة»( ).

هذا ولما ولد لهما الحسن كان أبو بكر الصديق، الرفيق لجد الحسن في الغار، والصديق لوالده علي، والمساعد القائم بأعباء زواجه، كان يحمله علىٰ عاتقه، ويداعبه ويلاعبه، ويقول: «بأبي شبيه بالنبي غير شبيه بعلي»( ).

وبنفس القول تمسكت فاطمة بنت الرسول <( ).

وكانت العلاقات وطيدة إلىٰ حد أن زوجة أبي بكر أسماء بنت عميس هي التي كانت تمرّض فاطمة بنت النبي عليه السلام و< في مرض موتها، وكانت معها حتىٰ الأنفاس الأخيرة، وشاركها في غسلها وترحيلها إلىٰ مثواها «وكان علي يمرضها بنفسه، وتعينه علىٰ ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله علىٰ استمرار بذلك»( ).

و«وصتها بوصايا في كفنها ودفنها وتشييع جنازتها (ض)»( ).

و«هي التي كانت عندها حتىٰ النفس الأخير، وهي التي نعت عليًّا بوفاتها»( ).

و«كانت شريكة في غسلها»( ).

وكان الصديق دائم الاتصال بعلي من ناحية ليسأله عن أحواله وبنت النبي ﷺ، خلاف ما يزعمه القوم.

«فمرضت - أي فاطمة < - وكان علي (ع) يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلىٰ قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟»( ).

ومن ناحية أخرىٰ من زوجه أسماء حيث كانت هي المشرفة والممرضة الحقيقية لها.

و«لما قبضت فاطمة من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله، فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان عليًّا ويقولان: يا أبا الحسن، لا تسبقنا بالصلاة علىٰ ابنة رسول الله»( ).

المصاهرات بين الصديق وآل البيت:

كانت العلاقات وثيقة أكيدة بين بيت النبوة وبيت الصديق، لا يتصور معها التباعد والاختلاف مهما نسج المسامرون الأساطير والأباطيل، ﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ﴾ [العنكبوت: 41].

فالصديقة عائشة بنت الصديق أبي بكر كانت زوجة النبي ﷺ، ومن أحب الناس إليه مهما احترق الحساد ونقم المخالفون، فإنها حقيقة ثابتة، وهي طاهرة مطهرة بشهادة القرآن مهما جحدها المبطلون وأنكرها المنكرون.

ثم أسماء بنت عميس التي جاء ذكرها آنفًا كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب شقيق علي، فمات عنها وتزوجها الصديق وولدت له ولدًا سماه محمدًا الذي ولاه علي علىٰ مصر، ولما مات أبو بكر تزوجها علي بن أبي طالب فولدت له ولدًا سماه يحيىٰ، وحفيدة الصديق كانت متزوجة من محمد الباقر الإمام الخامس عند القوم وحفيد علي >.

يذكر الكليني في «أصوله» تحت عنوان مولد جعفر: «ولد أبو عبد الله عليه السلام سنة ثلاث وثمانين ومضىٰ في شوال من سنة ثمان وأربعين ومئة، وله خمس وستون سنة، ودفن بالبقيع في القبر الذي دفن فيه أبوه، وجده، والحسن بن علي عليهم السلام، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر»( ).

القاسم بن محمد بن أبي بكر حفيد أبي بكر، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد علي كانا ابني خالة.

يذكر المفيد وهو يذكر علي بن الحسين بقوله: والإمام بعد الحسن بن علي (ع) ابنه أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام، وكان يكنىٰ أيضًا أبا الحسن، وأمه شاه زنان بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرىٰ، ويقال: إن اسمها كان شهر بانويه، وكان أمير المؤمنين (ع) ولىٰ حريث بن جابر الحنفي جانبًا من المشرق، فبعث إليه بنتي يزدجرد بن شهريار بن كسرىٰ، فنحل ابنه الحسين (ع) شاه زنان منهما، فأولدها زين العابدين (ع)، ونحل الأخرىٰ محمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم بن محمد بن أبي بكر، فهما ابنا خالة»( ).

وذكر أهل الأنساب والتاريخ قرابة أخرىٰ وهي تزويج حفصة بنت عبد الرحمن بن الصديق من الحسين بن علي بن أبي طالب ش بعد عبد الله بن الزبير أو قبله، ثم وإن محمد بن أبي بكر من أسماء بنت عميس كان ربيب علي وحبيبه، وولاه إمرة مصر في عصره، «وكان علي عليه السلام يقول: محمد ابني من ظهر أبي بكر»( ).

وكان من حب أهل البيت للصديق والتوادد ما بينهم أنهم سموا أبناءهم بأسماء أبي بكر >، فأولهم علي بن أبي طالب حيث سمىٰ أحد أبنائه بأبي بكر، كما يذكر المفيد تحت عنوان «ذكر أولاد أمير المؤمنين (ع) وعددهم وأسمائهم ومختصر من أخبارهم»: محمد الأصغر المكنىٰ بأبي بكر، عبيد الله، الشهيدان مع أخيهما الحسين (ع) بألطف أمهما ليلىٰ بنت مسعود الدارمية( ).

وقال اليعقوبي: «وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكرًا الحسن والحسين … وعبيد الله وأبو بكر لا عقب لهما أمهما يعلىٰ بنت مسعود الحنظلية من بني تيم»( ).

وذكر الأصفهاني في «مقاتل الطالبيين» تحت عنوان «ذكر خبر الحسين بن علي بن أبي طالب ومقتله ومن قتل معه من أهله»، وكان منهم: «أبو بكر بن علي بن أبي طالب وأمه يعلىٰ بنت مسعود … ذكر أبو جعفر أن رجلًا من همدان قتله، وذكر المدائني أنه وجد في ساقيه مقتولًا، لا يدري من قتله»( ).

وهل هذا إلا دليل حب ومؤاخاة وإعظام وتقدير من علي للصديق ب.

والجدير بالذكر أنه ولد له هذا الولد بعد تولية الصديق الخلافة والإمامة، بل وبعد وفاته كما هو معروف بداهة، وهل يوجد في الشيعة اليوم المتزعمين حب علي وأولاده رجل يسمىٰ بهذا الاسم، وهل هم موالون له أم مخالفون؟! ونريد أن نلفت الأنظار أن عليًّا لم يسم بهذا الاسم ابنه إلا متيمنًا بالصديق، وإظهارًا له الولاء والوفاء، وحتىٰ بعد وفاته، وإلا لا يوجد في بني هاشم رجل قبل علي يسمىٰ ابنه بهذا الاسم حسب علمنا ومطالعتنا كتب القوم، فبمن سمىٰ ابنه آنذاك؟ ثم ولم يقتصر علي بهذا التيمن والتبرك وإظهار المحبة والصداقة للصديق، بل بعده بنوه أيضًا مشوا مشيه ونهجوا منهجه، فهذا هو أكبر أنجاله وابن فاطمة وسبط الرسول الحسن بن علي - الإمام المعصوم الثاني عند القوم - أيضًا يسمي أحد أبنائه بهذا الاسم كما ذكره اليعقوبي، «وكان للحسن من الولد ثمانية ذكور وهم: الحسن بن الحسن وأمه خولة … وأبو بكر وعبد الرحمن لأمهات أولاد شتىٰ، وطلحة وعبيد الله»( ).

ويذكر الأصفهاني: «إن أبا بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب أيضًا كان ممن قتل في كربلاء مع الحسين، قتله عقبة الغنوي»( ).

والحسين بن علي أيضًا سمىٰ أحد أبنائه باسم الصديق كما يذكر المؤرخ الشيعي المشهور بالمسعودي في «التنبيه والإشراف» عند ذكر المقتولين مع الحسين في كربلاء: «وممن قتلوا في كربلاء من ولد الحسين ثلاثة: علي الأكبر، وعبد الله الصبي، وأبو بكر، بنو الحسين بن علي»( ). وقيل: «إن زين العابدين بن الحسن كان يكنىٰ بأبي بكر أيضًا»( ). وأيضًا حسن بن الحسن بن علي، أي حفيد علي بن أبي طالب سمىٰ أحد أبنائه أبا بكر كما رواه الأصفهاني عن محمد بن علي بن حمزة العلوي أن ممن قتل مع إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كان أبو بكر بن الحسن بن الحسن، والإمام السابع عند الشيعة موسىٰ بن جعفر الملقب بالكاظم أيضًا سمىٰ أحد أبنائه بأبي بكر.

وأما الأصفهاني فيقول: إن ابنه عليًّا - الإمام الثامن عندهم - هو أيضًا كان يكنىٰ بأبي بكر، ويروىٰ عن عيسىٰ بن مهران عن أبي الصلت الهروي أنه قال: سألني المأمون يومًا عن مسألة، فقلت: قال فيها أبو بكرنا، قال عيسىٰ بن مهران: قلت لأبي الصلت: من أبو بكركم؟ فقال: علي بن موسىٰ الرضا كان يكنىٰ بها وأمه أم ولد»( ).

والجدير بالذكر أن موسىٰ الكاظم هذا سمىٰ إحدىٰ بناته أيضًا باسم بنت الصديق الصديقة عائشة كما ذكر المفيد تحت عنوان «ذكر عدد أولاد موسىٰ بن جعفر وطرف من أخبارهم».

وكان لأبي الحسن موسىٰ عليه السلام سبعة وثلاثون ولدًا ذكرًا وأنثىٰ، منهم: علي بن موسىٰ الرضا عليهما السلام… وفاطمة… وعائشة وأم سلمة»( ).

كما سمىٰ جده علي بن الحسين إحدىٰ بناته عائشة( )، وأيضًا - الإمام العاشر المعصوم حسب زعمهم - علي بن محمد الهادي أبو الحسن سمىٰ أحد بناته بعائشة، يقول المفيد: وتوفي أبو الحسن عليهما السلام في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره بسرّ من رأىٰ، وخلف من الولد أبا محمد الحسن ابنه… وابنته عائشة»( ).

هناك في الهاشمية كثير من تسموا أنفسهم، أو سموا أبناءهم بأبي بكر نذكر منهم ابن الأخ لعلي بن أبي طالب وهو عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب فإنه سمىٰ أحد أبنائه أيضًا باسم أبي بكر كما ذكره الأصفهاني في مقالته: قتل أبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يوم الحرة في الوقعة بين مسرف بن عقبة وبين أهل المدينة.

وهذا من إحدىٰ علائم الحب والود بين القوم خلاف ما يزعمه الشيعة اليوم من العداوة والبغضاء، والقتال الشديد والجدال الدائم بينهم.

لقي علي > من أبي بكر وجميع الصحابة كل إجلال وتوقير هو أهل لهما، واستعان به الخليفة بمواهبه ومواقفه العظيمة، دون أن يبخل علي العظيم ببذل يبذله... وحين اختار أبو بكر > عمر ورشحه للخلافة بعده ووافق الصحابة لم يتأخر علي رضي الله عنهم جميعًا عن المبايعة، ووقف بجانب الخليفة الجديد، واستعان به عمر في أهم المعضلات وأنزله المنزلة التي يستحقها، ولم يبخل عنه علي برأي ولا بجهد بجانبه وصاهره عمر فتزوج بابنته أم كلثوم، وحين ذهب عمر إلىٰ بيت المقدس جعل عليًّا مكانه في المدينة علىٰ المسلمين... !! وعندما فارقت الروح الخليفة عمر بعد الطعنة الغادرة التي طعنه بها المجوسي الغادر أبو لؤلؤة الفارسي وقف علي > أمام جثمانه وهو مسجىٰ في كفنه، كما جاء في «صحيح البخاري» عن ابن عباس ب، وقال: 

«والله ما علىٰ الأرض رجل أحب إلي أن ألقىٰ الله بصحيفته من هذا المسجىٰ بالثوب».

وكان علي > واحدًا من الستة الكبار الذين اختارهم عمر بعد أن تلقىٰ الطعنة وتوقع الموت... !! وكان هناك من الصحابة من يحب عليًّا أكثر، ويتعاطف معه، وكان هناك من يرىٰ أنه الأجدر والأحق، لكن كان ذلك لا يتعدىٰ الرأي الشخصي، دون أن يؤثر علىٰ النظر علىٰ الآخرين بالكراهة أو العداء.

لقد حرم الإسلام شتم المسلم، وجعل سبابه فسوقًا، فقال ﷺ: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» كما أن علي بن أبي طالب >، ومن صلح من ذريته هم أئمتنا نحن وليسوا أئمة لمن كان علىٰ دين الرافضة... والخلفاء الراشدون أجل قدرًا من أن تنالهم المطاعن، وأعلىٰ كعبًا من أن يتطاول إليهم الأقزام، والمتحامل عليهم كشارب السم، لا يقتل إلا نفسه ولا يكيد إلا أهله... !!

تباين الموقفين من الصحابة:

الشيعة الذين يزعمون أنهم أتباع أهل البيت والمحبون الموالون لهم يرون رأيًا غير هذا الرأي، قال قائلهم: إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ غير أربعة... وتقدم بخاري القوم محمد بن يعقوب الكليني إلىٰ أبعد من ذلك فقال: كان الناس أهل ردة بعد النبي إلا ثلاثة المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي( ).

ومثل هذا ذكر المجلسي: «هلك الناس كلهم بعد وفاة الرسول إلا ثلاثة أبو ذر والمقداد وسلمان»( ).

وأكثر من ذلك قال الكليني في موضع آخر من كتابه: «إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا، فقال: … إن الناس عادوا بعد ما قبض رسول الله ﷺ أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت - يعني: عن أبي بكر - فلم تعتزل بخير - أي: لم يكن اختيارهم لاختيار الحق أو ترك الباطل، بل اختاروا باطلًا مكان باطل آخر للحمية والعصبية، كما ذكر المحشي الملعون علىٰ هذه الرواية -، جعلوا يبايعون سعدًا وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية: يا سعد، أنت المرجأ، وشعرك المرجل، وفحلك المرجم»( ). ومعناه أنه لم يبق ولا واحد، لا أبو ذر ولا سلمان ولا المقداد.

ويكتب القمي تحت تفسير قوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴾ [المائدة: 71]: «نزل كتاب الله يخبر أصحاب الرسول ﷺ فقال: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴾ أي: لا يكون اختبار، ولا يمتحنهم الله بأمير المؤمنين عليه السلام، ﴿ﭕ ﭖ﴾ قال: حيث كان رسول الله ﷺ بين أظهرهم، ﴿ﭛ ﭜ ﭝ﴾ حين قبض رسول الله ﷺ، وأقام أمير المؤمنين عليه السلام عليهم فعموا وصموا فيه حتىٰ الساعة»( ).

هذا هو موقف الشيعة من الصحابة، وذلك هو موقف أهل البيت منهم.

أين هم من شهادات غير المسلمين في الصحابة ش... ؟!

في كتابه «سنن الإسلام» يقول الألماني كاتاني Caetani: «لقد كان هؤلاء الصحابة الكرام ممثلين صادقين لتراث الإسلام الخلقي، ودعاة الإسلام في المستقبل، وحملة تعاليم محمد التي بلغها إلىٰ أهل التقوىٰ والورع،.. حدثت فيهم تحولات ذات قيمة كبيرة في كل زاوية، وأثبتوا فيما بعد في أصعب مناسبات الحروب أن مبادئ محمد ﷺ إنما بذرت في أخصب أرض أنبتت نباتًا حسنًا، وذلك عن طريق أناس ذوي كفاءات عالية جدًّا، كانوا حفظة الصحيفة المقدسة وأمناءها، وكانوا محافظين علىٰ كل ما تلقوه من رسول الله من كلام وأوامر، لقد كان هؤلاء قادة الإسلام السابقين الكرام الذين أنجبوا فقهاء المجتمع الإسلامي وعلماءه ومحدثيه الأولين».

وفي كتابه «حضارة العرب» يقول غوستاف ليبان Gustave Lieban: «وبالجملة فإن هذا الدين الجديد كان يواجه مناسبات وفرصًا كثيرة، وإن فراسة الصحابة وحسن تدبيرهم قد جعلهم ينجحون لدىٰ كل فرصة ومناسبة، لقد وقع الاختيار للخلافة في العهد الأول علىٰ أناس كان جل غرضهم نشر الدين المحمدي».

ويقول Edward Gibbon إدوارد جيبون الإنجليزي عن الخلفاء الراشدين في كتابه «انقراض وسقوط المملكة الرومية»: «لقد كانت أخلاق الخلفاء الأربعة الأولين وتصرفاتهم نزيهة مضرب الأمثال، إن نشاطهم وتفانيهم إنما كان بإخلاص تام، ورغم التمكن من الثراء والسلطة فقد أفنوا أعمارهم في أداء المسؤوليات الخلقية والدينية».

أما فيليب حتي Dr Philp Hitti صاحب كتاب «مختصر تاريخ العرب» فيقول: عاش أبو بكر > قاهر المرتدين وموحد الجزيرة تحت راية الإسلام حياة بسيطة ملؤها الوقار، وفي الستة الأشهر الأولىٰ من خلافته القصيرة كان يغدو كل يوم من السنح حيث قطن وزوجه حبيبة في بيت متواضع إلىٰ عاصمة المدينة ولم يكن يتقاضىٰ راتبًا؛ لأنه لم يكن للدولة إذ ذاك دخل يستحق الذكر، وكان يدير جميع شؤون الدولة في صحن المسجد النبوي... أما عمر > الخليفة الثاني فكان رجلًا جلدًا نشيطًا، ومثالًا للبساطة والاقتصاد، ومن صفاته أنه كان طوالًا أصلع شديد الأدمة، وقد أعال نفسه في إبان عهد خلافته بالمتاجرة، وكانت حياته - شأن حياة أي شيخ بدوي - بعيدة عن الأبهة وحب التظاهر، وتجعل الروايات الإسلامية اسمه أرفع اسم في أوائل الإسلام بعد النبي ﷺ، وقد مجد عمر الكتاب المسلمون لتقواه، وعدله، وتواضعه، ووقاره، وحسبوا هذه المناقب التي يجدر بكل خليفة أن يتحلىٰ بها مشخصة فيه، وقالوا: لم يكن لعمر إلا قميص خلق وإزار قطري مرقوع برقعة من أدم، وكان ينام علىٰ فراش من سعف النخل، ولم يهمه من شؤون هذه الحياة الدنيا سوىٰ الدفاع عن شعائر الدين، وإقامة العدل، وإعلاء شأن الإسلام وتأمين مصالح العرب.

ويتحدث سير وليم ميور Sir William Muir والذي عرف بالتحامل علىٰ الإسلام، وذلك في كتابه «حياة محمد ﷺ»: لقد كان عمر > أعظم رجل بعد رسول الله ﷺ، في المملكة الإسلامية، فكان من ثمار ذكائه واستقامته أن خضعت في خلال هذه السنوات العشر كل مناطق الشام ومصر وفارس للنفوذ الإسلامي، ولا تزال منذ ذلك الوقت ضمن الأقطار الإسلامية... ولكنه بالرغم من أنه كان حاكمًا عظيمًا لمملكة عظيمة لم تعوزه الفراسة والمتانة ولا الرؤية العادلة في الأمور والقضايا، إنه لم يرض لنفسه بأن يلقب بألقاب عظيمة سوىٰ ذلك اللقب العادي والساذج الذي يدعىٰ به وهو «رئيس العرب».. كان الناس يتوافدون إليه من ولايات بعيدة، ويسألون عن عمر الحاكم والخليفة في فناء المسجد النبوي وأنحائه، ثم يتساءلون عما كان أمير المؤمنين موجودًا في المسجد، وهو جالس أمامهم في ملابسه العادية.

أبو بكر الصديق >:

ويقول عن الخليفة أبي بكر >: لقد كانت بساطة مجلس أبي بكر مثلها في حياة محمد ﷺ، لم يكن عنده خدم ولا حرس، ولا مؤشرات تشير إلىٰ أبهة الحكم والخلافة، كان متعودًا علىٰ بذل مجهودات واسعة في شؤون الخلافة، وهناك أحداث كثيرة تدل علىٰ تعمقه في جزئيات الأمور ودقائقها، كان يتجول الليالي للعثور علىٰ المظلومين والفقراء، وكان أرفع من أي محاباة أو دافع انتقام في تعيين العمال وكبار الحكام في الخلافة، وكان يتجلىٰ التدبر العميق في تصرفاته وأحكامه.

عثمان بن عفان ذو النورين >:

منهم الخليفة الثالث عثمان بن عفان > يشهد التاريخ أنه كان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته يأكل الخل والزيت، وكان يصوم الدهر ويباشر أعماله بنفسه برغم وجود الخدم، كان يقيل في المسجد وهو يومئذ خليفة، ويقوم وأثر الحصىٰ بجنبه، والناس يقولون: هذا أمير المؤمنين هذا أمير المؤمنين( )، ولا أدل علىٰ إيثاره وإنكاره للذات من أنه لم يرض بقتال أعدائه الذين جاءوا إليه من مصر وهاجموه رغم تحقق وسائل الدفاع عنه عنده؛ كراهية أن يقاتل المسلم ويسفك دمه، واستشهد وهو يتلو القرآن، كما كره أن يتنازل عن الخلافة التي اعتبرها أمانة المسلمين... يقول أمير المؤمنين علي: ومن أكبر خصائصه ورعه وتقواه... ويقول عنه سير وليم مور: كان رقيق القلب ولو أنه كان قد أدرك الخلافة أيام الأمن لنال إعجابًا كبيرًا من الناس... في عهده امتدت الفتوحات الإسلامية من السند إلىٰ بلاد الأندلس... فتحت تونس والجزائر والمغرب، ووصلت جيوش المسلمين تفليس، وساحل البحر الأسود، وخراسان، وطبرستان، وجرجان، وسجستان، وهرات، وكابل، ونيسابور، وكرمان، ووصلت إلىٰ سواحل الهند وبحر قزوين... وكانت أجل مآثره أنه جمع العالم الإسلامي كله علىٰ مصحف واحد وقراءة واحدة... وعندما اشتكىٰ بعض أهل الكوفة إلىٰ علي > من أن الخليفة الذي سبقه جمع الناس علىٰ قراءة واحدة للقرآن، فرد عليهم علي > مغضبًا، وقال لهم: اسكتوا، فإن عثمان فعل ذلك برأي من كبار الصحابة، ولو كنت أنا في موضعه آنذاك لفعلت كما فعل عثمان >.

الفصل الرابع

صورة مشوهة عن الصحابة... تقدمها الشيعة الإمامية

«لو سألت مسيحيًّا وقلت له: من خير أهل ملتكم؟ لقال علىٰ الفور: إنهم أصحاب عيسىٰ عليه السلام وحواريه... ولو سألت يهوديًّا من خير أهل ملتكم لقال: إنهم أصحاب موسىٰ عليه السلام... ولكنك لو سألت شيعيًّا من شر أهل ملتكم لقال علىٰ الفور: إنهم أصحاب محمد!!»( ).

الشيعة الإمامية الاثنا عشرية التي تدعي الانتماء إلىٰ الإسلام ونبي الإسلام، تهدم كل ما قام به النبي ﷺ في مجال التربية والتوجيه، وتثبت له إخفاقًا لم يواجهه مصلح أو مرب خبير مخلص لم يكن مأمورًا من الله Q، ولا مؤيدًا من السماء، كما كان الشأن مع رسول الله ﷺ.

تقدم الشيعة الإمامية صورة مشوهة كالحة لجحود النعمة والجفاء والغدر، وإخفاء الحق، وعبادة النفس، وحب الجاه، تقوم باستخدام كل نوع من المؤامرات والتحريفات والافتراءات، وتسوقها لأغراضها الخسيسة، إنها الصورة الكريهة التي لا تبعث في النفوس اليأس عن مصير الجهود التربوية فحسب، بل إنها تبث اليأس عن صلاحية الإنسانية جمعاء ومصيرها ومستقبلها!!

ترىٰ الشيعة الإمامية أن المجهودات الجبارة التي بذلها النبي ﷺ ثلاثة وعشرين عامًا لم تنتج إلا ثلاثة أشخاص، أو أربعة - وفقًا لبعض الروايات - ظلوا متمسكين بالإسلام إلىٰ ما بعد وفاة النبي ﷺ، أما بقية الصحابة فقد ضلوا فور وفاته ﷺ - والعياذ بالله - عن الإسلام، وأثبتوا أن صحبة النبي ﷺ، وتربيته أخفقت في مهمته التي توخاها!!

جاء في كتاب «الكافي» للكليني - الذي تعتبره الشيعة الإمامية الاثنا عشرية أصح كتاب - في الفصل الأخير، تحت عنوان «الروضة» رواية عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر يقول: «كان الناس علىٰ ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، رحمة الله عليهم وبركاته»، وفي رواية أخرىٰ يعتبر عمار بن ياسر رابع هؤلاء الأربعة.

الخميني نائب الإمام الغائب علىٰ حد زعمهم ينعت الصحابة ش في كتابه «كشف الأسرار» بأوصاف تثبتهم عبادًا للدنيا، متجرئين علىٰ الله تعالىٰ، محرفين للقرآن الكريم، وفي عاقبة الأمر كافرين، يقول في كتابه: 

«أولئك الصحابة الذين لم يكن يهمهم إلا الدنيا والحصول علىٰ الحكم دون الإسلام والقرآن، والذين اتخذوا القرآن مجرد ذريعة لتحقيق نواياهم الفاسدة، قد سهل عليهم إخراج تلك الآيات من كتاب الله، التي كانت تدل علىٰ خلافة علي > بلا فصل، وعلىٰ إمامة الأئمة، وكذلك تحريف الكتاب السماوي، وإقصاء القرآن عن أنظار أهل الدنيا علىٰ وجه دائم، بحيث يبقىٰ هذا العار في حق القرآن والمسلمين إلىٰ يوم الدين، إن تهمة التحريف التي يوجهونها إلىٰ اليهود والنصارىٰ إنما هي ثابتة عليهم».

اللعن والسب والبذاءة... لماذا؟!:

اللعن والسب والبذاءة ليست من أخلاق ولا من شيم الأئمة من آل البيت ش، حتىٰ مع المشركين، فهل يمكن أن يكون منهجهم مع السابقين بالإسلام، ومع من نصروا الدين وأعز الله بهم الإسلام؟!

لقد نهىٰ رسول الله ﷺ أن يسب قتلىٰ بدر من المشركين، وقال: «لا تسبوا هؤلاء؛ فإنه لا يخلص إليه شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء، ألا إن البذاء لؤم».

ويقول ﷺ: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». فكيف يليق بمن يزعمون بأنهم من أتباع محمد ﷺ وآل بيته أن يتخذوا من السب واللعن والشتم وقبيح القول دينًا ووسيلة يتقرب بها إلىٰ الله تعالىٰ؟!!

سبهم عائشة <.. ووصفها بأنها عدوة الله ورسوله!!:

مرويات كثر رووها في كتبهم - في «الكافي» - في سبابها <، فعن أبي جعفر أنه لما حضر الحسنَ الوفاة قال للحسين: 

«واعلم أنه سيصيبني من عائشة ما يعلم الله والناس صنيعها وعداوتها لنا أهل البيت، فلما قُبِض الحسن انطلقوا به إلىٰ مصلىٰ رسول الله وأقبلوا بالحسن ليدفنوه مع النبي ﷺ، فقالت عائشة: نحوا ابنكم عن بيتي؛ فإنه لا يدفن في بيتي ويهتك علىٰ رسول الله حجابه. فقال لها الحسين: قديمًا هتكتِ أنتِ وأبوكِ حجاب رسول الله ﷺ وأدخلت علىٰ بيته من لا يحب قربه، وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة».

وزعم الكليني أن الحسين قال لعائشة: «لقد أدخل أبوك وفاروقه علىٰ رسول الله ص بقربهما منه الأذىٰ، وما رعيا من حقه… ولو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه رسول الله صلوات الله عليهما جائزًا فيما بيننا وبين الله لعلمتِ أنه سيدفن وإن رغم معطسك…».

ثم تكلم محمد بن الحنفية وقال: يا عائشة: يوم علىٰ بغل ويوم علىٰ جمل؟ فقالت عائشة للحسين عليه السلام: نحّوا ابنكم واذهبوا به، فإنكم قوم خصمون.

وعن يعقوب السراج، قال: دخلت علىٰ أبي عبد الله عليه السلام وهو واقف علىٰ رأس أبي الحسن موسىٰ وهو في المهد فجعل يسارّه طويلًا، فجلست حتىٰ فرغ، فقمت إليه، فقال لي: ادن من مولاك فسلم. فدنوت فسلّمت عليه، فرد علي السلام بلسان فصيح، ثم قال لي: اذهب فغيّر اسم ابنتك التي سميتها بالأمس؛ فإنه اسم يبغضه الله. قال: وكانت ولدت لي ابنة سميتها بالحميراء. فقال أبو عبد الله عليه السلام: انته إلىٰ أمره ترشد. فغيرتُ اسمها... !!

لقد اجترءوا علىٰ الدوحة الرفيعة أم المؤمنين الصدِّيقة بنت الصدِّيق ب، تلك الطيبة الطاهرة العفيفة التي نزلت براءتها من فوق سبع سموات... تقول أم المؤمنين عن نفسها <: «لقد أُعطيت تسعًا ما أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل - عليه السلام - بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكرًا وما تزوج بكرًا غيري، ولقد توفي ﷺ وإن رأسه لفي حِجري، ولقد قُبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه فما يُبِينُني عن جسده، وإني لابنة خليفته وصدِّيقه، ولقد نزل عُذْري من السماء، ولقد خُلقت طيبة وعند طيب، ولقد وُعدت مغفرة ورزقًا كريمًا - تعني: قوله تعالىٰ: ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴾ [النور: ٦٢]( ) -.

ألم يردع هؤلاء قول النبي ﷺ حين سأله عمرو بن العاص >: «أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها». البخاري ومسلم... ألم يسمع هؤلاء قول النبي ﷺ: «فضل عائشة علىٰ النساء كفضل الثريد علىٰ سائر الطعام»؟ البخاري ومسلم... < أعلم النساء علىٰ الإطلاق؛ لم يسمع بامرأة في جميع الأمم جمعت من العلم النافع الديني ونشرته في الأمة مثلها؛ فإنها كانت في غاية الذكاء والعقل والحرص علىٰ اكتساب العلم منه ﷺ وتبليغه لأمته، وقد روت عن النبي ﷺ أكثر من ألفي حديث، عن مسروق قال: يحلف بالله مسروق لقد رأينا الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ يسألون عائشة عن الفرائض، وقال الزهري: لو جمع علم عائشة وجمع علم جميع أزواج النبي ﷺ وجميع النساء كان علم عائشة أكبر.

قال ابن الأثير في «أسد الغابة»: ولو لم يكن لعائشة < من الفضائل إلا قصة الإفك لكفىٰ بها فضلًا وعلو مجد؛ فإنها نزل فيها من القرآن ما يتلىٰ إلىٰ يوم القيامة. ا هـ. ومن شك في براءتها < فهو كافر لتكذيبه القرآن.

قال النبهاني بعد أن ذكر شيئًا من فضائلها ونسبتها إلىٰ النبي ﷺ: إذا علمت ذلك أيها الشيعي وكان عندك ذرة من الإنصاف والإيمان الصحيح وحب النبي ﷺ الذي يقتضي وجوب محبتك له ولكل من يحبه، وكراهتك لكل من يكرهه؛ تعلم يقينًا أن توقير السيدة عائشة <، والثناء عليها من أوجب الموجبات الدينية التي ترضي الله تعالىٰ ورسوله ﷺ، وهو الموافق للحقيقة، ونفس الأمر والعكس بالعكس، فدع ما نشأت عليه في شأنها <؛ فإنه مخالف كل المخالفة لحكم العقل والنقل والذوق السليم، واتبع في محبتها والثناء عليها رب العالمين وسيد المرسلين وجميع المؤمنين؛ ترضي ربك ونبيك وأهل البيت الكرام ولا سيما ساداتهم العظام، فوالله الذي لا إله إلا هو إنهم لا يرضون إلا بذلك، ويعلمون أن كل من أبغض السيدة عائشة < أو ذمها فهو هالك، وكيف يرضيهم كراهة حرم جدهم الأعظم ﷺ وأحب نسائه إليه وأعزهم عليه، وهي عرضه ﷺ الذي يعود إليه كل ما وجه إليها من مدح أو ذم، وهل يرضىٰ بذلك أحد من أمته ﷺ المؤمنين فضلًا عن أهل بيته الطاهرين رضي الله عنهم أجمعين( ).

موقف علي من عائشة:

بعد حرب الجمل كرَّم علي > السيدة أم المؤمنين وأكرمها إكرامًا يليق بزوجة الرسول صلىٰ الله تعالىٰ عليه وآله وسلم، حينما أعادها من ساحة الحرب مصحوبة بعدد من النساء القرشيات، أما الشيعة فلم تغفر للسيدة عائشة خروجها علىٰ الإمام في تلك الحرب، وهذا هو سبب موقفها المعارض لأم المؤمنين.

علي > بَرَّأَ ساحة السيدة عائشة من الحرب التي قادتها، وهو الخليفة الذي كان يقضي بين الناس بالحق ولا يحيد عنه قيد أنملة، السيدة عائشة بريئة من كل ما يتعلق بحرب الجمل وذيولها، ولذلك أمر علي بإكرامها وإرجاعها إلىٰ المدينة بالصورة التي أجمعت عليها كتب التاريخ

ليثبت براءتها من تلك الحرب في نظر القاضي العادل الذي هو الخليفة، فلا يحق لأحد أن يطعن أو يجرح السيدة عائشة متحديًا عمله ورأيه الذي يؤكده بصريح العبارة عندما يتحدث عن

حرب الجمل.

الجدير بالذكر أن بعض علماء الشيعة وقف موقفًا لائقًا بأم المؤمنين، ونهىٰ عن تجريحها، فقد قال السيد الطباطبائي - وهو من علماء القرن الثاني عشر - في أرجوزته الفقهية مخاطبًا السيدة «عائشة»: 

أيا حميراء سبُّك محرم

لأجل عين ألف عين يكرم

صنعوا لنا التاريخ... فهل نكافئهم بالعقوق؟!:

تهم ألصقوها والرد عليها:

يقولون: «الخلفاء الثلاثة اصطلحوا علىٰ تعطيل أحكام الله وإضاعة حدوده، وإباحة

حرامه وحظر حلاله، وأطفئوا بطغيانهم مصابيح دين الله وأنواره وهدموا معالمه، وأصبحت أمة محمد ﷺ لحدود الله تاركة، ولغير سبل الله سالكة، ولحقوقه مضيعة، ولحرمة دينه هاجرة،

ولغير أولياء الله متبعة، كأنهم صم لا يسمعون، غلبت عليهم الأهواء، وملكتهم الضلالة وأهلكتهم الفتن، حتىٰ ملئت الأرض جورًا، وظلمًا وطغيانًا!! وابتدع كل واحد من الثلاثة

بدعًا في شريعة الإسلام، كل علىٰ قدر طول عمره وتراخي أيامه، وعلىٰ قدر تمكنه في سلطانه مما يوجب علىٰ مبتدعه سوء العاقبة والبوار... واتبعهم علىٰ ذلك السواد الأعظم مع إقرارهم بخطرها وإيجاب الكفر علىٰ فاعلها، ثم هم مع هذا كله ينقلون، عن الثلاثة جميعهم فلا يمنعهم ذلك من موالاتهم ومعاداة من يعاديهم، وهذا إما جهلًا بما علىٰ المبتدعين، وذلك أخس لأحوالهم أو عصبية لهم علىٰ معرفة منهم بفسادهم، وذلك أثبت لكفرهم وإلحادهم، وأدعىٰ إلىٰ

كشف ضلالهم»!!

قالوا في الصديق >: «... تآمر علىٰ الناس، من غير أن أباح الله له ذلك، ومطالبته جميع الناس بالبيعة له، والانقياد إلىٰ طاعته طوعًا أو كرهًا، فكان ذلك أول ظلم في الإسلام، ولما انقاد الناس له طالبهم بالخروج عما كان يأخذه رسول الله ﷺ من الصدقات، والأخماس، ثم تسمىٰ بخليفة رسول الله، وقد علم الخاص والعام أن النبي ﷺ لم يستخلفه، وبذا صار ظالمًا وكاذبًا، وحق عليه قول النبي ﷺ: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار»( ).

الحق أنه لم يطلب أبو بكر الخلافة، ولم ينصب نفسه أميرًا، ولم يقم بانقلاب علىٰ خلافة كانت قائمة، وإنما بويع فلم يرفض، وليس في آي كتاب الله، ولا في سنة نبيه ﷺ ما يمنع أبا بكر أو غيره من تولي الخلافة!! ومطالبته بالصدقات والأخماس إنما هي من مسؤوليات الخليفة، وعن تسميته بخليفة رسول الله فقد سماه بذلك صحابة رسول الله الذين أخبر الله عنهم بأنهم صادقون!!

قال الكوفي: «... ولما انقاد الناس إليه طوعًا وكرهًا امتنعت عليه قبيلة من العرب في دفع الزكاة، وقالوا: إن الرسول لم يأمر بالدفع إليك ولا أمرك بمطالبتنا؛ فسماهم أهل الردة، وبعث إليهم خالد بن الوليد في جيش فقتل مقاتلتهم وسبىٰ ذراريهم واستباح أموالهم، وقتل خالد مالك بن نويرة، وأخذ زوجته فوطئها من ليلته من غير استبراء... ولما اعترض عمر علىٰ فعل خالد، وطلب من أبي بكر إقامة الحد عليه، رفض أبو بكر، وقال: لا أغمد سيفًا سله الله علىٰ المشركين، وهذا الفعل الفظيع لا يخلو أن يكون بأمر الله ورسوله أو برأي استحسنه، فإن قالوا: بأمر من الله ورسوله طولبوا بالدليل، وإن قالوا: برأي استحسنه. قيل لهم: هل هو عندكم ظالم أو محق؟ فإن قالوا: محق. أباحوا دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم بغير حق، وقائل هذا خارج من دين الله، وإن قالوا: أنه ظالم. كفاهم ذلك خزيًا وكفرًا وجهلًا».

الثابت أن قبيلة مالك بن نويرة قد أظهرت السرور بموت النبي ﷺ، وثبت لأبي بكر أنهم ضربوا الدفوف وشتموا أهل الإسلام، وأن مالكًا قال لخالد: هذا رجلكم أو صاحبكم - يعني النبي ﷺ -، وأنه أعاد صدقات قومه عليهم، وقال لهم: لقد نجوتم من هذا الرجل، وأن قومه وافقوه علىٰ منع الزكاة.

قال: «... ظلم فاطمة بنت رسول الله ﷺ، فقبض دونها تركات أبيها مما خلفه من الضياع والبساتين، وجعل ذلك بزعمه صدقة للمسلمين، وزعم أن النبي ﷺ قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة». ورد دعوىٰ فاطمة أن النبي ﷺ قد وهبها فدكًا، فطالبها بالبينة فجاءت بأم أيمن فشهدت لها، فرد شهادتها كما رد من قبلها شهادة علي قائلًا: هذا بعلك إنما يجر إلىٰ نفسه. وهم قد رووا جميعًا أن النبي ﷺ قال: «علي مع الحق، والحق مع علي يدور، ولن يفترقا حتىٰ يردا علي الحوض» هذا مع ما أخبر الله به من تطهيره لعلي وفاطمة من الرجس، فمن توهم بعد هذا أن عليًّا وفاطمة يدخلان في شيء من الكذب والباطل علىٰ غفلة أو تعمد فقد كذب علىٰ الله، ومن كذب علىٰ الله فقد كفر.

فغضبت فاطمة وحلفت أن لا تكلمه وصاحبه حتىٰ تلقىٰ أباها، فلما حضرتها الوفاة أوصت عليًّا بأن يدفنها ليلًا لئلا يصلي عليها أحد منهم... وهم قد رووا جميعًا أن النبي ﷺ قال: «فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني». فقال عمر: اطلبوا قبرها لننبشها ونصلي عليها، فطلبوه فلم يجدوه، وهم قد رووا أن النبي ﷺ قال لها: «يا فاطمة، إن الله يغضب لغضبك ويرضىٰ لرضاك». وقد ثبت بذلك أنهم أغضبوا الله بإغضابهم لفاطمة، فاستحقوا بذلك اللعن بنص قول الله تعالىٰ: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾ [الأحزاب: 57].

لم يأخذ أبو بكر منها شيئًا لنفسه، وإنما كان منفذًا لأوامر رسول الله ﷺ، وإنما كان مراعيًا في ذلك نصوص الشريعة الإسلامية التي لا تثبت الحقوق في ظلها إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، والتي ترفض شهادة الزوج لزوجته لما فيها من مظنة الاتهام... وفاطمة وعلي أولىٰ الناس بالخضوع والانقياد لتعاليم الإسلام... استشهد بأحاديث غير صحيحة فيها تنقص للذات الإلهية!! ذلك في قوله: «يا فاطمة، إن الله يغضب لغضبك ويرضىٰ لرضاك». وفاطمة ليست معصومة، وأنه يجوز أن يقع منها ما يقع علىٰ غيرها من الذنوب، لقوله ﷺ: «والله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». وليس في الإسلام ذوات مصونة ولا حصانات ولا قداسات مزيفة ولا عصمة؛ لأن الناس في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون عنده بالتقوىٰ، وليس بين أحد وبين الله نسب ولا قرابة.

قالوا: «... ولما استتب الأمر لأبي بكر قطع لنفسه أجرة من بيت مال الصدقة، وهذا من أظهر الحرام، وحيث أن أبا بكر قد أخذ من الصدقات فقد أكل حرامًا وأصبح عليه وزر كل من استن بعده بسنته إلىٰ يوم القيامة... ولأن الإمام المنتصب بأجرة يجب أن تكون أجرته علىٰ جميع المسلمين لا علىٰ قسم منهم».

الذي قطع الراتب لأبي بكر هم المسلمون... رآه عمر بن الخطاب داخلًا السوق، وعلىٰ كتفه أثواب لبيعها، فقال له: إلىٰ أين؟ قال: إلىٰ السوق لأبيع وأشتري غيره، فقال له: وشؤون المسلمين إلىٰ من تتركها. فقال له: ومن أين لي ما أطعم به عيالي؟ فقال له: لنذهب إلىٰ المسجد، وهناك أعلن عمر بن الخطاب علىٰ المسلمين أن يقترحوا تخصيص راتب معين لأبي بكر؛

ليتفرغ لشؤون الخلافة، فاستقر رأيهم علىٰ تخصيص هذا المبلغ له، وكان علىٰ أحد من أقروه وقدروه، وقد أفتىٰ علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب أيام خلافته بأن يأخذ من بيت المال

ما يصلحه ويصلح عياله، ومع ذلك لم يأخذ إلا حظه من الفيء... ثلاثة دراهم يعطيها صحابة رسول الله لأبي بكر لقاء انشغاله بأمور الخلافة عن الكسب، تضرب بها الطبول وتقوم الدنيا

ولا تقعد!! والملايين التي يسرقونها باسم الدين لينفقونها علىٰ هدم الدين ومحاربة الفضائل

ونشر الفساد لا يجوز لأحد أن يتطرق إلىٰ ذكرها، أو السؤال عنها!!!

قال: «وأن أبا بكر لما أراد جمع ما تهيأ له من القرآن صرخ مناديه في المدينة من كان عنده

شيء من القرآن فليأتنا به، ثم قال: لا نقبل من أحد شيئًا إلا بشاهدي عدل، وأراد بذلك

أن لا يقبلوا ما ألفه أمير المؤمنين علي، إذ كان قد ألف القرآن الكريم بتمامه من ابتدائه إلىٰ خاتمته علىٰ نسق تنزيله، فلم يقبل ذلك منه خوفًا أن يظهر فيه ما يفسد عليهم أمرهم».

هذا اعتراف صريح بأن هنالك ما يشير إلىٰ أن عليًّا قد ألف قرآنًا يختلف عما في أيدي

الناس. 

قال: اختلفوا في رواية إمامة أبي بكر في الصلاة، وأنه لو كانت إمامة الصلاة توجب الولاية لكان عتاب بن أسيد أحق بالإمامة من أبي بكر؛ لأنه أم الناس في المسجد الحرام بمكة وهو أفضل من مسجد المدينة.

وساقوا روايات كثيرة تخالف ما ورد في «صحيحي» البخاري ومسلم.

الروايات الصحيحة مجمعة علىٰ أن النبي ﷺ قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس».

وأن عائشة < قد قالت: إن أبا بكر رجل رقيق القلب كثير البكاء إذا قرأ القرآن، فقال رسول الله ﷺ: «مروه فليصل بالناس»، فكررت عائشة قولها، فقال النبي ﷺ: «إنكن صواحب يوسف، مروه فليصل بالناس». كما أجمعت الروايات علىٰ أن أبا بكر قد تغيب في بعض الأيام في بعض شؤونه، فدعا بلال عمر أن يصلي بالناس، وكان عمر جهير الصوت، فلما كبر سمعه النبي ﷺ من بيت عائشة، فقال: «فأين أبو بكر؟ يأبىٰ الله ذلك والمسلمون»...

كما أجمعت الروايات الصحيحة علىٰ أن النبي ﷺ شعر في نفسه القدرة في يوم الأحد علىٰ الخروج إلىٰ المسجد لصلاة الصبح، فخرج عاصبًا رأسه، معتمدًا علىٰ علي بن أبي طالب والفضل بن العباس، وكان أبو بكر حينئذ يصلي بالناس، فلما رأىٰ المسلمون النبي وهم في صلاتهم قد خرج إليهم كادوا يفتنون فرحًا به، وتفرجوا، فأشار إليهم أن يثبتوا في صلاتهم، ولما شعر أبو بكر بدنو النبي ﷺ منه نكص عن مصلاه يريد أن يتخلىٰ عن مكانه للنبي ﷺ، فدفعه النبي ﷺ في ظهره قائلًا: «صل بالناس»، وجلس إلىٰ جنب أبي بكر، فصلىٰ قاعدًا عن يمينه... ولقد فرح المسلمون فرحًا عظيمًا.

لم ينح النبي ﷺ أبا بكر عن الإمامة، وإنما صلىٰ إلىٰ جانبه مؤتمًا به وانعقدت الصلاة بإمامة أبي بكر، وإذا بطلت صلاة أبي بكر بطلت صلاة من ائتم به، وحسب أبي بكر فخارًا وشرفًا أن يأتم به رسول الله ﷺ، وقولهم: إن إمامة الصلاة لا توجب ولاية المسلمين، فكذلك لو كانت القرابة من النبي ﷺ تعطي أحدًا الحق في ولاية المسلمين لكان العباس بن عبد المطلب أولىٰ من علي بن أبي طالب بهذه الولاية!!

قالوا: ليس في قوله تعالىٰ: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ﴾ [التوبة: 40] منقبة لأبي

بكر؛ لأنه لم يدفع ضيمًا ولا حارب عنه عدوًّا، والصحبة قد تكون للكافر مع المؤمن، وكان

هاربًا ببدنه مستعيذًا بالرسول، والمنة لله ولرسوله عليه أن قبله صاحبًا، وهو متهم في إيمانه

بدليل أن الله أنزل السكينة علىٰ النبي وحده، وكانت السكينة تشمل النبي والمؤمنين في

جميع المواطن.

لو لم تكن الصحبة لرسول الله منقبة فهل تكون المنقبة لمن لم يصاحبه، ولو لم يكن أبو بكر قد دفع ضيمًا وحارب عدوًّا فمن هو؟! يقول محب الدين الخطيب: «ولو أن أحدًا من الحواريين قد صنع مع المسيح عليه السلام ما صنع أبو بكر مع رسول الله ﷺ لعبدته النصارىٰ من دون الله، ولكن أبا بكر قد وقع في براثن من هم أشد ضلالًا من النصارىٰ وأعظم إيغالًا في مناصبة الله العداء من مردة الشياطين، ولكن ماذا تصنعون، وهل يسعكم غير هذا العمل تجاه من أرغم الله به أنف كل جبار وأخزىٰ به كل منافق، وحفظ به عقد المسلمين بعد أن كاد أن ينفرط».

وفي قوله تعالىٰ: ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾ [آل عمران: 159] قالوا: إن الله أمر رسوله بالاستغفار لهم؛ لأنهم ارتكبوا ما لا يرضي الله ورسوله.

فماذا في قوله تبارك وتعالىٰ: ﴿ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ﴾ [محمد: 19]؟! وثبت أن النبي ﷺ قد استشار أصحابه عما يصنعه مع أسرىٰ بدر، فأشاروا كلهم قبول الفداء، وأشار عمر > بالقتل وأصر عليه؛ فأنزل الله تعالىٰ: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ﴾ [الأنفال: 67] فقال النبي ﷺ: «لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه إلا ابن الخطاب»... ولم يستثن نفسه!!

وقالوا: «ليس يختلف أهل الأثر في أن أبا بكر وعمر قد انهزما في مواطن كثيرة مثل هزيمتهما يوم خيبر، حين دفع الرسول بالراية لأبي بكر وأمره بالمسير إلىٰ حصن خيبر فرجع منهزمًا ثم دفعها إلىٰ عمر فرجع منهزمًا، فغضب الرسول ﷺ وقال: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتىٰ يفتح الله علىٰ يديه».

كان علي بن أبي طالب مكلفًا بمهاجمة أحد الحصون، وقد فتحه الله علىٰ يديه كما فتح غيره من القواد بقية الحصون في الأيام التالية وهي كثيرة منها: الوطيح، والسلالم، والشق، ونطاة، والكتيبة، والحصن، والصعب، ومرحب، وناعم وهو الحصن الذي فتحته سرية علي.. وإذا كان هذا فيمن فتح حصنًا، فماذا فيمن أزال الله به دولة الأكاسرة وقصم به ظهور القياصرة؟!

في عمر بن الخطاب:

روىٰ الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس > قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتىٰ قمت في صدره أعدد له أيامه ورسول الله ﷺ يبتسم، حتىٰ إذا أكثرت قال: «يا عمر، أخر عني؛ فإني قد خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ﴾ [التوبة: 10]، فلو أني أعلم أني إن زدت علىٰ السبعين غفر له لزدت».

قال: ثم صلىٰ عليه رسول الله ﷺ، ومشىٰ معه، ثم قام علىٰ قبره حتىٰ فرغ منه. قال: فوالله ما كان إلا يسيرًا حتىٰ أنزل الله عليه قوله تعالىٰ: ﴿ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴾ [التوبة: 84]، فما صلىٰ رسول الله ﷺ بعدها علىٰ منافق حتىٰ قبضه الله.

ليست هذه الحادثة الوحيدة التي يتنزل فيها القرآن موافقًا لرأي عمر واجتهاده.

موافقات عمر > للقرآن والسُّنة كثيرة، منها ما نزل القرآن موافقًا له، ومنها ما رضي به رسول الله، وأمر به... في نساء النبي ﷺ، واحتجاب النساء، وفي أسارىٰ بدر، وفي تحريم الخمر، وغير ذلك كثير... حسبه شرفًا أنه أول من أعز الله به الإسلام، وأول من قصم به ظهور الجبابرة، وأول من هدم به بيوت النيران، كان > شوكة في عين كل منافق، وغصة في حلق كل طاغوت... ولكن: 

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد

وينكر الفم طعم الماء من سقم

عمر بن الخطاب > أزال أعظم امبراطورية، وحطم أثقل عرش علىٰ وجه الأرض في معركتين اثنتين في القادسية ونهاوند، وحرر أممًا بأسرها من جبروت كسرىٰ وطغيان قيصر، وهو أعدل وأفضل من أقلته الغبراء وأظلته الخضراء بعد محمد ﷺ وأبي بكر... يطعنون في المتخلفين عن جيش أسامة، ويزعمون أن رسول الله ﷺ قال: «جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه».

الحديث فيه زيادة لم يقلها النبي ﷺ، وهي لعن من تخلف عن جيش أسامة... !! يقولون: إن عليًّا > لم يتخلف عن ذلك الجيش، وهذا القول هو إقرار بصحة خلافة أبي بكر الصديق؛ لأن خروج علي مع جيش يتلقىٰ قائده أوامره من أبي بكر يعني ضمنًا قبول علي بخلافة أبي بكر، ويعني بالضرورة صحة خلافة أبي بكر!!

يقولون: إن أبا بكر وعمر حكموا بالرأي والهوىٰ، وأفتوا بغير ما أنزل الله، ولم يستندوا في حكمهم ولا في افتائهم إلىٰ كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.

«أخرج أبو القاسم البغوي، عن ميمون بن مهران، قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر إلىٰ كتاب الله، فإن وجد ما يقضي به قضىٰ به، وإن لم يجد قضىٰ بما علم من السُّنة، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، فإذا ذكر له شيء من قضاء النبي ﷺ قضىٰ به، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا، فإن أعياه أن يجد سنة محمد رسول الله ﷺ جمع رؤوس الناس وخيارهم واستشارهم، فإن أجمع أمرهم علىٰ شيء قضىٰ به، وكان عمر يفعل مثل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسُّنة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء، فإن كان لأبي بكر قضاء فيه قضىٰ به وإلا دعا رؤوس المسلمين، فإذا اجتمعوا علىٰ أمر قضىٰ به».

زعموا أن النبي ﷺ وأم المؤمنين عائشة كانا يحبان الغناء ومزامير الشيطان علىٰ ما أخرجه البخاري في «صحيحه».

العشرة المبشرون بالجنة:

- يقولون عن العشرة المبشرين بالجنة، الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة: «الجنة لمن أطاع الله، وهؤلاء خالفوا رسول الله ﷺ، وابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وتسعة من هؤلاء العشرة قد أحدثوا ما يخالف شريعة الله، ومنهم: طلحة والزبير اللذان ارتكبا في هتك حريم رسول الله ما لا يرتكبه كافر ولا مشرك، حينما أخرجا عائشة لقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مع أنهم قد سمعوا من رسول الله ﷺ قوله: أنهم سيقاتلون عليًّا وهم ظالمون له... وقد كان الزبير في أول خروجه محاربًا وفي آخره خاذلًا، وبذا حقت عليه كلمة الرسول بالخذلان، ومن خذله الله فالنار أولىٰ به، وأما طلحة فحكمه حكم الزبير خرج محاربًا ومات خاذلًا، وحق عليه ما حق علىٰ الزبير، وحسبهما ظلمًا ما أدخلاه من الأذىٰ علىٰ رسول الله ﷺ بإخراج زوجته من بيتها إلىٰ ميدان القتال، والله يقول: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾ [الأحزاب: 57]، وكان الواجب عليهما أن يمنعاها من الخروج ويلزماها بيتها صيانة لحرمة رسول الله ﷺ، وقد شاركتهما فيما استحقاه من العقوبة».

خرج طلحة والزبير وعائشة ش متأولين ولم يخرجوا ظلمًا ولا تعديًا، وقولهم في علي > أن رسول الله ﷺ قال فيه: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» فغير صحيح بدليل خذلان أنصار علي >، حيث لم تقم لهم قائمة بعد وقعتي الجمل وصفين، وتحقق النصر لمن حاربوهم، وانتهت تلك الحوادث بانتقال الخلافة إلىٰ بني أمية وزوالها عن العلويين.

وقالوا في عبد الرحمن بن عوف: «كان أحد الستة الذين جعل عمر الشورىٰ بينهم لاختيار الإمام - الستة هم: علي، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلىٰ ثلاثة منكم. فقال الزبير: قد جعلت أمري إلىٰ علي. فقال طلحة: قد جعلت أمري إلىٰ عثمان. وقال سعد: قد جعلت أمري إلىٰ عبد الرحمن بن عوف. - تنازل عبد الرحمن بن عوف لهم مع ابن عمه سعد بن أبي وقاص علىٰ أن يكون له حق الاختيار من بين الأربعة فقبلوا، فاختار من الأربعة عليًّا وعثمان، ثم قال لعلي: إن اخترتك تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، فقال: بل أسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله. فتركه، وقال لعثمان: إن اخترتك تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، قال: نعم، فاختاره وبايع له... فإن كانت سيرة أبي بكر وعمر علىٰ كتاب الله وسنة رسوله، فما معنىٰ اشتراطه سيرة أبي بكر وعمر، وإن كانت مخالفة لهما فحسبه خزيًا..».

كان أبو بكر وعمر قد أبرما أمورًا في المسائل السياسية رأىٰ عبد الرحمن بن عوف في مخالفتها أو نقضها يحدث رد فعل سيئ لا تحمد عقباه، ولهذا السبب اشترط السير علىٰ سنة أبي بكر وعمر بعد اشتراطه العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وكان عبد الرحمن علىٰ حق في اشتراطه؛ لأن الناس في ذلك الوقت كانوا يعدون عصرهما امتدادًا لعصر النبوة، وكانوا يريدون السير علىٰ نفس نهج الشيخين والسير بسيرتيهما، ولم يبايع عبد الرحمن بن عوف عثمان إلا بمشورة كبار الصحابة واختيارهم، حيث لم يجد من بينهم من يقدم عليًّا علىٰ عثمان ش.

ومثل هذه التهم ألصقوها لبقية العشرة المبشرين بالجنة... فسعيد بن زيد الذي أسلم في أول عام من البعثة تسند إليه تهمة تنفير ناقة النبي ﷺ... وأبو عبيدة الذي كان تاسع رجل يدخل الإسلام، وقد حولوه من أمين الأمة إلىٰ أمين صحيفة تعاقد محرروها علىٰ مكافحة الإسلام!! أما عبد الله بن سبإ، وكعب الأحبار، وأبو لؤلؤة المجوسي، وغيرهم وغيرهم فهم شخصيات مقدسة وذوات مصونة لا ترتفع إليها التهم، ولا تتطاول إليها الشبهات!!( ).

الصحابة ش هم سلفنا الصالح، من شرفهم الله بصحبة نبيه وأكرمهم بمؤازرته، وحفظ بهم كتابه، وطهر بهم الأرض من رجس الوثنية، وقصم بهم ظهور الجبابرة، وأذل بهم الطواغيت، ورفع بهم لواء الإسلام عاليًا خفاقًا: في مشارق الأرض ومغاربها، فكانوا بحق سادة الدنيا وقادتها، وكانوا بحق خير من طلعت عليه الشمس بعد نبيها الكريم.

الصحابة رضوان الله عليهم، كلهم عدول، ولا فرق بينهم في الأخذ عن النبي ﷺ، والرواية عنه، وحسبهم تعديلًا قول الله تعالىٰ فيهم: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ﴾  [البقرة: 143]، والشهادة لا تطلب إلا من العدول، ولا يطعن في تعديلهم إلا كافر بما أنزل علىٰ محمد ﷺ.

لو لم يرِد من الله تعالىٰ، ولا من رسوله شيء في تعديلهم، وتزكيتهم لوجب علينا ذلك؛ لما قاموا به من أعمال مجيدة في دعم الدين والذب عنه، ومناصرة النبي ﷺ، وبذلهم كل غال ورخيص في سبيل مرضاة الله وإعلاء كلمة الله... كيف لا وقد جاهدوا في سبيل الله حق جهاده حتىٰ نشروا العدل، وغيروا وجه التاريخ، وطهروا بلادًا واسعة من رجس الشرك، والوثنية، وأنقذوا أممًا وشعوبًا من الطغيان والاستبداد.

الثابت الذي لا يختلف اثنان في ثبوته هو ما تضمنته كتبهم من شتائم وسباب وتهم، وعدم اعتراضهم علىٰ إعادة نشرها، مما يدل علىٰ رضاهم بما فيها وموافقتهم عليها، أما ما يتظاهرون به في بعض الكتب المعاصرة من عدم رضاهم ما هو إلا من قبيل التقية.

الفصل الخامس

من مرويات وافتراءات الكليني... في «الكافي»!!

منزلة «الكافي»... (أوثق من «صحيح البخاري» على حد زعمهم!!):

مرويات أوردها الكليني مؤلف أعظم كتاب من بين كتب الشيعة ومصادر أصولهم وفروعهم، كما يعتقدون أنه أوثق من كتاب «صحيح البخاري»!!

قال الكليني نفسه يمدح كتابه في المقدمة: وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين( ).

وقال علي بن أكبر الغفاري محقق كتاب «الكافي»: اتفقت الإمامية علىٰ صحة ما في «الكافي».

قال عبد الحسين شرف الدين: وأحسن ما جمع منها الكتب الأربعة التي هي مرجع الإمامية في أصولهم وفروعهم من الصدر الأول إلىٰ هذا الزمان، وهي: «الكافي»، و«التهذيب»، و«الاستبصار»، و«من لا يحضره الفقيه»، وهي متواترة، ومضامينها مقطوع بصحتها، و«الكافي» أقدمها وأعظمها وأحسنها وأتقنها( ).

وقال الفيض الكاشاني بعد الثناء علىٰ الكتب الأربعة: و«الكافي» أشرفها وأعظمها وأوثقها وأتمها وأجمعها( ).

وقال الطبرسي: «الكافي» بين الكتب الأربعة، كالشمس بين النجوم، وإذا تأمل المنصف استغنىٰ عن ملاحظة حال آحاد رجال السند المودعة فيه، وتورثه الوثوق، ويحصل له الاطمئنان بصدورها وثبوتها وصحتها( ).

وقال الحر العاملي: الفائدة السادسة في الصحة المعتمدة في تأليف هذا الكتاب وتوافرها وصحة نسبتها وثبوت أحاديثها عن الأئمة عليهم السلام( ).

وقال آغا بزرك الطهراني: هو أجل الكتب الأربعة الأصول المعتمدة عليها، لم يكتب مثله في المنقول عن آل الرسول( ).

وقال العباس القمي: وهو أجل الكتب الإسلامية، وأعظم المصنفات الإمامية، والذي لم يعمل للإمامية مثله، قال محمد أمين الاسترابادي: سمعنا عن مشائخنا وعلمائنا أنه لم يصنف في الإسلام كتاب يوازيه أو يدانيه( ).

وقال الشيخ محمد صادق الصدر في كتابه «الشيعة» (صـ122): ويحكىٰ أن «الكافي» عُرض علىٰ المهدي فقال: «هذا كافٍ لشيعتنا».

أنىٰ تكون أسانيده صحيحة فضلًا عن أن تكون متواترة، ويظهر أنه لا يعرف الإسناد؛ لأن غالب رواياته يبدأ الكليني روايتها هكذا: «عن عدة من أصحابنا»، فهذا إسناد فيه مجاهيل. والأصل تسمية الرواة حتىٰ يتسنىٰ لنا فحص السند وتتبع حال الرواة.

من مروياته:

عن أبي عبد الله في قول الله Q: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [آل عمران: 90] قال: نزلت في فلان وفلان وفلان - يقصدون أبا بكر، وعمر، وعثمان ش - آمنوا بالنبي ص في أول الأمر، حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي ص: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه». ثم بايعوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام، ثم كفروا حيث مضىٰ رسول الله ص، فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرًا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم. فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء.

عن أبي عبد الله قال: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾ [محمد: 25] فلان وفلان وفلان - يقصدون أبا بكر وعمر وعثمان ش ارتدوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. قلت: قوله تعالىٰ: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ [محمد: 26] قال: نزلت والله فيهما وفي أتباعهما، وهو قول الله Q الذي نزل به جبرئيل عليه السلام علىٰ محمد ﷺ.

عن أبي عبد الله قال: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴾ [الأنعام: 82] قال: بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الولاية، ولم يخلطوها بولاية فلان وفلان: فهو الملبّس بالظلم.

﴿ ﮓ ﮔ ﮕ﴾ يعني بالإمام، ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ﴾ [الأعراف: 157] يعني: الذين اجتنبوا الجبت والطاغوت أن يعبدوها، والجبت والطاغوت: فلان وفلان وفلان.

قال المجلسي: «المراد بفلان وفلان أبو بكر وعمر»( ).

ولهذا يعتبرهما الشيعة شيطانين، فقد جاء في تفسيرهم لقوله تعالىٰ: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ﴾ [النور: 21] قالوا: خطوات الشيطان والله ولاية فلان وفلان( ).

عن أبي عبد الله قال: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ﴾ [آل عمران: 7] قال: أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة. ﴿ﮢ ﮣ ﮤ﴾ قال: فلان وفلان. ﴿ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾، فهم أصحابهم وأهل ولايتهم، ﴿ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [آل عمران: 7] قال: أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام.

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعىٰ إمامة من الله ليست له، ومن جحد إمامًا من الله، ومن زعم أن لهما في الإسلام نصيبًا.

عن أبي عبد الله قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله… فلما أن تولوا كل إمام جائر ليس من الله Q خرجوا بولايتهم إياه من نور الإسلام إلىٰ ظلمات الكفر؛ فأوجب الله لهم النار مع الكفار.

عن أبي جعفر أنه قيل له: لماذا سمي أمير المؤمنين؟ قال: الله سماه، وهكذا أنزل في كتابه: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم علىٰ أنفسهم ألست بربكم وأن محمدًا رسولي وأن عليًّا أمير المؤمنين».

فليس أبو بكر وعمر وعثمان هم الكفار فحسب، بل يكفر كل من اعتقد أن لهم نصيبًا في الإسلام!!

عن أبي عبد الله: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴾ [الحج: 24] أي: هدوا إلىٰ أمير المؤمنين. وقوله: ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾ يعني: أمير المؤمنين. ﴿ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ﴾ [الحجرات: 7] يعني: الأول والثاني والثالث.

وهكذا استحق عند القوم وصف الثلاثة بالكفر والفسوق والعصيان، وصار علي هو الطيب من القول!!

عن حمران بن أعين قال: «قلت لأبي جعفر: جعلت فداك، ما أقلنا لو اجتمعنا علىٰ شاة ما أفنيناها؟ فقال: ألا حدثتك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة».

قال أبو موسىٰ: «لعن الله أبا حنيفة، كان يقول: قال علي، وقلتُ».

عن أحدهما - أي الإمامين – قال: «إن أهل مكة ليكفرون بالله جهرة، وإن أهل المدينة أخبث من أهل مكة، أخبث منهم سبعين ضعفًا».

عن أبي بكر الحضرمي قال: «قلت لأبي عبد الله: أهل الشام شر أم أهل الروم؟ فقال: إن الروم كفروا ولم يعادونا وإن أهل الشام كفروا وعادونا».

عن أبي عبد الله: «أهل الشام شر من أهل الروم، وأهل المدينة شر من أهل مكة؛ يكفرون بالله جهرة».

تلك بعض من مروياتهم، وهي كثر في سب أم المؤمنين عائشة، والخلفاء الثلاثة ش، وسب علماء المسلمين، وأهل مكة، والمدينة، والشام، وسائر المؤمنين!! أين بعد ذلك دعوىٰ التقارب والتباكي علىٰ وحدة المسلمين التي يدندن حولها محترفو البكاء المتلاعبون بعواطف العوام، وبعواطف من أصل دينه علىٰ العاطفة لا علىٰ العقيدة!!

افتراءات وأكاذيب على الله تعالى ورسوله ﷺ!!

سورة النورين!!:

يزعمون أن عثمان > أسقطها من القرآن!! لم يكتف الشيعة بتزوير الأحاديث في سب الصحابة، ونسبتها إلىٰ رسول الله ﷺ دعمًا لأباطيلهم وافتراء علىٰ الله، بل راحوا يصنعون

هذيانًا ويسمونه قرآنًا، ﴿ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴾ [التوبة: 30] من أمثال مسيلمة الكذاب، وما كانوا في الحقيقة إلا مخلصين للرسالة التي جاء بها مسيلمة متحمسين لها، ومن هذا الهذيان

سورة تقيأها أحد مسعوريهم وسماها سورة النورين، وادعىٰ أن عثمان > قد أسقطها من المصحف، جاء فيها: 

«يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين اللذين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي، ويحذرانكم عذاب اليوم العظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم، أن الذين يوفون بعهد الله لهم جنات النعيم والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدوا الرسول عليه يقذفون في الجحيم؛ لأنهم ظلموا أنفسهم وعصوا الرسول أولئك يسقون من حميم».

ومنها: «يا أيها الرسول بلغ إنذاري، فسوف يعلمون مثل الذين يوفون بعهدك، إني جزيتهم جنات النعيم، وأن عليًّا لمن المتقين، ولقد آتينا لك الحكم كالذين من قبلك، وجعلنا لك منهم وصيًّا لعلهم يرجعون، إن عليًّا قانتًا بالليل ساجدًا يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربه، قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون».

الكليني يخضع كتاب الله تعالى لهواه!!: 

يقول د. علي أحمد السالوس: وفي «باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية » (صـ412 - 436) يذكر الكليني اثنتين وتسعين رواية: «.. ويبدو من العنوان أن الكليني أراد هنا أن يخضع كتاب الله لهواه، فيحرف معناه ليؤيد عقيدته في الإمامة، أراد إذًا أن يجعل آيات الله تعالىٰ تتحدث عن أئمة الجعفرية، ولكن الكليني لم يكتف بهذا، فسلك مسلك شيخه علي بن إبراهيم القمي صاحب التفسير الضال المضل، ولذا ترىٰ الكليني هنا يحرف نصوص آيات قرآنية، ويطعن في الصحابة الكرام بصفة عامة، فيصمهم بالكفر، والردة، والنفاق، ويطعن في الخلفاء الراشدين الثلاثة بصفة خاصة باعتبار أنهم - كما يفتري - اغتصبوا الولاية من أمير المؤمنين، ويطعن في الشيخين بصفة أخص»( ).

ولاية الأئمة ولاية الله تعالى!!:

وفي «باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية» (436 - 438) يذكر تسع روايات يستفاد منها أن ولاية أئمة الجعفرية الإمامية الرافضة ولاية الله تعالىٰ، جاء بها كل الأنبياء، وكتبت في جميع صحفهم، ويؤمن بها ما لا يحصىٰ من الملائكة، منكرها كافر، وجاهلها ضال، ومن اتخذ معهم أئمة آخرين كان مشركًا، ومن جاء بهذه الولاية دخل الجنة وفي (صـ 438 - 439) يذكر ثلاث روايات هي: 

عن أبي عبد الله: إن رجلًا جاء إلىٰ أمير المؤمنين وقال له: إني أحبك وأتولاك، فكذبه. فكرر ثلاثًا فقال له: كذبت، ما أنت كما قلت، إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، ثم عرض علينا المحب لنا، فوالله ما رأيت روحك فيمن عرض، فأين كنت؟ فسكت الرجل عند ذلك ولم يراجعه». وفي رواية أخرىٰ قال أبو عبد الله: كان في النار.

عن أبي جعفر: إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق.

عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله، قال: سألته عن الإمام: فوض الله إليه كما فوض إلىٰ سليمان بن داود؟ فقال: نعم. وذلك أن رجلًا سأله عن مسألة فأجابه فيها، وسأله آخر عن تلك المسألة فأجابه بغير جواب الأول، ثم سأله آخر فأجابه بغير جواب الأولين، ثم قال: «هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ (أعط) بِغَيْرِ حِسَابٍ» (39) سورة «ص»، ولكنه حرفها فجعل (أعط) بدلًا من ﴿ﭳ﴾. انظر (صـ 473). وهكذا هي في قراءة علي... إلخ.

وفي أبواب التاريخ يذكر الكليني روايات نرىٰ في الحاشية رفضًا لبعضها وطعنًا في سندها، ولكن أثر الإمامة يبدو كذلك فيما لم يطعن فيه، مثال هذا ما رواه أن أبا جعفر المنصور أمر بإحراق دار الإمام جعفر الصادق، فخرج يتخطىٰ النار، ويمشي فيها، ويقول: أنا ابن أعراق الثرىٰ، أنا ابن إبراهيم خليل الله.

لوح فاطمة... كتاب من الله العزيز الحكيم!!:

وفي «باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم يذكر الكليني عشرين رواية، نذكر هنا نص إحدىٰ الروايات: 

«عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتىٰ يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: أي الأوقات أحببته، فخلا به في بعض الأيام فقال له: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة عليها السلام بنت رسول الله ﷺ، وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح المكتوب؟ فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت علىٰ أمك فاطمة عليها السلام في حياة رسول الله ﷺ فهنيتها بولادة الحسن ورأيت في يديها لوحًا أخضر، ظننت أنه من زمرد، ورأيت فيه كتابًا أبيض، شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي وأمي يا بنت رسول الله ﷺ، ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله إلىٰ رسوله ﷺ، فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي، وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة عليها السلام فقرأته واستنسخته. فقال له أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟ فقال: نعم. فمشىٰ معه أبي إلىٰ منزله فأخرج صحيفة من رق، فقال: يا جابر، انظر في كتابك لأقرأ أنا عليك. فنظر جابر في نسخته فقرأه فما خالف حرف حرفًا، فقال جابر: فأشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبًا.

نص الكتاب: 

بسم الله الرحمن الرحيم «هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظم يا محمد أسمائي، واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي، إني أنا الله لا إله إلا أنا، قاصم الجبارين ومديل المظلومين وديان الدين، إني أنا، الله لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي، أو خاف غير عدلي؛ عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، فإياي فاعبد وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبيًّا فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيًّا، وإني فضلتك علىٰ الأنبياء، وفضلت وصيك علىٰ الأوصياء، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسنًا معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه، وجعلت حسينًا خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامة معه وحجتي البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب، أولهم علي، سيد العابدين، وزين أوليائي الماضين، وابنه شبه جده المحمود: محمد الباقر علمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر الراد عليه كالراد علي، حق القول مني لأكرمن مثوىٰ جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، أتيحت بعد موسىٰ فتنة عمياء حندس؛ لأن خيط فرضي لا ينقطع، وحجتي لا تخفىٰ، وأن أوليائي يسقون بالكأس الأوفىٰ، من جحد واحدًا منهم فقد جحد نعمتي، ومن غير آية من كتابي فقد افترىٰ علي، ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسىٰ عبدي وحبيبي، وخيرتي في علي، وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة، وأمتحنه بالاضطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر، يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلىٰ جنب شر خلقي، حق القول مني لأسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، فهو معدن علمي وموضع سري، وحجتي علىٰ خلقي، لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري والشاهد في خلقي وأميني علىٰ وحيي، أخرج منه الداعي إلىٰ سبيلي والخازن لعلمي الحسن، وأكمل ذلك بابنه «م ح م د» رحمة للعالمين، عليه كمال موسىٰ وبهاء عيسىٰ وصبر أيوب، فيذل أوليائي في زمانه، وتتهادىٰ رؤوسهم كما تتهادىٰ رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون، ويكونون خائفين مرعوبين، وجلين تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنة في نسائهم، أولئك أوليائي حقًّا، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل وأدفع الآصار والأغلال، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون». قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك، فصنه إلا عن أهله.

كتاب جبريل المختوم:

خرج الكليني بطريقة جديدة في الافتراء علىٰ الله Q عندما ذكر روايات تفيد أن جبريل نزل علىٰ محمد - عليهما السلام - بكتاب مختوم، كل إمام يفك خاتمًا، وينفذ ما بالجزء الذي يخصه من الكتاب.

يقول الشيخ السالوس: 

هذا الافتراء لا يقل ضلالًا عن القول بتحريف القرآن الكريم، فالقرآن الكريم نزل مشافهة، والكليني - وقد أعظم الفرية - يزعم أن تعيين أئمة الجعفرية الاثني عشرية نزل مكتوبًا بخط إلهي، فتضييع الأمر الإلهي المكتوب بخط الله تعالىٰ لا يقل عن تضييع الأمر الإلهي غير المكتوب، والأمة التي تضيع أمرًا مكتوبًا غير أمينة علىٰ نقل أمر غير مكتوب، ومن هنا يتضح هدف الكليني وهو تقويض البناء الإسلامي من أساسه.

الأدعية المأثورة:

في الأدعية المأثورة روىٰ الثلاثة فيما يقال عند زيارة قبر أمير المؤمنين: «السلام عليك يا ولي الله، أنت أول مظلوم، وأول من غصب حقه... جئتك عارفًا بحقك، مستبصرًا بشأنك، معاديًا لأعدائك ومن ظلمك... لعن الله من خالفك، ولعن الله من افترىٰ عليك وظلمك، ولعن الله من غصبك، ولعن الله من بلغه بذلك فرضي به، أنا إلىٰ الله منهم بريء، لعن الله أمة خالفتك وأمة جحدتك وجحدت ولايتك، وأمة تظاهرت عليك، وأمة قتلتك، وأمة حادت عنك وخذلتك، الحمد لله الذي جعل النار مثواهم وبئس الورد المورود، وبئس ورد الواردين، وبئس الدرك المدرك، اللهم العن قتلة أنبيائك، وقتلة أوصياء أنبيائك بجميع لعناتك، وأصلهم حر نارك، اللهم العن الجوابيت والطواغيت والفراعنة واللات والعزىٰ والجبت وكل ند يدعىٰ من دون الله، وكل مفتر، اللهم العنهم وأشياعهم وأتباعهم وأولياءهم وأعوانهم ومحبيهم لعنًا كثيرًا، أشهد أنك جنب الله، وأنك باب الله، وأنك وجه الله الذي يؤتىٰ منه، وأنك سبيل الله، أشهد أن من قاتلكم وحاربكم مشركون، ومن رد عليكم في أسفل درك من الجحيم».

استشهادات من تفاسيرهم:

1- تفسير الحسن العسكري: 

اتهام الشيخين والصحابة بالنفاق والكذب والكفر!!:

جعل الآيات متصلة ببيعة الصحابة للإمام علي، واتهم الصحابة الأكرمين - وفي مقدمتهم الصديق والفاروق - بالنفاق والكذب والكفر!! فعند الحديث عن قوله تعالىٰ: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾ [البقرة: 9] يقول: «قال الله Q لمحمد: ﴿ﭸ ﭹ﴾: يعني يخادعون رسول الله بائتمان خلاف ما في جوانحهم، والذين آمنوا كذلك أيضًا، الذين سيدهم وفاضلهم علي بن أبي طالب. ثم قال: ﴿ ﭼ ﭽ﴾ ما يضرون من تلك الخديعة إلا أنفسهم، فإن الله غني عنهم وعن نصرتهم، ولولا إمهاله لهم لما قدروا علىٰ شيء من فجورهم وطغيانهم، وما يشعرون أن الأمر كذلك، وأن الله يطلع نبيه علىٰ نفاقهم وكذبهم وكفرهم، ويأمره بلعنهم في لعنة الظالمين الناكثين، وذلك اللعن لا يفارقهم في الدنيا، ويلعنهم خيار عباد الله، وفي الآخرة يبتلون بشدائد عقاب الله»( ).

زعمه بأن الصحابة لا يؤمنون بأي دين!!:

يرىٰ بأن هؤلاء الصحابة - رضوان الله تعالىٰ عنهم - لا يؤمنون بأي دين!! فمثلًا عند الحديث عن قوله تعالىٰ: ﴿ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾ [البقرة: 11 - 12] يقول: «قال العالم موسىٰ بن جعفر: إذا قيل لهؤلاء الناكثين للبيعة في يوم الغدير: لا تفسدوا في الأرض بإظهار نكث البيعة بعباد الله المستضعفين، فتشوشون عليهم دينهم، وتحيرونهم في مذاهبهم؛ قالوا: إنما نحن مصلحون؛ لأنا لا نعتقد دين محمد ولا غير دين محمد.

2- تفسير القمي: 

الطعن في الصحابة: 

يطعن في الصحابة الأكرمين، ويتهمهم بالكفر والنفاق والإشراك؛ ليصل إلىٰ القول بالتحريف، وإسقاط أسماء الأئمة، واغتصاب الخلافة!.

في سورة «المائدة» الآية السابعة: ﴿ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ﴾ [المائدة: 7].

يقول القمي: «لما أخذ رسول الله ﷺ الميثاق عليهم بالولاية قالوا: سمعنا وأطعنا، ثم نقضوا ميثاقهم». ثم يقول عن قوله تعالىٰ: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ﴾ [المائدة: 13] يعني: نقض عهد أمير المؤمنين، والآية السابقة لها هي: ﴿ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ …﴾ [المائدة: 12] فجعلها القمي لولاية الإمام علي، وجعل اللعن للصحابة الأبرار بأنهم نقضوا عهد أمير المؤمنين.

وفي سورة «القصص»: ﴿ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ﴾ [من أول السورة إلىٰ الآية السادسة]، وهذه الآيات الكريمة بالنص تتحدث عن موسىٰ وفرعون ﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾.

القمي يقول عن فرعون وهامان وجنودهما: «هم الذين غصبوا آل محمد حقهم» وقوله: ﴿ﯙ﴾ «أي: من آل محمد» ﴿ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ «أي: من القتل والعذاب، ولو كانت هذه الآية نزلت في موسىٰ وفرعون لقال: ونري فرعون وهامان وجنودهما منه ما كانوا يحذرون، أي: من موسىٰ، ولم يقل منهم». ومعلوم أن ضمير الجمع كضمائر الجمع السابقة تعود علىٰ قوم موسىٰ لا عليه هو.

وفي سورة «الزمر»: ﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ﴾ [الزمر: 73].

يقول: «أي: طابت مواليدكم؛ لأنه لا يدخل الجنة إلا طيب المولد: قال أمير المؤمنين: إن فلانًا وفلانًا غصبوا حقنا واشتروا به الإماء، وتزوجوا به النساء، ألا وإن قد جعلنا شيعتنا من ذلك في حل لتطيب مواليدهم»( ).

تحالف الصحابة مع إبليس: 

- في سورة «سبإ» الآية 20: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ﴾.

قال: لما أمر الله نبيه أن ينصب أمير المؤمنين للناس في قوله: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن ربِّكَ في علي» «في علي» زيادة من تحريفهم، وقد ضمت الرواية إلىٰ التحريف اتفاقَ الصحابة الكرام مع إبليس علىٰ نقض البيعة» بغدير خم عندما قال النبي  ﷺ: «من كنت مولاه فعلي مولاه» - فجاءت الأبالسة إلىٰ إبليس الأكبر، وحثوا التراب علىٰ رءوسهم، فقال لهم إبليس: ما لكم؟ فقالوا: إن هذا الرجل قد عقد اليوم عقدة لا يحلها شيء إلىٰ يوم القيامة. فقال لهم إبليس: كلا، إن الذين حوله قد وعدوني فيه عدة لن يخلفوني؛ فأنزل الله علىٰ رسوله: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ﴾ الآية.

البيعة يوم الغدير: 

وعن البيعة أيضًا عند قوله تعالىٰ: ﴿ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾ [القيامة: 31]، وهي و«سبأ» مكيتان، وموقف الغدير بلا خلاف حتىٰ بين الشيعة أنفسهم كان بعد حجة الوداع.

يقول: كان سبب نزولها أن رسول الله ﷺ دعا إلىٰ بيعة علي يوم غدير خم، فلما بلغ الناس وأخبرهم في علي ما أراد الله أن يخبره رجعوا الناس، فاتكأ معاوية علىٰ المغيرة بن شعبة وأبي موسىٰ الأشعري، ثم أقبل يتمطىٰ نحو أهله ويقول: ما نقر لعلي بالولاية أبدًا، ولا نصدق محمدًا مقالته... فصعد رسول الله المنبر وهو يريد البراءة منه، فأنزل الله: ﴿ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ﴾ [القيامة: 16] - وهي تتحدث عن القرآن الكريم، فالآيات التالية لها هي: ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ﴾ [2: 397] - فسكت رسول الله ﷺ ولم يسمه.

مصير من غصبوا الولاية: 

وفي قوله تعالىٰ: ﴿ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴾ [المجادلة: 18].

قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الذين غصبوا آل محمد حقهم، فيعرض عليهم أعمالهم، فيحلفون به أنهم لم يعملوا فيها شيئًا كما حلفوا لرسول الله ﷺ في الدنيا أن لا يردوا الولاية في بني هاشم، وحين هموا بقتل رسول الله ﷺ في العقبة!! فلما أطلع الله نبيه وأخبره حلفوا له أنهم لم يقولوا ذلك، ولم يهموا به، حتىٰ أنزل الله علىٰ رسوله: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [التوبة: 74].

القائم يطالب بدم الحسين: 

وفي سورة «الحج» (الآية: 39): ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾.

قال: إن العامة – أي: جمهور المسلمين - يقولون نزلت في رسول الله ﷺ لما أخرجته قريش من مكة، وإنما هي للقائم إذا خرج يطالب بدم الحسين!!

حادث الإفك اتهام لأم المؤمنين لا تبرئة إلهية لها!!:

قام القمي بإفك جديد، فجعل من الحديث عن الإفك اتهامًا للسيدة عائشة لا تبرئة لها!! فعند قوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ﴾ [النور: 11] سورة «النور» الآية.

قال: «فإن العامة رووا أنها نزلت في عائشة، وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة، وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية، وما رمتها به بعض النساء المنافقات». ثم ذكر رواية عن الإمام أبي جعفر أنه قال: «لما مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ، حزن عليه حزنًا شديدًا، فقالت منافقة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جريج! فبعث رسول الله ﷺ عليًّا وأمره بقتله».

وفي سورة «الحجرات» ذكر قصة اتهام فلانة لمارية، وأمر الرسول ﷺ عليًّا بأن يقتل جريجًا، وأن هذا كان سبب نزول قوله تعالىٰ: ﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ﴾ [الحجرات: 6] الآية، وفي سورة «التحريم» قال عن كلمة «أبكارًا» التي جاءت في ختام الآية الخامسة: «عرض عائشة؛ لأنه لم يتزوج ببكر غير عائشة».

وبعد هذا في نفس الصفحة ورد ما يأتي: «ثم ضرب الله مثلًا فقال: ﴿ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾ [التحريم: 10] «التحريم»، فقال: والله ما عني بقوله فخانتاهما إلا الفاحشة، وليقيمن الحد علىٰ فلانة فيما أتت في طريق … وكان فلان يحبها، فلما أرادت أن تخرج إلىٰ … قال لها فلان: لا يحل لك أن تخرجي من غير محرم، فزوجت نفسها من فلان». وإذا كان القمي ذكر بأن الخاصة – أي: الشيعة - رووا أن فلانة - وهي إحدىٰ المنافقات - جاءت بالإفك، ولم يصرح باسمها، فإن غيره من الجعفرية قد صرح باسمها وقال بأنها عائشة، وضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط يعتبره الجعفرية تعريضًا بالسيدتين عائشة وحفصة من أمهات المؤمنين، بل يعتبره بعضهم تصريحًا لكفرهما، قال المجلسي: «لا يخفىٰ علىٰ الناقد البصير والفطن الخبير ما في تلك الآيات من التعريض بل التصريح بنفاق عائشة وحفصة وكفرهما»!( ). والقمي هنا يؤكد أن الخيانة المرادة هي الفاحشة، ثم مهد لإلصاقها بمن برأها الله تعالىٰ!

3 - تفسير العياشي: 

الطعن في الصحابة الكرام: 

.. يقول بأن الخلفاء الراشدين الثلاثة وغيرهم من خيرة الصحابة كفروا في حياة الرسول ﷺ، يرىٰ ويروي أن الصحابة الكرام جميعًا ارتدوا عن الإسلام بعد الرسول ﷺ إلا ثلاثة هم: المقداد وأبو ذر وسلمان الفارسي( ). و«تفسيره» مملوء محشو بالطعن في الصحابة وتكفيرهم، يروي عن جابر قال: سألت أبا عبد الله ﷺ عن قول الله: ﴿ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [البقرة: 165] قال: فقال: هم أولياء فلان وفلان... يقصد الخلفاء الراشدين الثلاثة، ومن بايعهم، اتخذوهم أئمة من دون الإمام الذي جعل الله للناس.

4- تفسير الصافي:

من أحاديثه عن الصحابة رضوان الله تعالىٰ عنهم أنهم كانوا أهل ردة بعد رسول الله ﷺ إلا ثلاثة؛ هم: المقداد وأبو ذر وسلمان الفارسي وأن أربعة اجتمعوا علىٰ قتل رسول الله ﷺ بالسم، هم: أبو بكر وعمر وابنتاهما عائشة وحفصة!!

وفي أول سورة «البقرة»: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [البقرة: 1-2] ينقل عن العياشي عن الإمام الصادق أنه قال: «كتاب علي لا ريب فيه»، ويعقب علىٰ هذا بقوله: «ذاك تفسيره، وهذا تأويله، وإضافته الكتاب إلىٰ علي بيانية، يعني: أن ذلك إشارة إلىٰ علي، والمعنىٰ: أن ذاك الكتاب الذي هو علي لا مرية فيه». ثم يفسر المتقين بأنهم الشيعة، ويقول: «وإنما خص المتقين بالاهتداء به؛ لأنهم المنتفعون به»، ومن رده يظهر اعتقاده بأن عندهم قرآنًا غير القرآن الكريم الذي بأيدي المسلمين، وأن ما بين الدفتين هو المحرف، وأما قرآنهم فليس بمحرف!!

والعجيب أن هذا المتظاهر بالإسلام وحب آل البيت - بدلًا من أن يستباح دمه وتحرق كتبه - نراه احتل مكانًا عاليًا عند كثير من الشيعة الاثني عشرية! و«تفسيره» مطبوع ومنتشر في الوسط الشيعي!( )، وعند قوله تعالىٰ: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾ [البقرة: 8] يقول: «كابن أبي وأصحابه، وكالأول والثاني وأضرابهما من المنافقين، الذين زادوا علىٰ الكفر الموجب للختم والغشاوة والنفاق، ولا سيما عند نصب أمير المؤمنين للخلافة والإمامة». وفي «تفسيره» لسورة «القدر» يتفق مع القمي وينقل عنه، بل يزيد عنه بأن وجود القرآن متعلق بوجود الإمام!! وكلامه بالنص بعد أن ذكر رواية عن الإمام أبي عبد الله بأنه لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن: «وذلك لأن في ليلة القدر ينزل كل سنة من تبيين القرآن وتفسيره ما يتعلق بأمور تلك السُّنة إلىٰ صاحب الأمر، فلو لم تكن ليلة القدر لم ينزل من أحكام القرآن ما لا بد منه في القضايا المتجددة، وإنما لم ينزل ذلك إذا لم تكن من ينزل عليه، وإذا لم يكن من ينزل عليه لم يكن قرآنًا؛ لأنهما متصاحبان لن يفترقا حتىٰ يردا علىٰ رسول الله ﷺ حوضه كما ورد في الحديث المتفق عليه».

ومما رواه القمي عند زيارة قبر الحسين: 

«بكم تنبت الأرض أشجارها، وبكم تخرج الأشجار أثمارها، وبكم تنزل السماء قطرها، وبكم يكشف الله الكرب، وبكم ينزل الله الغيث، وبكم تسبح الأرض التي تحمل أبدانكم، لعنت أمة قتلتكم، وأمة خالفتكم، وأمة جحدت ولايتكم، وأمة ظاهرت عليكم، وأمة شهدت ولم تنصركم، الحمد لله الذي جعل النار مأواهم وبئس الورد المورود».

مثال هذا ما رواه الكليني، عن الحارث، عن أبي جعفر، قال: «كنت دخلت مع أبي الكعبة، فصلىٰ علىٰ الرخامة الحمراء بين العمودين، فقال: بهذا الموضع تعاقد القوم إن مات رسول الله ﷺ أو قتل ألا يردوا هذا الأمر في أحد من أهل بيته أبدًا. قال: قلت: ومن كان؟ قال: كان الأول والثاني وأبو عبيدة بن الجراح وسالم بن الحبيبة. وما رواه أيضًا عن حسان الجمال، قال: حملت أبا عبد الله من المدينة إلىٰ مكة، فلما انتهينا إلىٰ مسجد الغدير نظر إلىٰ ميسرة المسجد فقال: ذلك موضع قدم رسول الله ﷺ حيث قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه». ثم نظر إلىٰ الجانب الآخر فقال: ذلك موضع فسطاط أبي فلان وفلان وسالم مولىٰ أبي حذيفة وأبي عبيدة الجراح، فلما رأوه رافعًا يديه قال بعضهم: انظروا إلىٰ عينيه تدور كأنهما عينا مجنون، فنزل جبرئيل بهذه الآية: ﴿ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ﴾ [القلم: 51، 52].

الخلاصة... غلو وكفر وضلال!!:

مزيد من التأثر بالغلو في عقيدة الإمامة، ومزيد من الكفر والضلال والزندقة، وإذا كان هؤلاء أعداء الإسلام الذين أرادوا هدمه من الداخل كما يتضح بجلاء من كتبهم وآرائهم ومعتقداتهم، فمن الواضح البين أنهم اتخذوا شعار حب آل البيت الأطهار ستارًا لهدفهم وعدائهم، ومن اللازم الذي لا ينفك أبدًا أن عداءهم للإسلام وأهله يستتبع عداءهم لآل البيت الأطهار، وهذا العداء يظهر من وقت لآخر من حيث أرادوا كتمانه.

انظر مثلًا إلىٰ زواج عمر بن الخطاب ابنة علي بن أبي طالب رضي الله تعالىٰ عنهم، وما سبق من قولهم: «ذاك فرج غصبناه»، وقولهم: إن عليًّا وافق خوفًا من تهديد عمر! إن أمة الإسلام تعرف عليًّا الشجاع المقدام الذي لا يخشىٰ أحدًا إلا الله Q، والرافضة يصورونه هنا جبانًا ذليلًا مهانًا!! وانظر إلىٰ عثمان بن عفان ذي النورين، وزواجه من ابنتي الرسول ﷺ، فلم يراعِ الرافضة مكانتهما من أبيهما ﷺ، وأخذوا يتحدثون عنهما بعبارات ساقطة، بل شكوا في نسبهما، ثم انظر إلىٰ حب آل البيت الأطهار للخلفاء الراشدين الثلاثة رضي الله تعالىٰ عنهم: 

فهذا علي بن أبي طالب يختار أسماء الثلاثة لثلاثة من أبنائه، وهم أبو بكر الذي قتل بين يدي أخيه الحسين، وعمر، وعثمان الذي قتل أيضًا مع أخيه الحسين. ومن أحفاد علي بن أبي طالب: أبو بكر بن الحسن الذي قتل بين يدي عمه الحسين، وعمر بن الحسن الذي قتل كذلك مع أخيه وعمه الحسين، وعمر بن الحسين الذي قتل بين يدي أبيه( ).

مفهوم السُّنة لديهم:

قال أحد علمائهم المعاصرين: «السُّنة في اصطلاح الفقهاء: قول النبي أو فعله أو تقريره» ثم قال: «أما فقهاء الإمامية بالخصوص؛ فلما ثبت لديهم أن المعصوم من آل البيت يجري قوله مجرىٰ قول النبي، من كونه حجة علىٰ العباد واجب الاتباع؛ فقد توسعوا في اصطلاح السُّنة إلىٰ ما يشمل قول كل واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره، فكانت السُّنة باصطلاحهم: قول المعصوم أو فعله أو تقريره. والسر في ذلك أن الأئمة من آل البيت - عليهم السلام - ليسوا هم من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه، ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية؛ بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالىٰ علىٰ لسان النبي لتبليغ الأحكام الواقعية، فلا يحكون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالىٰ كما هي، وذلك من طريق الإلهام كالنبي من طريق الوحي أو من طريق التلقي من المعصوم قبله كما قال مولانا أمير المؤمنين >: علمني رسول الله ﷺ ألف باب من العلم، ينفتح لي من كل باب ألف باب. وعليه فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السُّنة وحكايتها، ولا من نوع الاجتهاد في الرأي والاستنباط من مصادر التشريع، بل هم أنفسهم مصدر للتشريع، فقولهم (سنة) لا حكاية السُّنة».

وأنكروا وجود سنة يتصل سندها إلىٰ الرسول ﷺ، وقالوا: إن أقصىٰ اتصال الأسانيد ينقطع ويتوقف عند نهاية القرن الأول. ومعنىٰ ذلك أن السُّنة بحسب زعمهم تعتبر اختراعًا من اختراعات المسلمين المتأخرين... أرادوا أن يثبتوا أحكامًا فنسبوها للرسول ﷺ. ثم لم ينسوا أن يطعنوا فيمن كان له دور كبير في السُّنة... طعنوا في أبي هريرة الصحابي الجليل >، الذي روىٰ عنه أكثر من ثمانمائة من الصحابة والتابعين، وهو كما قال الشافعي: «أثبت من روىٰ الحديث في دهره». وطعنوا في ابن شهاب الزهري، الإمام الحجة الثبت، أول من استجاب لعمر بن

عبد العزيز في جمع السُّنة... وطعنوا في غيرهم من خير جيل عرفته البشرية!!



الفصل السادس

الجرح والتعديل لدى الشيعة الإمامية

وضعت كتبهم لتأييد عقيدتهم:

طعنت كتب الرجال عندهم في خير جيل عرفته البشرية، وجرحت صحابة الرسول ﷺ، ولم يسلم من الطعن إلا من اشتهر في التاريخ بولائه لعلي بن أبي طالب... وقولهم بعصمة الأئمة جعلهم لا ينظرون إليهم علىٰ أنهم رواة ثقات، بل جعلوهم مصدرًا للتشريع، فأقوالهم سنة واجبة الاتباع كسنة رسول الله ﷺ، دون أدنىٰ فرق!!

يقولون: إن أصول كتب الرجال خمسة هي: رجال البرقي، ورجال الكشي، ورجال الشيخ الطوسي، وفهرسته، ورجال النجاشي.

وقد رجع إلىٰ هذه الأصول وغيرها عبد الله المامقاني في كتابه «تنقيح المقال في علم الرجال». والمؤلف يلقبونه بالعلامة الثاني آية الله، فتوصل إلىٰ أن: 

علىٰ بن أبي طالب: أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام، مناقبه وفضائله لا يسع البشرَ عدها وإحصاؤها، قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي. وقد ورد أنه لو كان البحر مدادًا، والأشجار أقلامًا، وأوراق الأشجار قرطاسًا، والجن والإنس كتابًا؛ لما أحصوا مناقبه!!( ).

محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة: جليل القدر، عظيم المنزلة، من خواص علي > وحوارييه. أتته النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس لا من قبل أبيه. من أنجب النجباء، من أهل بيت سوء، بايع أمير المؤمنين علىٰ البراءة من أبيه، ومن الخليفة الثاني، وقال له: أشهد أنك إمام مفترض الطاعة، وأن أبي في النار... إلخ( ).

عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي خليفة العامة: بالغت العامة في مدحه، ومن لاحظ ترجمته المتفرقة وأمعن النظر فيها لم يعتمد علىٰ خبره... إلخ (2/ 201).

عبد الله بن عمرو بن العاص: كان كأبيه في الرأي والنفاق، والكذب علىٰ الله ورسوله، والخروج مع معاوية بصفين، وكفىٰ بذلك جرحًا... إلخ( )!

عبد الرحمن بن عوف: في ترجمته اتهام له ولذي النورين عثمان بن عفان، رضي الله تعالىٰ عنهما، وفي نهاية الترجمة قال: لا أعتمد علىٰ روايته؛ لأن من خان في الأصول لا يوثق به في الفروع( ).

أنس بن مالك: جاء في ترجمته أنه كان من المنحرفين عن علي >، الكاتمين لمناقبه حبًّا للدنيا، فدعا عليه بالعمىٰ فكُفَّ بصره، وأنه كان يكذب علىٰ رسول الله ﷺ.

النعمان بن بشير: كان منحرفًا عن علي >، وعدوًّا له، فزندقته لا شك فيها... إلخ( ).

معاذ بن جبل: في ترجمته أنه مالأ عدو الله أبا بكر وعمر، علىٰ ولي الله علي بن أبي طالب، والبشرىٰ بالنار له ولأبي بكر، وعمر، وأبي عبيدة، وسالم، وأن الصحابة هلكوا بعد رسول الله ﷺ إلا أربعة... إلىٰ غير ذلك مما لا يصدر إلا عن الكفار والضالين( ).

خالد بن الوليد: تعاقد مع أبي بكر علىٰ قتل علي >، ثم ندم أبو بكر خوفًا من الفتنة، سماه العامة سيف الله، والأحق تسميته سيف الشيطان... زنديق، كفره أشهر من كفر إبليس في العداوة لأهل البيت... إلخ( ).

 خالد بن الوليد ومالك بن نويرة!!

انظر أكاذيب وأباطيل الرافضة في ترجمته (1 /154): قالوا: قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة وأخذ زوجته فوطئها من ليلته من غير استبراء، واعترض عمر علىٰ فعلة خالد، وطلب من أبي بكر إقامة الحد فرفض أبو بكر، وقال: لا أغمد سيفًا سله الله علىٰ المشركين... زيف الرافضة هذه القصة، كما زيفوا الكثير من حوادث التاريخ، وشوهوا الإسلام بتشويه حملة رسالته؛ لأن قبيلة مالك بن نويرة قد أظهرت السرور بموت النبي ﷺ، وثبت لأبي بكر أنهم ضربوا الدفوف، وشتموا أهل الإسلام.

اختلفت الروايات في عرضها لقضية مالك بن نويرة: 

كان مالك قد قدم علىٰ رسول الله ﷺ فيمن قدم من أمثاله من العرب، فولاه صدقات قومه من بني يربوع، فلما مات النبي ﷺ امتنع عن دفع الزكاة وفرق ما في يده من إبل الصدقة، وتجاهل نصائح أقرانه في القبيلة بعدم الإقدام علىٰ هذا التصرف، وعندما علم بزحف خالد باتجاه البطاح، هاله الأمر وأدرك أنه عاجز عن مواجهة المسلمين ميدانيًّا، فأمر أتباعه بالتفرق ونهاهم عن الاجتماع والمقاومة، وتوقف عند هذا الحد فلم يخرج للقاء خالد وإعلان توبته وعودته إلىٰ الإسلام، ويبدو أنه لم يكن بوسعه أن يحمل نفسه علىٰ مسيرة عدها مذلة لكبريائه.

في رواية سيف التي أوردها الطبري (جـ3/ صـ277): إذ عندما وصل خالد إلىٰ البطاح بث سراياه وأمرهم بدعاية الإسلام علىٰ أن يأتوه بكل من لم يجب، وإن امتنع أن يقتلوه تنفيذًا لوصية أبي بكر، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة مع نفر من أصحابه من بني يربوع، فاختلف أفراد السرية فيهم، فشهدت فئة منهم بأنهم أذنوا وأقاموا وصلوا وأقروا بالزكاة، وكان من بينهم قتادة الأنصاري، في حين شهدت فئة أخرىٰ بأنهم استمروا علىٰ ردتهم، فلما وقع الاختلاف أمر خالد بسجنهم حتىٰ الصباح ليحكم في الأمر، وكانت ليلة باردة تزداد بردًا كلما مضىٰ شطر من الليل، فأخذت خالد الشفقة عليهم، فأمر مناديًا «أدفئوا أسراكم»، وكان معنىٰ العبارة في لغة كنانة القتل، ولما كان الحرس من هؤلاء قتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكًا وسمع خالد الضجة، فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرًا أصابه».

وفي رواية أخرىٰ: أنه عندما جاءت السرية بمالك حاوره خالد في موقفه من الإسلام، فقال مالك: أتقتلني وأنا مسلم أصلي إلىٰ القبلة؟ فقال خالد: لو كنت مسلمًا لما منعت الزكاة ولا أمرت قومك بمنعها، والله ما نلت ما في مثابتك حتىٰ أقتلك... وفي رواية أنه قال: أنا آتي بالصلاة دون الزكاة، فقال له خالد: أما علمت أن الصلاة والزكاة معًا لا تقبل واحدة دون الأخرىٰ؟ فقال مالك: قد كان صاحبكم يقول ذلك. قال خالد: أو ما تراه لك صاحبًا؟! والله لقد هممت أن أضرب عنقك، ثم تجادلا في الكلام، فقال خالد: إني قاتلك، فقال له: أو بذلك أمرك صاحبك؟ قال خالد: هذه بعد تلك. وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري حاضرين، فكلما خالد في أمره، فكره كلامهما، فقال مالك: يا خالد ابعثنا إلىٰ أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا. فقال خالد: لا أقالني الله إن أقلتك، وتقدم إليه ضرار بن الأزور فضرب عنقه( ).

من الواضح أن مالكًا قد امتنع عن دفع الزكاة، كما أن كلامه بحق النبي ﷺ لا يصدر عن شخص مخلص في إسلامه، وهنا يكون حكمه حكم المرتد المعاند، وأن تصريحاته الاستفزازية لم تدع مجالًا لخالد لخيار آخر سوىٰ القتل، ومن هنًا أيضًا استقىٰ خالد حجته عليه بعد أن كشف نواياه إلىٰ لا تخرج عن قلب سليم الإيمان، ومع ذلك فإن خالدًا لم يتسرع في إصدار الحكم عليه، وجادله عله يتمكن من إقناعه بالعودة عن ردته، إلا أنه أصر علىٰ موقفه، فلم يبق في نفس خالد موضعًا للشك في ردته، فعقد العزم علىٰ قتله، ورفض أن يرسله إلىٰ أبي بكر كما أرسل غيره، ولم يكن مالك بأقل قدرًا منهم إلا أنه كان أعظم إثمًا... لذلك فالراجح أن مالكًا لم يكن مسلمًا وقت القتل، كما أن خالدًا ومن معه من الصحابة الذين وافقوه علىٰ قتل مالك لا يصدرون أحكامهم عن هوىٰ، وأنهم إن أخطئوا فقد تأولوا( ).

وتتحدث الرويات التاريخية أن عمر بن الخطاب لما بلغه مقتل مالك وأصحابه، قال لأبي بكر: إن في سيف خالد رهقًا - أي النزوع إلىٰ العنف - فإن لم يكن هذا حقًّا، حق عليه أن تقيده. وأكثر عليه في ذلك، فأجابه أبو بكر: «هيه يا عمر، تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد»، وأضاف: «لم أكن لأشيم سيفًا سله الله علىٰ الكافرين»، وكتب إلىٰ خالد أن يقدم عليه ففعل. «الطبري».

وثمة مشهد حدث في المسجد، حيث يظهر خالد عند أبي بكر قادمًا من أرض بني تميم، فيدخل المدينة مصحوبًا بكل علائم الحرب، ويلتقي بعمر بن الخطاب في مسجد النبي ﷺ، فيرميه عمر بتهمة يلقي بها في وجهه: «قتلت امرأ مسلمًا ثم نزوت علىٰ امرأته؟! والله لأرجمنك بأحجارك» فلم يكلمه خالد، ومضىٰ في اضطراب بالغ إلىٰ أبي بكر وهو يظن أن رأيه مثل رأي عمر... وجرىٰ حوار بين الرجلين اعتذر في نهايته خالد أمام أبي بكر، فعذره وتجاوز عنه، لكنه عنفه في التزويج الذي كانت العرب تجمع علىٰ كراهته أيام الحرب، وأمره أن يفارق امرأة مالك، فخرج خالد وعمر جالس في المسجد، فعرف أن أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلمه ودخل بيته»( ).

لم تذكر هذه الرواية لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ رأيًا في هذه القضية سوىٰ أبي بكر وعمر، ولا سيما أنها تتعلق بتصرف أكبر قادة المسلمين الذي إذا صح ما نسب إلىٰ عمر في اتهامه لخالد؛ لكان جزاء هذا القائد في الشريعة الإسلامية القتل، ولا يحق للخليفة تعطيل أحكام الدين، أما بقاء المتهم في صدارة الدولة فهذا يتناقض مع ما عرف عن الصحابة من شدة تحريهم والبحث عن الحقيقة( ).

عندما تولىٰ عمر بن الخطاب الخلافة بعد أبي بكر، وكان رجلًا قوامًا علىٰ حدود الله، جريئًا في الحق، وكان خالد يومئذ أميرًا علىٰ عامة جيوش المسلمين في بلاد الشام، لم يرجمه عمر بأحجاره كما توعده، ولم يقتله قصاصًا بمالك وأصحابه، أما عزله عن الإمارة لم تكن قضية مالك بن نويرة سببًا من أسبابها علىٰ وجه اليقين( ).

وتتباين المصادر أيضًا في وضع أرملة مالك بن نويرة، هل تزوج خالد أم تميم ابنة المنهال، أم اتخذها محظية فحسب؟ وهل عاشرها فورًا أم بعد انتهاء عدتها، وكيف تطورت العلاقة بينهما بعد ذلك؟

يروي الطبري: «وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طهرها، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره».

وثمة رواية أخرىٰ: «وقبض خالد امرأته - امرأة مالك – فقيل: اشتراها من الفيء وتزوج بها، وقيل: إنها اعتدت بثلاث حيض ثم خطبها إلىٰ نفسه فأجابته» فطلب من ابن عمر وأبي قتادة أن يحضرا النكاح فأبيا( ).

ويرىٰ آخرون أنه من المستبعد أن يضع خالد نفسه في موقف دقيق من الوجهة الشرعية، والراجح أن تكون الروايات عن زواج مع الإشارات المؤيدة لها إلىٰ انتظار مدة الطهر.

لماذا عزل عمر خالد عن قيادة الجيوش؟

تتباين روايات المصادر حول سبب عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد عن إمارة جيوش المسلمين في بلاد الشام: 

روىٰ الطبري عن ابن إسحاق: «إنما نزع عمر خالدًا في كلام كان خالد قد تكلم به - فيما يزعمون - ولم يزل عليه ساخطًا ولأمره كارهًا في زمان أبي بكر كله لوقعته بابن نويرة، وما كان يعمل به في حربه، فلما استخلف عمر كان أول ما تكلم به عزله، فقال: لا يلي لي عملًا أبدًا، وكتب عمر لأبي عبيدة يقول: إِنْ خالد أكذب نفسه فهو أمير علىٰ ما هو عليه، وإن لم يكذب نفسه فأنت الأمير علىٰ ما هو عليه..»( ).

وفي روايات متعددة: «لما ولي عمر قال: لأعزلن خالدًا حتىٰ يعلم أن الله ينصر دينه»( )، وقال: «إني لم أعزله والمثنىٰ عن ريبة، ولكن الناس عظموهما فخشيت أن يوكلوا إليهما»، وفي رواية: «إنما عزلتهما ليعلم الناس أن الله نصر الدين لا بنصرهما، وأن القوة لله جميعًا».

ويبدو أن السبب هو قلق عمر من تعلق الناس بشخص خالد...

وفي رواية: «اعتذر عمر إلىٰ الناس في الجابية عن عزل خالد، فقال: «أمرته أن يحبس هذا المال علىٰ ضعفة المهاجرين، فأعطاه ذا البأس والشرف واللسان، فنزعته وأمرت أبا عبيدة»( ).

وتجري رواية أنه قال: «ما كرهت ولاية خالد علىٰ المسلمين إلا أن خالد فيه تبذير للمال ويعطي الشاعر إذا مدحه، ويعطي للمجد والفارس بين يديه فوق ما يستحقه من حقه، ولا يبقي لفقراء المسلمين ولا لضعفائهم شيئًا، وإني أريد عزله وولاية أبي عبيدة مكانه»( ).

وفي حوار جرىٰ بين عمر وعلي بن أبي طالب ينتقد فيه الثاني الأول بسبب عزله خالدًا، فيدافع عمر عن نفسه قائلًا: إن خالدًا أبىٰ أن يعده بالكف عن صنوف عناده»( ).

يعقب د. محمد سهيل قطوش، علىٰ هذه الروايات فيقول: 

تبدو هذه الأسباب مبنية علىٰ عداوة قديمة واتهامات شخصية واهية، ولا تثبت أمام النقد البناء، ثم إن قضية عزل أقدر قادة المسلمين من منصبه لأسباب واهية لا يسعنا الأخذ بها، نظرًا لما اشتهر به عمر من عدالة ونزاهة وترفع عن الصغائر، وجرأة في قول الحق تنزهه عن الوقوع في حمأة الحقد والضغينة. وتتسم الروايات التي تذكر قلق عمر من تعلق الناس بشخص خالد بالأهمية، مما ينعكس سلبًا علىٰ إيمان المجتمع الإسلامي بفعل ما قد ينسبه الناس إليه من أسباب النصر، وفي هذه الحالة تغدو غيرة المسلمين علىٰ عقيدتهم وثباتهم عليها بعد وفاة النبي ﷺ موضعًا للتساؤل، والمعروف أن خالدًا لم يكن قد سجل كامل انتصاراته.

لا تتصل المآخذ التي أخذت علىٰ خالد فيما يتعلق بتوزيع الغنائم، بإثراء غير مشروع، وإنما نتيجة قراراته المتسمة بالعناد، سواء أكان ذلك عائدًا إلىٰ إخلاله بمبدإ المساواة أو لأنه خص الشخصيات المرموقة أو المقاتلين ذوي الشجاعة أنصبة أعلىٰ، أو لأنه تفرد باتخاذ قرارات مفصلية دون العودة إلىٰ المدينة، وتوحي الروايات أن الخليفة كان هو القائد العام للمسلمين، وهو يدير العمليات العسكرية من المدينة، بواسطة تبادل الرسائل مع قادته في ميادين القتال، وجاءت عملية العزل كمحاولة جدية لعمر كي ينهي المحلية السائدة في عمليات الفتوح، ولكي يحصر القرار والقيادة الفعلية في يد الخليفة...

يقول قطوش: لا يمكن الركون إلىٰ أي من هذه الدوافع المذكورة، وبخاصة إذا علمنا بأن عمر ترحم علىٰ خالد بعد وفاته وأثنىٰ عليه بكلمات تدل علىٰ الاعتذار، فقال: «رحم الله أبا سليمان، لقد كنا نظن به أمورًا ما كانت»( ) وقال أيضًا: رحم الله أبا سليمان، ما عند الله خير له مما كان فيه، ولقد مات سعيدًا وعاش حميدًا، ولكن رأيت الدهر ليس بقائل»( )، ويقول: تبقىٰ مسألة العزل قد تكون لها دوافعها الخاصة المتعلقة بمصلحة الأمة، وعزل قائد أو وال كان أمرًا طبيعيًّا آنذاك، ولم يكن تعيين أبي عبيدة إساءة إلىٰ خالد بمقدار ما كان محاولة من الخليفة للتأثير بنفسه علىٰ مجريات الأمور... أو لتغير الظروف السياسية من واقع تغير الحكام... أو لتغير الظروف العسكرية نتيجة توغل المسلمين في بلاد الشام وتنظيم عمليات الفتوح... ولذلك تنم عملية العزل عن براعة سياسية من عمر وبعد نظر، ولا يسعنا إلا الأخذ بهذا التبرير نظرًا لما اشتهر به عمر من صفات حميدة، وبتقديمه مصلحة الإسلام والمسلمين علىٰ مصالحه الشخصية، وقد ظلت مكانة خالد محفوظة من قبل عمر وأبي عبيدة، علىٰ الرغم من حادثة العزل، ففي الرسالة التي أرسلها عمر لأبي عبيدة عقب توليه الخلافة أوصاه باحتباس خالد إلىٰ جانبه»... فإنه لا غنىٰ بك عنه... «وكان أبو عبيدة يستشيره في كل أمر، بل كان يأخذ برأيه ويأتمر بأمره ويقول له: «قل ما علمك الله».

لا نعجب بعد هذا إذا طعنوا في أئمة المسلمين بعد الصحابة، مثل:

سفيان الثوري:

إذا كان هؤلاء القوم قد طعنوا وكفروا خير الناس بعد رسول الله ﷺ، وهم الصحابة الكرام، وخيرهم جميعًا الشيخان الصديق والفاروق، رضي الله تعالىٰ عنهم جميعًا، فلا عجب

- إذا كان الأمر قد انحط إلىٰ هذا الدرك الأسفل – من تجريحهم لمن بعدهم!!.. ففي ترجمة الإمام سفيان الثوري يذكرون أكاذيب ينسبونها إلىٰ الإمام الصادق افتراء علىٰ الله تعالىٰ وعلىٰ الصادق >، ثم يعقبون عليها بأمران: أحدهما: أن سفيان الثوري كذاب خبيث مدلس معاند يهودي، قد آثر دنياه علىٰ آخرته علىٰ علم منه بذلك بنص الصادق. والآخر: أن مذهب العامة - أي جمهور المسلمين - مبني علىٰ الأكاذيب!! من بدايته إلىٰ نهايته، أعاذنا الله تعالىٰ من ذلك، ولا جمع الله بيننا وبينهم في الدنيا ولا الآخرة( ).

هذه التراجم - مع قلتها - كافية لبيان منهج الرافضة في الجرح والتعديل، واجترائهم علىٰ الله Q، وعلىٰ رسوله ﷺ، وعلىٰ الصحابة الكرام، وعلىٰ أئمة المسلمين سواء أكانوا من أهل البيت الأطهار أم من غيرهم. وإذا جئنا إلىٰ التطبيق العملي فإنا نرىٰ هذا المنهج مطبقًا في كتبهم التي قال عنها الرافضي عبد الحسين: إنها مقدسة متواترة صحيحة. وما هي إلا هدم للإسلام أصوله وفروعه، وامتداد لمآرب عبد الله بن سبإ. مثل هذه التراجم توجد عند أبي القاسم الخوئي المرجع الأعلىٰ للشيعة في العراق، في كتابه «معجم رجال الحديث» مما يبين استمرار غلو الرافضة وزندقتهم حتىٰ عصرنا!! وماذا عن سبهم لأبي هريرة >؟!

تحاملوا علىٰ هذا الصحابي الجليل، وحرفوا حقائق تاريخه، وحرصوا علىٰ التشكيك في صدقه... أبو هريرة صحابي جليل... سيرته العطرة أفردها أكثر من عالم في كتاب أو أكثر، أوردها ابن عبد البر في «الاستيعاب»، وابن حجر في «الإصابة»، والنووي في «تهذيب الأسماء»... كان يسمىٰ في الجاهلية بعبد شمس بن صخر، فلما أسلم سماه الرسول ﷺ: عبد الرحمن، وهو من قبيلة دوس إحدىٰ قبائل اليمن، وأمه أميمة بنت صفيح بن الحارث، دوسية أيضًا... سبب تكنيته بأبي هريرة، علىٰ ما حكاه الترمذي، قال أبو هريرة: كنت أرعىٰ غنم أهلي، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها، فكنوني أبا هريرة... قال فيه الإمام ابن خزيمة «إنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمىٰ الله قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار». عاش أبو هريرة أكثر من ثلاثين سنة قبل إسلامه. ثم هداه الله Q وشرح صدره للإسلام في عام خيبر. والمعروف أن الرسول ﷺ صار إلىٰ خيبر في المحرم، وتم فتحها في صفر في العام السابع من الهجرة، وقد شهدها أبو هريرة وأسهم له الرسول ﷺ، ومعنىٰ هذا أن أبا هريرة > أسلم في بداية العام السابع. وقد عاش في الإسلام خمسين عامًا أو يزيد؛ لأنه مات سنة 59 هـ علىٰ الأشهر، وقيل: إنه مات قبل هذا بعام أو عامين. عندما أسلم لزم الرسول ﷺ ولم يفارقه مدة أربع سنوات إلا قليلًا، وساعد علىٰ هذه الملازمة أنه كان من أهل الصفة، ذلك المكان المظلل في مسجد الرسول ﷺ، الذي كان يعتبر أول مدرسة في المدينة المنورة، ومثوىٰ لفقراء المسلمين، وبارك الله Q لأبي هريرة في هذه الفترة الزمنية القصيرة التي صحب فيها رسول الله ﷺ، فحفظ الكثير من الحديث النبوي الشريف حتىٰ أصبح أشهر من لجأ إلىٰ الصفة وأعلم من تخرج في تلك المدرسة، بفضل دعاء الرسول ﷺ، وتفرغه وإخلاصه وجده في طلب العلم.

قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (4 / 208): «أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ، ثم لزمه وواظب عليه رغبة في العلم، راضيًا بشبع بطنه، فكانت يده مع يد رسول الله ﷺ، وكان يدور معه حيث دار، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار؛ لاشتغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم، فقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريص علىٰ العلم.

شهادة البخاري ومسلم في أبي هريرة >: 

روىٰ الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالىٰ عنه، قال: إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ص، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ص مثل حديث أبي هريرة؟ وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وكنت ألزم الرسول ﷺ علىٰ ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا. وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينًا من مساكين الصفة أعي حين ينسون؛ وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يحدثه: «إنه لن يبسط أحد ثوبه حتىٰ أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعىٰ ما أقول»، فبسطت نمرة علي، حتىٰ إذا قضىٰ رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلىٰ صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله ﷺ تلك من شيء. وفي رواية: فما نسيت شيئًا سمعته بعد.

ويعقب الحافظ ابن حجر علىٰ هذا الخبر فيقول: «وهو من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ من كل من يروي الحديث في عصره، ولم يأت عن أحد من الصحابة كلهم ما جاء عنه». وفي موضع آخر يقول: «والحديث المذكور من علامات النبوة، فإن أبا هريرة كان أحفظ الناس للأحاديث النبوية في عصره»( ). أخرج البخاري عن أبي هريرة: «والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد علىٰ الأرض بكبدي من الجوع، وأشد الحجر علىٰ بطني» ويقول: «ولقد رأيتني أصرع بين منبر رسول الله ﷺ، وحجرة عائشة، فيقال مجنون وما بي جنون، وما بي إلا الجوع».

عن عبادته وورعه، أخرج أحمد عن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه يقسمون الليل أثلاثًا، يصلي هذا ثم يوقظ هذا، وروىٰ عبد الرزاق عن ابن سيرين أن عمر استعمل أبا هريرة علىٰ البحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال، فمن أين لك؟ قال: خيل نتجت، وأعطيات تتابعت، وخراج رقيق لي، فنظر فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله فأبىٰ. فقال عمر: لقد طلب العمل من كان خيرًا منك. قال: إنه يوسف نبي الله بن نبي الله، وأنا أبو هريرة بن أميمة، أخشىٰ ثلاثًا: أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حكم، وأن يضرب ظهري، ويشتم عرضي، وينزع مالي.

حفظه وقوة ذاكرته: 

كان من أثر ملازمة أبي هريرة للرسول ﷺ ملازمة تامة، أن اطلع علىٰ ما لم يطلع عليه غيره من أقوال الرسول وأعماله، ولقد كان سيئ الحفظ حين أسلم، فشكا ذلك إلىٰ رسول الله ﷺ، فقال: «افتح كساءك» فبسطه، ثم قال له: «ضمه إلىٰ صدرك» فضمه، فما نسي حديثًا بعده قط.

هذه القصة - قصة بسط الثوب - أخرجها أئمة الحديث كالبخاري، ومسلم، وأحمد، والنسائي، وأبي يعلىٰ، وأبي نعيم... اعترف له الصحابة بكثرة الحفظ... امتحنه مروان في دقة حفظه، فخرج من الامتحان فائزًا، وذلك كما نقله ابن حجر في «الإصابة» عن أبي الزعيزعة كاتب مروان: من أن مروان أرسل إلىٰ أبي هريرة فجعل يحدثه، وأجلس أبا الزعيزعة خلف السرير يكتب ما يحدث به حتىٰ إذا كان في رأس الحول أرسل إلىٰ أبي هريرة فسأله عن تلك الأحاديث، فأعادها عليه، فنظر مروان في المكتوب عنده فما غير حرفًا، ولعل في هذا ما يرد إفك المتعصبين، لا لغرض سوىٰ النيل من الإسلام والتشكيك في صحابة رسول الله ﷺ.

شهادة الشافعي: 

قال الشافعي >: أبو هريرة أحفظ من روىٰ الحديث في عصره، وقد كان ابن عمر يترحم عليه في جنازته ويقول: كان يحفظ علىٰ المسلمين حديث النبي ﷺ. هكذا فليكن الحفظ.

ومما يثبت حفظه ما رواه الحاكم بسنده: «حدثنا الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم، أن مروان دعا أبا هريرة، فأقعدني خلف السرير، وجعل يسأله، وجعلت أكتب حتىٰ إذا كان عند رأس الحول دعا به فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر». وصحح الحاكم الخبر، ووافقه الذهبي( ).

وبين لنا زيد بن ثابت رضي الله تعالىٰ عنه سبب حفظ أبي هريرة رضي الله تعالىٰ عنه: حدث محمد بن قيس بن مخرمة أن رجلًا جاء إلىٰ زيد بن ثابت رضي الله تعالىٰ عنه يسأله عن شيء فقال له زيد: «عليك بأبي هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله تعالىٰ ونذكره، إذ خرج علينا النبي ﷺ حتىٰ جلس إلينا، فسكتنا، فقال: «عودوا للذي كنتم فيه». قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله ﷺ يؤمن علىٰ دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي، وأسألك علمًا لا ينسىٰ. فقال رسول الله ﷺ: «آمين». فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله تعالىٰ علمًا لا ينسىٰ، فقال: «سبقكم بها الغلام الدوسي»( ).

وفي موضع آخر من «السير» (2 / 616) ذكر الخبر بإسناد آخر، فيه الفضل بن العلاء بدلًا من حماد، ثم قال: «تفرد به الفضل بن العلاء، وهو صدوق». وفي موضع ثالث (2 / 68) قال الذهبي: «وفي سنن النسائي أن أبا هريرة دعا لنفسه: اللهم إني أسألك علمًا لا ينسىٰ. فقال النبي ﷺ: «آمين».

شهادة ابن عمر: 

وابن عمر رضي الله تعالىٰ عنهما بَيَّنَ حفظ أبي هريرة وعلمه وفضله، أما الذين ذكروا أنه كذبه وسخر منه فقد وقعوا في خطإ جسيم، حيث أخذوا من الأخبار ما يشتهون وتركوا منها ما يثبت ما لا يريدون. ولننظر مثلًا إلىٰ هذا الخبر الصحيح عن ابن عمر نفسه، فإنه: مر بأبي هريرة وهو يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: «من تبع جنازة فصلىٰ عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد». فقال له ابن عمر: أبا هر، انظر ما تحدث عن رسول الله ﷺ!! فقام إليه أبو هريرة، حتىٰ انطلق به إلىٰ عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، أنشدك بالله، أسمعتِ رسول الله ﷺ يقول: «من تبع جنازة فصلىٰ عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان»؟ فقالت: اللهم نعم. فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله ﷺ غرس الودي ولا صفق بالأسواق، إني إنما كنت أطلب من رسول الله ﷺ كلمة يعلمنيها، وأكلة يطعمنيها. فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ وأعلمنا بحديثه»( ).

وذكر أيضًا أن ابن عمر قال: «أكثر أبو هريرة. فقيل لابن عمر: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وَجَبُنَّا. فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: ما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا»( ). حفظ ونسوا ومراجعة بعض الصحابة الكرام لأبي هريرة يرجع في الغالب الأعم إلىٰ حفظ أبي هريرة ونسيان غيره؛ فحفظه من معجزات النبوة كما رأينا، ويرجع إلىٰ أنه سمع ما لم يسمعوه.

روىٰ الحاكم بسنده عن محمد بن عمرو بن حزم: أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، يحدثهم عن رسول الله ﷺ، ينكره بعضهم، ويعرفه البعض، حتىٰ فعل ذلك مرارًا، فعرفت يومئذ أن أبا هريرة أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ. ولم يعقب الذهبي علىٰ هذا الخبر( ).

الذهبي: 

ولكن الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (2 / 617) ذكر الخبر، وقال: رواه البخاري في «تاريخه»، وهو عن محمد بن عمارة بن حزم الأنصاري، وفيه: «أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ، بضعة عشر رجلًا، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي ﷺ بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم، ثم يحدثهم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه، حتىٰ فعل ذلك مرارًا قال: فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله ﷺ». وروىٰ الترمذي والحاكم أن طلحة رضي الله تعالىٰ عنه سئل عن كثرة أحاديث أبي هريرة فقال: أنا والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم. إنا كنا قومًا أغنياء لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله ﷺ طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكينًا لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول الله ﷺ وكان يدور معه حيثما دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع»( ).

ابن كثير: 

قال: «كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يكن بأفضلهم»( ). وقال: «قد لزم أبو هريرة رسول الله ﷺ بعد إسلامه فلم يفارقه في حضر ولا سفر، وكان أحرص شيء علىٰ سماع الحديث منه وتفقه عنه، وكان يلزمه علىٰ شبع بطنه». ثم ذكر حديثًا رواه الإمام أحمد وفيه: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني وأمي إلىٰ عباده المؤمنين، فقال: «اللهم حبب عبدك هذا وأمه إلىٰ عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما»، قال أبو هريرة: فما خلق الله من مؤمن يسمع بي ولا يراني أو يرىٰ أمي إلا وهو يحبني». ثم عقب الحافظ ابن كثير علىٰ هذا الحديث بقوله: وقد رواه مسلم من حديث عكرمة، وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلىٰ جميع الناس. قد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته من إيراد هذا الخبر عنه علىٰ رؤوس الناس في الجوامع المتعددة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة بين يدي الخطبة والإمام علىٰ المنبر، وهذا من تقدير الله العزيز العليم، ومحبة الناس له >. من أسباب كثرة مروياته.

وهكذا نرىٰ أن أبا هريرة رضي الله تعالىٰ عنه قد بورك في الفترة الزمنية القصيرة التي شرف فيها بصحبة خير البشر ﷺ، وإلىٰ جانب هذا فقد بارك الله سبحانه وتعالىٰ له في باقي عمره في الإسلام حيث استطاع أن يعوض كثيرًا مما فاته، فلم يكتف بالرواية عن رسول الله ﷺ وروىٰ عن كبار الصحابة الذين أدركهم مثل: أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وأبي بن كعب - أستاذ مدرسة التفسير بالمدينة في عصر التابعين - وأسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ وأم المؤمنين عائشة، وغيرهم من الصحابة الكرام البررة رضي الله تعالىٰ عنهم، وكان هذا من أسباب كثرة مروياته، حيث امتد عمره بعد عصر النبوة، واحتاج الناس إلىٰ علمه.

أما الذين رووا عنه فما أكثرهم!!!:

قال الإمام البخاري: روىٰ عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم( )، وأضاف ابن حجر: وكان أحفظ من روىٰ في عصره. ترىٰ: أيمكن أن يروي عنه مثل هذا العدد، وأن يثقوا به ويلجئوا إليه ما لم يجدوا عنده العلم الصحيح النافع، والكلم الطيب الثابت عن رسول الله ﷺ. وليس هذا فحسب، فإنه وجد في عصر لم يشع فيه التدوين، وقل من دون السُّنة الشريفة، ومع هذا بالبحث نجد أن عشرة قد دوَّنوا بعض ما سمعوا منه، وأول صحيفة كاملة وصلتنا هي صحيفة همام بن منبه كتبها عن أبي هريرة رضي الله تعالىٰ عنه( ).

ونتيجة لهذا الاهتمام المشكور بالرواية عن هذا الصحابي الجليل وصلنا من الأخبار التي رويت عنه (5374) حديثًا، روىٰ الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من هذه الأخبار (3848) حديثًا، واتفق الشيخان علىٰ (325) حديثًا، وانفرد الإمام البخاري بثلاثة وتسعين، والإمام مسلم بتسعة وثمانين ومائة. وهذه الروايات التي زادت علىٰ خمسة آلاف إنما هي بالمكرر، وذكر الدكتور الأعظمي في كتابه: «أبو هريرة في ضوء مروياته» (صـ76) أن أحاديثه في «المسند» والكتب الستة هي (1336) حديثًا فقط، وذلك بعد حذف الأسانيد المتكررة. وهذا القدر يستطيع طالب عادي أن يحفظه في أقل من عام، فما بالك بمن كان حفظه من معجزات النبوة... والفرق بينهما أن الطالب يبذل مجهودًا ليحفظ، ثم من طبيعته النسيان، أما الإعجاز فظهر في الحفظ بالسماع وعدم النسيان.

قال الإمام الشافعي في «الرسالة» (صـ281): «أبو هريرة أحفظ من روىٰ الحديث في دهره». وقال الحاكم في «مستدركه» (3 / 512): «قد تحريت الابتداء من فضائل أبي هريرة >؛ لحفظه لحديث المصطفىٰ ﷺ، وشهادة الصحابة والتابعين له بذلك، فإن كل من طلب حفظ الحديث من أول الإسلام وإلىٰ عصرنا هذا فإنهم من أتباعه وشيعته، إذ هو أولهم، وأحقهم باسم الحفظ». ثم قال: وفي الصفحة التالية ذكر أسماء الصحابة الذين رووا عنه، وعددهم ثمانية وعشرون، منهم: زيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وأبي بن كعب، وغيرهم من أكابر الصحابة ش. وقال بعد ذكرهم: 

«فأما التابعون؛ فليس فيهم أجل ولا أشهر وأشرف وأعلم من أصحاب أبي هريرة، وذكرهم في هذا الموضع يطول لكثرتهم، والله يعصمنا من مخالفة رسول رب العالمين، والصحابة المنتخبين، وأئمة الدين من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، رضي الله عنهم أجمعين، في أمر الحافظ علينا شرائع الدين أبي هريرة >». وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: «كان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوة». (2 / 594)، «احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه» (2 / 609)، «إليه المنتهىٰ في حفظ ما سمعه من الرسول ﷺ وأدائه بحروفه» (2 / 619)، «قد كان أبو هريرة وثيق الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ في حديث» (2 / 621)، «… فهو رأس في القرآن، وفي السُّنة، وفي الفقه» (2 / 627)، وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (8 / 110): «قد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح علىٰ جانب عظيم».

هذا هو أبو هريرة وعاء العلم، فكيف نجد في عصرنا من ينسب نفسه للإسلام ويعرض عن قول رسول الله ﷺ، والصحابة والتابعين، والأئمة الأعلام الهداة المهديين، ويأخذ بقول الضالين المضلين؟! هذا المسلك يفسره العلامة المرحوم الشيخ أحمد شاكر فيقول: «وقد لهج أعداء السُّنة، أعداء الإسلام، في عصرنا، وشغفوا بالطعن في أبي هريرة، وتشكيك الناس في صدقه وفي روايته. وما إلىٰ ذلك أرادوا، وإنما أرادوا أن يصلوا إلىٰ تشكيك الناس في الإسلام، تبعًا لسادتهم المبشرين، وإن تظاهروا بالقصد إلىٰ الاقتصار علىٰ الأخذ بالقرآن، أو الأخذ بما صح من الحديث - في رأيهم -، وما صح من الحديث في رأيهم إلا ما وافق أهواءهم»( ).

المجلسي في «بحار الأنوار» يطعن في صحابة رسول الله:

المصادر والكتب الإمامية التي تطعن بالصحابة رضي الله تعالىٰ عنهم لا تعد ولا تحصىٰ، والأمر مفروغ منه... و«بحار الأنوار» للمجلسي، هو من أمهات المصادر الإمامية والكتاب ومؤلفه غنيان عن التعريف. ذلك المستنقع الكبير - مستنقع الطعن بالصحابة -، المترشح من تلك «البحار» المظلمة النتنة. ويكفي أن تعلم أن فيه أبوابًا معنونة بـ «تكفير الصحابة» صراحة!! منها ما نصه: «باب في ذكر ما كان من حيرة الناس بعد وفاة رسول الله ﷺ وغصب الخلافة وظهور جهل الغاصبين وكفرهم ورجوعهم إلىٰ أمير المؤمنين» (صـ53)، (باب كفر الثلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم وقبائح آثارهم، وفضل التبري منهم ولعنهم) (صـ145) من المجلد. والمجلد في (707) من الصفحات المخصصة لتكفير الصحابة رضوان الله تعالىٰ عليهم، والطعن فيهم. هذا عدا ما ورد من ذلك في بقية مجلدات الكتاب البالغة أكثر من مائة مجلد!!!

لماذا الطعن في صحابة رسول الله ﷺ؟؟!!:

قال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 100].

قال أبو بكر الطمستاني: «الطريق واضح، والكتاب والسُّنة قائم بين أظهرنا، وفضل الصحابة معلوم؛ لسبقهم إلىٰ الهجرة، ولصحبتهم؛ فمن صحب منا الكتاب والسُّنة وتغرَّب عن نفسه والخلق وهاجر بقلبه إلىٰ الله فهو الصادق المصيب»( ).. إن الرعيل الأول من هذه الأمة ممثَّلًا في الصحابة - رضوان الله عليهم - كان الأتقىٰ والأورع والأعلم والأعدل بعد النبيين عليهم السلام... لقد تربَّىٰ هذا الجيل في أحضان النبوة، وعاش في كنف السُّنة، وعاين جبريل، وعاصر الوحي وهو يتنزَّل من السماء، فكان هذا الجيل صدارة الأمة الإسلامية المستخلَفة إلىٰ قيام الساعة، ونموذجها الوضيء الذي صدق العهدَ مع الله تعالىٰ في تبليغ الرسالة وإقامة الحجة؛ فحمل لواء الدين وأضاء أرجاء الدنيا. لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - أوفىٰ الناس، وأصبرهم علىٰ حق، وأكثرهم بذلًا لله تعالىٰ وجهادًا في سبيله من غير تبديل ولا بغي ولا تحريف، وقد استفاضت شهادة المولىٰ - جلَّ ذكره - لهم بذلك، قال - جل شأنه -: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴾ [الأنفال: ٤٧]. فهم أهل الإيمان والهجرة والجهاد، وهم مأوىٰ المصطفىٰ ﷺ وصحبُه وأنصاره وحُماته وجلساؤه ورفقاؤه... روىٰ الطبراني في «الكبير» عن عويمر بن ساعدة أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله اختارني واختار لي أصحابًا؛ فجعل لي وزراء وأصهارًا وأنصارًا، فمن سبَّهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا»( )، وفي سبيل ذلك افتقروا ونأوا عن الأوطان والأهل، واستعذبوا الغربة وضنك العيش. قال تعالىٰ: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ﴾ [الحشر: ٨] لقد أنقذ الله تعالىٰ البشرية بهؤلاء من وحل الجهالة العمياء، فقادوها إلىٰ أعلىٰ مستوىٰ عرفه التاريخ وأرقىٰ نمط تمثَّلته الإنسانية بذلك الوجود الإسلامي الحيوي المتألِّق، الذي انتشلها من أغلال العبودية لغير الله تعالىٰ إلىٰ أفق رحب فسيح من عبادة الله وحده وتحكيم شرعه، فأمثال هذه القمم الشامخة محبّتُها دينٌ، والترضِّي عنها واجب، والذود عن أعراضها إيمان، ورَدُّ شانئها إحسان، وبغضها كفر ونفاق وطغيان( )، أين هؤلاء من أهل بدر؟! الذين قال قائلهم: «يا رسول الله امض لما أمرك الله، فوالله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسىٰ: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون؛ ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون». وقال آخر: «امض لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك»( ). فنصرهم الله تعالىٰ نصرًا مؤزرًا، حتىٰ سمي يوم بدر بيوم الفرقان الذي فرق بين الحق والباطل. وأورثهم ديار الكافرين وأموالهم. وأنزل فيهم قوله الشريف في أول سورة «الأنفال»: ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ﴾ [الأنفال: 11].

وأنزل الملائكة تقاتل معهم تأييدًا لهم: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ﴾. 

[الأنفال: 12]

وكلهم آمنوا وثبتوا فلم ينهزم منهم أحد، وأنزل فيهم في أواخرها قوله: ﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ﴾ [الأنفال: 62، 63]، وقوله: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾ [الأنفال: 72]، وقوله: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ﴾ [الأنفال: 74، 75]. وأما أمة عيسىٰ  فلم يكن فيهم من الأتباع الخلَّص إلا اثنا عشر رجلًا! ارتد واحد منهم هو يهوذا الإسخريوطي!! فما بقي منهم إلا أحد عشر. وهذا العدد لا يمكن وصفه بـ (الثلة). فليسوا هم المعنيين بقوله تعالىٰ: ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ  ﯧ﴾ [الواقعة: 13، 14].

وأما أصحاب محمد ﷺ فلا نعرف أحدًا منهم أسلم بسبب خارقة سماوية سوىٰ هذا القرآن. لقد كان عمر > من أشد الناس عداوة للرسول ﷺ لكنه ما أن سمع مطلع سورة «طه» حتىٰ خشع لها ودمع وآمن. وقال: «دلوني علىٰ محمد حتىٰ أسلم علىٰ يديه». دون أن يطلب مائدة ولا غيرها!

إن أولئك السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، هم الذين ندعو الله في كل قراءة لسورة «الفاتحة» أن يلحقنا بهم ويهدينا صراطهم:

﴿ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ﴾. 

[الفاتحة: 6-7]

وذلك مصداقًا لقوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ﴾ [التوبة: 100].

وقوله: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴾ [النساء: 115].

قال الإمام مالك خ: «من شتم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ: أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص؛ فإن قال: كانوا علىٰ ضلال أو كفر قُتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالًا شديدًا»( ).

ألم يعِ هؤلاء الأدعياء أن سبَّ الصحابة - رضوان الله عليهم - يقتضي تضليل أمة محمد ﷺ وتسفيهها، وعدّها شرَّ الأمم؟!

قال الإمام الذهبي: «فمن طعن فيهم أو سبَّهم فقد خرج من الدين، ومرق من ملة المسلمين؛ لأن الطعن لا يكون إلا عن اعتقاد مساويهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله تعالىٰ في كتابه من ثنائه عليهم، وما لرسول الله ﷺ من ثنائه عليهم وفضائلهم ومناقبهم وحبهم، ولأنهم أرضىٰ الوسائل من المأثور والوسائط من المنقول، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والازدراء بالناقل ازدراء بالمنقول، وهذا ظاهر لمن تدبَّره وسلم من النفاق ومن الزندقة والإلحاد في عقيدته»( )، إنه يمكن للمرء فهم أسباب حقد المشركين وأهل الزيغ والإلحاد علىٰ صحابة رسول الله ﷺ، بل تجاه كل المسلمين والإسلام. أما الذي لا يستطيع المسلم أن يستسيغه فهو أن تستأسد جماعة من المنتسبين لأهل السُّنة والجماعة علىٰ استنقاص الصحابة - رضوان الله عليهم - وتجريحهم والوقيعة في أعراضهم، ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾ [النساء: ٦٤]؛ فلا يتوانون في النيل من مقام الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان > وهو من قال فيه نبي الرحمة ﷺ: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة»( ) وقال فيه يوم بيعة الرضوان: «هذه يدي عن يد عثمان»( ) وقال فيه يوم تجهيزه جيش العسرة: «لا يضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم»، ومن قال فيه فاطر السموات والأرض: ﴿ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ﴾ [الزمر: ٩]( ) أما علم هؤلاء حين يتهجمون علىٰ معاوية بن أبي سفيان ب وعلىٰ أبي هريرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أنهم عاشوا حياتهم المباركة في طاعة الله تعالىٰ ودفاعًا عن دينه، ونشرًا لعقيدة الإسلام، في كمال عبودية، وكمال محبة، وكمال إخلاص، وكمال عدل، وكمال رفق، ولا غَرْوَ؛ فهم خير أمة أخرجت للناس، ولهم الوعد الرباني بالمغفرة والرزق الكريم، ولم يجرح عدالتهم أو يبغضهم إلا شاذّ أثيم. ويكفي الصحابة - رضوان الله عليهم - فضلًا وحصانة وعلوَّ منزلة قول النبي ﷺ: «لا تسبّوا أصحابي فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه»( ).. رِضَىٰ الله - جل شأنه - عنهم أبدي لا يكون بعده سخط. قال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ 

ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ 

ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [الفتح: 29]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلِّقًا علىٰ هذه الآية: «والرضىٰ من الله صفة قديمة، فلا يرضىٰ إلا عن عبدٍ عَلِم أنه يوافيه علىٰ موجبات الرضىٰ، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدًا، فكل من أخبر الله عنه أنه رضي عنه فإنه من أهل الجنة، وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلو علم أنه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك»( )، إن الموقف النظيف الرضي الواعي المنصف للمسلم تجاه الصحابة - رضوان الله عليهم - ينحصر في محبتهم والترضي عنهم والإعراض عما جرىٰ بينهم، ذلك لمن أراد الدخول في تزكية الله تعالىٰ لخلف هذه الأمة. قال الله جل شأنه ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾ [الحشر: 10] يقول صاحب «الظلال» ؟ معلِّقًا علىٰ هذه الآية: «وتتجلَّىٰ من وراء تلك النصوص طبيعة هذه الأمة المسلمة وصورتها الوضيئة في هذا الوجود، تتجلىٰ الآصرة القوية التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، في تضامن وتكافل وتوادّ وتعاطف، وشعور بوشيجة القربىٰ العميقة التي تتخطىٰ الزمان والمكان والجنس والنسب، وتتفرد وحدها في القلوب، تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة، فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة كما يذكر أخاه الحي أو أشد في إعزاز وكرامة وحب، ويحسب السلف حساب الخلف، ويمضي الخلف علىٰ آثار السلف صفًّا واحدًا، وكتيبة واحدة علىٰ مدار الزمان واختلاف الأوطان، تحت راية الله تعالىٰ تغذّ السير صعدًا إلىٰ الأفق الكريم، متطلعة إلىٰ ربها الواحد الرؤوف الرحيم»( ) لقد جسد هؤلاء الصحابة - رضوان الله عليهم - أروع مثال وأرفعه وأكرمه للبشرية يتخيَّله قلب كريم بريء من الغلِّ، طاهر من الحسد. ومن هنا يُدرك كل عاقل ومنصف خطأ وانحراف وزيغ من يطعن في الصحابة ش بعد تزكية الله تعالىٰ ورسوله الكريم لهم وإجماع الأمة علىٰ حبهم.

 

الباب الثالث

الفصل الأول

الخلافة الإسلامية والإمامة العظمى

الخلافة والإمامة: 

عرف أهل اللغة الخلافة: بأنها النيابة، واستخلف فلان فلانًا: أي جعله مكانه، وخلف فلان فلانًا: إذا كان خليفته. قال تعالىٰ: ﴿ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ﴾( ).

وقال الرازي في «مختار الصحاح»: «الخلافة أو الإمامة العظمىٰ، أو إمارة المؤمنين، كلها يؤدي معنىٰ واحدًا، وتدل علىٰ وظيفة واحدة وهي السلطة العليا للمسلمين»( ).

وجاء في «محيط المحيط»: «كُل مَنْ يَخْلُفُ شَخْصًا آخَرَ يُسَمَّىٰ خَلِيفَةً، لِذَلِكَ سُمِّي مَنْ يَخْلُفُ الرَّسُول ﷺ في إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَرِئَاسَةِ الْـمُسْلِمِينَ في أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا خَلِيفَةً، وَيُسَمَّىٰ الْـمَنْصِبُ خِلَافَةً وَإِمَامَةً»( ).

أما في الاصطلاح: فقد عرفها أهل العلم المعتبرين بتعاريف متقاربة في ألفاظها، متحدة في معانيها.

قال الشيخ الدهلوي عليه رحمة الله تعالىٰ: «الخلافة هي الرياسة العامة في التصدي لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية، وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد وما يتعلق به من ترتيب الجيوش والفروض المقاتلة، وإعطائهم من الفئ، والقيام بالقضاء، وإقامة الحدود، ورفع المظالم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نيابة عن النبي ﷺ»( ).

وَقَدْ عَرَّفَهَا ابْنُ خَلْدُونٍ بِقَوْلِهِ: «هي حَمْل الْكَافَّةِ عَلَىٰ مُقْتَضَىٰ النَّظَرِ الشَّرْعِي، في مَصَالِحِهِمُ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَالدُّنْيَوِيَّةِ الرَّاجِعَةِ إِلَيْهَا، ثُمَّ فَسَّرَ هَذَا التَّعْرِيفَ بِقَوْلِهِ: فَهِي في الْحَقِيقَةِ خِلَافَةٌ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ في حِرَاسَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا»( ).

وقال الماوردي عليه رحمة الله: «الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»( )( ).

والإمامة لغة هي التقدم، تقول: أم القوم وبهم: أي تقدمهم... والإمام ما ائتم به الناس من رئيس أو غيره، هاديًا كان أو ضالًّا. ويطلق لفظ الإمام علىٰ الخليفة وهو السلطان الأعظم، وإمام الرعية ورئيسهم... وأممت القوم في الصلاة إمامة، وائتم به أي اقتدىٰ. ويطلق لفظ الإمام كذلك علىٰ القرآن الكريم، فهو إمام المسلمين، وعلىٰ الرسول ﷺ، فهو إمام الأمة بأئمتها، وعليهم جميعًا الائتمام بسنته التي نص عليها. ويطلق علىٰ قَيِّمِ الأمر المصلح له، وعلىٰ قائد الجند، وقد يذكر ويراد به غير هذه المعاني، من بينها مثلًا: أمه يؤمه إذا قصده، كما جاءت الآية الكريمة الثانية من سورة «المائدة» ﴿ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ﴾( ).

ولم يرد لفظ الإمامة في القرآن الكريم، وإنما ورد لفظ إمام وأئمة.

قال تعالىٰ: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾ [البقرة: 124]. أي: جاعلك قدوة يؤتم به.

وقال سبحانه: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴾ [الأنبياء: 73]، وقال Q: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ﴾ [التوبة: 12]، أي: قاتلوا رؤساء الكفر وقادتهم الذين صار ضعفاؤهم تبعًا لهم. وقال تعالىٰ: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ﴾ [القصص: 41]، أي: من تبعهم فهو في النار

يوم القيامة.

وصف الله تعالىٰ «داود» بأنه خليفة، وقال له: ﴿ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ [ص: 26]، وسمىٰ إبراهيم إمامًا، فقال: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ﴾ [البقرة: 124]، ووصف الأنبياء بأنهم ﴿ﭒ ﭓ ﭔ﴾ [الأنبياء: 73].

وخصص البخاري في «صحيحه» فصلًا جمع فيه الأحاديث الشريفة المتعلقة بالخلافة وشؤون الحكم أسماه كتاب «الأحكام»، كما خصص الإمام «مسلم» بابًا في «صحيحه» جمع فيه الأحاديث وسماه «كتاب الإمارة».

وورد لفظ الإمام في مواطن كثيرة من السُّنة النبوية، منها قول رسول الله ﷺ: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم»، وقوله ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:... إمام عادل...».

ومن هذه الأحاديث قوله ﷺ: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته... إلخ، وقوله: «الدين النصيحة»، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم».

لم يعين ﷺ من يخلفه تصريحًا:

لم يعين النبي ﷺ من يخلفه تصريحًا، ولكن الروايات مجمعة علىٰ أنه ﷺ عين من يخلفه تلميحًا.

لم يعين النبي صراحة من يخلفه بوجه قاطع؛ لأنه لم يرد أن يقيد الأمة بقيد يعتبره الناس حكمًا دينيًّا، فلو نص علىٰ شخص لصار الحكم فيه وفي أسرته وراثيًّا، لكن الرسول أراد أن يترك الأمة حرة في اختيارها.

استدل الفقهاء علىٰ وجوب الإمامة بأنه يتوقف عليها تنفيذ الواجبات الدينية كالجهاد والقضاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يتم بها حفظ الدين وإقامة شعائره وصيانة الوطن وإصلاح الرعية.

يقول الإمام النسفي في «العقائد»: «والمسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم وإقامة حدودهم وسد ثغورهم وتجهيز جيوشهم وأخذ صدقاتهم وقهر المتغلبة وقطاع الطرق، وإقامة الجمع والأعياد، ونحو ذلك من الأمور التي لا يتولاها آحاد الأمة.

... ثم هناك السُّنة العملية وهي أن الرسول عليه الصلاة والسلام أقام مجتمعًا منظمًا، أي دولة كان هو إمامها وهو قائدها.

... وهذا دليل شرعي يستدل به علىٰ وجوب إقامة الخلافة، فكان اختيار الصديق > خليفة للمسلمين، وإجماعهم عليه وعلىٰ إقامة الخلافة، هو اتباعًا لهذه السُّنة النبوية واستمرارًا للقيادة والنظام».

وفي كتابه: «تاريخ الأمم الإسلامية» يقول الشيخ محمد الخضري عن الخلافة: «قد كان للنبي ﷺ وظيفتان يؤديهما لأمته: 

الأولىٰ: التبليغ عن الله بحكم الرسالة التي اختير ليقوم بأدائها.

والثانية: كونه إمامًا للمسلمين تجتمع إليه كلمتهم، يوجههم إلىٰ الخير ويبعدهم عن الشر، وإليه القضاء في مشكلاتهم بحسب ما يوحىٰ إليه من الشريعة، ثم هو يقوم بتنفيذ تلك الأحكام».

ومن المفهوم اللغوي لكلمة إمام نستطيع أن ندرك سبب إطلاق هذا الاسم علىٰ حاكم المسلمين، كما وجدنا ترادفا بين الإمامة والخلافة، ويفسر هذا الشيخ أبو زهرة فيقول: «سميت خلافة لأن الذي يتولاها يكون الحاكم الأعظم للمسلمين، يخلف النبي ﷺ، وتسمىٰ الإمامة لأن الخليفة كان يسمىٰ إمامًا، ولأن طاعته واجبة، ولأن الناس يسيرون وراءه كما يصلون وراء من يؤمهم للصلاة»( ).

ويستخدم الشيعة لفظ الإمام دون الخلافة، ويعتبرونها أحد أركان الإيمان عندهم، ويفرقون بين الإمامة والخلافة، فهم يعتبرون الإمامة رئاسة دين، والخلافة رئاسة دولة، ويريدون بذلك إثبات أن عليًّا > كان إمامًا زمن خلافة الثلاثة الذين سبقوه.

يقول ابن خلدون: إن الشيعة خصوا عليًّا باسم الإمام نعتًا له بالإمامة التي هي أخت الخلافة، وتعريفًا بمذهبهم في أنه أحق بإمامة الصلاة من أبي بكر.

وفاة النبي ﷺ:

قال ابن إسحاق: ولما توفي رسول الله ﷺ عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة فيما بلغني تقول: لما توفي النبي ﷺ ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم.

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ... واضطربت الحال... فكان موت النبي ﷺ قاصمة الظهر، ومصيبة العمر، فأما علي فاستخفىٰ في بيت فاطمة، وأما عثمان فسكت، وأما عمر فأهجر وقال: ما مات رسول الله، وإنما واعده ربه كما واعد موسىٰ، وليرجعن رسول الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. ولما سمع أبو بكر الخبر أقبل علىٰ فرس من مسكنه بالسُّنح، حتىٰ نزل، فدخل المسجد، فلم يكلّم الناس، حتىٰ دخل علىٰ عائشة فتيمّم رسول الله ﷺ وهو مُغشّىٰ بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه فقبله وبكىٰ، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي عليك فقد متها، وخرج أبو بكر وعمر يتكلم، فقال: اجلس يا عمر، وهو ماض في كلامه وفي ثورة غضبه، فقام أبو بكر في الناس خطيبًا بعد أن حمد الله وأثنىٰ عليه وقال: 

«أما بعد: فإن من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾ [آل عمران: 144]». فنشج الناس يبكون.

قال عمر: فوالله ما إن سمعت أبا بكر تلاها فهويت إلىٰ الأرض ما تحملني قدماي، وعلمت أن رسول الله قد مات.

شجاعة الصديق ورباطة جأشه ورجاحة علمه:

كان موت محمد ﷺ مصيبة عظيمة، وابتلاءً شديدًا، ومن خلالها وبعدها ظهرت شخصية الصديق كقائد للأمة فذ لا نظير له ولا مثيل، فقد أشرق اليقين في قلبه، وتجلىٰ ذلك في رسوخ الحقائق فيه، فعرف حقيقة العبودية والنبوة والموت، وفي ذلك الموقف العصيب ظهرت حكمته >، فانحاز بالناس إلىٰ التوحيد «من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت» وما زال التوحيد في قلوبهم غضًّا طريًّا، فما أن سمعوا تذكير الصديق لهم حتىٰ رجعوا إلىٰ الحق... تقول عائشة <: «فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتىٰ تلاها أبو بكر > فتلقاها منه الناس، فما يُسمع بشر إلا يتلوها»( ).

أصاب المسلمين الذهولُ بوفاة رسول الله ﷺ... عبر عنه أنس بن مالك بقوله: «لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ﷺ المدينة، أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء» «البخاري».

لم يفقد أبو بكر شيئًا من ثباته أمام المفاجأة التي روعت المسلمين... جميع المسلمين... !! احتفظ برباطة جأشه وسكينة نفسه وسداد فكره، في موقف يدع الحليم حيران، قال القرطبي: هذه الآية أدل دليل علىٰ شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجرأة حدُّهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي ﷺ، فظهرت شجاعته وعلمه، قال الناس: لم يمت رسول الله ﷺ منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفىٰ علي، واضطرب الأمر، فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسُّنح.

وبهذه الكلمات القلائل واستشهاد الصديق بالقرآن الكريم؛ خرج الناس من ذهولهم وحيرتهم، ورجعوا إلىٰ الفهم الصحيح رجوعًا جميلًا، فالله هو الحي وحده الذي لا يموت، وأنه وحده الذي يستحق العبادة، وأن الإسلام باق بعد موت محمد ﷺ، كما جاء في رواية من قول الصديق: 

«إن دين الله قائم، وإن كلمة الله تامة، وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه، وإن كتاب الله بين أظهرنا، وهو النور والشفاء، وبه هدىٰ الله محمدًا ﷺ، وفيه حلال الله وحرامه، والله لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد، ولنجاهدنَّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله، فلا يبغين أحد إلا علىٰ نفسه».

وقد ظهر في الموقف رجحان علم الصديق > ورباطة جأشه وشجاعته وجرأته

وقوة رأيه.

قضىٰ النبي ﷺ دون أن يوصي بمن يخلفه، ودون أن يرد في القرآن الكريم نص علىٰ من يخلفه، والقرآن دستور المسلمين يسير عليه المسلمون علىٰ ضوئه في الحكم، لم ينص علىٰ من يدعىٰ لخلافة الرسول ﷺ... واجتمع المهاجرون والأنصار وانتخبوا أبا بكر >، وامتثل الجميع لهذا الاختيار؛ نظرًا لما تحلىٰ به أبو بكر الصديق من فضائل ومزايا.

مبايعة الصديق >:

سقيفة بني ساعدة( )... أعظم مؤتمر في التاريخ سنة 11 هـ:

يروي الإمام البخاري في «صحيحه» في كتاب (فضائل الصحابة) خبر السقيفة واختيار خليفة المسلمين فيقول ؟: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، قال: أخبرني عروة بن الزّبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: «إن رسول الله لما مات اجتمعت الأنصار إلىٰ سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير، ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيّأت كلامًا قد أعجبني خشيت ألا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارًا - يقصد قريشًا - وأعزهم أحسابًا، بايعوا عمر أو أبا عبيدة. فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلىٰ رسول الله ﷺ، فأخذ عمر بيده، وبايعه الناس».

لم يرق لأعداء الإسلام أن يروا المسلمين وقد توحدت كلمتهم فصوّروا اجتماع المسلمين في السقيفة بأنه اغتصاب للخلافة ومؤامرة علىٰ آل بيت النبي ﷺ وعلىٰ علي بن أبي طالب > خاصة، وقالوا بأن غياب علي والعباس ب كان بسبب رفضهم خلافة أبي بكر، علمًا بأن تغيب علي وعمّه العباس عن الاجتماع كان لانشغالهم بتغسيل النبي ﷺ إضافة إلىٰ الزبير بن العوام، وقد شاركوا المسلمين بيعتهم واختيارهم هذا فيما بعد.

وقد أطلق أعداء الإسلام لأنفسهم العنان بما رووه إذ ادّعوا أن البيعة لأبي بكر تمت بتخويف وتهديد من عمر بن الخطاب والمهاجرين، في الوقت الذي لم يكن يتواجد فيه من المهاجرين في السقيفة إلا ثلاثة هم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فكيف يمكن لشخص أو اثنين أن يرهبوا مجموع الأنصار وهم أهل قوة وشدة.

كما أن هؤلاء ادّعوا أن الأنصار توعّدوا قريشًا والمهاجرين بالحرب والقتال، وأن المهاجرين لفّقوا حديث: «الأئمة من قريش» لتكون لهم الزعامة بعد موت النبي ﷺ، وهذه كلها أمور لا تصح، فإضافة إلىٰ رواتها الوضّاعين الذين ردّ رواياتهم أئمة الجرح والتعديل فإنها تتناقض مع عدالة الصحابة وما عرف عنهم من الإيثار والتقوىٰ والعزوف عن الدنيا وملذاتها، فقد كان عموم الأنصار يرون أن قريشًا والمهاجرين أحق بالخلافة، كما أن الأنصار كانوا يعرفون مكانة أبي بكر الصديق >، وأنه أفضل الأمة بعد النبي ﷺ.

وكذلك كان حال سيد الأنصار سعد بن عبادة > عندما ذكّره أبو بكر بمكانة قريش قائلًا: ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد: قريش ولاة هذا الأمر فبرّ الناس تبعًا لبرّهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم، قال سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء( ).

هكذا كانت مبايعة أبي بكر بيعة عامة، اشترك فيها المهاجرون، والأنصار، ومنهم آل بيت النبي ﷺ، وقد ارتضىٰ هؤلاء جميعًا خلافة أبي بكر، وأما الاختلاف الذي حدث في بادئ الأمر فلا يعدو اختلاف وجهات نظر، سرعان ما تبدد، وتوحدت الأمة خلف أبي بكر.

وقد عصم الله الأمة بهذا الحدث، وسدد خطاها، فسرعان ما انطلقت إلىٰ مهامها ورسالتها علىٰ عكس ما يشيعه الحاقدون من أن حادثة السقيفة سببت شرخًا في الأمة، بل إن هذه البيعة كانت هي السبب في تماسك المسلمين ووحدتهم وانطلاقهم للجهاد والدعوة، والدليل ما قام به أبو بكر بعد ذلك أن أنفذ جيش أسامة إلىٰ تخوم الشام، وقد حقق الله علىٰ أيديهم نصرًا، كما أن أبا بكر شرح الله صدره لمقاتلة المرتدين، وتوحد الصحابة خلفه في ذلك، وهو الأمر الذي حفظ الله به الإسلام.

إذن قبل أن ينتهي الصحابة من تشييع الجسد الشريف إلىٰ مثواه التف الأنصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة، وعقدوا اجتماعًا في سقيفة بني ساعدة... لاختيار خليفة رسول الله ﷺ... ظن الأنصار وهم السكان الأصليون للمدينة، الذين نصروا الإسلام بأرواحهم وأموالهم، وعرفوا بإيثارهم وصبرهم وجهادهم وتضحياتهم، ظنوا أنهم الأحق في رئاسة الدولة ورعاية الإسلام... ولحق بالاجتماع المهاجرون، وحدث بين المهاجرين والأنصار نقاش حول أحقية كل طرف بتولي الخلافة، واستقر الرأي علىٰ استخلاف أحد المهاجرين، فرشح أبو بكر أحد اثنين عمر وأبي عبيدة، فقال عمر: «بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلىٰ رسول الله ﷺ» وذكر بفضل أبي بكر قائلًا: ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر. وذكرهم بموقفه في حادثة الهجرة، ثم بايعه عمر وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار... «البخاري».

قال أنس >: «ما نفضنا أيدينا من تراب قبر رسول الله ﷺ حتىٰ أنكرنا قلوبنا»( ).

يروي الطبري رواية عن سعيد بن زيد، قال: فمتىٰ بويع أبو بكر؟ أشهدت وفاة النبي ﷺ؟ قال: نعم. قال: يوم مات رسول الله ﷺ كرهوا أن يبقوا بعض الوقت وليسوا في جماعة.

اجتمع الأنصار بعد وفاة النبي ﷺ في سقيفة بني ساعدة بدعوة من سعد بن عبادة، وقام بالدعوة لنفسه بالإمارة، وكاد ينتهي الأمر للأنصار حتىٰ حضر إلىٰ السقيفة أبو بكر وعمر، ورهط من المهاجرين، ليتداولوا الأمر وينظروا المسألة - مسألة الخلافة - وهي مستقبل الأمة والإسلام... لم يدم اجتماع السقيفة طويلًا، ولم تجر فيه مناقشات طويلة بين المهاجرين والأنصار، أو تنافس وصراع علىٰ تولي الخلافة، أو حدة في الكلام أو تهديدات، أو عراك بالأيدي بين المجتمعين، وهذا كله مما صورته بعض الروايات الضعيفة التي تناقلها بعض المؤلفين المعاصرين؛ فشوهوا صورة هذا الاجتماع التاريخي العظيم والرفيع، الذي قرر مصير الخلافة والدولة الإسلامية بحزم وترفع وإحساس كبير بالمسؤولية يستعلي علىٰ الأهواء.

كان أبو بكر عازفًا عن مناصب الدنيا... كان يود أن يعيش في الظل ما لم يكن ثمة خطر يدعوه... كان يود ألا يكون في مكان صدارة يبعث في نفسه زهوًا وعجبًا... لم يسارع إلىٰ السقيفة ليحتجز الخلافة لنفسه، وإنما سارع ليكف الفتنة أولًا ثم ليكبح جماح الطائفية، حيث وقف من يقول: يا للأنصار، ومن يقول: يا للمهاجرين.

لقد فضل أبو بكر > وحدة الأمة، والسابقة في الجهاد من الإسلام، وحدد الأولوية بالأقدمية في حياة الإسلام، وبالعذاب في سبيل العقيدة والإيمان، وقدم قاعدة الصحبة كمعيار لاختيار الأفضل، وأشاد بمزايا الأنصار، ولم يغمطهم حقهم من التكريم، وبين الأسباب الموجبة ليكون الأمراء من المهاجرين محصورة في أنهم أول من آمنوا بالله وبالرسول، وأنهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم فيه إلا ظالم... الهجرة أعطت المهاجرين مكان السبق في الإسلام... استنبط أبو بكر الميزان الذي يزن به من كتاب الله سبحانه: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴾ [التوبة: 100].. من هنا آثر أبو بكر المهاجرين.

كانت السابقة إلىٰ جانب المهاجرين... ولا انقسام للسلطة، بل وحدة الأمة، ولم يكن اهتمامهم بالأشخاص، وكان اهتمامهم بالمبدإ.

الشيعة الإمامية وسقيفة بني ساعدة:

عرفت بيعة أبي بكر في السقيفة بالبيعة الخاصة، وكانت يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 11 من الهجرة، وفي اليوم التالي خرج إلىٰ المسجد فبايعه الناس فيما عرف بالبيعة العامة بعد خطبة ألقاها عمر بن الخطاب اعتذر فيها عن موقفه من حادثة الوفاة النبوية وإنكارها، وبين مكانة أبي بكر في الصحبة والهجرة، وأبو بكر صامت لا يتكلم، حتىٰ انتهىٰ عمر من خطبته وطلب من أبي بكر الصعود إلىٰ المنبر لتلقي البيعة من الناس قائلًا لهم: «بايعوني علىٰ السمع والطاعة لله ولكتابه ثم للأمير».

الشيعة تصف السقيفة بأنها كانت مصدرًا للآثام!!:

يقول صاحب كتاب «تبديد الظلام وتنبيه النيام»: 

تسمىٰ بعبد الحق وكان اسمه عبد الزهراء... من عائلة عريقة في الرفض موغلة في التشيع، ولقي من أهله خصومات نكراء لم تفت في عضده، وأمعن الظالمون في معاداته واستفزازه فما زاده إمعانهم إلا إصرارًا علىٰ الحق وثباتًا علىٰ مواصلة السير في طريق الحق... حاربوه فأبىٰ إلا أن يكون سيفًا مصلتًا علىٰ رقاب أتباعه... ونظم قصيدة في الرد علىٰ كاظم الكفائي الذي نشر قصيدة سب فيها صحابة رسول الله ﷺ، ووصف السقيفة التي تمت فيها البيعة لأبي بكر الصديق > بأنها مصدر الآثام، قال فيها: 

لا تعجبوا من منطقي وكلامي

فالقلب من يوم السقيفة دامي

فرد عليه صاحب الكتاب بقصيدة جاء فيها: 

لا تعجبوا من منطق وكلامِ

يهذي به قزم من الأقزام

كلب تخيل أنه بعوائه

سَيَدُكُّ صرح الدين والإسلام

يا أيها الوغد الذي من لؤمه

سمىٰ السقيفة مصدر الآثام

كبرت وأيم الله منك جريمة

يا موغلًا في الكفر والإجرام

لولا السقيفة كنت عبدًا يشترىٰ

ويباع مثل بهيمة الأنعام

لولا أبو حفص العظيم لكنت مِنْ

سقط المتاع تداس بالأقدام

ورد عبد الحق بقصيدة طويلة نقتطف منها هذه الأبيات: 

لا تعجبوا من منطقي وكلامي

فالقلب من يوم الفجيعة دام

يوم به جاء الحسين بأهله

وبفتية كالزهر في الأكمام

عطر الربيع يفوح بين ركابهم

وعلىٰ محياهم هدىٰ الإسلام

غدرت بهم شيع الروافض حينما

راحت تسوقهم إلىٰ الإعدام

كبرت وأيم الله تلك جريمة

للموغلين بحمأة الإجرام

أنتم غدرتم بالحسين وصحبه

خير الأنام السادة الأعلام

فغدا صريع سهامكم بدمائه

وسيوفكم يا معشر الأقزام

لهفي عليه مغررًا بوعودكم

يا عصبة الأنصاب والأزلام

أو ما رأىٰ غدر الروافض ظاهرًا

بأبيه حيدر وهو خير إمام

لولا خيانتكم لسبط المصطفىٰ

دار السلام وقبلة الأعلام

تالله ما فعل اليهود فعالكم

حتىٰ المجوس وعابدو الأصنام

غدرت بهم شيع الروافض حينما

راحت تسوقهم إلىٰ الإعدام

وعن المواكب الحسينية والمآتم نقتطف هذه الأبيات: 

هذي المواكب نظمت عن غاية

هيهات لا تخفىٰ عن الأفهام

هذي المواكب لم تكن لمصابه

بل فتنة نكراء في الإسلام

أسفي علىٰ تلك الجموع فإنها

كالكرنفال مليئة بهوام

لله مهزلة تقام بكربلا

يبكي ويضحك شكلها الأدرام

باسم الحسين يمثلون بكربلا

فصلًا من التاريخ ليس بغام

باسم التشيع والولاء تغلغلت

زمر اليهود وملة الأعجام

لا تحسبوا ضرب الحديد بشافع

كلا ولا هاماتكم بالقام

عجبي لضرب الركبتين وقولهم

عند الصلاة بلكنة التمتام

خان الأمين وصدها عن حيدر

تالله ما كان الأمين بحام

تالله ما خان الأمين وإنما

عميت قلوبهم عن الأفهام

كان اجتماع السقيفة بمثابة مؤتمر سياسي، عالج فيه المسلمون مشكلة لم يكن لهم بمثلها عهد من قبل، ودارت فيه الحوارات والمناقشات وفق الأساليب الحديثة، وكأرقىٰ ما يكون المستوىٰ في الحوار، والواقع أن اختيار أبي بكر كان صائبًا وملائمًا لمتطلبات المرحلة؛ بفعل ما تمتع به من خصال حميدة وقبول واسع في أوساط المهاجرين والأنصار الذين وجدوا فيه الرجل القادر علىٰ جمع الصفوف، كما كان ذا شرف وهيبة في عيون القبائل.

انبثق نظام الخلافة في الدولة الإسلامية، ويقوم هذا النظام علىٰ مبدإ الانتخاب المباشر لاختيار أصلح الموجودين من كبار رجال الصحابة، وترتب علىٰ مبدإ الانتخاب مبدأ آخر هو البيعة، وأصبحت البيعة شرطًا من شروطه، وكانت علىٰ ضربين: خاصة وعامة، فالبيعة الخاصة جرت في اجتماع السقيفة، ولم يرىٰ فيها المسلمون البيعة المشروعة، فعقدوا في الغداة اجتماعًا آخر في المسجد الجامع حيث بايع عامة المسلمين أبا بكر >.

استنت البيعة الخطبة التي يلقيها الخليفة، ويعلن فيها برنامجه في الحكم، واستمرت هذه الخطبة بمفهومها حتىٰ يومنا هذا، وأصبحت تعرف فيم بعد بخطاب العرش( ).

أبو بكر > يقر حق الأمة وسلطتها في الحكم:

أفرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مبدأ البيعة والاختيار، وحق الأمة في الاختيار... فقيادة الأمة لا تقام إلا بالاختيار، وأن البيعة هي أصل من أصول الاختيار وشرعية القيادة، وأن الخلافة لا يتولاها إلا الأصلب دينًا، والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة يكون وفق مقومات إسلامية، وشخصية، وأخلاقية، وأن الخلافة لا تدخل ضمن مبدإ الوراثة النسبية أو القبلية، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام علىٰ قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين، حيث لا هرج، ولا مرج، ولا تكذيب، ولا مؤامرات، ولا نقض لاتفاقات، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلىٰ النصوص الشرعية.

مبدأ الشورى في الحكم، وكل ما يهم أمر الدولة والجماعة:

أول ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن نظام الحكم ودستور الدولة يقرر بالشورىٰ الحرة؛ تطبيقًا لمبدإ الشورىٰ الذي نص عليه القرآن في قوله تعالىٰ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾ [الشورىٰ: 37، 38]، وقوله تعالىٰ: ﴿ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ﴾ [آل عمران: 159].

ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع، وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورىٰ، أي أن هذا الإجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في الإسلام وهو الشورىٰ الملزمة، وهذا أول مبدإ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا ﷺ، ثم إن هذا الإجماع لم يكن إلا تأييدًا وتطبيقًا لنصوص الكتاب والسنّة التي أوجبت الشورىٰ.

تقرر يوم السقيفة أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة الإسلامية، وتحديد سلطاته يجب أن يتم بالشورىٰ، أي: البيعة الحرة التي تمنحه تفويضًا ليتولىٰ الولاية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الاختيارية الحرة - الدستور في النظم المعاصرة -، وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الإجماع، وكان قرارًا إجماعيًّا كالقرار السابق؛ تطبيقًا للمبدأين السابقين، قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الخليفة الأول للدولة الإسلامية، ثم إن هذا الترشيح لم يصح نهائيًّا إلا بعد أن تمت له البيعة العامة، أي: موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول ﷺ، ثم قبوله لها بالشروط التي ذكرها في خطابه الذي ألقاه( ).

 

الفصل الثاني

الخلاف على الإمامة العظمى

أعظم خلاف حدث بين الأمة كما يقول الشهرستاني كان خلاف الإمامة( )، وبالطبع ما كان الخلاف ليجد مكانًا بين المسلمين وفيهم رسول الله ﷺ يحسم الخلاف، ويصلح النفوس، ويهدي إلىٰ صراط مستقيم.

﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ﴾ [النساء: 65].

ولكن أكان المسلمون يفكرون فيمن يخلف الرسول الكريم في إمامتهم، علىٰ وجه الخصوص عندما اشتد مرضه الأخير؟ وردت روايات صحيحة الإسناد تفيد وجود مثل هذا التفكير، منها ما جاء عن ابن عباس أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله؟

فقال: أصبح بحمد الله بارئًا، قال ابن عباس: فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال: ألا ترىٰ أنت؟ والله إني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، فاذهب بنا عند رسول الله ﷺ فلنسأله فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا كلمناه فأوصىٰ بنا.

فقال علي: والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعنا لا يعطيناها الناس أبدًا، فوالله لا أسأله أبدًا( ).

وجوب إقامة الخلافة الإسلامية:

الإمامة والخلافة الإسلامية ضرورة:

قرر العلماء أن الخلافة فرض أساسي من فروض الدين، بل هو الفرض الأكبر الذي يتوقف عليه تنفيذ سائر الفروض.

... يقول العلامة والمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون: «نصب الإمام واجب، عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ عند وفاته بادروا إلىٰ بيعة أبي بكر >، وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم يترك الناس فوضىٰ في عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعًا دالًّا علىٰ وجوب نصب الإمام».

وقال الإمام الشهرستاني بعد أن وصف اجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة عقب وفاة النبي ﷺ، وبعد أن روىٰ خطبة أبي بكر التي قال فيها: «أيها الناس: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».

إلىٰ أن قال: «ولابد لهذا الدين من قائم يقوم به»، وأن الناس حينئذ نادوه من كل جانب: صدقت يا أبا بكر، ولم يوجد من يقول: إن الدين يصلح من غير قائم به، قال الإمام بعد ذلك: «وما دار في قلبه ولا في قلب أحد أنه يجوز خلو الأرض عن إمام، فدل ذلك علىٰ أن الصحابة وهم الصدر الأول كانوا علىٰ بكرة أبيهم متفقين علىٰ أنه لابد من وجوب الإمامة».

تحدث الخليفة الثاني في إحدى خطبه عن ذاك الاجتماع فقال: 

«بلغني أن قائلًا منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلانًا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقىٰ شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر - من بايع رجلًا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفىٰ الله نبيه إلا أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلىٰ أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلىٰ إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتىٰ أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك. فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم، فأثنىٰ علىٰ الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: علىٰ رسلك. فكرهت أن أغضبه. فتكلم أبو بكر فكان هو أعلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتىٰ سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم

فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر علىٰ قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن. فقال قائل من الأنصار: أنا جزيلها

المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتىٰ فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار، ونزونا علىٰ سعد بن عبادة فقال قائل منهم: كم قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوىٰ من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم علىٰ ما لا نرىٰ».

الأولوية في الخلافة:

جاء في «نهج البلاغة»: ... واجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة؛ لينظروا في أمر الخلافة، وقالت الأنصار للمهاجرين: «منا أمير ومنكم أمير»، وكادت تحدث فتنة بين المجتمعين لولا أن الخليفة عمر بن الخطاب حسم الأمر وبايع أبا بكرٍ فبايعه المسلمون بعد ذلك وترك سعد بن عبادة شيخ الخزرج الاجتماع غاضبًا؛ لأنه كان يرىٰ نفسه أولىٰ بالخلافة من غيره، وتخلف عليّ عن البيعة بعض الوقت إلا أنه بايع الخليفة الجديد أبا بكر وهو راض عن البيعة مقبل عليها، غير أن فكرة الأولوية كانت تراود نفس الإمام ومعه السيدة فاطمة الزهراء وبعض الصحابة وبني هاشم، حتىٰ أن الخليفة عمر بن الخطاب قال لابن عباس وهو يشير إلىٰ عليّ: «أما والله إن كان صاحبك هذا أولىٰ الناس بعد رسول الله ﷺ إلا أنا خفناه علىٰ اثنين: حداثة السن وحبه بني عبد المطلب»( ). ويشير الخليفة عمر بن الخطاب وهو علىٰ فراش الموت إلىٰ الإمام علي ويقول: «والله لو وليتموه أمركم لحملكم علىٰ المحجة البيضاء»( )، ومن هنا يمكن القول: إن فكرة التشيع لعلي ظهرت بعد وفاة النبي ﷺ، واستمرت حتىٰ القرن الثالث الهجري حيث كان التشيع يعني أن عليًّا أولىٰ بالخلافة وأحق بها من غيره، ولكن المسلمين نزولًا لأوامر القرآن الكريم الذي يقول: ﴿ﮞ ﮟ ﮠ﴾ [الشورىٰ: 38] ارتضوا أبا بكر خليفة وعلي ارتضاه كما ارتضاه غيره، وبايعه كما بايعه غيره، وهكذا كان موقفه مع الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان فبايعهما وأخلص لهما في المشورة والرأي.

الخلاف بين فرق الشيعة حول الإمامة العظمى:

الشيعة علىٰ اختلاف فرقهم يرون وجوب وجود إمام، ولكن رأيهم في الإمامة يخالف ما ذهب إليه جمهور المسلمين.

الشيعة الزيدية:

أقرب فرق الشيعة إلىٰ الجمهور فرقة الزيدية أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فبعد استشهاد الإمام الحسين ذهبت فرقة من الشيعة إلىٰ أن الإمامة لا تكون إلا في أولاد فاطمة رضي الله تعالىٰ عنها، ويستوي في هذا أولاد الحسن وأولاد الحسين، ورأوا أن كل فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة فهو إمام واجب الطاعة، وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال، فلما خرج زيد بن علي في عهد هشام بن عبد الملك بايعه هؤلاء، وكان من مذهب الإمام زيد جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، فقال: 

«كان علي بن أبي طالب > أفضل الصحابة، إلا أن الخلافة فوضت إلىٰ أبي بكر لمصلحة رأوها وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامة؛ فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبًا، وسيف أمير المؤمنين علي عن دماء المشركين من قريش وغيرهم لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل، ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد، فكانت المصلحة أن يكون القائم بهذا الشأن من عرفوه باللين والتؤدة والتقدم بالسن، والسبق في الإسلام، والقرب من رسول الله ﷺ...وكذلك يجوز أن يكون المفضول إمامًا والأفضل قائم، فيرجع إليه في الأحكام، ويحكم بحكمه في القضايا»( ).

ولما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة منه، وعرفوا أنه لا يتبرأ من الشيخين، وإنما قال: «إني لا أقول فيهما إلا خيرًا، وما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيرًا، وإنما خرجت علىٰ بني أمية الذين قاتلوا جدي الحسين». عندما سمعوا ذلك فارقوه، ورفضوا مقالته حتىٰ قال لهم: رفضتموني، ومن يومئذ سمّوا رافضة( ).

فرق الزيدية منهم من يتفق مع ما ذهب إليه الإمام زيد، ومنهم من خالفه، فالجارودية زعموا أن النبي ﷺ قد نص علىٰ الإمام علي بالوصف دون التسمية، وهو الإمام بعده، والناس قصروا حيث لم يتعرفوا الوصف، ولم يطلبوا الموصوف، وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم فكفروا بذلك( ).

ولكن باقي فرق الزيدية ذهبوا إلىٰ أن الإمامة شورىٰ فيما بين الخلق، وأنها تصح في المفضول مع وجود الأفضل، وأثبتوا إمامة الشيخين أبي بكر وعمر حقًّا باختيار الأمة حقًّا واجتهادًا، واختلفوا في عثمان، فمنهم من طعن، ومنهم من توقف( ).

الشيعة الإمامية:

أما الشيعة الإمامية فهم يرون أن الإمامة منصب إلهي يختار له الله بسابق علمه بعباده كما يختار النبي، ويأمر النبي بأن يدل الأمة عليه ويأمرهم باتباعه، ويقولون: إن الله سبحانه وتعالىٰ أمر نبيه بأن ينص علي علي بن أبي طالب، وينصب عليًّا للناس من بعده، وقد بلغ الرسول الكريم رسالة ربه، فلما انتقل إلىٰ الرفيق الأعلىٰ لم يتبع المسلمون أمر الله تعالىٰ ولا أمر نبيه، وتركوا ركنًا من أركان الإيمان، ويرون أن النص بعد الإمام علي لابنه الحسن ثم للحسين ثم لابنه علي زين العابدين، ثم لابنه محمد الباقر، فابنه جعفر الصادق.

بعد القول بإمامة أبي عبد الله جعفر الصادق نرىٰ منشأ أكبر فرقتين من فرق الشيعة هما: الإسماعيلية، والجعفرية الاثنا عشرية.

الإسماعيلية:

الإسماعيلية جعلوا الإمامة بعده لابنه إسماعيل الأكبر، وافترق هؤلاء فرقتين: 

فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ علىٰ موت إسماعيل في حياة أبيه، وفرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر، حيث أن جعفر نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، فلما مات إسماعيل في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة علىٰ إمامة ابنه محمد بن إسماعيل، وإلىٰ هذا القول مالت الإسماعيلية الباطنية.

والإسماعيلية جعلوا الإمامة بعد إسماعيل لابنه محمد المكتوم، ومنهم من وقف عليه وقال برجعته بعد غيبته، ومنهم من ساق الإمامة في أئمة مستورين منهم، ثم في ظاهرين قائمين من بعدهم، وقالوا: لن تخلو الأرض قط من إمام حي قائم، إما ظاهر مكشوف، وإما باطن مستور، فإذا كان الإمام ظاهرًا جاز أن يكون حجته مستورًا، وإذا كان الإمام مستورًا فلا بد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين. ومن مذهبهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وكذلك من مات ولم يكن في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية( ).

وتذهب المصادر الإسماعيلية التاريخية إلىٰ أن إسماعيل مات عام 158 هـ، أي بعد أبيه بعشر سنوات( )، وجاء في «دائرة المعارف الإسلامية» عند الحديث عن الإسماعيلية: «كان جعفر قد استخلف إسماعيل، ولكنه عاد فاستخلف ابنه الثاني موسىٰ؛ لأنه لقي إسماعيل ثملًا، لكن الإسماعيلية لم يسلموا بنزع الإمامة من إسماعيل؛ لأنهم كانوا يرون أن الإمام معصوم، وأن شرب الخمر لا يفسد عصمته، وأنه لا يجوز لله أن يأمر بشيء ينسخه».

الجعفرية الاثنا عشرية:

أما الجعفرية الاثنا عشرية - وهم أكبر الفرق الإسلامية المعاصرة - فلهم عقيدة خاصة في الإمامة.



عقيدتهم في الإمامة:

يعتقد الجعفرية أن الإمامة كالنبوة في كل شيء، ولذلك قالوا: لا بد أن يكون في كل عصر إمام هاد يخلف النبي في وظائفه من هداية البشر وإرشادهم إلىٰ ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامة علىٰ الناس لتدبير شئونهم وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم، وعلىٰ هذا فالإمامة استمرار للنبوة.

الإمامة أصل من أصول الدين!!:

يقولون: إن الإمامة أصل من أصول الدين لا يتم الإيمان إلا بالاعتقاد بها، فمن لم يذهب مذهبهم في الإمامة فهم يجمعون علىٰ أنه غير مؤمن، وإن اختلفوا في تفسير غير المؤمن هذا، فمن قائل بكفره، إلىٰ قائل بالفسق، وأكثرهم اعتدالًا أو أقلهم غلوًّا يذهب إلىٰ أنه ليس مؤمنًا بالمعنىٰ الخاص، وإنما هو مسلم بالمعنىٰ العام، ما لم يكن مبغضًا للأئمة وشيعتهم فضلًا عن حربهم، فهو يعد كافرًا عند جميع الجعفرية.

ذكر الحلي - الملقب عند الجعفرية بالعلامة - بأن إنكار الإمامة شر من إنكار النبوة!! حيث قال: «الإمامة لطف لله عام، والنبوة لطف خاص لإمكان خلو الزمان من نبي حي بخلاف الإمام... وإنكار اللطف العام شر من إنكار اللطف الخاص «الألفين» (1/3). 

وعقب أحد علمائهم علىٰ هذا بأنه «نعم ما قال» وأضاف: وإلىٰ هذا أشار الصادق بقوله عن منكر الإمامة هو شر الثلاثة، فعنه أنه قال: الناصبي شر من اليهودي. قيل: وكيف ذلك يابن رسول الله؟ فقال: إن اليهودي منع لطف النبوة وهو خاص، والناصبي منع لطف الإمامة وهو عام( ) ذكر المؤلف أن الإمامة مرتبة فوق النبوة!! وقال ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق: «اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من بعده أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء وأنكر نبوة نبينا محمد»( ) وقال المفيد: «اتفقت الإمامية علىٰ أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالىٰ له من فرض طاعته، فهو كافر ضال مستحق الخلود في النار»( )، والمجلسي ذكر قول المفيد لتأييد رأيه.

الإمام كالنبي في عصمته وصفاته وعلمه!!:

ذهب بعضهم إلىٰ أن الإمام يجب أن يكون معصومًا من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن، من سن الطفولة إلىٰ الموت، عمدًا وسهوًا. كما يجب أن يكون معصومًا من السهو والخطإ والنسيان!! ويجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال من شجاعة وكرم وعفة وصدق وعدل، ومن تدبير وعقل وحكمة وخلق. أما علمه فهو يتلقىٰ المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طرق النبي أو الإمام من قبله.

وإذا استجد شيء لا بد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالىٰ فيه، فإن توجه إلىٰ شيء وشاء أن يعلمه علىٰ وجهه الحقيقي، لا يخطئ فيه ولا يشتبه عليه، ولا يحتاج في كل ذلك إلىٰ البراهين العقلية، ولا إلىٰ تلقينات المعلمين، وإن كان علمه قابلًا للزيادة والاشتداد. وذهب بعضهم إلىٰ أن أحد الملائكة كان يلازم الرسول ﷺ، ليسدده ويرشده ويعلمه، فلما انتقل الرسول ﷺ إلىٰ الرفيق الأعلىٰ ظل الملك بعده، لم يصعد ليؤدي نفس وظيفته مع الأئمة بعد الرسول ﷺ( ).

وفي الباب الأسبق ذكر أن روح القدس خاصة بالأنبياء، فإذا قبض النبي انتقل روح القدس فصار إلىٰ الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والإمام يرىٰ به. وفي الحاشية فسر الرؤية بقوله: يعني ما غاب عنه في أقطار الأرض وما في عنان السماء، وبالجملة ما دون العرش إلىٰ ما تحت الثرىٰ!!( ).

وقال ابن بابويه القمي في رسالته (صـ108 - 109): «اعتقادنا في الأخبار الصحيحة عن الأئمة أنها موافقة لكتاب الله، متفقة المعاني، غير مختلفة؛ لأنها مأخوذة من طريق الوحي عن الله سبحانه»( ).

وقال المجلسي: «أصحابنا الإمامية أجمعوا علىٰ عصمة الأنبياء والأئمة (ع) من الذنوب الصغيرة والكبيرة. عمدًا وخطأ ونسيانًا، قبل النبوة والإمامة وبعدهما، بل من وقت ولادتهم إلىٰ أن يلقوا الله تعالىٰ، ولم يخالف في ذلك إلا الصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد، فإنهما جوزا الإسهاء من الله تعالىٰ لا السهو الذي يكون من الشيطان في غير ما يتعلق بالتبليغ وبيان الأحكام»( ).

لا يجوز على الأئمة السهو والنسيان!!:

وقال الطوسي: «لا يجوز عليهم - أي علىٰ الأئمة - السهو والنسيان فيما يؤدونه عن الله، فأما غير ذلك فإنه يجوز أن ينسوه أو يسهوا عنه مما لم يؤد ذلك إلىٰ الإخلال بكمال العقل، وكيف لا يجوز عليهم ذلك وهم ينامون ويمرضون ويغشىٰ عليهم، والنوم سهو، وينسون كثيرًا من متصرفاتهم أيضًا، وما جرىٰ لهم فيما مضىٰ من الزمان»( ). والطوسي يلقبونه بشيخ الطائفة، وهو صاحب كتابين من كتب الحديث الأربعة.

الأئمة هم أبواب الله والسبل إليه!!:

الأئمة هم أولو الأمر الذين أمر الله تعالىٰ بطاعتهم، وهم الشهداء علىٰ الناس، وأبواب الله والسبل إليه والأدلاء عليه، فأمرهم أمر الله تعالىٰ، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ووليهم وليه، وعدوهم عدوه، ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد علىٰ الرسول، والراد علىٰ الرسول كالراد علىٰ الله تعالىٰ، فيجب التسليم لهم، والانقياد لأمرهم، والأخذ بقولهم.

ولذا فالجعفرية يعتقدون أن الأحكام الشرعية الإلهية لا تستقي إلا من نمير ماء أئمتهم، ولا يصح أخذها إلا منهم، ولا تفرع ذمة المكلف بالرجوع إلىٰ غيرهم، ولا يطمئن بينه وبين الله تعالىٰ إلىٰ أنه قد أدىٰ ما عليه من التكاليف المفروضة إلا من طريقهم.

الإمامة لا تكون إلا بالنص!!:

ما دامت الإمامة كالنبوة فهي لا تكون إلا بالنص من الله تعالىٰ علىٰ لسان رسوله، أو لسان الإمام المنصوب بالنص إذا أراد أن ينص علىٰ الإمام من بعده، وحكمها في ذلك حكم النبوة بلا فرق، فليس للناس أن يحكموا فيمن يعينه الله هاديًا ومرشدًا لعامة البشر، كما ليس لهم حق تعيينه أو ترشيحه أو انتخابه؛ لأن الشخص الذي له من نفسه القدسية استعداد لتحمل أعباء الإمامة العامة وهداية البشر قاطبة يجب ألا يعرف إلا بتعريف الله تعالىٰ، ولا بتعيينه. ويعتقدون كذلك أن النبي ﷺ نص علىٰ خليفته والإمام في البرية من بعده، فعين ابن عمه علي بن أبي طالب أميرًا للمؤمنين وأمينًا للوحي، وإمامًا للخلق في عدة مواطن، ونصبه وأخذ البيعة له بإمرة المؤمنين يوم غدير خم. كما أنه بين أن الأئمة من بعده اثنا عشر نص عليهم جميعًا بأسمائهم، ثم نص المتقدم منهم علىٰ من بعده.

الأئمة الاثنا عشر الذين نص عليهم الرسول ﷺ - على حد زعمهم -: 

أبو الحسن علي بن أبي طالب (المرتضىٰ) الذي ولد قبل البعثة بعشر سنوات، واستشهد سنة أربعين من الهجرة. (10ق - 40هـ) - أبو محمد الحسن بن علي «الزكي» (3 - 50 هـ) - أبو عبد الله الحسين بن علي «سيد الشهداء» (4 - 61 هـ). - أبو محمد علي بن الحسين «زين العابدين» (38 - 95 هـ). - أبو جعفر محمد بن علي «الباقر» (57 - 114هـ). - أبو عبد الله جعفر بن محمد «الصادق» (83 - 148 هـ). - أبو إبراهيم موسىٰ بن جعفر «الكاظم» (128 - 183هـ). - أبو الحسن علي بن موسىٰ «الرضا» (148 - 202 أو 203 هـ). - أبو جعفر محمد بن علي «الجواد» (195 - 225 هـ). - أبو الحسن علي بن محمد «الهادي» (212 - 254 هـ) - أبو محمد الحسن بن علي «العسكري» (232 - 260 هـ) - أبو القاسم محمد بن الحسن «المهدي» وهو الحجة في هذا العصر ليملأ الأرض عدلًا وقسطًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا. قيل ولد سنة 256 هـ. وغاب غيبة صغرىٰ سنة 260هـ. وغيبة كبرىٰ سنة 329هـ، وسيظل حيًّا إلىٰ يوم القيامة حتىٰ لا تخلو الأرض من حجة وإلا ساخت!!

هذه هي عقيدة الإمامية الاثني عشرية في الإمامة، ولكن ما أدلتهم التي استندوا إليها؟ وما مدىٰ صحة استدلالهم؟( ).

الفصل الثالث

افتراءات الشيعة الإمامية على أخيار الأمة!!

يقولون: من اختار غير علي > فقد ضل سواء السبيل!!

يقولون: أن الشيطان زين للصحابة رضوان الله عليهم أعمالهم فصدهم عن السبيل، ورغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلىٰ اختيارهم، والقرآن يناديهم: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ﴾ [القصص: 68]( ).

ويذكر الشيخ المفيد في كتابه «الاختصاص»: أن الصحابة قد ارتدوا جميعًا بعد وفاة النبي ﷺ، إلا ثلاثة - أي زيادة علىٰ آل البيت – وهم: سلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، ثم ذكر أن أربعة آخرين قد لحقوا بهم وهم: عمار بن ياسر، وأبو ساسان الأنصاري، وحذيفة بن اليمان، وأبو عمرة بشير بن عمر الأنصاري فصاروا سبعة!!

وصفوا صحابة رسول الله ﷺ بالكفر والزيغ والضلال، وأنهم من حزب الشيطان!! حاشاهم الله ش... كذبتهم – والله - أنفسهم... وزلت أقدامهم إلىٰ الحضيض... راموا صعبًا، وقالوا إفكًا، وضلوا ضلالًا بعيدًا... عقولهم بائرة ناقصة، وآراؤهم مضلة... ألا بعدًا قاتلهم الله أنىٰ يؤفكون.

الحقيقة أنه ليس لهؤلاء حجة يعتمد عليها، ولا دليل يعتد به... أقوال تارة يقولونها من عند أنفسهم، وتارة ينسبونها إلىٰ الصفوة من آل البيت، بيت النبوة وهم برآء من أي سب وشتم، لأصحاب رسول الله ﷺ.

افتراءات علىٰ الأخيار من هذه الأمة، لا يبالون فيها بمناقضة القرآن الكريم ولا بمناقضة السُّنة الصحيحة المطهرة، وبلغ بهم الحقد حدًّا أنساهم الحياء وأباح لهم البهتان حتىٰ ولو كان مكشوفًا ولا يمكن ستره!! وبلغ من حقدهم علىٰ القرآن والسُّنة حدًّا أصبح بابًا لولوج السيادة والقيادة عندهم، وعلامة علىٰ صحة العداوة واكتساب الثقة عند أئمة الرفض والردة، مما أوجد قاسمًا مشتركًا يجمع بينهم، وهو المبالغة في بغض الصحابة والسُّنة المطهرة، وأوجد لديهم رؤية موحدة عن أهل السُّنة، وهي رؤية سوداء حاقدة يغذيها الشحن الطائفي الدائم الذي تباح فيه دماء أهل السُّنة وأموالهم وأعراضهم ومقدساتهم، متىٰ أصبح للشيعة شوكة، ولو بالتعاون والتحالف مع اليهود والنصارىٰ والعلمانيين والوثنيين وغيرهم ضد أهل السُّنة، وهذا ما يصدقه ويشهد به الواقع المعاصر.

وكل ذلك مؤكد من أفعالهم... زاد الكم الهائل من الحقد وثقافة الكراهية والضغينة التي يدينون بها من بعدهم عن الإسلام، وأوجد لهم دينًا آخر، مصادر الحلال والحرام فيه هو مرجعياتهم وليس مرجعية الكتاب والسُّنة... راياتهم ترفع مع رايات اليهود والنصارىٰ وأعداء الله... كما أن هذا الكم الهائل من الأحقاد والكراهية قد بلغ حدًّا أصم آذانهم وعقولهم جعلهم غير قادرين علىٰ التحرر من الموروث الأسود الذي يتلقون ثقافته في كل مناسبة، ويرضعونه في المهد شتمًا وسبًّا وانتقاصًا وإفكًا واتهامًا لصحابة رسول الله ﷺ، مما جعلهم غير قادرين علىٰ تدبر آيات القرآن الكريم التي أثنىٰ الله تعالىٰ فيها علىٰ الصحابة ش... فيها الثناء عليهم وعلىٰ أهل السُّنة الذين يتولونهم ويتبعونهم ويحبون كل من أحبهم.

لماذا التشكيك في ولاء علي لأبي بكر ب؟!:

لم يتخلف > عن البيعة!!:

روىٰ البخاري أن الإمام عليًّا عندما أراد مبايعة الصديق ب أرسل إليه فجاءه، فتشهد علي فقال: 

«إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر، وكنا نرىٰ لقرابتنا من رسول الله ﷺ نصيبًا، حتىٰ فاضت عينا أبي بكر. فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ، أحب إليَّ أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته. فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة. فلما صلىٰ أبو بكر الظهر رقىٰ علىٰ المنبر فتشهد، وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة، وعذره بالذي اعتذر إليه. ثم استغفر وتشهد علي، فعظم حق أبي بكر، وحدث أنه لم يحمله علىٰ الذي صنع نفاسة علىٰ أبي بكر ولا إنكارًا للذي فضله الله به، ولكننا نرىٰ لنا في هذا الأمر نصيبًا، فوجدنا في أنفسنا. فسر بذلك المسلمون إلىٰ علي، حين راجع الأمر المعروف( ). وروىٰ مسلم أكثر من رواية تفيد ما سبق، وفي إحدىٰ رواياته: «ثم قام علي فعظم من أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضىٰ إلىٰ أبي بكر فبايعه. فأقبل الناس إلىٰ علي فقالوا: أصبت وأحسنت»( ). واستبد بالأمر: إذا انفرد به من غير مشارك له فيه، وقول الإمام: ولكنك استبددت علينا بالأمر: أي لم تشاورنا في أمر الخلافة.

في «فتح الباري» بعد الحديث عن الرواية السابقة قال ابن حجر: فقد صحح ابن حبان وغيره من حديث أبي سعيد الخدري >، أن عليًّا بايع أبا بكر في أول الأمر. وأما ما وقع في مسلم عن الزهري أن رجلًا قال له: لم يبايع علي أبا بكر حتىٰ ماتت فاطمة ب قال: لا ولا أحد من بني هاشم. فقد ضعفه البيهقي بأن الزهري لم يسنده، وأن الرواية الموصولة عن أبي سعيد أصح. وجمع غيره بأنه بايعه بيعة ثانية مؤكدة للأولىٰ، لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث. وحينئذ يحمل قول الزهري لم يبايعه علي في تلك الأيام علىٰ إرادة الملازمة له والحضور عنده، وما أشبه ذلك فإن في انقطاع مثله عن مثله يوهم من لا يعرف باطن الأمر أنه بسبب عدم الرضا بخلافته، فأطلق من أطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر علي المبايعة التي بعد موت فاطمة لإزالة هذه الشبهة.

بايع علي والزبير في اليوم التالي لوفاة النبي ﷺ:

انشغلوا بأمر جهاز النبي:

وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق ب، وكذا تأخر الزبير بن العوام، وجُلّ هذه الأخبار ليس بصحيح إلا ما رواه ابن عباس ب قال: إن عليًّا والزبير، ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ، فقد كان انشغال جماعة من المهاجرين وعلىٰ رأسهم علي بن أبي طالب بأمر جهاز رسول الله ﷺ من تغسيل، وتكفين، ويبدو ذلك واضحًا فيما رواه الصحابي سالم بن عبيد > من أن أبا بكر قال لأهل بيت النبي، وعلىٰ رأسهم علي: عندكم صاحبكم، فأمرهم يغسلونه. وقد بايع الزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب ب أبا بكر في اليوم التالي لوفاة الرسول، وهو يوم الثلاثاء، قال أبو سعيد الخدري: لما صعد أبو بكر المنبر، نظر في وجوه القوم، فلم ير الزبير بن العوام فدعا بالزبير فجاء، فقال له أبو بكر: يابن عمة رسول الله ﷺ، وحوارّيه، أتريد أن تشقَّ عصا المسلمين؟ فقال الزبير: لا تثريب عليك يا خليفة رسول الله، فقام الزبير، فبايع أبا بكر!، ثم نظر أبو بكر في وجوه القوم، فلم ير علي بن أبي طالب فدعا بعلي، فجاء. فقال له أبو بكر: يابن عمّ رسول الله ﷺ، وختنه علىٰ ابنته، أتريد أن تشق عصا المسلمين؟ فقال علي: لا تثريب عليك يا خليفة رسول الله ﷺ، فقام علي، فبايع أبا بكر! ومما يدل علىٰ أهمية حديث أبي سعيد الخدري الصحيح أن الإمام (مسلم بن الحجاج) صاحب «الجامع الصحيح» الذي هو أصح الكتب الحديثية بعد صحيح البخاري - ذهب إلىٰ شيخه الإمام الحافظ محمد بن إسحاق بن خزيمة - صاحب «صحيح ابن خزيمة» - فسأله عن هذا الحديث، فكتب له ابن خزيمة الحديث، وقرأه عليه، فقال مسلم لشيخه ابن خزيمة: هذا الحديث يساوي بدنة، فقال ابن خزيمة: هذا الحديث لا يساوي بَدَنَة فقط، إنه يساوي بدرة مال، وعلق علىٰ هذا الحديث ابن كثير ؟ فقال: هذا إسنادٌ صحيح محفوظ، وفيه فائدة جليلة، وهي مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة، وهذا حق، فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه.

وفي رواية حبيب بن أبي ثابت، حيث قال: كان علي بن أبي طالب في بيته، فأتاه رجل، فقال له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج علي إلىٰ المسجد في قميص له، ما عليه إزار ولارداء، وهو متعجِّل، كراهة أن يبطئ عن البيعة. فبايع أبا بكر، ثم جلس، وبعث إلىٰ ردائه، فجاؤوه به، فلبسه فوق قميصه قد سأل عمرو بن حريث سعيد بن زيد >، فقال له: أشهِدْتَ وفاة رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال له: متىٰ بويع أبو بكر؟ قال سعيد: يوم مات رسول الله ﷺ، كره المسلمون أن يبقوا بعض يوم، وليسوا في جماعة. قال: هل خالف أحد أبا بكر؟ قال سعيد: لا. لم يخالفه إلا مرتد، أو كاد أن يرتد، وقد أنقذ الله الأنصار، فجمعهم عليه وبايعوه. قال: هل قعد أحد من المهاجرين عن بيعته؟ قال سعيد: لا. لقد تتابع المهاجرون علىٰ بيعته!!.

حرص علي > على الصديق!!:

وأما علي > فلم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ولم ينقطع عنه في جماعة من الجماعات، وكان يشاركه في المشورة، وفي تدبير أمور المسلمين. ويرىٰ ابن كثير وكثير من أهل العلم أن عليًّا جدّد بيعته بعد ستة أشهر من البيعة الأولىٰ أي بعد وفاة فاطمة <، وجاءت في هذه البيعة روايات صحيحة. وكان علي في خلافة أبي بكر عيبة نصح له، مرجِّحًا لما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين علىٰ أي شيء آخر، ومن الدلائل الساطعة علىٰ إخلاصه لأبي بكر، ونصحه للإسلام والمسلمين، وحرصه علىٰ الاحتفاظ ببقاء الخلافة، واجتماع شمل المسلمين ما جاء من موقفه من توجه أبي بكر > بنفسه إلىٰ ذي القصة، وعزمه علىٰ محاربة المرتدين، وقيادته للتحركات العسكرية ضدهم بنفسه، وما كان في ذلك من مخاطرة وخطر علىٰ الوجود الإسلامي، فعن ابن عمر ب قال: لما برز أبو بكر إلىٰ ذي القصة، واستوىٰ علىٰ راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها، وقال: إلىٰ أين يا خليفة رسول الله ﷺ؟ أقول لك ما قال رسول الله ﷺ يوم أحد: لمَّ سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلىٰ المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدًا؛ فرجع.

فلو كان علي > - أعاذه الله من ذلك - لم ينشرح صدره لأبي بكر وقد بايعه علىٰ رغم من نفسه، فقد كانت هذه فرصة ذهبية ينتهزها علي، فيترك أبا بكر وشأنه، لعله يحدث به حدث فيستريح منه ويصفو الجو له، وإذا كان فوق ذلك - حاشاه عنه - من كراهته له وحرصه علىٰ التخلُّص منه، أغرىٰ به أحدًا يغتاله، كما يفعله الرجال السياسيون بمنافسيهم وأعدائهم. لقد روج نفر من المهزومين في هذا العصر، والمروجين لثقافة الفتن وتجاوز ثوابت الأمة، وممن يزعمون حبهم لعلي وآل البيت لمزاعم باطلة حول تخلف علي > عن بيعة خليفة رسول الله ﷺ، ترويجًا واسعًا ووافقهم في غفلة نفر من علماء أهل السُّنة بحجة التحرر من التبعات، وبزعم فقه العصر وفهم المرحلة، ومشاركين أهل الباطل في نشر باطلهم، ولمزاحمة السُّنة وأشرافها بتوهين جهادهم وتهوين أمرهم، وعظيم ثباتهم مبالغة في إضعاف السُّنة وإذلال أهلها، والحق أنهم لا يمكنهم أن يقدموا موقفًا واحدًا خالف فيه علي > متعمدًا خليفة رسول الله ﷺ لا في حياته ولا بعد وفاته، يؤيد ما ذهبت إليه تفسيراتهم التي زيفوها وجعلوا منها تراثًا يقدسونه ويمجدونه، لا يمكن الخلاص منه!!

تدل الروايات الصحيحة علىٰ غضب علي بن أبي طالب لعدم استشارته في أمر الخلافة، وصحت روايات تفيد بأنه بايع في اليوم الذي جرت فيه البيعة العامة، وأنه وضح سبب غضبه بقوله: 

«ما غضبنا إلا لأنَّا أُخرنا عن المشاورة، وإنا نرىٰ أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله ﷺ، إنه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنا لنعلم بشرفه وكبره، ولقد أمره رسول الله ﷺ بالصلاة بالناس وهو حيٌّ»( ).

وجمع ابن كثير وابن حجر بين الأحاديث الصحيحة بأن عليًّا بايع أول الأمر مع الناس، ثم بايعه بعد وفاة فاطمة تأكيدًا للأولىٰ، وإزالة ما حدث من جفوة بسبب الاختلاف حول الميراث( ).

قال علي >، في تأبين عمر >: فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما أي: النبي ﷺ وأبي بكر >، فذكر النبي ﷺ لأبي بكر دائمًا بعد اسمه ﷺ مباشرة، إشارة إلىٰ أنه أولىٰ الصحابة بالتقدم من بعده، ما دام أنه ﷺ لم يفصل بين الاسمين بأي اسم آخر من أصحابه ش.

ما جاء في بعض الروايات الصحيحة من تخلف علي > عن الذهاب إلىٰ سقيفة بني ساعدة في اليوم الأول من وفاة النبي ﷺ، فلا يمكن حمله علىٰ أنه خروج علىٰ الإجماع، أو أنه رفض لطاعة خليفة رسول الله ﷺ، أو أن فيه شيئًا من الإنكار لمقامه الذي أقامه فيه رسول الله ﷺ قبل وفاته، وإنما هي كلمة وردت علىٰ لسان قائلها كشاهد علىٰ أن الله تعالىٰ هو متولي تدبير أمر خلافة رسول الله ﷺ، ومع قلة الذين أمكنهم تدارك الأمر في السقيفة، وتنبيه الأنصار علىٰ المسار الصحيح، وأنهم لم يزيدوا عن ثلاثة من المهاجرين بينما كان الآخرون من المهاجرين لا علم لهم بما يجري من حوار في السقيفة، وهم مشغولون بتجهيز رسول الله ﷺ من أمثال علي والزبير وعثمان ش، ولا سيما أن روابطهم العائلية برسول الله ﷺ تؤكد عليهم مباشرة ذلك والعمل علىٰ إنجازه، إضافة إلىٰ انشغالهم بمعالجة عميق جراح لوعتهم ومصابهم بفقد رسول الله ﷺ ذلك المصاب الذي هز المجتمع الإسلامي آنذاك هزًّا عنيفًا لم يثبت أمامه إلا أولو العزم وراسخو العلم.

تخلفهم عن البيعة اتهام لم يثبت له دليل!!:

القول بتأخرهم عن طاعة خليفة رسول الله ﷺ، إنما هو اتهام لم يثبت له أي دليل علمي علىٰ أرض الواقع، ولا دليل شرعي يستند إليه... لم يثبت أن علي > قد تخلف عن طاعة خليفة رسول الله ﷺ، وهو القائل: «لا يفضلني أحد علىٰ أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري».. هذا الأثر قد روي من حوالي ثمانين طريقًا حتىٰ بلغ حد التواتر في الصدق والصحة.

قال علي >: «إن رسول الله ﷺ، لم يمت فجأة، كان بلال > يأتيه في مرضه فيؤذنه بالصلاة، فيأمر أبا بكر > أن يصلي بالناس، وهو يرىٰ مكاني، فلما قبض رسول الله ﷺ، رأوا أن رسول الله ﷺ قد ولاه أمر دينهم فولوه أمر دنياهم وقال >: لما قبض رسول الله ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر > في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا؛ فقدمنا أبا بكر ومن ذا كان يؤخره عن مقام أقامه رسول الله ﷺ فيه!!»( ).

وقال علي >: «قدم رسول الله ﷺ أبا بكر فصلىٰ بالناس، وإني لشاهد غير غائب، وإني لصحيح غير مريض، ولو شاء أن يقدمني لقدمني، فرضينا لدنيانا من رضيه الله ورسوله لديننا»( ).

وقال >: «ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش وأبوي المؤمنين - أبي بكر وعمر - بما ليسا من هذه الأمة بأهل، وبما أنا عنه منزه ومنه بريء وعليه أعاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا منافق رديء»( ).

وقال علي >: «قام أبو بكر > بعدما استخلف بثلاث فقال: من يستقيلني بيعتي فأقيله، فقلت: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، من ذا الذي يؤخرك وقد قدمك رسول الله ﷺ».

لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه( ).

وكل إليه الصديق > قيادة فرقة الأنقاب مع الزبير وطلحة وابن مسعود ش وهي الفرقة التي جعلها علىٰ أنقاب المدينة لحراسة الطرق المفتوحة الموصلة إلىٰ غارات المرتدين!!

لم ينقل في رواية صحيحة أن عليًّا > تخلف عن الصديق > في صلاة أو جهاد أو مشورة أو غير ذلك... كان بين يدي الصديق > كغيره من أمراء الصحابة يرىٰ طاعته فرض عليه وأحب الأشياء إليه( )، ولا شك أن كل ما كان يقوم به الصحابة ش إنما كان مبنيًّا علىٰ علم استقوه من رسول الله ﷺ، فكيف يجرؤ أحد منهم علىٰ التخلف عن أبي بكر >، ورسول الله ﷺ كان يخاطبهم بقوله: «لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي» وأشار إلىٰ أبي بكر وعمر ب( ).

التزم علي > طاعة الخليفة وانقاد له ولم يخالفه ولم يشق العصا عليه... ولم يدع إلىٰ فتنة... وهذا دليل علىٰ رضاه بالصديق خليفة وإمامًا!!

يقول المحب الطبري فيما زعم عن تأخر علىٰ > عن السقيفة: 

أما إبطاء علي > بالبيعة، فإما يُعتقد أن يَعتقد بصحة خلافة أبي بكر >، وأنه أحق بها، وإما لا... فإن اعتقد أن أبا بكر أحق بها وتأخر عن بيعته بعد أن انعقدت البيعة بإجماع أهل الحل والعقد من المسلمين، كان تخلفه مفارقًا للجماعة وخروجًا عن الطاعة، وعدولًا عن الحق وهو مبرأ من ذلك ومنزه عنه، ومنزلته من الإسلام أرفع وأعلىٰ >، وإما أن لا يعتقد بصحة خلافة أبي بكر وأنه أحق بها، فيكون قد أقر علىٰ الباطل ورضي به ولم ينكره بقول ولا بفعل، مع شدة بأسه وقوة إيمانه وكثرة أنصاره، وكفىٰ بفاطمة بنت رسول الله ﷺ والعباس وبني هاشم بأجمعهم وهو منزه عن ذلك أيضًا، فلم يبق إلا كونه يعتقد بصحة خلافة أبي بكر > ويعرف فضله ولكنه كان مشغولًا بجمع القرآن، أو أنه كما يحب البعض أن يقول: كان يرىٰ أن له في هذا الأمر حقًّا، فلما اجتمع الجم الغفير علىٰ ولاية أبي بكر > اتهم نظره في حق نفسه ولم ير المبادرة إلىٰ إظهاره، ولا المطالبة بمقتضاه حتىٰ يبذل جهده في النظر لما في ذلك من تفريق كلمة المسلمين، فتخلف عن الأمرين ولم يبايع ولم يطلب البيعة لنفسه وسلك سبيل الاحتياط والورع، فكان في تلك المدة مجتهدًا مأجورًا، فلما تبين له أحقية أبي بكر وأفضليته وتذكر ما جاء في ذلك عن رسول الله ﷺ ووافق ذلك وفاة فاطمة < بعث إليه أن أئتنا واعتذر إليه بأنه كان يرىٰ أحقيته، وأن هذه الرؤيا قد زالت كما يدل عليه سياق كلامه، ولم يكن ذكره القرابة إقامة للحجة علىٰ أبي بكر > لأنه معتذر، ولا تليق المحاجة بالمعتذر وإنما كان إظهارًا لمستند تخلفه، كيلا يظن أن تخلفه لهوىٰ متبع، وليس عن اجتهاد ونظر، والمجتهد مأجور ولو أخطأ( ).

لقد بايع > أبا بكر مرة ومرة ثانية تأكيدًا للولاء والطاعة، وإمعانًا في تأكيد النصرة، والاستعداد لخدمة خلافة النبوة؛ لأنه كان أعرف الناس بمنزلة أبي بكر > عند رسول الله ﷺ... كان > حريصًا علىٰ بيعة خليفة رسول الله ﷺ، طاعة لله ولرسوله.

من يزعم أنه يقدم عليًّا علىٰ الشيخين ش، فإنه يكذب عليًّا > ويرد إجماع المهاجرين والأنصار ش، ومن يفعل ذلك لا يؤتمن علىٰ دين ولا دنيا، ولا قيمة لاجتهاد يخالف إجماع أصحاب رسول الله ﷺ؛ لأنه اجتهاد ضال باطل.

قال علي > لما قيل له: هل عهد إليك رسول الله ﷺ؟ قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد إلي رسول الله ﷺ عهدًا لجاهدت عليه، ولو لم أجد إلا ردائي لم أترك ابن أبي قحافة > يصعد درجة واحدة من منبره ﷺ، ولكنه رأىٰ موضعي وموضعه، فقال له: «قم فصل بالناس وتركني، فرضيناه لدنيانا كما رضيه رسول الله ﷺ لديننا»( ).

قال عمر >: فوالله لأن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك إلىٰ إثم، أحب إليَّ من أتأمر علىٰ قوم فيهم أبو بكر( ).

إذا كان هذا هو موقف الفاروق عمر >، فما هو موقف من هو دونه من الصحابة ش؟ وإذا كان هذا هو موقف الصحابة ش الذين هم خير البشر بعد الأنبياء من حيث الانقياد الكامل والطاعة التامة لخليفة رسول الله ﷺ، فمن أي باب يدخل أراذل البشر ممن دينهم النفاق وخلقهم الإفك وسيرتهم الآثام، ليتطاولوا علىٰ قمة البشرية بعد الأنبياء وسيد المؤمنين وإمام الناس بعد رسول الله ﷺ.

لما تمت البيعة لأبي بكر > لزم علي بن أبي طالب > بيته، وتحدث الناس إلىٰ أبي بكر في أمره، فأرسل إليه يقول: أكرهت بيعتي فقعدت عني؟! فكان جواب علي: لا والله ولكن رأيت كتاب الله يزاد فيه، فحدثت نفسي ألا ألبس ردائي إلا لصلاة حتىٰ أجمعه... «هذا القول أورده السيوطي في «الإتقان» بإسناده، وجاء في رواية ابن أبي داوود في كتاب «المصاحف» أن أبا بكر أرسل إلىٰ علي بعد أيام يقول: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا والله، إلا أني أقسمت ألا أرتدي بردائي إلا لجمعة فبايعه ثم رجع، ويضيف ابن أبي داود. وإنما رووا: حتىٰ أجمع القرآن، يعني حتىٰ أتم حفظه، فإنه يقال للذي حفظ القرآن قد جمع القرآن أ. هـ»( ).

هل كانت خلافة الصديق > مؤامرة؟!:

يقول عباس العقاد ؟: ما قيل في الخلافة بعد النبي ﷺ كثير: 

قيل فيها ما يخطر علىٰ بال الكثيرين وما يخطر علىٰ بال الأقلين، وما ليس يخطر علىٰ بال أحد إلا أن يجمح به التعنت والاعتساف أغرب جماح.

قيل: إن وصول الخلافة إلىٰ أبي بكر إنما كان مؤامرة بين عائشة وأبيها!

وقيل: إنه كان مؤامرة بين رجال ثلاثة أعانتهم عائشة علىٰ ما تآمروا فيه، بما كان لها من الحظوة عند رسول الله ﷺ، وكان هؤلاء الرجال علىٰ زعم أولئك القائلين أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح، وهم الذين أسرعوا من المهاجرين إلىٰ سقيفة بن ساعدة ليدركوا الأنصار قبل أن يتفقوا علىٰ اختيار أمير أو خليفة لرسول الله ﷺ.

وقيل: إن هؤلاء الرجال الثلاثة اتفقوا علىٰ تعاقب الحكم واحدًا بعد واحد: أبو بكر فعمر فأبو عبيدة، ولهذا قال عمر حين حضرته الوفاة: لو كان أبو عبيدة حيًّا لعهدت إليه؛ لأنه أمين الأمة كما قال فيه رسول الله ﷺ، وهذا زعم روجه البعض.

هذه الأقاويل التي خاض فيها من خاض عن «مؤامرة» الخلافة المزعومة، ليس لها سند من التاريخ، ولا من التفكير القويم، ولا من المعهود في أخلاق الرجال والنساء الذين عزيت إليهم تلك المؤامرة بغير بينة قاطعة ولا ظن راجح... فليس في شيء رواه الرواة عن خلافة بعد النبي ﷺ كلمة واحدة تحج تلك الفروض والأقاويل، سواء كان قائلها ممن أسرعوا إلىٰ بيعة الصديق أو تباطئوا في بيعته، أو قضوا حياتهم ولم يبايعوه... وليس في شيء من خلائق أبي بكر وعمر وأبي عبيدة التي عهدها الناس منهم في حياة النبي ﷺ أو بعد وفاته ما يأذن لمتوهم أن يتوهم فيهم التآمر علىٰ خلافته وهو بقيد الحياة دون أن يطلعوه علىٰ جليلة أو دقيقة مما يفكرون فيه.

وليس في سيرة أبي بكر وعمر بعد أن وليا الخلافة ما ينم علىٰ طمع في السطوة، وحرص علىٰ زهو الملك يغريهما باستباحة ثقة النبي في حياته بما لا يليق، وهو عندهما بمكان من التجلة والحب لا تتطرق إليه الشكوك ولا ترتفع إليه الشبهات.

وعلىٰ نقيض ذلك تدل الحوادث والروايات التاريخية علىٰ أن الأمر قد وقع منهم جميعًا موقع المفاجأة التي لم يتدبروا فيها إلا بعد وقوعها، ولم يبرموا فيها الرأي علىٰ نحو من الأنحاء قبل اجتماع الأنصار بسقيفة بني ساعدة... فالأقوال تتفق أو تكاد تتفق علىٰ أن أبا بكر لم يكن قريبًا من النبي عليه السلام يوم أمر النبي ﷺ بلالًا أن يدعوه إلىٰ الصلاة بالناس، ولو كان بينه وبين السيدة عائشة اتفاق في هذا الصدد لكان اقترابه من المسجد أو بيت النبي ﷺ في تلك اللحظة لازمًا كل اللزوم لإنجاز ذلك الاتفاق، وإلا توجهت الدعوة إلىٰ غيره وخرج الأمر من أيدي المتفقين.

وقد توفي النبي ﷺ وليس في أصحابه الأقربين من كان يتوقع وفاته، فتركه أبو بكر بعد الصلاة وهو يقول: يا نبي الله! إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما نحب واليوم يوم بنت خارجة، أفآتيها؟ فأذن له النبي ﷺ في الانصراف، وخرج أبو بكر إلىٰ السنح حيث كان يقيم.

أما عمر فقد دهش لنعي النبي تلك الدهشة التي لم يكن علىٰ أهبة ولو كان علىٰ أهبة لها لقد كان الأحرىٰ أن يؤكد الوفاة ولا يستغربها، تمهيدًا لذلك الاتفاق المزعوم الذي سيتلوها... وبلغ أبا بكر وعمر أن الأنصار مجتمعون في سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفة منهم، فخرجا إلىٰ السقيفة علىٰ غير اتفاق بينهما أيهما الذي يخاطب القوم. فكان عمر يخشىٰ حدة أبي بكر فيهيئ في نفسه كلامًا يقوله، وكان أبو بكر يخشىٰ حدة عمر فيستمهله ويخاطب القوم قبله، وليس في ذلك دليل اتفاق قديم.

وكان لقاؤهما بأبي عبيدة يومئذ لقاء مصادفة في الطريق، وجاء في رواية مشهورة أن عمر فاتح أبا عبيدة قبل ذلك فقال له: أبسط يدك فلأبايعك، فأنت أمين الأمة علىٰ لسان رسول الله ﷺ، فقال له أبو عبيدة: ما رأيت لك فهة (زلة) قبلها منذ أسلمت، أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين!

هذه الرواية تنفىٰ ما قيل عن تفاهم هؤلاء الرجال الثلاثة علىٰ مبايعة أبي بكر، وتعاقب الخلافة بعده.

هكذا تلقىٰ الصحابة الأجلاء نعي النبي ﷺ فمتىٰ كان التفاهم المزعوم؟

لم يكن فيه اتفاق مدبر علىٰ صورة من الصور، وإنما كما قال عمر >: «إن بيعة أبي بكر كانت فلتة... ألا وإن الله وقىٰ شرها».

يقول العقاد ؟: 

لقد كان اختيار أبي بكر للخلافة «خيرة» الواقع الذي لا يحتاج إلىٰ تدبير، بل يقاوم كل تدبير... فمن غير أبي بكر كانت تجتمع له الشرائط كما اجتمعت له، وتتلاقىٰ عنده الوجهات كما تلاقت عنده؟

كانت تجتمع له شرائط السن والسبق إلىٰ الإسلام، وصحبة النبي ﷺ في الغار، والمودة المرعية بين أجلاء الصحابة ومعظمهم ممن دخلوا في الدين علىٰ يديه!!

وكانت إمارات استخلافه ظاهرة من طلائعها الأولىٰ قبل مرض النبي ﷺ بسنوات. فكان أول أمير للحج بعث به النبي ﷺ وهو بالمدينة. وكان ذلك في سنة تسع من الهجرة، واتفق في طريقه أنه دعا إلىٰ صلاة الصبح فسمع رغوة ناقة وراء ظهره، فوقف عن التكبير، وقال: هذه رغوة ناقة رسول الله ﷺ الجدعاء فلعله أن يكون رسول الله ﷺ فنصلي معه. فإذا علي بن أبي طالب علىٰ الناقة. فسأله أبو بكر: أمير أم رسول؟ قال: بل رسول، أرسلني رسول الله ﷺ ببراءة أقرؤها علىٰ الناس، فلما قدموا مكة قام أبو بكر محدثًا الناس عن المناسك، وقرأ علي سورة «براءة» حتىٰ ختمها، ثم كان يوم عرفة فخطب أبو بكر وقرأ السورة، وهكذا حتىٰ انتهت المناسك.

هذه إمارات مشهودة متفق عليها، وغيرها إمارات شتىٰ بعضها أصرح وبعضها أحوج إلىٰ التأويل.

يقول العقاد ؟: 

ويغلب علىٰ اعتقادنا أنه عليه السلام ترك أمر الخلافة بغير وصية ظاهرة؛ لأنه علم أن الخلافة منتهية إلىٰ مثل ما انتهت إليه، ولا سيما بعد تقديمه أبا بكر للصلاة بالناس.

قال ﷺ: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه (صرعه) علىٰ وجهه ما أقاموا الدين».. علم النبي ﷺ بمصير الخلافة علىٰ الوجه الذي صارت عليه... فإذا انحصرت يومئذ في قريش فهي صائرة إلىٰ أبي بكر دون غيره، ولا حاجة إلىٰ تدبير لن يغير مصير الأمور.

فإذا كان انتخاب الصديق للخلافة هو رأي قريش الذي لا محيد عنه، وهو نية النبي التي ظهرت من أعماله وإشاراته، فما الحاجة إلىٰ التدبير بين عائشة < وأبيها؟ أو بين الرجال الثلاثة أبي بكر وعمر وأبي عبيدة؟!!

لقد نظر النبي ﷺ إلىٰ ذلك كله بعين البصيرة الثاقبة التي تكشف له ما لا ينكشف لغيره، فسكت بالقدر اللازم، وأشار بالقدر اللازم، وعلم أنه أشار بما فيه الكفاية، وأن ما زاد علىٰ ذلك فهو زيادة في الكفاية... وأنه ﷺ لو رأىٰ حاجة إلىٰ مزيد من التصريح بالقول القاطع لصرح وقطع بالقول؛ لأنه لا يعقل أن يترك عليه الصلاة والسلام الإسلام والمسلمين عرضة للفشل والفتنة ثم لا يدفع ذلك بما في وسعه.

زهدهم في الخلافة وحرصهم على وحدة الأمة:

بعد أن أتمّ أبو بكر حديثه في السقيفة، قدّم عمر وأبا عبيدة للخلافة، ولكن عمر كره ذلك وقال فيما بعد: فلم أكره مما قال غيرها. كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقرِّبني ذلك من إثم أحب إليَّ من أن أتأمَّر علىٰ قوم فيهم أبو بكر. وبهذه القناعة من عمر بأحقية أبي بكر بالخلافة قال له: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، قال: فبايعته وبايعه المهاجرون والأنصار، وجاء في رواية قال عمر: .. يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤمَّ الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر >. فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر. وهذا ملحظ مهم وُفِّق إليه عمر >، وقد اهتم بذلك النبي ﷺ في مرض موته فأصرّ علىٰ إمامة أبي بكر، وهو من باب الإثارة بأنه أحق من غيره بالخلافة، وكلام عمر في غاية الأدب والتواضع والتجرد من حظ النفس، ولقد ظهر زهد أبي بكر في الإمارة في خطبته التي اعتذر فيها من قبول الخلافة. وقد ثبت أنه قال: وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين، أبي عبيدة أو عمر فكان أمير المؤمنين وكنت وزيرًا، وقد تكررت خطب أبي بكر في الاعتذار عن تولي الخلافة وطلبه؟ التنحي عنها. فقد قال: 

... أيها الناس هذا أمركم إليكم تولوا من أحببتم علىٰ ذلك، وأكون كأحدكم؛ فأجابه الناس: رضينا بك قسمًا وحظًّا وأنت ثاني اثنين مع رسول الله ﷺ.

وقد قام باستبراء نفوس المسلمين من أي معارضة لخلافته واستحلفهم علىٰ ذلك فقال: أيها الناس أذكر الله أيما رجل ندم علىٰ بيعتي لما قام علىٰ رجليه، فقام علي بن أبي طالب، ومعه السيف، فدنا منه حتىٰ وضع رِجلًا علىٰ عتبة المنبر والأخرىٰ علىٰ الحصىٰ وقال: والله لا نقيلك ولا نستقيلك قدّمك رسول الله فمن ذا يؤخرك.

ولم يكن أبو بكر وحده الزاهد في أمر الخلافة والمسؤولية بل إنها روح العصر. ومن هذه النصوص التي تمّ ذكرها يمكن القول: إن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة لا يخرج عن هذا الاتجاه، بل يؤكد حرص الأنصار علىٰ مستقبل الدعوة الإسلامية، واستعدادهم المستمر للتضحية في سبيلها، فما اطمأنوا علىٰ ذلك حتىٰ استجابوا سراعًا لبيعة أبي بكر الذي قبل البيعة لهذه الأسباب، وإلا فإن نظرة الصحابة مخالفة لرؤية الكثير مما جاء بعدهم ممن خالفوا المنهج العلمي، والدراسة الموضوعية، بل كانت دراستهم متناقضة مع روح ذلك العصر، وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار وغيرهم، وإذا كان اجتماع السقيفة أدىٰ إلىٰ انشقاق بين المهاجرين والأنصار كما زعمه بعضهم، فكيف قبل الأنصار بتلك النتيجة وهم أهل الديار وأهل العدد والعدة؟ وكيف انقادوا لخلافة أبي بكر ونفروا في جيوش الخلافة شرقًا وغربًا مجاهدين لتثبيت أركانها؟ لو لم يكونوا متحمسين لنصرتها. فالصواب اتضح من حرص الأنصار علىٰ تنفيذ سياسة الخلافة والاندفاع لمواجهة المرتدين، وأنه لم يتخلف أحد من الأنصار عن بيعة أبي بكر فضلًا عن غيرهم من المسلمين وأن أخوة المهاجرين والأنصار أكبر من تخيلات الذين سطروا الخلاف بينهم في رواياتهم المغرضة.

لم يكن أبو بكر > حريصًا علىٰ الإمارة، بل كان كارهًا لتوليها لما يعلمه من عظم المسؤولية أمام الله تعالىٰ وخوفه من التقصير فيها، رغم أن الصحابة كانوا يعلمون أنه أحقهم بها، وأقواهم عليها، وقد صارح أبو بكر المسلمين بمشاعره مرارًا: 

«والله ما كنت حريصًا علىٰ الإمارة يومًا ولا ليلة قط، ولا كنت راغبًا فيها، ولا سألتها الله Q في سرٍّ ولا علانية، ولكني أشفقت من الفتنة، ومالي في الإمارة من راحة، ولكني قلدت أمرًا عظيمًا ما لي به من طاقة، ولا بد إلا بتقوية الله Q، ولوددت أن أقوىٰ الناس عليها مكاني اليوم»( ).

لم يجد أمامه > إلا أن يقبل تولي الخلافة ليقود الأمة في طريق الوحدة والإيمان ورفع راية الإسلام، رغم أن نفسه لا تطاوعه في تحمل المسؤولية الجسيمة خوفًا من التقصير والتفريط، وهكذا كان توليه الخلافة تضحية منه لصالح الإسلام وأمة الإسلام، وليس مغنمًا يسعىٰ إليه، وقد أعانه الله لصدق نيته وحسن وجهته( ).

ثم كانت خطبته التاريخية، التي تبين منها مدىٰ تواضعه >..

لم يطلب أبو بكر > الخلافة يومًا، ولم ينصب نفسه أميرًا بالقوة، ولم تكن عنده وقت المبايعة قوة عسكرية يستطيع أن يخضع الناس بها أو يخيفهم، كما أنه لم يقم بانقلاب عسكري علىٰ خلافة قائمة، وإنما بويع فلم يرفض إذ ليس من حقه أن يرفض ما دام أنه يشعر في نفسه بمتطلبات هذا المنصب الخطير، وليس في سنة محمد ﷺ ما يمنع أبا بكر أو غيره من أن يتولىٰ الخلافة... ولو كانت الخلافة حقًّا خاصًّا لعلي > فقد ثبت تنازله عنها بمبايعته للخلفاء الثلاثة الذين تقدموه... وإن كانت حقًّا عامًّا للمسلمين فليس لأحد أن ينتزعها بغير رضاهم، وقد ثبت أنهم رضوا بخلافة الخلفاء الثلاثة وبايعوهم، ولم ينازعهم فيها أحد... وكان أبو بكر > علىٰ رأس المهاجرين، وصاحب رسول الله ﷺ، وانتخبه الصحابة إمامهم، إذ كان أفضلهم وأول الناس إسلامًا... كانت الخيرة فيما اختاره الله: أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ، نزولًا علىٰ حكم الشورىٰ، ولو كان هناك نص من الرسول ﷺ علىٰ خلافة علي > له بعد وفاته، لسمع به أبو بكر وغيره من الصحابة، والتزموا به جميعًا - الأنصار والمهاجرون - ولم يحصل ما حصل في سقيفة بني ساعدة حول الخلافة!!

الذين بايعوه لم يكونوا طلاب دنيا أو جهالاً كما يزعم أعداء الصحابة:

هنالك نفر ممن أشربت قلوبهم حقدًا علىٰ الإسلام وأهله، يبحثون عما يسيء لهذه الأمة حتىٰ أن من وصل به الأمر إلىٰ وصف عملية البيعة بما يشبه المؤامرة بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح ش، وكلهم من خيار الأمة، وممن لم يشهد لهم التاريخ مثيلًا في إخلاصهم وتجردهم وعزوفهم عن الدنيا ومتاعها... !!

كانوا مسلمين قبل كل شيء ولم يكونوا ش طلاب ملك، وكانوا يحسون قبل كل شيء بما أحسه المسلمون جميعًا إذ قالوا: إن النبي ﷺ قد ائتمن أبا بكر علىٰ الدين بتقديمه للصلاة فكيف لا يؤتمن علىٰ الدنيا؟ كانوا يعلمون أن المهاجرين مقدمين في القرآن الكريم علىٰ الأنصار لقوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ﴾ [التوبة: 100].

لم يكن إيمانهم بحقهم في الخلافة إيمان من يغضب لفواتها ويستميت في طلبها، ولم يكن حرصهم علىٰ السلطان أشد من حرصهم علىٰ الدين ومصلحة المسلمين.

والحق أنه لم تكن هناك مؤامرة، فقد كان الموقف بعد وفاة النبي ﷺ حرجًا... رزئت الأمة بأعظم مصاب لها لفقد نبيها، وكان الصحابة رضوان الله عليهم أشد شعورًا بثقل المصاب، وكان الحافز لهم للإسراع بالبيعة هو حافز ديني لا دنيوي ولمصلحة المسلمين فقط... لقد ارتضىٰ الصحابة ومعهم جموع المسلمين بالخلافة، وأقر علي بن أبي طالب > للخليفة أبي بكر أفضليته وأحقيته في هذا الأمر.

فعلام الاجتهاد في قضية لا تحتمل الاجتهاد؟..

زهد علي > في طلب الإمارة!!:

أكد الإمام علي بأنه سيكون أطوع المسلمين لمن يختار لولاية الأمر، فقال حينما دعوه إلىٰ البيعة له بعد قتل عثمان ذي النورين >: «دعوني والتمسوا غيري، فإنَّا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول - إلىٰ أن قال: وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا»( ).

وجاء عن محمد حسين آل كاشف الغطاء في «أصل الشيعة وأصولها» مؤكدا مبايعة علي لأبي بكر وعمر، أنه لما ارتحل الرسول ﷺ من هذه الدار إلىٰ دار القرار، ورأي جمع من الصحابة أن لا تكون الخلافة لعلي إما لصغر سنه، أو لأن قريشًا كرهت أن تجتمع النبوة والخلافة لبني هاشم، إلىٰ أن قال: وحين رأىٰ أن الخليفة الأول والثاني بذلا أقصىٰ الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجيوش وتوسيع الفتوح، ولم يستأثروا ولم يستبدوا بايع وسالم».

كانت بيعتهم صحيحة!!:

كان علي >، يطالب مخالفيه بأن يمضوا في خلافته ما كانوا يمضونه في خلافة الثلاث، والتي ثبتت ببيعة المسلمين لهم، فلو لم تكن خلافتهم صحيحة معتبرة لما أمضىٰ أحكامهم علىٰ ما كانت عليه في عهدهم، وأن يفوا ببيعتهم له كوفائهم ببيعة من سبقه كما قال لطلحة: «فبايعوني كما بايعتم أبا بكر وعمر وعثمان، فما جعلكم أحق أن تفوا لأبي بكر وعمر وعثمان ببيعتهم منكم ببيعتي».

وكذلك لما تكلم في رد فدك أبىٰ أن يعمل خلاف ما فعله عمر، وذلك لما وصل الأمر إليه وقال: «إني لأستحي من الله أن أرد شيئًا منع منه أبو بكر وأمضاه عمر»( ).

كانت خلافته > مصدر خير وبركة للإسلام والمسلمين:

وإن كانت الأمور بخواتيمها ونتائجها، فقد كانت خلافة أبي بكر مصدر خير للإسلام والمسلمين، إذ أمكن له بإرادته وصلابته بعد عون الله وتوفيقه له أن يخرج من المأزق الذي جابهته الأمة، وتوحيد صفوفها، والانطلاق بها إلىٰ دنيا الفتوح لنشر الإسلام ورفع راية المسلمين، وتثبيت دعائم المجتمع الإسلامي والقضاء علىٰ كل انحراف!!

لقد كان الصديق > إمامًا لكل الصحابة رضي الله عن الجميع، وهم أكمل الأمة بدلالة الكتاب والسُّنة والإجماع والاعتبار... لا ينازع في ذلك إلا أجهل الناس وأبعدهم عن العلم والهدىٰ، وأقلهم انتسابًا إلىٰ السُّنة النبوية المطهرة... أولئك الذين لا يوجد منهم أحد في أئمة الفقه الذين يرجع إليهم، ولا في أئمة الجيوش المؤيدة المنصورة، ولا في الملوك الذين نصروا الإسلام وأقاموه وجاهدوا عدوه، ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة... وإنما يوجدون في موقف الغدر والخيانة والتلبيس والرياء والبهتان ومحاربة السُّنة والتآمر علىٰ أهلها.

قال عبد الله بن مسعود >: «من كان مستنًّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ، كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا علىٰ الهدىٰ المستقيم»( ).

وقال ابن مسعود >: «وقد رأىٰ أصحاب رسول الله ﷺ جميعًا أن يستخلفوا أبا بكر فأصبحت خلافته أحسن الحسن فمن أخذ بها فقد أخذ بمنتهىٰ الحسن والصواب وسداد السُّنة، ومن رفضها أو دعا إلىٰ مودة من رفضها ونصرته فقد خاب وافترىٰ علىٰ الله ورسوله ﷺ... ورد خيار النبوة وقطع حباله بها فبعدًا وسحقًا».

وقال >: «إن الله تبارك وتعالىٰ نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون علىٰ دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئًا فهو عند الله سيئ»( ).

قال الشافعي: لم يختلف الصحابة ش والتابعون في تقديم أبي بكر وعمر ب( ).

لم تكن قضية الخلافة والبيعة أكثر من قضية عارضة - علىٰ ما لها من الأهمية - وقد أمكن للصحابة مجابهتها بحزم وإيجاد الحل السريع لها بسرعة، وبذلك أمكن للخليفة الأول أبي بكر الصديق > الانصراف للقضية الأكثر إلحاحًا والأشد خطورة، وهي قضية الردة والمرتدين.

ولقد وقف الصديق صامدًا شامخًا كالطود، راسيًا كما الجبال الراسيات الراسخات ثباتًا وعزمًا وتصميمًا، مما دفع ضرار بن الأزور للقول: 

«ما رأيت أحدًا - بعد رسول الله ﷺ - أملأ بحرب شعواء من أبي بكر فجعلنا نخبره، ولكأنما نخبره بما له ولا عليه» ثم أطلق الجيوش وهي تحمل تعاليمه ووصاياه: «إذا نزلتم منزلًا فأذنوا وأقيموا الصلاة، فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيء غير الغارة، ثم اقتلوهم كل قتلة، وإن أجابوكم إلىٰ داعية الإسلام فسائلوهم، فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم، وإن أبوها فلا شيء غير الغارة، وإذا غشيتم دارًا من دور الناس فسمعتم فيها أذانًا للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتىٰ تسألوهم ما الذي نقموا؟ وإن لم تسمعوا فشنوا الغارة».



الفصل الرابع

حاجة الأمة للخلافة الإسلامية (الإمامة العظمى)

الخلافة الإسلامية هي المنهج الذي اختارته الأمة الإسلامية، وأجمعت عليه طريقةً وأسلوبًا للحكم تنظم من خلاله أمورها وترعىٰ مصالحها، وقد ارتبطت نشأة الخلافة بحاجة الأمة لها واقتناعها بها، ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة لرسول الله ﷺ.

يقول الإمام أبو الحسن الماوردي: إن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيمًا خلف به النبوة وحاط به الملة، وفوض إليه السياسة ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة علىٰ رأي متبوع، فكانت الإمامة أصلًا عليه استقرت قواعد الملة وانتظمت به مصالح العامة حتىٰ استتبت به الأمور العامة، وصدرت عنه الولايات الخاصة... هذا وقد عرّف ابن خلدون الخلافة: «بأنها هي حمل الكافة علىٰ مقتضىٰ النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلىٰ اعتبارها بمصالح الآخرة فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة هذا الدين وسياسة الدنيا به».

لقد كان علىٰ الأمة الإسلامية أن تواجه الموقف الصعب الذي نشأ عن انتقال الرسول ﷺ إلىٰ الرفيق الأعلىٰ، وأن تحسم أمورها بسرعة وحكمة، وألا تدع مجالًا لانقسام قد يتسرب منه الشك إلىٰ نفوس أفرادها، أو للضعف أن يتسلل إلىٰ أركان البناء الذي شيده رسول الله ﷺ..

ولما كانت الخلافة هي نظام حكم المسلمين، فقد استمدت أصولها من دستور المسلمين، من القرآن الكريم ومن سنّة النبي ﷺ.

تحدث الفقهاء عن أسس الخلافة الإسلامية، فقالوا بالشورىٰ والبيعة، وهما أصلًا قد أشير إليهما في القرآن الكريم، ومنصب الخلافة أحيانًا يطلق عليه لفظ الإمامة أو الإمارة، وقد أجمع المسلمون علىٰ وجوب الخلافة، وأن تعيين الخليفة فرض علىٰ المسلمين يرعىٰ شؤون الأمة، ويقيم الحدود، ويعمل علىٰ نشر الدعوة الإسلامية، وعلىٰ حماية الدين والأمة بالجهاد، وعلىٰ تطبيق الشريعة، وحماية حقوق الناس، ورفع المظالم، وتوفير الحاجات الضرورية لكل فرد. وهذا ثابت بالقرآن والسنّة والإجماع. وقد قال تعالىٰ: ﴿ ﯵ ﯶ ﯷ  ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﴾ [النساء: 59]. وقال تعالىٰ: ﴿ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ﴾ [ص: 26]. وقال ﷺ: «من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له» وقال: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».

وأما الإجماع فالصحابة رضوان الله عليهم لم ينتظروا حتىٰ يتم دفن الرسول ﷺ، وتوافدوا للاتفاق علىٰ إمام أو خليفة، وعلل أبو بكر قبول هذه الأمانة وهو خوفه أن تكون فتنة أي: من عدم تعيين خليفة للمسلمين.

يقول الشهرستاني في ذلك: «ما دار في قلبه ولا في قلب أحد أنه يجوز خلو الأرض من إمام» فدل ذلك كله علىٰ أن الصحابة وهم الصدر الأول كانوا علىٰ بكرة أبيهم متفقين علىٰ أنه لابد من إمام، فذلك الإجماع علىٰ هذا الوجه دليل قاطع علىٰ وجوب الإمام. هذا وليس صحيحًا ما يروجه الحاقدون أن الطمع في الرئاسة سبب الانشغال بالخلافة عن دفن النبي ﷺ.

شروط الخلافة تنطبق على أبي بكر >:

وقد تحدث العلامة أبو الحسن الندوي عن شروط خلافة النبي ومتطلباتها، تلك التي اجتمعت وانطبقت علىٰ الصديق > وأهم هذه الشروط: 

1- أنه ظل طول حياته بعد الإسلام متمتعًا بثقة رسول الله ﷺ به وشهادته له، واستخلافه إياه في القيام ببعض أركان الدين الأساسية، وفي مهمات الأمور، والصحبة في مناسبات خطرة دقيقة لا يستصحب فيها الإنسان إلا من يثق به كل الثقة، ويعتمد عليه كل الاعتماد، ووقوفه > في وجه الأعاصير والعواصف التي تكاد تعصف بجوهر الدين ولبه، وتحبط مساعي صاحب رسالته، وتنخلع لها قلوب كثير ممن قوي إيمانهم وطالت صحبتهم، وثبوته في وجهها ثبوت الجبال الراسيات، وممثلًا دور خلفاء الأنبياء الصادقين الراسخين، وأيضًا فهمه الدقيق للإسلام، ومعايشته له في حياة النبي ﷺ علىٰ اختلاف أطواره وألوانه من سلم وحرب، وخوف وأمن، ووحدة واجتماع، وشدة ورخاء.

2- شدة غيرته علىٰ أصالة هذا الدين وبقائه علىٰ ما كان عليه في عهد نبيِّه، غيرة أشد من غيرة الرجال علىٰ الأعراض والكرامات، والأزواج والأمهات، والبنين والبنات، لا يحوله عن ذلك خوف أو طمع أو تأويل أو عدم موافقة من أقرب الناس وأحبهم إليه.

3- امتاز بالزهد في متاع الدنيا والتمتُّع به، زهدًا لا يُتصُّور فوقه إلا عند إمامه وهاديه سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وأن لا يخطر بباله تأسيس الملك والدولة وتوسيعهما لصالح عشيرته وورَثَته، كما اعتادت ذلك الأسر الملوكية الحاكمة في أقرب الدول والحكومات من جزيرة العرب، كالروم والفرس.

وقد اجتمعت هذه الصفات والشروط كلها في أبي بكر >، كما تمثلت في حياته وسيرته في حياة الرسول ﷺ قبل الخلافة وبعد الخلافة إلىٰ أن توفاه الله تعالىٰ، بحيث لا يسع منكرًا أن ينكره أو مشكِّكًا يشكك في صحته، فقد تحقق بطريق البداهة والتواتر هذا، وقد قام أهل الحل والعقد في سقيفة بني ساعدة ببيعة الصديق بيعة خاصة، ثم رشحوه للناس في اليوم الثاني، وبايعته الأمة في المسجد البيعة العامة.

شهادة الرسول ﷺ بخلافة الصديق: 

روىٰ البخاري بإسناده عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: أتت امرأة النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك، كأنها تقول الموت، قال عليه الصلاة والسلام: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر». وهذه شهادة من الرسول ﷺ وخبر صادق منه، ودلالة من دلائل نبوته وصدقه ﷺ أن الذي سيُرجع إليه بعد وفاته ﷺ إنما هو الصديق >، فأي شهادة أبلغ من هذه وأصرح للدلالة علىٰ أن المرجع بعد الرسول ﷺ إنما هو أبو بكر >.

ومما يدل على هذا أيضًا هذه الرؤيا للرسول ﷺ: 

روىٰ الإمام البخاري بإسناده عن الزهري، قال: أخبرني ابن المسيب سمع أبا هريرة >، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «بينا أنا نائم رأيتني علىٰ قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبًا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربًا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريًّا من الناس ينزع نزع عمر حتىٰ ضرب الناس بعطن».

يعني إن الخلافة بعد الرسول إنما تكون لأبي بكر ثم لعمر، وإن خلافة الصديق تكون قصيرة، ثم تأتي خلافة الفاروق حيث يفيض المال، وتعظم الفتوح، وتستحيل دولة الإسلام إلىٰ دولة عظمىٰ، حتىٰ يضرب الناس بعطن... (والعطن): هو مرقد الإبل، وهذه كناية وإشارة إلىٰ استقرار الأمة، وكثرة عددها، وقيام سوقها.

هناك خلاف بين بعض العلماء حول هذه النصوص هل هي مكتوبة جلية، أم أنها إشارات خفية تستنبط من النصوص التي أشارت إلىٰ ذلك؟

قال بعض العلماء: إن رسول الله ﷺ لم يوص إلىٰ أحد بعينه في مسألة الخلافة، وإنما ترك الأمة إلىٰ قناعاتها وإلىٰ ما يحصل بين أبنائها من اتفاق، وهو ما حصل يوم السقيفة، حيث تم الاتفاق علىٰ خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر >..

واختلف الناس في الإمامة بعد رسول الله ﷺ، فقال البعض: 

إن النبي ﷺ لم يستخلف أحدًا مستندين إلىٰ ما قاله عمر بن الخطاب > فيما رواه الشيخان، أنه قال حين طعن: «إني إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني: أبو بكر - وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني – يعني: رسول الله ﷺ».

وعن أحمد والبيهقي في دلائل النبوة بسند حسن عن عمرو بن سفيان قال: لما ظهر علي يوم الجمل قال: أيها الناس، إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئًا حتىٰ رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتىٰ ضرب الدين بجرانه، ثم إن أقوامًا طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها».

وقيل لعلي: ألا تستخلف علينا؟ قال: ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرًا فسيجمعهم بعدي علىٰ خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم علىٰ خيرهم» أخرجه الحاكم في «المستدرك» وصححه البيهقي في «الدلائل».

وقال البعض: لكن لما استخلف أبا بكر > علىٰ الصلاة كان ذلك دليلًا علىٰ أنه أولاهم بالإمامة والخلافة علىٰ الأمر. وقال بعضهم: لا ولكن كان > أبينهم فضلًا فقدموه لذلك، وقالت طائفة: 

بل نص رسول الله ﷺ علىٰ استخلاف أبي بكر بعده علىٰ أمور الناس نصًّا جليًّا.

قال ابن حزم: الدليل علىٰ ذلك هو إجماع الناس المهاجرين والأنصار الذين شهد الله لهم بالصدق علىٰ أبي بكر، فسموه خليفة رسول الله ﷺ... فمن يرفض إجماعهم وخيارهم؟!

كما أن رسول الله ﷺ قد استخلف كثيرين بحياته كعلي > في غزوة تبوك، وابن أم مكتوم في غزوة الخندق، وعثمان بن عفان في غزوة ذات الرقاع، واستخلف غيرهم علىٰ البلاد في اليمن والبحرين والطائف وغيرها، ولم يستحق أحد منه أن يسمىٰ بخليفة رسول الله ﷺ، ولم يطلق الناس عليه لقب خليفة رسول الله إلا أبي بكر، ومن المحال أن يجمعوا عليه وهو لم يستخلف نصًّا( ).

ما استخلف فيه أبو بكر كان من خصوصياته، فقد استخلفه في الصلاة بحضوره وفي حياته ﷺ، واستخلفه في الحج وإمارة المؤمنين فيه، وهذه خلافة لم تكن إلا لأبي بكر، وهذه أمور تؤكد خلافة النبوة وقيادة الأمة التي كان رسول الله ﷺ يؤكدها بالإشارات والنصوص والفعل حتىٰ وعاها أصحابه ش، وعلموا مقاصدها فنفذوها بعد وفاته علىٰ الوجه الذي يريده النبي ﷺ... كثير من السلف والخلف قالوا بالنص الجلي أو الخفي وهم يسندون ذلك إلىٰ أحاديث صحيحة معروفة دلت علىٰ صحة خلافة أبي بكر وثبوتها ورضا الله ورسول الله ﷺ له بها وانعقدت بمبايعة المسلمين له وأنه هو الأحق والأولىٰ بها، فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعًا( ).

عندما سئل الحسن البصري: هل كان رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر >؟ قال: نعم والله الذي لا إله إلا هو استخلفه ﷺ لهو اتقىٰ من أن يتوثب عليها.

وقال ابن المبارك: استخلافه هو أمره أن يصلي بالناس، وكان هذا عند الحسن استخلافًا. وعن عبد الله بن جعفر قال: ولينا أبو بكر > فخير خليفة أرحمه بنا وأحناه علينا وقال: سمعت معاوية بن قرة يقول: إن رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر... قيل لأبي بكر: يا خليفة الله، فقال: بل أنا خليفة رسول الله ﷺ، وحسبي ذلك.

ذهب أهل السُّنة إلىٰ أن إمامة أبي بكر ثبتت بالنص، وقد ذكر القاضي أبو يعلىٰ وغيره روايتين عن الإمام أحمد إحداهما: أنها ثبتت بالاختيار قال: وبهذا قال: جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية، والثانية: أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة قال: وبهذا قال الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث.

في ضوء الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ، توصل الإمام ابن كثير إلىٰ رأي مفاده أنه: 

لو كان رسول الله ﷺ قد أوصىٰ بالخلافة لعلي >، كما يزعم البعض، لما رد ذلك أحد من الصحابة فإنهم كانوا أطوع لله ورسوله في حياته وبعد وفاته، من أن يفتاتوا عليه فيقدموا غير من قدمه ويؤخروا من قدمه بنصه، حاشا وكلا ولم؟ ومن ظن بالصحابة ش ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلىٰ الفجور والتواطؤ علىٰ معاندة رسول الله ﷺ، ومضادته في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلىٰ هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام بإجماع الأئمة الأعلام، وكان إراقة دمه أحل من المدام، ثم لو كان مع علي > نص فلم لم يحتج به علىٰ الصحابة علىٰ إثبات إمارته عليهم وأمامته لهم؟ فإن لم يقدر علىٰ تنفيذ ما معه من النص فهو عاجز، والعاجز لا يصلح للإمارة، وإن كان يقدر ولم يفعله فهو خائن، والخائن الفاسق مسلوب معزول عن الإمارة، وإن لم يعلم بوجود النص فهو جاهل ثم وقد عرفه وعلمه من بعده؟ هذا محال وافتراء وجهل وضلال، وإنما يحسن هذا في أذهان الجهلة الطغاة، والمفترين من الأنام يزينه لهم الشيطان بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد التحكم والهذيان والإفك والبهتان( ).

وصفوة القول أن خلافة أبي بكر كانت نتيجة لكل مقدمة سبقتها من فعل الحوادث، أو من فعل أحد عامد أو غير عامد... وغير هذه الخلافة ما كان ليكون، إلا الفتنة التي لا يجدي فيها اختيار هذا ولا اختيار ذاك، ولا يغني فيها تدبير ولا تقدير... لم يذكر الطبري اسمًا واحدًا في اجتماع السقيفة ممن طالب بعلي > كمرشح للخلافة، ذلك لأن المجتمعين لم يكونوا معنيين به، بل إنه لم توجه الدعوة لعلي للمشاركة، وغياب علي والعباس عن الاجتماع يدل علىٰ إدراكهما لضعف موقفهما وموقعهما( ).

لقد كان أبو بكر الخليفة الأول لأنه كان الصديق الأول، ولأن شروط الخلافة التي اجتمعت له لم تجتمع لأحد غيره، وليس له من منازع فيها بين أهل عصره، ولأن المزايا التي قد يرجحه بها أنداده وقرناؤه لا تضيع علىٰ الإسلام بولايته عليهم ومعونتهم إياه. فكان اختياره أصح اختيار عرف في تاريخ الولاية، وكانت التوفيقات فيها غنية عن التدبير والتمهيد... فإن لج بعض المكابرين مع هذا في دعوىٰ التدبير فأنعم به تدبيرًا ينقطع به الخلاف ويتم به أصح استخلاف( ).

الخلاصة: 

النصوص التي تؤكد خلافة أبي بكر >، وإمامته للأمة كثيرة ظاهرة لا ينكرها إلا منافق جاحد.

من هذه النصوص وغيرها من الأدلة القطعية الثبوت، قرآنية من كتاب الله تعالىٰ أو أحاديث نبوية صحيحة عن رسول الله ﷺ، أو أقوال أصحابه ش وشهاداتهم أو إجماعهم يتضح: 

- كيف أصر رسول الله ﷺ، علىٰ تقديم صاحبه > ليقف مكانه إمامًا للصحابة في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية، وعدم قبول أي صحابي آخر غيره، وهذا تأكيد علىٰ اختيار الصديق > لخلافته وإمامته، ذلك لأن الصلاة أشرف أعمال المسلمين، وأعظم أعمال الإسلام بعد الشهادتين، وأعظم أعمال الدين ومن أقامها أقام الدين، وهي عماد الدين وأعظم شؤون المسلمين، وإمامتها مهمة القائد الآمر الناهي... واختيار رسول الله ﷺ لأبي بكر ليؤم المسلمين في مرض موته أصرح الدلالات علىٰ اختيار الصديق لإمامة المسلمين وخلافة النبوة.

- تقديم الصديق دليل علىٰ أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم، لقوله ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنة، فإن كانوا في السُّنة سواء فأكبرهم سنًّا، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلامًا» وقد اجتمعت هذه الصفات كلها في أبي بكر >( ).

- أصر رسول الله ﷺ علىٰ إمامة أبي بكر مع مراجعة أمهات المؤمنين عائشة وحفصة ب، وأن أم المؤمنين عائشة وأبوها لم يكونا طامعين في إمارة أو خلافة، فما يثار وتلوكه بعض الألسنة من زيف وإفك وباطل لا محل له.

- كل حديث يدور حول مسألة الخلافة لغير الصديق، إنما هو امتداد لأراجيف المنافقين، ومن يشكك في هذا فهو يريد أن يسوي بين الظلمات والنور... لا يستويان.

- إصرار رسول الله ﷺ علىٰ تولية الصديق >، يدل علىٰ أنه ﷺ لم يكن ليدع أهم الأمور وهي إمامة المسلمين دون أن يرشد إليها، ويبينها، ويضعها في مواضعها، وأن توليتها للصديق قد كانت بحضور جميع الصحابة والقرابة... ومن هنا كان قول الصحابة: «رضيه رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا».

- استخلاف النبي ﷺ للصديق > في الصلاة متواتر وثابت... وأن النبي ﷺ قد أرشد الأمة إلىٰ خلافة الصديق > ودلهم عليه، وبين لهم أنه الأحق والأولىٰ من غيره من الصحابة.

- المتفق عليه أنه لما غلب المرض علىٰ رسول الله ﷺ، حتىٰ انقطع عن الناس مدة ثلاثة أيام، وقيل سبع عشرة صلاة، وأنه لما أذن بالصلاة في أول ما قطعه المرض، قال: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس» وهذا هو المقصود من كل ما سبق، وهو أن رسول الله ﷺ، هو الذي أقام خليفته إمامًا، ولم يأذن لغيره أن يشاركه في تلك المهمة أو ينوب عنه فيها، وهذا ما فهمه المهاجرون والأنصار وعملوا به وتوارثته الأمة منذ ذلك اليوم وهو كذلك إلىٰ قيام الساعة، ولم يشذ عن هذا المنهج إلا المرتدون وورثتهم الذين يرفضون خلافة النبوة، ويردون أمر رسول الله ﷺ، ويعملون علىٰ هدم ثوابت السُّنة، وسحق أهلها بأسلحة الفتنة والشك، وبث الباطل، ونشر البهتان، وتهييج الغوغاء، وخداع علماء ساووا بين أبي بكر ومسيلمة الكذاب، وبين عمر الفاروق وأبي لؤلؤة المجوسي، وبين عثمان ذي النورين > وابن سبأ اليهودي، ويقدمون أخوة الأرض التي حددها سايكس وبيكو الصليبيان علىٰ أخوة العقيدة التي صاغها الله تعالىٰ ورسوله ﷺ، ويقدمون أقوالهم علىٰ قول الله تعالىٰ، ومواقفهم علىٰ مواقف السلف الصالح!!

- خلافة أبي بكر > وإمامته ثابتة بنصوص الكتاب والسُّنة وإجماع المهاجرين والأنصار ش.. ثابتة في الصحاح والسنن ولا يمكن لجاحد ردها ولا لمؤمن الجهل بها!!



الباب الرابع

الفصل الأول

أبو بكر الصديق

الإمام والمجدد الأول

معطيات سيرته العطرة >

حاجة الأمة لمعرفة سيرته >:

الأمة المسلمة اليوم أمام ما يجري وكل ما يجري، هي أحوج ما تكون إلىٰ معرفة فقه سيرة أبي بكر الصديق > - خليفة رسول الله ﷺ، وقائدها - معرفة سيرته فرض واجب اليوم لعلاج جراح الأمة، والسير علىٰ هديه ينير لنا الدروب أمام ذلك النفر الذي يقول قائلهم مفصحًا عن حقيقة حالهم: 

«إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا»( ).

دراسة سيرته ومعرفتها هي الصفحة الأولىٰ من صفحات التاريخ الإسلامي، بعد سيرة الرسول الخاتم ﷺ، ذلك التاريخ الذي بهر كل تاريخ وسما عليه في كل صفحاته، بما حوىٰ من القيم والمعاني السامية.

معرفة فقه سيرة أبي بكر واجبة أمام من ابتكروا ثقافة الحقد والكراهية لكل ما يمت إلىٰ السُّنة النبوية بصلة، بأوراد يومية يرضعون فيها الحقد علىٰ السُّنة وأهلها، والشهادة علىٰ الصحابة بالردة وانعدام الأمانة، والدعوة إلىٰ التحالف مع كل عدو للأمة يعمل علىٰ إقصاء دين الصحابة ش وهوية الأمة المسلمة... أمام من ينشرون عقيدتهم الحاقدة، وبجلد عجيب، وبذل متواصل بين غوغاء السُّنة، وينفقون لذلك المال والجاه، ومغريات المعاصي والإثم لشراء الذمم الضعيفة، والنفوس الضعيفة، ونشر الردة، وكراهية السُّنة في العالمين... في الوقت الذي فيه عامة أغنياء السُّنة لا يزدادون إلا حرصًا علىٰ أموالهم، وكثير من علماء السُّنة ووجهائها لا يصدر منهم إلا ما يزيد الأمة جهلًا وخبالًا في وقت تعبث فيه أمواج الردة بحصون أهل السُّنة وتجوس ديارهم، ولا حزم أبي بكر وإنفاقه، ولا غيرة عمر، ولا إقدام خالد ش.

خليفة رسول الله ﷺ، صاحب السيرة العطرة المباركة، إمام الأمة هو: ﴿ﮮ ﮯ﴾ [التوبة: 40] وهو: ﴿ﭛ﴾ [الليل: 17] وهو من قيل في حقه: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ﴾ [الليل: 21] وهو الصاحب المطلق لرسول الله ﷺ: ﴿ﯕ ﯖ ﯗ﴾ وهو الذي قيل في حقه: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ﴾ وخوطب بقوله تعالىٰ: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ﴾ وهو الذي صدق بالصدق، وقال في حقه رسول الله ﷺ مما قال: «إنه لم يسؤني قط» هو الصاحب يوم الهجرة، والوحيد مع رسول الله ﷺ في الغار... همَّ النبي ﷺ أن يكتب له كتابًا بإمامة الأمة ثم قال: «يأبىٰ الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، أمَّ المؤمنين بأمر الرسول ﷺ أيامًا متتالية وفي حضور جميع الصحابة... ثبت وثبتت معه الأمة يوم وفاة رسول الله ﷺ، وسحق الردة، وباشر الفتوح، وواجه الفرس والروم وغير ذلك كثير مما لم يشركه فيها أحد ولا يستطيع أحد أن يجحدها... تجلت فيه كل مواصفات خلافة النبوة من العلم والجهاد، والعدل والرحمة والزهد والتواضع، وحب الخير للناس.

كان له الفضل بعد الله تعالىٰ في تثبيت الدين وإلجام المنافقين، وإعادة المرتدين إلىٰ جادة المؤمنين.

خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام:

أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ، هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي التيمي، أبوه عثمان ولقبه أبو قحافة، وأمه سلمىٰ بنت صخر بن عمرو وكنيتها أم الخير، يلتقي نسبه مع النبي ﷺ في الجد السادس، يكنىٰ بأبي بكر... ولد بمكة عام 573م بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر بمنىٰ في أطراف مكة من أرض الحرم، زادها الله تشريفًا وتعظيمًا... أصغر من رسول الله ﷺ بسنتين وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.

كانت تيم بن مرة تتمتع بنفوذ واسع، فإليهم ينتسب عبد الله بن جدعان أحد زعماء قريش في الجاهلية، وصاحب دار الندوة حيث عقد حلف الفضول( ).

كني بأبي بكر، والبكر هو الفتىٰ من الإبل، وقد كانت العرب تسمىٰ بهذا الاسم وتكنىٰ به تفاؤلًا بالقوة، والحيوية، والنباهة، وسرعة الحركة، والصبر، والحلم، وما إلىٰ ذلك من الصفات والمقاصد الكريمة النبيلة.

آل إليه أمر الديات والمغارم في الجاهلية حين اشتد ساعده فتولىٰ الزعامة في قبيلته... أنيطت به مهمة الديات لكونه ضليعًا بالأنساب التي تساعده علىٰ تحديد قيمة الديات الواجب دفعها، حسب مكانة المجني عليه، وما إذا كان محضًا، أو لصيقًا، أو زنيمًا( ).

اشتهر في الجاهلية بحميد الأخلاق وحسن المعاشرة، وامتناعه عن شرب الخمر، وعلمه بأنساب العرب وأخبارها... عزف عن وثنية قومه وضلالهم، كان يمر بقومه وقد تحلقوا حول أصنامهم جاثين أمامها فتكسو وجهه سحابة أسىٰ مرير لما هم فيه متعجبًا من صنيعهم متسائلًا كيف يكون هذا صوابًا وهدىٰ؟! لم يذكرها بسوء، ولم يذكرها بخير، ولم يعبدها مع العابدين أو يسجد لها مع الساجدين... لم يتقرب إليها.

كان يقضي وقته بعيدًا عن عادات القوم وعبثهم، يتعبد يومه بالتأمل باحثًا عن الحق مصغيًا إلىٰ حكمة الحكماء، وكلمات ذلك النفر الصالح... قس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل... يحفظ أقوالهم... ذات يوم بعد أن تلقىٰ محمد ﷺ رسالة ربه، كان الرسول جالسًا بين أصحابه يستعيد ذكرىٰ أيام شبابه فقال: «لست أنسىٰ قس بن ساعدة ممتطيًا جملًا أورق في سوق عكاظ وهو يتحدث حديثًا ما أحسبني أحفظه» فقال أبو بكر: إني أحفظه يا رسول الله، كنت حاضرًا ذلك اليوم في سوق عكاظ، ومن فوق جمله الأورق وقف قس يقول: 

يا أيها الناس: اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا... إن من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت... إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا... مهاد موضوع وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، وليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج... يقسم قس إن لله لدينًا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه... ما لي أرىٰ الناس يذهبون ولا يرجعون... أرضوا بالمقام فأقاموا... ؟ أم تركوا فناموا... ؟

ثم أنشد أبو بكر شعرًا لقس بن ساعدة.

كان أبو بكر يحفظ لهذا النفر الصالح ما يبثونه من حكم ويتلقىٰ عنهم... كان يزداد طمأنينة وأمنًا كلما رأىٰ زيد بن عمرو يشق الصفوف المتحلقة حول الكعبة وهو يقول: لبيك حقًّا حقًّا تعبدًا ورقًا... عذت بما عاذ به إبراهيم. 

وأسلمت وجهي لمن أسلمت له

الأرض تحمل صخرًا ثقالا

دحاها فلما رآها استوت

علىٰ الماء أرسىٰ عليها الجبالا

وأسلمت وجهي لمن أسلمت

له المزن تحمل عذبا ذلالا

وصفته ابنته عائشة أم المؤمنين بأنه كان رجلًا رضي الخلق، رقيق الطبع، رزينًا لا يغلبه الهوىٰ، ولا تملكه الشهوة، وكان لرزانته وحسن رأيه ورجاحة عقله، لا يشارك قومه في كثير من عقائدهم وعاداتهم، ذكرت عائشة أنه لم يشرب خمرًا في جاهلية ولا إسلام، مع حب أهل مكة للخمر وإدمانهم لها... وكان نسابة، حسن الحديث، لطيف المعاشرة.

وصفه ابن هشام في سيرته فقال: كان أبو بكر محببًا سهلًا، أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلًا تاجرًا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته.

كانت هذه الصفات، تقارب السن، واتفاق في الميول، والرغبة عما تزاول قريش من عادات، ذا أثر في مودة ومحبة رسول الله ﷺ له >..

كان أسن الصحابة ش، وهو ثاني اثنين بشهادة كتاب الله ﴿ﮮ ﮯ﴾ [التوبة:40].

محبة رسول الله ﷺ هي محبة لخليفته، وبغض رسول الله هو بغض لخليفته، ومن شك في هذه القاعدة فهو شاك في القرآن الكريم والنبوة، قال ﷺ: «أبو بكر وعمر بمنزلة السمع والبصر من الرأس».

قبل إسلامه... ما شرب الخمر وما سجد لصنم قط: 

كان عليه رضوان الله متصفًا بالتواضع ولين الجانب، فلم يتعال علىٰ أحد قط في جاهليته ولا في إسلامه... وكان في خلافته أظهر تواضعًا منه قبلها فإذا مدحه مادح قال: اللهم أنت أعلم مني بنفسي... وورد أنه كان يقول: «اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون».

كان إذا سقط خطام ناقته - وهو راكب - نزل ليأخذه، ولم يأمر أحدًا بمناولته إياه، وكان في جاهليته وإسلامه وقورًا، جميل السمت، يغار علىٰ مروءته، ويتجنب ما يريبه، فلم يشرب الخمر قط؛ لأنها مخلة بوقار مثله.

أخرج ابن عساكر عن أبي العالية الرياحي قال: قيل لأبي بكر الصديق > في مجمع من أصحاب رسول الله ﷺ: هل شربت الخمر في الجاهلية؟ فقال: أعوذ بالله. فقيل: ولم؟ فقال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيعًا في عرضه ومروءته. قال: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: صدق أبو بكر... صدق أبو بكر( ).

قالت عائشة أم المؤمنين <: والله ما قال أبو بكر شعرًا قط في جاهلية ولا إسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية... وذلك أنه مر برجل سكران يضع يده في العذرة، ويدنيها من فيه، فإذا وجد ريحها صدف عنها، فحرمها أبو بكر علىٰ نفسه. (رواه أبو نعيم).

.. قال أبو بكر > في مجمع من أصحاب رسول الله ﷺ: ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما ناهزت الحلم، أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلىٰ مخدع فيه الأصنام فقال: هذه آلهتك الشم العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني فلم يجبني، فقلت: إني عار فاكسني، فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخر لوجهه!!

وكان لمروءته يتحاشىٰ السقط من الكلام، فلا يتكلم إلا أن يدعوه داعٍ إلىٰ قولة خير فيقولها إذًا، ويصدق في مقاله.

اشتهر بالصدق في الجاهلية والإسلام فكان ضامن قريش المقبول الضمان، لا يعد أحدًا إلا وفىٰ... وصدق الدائن والمدين، ووكلت إليه الديات والمغارم في الجاهلية، فلم يكن يحمل شيئًا إلا اطمأن إليه الناس، فإن احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه.

كان شجاعًا، وكانت شجاعته كفاء صدقه ووفائه بوعده. سواء منه شجاعة الرأي وشجاعة القتال، فلما أسلم لم يبال أن يعلن إسلامه، وأن يجهر بصلاته ودعائه، يصيبه في ذلك ما يصيبه، ولما وجب القتال كان أقرب المقاتلين إلىٰ رسول الله ﷺ في كل غزوة... وهكذا حمله خلقه الحميد وعقله النير، وفطرته السليمة علىٰ الترفع عن كل شيء يخدش المروءة وينقص الكرامة من أفعال الجاهليين، وأخلاقهم التي تجانب الفطرة السليمة، وتتنافىٰ مع العقل الراجح، والرجولة الصادقة، فلا عجب علىٰ من كانت هذه أخلاقه أن ينضم لموكب دعوة الحق، ويحتل فيها الصدارة، ويكون بعد إسلامه أفضل رجل بعد رسول الله ﷺ، فقد كان يحمل رصيدًا ضخمًا من القيم الرفيعة، والأخلاق الحميدة، والسجايا الكريمة في المجتمع القرشي قبل الإسلام، وقد شهد له أهل مكة بتقدمه علىٰ غيره في عالم الأخلاق والقيم والمثل، ولم يُعلمْ أحد من قريش عاب أبا بكر بعيب ولا نقصه ولا استرذله، كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين، ولم يكن له عندهم عيب إلا الإيمان بالله ورسوله.

أبو بكر الصديق موقف وصفة:

وسميت صديقًا وكل مهاجر

سواك يسمىٰ باسمه غير منكر

الصديق موقف وصفة حفظها له التاريخ طوال أربعة عشر قرنًا، صفة عرف بها واشتهر بأكثر مما عرف باسمه الأصلي... اسم سماه به النبي ﷺ... اسم له قدره ومكانته، قال تعالىٰ: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾ [مريم: 56، 57]، وقال: ﴿ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ﴾ [مريم: 54] وقال Q: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴾ [المائدة: 75]

الدليل علىٰ فضيلة أبي بكر أن النبي ﷺ سماه «الصديق» دونه، فكان لا يقال قال أبو بكر، وفعل أبو بكر، إلا والصديق متصل به، وحتىٰ ربما قالوا الصديق وفعل الصديق استغناء عن اسمه وكنيته!! لم يسم النبي ﷺ، علي > باسم ينسبه إليه، ولا سماه أحد من أصحاب رسول الله ﷺ باسم بان به كما سمىٰ أصحاب رسول الله أبا بكر خليفة رسول الله... لم يسم به أحد من الناس قبله أو بعده.

كان الحسن > يحلف بالله أن النبي ﷺ هو الذي تولىٰ استخلافه، فلا منزلة أعظم منها قدرًا، ولا أرفع منها شأنًا... وإن كان المسلمون أجمعوا له علىٰ ذلك لخاصة رأوها فيه، فكفىٰ به شرفًا وقدرًا وذكرًا... سماه شريح بن هانئ الحارثي الشيعي «صديقًا»: 

أصبحت ذا بث أقاسىٰ الكبرا

قد عشت بين المشركين أعصرا

ثمت أدركت الرسول المنذرا

وبعده صديقه وعمرا

وقال الحارث بن هشام بن المغيرة: لما بلغه أن الأنصار قالوا لقريش في السقيفة: منا أمير ومنكم أمير: 

«قبض النبي وبويع الصديق».

وقال طريف بن عدي بن حاتم: 

أبيدوا قريشًا بالسيوف ليظهروا

معًا دين الله بعد محمد

وصديقه التالي المعين بماله

طوىٰ البطن محمود الضريبة مذود

الصديق صفة تلازمه ولا تنفك عنه في حياتة وبعد مماته، وهي تسمية إيمانية تظهر سبقه وسمو مكانته وإخلاصه لله تعالىٰ ولرسوله... صفة تعني أول ما تعنيه الموافقة المطلقة والاستسلام لكل ما يصدر عن نبي الإسلام محمد ﷺ قولًا وعملًا... وأعلنها صراحة في خطبة البيعة، فقال: «إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني».

سماه النبي ﷺ صديقًا، فقال: «يكون بعدي اثنا عشر خليفة: أبو بكر الصديق لا يلبث إلا قليلًا».

وكان علي بن أبي طالب يحلف بالله أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء: الصديق... وقيل: سمي صديقًا يوم أخبر النبي ﷺ بالإسراء، فكذبته قريش وصدقه أبو بكر.

موقف الصديق من حديث الإسراء... حفظ للإسلام مكانته!!:

تحدث محمد ﷺ إلىٰ أهل مكة بأن الله أسرىٰ به ليلًا من المسجد الحرام إلىٰ المسجد الأقصىٰ، وأنه صلىٰ هناك، وسخر المشركون من هذا الحديث، وساور الشك فيه طائفة ممن أسلموا، وقال يومئذ غير واحد: هذا والله الأمر البين! والله إن العير لتطرد شهرًا من مكة إلىٰ الشام مدبرة وشهرًا مقبلة، أيذهب محمد ذلك في ليلة واحدة ويرجع إلىٰ مكة!! وارتد كثير ممن أسلموا وتردد كثيرون وذهبوا إلىٰ أبي بكر لما يعلمونه من إيمانه وصحبته محمدًا، فذكروا له ما يقوله عن الإسراء.

قال أبو بكر وقد تولاه الدهش لما سمع: «إنكم تكذبون عليه» قالوا: بلىٰ ها هو ذاك في المسجد يحدث الناس... قال أبو بكر: والله لئن كان قد قالها لقد صدق!! وجاء أبو بكر إلىٰ المسجد، واستمع إلىٰ النبي ﷺ يصف بيت المقدس، فلما أتم النبي ﷺ صفة المسجد الأقصىٰ قال أبو بكر: «صدقت يا رسول الله».

ترىٰ لو أن أبا بكر ارتاب كما ارتاب غيره في حديث رسول الله ﷺ عن الإسراء، فما عسىٰ كان أن يحدث من أثر عدم تصديقه لرسول الله ﷺ في حياة الدين الناشئ؟ كان ذلك سيؤدي إلىٰ تضاعف عدد المتشككين والمرتدين... كان ذلك سيؤدي إلىٰ بلبلة العقيدة في نفوس من أسلموا.

لقد ثبتت إجابة أبي بكر عقائد الكثيرين، وحفظت للإسلام يومئذ مكانته، وأثبتت أن الإيمان الصادق أقوىٰ سلطانًا في الحياة من قوىٰ البطش والبأس جميعًا، وأن موقف أبي بكر وكلمته: «والله لئن كان قد قاله لقد صدق! إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من الله من السماء إلىٰ الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه»( ).

كان أبو بكر > في تجارة له في الشام وعاد، فقال أهل مكة: لقد قال محمد: إن الله أرسله لنعبده وحده ونذر آلهتنا. فقال أبو بكر: إن كان قال فقد صدق... وأسرع أبو بكر إلىٰ رسول الله ﷺ يعلن إسلامه، ومرة أخرىٰ هاجت مكة وماجت يوم أبلغها رسول الله ﷺ، بحدث الإسراء والمعراج، فقال لهم أبو بكر: أي بأس؟ إني لأصدقه في خبر السماء يأتيه في غدوة أو روحه، إن كان قال فقد صدق!! وطرح نفسه علىٰ رسول الله ﷺ ليقول له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله إنك لصادق، والله إنك لصادق.

قالت أم هانئ بنت أبي طالب، قال رسول الله ﷺ لما أسري به: «إني أريد أن أخرج إلىٰ قريش فأخبرهم» فكذبوه وصدقه أبو بكر؛ فسمي يومئذ الصديق( ).

وروىٰ أنس بن مالك أن النبي ﷺ صعد أحدًا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ش فرجف بهم الجبل فقال النبي ﷺ: «أثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»( ).

كان صديقًا لبداره ومسارعته إلىٰ تصديق رسول الله ﷺ في كل ما جاء به من وحي وسنة، ووعد ووعيد، وبعث ونشور، وجنة ونار ونصر وتمكين للإسلام والمسلمين.

تحدث عنه علي > يومًا فقال عنه: «ذاك امرؤ سماه الله صديقًا علىٰ لسان جبريل ومحمد ﷺ»( ).

قال فيه راوية العرب الإصمعي عبد الملك الباهلي: 

ولكني أحب بكل قلبي

وأعلم أن ذاك من الصواب

رسول الله والصديق حبا

به أرجو غدا حسن الثواب

في تصديقه لرسول الله ﷺ، قال تعالىٰ: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [الزمر: 33] الذي جاء بالصدق هو محمد ﷺ، وكان أعظم من صدق به الصديق >، وكان أفضل الصادقين الذين نصروا الله ورسوله.

قال ﷺ: «إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدق. وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي».

النموذج الأمثل للإيمان الحق:

كان إيمان الصديق بصاحبه ﷺ، وبما يتنزله الوحي علىٰ رسول الله هو النموذج الأمثل للإيمان الحق... اقترن إيمانه بالعمل المتواصل للدفاع عن الرسالة وحامل لواء الرسالة... وقف الصديق صلبًا يتصدىٰ لأذىٰ المشركين يوم كان الرسول ﷺ عند الكعبة، فأقبل عليه عقبة بن أبي معيط، فلوىٰ ثوبه في عنقه، وخنقه خنقًا شديدًا، فقام أبو بكر من خلفه، فوضع يده علىٰ منكبه، فدفعه عن رسول الله ﷺ، ثم قال أبو بكر: يا قوم ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ... ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ﴾ [غافر: 28].

لقد عرف الصديق بثاقب بصيرته الحق من الباطل، ولم يكن تصديقه للنبي ﷺ نوعًا من السلبية، ما راوده الشك يومًا... أضاء الإيمان قلبه، وأنار الهدىٰ بصيرته... تلقىٰ بشائر الإسلام بحماسة المؤمن وإيمان الواثق... عرف محمد ﷺ، فما عرف فيه إلا الصدق والأمانة، فكيف يقف موقف المتردد المتشكك؟ كان تصديقه تصديق المهتدي الذي هداه الله إلىٰ نهج الحق، وجادة الصواب فليمض مع الرسالة ومع حامل الرسالة إلىٰ حيث أراد الله: ﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [غافر: 28].

مواقف تجلىٰ فيها إيمان أبي بكر بمحمد ﷺ وبرسالته إيمانًا لا يتزعزع ولا يلين... هذا الإيمان الذي امتلأت به نفس أبي بكر هو الذي وقىٰ الإسلام أن ينصرف الناس عنه عندما حدثهم رسول الله ﷺ بحديث الإسراء.

كان أمة في إيمانه!!:

أبو بكر > خليفة النبي الحق وأمة الحق كان أمة في إيمانه... وحد الأمة، وأطفأ الفتنة واجتث الردة، وباشر الفتوح... وسار بالأمة إلىٰ بر الأمان... أي مسلم لا يوالي إمام هذه الأمة ليس من الأمة وإن زعم!!

قال ﷺ: «لو وضع إيمان أبي بكر علىٰ إيمان هذه الأمة لرجح إيمان أبي بكر».

كان > أمة بإيمانه الراسخ الذي لا تهزه الأعاصير، يوم أن عارضه البعض في قتال مانعي الزكاة، وقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه حتىٰ يؤدوه، ثم تلا قوله تعالىٰ: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ﴾ [التوبة: 5].

قاتل > بجند الخلافة المرتدين، وكانوا أولي بأس شديد حتىٰ انهزموا، وقاد جحافل المجاهدين في سبيل الله لمجاهدة طغيان جاهلية الفرس والروم، وكانوا أولوا قوة وبأس شديد... جاهدهم وانتصر عليهم وأدخل الرعب في قلوب جبابرتهم، وطهر الأرض من طغيانهم، وبغيهم، وظلمهم، وعلىٰ كل الجبهات.

قال تعالىٰ: ﴿ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾. 

[المائدة: 54]

يقول الإمام الرازي في «تفسيره»: 

«إن هذه الآية يجب أن يقال أنها نزلت في حق أبي بكر > والدليل علىٰ ذلك: إن هذه الآية مختصة بمحاربة المرتدين. وأبو بكر هو الذي تولىٰ محاربة المرتدين»( ).

ولا يمكن أن يكون المراد بها رسول الله ﷺ؛ لأنه لم يتفق له محاربة المرتدين، ولا يمكن أن يكون المراد بها عليًّا >؛ لأن عليًّا لم يتفق له قتال أهل الردة.

كان الأقدر علىٰ ملء الفراغ الذي تركه غياب ورحيل رسول الله ﷺ.

قال عمر: «لولا أبو بكر لهلكنا» قالها يوم حسم أبو بكر الأمر يوم وفاة النبي ﷺ، علىٰ أتم وجه وبشجاعة وإقدام وفقه وعلم، لولا موقفه لاستبيحت المدينة وطمس نور الإسلام... لو ضعف هذا اليوم أو تردد أو التبست عليه الأمور؛ لانهارت دولة الرسول ﷺ، ولكن الله تعالىٰ أبىٰ أن ينقص هذا الدين وفي الأمة خليفة رسول الله أبو بكر.

كان الأكثر خبرة في القيادة والسياسة... كان الأعرف بشؤون القبائل العربية، وحركة الواقع، وفقه الواقع السياسي والعسكري والاقتصادي للدول المجاورة وتحالفاتها، فهز بشجاعته عروش الأكاسرة والقياصرة التي كانت تدين لهم الدنيا... لعلمه وفقهه كان الأجدر والأولىٰ بخلافة رسول الله ﷺ... لا توجد رواية صحيحة بسند صحيح من صحابي واحد تطعن أو تشكك في خلافته.

كان > شمولي الثقافة، جامعًا لمعارف عصره، ملمًّا بأطرافها وقواعدها، محسنًا لتوظيفها، فمن علم الأنساب، إلىٰ التجارة، إلىٰ إدارة أزمات الديات والمغارم والإصلاح بين القبائل، والخبرات الاجتماعية وغيرها التي أغنتها أسفاره وتجاربه الواسعة إلىٰ علوم الإسلام وما فيها من آداب وقيم... كل ذلك جعله يمتلك فكرًا عميقًا وعقلًا ملمًّا متدبرًا لكل ما يجري في الأمة وفي العالم آنذاك، مما أهله ليكون أكفأ إمام وحاكم يعرفه العالم بعد الأنبياء.

أبو بكر هو باب الكتاب والسُّنة!!:

لذلك كان أبو بكر الصديق > هو الميزان الذي تمتحن به العقائد، وتقاس عليه درجات الولاء والانتماء إلىٰ الكتاب والسُّنة... فمن لا يحبه ويواليه فهو في خارج دائرة الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ... هو باب المهاجرين والأنصار... هو باب الكتاب والسُّنة... هو باب محمد ﷺ، القائل: «إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام... لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر»( ).

من لا يعرف باب أبي بكر الصديق > لا يعرف باب رسول الله ﷺ، بعد كل ما أرشد وأشار فهو خارج البيت الإسلامي، هذه حقيقة من يقفز عليها فلن يجد أمامه إلا باب مسيلمة، وأبو لؤلؤة، وابن سبأ، وابن ملجم، والذين امتهنوا الإفك، وتسعير الفتن، وبيع بلاد المسلمين وعقيدتهم بأي ثمن... من أحب الله ورسوله أحب الصديق إمام الأمة وقائدها من بعد رسول الله... ثبت الله به السُّنة، وقمع به الفتنة.

كان الصديق يتدارس أمور الدعوة والأمة مع رسول الله ﷺ، ويشاركه الرأي والتدبير والمشورة، وكان ﷺ يسر إليه وحده بالأمور الخطيرة المصيرية... كان ساعده الأيمن، وظهيره الأقوىٰ في كل شيء، وسخر لنصرته وخدمته نفسه وماله وأهله ومواليه >.. كان ذلك وقد تجاوز الأربعين من عمره، وكان ذلك في الوقت الذي كان فيه علي بن أبي طالب > غلامًا لم يتجاوز العاشرة من عمره، وفي مجتمع قبلي يقدر السن والعمر والتجربة.

فضل الله النبيين بعضهم علىٰ بعض، وفضل الرسل علىٰ غيرهم، وأولو العزم أفضل من سائر الرسل، وكذلك فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار علىٰ غيرهم، وكلهم أولياء الله وكلهم في الجنة، وقد رفع الله درجات بعضهم علىٰ بعض، فكل من كان إلىٰ الصديق أقرب من المهاجرين والأنصار كان أفضل، فما زال خيار المسلمين مع الصديق قديمًا وحديثًا، وذلك لكمال نفسه وتمام إيمانه >..

كان خليفة رسول الله من أعظم المسلمين رعاية لحق قرابة رسول الله ﷺ وأهل بيته؛ لأن رعاية أهل بيته مما أمر الله به ورسوله، لذا كان الصديق يقول: «والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إليَّ أن أصل من قرابتي» وهذا هو الحب الحقيقي لآل بيت رسول الله ﷺ.

سمي بالعتيق والمعتق:

سمي عتيقًا لعتاقة وجهه، وجماله، وحسنه، وكمال أوصافه، سئلت أم المؤمنين عائشة <، لم سمي أبو بكر عتيقًا فقالت: نظر إليه رسول الله ﷺ فقال: «هذا عتيق الله من النار» وكان ﷺ يقول: «من سره أن ينظر إلىٰ عتيق من النار فلينظر إلىٰ هذا» وأشار إلىٰ أبي بكر... وروي أنه سمي بعتيق؛ لإعتاقه المستضعفين من مخالب الجاهلية وجبروتها ممن لا ناصر لهم، ولا معين، ولا أهل، ولا عشيرة من جبابرة المال والسلطان... وقيل أنه اسم سمته به أمه، قاله موسىٰ بن طلحة.

كان له دورًا حضاريًّا إنسانيًّا إيمانيًّا >.. كان يرفض العبودية لغير الله... كان يرفض ذل الإنسان لأخيه الإنسان... أعتق بلال مؤذن الرسول ﷺ... وكان قد تعرض للقهر والتعذيب، وأبدىٰ من الصبر والقدرة علىٰ التحمل ما أذهل المشركين وأثلج صدور المؤمنين وأقر عيون الصالحين... عنه قال عمر بن الخطاب >: 

«أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا»:

كان بلال بن رباح صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، يخرجه إذا حميت الظهيرة يطرحه علىٰ ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع علىٰ صدره، ثم يقول: لا والله لا تزال هكذا حتىٰ تموت، أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزىٰ، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد، وكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك وهو يقول: أحد أحد والله يا بلال، ثم يقبل علىٰ أمية بن خلف، ومن يصنع ذلك به من بني جمح يومئذ فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه علىٰ هذا لأتخذنه حنانًا، حتىٰ مر به أبو بكر الصديق يومًا وهم يصنعون به ذلك، وكانت دار أبي بكر في بني جمح فقال لأمية بن خلف: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتىٰ متىٰ؟ قال: أنت الذي أفسدته فأنقذه مما ترىٰ، فقال أبو بكر: عندي غلام أسود أجلد منه وأقوىٰ، علىٰ دينك أعطيكه به، قال: قد قبلت، فقال: هو لك فأعطاه أبو بكر الصديق > غلامه فأعتقه( ).

وممن اعتقهم الصديق غير بلال - كلهم كانوا يعذبون في الله: أعتق عامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وزنيرة، وأم عبيس، وغيرهم وغيرهم... قال له أبوه ذات يوم: يا بني إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالًا جلد يمنعوك، ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر >: يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله Q، فلا عجب إذا كان الله سبحانه أنزل في شأن الصديق قرآنًا يتلىٰ إلىٰ يوم القيامة قال تعالىٰ: 

﴿ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ﴾ [الليل: 5 – 21]. لقد كان الصديق من أعظم الناس إنفاقًا لماله فيما يرضي الله ورسوله. استنفذ كثيرًا من ماله، ولم يبال بما كان ينفق، ولا بما كان يعاني من صلف المشركين وكبرهم.

كانت زنيرة رومية وكانت لبني عبد الدار، فلما أسلمت عميت، فقالوا: أعمتها اللات والعزىٰ، قالت وهي لا تبصر: وما تدري اللات والعزىٰ من يعبدهما، ولكن هذا أمر من السماء، وربي قادر عليَّ أن يرد عليّ بصري، فأصبحت تلك الليلة، وقد رد الله إليها بصرها... قالت قريش: هذا من سحر محمد، فاشتراها أبو بكر > فأعتقها... لم يقف من تأييده للدعوة عند دعوة أصحابه وإقناعهم بها، ولم يكفه أن يبذل للضعفاء والبائسين من رضا نفسه، ووداعة خلقه ما يعزيهم بها عما كانوا يلاقونه من عذاب وتعذيب، بل كان ينفق من ماله، وخاصة علىٰ من هداهم الله إلىٰ الحق.

أين هذا من أولئك الذين ينتمون لأهل السُّنة ويملكون الأموال، وإخوانهم من أحرار أهل السُّنة - وليس من رقيقهم - في سجون الأعداء ويساقون إلىٰ حتفهم!! ولنعقد موازنة بين مواقف من يجري في دمائهم حب السُّنة النبوية من علماء وحكام، ومواقف علماء وحكام أعدائهم لنستقي منها الدرس والعبرة، كي نعيد صياغة الولاء والبراء في النفوس من جديد، كما فعل أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ!!

وأعتق النهدية وبنتها وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، مرّ بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا: فقال أبو بكر > حِلُّ يأم فلان فقالت: حل أنت، أفسدتهما فأعتقهما؛ قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا. وقال: قد أخذتهما وهما حرتان ألينها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما.

سوىٰ الإسلام بين الصديق والجاريتين حتىٰ خاطبتاه خطاب الند للند، لا خطاب المسود للسيد، وتقبل الصديق - علىٰ شرفه وجلالته في الجاهلية والإسلام - منهما ذلك، مع أنه له يدًا عليهما بالعتق، وكيف صقل الإسلام الجاريتين حتىٰ تخلقتا بهذا الخلق الكريم، وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن تدعا لهما طحينها يذهب أدراج الرياح، أو يأكله الحيوان والطير، ولكنهما أبتا - تفضلًا، إلا أن تفرغا منه، وترداه إليها. ومر الصديق بجارية بني مؤمل - حي من بني عدي بن كعب - وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشركًا يضربها، حتىٰ إذا ملَّ قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا عن ملالة، فتقول: كذلك فعل الله بك فابتاعها أبو بكر فأعتقها.

هكذا كان شيخ الإسلام الوقور، الذي عرف بين قومه، بأنه يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين علىٰ نوائب الحق، ولم ينغمس في إثم في جاهليته، أليف مألوف يسيل قلبه رقة ورحمة علىٰ الضعفاء والأرقاء، أنفق جزءًا كبيرًا من ماله في شراء العبيد، وعتقهم لله، وفي الله، قبل أن تنزل التشريعات الإسلامية المحببة في العتق، والواعدة عليه أجزل الثواب.

كان المجتمع المكي يتندر بأبي بكر > الذي يبذل هذا المال كله لهؤلاء المستضعفين، أما في نظر الصديق، فهؤلاء إخوانه في الدين الجديد، فكل واحد من هؤلاء لا يساوي عنده مشركي الأرض وطغاتها، وبهذه العناصر وغيرها تبنىٰ دولة التوحيد، وتصنع حضارة الإسلام الرائعة، ولم يكن الصديق يقصد بعمله هذا محمدة، ولا جاهًا، ولا دينًا، وإنما كان يريد وجه الله ذا الجلال والإكرام... كان هذا التكافل بين أفراد الجماعة الإسلامية الأولىٰ قمة من قمم الخير والعطاء، وأصبح هؤلاء العبيد بالإسلام، أصحاب عقيدة وفكرة يناقشون بها وينافحون عنها، ويجاهدون في سبيلها، وكان إقدام أبي بكر > علىٰ شرائهم ثم عتقهم دليلًا علىٰ عظمة هذا الدين، ومدىٰ تغلغله في نفسية الصديق >، وما أحوج المسلمين اليوم أن يحيوا هذا المثل الرفيع، والمشاعر السامية ليتم التلاحم والتعايش، والتعاضد بين أبناء الأمة التي يتعرض أبناؤها للإبادة الشاملة من قبل أعداء العقيدة والدين.

فضائل السبق فيه >:

اجتمعت في الصديق جميع فضائل السبق والمبادرة... اجتمعت فيه كل مواصفات خلافة النبوة، وقيادة الأمة وإمامتها.

حدث عمرو بن عنبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو نازل بعكاظ، وسألته: يا رسول الله، من تبعك علىٰ هذا الأمر؟ فقال: «اتبعني عليه رجلان: حر وعبد: أبو بكر وبلال».

وقال إبراهيم النخعي: أبو بكر أول من أسلم. وكان أبو ذر الغفاري وابن عنبسة كلاهما يقول: لقد رأيتني ربع الإسلام، ولم يسلم قبلي إلا النبي ﷺ وأبو بكر وبلال( ).

سبقت إلىٰ الإسلام والله شاهد

وكنت جليسًا في العريش المشهر

أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ أعظم رجل بعد نبيه ﷺ، خدم الأمة ودينها وعقيدتها، حتىٰ قطف المسلمون ثمار ذلك عزًّا وأمنًا ووحدة... أثبت علماء السُّنة بالإجماع أن أبا بكر أفضل الصحابة علىٰ الإطلاق، وأفضل أمة محمد ﷺ، وأفضل الناس عمومًا بعد الأنبياء والمرسلين.

قال ابن عباس: أول من صلىٰ أبو بكر، ثم تمثل بأبيات حسان بن ثابت الأنصاري المشهورة: 

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة

فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأعدلها

إلا النبي وأوفاها بما حملا

والثاني والتالي المحمود مشهده

وأول الناس منهم صدق الرسلا

عن ابن عمر قال: «كنا نفاضل علىٰ عهد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت» صحيح ابن حبان.

خطب عمر > يومًا فقال وهو علىٰ المنبر: إن أبا بكر > كان سابقًا مبرزًا، ولم يحدد عمر هذا السبق في أي باب من أبواب الحياة؛ لأن سبق الصديق > كان في كل ميادين السباق التي ولجها المؤمنون في هذه الدنيا، يؤكد ذلك أن من يشهد لخليفة رسول الله ﷺ هو سيد السابقين من بعده، وليس من عامة الأمة!!

جاء رجل إلىٰ علي بن الحسين ش فقال له: ما كانت منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ؟ قال: كمنزلتهما منه الساعة أي: في قبريهما وقربهما في جوار رسول الله ﷺ في روضته المباركة... لعل هذا من أبلغ الوصف لمقام الشيخين الراشدين ب وأوجزه وأشمله.

وعن أنس > قال: قال رسول الله ﷺ: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ألا وإن لكل أمة أمينًا، ألا وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»( ).

قال ﷺ: «بينا أنا نائم، رأيتني علىٰ قليب وعليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له..»( ).

وعن الحسن بن علي ب قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام متعلقًا بالعرش، ثم رأيت أبا بكر آخذًا بحقوي رسول الله ﷺ، ثم رأيت عمر آخذًا بحقوي أبي بكر، ثم رأيت عثمان آخذًا بحقوي عمر، ثم رأيت الدم منصبًّا من السماء إلىٰ الأرض، فحدث الحسن بهذا الحديث وعنده ناس من الشيعة فقالوا: ما رأيت عليًّا؟ قال: ما كان أحدًا أحب إليَّ أخذًا بحقوي رسول الله ﷺ من علي، وإنما هي رؤيا.

قال ﷺ: «ما دعوت أحدًا إلىٰ الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته له ولا تردد»( ).

لما مرض النبي ﷺ أناب عنه أبا بكر يصلي بالناس، والصحابة جميعًا موجودون وفيهم علي وعمر وعثمان ش، ولما تقدم عمر > للصلاة، وكان الصديق غائبًا، وسمع النبي ﷺ صوته يصلي بالناس صاح مغضبًا يسمع الناس: أين أبو بكر؟ أين أبو بكر؟ يأبىٰ الله والمؤمنون إلا أبا بكر!!

قال عنه علي بن أبي طالب >: «والذي نفسي بيده ما استبقنا إلىٰ خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر >». كان > الأول في كل شيء في الزهد، والورع، والكرم، والجود، والوجاهة، والسيادة، وفي كل موقف بشهادة الصحابة.

حج في حياة رسول الله ﷺ سنة تسع، ولم يفعل هذا أحدًا غيره، وأسلمت أمه وأبوه وبنوه وبناته، وهذا لم يحصل لغيره من الخلفاء ولا لغيرهم، فأصبح بيته بيت إيمان وهدىٰ صافيًا لا لبس فيه... حتىٰ سمي عتيقًا؛ لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به، وكان أنسب العرب، ولم يذكر هذا العلم لغيره من الصحابة، وأعلم قريش بأنسابها، وكان رجلًا مؤلفًا لقومه محببًا سهلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلمهم بما كان منها من خير أو شر، وكل ذلك كان منفردًا به لا يشركه أحد من الصحابة فيه... لقد لعب دورًا هامًّا في نشر الدعوة، وكان من أبرز من تمكن من جذب الأنصار لها في أوانها المبكر، ففي الوقت الذي كسب فيه النبي ﷺ علي بن أبي طالب الذي كان أثناءها صبيًّا، ومولاه زيد بن حارثة، ولم تستطع خديجة < أن تستقطب سوىٰ بناتها، استطاع الصديق أن يكسب شخصيات لها ثقلها في مكة.

تفرده واختصاصه بمعية الله مع رسوله ﷺ في الغار في قوله تعالىٰ: ﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ﴾ [التوبة: 40]

تفرده بصحبته في عريش بدر، وقد اختاره ﷺ من بين جميع أصحابه، وفيهم عمر وعلي والزبير ش وغيرهم من الصناديد، فلم يكن معه غيره في العريش... كانت له مصاحبة أكمل من مصاحبة سائر الصحابة.

وعلىٰ منبر الكوفة قال علي: «لا يفضلني أحد علىٰ أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري» وقال يوم استشهاده > حين سئل عمن يستخلف؟ فقال: «أترككم إن يرد بكم خيرًا يجمعكم علىٰ خيركم كما جمعنا بعد رسول الله ﷺ علىٰ خيرنا أبي بكر»( ).

كان عمر يتعهد عجوزًا عمياء في حواشي المدينة من الليل، فيسقي لها ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها، ولكنه في كل مرة يجد أن هناك من قام علىٰ شأنها، فرصده عمر فإذا هو بأبي بكر هو الذي يأتيها، وهو يومئذ خليفة.

أول من أسلم من الرجال:

أخرج الطبراني في «الكبير»، وعبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» عن الشعبي قال: سألت ابن عباس: أي الناس كان أول إسلامًا؟

قال: أبو بكر الصديق، ألم تسمع قول حسان: 

خير البرية أتقاها وأعدلها

إلا النبي وأوفاها بما حملا

والثاني التالي المحمود مشهده

وأول الناس منهم صدق الرسلا

وأخرج أبو نعيم عن فرات بن السائب قال: سألت ميمون بن مهران قلت: علي عندك أم أبو بكر وعمر؟ قال: فارتعد حتىٰ سقطت عصاه من يده، ثم قال: ما كنت أظن أن أبقىٰ إلىٰ زمان يعدل بهما، لله درهما كانا رأس الإسلام. قلت: فأبو بكر كان أول إسلامًا أم علي؟ قال: والله لقد آمن أبو بكر بالنبي ﷺ زمن بحيرا الراهب حين مر به، واختلف فيما بينه وبين خديجة حتىٰ أنكحها إياه، وذلك قبل أن يولد علي!!( ).

وأخرج الحافظ أبو الحسن الأطرابلسي عن عائشة < قالت: 

خرج أبو بكر > يريد رسول الله ﷺ، وكان له صديقًا في الجاهلية فلقيه فقال: يا أبا القاسم، فقدت من مجالس قومك، واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها. فقال رسول الله ﷺ: «إني رسول الله أدعوك إلىٰ الله» فلما فرغ من كلامه أسلم أبو بكر، فانطلق عنه رسول الله ﷺ وما بين الأخشبين أحد أكثر سرورًا منه بإسلام أبي بكر( ).

هناك ما يشبه الإجماع علىٰ أن خديجة بنت خويلد - زوج الرسول ﷺ - كانت أول من أسلم من النساء، وكان أبو بكر أول من أسلم من الرجال، وكان بلال بن رباح أول من أسلم من العبيد، وكان علي بن أبي طالب أول من أسلم من الصبيان، ش.

مما يذكر بشأن إسلامه >: أنه لما أسلم أظهر إسلامه، ودعا إلىٰ الله Q وإلىٰ رسوله، وكان محببًا وسهلًا لقومه، وكان أنسب قريش لقريش، وكان رجلًا تاجرًا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلىٰ الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم علىٰ يديه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلىٰ رسول الله ﷺ، حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا، فكان هؤلاء الثمانية نفر الذين سبقوا إلىٰ الإسلام، فصلوا وصدقوا برسول الله ﷺ وآمنوا بما جاء من عند الله، ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام الرجال منهم والنساء، حتىٰ فشىٰ ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس»( ).

كان متقدمًا علىٰ سائر الصحابة ش في الزمان، فكان أفضل بفضيلة السابقة في الإسلام التي لا يعدلها شيء آخر... أول الناس إسلامًا... قال أبو سعيد الخدري > عن قدم إسلام الصديق: قال أبو بكر: «ألست أول من أسلم؟ ألست أحق بهذا الأمر؟ ألست صاحب كذا؟ ألست صاحب كذا؟» كان ذلك بين يدي أصحاب رسول الله ﷺ جميعًا فلم يتفوه أحد بكلمة؛ لأن كل ذلك كان معلومًا عند الجميع.

كان أول الناس إسلامًا، وكان أول داع في الإسلام بعد رسول الله ﷺ، وأسلم علىٰ يديه وجوه المجتمع وقادته.

قال محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب ب: «أبو بكر كان أفضلهم إسلامًا حين أسلم فلم يزل كذلك حتىٰ قبضه الله».

جاهد مع رسول الله ﷺ الكفار في أول البعثة يوم كان الإسلام في غاية الضعف، وكان الكفر في غاية القوة... كان جهاده مع النبي ﷺ في وقت حاجته الماسة إلىٰ المساندة والمناصرة... كان جهاده جهاد القائد المخطط المدبر.

ألح علىٰ رسول الله ﷺ، إظهار وإعلان الإسلام، وكانوا تسعة وثلاثين رجلًا قال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر إنا قليل» ولم يزل أبو بكر يلح حتىٰ ظهر رسول الله ﷺ، وقام أبو بكر خطيبًا في المسجد الحرام بين صفوف المشركين وأعداء الدين في عز صولتهم، وفي أي موقف فدائي في الإسلام، ودعا إلىٰ الله ورسوله، فثار المشركون علىٰ أبي بكر وعلىٰ المسلمين يضربونهم في نواحي المسجد، ووطئ أبو بكر وضرب ضربًا شديدًا، وإذا بإخوانه أهل الكتاب والسُّنة، وفي مقدمتهم رسول الله ﷺ يمدون أيديهم ليشكلوا جسدًا واحدًا يتلقىٰ كل منهم ما يتلقاه خطيب الأمة وفدائيها الأول من طعنات حاقدة وضربات آثمة، ومن استهداف المشركين له أولئك الذين أدركوا خطورة دوره وعظيم شأنه... قدم أصحاب رسول الله ﷺ أجسادهم وأرواحهم لتشارك خليفة رسول الله كل ما يتلقاه من صدمة قريش وردة فعلها المتغطرسة، علىٰ خطابه الإنساني الحضاري العلمي والسلمي التوحيدي( ).

كان المسلمون يشكلون يدًا واحدة ويحملون فكرًا واحدًا وهمًّا واحدًا، هدفهم واحد وقيادتهم واحدة، لا يمتاز بعضهم عن بعض في تحمل تبعات اجتهادهم وجهدهم، صفهم واحد، ويتساوىٰ الجميع بالمسؤليات والواجبات لنصرة الدين، وتبليغه إلىٰ الناس، وإقامة شرعه ودولته.

كان أبو بكر له الفضل في السبق إلىٰ إعلان الإسلام وإعزازه، والتضحية من أجله في الوقت الذي عز فيه النصير، وقل فيه المعين، وفي مرحلة كانت كلها عطاء وتضحية وصبرًا واحتسابًا دون مقابل دنيوي سوىٰ الحب في الله، والعمل لخدمة دينه ونصرة شريعته... حرص الصديق علىٰ إعلان الإسلام وإظهاره أمام الكفار، وهذا يدل علىٰ قوة إيمانه وشجاعته، وقد تحمل الأذىٰ العظيم حتىٰ أن قومه كانوا لا يشكون في موته، لقد أشرب قلبه حب الله ورسوله أكثر من نفسه، ولم يعد يهمه - بعد إسلامه - إلا أن تعلوا راية التوحيد، ويرتفع النداء لا إله إلا الله محمد رسول الله في أرجاء مكة حتىٰ لو كان الثمن حياته، وكاد أبو بكر فعلًا أن يدفع حياته ثمنًا لعقيدته وإسلامه.

لقد أصر أبو بكر علىٰ الظهور بدعوة الإسلام وسط الطغيان الجاهلي، رغبة في إعلام الناس بذلك الدين الذي خالطت بشاشته القلوب، رغم علمه بالأذىٰ الذي قد يتعرض له وصحبه وما كان ذلك إلا لأنه قد خرج من حظ نفسه... لقد تغلغل حب الله ورسوله في قلب أبي بكر علىٰ حبه لنفسه، بدليل أنه رغم ما ألم به، كان أول ما سأل عنه: ما فعل رسول الله ﷺ؟ قبل أن يطعم أو يشرب، وأقسم أنه لن يفعل حتىٰ يأتي رسول الله ﷺ، وهكذا يجب أن يكون حب الله ورسوله ﷺ عند كل مسلم أحب إليه مما سواهما حتىٰ لو كلفه ذلك نفسه وماله( ).

أول من أقام الصلاة وقاتل من أجلها:

كان أبو بكر أول من أقام الصلاة وأعلن بها بين ظهراني المشركين في مكة... صلىٰ بالناس في عهد النبي ﷺ، وبعد وفاته وكان غيره يصلي خلفه مأمومًا، وصلاة الإمام أكمل من صلاة المأموم، وإلا لا ينبغي التقدم عليه إلا لعذر، وتقدم أبي بكر في الصلاة لإمامة المسلمين كان بأمر النبي ﷺ وتزكيته وهو القائل ﷺ: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله».

كان أول من قاتل من رفض الصلاة، كان مسيلمة الكذاب قد اختصر الصلوات الخمس إلىٰ ثلاث، وكان إسقاط فرضين من فروض الصلاة مهرًا للمتنبئة سجاح عندما تزوجها مسيلمة، فأعاد أبو بكر الصلاة إلىٰ ما كانت عليه كما أمر الله تعالىٰ.. أرجع المرتدين إلىٰ الإسلام فأقاموا الصلاة، ونشر الإسلام خارج الجزيرة العربية، فصار الناس يقيمون الصلاة... ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴾ [الحج: 41]

قاتل الناس علىٰ الزكاة حتىٰ صاروا يؤدونها سواء منهم من كان مسلمًا فامتنع عن أدائها، أم كان كافرًا فأسلم.

أول من أنفق كل أمواله >:

فماذا قدم كل منا من ماله لنصرة الدين؟!:

كانت له أيادي بيضاء قدمها لنصرة الإسلام، وبلغ قمة السخاء في الإنفاق في سبيل الله... جاهد في المال وأنفقه لنصرة الدين، فقد أسلم أبو بكر > وله أربعون ألف درهم، ومات ولم يترك دينارًا ولا درهمًا، أنفق كل ماله في سبيل الله... وأعتق سبعة كلهم يعذب في الله.

روي أنه لما حض رسول الله ﷺ علىٰ الصدقات، فجاءوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء أبو بكر الصديق > جاء بماله كله، فقال رسول الله ﷺ: «هل أبقيت لأهلك شيئًا؟» فقال: أبقيت لهم الله ورسوله( ).

هذه مواقف تفرد بها بين المؤمنين تدعو إلىٰ الاهتداء والاقتداء بها، في تقديم المال لنصرة الكتاب والسُّنة في هذا العصر الذي أقصيت فيه السُّنة وأبعدت عن واقع الناس؛ لأن المتابع لوجوه دعم سنة رسول الله ﷺ، لا يمكنه إلا أن ينعي علىٰ أهل السُّنة غياب جانب الجهاد بالمال علىٰ الوجه الصحيح إلا عند من رحمه الله تعالىٰ منهم، مع تكدس الأموال عند الكثيرين علىٰ نحو لم يحصل في التاريخ للأمة المسلمة من قبل!!

لقد أعطىٰ الله تعالىٰ وزاد وتفضل في العطاء، واستخلف علىٰ ما أعطىٰ، فلم تؤد الأمانات، ولم تعط الحقوق، بل وجهت أموال الناس علىٰ غير وجهها الصحيح، وسخرت لحرب الله ورسوله ﷺ في كثير من المواقف، مما يدعو إلىٰ تنبيه كل صاحب مال من أهل السُّنة أن ينظر ماذا قدم من ماله لنصرة السُّنة النبوية.

يوم أنفق خليفة رسول الله ﷺ كل ماله لنصرة الدين والسُّنة المطهرة، أعزه الله وأعز أمته، وأخلف عليهم أضعاف أضعاف ما أنفقوا.

... ما أحوجنا في عصر تحاصر فيه السُّنة من قبل أعدائها، والذين يبذلون لحصارها، واستباحة أهلها كل ما يملكون، إلىٰ إحياء منهج الصديق > في هذا الباب؛ لإغاثة الأمة، وإمداد حماة السُّنة المدافعين عنها في كل مصر وفي كل عصر، وتفريغ أنصارها من هموم الرزق والعمل، وحثهم علىٰ الصبر والثبات في مواطن المحن، وعلىٰ طلب العلم لحراسة السُّنة وحماية أهلها ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ﴾ [محمد: 38] ووجوه نصرة السُّنة كثيرة سلكها خليفة رسول الله ﷺ مبتغيا وجه الله تعالىٰ.

يتجلىٰ ذلك في تقدم الصديق >، وسبقه للصحابة ش في قوله تعالىٰ: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ﴾ [الحديد: 10]

كان الصديق أعظم من أنفق قبل الفتح، وما انتفع الإسلام بمال أحد من المسلمين كما انتفع بمال أبي بكر، لقد أنفق أبو بكر كل ماله علىٰ رسول الله ﷺ ونصرته، وإنقاذ المستضعفين من المسلمين، حتىٰ قال ﷺ: «إن أمن الناس علىٰ بصحبته وماله أبو بكر»( ).

وقال: «واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنته»( ).

واجه طغيان الشرك بيده وبقرآنه:

جاهد أيضًا بيده، ولسانه، وضرب من المشركين يوم خطب في المسلمين قبل أن يبلغ عددهم الأربعين رجلًا، وكاد أن يدفع حياته ثمنًا لذلك الموقف... دافع عن النبي ﷺ، ورد عنه عدوان المشركين، ولم يمنعه عن حماية رسول الله ﷺ بطش قريش وجبروتها.

واجه طغيان قريش بيده وبقرآنه عندما تصدىٰ لعقبة بن أبي معيط، وخلص رسول الله ﷺ من بين يديه، ثم شهر عليهم قوله تعالىٰ: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾ [غافر: 28] كان يتصدىٰ لمجرمي قريش وعتاتها ممن يؤذون رسول الله ﷺ في مكة قبل أن يكثر المسلمون وتكون لهم شوكة.

قال في حقه ﷺ: «ما لأحد عندنا يد إلا كافأناه ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يد يكافأه الله بها Q يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر»( ).

أقبل الصديق علىٰ الإسلام وهو عالم بالذي هو مقبل عليه. لم يقل له أحد، ولا قال هو لنفسه إن الأمر أهون مما توقع، وأن البلاء بعقيدته التي تحول إليها أخف مما وجد، فلم يجد نصبًا، وكان يرجو الراحة، ولم يجد غرمًا، وكان يرجو المنفعة، ولم يجد خطرًا، وكان يرجو السلامة، وإنما دخل في الشيء يتوقع ما هو ملاقيه فيه، يراه دون حقه من المصابرة والحفاظ والاحتمال؛ لأنه الدين... لأنه الحياة الفانية والحياة الباقية؛ لأنه الحق ودونه الباطل، والهدىٰ ودونه الضلال.

اتصف الصديق > بالأخلاق الحميدة، والصفات الرفيعة، ومسابقته في الخيرات حتىٰ صار في الخير قدوة، وفي مكارم الأخلاق أسوة، وكان حريصًا أشد الحرص علىٰ الخيرات، فقد أيقن أن ما يمكن أن يقوم به المرء اليوم، قد يكون غير ممكن في الغد، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، ولذلك كان من المسارعين في الخيرات، فعن أبي هريرة > قال رسول الله ﷺ: «من أصبح منكم صائمًا؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن أطعم منكم مسكينًا؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟» قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة».

قال أبو هريرة >: إن رجلًا شتم أبا بكر، ورسول الله ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يعجب ويبتسم، فلما أكثر الرجل، رد عليه أبو بكر بعض قوله، فغضب النبي ﷺ، وقام فلحقه أبو بكر، وقال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما أكثر رددت عليه بعض قوله، غضبت وقمت!! فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان» ثم قال: «يا أبا بكر ثلاث كلهنّ حق: ما من عبد ظلم بمظلمة، فيغضي عنها لله Q إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية، يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة»... الصديق > اتصف بكظم الغيظ، ولكنه رد ما ظن أنه به يسكت هذا الرجل، فرغبه النبي ﷺ في الحلم والإناة، وأرشده إلىٰ ضرورة تحليه بالصبر في مواطن الغيظ، فإن الحلم وكظم الغيظ مما يزيد المرء ويحمله في أعين الناس، ويرفع قدره عند الله تعالىٰ.

ويتبين لنا كذلك من هذا الموقف حرص الصديق > علىٰ عدم إغضاب النبي ﷺ والمسارعة إلىٰ إرضائه، وفي الحديث ذم الغضب للنفس، والنهي عنه، والتحذير منه، واعتزال الأنبياء للمجالس التي يحضرها الشيطان، وبيان الفضل للمظلوم، الصابر، المحتسب للأجر والثواب، وفيه حث علىٰ العطايا، وصلة الأرحام، وذم للمسألة وأهلها.

وظل الصديق متمسكًا بالحلم، وكظم الغيظ، حتىٰ عُرف بالحلم والأناة، ولين الجانب، والرفق، وهذا لا يعني أن أبا بكر لم يكن يغضب، وإنما كان غضبه لله تعالىٰ، فإذا رأىٰ محارم الله قد انتهكت غضب لذلك غضبًا شديدًا.

لقد عاش رسول الله ﷺ متأملًا ومتفكرًا وعاملًا بقوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾ [آل عمران، 133، 134].

كان أبو بكر > يَعُول مِسْطَحَ بن أُثَاثَة، فلما قال في عائشة < ما قال، في حديث الإفك المشهور - أقسم أبو بكر بالله ألا ينفعه أبدًا، فلما أنزل الله Q: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ﴾ [النور، 22].

قال أبو بكر: والله إني أحب أن يغفر الله لي؛ فرجع إلىٰ النفقة التي كان ينفق عليه وقال: «والله لا أنزعها منه أبدًا». لقد فهم الصديق من الآية بأن علىٰ المؤمن التخلق بأخلاق الله، فيعفو عن الهفوات والزلات والمزالق، فإن فعل، فالله يعفو عنه ويستر ذنوبه، وكما تدين تدان، والله سبحانه قال: ﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾ [النور: 22] أي: كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم، وكما أن في الآية من حلف علىٰ شيء ألا يفعله، فرأىٰ أن فعله أولىٰ من تركه، أتاه وكفّر عن يمينه، وقال بعض العلماء: هذه أرجىٰ آية في كتاب الله تعالىٰ، من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ.

لقد دلت هذه الآية علىٰ أن أبا بكر أفضل الناس بعد النبي ﷺ؛ لأن الله وصفه بصفات عجيبة في هذه الآية، دالة علىٰ علو شأنه في الدين، أورد الرازي في تفسيره أربع عشرة صفة مستنبطة من هذه الآية: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ﴾ [النور: 22] منها أنه وصفه بأنه صاحب الفضل علىٰ الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص، والفضل يدخل فيه الإفضال، وذلك يدل علىٰ أنه >، كان فاضلًا علىٰ الإطلاق وكان مفضلًا علىٰ الإطلاق. ومنها أنه لما وصفه تعالىٰ بأنه أولوا الفضل والسعة بالجمع لا بالواحد، وبالعموم لا بالخصوص علىٰ سبيل المدح، وجب أن يقال: إنه كان خاليًا عن المعصية؛ لأن الممدوح إلىٰ هذا الحد لا يكون من أهل النار.

صحبته لرسول الله ﷺ:

صحب أبو بكر > رسول الله ﷺ قبل البعثة، واستمر معه طول إقامته بمكة... وذكر المؤرخون الثقات أنه كان معه - عليه السلام - حين ذهب في صحبة عمه إلىٰ الشام واجتمع بالراهب «بحيرا» وسمع منه ما سمع عن الدين والبشارة والنبوة... وروي عن ابن عباس ب أن أبا بكر صحب النبي ﷺ، وهو ابن ثمان عشرة سنة، وهم يريدون الشام في تجارة، حتىٰ نزلوا منزلًا فيه سدرة، فنزل رسول الله ﷺ في ظلها، ومضىٰ أبو بكر إلىٰ راهب يقال له بحيرا يسأله عن الدين، فقال: من الرجل الذي في ظل السدرة؟

فقال: ذاك محمد بن عبد الله.

قال: والله هذا نبي الله، ما استظل تحتها أحد بعد عيسىٰ بن مريم إلا محمد ﷺ، فوقع في قلب أبي بكر اليقين( ).

كان كثير الإنصات لكلمات النفر الذين حملوا راية التوحيد، راية البحث عن الدين القويم، فقد حدّث عن نفسه فقال: كنت جالسًا بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نُفيْل قاعدًا، فمرّ ابن أبي الصَّلْتِ، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟

قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، فقال: 

كل دين يوم القيامة إلا

ما مضىٰ في الحنيفية بور

أما إنّ هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويُبعث، قال: فخرجت أريد ورقة بن نوفل - وكان كثير النظر إلىٰ السماء، كثير همهمة الصّدر - فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يابن أخي، إنّا أهل الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسبًا - ولي علم بالنسب - وقومك أوسط العرب نسبًا. قلت: يا عمّ وما يقول النبي؟

قال: يقول ما قيل له؟ إلا إنّه لا يظلم، ولا يُظلم ولا يُظالم، فلما بُعث رسول الله ﷺ آمنت به وصدّقته، وكان يسمع ما يقوله أمية بن أبي الصلت: في مثل قوله: 

ألا نبي لنا منا فيخبرنا

ما بعد غايتنا من رأس مجرانا

إني أعوذ بمن حج الحجيج له

والرافعون لدين الله أركانا

لقد عايش أبو بكر هذه الفترة، ببصيرة نافذة، وعقل نير، وفكر متألق، وذهن وقاد، وذكاء حاد، وتأمل رزين ملأ عليه أقطار نفسه، ولذلك حفظ الكثير من هذه الأشعار، ومن تلك الأخبار، فعندما سأل الرسول الكريم ﷺ أصحابه يومًا - وفيهم أبو بكر الصديق قائلًا: 

من منكم يحفظ كلام - قس بن ساعدة - في سوق عكاظ؟ فسكت الصحابة، ونطق الصديق قائلًا: إني أحفظها يا رسول الله، كنت حاضرًا يومها في سوق عكاظ، ومن فوق جمله الأورق وقف قس - يقول: أيها الناس: اسمعوا وَعُوا، وإذا وعيتم فانتفعوا إن من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ، آت، إن في السماء لخبرًا، وإنَّ في الأرض لعبرًا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسماء ذات أبراج!! يُقسم قس، إن لله دينًا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه. ما لي أرىٰ الناس يذهبون، ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا ثم أنشد قائلًا: 

في الذاهبين الأولين

من القرون لنا بصائر

لما رأيت مواردًا

للموت ليس لها مصائر 

ورأيت قومي نحوه

يسعىٰ الأكابر والأصاغر 

أيقنت أني لا محالة

حيث صار القوم صائر 

وبهذا الترتيب الممتاز، وبهذه الذاكرة الحديدية، وهي ذاكرة استوعبت هذه المعاني يقص الصديق ما قاله قس بن ساعدة علىٰ رسول الله وأصحابه. وقد رأىٰ رؤيا لما كان في الشام فقصّها علىٰ بحيرا الراهب، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسر ذلك أبو بكر في نفسه.

لقد كان إسلام الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار، وقد ساعده علىٰ تلبية دعوة الإسلام معرفته العميقة، وصلته القوية بالنبي ﷺ في الجاهلية، فعندما نزل الوحي علىٰ النبي ﷺ، وأخذ يدعو الأفراد إلىٰ الله، وقع أول اختياره علىٰ الصديق >، فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه، وكريم سجاياه، كما يعرف أبو بكر النبي بصدقه وأمانته، وأخلاقه التي تمنعه من الكذب علىٰ الناس فكيف يكذب علىٰ الله؟ فعندما فاتحه رسول الله ﷺ بدعوة الله وقال له: .. إني رسول الله ونبيه، بعثني إلىٰ الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة علىٰ طاعته، فأسلم الصديق ولم يتلعثم وتقدم ولم يتأخر، وعاهد رسول الله علىٰ نصرته فقام بما تعهد؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ في حقه: «إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟» مرتين.

ورافقه في الهجرة وفي الغار وفي المشاهد كلها، وكانت الراية معه يوم تبوك في أكبر زحف يقوده رسول الله ﷺ إلىٰ أكبر قوة علىٰ وجه الأرض آنذاك ألا وهي الامبراطورية الرومانية وحلفاؤها.

فوزه بشرف الاختصاص والصحبة باختيار النبي ﷺ له دون سائر الصحابة؛ ليصحبه في رحلة الهجرة، وفي أشد بلاء مر به ﷺ عندما عزم المشركون علىٰ قتله... ورعاية أبي بكر لرسول الله ﷺ يوم الهجرة، وحرصه علىٰ افتدائه بنفسه، وخدمته بيده، وعمله علىٰ توفير كل ما يحتاجه في سفره وفي إقامته... كانت صحبته صحبة دين... اختاره الله تعالىٰ رفيقًا له في هجرته، وصاحبًا يؤنس وحدته، ويبدد وحشته... كانت ترتاح إليه نفسه، ويطمئن إليه قلبه وفؤاده... هو صاحبه بتسمية كتاب الله تعالىٰ له، قال تعالىٰ: ﴿ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾ [التوبة: 40] هو المختص في القرآن بلقب صاحب النبي.

من ينكر هذه الصحبة ينكر ما هو معلوم من نصوص القرآن والسُّنة... ولا حظ له في الإسلام... لا ينكر صحبته إلا جاحد وكافر... تفرد بصحبته قبل البعثة، وعرفت ذلك قريش في الجاهلية... كان صفيه في حله وترحاله، ودامت الصحبة، وحتىٰ في بعد الوفاة استمرا صاحبين متجاورين.

قال ﷺ: «المرء علىٰ دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».

ظهر انقياد أبي بكر التام لما يأتي به القرآن الكريم، وحرصه الدائم علىٰ السبق في ميادين العمل الإسلامي... حين سمع توجيه الله Q في قوله تعالىٰ: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ﴾ [النور: 22] وكان قد حلف أبو بكر ألا يصل مسطح بن أثاثة، ولا ينفق عليه بعد أن خاض وطعن في عرض الطاهرة أم المؤمنين عائشة <، كان جواب أبي بكر حين سمع توجيه الله إليه بهذه الآية أن قال: «بلىٰ يا رب أحب أن تغفر لي» وعاد إلىٰ مسطح يصله وينفق عليه!!

كان > طرازًا خاصًّا من المؤمنين الذين تخلقوا بأخلاق الأنبياء في العفو والصفح... الذين قال الله تعالىٰ عنهم: ﴿ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ﴾ [فصلت: 35]

كانت آثار صحبته للنبي ﷺ واضحة في أخلاقه وعلمه وإيمانه وجهاده وولائه وبرائه... وصدق فيه قوله ﷺ: «المرء علىٰ دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»( ). 

عن المرء لا تسل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يقتدي

اختلفوا في ميراثه ﷺ، فما وجدوا عند أحد من ذلك علمًا، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» وانقادت الأمة لخليفة رسول الله ﷺ، ولم يعارضه أحد؛ لأنه كان يستقي من منهاج النبوة الذي تشربه... وكانت ثقة الصحابة رضوان الله عليهم بعلمه وفقهه وحفظه لكتاب الله تعالىٰ.

الخلاف على مكان دفن جثمان النبي ﷺ:

قالت أم المؤمنين عائشة <: لما توفي النبي ﷺ، اشرأب النفاق، وارتدت العرب، وانحاز الأنصار، قالوا: أين يدفن رسول الله ﷺ، فما وجدنا عند أحد من ذلك علمًا فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه» وكان المسلمون قد اختلفوا في دفنه، فمن قائل يقول: ندفنه في مسجده، وقائل يقول: ندفنه مع أصحابه، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض» فرفع فراش النبي ﷺ الذي توفي فيه، وحفر أبو طلحة الأنصاري تحته، ثم دفن ليلة الأربعاء حين زاغت الشمس( ).

حسم أبو بكر المسألة لأنه كان الوحيد القادر علىٰ تذكر النصوص في المواقف العصيبة... لو كانت صحبته كصحبة الرجلين في سورة «الكهف» لانقطعت وما دامت إلىٰ الأبد!!

قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «أنت صاحبي علىٰ الحوض، وصاحبي في الغار»( ).

لم تكن صحبته > لرسول الله ﷺ مقرونة بزمن محدد، بل إنها ولدت مع ولادتهما، فمنذ أن كانا فتيانًا بمكة، كانا الصاحبين المتحابين المتآخين اللذين جمع بينهما نبل النفوس وطيبها، وكرم المعدن، وتقارب السن، وحسن الجوار، وصلة الرحم، وعظيم المقاصد، وسمو الهدف.

لم يشرب خمرًا، ولم يسجد لصنم، وما ارتاب > في الله منذ أسلم، ولم يتعال علىٰ أحد في جاهلية ولا في إسلام، ولم يضن بماله وجاهه في سبل الخير، ونفع الناس، ونصرة الأمة.

كان أفقه وأفهم لرسول الله ﷺ:

كان يفهم عن رسول الله ﷺ إشاراته وتلميحاته التي لا يقرنها بشرح أو تفصيل من بين جميع الصحابة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ جلس علىٰ المنبر فقال: «إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده؛ فاختار ما عنده» فقال أبو بكر: فديناك يا رسول الله بآبائنا وأمهاتنا، قال: فعجبنا، فقال الناس: انظروا إلىٰ هذا الشيخ يخبر رسول الله عن عبد خيره بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر هو أعلمنا به.

انفرد بفقه مراد رسول الله ﷺ يوم الحديبية... رأىٰ الصحابة أن في شروط الحديبية إجحافًا وظلمًا من سهيل بن عمرو بحق المسلمين، ووثب عمر > قائلًا لرسول الله: أولست رسول الله؟

أولسنا بالمسلمين؟ أوليسوا بالمشركين؟ ورسول الله ﷺ يرد عليه: بلىٰ، يقول عمر: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال ﷺ: «أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني».

ويذهب عمر إلىٰ أبي بكر ويطرح عليه نفس التساؤلات، فيرد عليه أبو بكر قائلًا: يا عمر الزم غرزه - أي أمره - فإني أشهد أنه عبد الله ورسوله... أجابه أبو بكر بمثل ما قال رسول الله ﷺ، دون أن يعلم بما قاله له رسول الله.

لما ارتد العرب وقالوا: نصلي ولا نزكي... قبلوا الصلاة ورفضوا الزكاة، وجاء عمر إلىٰ أبي بكر يقول عمر: فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس، وارفق بهم، فإنهم بمنزلة الوحش، فقال: رجوت نصرتك، وجئتني بخذلانك، جبارًا في الجاهلية خوارًا في الإسلام، بماذا عسيت أن أتألفهم؟ بشعر مفتعل أو بسحر مفترىٰ؟ هيهات هيهات، مضىٰ النبي ﷺ، وانقطع الوحي والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي، وإن منعوني عقالًا، قال عمر: فوجدته في ذلك أمضىٰ مني وأحزم( ).

كان شمولي الثقافة، جامعًا لمعارف عصره، ملمًّا بمقاصدها من الأنساب، إلىٰ التجارة، إلىٰ الديات، إلىٰ المغارم والإصلاح بين القبائل.

كان المرجع لأصحاب النبي ﷺ، يجدون عنده حلول معضلاتهم التي يواجهونها في حياتهم اليومية... كان الأقدر علىٰ استنباط مقاصد أحاديث رسول الله ﷺ.

وصفه بما وصف به رسول الله ﷺ:

كان أبو بكر لا يتهم في حياته بخيلاء أو كبر أو أي شيء من أخلاق الجاهلية، وذلك بشهادة رسول الله ﷺ وتزكيته له حين قال ﷺ: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» قال أبو بكر: يا رسول الله إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال ﷺ: «لست ممن يصنع ذلك خيلاء»( ) وقوله ﷺ: «إنك لست تصنع ذلك خيلاء»( ).

لما أذن له النبي بالهجرة إلىٰ الحبشة بعد ما ابتلي به من عنت المشركين غضب لرحلته الأكرمون من القوم، ولحق به ربيعة بن فهيم المعروف بابن الدغنة فقال له: إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين علىٰ نوائب الحق فأنا جار لك ارجع واعبد ربك ببلدك.

وطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش يبلغهم أنه أجار أبا بكر فعرفوا له جواره، وقالوا له: مره فليعبد ربه في داره يصلي فيها ويقرأ ما يشاء، ولا يؤذينا ولا يستعلن به، فإنا نخشىٰ أن يفتن نساءنا وأبناءنا.

إلا أن أبا بكر بنىٰ بفناء الدار مسجدًا يصلي فيه ويرتل القرآن، ويستمع له النساء والأطفال فيجتمعون إليه. منهم من يسخر ومنهم من يعجب، ويسأل عن الخبر؛ ففزع المشركون، وطلبوا إلىٰ ابن الدغنة أن ينهاه أو يسترد منه ذمته، فأبىٰ أبو بكر أن ينتهي عن الجهر بالصلاة والقراءة، وقال لابن الدغنة: فإني أرد إليك جوارك وأرضىٰ بجوار الله Q! وبقي بمكة طوال مقامه بها يعمل لدينه ولنبيه، ولا يعمل لنفسه إلا ما ليس عنه غنىٰ من طلب المعاش، يدعو وجوه الناس ويعرض الأمر علىٰ القبائل، ويغني في الدعوة بصلاح سيرته، ورجاحة قدره بين الناس باستقامة قصده ما قل أن يغنيه دليل العقل، وكان يتعرض للأذىٰ فلا يعنيه أن يتقيه كما يعنيه أن يتقي منه النبي ﷺ وسائر المسلمين.

كان أبو بكر > في عز من قومه قبل بعثة محمد ﷺ، فها هو ابن الدغنة يقول له: مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين علىٰ نوائب الحق، فأبو بكر لم يدخل في دين الله طلبًا لجاه أو سلطان، وما دفعه إلىٰ ذلك إلا حب الله ورسوله مما يترتب علىٰ ذلك من ابتلاءات، أي أنه لم يكن له تطلعات سوىٰ مرضاة الله تعالىٰ، إنه يريد أن يفارق الأهل والوطن والعشيرة ليعبد ربه؛ لأنه حيل بينه وبين ذلك في وطنه.

وصفه ابن الدغنة سيد قبيلة القارة، بنظير ما وصفت به خديجة النبي ﷺ... قال تعالىٰ: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ 

ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ [التوبة: 40]

ما أشبه الصديق في أعماله بالنبي ﷺ:

لم تتجاوز مدة خلافة أبو بكر الصديق السنتين إلا قليلًا، وعلىٰ الرغم من ذلك فهي تمثل حياة أمة بكاملها خلال أصعب وأدق مرحلة من مراحلها، تبدو وكأنها إعجاز ضخم يصعب تصوره أو تصديقه، من حيث حجم ما أنجزه الصديق > في حياته القيادية... ما تم إنجازه من منجزات من الصعب العثور علىٰ عمل واحد منه إلا وله شبيه بعمل من أعمال النبي ﷺ، أو محاكاة له، أو اتباعًا أو تقليدًا لما فعله... انطلق النبي ﷺ من المدينة لتوحيد جزيرة العرب تحت راية الإسلام، وكذلك فعل الصديق >، خاض حروب الردة، ووحد بلاد العرب، وأعاد للمسلمين وحدتهم، وصاروا تجمعهم أخوة الإسلام، لا تفرقهم انحرافات، ولا تنزغ بينهم وساوس الشيطان، ولا تمزقهم عصبيات الجاهلية العمياء، ثم انطلق بهم إلىٰ عالم الفتوحات تحت راية الجهاد في سبيل الله؛ لنشر الإسلام فوق أرجاء الدنيا.

يقول د. محمد حسين هيكل وهو يتكلم عن حروب الردة وموقف أبي بكر منها، يقول: «هنا يقف الإنسان خاشعًا يتملكه الإعجاب بأبي بكر وبإيمانه وثباته وحزمه، فذلك موقف يذكرنا بمواقف رسول الله ﷺ، وإن لهذه الغزوة الأولىٰ من غزوات أبي بكر لجلالًا ما أشبهه بجلال غزوة بدر. وقف المسلمون يوم بدر ومحمد ﷺ علىٰ رأسهم وعددهم لا يزيد علىٰ ثلاثمائة - يقاتلون المشركين من أهل مكة، وعددهم يزيد علىٰ ألف، وهنا وقف أهل المدينة وأبو بكر علىٰ رأسهم وهم قلة، أمام هذه الجموع الغفيرة من عبس وذبيان وغطفان وغيرهم من القبائل، ويومئذ تحصن محمد ﷺ بإيمانه وإيمان أصحابه، وبنصر الله إياهم علىٰ المشركين، وهنا تحصن أبو بكر بإيمانه وإيمان أصحابه؛ فانتصر كما انتصر الرسول ﷺ، ثم كان لنصره الأثر البالغ في حياة المسلمين... ثم يقول: وهذا الإيمان الصادق الذي لا يغلبه الموت، ولا يغلبه زخرف هذه الحياة الدنيا هو الذي حفظ الإسلام في صفائه وكماله، وفي ذلك الوقت الدقيق الذي كان يتخطاه.

ويقول: أبو بكر هو الخليفة الأول الذي أقر الإسلام حين حاول المرتدون من العرب أن يقوضوا ركنه أو يثلموا منه.

ويختم كلامه قائلًا: لا شك في أن الصديق قد نفذ في حروب الردة ما جاء في كتاب الله من قوله في سورة «براءة»: ﴿ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾ [التوبة: 11، 12].

ما أشبه موقف الصديق يوم اجتمع القوم لإقناعه بعدم إنفاذ بعث أسامة بن زيد، وهو أحوج ما يكون للرجال المقاتلين فرد عليهم بقوله: 

«والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تتخطفني؛ لأنفذت جيش أسامة كما أمر به رسول الله ﷺ، ولا أرد قضاء قضىٰ به رسول الله، ولو لم يبق غيري في القرىٰ لأنفذته»، وقوله للمرتدين يوم فاوضوه علىٰ منع الزكاة فقط، والالتزام ببقية الفرائض: 

«والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله ﷺ لجاهدتهم عليه».

ما أشبه هذه المواقف بموقف رسول الله ﷺ مع عمه أبي طالب يوم قال العم: «يا ابن خي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا... فأبق علي وعلىٰ نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق» فأجابه ﷺ: 

«يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري علىٰ أن أترك هذا الأمر حتىٰ يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته»( ).

كان ﷺ علىٰ يقين ثابت من حتمية غلبة هذا الدين.

يذكر له قوله يوم جمع أهل مكة، وقد كادت تزيغ بهم الأهواء كما زاغت بسواهم لوفاة الرسول ﷺ، فوقف فيهم مخاطبًا: يا أهل مكة! لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد، والله ليتمن الله هذا الأمر كما ذكر رسول الله ﷺ، فلقد رأيته قائمًا مقامي هذا وحده، وهو يقول: «قولوا معي لا إله إلا الله، تدين لكم العرب، وتؤدي لكم العجم الجزية»؛ والله لتنفقن كنوز كسرىٰ وقيصر في سبيل الله، فمن بين مستهزئ ومصدق، فكان ما رأيتم، والله ليكونن الباقي - فامتنع الناس عن الردة( ).

محبة رسول الله ﷺ لأبي بكر >..

كان يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه!!:

قال عمرو بن العاص >: قلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة» قلت من الرجال؟ قال: «أبوها».. كان ﷺ يغضب لغضب أبي بكر، ويرضىٰ لرضاه، وهذه خصيصة لأبي بكر من دون أصحاب رسول الله ﷺ.

جاء في الحديث عن أبي الدرداء > عن النبي ﷺ أنه قال: «أيها الناس اعرفوا لأبي بكر حقه فإنه لم يسئني قط»( ).

وعن ابن عباس > قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا مع علي، إذ أقبل أبو بكر فصافحه النبي ﷺ وعانقه، وقبل فاه أبي بكر، فقال ﷺ: «يا أبا الحسن: منزلة أبي بكر عندي كمنزلتي عند ربي»( ).

كان عمر بن الخطاب يقول: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلىٰ رسول الله ﷺ.

يقول عباس العقاد: هذه حقيقة لو لم يؤيدها لسان المقال لأيدها ما يسمونه بلسان الحال، فإن أبا بكر كان ألزم الناس للنبي ﷺ وأعرفهم بسره وجهره، وأقربهم إلىٰ ثقته وحسن رأيه، وكان النبي ﷺ يسمر عنده في شئون المسلمين، ويركن إلىٰ مشورته في كثير من الأحايين، وإذا بلغ من شأن رجل أن يكون أحب الناس إلىٰ النبي ﷺ فهو أهل لحبه، وأهل لثقته لا مراء؛ لأن هذا الحب في النفوس العظيمة قرين الثقة والتقدير، لا يخلو منهما ولا ينفصل عنهما، فمن استحق منها الحب الراجح فقد استحق الثقة الراجحة في آن.

أما حب أبي بكر محمدًا ﷺ فهو حب الإيمان والإعجاب والولاء، وهو الحب الذي تهون فيه علىٰ المرء نفسه وماله وذووه، وينزعه من ماضيه ليستولي علىٰ حاضره كله، وما هو أعز عليه من الحاضر وما فيه وهو الأمل فيما يشهد والأمل فيما وراء الغيب، بل الأمل في حياة لا تبيد... فمنذ اللحظة التي انعقدت فيها الصداقة بينهما رضي الصديق الأمين أن يسخو في سبيل هذه الصداقة بكل نفيس عنده، وكل أثير لديه، وأنفق ماله، وفارق وطنه وأبناءه، وهاجر إلىٰ المدينة مخاطرًا بحياته، فما همه وهو محفوف بالمخاطر في طريقه إلا صاحبه الذي معه يفديه بما وسعه من فداء، يسبقه تارة ويخلفه تارة أخرىٰ، ليدرأ عنه الشر من حيثما توقعه واتقاه... أهـ( ).

كان ﷺ ينتصر لأبي بكر >:

لقد ثبت من الأحاديث الصحيحة ما يدل علىٰ أن النبي ﷺ كان ينتصر لأبي بكر وينهىٰ الناس عن معارضته، فعن أبي الدرداء > قال: كنت جالسًا مع النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتىٰ أبدىٰ عن ركبته، فقال النبي ﷺ: «أما صاحبكم فقد غامر»، فسلم، وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبىٰ علي، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا. ثم إن عمر ندم فأتىٰ منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا. فأتىٰ النبي ﷺ فسلم عليه، فجعل وجه رسول الله ﷺ يتمعر، حتىٰ أشفق أبو بكر فجثىٰ علىٰ ركبتيه فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي ﷺ: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي» مرتين. فما أوذي بعدها.

هذه هي الطبيعة البشرية للصحابة ومايحدث بينهم من خلاف، وسرعة رجوع المخطئ وطلب المغفرة والصفح من أخيه، تواد الصحابة فيما بينهم، مكانة الصديق الرفيعة عند رسول الله ﷺ ثم أصحابه... إلخ.

أي وجدان هذا... وأي نفس هذه!!:

قال ربيعة الأسلمي >: كنت أخدم النبي ﷺ... وذكر حديثًا ثم قال: إن رسول الله ﷺ أعطاني بعد ذلك أرضًا وأعطىٰ أبو بكر أرضًا وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة، فقلت أنا: هي في حدِّي، وقال أبو بكر: هي في حدي، فكان بيني وبين أبي بكر كلام، فقال أبو بكر كلمة كرهها وندم فقال لي: يا ربيعة رد عليها مثلها حتىٰ تكون قصاصًا، قال: قلت: لا أفعل، فقال أبو بكر: لتقولن أو لاستعدين عليك رسول الله ﷺ، فقلت: ما أنا بفاعل، قال: ورفض الأرض، وأنطلق أبو بكر > إلىٰ النبي ﷺ، وانطلقت أتلوه، فجاء ناس من أسلم فقالوا لي: رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله ﷺ وهو قد قال لك ما قال، قلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني اثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله ﷺ فيغضب لغضبه فيغضب الله Q لغضبهما، فيهلك ربيعة، قال: ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا، قال: فانطلق أبو بكر > إلىٰ رسول الله ﷺ فتبعته وحدي حتىٰ أتىٰ النبي ﷺ فحدثه الحديث كما كان، فرفع إليَّ رأسه فقال: «يا ربيعة ما لك والصديق؟» قلت: يا رسول الله كان كذا كان كذا، قال لي كلمة كرهها فقال: قل لي كما قلت حتىٰ يكون قصاصًا، فأبيت، فقال رسول الله ﷺ: «أجل فلا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر»، فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر. قال الحسن (البصري): فولىٰ أبو بكر > وهو يبكي.

لله أي وجدان هذا الوجدان، وأي نفس تلك النفس، بادرة بدرت منها لمسلم فلم ترض إلا اقتصاصه منها، وصفحه عنها، تناهيًا بالفضيلة، استمساكًا بالأدب، وشعورًا تمكن من الجوانح، وأخذ بمجامع القلوب، فكانت عنده زلة اللسان ولو صغيرة ألمًا يتململ منه الضمير فلا يستريح إلا بالقصاص منه، ورضا ذلك المسلم عنه.

كانت كلمة هينة، ولكنها أصابت من ربيعة مَوجعًا... فإذا أبو بكر يُزَلزلُ من أجلها، ويأبىٰ إلا القصاص عليها، مع أنه يومئذ كان الرجل الثاني في الإسلام بعد رسول الله ﷺ، وهي كلمة لا يمكن أن تكون من فُحش القول أبدًا؛ لأن أخلاقه لم تسمع بهذا، ولم يؤثر عنه حتىٰ في الجاهلية شيء من هذا.

لقد خشي الصديق مغبة تلك الكلمة، ولهذا اشتكىٰ لرسول الله، وهذا أمر عجيب فإن أبا بكر قد نسي أرضه ونسي قضية الخلاف، وشغل باله أمر تلك الكلمة؛ لأن حقوق العباد لابد فيها من عفو صاحب الحق من الشيوخ والعلماء والحكام والدعاة في كيفية معالجة الأخطاء، ومراعاة حقوق الناس، وعدم الدوس عليها بالأرجل.

وقد استنكر قوم ربيعة أن يذهب أبو بكر يشتكي إلىٰ رسول الله ﷺ وهو الذي قال ما قال، ولم يعلموا ما علمه أبو بكر من لزوم إنهاء قضايا الخصومات، وإزالة ما قد يعلق في القلوب من الوجدة في الدنيا قبل أن يكتب ذلك في الصحف ويترتب عليه الحساب يوم القيامة. وبالرغم مما ظهر من رضىٰ ربيعة، وتوجيه النبي ﷺ إلىٰ عدم الرد علىٰ أبي بكر فإن أبا بكر قد بكىٰ من خشية الله تعالىٰ، وهذا دليل علىٰ قوة إيمانه، ورسوخ يقينه.

وموقف يذكر لربيعة بن كعب الأسلمي >، حيث قام بإجلال أبي بكر >، وأبىٰ أن يرد عليه بالمثل، وهذا من تقدير أهل الفضل والتقدم والمعرفة بحقهم، وهو دليل علىٰ قوة الدين، ورجاحة العقل( ).



الفصل الثاني

مواقف خالدة من حياة أبي بكر >

أبو بكر المثل الأعلى للحاكم المسلم:

في سيرة أبي بكر >، دروس عظيمة يتعلم منها مواصفات الحاكم الذي يرتجىٰ منه الإصلاح والقيادة التي تعود بالأمة إلىٰ مسارها الصحيح الذي ليس فيه تجاوزعلىٰ حقوق الناس، وكل شيء في مفردات السياسة والإدارة والحكم معلوم لدىٰ عامة المسلمين، فهم علىٰ بينة مما يصنعه حكامهم في أمور دينهم ودنياهم.

لقد رسم للأمة مسار الحاكم الصالح السوي المؤمن، الذي يرتجي صلاح أمته وتقدمها ونصرها وسيادتها، مع المحافظة علىٰ العمل بالسُّنة النبوية المطهرة والتمسك بهديها، والحذر من أعدائها الذين يبطنون لها الحقد والمكر، ولأئمتها البغض والكره، ولعقيدتها الزور والبهتان!!

المسلمون في عهده لم تنتكس لهم راية، ولم يهزم لهم جمع، ولم ينكبوا إلا مرة واحدة يوم خالف «خالد بن سعيد» أوامر الصديق وتعليماته فوقع في فخ الروم... وتجاوز الصديق الانتكاسة بسرعة مذهلة والانتقال منها إلىٰ إعداد الظروف المناسبة؛ لإحراز النصر... لأنه لم يهمل أثر ودور العقيدة فكرًا وممارسة في صنع الأحداث، فالنصر من عند الله غير أن الخليفة لم يسقط من حسابه أي عامل من العوامل المادية والمعنوية في أمور الإعداد للحرب... ولىٰ الصديق قادة جيوشه من المجاهدين في سبيل الله لم يعرف التاريخ لهم شبيهًا ولا نظيرًا... كانوا يتسابقون إلىٰ طلب الموت والشهادة... فرسان بالنهار أسود، وإذا جن الليل عكفوا علىٰ عبادتهم يدوون بها كطنين النحل... ينصاع صغيرهم لكبيرهم، ويعطف كبيرهم علىٰ صغيرهم في أخوة في الله، نسيج متكامل لا أورع ولا أتقىٰ منه صاغه الإسلام.

لم يكن أبو بكر الحاكم الديكتاتور المستبد:

لقد تولىٰ خليفة رسول الله ﷺ أمور المسلمين، فاجتمعت له السلطة الدينية والسلطة العسكرية والسلطة الإدارية، غير أن هذه السلطات علىٰ اجتماعها لم تعط الخليفة الصديق صفة «الديكتاتور» أو الحاكم الفرد المستبد، فالأمور شورىٰ بين قادة المسلمين، وممارسة الحريات الفردية حق ضمنه الإسلام لكل مسلم، وهو حق لا يستطيع الخليفة أو سواه سلبه أو الانتقاص منه إلا في حدود مصلحة المسلمين، وفي مجال ممارسة الخليفة لدوره القيادي، فإنه لم يكن مقيدًا إلا بمصلحة المسلمين، ولم يكن للمسلمين إلا مصلحة واحدة هي رفع راية الإسلام عاليًا ونشر الإسلام في كل مكان، وكان هذا هو ما اضطلع به الخليفة الصديق باعتباره ممثلًا لكل المسلمين.

لم يكن الصديق > حاكمًا مستبدًا، ولا ديكتاتورًا، ولم يكن يتخذ القرارات الاستراتيجية بمفرده... كان يلجأ إلىٰ مجلس الشورىٰ ممن يتوافر فيهم رجاحة الرأي وسداد التفكير وإخلاص في النصح.

كانت سياسة أبي بكر خير كفيل بالنصر والنجاح، فقد كان في حكمه مثال العدل والرحمة... لم يكن يستبقي لنفسه من الزكاة أو من أخماس الفيء إلا ما فرضه المسلمون له، ثم ينفق أكثرها في تجهيز الجيوش للجهاد، ويوزع ما بقي علىٰ الفقراء وأبناء السبيل... كانت الزكاة ينفق جانب كبير منها في شؤون البلاد، وعلىٰ فقرائها بإشراف عماله الذين ولاهم أمورها، والذين كانوا علىٰ مثاله عدلًا ونصفة، بذلك اطمأنت العرب جميعًا إلىٰ عيشهم وزال كل خوف من النفوس.

لما انتهىٰ الأمر بمبايعته بالخلافة، قبلها وهو لم يسع لها، ولم يعمل من أجلها ولم يفرح بها، فقد ألقت عليه الخلافة بأعباء ثقال، غير أنه لم يكن لأبي بكر القدرة علىٰ الفرار من التكليف؛ خشية علىٰ تفرق المسلمين، وأعلن التزامه بكتاب الله وسنة رسوله، وكانت تلك هي القيود التي قيدت الحاكم في مواقفه، وفي اتخاذه لقراراته الاستراتيجية... كان مجلس الشورىٰ يجتمع بناء علىٰ طلب الخليفة في رحاب مسجد رسول الله، لمناقشة سياسة الدولة والفتوح، غير أن اتخاذ القرارات الحاسمة وتنفيذها بقي من حق الخليفة وحده، والحق أنها كانت من إبداع الفكر الاستراتيجي للخليفة الصديق >..

كثيرًا ما عارض الخليفة أبو بكر آراء بعض الصحابة، وأخذ ببعضها الآخر، أو اختار حلولًا مغايرة للتي كان يريدها... استئذن الخليفة الصديق القائد أسامة بن زيد إعفاء عمر بن الخطاب من مرافقته - وكان في جملة من حشده الرسول ﷺ في جيش أسامة بن زيد - كان أبو بكر في حاجة لاستبقاء عمر إلىٰ جانبه في المدينة، وكان باستطاعته أن يأمره مباشرة بالبقاء وعدم مرافقة الجيش، وكان ذلك حرصًا علىٰ تأكيد التزامه بمنح قائده حرية العمل المطلقة، وحتىٰ لا يشعر بأن قيادته مقيدة.

عندما قتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة، واقترح عمر بن الخطاب تقييد حرية عمله بقوله: «إن في سيف خالد رهقًا، وحق عليه أن تقيده».

غير أن الخليفة الصديق رفض تقييد حرية عمله وأجاب عمرًا: «تأول خالد فأخطأ فارفع لسانك عنه».

سياسة الصديق ميزان يقاس عليه الإصلاح:

ما أحوج الأمة اليوم أن تقف علىٰ معطيات سيرة أبي بكر الصديق > تقتدي بها، وتقيس علىٰ موازينها... أبو بكر > الزاهد العابد البكاء، هو أعظم رجال محمد ﷺ، وهو القائد الرباني الفذ، الذي ينبغي لكل حاكم أن يقف طويلًا أمام سيرته، يتلمس منها العبر والدروس في الحكم، وسياسة الأمم والشعوب... الحاكم الذي لا همَّ له إلا الإبقاء علىٰ شرع رسول الله ﷺ علىٰ ما كان.

نحن في حاجة إلىٰ تلمس فقه أبي بكر لحقيقة الدولة ووظيفة الحكم... كان دور أبي بكر > في الحفاظ علىٰ أركان دولة النبوة، في ظل أحداث جسام بعد وفاة النبي ﷺ وارتفاع الوحي، وكيف حمل أنوار النبوة فانطلق بها شرقًا وغربًا.

اختصه الله تعالىٰ بصفات لم تتوفر لكثيرين غيره... تبين ذلك من عامة مواقفه >، منذ توفي رسول الله ﷺ، حيث كان هو المرجع لكبار الصحابة وصغارهم، لا يسأل عن أمر إلا ويجيب عليه، ولا تمر الأمة بموقف حرج إلا وجد لها المخرج دون تردد، ولا أدل علىٰ الفارق بين رؤية خليفة رسول الله القيادية، ورؤية غيره من الصحابة أئمة الأمة ش، من الموقف الذي سار عليه لمعالجة أمر الزكاة وأمر إنفاذ جيش أسامة... كانت اجتهادات الصحابة تدور حول دراسة الموقف من حيث موازين القوىٰ، وما إلىٰ ذلك من تدابير، وخليفة رسول الله ينظر إلىٰ الأمر بمنهج رسول الله ﷺ.

إنفاذ جيش أسامة:

بعد حجة الوداع أقام رسول الله ﷺ بقية ذي الحجة والمحرم في المدينة، ولكنه لا زال يذكر شهداء موقعة مؤته، وقد وجد عليهم وجدًا كبيرًا، زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة ش - الأمراء الثلاثة الذين كانوا أقرب الناس إلىٰ قلبه وإلىٰ نفسه ﷺ.

دعا رسول الله ﷺ، أسامة بن زيد، وقال له: «سر إلىٰ موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش فأغر صباح... وحرق عليهم».

جيش أسامة ينشر هيبة الدولة: 

ولم يعد جيش أسامة إلىٰ المدينة إلا بعد أن ترك رهبة قوية في نفوس الروم، وبقدر ما حقق من انتصارات علىٰ الأرض، حقق انتصارات في نفوس الأعداء حتىٰ هزموا من داخلهم فتشتت جموعهم، وتفرقت تحالفاتهم وباتوا يخشون أن يفاجؤوا بغارات جديدة من جيوش خلافة النبوة التي لا ترد ولا تهزم.

بذر هيبة الدولة في نفوس الأمم الأخرىٰ، فقد حققت سياسة الصديق هذا الهدف، بطرق عديدة منه: 

وصول أخبار الانتصارات التي أيد الله بها الأمة المسلمة في حروب الردة مما ساعد علىٰ وأد هذه الفتنة، وتثبيت أركان الدولة، ومثل هذه الأخبار تصل إلىٰ الدول المجاورة، وبخاصة إذا كانت تتابع أنباء الدولة الإسلامية وترقب حركتها وترىٰ فيها خطرًا جديدًا يهددها، وللفرس والروم في ذلك الوقت قدرة علىٰ معرفة الحوادث والأمور، فلما وصلت أنباء المرتدين وثبات الناس علىٰ الدين أدركت الدولتان أن بنيان هذه الأمة الجديدة يستعصي علىٰ المؤامرات، ويتجاوز المحن والابتلاءات، وهذا له وقعه في نشر هيبة دولة الإسلام.

ظهر لجيش أسامة الذي أنفذه الصديق أثر بالغ في نشر هيبة الدولة الإسلامية، وقد جعل الروم يتساءلون عن الجيش الذي حاربهم وعاد منتصرًا إلىٰ عاصمة دولته فامتلأت قلوبهم فزعًا حتىٰ حشد هرقل عشرات الألوف من جيشه علىٰ الحدود، فقد نقلت تلك الأخبار إلىٰ بلاد كسرىٰ وتناقلها الناس مما كان له الأثر في هيبة المسلمين في قلوب هذه الدول.

قام الصديق بمواصلة الجهاد لتأمين الدعوة ووصولها للناس، فجهز الجيوش وندب الناس للخروج إلىٰ الجهاد في سبيل الله لنشر دعوة الحق، وإزاحة الطواغيت الذين رفضوا دعوة النبي ﷺ لهم بالإسلام، وصمموا علىٰ حجب نور الحق عن شعوبهم، وقد خرج الناس يلبون هذه الدعوة الحبيبة إلىٰ النفوس تحت لواء قادة أصحاب بلاء وجهاد في سبيل الله أمثال خالد، وأبي عبيدة، وعمرو، وشرحبيل، ويزيد ش اختارهم خليفة محنك مجرب ذو ملكة عسكرية عجيبة صقلتها الظروف التي أحاطت به، والأزمات الخطيرة التي أحدقت بأمته؛ مما دفعه إلىٰ العناية بهذه الناحية؛ فاختار القواد أحسن اختيار، وأمدهم بتوجيهاته وإرشاداته ففتحوا الشام والعراق في أقصر وقت ممكن وبأقل كلفة متاحة.

لم ينتظر الحاكم حتى تتكامل قواته!!:

الضربات الاستباقية الإجهاضية للعدو:

كان الخليفة > في سباق مع الزمن... كان يمكنه أن يتأخر في إنفاذ الجيوش حتىٰ تتكامل قواته، ولكنه وجد أن كل تأخير فيه ازدياد لقدرة المرتدين، مما سيضاعف من الصعوبات التي قد تتلقاهما جيوش المسلمين في صراعها مع العدو... إذن فلتنطلق قوات المسلمين بنصف استعدادها، وبإيمان كامل خير من أن تنطلق باستعداد كامل يقابله استعداد مماثل من قبل الأعداء.

خرج الخليفة > بنفسه - بعد أن ودع جيش أسامة - فقاتل المرتدين في «ذي حسي» و«ذي القصة» وانتصر عليهم ومزق شملهم، وعرفوا في المسلمين البأس والمنعة... حقق جيش أسامة أكثر مما كان متوقعًا منه، بعد أن نقل المعركة إلىٰ أرض الأعداء، وأدخل الرعب في قلوبهم، وعرفهم بأنهم ليسوا بعيدي المنال مهما نأت بهم الديار.

كان إنفاذ جيش أسامة برهانًا علىٰ التصميم من موقع الاقتدار، فلو شعر الخليفة بضعف المسلمين، ولو كان المسلمون علىٰ مثل الضعف الذي ظنه المرتدون بهم، لما تمكن الخليفة من الاستغناء عن جيش أسامة وهو يعاني موقفًا حرجًا... قاد الخليفة جيش المدينة وهو كل القوة الاحتياطية المتوافرة له، فبغت المرتدين في ظلمة الليل، ووضع فيهم السيف وهم لا يشعرون.

ماذا لو تحولت سيرته إلىٰ تشريعات وقوانين حديثة تفرض علىٰ الحكام الالتزام بفضائل معينة، ليس أقلها القدرة علىٰ تحمل المسؤولية وعدم التفريط أو التهاون في أمور الناس وأمنهم ومتطلبات حياتهم.

استمد الصديق > تشريعاته من القرآن الكريم والسُّنة النبوية المطهرة، استمدها من القانون الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين أيديه ولا من خلفه؟!

تعلم الصديق كثيرًا في مدرسة الإسلام، وأخذ ما يستطيع أخذه عن الرسول الأعظم، وربما كان أعظم ما أخذه عن صاحبه هو القدوة الحسنة والأسوة الحسنة.

لقد ترك الصديق > إرثًا ضخمًا أكبر من أن تتسع له صفحات التاريخ، وهذا الإرث غير منفصل عن واقعنا المعاصر!!

جاءته الخلافة تسعىٰ علىٰ استحياء وهو لم يطلبها، ولم يطمع بها، فقبلها وكان خير خليفة عرفته الدنيا... ما كان له أن يفر من حمل المسؤولية وفيها خدمة الإسلام والمسلمين، وهو أصدق الناس إسلامًا وأسبقهم إيمانًا.

جاءته الخلافة وكانت قدره وقدر المسلمين، ليعز الله دينه، ولينصر الله عباده وجنده، وكان الخليفة والمسلمون عند حسن ظن ربهم، فكان النصر الذي زهت به الدنيا وارتبط باسم الصديق ما دامت الدنيا قائمة، وما دام البشر يعيشون علىٰ الأرض، ليقرؤوا سفر الإنسانية عبر ركام صفحات التاريخ... جاءته الخلافة في وقت كانت الأمة أحوج ما تكون إليه بعد ردة إلىٰ الجاهلية وتمزق، فردها إلىٰ دينها وأعاد لها وحدتها.

أخلص الصديق فأخلصت الرعية، وعف فعفت الرعية، وتواضع لمن فوقه فتواضع له من هم دونه، وباع نفسه فلقي رعيته بيعًا ببيع، وكانت تلك بعض ثمار القدوة الحسنة، هذا ما أكدته سيرته.

«والله لا أواسينكم بنفسي».

«إني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه».

مقولتان للصديق في جملة مقولات كثيرة، قال الأولىٰ وهو يعلن تصميمه علىٰ قيادة الجيش الأول في حروب الردة، ولم يكن المسلمون في حاجة للمواساة، بل كانوا يتوجسون خيفة علىٰ الخليفة من أن يصيبه مكروه، وهم أحوج ما يكونون لوجوده بينهم ولتولي أمرهم... وقال الثانية يوم أن حارت تلك التي كان يحلب لها، وقد تولىٰ أعباء الخلافة، فخشيت أن يمتنع الصديق عن حلب أغنامها، ورد الصديق بمقولته، معلنًا ومؤكدًا أن الخلافة لن تغيره عن خلق كان عليه، وصدق ما عاهد الله عليه، فكان قدوة لا مثيل لها في التاريخ بعد رسول الله ﷺ... توافرت فيه مجموعة من الفضائل نادرًا ما اجتمعت لرجل واحد، لم يكن أقلها التواضع والحلم، والبساطة في القول والعمل مع رجاحة في العقل وسداد في الرأي وقوة في الحجة والبيان... لم يؤت بسطة في الجسم، ولكنه كان يمتلك قلبًا يتسع لكل المسلمين، يؤاسيهم بنفسه، إذا ما اشتد الخطر وادلهمت الخطوب.

لقد رسم الصديق القدوة الحسنة لمن سيأتي بعده بحيث لم يبق علىٰ الخلف، إلا اتباع نهج من قد سلف، وكان التزامه الدقيق بأحكام الكتاب والسُّنة في حياته العامة والخاصة هو النهج القويم الذي سار عليه قادة الفتح وكلهم إخلاص لدينهم، لا مغنم يبحثون عنه من عرض الدنيا، ولا زهوًا يتيهون به رائدهم جميعًا أن يكونوا عند حسن ظن ربهم بهم، وكان هذا في حد ذاته إعجازًا أذهل أعداءهم من فرس وروم... ولله المثل الأعلىٰ.

حروب الردة:

الردة والمرتدون:

أعلن البعض بعد وفاة النبي ﷺ، أنهم لا يزالون راغبين في أن يعبدوا الله، ولكنهم يرفضون أن يدفعوا الزكاة... وظنوا أن الإسلام قد انتهىٰ بوفاة الرسول ﷺ، وزعموا أن الزكاة إنما هي إتاوة كانوا يدفعونها للرسول ﷺ، ومن ثم فلا مبرر لدفعها بعد وفاته.

كان أبو بكر > شديد الحيطة في أمر المرتدين، فكان لا يأخذ في ذلك أحدًا بالشبه، ولا يحكم فيه بالظنة، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.

كان السواد الأعظم منهم من هؤلاء الأعراب الذين مردوا علىٰ النفاق، وقد نعىٰ الله سبحانه وتعالىٰ عليهم هذا الأمر في غير آية من القرآن من ذلك قوله تعالىٰ: 

﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ﴾ [الحجرات: 14 - 16].

أولئك النفر لم يسلم حقًّا، وكانوا قد تورطوا في الدخول في الإسلام ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ﴾ [الحجرات: 17].. دخلوا الإسلام لأنه دين الفاتحين، ولما عساه أن يدره عليهم من النفع، أو يدرأ عنهم الشر.

المتنبؤن: 

وكانت فتنة بني حنيفة في اليمامة أشد خطرًا، فقد ظهر فيها رجل اسمه مسلمة - دعاه المؤرخون مسيلمة من باب التصغير والتحقير - وادعىٰ النبوة قبيل وفاة النبي ﷺ، وطالب بحقوق، وكان قد شدد علىٰ الزهد والتقشف تشديدًا خاصًّا، وأوصىٰ بالصيام وحرم الخمر، وحض أتباعه علىٰ الطهارة والعفة، وتكلم عن الطاحنات والخابزات، وعن الضفدعة التي تعيش في الماء والطين، وعلىٰ الرغم من سذاجته، أثر في نفوس أتباعه من قبيلته.

وفي شمال الجزيرة أضرمت امرأة تدعىٰ سجاح نيران حركة تشبه حركة مسيلمة، بين أفراد قبيلة تميم، وبسطت سلطانها علىٰ القبيلة برمتها، ثم اتجهت نحو الجنوب وعقدت حلفًا مع مسيلمة في نضال مشترك ضد المدينة.

وبانقضاء حرب الردة، رجعت القبائل العربية التي أعلنت العصيان بعد وفاة النبي ﷺ... ولكنها لم تخضع إلا بعد جهد ومشقة إلىٰ حظيرة الإسلام، فقد استشهد من المهاجرين والأنصار العدد الكبير بينهم كثير من أصحاب الرسول ﷺ السابقين إلىٰ الإسلام، وكبار حفظة القرآن... واشترىٰ المسلمون هذه الغلبة بثمن غال، لم يقرر مصائر بني حنيفة فحسب، بل مصائر العرب علىٰ الجملة.

وقضىٰ أبو بكر > علىٰ الفتنة وأقر الأمن في البلاد.

لم يوافق > على الحلول الوسط!!:

لما رأىٰ زعماء الردة قوة المسلمين، وعرفوا مضاء عزيمتهم، حاولوا الوصول إلىٰ حلول وسط عن طريق التخلي عن بعض الفرائض - لا أكثر - مثل انتقاص فرضين من فرائض الصلاة، أو الامتناع عن أداء الزكاة!!

لم يوافقهم الصديق، وكان يمكنه تجنب سفك دماء خيار الصحابة وأبرار المسلمين ومجاهديهم، والتي بلغت في حرب مسيلمة الكذاب وحدها في حديقة الموت زهاء عشرة آلاف مسلم، وكان باستطاعته أن يجنح إلىٰ السلم مكتفيًا بإعلان زعماء الردة مبايعتهم له وولائهم للخليفة.

لم يقبل > بالحلول الوسط؛ لأن القضية لم تكن قضية ولاء شخصي، وإنما كانت القضية التمسك بأهداب الدين والالتزام الكامل بفرائضه وسننه، كيف يهادن من أزهق أرواح المسلمين واستحل أموالهم ودماءهم؟!

كانت القضية هي التزام المسلمين بدينهم وتمسكهم به، كان يعرف بثاقب نظره أن القضية لن تقف عند هذا الحد الذي ظهر فيه تقصير في فرض من الفرائض، وإنما ستتجاوزه لانتهاك فرائض أخرىٰ لإضعاف القاعدة الإيمانية وتمزيقها وتفتيت قدراتها... من هنا فلا مجال للتهاون في حسمها والتساهل في معالجتها.

كانت القضية في أساسها قضية ابتلاء من الله لعباده المسلمين، وابتلاء لخليفة رسول الله، وخرجوا من الابتلاء، وقد نصروا الله، ونصرهم الله.

وكان هذا هو الطريق والسبيل الذي رسمه الصديق، لمن يبتغي العزة والمجد والرفعة للحكام المسلمين والمجاهدين في سبيل الله، ومن تنكر لهذا النهج القويم، ولم يقتد بأعمال سلفنا الصالح خير القرون، استبدله الله تعالىٰ.

وصايا أبي بكر للجيوش الإسلامية:

مبادئ الحرب وأخلاقيات القتال في الإسلام... وثائق إنسانية!!:

وصاياه ﷺ لأسامة >:

قال ﷺ لأسامة: «اغز باسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأة، ولا تتمنوا لقاء العدو، فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم ولكن قولوا اللهم اكفناهم بم شئت واكفف بأسهم عنا، فإن لقوكم قد جلبوا وضجوا فعليكم بالسكينة والصمت، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، وقولوا: اللهم إنا نحن عبيدك وهم عبادك نواصينا ونواصيهم بيدك، وإنما تغنيهم أنت، واعلموا أن الجنة تحت البارقة»( ).

طعن قوم في إمارة أسامة لحداثة سنه، وقالوا: يستعمل هذا الغلام علىٰ المهاجرين الأولين؟! فغضب رسول الله ﷺ غضبًا شديدًا وقال: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده» وخرج أسامة > بالجيش وكان فيه عمر >، بعد أن قبل النبي ﷺ مودعًا، والنبي ﷺ يرفع يديه إلىٰ السماء ثم يضعها علىٰ أسامة، قال أسامة: فعرفت أنه يدعو لي.

ولم يكن أبو بكر في جيش أسامة، وإنما كان مستخلفًا لمهمة الوقوف مع رسول الله ﷺ.

وبينما كان أسامة > يهم بالمسير، جاءه خبر وفاة النبي فتوقف، وبويع لأبي بكر >.. ولما ارتدت العرب ووقف أسامة بالناس ثم قال لعمر > ارجع إلىٰ خليفة رسول الله ﷺ فاستأذنه يأذن لي أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه الناس وحدهم، ولا آمن علىٰ خليفة رسول الله.

وقال البعض: فإن أبىٰ خليفة رسول الله إلا أن نمضي فأبلغه عنا واطلب إليه أن يولي أمرنا رجلًا أقدم سنًّا من أسامة، فخرج عمر بأمر أسامة وأتىٰ أبا بكر > فأخبره بما قال أسامة. فقال أبو بكر >: لو خطفتني الكلاب والذئاب لم أرد قضاء قضىٰ به رسول الله ﷺ... قال عمر >: فإن الأنصار أمروني أن أبلغك، وإنهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلًا أقدم سنًّا من أسامة، فوثب أبو بكر وكان جالسًا فأخذ بلحية عمر فقال له: ثكلتك أمك وعدمتك يابن الخطاب، استعمله رسول الله ﷺ، وتأمرني أن أنزعه؟!

فخرج عمر إلىٰ الناس فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم، ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله.

كان موقفه > صارمًا وحاسمًا في إنفاذه جيش أسامة بعد وفاة النبي ﷺ، ومع خطورة الموقف... دولة ناشئة والرافضة متأهبين للقضاء علىٰ الدولة برفضهم دفع الزكاة، وخلافة النبوة، وإمامة أبي بكر... كانت العرب قد ارتدت إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق واشرأبت اليهود والنصارىٰ، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم وقلتهم وكثرة عدد عدوهم... ولم يبق للجمعة مقام سوىٰ مكة والمدينة!!

كان رأي الصحابة ش، إزاء ما استجد من أحداث هو المهادنة والملاينة والانتظار إلىٰ حين، وإبقاء جيش أسامة بين ظهرانيهم في المدينة لحمايتها... وكان من يشير إليه بإبقاء الجيش في المدينة هم أقرب الناس إليه، وهم من يرجو مساعدتهم، ومساندتهم، ونصرتهم لمواجهة أخطار الرافضة!!

قالوا له: إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب علىٰ ما ترىٰ قد انتقضت بك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين.

قال الصديق >: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ﷺ، ولو لم يبق في القرىٰ غيري لأنفذته.

قال >: والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ﷺ، ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة كما أمر رسول الله ﷺ!!

لم تجعله هذه الظروف العصيبة إلا أن يزداد إقدامًا ويقينًا وثقة بموقفه المستند إلىٰ وجوب التمسك بأوامر رسول الله ﷺ وإشاراته وتوجيهاته تامة دون تأجيل أو تفريط.

واجه كل هذه المخاطر بعزيمة لا تلين، وإقدام لا يعرف التردد أو الوهن أو المساومة. ذلك لأنه يسير علىٰ منهج السُّنة النبوية، ولم يقبل أي تنازل أمام مخاطر الرافضة المرتدين... وكان موقفه هذا هو العلاج الناجع الذي أثمر سلامة الدين ونصر المؤمنين ووحدة الأمة... كان كل ذلك بفضل الله ثم بيقين خليفة رسول الله ﷺ وذكائه وعلمه وجرأته.

أمر الصديق الجيش بالمسير، وخرج يشيع أسامة، وسار معهم ماشيًا، وأسامة راكبًا، وعبد الرحمن بن عوف يقود راحلة الصديق، قال أسامة: يا خليفة رسول الله إما تركب وإما أن أنزل، فقال: والله لست بنازل ولست براكب، وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة؟ فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبع مائة حسنة تكتب له، وسبعمائة درجة ترفع له، وتمحىٰ عنه سبعمائة خطيئة... ثم استأذن الصديق > من أسامة لعمر >، وكان في الجيش فأذن له، ولهذا كان عمر بن الخطاب > لا يلقاه بعد ذلك إلا قال لأسامة: السلام عليك أيها الأمير، وهذا يظهر مدىٰ أدب الشيخين ب وشدة انضباطهما وانقيادهما لكل ما أشار رسول الله ﷺ.

كانت أوامر الصديق > وتعليماته لقادة الجيوش وثائق إنسانية تشهد للمسلمين أبدًا بالعدالة، لم يعاقب الصديق بالقتل إلا أولئك الذين اشتركوا في إهراق دم المسلمين، وأولئك الذين أخذتهم العزة بالإثم؛ فامتنعوا عن أداء فريضة من فرائض الله.

أوصىٰ أبو بكر أسامة حين ودعه وصية تسجل له بحروف من نور، وكذلك فعل مع الجيوش... قال وهو يودعهم: «ألا إن لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد، فإن القصد أبلغ ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا عمل لمن لا نية له ألا وإن في كتاب الله من الثواب والجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به هذه التجارة التي دل الله عليها ونجىٰ بها من الخزي وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة».

التعبئة الإيمانية للجيوش الإسلامية:

وعظ أبو عبيدة عامر بن الجراح المسلمين، فقال: 

«عباد الله، انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، فإن وعد الله حق، يا معشر المسلمين: اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر، ومرضاة للرب، ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدوهم بالقتال وأشرعوا الرماح، واستتروا بالدرق، والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم، حتىٰ آمركم إن شاء الله تعالىٰ».

وخرج معاذ بن جبل علىٰ الناس، فجعل يذكرهم ويقول: «يا أهل القرآن، ومستحفظي الكتاب وأنصار الهُدَىٰ وأولياء الحق، إن رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق، ألم تسمعوا لقول الله تعالىٰ: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾ [النور: 55] فاستحيوا رحمكم الله من ربكم أن يراكم فُرّارًا من عدوكم، وأنتم في قبضته، وليس لكم ملتحد من دونه، ولا عز بغيره».

وقال عمرو بن العاص: «يا أيها المسلمون، غضوا الأبصار، واجثوا علىٰ الركب، واشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتىٰ إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فوالذي يرضىٰ الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب ويعاقب عليه، ويجزي بالإحسان إحسانًا لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كَفْرًا كَفْرًا وقَصْرًا قَصْرًا فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشّدة تطايروا تطاير أولاد الحجل».

وقال أبو سفيان: يا معشر المسلمين إنكم قد أصبحتم في دار العجم منقطعين عن الأهل، نائين عن أمير المؤمنين وإمداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بإزاء عدو كثير عدده، شديد عليكم حَنَقُه، وقد وترتموهم في أنفسهم وأولادهم ونسائهم وأموالهم وديارهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غدًا إلا صدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا، ولتكن هي الحصون. ثم ذهب إلىٰ النساء فوصَّاهن، ثم عاد فنادىٰ: يا معشر أهل الإسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله، والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم. ثم سار إلىٰ موقفه ؟. وقد وعظ الناس أبو هريرة فجعل يقول: 

سارعوا إلىٰ الحور العين، وجوار ربكم Q في جنات النعيم، ما أنتم إلىٰ ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، ألا وإن للصابرين فضلهم، وجعل أبو سفيان يقف علىٰ كل كردوس ويقول: الله الله إنكم ذادة العرب وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك، اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك علىٰ عبادك، قال رجل من نصارىٰ العرب لخالد بن الوليد: 

ما أكثر الروم وأقل المسلمين!! فقال خالد: ويلك، أتخوفني بالروم؟ إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال، والله لوددت أن الأشقر برأ من توجّيه وأنهم أضعفوا في العدد، وكان فرسه قد حفىٰ واشتكىٰ في مجيئه من العراق. وجعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين والرهبان يقول: اللهم زلزل أقدامهم، وارعب قلوبهم وأنزل علينا السكينة، وألزمنا كلمة التقوىٰ، وحبب إلينا اللقاء، وارضنا بالقضاء.

عزم الصديق علىٰ تسيير الجيوش لبلاد الشام، فدعا الناس إلىٰ الجهاد، وعقد الألوية لأربعة جيوش أرسلها لفتح الشام.

جيش يزيد ووصايا الخليفة:

وهو أول الجيوش التي تقدمت إلىٰ بلاد الشام، وكانت مهمته الوصول إلىٰ دمشق، وفتحها ومساعدة الجيوش الأربعة عند الضرورة، وكان جيش يزيد أول الأمر ثلاثة آلاف، ثم عززه الخليفة بالإمدادات حتىٰ صار معه بحدود السبعة آلاف رجل، وقبل رحيل جيش يزيد أوصاه الخليفة أبو بكر وصية بليغة عالية المستوىٰ تشتمل علىٰ حكم باهرة في مجالي الحرب والسلم، وشيّعه ماشيًا وأوصاه بما يأتي: 

«إني قد وليتك لأبلوك وأجرِّبك وأخَرجِّك، فإن أحسنت رددتك إلىٰ عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوىٰ الله فإنه يرىٰ من باطنك مثل الذي من ظاهرك، وإن أولىٰ الناس بالله أشدُّهم توليًا له، وأقرب الناس من الله أشدُّهم تقربًا بعمله، وقد وليتك عمل خالد - خالد بن سعيد -، فإياك وعبِّية الجاهلية - أي التعصب - فإن الله يبغضها ويبغض أهلها، وإذا قدمت علىٰ جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصلِّ الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها، وإذا قدم عليكم رسل عدوك فأكرمهم، وأقْلل لُبثهم حتىٰ يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، ولا ترينَّهم فيروا خَلَك - أي لا تطلعهم علىٰ دخيلة أمرك فيروا عيوبك - ويعملوا عملك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، ليروا قوة المسلمين، وامنع من قبَلَك من محادثتهم وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانتيك فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تُصدق المشورة، ولا تخزُن عن المشير خبرك فتُوْتىٰ من قبل نفسك، واسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار، وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك، وبدِّدهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه، وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، واجعل النَّوبة الأولىٰ أطول من الأخيرة، فإنها أيسرهما لقربهما من النهار، ولا تَخَفْ من عقوبة المستحق، ولا تلجَّنَّ فيها، ولا تسرع إليها، ولا تتخذ لها مدفعًا، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسسّ عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العبَّاثين، وجالس أهل الصدق والوفاء، واصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر، ويدفع النصر، وستجدون أقوامًا حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وماحبسوا أنفسهم له».

وكان مما قاله ليزيد بن أبي سفيان: إذا قدمت علىٰ جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير، وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا... وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم وأقلل لبثهم؛ حتىٰ يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به... وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم... واسمر بالليل في أصحابك، تأتك الأخبار، وتنكشف عندك الأستار، واصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس».

دروس مستفادة... ما أحوجنا إليها!!:

قال ابن الأثير: وهذه من أحسن الوصايا وأكثرها نفعًا لولاة الأمر، ومن فوائد هذه الوصية: 

- أن الولايات والمناصب ليست حقًّا ثابتًا لأصحابها، وإنما بقاؤهم فيها مرهون بالإحسان والنجاح في العمل، ومن واجب المسئول الأعلىٰ أن يَعْزلهم إذا أساؤوا، وإن هذا الشعور يدفع صاحب العمل إلىٰ مضاعفة الجهد في بذل الطاقة ليصل إلىٰ مستوىٰ أعلىٰ من النجاح في العمل، أما إذا ضمن البقاء فإنه قد يميل إلىٰ الكسل والاشتغال بمتاع الدنيا، فيخل بمسئوليته، ويعرَّض من تحت ولايته إلىٰ أنواع من الفساد والفوضىٰ والنزاع.

- إن تقوىٰ الله Q هي أهم عوامل النجاح في العمل؛ لأن الله تعالىٰ مطلع علىٰ ظاهر أعمال الناس وباطنهم، فإذا اتقوه في باطنهم فَحَري بهم أن يتقوه في ظاهرهم، وبذلك يتجنب الوالي كل مظاهر الفساد والإفساد، التي تكون عادة من الاستجابة للعواطف الجامحة التي لا تلتزم بتقوىٰ الله تعالىٰ.

- التحذير من التعصب للآباء والأجداد والأقوام، فإن التعصب لذلك قد يحمل الإنسان علىٰ الانحراف علىٰ الطريق المستقيم، إذا كان ما عليه الآباء والأجداد مخالفًا للاستقامة، إضافة إلىٰ أنه يضعف من الانتماء للرابطة الإسلامية الوحيدة وهي الأخوة في الله تعالىٰ.

- الإيجاز في الموعظة فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا، فيضيع المقصود، ويغلب علىٰ السامع الإعجاب ببلاغة المتكلم إن كان بليغًا عن استيعاب ما يقول، والاستفادة من مواعظه، وإن لم يكن بليغًا فإن الملل يأخذ بالسامع فلا يعي ما يقول المتكلم.

- إذا أصلح المسئول نفسه وتفقد عيوبه وجعل من نفسه نموذجًا صالحًا للقدوة الحسنة؛ فإن ذلك يكون سببًا في صلاح من هم تحت رعايته.

- الاهتمام بإقامة الصلاة كاملة مظهرًا ومَخْبَرًا، مَظْهَرًا من ناحية إكمال أقوالها وأفعالها، ومَخْبَرًا من ناحية الخشوع فيها، وحضور القلب مع الله تعالىٰ، فإن هذه الصلاة الكاملة يقام بها ذكر الله في الأرض، وتهذّب السلوك، وتقوِّي القلوب، وتبعث علىٰ ارتياح النفوس، وتعتبر ملاذًا للمسلم عند الشدائد.

- إكرام رسل العدو إذا قدموا، مع الاحتراس منهم، وعدم تمكينهم من معرفة واقع الجيش الإسلامي، فإكرامهم نوع من الدعوة إلىٰ الإسلام فيما إذا عرف العالم ما يتحلىٰ به المسلمون من مكارم الأخلاق، ولكن لا يصل هذا الإكرام إلىٰ حد إطلاعهم علىٰ بطانة أمور المسلمين، بل ينبغي إطلاعهم علىٰ قوة جيش المسلمين؛ ليُرهبوا بذلك أقوامهم.

- الاحتفاظ بالأسرار، وعدم التهاون بإفشائها، خاصة فيما يتعلق بأمور المسلمين العامة، فإن الحكيم يستطيع التصرف في الأمور، وإن تغيرت وجوهها مادام سرُّه حبيسًا في ضميره، فإذا أفشاه اختلطت عليه الأمور، ولم يستطع التحكم فيها.

- إتقان المشورة أهم من النظر في نتائجها، فإن المستشار وإن كان حصيف الرأي ثاقب الفكر فإنه لا يستطيع أن يفيد من استشاره حتىٰ ينكشف له أمره بغاية الوضوح، فإذا أخفىٰ المستشير بعض تفاصيل القضية فإنه يكون قد جنىٰ علىٰ نفسه، حيث قد يتضرر بهذه المشورة.

- أن علىٰ القائد وكل مسئول أن يكون مخالطًا لمن ولي أمرهم علىٰ مختلف طبقاتهم؛ ليكون دقيق الخبرة بأمورهم، وفي هذا أكبر العون له علىٰ تصور مشكلاتهم والمبادرة بإيجاد الحلول لها، أما المسئول الذي يعيش في عزلة ولايختلط إلا بأفراد من كبار رعيته، فإنه لا يصل إليه من المعلومات إلا من كان من طريق هؤلاء، وقد لا يكشفون له الأمور بكل تفصيلاتها، وقد يحللون له الأمور علىٰ غير وجهها الصحيح.

- الاهتمام بأمر حراسة المسلمين خاصة من مكامن الخطر، واختبار الحراس الأمناء من ذوي النباهة، وعدم وضع الثقة الكاملة بهم، بل لابد من الرقابة عليهم حتىٰ لا يُؤتىٰ المسلمون من قبلهم. أن يسلك المسئول في عقاب المخالف مسلكًا وسطًا، فلا يتهاون فيترك عقوبة المستحق، فإن ذلك يجرِّئه علىٰ مزيد من المخالفة، ويجرئ غيره علىٰ ارتكاب المخالفات، فتسود الفوضىٰ وينفلت الأمر، ولايشتدُّ في العقوبة فينفِّر الرعية، ويدفعهم إلىٰ التسخط والتحزب، بل تكون عقوبته بحكمة واتزان وبعد النظر والتروي بحيث تؤدي غرضها التربوي بدون إثارة ضجة، ولادفع إلىٰ النقد والتسخط.

- أن يكون لدىٰ المسئول يقظة وانتباه لكل ما يجري في حدود المسئولية المناطة به حتىٰ يشعر أفراد الرعية بأن هناك اهتمامًا بأمورهم فيزيد المحسن إحسانًا ويقتصر المسيء عن الإساءة، ولكن بدون تجسس عليهم فإن ذلك يعتبر فضيحة لهم، وقد ينقطع بذلك خيط العلاقة الذي يربط المسئول بأفراد رعيته، من المودة والإعجاب والشكر علىٰ الجميل، وهذا الخيط ما دام قائمًا فإنه يمنع أصحاب الجنوح من ارتكاب المخالفات التي تفسد المجتمع وتحدث الفوضىٰ، فإذا انقطع ولم يكن هناك عاصم من تقوىٰ الله تعالىٰ فإن أهم الحواجز التي تحول دون الانطلاق وراء الشهوات تكون قد تحطمت، ويصعب بعد ذلك علاج الأمور؛ لأنها تحتاج إلىٰ قوة رادعة وهذه لها سلبياتها المعروفة.

- أن يحرص المسئول علىٰ مجالسة أهل الصدق والوفاء والعقول الراجحة، وإن سمع منهم ما يكره أحيانًا من النقد والتوجيه، فإن ذلك يعود عليه وعلىٰ من استرعاه الله أمرهم بالنفع، وأن يجالس أصحاب اللهو والأهداف الدنيوية فإن هؤلاء وإن أنس بكلامهم وثنائهم فإنهم يحولون بينه وبين التفكير في الأمور الجادة، فلا يستفيق بعد ذلك إلا والنكبات قد حلت به وبمن ولي أمورهم.

- أن يصدق القائد في لقاء الأعداء وأن لا يجبن، فإن جُبنه يسري علىٰ جنده فيقع بذلك الفشل والهزيمة، وفي غير الحرب أن يكون المسؤول شجاعًا في مواجهة المواقف، وأن لا يضعف فيسري ضعفه علىٰ من هم تحت إدارته من العاملين، فيقل بذلك مستوىٰ الأداء ويضعف الإنتاج.

- أن يتجنب القائد الغلول، وهو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها هذا في مجال الحرب، وفي مجالات السلم أن يتجنب المسؤول أية استفادة دنيوية من علمه لا تحل له شرعًا، مثل أخذ الهدايا التي يقصد لها دفعها الاستفادة من المسؤول في مجانبة الحق، فإن ذلك من الغلول، والغلول كما جاء في هذه الوصية يقرب إلىٰ الفقر، ويدفع النصر.

ومن هذه الفوائد تتبين لنا عظمة هذه الوصية التي أوصىٰ بها أبو بكر > أحد قواده، وهي تبين لنا أنه كان يعيش بفكره مع قضايا المسلمين، وأنه كان يتصور ما قد يواجهه قواده فيحاول تزويدهم بما ينفعهم في تلافي الوقوع في المشكلات، وحلها إذا وقعت، وهذه الوصية وأمثالها تسجِّل إضافة جديدة لمواقف أبي بكر المتعددة الأنواع، فإذا تأملت إدارته للحكم وجدت رجلًا بارعًا في أمور السياسة، وإذا رأيت توجيهه للقادة العسكريين تجده رجلًا بارعًا في شؤون الحرب، وكأنه مع القادة في الميادين، وإذا رأيت رحمته وتأليفه للقلوب رأيت رجلًا بارعًا في الدعوة إلىٰ الله تعالىٰ، فهو الرجل الرحيم بالمؤمنين، الرافع لشأن أهل البلاء والصدق منهم، الخبير بأهل الكفاءة والقدرة، القوي الحازم علىٰ أعداء الله من المنافقين والكافرين. 

كان الصديق > يحرّض المجاهدين علىٰ القتال، ويقوي نفوسهم بما يشعرهم من الظفر، ويذكر لهم أسباب النصر ليقل العدو في أعينهم؛ فيكونوا عليه أجرأ وبالجرأة يسهل الظفر، فقد حرض وحض أبو بكر خالد بن الوليد علىٰ القتال بقوله: احرص علىٰ الموت توهب لك الحياة، وعندما عقد الألوية لجيوش الشام أخذ يحرضهم ويحضهم علىٰ الجهاد في سبيل الله ويوصيهم، ويدعو لهم بالنصر علىٰ الأعداء.

فمما قاله أبو بكر الصديق > في تلك الجيوش المتوجهة إلىٰ الشام قوله: ألا وإن في كتاب الله من الثواب علىٰ الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به هي التجارة التي دل عليها ونجىٰ بها من الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة.

وهذا ما فعله الصديق في حروب الردة، وفتوحات الشام، وكثير من القضايا الفقهية والمستجدات التي تحدث في المجتمع المسلم، وقد طلب من القادة أن يتناصحوا ويتشاورا، وقد كان الصديق قدوة في ذلك، ففي حروب الردة دعا عمرو بن العاص وقال له: يا عمرو إنك ذو رأي في قريش، وقد تنبأ طليحة فما ترىٰ؟ واستشاره، ثم سأله عن خالد بن الوليد عند اختياره لقيادة الجند فأجابه يسوس للحرب نصير للموت، له أناة القطاة، ووثوب الأسد فعقد له، وسار خالد بن الوليد لما كلف به وأخذ يستشير من معه لإعداد الخطة لمحاربة المرتدين، ويخبر القيادة العليا بما استقر عليه رأي الجند، وحين أراد أبو بكر > أن يغزو الروم ويعد الجيوش لفتح بلاد الشام شاور في ذلك جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ وبعد أن أخذ رأيهم وما أجمعوا عليه أمر الجند بالتجهيز للتوجه لما أمروا به، وكان مما أوصىٰ به الصديق > أمراء وقادة جند الشام بأن يعملوا بالمشورة، فمن ذلك ما قاله ليزيد بن أبي سفيان: هذا ربيعة بن عامر من ذوي العلاء والمفاخر قد علمت صولته، وقد ضممته إليك وأمرتك عليه؛ فاجعله في مقدمتك، وشاوره في أمرك ولا تخالفه، قال يزيد: حبًّا وكرامة، وأضاف أبو بكر > قائلًا: إذا سرت فلا تضيق علىٰ نفسك ولا علىٰ أصحابك في مسيرك، ولا تغضب علىٰ قومك، ولا علىٰ أصحابك، وشاورهم في الأمر، واستعمل العدل كما قال ليزيد: وإذا استشرت فاصدق الخبر تصدق لك المشورة، ولا تكتم المستشار فتؤتىٰ من قبل نفسك، إلىٰ غير ذلك مما قاله ليزيد بن أبي سفيان حول مبدأ الشورىٰ والالتزام بها، وقد أوصىٰ أمراء جند الشام بما لا يخرج عن ذلك، وامتثل قادة الصديق بما أمروا به من إجراء المشورة فيما بينهم فقد قال أبو عبيدة بن الجراح لعمرو بن العاص: يا عمرو لرب يوم لك قد شهدته فبورك فيه للمسلمين برأيك ومحضرك وإنما أنا رجل منكم، ولست وإن كنت الوالي عليكم بقاطع أمرًا دونكم فاحضرني رأيك في كل يوم بما ترىٰ، فإنه ليس بي عنك غنىٰ هذا بالإضافة إلىٰ طلب القادة في أرض المعركة من القيادة العليا المركزية المشورة فيما أشكل عليهم من أمور الإدارة العسكرية لمرحلة وضع الخطط الحربية، والتنفيذ ومعاملة الأسرىٰ.

كان أبو بكر > يوصي قادته بذلك، فحين بعث عمرو بن العاص إلىٰ أرض فلسطين قال له: 

«اتق الله في سرك وعلانيتك واستحيه في خلواتك، فإنه يراك في عملك وقد رأيت تقدمي لك علىٰ من هو أقدم منك سابقة، وأقدم حرمة، فكن من عمال الآخرة وأرد بعملك وجه الله، وكن والدًا لمن معك والصلاة ثم الصلاة أذن بها إذا دخل وقتها، ولاتصل صلاة إلا بأذان يسمعه أهل العسكر، واتق الله إذا لقيت العدو، وألزم أصحابك قراءة القرآن، وانههم عن ذكر الجاهلية، وما كان منها فإن ذلك يورث العداوة بينهم، وأعرض عن زهرة الدنيا حتىٰ تلتقي بمن مضىٰ من سلفك، وكن من الأئمة الممدوحين في القرآن إذ يقول الله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [الأنبياء: 73]».

هذه أهم حقوق الله، والقادة والجند، التي تحدث عنها الصديق في وصاياه ورسائله لقادته >( ).

انتهج الصديق نفس الأسس والمبادئ التي حددها واستخدمها الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه في الحرب والقتال، وطورها حسب المستجدات والمواقف الطارئة، محافظًا علىٰ ما تضمنته آيات القرآن الكريم، والسُّنة النبوية الشريفة من توجيهات، فكانت نظرية الحرب الإسلامية أو بالأحرىٰ العقيدة القتالية الإسلامية، هي النظرية الرائدة في فن الحرب عبر التاريخ، وقبل أن يستنبط قادة الحروب ومنظروها مبادئ الحرب المتعارف عليها حديثًا بأكثر من اثني عشر قرنًا... !!

كان الصديق > يرافق الجيوش عند مغادرتها المدينة المنورة، ويوصي قادتها بالعمل بإخلاص لوجه الله، ويحذر من ارتكاب المعاصي والذنوب... كان حريصًا علىٰ أن تظل الجيوش متمسكة بفضائلها ومترفعة عن الدنايا، لا تغل ولا تغدر... كان مؤمنًا بأن النصر لا يتحقق بالتفوق المادي فحسب، فلم ينتصر المسلمون علىٰ عدوهم بتفوقهم المادي، ولكن بالاعتصام بحبل الله والاتكال عليه واستلهامه النصر، ويوم أعجب المسلمون بتفوقهم المادي، وأصابهم الزهو والغرور في غزوة حنين؛ حرمهم الله من النصر، وكان هذا درسًا بليغًا للمسلمين حتىٰ يعدوا للحرب عدتها، ويبتعدوا عن الغرور.

وقف الصديق > خطيبًا بين الجنود موصيًا عامة الجيش قائلًا: أيها الناس: قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: 

«لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تفسدوا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بعيرًا إلا لمأكله... وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وتقدمون علي قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شيء، فاذكروا اسم الله عليه... وتلقون أقوامًا قد فحصوا أوساط رؤوسهم، وتركوا حولها من العصائب، فاخفقوهم بالسيف خفقًا، اندفعوا باسم الله بالطعن والطاعون».

نصائح سامية ووصايا عادلة تبين وتصور نبل الإسلام ورحمته حتىٰ في محاربته لأعدائه... وصايا نابعة من مفاهيم وقيم النبوة التي جاءت رحمة للعالمين، تؤكد أن الشريعة الإسلامية قد سبقت كل الشرائع في الحفاظ علىٰ حقوق الإنسان، ولتثبت ما في حضارة الإسلام من ضبط شرعي حاسم في عدم التجاوز علىٰ حقوق الآخرين، ولتبين الجوانب الأخلاقية والقيم الحضارية الإسلامية، أمام أولئك الذين سلبتهم قوتهم إنسانيتهم، وأفقدتهم الرحمة، وسهلت عليهم استمراء الظلم وأكل حقوق الآخرين، دون وازع أو ضمير أو بقية من حياء!!

كانت هذه الوصايا وهذه الفضائل، أساسًا للقاعدة الإيمانية الصلبة، التي أسسها رسول الله ﷺ... وكانت هذه القاعدة هي الإرث الثمين الذي تركه ﷺ للمسلمين، وحفظه الصديق >، والعمل به قولًا وفعلًا.

كانت الحروب التي خاضها الصديق >، والمسلمون حروب إيمان... كانت تحت راية الجهاد في سبيل الله، وابتغاء مرضاة الله، وإعزازًا لدين الله، ورفعًا لراية الإسلام والتعريف به.

حملت حروب الإيمان عدالة القضية، وحملت كل الفضائل والمثل العليا التي جاء بها الإسلام... كانت غاية السلم تطغىٰ علىٰ هدف الحرب حتىٰ في ذروة الصراع المسلح... الحد من العنف في القتال حتىٰ حدوده الدنيا، وحتىٰ يقتصر علىٰ ميدان الحرب ولا يتجاوزه إلا لقتل حاملي السلاح ضد المسلمين.

من هنا كانت توصيات خليفة رسول الله ﷺ لقادة جيوش المسلمين في حروب الردة، تؤكد باستمرار علىٰ عدم التعرض إلا لمن جهر بالخلاف سواء في أداء الصلاة، أو الامتناع عن دفع الجزية.

أما التوصيات في حروب الفتح فكانت محددة: بالدخول في الإسلام، أو دفع الجزية أو الحرب، وفي الحالات كلها كان العنف مقيدًا بحدود ميدان القتال، وضد من يشهر السلاح لحرب المسلمين.

عن عقبة بن عامر، أنه قدم علىٰ أبي بكر الصديق > برأس بنان البطريق فأنكر ذلك، فقال: يا خليفة رسول الله! فإنهم يفعلون ذلك بنا، قال: فاستنان بفارس والروم؟! لا تحمل إلي رأسًا، فإنما يكفي الكتاب والخبر.

.. دروس في القيم والأخلاق يلقنها خليفة رسول الله ﷺ لأعداء الإسلام الذين لا يبالون بالمسلمين حين تسلطهم عليهم أو تمكنهم منهم، وهذا ما يشهد به الواقع المعاصر في كل مكان!!

عهد خالد لأهل الحيرة:

كتب خالد في عهده لأهل الحيرة: 

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديًّا وعمر بن عدي، وعمرو بن عبد المسيح، وإياس بن قبيصة، وحيري بن أكال، وهم نقباء أهل الحيرة، ورضي بذلك أهل الحيرة، وأمرهم به، وعاهدهم علىٰ مائة وتسعين ألف درهم تقبل في كل سنة جزاء عن أيديهم في الدنيا رهبانهم وقسيسهم إلا من كان منهم علىٰ غير ذي يد حبيسًا عن الدنيا، تاركًا لها، وعلىٰ المنعة، وإن لم يمنعهم شيء، فلاشيء عليهم حتىٰ يمنعهم وإن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة، وكانت كتابة هذا العهد في شهر ربيع الأول سنة 12هـ، وقد جاء في رواية: أن خالد عرض علىٰ أهل الحيرة واحدة من ثلاث: أن تدخلوا في ديننا فلكم مالنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وهاجرتم وإن أقمتم في دياركم، أو الجزية، أو المنابذة والمناجزة فقد والله أتيتكم بقوم هم علىٰ الموت أحرص منكم علىٰ الحياة، فقال: بل نعطيكم الجزية، فقال خالد: تبًّا لكم، ويحكم إن الكفر فلاة مضلّة فأحمق العرب من سلكها.

ففي حديث خالد > تتضح بعض الصفات الإيمانية التي تجسدت في جيش فتح العراق، فهذا الجيش يتحرك من أجل هدف سامي، إلا وهو دعوة الناس إلىٰ الإسلام وتبليغ الهداية للبشرية، وليس التوسع في الممالك وفرض السلطان والتمتع بالحياة الدنيا، كما بيَّن خالد أهم مقومات نجاح المسلمين في حروبهم ألا وهو الحرص الأكيد علىٰ طلب الشهادة، وابتغاء ما عند الله تعالىٰ في الآخرة، كما بين النص السابق حرص الصحابة ش علىٰ تطبيق سنة النبي ﷺ، وذلك بالرغبة القلبية في هداية البشرية حيث إن خالدًا وبَّخهم علىٰ اختيار البقاء علىٰ الكفر مع أن بقاءهم علىٰ الكفر، ودفع الجزية فيه مصلحة مالية للمسلمين، ولكن خالدًا من قوم هانت عليهم الحياة الدنيا وفضلوا ما عند الله جل وعلا في الآخرة، وقد سنَّ رسول الله ﷺ لهم هذا المبدأ السامي، في قوله ﷺ: «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النَّعم».

وفي قبول الصديق لهدية أهل الحيرة، وقد أهدوها طائعين مختارين، فعدها من الجزية عدلًا وتعففًا وخشية أن يظلم أهل ذمته أو يكلفهم شططًا، درس عظيم في إقامة العدل بين الناس وقد قارن الشيخ علي طنطاوي بين فتوح الاستعمار التي أثارتها أوروبا وبين فتح المسلمين مقارنة متميزة ثم استدل بقول الشاعر: 

ملكنا فكان العدل منا سجية

فلّما ملكتم سال بالدم أبطح

وحلَّلتم فكان العدل منا سجية

غدونا علىٰ الأسرىٰ نمن ونصفح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا

فكل إناء بالذي فيه ينضح

كان > أشبه الناس بقيادة رسول الله ﷺ وتدابيره ومنهجه والتمسك بسنته في كل مواقفه التي بقيت منارات لأبناء الأمة علىٰ مر السنين يهتدون بها ويسيرون علىٰ ضوئها... كان يعلم ما هم عليه الأعداء من الحقد والكفر بالثوابت، ولم يهادن الخليفة الراشد الرافضة ولم يسالم، ولم يتحالف مع أعداء السُّنة؛ لأنه كان علىٰ يقين أن ذلك لن يجلب للأمة سوىٰ الهوان والضياع والفرقة والتبعية.

معالم السياسة الخارجية للصديق >:

كانت السياسة الخارجية للصديق قائمة علىٰ بسط لواء العدل علىٰ الديار المفتوحة ونشر الأمن والطمأنينة بين أهلها حتىٰ يحس الناس بالفرق بين دولة الحق ودولة الباطل، وحتىٰ لا يظن الناس أنه قد ذهب جبار ظالم ليحل مكانه من هو أشد منه أو مثله في ظلمه وجبروته، ووصىٰ أبو بكر قواده بالرحمة والعدل، والإحسان إلىٰ الناس، فإن المغلوب يحتاج إلىٰ الرأفة، وتجنب ما يثير فيه حمية القتال، وحافظ المسلمون الفاتحون علىٰ الإنسان والعمران فشاهدت الشعوب المفتوحة خلقًا جديدًا في ذوق رفيع، وإنسانية صادقة، فقام ميزان الشريعة بين الأمم المغلوبة بالقسط، وانتشر نور الإسلام فأخذ يعد له مجامع القلوب، فسارعت الشعوب إلىٰ اعتناق هذا الدين والانضواء تحت لوائه، وكان جند الأعاجم من الفرس أو الروم إذا وطئوا أرضًا دنسوها، ونشروا فيها الرعب والفزع وانتهكوا الحرمات مما قاسىٰ منه الناس الويل والثبور، وتناقلت الأجيال قصصه المرعبة والمفزعة جيلًا بعد جيل، وقبيلًا إثر قبيل فلما جاء الإسلام ودخل جنده هذه الديار، فإذا بالناس يجدون العدل يبسط رداءه فوق رؤوسهم، ويعيد إليهم آدميتهم التي انتزعها الظلم والطغيان، وقد حرص الصديق علىٰ هذه السياسة حرصًا عظيمًا وكان يُقوِّم أي عوج يظهر أو خطأ يقع روىٰ البيهقي: أن الأعاجم كانوا إذا انتصروا علىٰ عدو استباحوا كل شيء من ملك أو أمير، وكانوا يحملون رؤوس البشر إلىٰ ملوكهم كبشائر للنصر وإعلان للفخر، فرأىٰ أمراء المسلمين في حروب الروم أن يعاملوهم بنفس معاملتهم، فبعث عمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة برأس (بنان) أحد بطارقة الشام إلىٰ أبي بكر مع عُقبة بن عامر فلما قدم عليه أنكر ذلك فقال له عقبة: يا خليفة رسول الله إنهم يصنعون ذلك بنا فقال: فاستنان بفارس والروم؟! لا يحمل إليَّ رأس إنما يكفي الكتاب والخبر.

من معالم السياسة الخارجية عند الصديق > رفع الإكراه عن الأمم المفتوحة فلم يكره أحد من الأمم أو الشعوب علىٰ دينه بالقوة، وهو في هذا ينطلق من قول الله تعالىٰ: ﴿ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ﴾ [يونس: 99] والمسلمون أرادوا من الفتوحات إزالة الطغاة وفتح الأبواب أمام الشعوب لترىٰ نور الإسلام، أما وقد أزيل كابوس الظلم عن الناس فليتركوا أحرارًا ولا يكرهوا علىٰ شيء طالما حافظوا علىٰ عهدهم مع المسلمين، والذي كان يشمل في بنوده: أن يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وأن لا يكون لهم مكان في بعض الوظائف كالجيش.، وأن لا يُكوِّنوا جهة معادية للإسلام في شعائره أو عباداته أو شريعته، وإذا غير أحدهم دينه السابق فلا يقبل منه إلا الإسلام. وتقوم دولة الإسلام بتفسير الإسلام لهم عمليًّا ونظريًّا بحيث يؤدي ذلك إلىٰ اقتناعهم بهذا الدين، ليدخلوا فيه عن رغبة فإن العقائد لا تستقر بالإكراه.

التزام الشورى في الحكم:

قامت سياسة الخليفة الراشد علىٰ التزام الشورىٰ في كل جوانب الإدارة والقيادة، فأعلن عن سياسته أمام جماهير المسلمين في المسجد الجامع، وأكد التزامه بالشورىٰ والعمل بها وتفعيلها في حياة المؤمنين اتباعًا للسنة ونهجًا للقيادة والسياسة، قال ابن عباس ب في قوله Q: ﴿ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾ [آل عمران: 159] قال: المعني بها أبو بكر وعمر ب.

كانت الشورىٰ خلقًا ثابتًا في عصر خليفة رسول الله ﷺ، جنت الأمة ثماره الطيبة المباركة فتوحًا وانتصارات، وعدل ورفاهية وأمن وسلام ومحبة في كل أرض تحل بها جيوشها.

يقول سيد أمير علي: العرب لا يتوارثون الرئاسة بطريق الإرث بل إن ذلك يتوقف علىٰ الانتخاب، وهم يلتزمون مبدأ حق الانتخاب ويعملون به، ويتم الانتخاب علىٰ أساس السن والتقدم، وقد التزم المسلمون بهذه العادة القديمة عنه انتخاب خليفة رسول الله ﷺ، وربما حرج الموقف لم يكن يسمح بأي تأخير في انتخاب الخليفة، فقد تم انتخاب أبي بكر > كخليفة للرسول ﷺ من غير تأخير، نظرًا إلىٰ سنه والمكانة التي كان يتمتع بها في مكة والتي كانت تتحسب لها العرب كل حساب... لقد تميز أبو بكر بالحكمة والاعتدال وأقر > بانتخابه خليفة لرسول الله ﷺ وكذلك أهل بيت النبوة بإخلاصهم المتوارث وولائهم للإسلام.

كان > مجددًا ينظر إلىٰ الأحداث المتجددة بروح الواقع الذي يعيشه، ويقيس علىٰ ما ممر به من تجارب مماثلة، وكيف كان رسول الله ﷺ يعالج المعضلات التي تمر بها الأمة... كان أحيانًا يشحذ عقول الصحابة ليجمعوا علىٰ حكم فيقضي به، وأحيانًا يستنبط قضاء فيه هدف الشريعة، وأحيانًا يقر اجتهاد أحد الصحابة، وكان > أكثر الصحابة اجتهادًا، ويقول: هذا رأيي فإن يكن صوابًا فمن الله وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله( ).

لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله ﷺ:

لما بويع أبو بكر بالخلافة خاطبه رجل من المسلمين بقوله: «يا خليفة الله» فلم يدعه أبو بكر يمضي في حديثه، بل قال له: «لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله ﷺ».. عبارة أوردها المؤرخون حجة تدل علىٰ تواضعه >، وحسن تقديره... تدل علىٰ حقيقة تصوره والمسلمين الأوائل لفكرة الحكم في الإسلام... فقد خلت قرون قبل عهد رسول الله ﷺ وتعاقبت قرون بعده وملوك وحكام زعموا ويزعمون أنهم خلفاء الله في الأرض، وأن لهم قدسية ليست لغيرهم من الناس!! منهم من كان يقول لقومه: ﴿ﭹ ﭺ ﭻ﴾ [النازعات: 24] كان كذلك حكام مصر وآشور وفارس والهند وغيرهم في التاريخ قديمًا وحديثًا!!.. كان حكم الفرد لديهم مطلقًا، وكان الحكام يخلعون علىٰ أنفسهم قدسية رهيبة تنخلغ لها القلوب من هيبتها.

هذه المفاهيم والمبادئ التي سادت العالم دهرًا طويلًا، هي التي أنكرها أبو بكر > بقوله: «لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله».

كان حكمه > قائمًا علىٰ الحق والعدل والإنصاف، متحريًا إرادة الشعب والناس في حدود ما أمر الله تعالىٰ به وما نهىٰ عنه.

تولىٰ أبو بكر الخلافة وهو كاره لها، وهذا ما عبر عنه بعد بيعته بقوله: «إني وليت هذا الأمر وأنا له كاره، ووالله لوددت أن بعضكم كفانيه ألا وإنكم كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل ما عمل رسول الله ﷺ لم أقم به. كان رسول الله ﷺ عبدًا أكرمه الله بالوحي وعصمه به. ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم. فراعوني، فإن رأيتموني استقمت فاتبعوني، وإن رأيتموني زغت فقوموني».

لم يكن يرىٰ لنفسه حقًّا في حكم المسلمين إلا في حدود كتاب الله وسنة رسوله ﷺ... كان شديد التقيد بكتاب الله والتأسي برسوله في التنزه عن كل مطامع الدنيا، ثقة منه بأن من ساس أمور الناس فأفاد منه، كان ظالمًا لنفسه وللناس.

لم تغير الخلافة ولا غيرت الإمارة علىٰ المسلمين من حياته، ولم تنتقل به من داره إلىٰ دار غيرها، وقد نسي منذ تولىٰ أمور المسلمين نفسه ونسي أهله وأبناءه، وتجرد لله تجردًا مطلقًا، وأوجب علىٰ نفسه أن يشعر بضعف الضعيف وحاجة المحتاج، تحقيقًا لمعنىٰ الإخاء في أسمىٰ صوره، وإيذانًا بأنه ليس له في الحياة هوىٰ، وأنه يقدر لذلك علىٰ أن يقيم بين الناس عدلًا منزهًا لا يعرف محاباة وإنما يعرف حدود الله في أن يعيش الناس جميعًا في ظل عدله جل شأنه آمنين مطمئنين.

حكومة الصديق أنشأتها الشورى:

لم تعرف حكومة أبي بكر السلطان المطلق، وكانت حكومة شورىٰ في منشئها، فقد بويع الصديق بالانتخاب العام، وبويع لصفاته الذاتية ولمكانته من رسول الله ﷺ، لا لأسرته ولا لعصبية قبيلته، ولم يطلب أبو بكر البيعة لنفسه، بل كان يرشح عمر بن الخطاب وأبا عببدة عامر بن الجراح ليبايع المسلمون أيهما شاءوا، وتم ذلك كله بحضور المهاجرين والأنصار في اجتماع عام هو اجتماع السقيفة، ألقيت فيه الخطب، ودارت فيه المحاورات والمداورات الانتخابية كأبرع ما تكون.

كانت حكومة شورية ديمقراطية يختار حاكمها بانتخاب الأمة له، أعلن بعد اختياره أنه مسؤول أمام الأمة ومقيد بأحكام دستور الدولة وهو الإسلام، وأن الأمة لها حق تقويمه وعصيانه وعزله، إذا حاد عن الطريق طريق الحق... يتساءل المرء أي حكم دستوري أرقىٰ من هذا؟ ثم هو يزيد علىٰ الديمقراطية الحديثة بأن أساسه روحي وملتزم بقواعد الأخلاق والفضيلة، وأن غاياته هي تنفيذ شريعة الله أي شريعة العدل والمبادئ الإنسانية السامية، وهذه الحكومة الإسلامية التي أقامها الرسول ﷺ والمؤمنون... هذه الدولة أو الحكومة هي مثل أعلىٰ قل أن تجد له نظيرًا في تواريخ الأمم، وبالنسبة للعصر الذي وجدت فيه كانت أشبه بمعجزة أو ثورة إنسانية إصلاحية، وكانت هذه هي الحقيقة في عصر الرسول الكريم ثم في عصر الصديق أبو بكر والفاروق عمر بن الخطاب وسائر الخلفاء الراشدين( ).

ولما تولىٰ الصديق الحكم كانت أول خطبة له موطدة أسس الشورىٰ، ومثبتة لقواعدها... في قوله: «لقد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لكم عندي» إقرار صريح بحق الرأي العام في مراقبة الحاكم وإرشاده، وبحق الناس في العصيان إذا عصىٰ الخليفة الله وصدف عن أمره.

ومع أن الحرب امتدت طيلة عهد الصديق إلا أن حكمه قام علىٰ الشورىٰ في الجليل والصغير من شؤونه، لم يكن له أن يبت في أمر من الأمور قبل أن يشاور أصحابه والناس فيه، لم يكن يميز طائفة من الناس عن طائفة علىٰ طائفة، في القضاء أو العطاء... بلغت الحرية في عهده أقصىٰ مداها، وكذلك وصلت المساواة التامة والإخاء مبلغًا كبيرًا.

لم يعرف من أبهة الملك ومن جاه السلطان ما عرف أهل الملك والسلطان في أمم العالم جميعًا، وكان المسلمون أمامه سواء، والذين يدخلون في الإسلام من غير أهله لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ولكنه أبىٰ علىٰ الذين ارتدوا ثم عادوا إلىٰ الإسلام أن يشتركوا في قتال الفرس؛ لأنه حرض علىٰ أمن الدولة وسلامتها.

بهذه الحكومة التي قامت علىٰ الشورىٰ، مهد وهيأ الأسباب لوحدة بلاد العرب السياسية بعد أن تمت له وحدتها الدينية، مما مهد لفتح العراق والشام.

كان عمر بن الخطاب أقرب المشيرين إلىٰ قلبه وأرجحهم رأيًا عنده، وكان عثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم موضع تقديره واحترامه، لا يقطع في أمر برأي قبل مشورتهم، ومع ذلك لم يكن يتوارىٰ وراء مشورتهم ليدفع عن نفسه لومًا... خالفهم والجماعة في بعث أسامة، وأبدىٰ من الحزم وقوة العزم في محاربة المرتدين ما جعل مشيريه كلهم يقرون من بعد بسداد رأيه وبعد نظره... خالف عمر بن الخطاب في خالد بن الوليد حين قتل مالك بن نويرة.

كان > يستخير الله في كل شيء، فإذا خار له في أمر لم يرجع عنه ولم يتراجع لأي اعتبار دونه.

استخلاف أبي بكر لعمر:

كان إيمان أبي بكر > بأنه محاسب أمام الله، وأمام الناس هو الذي هداه سبيله، وخشية هذا الحساب جعلته لا يقدم عليه ولا يحجم عنه حتىٰ يشاور ويتروىٰ في المشورة ويستخير الله... ومن هنا كان الحزم الذي لا يعرف التردد ولا الهوادة، لا يعرض عليه أمر للمسلمين حتىٰ يحسمه برأي قاطع... كان > أكثر ما يكون في أمور المسلمين تفكيرًا، وأشد ما يكون علىٰ وحدتهم حرصًا، لذلك أوصىٰ فكانت وصيته آخر عمل له في الحكم لخير الإسلام ولخير المسلمين.

مرض أبو بكر وحُمَّ خمسة عشر يومًا لا يخرج فيها إلىٰ الصلاة، وكان يأمر عمر بن الخطاب > أن يصلي بالناس، علىٰ أنه لم يفتأ في الأسبوعين اللذين قضاهما في مرضه إلىٰ وفاته دائم التفكير في شؤون المسلمين، ودائم الحساب لنفسه عما قدم مذ تولي أمرهم.

كان أكثر ما شغل به أثناء مرضه هو إشفاقه من مصير المسلمين بعده من الاختلاف علىٰ السلطان وولاية الأمر، وعلىٰ أمور الدنيا في وقت تواجه فيه جيوش المسلمين فارس والروم... لهذا رأىٰ أن يجنبهم الخلاف والفتنة فعزم أن يستخلف من يقوم بالأمر من بعده وأن يجمع كلمة المسلمين عليه.

رأىٰ أن خير من يخلفه هو عمر الفاروق، ولم يشأ أن يفرضه علىٰ المسلمين، فقد يثقل أمره عليهم فيتبرمون منه، لذلك دعا عبد الرحمن بن عوف، وقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب. قال عبد الرحمن: يا خليفة رسول الله هو والله أفضل من رأيك فيه... ودعا الصديق عثمان بن عفان بعد عبد الرحمن بن عوف وقال له: يا أبا عبد الله أخبرني عن عمر. قال عثمان: أنت أخبر به... اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، وشاور كذلك سعيد بن زيد وأسيد بن حضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار... قال له طلحة بن عبيد الله: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمرًا علينا وقد رأيت ما يلقىٰ الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا بهم بعد لقائك لربك؟! وكان أبو بكر مستلقيًا فقال: أجلسوني! وقال: أبالله تخوفوني! خاب من تزود من أمركم بظلم! أقول: استخلفت علىٰ أهلك خير أهلك... ثم اتجه إلىٰ طلحة وقال له: أبلغ عني ما قلت لكم من وراءك.

كتاب الاستخلاف:

اطمأن أبو بكر إلى استخلاف عمر:

دعا أبو بكر عثمان بن عفان، وكان يكتب له فقال له: وأملاه: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وعند أول عهده بالآخرة داخلًا فيها حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب. إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا. وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرًا. فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب من الإثم والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة الله».

ثم ختم الكتاب.

خشي أبو بكر مع ذلك أن يختلف الناس من بعده، فأشرف من حجرة بداره علىٰ الناس بالمسجد، وامرأته أسماء بنت عميس ممسكة به، وقال مخاطبًا من بالمسجد جميعًا: أترضون بمن أستخلف عليكم فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا... فقالوا: سمعنا وأطعنا.

وبين لمن نبهه إلىٰ غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقًا ولو أفضىٰ الأمر إليه لترك كثيرًا مما عليه.

إن عمر هو نصح أبي بكر الأخير للأمة، فقد أبصر الدنيا مقبلة تتهادىٰ وفي قومه فاقة قديمة يعرفها، فإذا ما أطلوا لها استشرفتهم شهواتها، فنكلت بهم واستبدت، وذاك ما حذرهم رسول الله ﷺ إياه، قال رسول الله ﷺ: «فوالله لا الفقر أخشىٰ عليكم، ولكن أخشىٰ عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بُسِطت علىٰ من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم»( ).

لقد أبصر أبو بكر الداء فأتىٰ لهم > بدواء ناجع... جبل شاهق، إذا ما رأته الدنيا أيست وولت عنهم مدبرة، إنه الرجل الذي قال فيه النبي ﷺ: «إيه يابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط إلا سلك فجًّا غير فجّك»( ).

إن الأحداث الجسام التي مرت بالأمة، قد بدأت بقتل عمر، هذه القواصم خير شاهد علىٰ فراسة أبي بكر وصدق رؤيته في العهد لعمر، فعن عبد الله بن مسعود > قال: «أفرس الناس ثلاثة صاحبة موسىٰ التي قالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين، وصاحب يوسف حيث قال: أكرمي مثواه عسىٰ أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا، وأبو بكر حين استخلف عمر»، فقد كان عمر هو سد الأمة المنيع الذي حال بينها وبين أمواج الفتن. فقد دخل عليه عمر فعرّفه أبو بكر بما عزم فأبىٰ أن يقبل، فتهدده أبو بكر بالسيف فما كان أمام عمر إلا أن يقبل. واعيًا مدركًا حتىٰ لا يحصل أي لبس فأشرف أبو بكر علىٰ الناس وقال لهم: «أترضون بما استخلف عليكم، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذات قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا». فقالوا: سمعنا وأطعنا... ويبثه كوامن نفسه، وهو يقول: «اللهم وليته بغير أمر نبيك، ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي، فولَّيت عليهم خيرهم، وأحرصهم علىٰ ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم فهم عبادك.

أقبل علىٰ الناس وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر بعد أن ختمه بختمه لمزيد من التوثيق والحرص علىٰ إمضاء الأمر، دون أي آثار سلبية، وقال عثمان للناس: «أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟» فقالوا: نعم. فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به. فبعد أن قُرِءَ العهد علىٰ الناس ورضوا به أقبلوا عليه وبايعوه، ولم تتم بيعة بعد الوفاة بل باشر عمر بن الخطاب أعماله بصفته خليفة للمسلمين فور وفاة أبي بكر >، ويلحظ الباحث أنّ عمر ولي الخلافة باتفاق أصحاب الحل والعقد وإرادتهم فهم الذين فوضوا لأبي بكر انتخاب الخليفة، وجعلوه نائبًا عنهم في ذلك، فشاور ثم عين الخليفة، ثم عرض هذا التعيين علىٰ الناس فأقروه، وأمضوه ووافقوا عليه، وأصحاب الحل والعقد في الأمة هم النواب (الطبيعيون) عن هذه الأمة، وإذن فلم يكن استخلاف عمر > إلا علىٰ أصح الأساليب الشورية وأعدلها. إن الخطوات التي سار عليها أبو بكر الصديق في اختيار خليفته من بعد لا تتجاوز الشورىٰ بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه. وهكذا تم عقد الخلافة لعمر > بالشورىٰ والاتفاق، ولم يرد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحدًا نهض طوال عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع علىٰ خلافته وعلىٰ طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة. فقد اختلىٰ الصديق بالفاروق وأوصاه بمجموعة من التوصيات لإخلاء ذمته من أي شيء، حتىٰ يمضي إلىٰ ربه خاليًا من أي تبعة بعد أن بذل قصارىٰ جهده واجتهاده، وقد جاء في الوصية: 

وصية الاستخلاف: 

أوردت بعض الروايات نص الوصية وهي: «إني مستخلفك من بعدي وموصيك بتقوىٰ الله. إن لله عملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا تقبل نافلة حتىٰ تؤدي الفريضة. فإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل وخفته عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفًا. إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم قلت إني أخاف ألا أكون من هؤلاء. وذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم ولم يذكر حسناتهم، فإذا ذكرتهم قلت إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء. وذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راغبًا راهبًا لا يتمنىٰ علىٰ الله غير الحق ولا يلق بيده إلىٰ التهلكة. فإذا حفظت وصيتي فلا يكن غائب إليك من الموت وهو آتيك، وإن ضيعت وصيتي لم يكن غائب أبغض إليك من الموت ولست بمعجز».

وقيل أن عمر لما خرج من عند أبي بكر، رفع الصديق يديه إلىٰ السماء وقال: «اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت به أعلم، واجتهدت لهم رأيًا فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم علىٰ ما أرشدهم. وقد حضرت من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم، فهم عبادك ونواصيهم بيدك، أصلح اللهم واليهم، واجعلهم من خلفائك الراشدين وأصلح له رعيته».

حق الأمة في محاسبة الحاكم:

لم يكن > يصنع شيئًا كان رسول الله يدعه، ولم يكن يدع شيئًا كان رسول الله ﷺ يصنعه، ولم يجمد مع ذلك، إذ فتح عليه تأسيه برسول الله ﷺ باب الاجتهاد في سياسة المسلمين، فهداه اجتهاده في حدود ما أمر الله به وما نهىٰ عنه... لم يتزمت في أمر ولم يفرط، وإنما اهتدىٰ بنور الله تعالىٰ لمصلحة المسلمين... وكان أكثر ما هداه إيمانه أنه محاسب أمام الله، كما أنه محاسب أمام عباده، والله شديد الحساب.

أسقط كل الشرائع الطاغوتية التي تحول بين الأمة وعقيدتها، إذ كانت مصادر تشريعاته كتاب الله Q، وسنة رسول الله ﷺ، ولهذا قال >: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم».. كان يتقيد بأحكام الشرع، وليس له أن يتجاوزها تحت أي ظرف كان... لم يكن للخليفة حصانة خاصة به إذا خالف الكتاب والسُّنة، وكان الشعور بالمسؤولية أمام الله وأمام المسلمين هو الهم الذي ينوء بحمله قادة الأمة في عصر الخلافة... وكان من حق الأمة مراقبة تنفيذ القرارات، ومن ثم كان لكل مسلم حق النقد المشروع والسؤال عما لا يجد له تفسيرًا في كتاب الله وسنة رسوله، وهذا ما أقره خليفة رسول الله ﷺ في أول خطبة ألقاها في أبناء أمته قائلًا: «إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة» أعطىٰ الأمة حق محاسبة الحاكم، وحق إلزام الحاكم الطريق السوي الذي يخدم الأمة ويشيد بنيانها، وأقر لها بأن شرعية حكامها تنطلق من خدمة عقيدتها والتمسك بثوابتها وسنة نبيها ﷺ.

اشترط في الحاكم أن يكون صادقًا مع ربه ومع أمته ومع نفسه، واشترط أن تكون الأمة صادقة مع ربها ومع نفسها ومع خليفة المسلمين فلا تغشه ولا يغشها، ولا تنافقه ولا ترائيه بل تعينه إذا أحسن، وتقومه إذا أساء بالنقد والتوجيه والإرشاد( ).

خطبة البيعة: 

في خطبته في أول عهده بخلافة المسلمين يقول أبو بكر >: «أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتىٰ أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتىٰ آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم»( ).

تضمنت الخطبة الوجيزة هذه علاقة الحاكم بالمحكومين، فبين أن مجيئه للخلافة بإرادة الأمة وبتعاقد واضح، الطاعة من الناس مقابل التزام الحاكم بالشريعة، ورقابة الأمة علىٰ سياسته، وإعانته في الخير، وتصحيح سياسته إذا انحرف، كما فيها بيان الالتزام بإقامة العدل والجهاد وتنظيف المجتمع من الانحراف الخلقي( ).

والحكم علىٰ هذا الأساس يقتضي الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة علىٰ إنكار الذات، والتجرد لله تجردًا مطلقًا جعله يشعر بضعف الضعيف، وحاجة المجتمع ويسمو بعدله علىٰ كل هوىٰ، وينسىٰ في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها، ورقيقها بكل ما آتاه الله من يقظة وحذر.

وبناء علىٰ ما سبق يرفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن علىٰ حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولايضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة لذي سطوة أو مكانة، وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض.

وما أجمل ما قاله ابن تيمية ؟ في السياسة الشرعية: 

إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولاينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة،... بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال.

قال أبو بكر >: «الصدق أمانة والكذب خيانة»، أعلن الصديق > مبدأً أساسيًّا تقوم عليه خطته في قيادة الأمة وهو: 

أن الصدق بين الحاكم والأمة هو أساس التعامل، وهذا المبدأ السياسي الحكيم له الأثر الهام في قوة الأمة، حيث ترسيخ جسور الثقة بينها وبين حاكمها... إنه خلق سياسي منطلق من دعوة الإسلام إلىٰ الصدق قال تعالىٰ: 

﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾ [التوبة: 119] ومن التحذير منه كقول رسول الله ﷺ: 

«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولايزكيهم ولاينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر»( ).

هذه الكلمات «الصدق أمانة» اكتست بالمعاني، فكأن لها روحًا تروح بها وتغدو بين الناس، تلهب الحماس، وتصنع الأمل، «والكذب خيانة» وهكذا يأبىٰ أبو بكر إلا أن يمس المعاني، فيسمي الأشياء بأسمائها، فالحاكم الكذاب هو ذلك الوكيل الخائن الذي يأكل خبز الأمة ثم يخدعها، فما أتعس حاكم يتعاطىٰ الكذب فيسميه بغير اسمه، لقد نعته الصديق بالخيانة، وأنه عدو أمته الأول... وهل بعد الخيانة من عداوة؟

حقًّا لا زال الصديق يطل علىٰ الدنيا من موقفه هذا فيرفع أقوامًا ويسقط آخرين!.. وتظل صناعة الرجال أرقىٰ فنون الحكم! إذ هم عدة الأمة ورصيدها الذي تدافع به عن نفسها ملمات الأيام، ولاشك أن من تأمل كلمات أبي بكر تلك أصدقته الخبر بأن الرجل كان رائدًا في هذا الفن الرفيع، فقد كان يسير علىٰ النهج النبوي الكريم.

إن شعوب العالم اليوم تحتاج إلىٰ هذا المنهج الرباني في التعامل بين الحاكم والمحكوم، لكي تقاوم أساليب تزوير الانتخابات وتلفيق التهم، واستخدام الإعلام وسيلة لترويج اتهامات باطلة لمن يعارضون الحكام أو ينتقدونهم، ولابد من إشراف الأمة علىٰ التزام الحكام بالصدق والأمانة من خلال مؤسساتها التي تساعدها علىٰ تقويم ومحاسبة الحكام إذا انحرفوا، فتمنعهم من سرقة إرادتها، وشرفها، وحريتها وأموالها.

أهمية الجهاد: 

قال أبو بكر >: «وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل».

لقد تلقىٰ أبو بكر تربيته الجهادية مباشرة من نبيه وقائده العظيم ﷺ، تلقاها تربية حية في ميادين الصراع بين الشرك والإيمان، والضلال والهدىٰ، والشر والخير ولقد ذكرت مواقف الصديق في غزوات الرسول ﷺ، ولقد فهم الصديق > من حديث رسول الله ﷺ: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتىٰ ترجعوا إلىٰ دينكم» إن الأمة تصاب بالذل إذا تركت الجهاد، فلذلك جعل الصديق الجهاد إحدىٰ حقائق الحكم في دولته، ولذلك حشد طاقات الأمة من أجل الجهاد، لكي يرفع الظلم عن المظلومين ويزيل الغشاوة عن أعين المقهورين ويعيد الحرية للمحرومين، وينطلق بدعوة الله في آفاق الأرض يزيل كل عائق ضدها.

الحرب على الفاحشة:

قال أبو بكر >: «ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء».

الصديق هنا يذكر الأمة بقول النبي ﷺ: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتىٰ يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا..».

إن الفاحشة هي داء المجتمع العضال الذي لا دواء له، وهي سبيل تحلله وضعفه حيث لا قداسة لشيء، فالمجتمع الفاحش لا يغار ويقر الدنية ويرضاها، إنه مجتمع الضعف والعار والأوجاع والأسقام، وحال الناس أدل شاهد.

لقد وقف أبو بكر يحفظ قيم الأمة وأخلاقها... فقد حرص في سياسته علىٰ طهر الأمة ونقائها، وبعدها عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهو > يريد بذلك أمة قوية لا تشغلها شهواتها، ولايضلها شيطانها، لتعيش أمة منتجة تعطي الخير، وتقدم الفضل لكل الناس.

إن علاقة الأخلاق بقيام الدول وظهور الحضارة علاقة ظاهرة، فإن فسدت الأخلاق، وخربت الذمم، ضاعت الأمم، وعمها الفساد والدمار، والدارس لحياة الأمم السابقة والحضارات السالفة بعين البصيرة، يدرك كيف قامت حضارات علىٰ الأخلاق الكريمة، والدين الصحيح كالحضارة التي قامت في زمن داود وسليمان عليهما السلام والتي قامت في زمن ذي القرنين وكثير من الأمم التي التزمت بالقيم والأخلاق فظلت قوية طالما حافظت عليها، فلما دب سوس الفواحش إليها استسلمت للشياطين، وبدلت نعمة الله كفرًا، وأحلت قومها دار البوار، فزالت قوتها، وتلاشت حضارتها.

إن الصديق > استوعب سنن الله في المجتمعات وبناء الدول وزوالها وفهم أن زوال الدول يكون بالترف والفساد والانغماس في الفواحش والموبقات قال تعالىٰ: ﴿ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ﴾ [الإسراء: 16]. أي: أمرناهم بالأمر الشرعي من فعل الطاعات وترك المعاصي فعصوا وفسقوا فحق عليهم العذاب والتدمير جزاء فسقهم وعصيانهم. وفي قراءة (أمّرنا) بالتشديد أي: جعلناهم أمراء. والترف وإن كان كثرة المال والسلطان من أسبابه إلا أنه حالة نفسية ترفض الاستقامة علىٰ منهج الله وليس كل ثراء ترف.

إن سياسة الصديق في حربه للفواحش حري بحكام المسلمين أن يقتدوا به، فالحاكم التقي الذكي العادل هو الذي يربي أمته علىٰ الأخلاق القويمة؛ لأنه حينئذ سيقود شعبًا أحس طعم الآدمية، وجرىٰ في عروقه دم الإنسانية.

وأما إن سلب الحاكم الذكاء، وصار من الأغبياء... أشاع الفاحشة في قومه وعمل علىٰ حمايتها بالقوة والقانون، وحارب القيم والأخلاق الحميدة ودفع بقومه إلىٰ مستنقعات الرذيلة ليصبحوا كالحيوانات الضالة، والقطعان الهائمة لا همَّ لها إلا المتاع، والزينة الخادعة، فيصبحوا بعد ذلك أقزامًا، قد ودّعوا الرجولة والشهامة.

ويصدق فيهم قول الله تعالىٰ: ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾. 

[النحل: 112]

البيان الذي ألقاه الصديق للأمة، رسم فيه سياسة الدولة، فحدد مسؤولية الحاكم ومدىٰ العلاقة بينه وبين المحكومين، وغير ذلك من القواعد المهمة في بناء الدولة وتربية الشعوب، وهكذا قامت الخلافة الإسلامية، وتحدد مفهوم الحكم تحديدًا عمليًّا، وكان حرص الأمة علىٰ منصب الخلافة واختيار الخليفة علىٰ هذه الصورة، ومسارعة الناس إلىٰ الرضا بذلك دليلًا علىٰ أنهم كانوا يسلمون بأن النظام الذي أنشأه النبي عليه الصلاة والسلام واجب البقاء، وأن النبي ﷺ وإن مات فإنه خلف فيهم دينًا وكتابًا يسيرون علىٰ هديه فرضاء الناس يومئذ يعبر عن إرادة الاستمرار في ظل النظام الذي أنشأه النبي ﷺ.

إن حكومة الصديق > تمتع بها المسلمون زمنًا ليس بكثير، وعيَّن أبو بكر حد السلطة العليا فيها بتلك الخطبة الراقية علىٰ مستوىٰ أنظمة الحكم في ذلك العصر وفي هذا الزمن فهي حكومة شورية قل أن يجد طلاب الحرية والعدل في كل عصر أحسن لسياسة الأمم منها.

لم يزعم لنفسه > العصمة!!:

لم يحاول > انتحال العصمة، التي كانت للرسول ﷺ، وفهم دوره علىٰ أنه تكليف من المسلمين لحمل الأمانة، أمانة قيادة الأمة وإدارة أمورها ورعاية شؤونها... عقد بين المسلمين وإمامهم خليفة رسول الله ﷺ، هذا العقد يكتسب شرعيته وقوته من خلال الممارسة والتطبيق!!

أوضح الصديق مفهوم المشاركة في الحكم، والديمقراطية في الإدارة، من قبل أن يعرف العالم بهذه المفاهيم بقرون تزيد علىٰ العشرة قرون.

اضطلع > بأعباء حمل الأمانة، ومتابعة نشر الرسالة... كان > أمة وحده... كان يؤم المسلمين في الصلاة، وفي جمعه للقرآن الكريم الأثر البعيد في حفظ كيان الأمة المسلمة علىٰ مر القرون. كان حريصًا علىٰ أن لا يتطرق إليه أي تبديل أو تغيير، أو أن تختلف الأمة فيه كما اختلف اليهود والنصارىٰ في كتبهم... كان القرآن آنذاك مفرقًا في صدور الرجال وفي صحف وفي جريد وفي خزف وغير ذلك، فأرسل أبو بكر إلىٰ زيد بن ثابت ب وقال لزيد بعد مقتل أهل اليمامة: «يا زيد بن ثابت أنت غلام شاب عاقل، لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه»، وقد قام زيد > ومن معه بذلك خير قيام وأتمه وأكمله، وقدم بذلك خير خدمة للأمة لا زالت تستقي الأجيال من فضائلها علوم القرآن كما أنزلت علىٰ رسول الله ﷺ لا يشك في ذلك إلا عدو لله ولرسوله وللمؤمنين.

هذه السياسة التي ثبت نجاحها في قهر المرتدين وزلزلة الطغيان والهيمنة والظلم، ونشر العدل والأمن ورسم السياسة الراشدة في كل زوايا الدولة علىٰ الوجه الذي أقره الشرع ونفذه خليفة رسول الله ﷺ علىٰ نفسه وعلىٰ أهله وعلىٰ ولاته وأمرائه وقادة جيوشه والعلماء وغيرهم من عامة أبناء المجتمع.

أين هذا ممن يحولون بين الناس ونيل حقوقهم، وفتحوا الأبواب أمام كل منتفع وجشع يسعىٰ إلىٰ الهيمنة والكسب الرخيص علىٰ حساب الأمة، ودماء أبنائها.

إن الأمة في هذا العصر بأمس الحاجة إلىٰ قائد يتبنىٰ هذه السياسة ويقر معانيها في نفوس الناس وفي المؤسسات والدوائر الرسمية والشعبية، حتىٰ يصبح ذلك خلقًا يتخلق به المسلمون في كل مناحي حياتهم، ويكون هذا هو الأساس في سلم الإصلاح المعاصر... هذه السياسة هي الطريق الموصلة إلىٰ علاج جراحات الأمة النازفة في كل مكان.

.. أبو بكر الصديق > هو القدوة بعد رسول الله ﷺ، لكل من يريد أن يسلك طريق الإصلاح والقيادة السديدة... لم يتخذ حشمًا ولا خدمًا ولا مركبًا ولا موكبًا خاصًّا به يدور معه حيث دار، ولم يتخذ قصورًا ولا دواوين، ولا حرسًا، وهو الذي سحق المرتدين وواجه المجوس الفرس والروم الصليبيين!! وحقق الانتصارات العسكرية والإنسانية والحضارية علىٰ كل أولئك، ورفض أن يعيش خانعًا لأعداء الأمة.

لم يكن له وقت محدد يحتجب فيه عن الناس... لم تحيطه الخدم والحرس والأتباع والمصفقون وغيرهم، كرس كل ما يملك في خدمة دينه وأمته... كرس ماله وجهده وفكره، ويده وبيته، ومواليه لخدمة دينه وأمته... يوم بويع بالخلافة لم يغير منزله بالسنح، ولم تتغير أخلاقه، كان تاجرًا فظل يغدو كل يوم إلىٰ السوق يبيع ويبتاع، وكان يحلب للحي أغنامهم... سمع الجارية تقول يوم بويع بالخلافة: الآن لا يحلب لنا منايح دارنا، فقال >: «بلىٰ، لعمري لأحلبنها لكم وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه»، وظل يحلب لهم.

أعطىٰ لكل قائد درسًا في العفة وحب الأمة وإيثارها علىٰ النفس والولد حين قال >: «ردوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أصيب من هذا المال شيئًا، وإن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم».

المساواة في العطاء بين المسلمين... لا تمايز ولا طبقية:

أدرك أبو بكر أن الإسلام دين مساواة بين الناس جميعًا، ورأىٰ رسول الله ﷺ وقد اصطفىٰ في حياته موالي رفعهم إلىٰ أعز مكانة وأسماها، كما أقر جماعة من العجم علىٰ حكم العرب، فسلمان الفارسي كان من خاصته المقربين، وزيد بن حارثة مولاه الذي اشترته خديجة ثم وهبته له فأعتقه وتبناه، وكان القائد في غزوة مؤتة، كما كان علىٰ رأس أعمال كثيرة قبلها، وأسامة ابنه هو الذي عقد له الرسول ﷺ قبيل مرضه الأخير لواء جيش يضم جلة المهاجرين والأنصار، ومن بينهم أبو بكر وعمر ب، ولم يكن الناس يتفاوتون عند رسول الله ﷺ لمكانة قبائلهم، وإنما كانوا يتفاوتون بأعمالهم، وفاضل بينهم بالتقوىٰ والعمل الصالح.

من هنا جعل أبو بكر من المساواة الإسلامية بين الناس وبين الأجناس سنته.

ساوىٰ > في العطاء بين المسلمين الأحرار والرقيق، وبين الرجال والنساء... كان يسوي بين الناس في القسم الحر، والعبد، والذكر، والأنثىٰ، والصغير، والكبير فيه سواء.

قالت أم المؤمنين عائشة <: فأعطىٰ في أول عام الحر عشرة والمملوك عشرة، وأعطىٰ المرأة عشرة، وأمتها عشرة، ثم قسم في العام الثاني فأعطاهم عشرين عشرين، فجاء ناس من المسلمين فقالوا: يا خليفة رسول الله! إنك قسمت هذا المال فسويت بين الناس، ومن الناس أناس لهم فضل وسوابق وقدم، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل. فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك. وإنما ذلك شيء ثوابه علىٰ الله جل ثناؤه وهذا معاش، فالأسوة خير من الأثرة.

لما اكتشف منجم الذهب في بني سليم علىٰ مقربة من المدينة، ساوىٰ أبو بكر في قسمه بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام، وبين الحر والعبد والذكر والأنثىٰ، وقيل له: ألا تقدم أهل السبق علىٰ قدر منازلهم؟ فقال: إنما أسلموا لله ووجب أجرهم عليه، يوفيهم ذلك في الآخرة، وإنما هذه الدنيا بلاغ!!

أدىٰ هذا العدل بين الناس جميعًا اطمئنانهم... وأدىٰ حزم أبي بكر وحمله تبعة الأمر إلىٰ مهابتهم إياه وإكبارهم له.

أين هذا مما يفعله الظلمة والظالمون من جشع وغلظة علىٰ الضعفاء والمساكين وعامة أبناء الأمة، أين هذا من التمايز في الحقوق والواجبات والعطاء والمنع وبخس الناس حقوقهم والله تعالىٰ يقول: ﴿ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [الأعراف: 85].

واجه الفرس والمجوس والروم الصليبيين بيقين المؤمنين، وقال >: «لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد >» متمسكًا بقول رسول الله ﷺ: «خالد سيف من سيوف الله... نعم فتىٰ العشيرة» وكان خالد عند حسن ظن أبي بكر وظن الأمة... أين هذه القيادة من أولئك الذين إذا ما إن يصلوا إلىٰ موقع ما من مواقع المسئولية، سرعان ما يتنمروا ويتحولوا من دعاة إصلاح إلىٰ دعاة لعبادة الذات والتبعية ومداهنة الباطل... سرعان ما يتحولون إلىٰ جبابرة صغار!!

سقط خطام ناقته من يده >، فأناخها وأخذه بيده، فقالوا له: أفلا أمرتنا نناولكه؟! فقال: «إن حبيبي رسول الله ﷺ أمرني أن لا أسأل الناس شيئًا» يفعل ذلك وهو يقود دولة تواجه المجوس والصليبيين وأذنابهم!!

في المأكل والملبس:

كان > يقتات من عمل يده:

كان يردد >: «.. وإني وليت أمر المسلمين فأكلت من جريش طعامهم، ولبست من خشن ثيابهم، فليس لهم قبلي دينار ولا درهم» وقوله لأم المؤمنين عائشة <: «انظروا كم أنفقت منذ وليت من بيت المال فاقضوه».

لم يغير تزايد تبعاته من شظف عيشه، بل زاده انصرافًا عن كل ما يريد أن يرفه به نفسه... كان حين مقامه بالسنح لا يأبىٰ علىٰ نفسه ألوانًا من الرفه تعينه علىٰ الحياة والجهد فيها، فكان يغدو إلىٰ المدينة وربما ركب فرسه وعليه إزار ورداء ممشق فيصلي بالناس، وكان يستريح بالسنح أحيانًا فيصلي عمر بهم... وكان يقيم بداره صدر النهار يوم الجمعة يصبغ رأسه ولحيته، ثم يذهب إلىٰ المدينة يخطب الناس ويؤمهم للصلاة.

أما مذ أقام بالمدينة لتزايد أعباء الدولة فقد تم تفرغه لشؤون المسلمين وإن فاته ما يرفه عن نفسه. وأقام مع تزايد هذه الأعباء لا يتخذ لنفسه خادمًا في داره ولا في أعمال الدولة. ثم كان يجلس في المسجد حيث كان يجلس رسول الله ﷺ، يسمع الناس ويحدثهم ويستشيرهم ويشير عليهم ويقضي فيما يعرض عليه من شتىٰ الأمور.

وكان إيثاره الشظف شديد البر بالفقراء والضعفاء... كان يشتري الأكسية ويفرقها علىٰ الأرامل في الشتاء، وكان يرعىٰ الفقراء والمساكين بنفسه في سر من الناس... كان عمر بن الخطاب يتعهد امرأة عمياء بالمدينة ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها ألقاها قد قضيت حاجاتها. وترصد عمر يومًا فإذا أبو بكر هو الذي يكفيها مؤونتها، لم تصرفه عن ذلك الخلافة وجسامة تبعاتها، وقال عمر حين رآه: «هو أنت لعمري».. !!

كان خليفة رسول الله ﷺ، يقتات من عمل يده وجني تجارته، يغدو إلىٰ السوق فيبيع ويبتاع... لما استخلف >، أصبح غاديًا إلىٰ السوق وعلىٰ رقبته أثواب يتجر بها فلقيه عمر > وأبو عبيدة بن الجراح فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق. قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟! فقال من أين أطعم عيالي؟ قالا له: انطلق حتىٰ نفرض لك شيئًا، فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة وماكسوه في الرأس والبطن، فقال عمر: إلىٰ القضاء وقال أبو عبيدة: وإلىٰ الفيء، قال عمر: فلقد كان يأتي عليَّ الشهر ما يختصم إليَّ فيه اثنان. وفرضوا له برداه إذا أخلقهما وضعهما وأخذ مثلهما وظهره إذا سافر، ونفقته علىٰ أهله كما كان ينفق قبل أن يستخلف، قال أبو بكر >: رضيت.

وحين استخلف > ألقىٰ كل دينار ودرهم عنده في بيت مال المسلمين، وقال: كنت أتجر فيه والتمس به، فلما وليتهم شغلوني... فترك عمله وتجارته وتفرغ لخدمة المسلمين يبتغي بذلك الأجر ونصرة الدين.

قال زيد بن أرقم: دعا أبو بكر > بشراب فأتي بماء وعسل، فلما أدناه من فيه نحاه ثم بكىٰ حتىٰ بكىٰ أصحابه، فسكتوا وما سكت ثم عاد فبكىٰ حتىٰ ظنوا أنهم لا يقوون علىٰ مسألته، ثم أفاق فقالوا: يا خليفة رسول الله، ما أبكاك؟     

قال: كنت مع رسول الله ﷺ فرأيته يدفع عن نفسه شيئًا، ولم أر أحدًا معه فقلت: يا رسول الله ما هذا الذي تدفع، ولا أرىٰ معك أحدًا؟ فقال: «هذه الدنيا تمثلت لي فقلت لها: إليك عني فتنحت ثم رجعت. فقالت: أما إنك إن أفلت، فلن يفلت مني من بعدك».

فذكرت ذلك فخفت أن تلحقني، وقال أبو بكر > فشق علي، وخشيت أن أكون قد خالفت أمر رسول الله ﷺ، ولحقتني الدنيا!!..

كل ذلك البكاء من أجل شربة ماء بارد شربها وهو بين أصحابه، لم تكن في موطن رفاهية ولا موطن شبهة، وإنما كان يخشىٰ أن يفتح باب التنعم والتنافس فتنغمس نفسه في اللهو والغفلة، ويصبح كما هو عليه الحال اليوم!! من ضعف في الولاء لله ولرسوله ﷺ وللصحابة الكرام ش.

هذه هي النفوس التي تربت علىٰ يد رسول الله ﷺ!!

لقد أثبت خليفة رسول الله ﷺ لمن بعده من القادة أن الزهد في الدنيا هو أولىٰ علامات السلامة وصحة المسار في الحكم، ومن أسقطه الدرهم، فهو إلىٰ غيره سيكون أسرع في السقوط.

خرج يومًا > في الهاجرة إلىٰ المسجد فسمع بذلك عمر >، فخرج، فقال: يا أبا بكر ما أخرجك في هذه الساعة؟ قال: لا والله ما أخرجني إلا الجوع، فقال: أنا والذي نفسي بيده ما أخرجني غيره، فبينما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله ﷺ فقال ﷺ: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟» فقالا: الجوع فقال ﷺ: «أنا والذي نفسي بيده ما أخرجني غيره» فقاموا، فانطلقوا حتىٰ أتوا باب أبي أيوب الأنصاري، فذبح لهم شاة، وطبخها لهم وأطعمهم( ).

أين هذا ممن هم في عصرنا ممن يفسدون بدعوىٰ الإصلاح، ويسرقون باسم العطاء، ويفرقون باسم الوحدة، ويشركون باسم التوحيد!! هؤلاء هم الذين ثبتوا علىٰ منهج الحق والعدل والإصلاح فصلحت الدنيا علىٰ أيديهم.

شتان بين دعاة الحق وثمار سيرتهم، وبين دعاة الباطل وعلقم زيفهم!!

كان > يكفيه من اللباس ما يستره وقد يشاركه بعض أصحابه في ملبسه الوحيد، وهو الذي يقوم الليل ويحفظ القرآن ويقوم بكل حقوقه وينازل الأعداء علىٰ كل الجبهات فيهزمهم ويظهر عورهم ونقائصهم ويحقق الانتصارات الكاملة عليهم وعلىٰ جحافلهم وأتباعهم من باعة الأوطان والهوية!!

أين هذا ممن يحسبون أنه لا يليق بهم إلا أن يظهروا بمظاهر اليهود والصليبيين وغيرهم من العلمانيين، بدعوىٰ مشاركة الآخر وقبول الآخر!! وأن ذلك لا يؤثر في سلامة المنهج، وأنهم أعرف بمصالح الدعوة، ناسين قوله ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» و«من أحب قومًا حشره الله في زمرتهم».

هؤلاء الذين لا يفرقون بين الفاروق وقاتله، وبين عثمان ومن اغتاله، وبين علي ومن طعنه!! لا يعلمون في أي واد يهيمون ولا تحت أي راية يسيرون!! لا يميزون بين راية خليفة رسول الله ﷺ إمام السُّنة، وبين راية مسيلمة الكذاب إمام المرتدين، ذلك لغياب الضابط الشرعي وموت الوازع الديني!! وغياب وازع المحاسبة.

وأما مبدأ المساواة الذي أقره الصديق في بيانه الذي ألقاه علىٰ الأمة، فيعد أحد المبادئ العامة التي أقرها الإسلام، وهي من المبادئ التي تساهم في بناء المجتمع المسلم، وسبق به تشريعات وقوانين العصر الحاضر، ومما ورد في القرآن الكريم تأكيدًا لمبدأ المساواة قول الله تعالىٰ: 

﴿ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ﴾ [الحجرات: 13].

إن الناس جميعًا في نظر الإسلام سواسية، الحاكم والمحكوم، الرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، لقد ألغىٰ الإسلام الفوارق بين الناس بسبب الجنس واللون أو النسب أو الطبقة، والحكام والمحكومون كلهم في نظر الشرع سواء، وجاءت ممارسة الصديق لهذا المبدأ خير شاهد علىٰ ذلك حيث يقول: «وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني القوي فيكم ضعيف عندي حتىٰ آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتىٰ آخذ له حقه»( ).

وكان > ينفق من بيت مال المسلمين فيعطي كل ما فيه سواسية بين الناس، فقد روىٰ ابن سعد وغيره أن أبا بكر >، كان له بيت مال بالسُّنح معروف، ليس يحرسه أحد، فقيل له: ألا تجعل علىٰ بيت المال من يحرسه؟ فقال: لا يخاف عليه، قيل له: ولم؟ قال: عليه قفل! وكان يعطي ما فيه حتىٰ لا يبقىٰ فيه شيئًا، فلما تحوّل إلىٰ المدينة حوّله معه فجعله في الدار التي كان فيها، وقدم عليه مال من معدن من معادن جُهينة، فكان كثيرًا، وانفتح معدن بني سليم في خلافته، فقدم عليه منه بصدقة فكان يضع ذلك في بيت المال، فيقسمه بين الناس سويًّا كان توزيع العطاء في خلافته علىٰ التسوية بين الناس، وقد ناظر الفاروق عمر > أبا بكر في ذلك فقال: أتسوي بين من هاجر الهجرتين وصلىٰ إلىٰ القبلتين، وبين من أسلم عام الفتح؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله، وإنما أجورهم علىٰ الله، وإنما الدنيا بلاغ للراكب.

ورغم أن عمر > غيّر في طريقة التوزيع فجعل التفضيل بالسابقة إلىٰ الإسلام والجهاد إلا أنه في نهاية خلافته قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت إلىٰ طريقة أبي بكر فسويت بين الناس( ).

وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح، فيحمل في سبيل الله، واشترىٰ عامًا قطائف (القطيفة كساء مخمل) أتىٰ بها من البادية، ففرقها في أرامل أهل المدينة في الشتاء وقد بلغ المال الذي ورد علىٰ أبي بكر في خلافته مائتي ألف وزعت في أبواب الخير.

لقد اتبع أبو بكر > المنهج الرباني في إقرار العدل، وتحقيق المساواة بين الناس وراعىٰ حقوق الضعفاء فرأىٰ أن يضع نفسه في كفة هؤلاء الواهنة أصواتهم، فيتبعهم بسمع مرهف وبصر حاد وإرادة واعية لا تستذلها عوامل القوة الأرضية فتملي كلمتها.

إنه الإسلام في فقه رجل دولته النابه الذي قام يضع القهر تحت أقدام قومه، ويرفع بالعدل رؤوسهم فيؤمن به كيان دولته، ويحفظ لها دورها في حراسة الملة والأمة.

لقد قام الصديق منذ أول لحظة بتطبيق هذه المبادئ السامية، فقد كان يدرك أن العدل عز للحاكم والمحكوم، ولهذا وضع الصديق سياسته تلك موضع التنفيذ وهو يردد قوله تعالىٰ: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾ [النحل: 90].

أكان أبو بكر يريد أن يطمئن المسلمون إلىٰ دينهم، وحرية الدعوة إليه؟ وإنما تتم الطمأنينة للمسلمين ما قام الحاكم فيهم علىٰ أساس من العدل المجرد عن الهوىٰ.

وقد بين الإمام مالك بأنه لا يكون أحد إمامًا أبدًا إلا علىٰ هذا الشرط «تاريخ الخلفاء للسيوطي» يقصد بالمضامين العظيمة التي ألقاها الصديق في بيانه السياسي الأول. والحكم علىٰ هذا الأساس يقتضي الحاكم أن يسمو فوق كل اعتبار شخصي، وأن يكون العدل والرحمة مجتمعين، وقد كانت نظرية أبي بكر في تولي أمور الدولة قائمة علىٰ إنكار الذات، والتجرد لله تجردًا مطلقًا جعله يشعر بضعف الضعيف، وحاجة المجتمع ويسمو بعدله علىٰ كل هوىٰ، وينسىٰ في سبيل ذلك نفسه وأبناءه، وأهله، ثم يتتبع أمور الدولة جليلها، ورقيقها بكل ما آتاه الله من يقظة وحذر( ).

وبناء علىٰ ما سبق يرفع العدل لواءه بين الناس، فالضعيف آمن علىٰ حقه، وكله يقين أن ضعفه يزول حينما يحكم العدل، فهو به قوي لا يمنع حقه ولايضيع، والقوي حين يظلم يردعه الحق، وينتصف منه للمظلوم، فلا يحتمي بجاه أو سلطان أو قرابة لذي سطوة أو مكانة، وذلك هو العز الشامخ، والتمكين الكامل في الأرض.

وما أجمل ما قاله ابن تيمية ؟: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولاينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة،... بالعدل تستصلح الرجال، وتستغزر الأموال( ).

في محاسبة النفس:

كان أبو بكر > يدعو إلىٰ تفعيل مبدأ محاسبة النفس، حتىٰ تولد النزاهة وتغذىٰ الأمانة... كانت حياته محاسبة دائمة، ونظر واعتبار، وتفكر أثمر عطاءً دائمًا، ونجاحًا باهرًا في كل محاور الحياة... لم يكن يتهاون في كل ما به وجه من وجوه الشبهة.

كان > يخشىٰ الحساب حتىٰ يغبط الطير علىٰ نجاته منه، فيقول: «طوبىٰ لك يا طير تأكل من الشجر وتستظل بالشجر، وتصير إلىٰ غير حساب»( ).

عن قيس بن أبي حازم قال: كان لأبي بكر غلام فكان إذا جاء بغلتَّه لم يأكل من غلته حتىٰ يسأل، فإن كان شيئًا مما يحب أكل، وإن كان شيئًا يكره لم يأكل، قال: فنسىٰ ليلة فأكل ولم يسأله، ثم سأله فأخبره أنه من شيء كرهه، فأدخل يده فتقيأ حتىٰ لم يترك شيئًا( ).

كان يتحرىٰ الحلال في مطعمه ومشربه، ويتجنب الشبهات، وهذه الخصلة تدل علىٰ بلوغه درجات عُليا في التقوىٰ، ولا يَخفَىٰ أهمية طيب المطعم والمشرب والملبس في الدين، وعلاقة ذلك بإجابة الدعاء، كما في حديث الأشعث الأغبر وفيه: «يمد يديه إلىٰ السماء: يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنىٰ يُستجاب لذلك»( ).

أين نحن وما حالنا من هذا... نأكل ولا نسأل، ونجمع ولا نتحرىٰ إلا من رحم ربي... !!

أين الذين يبتلعون حقوق المؤمنين وحرياتهم، ويمنعونهم من إقامة شعائر دينهم ويجترئون علىٰ قتلهم وسجنهم وتشريدهم؟

وأين الذين يودعون خزائنهم الخاصة ثروات الضعفاء والمساكين، وأين يفر بناة القصور والملاهي، ونوادي الفساد، وفضائيات الحرب علىٰ الله ورسوله ﷺ، أم أنهم مخلدون؟!!

أين كل هؤلاء من سيرة خليفة رسول الله ﷺ، ومنهجه وسياسته التي أصبحت حجة علىٰ كل ظالم وطاغية آكل لكل حقوق الناس ومصادر لحرياتهم بالقهر والجشع والحيل والخداع؟

حضرت الوفاة ابنًا لأبي بكر >، فجعل الابن يلحظ إلىٰ وسادة، فلما توفي قالوا لأبي بكر: رأينا ابنك يلحظ إلىٰ وسادة فرفعوه عن الوسادة فوجدوا تحتها خمسة دنانير أو ستة. قال: فضرب أبو بكر > بيده علىٰ الأخرىٰ يرجع بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون يا فلان، ما أحسب أن جلدك يتسع لها!!

كان هذا موقف الصديق > مع ولده، الذي ادخر خمسة دنانير لنفسه من الكسب الحلال حيث يرىٰ الصديق > أن لا طاقة لابنه في الوقوف لمناقشة الحساب عن مصدرها، وماذا سيفعل بها؟!

قمة النزاهة والورع... وقمة السمو والانتصار على الذات:

أين هذه المعاني من أولئك الذين يبالغون في السلب والنهب لجمع أكبر قدر مما يستطيعون، مما سيلقي عليهم أوزارًا وآثامًا يوم القيامة ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾ [الشعراء: 88]

إنهم يورثون أبناءهم الآثام والحرام والسحت، والخزي والعار!! ﴿ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ﴾ [الإسراء: 71]

أين موقف الخليفة من تركة ولده البسيطة... هذا الخلق - الذي كان ثابتًا في صفحات سيرته - من عبيد الدنيا الذين يرغبون في توفير أكبر تركة لأولادهم، وترك أكبر رصيد لذويهم في هذه الدنيا حتىٰ لو ذهبوا إلىٰ ربهم مفلسين، كما يفعل كثير من الطغاة الذين ساموا الناس العذاب والتضييق والتغريم والابتزاز والتجريد من كل الحقوق!! هذه الأموال التي جمعوها أموال السحت يتركونها لأولادهم يحاربوا بها الدين وأهله... ويجني الظالمون حصاد أيديهم وعواقب ظلمهم وجشع نفوسهم وأشواك ميراثهم عذابًا وحسرات لا تنقطع لسوء تدبيرهم ﴿ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ﴾ [الكهف: 49]

عاش خليفة رسول الله ﷺ نقيا تقيا... لا ظلم ولا توريث للظلم كما يفعل الطغاة... بل عدل وتوريث الإنصاف وأداء الحقوق.

ماذا ورث الصديق لأهله؟!:

مات > ولم يترك دينارًا ولا درهمًا!!

يوم استخلف أبو بكر الصديق >، ألقىٰ ماله في بيت مال المسلمين معلنًا بذلك أن من يتولىٰ أمر الأمة لا يمكن أن يجمع بين منافعه الخاصة وخدمة الأمة، ولا ينبغي له أن يعمل في التجارة وينافس الناس في معاشهم؛ لأنه قد يقع في الاحتكار الذي يعمل به كثير من حكام هذا العصر الذين هيمنوا علىٰ الشركات وتملكوا الثروات!!

كان > من كبار تجار العرب، أياديه في الكرم المعروف حديث المجالس ومحل تقدير سادة القبائل، ولكنه آثر التفرغ لخدمة الأمة، قال: «فلما وليت شغلوني عن التجارة والطلب».

قالت أم المؤمنين عائشة <: مات أبو بكر > فما ترك دينارًا ولا درهمًا وكان قد أخذ قبل ذلك ماله فألقاه في بيت المال.

أنفق كل ما يملك وكل ما جاءه من أموال المسلمين إلىٰ أهلها ومستحقيها... ويوم حضرته الوفاة لم يقبل أن يترك هذه الدنيا دون أن يتطهر من كل أدرانها، ويتنازل عن كثير من حقوقه، ويرد ما يحق له من حقوق، لتتعلم منه الأمة كيف يكون الإخلاص للدين وحماية المسلمين، ومنهج التجرد من الدنيا، وحقيقة الإقبال علىٰ الآخرة.

أين هذا ممن يزعمون الإصلاح، ويحفظون أموالهم، وينفقون علىٰ أتباعهم من مال المسلمين باسم التفرغ للعمل الإسلامي وما شابه ذلك... وأين عبيد الدنيا ممن يغرقون في العمالة والتبعية وبيع الأمة ممن استباحوا الأموال والحقوق، يسلبون المسلمين حقوقهم وينهبون ثرواتهم، ولا يبالون بالمسلمين في بلادهم إن جاعوا أو شردوا، أو أهينوا أو أذلوا... لا يبالون باعوا بلادهم وعقيدتهم في أسواق النخاسة بأي ثمن؟!

وهكذا وقف الصحابة في فهمهم الراقي لولاية الدين وأمانة الحكم يفرضون لإمامهم رزقًا يغتني به عن التجارة بعد إذ صار عاملًا للأمة تملك منه الوقت والجهد والفكر... ومن ثم يقررون معنىٰ في الإسلام بديعًا يفصل الذمة المالية للأمة عن ذمة الحاكم.

هذا المعنىٰ الذي لم يعرفه الغرب إلا في عهوده القريبة، إذ ظلت راية: ما لقيصر لقيصر، مشرعة خفاقة يقاتل الناس دونها أزمانًا طويلة، إن أصدق تعبير نقف به علىٰ دخول الذمة المالية للدولة بأسرها في ذمة الحاكم لهو مقالة لويس الخامس عشر: (أنا الدولة والدولة أنا) لقد كان لويس تاجر غلال معروفًا يتجر في قوت أمته وهي تتضور جوعًا ثم لا يرىٰ أحد في ذلك شيئًا من العار... أليس هو الأصل والأمة فرع عنه؟.

أين البشرية اليوم من أولئك الصحابة رضوان الله عليهم؟ فإن الخزينة قد أضحت بعدهم بيد أشخاص ينفقون كيف يشاءون، ويتصرفون كما يريدون، كما أصبحت لهم نفقات مستورة لا حصر لها، وفوق هذا فقد تكدست لهم الأموال في المصارف خارج البلاد، حتىٰ غدت دول أجنبية تعيش علىٰ هذه الأموال لكثرتها، وأكثرها يعود إلىٰ الحكام وأمراء الشعوب المستضعفة، مع أنه قد ظهر أن هذه الأموال مهما بلغت، والعقارات مهما كثرت، فإنها لا تكفي شيئًا، ولا تغني صاحبها شيئًا، فإن شاه إيران مع ضخامة ما يملك لم يجد أرضًا تقبله ليأوي إليها هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالأمر أشد والحساب عظيم.

علىٰ حكام المسلمين أن يقتدوا بهذا الصحابي الجليل الذي أدار دولة الإسلام بعد وفاة الرسول ﷺ، فما أجمل قوله >: «لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين فيه».

إن الصديق يؤكد معاني بديعة، فولاية الدين ليست في حد ذاتها مغنمًا، أما ما يفرض لها من رزق فلما تقضي إليه من اشتغال عامل الأمة عن أمر نفسه.

لقد سطر الصديق والصحابة الكرام صفحات رائعة في جبين الزمن، حتىٰ أن البشرية تسعىٰ في سلم التطور وتسعىٰ ثم إذا هي قابعة عند أقدامهم.

سار الصديق في بناء دولة الإسلام بجد ونشاط واهتم بالبناء الداخلي، ولم يترك أي ثغرة يمكن أن تؤثر في ذلك البناء الشامخ الذي تركه رسول الله ﷺ، فاهتم بالرعية وله مواقف مشرفة في هذا الباب، وأعطىٰ للقضاء اهتمامًا خاصًّا، وتابع أمر الولاة وسار علىٰ المنهج النبوي الكريم في كل خطواته وإليك شيء من التفصيل عن تلك السياسة الرشيدة: 

أين هذا من حالة الانفلات التي يطلق فيها كثير من حكام المسلمين أيديهم وأيدي أتباعهم في أموال الأمة التي تزيد عن حد الاستباحة في كثير من المواقع، دون وازع من ضمير أو خوف من رقيب أو حساب في الدنيا أو في الآخرة... ألا يعلم أولئك أين هم ذاهبون؟!

لا صلاح في العبادة والقيادة والسياسة والاقتصاد دون التقيد بما تقيد به خليفة رسول الله ﷺ... الأمانة والصدق والكسب الحلال والجهاد الخالص لوجه الله تعالىٰ والمنبثق من الفهم الصحيح للدين الحنيف... هذا هو طريق العودة بالأمة إلىٰ ما كانت عليه من السيادة والريادة.

قال > قبيل وفاته لأم المؤمنين عائشة <: أما إنا ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارًا ولا درهمًا، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا، ولبسنا من خشن ثيابهم علىٰ ظهورنا، وليس عندنا من فيء قليل ولا كثير، إلا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضج، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلىٰ عمر، وابرأي منهن». قالت <: ففعلت فلما جاء الرسول عمر بكىٰ حتىٰ جعلت دموعه تسيل في الأرض ويقول: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد اتعب من بعده، رحم الله أبا بكر لقد اتعب من بعده، يا غلام ارفعهن. فقال عبد الرحمن بن عوف: «سبحان الله تسلب عيال أبي بكر عبدًا حبشيًّا، وبعيرًا ناضجًا، وجرد قطيفة ثمن خمسة الدراهم؟»

قال: «فما تأمر؟» قال: «تردهن علىٰ عياله»، فقال: «لا والذي بعث محمدًا ﷺ بالحق أو كما حلف، لا يكون هذا في ولايتي أبدًا، ولا خرج أبو بكر منهن عند الموت وأردهن أنا علىٰ عياله، الموت أقرب من ذلك».

وقالت عائشة <: لما احتضر أبي ؟ دعاني فقال: يا بنية إني كنت أعطيتك تمر خيبر ولم تكوني أخذتيها، وأنا أحب أن ترديها علي. قالت: فبكيت ثم قلت: غفر الله لك يا أبة، والله لو كان خيبر ذهبًا جميعًا لرددتها عليك فقال: هي علىٰ كتاب الله Q يا بنية إني كنت أتجر قريش وأكثرهم مالًا فلما شغلتني الإمارة رأيت أن أصيب من المال بقدر ما شغلني، يا بنية هذه العباءة القطوانية وحلاب وعبد، فإذا أنا مت فأسرعي به إلىٰ ابن الخطاب، يا بنية هذه ثيابي فكفنوني بها. قالت: فبكيت وقلت: يا أبة نحن أفضل من ذلك، فقال: غفر الله لك وهل ذلك إلا للمهل، قالت: فلما مات بعثت بذلك إلىٰ ابن الخطاب فقال: يرحم الله أباك لقد أحب أن لا يترك لقائل مقالًا.

حاسب ورثته علىٰ كل صغيرة ليذهب بريئًا، ويبقىٰ أهله أبرياء أنقياء أتقياء... قال أنس >: إن أبا بكر الصديق > قال لعائشة وهي تمرضه: انظري ما عندنا فأبلغيه عمر، قالت: وما كان دينار ولا درهم، وما كان إلا خادم ولقحة - الناقة - ومحلب، فلما رجعوا من جنازته أمرت به عائشة إلىٰ عمر، قال عمر: 

«رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده»:

كانت هذه تركة الخليفة الفاتح وسيد الدنيا في عصره... أوساق تمر وخادم ولقحة أو نعجة وإناء حليب وعباءة، كلها أخذها من وجوهها الشرعية وأورثها إلىٰ أهله بوجهها الشرعي، ومع ذلك كان يصر علىٰ أن يخرج من هذه الدنيا وليس لأحد في عنقه مثقال ذرة من أي حق من الحقوق، وليعلم من يأتي بعده أن كل شيء هالك فلا يغترن بالدنيا.

جرد ورثته مما أعطاهم لينتفعوا به في حياته كما كان يعطي عامة المسلمين، أمرهم بالإسراع بردها إلىٰ الخليفة من بعده لتستقي البشرية من ذلك الموقف درسًا لا يؤديه إلا الأنبياء أو إخوانهم وورثتهم!!

كانت الآخرة كل همه >:

قال معاوية بن أبي سفيان >: «إن الدنيا لم ترد أبا بكر > ولم يردها».. لم يقتصر زهده > علىٰ مطايب العيش والتواضع، وإنما في كل شيء يربطه بالدنيا بما في ذلك الخلافة، ولولا أنه يعلم بأنه يخدم الدين والمؤمنين في قبوله للخلافة لما قبلها، وكان يخاطب الناس بقوله: «لا حاجة لي في بيعتكم» لم تكن له رغبة في أمر الخلافة ولولا اجتماع الصحابة عليه ورغبته في خدمة أمة محمد ﷺ والعمل علىٰ نصرة الدين لما قبل الخلافة.

كان يخطب الناس فيقول: «ثم تفكروا عباد الله في إخوانكم وصحابتكم الذين مضوا، قد وردوا علي ما قدموا فأقاموا عليه، وحلوا في الشقاء والسعادة فيما بعد الموت، إن الله ليس له شريك، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرًا، ولا يصرف عنه سوءًا، إلا بطاعته واتباع أمره، فإنه لا خير في خير بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة».

كان همه > أن يذهب إلىٰ ربه نقيًّا، وأن تسير الأمة علىٰ منهجه... كان همه > أن لا يغتر المسلمون بزخارف الدنيا، وأن لا ينسوا الدار الآخرة، وأن يذكروا ما كان يذكرهم به عن حال السابقين الذاهبين من الأمم!!

كان يذكر الأمة بقوله: «اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا فيمن كان قبلكم أين كانوا أمس، وأين هم اليوم؟ أين الجبارون، وأين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدهر، وصاروا رميمًا قد تركت عليهم القالات... أين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد بعدوا ونسي ذكرهم... مضوا وبقينا خلفًا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن اغتررنا كنا مثلهم!! أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان وجعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور... هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا؟ أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم صاروا ترابًا وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ لقد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور... النجاء... النجاء»( ).

جاء في وصيته إلىٰ عمر: «اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتىٰ تؤدي فريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدًا أن يكون ثقيلًا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل»( ).

كان أبو بكر > شديد الحذر من فجأة الموت، فوطن نفسه علىٰ الاستعداد للرحيل، ولهذا كان شديد المحاسبة لنفسه... كان حريصًا أن يمضي إلىٰ ربه خاليًا من أي تبعة... كان > مناد صدق، وموص خبير بالعواقب، شفيق علىٰ أبناء أمته >.. جاءته > أم المؤمنين عائشة <، وهو يعالج ما يعالج الميت من سكرات الموت، ونفسه في صدره وتمثلت قول القائل: 

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتىٰ

إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فنظر > إليها كالغضبان ثم قال: ليس كذلك يا أم المؤمنين ولكن: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ﴾ [ق: 19].

أين هذا ممن يزعمون أن خليفة رسول الله سلب الأموال؟ متعامين عن كل النصوص التي تبين وحدة المنهج في الزهد والنظر إلىٰ الدنيا وزخارفها بين رسول الله ﷺ وخليفته الصديق >، وماذا ورث الصديق لأهله؟؟!! كان يقتات بما أذن له به المسلمون من أجر مقابل تفرغه لخدمة الأمة وإدارة شئونها وقيادتها، وأمر برد وسداد كل ما استفاد منه أيام خلافته حتىٰ توفي >، ولم يخلف في تركته درهمًا ولا دينارًا.

قضية فدك... في كتب القوم!!:

قضية فدك؟ التي طالما نفخ إليها المنفخون المنافقون أعداء أمة محمد ﷺ، وكبروها، وفخموها لمقاصدهم الخبيثة، ومطاعمهم السيئة، فسودوا صفحات وأوراقًا كثيرة، وكتبوا بخصوص ذلك كتبًا عديدة ملئها الطعن والشتائم علىٰ أصحاب الرسول وتكفيرهم وتفسيقهم واتهامهم بالردة والخروج من الإسلام والظلم والجور علىٰ أهل البيت.

القضية كلها كانت بأن رسول الله ﷺ لما توفي وبويع أبو بكر بخلافة رسول الله وإمارة المؤمنين أرسلت إليه بنت رسول الله فاطمة تسأله ميراثها من رسول الله عليه الصلاة والسلام مما أفاء الله علىٰ نبيه من فدك و«فدك» قرية بخيبر، وقيل: بناحية الحجاز، فيها عين ونخل، أفاء الله علىٰ نبيه ﷺ( ) فأجابها أبو بكر أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث، ما تركنا فهو صدقة»، إنما يأكل آل محمد من هذا المال يعني: مال الله … وإني والله لا أغيّر شيئًا من صدقات النبي ﷺ التي كانت عليها في عهد النبي ﷺ، ولأعملن فيها بما عمل فيها رسول الله ﷺ، وقال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلىٰ أن أصل من قرابتي.

ولما ذكر هذا الصديق لفاطمة < تراجعت عن ذلك ولم تتكلم فيها بعد حتىٰ ماتت، بل وفي بعض الروايات الشيعية أنها رضيت علىٰ ذلك كما يرويه ابن الميثم [هو كمال الدين ميثم بن علي ميثم البحراني] من مواليد القرن السابع من الهجرة «العالم الرباني، والفيلسوف، الحبر المحقق، والحكيم المتأله المدقق، جامع المعقول والمنقول، أستاذ الفضلاء الفحول، صاحب الشروح علىٰ نهج البلاغة، يروي عن المحقق الطوسي... قيل: إن الخواجة نصير الدين الطوسي تتلمذ علىٰ كمال الدين ميثم في الفقه، وتتلمذ علىٰ الخواجة في الحكمة، توفي سنة 679، وقبر في هلتا من قرىٰ مأحوذ»( )، وهو الذي قال: 

طلبت فنون العلم أبغي بها العلىٰ

فقصر بي عما سموت به القل

تبين لي أن المحاسن كلها

فرع وأن المال فيها هو الأصل

«وله من المصنفات البديعة ما لم يسمع بها الزمان، ولم يظفر بها أحد من الأعيان»( ) الشيعي في «نهج البلاغة».

«إن أبا بكر قال لها: إن لك ما لأبيك، كان رسول الله ﷺ يأخذ من فدك قوتكم، ويقسم الباقي ويحمل منه في سبيل الله، ولك علىٰ الله أن أصنع بها كما كان يصنع، فرضيت بذلك وأخذت العهد عليه به»( ).

ومثل ذلك ذكر الدنبلي في شرحه( ).

ولكن الشيعة لم يعجبهم بأن ترضىٰ فاطمة بهذا القضاء بتلك السهولة، حيث أن أهل المعاملة والقضية لم يتكلموا، لا بقليل ولا بكثير كما نحن ذكرناه من الشيعة أنفسهم، بل وأكثر من ذلك نقل أئمة القوم أنفسهم بأن أبا بكر لم يكتف علىٰ الكلام فقط بل أعقبه بالعمل كما يروي ابن الميثم والدنبلي وابن أبي الحديد.

«إن أبا بكر كان يأخذ غلتها (أي: فدك) فيدفع إليهم (أهل البيت) منها ما يكفيهم، ويقسم الباقي، فكان عمر كذلك، ثم كان عثمان كذلك، ثم كان علي كذلك»( ).

في كتابهم «الكافي» الذي يعدونه من أصح الكتب ويقولون فيه: إنه كاف للشيعة، يروي الكليني في هذا الكافي عن حماد بن عيسىٰ عن القداح عن أبي عبيد الله عليه السلام قال: 

قال رسول الله ﷺ: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا إلىٰ الجنة … وفضل العالم علىٰ العابد كفضل القمر علىٰ سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر»( ).

ورواية أخرىٰ أن جعفر أبا عبد الله قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم»( ).

وهناك روايتان غير هذه الرواية رواهما صدوق القوم تؤيد هذه الرواية وتؤكدها وهي: 

الأولىٰ: «عن إبراهيم بن علي الرافعي، عن أبيه، عن جدته بنت أبي رافع قالت: أتت فاطمة بنت رسول الله ﷺ بابنيها الحسن والحسين عليهما السلام إلىٰ رسول الله ﷺ في شكواه الذي توفي فيه، فقالت: يا رسول الله هذان ابناك فورّثهما شيئًا قال: أما الحسن فإن له هيبتي وسؤددي وأما الحسين فإن له جرأتي وجودي»( ).

والرواية الثانية: «قالت فاطمة عليها السلام: يا رسول الله! هذان ابناك فانحلهما، فقال رسول الله ﷺ: أما الحسن فنحلته هيبتي وسؤددي وأما الحسين فنحلته سخائي وشجاعتي»( ). وهناك شيء آخر وهو إن كانت أرض فدك ميراث رسول الله ﷺ فلم تكن السيدة فاطمة < وريثة وحيدة لها، بل كانت ابنتا الصديق والفاروق وارثتين أيضًا فحرم الصديق والفاروق ابنتيهما كما حرما فاطمة، ثم وعباس عم النبي كان حيًّا وهو من ورثته بلا شك.

إن المعترضين من الشيعة لا يعرفون بأن في مذهبهم لا ترث المرأة من العقار والأرض شيئًا، فلقد بوّب بابًا مستقلة في هذا الخصوص، فانظر إلىٰ الكليني، فإنه بوّب بابًا مستقلًا بعنوان «إن النساء لا يرثن من العقار شيئًا» ثم روىٰ تحته روايات عديدة.

«عن أبي جعفر - الإمام الرابع المعصوم عند القوم - قال: النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئًا»( ).

وروىٰ الصدوق ابن بابويه القمي في صحيحه «من لا يحضره الفقيه» عن أبي عبد الله جعفر - الإمام الخامس عندهم - قال: سألته (أي: جعفر) عن النساء ما لهن من الميراث؟ فقال: فأما الأرض والعقارات فلا ميراث لهن فيه»( ).

ومثل هذه فإنها لكثيرة، وقد ذكروا علىٰ عدم الميراث في العقارات والأراضي اتفاق علمائهم [انظر لذلك كتب القوم في الفقه]. فما دامت المرأة لا ترث العقار والأرض فكيف كان لفاطمة أن تسأله فدك - حسب قولهم - وهي عقار لا ريب فيها، لا يختلف فيها اثنان، ولا يتناطح فيها كبشان. وأما إغضاب الصديق فاطمة والقول بأنها رجعت ولم تكلمه حتىٰ ماتت. نعم! إنها رجعت عن القول بوراثة فدك، ولم تكلمه في هذا الموضوع حتىٰ آخر حياتها. وأما غصب حقوقها فها هو المجلسي وهو علىٰ تعنّفه وتعنّته يضطر إلىٰ أن يقول: 

إن أبا بكر لما رأىٰ غضب فاطمة قال لها: أنا لا أنكر فضلك وقرابتك من رسول الله عليه السلام، ولم أمنعك من فدك إلا امتثالًا بأمر رسول الله، وأشهد الله علىٰ أني سمعت رسول الله يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وما تركنا إلا الكتاب والحكمة والعلم، وقد فعلت هذا باتفاق المسلمين ولست بمتفرد في هذا، وأما المال فإن تريدينها فخذي من مالي ما شئت لأنك سيدة أبيك وشجرة طيبة لأبنائك، ولا يستطيع أحد أن ينكر فضلك»( ).

يذكرالسيد مرتضى الملقب بعلم الهدى إمام الشيعة: 

«إن الأمر لما وصل إلىٰ علي بن أبي طالب كلّم في رد فدك، فقال: إني لأستحيي من الله أن أرد شيئًا منع منه أبو بكر وأمضاه عمر»( ).

ولأجل ذلك لما سئل أبو جعفر محمد الباقر عن ذلك وقد سأله كثير النوال «جعلني الله فداك أرأيت أبا بكر وعمر هل ظلماكم من حقكم شيئًا أو قال: ذهبا من حقكم بشيء؟ فقال: لا والذي أنزل القرآن علىٰ عبده ليكون للعالمين نذيرًا ما ظلمانا من حقنا مثقال حبة من خردل، قلت: جعلت فداك أفأتولاهما؟

قال: نعم ويحك تولهما في الدنيا والآخرة، وما أصابك ففي عنقي»( ).

وأخو الباقر زيد بن علي بن الحسين قال أيضًا في فدك مثل ما قاله جده الأول علي بن أبي طالب وأخوه محمد الباقر لما سأله البحتري بن حسان وهو يقول: قلت لزيد بن علي عليه السلام وأنا أريد أن أهجن أمر أبي بكر: إن أبا بكر انتزع فدك من فاطمة عليها السلام، فقال: إن أبا بكر كان رجلًا رحيمًا، وكان يكره أن يغير شيئًا فعله رسول الله ﷺ فأتته فاطمة فقالت: إن رسول الله ﷺ أعطاني فدك، فقال لها: هل لك علىٰ هذا بينة، فجاءت بعلي عليه السلام فشهد لها، ثم جاءت أم أيمن فقالت: ألستما تشهدان أني من أهل الجنة قالا: بلىٰ، قال أبو زيد: يعني أنها قالت لأبي بكر وعمر، قالت: فأنا أشهد أن رسول الله ﷺ أعطاها فدك فقال أبو بكر: فرجل آخر أو امرأة أخرىٰ لتستحقي بها القضية، ثم قال زيد: أيم الله! لو رجع الأمر إليَّ لقضيت فيه بقضاء أبي بكر»( ).

كان > يخشى على أمته من الدنيا: 

كان > يخشىٰ علىٰ أصحاب رسول الله ﷺ من الدنيا فيوصيهم بعدم الالتفات إليها، ويذكرهم بما ينتظرهم من النعيم إن هم صبروا علىٰ ما كانوا عليه أيام رسول الله ﷺ.

قال الحسن: دخل سلمان علىٰ أبي بكر > وهو يجود بنفسه فقال: يا خليفة رسول الله، أوصني، فقال له أبو بكر: إن الله Q فاتح عليكم الدنيا فلا تأخذوا منها إلا بلاغكم، وإن من صلىٰ صلاة الصبح فهو في ذمة الله Q، فلا تخفرن الله Q في ذمته، فيكبك في النار علىٰ وجهك.

كان > ينزل الدنيا المكان الذي كان ينزلها به رسول الله ﷺ، وكان معتقدًا إدبارها، وأن العقل والحكمة إنما يكون في عدم الانغماس بمفاتنها لسرعة زوالها.

أين هذا ممن يزعمون أن صحابة رسول الله ﷺ، كانوا طلاب دنيا، وأن فاطمة < قد غضبت وقاطعت خليفة رسول الله ﷺ من أجل أرض فدك - أفاءها الله علىٰ رسوله صلحًا بعد فتح خيبر - إسهامًا منهم في تمزيق الأمة، وكيف تغضب فاطمة وهي التي بشرها رسول الله ﷺ أنها ستكون أول أهله لحوقًا به، وأنها مدعوة إلىٰ جنة عرضها السموات والأرض، فهل من هذا حاله يأسف علىٰ الدنيا بأسرها، أو علىٰ قطعة أرض يحيط بأطرافها السبخ والملوحة!! لم تشغل فاطمة < بأي أمر غير الترقب لتلك الساعة التي تودع بها الدنيا التي هجرتها بما فيها، لتلحق بركب النبي ﷺ، بناء علىٰ ما عندها من علم بذلك.

لقد كان > أولىٰ بعلم رسول الله ﷺ في المواريث وغيرها، وأولىٰ باتباع العدل لملازمته وطول صحبته لرسول الله ﷺ!!

أرسلت فاطمة < إلىٰ خليفة رسول الله ﷺ، تطلب إرثها من أبيها ﷺ، فرد عليها > أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «نحن الأنبياء لا نورث فما تركناه صدقة» فما كان جوابها < إلا أن قالت: «أنت وما سمعت من رسول الله» وتركت فاطمة < المطالبة بعد احتجاجه بالحديث، وبيانه لها وفيه دليل علىٰ قبولها الحق، وإذعانها لقوله ﷺ.

ما فعله الصديق > ما كان إلا اتباعًا لرسول الله ﷺ، وكان يقول >: «لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل إلا عملت به»( ).

وقال >: «والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيه إلا صنعته»( ).

وعن ابن عباس ب: قال: «مات رسول الله ﷺ وما ترك دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا وليدة، وترك درعه عند يهودي علىٰ ثلاثين صاعًا من شعير»( ).

لقد توفي رسول الله ﷺ ولم يورث درهمًا ولا دينارًا ولا أمة ولا عبدًا ولا شاة ولا بعيرا!! ولم يورث صاحبه الصديق > أيضًا، وذهبا إلىٰ ربهما نقيين من كل حطام الدنيا!!

وعن ذر بن حبيش قال: سألت الطاهرة أم المؤمنين عائشة < عن ميراث رسول الله ﷺ قالت: «أعن ميراث رسول الله ﷺ تسأل؟ ما ترك رسول الله ﷺ صفراء ولا بيضاء، ولا شاة ولا بعيرًا، ولا عبدًا ولا أمة، ولا ذهبًا ولا فضة».

ولما سمعت السيدة فاطمة < ما قاله الصديق > أمسكت عن الكلام في المسألة، وما كان يسعها غير ذلك لورود النص الصحيح عن رسول الله ﷺ، ولم يثبت أنهما ب قد التقيا فلم تسلم عليه كما يزعم دعاة الفتنة!!

قال القاضي عياض: وكان في ترك السيدة فاطمة < ذلك: التسليم للإجماع، وأنها لما بلغها الحديث وبين له التأويل، تركت رأيها ثم لم يكن منها ولا من ذريتها بعد ذلك من طلب ميراث، ثم ولي علي > الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر ب.

أما قول النبي ﷺ في حق السيدة فاطمة <: «فمن أغضبها فقد أغضبني» لو كان وعيدًا مطلقًا لكان لازمًا لعلي >، إذ أن مناسبة هذا الحديث هو خطبة علي > لابنة أبي جهل، وشكوىٰ فاطمة < له إلىٰ النبي ﷺ علىٰ ما روىٰ الشيخان: «إن عليًّا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك السيدة فاطمة >، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله ﷺ فسمعته حين تشهد يقول: «أما بعد أنكحت أبا العاص بن الربيع - الأموي - فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد».

فترك علي > الخطبة( ).

ما زعمه البعض بأنه قد جرىٰ خلاف بين الصديق وفاطمة ب، لا يعدو أن يكون اختلافًا في مسألة فقهية، ظهر لفاطمة < فيها الحق فرجعت له وعرف الصديق فضلها، فعادها في مرضها وأزال ما في نفسها، وماتت راضية عنه >. وأما ما ذكره من الرواة في كون فاطمة < غضبت وهجرت الصديق حتىٰ ماتت، فبعيد جدًّا لعدة أدلة منها: 

ما رواه البيهقي من طريق الشعبي: أن أبا بكر عاد فاطمة، فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت: أتحب أن آذن له قال: نعم فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتىٰ رضيت، وبهذا يزول الإشكال الوارد في تمادي فاطمة < لهجر أبي بكر الصديق >، كيف وهو القائل: والله لقرابة رسول الله ﷺ، أحب إليَّ أن أصل من قرابتي (البخاري)، وما فعل > إلا امتثالًا واتباعًا لأمر رسول الله ﷺ( ).

لقد انشغلت فاطمة < عن كل شيء بحزنها لفقدها أكرم الخلق، وهي مصيبة تزري بكل المصائب، كما أنها انشغلت بمرضها الذي ألزمها الفراش عن أي مشاركة في أي شأن من الشؤون، فضلًا عن لقاء خليفة المسلمين المشغول - لكل لحظة من لحظاته - بشؤون الأمة، وحروب الردة وغيرها، كما أنها كانت تعلم بقرب لحوقها بأبيها، فقد أخبرها رسول الله ﷺ بأنها أول من يلحق به من أهله - ومن كان في مثل علمها لا يخطر بباله أمور الدنيا، وما أحسن قول المهلب الذي نقله العيني: ولم يرو أحد، أنهما التقيا وامتنعا عن التسليم، وإنما لازمت بيتها، فعبر الراوي عن ذلك بالهجران.

هذا ومن الثابت تاريخيًا أن أبا بكر دام أيام خلافته يعطي أهل البيت حقهم في فيء رسول الله ﷺ في المدينة، ومن أموال فدك وخمس خيبر، إلا أنه لم ينفذ فيها أحكام الميراث، عملًا بما سمعه من رسول الله ﷺ، وقد روىٰ عن محمد بن علي بن الحسين المشهور بمحمد الباقر، وعن زيد بن علي أنهما قالا: إنه لم يكن من أبي بكر - فيما يختص بآبائهم - شيء من الجور أو الشطط، أو ما يشكونه من الحيف أو الظلم( ).

علي > يقدم أبي بكر للصلاة على فاطمة <:

لما توفيت فاطمة < بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر علىٰ الأشهر، وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقًا به، وقال لها مع ذلك: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة»، وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدىٰ عشرة.

عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين، قال: ماتت فاطمة بين المغرب والعشاء، فحضرها أبو بكر، وعمر، وعثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، فلما وُضِعت ليُصلي عليها، قال علي: تقدم يا أبا بكر، قال أبو بكر: وأنت شاهد يا أبا الحسن؟ قال: نعم تقدم، فوالله لا يصلي عليها غيرك؛ فصلىٰ عليها أبو بكر ودفنت ليلًا، وجاء في رواية: صلىٰ أبو بكر الصديق علىٰ فاطمة بنت رسول الله ﷺ فكبر عليها أربعًا..، وفي رواية مسلم صلىٰ عليها علي بن أبي طالب.

هذا وقد كانت صلة أبي بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ بأعضاء أهل البيت، صلة ودية تقديرية تليق به وبهم، وقد كانت هذه المودة والثقة متبادلتين بين أبي بكر وعلي، فقد سمَّىٰ علي أحد أولاده بأبي بكر، وقد احتضن علي ابن أبي بكر محمدًا بعد وفاة الصديق، وكفله بالرعاية، ورشحه للولاية في خلافته حتىٰ حسب عليه، وانطلقت الألسنة بانتقاده من أجله( ).

هذه بعض القضايا الداخلية التي عالجها الصديق > والتزم فيها بمتابعة الرسول ﷺ بكل دقة وحرص > وعن جميع الصحابة الكرام الطيبين الأبرار.

علي وأبو بكر وعمر ش منهجهم واحد!!:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كون النبي ﷺ لا يورث ثابت بالسُّنة المقطوع بها وبإجماع الصحابة، وكل منهما دليل قطعي، والقطعي لا يعارضه الظني من الأدلة... وقال القاضي عياض: .. ولي علي > الخلافة فلم يعدل بها عما فعله أبو بكر وعمر ب مما يشهد بأن أصحاب النبي ﷺ منهجهم واحد وفهمهم واحد... ولي علي > الأمر، ولم يغير من أحكام من قبله من الخلفاء ش!!

ورد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ش، حين سئل عن هذه المسألة فقال: «أما لو كنت مكان أبي بكر > لحكمت بما حكم به أبو بكر > في فدك»( ).

علي أكثرهم محبة وعرفانًا وثناءً لأبي بكر س:

توفي الصديق > علىٰ رأس سنتين وثلاثة أشهر ونحو عشرة أيام من متوفىٰ رسول الله ﷺ، وحمل علىٰ السرير الذي حمل عليه رسول الله ﷺ، وصلىٰ عليه الفاروق عمر في مسجد رسول الله ﷺ بين القبر والمنبر، وكان قد أوصىٰ بأن يدفن إلىٰ جنب رسول الله ﷺ، فألصق اللحد باللحد، وبفقده > فقد الصحابة إلف رسول الله ﷺ، وصاحبه ومعلمهم، وشيخهم وسندهم بعد الله تعالىٰ، الذي أقام أمرهم يوم وفاة النبي ﷺ، فأنفذ جيش أسامة وحارب المرتدين، ورد كيدهم، وأطفأ نارهم حتىٰ فاءت الأمة إليه معلنة انقيادها له وتسليمها له.

ارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض الرسول ﷺ... دخل عليه عمر وهو مسجىٰ فقبل رأسه وهو يقول: أنا فداؤك ولولا أنت لهلكنا.

علي في رثائه للصديق:

وجاء علي > مسرعًا يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة... وقف علىٰ باب البيت الذي فيه أبو بكر وقال: 

«رحمك الله يا أبا بكر كنت إلف رسول الله ﷺ وأنيسه ومستراحه، وثقته وموضع سره ومشاورته، كنت أول القوم إسلامًا وأخلصهم يقينًا وأشدهم لله تقوىٰ وأخوفهم لله وأعظمهم غناء في دين الله ، وأحوطهم علىٰ رسول الله ﷺ وأحدبهم علىٰ الإسلام وأحسنهم صحبة وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة وأشبههم برسول الله هديًا وسمتًا، وأشرفهم منزلة وأرفعهم عنده وأكرمهم عليه فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء... صدقت رسول الله حين كذبه الناس، سماك الله في تنزيله صديقًا، فقال: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾ [الزمر: 33].. واسيته حين بخلوا وقمت معه علىٰ المكاره حين قعدوا وصحبته في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين صاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله... نهضت حين وهن أصحابه وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله ﷺ إذ وهنوا، كنت كما قال رسول الله ﷺ ضعيفًا في بدنك، قويًّا في أمر الله متواضعًا في نفسك عظيمًا عند الله تعالىٰ، جليلًا في أعين الناس كبيرًا في أنفسهم... الضعيف عندك قوي عزيز حتىٰ تأخذ بحقه، القريب والبعيد عندك سواء، وأقرب الناس عندك أطوعهم لله  وأتقاهم... شأنك الحق والصدق والرفق... اعتدل بك الدين، وقوي بك الإيمان، وظهر أمر الله، فسبقت والله سبقًا بعيدًا، وأتعبت من بعدك إتعابًا شديدًا، وفزت بالخير فوزًا مبينًا... إنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه وسلمنا له أمره، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدًا، كنت للدين عزًّا وحرزًا وكهفًا فألحقك الله  بنبيك محمد ﷺ، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك... فإنا لله وإنا إليه راجعون».

وسكت الناس حتىٰ انقضىٰ كلامه، ثم بكوا حتىٰ علت أصواتهم، فقالوا: صدقت يا ختن رسول الله ﷺ( ).

كان علي > من أكثر الصحابة معرفة بخليفة رسول الله، ومن أكثرهم محبة له وإجلالًا، تعرض لإنجازاته العظيمة، ووصف حاله وثباته وإيمانه ويقينه، وشجاعته ورحمته للمؤمنين وشدته علىٰ الكافرين.



الفصل الثالث

مواقف تفرد فيها الصديق >

استحضرت مواقف أبي بكر الصديق >، من رسول الله ﷺ - والتي تواضعت إلىٰ جانب عظمة الرسول وجلاله - وجدت أنها قد برزت بكل بهائها وجلالها حين قرنت صاحبها إلىٰ سائر صحابة رسول الله ﷺ... أين مواقفهم علىٰ جلالها وعظمتها من موقفه أول الرسالة، وحين كانت تنال قريش من رسول الله ﷺ بالإساءة والأذىٰ، وحين كان حديث الإسراء وأول الهجرة، وفي مكافحة دسائس اليهود بيثرب؟! وجدت أن رواية الحوادث واستقرائها في عهد أبي بكر الصديق تشهد له بحسن الرأي وبعد النظر... عهد له ذاتيته الخاصة، يتميز عن كل عهد عرفه الناس في تاريخ الحكم... في فترة قصيرة لم تتعد سبعة وعشرين شهرًا واجه أبو بكر صعابًا استفتحت عهده، استطاع أن يثبت لها ويتغلب عليها... وأن يمهد للفتوحات العظيمة في عهده... لا ريب كان لصفاته الذاتية أثر كبير في ذلك.

صادفت خليفة رسول الله ﷺ صعابًا، بلغت من الشدة أن أثارت مخاوف المسلمين جميعًا في أول عهده؛ لأن الوحدة العربية التي تمت في عهد الرسول ﷺ لم تلبث أن اضطربت حين وفاته، بل وقبل وفاته.

تنبأ مسيلمة بن حبيب باليمامة، وبعث رسله إلىٰ النبي ﷺ بالمدينة يقولون له إن مسيلمة نبي مثله «وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشًا قوم لا يعدلون»..

وتنبأ الأسود العنسي باليمن، وادعىٰ السحر، وجعل يدعو الناس إليه خفية، حتىٰ إذا عظم أمره سار من الجنوب وطرد عمال محمد ﷺ، وتقدم إلىٰ نجران ونشر في تلك الأصقاع سلطانه، وبعث النبي ﷺ إلىٰ عماله باليمن كي يحيطوا بالأسود أو يقتلوه، هذا إلا أن العرب الذين آمنوا بالتوحيد ونبذوا عبادة الأوثان لم يدر بخاطر أحدهم أن تعقب وحدتهم الدينية وحدة سياسية، بل إن كثيرًا منهم راجعهم الحنين إلىٰ عقائدهم الأولىٰ، فلم يلبثوا حين علموا بوفاة رسول الله أن ارتدوا عن دين الله، وأن أعلن أكثر القبائل عدم الإذعان لسلطان المدينة، وعدوا الزكاة إتاوة مفروضة فامتنعوا من أدائها... !!

واستطارت هذه الثورة عقب وفاة الرسول ﷺ، في بلاد العرب جميعًا بسرعة كما تستطير النار علىٰ الهشيم!!

الصديق يوجه تاريخ العالم... ماذا لو لم يصر على قتال الرافضة؟!:

وأصر أبو بكر > علىٰ قتال من منعوا الزكاة، كما أصر علىٰ قتال من ارتدوا فكانت حروب الردة التي استطالت عامًا وبعض عام!!..

دخل في حروب شارك فيها الألوف من الجانبين وقتل فيها الألوف من هؤلاء وأولئك، ثم كان لها في تاريخ الإسلام أثر حاسم... ولو أن أبا بكر نزل علىٰ رأي من لم يريدوا هذه الحروب من سائر الصحابة ش لساد الاضطراب بلاد العرب، ولما قامت دولة الإسلام العظيمة... ولو أن جيوش أبي بكر لم تنتصر في هذه الحروب لكانت العاقبة أدهىٰ وأمر، ولتغير في الحالين مجرىٰ التاريخ في العالم كله، لذلك لا يكون غاليًا من يقول إن أبا بكر >، بموقفه من ردة العرب وبانتصاره فيها، قد وجه تاريخ العالم، وكان يد الله في بعث الحضارة الإنسانية خلقًا جديدًا.

لولا انتصار أبي بكر في حروب الردة لما بدأت الفتوحات في العراق والشام وفارس ومصر، ولما سارت الجيوش المسلمة المظفرة لفتح الامبراطوريتين الفارسية والرومية لتقام علىٰ أنقاضها دولة الإسلام والمسلمين، ولتحل الحضارة الإسلامية محل حضارتيهما، ولولا حروب الردة، واستشهاد من استشهد من الصحابة لإحراز النصر فيها، لخيف ألا يسارع عمر فيشير علىٰ أبي بكر بجمع القرآن الكريم، وهذا الجمع هو الذي أدىٰ إلىٰ توحيد القراءة بلغة مضر في عهد عثمان، فظل كتاب الله الكريم أساسًا ثابتًا لكلمة الحق، ودعامة متينة للحضارة الإسلامية.

انشغاله > بهموم أمته وهو على فراش الموت:

كان > وهو علىٰ فراش الموت يقلب عقله في أمر أمته، إلىٰ من يعهد من بعده... الرجل الذي عصم الله بولايته الأمة، لا زال يعمل بفكره لعصمتها بعد موته، لقد دعا أهل الحل والعقد، يشاورهم في عمر >.. دعا عبد الرحمن بن عوف فقال له: «أخبرني عن عمر» فقال: ما تسألني عن أمر إلا وأنت به أعلم مني، قال: «وإن» فقال: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان فسأله عن عمر، فقال: علمي فيه أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال: «يرحمك الله والله لو تركته ما عدوتك»، وشاور غيرهما، وقال قائل: ما تقول لربك عن استخلافك عمر وقد ترىٰ غلظته؟ فقال: «أجلسوني، أبالله تخوفوني! أقول: استخلفت عليهم خير أهلك».

شهادة له من غير المسلمين:

يقول صاحب كتاب «مختصر العرب» A short History of the Arabs د. فيليب حتي D. Fhilip Hitti: عاش أبو بكر > قاهر المرتدين وموحد الجزيرة العربية تحت راية الإسلام حياة بسيطة ملؤها الوقار، وفي الأشهر الأولىٰ من خلافته القصيرة كان يغدو كل يوم من السنح حيث قطن وزوجه حبيبة في بيت متواضع، ولم يكن يتقاضىٰ راتبًا؛ لأنه لم يكن للدولة إذ ذاك دخل يستحق الذكر، وكان يدير شؤون الدولة من صحن المسجد النبوي.

الإيمان قوة روحية لا يغلبها غالب!!

كان أبو بكر > صفي النبي ﷺ وخليله، أكثر أصحابه اتصالًا به، لذلك كان أكثرهم تتبعًا لتعاليمه وامتثالًا إياها، وهو بعد رجل رقيق الخلق، رضي النفس، سمح أسيف سريع التأثر، مشارك البائس في بؤسه، والضعيف في ضعفه... تنطوي نفسه علىٰ قوة هائلة لا تعرف التردد ولا الإحجام، وعلىٰ قدرة ممتازة في بناء الرجال، وفي إبراز ملكاتهم ومواهبهم... هذه العظمة التي تجلت في الصديق ما كانت تبلغ ما بلغته لولا صحبته الرسول ﷺ عشرين عامًا كاملة، لهذا يجمع المؤرخون علىٰ أن عظمة الصديق في خلافته تتصل بعظمته في صحبة النبي ﷺ أوثق اتصال، فهو قد أشرب أثناء هذه الصحبة روح الدين الذي جاء به محمد ﷺ، وأدرك مقاصده وأغراضه كاملة إدراك إلهام لا يتطرق إليه الخطأ ولا الريب. ومما أشربه وأدركه بإلهامه أن الإيمان قوة لا يغلبها غالب ما تنزه المؤمن عن كل غرض إلا ابتغاء الحق لوجه الحق وحده، هذه الأسوة الروحية التمسها أبو بكر في رسول الله ﷺ... تلك التي جعلت للمسلمين الغلب علىٰ المرتدين من سائر العرب... دفعت إلىٰ نفوس المسلمين حمية سمت بهم إلىٰ الإيمان بأنهم لا غالب لهم من دون الله، وحببت إليهم الاستشهاد في سبيل الحق، وجعلتهم يرون هذا الاستشهاد نصرًا دونه كل نصر!! لولا هذا الإيمان ما استطاع المسلمون - علىٰ قلتهم - أن يتموا في عهد الخليفة الصديق ما تم من جلائل الأعمال.

هذه حقيقة روحية أدركها كثيرون في عصور شتىٰ، لكنهم أدركوها بعقولهم... أما أبو بكر فقد أدركها بقلبه ورآها بعينه ماثلة في رسول الله ﷺ وفي عمله... هذا الإيمان الصادق بالحق هو الذي دفعه ليخالف أصحابه في أمر المرتدين، ويصر علىٰ قتالهم وإن خرج إليهم وحده!! وما له لا يفعل وقد رأىٰ النبي ﷺ يقف وحيدًا يدعو إلىٰ الله بمكة فيخالفه أهل مكة جميعًا، ثم يغرونه بالمال والملك وعظمة الجاه، ثم يحاربونه يبتغون بذلك أن يصدوه عن الحق الذي يدعو إليه، فلا يفتر أن يقول: 

«والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري علىٰ أن أترك هذا الأمر حتىٰ يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته!» وما له لا يفعل وقد رأىٰ النبي ﷺ في أعقاب أحد، وبعد أن انتصرت قريش علىٰ جيوش المسلمين فيها، يرتد لغده فيمن بقي من المسلمين ممن شهد أحدًا ويتعقب قريشًا، وينزل حمراء الأسد ويقيم بها ثلاثة أيام، يوقد النار طول ليله، حتىٰ تزعزعت همة قريش وانصرفت إلىٰ مكة، وقد استرد المسلمون من مكانتهم ما زعزعته أحد! وما له لا يفعل وقد رأىٰ النبي ﷺ يقف صبح حنين في عدد قليل من أصحابه ينادي في جيش المسلمين إذ يولون الأدبار: «أين أيها الناس، أين؟!» الألوف المؤلفة تفر بعد أن تولاها الفزع. فلما عرف الناس موقف النبي ﷺ وسمعوا نداء العباس، تصايحوا من كل جانب: لبيك لبيك وارتدوا إلىٰ المعركة مستبسلين!!

منجزاته من معجزات التاريخ:

أبهرت إنجازات أبي بكر وانتصاراته في فترة حكمه التي لم تتجاوز العامين إلا قليلًا العالم، إذ قضىٰ أبو بكر > علىٰ ردة العرب وعلىٰ الثورة التي اندلعت إثر وفاة النبي ﷺ بسبب هذه الردة فأشعلت الجزيرة نارًا... ثم إنه فتح العراق وأوشكت جيوشه أن تدخل المدائن عاصمة فارس، وتقدم في فتح الشام ووصل إلىٰ دمشق... وبينما تبهر انتصاراته أنظار العالم، إذا أبو بكر يقيم الحكم علىٰ أساس الشورىٰ، والعدل والإنصاف وإذا هو يجمع كتاب الله، ويقر له الجميع بأنه أعظم المسلمين أجرًا في جمعه بين اللوحين.

هذه الأعمال والإنجازات العظيمة أقرت الدين الحنيف في منزل الوحي، ومهدت لقيام الدولة الإسلامية، ولانتشار هذا الدين... في سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، تطمئن أمم ثائرة وتصبح أمة موحدة قوية مرهوبة الكلمة عزيزة الجانب، حتىٰ لتغزو الإمبراطوريتين العظيمتين اللتين كانتا تحكمان العالم وتوجهان حضارته... لتنهض بعبء الحضارة في العالم قرونًا بعد ذلك.

منجزات لم يسجل التاريخ مثلها لرجل كان قد تخطىٰ الستين يوم بويع بالخلافة!! ولكن ذلك ليس بكثير علىٰ رجل قد أوتي من توفيق الله وعونه ما لا يؤتاه إلا الصديقون.

كم يدين الإسلام والمسلمين لأبي بكر >؟!

جمعه > القرآن الكريم:

الثابت والمقطوع به أن أبا بكر >، هو الذي أمر بجمع القرآن الكريم، كما أنه اهتم بحفظه، وفهمه، وفقهه، والعمل به، مما أكسبه براعة في تبليغ الدعوة، وروعة في الأسلوب، وعمقًا في الأفكار، وتسلسلًا عقليًّا في عرض الموضوع الذي يدعو إليه، ومراعاة لأحوال السامعين وقوة في البرهان والدليل.

القرآن الكريم وسيلة مؤثرة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى:

كان >، يتأثر بالقرآن الكريم، ويبكي عند تلاوته، وهذا يدل علىٰ رسوخ يقينه وقوة حضور قلبه مع الله Q ومع معاني الآيات التي يتلوها.

يقول الصلابي: 

البكاء مبعثه قوة التأثير، إما بحزن شديد، أو فرح غامر، والمؤمن الحق، يظل بين الفرح بهداية الله تعالىٰ إلىٰ الصراط المستقيم، والإشفاق من الانحراف قليلًا عن هذا الصراط، وإذا كان صاحب إحساس حي وفكر يقظ كأبي بكر فإن هذا القرآن يذكِّره، بالحياة الآخرة وما فيها من حساب وعقاب أو ثواب، فيظهر أثر ذلك في خشوع الجسم وانسكاب العبرات، وهذا المظهر يؤثر كثيرًا علىٰ من شاهده، ولذلك فزع المشركون من مظهر أبي بكر المؤثر وخَشُوا علىٰ نسائهم وأبنائهم أن يتأثروا به، فيدخلوا في الإسلام.

لقد تربىٰ الصديق علىٰ يدي رسول الله ﷺ، وحفظ كتاب الله تعالىٰ، وعمل به في حياته، وتأمل فيه كثيرًا، وكان لا يتحدث بغير علم، فعندما سئل عن آية لا يعرفها، أجاب بقوله: «أي أرض تسعني أو أي سماء تُظِلنُّي إذا قلت في كتاب الله ما لم يُرد الله»، ومن أقواله التي تدل علىٰ تدبره وتفكره في القرآن الكريم قوله: «إن الله ذكر أهل الجنة، فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها، فيقول الرجل: أين أنا من هؤلاء؟! يعني: حسنها، فيقول قائل: لست من هؤلاء، يعني: وهو منهم»، وكان يسأل رسول الله فيما استشكل عليه بأدب وتقدير واحترام، فلما نزل قوله تعالىٰ: ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [النساء: 123].. قال أبو بكر يا رسول الله، قد جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءًا؟ فقال: يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأوىٰ؟ فذلك مما تجزون به. وقد فسر الصديق بعض الآيات مثل قوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ﴾ [فصلت: 30].. قال فيها: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، فلم يلتفتوا بقلوبهم إلىٰ ما سواه لا بالحب ولا بالخوف، ولا بالرجاء ولا بالسؤال ولا بالتوكل عليه، بل لا يحبون إلا الله ولا يحبون معه أندادًا، ولا يحبون إلا إياه، لا لطلب منفعة، ولا لدفع مضرة، ولا يخافون غيره كائنًا من كان، ولا يسألون غيره ولا يتشرفون بقلوبهم إلىٰ غيره، وغير ذلك من الآيات.

إن الدعاة إلىٰ الله عليهم أن يكونوا في صحبة مستمرة للقرآن الكريم، يقرؤوه ويتدبروه ويستخرجوا كنوزه ومعارفه للناس، وأن يظهروا للناس ما في القرآن من إعجاز بياني وعلمي وتشريعي وما فيه من سبل إنقاذ الإنسانية المعذبة من مآسيها وحروبها، بأسلوب يناسب العصر، ويكافئ ما وصل إليه الناس من تقدم في وسائل الدعوة والدعاية، ولقد أدرك أبو بكر كيف تكون قراءة القرآن الكريم في المسجد علىٰ ملأ من قريش وسيلة مؤثرة من وسائل الدعوة إلىٰ الله.

لماذا جمع الصديق القرآن الكريم؟:

جاء في البخاري عن زيد بن ثابت أنه قال: 

«أرسل إلىٰ أبو بكر >، مقتل أهل اليمامة وعنده عمر بن الخطاب >، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشىٰ أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه. وإني لأرىٰ أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال: هو والله خير. فلم يزل يراجعني حتىٰ شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأىٰ عمر. قال زيد: وعنده عمر جالس لا يتكلم فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير. فلم أزل أراجعه حتىٰ شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر... فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتىٰ وجدت من سورة «التوبة» آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴾ [التوبة: 128-129].

فلما نسخت الصحف في المصاحف فقد آية من سورة «الأحزاب» كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [الأحزاب: 23] فألحقتها في سورتها. فكانت الصحف التي اجتمع فيها القرآن عند أبي بكر حتىٰ توفاه الله ثم عند عمر حتىٰ توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر».

شرح الله صدر أبي بكر الصديق >، لجمع القرآن الكريم، فعهد إلىٰ زيد بن ثابت أن يتتبعه فيجمعه... رأىٰ وصحابة رسول الله ﷺ الخير في أن يجمع القرآن الكريم حتىٰ لا يتعرض لزيادة أو نقصان، خاصة بعد أن قتل من القراء باليمامة من قتل، ويخشىٰ أن يقتل منهم آخرون في مواطن غير اليمامة... وكان أن جزع أهل المدينة لمن استشهد من المسلمين باليمامة واشتد حزنهم لمقتل كبار الصحابة وحفاظ القرآن وما كان لهم من مكانة وتقدير عند رسول الله ﷺ... كان عمر شديد الحزن علىٰ مقتل أخيه زيد بن الخطاب، وكان أن لقي ابنه عبد الله بعد أن أبلىٰ بلاء حسنًا في اليمامة، فقال له: ما جاء بك وقد هلك زيد! ألا واريت وجهك عني! فكان جواب عبد الله: «سأل الله الشهادة فأعطيها، وجهدت أن تساق إليَّ فلم أعطها» علىٰ أن جزع ابن الخطاب لمقتل أخيه زيد وأصحابه الذين استشهدوا باليمامة لم يثنه عن التفكير في أمر هو من أجل الأمور في حياة المسلمين... ذهب عمر إلىٰ أبي بكر وهو بمجلسه بالمسجد وقال له: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشىٰ أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب بكثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني أرىٰ أن تجمع القرآن».

اقتنع الصديق برأي عمر بعد حوار طويل دار بينهما، فدعا زيد بن ثابت لجمعه.

جمعه القرآن الكريم أعظم أعماله وأخلدها:

روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: «رحمة الله علىٰ أبي بكر! كان أعظم الناس أجرًا في جمع المصاحف، وهو أول من جمع بين اللوحين».

يقول د. محمد حسين هيكل ؟ في كتابه «الصديق أبو بكر» (صـ301): 

كذلك قال علي بن أبي طالب >، وذلك ما يقوله كل مسلم، ولقد طالما سألت نفسي: أي أعمال الصديق أعظم: قضاؤه علىٰ الردة والمرتدين في بلاد العرب، أم فتحه العراق والشام وتمهيده بذلك للدولة الإسلامية العظيمة التي حملت عبء الحضارة الإنسانية قرونًا متعاقبة، أم جمعه للقرآن كتاب الله إلىٰ رسوله محمد ﷺ، النبي الأمي رحمة للعالمين؟ طالما سألت نفسي وفكرت أتلمس الجواب... ولم أتردد قط في الإحابة... فجمع القرآن أعظم أعمال أبي بكر لا ريب، وأكثرها بركة علىٰ الإسلام والمسلمين والناس أجمعين.

لقد اضمحلت جزيرة العرب وتقلصت منها أسباب القوة والحياة بعد عهد بني أمية وتداعت الدولة الإسلامية العظيمة، وخضع المسلمون في أرجاء الأرض لغير المسلمين ولسلطان حكمهم، ولقد نسي الناس هذه الدولة العظيمة وكادوا ينسون بلاد العرب لولا مناسك الحج، لضمت شبه الجزيرة إلىٰ مجاهل الأرض فلا يصل إليها إلا المستكشفون!!

أما كتاب الله الكريم فإنه خالد باق علىٰ الدهر، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حكيم!!

سيظل الإسلام والمسلمين مدينين للصديق > بتوحيد كلمتهم، بوأده للردة وإلجامه للفتنة، وإقامته للحجة علىٰ المتقاعسين، وإرشاد الضالين وإعادتهم إلىٰ منهج النبي ﷺ، وجمعه للقرآن الكريم بعد أن قتل أكثر حفاظه المتقنين علىٰ أيدي المرتدين، وكذلك ما تم علىٰ يديه من تطهير بلاد العرب من الروم الصليبيين وأذنابهم المنافقين، كل ذلك وغيره أنجزه الصديق >، ولم يزد حكمه علىٰ عامين ونحو ثلاثة أشهر، فحقق في تلك الفترة القصيرة، انتصارات كالمعجزات، يصعب إنجازاها في أعوام طوال علىٰ أيدي أعظم الجيوش.

ستظل أمة العرب المسلمين مدينة له بأنه أول من وحد صفوفها بعد أن عمل المرتدون علىٰ تمزيقها، وستظل الإنسانية مدينة له بحماية حرية العقيدة وحرية الفكر وحرية التعبير. وستظل الحضارة مدينة له بأنه جعل الحياة علىٰ الأرض جديرة بسيادة أهل الإيمان.

كل عمل من أعماله التي قام بها كاف وحده ليخلد حياة من يقوم به، ولو أن أبا بكر وقف من خلافته عند القضاء علىٰ الردة لشهد الناس جميعًا له بعظمة ما قام به وبجلاله... ولو أنه لم يصنع أكثر من أن وضع قواعد الدولة الإسلامية العظيمة لأقروا له كلهم بالعظمة وخلود الذكر علىٰ صفحات الدهر، فإذا حفل عهده بهذين الأمرين البالغين كل هذا الجلال وكل هذه العظمة ثم كان فيه جمع القرآن وهو أبقىٰ منهما جميعًا وأعظم، فذلك الخلد الذي لا خلد بعده، والرضا من الله الذي لا يؤتاه إلا الصديقون الذين سما إيمانهم فيسر الله لهم كل عظيم وهيأ لهم من أمرهم رشدًا( ).

كان ممن جمع القرآن الكريم علي بن أبي طالب ونفر من الصحابة ش... يقول عباس العقاد في معرض حديثه عن جمع القرآن الكريم: 

.. ولم يكن علي وحده هو الذي دأب علىٰ جمع القرآن بعد وفاة الرسول ﷺ، بل دأب علىٰ ذلك كثيرون جعلوا يتلقونه عمن يطمئنون إليهم من أصحاب رسول الله ﷺ، وكما حمد أبو بكر لعلي حديثه عن جمع القرآن حمد لغيره من المسلمين سعيهم في جمعه، ورأىٰ في عملهم هذا تأسيًا بالسابقين الأولين الذين جمعوه في عهد رسول الله ﷺ، ولم يدر بخاطره أن يصد أحدًا دون هذا العمل الجليل مطمئنًا إلىٰ أن الله نزل الذكر وهو حافظه، وإلىٰ أن المسلمين لن تحدث أحدًا منهم نفسه بأن يدخل عليه ما ليس منه، فإذا أقدم أحد علىٰ ما قاله علي بن أبي طالب من زيادة علىٰ القرآن رد الله كيده في نحره، ورد الصالحون من المسلمين كلام الله إلىٰ مواضعه( ).

حقًّا كان أبو بكر الصديق >، عظيمًا بإيمانه، عظيمًا بعلمه، عظيمًا بفكره، عظيمًا ببيانه، عظيمًا بخلقه، عظيمًا بآثاره فقد جمع الصديق العظمة من أطرافها وكانت عظمته مستمدة من فهمه، وتطبيقه للإسلام وصلته بالله العظيمة، واتباعه الشديد لهدي الرسول الكريم ﷺ، إن أبا بكر > من الأئمة الذين يرسمون للناس خط سيرهم ويتأسىٰ بهم الناس بأقوالهم وأفعالهم في هذه الحياة، فسيرته من أقوىٰ مصادر الإيمان، والعاطفة الإسلامية الصحيحة والفهم السليم لهذا الدين.



الفصل الرابع

معطيات أبي بكر وعلي ب

في الميزان

نصوص وأدلة قطعية الثبوت تؤكد أن أبا بكر >:

الأولى بالخلافة: 

يقول أبو الفداء ابن كثير كلمة طيبة، مفادها أن أهل السُّنة، ليس لهم مذهب إلا اتباع الحق يدورون معه كيفما دار.

كان انتخاب أبي بكر > خيرًا للإسلام والمسلمين، أبان استعلاء قيم الإسلام وخضوع مقاييس الشخصية لها؛ لأن أبا بكر من تيم، وتيم من أضعف عشائر قريش... أبو بكر >، هو الوحيد من الصحابة الذي أجمعوا علىٰ مخاطبته بخليفة رسول الله ﷺ في حياته وبعد مماته... لا يذكر إلا وتصاحبه ولن يفارقه اللقب إلىٰ قيام الساعة... اختص بهذا اللقب تشريفًا وإجماعًا من الأمة.

قالت الصحابة: 

رضيه رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لديننا!!

اختاره رسول الله ﷺ لإمامة المسلمين، وقال: «يأبىٰ الله والمؤمنون إلا أبا بكر».

وقال: «مروا أبا بكر يصلي بالناس».

وقال ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي».

وقال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر».

قال أبو الدرداء >: رآني رسول الله ﷺ أمشي أمام أبي بكر فقال: «يا أبا الدرداء أتمشي أمام من هو خير منك في الدنيا والآخرة ما طلعت الشمس ولاغربت علىٰ أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر»( ).

وقال علي >: لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره.

وفي سقيفة بني ساعدة قال عمر لأبي بكر: «بل نبايعك أنت، فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلىٰ رسول الله ﷺ، وأخذ عمر بيده وبايعه فبايعه الناس»( ).. قال عمر في خطبته التي ألقاها في المهاجرين والأنصار، موجهًا كلامه لهم: «ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر» ولم ينكر ذلك منهم أحدًا، ولا قال أحد منهم أن غير أبي بكر منهم من هو أحق بالخلافة منه.

قال عمر موجهًا كلامه للأنصار: «أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟» قالوا: اللهم نعم، قال: «فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله ﷺ»، فقالوا: 

كلنا لا تطيب نفسه ونستغفر الله.

ولم يقل أحد من الصحابة وقتئذ أن النبي ﷺ، نص علىٰ غير أبي بكر >..

وفي السقيفة قال أبو بكر > موجهًا كلامه للأنصار: «لقد علمتم أن رسول الله ﷺ، قال: «لو سلك الناس واديًا وسلك الأنصار واديًا سلكت وادي الأنصار، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر وبر الناس تابع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم» قال: فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء»( ).

قال عبد الله بن مسعود >: «إن الله نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ، فوجد قلوب أصحابه ش خير قلوب العباد بعد قلبه، فجعلهم وزراء نبيه ﷺ يقاتلون علىٰ دينه، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون سيئًا فهو عند الله سيئ»( ).

كتاب رسول الله ﷺ لأبي بكر >:

وفي مرضه ﷺ، عزم علي أن يكتب لأبي بكر > كتابًا بخلافته له علىٰ أمته، ولكنه ﷺ ترك أمر الكتابة له لما شاهد ﷺ من مكانة صاحبه > بين الناس، وأن أصحابه يعلمون أن رسول الله ﷺ، لا يرضىٰ أن يتقدم عليه أحد منهم فاكتفىٰ بالإشارة إلىٰ إمامته.

ما جاء في قوله ﷺ في مرضه لأم المؤمنين عائشة <: «ادعي لي أبا بكر، وأخاك، حتىٰ أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنىٰ متمن ويقول قائل: أنا أولىٰ، ويأبىٰ الله والمؤمنون إلا أبا بكر»( ).

وقوله ﷺ: «ائتوني بأديم ودواة، فأكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه اثنان ثم قال: «دعوه، معاذ الله أن يختلفوا في أبي بكر. مرتين. وقوله في مرضه الذي توفي فيه: «معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر»( ).

وقال أنس: بعثني بنو المصطلق إلىٰ رسول الله ﷺ فقالوا: «سل لنا رسول الله ﷺ إلىٰ من ندفع صدقاتنا بعدك؟ قال: فأتيته فسألته فقال: «إلىٰ أبي بكر»، فأتيتهم فأخبرتهم فقالوا: ارجع فسله فإن حدث بأبي بكر حدث فإلىٰ من؟ فأتيته فسألته فقال: «إلىٰ عمر >»، فأتيتهم فأخبرتهم. فقالوا: ارجع فسأله فإن حدث بعمر حدث فإلىٰ من؟ فأتيته فقال: «إلىٰ عثمان >» فأتيتهم فأخبرتهم. فقالوا ارجع فسأله فإن حدث بعثمان حدث فإلىٰ من؟ فأتيته فسألته فقال: إن حدث بعثمان حدث فتبًّا لكم الدهر تبًّا»( ).

ومعلوم أن دفع الصدقات لا يكون إلا للخليفة.

وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكون من بعدي اثنا عشر خليفة منهم أبو بكر لا يلبث بعدي إلا قليلًا، وصاحب رحا دارة العرب يعيش حميدًا، ويموت شهيدًا» فقال رجل من هو، قال: «عمر بن الخطاب» ثم التفت رسول الله ﷺ إلىٰ عثمان بن عفان فقال: «يا عثمان إن ألبسك الله قميصًا فأرادك الناس علىٰ خلعه فلا تخلعه، فوالله لئن خلعته لا ترىٰ الجنة حتىٰ يلج الجمل في سم الخياط»( ).

إشارات نبوية في أفضلية الصديق >:

استنبط الفاروق > يوم السقيفة، أفضلية الصديق > وأحقيته في الخلافة بعد رسول الله ﷺ من قوله تعالىٰ: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ﴾ [التوبة: 40].. قال عمر تأييدا لبيعة أبي بكر: من له هذه الثلاثة: ﴿ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ﴾ كم هما؟ و﴿ﯕ ﯖ ﯗ﴾ من صاحبه؟ و﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾ مع من؟ فقال: بايعوه، فبايع الناس أحسن بيعة وأجملها( ).

وكان النبي ﷺ، قد أمر بإمامة أبي بكر الصديق > والوحي ينزل عليه فلم يغير ﷺ عليه هذا الأمر، فكأن خلافة الصديق بأمر من الله في حياة رسول الله ﷺ، حيث أقامه لإمامة المسلمين وسكت الله عن ذلك ورضي المؤمنون فكانت خلافته بالنص والإجماع.

جاءت امرأة إلىٰ النبي ﷺ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك، كأنها تقول الموت، قال ﷺ: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر»( ).

شهادة من رسول الله ﷺ، ودلالة من دلائل النبوة بأن الإمام الذي سيرجع إليه الناس بعد وفاته إنما هو الصديق >..

عن عائشة أم المؤمنين <: أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: «مروا أبا بكر أن يصلي بالناس» قالت عائشة: قلت: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل، فقال ﷺ: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» قالت عائشة لحفصة: قولي له: إن أبا بكر، إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمرعمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة فقال رسول الله ﷺ: «مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل للناس»( ).

وفي رواية من أشهر الروايات عن مرض النبي ﷺ أن مؤذنه بلالًا جاءه يومًا وقد اشتد به المرض فقال عليه السلام: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». قالت عائشة <: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف «حزين» وأنه متىٰ يقم مقامك لا يسمع الناس. فلو أمرت عمر؟

فقال عليه الصلاة والسلام مرة أخرىٰ: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». فعادت عائشة تقول لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف وأنه متىٰ قام مقامك لا يسمع الناس. فلو أمرت عمر؟ فأعادت حفصة ما قالته له عائشة.

وضجر عليه السلام من هذه المراجعة، فقال «إنكن أنتن صواحب يوسف» ثم قال للمرة الثالثة: «مروا أبا بكر فليصل بالناس».

وقال علي >: لقد أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس، وإني لشاهد ما أنا بغائب ولا في مرض، فرضينا لدنيانا ما رضي به النبي ﷺ لديننا( ).

عن عبد الله بن زمعة > قال: «لما استعز بالنبي ﷺ - أي غلبه المرض - وأنا عنده في نفر من الناس، دعاه بلال إلىٰ الصلاة، فقال رسول الله ﷺ: «مروا أبا بكر يصلي بالناس» قال فخرجنا، فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائبًا فقلت: يا عمر قم فصل بالناس فتقدم فكبر، فلما سمع النبي ﷺ صوته - وكان عمر رجلًا مجهرًا - قال: «فأين أبو بكر؟ يأبىٰ الله ذلك والمسلمون، يأبىٰ الله ذلك والمسلمون، يأبىٰ الله ذلك والمسلمون» فبعث إلىٰ أبي بكر، فجاء بعد أن صلىٰ عمر تلك الصلاة، فصلىٰ بالناس... وقال عبد الله بن زمعة: قال لي عمر: ويحك ماذا صنعت بي يابن زمعة، والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس. قال: قلت: والله ما أمرني رسول الله ﷺ، ولكن حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة( ).

أبو بكر الأولى والأحق بالخلافة... لماذا؟؟:

لإجماع المهاجرين والأنصار علىٰ بيعة أبي بكر > وإمامته دون تردد أو توان عن تنفيذ أوامره ونواهيه، وكما كان يحصل من الطاعة والمحبة لرسول الله ﷺ انعقد الإجماع التام علىٰ بيعته، ولو رأوا من هو أفضل منه أو أولىٰ منه لقدموه.

إجماعهم ش حجة شرعية لا ترد ولا تنقض وتسقط أمامها كل روايات التشكيك من الرافضة وأتباعهم من المنافقين... ومن أجمع الصحابة علىٰ بيعته، فلا يجوز لأحد الخروج عليه... ومن يخرج عنها يخرج عن دائرة الإسلام وجماعة المسلمين إلىٰ دائرة الردة، والطاعن في خلافة أبي بكر > متبع غير سبيل المؤمنين، ومتهم في دينه.

ومما قاله علي بن أبي طالب >: «لما قبض رسول الله ﷺ نظرنا في أمرنا، فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا ما رضيه رسول الله ﷺ لديننا، فقدمنا أبا بكر».

هذا هو أبو بكر الصديق يوم كان علي غلامًا صغيرًا!!:

«العمر والسن والتجربة والمنزلة الاجتماعية لكلاهما»:

لم تكن لعلي > المنزلة الاجتماعية المطلوبة في مجتمع قبلي يقدر السن والعمر والتجربة، ويكف الغلمان والصبيان حتىٰ عن مجالسة الكبار، فضلًا عن مشاركتهم في الرأي!!.. في الوقت الذي أنقض الحمل الثقيل ظهر النبي ﷺ، الذي ذكر في قوله تعالىٰ: ﴿ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ 

ﭪ ﭫ﴾ [المزمل: 5] وهو الأمر بالدعوة والتصدي للناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم يخفف هذا الحمل عنه ﷺ، علي > إذ كان صبيًّا صغيرًا، وكان أبو بكر هو الساعد الأيمن لرسول الله ﷺ، وظهيره الأقوىٰ في كل شيء... سخر لنصرته وخدمته نفسه وماله وأهله ورسوله... كان 

أتباع النبي ﷺ يعذبون ويمتهنون ويفتنون، وكان أبو بكر يبذل ماله في خلاصهم 

وشرائهم، وكان ذلك يفرج الضيق ويزيح الهم عن صدر رسول الله ﷺ، ويخفف عنه أعباء المسؤولية!!

كان الصديق > يتدارس أمور الدعوة والأمة مع رسول الله ﷺ ويشاركه الرأي والتدبير والمشورة، ويروح ويغدو ويسمر معه، فيما يخفف عنه الأعباء ويقدم الحلول، حتىٰ اختصه رسول الله ﷺ وأسر إليه وحده بالأمور الخطيرة... كان هذا وغير هذا مما يخفف الحمل، ويضع الوزر ويزيح العبء الثقيل عن الصدر، كان هذا في وقت كان فيه علي > صبيًّا صغيرًا، لم يتجاوز العاشرة من عمره، ولم يبلغ الحلم!!

هذا التفاوت الكبير في السن والعمر بين أبي بكر، وعلي ب، كان سببًا في تفاوت الاهتمام والإدراك وتحمل الأعباء... أبو بكر الصديق > كهل تجاوز الأربعين، مكلف بمواجهة 

الناس بدعوة يكرهها الملوك والظلمة وأهل الدنيا!! بل كان من مسؤولياته أيضًا رعاية علي > كما يرعىٰ الأب أبناءه!! كان علي > في رعاية النبي ﷺ لانعدام القدرة المادية لأبيه، نظرًا 

لما كان يمر به أبو طالب من ضيق مادي، حتىٰ أنه كان لا يكفي نفسه، فكيف بمن هذه 

حاله أن يخفف عن رسول الله ﷺ ما يعانيه من ضيق مادي، وضيق اجتماعي وسياسي 

وغيره؟!

معرفة مواقع الرجال الذين آزروا النبي ﷺ، وساعدوه، وأسهموا معه في إقرار الإسلام وإزاحة الشرك منذ اليوم الأول الذي بعث فيه ﷺ إلىٰ الناس من الأهمية بمكان في هذا الصدد، يتجلىٰ في مواقف كثيرة تجلىٰ فيها سبق الصديق > وتقدمه لجموع صحابة رسول الله ﷺ، قال تعالىٰ: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ﴾ [الحديد: 10]

لقد شرح الله بأبي بكر الصديق صدر نبيه ﷺ، ووضع وزره الذي أثقل عليه أيامه ولياليه لعظم المسؤولية، وقلة المعين من الناس حتىٰ يسر الله ذلك بمساندة الصديق > وإخوانه المؤمنين ش.

اجتمعت للصديق جميع فضائل السبق!!:

لقد اجتمعت لأبي بكر > جميع فضائل السبق والمبادرة إلىٰ كل خير من بين جميع الصحابة ش، وهذا مما يعلمه عامة أهل الإيمان ولا يماري فيه إلا منافق أو مطموس علىٰ قلبه... ومن أعظم عناصر التفضيل لأبي بكر عملًا وسبقًا أنه أنفق كل ماله علىٰ رسول الله ﷺ، ونصرته، وكما جاهد بماله جاهد بيده ولسانه وكان أول من أعلن الإسلام بين جموع المشركين في مكة يوم خطب في المسلمين قبل أن يبلغ عددهم أربعين رجلًا، وضرب حتىٰ كاد أن يدفع حياته ثمنًا لذلك الموقف العظيم.

لم يكلف رسول الله ﷺ بالدعوة حتىٰ جاوز الأربعين... إنهم بذلك يفتحون ثغرة في جدار الإسلام للطعن بالكتاب والسُّنة... يصورون علي ابن عم رسول الله ﷺ المؤمن المجاهد، وكأنه مخاصمًا لصحابة رسول الله ﷺ، وحاقدًا للعرب ولكل ما جاء به محمد ﷺ... 

- أبو بكر > صلىٰ بالناس إمامًا في عهد النبي ﷺ وبعد وفاته، وكان غيره يصلي خلفه مأمومًا ومنهم علي > وبقية الصحابة، وكانت صلاته بتزكية من النبي ﷺ وأمر منه.

- لما مكن الله تعالىٰ لأبي بكر في الأرض قاتل من رفض الصلاة وأرجع المرتدين إلىٰ الإسلام فأقاموا الصلاة، ونشر الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية فصار الناس يقيمون الصلاة في تلك البلدان فاكتمل في حقه قوله تعالىٰ: ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾ [الحج: 41]..

- أدىٰ أبو بكر الزكاة عن نفسه وعن عياله، وأنفق ماله تطوعًا وجهادًا في سبيل الله ونصرة المؤمنين، ولما مكن الله لأبي بكر قاتل الناس علىٰ الزكاة حتىٰ صاروا يؤدونها سواء منهم من كان مسلمًا فامتنع عن أدائها أم كان كافرًا فأسلم، وتحقق لخليفة رسول الله ﷺ الغلبة والتمكين في الأرض علىٰ كل من عبث بفريضة الزكاة أو من حاول أن يحولها عن الوجه الذي أراده الله تعالىٰ لها، وعلىٰ لم يفعل ذلك في حال تمكينه لانشغاله بإخماد الفتن.

- قاتل أبو بكر المرتدين، وكانوا أولي بأس شديد حتىٰ انهزموا واستسلموا... وقاد جحافل المجاهدين في سبيل الله لمجاهدة طغيان جاهلية الفرس والروم وانتصر عليهم وأدخل الرعب في قلوب جبابرتهم...

- حارب علي >، وحمل السيف وجاهد تحت لواء أبي بكر في وجه المرتدين، وكان علىٰ رأس كتيبة تولت حراسة المدينة يوم خرج أبو بكر ليقود أول معركة معهم حول المدينة، ولما انتهت المعارك بدحرهم علىٰ يد أبي بكر، أكرم عليًّا بأمة من سبي بني حنيفة ولدت له محمد بن الحنفية.

مهاترات الشيعة... مطاعن وردود!!:

يقدمون عليًّا على الصديق... كيف!!:

يجعل الطاعنون في أبي بكر الصديق >، والمتحاملون عليه، إسلام علي فوق إسلام أبي بكر، ويذهبون إلىٰ أن عليًّا كان أفقه من أبي بكر، وكان علي يتصدق وهو في الصلاة، ويزعمون أن فيه وابنيه أنزلت سورة كاملة من القرآن الكريم، وله يقول الرسول ﷺ: «أنت مني كهارون من موسىٰ»، وقد كان عليًّا مواخيًا للرسول، وقد أسر إليه بعلم ما كان وما سيكون.

ويقولون: نحن نطعن في صلاة أبي بكر بالناس، وخلافة أبي بكر كانت بغير إجماع. ويقولون بكفر من أنكر إمامة علي!!

ويقولون: كان بلال وعمار بن ياسر، يطعنان علىٰ أبي بكر وعمر، ويرمون أبا بكر وعثمان بالجبن!!

الحق: أهل السُّنة المنصفون لا يستطيعون أن يكذبوا علىٰ التاريخ فيسلبوا عليًّا رضوان الله عليه مناقبه العالية، ولكن تمجيدهم لعلي، لا يمنعهم من تحميل الشيعة تبعة مهاتراتهم.

يقول العارفون بفضل أبي بكر >، والمناضلون والمدافعون عنه، انتصارًا من الشيعة الطاعنين فيه وإفحامًا لهم: أن أبا بكر أعلىٰ الخلفاء الراشدين شأنًا وأظهرهم مناقب، وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة... هو أفضل هذه الأمة وأولاها بالإمامة، وكان أول ما دلهم عند أنفسهم علىٰ فضيلته وخاصة منزلته وشدة استحقاقه، إسلامه علىٰ الوجه الذي لم يسلم عليه أحد في عالمه وفي عصره.

فصحبة أبي بكر للرسول ﷺ في الغار أظهر فضلًا من مبيت علي في الفراش، وقد ظفر من النبي ﷺ بلقب الصديق، وهو ما لم يظفر بمثله علي، وهو كذلك قد انفرد بالنبي ﷺ في العريش، وقدمه في الحديبية، وسايره الرسول وحده يوم فتح مكة، وأنزل فيه من القرآن ما لم ينزل في أحد من الصحابة، وقد نال فضلًا عظيمًا بإمامته للناس في مرض النبي ﷺ، وكان هو إمامًا لعلي، وكان المحكم في موضع دفن النبي ﷺ، وهو الذي تدارك الأمة بحزم بعد وفاة النبي ﷺ... والعجب أنهم بمهاتراتهم تلك ينكرون في علي >، طبعه في النجدة والشهامة وغريزته في الدفع والحماية!! إن كان علي كما يزعمون، فكيف هزم في جيش صفين، وانقاد لأبي موسىٰ الأشعري؟! لقد كان علي > أظهر سلمًا، وأرجح حلمًا، وأشد ورعًا وأكثر فقهًا، وأبين فضلًا.

ما روي من تقدم إسلام أبي بكر الصديق: 

ما روي من تقدم إسلامه >، ما حدث به أبو داود، وابن مهدي عن شعبة وابن عيينة عن الجريري عن أبي هريرة: قال أبو بكر: أنا أحقكم بهذا الأمر - يعني الخلافة - ألست أول من صلىٰ؟

وروىٰ عبادة بن صهيب عن يحيىٰ بن عمير عن محمد بن المنكدر أن رسول الله ﷺ وآله قال: «إن الله بعثني بالهدىٰ ودين الحق إلىٰ الناس كافة فقالوا: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت».

وروىٰ يعلىٰ بن عبيد قال: جاء رجل إلىٰ ابن عباس فسأله: من كان أول الناس إسلامًا؟ قال: أما سمعت قول حسان بن ثابت: 

إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة

فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

الثاني التالي المحمود مشهده

وأول الناس منهم صدق الرسلا

وقال أبو محجن الثقفي: 

سبقت إلىٰ الإسلام والله شاهد

وكنت حبيبًا العريش مشهرا

وقال كعب بن مالك: 

سبقت أخا تيم إلىٰ دين أحمد

وكنت لدىٰ الفيران في الكهف صاحبا

قال النخعي: أبو بكر أول من أسلم.

وروىٰ هيثم عن يعلىٰ بن عطاء عن عمرو بن عنبسة قال: أتيت النبي ﷺ وهو بعكاظ فقلت: من بايعك علىٰ هذا الأمر؟ فقال: «بايعني حر وعبد! فلقد رأيتني يومئذ وأنا رابع الإسلام».

قال بعض أصحاب الحديث: يعني بالحر أبا بكر، وبالعبد بلالًا.

وروىٰ عمرو بن إبراهيم الهاشمي عن عبد الملك بن عمير عن أسيد بن سفيان صاحب النبي ﷺ، قال: لما قبض أبو بكر جاء علي بن أبي طالب فقال: رحمك الله أبا بكر، كنت أول الناس إسلامًا.

علي وأبو بكر في حروب النبي ﷺ:

هذه كانت مرتبة أبي بكر!!:

يقولون: أسلم علي وهو حدث، إلا أنه قد لحق السابق له ثم برز عليه بصنيعه يوم بدر وأحد والخندق ويوم خيبر، وفي حروب النبي ﷺ، إلىٰ أن قبضه الله سبحانه إلىٰ جنبه فجمع أمرين: كثرة التعرض للمنايا وعظم الغنائم بقتل الأقران والفرسان والقادة والسادة، وكان له من التعرض والاحتمال والصبر والاحتساب ما ليس لغيره... !!

الحق أنه لو كان كثرة القتل أعظم فضيلة كان ينبغي أن يكون لعلي والزبير وأبي دجانة ومحمد بن مسلمة وابن عفراء من بني الحارث بن رفاعة والبراء بن مالك من عظم الفضيلة، واحتمال المكروه بالقدر العظيم ما ليس للنبي ﷺ؛ لأن النبي ﷺ لم يقتل بيده إلا رجلًا واحدًا، وليس أحد أشد احتمالًا وأعظم فضلًا منه!! إذن قتل الأقران ليس بدليل علىٰ الفضيلة والرياسة... كما أن أبا بكر كان بمقامه في العريش إلىٰ جانب رسول الله ﷺ، في موضع الرياسة - اختاره النبي ﷺ وزيرًا وصاحبًا ومعينًا إلىٰ جانبه - فكان المطلوب علىٰ مدار الأمر، به يستنصر المقاتل، وباسمه ينهزم العدو... من هنا كان أبو بكر أفضل في جهاده يوم بدر وأعظم من علي وقتله للأبطال ذلك اليوم.

جاء في السيرة: أنه لما كان يوم بدر وعزم النبي ﷺ محاربة قريش، قال له سعد: يا نبي الله، لنبن لك عريشًا فتكون فيه ونقاتل بين يديك. فأذن لهم فبنوه له، فدخله وأدخل معه أبا بكر وحده، فلما استقر في العريش قال له أبو بكر: بعض مناشدتك ربك يا رسول الله، فإن الله منجز لك ما وعدك. فخفق النبي ﷺ خفقة في العريش فانتبه وهو يقول: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، علىٰ ثناياه النقع!

كان النبي ﷺ وأبو بكر من بين يديه خلق الله في العريش، والناس موقوفون علىٰ مراتبهم، وكانت هذه هي مرتبة أبي بكر!!

كان > ثاني اثنين في التقدم في الإسلام، وثاني اثنين في الدعاء إلىٰ الله ورسوله، وثاني اثنين في كثرة المستجيبين والأتباع، وثاني اثنين في الغار، وثاني اثنين في الهجرة، وثاني اثنين في العريش.

لم يشهد بدر أحدًا يعدله من الصحابة في الرفعة وكرم الموضع، فمن شهدوا بدرًا بعد رسول الله ﷺ، منهم من أسلم علىٰ يديه وبدعائه وشرحه فهو سبب حضوره وحسن بلائه، ومنهم من أسلم علىٰ يديه وأعتقه بعد ذلك من رق العذاب، ورق العبودية.

كان أول من حث علىٰ قتال المشركين ببدر وتكلم فيه عند رسول الله ﷺ... هو أبو بكر >.. حين أتىٰ النبي ﷺ الخبر بمسير قريش، استشار النبي ﷺ، فكان أول من قام أبو بكر فتكلم وحث علىٰ الجهاد والنصرة، ثم قام عمر، ثم قام المقداد... أي أنه شهد بدر بنفسه، ورأيه، وماله، ومستجيبيه، وأتباعه!!

لم يكن لعلي > آية خاصة تميزه عن غيره في طفولته!!:

أسلم علي وهو حدث غرير، وغلام صغير، كان يومئذ ابن سبع سنين، لا يلام إن جهل، ولا يعذب إن ضيع... ولا يستتاب إن كفر!!

قالوا أسلم أبو بكر كهلًا وأسلم علي طفلًا... ولكن كان علي وهو ابن سبع سنين أرجح عقلًا من أبي بكر وسنه إحدىٰ وأربعين سنة... وزعموا أنه قد كانت له في أيام صباه وحداثته فضيلة فطنة، ومزية ذكاء وبلغ من فطنته وذكائه وصحة لبه وصدق حسه وانكشاف العواقب له!!

ولو كان كما زعموا ومهما أفرط كيسه وحسنت فطنته، فهل له أن يحتمل ولاية الله سبحانه والتمييز بين الأمور؟!

لم يصح عن أحد بخبر صادق ولا كتاب ناطق، أنه كان لعلي خاصة دون قريش عامة في صباه من إتقان الأمور، وصحة المعارف، وجودة المخارج ما لم يكن لأحد من إخوته وأعمامه وآبائه!!

كان إسلامه لاحقًا بإسلام البالغين، لا يكون إسلام المكلف العارف بفضيلة ما دخل فيه، ونقصان ما خرج منه، لا جرب الأمور، ولا فاتح الرجال، ولا نازع الخصوم، ما يعرف جميع ما يجب علىٰ البالغ معرفته والإقرار به... حكمه حكم من هم في سنه من الأطفال، الحكم فيه يجري مجرىٰ أمثاله وأشكاله الذين إذا أسلموا وهم في مثل سنه، كان إسلامهم علىٰ تربية الحاضن وتلقين القيم، ورياضة السائس!!

لم يخبر القرآن الكريم بمزايا خص الله تعالىٰ بها علي > في طفولته، يحتج بها له ويخبر بها عنه، ويجعلها حجة علىٰ الغائب، وقاطعة، ولو أريد الاحتجاج بها كشف عنها... ولولا أن الله سبحانه أخبر عن يحيىٰ بن زكريا عليه السلام، أنه أتاه الحكم صبيًّا، وأنه أنطق عيسىٰ في المهد رضيعًا، ما كانا إلا ما كان عليه طبائع البشر، لذا فالمعلوم عن علي أن طباعه كطباع عميه حمزة والعباس، أو كطباع جعفر وعقيل أخويه، أو كطباع أبويه ورجال عصره.

يقولون: بإمامته... دعاه رسول الله ﷺ إلىٰ الإسلام فكلف التصديق قبل بلوغه وإدراكه، ليكون ذلك آية له في عصره وحجة له ولولده علىٰ من بعده!!

.. لم يخصه الله تعالىٰ بآية، ولم ينقل ناقل واحد أن عليًّا احتج بذلك في موقف، ولا ذكره في مجلس، ولا قام به خطيبًا، ولا همس به لأحد، ولا احتج به علىٰ مخالف.

ذكر علي > فضائله وفخر بقرابته وسابقته، يوم الشورىٰ، وكاثر بمحاسنه ومواقفه... كيف يجوز عليه ترك الاحتجاج علىٰ المخالفين له، وقد نصبه الرسول ﷺ معلمًا، ونص عليه قائمًا، وجعله للناس إمامًا، وأوجب طاعته، وجعله حجة في الناس يقوم مقامه!!

في حروبه مع معاوية >، كان جلوس أكثر أصحاب رسول الله ﷺ عن عونه، والشد علىٰ عضده، كما قال عامر الشعبي: 

«لقد وقعت الفتنة وبالمدينة عشرون ألفًا من أصحاب رسول الله ﷺ، ما خف فيها منهم عشرون، ومن زعم أنه شهد الجمل ممن شهد بدرًا أكثر من أربعة فقد كذب. كان علي وعمار في شق، وطلحة والزبير في شق».

لو كان الأمر كما تزعم الشيعة، فكيف لم يقف يوم الجمل ويوم صفين، أو يوم النهر في موقف يكون من عدوه بمرأىٰ ومسمع فيقول: «تبًّا لكم وتعسًا، كيف تقاتلوني وتجحدون فضلي وقد خصصت بآية حتىٰ كنت كيحيىٰ بن زكريا وعيسىٰ بن مريم»؟؟ هذا كان أشد علىٰ طلحة، والزبير، وعائشة، ومعاوية، وعبد الله بن وهب، من مائة ألف سنان طرير، وسيف مشهور!! بمثل هذه الحجة، وبأيسر منها تنقلب الجند علىٰ قادتها وتنتفض، وما صنعت المصاحف في طبائع أصحاب علي، حين رفعها عمرو بن العاص ليس ببعيد!!

يقولون: إسلامه أفضل ممن أسلموا!! كان أبو بكر أعلم العرب وأعرفها!!

زعموا أن خباب بن الأرت، وزيد بن حارثة قد أسلما قبل أبي بكر، وأن إسلامهما أفضل من إسلامه!!

الدليل علىٰ أن إسلام أبي بكر، كان أفضل من إسلام زيد وخباب، أن زيدًا كان رجلًا غير مذكور بعلم، ولا بمال، ولا مغشي المجلس، وكذلك كان خباب... كان إسلام أبي بكر أفضل 

من إسلام غيره ممن أسلموا، كان أبو بكر > أعلم العرب بالعرب كلهم، وأرواها 

لمناقبها ومثالبها، وأعرفها بخيرها وشرها، ولذلك قال النبي ﷺ لحسان مع سن حسان 

وعلمه وتحاكم الشعراء إليه، حيث أمره النبي عليه السلام أن يهجو قرينًا، وقال له: 

«اهجهم - يعني قريشًا - فوالله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام. 

اهجهم ومعك جبريل روح القدس، والق أبا بكر يعلمك تلك الهنات» وحيث قال له: «هيج الغطاريف - أي القصائد الجياد - علىٰ بني عبد مناف في قتل أبي أزيهر، والق أبا بكر فإنه أعلم الناس بهم».

ليس سواء إسلام ذي اليسر، والعلم، والمال، والرأي السديد وإسلام غيره!!:

وكان مع علمه بالناس وحسن معرفته، ذا مال كثير وتجارة واسعة، يجتمع في مجلسه كبراء أهل مكة، لما يجدون عنده من طريف الحديث وغريب الشعر، حتىٰ كان مثل عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف يجلسان إليه ويعجبان بحديثه، ويطول مجلسهم به، وكانت قريش بعد إسلام أبي بكر وكثرة مستحبيه بمكة تريد تنفير عتبة بن ربيعة من مجلسه، مخافة أن يستميله بحسن دعائه ورفقه، ورقة دموعه وخشوعه.

أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله!!:

كان أبو بكر داعية من دعاة النبي ﷺ، مقبول القول، متبوع الرأي، ومن كان في صفة أبي بكر فالخوف عليه أشد، والمكروه إليه أسرع؛ لأنه لم يكن هناك عدو للنبي ﷺ، إلا وأبو بكر يتلوه عنده في العداوة... قام دون النبي ﷺ بمكة وقد اعتوره المشركون حين قال: «أما والله لقد جئتكم بالذبح!!» - إنذار بالعذاب والهلاك - قال أبو بكر: ويلكم، أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله! فصدعوا رأسه!

جاء في السيرة، في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص: «فأقبل رسول الله ﷺ يمشي حتىٰ استلم الركن ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول. قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ. قال: ثم مضىٰ فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها؛ فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: «أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح!» قال: فأخذت القوم كلمته حتىٰ ما منهم رجل إلا لكأنما علىٰ رأسه طير واقع».

جاء في «عيون الأثر»: أن النبي ﷺ قال بعد ذلك في خطابه للمؤمنين: «أبشروا فإن الله Q مظهر دينه، ومتم كلمته، وناصر نبيه، إن هؤلاء الذين ترون مما يذبح الله بأيديكم عاجلًا».. قال عثمان بن عفان: «ثم انصرفنا إلىٰ بيوتنا، فوالله لقد رأيتهم قد ذبحهم الله بأيدينا».

رضي أبو بكر > بجوار الله... ولقي من العذاب صنوفًا!!:

لقي في مسجده الذي كان بناه علىٰ بابه في بني جمح، وحيث رد الجوار وقال: لا أريد جارًا سوىٰ الله، وكان قد بنىٰ مسجدًا يصلي فيه ويدعو الناس إلىٰ الإسلام، وبوجهه العتيق الجميل وصوته الرقيق، كان إذا قرأ وبكىٰ وقعت عليه المارة والنساء والصبيان والعبيد، فلما أوذي في الله حتىٰ بلغ جهده استأذن النبي ﷺ في الهجرة، فأذن له، فأقبل يريد المدينة فتلقاه الكناني سيد الأحابيش - مالك بن الدغنة، أحد بني الحارث بن بكر بن عبد مناة - فعقد له جوارًا وقال: والله لا أدع مثلك يخرج من بين أخشبي مكة، فرجع وقد عقد له الكناني جوارًا، كل ذلك رغبة في قرب النبي ﷺ، فلما عاد إلىٰ مكة عاد إلىٰ مسجده وصنيعه، فمشت قريش إلىٰ جاره وعظموا الأمر عنده وأجلبوا عليه فقالوا: قد أفسد أحداثنا، وعبيدنا وإمائنا ونساءنا في منازلنا! فمشىٰ إليه الكناني وقال: ليس علىٰ هذا أعطيتك الجوار، ادخل بيتك، واصنع فيه ما بدا لك، قال له أبو بكر: أو أرد عليك جوارك، وأرضىٰ بجوار الله؟ وقطع الجوار ولقىٰ أبو بكر > من الأذىٰ والذل والضرب والاستخفاف، وكان المشركون قد صاروا إلىٰ أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتعذيب، والمسلمون نفر يسير، خذلتهم عشائرهم، وأسلمتهم أهلوهم، فألقوا خبابًا علىٰ الأحجار التي أحميت بالشمس أو بالنار، وكان أبو ذر مستضعفًا يدخل بالنهار في خلال أستار الكعبة ويخرج بالليل مستخفيًا، وكانت بني مخزوم تعذب عمارًا وأباه وأمه برمضاء مكة، فيمر بهم النبي ﷺ فيقول: «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة!».

أعتق المعذبين المفتونين في دينهم:

كان من فضل أبي بكر فيم لم يساويه فيه علي بن أبي طالب، أن أعتق من المعذبين المفتونين بمكة الذين تجرعوا العذاب والجوع والعطش، حتىٰ أن الواحد منهم ما كان يقدر أن يستوي جالسًا من الجهد، كل ذلك كان يتجرعه وأبو بكر وخباب وأصحاب النبي ﷺ... وعلي > وادع رافه، غير طالب ولا مطلوب!!.. أعتق من المعذبين في الله ست رقاب غير بلال، منهم عامر بن فهيرة، شهد بدرًا وهاجر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر؛ لأنه كان في موضع الثقة، حيث خرجا إلىٰ الغار هاربين من المشركين متوجهين إلىٰ المدينة. واستشهد يوم بئر معونة.

وأعتق زنيرة ثلاث مرات، فلما اشتراها وأعتقها ذهب بصرها، وكانت تعذب في الله فيمن يعذب بمكة، فقال المشركون: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزي! قالت: كذبوا ما يضران ولا ينفعان! فرد الله عليها بصرها... وقال الزهري: أن موليين لابن الغيطلة وكان من أشد أعداء النبي ﷺ أسلما حين رد الله عليها بصرها. وقالا: هذا بلا شك من إله محمد وابن أبي قحافة!

ثم أعتق النهدية وابنتها... وقد كانتا تعذبان في الله، ثم أعتق جارية بني مؤمل وكان عمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وأعتق أم عبيس وكانت فتاة من بني تيم بن مرة... ابتاعها فأعتقها.

أعتق بلال من رق الكفر والعبودية، ومن رق العذاب حيث كان يفتن في الله ورسوله... كان بلال عبدًا لبني جمح، وكانت دار أبي بكر ومسجده في حي جمح، ولم يكن ببطن مكة مسجد سواه، فلما سمع دعاء أبي بكر أسلم وحده، فلما سمع بذلك أمية بن خلف، كان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه ببطحاء مكة، ثم يضع صخرة علىٰ صدره، ثم يحلف بإلهه لا ينزعها عن صدره حتىٰ يكفر بمحمد وإلهه ويؤمن باللات والعزي! وبلال يأبىٰ وهو يقول: أحد أحد! فمر به أبو بكر وهو يريد داره في بني جمح، فرأىٰ أمية وما يصنع ببلال، فقال له: ألا تتقي الله؟ إلىٰ متىٰ تعذب هذا المسكين؟! قال: أنت أفسدته فأنقذه! قال أبو بكر: عندي غلام أسود جلد علىٰ دينك، أعطيكه وآخذه. فأعتقه.

حين أعتق أبو بكر بلال قال عمار: 

جزىٰ الله خيرًا عن بلال ودينه

عتيقًا وأخزىٰ فاكها وأبا جهل

أسلم علىٰ يديه طلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن وعثمان... أسلم علىٰ يديه خمسة من أهل الشورىٰ، كلهم أكفاء علي ومنازعوه الرياسة والإمامة، وكان بلال ممن أسلم علىٰ يديه، وهو الذي يقول فيه عمر بن الخطاب >: «بلال سيدنا ومولىٰ سيدنا» وقيل: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا».

قال له أبو قحافة: أي بني، أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالًا جلدًا منعوك وقاموا دونك؟! قال: يا أبت إنما أعتق المعذبين! فأنزل الله: ﴿ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ﴾ [الليل: 5-6] إلىٰ قوله: ﴿ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ 

ﭰ ﭱ﴾ [الليل: 19-21].

طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام:

قالوا: أنفق أبو بكر قبل الهجرة ولم يقاتل... وقتال علي بعد الهجرة أفضل من إنفاق أبي بكر قبل الهجرة.

لم يقاتل أبو بكر قبل الهجرة، ولكن قتل مرارًا وإن لم يمت، ولو جمع المكروه الذي لقي أبو بكر ثلاث عشرة سنة لكان أكثر من عشرين قتلة... قاتل أبو بكر وهو مطرود مشرد، ومضروب معذب، في وقت ليس للإسلام فيه نهوض ولا حركة... قاتل في زمان وأيام ضعفه وقلته، ولذلك قال أبو بكر بعد أن استفاض الإسلام وظهر أمره: 

«طوبىٰ لمن مات في نأنأة الإسلام» أي: أيام ضعفه وقلته... حيث كان البلاء أشد، والعزم أقوىٰ.. في وقت كانوا فيه يفتنون، ويشتمون، ويضربون، ويشردون، ويجوعون ويعطشون مقهورين لا حراك لهم، واذلاء لا دفع عندهم، وفقراء لا مال لهم ومستخفين لا يمكنهم اللقاء!! أما علي فقد قاتل في الزمان الذي استوىٰ فيه أهل الإسلام وأهل الشرك، وطمعوا في أن تكون الحرب بينهم سجالًا، وأعلمهم الله تعالىٰ أن العاقبة للمتقين... وعلي > ظهر فضله وانتشر صيته ولقي المشاق منذ يوم بدر... وأبو بكر له مراتب لا يشركه فيها علي ولا غيره وذلك قبل الهجرة!!

ليس لعلي موقف من المواقف إلا ولأبي بكر أفضل منه!!:

ولأبي بكر مواقف لا يشركه فيها علي ولا غيره!!:

محص علي وامتحن من يوم بدر إلىٰ آخر غزوات الرسول ﷺ... في زمان كان أصحاب النبي ﷺ ومعهم أهل يثرب أصحاب النخيل والآطام.

كان أبو بكر أشد محنة واحتمالًا بعد رسول الله ﷺ بمكة وذلك لمدة ثلاث عشرة سنة، واجه فيها كثرة في الإنفاق، وإيثار الفقر علىٰ الغنىٰ، والوحدة علىٰ الأنسة والهوان بعد الكرامة، والخوف بعد الأمن، والضرب والافتتان بعد الإكرام والتعظيم، مع عتق المعذبين.

صاحبه في كتاب الله سبحانه:

اجتمعت في أبي بكر الصديق > خصال لم تجتمع في غيره؛ لأنه صاحبه في كتاب الله سبحانه، قال تعالىٰ: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾ [التوبة: 40] فسماه الله صاحبًا في كتابه ثم سماه النبي ﷺ صديقه من بين خلق الله، حتىٰ غلب علىٰ اسمه واسم أبيه ولقبه ونسبه، حتىٰ كان الناس أيام رسول الله وبعد وفاته يقولون: «قال علي وفعل علي، وقال عثمان وفعل عثمان، وقال عمر وفعل عمر، وقال طلحة وفعل طلحة، وقال الزبير وفعل الزبير، وجميع العشرة المبشرون بالجنة... حتىٰ إذا صاروا إلىٰ أبي بكر قالوا: قال الصديق وقال أبو بكر الصديق، وفعل أبو بكر الصديق..».

ثم قول النبي ﷺ فيه، وهو القول الذي كان يعيده في كل دار ومنزل: «ما أحد أمن علينا بصحبته وماله من أبي بكر» ثم كان النبي ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة يأتي منزل أبي بكر إما صباحًا وإما مساءً حتىٰ كان اليوم الذي أذن الله سبحانه له في الهجرة، فأتىٰ منزل أبي بكر، فقال له أبو بكر: بأبي أنت وأمي، كيف جئت اليوم في هذا الوقت - وقت الهاجرة وقت زوال الشمس - قال النبي ﷺ: هل عندك أحد؟ قال: لا يا رسول الله، إلا أسماء وعائشة. قال: «فإن ربي قد أذن لي في الهجرة» فصان صحبته من خلق الله غيره... ثم لم يعلم بخروجه غير ابنتيه أسماء وعائشة، وغير ابنه عبد الله بن أبي بكر، وكان هو الذي يتجسس لهما الأخبار ويأتي بها إليهما في الغار، ولم يطلع علىٰ أمرهما غير عامر بن فهيرة مولىٰ أبي بكر - بدري استشهد يوم بئر معونة - كان يؤنسهما ويحثهما ويخدمهما، وكانت أسماء تأتي لهما بأقواتهما... وعبد الله بن أريقط، وكان مشركًا يدلهما علىٰ الطريق.

كان أبو بكر صاحبه في الغار، وبمكة في طريقه إلىٰ المدينة، وعلىٰ ظهره ركب النبي ﷺ... كان له > راحلتان أعدهما للهجرة، ركب إحداهما رسول الله ﷺ، قدم له أفضلهما.

حرص النبي ﷺ عليه:

خرج أبو بكر يوم أحد إلىٰ ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر ليبارزه، يوم طلع عبد الرحمن علىٰ فرسه لا يرىٰ منه غير عيناه يقول: هل من مبارز؟! ثلاثًا، كل ذلك يقول: أنا عبد الرحمن بن عتيق. فنهض أبو بكر يسعىٰ إليه بسيفه، فقال له النبي ﷺ حين رأىٰ غضبه وحدته، وعرف الذي عليه من الشدة في قتل ابنه: «شم سيفك وارجع إلىٰ مكانك ومتعنا بنفسك».

ليس في الأرض معنىٰ من أشرف معاني الدين والدنيا إلا وهو في كلمة رسول الله ﷺ هذه.

أفضل من شهد أحد:

لما تحاجز الناس يوم أحد وأراد أبو سفيان الانصراف أقبل يسير علىٰ فرس له، وأخذ ينادي في عرض الجبل بأعلىٰ صوته: أين ابن أبي كبشة؟ يعني: رسول الله ﷺ. أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ يوم بيوم بدر ألا إن الأيام دول والحرب سجال، وحنظلة بحنظلة!! - يشير إلىٰ مقتل ولده حنظلة بن أبي سفيان في وقعة بدر، ومصرع حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة حين لقيه في غزاة أحد... يذكر ثأره لولده - قال عمر: ألا أجيبه يا رسول الله؟ قال: بلىٰ. قال أبو سفيان: أعل هبل! قال عمر: الله أعلىٰ وأجل. قال أبو سفيان: لنا عزىٰ ولا عزىٰ لكم! قال عمر: الله مولانا ولا مولىٰ لكم.

لو لم يكن أبو بكر أفضل من شهد أحد، أو أغيظ لأبي سفيان والمشركين، ما جعله أبو سفيان يتلو النبي ﷺ في النداء والمخاطبة حين يقول: أين ابن أبي كبشة؟ ثم يقول: أين ابن أبي قحافة؟

وكان في نزول أبي بكر قبر حمزة قبل كل نازل بأمر رسول الله ﷺ دليل علىٰ الفضيلة والقدر والمكانة والوزارة.

يوم الحديبية:

كثرة أياديه ونبله وشهامته ورياسته:

لما قال النبي ﷺ يوم الحديبية: «كيف ترون يا معشر المسلمين في هؤلاء الذين» - أي: الذين صدوهم عن المسجد الحرام - كان أبو بكر أول الناس فقال: نرىٰ - والله ورسوله أعلم - أن نمضي لوجهنا، فمن صدنا عن البيت الحرام قتلناه.

ولما جاء بديل بن ورقاء الخزاعي، للتفاوض مع رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، أقبل قائلًا: يا محمد، لقد اغتررت بقتال قومك وإن قريشًا ستقاتلكم عن ذراريهم وأموالهم، قد استنفروا الأحابيش وخرجوا معهم العوذ المطافيل، والله ما أرىٰ معك أحد له وجه، مع أني أراكم قومًا لا سلاح لكم ولو قد عض هؤلاء الحديد لقد أسلموكم... قال أبو بكر: عضضت ببظر اللات، أنحن نسلمه؟! قال له بديل: أما والله لولا يد لك عندي لأجبتك، والله إني وقومي لنحب أن يظهر محمد!

وأقبل عروة بن مسعود في نفر من قومه حتىٰ أناخ راحلته عند النبي ﷺ وقال: إني تركت كعبًا وعامرًا علىٰ أعداد الحديبية معهم العوذ المطافيل، وما أرىٰ معك أحدًا أعرف وجهه ونسبه وإنهم لخلقاء أن يخذلوك - والقوم سكوت - فغضب أبو بكر وقال: امصص ببظر اللات، أنحن نخذله؟ قال عروة: أما والله لولا يد لك عندي لأجبتك!

بكثرة أياديه ونبله وشهامته عرف قدر الرجل بمكة وفي قومه، وعند النبي ﷺ وأصحابه.

تقديمه ﷺ لأبي بكر.

في مفاوضات الحديبية كتبوا كتابًا جاء فيه: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو. اصطلحا علىٰ وضع الحرب عشر حجج يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. علىٰ أنه لا إسلال – أي: لا غارة بسل السيوف - ولا إغلال – أي: لا خيانة ولا غدر - وعلىٰ أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها فعل، وعلىٰ أنه من أتىٰ منهم محمدًا بغير إذن رده، ومن أتىٰ قريشًا من أصحاب محمد لم ترده، وعلىٰ أن محمد يرجع عامه هذا بأصحابه، ويدخل عليهم قابلًا في أصحابه فيقيم ثلاثًا، لا يدخل علينا السلاح إلا سلاح المسافر. السيوف في القرب. شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة، وشهد حويطب بن عبد العزىٰ ومكرز بن حفص بن الأخيف... كان أبو بكر > أول المسلمين شهودًا في صدر الكتاب، والناس كلهم من بعده!! وحين نحر الرسول ﷺ عن سبعة، كان أول من سماهم ﷺ، أبو بكر >، ثم عمر... !!

جاء في السيرة: أن دخل أبو سفيان المدينة علىٰ ابنته أم حبيبة زوج رسول الله ﷺ، ثم أتىٰ النبي ﷺ، وقال: يا محمد إني كنت غائبًا في صلح الحديبية فاشدد العهد وزدنا في المدة. قال: «أو لذلك قدمت يا أبا سفيان؟» فقال: نعم. قال: «فهل كان فيكم من حدث؟» قال: معاذ الله. قال النبي ﷺ: «فنحن علىٰ مدتنا وصلحنا، لا نبدل ولا نغدر». فلما خرج من عنده بدأ بأبي بكرفقال له: هل لك إلىٰ أن تجير بين الناس؟ قال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله. ثم خرج من عنده فأتىٰ عمر بمثل ذلك، قال عمر: إني لو وجدت الذر نقاتلكم لأعنتها عليكم! قال أبو سفيان: جزيت من ذي رحم شرًّا!

ثم أتىٰ عثمان، ثم أتىٰ فاطمة، ثم أتىٰ عليًّا... لقد بدأ به رسول الله ﷺ... وبدأ به أبو سفيان قبل جميع من نزع إليهم.

كان > هو المقصد، والمعتمد قبل غيره بعد رسول الله ﷺ... هذا هو أبو بكر.

موقف مشهود لأبي بكر يوم الحديبية:

لما تراضىٰ النبي ﷺ يوم الحديبية وسهيل بن عمرو، علىٰ أن يكتب في الكتاب: «وعلىٰ أن من أتىٰ قريشًا ممن كان علىٰ دين محمد بغير إذن لم ترده إليه» اضطربت قلوب الناس حتىٰ أن النبي ﷺ قال لأصحابه بعد انصراف سهيل بن عمرو: «قوموا فانحروا وأحلوا واحلقوا» يقولها ثلاثًا، كل ذلك وهم ينظرون في وجهه ويسمعون قوله ولا يطيعون أمره، حتىٰ غضب النبي ﷺ فدخل علىٰ أم سلمة فأخبرها بذلك متعجبًا، وكانت معه في تلك السفرة، قالت أم سلمة: «انطلق أنت يا رسول الله إلىٰ الهدي فانحره، فإنهم سيقتدون بك».

كان رسول الله ﷺ، قد قص علىٰ الصحابة رؤيا أنه حلق رأسه ودخل البيت وأخذ مفتاح الكعبة، وعرف المعرفين - أي الوقوف بعرفة - وخرج الجميع لا يشكون بالفتح، وقد تلا عليهم رسول الله ﷺ قوله تعالىٰ: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ﴾ [الفتح: 27] الآية، فلما رأوا الصلح والشرط وعاينوا الرجوع اضطربت نفوسهم... كان أول من وثب عند الكتاب عمر وهو يقول: يا رسول الله ألسنا بالمسلمين؟ قال النبي ﷺ: «بلىٰ» قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ قال النبي عليه السلام: «أناعبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره».

أقبل أبو بكر علىٰ عمر فقال: يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر به ولن يضيعه الله!

اعترض المشركون علىٰ: «هذا ما قاضىٰ عليه محمد رسول الله» وقالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما حاربناك ولكن اكتب: «محمد بن عبد الله» فقال النبي لعلي: «امحها يا علي». فقال علي: والله لا محوتها أبدًا! قال النبي ﷺ: «أرني مكانها». فأراها فمحاها وكتب «محمد بن عبد الله».

قال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. إن هذا كله حدب علىٰ الإسلام وغضب له، ولكنهم لم يطلعوا من الأمور ما تطلعه الرسل.

أقبل عمر علىٰ أبي بكر فقال: يا أبا بكر أليس قد أخبرنا النبي ﷺ وتلا علينا القرآن، قال أبو بكر: نعم. قال عمر: فما باله رجع بنا ولم ندخلها؟ قال له أبو بكر: وهل قال لك متي؟ إنما قال: لتدخلن وأنتم داخلوها لا محالة. وإنما كان لك مقالًا لو ضرب لك أجلًا فرأيت خلافه. واعلم أن الحق ما قال وصنع.

كان هذا موقفًا مشهودًا لأبي بكر >.

يوم فتح مكة:

هكذا كان حاله وخاصته وارتفاع قدره مع رسول الله ﷺ.

طلع النبي ﷺ علىٰ العباس وأبي سفيان يوم فتح مكة، والنبي ﷺ بين أبي بكر وأسيد بن حضير، أبو بكر عن يمينه، وقبل ذلك في الطريق كان بين أبي بكر وعمر، أبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره، فلما صارت الخيل بذي طوىٰ بين الخندمة والحجون مر النبي ﷺ وأبو بكر يسايره وحده، وإذا بنات أبي أحيحة قد نشرن شعورهن يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فنظر النبي عليه السلام وتبسم وقال: «كيف كان قال حسان؟ يلطمن بالخمر النساء».. قال أبو بكر: تظل جيادنا متمطرات.

هكذا كان حاله وخاصته وارتفاع قدره... ذلك من تقريب النبي ﷺ يوم فتح مكة وإكرامه له، وهي الدار التي خرجا منها هاربين مستخفين مصطحبين معًا، ثم رجعا إليها آمنين ظافرين مصطحبين معًا، يتسايران ويتحدثان.

يومئذ صعد أبو قحافة الجبل بصغرىٰ بناته وهو يومئذ مكفوف، فبكت ابنته فقال لها: لا تخافي فإن أخاك عتيقًا أكبر الناس عنده! فلما دخلوا مكة أقبل أبو بكر بأبيه وهو يومئذ شيخ مكفوف له غديرتان، كأن رأسه ثغامة - بيضاء من كثرة الشيب - وقال للنبي ﷺ: أتيتك بأبي يا رسول الله ليسلم. قال النبي ﷺ: «هلا تركت الشيخ في رحله حتىٰ آتيه». فمسح النبي ﷺ يده علىٰ صدره ودعاه إلىٰ الإسلام فأسلم.

هذا كله يدل علىٰ تقديم النبي ﷺ له.

نقل الفقهاء أن النبي ﷺ أتي بعس من لبن وهو في أصحابه، وأبو بكر عن يساره ورجل من الأعراب عن يمينه، وأصحابه قد أحبوا سؤره، فشرب النبي وأهوىٰ بالقدح نحو الأعرابي. قال عمر: أبو بكر يا رسول الله! قال النبي ﷺ: الأيمن فالأيمن( ).

علي أفقه من أبي بكر!!:

يزعمون أن عليًّا كان أفقه منه، وأصوب رأيًا، وأشد للأمور احتمالًا، بدليل ما نقل عنه في أبواب الفقه والفتيا والتأويل، مع كثرة الرواية المسندة، وأنه كان أعلم من أبي بكر بالحلال والحرام، وأنه كان يُسْأَل ولا يَسْأَل، ولم يرجع لأحد قط، وليس أحد من أصحاب النبي ﷺ إلا وله رجعة إليه، ولم يسمع لأبي بكر بكثير فتيا ولا كثير رواية، ورأس الدين الفقه والعلم به، وأفقههما أفضل فضلًا وأولىٰ بالإمامة؛ لأن أولىٰ الناس بالمسلمين أعلمهم بدينهم، ولأن من علم الدين لم يجهل أمر الدنيا.

فأقول: كثر ما نقل الناس عن علي لأنه عاش وبقي فكان يُسْتَفْتىٰ فيفتي، ويُسْأَل فيجيب، أما أبو بكر فكانت أيامه سنتان، ولو عاش لكثُرت روايته، وظهر فقهه وعلمه، ولقد ظهر ذلك كله ولكن الشيعة لا يبصرون.

كان > يوم توفي النبي ﷺ، أفضل المسلمين وأفقه في الدين، وأعرف بالأمور، وأصوب رأيًا، وأشد احتمالًا في ذلك الوقت الذي اختير فيه للخلافة... يستدل علىٰ صواب رأي أبي بكر واتساع صدره، أنه كان المرشد والمفزع بعد رسول الله ﷺ في المعضلات وعند الشبهات.

لا يشك أحد في قدره وسعة صدره وكثرة علمه!!

يوم وفاة النبي ﷺ:

أنقذ الله به الضلالة يوم توفي النبي ﷺ، اقتحم الناس عليه في منزل عائشة، فلما نظروا إليه هو مسجىٰ دخلهم أمر عظيم أذهلهم وحير عامتهم، حتىٰ قالوا: لم يمت، وكيف يموت هو شهيد علينا، ونحن شهداء علىٰ الناس؟! وكيف يموت وقد قال الله تعالىٰ: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 33] ولم يظهر بعد؟!

وكان عثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب يرددان هذه الآيات، وتوعدا أصحاب النبي ﷺ: من قال إنه مات. كان أول من رآه وهو مسجىٰ فأنكر موته عثمان، وقال: إنه والله ما مات، ولكن الله رفعه إليه كما رفع عيسىٰ بن مريم! والله لا نسمع أحدًا يقول مات إلا قطعنا لسانه! واضطرب الناس وماجوا وقام عمر في الناس خطيبًا فقال: لا أسمعن أحدًا يقول إن محمدًا مات! وإن محمدًا لم يمت، ولكن الله رفعه، أرسل إليه كما أرسل إلىٰ موسىٰ عليه السلام، فلبث عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل أنه قد مات. وإني لأرجو أن يقطع أيدي رجل وأرجلهم يزعمون أن محمدًا مات!

فبينما الناس هكذا إذ أقبل أبو بكر، علىٰ فرس له من السنح - بالضم: إحدىٰ محال المدينة في طرف من أطرافها، كان بها منزل أبي بكر حين تزوج حبيبة بنت خارجة - فسمع مقالة عمر وما يقوله الناس وما خاضوا فيه، فبدأ بالنبي ﷺ فدخل عليه وهو مسجىٰ، فكشف عن وجهه فقبله، ثم أقبل نحو المنبر وقال: ... أيها الحالف علىٰ رسلك! فلما رآه عمر قعد، وقام أبو بكر خطيبًا ثم قال: أيها الناس أجلسوا وأنصتوا، ثم حمد الله وأثنىٰ عليه وصلىٰ علىٰ النبي ﷺ ثم قال: أيها الناس إن الله قد نعىٰ نبيكم إلىٰ نفسه وهو حي بين أظهركم ونعاكم إلىٰ أنفسكم فهو الموت حتىٰ لا يبقىٰ أحد. ألم تعلموا أن الله قال: ﴿ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ﴾ [الزمر: 30].

قال عمر: بأبي أنت وأمي! فسكت الناس وأظهروا التسليم، وعرفوا الحق وبكوا، كأنهم لم يكونوا قد سمعوا بهذه الآية من قبل قط.

ثم تلا قوله تعالىٰ: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ﴾ [آل عمران: 144] ثم تلا: ﴿ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾ [الأنبياء: 35] ثم تلا: ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ﴾ [القصص: 88] ( ).

ثم أقبل علىٰ عمر وعثمان فقال: قال الله: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ﴾ [البقرة: 143] يقول: إنكم شهداء علىٰ من تلقون ممن لم يلق النبي ﷺ، كما كان النبي ﷺ عليكم شهيدًا، وقال الله: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 33] وإنما أراد دينه، والله متم نوره ومظهر دينه، فإذا أظهر دينه فقد أظهره.

يوم الردة علم ما لم يعلموا!!:

مشىٰ المهاجرون والأنصار إليه يوم الردة، ليقبل الصلاة من العرب ويترك الزكاة، وقالوا: إنهم لو قد صلوا لقد زكوا. قال: والله لو منعوني عقالًا مما أعطوه النبي ﷺ لجاهدتهم عليه! فقال له المهاجرون والأنصار: أو ليس قد قال النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتىٰ يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها حقنوا بها دماءهم وأموالهم» قال أبو بكر: إن فيها «إلا بحقها» قالوا: صدقت... ثم مضىٰ نحو أهل الردة يريدهم مغضبًا حتىٰ لحقه المهاجرون والأنصار، فمنعوه وكفوه وتقدموا أمامه.

أقبل أبو بكر يعزي عثمان للذي يرىٰ به من عظيم ما غمره من الحزن. فقال عثمان: ما آسىٰ علىٰ شيء، إنما علىٰ أنني لم أسأل النبي ﷺ عما فيه نجاة هذه الأمة! قال أبو بكر: قد سألت النبي ﷺ عن ذلك: فقال: «من قبل الكلمة التي عرضتها علىٰ عمي فأباها».

كان مما قاله يوم أشاروا عليه بأن يقبل بالصلاة: إن تميمًا إن أذن لها من الإسلام في نقض عروة، لم ترض بمثله بكر بن وائل، ولو أعطيت كنانة وألفافها وأحابيشها أمرًا، لم ترض قيس حتىٰ تزداد، ولئن سمعت قولكم لأنقضن الإسلام عروة عروة.

واجه الردة بإيمان صلب... أي مصير كان ينتظر الإسلام لو لم يكن أبو بكر يومئذ؟! يجيب عبد الله بن مسعود > فيقول: «لقد قمنا بعد رسول الله ﷺ مقامًا كدنا نهلك فيه، لولا أن مَنَّ الله علينا بأبي بكر».

في إنفاذ جيش أسامة:

مشىٰ إليه نفر من الصحابة يشيرون عليه بالتوقف، قال: لو بقيت وحدي حتىٰ تأكلني الكلاب ما أخرت جيشًا أمر رسول الله ﷺ بإنفاذه والوحي ينزل عليه... «يؤثر أن تتخطفه الذئاب علىٰ أن يرد للرسول ﷺ قضاء، أو يعطل مشيئة... ألا يدل ذلك علىٰ صواب رأيه وكثرة علمه وفقهه؟! لقد كان يستمد رأيه من إيمانه الراسخ الصامد بالله Q.

في موضع الدفن... من قبلت شهادته وحده جدير ألا يتقدمه أحد!!:

اختلفوا في موضع دفن رسول الله ﷺ، فقال قائل: خير المدافن البقيع؛ لأنه كان كثيرًا ما يستغفر لأهل البقيع، وقال آخرون: خير المواضع مصلاه، وقال آخرون: عند المنبر. قال لهم أبو بكر: إن عندي فيما تختلفون فيه علمًا. قالوا: فقل يا أبا بكر: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما مات نبي قط إلا دفن حيث يقبض» فخطوا حول فراشه ثم حولوا رأس رسول الله ﷺ بالفراش ناحية البيت. ولم نجد أحدًا اختلف عليه، ولا أظهر الشك في خبره قريب ولا بعيد. هذا والمنزل منزل ابنته... من قبلت شهادته وحده، إنه لجدير ألا يتقدمه أحد في القدر والعلم والأمانة والصدق.

انظر إلىٰ علمه وصواب رأيه وصحة فراسته وتوفيق الله تعالىٰ إياه يوم نعي النبي ﷺ نفسه، فكان أبو بكر أعلم الصحابة، ويوم ولي خالد بن الوليد حرب مسيلمة وطليحة وأهل الردة 

- وقد عوتب فيه من كل جانب وتناوله عمر - وهو يقول: لا أشيم سيفًا سله الله علىٰ أعدائه، ويوم اختار عمر بن الخطاب وجعل الأمر له من بعده وعوتب فيه ونوزع في أمره.

لقد بلغ من صحة فكره وصدق ظنه وقوة حسه أنه كان يظن الأمر فيقع به أو قريبًا منه!! كانت تقع في خلده أمورًا يصدق فيها ظنه وتصح فيها فراسته!!

كان علي > من فقهاء الصحابة، وأخذ من كل باب بنصيب، وذلك عدلًا وحسنًا جميلًا، وكان الفقه كما قال إبراهيم النخعي والشعبي: الفقه في أصحاب النبي ﷺ في ستة: في عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت... وقال الشعبي: كانت القضاة أربعة: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، وأبو موسىٰ الأشعري.

وماذا عن قوله ﷺ: «أقرؤكم أبي» فكان أبي أقرأ من علي... وقوله: «أفرضكم زيد» فترىٰ زيد كان أفرض منه، وقوله: «وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ» فكان معاذ عند النبي ﷺ أعلم منه، وكان علي أقضىٰ منهم في قوله ﷺ: «وأقضاكم علي»!!

روي أن عمر وعليًّا اختلفوا في الجد، فقال علي بقول، وقال عمر بقول، ثم رجع عمر إلىٰ قول علي، ورجع علي إلىٰ قول عمر!!

والمرويات كثيرة في هذا الصدد( ).

لو سألنا عن الفتوح: كان أبو بكر وعمر وعثمان... لأن أبا بكر رد الإسلام في نصابه، برد أهل الردة، وهو الفتح الأكبر، وقتل مسيلمة وأسر طليحة وغزا العدو ومنع الحوزة... ولأن عمر دون الدواوين، وفرض الأعطية وجند الأجناد، ومصر الأمصار، وجبىٰ الفيء، وبلغت خيله أفريقية، وأوطأ خيله خراسان، وأقصىٰ كرمان، وأزال ملك بني ساسان... ولأن عثمان هو الذي افتتح الثغور كلها: افتتح أرمينية، افتتحها حبيب بن مسلمة، وافتتح أذربيجان افتتحها المغيرة بن شعبة، وافتتح إفريقية افتتحها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وغيرها.

روي عن قبيصة بن جابر الأسدي وكان علامة داهية أنه قال: «ما رأيت رجلًا قط أخوف لله من أبي بكر، ولا أقوىٰ في دين الله من عمر، ولا أصدق حياء من عثمان، ولا أوصل لرحم ولا أعطىٰ من مال من طلحة، ولا أكثر مخارج في الأمور من معاوية، ولا أحضر جوابًا ولا أكثر صوابًا من عمرو».

كان أبو بكر أزهد!!:

لا سواء من كان ذا مال فأنفقه، ومن كان مقلاًّ فكسبه!!:

كان علي زاهدًا في الدنيا وفيما تناحر الناس عليه، ومن كان في الدنيا زاهدًا كان في الآخرة أعلمهم بأحوالها، ولكن أبا بكر كان أزهد منه.

فمن ذلك أن أبا بكر كان ذا مال كثير وتجارة واسعة، فأنفق ذلك إيثارًا لله ولرسوله، وطلب ما عنده حتىٰ لقي الله، وما كانت في تركته يوم مات غير بعير ناضح وعبد صيقل مع الخلافة وكثرة الفتوح والغنائم والخراج والصدقة!!

وكان علي بن أبي طالب مقلًّا يعال ولا يعول، ومات ذا مال وأوقاف... تزوج فأكثر وطلق فأكثر، حتىٰ عابه بذلك معاوية، وجعله طريقًا للنيل منه، وسبيلًا للطعن عليه، وقال: «إني والله ما أنا بنكحة ولا طلقة» واستشهد عليًّا وعنده تسع عشرة سرية مطهمة – أي: حسناء جميلة - وأربع نسوة عقائل!! ولم يتزوج أبو بكر في خلافته امرأة ولا اتخذ سرية، ولا تفكه بشيء، ولا آثر لذة وكان له طلقًا مباحًا!!

ما كان من أبي بكر في عمالته: أنه كلف بني تيم، ومن عنده أياديه أن يردوا ما أخذ من بيت المال فيه، لكي يجعل عمالته لله تعالىٰ، وعلىٰ ذلك احتذىٰ عمر، وكان علي يأخذ عمالته ولم يخبرنا أصحاب الآثار أنه ردها في بيت المال، ولا كلف ذلك بني هاشم... هذا في ذكر الزهد المباح، وفي الإيثار والرفض للفضول؛ لأنهما رضوان الله عليهما يرتفعان عن المديح والثناء.

وأمر أبو بكر > بنو تيم برد ما عنده إلىٰ بيت المال، وخرج من الدنيا خفيف الظهر، خميص البطن، ولما فعل ذلك قال عمر قولته المشهورة: «رحم الله أبا بكر، لقد شق علىٰ من بعده».

أنزل فيه من القرآن ما لم ينزله على أحد!:

مما يدل علىٰ فضله أن الله تعالىٰ أنزل فيه من القرآن، ما لم ينزله في أحد من المهاجرين والأنصار، كل ذلك يخبر عن فضله ويدل علىٰ مكانته منه ويثني عليه ويزكيه ويعظمه، وليس من أفرد الله فيه الآي، وأفرده بالذكر كمن ذكره في جملة المؤمنين، وجمهور الأنصار والمهاجرين!! كان مما أنزل الله في أبي بكر من تفضيله وتزكيته، وإن لم يسمه قوله لجميع المؤمنين: 

﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ 

ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ [التوبة: 40].

قالت الرافضة: إنما أخرجه النبي ﷺ خوفًا من أن يدل عليه ويسعىٰ بأمره إلىٰ أعدائه؛ لأنه كان علىٰ علم من النبي بالهجرة، وعرف ميقاته الذي عزم عليه!!

من هنا قال العلماء: أن من جحد كون أبي بكر صاحب رسول الله ﷺ فقد كفر؛ لأنه جحد نص الكتاب... وفي قوله تعالىٰ: ﴿ﯚ ﯛ ﯜﯝ﴾ [التوبة: 44] من الفضيلة لأبي بكر؛ لأنه شريك رسول الله ﷺ في كون الله تعالىٰ معه.

وفي إنزال السكينة قال العلماء: أنزل الله سكينته علىٰ أبي بكر، فأما النبي ﷺ فقد كانت السكينة عليه من قبل ذلك... قالوا: إن ما في الآية مخصوص بأبي بكر؛ لأنه كان محتاجًا إلىٰ السكينة لما تداخله من رقة الطبع البشرىٰ، والنبي ﷺ غير محتاج إليها؛ لأنه يعلم أنه محروس من الله تعالىٰ، فلا معنىٰ لنزول السكينة عليه، وهذه فضيلة ثالثة لأبي بكر... لو لم تكن له مأثرة إلا ما دلت عليه هذه الآية، وإلا شرف هذه الصحبة، وموقع هذه الخاصة، لكان أبو بكر فوق الجميع في المكانة والفضيلة، وفي مرافقة النبي ﷺ.

أشعار في مناقب أبي بكر!!:

بلغ من شيوع صحبة أبي بكر ومرافقته للنبي ﷺ ما أجمع عليه أصحاب السير والأشعار والأخبار، أن النبي ﷺ قال لحسان: أما قلت في أبي بكر شيئًا؟ فأنشأ يقول: 

إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة

فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

التالي الثاني المحمود مشهده

وأول الناس منهم صدق الرسلا

وثاني اثنين في الغار المنيف وقد

طاف العداة به إذ صعد الجبلا

خير البرية أتقاها وأطهرها

إلا النبي وأوفاها بماحملا

فجعله تاليًا، وثانيًا، وصاحبًا.

وقال أبو محجن: 

وسميت صديقًا وكل مهاجر

سواك يسمي باسمه غير منكر

سبقت إلىٰ الإسلام والله شاهد

وكنت جليسًا بالعريش المشهر

وبالغار إذ سميت بالغار صاحبًا

وكنت رفيقًا للنبي المطهر

فجعله سابقًا وصديقًا وجليسًا وصاحبًا.

وقال كعب بن مالك: 

سبقت أخا تيم إلىٰ دين أحمد وكنت

لدىٰ الفيران في الكهف صاحبا

فجعله سابقًا وجعله صاحبًا.

وقال النجاشي: 

غداة أتىٰ بدرًا وحر جلادهم

وكان جليسا بالعريش مؤازرا

وقال الحارث بن هشام: 

رفيقان في المحيا وفي الموت ضمنا

بأكرم مثوىٰ منزل ومكان

فضله على مسطح بن أثاثة:

أفرد الله تعالىٰ له من الآيات معظمًا شأنه، وذاكرًا لفضله علىٰ لسان جبريل ومحمد عليهما السلام، في قصة مسطح بن أثاثة - وكان ربيب أبي بكر وابن خالته - آلىٰ أبو بكر ألا ينظر في وجهه، ولا ينفق عليه ولا يكفله ولا يمون عياله، لما حدث منه تجاه عائشة، فلما أنزل الله براءتها وعذرها، أنزل الله علىٰ رسوله آية يأمر أبا بكر بالصفح عن مسطح، والتجاوز عن ذنبه، وتغمد ما كان منه، وأن يعيده في كنفه وعياله، فقال Q: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ﴾ [النور: 22].

تلاها رسول الله ﷺ علىٰ أبي بكر، فلما انتهىٰ إلىٰ قوله: ﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾ قال أبو بكر: بلىٰ يا رب! فعفا عنه، فوجبت له المغفرة، وأعاده إلىٰ نعمته، وعال عياله.

ومن الآيات التي أجمع أهل التأويل علىٰ أنها نزلت في أبي بكر > قوله تعالىٰ: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ﴾ [الأحقاف: 17].

كان أبو بكر وأهل بيته، أهل بيت إسلام: 

كان أبو بكر الصديق مسلمًا وأمرأته مسلمة، وأبواه مسلمان، وبناته مسلمات، وليس في العشرة الذين قال لهم النبي ﷺ إنهم في الجنة، ولا في قريش قاطبة رجل مؤمن الأبوين غير أبي بكر الصديق، ولا في قريش خاصة والمهاجرين عامة صاحب، ابن صاحب، ابن صاحب غير عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة، المسلم يوم فتح مكة، والقائل فيه رسول الله ﷺ لأبي بكر: «فهلا تركت الشيخ في منزله فأتيناه!» وله صحبة.

وفي قوله تعالىٰ: ﴿ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾ [الملك: 22].

قيل: نزلت في أبي بكر وأبي جهل.

وقوله تعالىٰ: ﴿ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ﴾ [الليل: 5-6] إلخ يعني: أبا بكر في إنفاقه المال وعتقه الرقاب والمعذبين، وقوله: ﴿  ﰆ ﰇ﴾ [الليل: 16] يعني: أبا جهل.

وفي قوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾ [الفتح: 16].

قيل: أنها نزلت في استنفار أبي بكر لقتال الروم.

وغير ذلك كثير من الآيات.

وزعمت الرافضة أن الله أنزل في علي > آيًا كثيرًا!!

ولا يعجز أحد أن يعمد إلىٰ كل آية في القرآن، فيدعىٰ أنها في أبي بكر وعمر كما زعموا ذلك في علي، ولكن العبرة في الصحة وظهور الحجة!!

تأميره ﷺ أبا بكر على الحاج عام 9هـ:

بعث رسول الله ﷺ أبو بكر أميرًا علىٰ الحاج عام تسع، وبعث عليًّا يقرأ علىٰ الناس آيات من سورة «براءة»، وكان أبو بكر الإمام وعلي المأموم، وكان أبو بكر الدافع بالموسم، ولم يكن لعلي أن يندفع حتىٰ يدفع أبو بكر... كان أبو بكر هو الأمير والوالي والمتبوع، وعلي هو المؤتم والسامع والمطيع، وبين التابع، والمتبوع، والآمر، والمأمور فرق!!

أين النص الإلهي بالإمامة؟!.. يخالفون ما جاء في «نهج البلاغة»!!

زعموا أن الله تعالىٰ قد نص علىٰ إمامة علي >!!

قالوا أن النبي ﷺ أوصىٰ إلىٰ رجل بعينه، وأمر أمته بالوصية في تركاتهم؛ لأن هذا أجمع للشمل، وأدعىٰ للألفة، ومنعًا للفساد، وأذهب للضغائن.

القرآن الكريم كله من أوله إلىٰ آخره ليس فيه آية تنص علىٰ إمامة علي، ولم يقل أصحاب التفسير والتأويل بذلك، أو أجمعوا علىٰ أن هناك آية أراد الله بها إمامة أحد، ولو كان هناك نص علىٰ علي > لظهر ذلك واضحًا يوم السقيفة، يوم قام أبو بكر وهو متكلم قريش وصاحب أمر المهاجرين، يقول بعد سكون الأنصار: بايعوا أي هذين الرجلين شئتم – يعني: عمر بن الخطاب، وأبا عبيدة بن الجراح - لم يدعيها لنفسه، ولم يأب أن تكون لغيره، ويومئذ لم يقل أحد من الأنصار ولا من المهاجرين، ولا من أخلاط الناس أن النبي ﷺ قد جعلها لعلي وحض عليها له، ولم يقل قائل أن النبي ﷺ كان قد قال قولًا يوم كذا وكذا يدل علىٰ أنها لعلي، ولم ينطق بذلك أحد بعد تلك الأيام، كما لم ينطق أحد فيها.

يوم أراد أبو بكر أن يجعلها لعمر من بعده، وسار إليه علية السابقين من المهاجرين والأنصار، ليصرفها إلىٰ من هو ألين جانبًا وأخفض جناحًا وأقل هيبة، وقالوا له: يا خليفة رسول الله إن الحاجة للأرمل والأرملة والضعيف والضعيفة، وعمر رجل مهيب في صدور الناس، والله ما نريد صرفها عنه... قال أبو بكر: «أبربي تهددوني»، أما إذا لقيته فقال لي: من استخلفت علىٰ عبادي؟ قلت: «استخلفت عليهم خير أهلك عندي».

جاء في الطبري، عن أسماء بنت عميس قالت: دخل طلحة بن عبيد الله علىٰ أبي بكر فقال: استخلفت علىٰ الناس عمر وقد رأيت ما يلقىٰ الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا بهم؟! وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك؟ فقال أبو بكر: - وكان مضطجعًا - أجلسوني، فأجلسوه فقال لطلحة: «أبالله تخوفني، إذا لقيت الله ربي فساءلني قلت: استخلفت علىٰ أهلك خير أهلك».

يومئذ لم يقل أحد أن هنالك نص لعلي >!!

ثم جعلها عمر شورىٰ - يوم طعن - بين ستة وجعل إليهم الخيار وسلم ذلك جميع المسلمين، فيهم الزهري، والتيمي، والهاشمي، والأموي، والأسدي، علىٰ أنها لو وقعت لأيهم لم يكن منكرًا عند الجميع... بل قال عمر وهو موف علىٰ قبره وعنده المهاجرون الأولون: «لو أدركت سالمًا مولىٰ أبي حذيفة ما تخالجني فيه الشك».

لم يقل أحد يومئذ أن هنالك نص لعلي >!!

في حروب علي مع طلحة والزبير وعائشة، وما أراقوا من الدماء، لم يقل واحد من الناس: لم تقاتلون رجلًا وقد نصبه رسول الله ﷺ وبين شأنه؟!

قال رجل لعمر بن علي: خبرني عن وصية رسول الله ﷺ إلىٰ أبيك. قال: والله إن هذا الكلام ما سمعت به قط إلا الساعة.

لو كان النبي ﷺ نصبه للناس وبين أمره لاحتج به الجميع!!

إذا ترك الرافضة كتاب الله تعالىٰ، وأضربوا عن الإجماع، واحتجوا بالرواية، فإن رواية غيرهم أكثر: قال رسول الله ﷺ: «ليؤمكم خياركم» وأمر ﷺ أبا بكر بأن يتقدم المسلمين في مصلاه ومقامه ومنبره!!

«نهج البلاغة» من أوثق الكتب لدىٰ الشيعة الإمامية( ).

وبالرغم من مكانة هذا الكتاب عند الشيعة والمكانة التي يعطونها لعلي > ومن ذلك أنه معصوم عن الكذب والخطأ والنسيان. وأنه إمام طاعته من طاعة الله، إلا أنهم يخالفون ما في النهج من كلام نسبوه لعلي > ولا يطيعونه، فلماذا الشيعة يخالفون كتاب الله وسنة رسوله وقول إمامهم!!.

قال الصدوق ابن بابويه القمي مصرحًا: اعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمة من بعده أنه كمن جحد جميع الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة إنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء، ثم أنكر نبوة محمد ﷺ.

وقال الطوسي: ودفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر؛ لأن الجهل بهما علىٰ حد واحد.

جاء في «نهج البلاغة» في خطبة لعلي حينما دعوه إلىٰ البيعة بعد مقتل عثمان ب قال فيها: دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول... إلىٰ أن قال: وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا... فلله العجب! أين النص الإلهي بالإمامة الذي يزعمونه؟ وكيف لعلي > أن يرفضها لو كان هناك نص؟! إذ لو كان أمر الإمامة أو الخلافة كما يصورها الشيعة بأنها نص إلهي في علي > وأبنائه الإحدىٰ عشر من بعده، كما يذكر ذلك الكليني في الكافي: عن أبي عبد الله (ع) قال: إن الإمامة عهد من الله Q معهود لرجال مسمين ليس للإمام أن يزويها عن الذي يكون بعده.

كيف يستطيع علي > أن يقول دعوني والتمسوا غيري هل يتهم الشيعة الإمام علي > بعصيان الله؟ أين حبهم لعلي >؟ إن عليًّا > عند أهل السُّنة من خيرة الصحابة ومن أكثرهم طاعة لله، وإنه من المبشرين بالجنة، لكننا نقول بأن عليًّا > هنا وفي «نهج البلاغة» يقرر أن الخلافة يجوز أن تكون له أو لغيره، ويقول نفسه عن نفسه أكون مقتديًا خيرًا لي من أن أكون إمامًا. فهو لا يرىٰ الأمر كما يراه الشيعة.

وحسب ما رووا في «نهج البلاغة» أيضًا، قال علي > مخاطبًا طلحة والزبير: «والله ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة، ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها».

فهل يجوز بعد هذا لأحد أن يقول بأن هناك نصًّا إلهيًّا وهذا علي > يقول بأنه ليس له في الخلافة رغبة؟ وأنهم حملوه عليها. فلو كان هناك نص لما رفض علي > الخلافة، وما العمل وقد جعلوا من أنكر الإمامة كافرًا.

وفي «نهج البلاغة» أن عليًّا قال في وصف بيعته بالخلافة: «وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، ثم تداككتم علي تداكُ الهيم علىٰ حياضها يوم وردها». فهذا الوصف منه يدل علىٰ أنه لم يقبل عليها وكان يتمنعها حتىٰ أن لم يجد بدًّا من قبول بيعتهم له.

وورد في «نهج البلاغة» قول علي > وهو يذكر أمر الخلافة والإمامة: «رضينا عن الله قضائه، وسلمنا لله أمره... فنظرت في أمري فإذا طاعتي سبقت بيعتي إذ الميثاق في عنقي 

لغيري».

إذن أمر الله الذي سلم له علي: أن تكون الخلافة في أبي بكر، فأين أمر الله بالخلافة والإمامة لعلي؟!!.

ويقول علي البحراني في «منار الهدىٰ»: «ولما رأىٰ ذلك تقدم إلىٰ الصديق، وبايعه المهاجرون والأنصار، والكلام من فيه وهو يومئذ أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، لا يتقي الناس، ولا يظهر إلا ما يبطنه لعدم دواعي التقية، وهو يذكر الأحداث الماضية فيقول: «فمشيت عند ذلك إلىٰ أبي بكر، فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث... فتولىٰ أبو بكر تلك الأمور فسدد ويسر وقارب واقتصد فصحبته مناصحًا، وأطعته فيما أطاع الله جاهدًا».

وكان علي > - كما ذكر - مطيعًا لأبي بكر ممتثلًا لأوامره فقد حدث أن وفدًا من الكفار جاءوا إلىٰ المدينة المنورة، ورأوا بالمسلمين ضعفًا وقلة لذهابهم إلىٰ الجهات المختلفة للجهاد واستئصال شأفة المرتدين والبغاة، فأحس منهم الصديق خطرًا علىٰ عاصمة الإسلام والمسلمين فأمر الصديق بحراسة المدينة وجعل الحرس علىٰ أنقابها يبيتون بالجيوش، وأمر عليا والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود أن يرأسوا هؤلاء الحرائر، وبقوا كذلك حتىٰ أمنوا منهم.

عمر بن الخطاب يستشير علي ب في قتال الفرس والروم!!:

حب وثناء وإنصاف... !!:

وورد في النهج أن عمر بن الخطاب > لما استشار عليًّا > عند انطلاقه لقتال فارس وقد جمعوا للقتال، أجابه: «إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله تعالىٰ الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده، حتىٰ بلغ ما بلغ وطلع حيثما طلع، ونحن علىٰ موعد من الله تعالىٰ حيث قال عز اسمه ﴿ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ﴾ [المائدة: 9] وتلىٰ الآية، والله تعالىٰ منجز وعده وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر في الإسلام مكان النظام من الخرز فإن انقطع النظام تفرق الخرز، ورب متفرق لم يجتمع، والعرب اليوم وإن كانوا قليلًا فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع، فكن قطبًا، واستدر الرحىٰ بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انقضت عليك من أطرافها وأقطارها، حتىٰ يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدًا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكَلَبِهم عليك وطمعهم فيك. فأما ما ذكرت من مسير القوم إلىٰ قتال المسلمين فإن الله سبحانه وتعالىٰ هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر علىٰ تغيير ما يكره. وأما ما ذكرت من عددهم فإنَّا لم نكن نقاتل فيما مضىٰ بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة».

وفي النهج لما استشار عمر بن الخطاب عليًّا ب في الخروج إلىٰ غزوة الروم، قال: «... إنك متىٰ تسر إلىٰ هذا العدو بنفسك، فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصىٰ بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه. فابعث إليهم رجلًا مجربًا، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن كانت الأخرىٰ، كنت ردْءًا للناس ومثابة للمسلمين».

وأورد المرتضىٰ في النهج عن علي > من كتابه الذي كتبه إلىٰ معاوية ب: «إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، علىٰ ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورىٰ للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا علىٰ رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضىٰ فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلىٰ ما خرج منه فإن أبىٰ قاتلوه علىٰ اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولىٰ».

وهنا يستدل الإمام علي > علىٰ صحة خلافته وانعقاد بيعته بصحة بيعة من سبقه، وهذا يعني بوضوح أن عليًّا > كان يعتقد بشرعية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، كما يذكر في هذا النص الواضح في معناه والذي كتبه إلىٰ معاوية بن أبي سفيان >، بأن الإمامة والخلافة تنعقد باتفاق المسلمين واجتماعهم علىٰ شخص، وخاصة في العصر الأول باجتماع الأنصار والمهاجرين فإنهم اجتمعوا علىٰ أبي بكر وعمر، فلم يبق للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد( ).

في البيعة:

كان الحسن يقول: والله أعلم أنه كان خيرهم، ولكن المؤمن يهضم نفسه!!

قول أبي بكر في خطبته التي خطب بها في أول خلافته: «وليتكم ولست بخيركم» يقول قتادة: إنما أراد لست بخيركم في الحسب، وليعلمهم أنه إذ يليهم بالحسب، فإنما وليهم بالسابقة لأنهم قد كانوا أكثروا من قولهم: أرضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي تيم عليكم؟ وأراد في أول مقام قامه أن يعلمهم أن ذلك المقام لا ينال بأن يكون صاحبه خير الناس حسبًا ومركبًا، إنما ينال بأن يكون خير الناس علمًا وعملًا.

وقال آخرون: إنما أراد بقوله مداواة قلبه، واستعظام صغير ذنوبه، وأراد أن يكون سبيله سبيل من يظهر التعلم إذا علم، وسبيل من يتواضع إذا عظم، فجمع بذلك حسن الأدب والبعد من التزكية، والتواضع لربه.

قال في خطبته بعد البيعة: «وقد كانت بيعتي فلته، وخشيت الفتنة. وأيم الله ما حرصت عليها يومًا ولا ليلة، ولا سألتها الله في سر ولا علانية، ومالي فيها راحة وقد قلدت أمرًا عظيمًا ما لي به طاقة، ولوددت أن أقوىٰ الناس عليها مكاني».

كان > زاهدا فيها، قليل الحرص عليها:

وأية بيعة أثبت من هذه البيعة!!:

قوله: وددت أنه لو كان في الناس من هو أقوىٰ عليها منه، أي أنه لا يرىٰ في الأرض يومئذ رجلًا هو أقوىٰ عليها منه... ومثل هذا في كلام العرب كثير!! يومئذ قال أبو بكر في السقيفة للأنصار ومن حضر من المهاجرين، بعد أن قرر الأنصار بفضل المهاجرين عليهم: «بايعوا أي هذين شئتم» يعني: عمر وأبا عبيدة.

قال عمر: «والله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إليَّ من أن أتقدم أبا بكر». وقال: «والله لأن أضجع فأذبح كما يذبح الجمل أحب إليَّ من أتقدم أبا بكر».

قال عمر: «الحمد الله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه. والله ما استبقنا إلىٰ شيء من الخير إلا سبقنا إليه، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم».

أية بيعة أثبت من بيعة عقدها عمر، والنبي يقول: «ضرب بالحق علىٰ لسانه» و«الشيطان يفر من حسه» و«اللهم أعز الإسلام بعمر».

أية بيعة أثبت من بيعة عقدها أبو عبيدة بن الجراح، والنبي ﷺ يقول: «لكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة» أخرجة البخاري.

أية بيعة أثبت من بيعة عقدها عبد الله بن مسعود، الذي يقول فيه النبي ﷺ: «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وكرهت لها ما كره ابن أم عبد».

قال في عمر: «لقد خشيت الله في حب عمر» وقال: «ما صلينا ظاهرين حتىٰ أسلم عمر» وقال بعد موت عمر: «إن عمر كان للإسلام حصنًا حصينًا يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه..» وقال: «إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر».

ولقد بلغ من تقديمه وتعظيمه لأبي بكر وعمر وعثمان أنه قال عند اختيار الناس لعثمان: «ما ألونا أن جعلناها في أعلانا ذا فوق»... كان هذا هو قوله فيهما وتفضيله لعمر وعثمان أتباع أبي بكر وشيعته وأوليائه، فما ظنك به في أبي بكر؟!

وهذا هو مذهب علي > فيهما وتعظيمه لهما!!:

لما بويع أبو بكر وبايعه علي وبنو هاشم، قام أبو بكر فطاف في الناس ثلاثًا يقول: «أيها الناس، قد أقلتكم بيعتي» قالوا ومنهم علي: «والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله ﷺ تصلي بالناس، فمن ذا يؤخرك؟!».

وقف علي، علىٰ منبره قائلًا: «ألا إن خير هذه الأمة أبو بكر، والثاني عمر، ولو شئت أن أخبركم بالثالث فعلت».

وروي عنه > أنه قال: بينا أنا يومًا عند رسول الله ﷺ، إذ أقبل أبو بكر وعمر فقال النبي: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، ما خلا النبيين والمرسلين، لا تخبرهما بالذي قلت يا علي» قال علي: لولا أنهما ماتا ما حدثتكم.

دخل علي، علىٰ عمر وهو مسجىٰ فقال: رحمك الله يا عمر! والله ما أحد أحب إلىٰ أن ألقىٰ الله بمثل صحيفته من هذا المسجىٰ صاحب السرير!

وبلغه أن رجلًا تناول أبا بكر وعمر فقال للرجل: لو سمعت منك الذي بلغني لألقيت أكثرك شعرًا... وقال: لو أتيت برجل يشتمهما لجلدته حد المفتري.

وروي عنه أنه قال: كنت إذا سمعت من النبي ﷺ حديثًا نفعني الله بما شاء منه، فإذا حدثني غيره عنه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني - وصدق أبو بكر - حدثني أن النبي ﷺ قال: «ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر له».

ثم الذي كان من تزويجه أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ من عمر بن الخطاب، طائعًا راغبًا، وعمر يقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه ليس سبب ولا نسب إلا منقطع، إلا نسبي» قال علي: إنها والله ما بلغت يا أمير المؤمنين. قال: إني والله ما أريدها لذاك! فأرسلها إليه فنظر إليها قبل أن يتزوجها، ثم زوجها إياه، فولدت له زيد بن عمر... ثم تسمية علي وأولاده بأسمائهم، كما يتبرك الرجل بأسماء أئمته وقادته، حين سمىٰ بعمر وعثمان وأبي بكر، فأعقب عمر ولم يعقب أبو بكر وعثمان.

ثم الذي كان من قبوله ولاية عمر حين استخلفه علىٰ المدينة، ومضىٰ عمر معسكرًا يريد جيش مهران بن باذان القائد الفارسي بعد وقعة قس الناطف فأتاه علي إلىٰ معسكره، فأشار عليه فيمن أشار بأن الرأي أن يرجع إلىٰ المدينة ولا يلقاهم بنفسه وحده، بل يكون للمسلمين فيئه – أي: مرجعًا - فرجع عمر.

أمرهم عجب... كله عجب!!:

إن قال قائل: إن أبا بكر كان مع النبي ﷺ في الغار وقد نطق به القرآن وثبته الإجماع... قالوا: فإن عليًّا أباته النبي ﷺ علىٰ فراشه.

وإن قلت: إن النبي ﷺ سمىٰ أبا بكر بالصديق تفضيلًا له ولم يجعل له اسمًا يفضله به. قالوا: بلىٰ، قد كان النبي سماه الصديق الأكبر، ولكن الناس منعوه ذلك وظلموه، حين لم يسيروه ويشيعوه!!

وإن قلت: إن النبي اشتكىٰ أيامًا وليالي، كل ذلك يأمر أبا بكر بالصلاة وهو حاضر، ولا يأمره. قالوا: لأن عليًّا كان مشغولًا بتمريضه.

وإن قلت: إن الناس لما افتتنوا بعد موت النبي وعظموا شأنه حتىٰ دعاهم الإفراط إلىٰ أن قالوا: لم يمت، ولكنه يغيب مثل ما غاب موسىٰ عن قومه. فكان أبو بكر هو المتكلم والمحتج والمحامي حتىٰ عرفهم الحق وتنبهوا!! قالوا: لأن عليًّا قد كان اشتد حزنه حتىٰ قطعه عن الاحتجاج.

وإن قلت: حين أظهروا الفرقة والدار دارهم، لو تركهم أبو بكر ولم يعرفهم فضل المهاجرين عليهم. لكان في ذلك أشد الفتنة وأكبر الفساد، فعاجلهم وتجرد للاحتجاج عليهم، حين كان كل إنسان همه هم نفسه، وعلي بمعزل حتىٰ كأنه كان غائبًا. قالوا: لأن عليًّا كان قد عرف حسد قريش وبغيها عليه، وطاعتها وحبها لأبي بكر، فلم يكن ليقدح في غير مقدح، أو ينفخ في غير فحم.

فإن قلنا: إن إظهار علي الرضا بالشورىٰ دليل علىٰ طاعة عمر. قالوا: إنما ذلك للتقية... فإن قلت: إن عليًّا قال لأسماء بنت عميس - وهي يومئذ امرأته - حين تفاخر ولدها من أبي بكر، وجعفر، وعلي عندها: اقض بين ولدك. فقالت: ما رأيت شابًّا أطهر من جعفر ولا رأيت شيخًا كان أفضل من أبي بكر، وإن ثلاثة أنت أخسهم لفضلاء! فلم ينكر ولم يحتج، ولم يفرق ولم يتعجب، والكلام يؤثر والقضية تظهر!!

قالوا: إن فضله أظهر في الناس من أن يحتاج إلىٰ الاحتجاج، وإنما قالت مازحة، كما تمزح المرأة مع زوجها.

فإن قلت: إن عليًّا قد بايع أبا بكر وأعطاه صفقته طائعًا غير مكره والحكم السابق من الله ورسوله أن المدعي عليه إذا أقر ولم ينكر، ولم ير الوالي أثر جنون ولا إكراهًا، أن إقراره جائز عليه، فكذلك علي إذا كان قد بايع، وليس علىٰ رأسه سيف ولا سوط، فحكمه حكم الراضي المستسلم.

قالوا: قد كان هناك إكراه ظاهر، ولكن الناس تكاتموه وأخفوه فيما بيننا وبينهم، إذ كان الجمهور الأكبر معهم.

فإذا قلت: قد صدقناكم في قولكم إنه كان في تقية من أبي بكر وعمر وعثمان، أرأيتم أيام سلطان نفسه ومعه مائة ألف سيف تطيعه وأهل الأرض كلهم رعيته ما خلا الشام، لم كان يظهر تزكية أبي بكر، وعمر علىٰ منبره وفي مجلسه؟!

قالوا: للتقية من رعيته، إذ كان أكثرهم علىٰ هواهم وطاعتهم.

قلنا: قد عرفنا أن تركه لعنهم والبراءة منهم والإخبارعن استبدادهم وظلمهم، علىٰ التقية، فما حمله علىٰ تزكيتهم والإخبار عن محاسنهم والرواية الحسنة فيهم، وقد كان له السكوت سعة، وعن الكلام مندوحة؟! وقد تعدىٰ في مديح أبي بكر وعمر حتىٰ قال لابن طلحة: إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله فيهم: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴾ [الحجر: 47].

وإن قلنا: إن في تسمية بنيه بأسمائهم دليل علىٰ تعظيمه لهم.

قالوا: لأنه قد كان علم أن شيعته سيحتاجون في آخر الزمان إلىٰ الترحم علىٰ أبي بكر وعمر وعثمان تقية من شيعتهم، فسمىٰ بنيه بأسمائهم حتىٰ يكون ذلك الترحم واقعًا عليهم، ولأن ينصب لهم من قصدوا إليه بالترحم أصابوا الحق ولم يحتاجوا إلىٰ الاشتداد في الخصومة والدفاع.

وإن قلنا: إنه زوج عمر غير مكره، ولا شيء أدل علىٰ الخاصة والصفاء من المشاركة والمصاهرة.

قالوا: قد كان هناك توعد وتخوف، وقد قال بعضهم: إن هذا باطل وإن عليًّا لم يزوج عمر قط، وقال البعض: قد كان ذلك علىٰ التقية، ولكن الله صانها فأخفاها ورفعها.

فقيل له: فخبرنا عن التي رأوها في منزل عمر وعلىٰ فراشه، وولدت منه زيدًا، ما هي؟ وأي شيء كانت؟

قال: شيطانة في صورة امرأة.

وإن قلت لهم: كيف زعمتم أنه كان أشد أهل الأرض قلبًا، وأنتم تزعمون أنه كان يتقي كل شيء، حتىٰ ليسلم حرمته إلىٰ كافر من غير أن يشهر عليه سيف أو يضرب بسوط!!

وتزعمون أن أبا بكر، وعثمان كانا أجبن البرية وأبعده من حمية، وقد رأينا صنيع أبي بكر في الردة كيف نهض بالقليل في محاربة الكثير، وقال قولته الشهيرة: «لو بقيت حتىٰ يأكلني السباع وحدي ما أخرت جيشًا أمر رسول الله ﷺ بإنفاذه».. ثم رأينا عثمان وهو محاصرًا معطشًا وقد قهره عدوه، والسيوف تلمع علىٰ بابه، وقد أفضوا إلىٰ داره، وهم يريدون نفسه أو خلع الخلافة عن عنقه، فصبر حتىٰ قتل كريمًا محتسبًا وهو يقول: «لا أنزع قميصًا قمصنيه الله».

يقولون: إن ما فعله أصحاب السقيفة ليس مما أنزله الله، وأن القرآن يحرمه حرمة أبدية في كثير من آياته!! وليس للصحابة ولا من حقهم أن يقيموا شخصًا ويوجبوا علىٰ الناس طاعته... مستدلين علىٰ ذلك بقوله تعالىٰ: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴾ [القصص: 68] أي: أن الله هو الذي يخلق ويختار من شاء للنبوة ومن يشاء للخلافة، لا أهل السقيفة. فإنه ليس لهم ولا لغيرهم الخيرة في شيء أبدًا... ويستندون إلىٰ حديث الغدير وحديث الكساء، والوصية التي جرت علىٰ الإسلام والمسلمين النكبات!!

- ما حدث في السقيفة كان صحيحًا، ومطابقًا لشريعة الله، وموافقًا لما جاء به رسول الله ﷺ ومتفقًا مع ما نزل به كتاب الله.

- ما حدث يوم السقيفة كان نتيجة شورىٰ أهل الحل والعقد، والشورىٰ فضيلة من الفضائل التي دعا إليها الإسلام، وأن البيعة تمت لأبي بكر بالاختيار لا بالإكراه وكان نتيجة تزكية ممن زكاهم الله تعالىٰ وشهد لهم بالعدالة، ولو كانت بيعة أبي بكر باطلة لكانت كل بيعة بعدها باطلة، ومنها البيعة التي تمت لعلي بن أبي طالب، بل إن بيعة علي تكون أولىٰ بالبطلان؛ لأن من الذين بايعوا أبا بكر من هم أفضل ممن بايعوا علي بن أبي طالب!!

كما أن علي بن أبي طالب قد بايع أبا بكر، ومبايعته له إقرار بصحة خلافته!!

- تناسوا أن ما يقولونه عن خلافة أبي بكر، يمكن أن يقال مثله في خلافة علي... الذين بايعوا عليًّا > هم من الصحابة، وإنه إذا لم يكن من حق من بايعوا أبا بكر > أن يقيموا شخصًا ويوجبوا علىٰ الناس طاعته. فليس من حق من بايعوا عليًّا أن يقيموا شخصًا، وأن يوجبوا علىٰ الناس طاعته وفاتهم أن الذين بايعوا عليًّا ليس لهم ولا لغيرهم الخيرة في شيء أبدًا لأنهم ليسوا ملائكة ولا معصومين.



الخاتمة

أهم نتائج البحث

في الختام أحمده سبحانه وتعالىٰ وأشكره علىٰ ما يسر وهدىٰ.. ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ﴾ [البقرة: 286] والله تعالىٰ وحده يعلم قدر الجهد والمعاناة الذي لقيته في إعداد هذا البحث... أسأله Q أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم... شرعت في كتابة هذا البحث من سنين، ولم أظفر بعد هذا الجهد إلا بهذه الورقات أقدمها باستحياء... هذه الورقات هي ثمرة عمل بذلت فيه أقصىٰ ما أملك من جهد، وأنفقت فيه سنين كثيرة العدد، كانت سنين متواصلة الشدائد متعاقبة الشواغل، مشوبة بأنواع الهم، مترعة كأسها بالألم، أستطيع العمل فيها يومًا ثم تصرفني الحوادث أيامًا، وأعود إليها شهرًا ثم أنقطع. فلا غرو أن جاء عملًا دون ما أردت له من كمال، وما ينبغي له من إتقان، بيد أنه علىٰ كل حال هو أقصىٰ ما وصل إليه بحثي وغاية ما وسعت نفسي.

مما تقدم في مباحث ومطالب هذا الكتاب، يتضح للقارئ عددٌ من النتائج التي يمكن إجمال أهمها فيما يلي: 

- في تتبعي لأسباب الخلاف بين الشيعة الإمامية والفرق الإسلامية الأخرىٰ، توصلت إلىٰ أن الخلاف بينهما ليس بسبب أن الإمام عليًّا أولىٰ بالخلافة من غيره، ذلك لأن الشيعة الزيدية وهي تؤلف طائفة كبيرة تربو علىٰ الملايين تعتقد بأحقية علي بالخلافة بعد الرسول الكريم ولكن الوئام والأخوة والمحبة يسود بينها وبين أهل السنُّة والجماعة...

- السبب الأساسي في الخلاف بين الشيعة الإمامية والفرق الإسلامية الأخرىٰ ليس هو موضوع الخلافة، بل هو موقف الشيعة من صحابة رسول الله ﷺ... من الخلفاء الراشدين وتجريحهم إياهم، الأمر الذي لا نجده عند الشيعة الزيدية وبعض الفرق الأخرىٰ، ولو اكتفت الشيعة الإمامية بسلوك الزيدية، لقلت الخلافات ولضاقت مساحة الشقاق، ولكن الشيعة الإمامية وقعت في الخلفاء الراشدين تجريحًا وانتقاصًا فكانت الفتنة.

- أن دين إيران دين جديد وضعي جاء بتعاليم وممارسات ما أنزل الله بها من سلطان.

- أن دين إيران ما هو إلا وسيلة سياسية لجعل إيران نقطة الارتكاز في امبراطورية فارسية تتوسط ولاءات طائفية، تسحق البعد الوطني وتقفز من فوقه إن لم تستطع تدميره بالكامل، وتمتد من أفغانستان إلىٰ العراق وأجنحة بلاد الشام والخليج العربي.

- أن تشيع إيران يستمد قوته من شيعة جهلة يمارسون شعائر مشركة لا صلة لها بالله ودينه الحنيف من بينها اللطم والتطبير وزيارة القبور وعبادتها... دين يعبد أشخاص يفترض انتماءهم لأهل بيت النبوة ويعتبر أن زيارة قبورهم تعبد والنذر لهم تقربًا إلىٰ الغيب!! وهذا منهج يتعارض مع الإسلام الذي أوجد الصلات الحية المباشرة بين العبد وربه.

- إنه تشيع شوفيني عنصري يعادي الأمة العربية المسلمة، ويثأر لقيامها بإسقاط الامبراطورية الفارسية... وعندما جاءت الثورة الإسلامية في إيران، وهي الدولة الإمامية الوحيدة في الأرض أعلنت في دستورها المادة (12): أن الدين الرسمي هو الإسلام، والمذهب الجعفري هو الاثنىٰ عشري، وهذه المادة غير قابلة للتغيير إلىٰ الأبد... تعصب طائفي، وتعصب فارسي يظهر في الدستور عندما اشترطوا أن يكون رئيس الجمهورية «فارسيًّا».

- سلوكية الشيعة في كل وقت وزمان سلوك واحد؛ لأنه ينبثق من مصادر واحدة، فمؤلفاتهم كلها دعوة لتعذيب وتقتيل أهل السنُّة (النواصب)، فإذا استضعفوا استعملوا (التقية)، وإذا تمكنوا استعملوا أشد أنواع القتل والتكفير لأهل السُّنة، منطلقين من عقدة الاضطهاد التي تولدت وولدت عند أتباعهم، مثلما ولّد اليهود عندهم عقدة المظلومية والاضطهاد، والتي تولد بدورها الحقد الدفين،وحالهم حال العبيد؛ استخذاء تحت سوط الجلاد وتمرد حين يرفع السوط.

- تربىٰ الشيعة علىٰ هذه العُقد أكثر من أربعة عشر قرن، وكلهم وإن كان بنسب مختلفة يحمل هذه العُقد، لذلك إذا تمكن الشيعي فعل ما يندىٰ له الجبين، والسُّنة لا يصدقون كلّ ذلك لأنهم أحيانًا لا يفهمون الدوافع الحقيقية للشيعة.

- في التاريخ كان حقد الدولة الصفوية عامًّا علىٰ أهل السُّنة... لم يأت علىٰ الدولة العثمانية ولا علىٰ قومية معينة، بل وزعت حقدها علىٰ أهل السُّنة، سواء كانوا إيرانيين أو عراقيين أو أفغان أو أوزبك وأتراك كلهم متهمون بجريمة التسنن!!ما فُعل سابقًا، اليوم يفعل في العراق مع أهل السُّنة، ذيقتل المرء لكونه سُنيًّا، اليوم في العراق أخرجوا معتقدهم الحقيقي الذي وضعته الدولة الصفوية ونفذته، وسيفعلون في البحرين والكويت والسعودية ما فعلته القيادات الدينية الشيعية في العراق بالسُّنة. إن نجح مخططهم لا قدر الله.

ولنتساءل دومًا ماذا فعلوا عندما تمكنوا؟ ماذا فعلوا عندما حكموا العراق؟؟ قالوا أنّ الشيعة ظلموا أربعة عشر قرنًا، وآن لهم أن يأخذوا حقهم... وعندما ذهب وفد جماعة الإخوان لتهنئة الخميني بنجاح ثورته الإسلامية، أخبرهم نائبه أنهم - أي السُّنة - حكموا (14) قرنًا، وآن للشيعة أن يحكموا العالم الإسلامي.

- أن الصحابة ش هم حجر الزاوية في بناء الأمة المسلمة، عنهم قبل غيرهم تلقت الأمة كتاب الله Q وسنة رسوله ﷺ فالغض من شأنهم والتحقير لهم، بل النظر إليهم بالعين المجردة من الاعتبار، لا يتفق والمركز السامي الذي تبوءوه، ولا يوائم المهمة الكبرىٰ التي انتدبوا لها ونهضوا بها0 كما أن الطعن فيهم والتجريح لهم، يقوض دعائم الشريعة، ويشكك في صحة القرآن، ويضيع الثقة بسنة رسول الله ﷺ! فضلًا عن أنه تجريح وقدح فيمن بوأهم تلك المكانة، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس!!

- لابد أن تعتقد وأنت تقرأ تاريخ أصحاب رسول الله ﷺ أمرين اثنين: 

1- أن أصحاب النبي ﷺ هم خير البشر بعد الأنبياء، وذلك لأن الله تبارك وتعالىٰ مدحهم والنبي ﷺ مدحهم في أكثر من حديث أنهم أفضل الأمة أو الأمم بعد أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.

2- لابد أن تعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ غير معصومين، نعتقد العصمة في إجماعهم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن هذه الأمة لا تجتمع علىٰ ضلالة، فهم معصومون من أن يجتمعوا علىٰ ضلالة، ولكن كأفراد هم غير معصومين، فالعصمة لأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم.

- أن المراد بعدالتهم جميعًا؛ عصمتهم من الكذب في حديث رسول الله ﷺ، وليس معنىٰ عدالتهم عصمتهم من المعاصي أو من السهو أو الغلط، فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، وحتىٰ مع ارتكاب بعضهم لبعض الذنوب، فقد امتن الله Q عليهم بالتوبة والمغفرة لذنوبهم؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

- ما اتهم به أبو هريرة > من أكاذيب وافتراءات من قبل أرباب الأهواء قديمًا وحديثًا، سندهم فيه إما روايات مكذوبة أو ضعيفة، وإما روايات صحيحة لم يفهموها علىٰ وجهها، بل تأولوها تأويلًا باطلًا يتفق وأهواءهم.

- توصلنا إلىٰ أن كفر الصحابة وخاصة المهاجرين والأنصار وخاصة العشرة المبشرين بالجنة ينتج عنه: نسبة الجهل لله سبحانه وتعالىٰ، وأنه Q لا يعلم الغيب، والطعن في رحمته سبحانه وفي حكمته وسوء اختياره للنبي ﷺ، والطعن في القرآن لأن الطعن في الناقل طعن في المنقول، وكذا الطعن في النبي ﷺ «من باب المرء علىٰ دين خليله وقرينه»، فلو صح قول الشيعة في جمهور الصحابة لكان قولهم تكفيرًا لرسول الله ﷺ، والطعن في النبي ﷺ في أنه زوج ابنتيه لمنافق وتزوج من بنات منافقين... وهذا فيه إيذاء وتنقيصًا لرسول الله ﷺ، والذي يؤذي رسول الله ملعون بنص القرآن الكريم، كما أن الطعن في آل البيت ش لأن المصاهرة كانت وثيقه بين آل البيت والصحابه وخاصة العشرة المبشرة بالجنة ش، وكما يزعم الشيعة - الطعن في الأمة الإسلامية وكل هذا كفر صريح ولا يمكن فصل الناتج عن السبب؛ لأنهما متلازمين قال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ﴾ [النمل: 14]( ) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الصارم»، (صـ590): «ومن زعم أنهم ارتدوا بعد الرسول عليه الصلاة والسلام إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفرًا، أو أنهم فسّقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ لأنه كذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضىٰ عليهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين».

تكفيرهم للصحابة، وعامة المسلمين... !

- تعرفنا من خلال البحث علىٰ فضل الصديق أبي بكر رضي الله تعالىٰ عنه الذي كان صاحب رسول الله ﷺ، ورفيق دربه، ومؤنسه وساعده الأيمن، والذي كان رجل المهمات الصعبة، والذي شد الله به أزر رسوله ﷺ، وأقامه عونًا له في أحرج المواقف، وواسىٰ الرسول ﷺ بصحبته وماله. ومن أجل ذلك شهد الله تعالىٰ له بأنه الأتقىٰ الذي يؤتي ماله يتزكىٰ، وبأنه الصاحب الذي لم يكن صاحب غيره مع الرسول ﷺ في الهجرة والغار، وشهد له النبي ﷺ بالجنة، والسبق والفضل والمنة، والذي كان أحب الرجال قاطبة إلىٰ قلب النبي ﷺ.

- وأن كل مسلم مدين للصديق، وفي رقبته جميل له. فالإسلام إنما قام بالجهاد والدعوة وبذل المال والنفس، وكان للصديق اليد الطولىٰ في هذا، ولا يشكر الله من لا يشكر الناس.

- توصلنا من خلال البحث إلىٰ أن اختيار الرسول ﷺ أبا بكر ليصلي بالناس دليل علىٰ إمامته؛ لأن الصلاة أشرف عمل للمسلمين، وإمامتها مهمة الإمام والقائد، ولذلك كان لا يؤم الجيش إلا القائد، فتقديم الرسول لأبي بكر ليصلي بالناس من أعظم الأدلة علىٰ أنه قد ارتضاه بل عينه إمامًا للناس في كل الشئون؛ لأن الصلاة هي العنوان، وهي أعظم شئون المسلمين.

وأن خوف السيدة عائشة < علىٰ أبيها أن يتشاءم الناس من مقامه مقام الرسول مما يدل علىٰ نزاهتها وبراءتها <، وأنها لم تكن لا هي ولا أبوها طامعين في إمارة أو خلافة. كما أن إصرار الرسول ﷺ علىٰ تولية أبي بكر يدل علىٰ أن الرسول ﷺ لم يكن ليدع أهم الأمور وهي إمامة المسلمين دون أن يرشد إليها ويبينها، وفي تولية الصديق الإمامة أتم البيان.

- كان اختيار الرسول ﷺ لأبي بكر ليصلي بالناس أعظم دليل علىٰ تقديمه وتزكيته لتولي أمور المسلمين والقيام بالأمر من بعده. كما استدل بذلك الصحابة وقالوا: «رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا». وذلك أن الصلاة هي أعظم أعمال الإسلام بعد الشهادتين والإيمان، وهي أعظم أعمال الخلفاء والولاة كما قال تعالىٰ: ﴿ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑﮒ﴾ [الحج: 41] فبدأ بالصلاة أولًا حتىٰ يشعرنا أنها أعظم أعمال الدين وأعظم أفعال ولاة الأمور، واختيار الرسول ﷺ لأبي بكر ليؤم الناس في مرض موته أصرح الدلالات علىٰ أن الرسول ﷺ اختار الصديق لإمامة المسلمين وخلافة النبوة.

فلعنة الله علىٰ الذين زعموا أن الرسول ﷺ قد نص علىٰ خلافة علي بن أبي طالب فكيف ينص علىٰ ذلك ويولي الصديق إمامة الناس ويقول ﷺ: «يأبىٰ الله والمؤمنون إلا أبا بكر».

- أن الرسول ﷺ أصر علىٰ إمامة الصديق مع مراجعة عائشة وحفصة له. وقد ذكرت عائشة أن سبب مراجعتها خشيتها أن يكره المسلمون أبا بكر لقيامه مقام رسول الله ﷺ، الذي أحبوه أكثر من آبائهم وأمهاتهم وأنفسهم.

- كان قيام الصديق مقام رسول الله ﷺ من أعظم البركات والخيرات علىٰ الأمة الإسلامية، إذ قام خير قيام بخلافة رسول الله وقيادة الأمة إلىٰ الرشد والسداد، وإبقاء سنة الرسول ﷺ حية قائمة.

- واجبنا الأول الاعتراف والإقرار بما قرره الله في كتابه وذكره النبي ﷺ في حديثه، ومحبة من ثبتت محبته لله ورسوله ﷺ، وموالاة من والىٰ الله ورسوله، وأبو بكر هو أعظم أولياء الله قاطبة بعد الرسل بإجماع الأمة كلها. وهو الذي اختاره الرسول ﷺ لإقامة الأمة وقيادتها، ونصبه إمامًا في الصلاة وهو حي، إيذانًا وإعلانًا أنه قائدها ومرشدها، والقائم بالأمر من بعده.

تفرد الصديق في كثير من المواقف والمواضع: 

- في الأيام الأولىٰ للدعوة، لم يكن يسمع أن الرسول في أذىٰ، إلا ويهرول مسرعًا فيخلص الرسول ﷺ من الأذىٰ ويسلم نفسه إليه... !!

- يوم الهجرة، تمتلئ نفسه غبطة بصحبة رسول الله ﷺ وهو علىٰ يقين بأن قريشًا تجند لمطاردتهما كل بأسها وقواها.

- يوم بدر يلازم الرسول ﷺ في خيمته، وهو يعلم أن الخطر كله إنما يحدق بهذه الخيمة.

- يوم أحد حين خالف الرماة نبيهم، ظانين أن المعركة قد انتهت بهزيمة قريش، فتركوا مواقعهم أعلىٰ الجبل، حيث عاد جيش قريش وأصلاهم هزيمة أليمة، وخلا الميدان إلا من جثث الشهداء يمثل بها المشركون في وحشية... يومئذ يجري وحده إلىٰ المشركين شاهرًا سيفه، فيناديه الرسول ﷺ في ضراعة عالية: «اغمد سيفك يا أبا بكر لا تفجعنا بنفسك» ويواصل الرسول ﷺ نداءه لأبي بكر آمرًا إياه أن يعود فيعود.

- كان مع النبي ﷺ في القيادة، وما معهما غيرهما، تلك القيادة الميدانية المتكاملة ذات الخصوصيات التي لم تكن لغيره.

- هو > ﴿ﮮ ﮯ﴾ [التوبة: 40] في الأمة، في الغار ثاني اثنين، في أحرج موقف مر به رسول الله ﷺ وأخطره، لم يكن له فيه أنيس ولا نصير إلا صاحبه بعد الله... النبي ﷺ أولًا من حيث المنزلة وأبو بكر ثاني اثنين لفظًا ومعنىٰ.

وكان > ثاني اثنين بعد رسول الله ﷺ في مواطن كثيرة: 

- ثاني اثنين في معية الله تعالىٰ لهما المستمرة في الدنيا والآخرة ﴿ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾ [التوبة: 40].

- ثاني اثنين في الإيمان... ثاني اثنين في الدعوة إلىٰ الله تعالىٰ.. ثاني اثنين في صحبة النبي ﷺ يوم الهجرة وثباته لمخاطرها وأهوالها.

- ثاني اثنين في عريش بدر مستشارًا ومشاركًا في إدارة أول معركة حاسمة مع رسول الله ﷺ ضد المشركين.

- ثاني اثنين في المشورة والرأي والمداولة في الحرب والسلم... ثاني اثنين في قيادة الأمة... ثاني اثنين في دعوة العرب إلىٰ الإسلام وجهاد المرتدين... ثاني اثنين في تبليغ الإسلام للعالمين.

- ثاني اثنين في الصلاة وفي الزكاة وفي الحج... ثاني اثنين في الصدق والتقوىٰ والإحسان والفضل والرضا، والابتلاء ومواجهة المخاطر.

وهو خير البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو الباني الثاني لدولة الإسلام بعد أن واجهتها فتنة الردة.

- هو ﴿ﭛ﴾ وهو من قيل في حقه: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ﴾.

- هو الصاحب المطلق ﴿ﯕ ﯖ ﯗ﴾.

- هو ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾.

- هو المقصود بقوله تعالىٰ: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ﴾.

- الصديق أول من أسلم، وأول من دافع بيده عن رسول الله ﷺ... وأول من أنفق، قال تعالىٰ: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ﴾ [الحديد: 10].

- جاهد بماله وأنفقه لنصرة الدين وأعتق به المستضعفين، كما قاتل المشركين قبل الهجرة وبعد الهجرة... لم يسبقه أحد في أنواع الجهاد قبل الفتح وبعده.

- بذل ماله في شراء وتخليص أتباع النبي ﷺ الذين كانوا يعذبون، ويمتهنون، ويفتنون، وكان ذلك مما ينفس الضيق، ويزيح الهم عن صدر رسول الله ﷺ.

- وهبه رسول الله ﷺ وسامًا خاصًّا به لم يهبه لأحد من أمته، إذ سماه ﷺ الصديق، ولم يسم أحدًا الصديق غيره، وأقر ذلك القرآن الكريم في قوله تعالىٰ: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾ [الزمر: 33]

- مما تفرد به شجاعته الخارقة، قال له البعض: ما نراك تخشىٰ، لما قد بلغ من الناس؟ من إغارة العدو؟ فقال: «ما دخلني إشفاق من شيء، ولا دخلني في الدين وحشة إلىٰ أحد بعد ليلة الغار، فإن رسول الله ﷺ حين رأىٰ إشفاقي عليه وعلىٰ الدين، قال لي: «هون عليك فإن الله قد قضىٰ لهذا الأمر بالنصر والتمام».

- تفرد > بقول النبي ﷺ له: «ما لأحد عندنا يدًا إلا وقد كافيناه بها، ما خلا أبا بكر فإن له يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنته»( ).

- مما تفرد به إسلام أمه وبنيه وبناته ثم أبوه، وهذا لم يحصل لغيره من المهاجرين ش.

- لم يختلف أهل السير أن أبا بكر لم يتخلف عن رسول الله ﷺ في مشهد من المشاهد كلها( ).

- سلم له النبي ﷺ رايته العظمىٰ يوم تبوك، وكانت سوداء، لأكبر جيش جمعه وقاده رسول الله ﷺ.

- كان أطوع الناس لله ولرسوله في كل شيء، وكان بين يديه ﷺ دائمًا في المواقف العظيمة والساعات العصيبة.

- كان من مكانة الصديق > أنه يفتي ويفصل بين يدي رسول الله ﷺ، وكان ذلك لثاقب علمه وقوة إنصافه وصحة توفيقه وصدق تحقيقه... وكان أول من يتكلم في الشورىٰ إذا استشار النبي ﷺ أصحابه.

- كان > أول من حج بالناس سنة تسع من الهجرة بأمر النبي ﷺ ونيابة عنه في قيادة الأمة في أول حجة يحجها المسلمون، ولم يكن ذلك لغيره.

- هو الذي أمَّ المهاجرين والأنصار في الصلاة بأمر رسول الله ﷺ وبحضوره «صلىٰ بالناس ورسول الله ﷺ في الصف خلفه»( ).

- هو أول من جمع القرآن الكريم، وتنزه عن شرب المسكر في الجاهلية، وأول من تقيأ تنزهًا وتحرجًا عن لقمة قد تكون من الشبهات.

- بويع أبو بكر الصديق > بالإجماع، بينا كانت مبايعة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ب، وخلافة علي بن أبي طالب > من فريق من المسلمين... برضاهم واختيارهم.

وماذا بعد:

علىٰ الدعاة والمربين أن يدرسوا المؤهلات التي أهلت الصحابة ش لتبوأ أعلىٰ المنازل والوصول إلىٰ أعلىٰ الدرجات في الدنيا والآخرة حتىٰ يجعلوا خصائصهم ومؤهلاتهم نصب أعينهم، وهم يقومون بواجب تربية أجيال الصحوة الإسلامية؛ فغاية المربين إنشاء جيل علىٰ نمط الصحابة ش في عقيدتهم وفهمهم للكتاب والسُّنة وطاعتهم لله Q ولرسوله ﷺ وزهدهم في الدنيا ورغبتهم في الآخرة وبذلهم في الله Q طلبًا لمرضاته ورغبة في إعزاز دينه ونشر رسالة رسوله ﷺ.

- واجبنا اليوم محبة من أحب رسول الله ﷺ وموالاة ولي الله الأول في الأمة، ومعاداة من تنقص منه، وسبه، والعلم اليقيني أن الذين يسبون أبا بكر إنما هم زنادقة يريدون هدم الدين، وسب رسول الله ﷺ نفسه. بل اتهام الله العلي القدير بأنه اختار لرسول الله ﷺ شرار الخلق، وأن الرسول ﷺ سكت عنهم وتزوج منهم، وأحبهم وهم ليسوا أهلًا لذلك. وخلفهم علىٰ دينه وأمته ليعبثوا بها، ويبدلوا ويغيروا كما يشاءون. هذه هي عقيدتهم وأقوالهم وهم ملعونون من أجل ذلك. خارجون من الدين باتهامهم رسول الله ﷺ الذي باع نفسه لله، وكانت حياته كلها من أجله أن يماري أو يداري، أو يداهن، أو يخاف أن يظهر حقًّا!!

نحن نحب آل بيت النبي ﷺ الحب السني الصحيح الموافق لهدي النبي ﷺ، لا الحب الغريب علىٰ الأمة والملة وعلىٰ الأرض والسماء، ونحب أصحاب النبي ﷺ ونقول بأن القدح فيهم قدح في شخص النبي ﷺ، بل قدح في ذات الله سبحانه.

كيف لمن لا ينطق عن الهوىٰ ويتلقىٰ الوحي من قبل السماء أن يجهل ما عليه أصحابه؟ إن الذي أنطق الشاة المسمومة لرسوله ﷺ، وأطلع المعصوم علىٰ ما شاء من الغيب لقادر علىٰ أن يطلعه علىٰ قلوب أصحابه.

إن فئتين عظيمتين من المسلمين اختلفوا فاقتتلوا، فمن كان منهم علىٰ صواب فأجره عند الله، ومن كان منهم علىٰ خطأ فحسابه علىٰ الله. ﴿ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ﴾ [البقرة: 134]، فلنعف ألسنتنا عن الخوض في هذا الذي من شأنه أن يفرق الأمة ويشق الصف المسلم، في جدل طويل عقيم لا يعود علىٰ الأمة بالفائدة، فليتق الله دعاة وأصحاب أقلام يتتبعون عورات الأمة من فوق المنابر، إن الأمة في حاجة لنهضة حضارية تأخذ بأسباب العلم والمعرفة، ماذا يعني انتماؤك لهذا الدين؟ وما هو عملك وماذا قدمت للأمة؟ من كان صادقًا فليشمر عن ساعد الجد وينهض بهذه الأمة، لا تتغنىٰ بمجد مضىٰ وانظر في واقع الأمة... !!

مات النبي ﷺ وهو خير البشر وسيد ولد آدم فلم يتخذ الناس من موته إسلامًا جديدًا، ومات أبو بكر الصديق وقتل عمر بن الخطاب وهو يصلي، وقتل عثمان بن عفان وهو صائم محاصر – رضي الله عنهم جميعًا - فلم يتخذ المسلمون بموتهم إسلامًا جديدًا يحمل معالم أخرىٰ تناقض ما جاء به النبي ﷺ، إسلامًا يلعن الصحابة ويتهم النبي ﷺ بالتقصير ويرمي أمهات المؤمنين بأبشع التهم، ويقول بتحريف القرآن. حتىٰ إذا قتل علي بن أبي طالب > ومن بعده ابنه الحسين - رضي الله عن آل البيت جميعًا - تحرك المنافقون والسبئيون وعباد الهوىٰ في الأمة فأنتجوا الفتنة الصماء البكماء العمياء، واستغلوا حب الناس لآل البيت، واستخفوا القوم، وقام ابن السوداء ومن معه فأعملوا في الأمة السيف والقلم، فما كان قميصهم إلا دنيا وما كان إزارهم إلا شهوة وشبهة، فعكروا النبع الصافي، واستمالوا القلوب، وانتهكوا براءة الصفحات البيضاء بمداد من سم ودم، وألبسوا التاريخ ثيابًا سود بلون قلوبهم. ألا لعنة الله علىٰ من قتل عمر وعثمان وعلي والحسن والحسين... ألا لعنة الله علىٰ من قتل مسلمًا بغير حق.

. ما تجرأ علينا أعداؤنا إلا بسبب فرقتنا وضعفنا، نحن الحاضر الغائب في كل المحافل، إن إعمال العقل يقضي بأن يوجه العداء للأعداء، ولابد لكل مسلم يشهد أن لا إله ألا الله وأن محمدًا رسول الله أن يعلم تمامًا أن الآل والأصحاب الأطهار الأبرار كان بينهم من المحبة والقرابة والإجلال والإكبار والنسب ما ليس له مثيل في زماننا هذا، فلماذا تنكأ الجراح ولصالح من؟! إن إلهنا واحد وإن رسولنا واحد، وقرآننا واحد تكفل الله بحفظه إلىٰ أن يرث الله الأرض ومن عليها، فما أعظم من تلك الثوابت التي تجمعنا علىٰ الحق نتوحد فيها ونرجع إليها، نمد بها خيوطًا من نور في قلب الظلم والظلام؟! ليست الأمة بحاجة إلىٰ مزيد من الهزائم والمآتم...

يا ألف نائحة في اليوم تلقفني

كفي بكاءك فالجراح تزيد

أما آن لهذه الأمة أن تتوحد؟ أن تترك الخلاف والجدل العقيم؟

أليس حري بنا أن نرجع إلىٰ ميزان العقل؟ لا وقت عندنا للأحلام والأوهام والتدليس، ولينتهي الذين يحولون التاريخ إلىٰ مسرحية عبثية!!

وأما وقد وصلنا إلىٰ نهاية البحث، والكتاب بلغ نهايته أحمد الله تعالىٰ علىٰ إعانته وتوفيقه، والصلاة والسلام علىٰ محمد ﷺ المبعوث رحمة للعالمين، أسأله تعالىٰ أن ينسأ لنا في الأجل، عسىٰ أن أبذل لأبي بكر الصديق خليفة رسول الله والصحابة الكرام رضوان الله عليهم من الوفاء كفء ما بذلوه وقدموه للإنسانية والإسلام من وفاء وبر عظيم... اللهم اجعلنا من المنافحين عنهم المحتجين بفضلهم والدافعين مطاعن الرافضة وأضرابهم... وسيبقىٰ صحابة رسول الله ﷺ إسلامهم إسلامنا، وقرآنهم قرآننا ودينهم ديننا، ونبيهم نبينا، وسنته منهجنا، وعدوهم عدونا، ووليهم ولينا، ومسالمهم مسالمنا، ومحاربهم محاربنا، ومحبهم محبنا، ومبغضهم مبغضنا... ومن تبرأ منهم تبرأنا منه... ومن خرج عن هذه الثوابت فليس منا ولسنا منه.

ثم أسأل الله سبحانه أن يغفر لي ما زل به القلم، أو أخطأ القلب، وهو ما لم أتعمده، وهو جل جلاله بالغفران حري وبالصفح جدير.

وفي الختام أدعو الله أن يشملني رضاه، وأن يمن علي بأن أكون من الذين قال فيهم: ﴿ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ﴾ [يونس: 10] ﴿ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ﴾ [التوبة: 32].

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

وصل اللهم علىٰ محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.



أهم المصادر والمراجع

- القرآن الكريم.

- قطب، سيد، في ظلال القرآن، دار الشروق، مصر.

- ابن هشام: أبو محمد عبد الملك بن هشام الحميري ت 218هـ 833م - السيرة النبوية – بيروت.

- ابن الأثير: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني ت 630هـ - الكامل في التاريخ - تحقيق عمر عبد السلام التدمري - دار الكتاب العربي بيروت ط1997م.

- ابن كثير - الحافظ عماد الدين أبو الفداء - تفسير القرآن العظيم - دار المعرفة بيروت 1980م.

- ابن كثير، الحافظ عماد الدين أبو الفداء، البداية والنهاية، دار الريان، القاهرة.

- العسقلاني أحمد بن علي بن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة، دار الكتب العلمية، بيروت.

- ابن أبي الحديد، أبو حامد عز الدين عبد الحميد، شرح نهج البلاغة، شرح محمد عبده، بيروت 1986م.

- البغدادي، عبد القاهر بن طاهر بن محمد، الفرق بين الفرق، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة محمد علي صبيح، القاهرة.

- ابن تيمية الحراني - أحمد بن عبد الحليم - ت 728هـ - منهاج السُّنة النبوية – الرياض.

- ابن تيمية الحراني - أحمد بن عبد الحليم - منهاج السُّنة - تحقيق د. محمد رشاد سالم - 

ط 1406 /جـ1، جـ2، جـ3، جـ4.

- ابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت852هـ - الإصابة في تمييز الصحابة - دار النهضة مصر.

- ابن حزم: علي بن أحمد بن سعيد ت456هـ - الفصل في الملل والأهواء والنحل ط2 - دار المعرفة – بيروت.

- الشهرستاني - أبو الفتح محمد عبد الكريم - الملل والنحل - مؤسسة الحلبي – القاهرة.

- الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان ت748هـ - تاريخ الإسلام - عصر الخلفاء الراشدين – بيروت.

- الذهبي: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير ت 748.

- ابن سعد: محمد بن سعد ت230هـ - الطبقات الكبري – بيروت.

- السيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر ت911هـ - تاريخ الخلفاء – مصر.

- الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ت310هـ - تاريخ الأمم والملوك دار المعارف - القاهرة.

- ابن كثير: إسماعيل بن عمر ت774 هـ - البداية والنهاية.

- ابن خلدون - عبد الرحمن محمد، تاريخ العبر وديوان المبتدأ والخبر المعروف بتاريخ ابن خلدون، بيروت.

- محمد يوسف الكاندهلوي - حياة الصحابة - دار القلم – بيروت.

- العسقلاني، الحافظ شهاب الدين أبو الفضل المعروف بابن حجر - الإصابة في تمييز الصحابة، القاهرة.

- بسام العسلي - الصديق القائد - دار النفائس.

- د. جمال عبد الهادي - د. وفاء محمد رفعت - استخلاف أبي بكر > - دار طيبة.

- مجدي حمدي، أبو بكر رجل الدولة، دار طيبة، الرياض.

- محمد مال الله، أبو بكر الصديق، مكتبة ابن تيمية.

- محمود المصري، أصحاب رسول الله، مكتبة أبي حذيفة السلفي.

- د. أكرم ضياء العمري - عصر الخلافة الراشدة - مكتبة العلوم - المدينة المنورة.

- عرجون - صادق إبراهيم، خالد بن الوليد، الدار السعودية، جدة ط3/ 1983م.

- شلبي، محمود، حياة أبي بكر، دار الجيل، بيروت.

- شاكر، محمود، التاريخ الإسلامي، الخلفاء الراشدون جـ3، المكتب الإسلامي، بيروت.

- معروف، نايف، الخوارج في العهد الأموي، دار الطليعة بيروت.

- العقاد، عباس محمود، عبقرية خالد، دار الهلال، القاهرة.

- الخليفة: د. حامد محمد - إمام الأمة وقائدها أبو بكر الصديق جـ1، جـ2.

- محمود شاكر - التاريخ الإسلامي جـ3، 4 - المكتب الإسلامي.

- اللقاني: عبد السلام بن إبراهيم ت1078هـ - إتحاف المريد بجوهرة التوحيد – مصر.

- الطبرسي: أبو منصور أحمد بن علي - الاحتجاج – العراق.

- العكبري: أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد وفخر الشيعة ت413 – الاختصاص.

- هيكل: محمد حسين - الصديق أبو بكر - دار المعارف - مصر - ط6.

- الخطيب - محب الدين الخطيب - الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة - ط10.

- الموسوي - حسين الموسوي - لله ثم للتاريخ كشف الأستار عن الأئمة الأطهار.

- الندوي - أبو الحسن الندوي - المرتضي سيرة أبي الحسن علي بن أبي طالب - دمشق - دار القلم ط1 1419هـ.

- محمد بن صامل السلمي - منهج كتابة التاريخ الإسلامي - الوفاء للطباعة والنشر.

- العقاد - عباس محمود العقاد - عبقرية الصديق - المكتبة العصرية – بيروت.

- مالك مسلماني - ميلاد الدولة الإسلامية - دار لحوار - اللاذقية – سوريا.

- إبراهيم سليمان الجبهان - تبديد الظلام وتنبيه النيام.

- الصلابي - علي محمد الصلابي - أبو بكر الصديق - القاهرة ط1 - 1423هـ.

- الصلابي - علي محمد الصلابي - علي بن أبي طالب - دار الإيمان الإسكندرية.

- الصلابي - التاريخ الإسلامي جـ2 الدولة الفاطمية - مؤسسة اقرأ - القاهرة.

- الطنطاوي - علي الطنطاوي - أبو بكر الصديق ط3 - دار المنارة – السعودية.

- الدليمي - د. طه الدليمي - الصحابة بين ميزانين.

- السالوس - د. علي أحمد السالوس - الإمامة عند الجعفرية.

- السالوس - د. علي أحمد السالوس - الإمامة عند الجمهور والفرق المختلفة.

- السالوس - د. علي أحمد السالوس - مع الشيعة الاثنىٰ عشرية في الأصول والفروع.

- السالوس - د. علي أحمد السالوس - أثر الإمامة في الفقه الجعفري وأصوله.

- الجاحظ - أبي عثمان عمرو بن بحر - العثمانية - بتحقيق عبد السلام محمد هارون - دار الكتاب العربي بمصر 1955م.

- الدرويش - د. عبد الرحمن بن عبد الله - الصحابي وموقف العلماء من الاحتجاج بقوله - مكتبة الرشد - الرياض.

- الخطيب، محب الدين، العواصم من القواصم.

- الجميلي - سيد، العشرة المبشرون بالجنة، دار الريان للتراث، بيروت.

- الشرقاوي، عبد الرحمن، الصديق أول الخلفاء الراشدين، دار الكتاب العربي.

- أحمد، مهدي رزق الله، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، الرياض.

- السباعي، مصطفىٰ، السيرة النبوية، دروس وعبر، المكتب الإسلامي، بيروت.

- السيد، مجدي فتحي، سيرة وحياة الصديق، دار الصحابة للتراث، طنطا مصر.

- خالد، محمد خالد، خلفاء الرسول، دار ثابت القاهرة.

- زيد، سعيد بن عبد الحكيم، الشيعة الإمامية قراءة تحليلية، مكتبة وهبة، القاهرة.

- الحربي، عبد الكريم بن خالد - كيف نقرأ تاريخ الآل والاصحاب - مكتبة الإمام البخاري - مصر.

- ابن الأثير - أسد الغابة في معرفة الصحابة.

- الريس، د. محمد ضياء الدين، الإسلام والخلافة في العصر الحديث - دار التراث – القاهرة.

- الندوي، أبو الحسن علي الحسني - الرسول الأعظم بين السُّنة والشيعة الإمامية – قطر.

- الدليمي، د. طه حامد - تعقيبات علىٰ كتاب العلوي عمر والتشيع - ط. 2007م.

- محمد مال الله - موقف الخميني من أهل السُّنة.

- محمد عرفة - عضو هيئة كبار العلماء في مصر 1946م.

- محمد زاهد الكوثري - من عبر التاريخ.

- محمد منظور النعماني - الثورة الإسلامية في ميزان الإسلام.

- د. صابر طعيمة - الأصول العقدية للإمامية - دار مدبولي - القاهرة 2004م.

- موسىٰ جار الله - الوشيعة في نقض عقائد الشيعة.

- النمر - د. محمد عبد المنعم - الشيعة المهدي - الدروز - تاريخ ووثائق - مقدمة - الطبعة الرابعة.

- محمد عبد الله عنان - تاريخ الحركات السرية.

- عمر عبد الله كامل - حوار مع أفكار الشيعة - مجلة التصوف الإسلامي 2004م.

- محمد البنداري - التشيع بين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي - دار عمار - الأردن 1999م.

- يونس العلي - علم اليقين من تاريخ الرافضة المشين في عداء المسلمين ومعاونة المحتلين.

- د. موسىٰ الموسوي - الشيعة والتصحيح - المكتبة الشاملة.

- محمد مال الله - يوم الغفران - احتفال الرافضة بمقتل عمر بن الخطاب >.

- ناصر بن حمد الفهيد - الرد علىٰ الرافضة الشيعة.

- د. عبد العزيز كامل - التكفيريين الشيعة - مجلة البيان.

- د. عماد السيد الشربيني - عدالة الصحابة ش في ضوء القرآن الكريم والسُّنة - 

ط 1425هـ 2005م.

- العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ، لأبي بكر بن العربي المالكي، تحقيق محب الدين الخطيب، ومحمود مهدي الإستانبولي، مكتبة السُّنة بالقاهرة، الطبعة السادسة 1412هـ.

- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، دار الكتاب العربي بيروت 1402هـ - 1982م.

- مع الشيعة الاثنىٰ عشرية في الأصول والفروع، للدكتور علي أحمد السالوس، دار التقوىٰ بمصر، دار الثقافة، قطر، الطبعة الأولىٰ 1417هـ - 1997م.

- مقدمة ابن خلدون، لعبد الرحمن بن محمد بن خلدون، دار الجيل، بيروت، بدون تاريخ.

- منهاج السُّنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، لأبي العباس أحمد بن تيمية، المطبعة الأميرية، ببولاق، الطبعة الأولىٰ1321هـ، تصوير دار الكتب العلمية، بيروت.

- أبو هريرة، لعبد الحسين شرف الدين الموسوي، دار الزهراء، بيروت، الطبعة السادسة 1415هـ - 1995م.

- الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، لمحمد شحرور، شركة المطبوعات بيروت، الطبعة الأولىٰ 1412هـ - 1992.

- العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، لمحمد بن إبراهيم الوزير، تحقيق شعيب الأرنؤوط، دار البشير، عمان، الطبعة الأولىٰ 1405هـ - 1985م.

- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، تحقيق محب الدين الخطيب، ومحمد فؤاد عبد الباقي، دار الريان بمصر 1986.

- الخطوط العريضة، لمحب الدين الخطيب، تحقيق محمد مال الله، المطبعة الفنية، بالقاهرة، بدون تاريخ.

- تفسير فرات الكوفي، لفرات بن إبراهيم الكوفي، المطبعة الحيدرية، النجف.

- تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، تحقيق عبد العزيز غنيم وغيره، مطبعة دار الشعب بمصر بدون تاريخ.

- تفسير القمي، لعلي بن إبراهيم القمي، مؤسسة دار الكتب للطباعة والنشر، قم، إيران، الطبعة الثانية 1387هـ - 1968م.

- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، للذهبي، تحقيق الدكتور عمر التدمري، دارالكتاب العربي بيروت 1990م.

- تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، مطبعة السعادة، الطبعة الأولىٰ 1349هـ - 1930م.

- أضواء علىٰ السُّنة المحمدية، لمحمود أبو ريه، دار المعارف بمصر، الطبعة الثالثة، بدون تاريخ.

- أصل الشيعة وأصولها، لمحمد الحسين آل كاشف الغطاء، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الرابعة 1413هـ - 1993م.

- الأصلان العظيمان - الكتاب والسُّنة - رؤية جديدة، لجمال البنا، مطبعة حسان بمصر.

- المراجعات: عبد الحسين شرف الدين الموسوي - تحقيق حسين الراضي - الدار الإسلامية، بيروت ط3، 1406 هـ.

- بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار: محمد باقر المجلسي - الناشر: مؤسسة الوفاء، بيروت - الطبعة 1983م.

- المراجعات: عبد الحسين شرف الدين الموسوي - تحقيق حسين الراضي - الدار الإسلامية، بيروت ط3، 1406 هـ.

- الأصول من الكافي: محمد بن يعقوب الكليني - حققه وعلق عليه علي أكبر الغفاري - الناشر دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثالثة: 1388 هـ.

- موقف الشيعة الاثنىٰ عشرية من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن: عبد القادر محمد عطا صوفي - الطبعة الأولىٰ.

- مناقب آل أبي طالب: ابن شهر أشوب - تحقيق: لجنة من أساتذة النجف الأشرف، المطبعة: محمد كاظم الحيدري، النجف - سنة 1376هـ - مصر.

- مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: النوري الطبرسي - تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولىٰ، 1409 هـ.

- منهاج الكرامة في معرفة الإمامة: الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي/ تحقيق عبد الرحيم مبارك، الطبعة الأولىٰ - الناشر: مؤسسة بروش ومطالعات عاشورا.

- خالد محمد خالد - خلفاء الرسول - دار ثابت.

- جمال بدوي - الشيعة قادمون - القاهرة 1408هـ / 1988م.

- الإنصاف فيما وقع في تاريخ العصر الراشدي من الخلاف - د. حامد الخليفة ص105.

- عبد العزيز صالح المحمود - عودة الصفويين.

- سعيد حوي - الخمينية شذوذ في العقائد شذوذ في المواقف - عمان – الأردن.

- د. موسىٰ الموسوي - الثورة الإيرانية الثورة البائسة.

- فيصل نور - كتب وكتابات علىٰ الشبكة العنكبوتية - موقع فيصل نور.

- محمد مال الله - أبو بكر الصديق - مكتبة ابن تيمية ط1410هـ.

- محمود شاكر - التاريخ الإسلامي - الخلفاء الراشدون - المكتب الإسلامي.

- جلال الدين السيوطي - تاريخ الخلفاء - بيروت.

- الذهبي - تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين - دار الكتاب العربي.

- الحربي عبد الكريم بن خالد، كيف نقرأ تاريخ الآل والأصحاب - مكتبة الإمام البخاري - مصر.



بيضاء

فهرس الموضوعات

الإهداء 7

المقدمة 8

الباب الأول

| الفصل الأول: توطئة (بين يدي البحث.. منهجه ودوافعه) 14

نشاط محموم لنشر التشيع الفارسي في بلاد أهل السُّنة!! 14

قبائل سنية ترفَّضت بجهود الروافض وخداعهم!! 17

لو أُعْلِنَ الحق وبُيِّنَ ما انخدع بالرفض أحد!! 17

الشيعة منهم الغلاة ومنهم من ينشد الاعتدال!! ومنهم من جمع بين الغلو والاعتدال!! 20

وللغافلين من أهل السُّنة!! إبراءً للذمة. 22

ولكن بعض أهل السُّنة أمرهم عجب!! 24

غياب دولة أهل السُّنة!! 24

ظهور اتجاه رافضي عند بعض الكتاب المنتسبين للسنة: 26

العرب يتفرجون!! 28

حقيقة قنبلة المهدي: 29

وما جدوىٰ الخوض في مثل هذه المسائل؟! 30

دفاعًا عن الصحابة وذَبًّا عن حياضهم. 30

ومن جدوىٰ الخوض في هذه المسائل: 32

اتهاماتهم لمن؟! للإسلام ونبي الإسلام!! 34

الحكم لهم!! ليس الأمر هكذا!! الشورىٰ مبدأ أساسي في الإسلام. 34

هذه هي الجذور.. وهذه هي الأسباب. 35

جهل الكثيرين بنظرية الإمامة! 35

جذور الخلاف بين الشيعة والسُّنة.. هو موقفهم من الصحابة الكرام!! 37

بين الأمس البعيد والأمس القريب.. التاريخ يعيد نفسه.. !! 40

بماذا نفسر ما يجري منهم اليوم؟! 41

أعلنوا عن هُويتهم!! 42

الرفض دين واحد. 43

سهامهم المسمومة الحاقدة صُوِّبت علىٰ من؟! 45

الصحابة هم سلفنا الصالح ش. 46

| الفصل الثاني: قراءة في كتب القوم كتب تطفح بالسب واللعن.. والطعن فيمن؟! 49

أسقطوا آيات المنافقين علىٰ الصحابة ش!! 50

نصوص تكفر وتستحل دم وحرمات المسلمين!! 51

أحداث العراق.. وحقيقة المذهب الشيعي. 56

إيمانهم لا يتحقق إلا بتكفير السُّنة!!: 59

دين إيران الحديث وسماته!! 60

وشهد شاهد من أهلها! 60

دين إيران من سماته الجهل والتجهيل!! 60

الخُمْس. 62

عن زيارة القبور يقول عبد الحسين: 63

دين اللعن: 64

حقائق توصل إليها كاظم عبد الحسين عباس: 64

| الفصل الثالث: حقيقة الثورة الإيرانية والمد الشيعي 66

خيبة أمل المسلمين في الثورة الإيرانية!! 67

خطة مدبرة لتمزيق العالم الإسلامي: 69

الحلم الإمبراطوري الفارسي.. والإمبراطورية الشيعية.. !! 71

بروتوكولات الخميني والحزام الشيعي.. !! 73

(شهادة بني صدر رئيس حكومة إيران الأسبق.. ) 73

بروتوكول الخميني - إسرائيل. 75

مكاسب تحققت من التحالف الإيراني السري مع أمريكا. 82

| الفصل الرابع: عداء إيران لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية حقيقة أم شعار؟! 83

حقيقة ما يجري من تجاذبات!! 83

إيران جيت. 84

وثيقة تكشف سر التحالف الأمريكي الإيراني ومحاولات التغلغل الإيراني في المنطقة العربية. 92

سر مهادنة الغرب لإيران!! 93

الخلاصة: 97

إيران تُمارس دوريْن متناقضيْن: 97

شهادة الموسوي.. الشيعي!! 99

حقائق ومرتكزات لفهم إيران الشيعية: 101

| الفصل الخامس: عقيدة الشيعة الإمامية في الصحابة 103

مناقضات صريحة للإسلام.. ومجاهرة بالكفر!! 103

العقيدة الخمينية الاثنىٰ العشرية. 103

عقيدة شيعة اليوم علىٰ درب شيعة الأمس: 106

الإمامية أكثر الفرق غلوًّا في التكفير.. وأشنعهم دموية!! 115

أساطير اختلقوها وأكاذيب لفقوها. 119

وحملات ظالمة علىٰ من صنعوا تاريخ الإسلام!! 119

أول ظلم في الإسلام.. بيعة أبي بكر!! 120

فدك وفاطمة. 120

نظرتهم السوداوية لتاريخنا.. ضرورة التصالح مع التاريخ العربي. 122

هل تغير موقفهم اليوم من الصحابة ش؟! 124

كتابات لبعض المعاصرين منهم. 124

حقيقة ثنائهم علىٰ الصحابة: 137

وماذا يبقىٰ لنا بعد سبهم ولعنهم؟! 138

| الفصل السادس: على أي أساس تقوم الوحدة معهم؟! ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾!! 140

جهل الساسة بالشرع.. وجهل العلماء بالسياسة!! 140

محاولات الدعوة للوحدة والتقريب: 140

تجربة الشيخ القرضاوي: 142

الخلاف بين أهل السُّنة والشيعة خلاف في الأصول قبل الفروع.. !! 144

الخلاف في العقائد قبل المسائل الفقهية.. !! 144

وإذا كنّا لا نتفق علىٰ القرآن الكريم؛ المصدر الأول الذي يجب أن نتفق عليه، فعلىٰ أي شيء نتفق؟! 144

هل دعوتهم إلىٰ وحدة إسلامية - مزيفة - وتقريبهم للمذاهب مجدي؟!: 149

حقيقة التشيع أن نتنازل عن كل شيء!! 150

من فرق المسلمين ومزق شملهم؟! 154

الباب الثاني

| الفصل الأول: الصحابة ش معرفة فقه سيرتهم ضرورة 156

لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: 156

الصحابة الكرام هم «نور النبوة».. نماذج إنسانية عُلْيَا: 157

حبهم لرسول الله ﷺ: 158

تعظيمهم لأمر الله Q وأمر رسوله ﷺ: 159

شجاعتهم واستهانتهم بالحياة الدنيا: 160

موالاة الله Q ورسوله ﷺ والمؤمنين: 161

استهانتهم بزخارف الدنيا وزينتها الجوفاء: 162

حرصهم علىٰ الاجتماع والوحدة ونبذ الخلاف: 162

مسارعتهم ش إلىٰ التوبة والإنابة إن بدرت منهم معصية: 163

اتهامهم أنفسهم دائمًا بالتقصير: 164

ثباتهم أمام المطامع والشهوات: 165

تكافلهم فيما بينهم ومواساتهم لإخوانهم: 166

استنصارهم بالله Q: 167

ثقتهم بنصر الله Q: 168

هم الصفحة الأولىٰ من صفحات تاريخنا الإسلامي!! 169

فتحوا البلدان وأقاموا العدل: 171

لماذا تتجاهلون دورهم ش؟! 171

الطعن في الصحابة الكرام طعن في الوحي وطعن في النبوة: 172

معرفة فقه سيرتهم ش واجب شرعي علىٰ كل مسلم. 174

والسير علىٰ هديهم ينير لنا الطريق. 174

تقاعس البعض وفقدان الهُوية السنية... لماذا؟! 175

الحاجة إلىٰ ثقافة عقائدية تقدس السُّنة المطهرة!! 176

تفريط لا تسوغه الأعذار!! 176

| الفصل الثاني: كيف نقرأ سيرة صحابة رسول الله ﷺ 179

من هو الصحابي؟ 180

الصحابي والمنافق: 183

كيف نعرف الصحابي من المنافق؟ 184

وهل كل من رأىٰ النبي ﷺ صحابي؟ 184

من صفات المنافقين: 184

موقع الصحابة الكرام من هذه الصفات: 187

الصحابة الكرام طبقات 188

عدالة الصحابة ش: 189

الثناء علىٰ الصحابة ش تحقق في كتاب ربنا Q، وفي سنة نبينا محمد ﷺ: 190

شبهات حول عدالة الصحابة والرد عليها: 192

روايات شاعت... لم تثبت أسانيدها: 192

القول بأن الصحابة اعترضوا علىٰ تعيين أسامة بن زيد أميرًا للجيش وتخلفهم!! 193

انفضاض الصحابة عن رسول الله ﷺ!! 196

فرية النفاق: 197

ضرب الزهراء!! 208

مسألة فدك!! 209

قصة خالد بن الوليد ومالك بن نويرة!! 210

الموقف فيما وقع بين الصحابة ش من تشاجر وتقاتل: 211

لماذا يسبون أبا بكر >؟! 215

أبو بكر الصديق أفضل الصحابة ش: 215

حكم الإسلام فيمن سب صحابة رسول الله ﷺ: 218

بعض أقوال العلماء في من سب الصحابة ش: 219

* الإمام مالك: 219

* الإمام أحمد: 219

* البخاري: 219

* ابن قتيبة الدينوري: 219

* السمعاني: 219

* ابن تيمية: 220

* ابن كثير: 220

* أبو حامد محمد المقدسي: 220

* أبو المحاسن الواسطي: 220

* الخلاصة: 221

| الفصل الثالث: فضل الصحابة وثناء الله تعالى عليهم 223

النصوص القرآنية والنبوية دلت علىٰ محبتهم، ش: 223

ثناؤه Q علىٰ الصحابة في القرآن الكريم والسُّنة المطهرة: 224

في القرآن الكريم: 224

في السُّنة الصحيحة: 227

موقف أهل البيت من الرافضة: 228

معتقد أئمة أهل البيت في الصحابة الكرام: 231

شهادات أهل البيت للصحابة رضوان الله عليهم: 236

ثناء أهل البيت علىٰ الصحابة ش... روايات من كتبهم: 236

علي بن الحسين زين العابدين: 243

موقف أهل البيت من الصديق >: 244

مساعدة الصديق في تزويج علي من فاطمة: 246

المصاهرات بين الصديق وآل البيت: 249

تباين الموقفين من الصحابة: 253

أين هم من شهادات غير المسلمين في الصحابة ش... ؟! 254

أبو بكر الصديق >: 256

عثمان بن عفان ذو النورين >: 256

| الفصل الرابع: صورة مشوهة عن الصحابة... تقدمها الشيعة الإمامية 257

اللعن والسب والبذاءة... لماذا؟! 258

سبهم عائشة <.. ووصفها بأنها عدوة الله ورسوله!! 258

موقف علي من عائشة: 260

صنعوا لنا التاريخ... فهل نكافئهم بالعقوق؟! 261

تهم ألصقوها والرد عليها: 261

قالوا في الصديق >: 261

في عمر بن الخطاب: 266

العشرة المبشرون بالجنة: 267

| الفصل الخامس:  من مرويات وافتراءات الكليني... في الكافي!! 270

1- منزلة «الكافي»... (أوثق من «صحيح البخاري» علىٰ حد زعمهم!!): 270

افتراءات وأكاذيب علىٰ الله تعالىٰ ورسوله ﷺ!! 273

سورة النورين!! 273

الكليني يخضع كتاب الله تعالىٰ لهواه!! 274

ولاية الأئمة ولاية الله تعالىٰ!! 274

لوح فاطمة... كتاب من الله العزيز الحكيم!! 275

نص الكتاب: 276

كتاب جبريل المختوم: 277

الأدعية المأثورة: 277

استشهادات من تفاسيرهم: 278

1- تفسير الحسن العسكري: 278

اتهام الشيخين والصحابة بالنفاق والكذب والكفر!! 278

زعمه بأن الصحابة لا يؤمنون بأي دين!! 278

2- تفسير القمي: 279

الطعن في الصحابة: 279

تحالف الصحابة مع إبليس: 280

البيعة يوم الغدير: 280

مصير من غصبوا الولاية: 280

القائم يطالب بدم الحسين: 281

حادث الإفك اتهام لأم المؤمنين لا تبرئة إلهية لها!! 281

3 - تفسير العياشي: 282

الطعن في الصحابة الكرام: 282

4- تفسير الصافي: 282

ومما رواه القمي عند زيارة قبر الحسين: 283

الخلاصة... غلو وكفر وضلال!! 284

مفهوم السُّنة لديهم: 284

| الفصل السادس: الجرح والتعديل لدى الشيعة الإمامية 286

وضعت كتبهم لتأييد عقيدتهم: 286

سفيان الثوري: 293

شهادة البخاري ومسلم في أبي هريرة >: 294

حفظه وقوة ذاكرته: 295

شهادة الشافعي: 296

شهادة ابن عمر: 297

الذهبي: 298

ابن كثير: 299

أما الذين رووا عنه فما أكثرهم!!! 299

المجلسي في «بحار الأنوار» يطعن في صحابة رسول الله: 301

لماذا الطعن في صحابة رسول الله ﷺ؟؟!! 302

الباب الثالث

| الفصل الأول: الخلافة الإسلامية والإمامة العظمى 307

الخلافة والإمامة: 307

لم يعين ﷺ من يخلفه تصريحًا: 309

وفاة النبي ﷺ: 310

شجاعة الصديق ورباطة جأشه ورجاحة علمه: 311

مبايعة الصديق >: 312

سقيفة بني ساعدة... أعظم مؤتمر في التاريخ سنة 11 هـ: 312

الشيعة الإمامية وسقيفة بني ساعدة: 315

الشيعة تصف السقيفة بأنها كانت مصدرًا للآثام!! 316

أبو بكر > يقر حق الأمة وسلطتها في الحكم: 318

مبدأ الشورىٰ في الحكم، وكل ما يهم أمر الدولة والجماعة: 318

| الفصل الثاني: الخلاف على الإمامة العظمى 320

وجوب إقامة الخلافة الإسلامية: 320

الإمامة والخلافة الإسلامية ضرورة: 320

تحدث الخليفة الثاني في إحدىٰ خطبه عن ذاك الاجتماع فقال: 321

الأولوية في الخلافة: 322

الخلاف بين فرق الشيعة حول الإمامة العظمىٰ: 323

الشيعة الزيدية: 323

الشيعة الإمامية: 324

الإسماعيلية: 325

الجعفرية الاثنا عشرية: 325

عقيدتهم في الإمامة: 326

الإمامة أصل من أصول الدين!! 326

الإمام كالنبي في عصمته وصفاته وعلمه!! 327

لا يجوز علىٰ الأئمة السهو والنسيان!! 328

الأئمة هم أبواب الله والسبل إليه!! 328

الإمامة لا تكون إلا بالنص!! 328

الأئمة الاثنا عشر الذين نص عليهم الرسول ﷺ - علىٰ حد زعمهم -: 329

| الفصل الثالث: افتراءات الشيعة الإمامية على أخيار الأمة!! 330

لماذا التشكيك في ولاء علي لأبي بكر ب؟! 331

لم يتخلف > عن البيعة!! 331

بايع علي والزبير في اليوم التالي لوفاة النبي ﷺ: 333

انشغلوا بأمر جهاز النبي: 333

حرص علي > علىٰ الصديق!! 333

تخلفهم عن البيعة اتهام لم يثبت له دليل!! 335

هل كانت خلافة الصديق > مؤامرة؟! 338

زهدهم في الخلافة وحرصهم علىٰ وحدة الأمة. 341

الذين بايعوه لم يكونوا طلاب دنيا أو جهالاً كما يزعم أعداء الصحابة: 344

زهد علي > في طلب الإمارة!! 344

كانت بيعتهم صحيحة!! 345

كانت خلافته > مصدر خير وبركة للإسلام والمسلمين... 345

| الفصل الرابع: حاجة الأمة للخلافة الإسلامية (الإمامة العظمى) 348

شروط الخلافة تنطبق علىٰ أبي بكر >: 349

شهادة الرسول ﷺ بخلافة الصديق: 350

ومما يدل علىٰ هذا أيضًا هذه الرؤيا للرسول ﷺ: 350

الخلاصة: 350

الباب الرابع

| الفصل الأول: أبو بكر الصديق الإمام والمجدد الأول معطيات سيرته العطرة > 356

حاجة الأمة لمعرفة سيرته >.. 356

خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام. 357

قبل إسلامه... ما شرب الخمر وما سجد لصنم قط: 359

أبو بكر الصديق موقف وصفة: 361

موقف الصديق من حديث الإسراء... حفظ للإسلام مكانته!! 362

النموذج الأمثل للإيمان الحق: 364

كان أمة في إيمانه!! 364

أبو بكر هو باب الكتاب والسُّنة!! 366

سمي بالعتيق والمعتق: 367

«أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا»: 367

فضائل السبق فيه >: 370

أول من أسلم من الرجال: 373

أول من أقام الصلاة وقاتل من أجلها: 376

أول من أنفق كل أمواله >.. 376

فماذا قدم كل منا من ماله لنصرة الدين؟! 376

واجه طغيان الشرك بيده وبقرآنه. 378

صحبته لرسول الله ﷺ: 380

الخلاف علىٰ مكان دفن جثمان النبي ﷺ: 384

كان أفقه وأفهم لرسول الله ﷺ: 384

وصفه بما وصف به رسول الله ﷺ: 386

ما أشبه الصديق في أعماله بالنبي ﷺ: 387

كان يغضب لغضبه، ويرضىٰ لرضاه!!: 389

كان ﷺ ينتصر لأبي بكر >: 390

أي وجدان هذا... وأي نفس هذه!!: 390

| الفصل الثاني: مواقف خالدة من حياة أبي بكر > 393

أبو بكر المثل الأعلىٰ للحاكم المسلم: 393

لم يكن أبو بكر الحاكم الديكتاتور المستبد: 393

سياسة الصديق ميزان يقاس عليه الإصلاح: 395

إنفاذ جيش أسامة: 395

جيش أسامة ينشر هيبة الدولة: 395

لم ينتظر الحاكم حتىٰ تتكامل قواته!! 396

الضربات الاستباقية الإجهاضية للعدو. 396

حروب الردة: 398

الردة والمرتدون: 398

المتنبؤن: 399

لم يوافق > علىٰ الحلول الوسط!!: 400

وصايا أبي بكر للجيوش الإسلامية: 400

مبادئ الحرب وأخلاقيات القتال في الإسلام... وثائق إنسانية!! 400

وصاياه ﷺ لأسامة >: 400

التعبئة الإيمانية للجيوش الإسلامية 403

جيش يزيد ووصايا الخليفة: 404

دروس مستفادة... ما أحوجنا إليها!!: 406

عهد خالد لأهل الحيرة 412

كتب خالد في عهده لأهل الحيرة: 412

معالم السياسة الخارجية للصديق >: 413

التزام الشورىٰ في الحكم: 414

لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله ﷺ: 415

حكومة الصديق أنشأتها الشورىٰ: 416

استخلاف أبي بكر لعمر: 418

كتاب الاستخلاف: 419

اطمأن أبو بكر إلىٰ استخلاف عمر: 419

وصية الاستخلاف: 421

حق الأمة في محاسبة الحاكم: 422

خطبة البيعة: 422

أهمية الجهاد: 224

الحرب علىٰ الفاحشة: 425

لم يزعم لنفسه > العصمة!!: 427

المساواة في العطاء بين المسلمين... لا تمايز ولا طبقية: 428

في المأكل والملبس: 430

كان > يقتات من عمل يده: 430

شتان بين دعاة الحق وثمار سيرتهم، وبين دعاة الباطل وعلقم زيفهم!! 432

في محاسبة النفس: 435

قمة النزاهة والورع... وقمة السمو والانتصار علىٰ الذات: 436

ماذا ورث الصديق لأهله؟! 436

مات > ولم يترك دينارًا ولا درهمًا!! 436

مات > ولم يترك دينارًا ولا درهمًا!! 439

كانت الآخرة كل همه > 440

قضية فدك... في كتب القوم!!: 441

كان > يخشىٰ علىٰ أمته من الدنيا: 445

علي > يقدم أبي بكر للصلاة علىٰ فاطمة <: 448

علي وأبو بكر وعمر ش منهجهم واحد!!: 449

علي أكثرهم محبة وعرفانًا وثناءً لأبي بكر س: 450

علي في رثائه للصديق: 450

| الفصل الثالث: مواقف تفرد فيها الصديق > 452

الصديق يوجه تاريخ العالم... ماذا لو لم يصر علىٰ قتال الرافضة؟!: 453

انشغاله > بهموم أمته وهو علىٰ فراش الموت: 453

شهادة له من غير المسلمين: 453

الإيمان قوة روحية لا يغلبها غالب!!: 454

منجزاته من معجزات التاريخ: 455

جمعه > القرآن الكريم: 455

القرآن الكريم وسيلة مؤثرة من وسائل الدعوة إلىٰ الله تعالىٰ: 456

لماذا جمع الصديق القرآن الكريم؟ 457

جمعه القرآن الكريم أعظم أعماله وأخلدها: 458

| الفصل الرابع: معطيات أبي بكر وعلي ب في الميزان 461

نصوص وأدلة قطعية الثبوت تؤكد أن أبا بكر >: 461

الأولىٰ بالخلافة: 461

كتاب رسول الله ﷺ لأبي بكر >: 462

إشارات نبوية في أفضلية الصديق >: 463

أبو بكر الأولىٰ والأحق بالخلافة... لماذا؟؟ 465

هذا هو أبو بكر الصديق يوم كان علي غلامًا صغيرًا!!: 465

«العمر والسن والتجربة والمنزلة الاجتماعية لكلاهما». 465

اجتمعت للصديق جميع فضائل السبق!! 467

مهاترات الشيعة... مطاعن وردود!!: 468

يقدمون عليًّا علىٰ الصديق... كيف!! 468

ما روي من تقدم إسلام أبي بكر الصديق: 469

علي وأبو بكر في حروب النبي ﷺ: 470

هذه كانت مرتبة أبي بكر!! 470

لم يكن لعلي > آية خاصة تميزه عن غيره في طفولته!! 471

ليس سواء إسلام ذي اليسر، والعلم، والمال، والرأي السديد وإسلام غيره!!: 473

أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله!!: 473

رضي أبو بكر > بجوار الله... ولقي من العذاب صنوفًا!! 474

أعتق المعذبين المفتونين في دينهم. 475

طوبىٰ لمن مات في نأنأة الإسلام: 476

ليس لعلي موقف من المواقف إلا ولأبي بكر أفضل منه!! 476

ولأبي بكر مواقف لا يشركه فيها علي ولا غيره!! 476

صاحبه في كتاب الله سبحانه. 477

حرص النبي ﷺ عليه. 477

أفضل من شهد أحد. 478

يوم الحديبية. 478

كثرة أياديه ونبله وشهامته ورياسته. 478

موقف مشهود لأبي بكر يوم الحديبية. 480

يوم فتح مكة: 481

علي أفقه من أبي بكر!! 482

يوم وفاة النبي ﷺ. 482

يوم الردة علم ما لم يعلموا!! 483

في إنفاذ جيش أسامة: 484

في موضع الدفن... من قبلت شهادته وحده جدير ألا يتقدمه أحد!! 484

كان أبو بكر أزهد!! 486

لا سواء من كان ذا مال فأنفقه، ومن كان مقلاًّ فكسبه!! 486

أنزل فيه من القرآن ما لم ينزله علىٰ أحد! 486

أشعار في مناقب أبي بكر!! 487

فضله علىٰ مسطح بن أثاثة: 488

كان أبو بكر وأهل بيته، أهل بيت إسلام: 489

تأميره ﷺ أبا بكر علىٰ الحاج عام 9هـ: 489

عمر بن الخطاب يستشير علي ب في قتال الفرس والروم!! 493

حب وثناء وإنصاف... !! 493

في البيعة: 494

كان > زاهدًا فيها، قليل الحرص عليها. 495

وأية بيعة أثبت من هذه البيعة!! 495

وهذا هو مذهب علي > فيهما وتعظيمه لهما!! 495

أمرهم عجب... كله عجب!! 497

الخاتمة

أهم نتائج البحث 500

- لابد أن تعتقد وأنت تقرأ تاريخ أصحاب رسول الله ﷺ أمرين اثنين: 502

تكفيرهم للصحابة، وعامة المسلمين... ! 503

- تفرد الصديق في كثير من المواقف والمواضع..: 505

وكان > ثاني اثنين بعد رسول الله ﷺ في مواطن كثيرة: 505

أهم المصادر والمراجع 511

فهرس الموضوعات 519

عدد مرات القراءة:
10508
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :