آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 9 رجب 1444هـ الموافق:31 يناير 2023م 09:01:37 بتوقيت مكة

جديد الموقع

سعيد زيد ..
الكاتب : سعيد زيد ..

الصحـابـة ... !! هم سلفنا الصالح¬ ... ماذا يبقى لنا بعد سبهم ولعنهم؟!
لـماذا الطعــن فيهــم؟! ... الجــذور والأسبـــاب...

أبو بكر الصديق > الخليفة الحق ... ومعطيات سيرته العطرة

سعيد بن عبد الحكيم حسن زيد

د. عبد الله بن عبد الهادي أبو زيد

   مكتبة التراث والعلوم العربية

قال الله تعالى: 

﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾ [الفتح: 29].

وعنه ﷺ: 

«الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذىٰ الله تبارك وتعالىٰ، ومن آذىٰ الله فيوشك أن يأخذه»(1).

بيضاء

الإهداء

إلى آل البيت الطاهرين المطهرين، والصحابة الغر الميامين.

إلى العصبة المؤمنة المجاهدة، التي اختارها الله تعالى لنبيه ﷺ، ووصلت إلينا عن طريقهم شريعة الله كتابًا وسنة.

إلى الذين حكم الله تعالى لهم في قرآنه العظيم بالإيمان والصدق والإخلاص.

إلى الذين حملوا لواء هذا الدين وبلغوه إلى الناس أجمعين، واختارهم سبحانه أمناء عليه، وحراسًا على نقله.

إلى الذين بذلوا في سبيل تبليغ رسالة ربهم كل مرتخص وغال، وباعوا أرواحهم لله يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا.

إلى الذين لهم الفضل في استمرار صرح هذا الدين... نفذوا أحكامه، وثبتوا أركانه، وأعلوا بنيانه، وحافظوا عليه سليمًا طاهرًا نقيًّا بعيدًا عن الشبهات شامخًا.

إلى الذين ﴿ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ﴾ [الأحزاب: 23] السابقين منهم واللاحقين الذين صدق فيهم قوله سبحانه: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ..﴾ [النور: 37].

ثم: إلى كل الذين يتصدون للدفاع والذب عن صحابة رسول الله ﷺ... وكل الذين أحبوا صحابة رسول الله ﷺ.

أقدم هذا الجهد المتواضع؛ راجيًا أن ينفع الله به المسلمين، وأن يبدد به ظلمات الجهل وأباطيل الجاهلين... إنه بالإجابة جدير، وعلى كل شيء قدير.

 

المقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾ [آل عمران: 102]

﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾ [النساء: 1].

﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ﴾ [الأحزاب: 70: 71].

اللهم اهدنا سبلنا، وألهمنا رشدنا، وأرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

وبعد: نبتت فكرة هذا الكتاب الغاضب - الغاضب لله تعالىٰ، والمُدَافِع عن رسوله ﷺ وصحابته الأخيار -... نبتت بكل سطوره وصفحاته وفصوله، منذ أكثر من عقدين من الزمان.. يوم أن وطأت قدماي حوض الخليج العربي، في أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن الميلادي الفائت، حين ألقت بي الأقدار علىٰ سواحل الخليج العربي، ولكثرة قراءة، ومزيد اطلاع في كتب القوم وكتابات، وكثرة لقاءات، ومحاورات مع الآخر - جيراننا في الوطن ممن ينتمون إلىٰ أمة الإسلام من الشيعة الإمامية الاثني عشرية - اعترتني الدهشة وأصابني الذهول مما قرأت ومما سمعت...

ما قرأته وما سمعته من سب صريح، وطعن سافر لصحابة رسول الله ﷺ، وخيارهم أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق ش - عدا نفر قليل منهم - زلزل كياني، وأقض مضجعي!! ويعلم الله كم كنت أتحاشىٰ في أول الأمر أن أثير مع الآخر أي نقاش حول دينهم ومذهبهم، حتىٰ لا نعكر صفو حياتنا أو صداقتنا.. ولكني وجدت من أوهموا العامة والجهلة من الناس أنهم يحبون أهل بيت النبي ﷺ، مع أن حبهم قد اقتصر علىٰ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب >، واثنين من أبنائه الكثيرين؛ دون أعمامه وأبناء عمه، وسائر بني هاشم!!.. وأظهروا عقيدتهم في بقية الصحابة؛ وبالأخص الخلفاء الأربعة دون علي ش، وأعلنوا أن الصحابة ش كفار منافقون ومشركون، وصرحوا بلعنهم وسبهم، كما تصرح كتبهم.. وجدت نفرًا، من منتسبي الإسلام، يخالفون النصوص القرآنية التي أثنت علىٰ الصحابة ش، وخاصة المهاجرين والأنصار وأولهم أبو بكر وعمر وعثمان.. ويردون الوحي ويخالفون كتاب الله بأقوالهم التي تفيد تكفير عامة الصحابة؛ إلا بضعة أنفارٍ منهم!! ويبررون تكفير صحابة رسول الله ﷺ، فيقولون إنه من يُكفِّر أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة... إلخ، فهو مجتهد، فإما أن يكون مصيبًا، وإما أن يكون مخطأ! أيْ أنه في كلا الحالتين يعتبرون تكفير الصحابة قربة إلىٰ الله! لأن المجتهد مأجور!!..

وجدتهم يعدون أكثر الصحابة؛ وأولهم الخلفاء الثلاثة في عداد المنافقين المنقلبين علىٰ أعقابهم، ويقسمون الصحابة الكرام رضوان الله عليهم إلىٰ قسمين: عدول، ومرتدين!!

ماذا يعني هذا؟! يعني الطعن في حكمة الله وسوء اختياره للنبي ﷺ.. يعني الطعن في القرآن؛ لأن الطعن في الناقل طعن في المنقول.

يعني الطعن في النبي ﷺ «من باب المرء علىٰ دين خليله وقرينه»، فلو صح قول الشيعة في جمهور الصحابة لكان قولهم تكفيرًا لرسول الله ﷺ.

ما كان بِوُدِّي إثارة مثل هذه السجالات، أو أنكأ جراح الخلافات المذهبية، أوأن ننشغل بها؛ لأني كنت أرىٰ دوما أن الدخول في مثل هذا السجال ليس بالأمر الهيِّن والمناسب؛ فالأرض وَعِرَة، والتضاريس صعبة!! ولكن وبعد أن طفح الكيل وأصبح صحابة رسول الله ﷺ اليوم هدفًا لأعداء الإسلام والمسلمين.. وزادت محاولات انتقاصهم من بعض السفهاء ومحاولات التشكيك في إمامتهم من نفر في مواقع شتىٰ من أراض إسلامية.. !! وفي هذا رد لأمر رسول الله ﷺ، وتلاعب بالنصوص الصحيحة من القرآن، وإسقاط للثوابت، وانحناء لغير الله... لهم من الله تعالىٰ ما يستحقون!! ومن هنا كان هذا البحث.. كان الخيار الصعب، لذا أفوِّض أمري إلىٰ الله تعالىٰ.. هو المستعان وعليه التكلان.

لقد وددت - كما شغلتني همومي عن سب ابن زياد وشمر، وتعاليت عن لعن ابن العلقمي، والبساسيري - أن ينتهي القوم عن الخوض في السب واللعن لخير جيل عرفه التاريخ الإنساني، وعن إثارة الفتن وتتبع كل زلة في الأمة. وددت أن تتصافح الأيدي المتوضئة، والقلوب النقية التقية الطاهرة، وددت أن نحرص علىٰ لَمِّ شمل هذه الأمة، ووددت أن نتخلص مما في قلوبنا من هوىٰ وغل ووَهْم، ونعلن للعالم كله من فوق المنابر ومن ميادين العلم والعمل عن هُويتنا ومنهجنا، يقودنا في ذلك محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدون المهديون من بعده، حتىٰ إذا هرم العالم فنحن شبابه، وإذا مرض العالم فنحن علاجه، وإذا أظلمت الدنيا فنحن النور والهدىٰ، وإذا انقطعت الأسباب فإن أسبابنا موصولة بالله إلىٰ يوم القيامة، وإذا ضل الناس الطريق فطريقنا لا إله إلا الله محمد رسول الله، القرآن منهجنا، والرسول قائدنا.

وددت أن نُحَكِّمَ العقل والمنطق!! إن العقل والمنطق والتاريخ ليؤكدون أنه لا يوجد مسلم واحد علىٰ وجه الأرض يرضىٰ بقتل الحسين >، ألا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين علىٰ من قتل الحسين أو رضي بقتله. فأهل السُّنة يترحمون علىٰ الحسين، وفي الوقت نفسه يعلمون أن الأنين المستمر لن يجدي ولن ينفع. وهل يُعْقل أن نرىٰ من المسلمين من ينسب لنفسه شرفًا ليس له، في حين يرمي الآخرين بجرم لا ذنب لهم فيه؟ ويجعل من ذلك دينًا وعقيدة؟!

أقول وبالله التوفيق: حين نجح الإسلام في تخليص شعوب فارس من الحكم الظالم، والعقيدة الوثنية، وفتح عقولها وعيونها وقلوبها لرؤية النور والتعرف إلىٰ الحق.. وحين انهزم قادة الفرس أمام كتائب الجيش الإسلامي المنقذ، لم يجد الفرس وسيلة للانتقام من صحابة رسول الله ﷺ - هؤلاء المحررين - إلا أن يشوهوا سمعتهم وسيرتهم في بث الأخبار الكاذية عنهم مما يزري بمكانتهم حقًّا لو صحت هذه الأخبار، ومما يحط من شأن هذا الدين وحضارته، إذ كان هؤلاء حملته وقادة جيوشه.. لقد انصبت نقمة أولئك الحاقدين علىٰ الذين خلصوا العراق وفارس من حكم الفرس!!

جاءوا محترقين من جهادهم المستمر، ومنتقمين من فتوحاتهم الجبارة الكثيرة التي أرغمت أنوف أسلافهم، وكسرت شوكة ماضيهم، ومزقت جموع أحزابهم، ودمرت ديارهم وأوكار كفرهم.

الصحابة ش هم من أذلوا الشرك والمشركين، وهدموا الأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها ويعتكفون عليها، أزالوا ملكهم وسلطانهم، وخربوا قصورهم وحصونهم ومنازلهم، وأنزلوا فيها الفناء، وأعلوا عليها راية التوحيد وعَلَم الإسلام شامخًا مترفرفًا. ولذلك اجتمع أبناء المجوس واليهود ناقمين، حاقدين، حاسدين، ومتقنعين بقناع الحب لآل البيت - وآل البيت منهم براء - وسلّوا سيوف أقلامهم وألسنتهم ضد أولئك المجاهدين المحسنين، رفاق رسول الله ﷺ وأصحابه المشغوفين بحبه، والمفعمين بالولاء له، والمستميتين في طاعته واتباعه، والراهنين كل ثمين ونفيس في سبيله، والمضحين لأدنىٰ إشاراته بالآباء والأولاد والمُهَج، المقتفين آثاره، المتتبعين خطواته، السالكين منهجه، الغر الميامين رضوان الله عليهم أجمعين.

لقد جاء الآخر بمعلومات غير صحيحة ومبالغات ودعاوىٰ تنبع من أوهام، أوجبت الرد عليها لتصحيح الأخطاء ومحو الأوهام وإيضاح الحقائق للناس؛ لا سيما وأنها تتعلق بفترة من تاريخنا السياسي، وبأحكام شريعة الإسلام.. كنت أقول ربما يكون الموضوع قد فقد جديته، أو فقد أهميته، ولكنا نفاجأ من حين لآخر بمن يردد نفس الأخطاء والأباطيل والمزاعم - والتي وصلت حتىٰ إلىٰ مسقط رأسي في دلتا مصر، وبقاع شتىٰ من أرض الكنانة!! وتتكرر.. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نسمح للباطل أن يتمدد وتمتد جذوره في تراثنا؟! هل نسمح للشذوذ الديني والعقائدي أن ينعم بالنور والهواء في مجتمعاتنا وبين ظهرانينا؟!

لقد ترددتُ وترددتُ في الكتابة، ولكن في النهاية قلت وما جزاء من لم يكن للحق بمحض اختياره، إلا أن يكون عبدا للباطل بغير اختياره!!

من هنا، وبعد أن اعترتني الدهشة مما رأيت وسمعت.. وجدتهم يتشدقون بأقوال وكلمات ما أنزل الله بها من سلطان في حق الصحابة وما شَجَر بينهم؛ متذرعين بشبهات يتشبثون بها، وروايات ضعيفة ساقطة موضوعة مكذوبة واهية؛ أوهىٰ من خيوط العنكبوت، يتلقفونها ويلتقطونها من كتب الأدب والتاريخ وقصص السمر والكتب المنحولة والضعيفة؛ ككتاب الأغاني، والبيان والتبيين، والإمامة والسياسة، ونهج البلاغة، وغيرها من الكتب فيطيرون بها!!

ارتسمت في ذهني علامة استفهام كبيرة مما سمعت من سب صريح في خير جيل، وقلت إن التاريخ لا يتكون من مزاعم، بل يتكون من حقائق.. لكنْ هل يكفي مجرد نفي الأقوال بلا دليل؟! إذن: فلنرجعْ إلىٰ المراجع أو المصادر الموثوق بها فهي الحكم الفصل، وهي الحكم العدل.. وهذا ما هداني الله تعالىٰ إليه علىٰ صفحات هذا الكتاب، الذي يبين الحق ويرد الأمور إلىٰ نصابها، ويزيل هذه الأخطاء من النفوس والعقول؛ تعريفًا بحقيقة قضايا مهمة، مؤيدة بالوثائق.

وللحق أقول - معترفًا بتقصيري - إن الرد علىٰ كل ما كُتِبَ أبعد من أن يستطيع القيام به شخص مثلي كُتِبَ عليه أن يجاهد في ميادينَ شتَّىٰ.. منها لقمة العيش التي اضطرتني إليها ظروف معاشية وعائلية.. إلخ.

وعلىٰ أي حال: هذا البحث التاريخي ليس وسيلة لإثارة حماس النفوس الميتة، أو التغني بماض وأمجاد تراكم فوقها غبار السنين والقرون فحسب، وإنما هو للتحذير من واقع مرير تمر به الأمة اليوم - تتعاظم فيه خطورة الردة الرافضة، والمرتدين الذين يعيثون في الأرض فسادًا - هذا البحث للذكرىٰ والتجديد وشحذ الهمم عبر البحث عن القدوة الحسنة والمثل الأعلىٰ.. وصحابة رسول الله ﷺ وأبو بكر خليفة رسول الله.. هم الجيل القرآني الفريد والنموذج والرائد للأمة في بحثها الحثيث للتقدم والتطور والتخلص مما تعانيه.. ستظل فضائلهم، ومناقبهم، وخصالهم - رضوان الله عليهم - وكلُّ ما قدموا لأمتهم والإنسانية، العلاجَ الناجع لما تحتاجه.. وستبقىٰ سيرة أبي بكر > الإمام، والخليفة، والصديق، والقائد الفذ، وستبقىٰ أعماله تنير الدروب المظلمة للخروج من المأزق العسير الذي تمر به الأمة في بنائها للمستقبل علىٰ قاعدة صلبة.

ومن هنا كانت هذه السطور لعلها تفي ببعض حقهم علينا، وتنير الطريق للأجيال المسلمة...

جاء الكتاب في مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة.

الباب الأول يشتمل علىٰ ستة فصول: 

الفصل الأول كان توطئة للبحث: منهجه ودوافعه. والفصل الثاني: قراءة في كتب القوم، ودين إيران وسماته. والفصل الثالث كان عن حقيقة الثورة الإيرانية والمد الشيعي والحلم الإمبراطوري الفارسي. وفي الفصل الرابع تساءلت عن عداء إيران والغرب: حقيقة هو أم خيال، وحقيقة التجاذبات الحالية. وفي الفصل الخامس تناولت عقيدة الشيعة، وحقيقة الأيديولوجية الدينية الخمينية. ثم كان الفصل السادس عن محاولات الدعوة للوحدة والتقريب.

والباب الثاني اشتمل علىٰ ستة فصول أيضًا: الفصل الأول كان عن الصحابة ش، وضرورة معرفة فقه سيرتهم. والفصل الثاني بينت فيه كيف نقرأ سيرة صحابة رسول الله ﷺ. وفي الفصل الثالث أوضحت فضلهم وثناء الله تعالىٰ عليهم. ثم جاء الفصلان: الرابع والخامس وتحدثت فيهما عن الصورة المشوهة التي تقدمها الشيعة الإمامية الاثنىٰ عشرية عن الصحابة ش من واقع كتبهم وتفاسيرهم المعتمدة، وافتراءات أحد كبرائهم - الكليني - وأكاذيبه علىٰ الله تعالىٰ. ثم جاء الفصل السادس عن ارتباط الجرح والتعديل عندهم بعقيدتهم في الإمامية.

ثم كان الباب الثالث واشتمل علىٰ ثلاثة فصول: الفصل الأول وفيه تحدثت عن الخلافة الإسلامية والإمامة العظمىٰ. وفي الفصل الثاني تحدثت عن وجوب إقامتها. وفي الفصل الثالث تناولت افتراءات الشيعة الإمامية علىٰ أخيار الأمة من صحابة رسول الله ﷺ.. ثم أخيرًا جاء الباب الرابع واشتمل علىٰ أربعة فصول: في الفصل الأول تطرقت إلىٰ معطيات سيرة أبي بكر الصديق >.. وفي الفصل الثاني بينت مواقف خالدة من حياة أبي بكر >، وفي الفصل الثالث تكلمت عن مواقف تفرد فيها أبو بكر الصديق >، وفي الفصل الرابع عرضت معطيات أبي بكر، ومعطيات علي بن أبي طالب ب علىٰ الميزان. ثم كانت الخاتمة وأهم نتائج البحث ومراجعه ومصادره التي اعتمدتها في إعداد الكتاب.

صحابة رسول الله ﷺ.. طوبىٰ لمن أحبهم، وسلك سبيلهم، وترضَّىٰ عنهم، ويا ويل من أبغضهم أو أبغض بعضهم. قال الطبري: فالسعيد من تولىٰ جملتهم، ولَمْ يفرق بين أحد منهم، واهتدىٰ بهديهم، وتمسك بحبلهم، والشقي من تعرض للخوض فيما شجر بينهم، واقتحم خطر التفريق بينهم، وأتبع نفسه هواها في سب أحد منهم، فله الحمد والمنة ان أعاذنا من ذلك، ونسأله دوام نعمته وتمامها.

والله سبحانه المسئول أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يَجعله عملًا صالحًا نتقرب به إليه، وأن يَجمعنا به مع الصحابة الكرام في داره دار السلام، وكفاهم رفعة وشرفًا نسبتهم إلىٰ الرسول عليه الصلاة والسلام.. نسأله تعالىٰ أن يرزقنا محبة أصحاب النبي ﷺ وأهل بيته، وأن يحيينا ويميتنا ويبعثنا عليها، وأن يحفظنا من بغض أحد منهم أو نقيصته أو التعرض له بسوء، إنه علىٰ ذلك قدير وبالإجابة جدير، وصلىٰ الله علىٰ سيدنا محمد وعلىٰ آله وصحبه وسلم.

سعيد بن عبد الحكيم حسن زيد

المحرق - مملكة البحرين

1430هـ / 2009م

 

الباب الأول

الفصل الأول

توطئة

(بين يدي البحث.. منهجه ودوافعه)

نشاط محموم لنشر التشيع الفارسي في بلاد أهل السُّنة!!:

في النفس هموم، وفي الفم ماء مالح كثير، بعد أن اخترق الشيعة الإمامية الاثنىٰ عشرية مجتمعات أهل السُّنة وبلادهم في السنوات الأخيرة، علىٰ أساس أنها تحب آل البيت.. آخذين من التصوف قنطرة للتشيع في أرض الكنانة وغيرها.. في النفس هموم من محاولات التسلل التي يقوم بها الفكر الشيعي، ليدخل إلىٰ مَعاقل المسلمين السّنة.. مرة عن طريق التخفي في ثياب الصوفية... وأخرىٰ عن طريق صفقات مشبوهة يحصل من ورائها علىٰ منابر لترويج أفكاره.. يقولون: عام واحد أو عامان ثم يحدث انفجار شيعي داخل العالم الإسلامي.. وفي قلب الدول الإسلامية التي كانت من صروح الدفاع عن السُّنة... يقولون: سيبدأ المسلمون في سب الصحابة من فوق المنابر وستتغير بالكامل معالم الفقه الإسلامي!!! وماذا بعد؟!

في النفس هموم، وفي القلب شجون، وفي الذهن خواطر تتوارد وتجول، بعد سماعنا لما يقذف به صحابة رسول الله ﷺ!! رأيت دعاة الشيعة الإمامية يستفحل أمرهم في كل مكان.. ورأيت الناس قد شغلوا بالجدل والنقاش حول ما يثيرونه من أمور.. ورأيت صاحب الحق يخسر، والرابح هو الباطل وأصحابه.. ولا يزال أصحاب الباطل ماضين، ويزحفون ويسدون علىٰ الناس كل سبيل للحق.. تصدع قلبي لأقوالهم.. مكتبات متنقلة لبيع كتبهم بأسعار رمزية أمام أبواب جامعات القاهرة في أرض مصر..  مصر عمرو بن العاص وصلاح الدين، وحوارات تجري مع أبنائنا وفلذات أكبادنا في أروقة الجامعات المصرية!! ولم تعد كتب الشيعة حِكْرًا عليهم، ولا هي بالخافية علىٰ الناس، وإنما نشرها الشيعة أنفسهم بكل ما فيها من بلاء ومخالفات لقطعيات الإسلام، نشروها بأكثر من طريقة وأنفقوا مالهم بسخاء في هذا السبيل... محاولات ونشاط محموم لنشر التشيع ودين إيران في مصر أقوىٰ قلاع العالم السني؛ بتمويل ودعم فارسي ضخم!! استطاع الباطل بمؤسساته، ومطابعه، ودور نشره وإمكانياته المادية أن يثير الشبهات ليزيف وجه الحقيقة، ويفتح في النفوس ثغرات يلج منها لغرس الانحراف والإلحاد مستعملًا في ذلك كل وسائل التضليل والخداع، فوقع في تلك الشباك من وقع!! ولله الأمر من قبل ومن بعد.

تحولت السفارات والقنصليات الإيرانية في أوروبا إلىٰ مراكز لنشر عقيدتهم في أوساط المسلمين - لا الكفار - المقيمين في أوربا، وتؤكد ذلك عشرات بل مئات وآلاف الكتيبات والمنشورات الخاصة بالفكر الشيعي، وتوزع هذه الكتيبات علىٰ المسلمين الأوربيين في أماكن تجمعهم؛ وخاصة عند أبواب المساجد، أو في البريد، أو من خلال وسائل أخرىٰ.. وحتىٰ المراكز الثقافية والمكتبات تبدو وكأنها أقيمت من أجل نشر دعوة التشيع الإيراني بين الأقلية المسلمة في أوروبا، فبالإضافة إلىٰ ما تحتويه هذه المكتبات من كتب ونشرات حول الثورة الإيرانية ومنهجها العقائدي.. نجد أن القائمين علىٰ هذه المكتبات ينظمون دروسًا وندوات تتعلق في معظمها بالقضية العقدية.

يقومون بتنظيم محاضرات عقدية في فكر الثورة الإيرانية، وتوزع خلال ذلك المجلات والكتيبات والتسجيلات الصوتية.. ويُدعىٰ إلىٰ حضور هذه المحاضرات المسلمون كوسيلة من وسائل نشر المنهج الشيعي علىٰ الطريقة الإيرانية. كما بدأت المراكز الإيرانية بدفع بعض الشباب الذين غررت بهم وجعلتهم عملاء للمنهجية الإيرانية إلىٰ بعض مساجد المسلمين للاتصال بالمصلين وخاصة أيام الجُمَع، حيث يوجد عدد كبير من المسلمين في صلاة الجمعة.. شرهم لم يعد مقصورا في هذه الأيام علىٰ الكلام.. انتقلوا إلىٰ مرحلة العمل، بعد أن نجحوا في التسرب إلىٰ الحصون التي تحمي قيمنا... إنهم يعيثون في الأرض فسادًا. ألا يكفيهم خزيًا وعارًا تفاخرهم بمعاونة أمريكا في احتلال العراق وأفغانستان، إنهم انطلقوا من مرحلة التقية المستضعفة إلىٰ التقية المستعلية، ومازالوا يدغدغون بها عواطف من لا يحسب للعقيدة الصحيحة التي جاء بها رسول الله ﷺ حسابًا، فالحرب حرب عقيدة؛ سواءٌ كانت مع الغرب جميعا أو الشيعة أو أصحاب المناهج الكفرية الضالة الذين ما زال التمييع والمداهنة يسيطران علىٰ أدمغة بعض الإسلاميين تجاههم ﴿ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ﴾ [القلم: 9].. زحفهم البطيء ذو النفس الطويل إلىٰ منطقة الخليج والبقاع المقدسة، وسعيهم الدائب إلىٰ إقامة إمبراطورية فارسية شيعية تعيد مجد قورش وقمبيز ودارا، علىٰ أنقاض مجد سعد بن أبي وقاص، والمقداد، والمثنىٰ بن حارثة؛ أبطال وصناديد الفتح الإسلامي لبلاد الفرس.. يحن الشيعة اليوم إلىٰ استرداد مصر إلىٰ حظيرة التشيع.. البهرة تنفق عشرات الملايين من الدولارات علىٰ مقصورة المسجد الحسيني، ومسجد السيدة زينب، وتجديد مسجد الحاكم بأمر الله.. في قلب القاهرة!! لماذا؟! لماذا كل هذا؟! البهرة لم ينفقوا هذه الملايين «لله في لله»، وليسوا من السذاجة بمكان حتىٰ يجددوا مسجد لا يصلون فيه، ولكنهم لم يفعلوا ما فعلوه إلا ليكون لهم موطيء قدم في مصر التي حكمها أجدادهم الفاطميون العُبَيْديون، في القرن الرابع الهجري.. مصر لم تُمْحَ من قلوبهم، وستبقىٰ بمثابة الحلم الذي لا يخبو، حتىٰ أغاخان الكبير - زعيم طائفة الأغاخانية الفاطمية - الذي عاش حياته المديدة بين الغيد الحسان في العواصم الأوربية.. قبل أن يموت أوصىٰ بأن يدفنوه في أسوان، ليكون قبره القابع علىٰ ربوة عالية بمثابة المنارة التي يتطلع إليها الإسماعيلية في شرق أفريقيا والهند.

اقرؤوا التاريخ.. لم يؤمن مصري واحد بالتشيع!!

لقد ذوي الوجود الشيعي في مصر منذ 840 سنة، دون أن تجد مصريًّا واحدًا يؤمن بالتشيع، ولم يبق من فترة الحكم الشيعي التي امتدت 205 سنوات سوىٰ آثار تدل عليهم: الجامع الأزهر، وجامع الحاكم بأمر الله، وجامع الآمر، وذكرىٰ الاحتفالات الصاخبة التي كانت تمتد فيها الأسمطة، وتوزع الحلوىٰ التي أتقنوا صنعها مثل: الكنافة، والقطايف، ولقمة القاضي.. !!

حكم الفاطميون الباطنية عشرات بل مئات السنين في مصر السنية المذهب المحبة لآل البيت في الوقت نفسه... وتصور الفاطميون الباطنيون الذين هم فرع من فروع الشيعة.. تصوروا واهمين أنهم بالضغوط التي مارسوها علىٰ شعب مصر.. أنه بالإمكان تحويل شعب مصر إلىٰ دولة شيعية - بزعمهم - لكن ماذا حدث؟ يحكي التاريخ وهو خير شاهد علىٰ هذه الأحداث: أنه بمجرد أن دخل البطل المسلم «صلاح الدين الأيوبي» ؟ مصر انتهت كل ملامح الحياة الفاطمية في مصر ومحيت كل الآثار الدينية الباطلة من بقايا المذهب الشيعي الباطل، وعاد لمصر وجهها الإسلامي السني الصحيح ولم يبق في مصر من الآثار التي بذلها هؤلاء في مصر إلا حب آل البيت المغروس في القلوب منذ الفتح الإسلامي لمصر علىٰ يد الصحابي الجليل «عمرو بن العاص» >، وقبل مجيء هؤلاء الروافض إلىٰ مصر، وبقيت بعض الآثار التي استحدثها هؤلاء الذين جاءوا بكل باطل إلىٰ مصر؛ بدءًا من الضريح المكذوب للحسين > والسيدة زينب <.. وبدع المولد النبوي، وغيره من المنكرات!!

ذهب الفاطميون وذهبت دولتهم، وبقي المصريون علىٰ حبهم القديم لأهل البيت، واستطاع المصريون بفطرتهم السليمة أن يفرقوا بين هذا الحب الخالص، وبين مذهب مشبوه يتخذ من أهل البيت ستارًا لتنفيذ أغراض مذهبية وقومية هي أبعد ما تكون عن الإسلام الصحيح الذي استقاه المصريون من منابعه النقية. وتلك هي طبيعة المصريين منذ دخلوا الإسلام، نفروا من كل المذاهب والنحل والتيارات، التي تتعصب لبيت من البيوت حتىٰ لو كان بيت علي بن أبي طالب >.

عرف المسلمون الحب ولكنهم لم يعرفوا التعصب. واستقام المصريون علىٰ أحكام الشرع، وتشربوا روح الإسلام في نقائها وبساطتها وسماحتها، ونفروا من الغلو والهوس، ورفضوا الانحياز إلىٰ فريق دون فريق ونأوا بأنفسهم عن الدخول في أتون الصراع الدموي الذي قام بين الفرق والأحزاب المتناحرة علىٰ الحكم. هذه الحقيقة التاريخية ينبغي أن نكشف عنها، ونعتز بها، لأنها توضح إلىٰ أي مدىٰ فهم المصريون الدين علىٰ أنه قوة خلاقة ودعوة إلىٰ بناء الفرد والمجتمع علىٰ أساس الفضائل ومكارم الأخلاق، وليس قوة مدمرة تفرق الناس وتحولهم إلىٰ شيع متناحرة، وفِرَقٍ يضرب بعضها وجوه بعض من أجل الحكم.

قبائل سنية ترفَّضت بجهود الروافض وخداعهم!!:

لو أُعْلِنَ الحق وبُيِّنَ ما انخدع بالرفض أحد!!:

نشاط «الرافضة» متعدد الوجوه، متنوع الوسائل؛ لأنهم يرون في «التقية» تسعة أعشار الدين. وقد اعترف بعض علمائهم المعاصرين - من حيث لا يدري - أن التقية عندهم هي «الغاية تبرر الواسطة»( )؛ يعني في سبيل الغاية التي تنشدها استخدم أي وسيلة، أي هي «الميكافيلية»( ).. في الإسلام الغاية لا تبرر ولا تبيح الوسيلة المحرمة... عندما ييأس الرافضة في إثبات باطلهم المكشوف.. يلجئون إلىٰ «التقية» والكذب والمراوغة للوصول إلىٰ ما يريدون، ولذلك فإن وسائل الروافض لنشر مذهبهم قد اكتست بألوان من الخداع والتغرير راح ضحيتها جملة من القبائل المسلمة والأفراد المسلمين.. فقد دفعوا مجموعة من شيوخ القبائل إلىٰ اعتناق الرفض عن طريق إغرائهم بالمتعة( ).

وقد قدّم الحيدري في «عنوان المجد» بيانًا خطيرًا بالقبائل السنية التي ترفضت بجهود الروافض وخداعهم فقال: 

«وأما العشائر العظام في العراق الذين تَرَفَّضوا من قريب فكثيرون، منهم ربيعة.. ترفضوا منذ سبعين سنة، وتميم وهي عشيرة عظيمة، ترفضوا في نواحي العراق منذ ستين سنة بسبب تردد شياطين الرافضة إليهم. والخزاعل ترفضوا منذ أكثر من مائة وخمسين سنة وهي عشيرة عظيمة من بني خزاعة فحرفت وسميت خزاعل.. وعشيرة زبيد وهي كثيرة القبائل وقد ترفضت منذ ستين سنة بتردد الرافضة إليهم وانعدام العلماء عندهم.

ومن العشائر المترفِّضة: بنو عمير وهم بطن من تميم، والخزرج وهم بطن من بني مزيقيا من الأزد، وشمرطوكه وهي كثيرة، والدوار، والدفافعة.

ومن المترفضة: عشائر العمارة آل محمد وهي لكثرتها لا تُحصىٰ وترفضوا من قريب، وعشيرة بني لام وهي كثيرة العدد، وعشائر الديوانية، وهم خمس عشائر: آل أقرع، وآل بدير، وعفج، والجبور، وجليحة، والأقرع ست عشرة قبيلة، وكل قبيلة كثيرة العدد، وآل بدير ثلاث عشرة قبيلة وهي أيضًا كثيرة العدد، وعفج ثماني قبائل كثيرة العدد، وجليحة أربع قبائل كثيرة الأعداد، والجبور كذلك. ومن عشائر العراق العظيمة المترفضة منذ مائة سنة فأقل عشيرة كعب وهي عشيرة عظيمة ذات بطون كثيرةٍ( ).

وهكذا مضىٰ الحيدري علىٰ هذا المنوال يذكر قبائل أهل السُّنة التي اعتنقت الرفض في غفلة من أهل السُّنة، ولأنهم انخدعوا بأقاويل الروافض، مثل: دعونا نلتق ونتعاون، وهيا إلىٰ الوحدة والتقارب، والمذهب الشيعي لا يعدو الخلافُ بينه وبين أهل السُّنة الخلافَ بين المذاهب السنية نفسها. فهيأ أهل السُّنة بسكوتهم الأرضية لشيوخ الرافضة لنشر مذهبهم، وإلا لو أُعلن الحق وبُيّن لما انخدع بالرفض أحد.

لمن هذا الكتاب؟! ليس للشيعة.. كل الشيعة!!

للحق والتاريخ هذا الكتاب ليس موجهًا إلىٰ جمهور الشيعة عامة، إذ لا يجب أن يدفعنا الغضب إلىٰ عدم الإنصاف والعدل مع الآخرين، فقد حذرنا القرآن الكريم من ذلك مع من يصدون عن الكعبة المشرفة في قوله تعالىٰ: 

﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ﴾ [المائدة: 2].

ويقول سبحانه: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾ [النساء: 135].

ويقول سبحانه وتعالىٰ: ﴿ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ﴾ [المائدة: 8].

وقال سبحانه وتعالىٰ: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ﴾ [النحل: 90].

وقال سبحانه وتعالىٰ: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾( ) [الأنعام: 152].

والمعنىٰ واضح: العدل مطلوب حتىٰ مع الأعداء. ومبادئ الإسلام واضحة في المسئولية الفردية، تنهي عن أخذ البريء بذنب المسيء، وعقاب الكل بأخطاء البعض ﴿ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ﴾ [النجم: 38، 39]، هذه بدهيات نعلمها، فنحن أصحاب شريعة لا يحمل فيها أحد ذنب أحد، ونعلم أيضًا أن كثيرين من عامة الشيعة وجمهورهم ليسوا بمسؤولين عن هذه البذاءات في حق صحابة رسول الله، ما لم يشجعها أو يرضىٰ بها. ولكن العقل يقول - والمروءة كذلك - إن التصدي لها مصلحة، وواجب أخلاقي، واستجابة لتعاليم الإسلام؛ لأن سب الصحابة ش خط أحمر؛ بلون الدم؛ واحترام معتقدات الآخر وحقه في الاختيار من خصال الإنسان المتحضر.

لذا أقول إن الكتاب موجَّه إلىٰ كل من يسيء إلىٰ الصحابة ش، وإلىٰ الذين يكذبون علىٰ الأئمة الفضلاء من آل البيت وينسبون إليهم من الأقوال ما لم يقولوه، ومن الصفات ما لم يتحلوا به، ومن القدرات والمكانة ما لا يجوز في حق أحد إلا رب الأرض والسموات.. فالإمام جعفر الصادق رأس الشيعة الإمامية الجعفرية كان إمامًا فاضلًا ورعًا له من الإيمان والعلم الشيء الكثير.. والإمام أبو حنيفة كان تلميذًا للإمام زيد بن علي، أخذ عنه الفقه وأصول العقائد، والإمام مالك بن أنس كان تلميذًا للإمام جعفر الصادق!!

الكتاب موجه أيضًا إلىٰ الذين يصفون صحابة رسول الله ﷺ بلابسي المرقعات.. الحفاة العراة آكلي الضَّب.. ويقولون: لا للحفاة البدو.. نحن في عصر العلم والعقل والمخترعات، ويتناسون أن مِن أصحاب المرقعات مَن أثبت أنه أوعىٰ وأقدر وأذكىٰ من حكام عصر العلم.. وليتنا نعيش عصر لابسي المرقعات.. نعم لبسوا المرقعات ولكنهم ألبسوا الأمة تاج العزة والفخار والكرامة!!

الشيعة منهم الغلاة ومنهم من ينشد الاعتدال!! ومنهم من جمع بين الغلو والاعتدال!!:

الشيعة الاثنا عشرية ليسوا سواء؛ فمنهم الغلاة الذين نرىٰ فيما كتبوا الكفر والزندقة، ومنهم من ينشد الاعتدال، ويتصدىٰ لبعض هؤلاء الغلاة، ومنهم من يجمع بين الغلو والاعتدال.. ظهر في القرن الثالث الهجري ثلاثة كتب في التفسير هي: التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري، وتفسير العياشي، وتفسير القمي. وهذه الثلاثة كلها زيغ وضلال وزندقة: تكفِّر الصحابة رضي الله تعالىٰ عنهم، وعلىٰ الأخص الخلفاء الراشدين قبل الإمام علي، ومن بايعوهم، وتحرِّف القرآن الكريم نصًّا ومعنًىٰ، وتغلو في الأئمة الاثني عشر إلىٰ درجة الشرك بالله Q. وفي القرن الرابع الهجري يؤلف الكليني - وهو تلميذ القمي - كتابه «الكافي»؛ الكتاب الأول في الحديث عندهم، وقد ضل ضلالا بعيدًا، ونهج منهج التفاسير الثلاثة وزاد عليها كفرًا وضلالًا!!

وفي القرن الخامس يؤلف الطوسي كتابه: «التبيان في التفسير»، وينهج منهجًا فيه شيء من الاعتدال، ويتصدىٰ لحركة التشكيك والتضليل التي سبقته، ويحاول جاهدًا صيانة كتاب الله العزيز نصًّا ومعنًىٰ، وإنْ تأثر بعقيدته في بعض معاني الآيات الكريمة.

والإمامية الاثنا عشرية بعد هذا؛ منهم مَن سار في ظلمات الضالين الغلاة، ومنهم من اقترب من شيخ الطائفة الطوسي، ومنهم من أخذ من كُلٍّ نصيبًا. وما نراه في كتب الغلاة الرافضة، وما نصمهم به نتيجة ما قدمت أيديهم، لا ينطبق علىٰ المعتدلين من الطائفة؛ فهم يثنون علىٰ الصحابة الكرام، ويقولون بأن القرآن الكريم الذي بين أيدي المسلمين هو كما أنزله الله Q، وأن أي خبر يتعارض مع هذا؛ سواء أكان في «الكافي» أو غيره، يُضْرب به عُرْض الحائط، وكذلك ما يتصل بفرية علم الأئمة للغيب. ولكن الذي يعجب له المرء هو موقف المعتدلين من الشيعة الغلاة، حيث نرىٰ تناقضا واضحا - والتناقض يأتي في إشادتهم بكتب الغلاة؛ كالمراجعات، وهو الذي يتعارض مع كل ما سبق كما يظهر عند عرضه ومناقشته، وبيان ما فيه من البلايا والرزايا. وكذلك القول بأن كل ما في تفسير علي بن إبراهيم القمي صحيح، وهو الذي كفَّر الصحابة وقال بالتحريف تنزيلًا وتأويلًا، وعِلْمِ الأئمة بما كان وما يكون إلىٰ يوم القيامة. وهذا تناقض واضح جَلي بلا شك!!

هنالك طائفة من معتدلي الشيعة لم تقع في مثل هذا التناقض، وظهرت لهم كتب تفضح وترد علىٰ غلاة الشيعة، وذلك مثل كتاب «تحطيم الصنم» - والمقصود بالصنم: كتاب «الكافي» - للعالم الشيعي المعروف آية الله العظمىٰ «البرقعي»، الذي هاله موقف إخوانه الشيعة من كتاب «الكافي»، وهاله تقديس إخوانه الشيعة لهذا الكتاب، فألف كتابًا كبيرًا أسماه: «كسر الصنم»، أو «تحطيم الصنم»؛ علىٰ الرغم مما فيه، ولقد أحسن كثيرًا في اختيار العنوان؛ فالرافضة بالنسبة لهذا الكتاب كعبدة الأصنام بالنسبة للصنم، فكما حُطِّمت الأصنام يجب أن يُحَطَّم هذا الكتاب.

البرقعي رأىٰ أن يقرأ ما كتبه ابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهما ممن يهاجمهم الشيعة، فشرح الله - عزوجل - صدره، وبدأ يصرِّح بهذا لإخوانه؛ ويُظْهر ما اقتنع بأنه الحق، ويبطل الباطل الذي نشأ عليه، ومن هنا جاء تأليف كتابه «كسر الصنم»، وترجم بعض ما كتبه ابن تيمية إلىٰ الفارسية. ولأنه آية الله العظمىٰ فلم يُسْجَن وحُدِّدَتْ إقامته حتىٰ مات.

وهناك كتاب «لله ثم للتاريخ»، فيه تبرئة الأئمة الأطهار مما نسب إليهم من الغلو، وما كتبه أحمد الكاتب، وموسىٰ الموسوي، وغيرهم.. فالشيعة إذن ليسوا سواء.

وللغافلين من أهل السُّنة!! إبراءً للذمة:

وأكثر قصدي من هذه الصفحات، شباب أهل السُّنة خاصة، أنبههم إلىٰ ما قد خفي عليهم لعل نائمًا يصحو... وغافلًا ينتبه.. وجاهلًا يتعلم.. ومجادلًا بالباطل يخرس.. ولعلي أيضًا أكون بذلك قد قمت بواجب في عنقي نحو ولاة أمورنا، أعينهم بالنصح فيما أعلم ابتغاء لثواب الله، وإبراء للذمة.. وقد يجري الله سبحانه خيرًا كثيرًا ويبارك جهود المخلصين ممن يبتغون بعملهم وجهه الكريم.. كما أن الغفلة عن الخطر تقود إلىٰ الوقوع فيه، وأن التغافل لن ينجي من الشر ولا يحمي من النار، والتغافل ليس سياسة ولا كياسة ولا فطنة؛ إذ لا فائدة من الالتفاف حول الحقائق، ولا مجال للمجاملات علىٰ حساب عقيدة الأمة ومستقبلها ومستقبل أجيالها، وإذا كانت وحدة الأمة لا تقوم إلا بالسكوت عن هذه الشناعات والمنكرات فلا بارك الله فيها.. واتقاء الخطر لا يكون بالتغافل عنه، ولكن يكون بمواجهته إن لم يكن هنالك سبيل إلا مواجهته.

أقول للغافلين من بني جِلدتي من أهل السُّنة ومحذرًا مما يحاك لهم: إن أية محاولة للتهوين من شأن المخطط الشيعي الرهيب لتحقيق الحلم بالإمبراطورية الشيعية، لهي من قبيل دفن الرؤوس في الرمال، والهروب من الواقع، والتاريخ خير شاهد.. ألم يكن آباؤنا يستبعدون نجاح العصابات الصهيونية في إقامة دولة عنصرية علىٰ أرض فلسطين؟!.. ما كان حُلمًا مستبعدًا بالأمس أصبح حقيقة واقعة اليوم وغدًا، وذلك بفضل إصرار أصحاب الحلم علىٰ تحقيقه، وبفضل غفلة الغافلين الذين استبد بهم الغرور وسيطر عليهم حسن الظن، فاستناموا لحسن النوايا، واستسلموا لأحلام اليقظة، فلما استفاقوا علىٰ الحقيقة الداهمة، كانت إسرائيل قد أصبحت قوة لا يُستهان بها. ويبدو أننا في صراعنا مع بؤرة الخطر الإيراني التي نشطت منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبلغت ذروة نشاطها علىٰ يد آية الله الخوميني، يبدو أننا نتعامل معها بنفس الأسلوب الساذج، الذي يتهرب من مواجهة الواقع قبل استفحاله، ويترك للزمن مهمة تصريف الأمور، والانحياز لصالحنا، حتىٰ صدقت علينا أوصاف خصومنا، بأن العرب لا يتعلمون من دروسهم، ولا يستوعبون الكارثة إلا بعد وقوعها، فيبدأون ملحمة لطم الخدود وشق الجيوب والنحيب علىٰ اللبن المسكوب!!... بعد سقوط العراق هُمّش أهل السُّنة، وسلطت إيران عليهم فِرَقَ الموت والاعتقال والقتل والتهجير. واندفعت بكل قوتها للتدخل في شؤون العراق الصغيرة والكبيرة، وهي تدعو الأمريكان لتقاسم النفوذ، وبعد إقرار الفدرالية سيُفتّت العراق، وسيصبح جنوبه محمية إيرانية، وشماله دولة عنصرية يستطيع كل أحد الإقامة فيها إلّا العربي السني، وبعد خراب البصرة راحت أمريكا تستنكر التدخل الإيراني، وهي التي باركته، وشجعت عليه بكل الوسائل. أما العرب فكأنهم لا يعلمون أن النار التي علىٰ حدودهم يمكن أن تحرقهم، وهم - كما يبدو - محتارون فيما يفعلون، أو يخافون من تبعات التحرك، والبعض يقول كما قال بنو إسرائيل يومًا لنبيهم موسىٰ عليه السلام: ﴿ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [المائدة: 24]. أما المخدوعون بالخطاب الإيراني «المزدوج» فهم سيفاجَئون - ربما - بعد حرب لا تُبقي ولا تذر، أنهم في أفضل الأحوال يسمعون نصف ما يُقال.. ويتجاهلون كل ما تفعله إيران، وتلك كارثة.

النفوذ الإيراني يتزايد في المنطقة وهو يشكل خطرًا استراتيجيًّا علىٰ المسلمين من الجهتين: العقدية والسياسية؛ لاسيما مع تفرُّق أهل السُّنة وابتعاد حكوماتهم عن الدين، فخطر إيران واقع ملموس تصرح به بلا تقية. فهذا مساعد وزير الخارجية الإيراني لشئون الأبحاث «منوشهر محمدي» توقع سقوط الأنظمة الملكية العربية في الخليج. ونقلت وكالة «مهر» الإيرانية عن «محمدي» زعمه أن «الأزمة المقبلة التي ستصيب الخليج الفارسي بالشلل قريبًا تتعلق بشرعية الأنظمة الملكية والتقليدية التي لن يكون بإمكانها البقاء في ظل الأوضاع الحالية، وأن الشرق الأوسط سيبقىٰ مركزًا للتطورات والأزمات ما دامت الأنظمة الملكية في الخليج قائمة، وأن النزاعات لن تحل إلا بزوال تلك الأنظمة التقليدية حسب قوله».

ومن قبله طالب مستشار خامنئي بضم البحرين؛ فضلًا عن احتلال إيران لجزر الإمارات وطرد سكانها العرب منها!!

الإيرانيون يهددون بأنهم سيحرقون ويدمرون دول الخليج علىٰ أهلها لو نشبت أي حرب بينهم وبين أمريكا.. وكأن عدوهم الذي يُحاربهم هو دول الخليج وليس أمريكا! وهذا رغم وقوف دول الخليج ضد ضرب إيران، ورغم أن دول الخليج قد يسرت علىٰ الإيرانيين وفتحت لهم أسواقها وبنوكها بعد سلسلة العقوبات التي أجبرت الشركات والبنوك الأمريكية والأوربية - بل وحتىٰ الصينية - علىٰ تقليص تعاملاتها مع إيران، أو تجميد أرصدتها من عائدات النفط في البنوك الأمريكية والأوربية.

ولكن بعض أهل السُّنة أمرهم عجب!!:

والعجيب أن هناك من أهل السُّنة من لا يزال يجادل عن الذين يختانون أنفسهم من الروافض، ولا يكتفي باغتراره الجاهل بهم حتىٰ يغرّ غيره، ويدعي أن تلك العقائد والمواقف الشيعية هي صفحات من التاريخ الماضي، وأن القوم تغيروا، وأصبحوا يدافعون وينافحون عن قضايا الأمة، وعلىٰ رأسها قضية فلسطين، وأنهم هم الذين حققوا ما أسماه الروافض «أول نصر حقيقي في المعركة مع اليهود» في جنوب لبنان، وأنهم الطرف الإسلامي «الوحيد» الذي يقول «لا» للشيطان الأكبر وأنهم.. وأنهم.. ويتناسىٰ هؤلاء أن كل ذلك - لو صح - إنما هو لحسابهم هم ولشيعتهم هم، وليس لصالح مجموع الأمة.

إنهم يطلقون علىٰ - أهل السُّنة - وصفَ النواصب، واليوم يضيفون، بخبث واضح، وصف: التكفيريين والوهابيين والإرهابيين. ولا ينبغي أن يظن ظانٌّ أن تلك الأوصاف الجديدة جاءت وليدة معاناة لما يحدث في العراق علىٰ أيدي بعض المجاهدين الذين يستهدفون العملاء المباشرين المتعاونين مع المحتلين؛ فالشيعة موقفهم من جميع أهل السُّنة واحد، سواء كانوا مسالمين أو مقاتلين، وهم يكفِّرون أهل السُّنة بإطلاق، وليس «الوهابيين» أو «الإرهابيين» فقط - كما يدعون - وهم يبنون علىٰ هذا التكفير كل ما يترتب عليه من أحكام تتعلق بالأعداء النواصب. والناصب أو الناصبي، عند الشيعة، هو كل من ناصب أهلَ البيت العداءَ، وكل من لم يعترف بالأئمة الاثنىٰ عشر الذين اخترعهم ابن سبأ وبنىٰ عليهم أصول المذهب، ولأن أهل السُّنة هم أول من تصدىٰ لهذا الابتداع، فقد ناصبهم أهل التشيع العداء؛ مع علمهم بأن أهل السُّنة هم أكثر الناس محبة وإخلاصًا لأهل بيت رسول الله ﷺ واتباعًا لسنته وسنة أصحابه من أهل البيت وغيرهم. يقول البحراني الشيعي في كتابه( ): «الناصب هو من يقال له عندهم سنيّ، ولا كلام في أن المراد بالناصبة هم أهل التسنن».

غياب دولة أهل السُّنة!!:

لابد من وقفة لغياب دولة أهل السُّنة، وموت مشاعر الغيرة والحماسة علىٰ السُّنة ودماء أهلها وبلادهم عند عامة أهل السُّنة، وما يعانيه أبناؤها من قتل وسجن وتشريد دون أن يجدوا من يداوي جراحهم، أو يواسي مصابهم!!

أَنَّىٰ اتَّجَهْتَ إِلَىٰ الْإِسْلَامِ فِي بَلَدٍ

تَجِدْهُ كَالطَّيْرِ مَقْصُوصًا جَنَاحَاهُ

الدول الصليبية والوثنية ترعىٰ أبناءها.. ودولة الرافضة تمد أتباعها بالمال والسلاح والعتاد والدعم الإعلامي والسياسي والاجتماعي وغيره. وأهل السُّنة يفرض عليهم الخناق من أبناء ملتهم! مع كل ما أمدهم الله به من ثروات، ويعانون من الغربة والإحساس بالظلم والهضم، والإقصاء والحرمان ما لم يمر عليهم في عصر من العصور، وعيونهم تنظر إلىٰ من ينهب ويسلب ويستبيح المحرمات، ولسان حالهم يردد قول القائل: 

إِلَىٰ دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي

وَعِنْدَ اللهِ تَجْتَمِعُ الْـخُصُومُ

وهل يجوز السكوت والتجاهل عما يُمارَسُ من تدليس وتلبيس؛ لتشكيك الناس في عقيدتهم ومن تغذية مستمرة للإفك وثقافة الكراهية للصحابة ش؟! وهل يجوز أن نترك هذه الثقافات الهدامة تعيث في هُويتنا خرابًا وتمزيقًا؛ لتحقق المزيد من تجهيل الأمة بماضيها المُشْرِق، وقطْع ينابيع تواصلها مع الصحابة ش، واستبدال ظلمة المرجعيات المخادعة بأنوار الخلافة الراشدة؟!! ثم هل يجوز لأهل السُّنة أن يظلوا في لَـهْوِهِمْ سادرين، وفي شغل عما يجري لهم ممن يزرعون ثقافة الحقد اليومية، تلك التي تغص بمفردات التحريض المباشر والكراهية والاستفزاز، وشتم الصحابة وأمهات المؤمنين ش في صدور أتباعهم؟!

لقد سمحنا للباطل بأن تمتد جذوره في تراثنا، وللشذوذ الديني والعقائدي أن ينعم بالنور والهواء بين ظهرانينا، ولولا فضل الله علينا ورحمته لجعل منا القردة والخنازير، ولولا كتاب من الله سبق لأنزل علينا حجارة من السماء، وما جزاء من لم يكن جنديًّا للحق بمحض اختياره، إلا أن يكون عبدًا للباطل بغير اختياره!! ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ﴾ [هود: 117].

لابد من ثقافة صلبة تغرس في القلوب والعقول محبة الصحابة والخلفاء الراشدين ش، والغيرة عليهم وعلىٰ ما جاءوا به، وتطمس كل ما زرعه الرافضة من روايات مكذوبة عليهم تثير في النفوس الأحقاد والضغائن ضد السُّنة وأهلها، وأنه لا ينال من الصحابة مسلم، ولا يطعن فيهم مؤمن.. دون ذلك سيكون الشر المستطير علىٰ القرآن والسُّنة، وستكون الأخطار علىٰ أهل السُّنة.

ظهور اتجاه رافضي عند بعض الكتاب المنتسبين للسنة:

قامت الرافضة بشراء بعض أصحاب الأقلام والعقول الخاوية من الإيمان واستكتبوها للدعاية للتشيع والتقديم لكتب الشيعة. ترىٰ ذلك في بعض كتبهم التي تُرْسَل للعالم الإسلامي للدعاية للتشيع، ويستكتب فيها أمثال هؤلاء كما في كتاب «أصل الشيعة»، و«عقائد الإمامية» وغيرهما.. هنالك من الشخصيات التي دخلت في التشيع للإثراء والمال؛ لأن ما عند الشيعة من فكر لا يستطيع إنسان أُوتيَ من العقل؛ ولو بعضه - ولا نقول كله - أن يدخل في هذا الهراء الذي لا يمثل شيئًا إلا صياحًا لمرضىٰ العقول... ولأن هذا العبث الشيعي لا فائدة فيه ولا منه فقد يدخل البعض فيه للإثراء حتىٰ إذا حقق ما يريد ولّىٰ هاربًا.

ظهرفي كتابات بعض المفكرين من المنتسبين لأهل السُّنة «لوثات» من الفكر الرافضي، وبرزت كتابات لهؤلاء متأثرة بالشبهات التي يثيرها «الروافض» في أمر الإمامة والصحابة، والمُطالِعُ لما يكتبه ثُلّة من المفكرين والأدباء حول «تاريخ صدر الإسلام»، أو «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» أو «مسائل الإمامة والخلافة» يدرك مدىٰ تأثير الكيد الرافضي في تحوير الحقائق أمام هؤلاء.

وهذا الصنف «زمرة» مرتزقة قد أغراها بريق المال ودفعها «متاع الغرور» لتقول ما قالت، ولتكتب ما سطرت، والروافض يدفعون المال «للرموز المشهورة» حتىٰ يكتبوا للناس ما يتفق والمذهب الرافضي فكيف اليوم وقد كثر المال في أيديهم، وقلت الأمانة في نفوس الكثيرين وغرتهم الدنيا وغرهم بالله الغرور( ).

د. علي سامي النشار - سامحه الله - صاحب كتاب «شهداء الإسلام في عصر النبوة» يكتب كتابًا باسم «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» ويضع فيه ما تقر به عيون الروافض فيكفِّر فيه بعض صحابة رسول الله ﷺ، فيقول مثلًا عن معاوية >: «ومهما قيل في معاوية، 

ومهما حاول علماء المذهب السلفي المتأخر، وبعض أهل السُّنة مِن وضعه في نسق صحابة رسول الله، فإن الرجل لم يؤمن أبدًا بالإسلام، ولقد كان يطلق نفثاته علىٰ الإسلام كثيرًا ولكنه لم يستطع أكثر من هذا»( ).

فانظر إلىٰ عظيم افترائه! وهل يُعْهد مثل هذا القول إلا من الروافض وأشباههم.. وكيف يتفوه مسلم بهذه المقالة في صحابي جاهد مع رسول الله ﷺ حيث شهد معه غزوة حنين( )، وكان أمينًا عنده يكتب له الوحي، وكان متوليًا علىٰ المسلمين أربعين سنة نائبًا ومستقلًا يقيم معهم شعائر الإسلام( )؟

ثم هو يفتري علىٰ أهل السُّنة حين يزعم أن القول بصحبة معاوية هو قول للبعض من أهل السُّنة، وكأن الأكثرية علىٰ مذهبه، وهذا كذب واختلاق كمسلك الروافض في الكذب، فإن إيمان معاوية > ثابت بالنقل المتواتر وإجماع أهل العلم علىٰ ذلك( ).

وقال أيضًا عن أبيه «أبو سفيان بن حرب»: «ولقد كان أبو سفيان زنديقًا أي ممن يؤمنون بالمجوسية الفارسية»( )، مع أن أبا سفيان قد استعمله النبي ﷺ نائبًا له، وتُوفي النبي ﷺ وأبو سفيان عَامِلُه في نجران، فكيف يكون زنديقًا والنبي ﷺ يأتمنه علىٰ أحوال المسلمين في العلم والعمل؟!( ).

ويوافق أهل الرفض في قولهم بأن قلة من الصحابة كانوا يرون الحق لعلي، وأن الأمر قد نزع منه.. يقول: «وقد أحسَّ قلة مِنْ خُلَّص الصحابة أن الأمر نزع من عليٍّ للمرة الثالثة، وأنه إذا كان الأمر قد سُلِبَ منه أولًا لكي يُعْطىٰ للصاحب الأول، ثم يُؤْخَذُ منه ثانيًا لكي يُعطىٰ للصاحب الثاني فقد أُخِذَ منه ثالثًا لكي يُعطىٰ لشيخ متهاوٍ متهالك لا يحسن الأمر ولا يقيم العدل يترك الأمر لبقايا قريش الضالة»( ). وهو يقصد بهذا الخليفة الراشد ذا النورين عثمان بن عفان >، الذي اتفق الصحابة علىٰ خلافته.. فكأنه يزري بهم جميعًا بهذه الفرية.

ويقول عن الرافضة التي تتسمىٰ بالاثني عشرية والتي قالت كل ما مضىٰ من كفر وشنيعة، واستفاض ذمهم ومقتهم في كلام أئمة الإسلام، يقول: «إن الأفكار الفلسفية للشيعة الاثني عشرية هي في مجموعها إسلامية بحتة»( ).

ويقول - وكأن المتحدث أحد الروافض - بأن شيعة عليّ الذين أحبوه عن يقين وإيمان، وساروا في ركب الإمام وهم علىٰ إيمان مطلق بأنه الأثر الباقي لحقيقة الإسلام الكبرىٰ، وبجانب هذا «العثمانية» و«الأموية» الذين كرهوا الإسلام أشد الكراهية، وامتلأت صدورهم بالحقد الدفين نحو رسول الله وآله وأصحابه( ).

العرب يتفرجون!!:

الدول العربية تمارس دور المتفرج علىٰ حافة رصيف محطة القطار المعطَّل، ومعهم حقائب خلافاتهم ونزاعاتهم وأمزجتهم ونزعاتهم، وبينما تقف الشعوب علىٰ حافة براكين الغلاء والأزمات الاقتصادية والأوضاع المعيشية الصعبة إذ بالعرب بين مستعمريْن: أمريكي وإيرني، بلا استراتيجية مواجهة؛ إلا أماني وتمنيات بألا تحدث معركة بساحتهم. أمريكا وإيران اشتركتا في قتل مليون ونصف مليون في العراق «وهو ما يقارب جريمة التتار» وتهجير خمسة ملايين عراقي وتيتيم أربعة ملايين طفل وترميل مليون امرأة!!

العرب كأنهم ينتظرون حتىٰ يستولي الرافضة علىٰ بلاد المسلمين، كما فعل أسلافهم في القرن الرابع الهجري باستيلاء العُبَيْدِيين علىٰ مصر والمغرب، واستيلاء البُوَيهيين علىٰ بلاد فارس والعراق، واستيلاء القرامطة من الشيعة علىٰ الخليج والأحساء ووصولهم لمكة وتعطيلهم للحج؛ لأول مرة في تاريخ الإسلام عام 317 هجرية، حيث لم يقف أحد بعرفة، وقتلهم 30 ألف حاج، ودفنهم لزمزم بآلاف الجثث، ثم قاموا بعد ذلك بقلع الحجر الأسود من مكانه وحملوه معهم إلىٰ مدينة «هجر» بالبحرين وهي مركز دعوتهم وعاصمة دولتهم، وهدفهم من الاستيلاء علىٰ الحجر الأسود هو تعطيل الحج إلىٰ مكة وارتحال الناس إلىٰ مدينة «هجر». فبقي عندهم 22 سنة ثم أعادوه مقابل خمسين ألف دينار، وكان الحجر يُنْقل ما بين هجر والقطيف، ووضعوه في بناءٍ بنوه خارج القطيف وسموه «الكعبة» أيضًا، وكان أهل هجر والقطيف يتدافعون الحجر بينهم لما كان يحل بمن كان الحجر عندهم من المصائب وكثرة الوفيات. 

تَبْكِي الحَنِيفِيَّةُ الْبَيْضَاءُ مِنْ أَسَفٍ

كَمَا بَكَىٰ لِفِرَاقِ الْإِلْفِ هَيْمانُ

عَلَىٰ دِيَارٍ مِنَ الْإِسْلَامِ خَالِيَةٍ

قَدْ أَقْفَرَتْ وَلَـهَا بِالرَّفْضِ عُمْرَانُ

حَيْثُ المسَاجِدُ قَدْ صَارَتْ حُسَيْنَاتٍ

مَا فِيهِنَّ إِلَّا لَعْنٌ وَشَتْمٌ وَعِصْيَانُ

حقيقة قنبلة المهدي:

قال الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أمام حشد من الطلاب في مدينة «قم» في سبتمر 2005: «إن عودة المهدي صارت قريبة، وعلينا أن نستعد لاستقباله، وعلينا أن نهيئ أنفسنا لقيادة العالم»! 

وسواء كان أحمدي نجاد يخدم السياسة بالدين، أو يخدم الدين بالسياسة، فإن الدين الذي يخدمه نجاد ليس هو الدين الذي أُنزل علىٰ محمد ﷺ، ولا الدين الذي تلقاه عنه أصحابه ونقلوه إلينا؛ صادقين مخلصين مجاهدين، مستحقين ثناء رب العالمين - رغم أنف الشيعة - في قوله - تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [الفتح: 29].

رفضوا تزكية التوراة، وشهادة الإنجيل، وتصديق القرآن، وأصرّوا علىٰ أن جُلُّ أصحاب النبي ﷺ كانوا من الكفار، وأن محبيهم ومتبعيهم بإحسان هم كفار مثلهم. إن أحمدي نجاد ينافس مقتدىٰ الصدر وحسن نصر الله - والخميني قبلهما - في دعوىٰ التمهيد للقدوم القريب للمهدي المنتظر. لقد قال نجاد في إحدىٰ خطبه النارية في 16/11/2005: «إن المهمة الرئيسية لحكومتنا تتلخص في تمهيد الطريق للعودة المجيدة للإمام المهدي»! وفي خطابه أمام الأمم المتحدة في سبتمبر 2005م قال: إن هالة المهدي النورانية كانت تحيط به وهو يلقي كلمته!! ولم يرها إلا الحاضرون من الشيعة، وبعدها.. نقل عنه مهدي خروبي الرئيس السابق لمجلس الشورىٰ الإيراني بواسطة بعض المقربين له - أي لنجاد - أنه يتوقع خروج المهدي خلال العامين المقبلين!! وهذه التصريحات - وأمثالها كثيرة - تفرض علىٰ المراقبين من المشفقين علىٰ هذه الأمة أن يتساءلوا: أي مهدي يقصد أحمدي نجاد؛ هل هو مهدي السلام الذي نعرفه نحن أهل السُّنة، والذي ستنعم الأمة والأرض كلها في عهده نعيمًا لم تدركه قط في تاريخها؟! أم هو مهدي الانتقام والثأر والنار والدم والهدم علىٰ رؤوس العرب والمسلمين قبل غيرهم؟!

وهل ستكون التكنولوجيا النووية أو القنبلة النووية الإيرانية - إذا نجحت فيها - في خدمة الإسلام والمسلمين بالمعنىٰ المرضي لرب العالمين، أم ستكون تكنولوجيا إرهاب وإرعاب للمسلمين، لا تَقِلُّ خبثًا عن قنابل اليهود والأمريكان والبريطان والطليان والألمان وغيرهم؟!

عَلىٰ «المنبهرين» بشجاعة نجاد ونصر الله ومقتدىٰ الصدر وبطولتهم وجرائتهم أن يتريثوا، ويعيدوا قراءة قناعات القوم وعقائدهم القديمة والحديثة، ويسألوا أنفسهم في ضوئها: لصالح مَنْ يعمل هؤلاء؟!

تصريحات طنانة، وشعارات رنانة، يطلقها قادتهم السياسيون بين الحين والآخر، بما يوشك أن يكرر «سيناريو الخداع الكبير» الذي وقع فيه فئام من الأمة أيام ظهور الخميني، عندما أطلق علىٰ حركته وصف «ثورة المستضعفين»، فكشفت الأيام اللثام عن أنها لم تكن إلا ثورة علىٰ المستضعفين، وخدعة قدمت كل خدمة مأجورة للطغاة والمستكبرين، كما أظهرت أحداث أفغانستان والعراق.

وما جدوى الخوض في مثل هذه المسائل؟!:

دفاعًا عن الصحابة وذَبًّا عن حياضهم:

كان لابد أن أدْلي بدلوي المتواضع وأكتب بروح علمية حيادية، فلا مصلحة لنا ولا للإسلام في التقوُّل علىٰ أحد؛ دفاعًا عن الصحابة، وذبًّا عن حياضهم ش وتبصيرًا لأبناء الأمة بما يجول بخاطري وخاطر كل من آمن بالله ربًّا وبمحمد نبيًّا ورسولًا؛ إقرارًا بمكانة هذا الرهط الكريم من صحابة رسول الله ﷺ، وش، وتحذيرًا من الأخطار المحدقة من نفر نعيش في وسطه، ونسمع منه بآذاننا، ونقرأ ما يكتبه بأم أعيننا.

لم أجد ما يحز في نفسي، ويثير فيها الشجون الكامنة مثل ما قرأت وسمعت.. نعم، لقد اسْتُهْدِفَ الإسلامُ والمسلمون طيلة أربعة عشر قرنا مضت، وتعرض لأخبث فنون المكر والدس والتآمر، وتضافرت علىٰ تزوير حقائق التاريخ وتشويه مبادئه كل مخططات قوىٰ الشر، ولولا ما في الإسلام من قابلية للخلود اقتضته مشيئة الخالق Q وجعلته نورًا لا تطفئه الأعاصير، وقوة لا تنال منها المحن، لكان من إحدي أساطير التاريخ!!

كما اقتضت رحمته تعالىٰ أن يدافع عن الذين آمنوا، وأن يدفع عنهم كل غائلة تستأصل شأفتهم، تحقيقًا لوعده الكريم في قوله تعالىٰ: ﴿ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ﴾ [الحج: 38]، ومصداقًا لقوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة علىٰ الحق لا يضرهم من خالفهم حتىٰ يأتي أمر الله».

كان لا بد من وقفة تصوِّب ما نسمعه، وتُقوِّم ما نقرأه لمن ضلوا الطريق وحادوا عن الحق؛ راجين لهم الصلاح، والعودة إلىٰ الحق والصواب.

كان لابد من الكشف عن مآثر صحابة رسول الله ﷺ ومناقبهم المتنوعة، وفضائلهم المتعددة.. ولعله بذلك تزول عنا مرارة الألم والحسرة التي ضاقت بها صدور، وانكسرت منها نفوس أبناء أمة ضَعُفَ ولاؤها وخَفُتَ براؤها!!

لابد من وقفة أمام ما يرتكبه الرافضة، الذين أسقطوا كل القيم في تعاملهم مع المسلمين في مآتم وحسينيات حولوها إلىٰ سجون في العراق، واستهدفوا المساجد فحولوها إلىٰ أماكن للقمامة وقضاء الحاجة.

مما يؤكد أحقادهم المتوارثة علىٰ سنة الرسول ﷺ، من أيام الشاه عباس الصفوي، وجده إسماعيل الصفوي، وأحقادًا تحملها نصوصهم وقلوبهم المنزوعة الرحمة والإنسانية، تشهد عليها صور حملتها الفضائيات العالمية بين الحين والآخر!!

قد يقال: إن الخوض في مثل هذه المسائل لا طائل منه بعد هذه القرون المتطاولة، وقد اختفىٰ أبطالها من مسرح الحياة: فلا أبو بكر الصديق حي.. ولا علي بن أبي طالب حي، كي نختار أولاهما بالأمر.. هذا صحيح في ذاته... ونحن الغيورين علىٰ الإسلام والمسلمين نقول به وندعو إليه؛ لقوله تعالىٰ: ﴿ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ﴾ [البقرة: 134و141].

ولكن وجدتني أقول: «إن موضوع «الإمامة» والخلافة يطرق يوميًّا علىٰ مدار الساعة، ويثار باستمرار، وتُبْنىٰ عليه مسائل في غاية الخطورة. فهو من هذه الناحية حيّ يتحرك.. ولا يصح معه أن ندفن رؤوسنا في الرمال حلًّا للإشكال. ثم إن الإمامية يعتبرونه أصل الاعتقاد ومبدأه ومنشأه.. فكيف يتركونه؟! فمن أراد أن يلوم فليتوجه بلومه إلىٰ البادئ؛ فإن المدافع لا تثريب عليه. حتىٰ يكفّ الأول ويرجع عما هو عليه، عند ذاك يصح أن يُطَالب الآخر بالكف والسكوت. وهذا هو الذي نريده ونرجوه. فلو كفّ الشيعة عن هذه المسائل الجدلية العاطلة، التي لا أرضية ولا واقع ولا معنىٰ لها وسكتوا لكففنا وسكتنا.. وانشغلنا بحمد الله رب العالمين.. والعمل بشرائع الدين المبين.

لقد ثبت في الصحيح عن حذيفة بن اليمان > أنه قال: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه».. عقائد الآخر تهدد عقائد عامة المسلمين؛ خاصة بعد أن صار للقوم في هذه الأيام قوة، ودول تنفق الكثير من المال!!

ومن جدوى الخوض في هذه المسائل:

- الحرص علىٰ سلامة دين المسلمين ومصالحهم في بلادهم.. الحرص علىٰ مقدساتهم وحرماتهم وأوطانهم.. الحرص علىٰ تجنيبهم مخاطر ومزالق التشيع والرفض وما أكثرها.. تحذير الجميع من خطر الشيعة الروافض علىٰ المنطقة وأبنائها من المسلمين.. وقْف زحف الخطر الأكبر.. الحفاظ علىٰ ما تبقىٰ من إسلامٍ في نفوس الناس.. ومنع الخطر عنهم.. وعن أوطانهم وحرماتهم.

- دعوة الآخر للحق.. كان من أكبر الأخطاء التي ارتكبها الرئيس العراقي صدام حسين ؟ إبَّان حكمه أنه استهان بهذا الجانب، وتعامل مع الشيعة الروافض حوله من أبناء العراق بحسن الظن.. وأنه منع علماء السُّنة من أن ينشطوا في الدعوة إلىٰ الله ليخرجوا ضلَّال وجهلة الشيعة الروافض من جهلهم وضلالهم وشركهم إلىٰ نور الإسلام وتوحيده.. فكانت نهايته المؤلمة علىٰ يد هؤلاء الروافض من أبناء وشيعة العراق.. فاسْتَقْوَوا عليه بالعدو الأجنبي.

- التأكيد علىٰ أنه لا يجوز - شرعًا ولا عقلًا - أن نبارك أو نوافق علىٰ فكرة أو مبدأ تصنيع إيران الإمامية الاثني عشرية للقنبلة النووية - التي يقف بعض أهل السُّنة منها موقف الدفاع عن إيران في تصنيعها - لأن أول تجربة نووية لها ستكون في عاصمة عربية سنِّية إن لم تكن في المدينة المنورة، ومكة المكرمة حفظهما الله تعالىٰ، وزادهما شرفًا وأمنًا وتعظيمًا.. والدليل علىٰ ذلك أن بوادر ذلك ظهرت عند أول استفزاز لإيران وتصعيد في التصريحات بين إيران وأمريكا.. فقد صرَّح ساسة وآيات طهران أنهم سيحرقون ويدمرون عواصم الخليج العربي المسلم علىٰ أهلها وساكنيها.. وكأن مشكلتهم الأساسية مع الخليج العربي المسلم وأهله، وليست مع أمريكا.. وكأن الذي يصعِّد في تصريحاته ضد إيران هم أهل الخليج، وليس أمريكا! من حقِّنا كمسلمين أن نتخوف من مشروع إيران النووي.. ونتحفظ تجاه كل نشاط لإيران حول هذا المجال.. وما صرح به ساسة وآيات طهران مؤخرًا لبعض حكام دول المنطقة من طمأنة لهم ولشعوب المنطقة من أنهم لن يكونوا هدفًا لصواريخ وقنابل قم وطهران لا يكفي.. وهو غير مقنع، ولا مُطمئن.. لماذا؟! لأن التقية والكذب، والخداع، والغدر دين يتدين به الشيعة الروافض.. فمن لا تقيَّة له عندهم لا دين له.. وبالتالي كيف نستطيع أن نميز بين ما يقولونه كذبًا وتقية وبين ما يقولونه صدقًا غير كاذبين؟! ومن كان دينه قائمًا علىٰ التقية والكذب والتكذيب، وتصديق الكذب فكيف يريدنا أن نصدقه فيما يقول؟!

أمريكا - ومعها دول الغرب - لا يهمها في المنطقة إلا أمن وسلامة وقوة دولة الصهاينة اليهود.. وسلامة مصالحها الاقتصادية في المنطقة، وعلىٰ رأسها استمرار ضخ الذهب الأسود وبثمن بخس - وفي كثير من الأحيان بلا ثمن - من البلاد العربية إلىٰ السوق الأمريكية والأوربية. وألا تقوم للإسلام في المنطقة - علىٰ مستوىٰ الدولة والحكم والسياسة - قائمة تُذكر.. وأن يبقىٰ محصورًا في القلب.. وزوايا المساجد! لأنهم يرون في الإسلام سببًا في تهديد أمن وسلامة دولة إسرائيل.. وتهديد مصالحهم الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة.

ثم إن مسؤوليتنا تجاه عقيدتنا، ومسؤوليتنا تجاه وجودنا ذاته تفرض علينا أن نتصارح فيما يُدَبر لنا، حتىٰ نتيقظ وننتبه، ونتسلح بسلاح الوعي، ولعل أول أسلحة الوعي أن نقف علىٰ أصل الخلاف، ونقرأ من جديد وقائع وحيثيات الخلاف الذي نشب بين جمهور المسلمين وأهل التشيع، وما دام خصومنا قد فتحوا الملف بكل الوضوح والسفور، فلماذا لا نقرؤه؟

هنالك من استغل الخلاف الذي وقع في صدر الإسلام بين الصحابة رضوان الله عليهم حول الخلافة -، هذا الخلاف مثله يقع في كل أمة وفي كل عصر، ولكنا لم نر أمة من الأمم عنيت بمثل هذا الخلاف أكثر من أربعة عشر قرنًا!! لم نر في تاريخ العالم أمة شُغِلَتْ بنزاع بين أجدادها مضىٰ عليه أربعة عشر قرنا، وقد انتهوا جميعا إلىٰ ذمة الله، وهو وحده الذي يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون!! هل في العالم اليوم أمة تحترم نفسها وتغار علىٰ كرامتها، تشغل نفسها بخلاف عفىٰ عليه الزمان عن أخطار محدقة بها من كل مكان؟ ولكن ماذا عسانا أن نقول ونفعل إزاء هذا الواقع المر الأليم؟

اتهاماتهم لمن؟! للإسلام ونبي الإسلام!!:

ما يعتقده الشيعة الإمامية في الصحابة الكرام ش، يعني توجيه التهمة إلىٰ النبي ﷺ، ويثير الشبهات حول الإسلام، ذلك لأن من يعتقد في الذين آمنوا بالنبي ﷺ، أنهم لم يكونوا صادقين في إيمانهم إلا في الظاهر، أما في الباطن فكانوا كافرين؛ والعياذ بالله، حتىٰ إنهم ارتدوا عن الإسلام علىٰ إثر وفاة النبي ﷺ، لا يستطع أن يصدق النبي ﷺ في نبوته، بل يقول: لو كان النبي ﷺ صادقًا في نبوته لكانت تعليماته ذات أثر وتأثير، وإذا كان عدد الذين تأثروا بهداية النبي ﷺ ليسوا إلا بضعة رجال، والباقي منافقون ومرتدون؛ علىٰ حد زعم الشيعة الاثني عشرية والعياذ بالله، فمن دان بالإسلام؟ ومن انتفع بتعاليم محمد ﷺ وتربيته؟!

الحكم لهم!! ليس الأمر هكذا!! الشورى مبدأ أساسي في الإسلام:

افتعلوا مسألة: أن الحكم لهم - آل البيت - لا لغيرهم، والإمامة لهم لا لغيرهم وأنهم أئمة في الدين وفي الدنيا معًا، وأحاطوا الإمام بهالة من التقديس؛ كالأنبياء أو فوقهم حتىٰ قالوا: إن الأرض كلها للإمام أو الأئمة من آل البيت!!

لم يكن الأمر هكذا في سائر عصور الدولة الإسلامية.. كان الأمر شورىٰ، وكان الحاكم يُخْتَار بالشورىٰ، وليس لأحد - ولو كان الخليفة، أو شيخ الإسلام - قداسة خاصة، فكلٌّ يؤخذ منه ويُرَدّ؛ إلا صاحب هذا القبر - رسول الله ﷺ - كما قال الإمام مالك ؟.. ومبدأ الشورىٰ مبدأ أساسي في الإسلام.. رسول الله ﷺ لم يحصر الولاية والحكم في ذرية أحد!! ألم يجعل زيد بن حارثة، وهو العبد المعتق قائدًا أول للجيش الإسلامي في غزوة مؤته، وجعل ابن عمه جعفر بن أبي طالب بعده في القيادة؛ أي تابعًا لزيد!! لقد أوصىٰ رسول الله ﷺ فاطمة ابنته، وآل بيته بالعمل وعدم الاعتماد علىٰ النسب، وقال لهم: «لا يجيئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب».. من الإساءة البالغة أن يُلْصَق به ﷺ محاباته لذريته مِنْ عليٍّ وفاطمة، وجعلهم حكامًا علىٰ المسلمين إلىٰ يوم القيامة ولو كانوا غير أكفاء!! وهو القائل لابنته فاطمة: «يافاطمة اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا».

ألبسوا رسول الله ﷺ تهمة فقالوا: إنه ﷺ يعطي الإمام سلطة مطلقة في المسلمين، لا يسأله أحد، ولا يعارضه أحد، وكل أوامره أوامر إلهية لا ترد.. !! الخليفة الأول خليفة رسول الله أبو بكر الصديق >، حين ولي الخلافة والحكم، قال: «إني وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني علىٰ حق فأعينوني، وإن رأيتموني علىٰ باطل فقوِّموني... إلخ». وكرر ذلك الخلفاء الراشدون، فقام أحد الرعية ليقول لعمر الفاروق: لو رأينا فيك اعوجاجًا لقوَّمناه بحد سيوفنا.. ولم يغضب الخليفة وحمد الله لوجود أمثاله من الرجال في أمة محمد ﷺ.. ويعلن عمر > علىٰ الملإ: أنه أخطأ وأصابت امرأة!! لم ولن يكون هنالك معصوم يؤخذ قوله قضية مسلَّمة، إلا رسول الله ﷺ، وخاصة فيما نزل به وحي.. أما في غير الوحي فقد كان الصحابة ش يراجعونه، وينزل علىٰ رأيهم أحيانًا... فكيف يعطي القوم أئمتهم فوق ما كان للرسول ﷺ؟! ليس للحاكم والعالم عصمة من خطأ، ويمكن أن يراجعهما المسلم في الحكم حتىٰ ولو كانت امرأة!! والمرجع في ذلك كله هو الكتاب والسُّنة المطهرة مع الاجتهاد في فهمها!!

المجتمع المسلم مجتمع منفتح علىٰ الرأي والرأي الآخر.. مجتمع قائم علىٰ الشورىٰ بين المسلمين!! يجعلون البراءة من الأعداء أصلًا من أصول الإسلام، لا تصح الولاية بدونها.. ومن يسمونهم بالأعداء هم: أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ، وعمر بن الخطاب الفاروق، وعثمان بن عفان ذو النورين!!.. روىٰ الكشي عن زرارة عي أبي جعفر: أن محمد بن أبي بكر بايع عليًّا علىٰ البراءة من أبيه( )، ويزعمون أن عليًّا قال: «قد عملت الولاة من قبلي أعمالًا خالفوا فيها رسول الله وغيَّروا سنته ونقضوا عهده»( ).

هذه هي الجذور.. وهذه هي الأسباب:

جهل الكثيرين بنظرية الإمامة!:

وجدتني بعد طول بحث وقراءة أتبين أنه قد غاب عن الكثيرين منا - نحن أهل السُّنة، وغير أهل السُّنة - نظرية الإمامة لدىٰ القوم والإمام ونوابه، وكيف أن الإمام عندهم معصوم ومقدس، وكيف يحل نائبه محله حين يغيب - وهو الغائب منذ سنة 260 هـ - فيطيعه أتباعه في المذهب طاعة عمياء؛ لأنه يمسك في يده - برضاه أو غضبه - مفاتيح الجنة والنار!! نائب الإمام لا يناقشه أحد، ولا معقب عليه في حكمه أو قوله.. لا يرىٰ أحد ما يراه.. هو المقدس المعصوم.. كلامه وحي أو كالوحي.. لا يُسْأَل عما يقول أو يفعل، وهو فوق مستوىٰ الشبهات.. أتباعه يخضعون له خضوعًا أعمىٰ، وإذا كان حوله مجلس شورىٰ ونيابة فهو فقط من لوازم الدولة الحديثة، ولا رأي لهم بجانبه!!

يقول المفيد - أحد أكبر علماء المذهب الاثنا عشري - في كتابه «أوائل المقالات في باب الفرق بين الإمامية وغيرهم من الشيعة وسائر أصحاب المقالات»: «واتفقت الإمامية علىٰ أن المتقدمين علىٰ أمير المؤمنين «ع» ضُلَّال فاسقون وأنهم بتأخيرهم أمير المؤمنين عليه السلام عن مقام رسول الله ص عصاة ظالمون وفي النار بظلمهم مخلدون... واتفقت الإمامية علىٰ أن من أنكر إمامة أحد الأئمة وجحد ما أوجبه الله تعالىٰ من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار».

وقال يوسف البحراني في كتابة: «الحدائق الناضرة» (جـ5/ صـ177): «إن الأخبار المستفيضة بل المتواترة دالة علىٰ كفر المخالف غير المستضعف ونصبه ونجاسته»، وقال أيضًا: «وليت شعري أي فرق بين من كفر بالله سبحانه ورسوله، وبين من كفر بالأئمة عليهم السلام».

وقال الفيض الكاشاني في «منهاج النجاة» (صـ48) ط دار الكتاب الإسلامي بيروت: «ومن جحد إمامة أحدهم - أي الأئمة الاثني عشرـ فهو بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء». وقال المجلسي في «البحار» (جـ65/ صـ281): «إن من لم يقل بكفر المخالف فهو كافر أو قريب من الكافر»، وقال في «البحار» أيضًا (جـ23/ صـ390): «اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر علىٰ من لم يعتقد إمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام وفضَّل عليهم غيرهم يدل علىٰ أنهم مخلدون في النار». وجاء في «جامع أحاديث الشيعة» (جـ1/ صـ503): «والذي بعثني بالحق لو تعبد أحدهم ألف عام بين الركن والمقام ثم لم يأتِ بولاية علي والأئمة من ولده عليهم السلام أكبه الله علىٰ منخريه في النار».

تعجبت وتعجبت وتساءلت كيف يخضع القوم لإمامهم، أو نائب إمامهم علىٰ هذا النحو.. إمامهم المعصوم، حكمه حكم إلهي مهما يكن، ولا تجوز مراجعته.. رأيه هو الرأي الأول والأخير.. !! هذه الحقيقة غابت وتغيب عن كثير من الناس!! مثلما غابت عقائدهم التي تلفعت بالغموض والتقية.

الحقيقة أنهم جعلوا الإمامة ركنًا من أركان الدين كالصلاة والصيام.. جعلوها ركنًا سادسًا من أركان الإسلام، وما دام الإمام ركنًا فلابد من النص عليه.. كل الشيعة يجمعون علىٰ ذلك!! والإمام عينه الرسول ﷺ، وهو علي بن أبي طالب، وبنوه من بعده!!

رسول الله ﷺ يصرح في حديث صحيح بأن الإسلام بني علىٰ خمس، ويقرر أن أركان الإسلام خمسة، ويأتي الشيعة فيقررون أن أركانه ستة!! ويجعلون الإيمان بالإمام هو الركن السادس، وكأن الرسول ﷺ قصر أو سَهَا في بيانه، فجاءوا هم ليكملوا ما قصر فيه الرسول ﷺ!! ويجعلوا لهذا الركن من المنزلة التي تجعل من لا يؤمن به يخلد في النار ولا يعد من المؤمنين.

كان هذا الركن الذي خلقوه وابتدعوه سببًا عندهم في إخراج الغالبية العظمىٰ من الصحابة والمسلمين لإسلامهم ولرسولهم من الإسلام، أو رموهم بالكفر والخروج من الإسلام؛ بدءًا من أبي بكر وعمر وجميع الصحابة - إلا ثلاثة أو أربعة - إلىٰ الآن وإلىٰ أن تقوم الساعة، ما لم يتداركوا أمرهم ويسايروا الشيعة ويؤمنوا بالإمام!!

أدىٰ هذا الركن إلىٰ تكفير جميع الصحابة، واعتبارهم منافقين كذابين، لم يكن همهم - كما يقول الخميني في كتابه «كشف الأسرار» - «إلا الدنيا والحصول علىٰ الحكم، دون الإسلام والقرآن، واتخذوا القرآن مجرد ذريعة لتحقيق نواياهم الفاسدة، حتىٰ أسقطوا منه تلك الآيات، التي تدل علىٰ خلافة علي >، وعلىٰ إمامة الأئمة، وكذلك تحريفهم الكتاب السماوي، وإقصاء القرآن عن أنظار أهل الدنيا علىٰ وجه دائم بحيث بقي هذا العار في حق القرآن والمسلمين إلىٰ يوم الدين. وإن تهمة التحريف التي يوجهونها إلىٰ اليهود والنصارىٰ إنما هي ثابتة عليهم»( ).

جذور الخلاف بين الشيعة والسُّنة.. هو موقفهم من الصحابة الكرام!!:

يرىٰ الكثيرون أن أسباب الخلاف بين الشيعة الإمامية والفرق الإسلامية الأخرىٰ ليس بسبب أن الإمام عليًّا أولىٰ بالخلافة من غيره؛ وأن السبب الأساسي في الخلاف بين الشيعة الإمامية والفرق الإسلامية الأخرىٰ ليس هو موضوع الخلافة، بل هو موقف الشيعة من الخلفاء الراشدين وتجريحهم إياهم. 

بدأ الصراع عندما حرَّفت الشيعة معنىٰ التشيع من حب الإمام عليٍّ وأهل البيت إلىٰ ذم الخلفاء الراشدين، وتجريحهم بصورة مباشرة، وتجريح الإمام عليٍّ وأهل بيته بصورة غير مباشرة.. هناك هُوَّة عظيمة تفصل بين الشيعة والتشيع، قد تصل في بعض الأحيان إلىٰ التناقض الصارخ، التشيع شيء والشيعة شيء آخر.. الإمامة هي الحجر الأساسي في المذهب الشيعي الإمامي، وهكذا في المذهب الزيدي والإسماعيلي، ومنها يتفرع كل ما هو مثار للجدل والنقاش مع الفرق الإسلامية الأخرىٰ.. الشيعة الإمامية تعتقد أن الخلافة في علي بعد رسول الله ﷺ ومن بعد علي في أولاده حتىٰ الإمام الثاني عشر الذي هو محمد بن الحسن العسكري الملقب بالمهدي.. لأن رسول الله ﷺ ألمح إلىٰ الخلافة لعلي من بعده في مواطن كثيرة، ونَصَّ علىٰ ذلك في مواطن أخرىٰ؛ أشهرها في موقع يسمىٰ غدير خم عند رجوعه من حجة الوداع، حيث عقد البيعة لعلي وقال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه». كان ذلك في شهر ذي الحجة من العام العاشر بعد الهجرة... أما الفرق الإسلامية الأخرىٰ فترىٰ أن النبي ﷺ لم يخلف أحدًا من بعده، بل جعل الأمر شورىٰ بين المسلمين نزولًا عند نص الكتاب... هذا هو ملخص الخلاف بين الفريقين، ولكل فرقة آراؤها وأدلتها، حيث ألف علماء الفريقين في هذا الموضوع مئات الكتب المطولة والمختصرة، ولم تنفع تلك الكتب بطولها وعرضها في زحزحة الشيعة عما تعتقده في الخلافة، أو زحزحة السُّنة عما تراه أَوْلىٰ بالاتباع، غير أن المشكلة القصوىٰ هي أن الخلاف الفكري لم يتوقف إلىٰ هذا الحد، بل اتخذ شكلا خطيرًا، كلما مرت السنوات وَبعُدَ العهد عن عصر الرسالة، ولو أن الخلاف بقي محصورًا عند هذا الحد لكان الخطب هينًا، فالعالم الإسلامي لم يشاهد في تاريخه الطويل كثيرًا من المحن والمصائب التي حلت به إلا بسبب المتفرعات من فكرة الخلافة والخلاف فيها... فإن الخلاف الفكري تجاوز حدود البحث العلمي والاختلاف في الرأي، بل اتخذ طابعًا حادًّا وعنيفًا عندما بدأت الشيعة تجرِّح الخلفاء الراشدين وبعض أمهات المؤمنين، وذلك بعبارات قاسية وعنيفة لا تليق بأن تصدر من مسلم نحو مسلم، ناهيك عن أن تصدر من فرقة إسلامية نحو صحابة الرسول ﷺ وأزواجه؛ صحابة لهم مكانة كبيرة في قلوب المسلمين، وأزواج للنبي عبَّر الله تعالىٰ عنهن بأمهات المؤمنين. وهنا ظهر علىٰ ساحة الخلاف عدم التكافؤ بين الفريقين في طريقة التفكير والعقيدة، فالفرق الإسلامية كلها تحب عليٍّا وتكرمه؛ شأنه شأن الخلفاء الذين سبقوه وتحترم أهل بيت رسول الله ﷺ، وتصلي عليهم في الصلاة في كل صباح ومساء، ولكن الشيعة لها موقف آخر من خلفاء المسلمين؛ موقف فيه العنف والقسوة والكلام الجارح. وكانت النتيجة ظهور رد فعل عنيف من قبل علماء الفرق الإسلامية الأخرىٰ للدفاع عن أعز وأكرم خلفائهم، فألَّف ودوّن كُتَّابُ السنّة وعلماؤها في الشيعة الكتبَ المطولة والمختصرة معيّرة إياها بالكفر مرة، وبالخروج عن الإسلام مرة أخرىٰ، وهكذا شغلت فكرة الخلافة حيزًا كبيرًا من الكتب الإسلامية عند الفريقين، ولا زالت الأقلام تكتب والمؤلفات تنتشر، وكأن المسلمين بكل طبقاتهم لا يواجهون مشكلة في هذه الدنيا المليئة بالأحداث والمكاره إلا مشكلة الخلافة فحسب. لكن الحيرة - كل الحيرة - في الطريقة التي اتبعتها الشيعة في معالجتها لمشكلة الخلافة فهي تتناقض - كل التناقض - مع سيرة الإمام عليّ وسيرة أولاده من أئمة الشيعة.. شعار الشيعة هو حب الإمام عليّ وأولاده، ولكنهم يضربون بسيرةِ علي والأئمة من ولده عرض الحائط!!

قالوا: إن أبا بكر الصديق > تآمر علىٰ الناس من غير أن يبيح الله له ذلك، وطالب الناس بالبيعة له والانقياد إلىٰ طاعته، طوعًا أو كرهًا، فكان هذا أول ظلم في الإسلام.. وقالوا: إن النبي ﷺ لم يستخلفه وبذا صار ظالمًا وكاذبًا، وحق عليه قول النبي ﷺ: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار».

قالوا: إن رسول الله ﷺ قال - وهو راجع من الحج في غدير خم: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه». قالوا: إن ذلك يعني توصية من الرسول ﷺ، بأن يكون الحاكم من بعده هو عليًّا >..

وحديثه ﷺ حديث عادي بعيد تمامًا عن فكرة الحكم، ويعني حب رسول الله ﷺ لعلي وموالاته، مثله أحاديث أخرىٰ كثر وردت في شأن غيره من الصحابة ش، تعني تزكيتهم... ولم يفهمه هكذا الصحابة واحتكموا للشوري التي أمر بها القرآن الكريم.. لم يظهر هذا الحديث كنصٍّ في شأن الحكم ولا احتج به عليٌّ > أمام أبي بكر أو عمر أو عثمان أو غيرهم، بينما احتجوا بغيره.. ولا يعقل أنهم عرفوا هذا الحديث بهذا المعنىٰ ثم تجاهلوه لغرض سيئ في نفوسهم كما يزعم القوم.

الحديث ما هو إلا دعاء يقال لكل صحابي.. يقال لعلي ولأبي بكر وعمر وغيرهم بمعنىٰ أن الله تعالىٰ يرضىٰ عمن اتبع عليًّا وأبا بكر وعمر أو غيرهم من أساطين الصحابة، ووالاهم ونصرهم في الدين.

قال فيه شُرَّاح الحديث إن الرسول ﷺ قد قاله إشادةً بعلي لما رجع من اليمن ليعلم بعض من عارضوه هناك مقام علي عند رسول الله ﷺ، فلا يتمادوا في موقفهم منه ومعارضتهم له، ولم يكن للحديث صلة بحكم المسلمين بعد الرسول ﷺ.. لقد أول القوم الحديث علىٰ هواهم، بل هنالك من علماء الشيعة من لا يرىٰ ما يرونه، ولا يرون أن هناك نصًّا إلهيًّا في هذا؛ لأن مثل هذا يصادم ما قرره القرآن الكريم من الشورىٰ في أمور المسلمين!!

قالوا في أحقية علي بالحكم والخلافة: إن رسول الله ﷺ قال: «أنا مدينة العلم وعلي بابها».

قال العلماء عنه: حديث ضعيف لا يحتج به، وهو حديث يتحدث عن العلم لا عن الحكم والسياسة.

ملأوا ما بين الأرض والسماء بالمثالب، والمناقب، والمهاترات المنطقية، والجدل العقيم!! مما جعل أحد المستشرقين يقول: إن تسعة وتسعين بالمائة من الطقوس الدينية عند الشيعة تتركز في الطعن واللعن والبراءة من الخلفاء الثلاثة!! لقد رفع الإمامية عليًّا فوق منازل الأنبياء. ونزلوا بالصحابة تحت مستوىٰ البشر الأسوياء!!

بين الأمس البعيد والأمس القريب.. التاريخ يعيد نفسه.. !!:

في الماضي البعيد خرجت الشيعة الإسماعيلية، وظهرت علىٰ مسرح الأحداث في مشرق العالم الإسلامي ومغربه؛ دولة للقرامطة، ودولة للعُبَيْدِيين، وحاضرنا اليوم يشهد تحرك دولة الشيعة الاثني عشرية التي تتحرش بالعالم السني في حوض الخليج ومصر وسائر أقطاره، والراصد لتحركاتهم يرىٰ تشابهًا في النيَّات والأعمال والحركات بين الأمس القريب والأمس البعيد.. بالأمس البعيد - وكان ذلك عام 317هـ - اعتدىٰ الشيعة القرامطة علىٰ الحرم المكي وقتلوا الآلاف من الحجاج، وردموا بئر زمزم بجثث القتلىٰ، ونزعوا الحجر الأسود وباب الكعبة المشرفة، ونقلوهما إلىٰ مملكتهم في شرق جزيرة العرب، إلىٰ عاصمتهم الروحية طيلة اثنين وعشرين عامًا، ليقيموا كعبة هناك وما يسجله التاريخ اليوم من اعتداءات بدأت باعتداءاتهم علىٰ الحرم المكي قبل احتلال العراق واعتداءاتهم علىٰ مساجد وعلماء أهل السُّنة في العراق، بعد احتلاله عام 2003م، خير شاهد علىٰ مخططاتهم الآثمة منذ أكثر من ألف عام!! يعود لنا الوجه القبيح الذي ظهر من القرامطة الإسماعيلية وأبي طاهر الجنابي من أكثر من ألف ومائة عام.. يعود لنا علىٰ يد مذهب شيعي آخر هم الشيعة الاثنا عشرية.. الجميع - إسماعيلية، واثنا عشرية - يعتقدون أن أهل السُّنة والجماعة كفار زنادقة؛ من أول أبي بكر وعمر وجميع الصحابة الذين وافقوهم، ورضوا عن خلافتهما، وجميع التابعين الذين تابعوهم ويتبعونهم علىٰ ذلك؛ عدا الشيعة الزيدية فهم لا يلعنون الصحابة، ولا يتفقون مع الإمامية في أمور كثيرة.. التاريخ يعيد نفسه بكل فصوله علىٰ يد شيعة إيران تجاه المقدسات الإسلامية في بلد الرشيد، والبلد الحرام.

بماذا نفسر ما يجري منهم اليوم؟!:

بماذا نفسر ما يجري منهم اليوم علىٰ الساحة في العراق وحوض الخليج.. منهم من شهر السلاح منذ الساعات الأولىٰ لسقوط الرئيس العراقي صدام حسين ؟، ومنهم من شهر اللسان وتكفل بنشر الأراجيف والشائعات.. بعد أن خرجوا من جحور التقية استعدادًا لجولات وجولات!!

في عام 1958م وجدت هذه الطغمة الحاقدة علىٰ الإسلام والمسلمين في صنمها الأوحد «عبد الكريم قاسم» ضالتها المنشودة، فالتفت حوله وتسترت خلفه بعد أن تلفعت بالمبدإ الشيوعي؛ إمعانًا منها في مراغمة المسلمين، لتدفعه إلىٰ أهدافها القذرة التي كان مقررًا لها حسب المخطط الشيعي أن تنتهي بتوحيد البلاد والعباد تحت سيطرتهم.. وبعد أن جعلت من العراق نواة لهذا المخطط اللئيم، ومن مجرمها الأوحد رائدًا لحماقتها، ومن مناداتها بالوحدة الإسلامية ستارًا تخفي وراءه مخالبها وأنيابها.. بضم الكويت وشرقي المملكة العربية السعودية والبحرين وقطر والإمارات!!

وما احتلالهم لجزر الخليج وتهديداتهم المستمرة بضم البحرين إلا مقدمة!!

ولكن الله تعالىٰ خيب ظنونهم فسقط عبد الكريم قاسم، وعادوا إلىٰ جحورهم وكهوفهم...

كنت أقول لنفسي دومًا: إنهم من أهل القبلة، وينطقون بالشهادتين، ولكني كنت أقول في الوقت نفسه: منذ متىٰ كانت القبلة معيارًا للتدين، كما أن النطق بالشهادتين لا يعصم إلا دم من عمل بحقها لقوله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتىٰ يشهدوا أن لا إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم علىٰ الله».. إن من حق كلمة التوحيد أن يصدق القول العمل، وأن لا يخرج المتكلم بها من باب الوثنية، ليعود إليها من النافذة!! تقول مراجعهم: كيف نسوي بين الحق والباطل؟! أتريدون منا أن نتحد علىٰ قرآن يتضمن حكاية عن بقرة، وقصة غرامية كقصة يوسف؟! وهل مثل هذه الحكايات العجائزية تسمىٰ قرآنا؟!

يلبسون الباطل ثوب الحق!!

وفي «الأنوار النعمانية» لنعمة الله الجزائري (2/278) يقول: «إنا لم نجتمع معهم - أي أهل السُّنة - علىٰ إله، ولا علىٰ نبي، ولا علىٰ إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد ﷺ نبيه، وخليفته أبو بكر ونحن لا نقول بهذا الرب، ولا بذلك النبي، بل نقول إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا..» !!

انتابتني الحيرة، أليس في ذلك طعن برب العزة سبحانه وتعالىٰ، وبرسوله ﷺ؟!! إنهم لم يتورعوا عن نبذ القرآن الكريم والنبوة!!

يقولون: إنهم لا يجتمعون مع أهل السُّنة علىٰ رب، ولا نبي، ولا خليفة، ولا إمام!! وأهل السُّنة ربهم الله Q، الذي نبيه محمد بن عبد الله ﷺ، وخليفته أبو بكر الصديق >..

كيف يساء الظن برسول الله ﷺ، وكيف يطعن بخيارات رسول الله ﷺ المعصومة؟! أيتخذ النبي ﷺ له صاحبًا ثم لا يكون هو خير الأصحاب؟! ألا يحسن ﷺ الاختيار؟! أهكذا يظن برسول الله ﷺ، وهو من صفوة الرسل، وخيرة الخلق، وهو ﷺ القائل: «لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي»( )؟!

أعلنوا عن هُويتهم!!:

يروي النعماني بن أبي زينب محمد بن إبراهيم، من علمائهم في القرن الثالث، في كتابه «الغيبة - مؤسسة الأعظمي - بيروت»: عن أبي جعفر أنه قال: «يقوم القائم بأمر جديد وكتاب جديد، وقضاء جديد علىٰ العرب، ليس شأنه إلا السيف، لا يستتيب أحدًا من أهل السُّنة، ولا يأخذه فيهم لومة لائم».

يعلنون عن هويتهم بأن كتابهم غير القرآن، وقضاءهم غير قضاء محمد ﷺ، وليس لقوم محمد ﷺ العرب؛ ولا سيما قريش عند قائم الرافضة سوىٰ السيف والقتل.. وهذا هو ما يجري علىٰ أيديهم في العراق وغيرها للعرب السُّنة!!( )

ومن هنا توصلت إلىٰ أنه من وراء هذا المنطلق العقدي البغيض والحاقد، كان هذا الواقع الأليم، الذي يعيشه أهل السُّنة في إيران والعراق، وهو واقعهم في كل مصر وعصر يتمكنون فيه عبر التاريخ!!

الرفض دينهم واحد:

لقد تبين لنا بعد طول بحث ودراسة؛ طالت ردحًا من الزمن، أن دينهم - دين كل الرفض وما تفرع عنه من إمامية اثني عشرية، وإسماعيلية ونصيرية وغيرهم - قائم علىٰ لعن الصحابة ش، وتكفيرهم.

تبين لنا أن جميعهم واحد.. واختلافهم إنما هو في الشكليات والفروع، وأن انقسامهم علىٰ أنفسهم لا يعني تنكر أحدهم للأصل الذي انبثق عنه، وهو الإلحاد المتستر ببدعة التشيع!!

قد يظن البعض أن فرق الشيعة التي يزيد عددها علىٰ أكثر من سبعين فرقة؛ كل فرقة تدعي أن الحق في جانبها، لا تتفق فيما بينها، علىٰ أصول مشتركة، وأن لكل فرقة عقيدتها الخاصة، ولكن تبين لنا، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الأصول الإلحادية للتشيع واحدة بين كل الفرق!!

يقول محب الدين الخطيب ؟: إن الاختلافات الجوهرية لم تكن موجودة بين هذه الطوائف، إلا في العصر الأول لظهور هذه النزعة الخبيثة، حيث كان يوجد بين المتشيعين غلاة وأنصاف غلاة.. أما منذ القرن الثاني وحتىٰ الآن، فإنه لا يوجد علىٰ وجه الأرض شيعي غير غال، ولم يدخل في سلك هذه العصابة إلا كل مارق من الإسلام.. وما كان في العصر الأول يعد غلوًّا، أصبح في القرن الثاني وما بعده من ضرورات التشيع، بل إن المذهب المذكور استقر الآن علىٰ الغلو باعتراف المامقاني في كتابه «تنقيح المقال»( ).

تبين لنا أن المرء عندهم لا يكون شيعيًّا بالمعني الصحيح إلا إذا شك في الإسلام، وفي القرآن الكريم، وحملة رسالة الإسلام؛ صحابة رسول الله ﷺ!!

تبين لنا أن المرء عندهم لا يبلغ ذروة التشيع، إلا إذا تطاول علىٰ الله تعالىٰ، وجعل نفسه فوق مرتبة الألوهية.. تعالىٰ الله عما يقول الكافرون علوًّا كبيرًا.

تبين لنا أن كل شيعي علىٰ وجه الأرض أو في بطنها هو سبئي؛ لأنه يتبع دينًا جاء به عبد الله بن سبأ اليهودي، وكما أن من يعتنق الإسلام يسمىٰ مسلمًا: سواء كان حنفيًّا، أو شافعيًّا، أو مالكيًّا، أو حنبليًّا، فإن من يعتنق التشيع يسمىٰ ملحدًا هدامًا؛ سواء أكان سبئيًّا، أو إماميًّا، أو إسماعيليًّا، أو خطابيًّا، أو بيانيًّا أو اثنىٰ عشريًّا أو غير ذلك؛ لأن من وطئ عتبة الكفر فهو كمن أوغل فيه.. إن من أهم طقوسهم، التي يتعبدون بها في دينهم، هو دعاء صنَميْ قريش الذي يشتمون فيه أمة الإسلام وأئمتها!!( ).

كنت أقول لنفسي: لا يوجد مِن بينهم مَن يستطيع التصريح بكل ما ورد في «الكافي» و«الوافي» وسائر كتبهم من مطاعن في القرآن الكريم، ومن غلو في عليّ بن أبي طالب > وجعله في مرتبة فوق مرتبة النبي ﷺ، ومن تكفير للصحابة، ولأمهات المؤمنين، ومن مطاعن مكشوفة ومستترة يوجهونها إلىٰ بنات النبي ﷺ، ورضي الله عنهن أجمعين!!

وفي الوقت نفسه كنت أقول: لا يوجد فيهم من يستطيع إعلان براءته من كل هذه المطاعن أو تكذيبها!! ليتهم يقولون كلمة الحق في أسلافهم ومشايخهم القدامىٰ والمحدثين، ويتبرءون من صحائفهم السوداء المشحونة بأفظع السباب والشتائم لمن أحبهم الله.

كنت أقول لنفسي: لا يوجد فيهم من يستطيع التصريح بأن كل ما تضمنته أسفار التشيع من زندقة وإلحاد، مكذوب ومفترىٰ علىٰ الإمام علي بن أبي طالب، وعلىٰ ذريته ش، وإذا وُجِدَ من يقول بعض ذلك، فإنه يقول: إنه لا يمثل إلا رأي صاحبه، واعتبروا قوله من باب التقية!!

وفي الوقت نفسه أرىٰ أن المتتبع لوقائع وأحداث التاريخ القريب والبعيد، يرىٰ أنهم لم يضمروا يومًا الولاء والإخلاص لأي نظام عاشوا في ظله، بل كانوا دومًا يتربصون به الدوائر، ويتحينون الفرص للانقضاض عليه؛ أملًا منهم في السيطرة علىٰ البلاد الإسلامية كلها، وأملًا في ظهور المهدي، وتحقيق الرجعة علىٰ حد زعمهم!!

بعد الاجتياح الأمريكي للعراق وأفغانستان، في السنوات الأولىٰ من العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، قتل الرافضة علماء وأعلام السُّنة، وفعلوا فيهم ما يقوم به أراذل الناس إذا ما سُلِّطوا علىٰ أهل الشرف والدين.. إحراق وتدمير واغتصاب.. وتمزيق للمصاحف وتدنيس لها.. وبمساندة حكومات رافضية تحالفت مع الصليبيين، وبمباركة من المرجعيات وأصحاب العمائم السوداء.. نهب وسلب وترويع وإرهاب وتهجير لأهل السُّنة من بيوتهم.. قتل وإبادة واغتيالات وانتهاكات لمجرد أنهم من أهل السُّنة، ويحملون أسماء صحابة رسول الله ﷺ!! حتىٰ قبور صحابة رسول الله ﷺ، لم تسلم من النبش والتخريب، كما فعلوا ذلك في قبر أنس بن مالك >، وقبر طلحة بن عبيد الله > في جنوب العراق.. بعد سقوط صدام حسين ؟..

سهامهم المسمومة الحاقدة صُوِّبت على من؟!:

صوبت الرافضة سهامها المسمومة علىٰ من اختارهم الله تعالىٰ كي يكونوا أصحاب نبيه ﷺ الذي أرسله بالهدىٰ والنور المبين.. أولئك الذين أزالوا بعدل جهادهم ظلم المشركين، وبغي ومكر الرافضة المرتدين، وأطفئوا بنور عقيدتهم نار المجوس الملحدين، وطغيان الروم الصليبيين، ومن والاهم من المنافقين!! صوبت علىٰ مَن جَيَّش الجيوش، وجهز الكتائب، وشمر عن ساعد الجد لمواجهة شاملة لأعداء الدين والأمة من يهود ونصارىٰ ورافضي الخلافة المرتدين، ومِن بعدهم صُوّبت علىٰ أبي بكر الصديق > وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين رضي الله تعالىٰ عن الجميع!!

يصرحون بأن الصحابة ش حرفوا القرآن الكريم؟! ويشتمون سنة نبينا ﷺ ورواتها ش، ويقذفون أهل بيته ﷺ وفي مقدمتهم الفاضلة الطاهرة عائشة أم المؤمنين العالمة العابدة زوجة الرسول ﷺ، ويلعنون القادة الفاتحين خالد بن الوليد «سيف الله الذي سله علىٰ الكافرين».

النَّيْل من صحابة رسول الله ﷺ نَيْلٌ من رسول الله ﷺ، ومن يَنَلْ من النبي ﷺ يُقتلْ.. فقد قُتِلَ كعب بن الأشرف اليهودي لسبه النبي ﷺ، وقال ﷺ: «من لكعب فإنه قد آذىٰ الله ورسوله»( ). ومر عمر بن الخطاب > براهب فقيل له: هذا يسب النبي ﷺ فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطهم الذمة علىٰ أن يسبوا نبينا ﷺ.

لندع من علماء الشيعة الكبار الإيرانيين، من يرد علىٰ ترهاتهم وهو د. موسىٰ الموسوي - كان زميلًا للخميني وعضوًا في البرلمان الإيراني، واختلف معه واستقر في أمريكا رئيسًا للمركز أو المجلس الشيعي الأعلىٰ في لوس أنجلوس.. وضع علمه وجهوده للحد من سلطة الخميني وكشف تصرفاته، في كتابه «الشيعة والتصحيح».

ينفي الدكتور الموسوي أن يكون هناك أمر إلهي نزل علىٰ الرسول ﷺ ليولي عليًّا الحكم من بعده، ويكشف خطأهم وتجنِّيهم علىٰ الخلفاء والصحابة الذين بايعوهم بسبهم وتكفيرهم والادّعاء عليهم بأنهم بدّلوا القرآن، ونافقوا الرسول، وخادعوه في حياته، من أجل الوصول إلىٰ الحكم، وحللوا الحرام وحرموا الحلال، وتسميتهم لأبي بكر وعمر بأنهما: الجبت والطاغوت، كما جاء في أمهات كتبهم، وفي الدعاء المشهور عندهم بأنه دعاء صنمي قريش - يريدون أبا بكر وعمر - وقد أصدره الخميني وجماعة معه، ويتضمن كله لعن أبي بكر وعمر والدعاء عليهما، ذاكرين سبب هذا الدعاء واللعن، بأنهما بدَّلا كتابك، وأحلَّا حرامك، وحرَّما حلالك.. إلخ.

يقول الموسوي: إننا لم نجد في أقوال الأئمة بعد الإمام علي حتىٰ جعفر الصادق، ومن بعده من الأئمة الاثني عشرية، حتىٰ اختفاء الإمام الطفل الثاني عشر الملقب بالمهدي، لم نجد أثرًا لفكرة الخلافة الإلهية في عهدهم، وحتىٰ الغيبة الكبرىٰ سنة 329هـ، ليس فيما نُقِل عنهم نقلًا صحيحًا أي كلام يدل علىٰ رمي الخلفاء بهذه الاتهامات.

يقول الموسوي: هل يعقل أن يفتخر الإمام جعفر الصادق - مؤسس المذهب الجعفري الإمامي الاثني عشرية - بجده أبي بكرمن جهة ويطعن فيه من جهة أخري؟! يقول الصادق: «أولدني أبو بكر مرتين» إذ ينتهي نسبه إلىٰ أبي بكر عن طريق أمه فاطمة بنت قاسم بن محمد بن أبي بكر، وعن طريق جدته أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.. ويعقب الموسوي فيقول: إن مثل هذا الكلام من روايات في تجريح الجد التي لا تعد ولا تحصىٰ، قد يصدر عن السوقي الجاهل، ولكن معاذ الله أن يصدر من إمام يعتبر أفقه وأتقىٰ وأورع عصره وزمانه!!

الصحابة هم سلفنا الصالح ش.

من المعلوم الذي يعرفه الخاص والعام وهو ما عُلم بالضرورة من دين الإسلام فضْلُ صحابة رسول الله ﷺ وعلوّ مكانتهم ورفعة درجتهم ش. هذا لما تكاثرت به الأدلة الدالة علىٰ ذلك من الكتاب والسُّنة، قال الله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [محمد: 29].

الآية الكريمة تشمل كل الصحابة ش؛ لأنهم كلهم مع رسول الله ﷺ.

وقال تعالىٰ: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ﴾ [الحديد: 10]. وهذه الآية أيضًا شاملة لكل الصحابة ش لمن أنفق قبل فتح مكة وقاتل ولمن أنفق من بعد الفتح وقاتل، كلهم وعدهم الله بالحسنىٰ، والحسنىٰ هي الجنة كما قال الله تعالىٰ: ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [يونس: 26].

وقال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 100]. وهذه الآية أيضًا شاملة لكل الصحابة ش.

ويؤيد ما تقدم ما جاء في السُّنة، فقد أخرج البخاري ومسلم؛ كلاهما من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبّه خالد فقال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه». وهذا لفظ مسلم.

وهذا الحديث شامل لكل الصحابة ش لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي».

إن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم ثقات عدول. وأما توجيه هذا الخطاب لخالد بن الوليد ولغيره فهذا لا يفيد خروجه من الصحابة بل هو بالإجماع صحابي، وإنما المقصود الصحبة الخاصة كما قال عليه الصلاة والسلام لعمر > عندما وقع خلاف بينه وبين الصديق >: «فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟» مرتين. أخرجه البخاري من حديث أبي إدريس عن أبي الدرداء. وأخرج البخاري ومسلم؛ كلاهما من حديث عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: «يأتي علىٰ الناس زمان يغزو فئام من الناس يقال لهم: فيكم من رأىٰ رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: فيكم من رأىٰ من صحب رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأىٰ من صحب من صحب رسول الله ﷺ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم» وهذا لفظ مسلم.

ومن فضل الصحابة ش أنهم أمنة للأمة، أخرج مسلم من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه قال: صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ فرفع رأسه إلىٰ السماء فقال: «النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتىٰ السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتىٰ أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتىٰ أمتي ما يوعدون». وهذا أيضًا يشمل كل الصحابة ش؛ لأن الحديث عام في الصحابة ولم يخص أحدًا منهم دون أحد. جاء في كتاب الله تعالىٰ في قوله: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ [الأنفال: 74، 75].

فتبين مما تقدم ثناء الله تعالىٰ ورسوله الكريم ﷺ علىٰ الصحابة كلهم ش ولا شك أن الله تعالىٰ بعلمه للغيب اختار أصحاب رسوله ﷺ.

عن عبد الله بن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون علىٰ دينه، فما رأىٰ المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ( ).

صحابة رسول الله ﷺ هم سلفنا الصالح، وخير من طلعت عليه الشمس من هذه الأمة، بعد نبيها الكريم ﷺ.. شرفهم الله تعالىٰ بصحبة نبيه وأكرمهم بمؤازرته، وحفظ بهم كتابه، وطهر بهم الأرض من رجس الوثنية وقصم بهم ظهور الجبابرة، وأذل بهم الطواغيت، ورفع بهم لواء الإسلام عاليًا خفاقًا في مشارق الأرض ومغاربها.. فكانوا بحق سادة الدنيا وقادتها... ومع ذلك يسبون ويلعنون نهارًا جهارًا!!

صحابة رسول الله ﷺ، أثبتوا للدنيا أنهم في شتىٰ أدوارهم أعلىٰ كعبًا، وأجل قدرًا، وأدق نظرًا، وأبعد غورًا، وأشد إيمانًا.

جاهدوا مع رسول الله ﷺ لتأسيس دولة الإسلام، وهم فخر الأمة ومصابيح الهدىٰ هل نقبل الطعن فيهم؟!

قال سبحانه: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ﴾  [الأنفال: 74].

وصفهم جل شأنه فقال: ﴿ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [الأحزاب: 23].

الفصل الثاني

قراءة في كتب القوم

كتب تطفح بالسب واللعن.. والطعن فيمن؟!

حين استبد بي العجب رجعت إلىٰ كتب التاريخ.. عكفت علىٰ كل المراجع التاريخية المتاحة لنا.. رجعت إلىٰ الماضي البعيد، ورجعت إلىٰ الماضي القريب؛ لأستنطقه لعلي أجد تفسيرًا لما يجري.. فمعرفة الماضي ضرورة لمعرفة الحاضر، والماضي والحاضر والمستقبل وحدة واحدة، لا سبيل إلىٰ انفصامها.. وأيقنت أن معرفة الماضي هي وسيلتنا لتشخيص الحاضر، ولتنظيم المستقبل، كما أن معرفة الطبيب ماضي المريض خير وسائل التشخيص والعلاج والتطبيب.. وجدتني بعد طول قراءة وتأمل أرىٰ أن ما يجري علىٰ الساحة من أحداث في العالم الإسلامي، له من الخلفيات التي لا بد من معرفتها.. وأن هنالك أسبابًا كامنة من وراءه.

لذا قرأت وقرأت طويلًا وتأملت في كل ما وقعتُ عليه من كتب القوم وبِتَأَنٍّ ورَوِيَّة، فاتضح لنا أن هناك نفرًا يزعمون بأن النبي محمدًا ﷺ قد نصَّ نصًّا صريحًا، وبين بيانًا مؤكدًا أن الخليفة والإمام الحق للمسلمين من بعده ﷺ، ليس هو إلا علي بن أبي طالب >، وأن من أنكر ذلك فهو ضال ومن حزب الشيطان، ومخالف لله ورسوله لمبايعته غير الإمام الحق - علىٰ زعمهم - ولهذا فجميع الصحابة عندهم، إلا القليل النادر غير عدول، أي أنهم حصروا العدالة في المتشيعين لعلي وأهل بيته ومن والاهم من المسلمين!!

اتضح لنا بعد طول قراءة أن كتبهم تطفح بالسب واللعن والطعن في جميع صحابة رسول الله ﷺ؛ إلا القليل منهم( ).. زعموا أن كثيرًا من آيات القرآن الكريم قد نزلت في ولايته، ونصت علىٰ صحة خلافته، وحكمت بعدم إيمان من أنكر وصايته!!

اعترتني الدهشة مما قرأت، كيف يحدث هذا تجاه صحابة رسول الله ﷺ حملة الشريعة، ونقلة الكتاب والسُّنة، والمبلغون لها عن الرسول ﷺ إلىٰ أمته.. الطعن فيهم ضياع للدين وإبطال للشرع الحكيم، وفي ذلك من الضرر علىٰ الإسلام والمسلمين ما فيه!!

يقول عبد الحسين بن المظفر - المعروف عندهم بأبي ذر زمانه - في كتابه «الشافي في شرح أصول الكافي» - في مساق كلامه عن الإمامة، ووجوب معرفة الإمام: «إن هؤلاء العارفين من أصحاب النبي ﷺ، الذين أضلهم الشيطان؛ لأنهم مالوا عن الحجة الواضحة، والسبل المنيرة، بإطاعتهم غير أهل بيت العصمة، إذ الميول عنهم ميول إلىٰ حزب الشيطان. ثم قال: وبالجملة فإنهم لما تفطنوا إلىٰ وجوب الخليفة، وتمكنوا من معرفته، فالمانع لهم من الاهتداء إلىٰ ما هو الحق فيه ليس إلا الشيطان، لأن الله Q قدرهم علىٰ ذلك، وأعطاهم آلة المعرفة، فوجب عليهم تحصيل معرفة الإمام الحق، الذي نص عليه النبي ﷺ يعني علي بن أبي طالب >»!!

أسقطوا آيات المنافقين على الصحابة ش!!

جاء في كتاب «إحقاق الحق» (صـ89) للقاضي نور الله التستري، الذي يرد فيه علىٰ الفضل بن روزيهان ما نصه: 

«إن الثلاثة الذين قاموا بوظائف الخلافة من بين الصحابة كانوا متهمين بالنفاق في زمن النبي ﷺ، فغصبوا الخلافة بعده ممن نص الله عليه، ولذا تبرأ منهم الشيعة الإمامية، وهؤلاء؛ أي الخلفاء، وإن كانوا من الصحابة ومن المنتسبين إليهم، لكنهم كانوا أعداء لهم في الحقيقة، وإنهم كانوا يظهرون الإسلام؛ لأنهم رأوا انتظام رئاستهم الباطلة في ذلك، وكانوا يخرجون عداوة الإسلام في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وصلاح وهو غاية الجهل والإفساد، فكم ركن للإسلام هدموه، وكم حصن له قد قلعوا أساسه، وكم علم قد طمسوه، وكم لواء قد وضعوه، كما أشار إليه مولانا أمير المؤمنين في دعاء صنمي قريش: اللهم الْعَنْ صنمي قريش وجبتَيْهما وطاغوتَيهما، الذيْن خالفَا أمرك، وأنكَرا وحيك وجحدَا أنعامك، وعصيَا رسولك، وقلبَا دينك، وحرفَا كتابك، وعطلا أحكامك، وأبطلا فرائضك، وألحدَا في آياتك، وعاديَا أولياءك، وأحبَّا أعداءك، وخربا بلادك، وأفسَدا عبادك، اللهم العنهما وأتباعهما وأولياءهما وأشياعهما ومحبيهما، واللهم العنهما فقد خربا بيت النبوة وألحقا سماءه بأرضه، وعلوه بسافله، وشاخصه بخافضه.. إلخ».

جاءوا إلىٰ آيات المنافقين فأسقطوها علىٰ المهاجرين والأنصار - صحابة رسول الله ﷺ - ظلمًا وتعسفًا؛ مع أن الآيات وصفت كل فريق بما يناسبه ويَفصِله عن غيره! لقد وصفت الآيات المنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك. ووصفتهم بالكسل عن الصلاة والإنفاق وغيرها من الأوصاف.

قوله تعالىٰ فيهم: ﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾ [التوبة: 67].

أسقطوا الآية علىٰ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف وطلحة؛ الذين جهزوا الجيش الذي سُمي بجيش العسرة؛ لشدة الحال والضيق والعسرة وقلة المال! وأنفقوا إنفاق من لا يخشىٰ الفقر؛ ليجهزوا ذلك الجيش العرمرم المتوجه لغزو إحدىٰ الدولتين العظميين في ذلك الزمان: دولة الرومان في الشام... جاء أبو بكر بماله كله. فلما سأله رسول الله ﷺ: ماذا أبقيت لأهلك؟ أجابه: أبقيت لهم الله ورسوله! وكذلك فعل ابن عوف! وجاء عمر بنصف أمواله. أما عثمان ذو النورين فتبرع بألف بعير وفرس سوىٰ الذهب الذي ملأ به حجر رسول الله ﷺ. فجعل الرسول يقلبه بكفيه ويقول: «ما ضر عثمان ما فعل بعدها».. وضعوهم في صف المنافقين الذين يقبضون أيديهم، والذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالىٰ ولا ينفقون إلا وهم كارهون!

نصوص تكفر وتستحل دم وحرمات المسلمين!!:

قال عبد الله المامقاني في «تنقيح المقال» (1/208) باب الفوائد ط نجف: «وغاية ما يستفاد من الأخبار جريان حكم الكافر والمشرك في الآخرة علىٰ كل من لم يكن اثني عشريًّا». وبناء علىٰ هذا فإن موقف القائلين بهذه الأقوال من جميع أتباع المذاهب الأخرىٰ وفيها الزيدية والإباضية هو أنهم كفار مخلدون في النار. ولأنهم كفار ومخلدون في النار فإنهم نجسون حسب المذهب.

وقال الخوئي في كتابه «منهاج الصالحين» (1/116) ط نجف: «في عدد الأعيان النجسة وهي عشرة - إلىٰ أنْ قال – العاشر: الكافر وهو من ينتحل دينًا غير الإسلام أو انتحل الإسلام وجحد ما يُعلم أنه من الدين الإسلامي.. ولا فرق بين المرتد والكافر الأصلي الحربي والذمي والخارجي والغالي والناصب».

وقال محسن الحكيم في كتابه «العروة الوثقىٰ» (1/68) ط طهران: «لا إشكال في نجاسة الغلاة والخوارج والنواصب».

وقال الخميني في «تحرير الوسيلة» (صـ118) ط بيروت: «وأما النواصب والخوارج لعنهما الله تعالىٰ فهما نجسان من غير توقف».

وقال محمد بن علي القمي الصدوق في «ثواب الأعمال وعقاب الأعمال» (صـ352) ط بيروت عن الإمام الصادق أنّه قال: «إنَّ المؤمن ليشفع في حميمه إلاّ أنْ يكون ناصبيًّا ولو أنَّ ناصبًا شفع له كل نبي مرسل وملك مقرب ما شفعوا»، ويروي في الصفحةِ ذاتها عن أبي بصير عن الصادق: «إنَّ نوحًا عليه السلام حمل في السفينة الكلب والخنزير ولم يحمل ولد الزنا، والناصب شر من ولد الزنا».

والناصب في المصطلح الاثني عشري هو السني ومن نهج نهجه أي مَن فضَّل وقدم أبا بكر وعمر وعثمان علىٰ علي رضي الله عنهم أجمعين.

وقال الجزائري في: «الأنوار النعمانية» (2/307) ط تبريز: «ويؤيد هذا المعنىٰ أنَّ الأئمة عليهم السلام وخواصهم أطلقوا لفظ الناصبي علىٰ أبي حنيفة وأمثاله مع أنه لم يكن ممن نصب العداوة لآل البيت».

وقال حسين ابن الشيخ محمد آل عصفور البحراني في: «المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية» (صـ157) ط بيروت: «علىٰ أنك قد عرفت سابقًا أنه ليس الناصب إلا عبارة عن التقديم علىٰ علي عليه السلام». وقال في (صـ147) من الكتاب نفسه: «بل أخبارهم تُنادي بأنَّ الناصب هو ما يُقال له عندهم سُنِّيّ»، ويقول في الموضع نفسه: «ولا كلام في أنَّ المراد بالناصبة هم أهل التسنّن».

وقال حسين بن شهاب الدين الكركي العاملي في كتابه «هداية الأبرار إلىٰ طريق الأئمة الأطهار» (صـ106) ط1: «كالشبهة التي أوجبت للكفار إنكار نبوة النبي ﷺ وللنواصب إنكار خلافة الوصي».

والاثنا عشرية - بناء علىٰ هذه التصورات - أباحوا دم غيرهم وماله وعرضه: قال الصدوق في «علل الشرائع» (صـ601)، والحر العاملي في «وسائل الشيعة» (18/463)، والجزائري في «الأنوار النعمانية» (2/ 308): عن داود بن فرقد «قال: قلتُ: لأبي عبد الله عليه السلام ما تقول في قتل الناصب؟ قال: حلال الدم، ولكن اتق عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطًا أو تغرقه في ماء لكيلا يشهد عليك فافعل. قلت: فما ترىٰ في ماله؟ قال: خذه ما قدرت عليه»، وحاشا لأبي عبد الله > أن يقول مثل هذا المنكر الشنيع.

وقال الجزائري في «الأنوار النعمانية» (2/308): «وفي الروايات أن علي بن يقطين وهو وزير الرشيد قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين، وكان من خواص الشيعة، فأمر غلمانه وهدوا سقف الحبس علىٰ المحبوسين فماتوا كلهم، وكانوا خمسمائة رجل تقريبًا، فأراد الخلاص من تبعات دمائهم، فأرسل إلىٰ مولانا الكاظم، فكتب عليه السلام إليه جواب كتابه: بأنك لو كنت تقدمت إليَّ قبل قتلهم لما كان عليك شيء من دمائهم، وحيث إنك لم تتقدم إليَّ فكفّر عن كل رجل قتلته منهم بتيس، والتيس خير منه»، وحاشا للإمام الكاظم > أن يقول مثل هذا الخزي.

وقال أبو جعفر الطوسي في «تهذيب الأحكام» (4/122) ط طهران، و«الفيض الكاشاني في الوافي» (6/43) ط دار الكتب الإسلامية طهران عن الإمام الصادق: «خذ مال الناصب حيث ما وجدته وادفع إلينا خُمسه»، ومرّة أخرىٰ حاشا لأبي عبد الله > أن يكون أمارًا بالنهب والسلب.

وقال الخميني في «تحرير الوسيلة» (1/352): «والأقوىٰ إلحاق الناصب بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم منهم وتعلق الخُمس به، بل الظاهر جواز أخذ ماله أين وجد، وبأي نحو كان، وادفع إلينا خُمسه».

وقال يوسف البحراني في «الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة» (12/323 – 324): «إن إطلاق المسلم علىٰ الناصب وأنه لا يجوز أخذ ماله من حيث الإسلام خلاف ما عليه الطائفة المحقة سلفًا وخلفًا من الحكم بكفر الناصب ونجاسته وجواز أخذ ماله بل قتله».

حكم «النواصب» - أي أهل السُّنة - عند الشيعة، يكفرونهم، ويستحلون منهم كل ما يحل من الكفار الأصليين أو المرتدين، هذا حكمنا عندهم في القديم والحديث: ثم يأتون اليوم ويتحدثون عن «التكفيريين.. الوهابيين.. الإرهابيين»!! إنه لا فرق عندهم بين كفر اليهود والنصارىٰ و(النواصب).

يقول إمامهم الخوئي في كتابه «منهاج الصالحين» (1/116): «لا فرق بين المرتد والكافر الأصلي الحربي والذمي والخارجي والغالي والناصب». واليهود والنصارىٰ عندهم أطهر من «النواصب»!!

ينعت الخميني الصحابة الكرام ش في كتابة «كشف الأسرار» بأوصاف تجعلهم عبادًا للدنيا، متجرئين علىٰ الله تعالىٰ، محرفين للقرآن الكريم، وفي عاقبة الأمر كافرين.. يقول الخميني: «أولئك الصحابة الذين لم يكن يهمهم إلا الدنيا والحصول علىٰ الحكم دون الإسلام والقرآن، والذين اتخذوا القرآن مجرد ذريعة لتحقيق نواياهم الفاسدة، قد سهل عليهم إخراج تلك الآيات من كتاب الله، التي كانت تدل علىٰ خلافة علي > بلا فصل، وعلىٰ إمامة الأئمة، وكذلك تحريف الكتاب السماوي، وإقصاء القرآن عن أنظار أهل الدنيا علىٰ وجه دائم، بحيث يبقىٰ هذا العار في حق القرآن والمسلمين إلىٰ يوم الدنيا، إن تهمة التحريف التي يوجهونها إلىٰ اليهود والنصارىٰ إنما هي ثابتة عليهم».

ويقول في موضع آخر: «هب أن القرآن إذا كان قد عين اسم الإمام، فمن أين نستنتج عدم حدوث الخلاف بين المسلمين؟ ذلك أن الذين كانوا قد ألصقوا نفوسهم بدين الرسول عليه السلام إلىٰ سنوات طويلة؛ طمعًا في الحكومة والولاية، وكانوا يتآمرون في سبيل ذلك ويتحزبون من مدة، ما كان يمكنهم أن يتنازلوا عن أغراضهم؛ نزولًا إلىٰ امتثال أوامر القرآن، وما كانوا يضنون بأي حيلة لتحقيق غايتهم، بل ربما أصبح ذلك سببًا للخلاف فيما بين المسلمين، الذي أدىٰ إلىٰ هدم أساس الإسلام، فقد كان من الممكن للذين كانوا يترقبون الفرص لتأسيس حكومة لهم وتحقيق غرضهم أن يتحزبوا ضد الإسلام، ويعارضوه بكل صراحة وجهر، إذا كانوا قد يئسوا أن غرضهم هذا لا يكاد يتحقق باسم الإسلام» (صـ113 - 114)( ).

يقرر هذا الخميني مستمدًّا ذلك من كتبهم الأصيلة والمعتمدة لديهم!!

جاء في كتاب «الكافي» - وهو أصح كتبهم عندهم - رواية عن الإمام أبي جعفر وهو محمد الباقر قوله: 

«كان الناس في ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة. فقيل: ومن الثلاثة؟ قال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ويضاف للثلاثة عمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين».

وهذا يعني أن جميع الصحابة ارتدوا بعد وفاة الرسول ﷺ؛ إلا هؤلاء الأربعة، الذين وقفوا بجانب علي وحقه في الحكم، علىٰ حد زعمهم!!

بالأدلة العقلية والنقلية أصحاب رسول الله ﷺ، هم خير جيل عرفته البشرية.. هم خير خلق الله بعد الأنبياء والمرسلين.. كان قرنهم خير القرون، كما قال تعالىٰ: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴾ [آل عمران: 110].. القول بردتهم أمر لا يقبله مسلم عاقل سليم المعتقد.. كيف يستقيم عقلًا أن يكون أصحاب خاتم النبيين والمرسلين كفارًا ومرتدين، وقد أثنىٰ الله تبارك وتعالىٰ في كتابه الكريم، وكذا نبيه محمد ﷺ وأهل بيته، فهل يثني الله Q علىٰ كفار ومرتدين ومنافقين؟!

لا يجد المرء تفسيرًا لكل هذه الممارسات الاثني عشرية الإمامية سوىٰ أنها نابعة من عقيدتهم في أن حكم المسلمين بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، وإلىٰ أن تقوم الساعة إنما هو حق للإمام علي وذريته من الأئمة، أو نوابهم.. من هنا جاء حكم الآيات، ليروا أن من حقهم حكم العالم الإسلامي حسب نظرية الإمامة عندهم.. هذه الممارسات وراءها الباعث الديني، من هنا كان علىٰ المسلمين أن يدركوا ذلك ويتداركوه، حكامًا ومحكومين في العالم السني.

قال الخميني في كتابه «تحرير الوسيلة» (1/119): «غير الشيعة، إذا لم يظهر منهم نَصْبٌ أو معاداة لسائر الأئمة الذين لا يعتقدون بإمامتهم طاهرون، وأما مع ظهور ذلك منهم، فهم مثل سائر النواصب». وقال في كتابه المذكور (صـ 118): «أما النواصب والخوارج لعنهما الله، فهما نجسان من غير توقف». وكل من لا يقول بإمامة الأئمة الاثني عشر، عند الشيعة كافر!!

قال عالمهم يوسف البحراني في كتابه «الحدائق الناضرة» (18/153): «ليت شعري، أي فرق بين كفر بالله سبحانه ورسوله، وبين كفر بالأئمة عليهم السلام، مع ثبوت كون الإمامة من أصول الدين».

وقال الكاشاني في كتابه «منهاج الحياة» (صـ 48): «من جحد إمامة أحد من الأئمة الاثني عشر، فهو بمنزلة من جحد نبوة جميع الأنبياء».

وقال المجلسي في كتابه «بحار الأنوار» (23/390): «اعلم أن إطلاق لفظ الشرك والكفر علىٰ من لم يعتقد بإمامة أمير المؤمنين والأئمة من ولده عليهم السلام، وفضَّل عليهم غيرهم يدل علىٰ أنهم مخلدون في النار».

و«النواصب» عند التكفيريين السبئيين الشيعة، تحل دماؤهم وأعراضهم وأموالهم: فهم يوردون أثرًا عن داود بن فرقد، أنه قال: «قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في قتل الناصب؟ قال: حلال الدم، ولكن اتقِ عليك؛ فإن قدرت أن تقلب عليه حائطًا أو تغرقه في ماء لكيلا يُشهد عليك فافعل. قلت: فما ترىٰ في ماله؟ قال: خذه ما قدرت عليه». وهذا الأثر أورده الصدوق في «علل الشرائع» (صـ 601)، وأورده الحر العاملي في «وسائل الشيعة» (1/463) والجزائري في «الأنوار النعمانية» (2/308).

وقال صاحب «بحار الأنوار» (8/369): «ويظهر من بعض الأخبار، بل كثير منها، أنهم - أي أهل التسنن - في الدنيا في حكم الكفار، لكن لما علم الله أن أئمة الجور وأتباعهم يستولون علىٰ الشيعة، وهم يبتلون بمعاشرتهم، أجرىٰ الله عليهم حكم الإسلام توسعة، فإذا ظهر القائم يجري عليهم حكم سائر الكفار في جميع الأمور، وفي الآخرة يدخلون النار ماكثين فيها أبدًا، وبه يجمع بين الأخبار، كما أشار المفيد والشهيد».

وأئمة المذاهب الأربعة السنية منحرفون عند الشيعة التكفيريين: قال محمد الرضوي في كتاب «كذبوا علىٰ الشيعة» (صـ 135): «ولو أن أدعياء الإسلام والسُّنة أحبوا أهل البيت 

- عليهم السلام - لاتّبعوهم، ولما أخذوا أحكام دينهم عن المنحرفين عنهم، كأبي حنيفة والشافعي ومالك وابن حنبل»!

لقد صبوا حقدهم الدفين علىٰ الإسلام وأهله.. الذي لا يُوازىٰ بحقد.. كثير من كتبهم القديمة والحديثة مليئة بالنقولات والنصوص التي تنص علىٰ أن دم وحرمات المسلمين حلال زلال.. وعلىٰ أي وجه كان السطو والاعتداء عليها!

هذه النصوص المتوارثة أنتجت منهم أجيالًا عامرة قلوبهم بالحقد والكراهية للإسلام وأهله.. ولو قيل لأحدهم: من عدوُّك الأول.. ثم الثاني.. ثم الثالث.. ثم العاشر.. وإلىٰ الألف.. لأجابك من فوره: المسلم السني.. ؟!

ولو اقتصر الأمر علىٰ أن هذه مجرد مواقف تاريخية عفىٰ عليها الزمن لهان الأمر، ولكن هذا هو ما تعيد نشر كتبه المطابع الشيعية الاثنا عشرية المعاصرة وهو ما تبثه أكثر المواقع والقنوات الاثنا عشرية؛ سواء في إيران أو في العراق أو لبنان أو باكستان وأفغانستان، وهو ما يعاد نشره في مواقع أكثر المراجع الشيعة المعاصرين دون أي تعليق علىٰ الإطلاق!!

أحداث العراق.. وحقيقة المذهب الشيعي:

أبانت أحداث العراق الأخيرة حقيقة المذهب الشيعي السبئي التكفيري، بشكل لا يلتبس علىٰ أحد إلا من أغواهم إبليس فكانوا للخائنين خصيمًا؛ فمراجع الشيعة وآياتهم وحججهم وملاليهم وأئمتهم المعاصرون، يتسابقون اليوم في إبراز ما كان مخفيًّا، بعد أن غرهم استقواؤهم بالكفار الأمريكيين، لا بل إنهم قد بدءوا بالفعل ينزعون عن رؤوسهم طاقية «التقِيَّة» التي يفتخرون بأنها دينهم ودين آبائهم، فراحوا يجاهرون بما كانوا يسرون من العداء، ويظهرون ما كانوا يخفون من البغضاء.

السيستاني المرجع الشيعي الإيراني، «خميني العراق الجديد» المقيم في مدينة النجف بالعراق، له موقف تكفيري من أهل السُّنة بشكل عام، لا يختلف عن مواقف من سبقوه، ومع هذا فإنه مع عدم حرصه علىٰ الظهور الإعلامي، يحرص علىٰ أن يبدو وديعًا مصلحًا، وحليمًا حكيمًا وهو يتعامل مع الأحداث، ولكن هيهات أن تكون هذه صفات من يكفِّر أصحاب النبي ﷺ، ويكفِّر من ثَمَّ السواد الأعظم من أمة محمد ﷺ؛ عدا الشيعة.

وقد بَلَغَتْ «سماحتُه» أنه امتنع عن الفتوىٰ بجواز مقاومة الأمريكان الذين غزوا العراق! ومن فتواه «السمحة» ما جاء في موقعه علىٰ الشبكة العنبكوتية «الإنترنت» حيث نُشرت له فتوىٰ، جاءت جوابًا علىٰ سؤال يقول: «ما صحة الرواية التي تقول بأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا اثني عشر ألفًا؛ ثمانية آلاف بالمدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، لم يُر فيهم قدري، ولا مرجئ، ولا حروري، ولا معتزلي، ولا صاحب رأي. كانوا يبكون الليل مع النهار، ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير». وهي رواية موجودة في كتاب الخصال للصدوق صفحة (639)، قال السائل: «هل سند هذه الرواية صحيح، وكيف يتفق مع أخبار ردة أغلب الصحابة؟». فقال السيستاني في الفتوىٰ المختومة بختمه وعلىٰ موقعه: 

«علىٰ تقدير صحة سند الرواية، فهي لا تنافي ما دل علىٰ ردة أغلب الصحابة، أولًا: لأن الارتداد كان بعد وفاة النبي ﷺ، ولعله كان من باب سوء العاقبة. وثانيًا: من المسلَّم وجود المنافقين في أصحاب النبي ﷺ، حتىٰ أنزلت في حقهم سورة كاملة مضافًا إليها الآيات الكثيرة التي تشير إليهم. ومن الضروري أن عددهم كان كبيرًا جدًّا، وإلا لم تنزل هذه السور والآيات في مقام التحذير منهم؛ فالمؤمنون كانوا متصفين بهذه الأوصاف المذكورة في الرواية حقيقة، والمنافقون كانوا يظهرون ذلك حتىٰ لا يتبين للناس نفاقهم وكفرهم، فكانوا يظهرون الزهد والإعراض عن الدنيا، ويظهرون العقائد الصحيحة» انتهت الفتوىٰ. فهل سيترفع ذلك المفتي «الورع» بعد تكفيره لعموم الصحابة، عن تكفير من يحبونهم ويوالونهم ممن جاؤوا بعدهم واتبعوهم بإحسان من أهل السُّنة والجماعة؟! وهل سيتورع السيستاني أو غيره من «الآيات» عن تطبيق أحكام هذا التكفير؟

هذا ما يجيب عنه - نيابة عن السيستاني - قرينه في المرجعية وقريبه في المرتبة والأكثر منه جرأة وشجاعة، كما يتباهىٰ ويتفاخر وذلك في فتوىٰ مسموعة - علىٰ شناعتها وبشاعتها - في كلمة صوتية لمن يُدعىٰ «آية الله العظمىٰ»: صادق الحسيني الشيرازي، أعلىٰ المرجعيات الدينية في كربلاء، ذكر في كلمته المبثوثة علىٰ الإنترنت قول الله تعالىٰ: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ﴾ [المائدة: 33]. ثم نزَّل هذه الآية - كصنيع الخوارج الذي يقرءون القرآن ولا يجاوز تراقيهم - علىٰ المجاهدين، للأمريكيين وأعوانهم؛ من أهل السُّنة، وفَاهَ - فَضَّ الله فاه - بألفاظ وأحكام وعبارات تقشعر منها الأبدان، لها من الدلالة علىٰ العقيدة التكفيرية الشيعية مما لها.

قال الشيرازي: «الوهابي.. الإرهابي.. الكافر.. الناصب.. المتوحش، إذا لم يكن مصداق هذه الآية، فمن يكون إذن مصداق الآية الكريمة؟ والذين يؤيدون الوهابيين الإرهابيين الكفرة النواصب الوحوش من رجال الدين، ومن غير رجال الدين، بنحو أو بآخر، إن لم يكونوا مصاديق الآية الكريمة، فمن يكون؟

إذا كنا نكفُر بالقرآن الكريم، فلنكن شجعانًا نصرح بما نعتقد، أما إذا كنا نؤمن بالقرآن الكريم، فالوهابي الإرهابي الكافر الناصب الوحشي يجب قتله، وكل من يؤيده بنحو أو بآخر، من رجل دين أو غير رجل دين، يجب قتله، ومن لم يقل بوجوب قتل هؤلاء، ووجوب قتل مؤيديهم، فهو علانية يكفر بالقرآن الكريم، (مو) مشكلة.. الشيوعي أيضًا يكفر بالقرآن الكريم، ولكن الشيوعي يملك شجاعة أدبية، (فخليهم) يمتلكون شجاعة أدبية...

والشيرازي يتابع قائلًا: شيء آخر، الله يقول في القرآن الكريم: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 107]. إخواني: هذه الآيات الكريمات الواردات في مسجد الضرار، تنطبق علىٰ المساجد التي يتخذها الإرهابيون الوهابيون الكفرة النواصب الوحوش محاور لنشاطهم؛ فكل هذه المساجد يجب أن تدمر وتهدم وتحرق، وإلا فنكون كافرين بالقرآن الكريم. فلنكن صادقين مع أنفسنا ومع الله تعالىٰ، ومع القرآن، ومع أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ومع المؤمنين والمؤمنات، إذا لم تكن هذه الآيات الواردة في مسجد الضرار، لا تنطبق علىٰ المساجد الوهابية الإرهابية الناصبية الوحشية، فعلىٰ أي مساجد تنطبق؟

يقول الشيرازي: هذه المساجد يجب هدمها فورًا، ويجب إحراقها فورًا، ويجب تدميرها فورًا إن كنا مسلمين. وإذا لم نكن مسلمين، فخلِّنا نمتلك نفس الشجاعة الأدبية كما يمتلكها الشيوعي فيقول: الله خرافة، فخلهم يقولون: نحن لا نؤمن بالقرآن الكريم... إخواني: بقاء حانوت يبيع الخمر، يعني أن الحكم الإسلامي لا يجري في هذا البلد، وبقاء مسجد إرهابي وهابي، يعني أن الحكم الإسلامي لا يُجري في هذا البلد... إخواني: 

أي وهابي إرهابي كافر ناصبي وحشي، يعيش في بلد، ويعيش مؤيده بدون أن يقتل، فهذا يعني أن قولة الله تعالىٰ: ﴿ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾ [المائدة: 33] لا يُعمَل بها، شئنا أم أبينا، والمساجد الإرهابية الوهابية بقاؤها لحظة واحدة، يعني أننا لا نعمل بالآيات الكريمات حول مسجد الضرار»...

ودعا الشيرازي في كلمته المسمومة إلىٰ الحسم مع من سماهم «العلماء البكريين» - نسبة إلىٰ أبي بكر الصديق >، ويقصد كل علماء أهل السُّنة - فقال: «إن كل من لا يستنكر ولا يشجب أعمال الوهابيين الإرهابيين، يجب أن يعامل بمثل المعاملة التي يعامل بها الإرهابيون الوهابيون». وختم بقوله: «الوهابي الإرهابي ضد الله وضد الإسلام وضد القرآن وضد رسول الله، وضد أمير المؤمنين، وضد سيدة نساء العالمين، وضد سائر المعصومين، وهم يقتلون المسلمين - أعني الشيعة - لأنهم موالون لله وللقرآن ولأهل البيت» انتهىٰ قوله.

بهذه المشاعر يتحدث القوم عن الذين ندبوا أنفسهم لمجاهدة الأمريكان الذين أعانتهم إيران علىٰ الغزو هي وحلفاؤها وأشباهها في داخل العراق وخارجه، وبمثل هذه النفسية السوداوية يتهيأ القوم ويمهدون لخروج مهديهم المنتظر.. الأشبه بالأعور الدجال، الذي سيركز ثاراته وفتوحاته ومآثره ومجازره علىٰ العرب والمسلمين. وكل هؤلاء يعدون أنفسهم من «الممهدين» للمهدي الذي ينتظرونه من قرون... ليثأر لآل البيت.. !! وقال في حديث لمجلة نيوزويك الأمريكية في 2/5/2006: «أطالب سنة العراق بتحديد موقفهم من التكفيريين الوهابيين».

إيمانهم لا يتحقق إلا بتكفير السُّنة!!:

«إيمان الشيعة» لا يتحقق إلا بتكفير هذه الأمة، وأولهم الخلفاء الراشدون، ثم عموم الصحابة وأمهات المؤمنين، والتاريخ في قديمه وحديثه يثبت أن الشيعة الروافض حملوا تلك الكراهية والضغينة والبغضاء لكل مسلم سني، فبغضهم لعامة أهل السُّنة لم - ولن - يقلَّ عن بغضهم لخاصتهم وأئمتهم، وهو بغض وكره يفضيان في كل مرة إلىٰ المحاربة والقتال والاستحلال، إما مباشرة، وإما عن طريق الوقوف مع الأعداء، والتحالف معهم، كما حدث أثناء الحروب الصليبية وغزوات التتار وأيام الدولة الصفوية الإيرانية الرافضية، التي شايعت كل الأعداء علىٰ الدولة العثمانية، وأخيرًا - وليس آخرًا - الخنوع والخضوع والركوع أمام «الشيطان الأكبر» - أمريكا - ليقفز من فوق ظهورهم إلىٰ حرمات المسلمين في أفغانستان والعراق، وهو ما تباهوا به مؤخرًا علىٰ لسان محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإيراني، الذي قال في 6/4/2006م في مؤتمر عقد في أبو ظبي: «لولا التعاون الإيراني، لما استطاعت أمريكا أن تدخل أفغانستان أو العراق بهذه السهولة».

دين إيران الحديث وسماته!!:

وشهد شاهد من أهلها!:

دين إيران من سماته الجهل والتجهيل!!:

أظهرت دولة إيران الإسلامية لنا دينًا إسلاميًّا جديدًا في قيمه لا نعرفه، وهو غريب علينا وعلىٰ قيمنا.. العقيدة الإيرانية الجديدة تقوم علىٰ أساس حاكمية الإمام الغائب، الذي سيظهر ليقتل كل العرب وهو أمر جديد لم نألفه في كل المذاهب الإسلامية الجديدة!!

يقول د. كاظم عبد الحسين عباس - أكاديمي عراقي شرح الله صدره للحق: 

الدين الإيراني دين وضعي ظاهره التشيع وباطنه تمزيق وانتماء فِعْلي إلىٰ شعائر لا تمتُّ إلىٰ الإسلام ولا التشيع الجعفري الحقيقي بأية صلة.. إيران دولة فارسية قومية التطلع، تشيعت بالكامل في عهد إسماعيل الصفوي الذي تمت فيه عملية مذهبة الدولة بحد السيف.. غالبية الشيعة الفرس لا يجيدون قراءة القرآن الكريم ولا يفهمون شيئًا من معانيه ومفرداته بسبب عدم إجادتهم للغة العربية، الأمر الذي جعلهم يستوطنون ضفة بينها وبين الدين الحقيقي بحر متلاطم الأمواج.. ضفة تأخذ الدين عن لسان الرواة والنقالة من قراء المنابر الحسينية، وكان لهؤلاء دور بارز في تأسيس العقيدة الطائفية الجاهلة التي لا يحركها عوامل ارتكاز ربانية ولا محمدية، بل جُلُّ غطاءها الولاء المزعوم لآل بيت الرسول، ولاء منقطع عن صلة آل البيت بالقرآن وبالسنة وبتاريخ الدولة الإسلامية؛ صدرًا وملاحق، فصارت عندهم الإمامة والولاء لآل البيت وكأنها حالة معزولة عن الإسلام!! بل وأكثر من هذا أنها حالة قد تتقاطع مع الإسلام من لحظة خطبة الوداع في غدير خم، حيث يرمي بعضهم بالتهمة لرسول البشرية محمد ﷺ مِنْ أنه قد أخفق في إبلاغ رسالة سماوية مفادها أن علي عليه السلام هو الخليفة من بعد الرسول الكريم كحلقة تردفها حلقة أخرىٰ ترىٰ في إلباس علي الولاية في صيغة: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» علىٰ أنها لباس شفاف قابل للاختراق والزيغ واللايقين.

ثم تداخل الأمر تعقيدًا مع تنازل الإمام الحسن عليه السلام عن الخلافة ليصبح هدفًا لفقهاء فارس ومواليهم للطعن به علىٰ أنه يقف علىٰ خصال لا ترتقي به إلىٰ مصاف الإمامة، ويجري الطعن بالإمام الحسن حد هذه اللحظة في بحوث ودراسات، ومواقف محكمة الكتمان في الحوزات المختلفة.

ثم جعلوا من حادثة الطف واستشهاد الإمام الحسين بن علي عليه السلام نقطة الافتراق مع الأمة العربية التي اتهموها بقتل الحسين عليه السلام وحرمانه من فرصة استلام الخلافة فصارت إحدىٰ العلامات الفارقة في بناءهم الشاذ والمنحرف، شعار معروف يقول: لعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أُمة سمعت بذلك فرضيت به.

وإذا جاز لنا أن نقر بأن من قتل الإمام الحسين عليه السلام هم مجموعة من العرب من أبناء جلدته ودينه، في عملية صراع بين إرادة حكم أرضي تمثله مجموعة الغدر والقتل وبين إرادة روحية مسلمة عميقة للحسين وثورته الإصلاحية العظيمة، فإن تسييس الواقعة وتحويلها إلىٰ إسفين يمزق جسد العراقيين خصوصًا والمسلمين عمومًا، إنْ هو إلا مدخل من مداخل الدين الإيراني الجاهل والتجهيلي حيث نرىٰ أن قضية الحسين عليه السلام قد تحولت إلىٰ علامة فارقة في الاندفاعات الهوجاء والتحرك الجمعي البليد أينما أراد الفرس تحريك الأحداث لما يخدم مصالحهم.

إن تحويل قضية الحسين إلىٰ منبر سياسي قد أساء إلىٰ الإمام الحسين ولأمته، وحوله من شهيد حق وثائر تصحيح وإصلاح إلىٰ سوط يجلد ظهر الأمة ولعنة أزلية تحركها الحوزة عبر بضعة أشخاص، ويستجيب لها الجمع المليوني الجاهل الذي تصل درجات جهله وبلادته إلىٰ الحد أن النسبة العظمىٰ فيه لا تعرف نسب الحسين عليه السلام ولا تعرف قصة استشهاده، ولا تعرف قطعًا سورة الفاتحة بشكل سليم، ولا تدري المعنىٰ الحقيقي للتعبد في حضرته، ولا كيف يمكن لسيد الشهداء أن يكون وسيطًا بين الجمع الجاهل وبين الله سبحانه، ولا الآلية التي يمكن أن تتم بها شفاعته يوم الحشر لأناس لا يعرفون شيئًا عن الوحدانية، ولا عن مطبات الشرك، ولا عن أصول الدين وفروعه، ولا عن الفرق بين مذاهب المسلمين وفرقهم!!

أي جمع مليوني من بشر لا يفقهون معنىٰ الدين ولا التدين، ولا الفرق بين التوحيد المطلق لرب العزة وفق ما يقتضيه دين الإسلام الحنيف وبين الشرك الذي يمكن أن يقعوا فيه عبر اعتبار زيارة مقابر أهل البيت علىٰ أنها أصل أو فرع من فروع الدين، بل ربما يذهب الأمر بفعل الجهل إلىٰ اعتبار من لا يزور كافرًا.

هذا هو واقع حال الغالبية العظمىٰ من الشيعة، ومنهم بشر متعلمون ومثقفون غير أن البناء العقائدي المنحرف الذي ينمو مع الإنسان منذ لحظات وعيه يتحول مع تحولاته الفسيولوجية، حتىٰ يغدو وكأنه جزء من التكوين الهرموني والعضوي، يحول دون إدراك الحقائق والقبول بها في مراحل النضج، يعاون في ذلك تجانس الحالة الجمعية للكتلة البشرية التي يسيطر عليها هوىٰ الحوزة، ويحكم بصرها وبصيرتها قانون الجمع الجاهل: (ارمها برأس عالم واطلع منها سالم) الذي يعطي المجموعة الحوزية الصغيرة حق السيطرة الكهنوتية، ويقزم الجمع المليوني إلىٰ قطيع لا يدرك شيئًا غير الجهل!!

الخُمْس:

لكي تكتمل صورة الفئة الحاكمة الكهنوتية للدين الشيعي الإيراني، صار للحوزة ومراجعها مصدر مالي يشكل وضعًا ضريبيًّا لقادة القطعان، تدفعه لضمان عملية رفع العبء الأخروي عن كاهلها وتحمل تبعات يوم الدين بالإنابة.. إن الخُمس هو عملية جباية مالية عملاقة حولت الحوزة إلىٰ سلطة كنيسية مطلقة تدير دولة ضمنية، لا صلة له بالدين الذي سن عملية الزكاة كدرب مالي يحكم شرعية السيل الفائض من أموال المسلم ومشروعيتها من جهة ويجهز وسائل التكافل الجمعي بين المسلمين.

الخمس ضريبة حوَّلها دين إيران إلىٰ استحقاق مذهبي أعطىٰ لكل من يملك فعلًا أو ينتسب بالزيف لآل بيت الرسول الكريم حق التمتع به، فتحول هذا المذهب الضريبي إلىٰ وسيلة للاغتناء علىٰ حساب الناس البسطاء الجهلة، وعمّق فجوات القهر الاجتماعي والطبقي إلىٰ شلة المتبوعين المفترض بهم تحمل تبعات التبعية إلىٰ يوم الدين، وعمّق ممارسات الاتباع غير المستند إلىٰ دين.. أي أنه زاد الفجوة بين الدين الحنيف كأصل وبين اتباع المتبوعين كبدعة كهنوتية، زيادة في التنكيل بالجهلة وإبعادهم عن روافد وحياض الله الحقيقية.

عن زيارة القبور يقول عبد الحسين: 

نحن أبناء الفرات الأوسط والجنوب أبناء كربلاء والنجف وبابل والبصرة وميسان وذي قار... تتفتح عيوننا علىٰ الدنيا ومعها تنفتح ذاكرتنا علىٰ أن زيارة قبور آل البيت؛ كبيرهم وصغيرهم، نساءهم ورجالهم، أصلهم وفرعهم.. علىٰ أنها من أصل الدين.. هذه الأضرحة تنقذ أحلامنا، ويقبل رجاءنا ويطيب جذامنا وجنوننا ورمد عيوننا، وفيها نمنح فرمانات الدخول إلىٰ الجنة، وتقبل صلواتنا ودعاءنا.. فيها نتفوق دراسيًّا وبأدعيتها نصير ملائكة وقديسيين حتىٰ لو مارسنا العادة السرية واللواط والجنس مع الحمير.. وحتىٰ لو قتلنا أبناء بطون أمهاتنا واخترقنا أعراض الجيران.. كل شيء يغتفر ها هنا في مرقد العلويات بنات الحسن، والإمام أحمد بن هاشم، وضريح ابن الحمزة، وصحن الحر الرياحي الذي لا صلة له ببني هاشم؛ غير أنه قاتل ببطولة مع الحسين وانتصر له، وفي ضريح عون أبو نجم تعقل المجنونات من نساءنا ممن زوجناهن كرهًا أو سلبناهن حبًّا ملأ حياتهن أو أجهضنا أجنتهن تجنبًا للفضيحة، ورجال فقدوا عقولهم لأسباب مشابهة أو سواها الكثير.. وفي ضريح العباس بن علي عليه السلام تُسْترجع ضائعاتنا الثمينة ويظهر الحق من القتلة والسراق، إذ لا يَقْوُون علىٰ القسم بالعباس في حين يقوون علىٰ القسم بالله وبالقرآن وبمحمد كذبًا.. يمتلك قدرات خارقة عبر ضريحه لا يمتلكها الله تعالىٰ ولا القرآن ولا اسم الرسول.. وقيسوا علىٰ ذلك!!

إن من مقتضيات الدين الإيراني الذي توغل فينا وعلمنا إياه الفرس في منابر الحسين وكراسات الحوزة ودبابير المعممين المظلمة.. أن صار عندنا في كل قرية إمام واحد في أقل تقدير ومن لا يزور هذا الإمام؛ رجلًا كان أو امرأة فإنه كافر.. ننذر النذور للعباس وللحسين وللنبي أيوب وللعلوية رقية علىٰ نفس المستوىٰ والقدر، ونخاف علىٰ عجولنا وأغنامنا وحميرنا وبيادر زرعنا إن لم نوفِّ النذور.. ويطرق أبواب الطين صرائفنا زوار لا نعرفهم إذا لم نعطهم البيضة الوحيدة التي وهبتها دجاجتنا فجر اليوم وحفنة الحليب التي وهبتها بقرتنا، فالويل لنا والثبور؛ لأن زوارنا من أهل البيت الأعجمي هم سادة بالتبني وسادة بالرضاعة وسادة بالتمتع، ومن يطردهم يُطْرَدْ من رحمة الله، ويغادر احتمالات الاقتراب من الجنة.. وفي المساء يأتون إلىٰ قرانا يمتطون ظهور الحمير وربما الخيل ليقيموا مجالس العزاء لأهل البيت المظلومين؛ ليلة للقاسم، وأخرىٰ للعقيلة، وثالثة للعليل زين العابدين، ورابعة لكف العباس، وخامسة، وسادسة، والليلة الثلاثمائة، ونحن نذبح دجاجاتنا ونعطي الربع دينار الوحيد في صرة جدتي لهؤلاء الروزخونية الذين تنتفخ أوداجهم شبعًا وتتورد خدودهم كورد الجوري ونحن مصابون بالبلهارسيا والتراخوما والجفاف الناتج عن الإسهال شبه المستديم، وكبارنا يتربص بهم ضغط الدم وأنيميا الدم ويطيح بقواهم روماتيزم العظام ولا نمتلك درهمًا نشتري به العلاج. مفارقة ما بعدها من مفارقة.. ظلم أهل البيت من قبل الظلام وظلمنا نحن بجور عبدة أهل البيت!!

دين اللعن:

يقول عبد الحسين: ونحن نَحْبُو علىٰ ركبنا ونلوك أحرفنا الأولىٰ، تشتم أمهاتُنا عائشة أم المؤمنين رضوان الله عليها، حين يقعن في ضائق التوفيق بين إطعام بقراتنا وبين التفرغ لإعداد طعام؛ سيُضْرَبْن بالعصي إن أخفقن في إعداده في الوقت المحدد.. عائشة < هي السبب في ضنك التوقيت كما كانت سببًا في ضنك علي ابن عم رسول الله وأحب أحبابه وهي زوجة رسول الله ﷺ.. وبعد أن ننهي شهرين من العويل وشق الخدود والصدور والرؤوس بالسكاكين، هما شهرا محرم وصفر، فإننا نرتدي ثوبًا جديدًا فرحًا بفرحة الزهراء التي لا تكتمل إلا بأن نلعن الخلفاء الراشدين والصحابة رضوان الله عليهم، ويقوم بعض القوم بعمل شخصية كارتونية بشعة رثَّة مخبولة لشخص الفاروق رضوان الله عليه.. علمونا من منابر - يفترض أن تكون للتذكير بثورة الحسين عليه السلام وبطولته - أن اللعن سنة ودين ومن لا يمارسها فإنه يبغض الله ورسوله وهم كفرة فجرة - حاشاهم - وأنهم خارجون ومرتدون عن دين الإسلام الحنيف.. هل من أحد في الكون كله يستطيع أن يأتينا بقول أو خطبة أو كتاب أية حجة مسندة تبرهن علىٰ أية صلة بين مذهب جعفر الصادق عليه السلام وبين هذه الانتهاكات الإجرامية لديننا الحنيف؟ نحن ننتهي إلىٰ حقيقة ثابتة وهي: أن الذي يتوغل كالسرطان في جسد الشيعة من فكر وثقافة يقودها الفرس إنْ هو إلا تبشير بدينهم.. دين إيران الذي لا صلة له بالإسلام إلا في سطحيات وشكليات تمويهية مخادعة.

حقائق توصل إليها كاظم عبد الحسين عباس: 

1- أن دين إيران دين جديد وضعي بتعاليم وممارسات ما أنزل الله بها من سلطان.

2- أنه وسيلة سياسية لجعل إيران نقطة الارتكاز في إمبراطورية فارسية تتوسط ولاءات طائفية تسحق البعد الوطني وتقفز من فوقه إن لم تستطع تدميره بالكامل وتمتد من أفغانستان إلىٰ العراق وأجنحة بلاد الشام والخليج العربي.

3- أنه تشيع يستمد قوته من شيعة جهلة يمارسون شعائر مشركة لا صلة لها بالله ودينه الحنيف من بينها اللطم والتطبير وزيارة القبور وعبادتها.

4- أنه دين يعبد أشخاصًا يفترض انتماؤهم لأهل بيت النبوة ويعتبر أن زيارة قبورهم تعبُّد والنذر لهم تقرب إلىٰ عالم الغيب وهذا منهج يتعارض مع الإسلام الذي أوجد الصلات الحية المباشرة بين العبد وربه.

5- أنه تشيع شوفيني عنصري يعادي الأمة العربية المسلمة ويثأر لقيامها بإسقاط الإمبراطورية الفارسية( ).



الفصل الثالث

حقيقة الثورة الإيرانية والمد الشيعي

إبان قيام الثورة الخمينية في إيران في أواخر السبعينيات من القرن الميلادي الفائت، وانتصار آية الله الخميني علىٰ الشاه محمد رضا بهلوي، انبهر به نفر من المسلمين، علىٰ أنه زعيم إسلامي نجح في ثورته من أجل مصلحة شعبه، وأن قوته ستضاف إلىٰ قوة المسلمين، فيزدادون قوة، وأنه قد نادىٰ بحكم إسلامي، لذا التهبت عواطف بعض الشباب، بل وبعض الرجال الكبار تحت ضخ شعار الإسلام وحكم الإسلام، وتولىٰ علماء الإسلام الحكم علىٰ اعتبار أنهم سيحكمون بالإسلام وبشريعة الله، ويأخذون بسنن الله في نهج حياتنا.. وصار حينئذ مَعْقِدًا وممثِّلًا للآمال التي تراودنا في العودة إلىٰ أصولنا الإسلامية، وتفاعل العالم الإسلامي مع المد الشيعي بعد أن تولىٰ الخميني مقاليد الحكم في إيران وأزاح الشاه المخلوع، واستطاعت وسائل الإعلام الاثنىٰ عشرية أن تخدع كثيرًا من المسلمين في طرحهم المعاصر، وساندتها أجهزة الإعلام الغربي، وأجاد الخميني في تمثيل الدور الماكر، فتعاطف معه كتاب وصحفيون ودعاة محسوبون علىٰ أهل السُّنة؛ إلىٰ حد تمجيده ووصفه بأنه من المجددين في هذا القرن!! قيل وقتئذ: إن هذه الدولة هي التي تمثل الإسلام في هذا العصر، وإن شيوخها هم المراجع للمسلمين، ومؤسسها من المجددين. وقيل بعد قيام دولتهم بأنه قد عاد «المذهب الشيعي إلىٰ نقائه الأصيل؛ ولاءً لله ورسوله ﷺ وحبًّا لآل بيته حبًّا صادقًا لوجه الله لا يفقد صاحبه احترام غيرهم من المسلمين؛ وخصوصًا صحابة رسول الله ﷺ»( ) وزعمت بعض الصحف «أن ردود الفعل التي أحدثتها «حركة الخميني» كان مبعثها أن حركة الخميني حركة إسلامية مائة في المائة»( ). ورشحت مجلة المعرفة التونسية الخميني لنيل جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام( ). ومضت علىٰ هذا النهج مجلات أخرىٰ؛ كالرائد( ) والدعوة( ). وكتب بعض المنتمين لأهل السُّنة كتابات عن الخميني وثورته، يشيدون بها ويعدونها المثال الصادق للحكومة الإسلامية( ). وأصدرت بعض الحركات الإسلامية بيانات تثني وتؤيد المنهج الخميني، حتىٰ جاء في بيان التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وصف حكم الخميني بأنه «الحكم الإسلامي الوحيد في العالم»، فكانت فتنة مدلهمة لا تزال آثارها باقية، وإن أفاق البعض، وتبينت له الحقيقة؛ إلا أن منهم من لا يزال يعد ما يثار عن شيعة الخميني إنما هي «ضجة مفتعلة»( ). وقد استغل الشيعة هذا الجو بالدعاية لمذهبهم ونشره، وأسهمت هذه الحملة الإعلامية الدعائية في الصحف الإسلامية علىٰ إخفاء الحقيقة أمام شباب المسلمين، لأنها لا تعرف شيئًا من الخلاف بين الشيعة والسُّنة؛ إلا أنه خلاف حول من يستحق الولاية: 

علي أمْ أبو بكر، وتلك أمة خلت، وليس هذا الخلاف بأمر ذي بال اليوم. وكان ذلك كله سببًا في تضييع الحقائق لأجيال المسلمين، بعد أن تأثر بها كثير من عوام المسلمين الذين لا يملكون فهمًا ولا علمًا ولا اطلاعًا بحقيقة أمرهم وعقائدهم المنحرفة عن هدي الله( ).

خيبة أمل المسلمين في الثورة الإيرانية!!:

تصور وتوقع الكثيرون حين جاء الخميني أنه سيعمل علىٰ إحياء الإسلام من جديد، وفرح المسلمون وتخوف أعداء الإسلام.. وهنأت الخميني الدولُ الإسلامية ورحبت به، ولم تقف منه ومن ثورته موقفًا عدائيًّا.. ولكن انقلب فرح المسلمين إلىٰ خيبة أمل فيه، وانقلب تخوف الأعداء إلىٰ فرح به؛ بل وتأييد له، ليؤدي الخميني مهمته في تمزيق المسلمين!! وكانت الطامة الكبرىٰ، أنه لم يكن - مع الأسف - علىٰ مستوىٰ الآمال فيه، فاستباح لنفسه تكفير المسلمين بدءًا بأبي بكر الصديق >، وعمر بن الخطاب الفاروق، وعثمان بن عفان ذي النورين، ش، وحتىٰ الشعوب الإسلامية السنية وحكامها.. واستباح لنفسه تسيير المظاهرات للتنديد بالحكومات الإسلامية والسعي لإسقاطها.. وكانت الطامة الكبرىٰ أنْ قام أتباعه بتعليق لافتات كبيرة من القماش علىٰ جدار فندق هيلتون طهران، كتب عليها بخط كبير: «سنحرر الكعبة والقدس وفلسطين من أيدي الكفار»!! وكانت الطامة الكبرىٰ يوم جاء أتباعه بصور لحكام دول إسلامية، وقد لُفَّتْ بأعلام بلادها وعلىٰ أعناقهم عقود من النعال وبشكل ساخر، وبصورة قبيحة استفزازية ومهينة!! ( ).

لقد تصرف الخميني وأتباعه تصرف الرجل المذهبي الذي يمتلئ قلبه بالغيظ والحقد علىٰ كل المسلمين، الذين ليسوا علىٰ مذهبه وبدأ يعاملهم علىٰ أنهم كفرة.. رد عليهم رساءلهم بقوله: «والسلام علىٰ من اتبع الهدي».. كما كان الرسول ﷺ يختم رسائله إلىٰ الملوك والحكام الغير مسلمين، وهو يدعوهم فيها إلىٰ الإسلام!! وأخذ الخميني يشحن أتباعه بالعداء علىٰ المسلمين من غير مذهبه، وينظر إلىٰ الحكام المسلمين علىٰ أنهم وشعوبهم كفار وظلمة وطغاة، وأنهم أتباع أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، اللذيْن ظلما عليًّا >، وسلبَا منه الملك والحكم بعد وفاة النبي ﷺ، وتوليا الحكم الذي كانا يتآمران من أجله علىٰ الرسول ﷺ، ويعيشان معه بالنفاق من أجل الحصول عليه!!.. وأنهما السبب في كل ما أصاب عليًّا وآل بيته وأتباعهم من مصائب علىٰ مر التاريخ؛ إلىٰ غير ذلك من أساليب شحنهم بالعداء ضد الدول والشعوب السنية، في الوقت الذي يؤكد لهم مبدأ أن الحكم إنما هو لآل البيت من الأئمة ونوابهم، وأن من الضروري أن يعملوا علىٰ وضع الأمور في نصابها ويجاهدوا؛ لأنْ يسترد نائب الإمام حقه في حكم المسلمين جميعًا، وأن من الضروري العمل علىٰ إسقاط حكام هذه البلاد ليحكمها هو باسم آل البيت!! ومن هنا بدأ من أول أيامه يعلن عن تصدير ثورته إلىٰ تلك البلاد، لتحريض المسلمين فيها علىٰ الثورة علىٰ حكامهم الظلمة الطغاة، وتسليم الحكم فيها له، وكان ذلك بمثابة إعلان الحرب علىٰ هذه الدول وحكامها!!

انطلق الخميني للعبث بأمن الدول الإسلامية والاعتداء عليها؛ لفرض سلطانه ومذهبه عليها ومحو المذهب السني من الوجود، واستعباد أهل السُّنة؛ معتبرًا أن ذلك حق ديني له ولثورته!!

لما قام آية الله، الخميني بالدعوة إلىٰ الإسلام قبل أعوام من ثورته توقع الناس أنه لكي يعمم دعوته وينال إعجاب الناس، لن يفتح صفحات تاريخ الخلافات المستمرة القديمة بين الشيعة والسُّنة، وإذا لم يتمكن من سحبها من الكتب، فإنه لن يفتحها من جديد، وأنه إذا كان لن يستطيع أن يعلن براءته من معتقدات الفرقة الإمامية الاثنيْ عشرية؛ نظرًا لمصالح سياسية أو محلية، فعلىٰ أقل تقدير لن يقوم بإعلانها وإظهارها؛ توخيًا لتوحيد صفوف المسلمين، وأنه لا مجال الآن لهذه المعتقدات التي تزعزع أساس الإسلام، وتنال من سمعته وقيمته في العالم، والتي هي عائق كبير في سبيل توجيه دعوة الإسلام إلىٰ غير المسلمين، تلك المعتقدات التي أنتجتها مؤامرة خطيرة مناوئة للإسلام منذ القرن الأول وعهد الصحابة، تلك المعتقدات التي مفادها أن جماعة الصحابة الكرام ش التي بلغ عددها في حجة الوداع فقط أكثر من مئة ألف صحابي، ما بقي منهم علىٰ الإسلام إلا أربعة فقط بعد ما لحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلىٰ، أما غير هؤلاء الأربعة فكلهم سلكوا مسلك الردة - والعياذ بالله - والقرآن محرف بكاملهِ، وكان أئمة أهل البيت - من وجهة التقية التي تعتبر واجبًا دينيًّا وعزيمة - كاتمين للحق، ومغيبين للقرآن بعيدًا عن كل خوف وخطر، ويلقنون أتباعهم ذلك!!

كان علىٰ الخميني أن يقول بصراحة: يجب علينا أن نتناسىٰ الماضي لإعادة الإسلام لقوته، ولكن بالعكس من جميع الآمال، تمثلت أمام الناس رسائله وكتبه وكتاباته الصادرة من قلمه، تحدث فيها بكل قوة وصراحة عن نفس تلك المعتقدات الشيعية.. كتابه «الحكومة الإسلامية»، و«ولاية الفقيه» يتضمنان أفكارًا - عن الإمامة والألوهية - تثبت أن الأئمة أفضل من كل نبي وملك - وأن هذا الكون خاضع لهم ولمشيئتهم، وكتابه «كشف الأسرار» لا يتناول الخلفاء الثلاثة بالجرح والنقد فحسب، بل ينطوي علىٰ كلمات السب والشتم الموجهة إليهم، التي يمكن أن تطلق علىٰ جماعة ضالة مضللة فاجرة فاسقة، زائغة مزيغة ذات مؤامرات.. لم يُنْشر كل هذا كتعليمات سرية أو في صورة رسائل خاصة، وإنما هو مطبوع ومنشور علىٰ الملإ!!

رسائل الخميني وكتاباته عن الإمامة والأئمة، وتوجيه الطعن والتهم إلىٰ الصحابة الكرام ش، لم يعد هذا أمرًا خافيًا، بل إن رسائله هذه قد وزعت في إيران وخارجها بعدد هائل يبلغ مئات الآلاف!!

خطة مدبرة لتمزيق العالم الإسلامي: 

تآمر الغرب مع الخميني.. وجد فيه ضالته المنشودة!!

كنت ومعي كثيرون قد أصابهم الذهول وأصابتهم الدهشة، بعد قيام الثورة الإيرانية من رجل كالخميني قد استطاع وهو خارج بلاده أن يفعل بالشاه وحكومته ما فعل، ويقود أمة وكأنها معصوبة الفكر والعينين، وكنت ممن تساءل وتعجب مثل الكثيرين: كيف استطاع هذا الرجل أن يفعل هذا كله؟!

وكان السؤال الذي طرح نفسه علىٰ المتأمل في مجريات الأحداث.. كم من العلماء العاملين المخلصين في الأمة الذين لم يستطيعوا أن يفعلوا ما فعله الخميني؟!

الحقيقة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، أن هناك خطة مدبرة لتمزيق العالم الإسلامي وضربه بواسطة أحد المسلمين الذي يمكنه أن يمتد بنفوذه إلىٰ الأقطار الإسلامية الأخرىٰ ويجد له أنصارًا فيها؛ خاصة بعد أن برهنت الأحداث علىٰ عجز الكيان الصهيوني عن تحقيق أهداف هذه الخطة؛ لأن العالم الإسلامي يعاديها ويسيء الظن بها، من هنا وجد الغرب في شخص الخميني أنه خير من يصلح للقيام بهذا الدور!!

خرج الخميني من إيران بعد أزمة حدثت بينه وبين الشاه، انتهت بمغادرته إيران إلىٰ العراق ليقيم بالنجف، وليعيش كلاجئ؛ وفي شبه عزلة عن العلماء، وبعد مدة أخرجته العراق لاحتجاج الشاه بأنه يتدخل في سياسة إيران.. ذهب الخميني إلىٰ باريس عام 1978م وهناك أعد له الغرب مقامًا، وتركته فرنسا يبث دعوته ضد الشاه بوسائل مختلفة.. لماذا تركه الغرب يفعل ذلك، حتىٰ اتسعت شعبيته في الشارع الإيراني، وكان من الممكن لفرنسا - لو أرادت - أن تحد من حركته ودعوته كلاجئ سياسي؟! لم تفعل فرنسا وتركته حتىٰ تأزمت الأمور في إيران.. ووجدت أمريكا أن الحل هو عودة الخميني وخروج الشاه، وأعدت للخميني طائرة للوصول إلىٰ إيران.. كان بإمكان الشاه أن يخمد هذه الثورة بجيشه وقوته كما حصل أيام مصدق، ولكن السفير الأمريكي ذهب إليه ونصحه بالمغادرة ولو مؤقتًا حتىٰ تهدأ النفوس.. واستجاب الشاه وخرج ولكنه لم يعد!! وعاد الخميني بطائرة خاصة واستقبله الشعب استقبال الفاتحين.. !!

السؤال: هل كان بإمكان الخميني أن يصل إلىٰ ما وصل إليه، لو كانت أمريكا وقفت بجانب الشاه، ولم تقف بجانبه ليحقق لها ما تصبو إليه؛ من ضرب للعالم الإسلامي، وكسر شوكة من تحدث له نفسه بكيانه فيه، بأن يصيبه ما أصاب الشاه!!

ونقول: إن أمريكا والغرب قد وجدا ضالتهما المنشودة في الخميني، فعملا علىٰ إخراج الشاه وتعبيد الطريق للخميني، مما جعل الشاه في أخريات أيامه ينصح أولئك الذين يثقون في أمريكا من الحكام بأن يأخذوا حذرهم. وليتهم يستفيدون من درس الخميني والشاه!!

الحلم الإمبراطوري الفارسي.. والإمبراطورية الشيعية.. !!:

ينظر البعض إلىٰ أن إيران اليوم هي حاملة لواء الإسلام والمدافعة عن الأمة وعن مقدساتها، وهي نظرة في الحقيقة لا تخلو من الغفلة والتسطيح وغياب الوعي ونسيان التاريخ. فالعلاقة بين القومية الفارسية والعرب خلال عهود التاريخ لم تتسم باللقاء أو التصالح. وبالرغم من تمكن الملك الفارسي قورش عام 542 ق. م من احتلال العراق وأرض الشام، ومن تمكن ابنه من احتلال مصر وبعض بلاد العالم القديم، إلا أن الجزيرة العربية ظلت مستعصية علىٰ الفرس. ولم يخضع العرب لسلطان الفرس، وإنما كان فيهم حلفاء لهم. واستمر الحال كذلك إلىٰ أن عمد الملك الفارسي سابور الثاني عام 370م بشن حملة إبادة ضد العرب، فتك فيها بقبائل العرب علىٰ الساحل الإيراني وعبر الخليج، وحاول التوغل في جزيرة العرب فقتل من تمكن منه من العرب، وهاجرت قبائل منهم.

خضع العرب في العراق أو ما كان يعرف بأرض الحيرة، وفي البحرين علىٰ سواحل الخليج العربي للنفوذ الفارسي حتىٰ مجيء الإسلام؛ كما امتد نفوذ الفرس حتىٰ اليمن. وكان الفرس في حكمهم وقتالهم للعرب عتاة وقساة ومجرمون، وكان العرب لتفرقهم أضعف من أن يواجهوا الفرس ويتغلبوا عليهم، ومن بين المعارك المشهورة التي تغلب فيها العرب علىٰ الفرس معركة «ذي قار». وكان الفرس يحتقرون العرب ويستهينون بهم ويعاملونهم باستعلاء وعنصرية شديدة.

وحيث إن الفرس كانوا أصحاب رؤية توسعية وحلم إمبراطوري، فقد احتكوا منذ القدم بالغرب، ودخلوا معه في صراع نفوذ وهيمنة علىٰ المنطقة الممتدة من إيران وحتىٰ فلسطين. وقد سجل القرآن الكريم مشهدًا لهذا الصراع في مطلع سورة «الروم»: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ﴾ [الروم: 1-5].

وقد عبر القرآن الكريم عن فرح المسلمين بانتصار الروم؛ نظرًا لكونهم أهل كتاب في حين كان الفرس عبدة للنار، فكان في انتصار أهل الكتاب إشارة لانتصار قيم الحق السماوية وهو ما يبشر المسلمين بانتصارهم علىٰ من سواهم؛ نظرًا للحق الإلهي المطلق الذي يحملونه. وبعد هجرة الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - إلىٰ المدينة المنورة، وعقب عقد اتفاق صلح الحديبية مع كفار قريش، بعث الرسول ﷺ إلىٰ ملوك الأرض يدعوهم إلىٰ الإسلام. فبعث بعبد الله بن حذافة السهمي إلىٰ كسرىٰ يدعوه للإسلام، وقد قابل كسرىٰ كتاب النبي - عليه الصلاة والسلام - بأن مزقه! متطاولًا علىٰ مقام الرسول ﷺ بالشتم! فلما أُخْبر الرسول الكريم بما كان من أمر كسرىٰ وتمزيقه الكتاب دعا عليه بقوله: «مزق الله ملكه»!

وفي زمن أبي بكر وعمر ب توسعت فتوحات الدولة الإسلامية، ودخلت بلاد فارس تحت حكم الإسلام في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو ما زرع الحقد في قلوب أهل فارس عليه حين ذهبت دولتهم. وهذا ما دفع بأبي لؤلؤة المجوسي إلىٰ قتل عمر بن الخطاب، ويُعدُّ قبره اليوم مشهدًا يزار في إيران. وقد نشأت في العصر الأموي في بلاد فارس بوادر الدعوة «الشعوبية»، لكنها ظهرت وانتشرت في بدايات العصر العباسي. و«الشعوبية»: دعوة تنكر فضل العرب علىٰ غيرهم من العجم، بل تفضل العجم علىٰ العرب وتنتقص منهم وتحتقرهم( ). وقد استطاع الصفويون بمكرهم التلبس بالمذهب الشيعي الاثني عشري مع ما لديهم من دعوة «شعوبية» لإضفاء الطابع الديني علىٰ توجههم السياسي، وإمعانًا في تضليل العامة من المتشيعين لآل البيت، ولهذا نجد أن غالبية الشيعة الإيرانيين ينظرون إلىٰ غالبية العرب نظرة عداء وكره تحت مبررات دينية، كما أن الشيعة يميلون في محبتهم للإمام الحسين وذريته، لأنه قد تزوج من الفرس، في حين أن نظرتهم للإمام الحسن أقل توهجًا في مشاعرهم ووجدانهم العاطفي. ولا يزال الشيعة الاثنا عشرية، ومن قبلهم الصفويون، يمجدون آثار فارس ويتمدحون بمآثرها ويأخذون الكثير من العادات والتقاليد عن حضارتها. ولا يزال الإيرانيون يصرون علىٰ وصف الخليج العربي بالخليج الفارسي في مقرراتهم الدينية والسياسية والتعليمية والأدبية والثقافية!

الحق أَنّ إيران تنفصل عن كيان الأمة برؤية مذهبية طائفية، وقومية «شعوبية» معادية لأهم مكون من مكونات الأمة، وهم العرب؛ فنحن إذن أمام طرف آخر وكيان مستقل في أهون أحواله «الطبيعية» نِدٌّ يحمل بذور العداء التاريخية والدينية والسياسية!

إذن فلا غَرْوَ أنْ نجد سياسة إيران الخارجية تذهب باتجاه التوسع الإقليمي علىٰ حساب أمن المنطقة، فقد دخلت إيران في حرب طاحنة مع العراق لمدة ثماني سنوات، وعملت علىٰ تأجيج الأقليات الشيعية ضد الأنظمة الحاكمة في دول الخليج خلال ثمانينيات القرن الماضي، واحتلت الجزر الإماراتية الثلاث، وهي تطالب بالبحرين لتكون تحت سيادتها! وعملت علىٰ زرع ذراع سياسي وعسكري «طائفي» لها في لبنان! وعملت علىٰ دعم حركة «تمرد الحوثي» باليمن! وساعدت قوىٰ الاحتلال الأجنبي «الكافرة» علىٰ إسقاط نظام طالبان وحكومة بغداد والاعتداء علىٰ شعوب البلدين!

وفي صفحات التاريخ الإسلامي قامت انتفاضات شيعية كثيرة كانت تهدف إلىٰ أمر واحد، هو إقامة الدولة الشيعية علىٰ أنقاض دولة الخلافة الإسلامية.. منها حركة محمد النفس الذكية بالمدينة المنورة عام 145هـ، وحركات إخوته الثلاثة: إبراهيم بالبصرة، ويحيىٰ في بلاد الديلم، وإدريس الذي فر إلىٰ المغرب ونجح في إقامة دولة الأدارسة 172 هـ، وحركة الحسين بن علي بالمدينة 169 هـ، وحركة محمد بن إبراهيم وأبي السرايا بالكوفة 199 هـ، وحركة محمد بن جعفر الصادق في مكة 200 هـ، وحركة أبي عبد الله أخي أبي السرايا بالكوفة 202 هـ، وحركة إبراهيم بن موسىٰ الكاظم باليمن 200 هـ، وحركة عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله باليمن 207 هـ، وحركة محمد بن القاسم بن عمرو بن علي زين العابدين في خراسان 219 هـ... حركات متوالية بصفة منتظمة، وكان من شأن هذه الحركات أن تزعزع وحدة العالم الإسلامي وتصرف الدولة عن مواجهة العدو الخارجي لمواجهة الفتن والقلاقل التي تثيرها هذه الانقسامات الداخلية، بل كان الخلفاء يضطرون إلىٰ إقامة دويلات مستقلة لمواجهة خطر الدويلات المنشقة.. فعل هارون الرشيد ذلك عندما زرع بنفسه دولة الأغالبة في تونس؛ ليصدوا خطر دولة الأدارسة التي انشقت علىٰ سلطة الخلافة في المغرب، وفي بعض مراحل ضعف الخلافة عجزت عن مواجهة الدويلات الشيعية التي ظهرت في الأطراف، كما حدث لبعض الشيعة الإسماعيلية الذين فروا إلىٰ تونس ونجحوا في إقامة «الدولة الفاطمية العبيدية» التي لم تلبث أن زحفت علىٰ مصر واتخذت منها قاعدة للخلافة الفاطمية.

بروتوكولات الخميني والحزام الشيعي.. !!:

(شهادة بني صدر رئيس حكومة إيران الأسبق.. ) ( ).

الحلم الإمبراطوري الفارسي هو إقامة الإمبراطورية الشيعية الكبرىٰ التي تمتد من باكستان شرقًا إلىٰ سوريا ولبنان غربًا، وتضم إمارات الخليج، وتبسط نفوذها علىٰ أرض الحرمين، واليمن وعمان، ثم تقف في خط المواجهة الصارمة مع مصر، قلب العالم السني، وأكبر وحداته البشرية والسياسية والحضارية.. الحلم الإمبراطوري، هو قدس الأقداس في الشخصية الإيرانية، وهو المحرك الأساسي لها؛ سواء كانت شخصية آية الله الخوميني، أو محمد رضا بهلوي، أو إسماعيل الصفوي، أو كسرىٰ، أو قمبيز، أو دارا، فكل من هؤلاء حمل في باطنه عقدة الحلم الإمبراطوري، وسعىٰ إلىٰ تحقيقه بقدر ما سمحت به الظروف، وكل الحكام الذين سوف يجلسون علىٰ عرش الطاووس سيطالبون باستعادة مجد الإمبراطورية التي أقامها «قورش» العظيم في القرن السادس قبل الميلاد، وسيطرت علىٰ كل البلاد المجاورة لها، حتىٰ امتد نفوذها إلىٰ الصين.

تشهد بذلك الاحتفالات الأسطورية التي أقامها الشاه محمد رضا بهلوي في مطلع السبعينيات؛ إحياءً لذكرىٰ «قورش».. ودعا إليها المشاهير من الملوك والرؤساء والأمراء والأدباء والفنانين، وأقام لهم مدينة من الخيام الشاهانية ليعيشوا عصر «قورش»، وقدم لهم من أشكال الفنون والأطعمة الفارسية القديمة ما يخلب الألباب، ثم طالبهم في النهاية بأن يركعوا أمام صنم يمثل «قورش» العظيم، وكان هذا الاحتفال إيذانًا ببدء عصر التوسع الإيراني علىٰ حساب الأرض العربية، والذي تمثل في استيلاء القوات الشاهانية علىٰ ثلاث جزر عربية في الخليج بعد 24 ساعة من انسحاب القوات البريطانية منها، وكانت صدمة للعرب قابلوها - كعادتهم - بالاحتجاج والشجب، وبعد رحيل الشاه وقدوم آيات الله تصور العرب - بطيبتهم المعروفة - أن آيات الله لن يقبلوا هذه السرقة العلنية وسيعيدوا الحق المسلوب إلىٰ أهله، ولكن أثبت آيات الله أنهم لا يقلون عن سلفهم رغبة في السطو، واعتبروا الجزر الثلاث مجرد لقمة مؤقتة انتظارًا للوليمة الكبرىٰ حين يضعون أيديهم علىٰ الساحل الغربي من الخليج، وساروا في نفس الخطة التي بدأها الشاه في العدوان والتوسع داخل الأراضي العربية، وأعرض آيات الله عن الآمال التي كانت تراود قلوب العرب في قيام شكل جديد من العلاقات في ظل الحكم الإسلامي الجديد، وخيب الحكام الجدد الظنون فيهم، وجاوزوا خطة الشاه في العدوان السافر، وكانوا أكثر منه جرأة واستجابة لعقدة التوسع التي تتحكم في الشخصية الإيرانية.

المشروع - الحلم - الذي كان يراود «آية الله الخميني» هو إقامة حزام «شيعي» يتألف من إيران والعراق وسوريا ولبنان، يُمكِّنه من السيطرة علىٰ ضفتي العالم الإسلامي، ثم استخدام النفط وموقع الخليج العربي لاستكمال هذه السيطرة حسب ما ذكره «أبو الحسن بني صدر» أول رئيس لإيران بعد الثورة الخمينية، في حواره أوائل ديسمبر عام 2000مع قناة الجزيرة.

وضَعَ الخميني بروتوكولات محددة لضمان تنفيذ مشروعه، علىٰ المدىٰ الطويل، تستند علىٰ محورين رئيسيين: 

أولهما: حصار نطاق أمن مصر القومي لتحجيم دورها كقلعة للمسلمين السنّة وكأكبر قوة عربية.

وثانيهما: اكتساب التأييد الأمريكي والإسرائيلي، كحليفين علىٰ عدو مشترك هو العرب عموما سُنّة أو شيعة! واستخدام بروتوكول «فوبيا»؛ نشر المذهب الشيعي بين العرب «السُنّة» كستار يشغلهم عن الهدف السياسي الذي وضعه «الخميني» في مشروعه.

قال بني صدر: كان الخميني مقتنعًا بأن الأمريكيين سيسمحون له بتنفيذ حلمه، ولكن قلت له: إن الأمريكيين يخدعونك، ورغم نصائحي له ونصائح ياسر عرفات الزعيم الفلسطيني الذي جاء يحذره من نوايا الأمريكيين فإنه لم يكن يريد الاقتناع.. عبارة بني صدر للخميني «إن الأمريكيين يخدعونك» يُفهَم منها أن المشروع الإيراني كان معلومًا للأمريكيين وتم إقراره بالفعل من حيث المبدأ، وأن المفاوضات تجري حول ضمانات تنفيذه، وتتم بعلم «بني صدر» تحت رعاية «الخميني» وباطلاع شخصيات عربية، علىٰ نوايا الأمريكيين»!

بروتوكول الخميني - إسرائيل:

إذن فالمشروع الحلم لن يتحقق إلا بتقديم ضمانات تكفل الحصول علىٰ موافقة الإدارة الأمريكية بصورة كاملة؛ أهمها طمأنتها باستمرار علىٰ التعاون مع إسرائيل، كما كان عليه في عهد «الشاه» قبل «الثورة»..

إيران الشاه كان لها نفس الأطماع السياسية إلا أنها لم تسع لتحقيقها عن طريق الزعم بمسئوليتها أمام الله تعالىٰ عن نشر مذهب عقائدي أو أنها نموذج يُحتذىٰ به لما يجب أن تكون عليه الدولة الإسلامية الراشدة، لذلك لم يكن لها نفوذ إقليمي يُذكر علىٰ المستوىٰ الجماهيري، وبالتالي فلم يكن لها دور محوري فعّال في المنطقة يمكن استغلاله كآلية جيدة لصالح المشروع «الأمريكي - الإسرائيلي» ويضطر الأمريكيون إلىٰ استمرار دعمها، لذلك توقف دورها عند مرحلة الحليف القوي لأمريكا في مواجهة دوائر الحكم الإقليمية دون أن يكون لها أي تأثير ملموس علىٰ رجل الشارع العربي، علىٰ عكس «إيران الملالي» وبروتوكولها شديد الذكاء الذي ادعت من خلاله أنها «ثورة إسلامية» لدغدغة عواطف «الطيبين» في الدول العربية تحديدًا، وبالتالي الحصول علىٰ تعاطفهم وتأييدهم الجماهيري الضاغط كمرحلة أولىٰ، يليها دعم الحركات غير الشرعية، داخل هذه الدول لضمان ولائها «للملالي» ومن ثم تكرار تجربة الثورة الإيرانية في بلادهم أو علىٰ الأقل إثارة القلاقل فيها، تحت رعاية «الأب الروحي الإيراني»، حتىٰ لو كان هؤلاء المتعاطفون المدعومون من المسلمين السُّنّة! وبالتالي ينجح البروتوكول الشيطاني في جعل المشروع «الأمريكي - الإسرائيلي» هو الأشد حاجة والأكثر إلحاحًا وحرصًا علىٰ التحالف مع مشروع «إيران الملالي»، وهذا ربما يكون أحد المبررات الرئيسية، غير المعلنة، التي دفعت بالأمريكيين للتخلي عن رَجُلِهم «الشاه» بسهولة واستبدلوا به «الخميني» وثورته التي رُوج لها كثورة إسلامية، رغم ما يفترض من أن نجاح «الخميني»، لو تم رغم إرادتهم، فإنما يعني تصدير ثورته وكذلك مصطلحه «إن أمريكا هي الشيطان الأكبر» إلىٰ دول الجوار «المعتدلة» حتىٰ ولو بدون دعم، فالثورات دائمًا ما تكون مادة جيدة التوصيل بين الشعوب التي لها نفس الواقع والظروف؛ خاصة لو كانت ثورات دينية حقيقية.

في الحوار نفسه، كشف «بني صدر» أيضًا كيف وضع «الخميني» بنفسه أسس البروتوكول التعاوني مع إسرائيل قائلًا: «في اجتماع للمجلس العسكري أخبرنا وزير الدفاع أننا بصدد شراء أسلحة من إسرائيل، عجبنًا كيف يُعْقل ذلك؟! سألته: من سمح لك بذلك؟ فأجابني: الإمام الخميني، قلت: هذا مستحيل!! قال: إنني لا أجرؤ علىٰ عمل ذلك وحدي، سارعت للقاء الخميني، وسألته: هل سمحت بذلك؟ أجابني: نعم فالإسلام يسمح بذلك، وأضاف قائلًا: إن الحرب هي الحرب، صُعِقْتُ لذلك! صحيح أن الحرب هي الحرب، ولكن أعتقد أن حربنا نظيفة، الجهاد هو أن تقنع الآخرين بوقف الحرب، والتوق إلىٰ السلام، نعم، وهذا الذي يجب عمله وليس الذهاب إلىٰ إسرائيل وشراء سلاح منها لمحاربة العرب، لا، لن أرضىٰ بذلك أبدًا، حينها قال لي: إنك ضد الحرب وكان عليك أن تقودها؛ لأنك في موقع الرئاسة» ( ).

ولا غرابة في ذلك إذ كانت دولة إيران من أوائل الدول التي اعترفت بالكيان اليهودي سنة 1948م بقيادة القادة الشيعيين من ملوك إيران! والوضع لم يتغير بعد قيام الثورة «الإسلامية».

الجزء الخطابي الأخير من كلام «بني صدر» الذي تولىٰ رئاسة إيران لمدة 17 شهرًا منذ اندلاع الثورة وحتىٰ إقالته في أواخر مايو 1981م، ربما أراد منه غسل يديه من بروتوكول «الخميني - إسرائيل» لمجرد تحسين صورته أمام «بعض» الدوائر الرسمية العربية الغنية، بعد خروجه من السلطة وتحوله إلىٰ معارض لنظام «الملالي»، إذ ليس من المنطقي أنه لم يكن علىٰ دراية، مثلًا، أن إيران اشترت في عهده من الإسرائيليين إطارات لطائراتها من طراز F4، F5 في بداية حربها مع العراق (1980 - 1988)! استمر بروتوكول التعاون الإيراني الإسرائيلي، وحتىٰ الآن، وظهر في أكثر من موقف، مثل قضية «إيران - كونترا» الشهيرة، وهي الخطة التي باعت بمقتضاها إدارة الرئيس الأمريكي «رونالد ريجان» بواسطة نائبه «جورج بوش الأب» صواريخ مضادة للدروع إلىٰ إيران عن طريق إسرائيل تحت زعم إطلاق سراح خمسة من الأمريكيين المحتجزين في لبنان»!! «ثم استعمال عائد الصفقة في تمويل حركات «الكونترا» المناوئة للنظام الشيوعي في «نيكاراجوا»؛ بعيدًا عن رقابة الكونجرس، الذي صنف «إيران الملالي» أمام الرأي العام الأمريكي كدولة عدوة لا يجب التعامل معها، كذلك شراء إيران لصواريخ أخرىٰ من الإسرائيليين عام 1986، وغير ذلك الكثير الذي دفع بـ«بنيامين نتنياهو» رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد ذلك (1996 - 1999) إلىٰ إصدار أمره بعدم الإعلان عن أي تعاون سابق أو لاحق بين إسرائيل وإيران، وذلك حتىٰ يمنع «ناحوم منبار»، المتهم بتصدير كيماويات خاصة إلىٰ إيران في تلك الفترة، من الحصول علىٰ معلومات خطيرة عن صفقات الصواريخ والأسلحة، وذلك بعد أن حاول محاموه السعي لإثبات أن «منبار» هذا ليس هو الإسرائيلي الوحيد الذي يبيع السلاح لإيران، وأن هناك شبكة علاقات واسعة لإسرائيل «الرسمية» معها، وربما أراد «نيتنياهو» بقراره هذا حماية سرية بنود التعاون مع إيران، لأن كشفها سينسف كل البروتوكولات المتفق عليها سابقًا، وسيفضح محاولات «إيران الرسمية» المستمرة لارتداء مسوح «الأب الروحي» الداعم للثورات الإسلامية أمام الشعوب العربية، وسيهدم تبنيها لشعار «إزالة إسرائيل من علىٰ الخريطة» الذي لا يعدو عن كونه بروتوكولًا شيطانيًّا آخر لخداع البسطاء العرب، تحت زعم معاداة إسرائيل، لتستطيع من خلاله تحقيق مشروعها الحلم!

هذا التوجه نفسه يظهر بجلاء في بعض الدراسات والتصريحات الإسرائيلية المعنية، منها ما قاله «افرايم كام»، الباحث في مركز «جافي» للدراسات الإستراتيجية في جامعة تل أبيب «إن إيران لا تعتبر إسرائيل العدو الأول لها ولا حتىٰ الأكثر أهمية من بين أعدائها» والمعنىٰ نفس قاله «زيو مائور» الباحث بمعهد «أوميدا» الإسرائيلي في بحثه تحت عنوان «إيران بحاجة إلىٰ إسرائيل» جاء فيه: 

«إن إيران لا تشكل أي خطر علىٰ إسرائيل ولا تريد تدميرها، بل هي في حاجة إليها وتعتبرها مكسبًا إستراتيجيًا مهمًّا حتىٰ تظل قوة عظمىٰ في المنطقة»، وتصريح آخر «لديفيد ليفي» وزير خارجية إسرائيل الأسبق لجريدة «هاآرتس» الإسرائيلية عدد 1/6/1997 قال فيه: 

«إن إسرائيل لم تقل في يوم من الأيام إن إيران هي العدو»، وفي صحيفة «معاريف» الإسرائيلية عدد 23 /9/1997م يقول الصحفي «أوري شمحوني»: 

«إن إيران دولة إقليمية ولنا الكثير من المصالح الإستراتيجية معها، فإيران تؤثر علىٰ مجريات الأحداث وبالتأكيد علىٰ ما سيجري في المستقبل، إن التهديد الجاثم علىٰ إيران لا يأتيها من ناحيتنا، بل من الدول العربية المجاورة فإسرائيل لم ولن تكون أبدًا عدوًّا لإيران». وعن جريدة «لوس أنجلوس تايمز» نقلت جريدة الأنباء العدد 7931 مقالًا للصحفي الإسرائيلي «يوسىٰ مليمان» قال فيه: 

«في كل الأحوال فإنه من غير المحتمل أن تقوم إسرائيل بهجوم علىٰ المفاعلات الإيرانية فقد أكد عدد كبير من الخبراء تشكيكهم بأن إيران - بالرغم من حملاتها الكلامية - تعتبر إسرائيل عدوًّا لها، وأن الشيء الأكثر احتمالًا هو أن الرؤوس النووية الإيرانية موجهة للعرب».

كما جاء في مذكرات «أرييل شارون»( ) يقول: «لم أرَ يومًا في الشيعة أعداء لإسرائيل علىٰ المدىٰ البعيد»، هذا بصرف النظر عن جدية رأيه أو كونه يدق «إسفينًا» لصب الزيت علىٰ نيران الفتنة المذهبية الإسلامية التي «تصقل وتضيء» مستقبل إسرائيل القوية بضعف الآخرين، طبقًا لبروتوكولات «حكماء صهيون هذه المرة»!

وعلىٰ الجانب الآخر من «مزاد» الغزل غير العفيف، وفي تصريح «لإسفنديار مشائي» نائب الرئيس الإيراني «نجاد» نقلته صحيفة «اعتماد» ووكالة أنباء «فارس» الإيرانيتان في 20/7/2008م يقول: 

«إن إيران اليوم هي صديقة الشعب الأمريكي والشعب الإسرائيلي». وهو التصريح الذي انتقدته الدوائر المقربة من «المحافظين» الإيرانيين بشدة، ليس لأن إسرائيل تحديدًا هي من نعلم، ولكن لأنهم يرون أن شعبية الرئيس «نجاد» في العالمين العربي والإسلامي مبنية علىٰ مهاجمة إسرائيل والتشكيك بالمحرقة وليس علىٰ صداقتها!

في كتاب للدكتور «تريتا بارسي» أستاذ العلاقات الدولية في جامعة «جون هوبكينز» الأمريكية، ورئيس المجلس القومي الإيراني - الأمريكي، عنوانه:

 Treacherous Alliance: the Secret Dealing of Israel، Iran and the U. S. 

«التحالف الغادر: التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران وأمريكا» كشف فيه عن الكثير من الوثائق والمعلومات التي تؤكد وجود تحالف شيطاني بين المشروعين الأمريكي والإيراني، اتضحت أبعاده في عملية غزو العراق بحيث يستفيد المشروع الأمريكي من البترول ويقترب المشروع الإيراني من تحقيق المرحلة الأولىٰ من حلمه في السيطرة علىٰ منطقته الإقليمية، ويكشف كذلك عن أن الإيرانيين وجدوا فرصة ذهبية أخرىٰ لكسب الدعم الأمريكي، خلاف تعاونهم مع إسرائيل، وذلك عن طريق تقديم مساعدة أكبر وأهم للأمريكيين في غزوهم للعراق عام 2003م، فقدموا وقتها عرضًا احتوىٰ علىٰ مجموعة مثيرة من التنازلات السياسية في عدد من المواضيع الحساسة منها: برنامجهم النووي، محاربة القاعدة، والتفاوض علىٰ أسلحة الدمار الشامل والإرهاب والأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي كما ورد في الكتاب.

ما طلبته إيران مقابل هذه التنازلات، حسب ما ذكره مؤلف الكتاب ولخصه في عدة نقاط أهمها: 

إلغاء تصنيف إيران كدولة داعمة للإرهاب، ورفع العقوبات الاقتصادية والتجارية عنها، والإفراج عن أموالها المجمدة في البنوك الغربية، وعدم دعم حركة مجاهدي خلق المعادية لنظام الملالي، واحترام مصالحها الدينية في العراق، والسماح بوصولها إلىٰ الطاقة النووية السلمية والحصول علىٰ التكنولوجيا البيولوجية والكيماوية. ولكن الأخطر من كل ما سبق كان مطلب إيران الحصول علىٰ إقرار واعتراف أميركي بها كقوة إقليمية في المنطقة، وهو ما يعني أن تصبح إيران صاحبة اليد العليا في الخليج وهو ما رفضه الأمريكيون الذين رأوا أن إيران ساوت نفسها بالولايات المتحدة، الأمر الذي ما كان يتم قبوله للاتحاد السوفياتي «الراحل» فكيف بإيران! وهو ما حال دون إتمام الصفقة، حسب رأي المؤلف الذي يمكننا تلخيصه في أن هناك حالة من «العداء» مع أمريكا دفعت الإيرانيين إلىٰ تقديم هذا العرض! هذا ما أورده الكتاب إلىٰ جانب كتب أخرىٰ لا تقل أهمية؛ تحدثت عن العلاقات الإيرانية الأمريكية ولكن من منظور آخر، منها: كتاب «الصداقة المُرّة في أحضان الأعداء» للصحفية الأمريكية باربارا سليفن»

Bitter Friends، Bosom Enemies: Iran، the U. S. and the Twisted Path to Confrontation

وهو كتاب لا يقل أهمية عن غيره.

الأمريكيون رفضوا إتمام هذه الصفقة، لأسباب أخرىٰ غير التي أشار إليها الكتاب: 

أولها: الحرص علىٰ سرية العلاقة مع الحليف الإيراني حتىٰ يستمر تأثيره «الديماجوجي» الفعال من خلال تبنيه لعملية «التغييب»، والنُّصْرَة الدينية المزيفة التي يمارسها علىٰ العقل العربي بدعوىٰ الثورة الإسلامية والعداء لإسرائيل وتحدي أمريكا.. إلخ، وبالتالي يصبح هذا الحليف في وضع مميز يسمح بتمرير أي توجهات أو أيديولوجيات أمريكية إلىٰ عقل العربي «الغافل» من خلاله في الوقت الذي يدور فيه وراء الكواليس أمور أخرىٰ تختلف كليًّا عن ذلك، هذه واحدة.

وثانيها: وهو الأهم - وإن صُنِّف تحت باب مناورات الذئاب - وهو عدم السماح لإيران بالسيطرة علىٰ بترول الخليج بسهولة ويسر؛ لأن أمريكا تعلم يقينًا أن هذه السيطرة ستأتي مع الأيام رغمًا عنها لا ريب في ذلك، وأنها مسألة وقت لا أكثر؛ لأن حكمة الله تعالىٰ وضعت خزانات البترول الخليجية في المناطق ذات الكثافة السكانية «الشيعية» الكبيرة والمتزايدة والتي من البدهي أن ولاءها بالدرجة الأولىٰ سيكون للأب الروحي في «قم» الإيرانية قبل مواطنها الأصلية دون أدنىٰ شك.

هذا التصور يوضح عمق الإستراتيجيات الأمريكية وحُسن قراءتها لمستقبل المنطقة وقواها الإقليمية وكيفية توظيفها الجيد لخدمة هذه الإستراتيجيات مهما كانت التضحيات، علىٰ عكس الصورة السطحية الاستخفافية التي يخدعنا بها البعض عن غباء الأمريكيين وانجرارهم إلىٰ مستنقعات الاحتلال الموحلة بسبب افتقارهم للتخطيط! وخطأهم في تقدير قوة «الأشاوس» المحتَلين أو بني جلدتهم المجاورين!

لذلك وُضِعت الخطط والاتفاقات منذ عهد «الخميني» وربما قبل أن يقوم بثورته؛ لاحتواء عنفوان هذا الحليف الإيراني الفَتِيّ المتنامي القوة، صاحب السيطرة علىٰ البترول في المستقبل القريب، وذلك بطرق تضمن مصالح الغرب حاليًا ومستقبلًا، وتضمن كذلك تحويل هذا الحليف الصاعد إلىٰ حارس من نوع خاص جدًّا يحمي مصالح السيد الأمريكي في الخليج؛ حارس له دور محدد ومرسوم بدقة متناهية لا تستطيع أن تقوم به إسرائيل، ولا يُوثَق أبدًا في إسناده إلىٰ أي دولة عربية؛ مهما كانت قوتها أو حتىٰ، عفوًا، درجة «انبطاحها»، وذلك ببساطة لأن أمريكا بعيدة النظر، الباحثة عن مصالحها في المقام الأول، لن تراهن يومًا ما علىٰ دول تفتقد الثوابت السياسية وتتنقل نُظمها الحاكمة بين القومية والليبرالية والاشتراكية والديمقراطية والرأسمالية.. وهو ما قد يجوز اختصاره في عبارة «الشرق الأوسط الجديد» أو إعادة تقسيم المقسم أصلًا باتفاقية «سايكس بيكو» من قبل، مع بقاء محور «إسرائيل - إيران» عسكريًّا واقتصاديًّا لضبط إيقاع النبض العربي، والآسيوي خاصة الإسلامي؛ ليظل الجميع يسبِّح ويقدس صباح مساء بحمد العم «سام»!! وإلا لماذا تغاضت أمريكا عن الاحتلال الإيراني «الإسلامي الثوري» لجُزر «طنب» الإماراتية بما لها من أهمية إستراتيجية في تهديد خطوط ملاحة ناقلات البترول؛ إلا إذا كان لهذا الاحتلال دور مفيد لأمريكا! ولماذا لم تضغط الإمارات لتحرير هذه الجزر علىٰ غرار حرب تحرير الكويت!

وهناك سبب يتمثل في مسألة استيعاب الأمريكيين لتجربة الملك فيصل أثناء حرب أكتوبر 1973م وتزعمّه لعملية منع البترول العربي، عدا بترول العراق وليبيا والجزائر، عن الدول المتعاونة مع إسرائيل في الوقت الذي كانت البحرية المصرية في باب المندب تمنع ناقلات «إيران الشاه» من الوصول بإمداداتها البترولية إليها، ومقولته الشهيرة «لهنري كيسينجر» وزير الخارجية الأمريكي وقتها: 

«نحن كنا ولا نزال بدوًا، وكنا نعيش في الخيام، وغذاؤنا التمر والماء فقط، ونحن مستعدون للعودة إلىٰ ما كنا عليه، أما أنتم الغربيون، فهل تستطيعون أن تعيشوا بدون النفط؟» في إشارة واضحة إلىٰ استعداده لردم آبار البترول العربية لصالح كرامة العرب والعروبة، وقتها أصبح «الفيصل» قوة إقليمية عظمىٰ مؤثرة يمكنها تهديد المصالح الغربية في المنطقة وليس في بلاده فقط. كذلك استيعاب الأمريكيين أيضًا لتجربة «الشاه محمد رضا بهلوي» وتجربة «الرئيس صدام حسين»، ورغبة كل منهما في الهيمنة علىٰ بترول الخليج وتحويل بلده إلىٰ قوة بترولية تستطيع لَيَّ ذراع الدول العظمىٰ الصناعية لأسباب مختلفة عند كل من الزعيمين، لذلك تخلص الأمريكيون منهما معًا لصالح نظام الملالي في الحالتين، بدون مصادفة! وكخطوة أُولىٰ علىٰ طريق تحقيق مشروع «الخميني» بالتعاون الأمريكي لإنشاء «الهلال الشيعي» بدلًا من «الهلال الخصيب»؛ تمهيدًا لضم الجزيرة العربية ومصر وشمال إفريقيا للمشروع، وهو بالمناسبة ما ظهر مؤخرًا في الدعوة الغير مفهومة التي أطلقها القائد الليبي معمر القذافي لإحياء الدولة الفاطمية الشيعية من جديد!

مكاسب تحققت من التحالف الإيراني السري مع أمريكا:

- تسهيل الغزو الأمريكي لأفغانستان، السُّنّية، والذي لم يكن ليتحقق مطلقًا بغير الدعم الإيراني، (راجع خريطة المنطقة)، أو بدون فتح المجال الجوي الإيراني أمام المقاتلات الأمريكية والدعم اللوجيستي المحمول جوًّا والصواريخ التي تطلق من حاملات الطائرات المتمركزة في الخليج العربي عبر نفس المجال الجوي الإيراني لتدك جبال «تورابورا» وغيرها من المدن الأفغانية لما يقرب من ثلاثة شهور متصلة، حتىٰ انتهت أفغانستان ومقوماتها وبنيتها التحتية كدولة، وانتهت كذلك معها «حدوتة طالبان» التي كانت تقُضّ مضاجع إيران «الرسمية» ليل نهار بتشددها السُنّي.

- كانت فيما قدمه نظام الملالي إلىٰ الأمريكيين من دعم وخدمات جليلة مكنتهم من احتلال العراق في 2003م، وتسلمه منهم بعدها، منها الدور المحوري الشديد الخطورة الذي قام به «فيلق بدر» العراقي الشيعي المتشدد، الذي تشكل سنة 1980 كمخلب لإيران داخل العراق ثم أصبح جزءًا من الحرس الثوري الإيراني! حيث كان دوره حماية قوات المارينز الأمريكية القادمة من الكويت لاحتلال العراق وكذلك خطوط دعمها اللوجيستي بعد ذلك من عمليات المقاومة العراقية، وتأمينه لمنطقة «البصرة»، ذات الأغلبية الشيعية، وهو ما لخصه تصريح «محمد أبطحي» مدير مكتب الرئيس الإيراني وقتها قائلًا «لولا الدعم الإيراني لأمريكا لما استطاعت أن تحتل أفغانستان ثم العراق»!!

إذًا، وفي الحالتين؛ أفغانستان والعراق، يمكننا القول إن ما حدث كان تنسيقًا بين قوىٰ حليفة بالفعل ولم يكن أبدًا مجرد التقاء مصالح ينتهي بانتهاء تحقيق هدف وقتي محدد، إذ لم يكن الإيرانيون، بطبيعتهم التفاوضية البارعة، ليفعلوا ذلك دون الاتفاق علىٰ المقابل المرضي السَّخي؛ خاصة وهم المشهورون بصناعة السجادة الفاخرة في ساعة، بينما يمكنهم التفاوض حول سعرها لسنة كاملة دون كلل!! وأيضًا لم يكن الأمريكيون ليُقدِموا أو يجرؤوا علىٰ خطوة غزو أفغانستان أو العراق قبل التنسيق الكامل مع «الشريك» الإيراني، وسرًّا، في الوقت الذي أظهروا فيه أمام العالم العربي أن حليفهم الأول في احتلال العراق هم الحكام العرب! كما سبق وأظهروا أمام العالم الإسلامي أن حليفهم لاحتلال أفغانستان هو الرئيس الباكستاني وقتها «برويز مشرف»، الذي لم يع وقاحة الدروس الأمريكية، ولم ينتبه إلىٰ ما يهدد مستقبله السياسي كراع لأول قنبلة نووية إسلامية، إن لم يكن يهدد مستقبل حياته كلها!

الفصل الرابع

عداء إيران لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية

حقيقة أم شعار؟!

حقيقة ما يجري من تجاذبات!!:

يرىٰ الكثيرون أن العلاقة بين جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية تخضع لتجاذبات مختلفة وعوامل متعددة.. هنالك أقوال ومواقف متباينة تصدر من كل طرف تجاه الآخر. ولكن لإيران مشروعها الخاص ولـ «الولايات المتحدة الأمريكية» مشروعها الخاص، ولكل منهما أجندته الإقليمية والدولية، ووفقا لذلك فإن العلاقة بين هذين الطرفين تقوم علىٰ مدىٰ التقارب بين أهداف مشروعيهما واتفاق الأجندة التي يرغبون في تشكيلها. وإن كان مجال التقارب هذا تجاه السُّنَّة والعرب يأخذ الحيز الأكبر، كما أن المذهب الشيعي أقرب للتعايش مع الغرب المسيحي واليهودي من المذهب السني، الذي كان ولا يزال عصيًّا!

قبل الثورة الإيرانية كان الشاه محمد رضا بهلوي ونظامه في إيران أداة طيعة للولايات المتحدة الأمريكية وشُرطيًّا لها في المنطقة، ولم تكن ثورة الخميني «الإسلامية»! في الحقيقة طاهرة من دنس هذه العلاقة مع واشنطن وإن كانت في السر.. بعد فوز ريجان في انتخابات الرئاسة، استمرت الولايات المتحدة في تزويد الجيش الإيراني بالسلاح وقِطَع الغيار والعتاد.. وفي مارس - أبريل 1981م، نقلت الطائرات من إسرائيل إلىٰ إيران قطع غيار طائرات «إف - 14» المقاتلة ومعدات عسكرية أخرىٰ. وعبر إسرائيل، اشترت إيران في عام 1983م صواريخ أرض - أرض من طراز «لاتس»!

كانت واشنطن علىٰ علاقة سابقة مع قيادة الثورة «الإسلامية»! التي قادها الخميني، فقد نشرت مجلة تايمز الأمريكية في 5/3/1979م تصريحًا للرئيس كارتر رد فيه علىٰ معارضيه، قال فيه: «إن الذين يطلبون من الولايات المتحدة أن تتدخل بشكل مباشر لوقف الأحداث مخطئون ولا يعرفون الحقائق القائمة في إيران!! لقد سبق أن أجرينا اتصالات مع أبرز زعمائها منذ بعض الوقت»!( ).

هذا الاتصال ضمن لواشنطن بقاء مصالحها التي عبَّر عنها هارولد ساوندرز - مساعد وزير الخارجية الأمريكية الأسبق - في تقرير ألقاه أمام لجنة شؤون الشرق الأوسط، بقوله: «إن المصالح الأمريكية في إيران لم تتغير، ولنا مصلحة قوية في أن تبقىٰ إيران دولة حرة مستقرة ومستقلة»!( ).

وفي حديث لوزير الدفاع الأمريكي براون حينها وصف حكومة بازركان - أول رئيس وزراء في عهد الخميني - بأنها متعاونة جدًّا وباستطاعة الأمريكان أن يقيموا معها علاقات ودية! وفي تصريح مهم للراديو الحكومي قال بازركان: «إن جوهر الوجود الإيراني كدولة قد تولد من اتصالنا مع الغرب!! وإنه لما يتنافىٰ مع المبادئ الإسلامية تدمير كل ما هو أجنبي»! بل سبق أن صرح آية الله روحاني، الذي كان ممثلًا للخميني في واشنطن، عندما كان الأخير في فرنسا، بالقول: «أنا مقتنع بأن أمريكا أعطتنا الضوء الأخضر»!( ).

إيران جيت:

هذه العلاقة ظلت مستمرة حتىٰ في أجواء الحرب العراقية الإيرانية، ففي عام 1986م، قام مستشار الأمن القومي الأمريكي «بَدْ مكفارلن» بزيارة سرية لطهران، وحضر والوفد المرافق له علىٰ متن طائرة تحمل معدات عسكرية لإيران، وكان الكشف عن هذه الزيارة هو ما أثار القضية التي عرفت وقتها بـ«إيران غيت» والتي قام الأمريكان - بتعاون ومباركة يهودية - بتزويد إيران بأسلحة في وقت كانت تقوم فيه علىٰ حماية الخليج العربي من الزحف الإيراني الإرهابي!!( ).

وفي غمرة الاحتفالات بالذكرىٰ العشرين للثورة قال آية الله حسين علي منتظري: إن خيار القطيعة بين إيران والولايات المتحدة منذ انتصار الثورة وضع مؤقت قابل للتغيير وفقًا للظروف السياسية والاقتصادية! إن العلاقة مع أمريكا تحددها مصالح البلاد! لا بدَّ من مراجعة للسياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة في شكل عملي، وعلىٰ يد أصحاب الخبرة والاختصاص، وإذا توصلوا إلىٰ وجود مصلحة في التطبيع ما عليهم إلا أن يبادروا إلىٰ ذلك من دون تردد( ).

وفي مقال لتوماس فريدمان، في صحيفة هيرالد تربيون 30/3/1995م، ذكر أنه حتىٰ هذا العام كانت أمريكا هي الشريك التجاري الأول لإيران!! وأن الصادرات الأمريكية إلىٰ إيران زادت عشر مرات منذ عام 1979م( ).

أما وزيرة الخارجية الأمريكية الصهيونية مادلين أولبرايت فقد صرحت في 21/1/1999م بالقول: «فكرنا كثيرًا في شأن كيفية التعامل مع إيران؛ لأن من المهم ألا يُعزل إلىٰ ما لا نهاية بلد بهذا الحجم والأهمية والموقع»!! وكانت أولبرايت قد أوصت الرئيس كلينتون، في 25/11/1998م، برفع اسم إيران من القائمة الأمريكية للدول الرئيسة المنتجة للمخدرات، وذلك في خطوة إيجابية تجاه هذا البلد( ). ولم يتأخر الرئيس كلينتون في الاستجابة، فكان أنْ أصدر قرارًا برفع اسم إيران من القائمة بتاريخ 8/12/1998م( ).

ويقول السفير الأمريكي السابق لدىٰ قطر جوزيف جوجاسيان الذي عمل في الدوحة بين عامي 1985م و1989م: إن الرئيس الأمريكي سيلغي قرار حظر تعامل الشركات الأمريكية مع طهران قبل نهاية العام المقبل - 1999م. ولفت النظر إلىٰ أن كلينتون وضع علىٰ الرف قرارًا كان قد أصدره الكونغرس يمنع تعامل شركات غربية مع إيران، مشيرًا إلىٰ أن هذا القرار سينتهي تلقائيًا عام 2001م، وأعرب عن اعتقاده أنه لن يتم تجديده، وقال: إن الشركات الأمريكية ستعود قريبًا للعمل في إيران( ).

الحق أن إيران أحمدي نجاد( ) هي إيران محمد خاتمي هي إيران آية الله الخميني هي إيران الشاه، لا فرق! ولنستشهد هنا بتصريح علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام والرئيس الإيراني السابق، في 8 فبراير 2002م، في خطبته بجامعة طهران، حيث يقول: إن القوات الإيرانية قاتلت طالبان، وساهمت في دحرها، ولولا مساعدة القوات الإيرانية في قتال طالبان لغرق الأمريكيون في المستنقع الأفغاني! وتابع قائلًا: «يجب علىٰ أمريكا أن تعلم أنّه لولا الجيش الإيراني الشعبي ما استطاعت أمريكا أنْ تُسْقط طالبان»! كما صرح محمد علىٰ أبطحي، نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية سابقًا، في الإمارات العربية المتحدة في ختام أعمال مؤتمر «الخليج وتحديات المستقبل» الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية (15/1/2004م) قائلا: إنّ بلاده «قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربهم ضد أفغانستان والعراق»! وأنه «لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة»!!( ).

صرح مسئول المجلس الأعلىٰ للثورة الإسلامية محمد باقر الصدر أن مرشد الثورة الإسلامية بإيران - علىٰ خامنئي - أفتىٰ بالعمل مع المعارضة والتعاون مع الأمريكان من أجل إسقاط نظام صدام حسين، وأنه لولا هذه الفتوىٰ ما أقدم علىٰ هذه الخطوة!

وفي تقرير سري إلىٰ الخارجية البريطانية يذكر السير «هوارد جونس» - الوزير الإنجليزي المفوض في القرن الماضي - أن هناك طبقة متنفذة أخرىٰ في إيران غير البلاط الملكي والنخبة الحاكمة يجب أن تحمىٰ من قبل التاج البريطاني، وهم علماء الشيعة ومشائخهم؛ موجهًا إلىٰ استغلالهم في التأثير علىٰ عامة الشيعة. والشيء ذاته يشير إليه وزير خارجية بريطانيا، في جلسة سرية في السفارة البريطانية في طهران في11 أكتوبر 1914م، حيث يشير إلىٰ أن أقوىٰ جهاز متنفذ في إيران هو طبقة رجال الدين الشيعة، معبرًا عن ثقة حكومته فيهم( ).

يقول المفكر الشيعي محمد حسين فضل الله: 

«الخطوط السياسية في إيران لا تمنع من علاقات مع أمريكا، ولكن مسألة التجاذب والجدية بين أمريكا وإيران هي مسألة الشروط، إذ تعمل إيران علىٰ أن تحافظ علىٰ موقعها وعنفوانها واستقلالها بينما تريد أمريكا إخضاع إيران علىٰ الطريقة التي تخضع بها الدول الأخرىٰ. وأعتقد أن القضية لا بد أن تصل إلىٰ نقطة التوازن، لأن أمريكا وحسب رصدي للطريقة الأمريكية السياسية، التي تدير بها أمريكا المواجهة ضد إيران، أي طريقة العصا والجزرة، توحي أن أمريكا تفكر ولو في المستقبل البعيد في أن تحرك مصالحها الاقتصادية والسياسية في الساحة الإيرانية. ومن الممكن جدًّا أن تقدم بعض التنازلات في مقابل ما تقدمه إيران من تنازلات علىٰ الطريقة الواقعية التي تقول: لا يموت الذئب ولا يفني الغنم»!( ).

يا تُرىٰ مَن الذئب ومَن الغنم في المعادلة؟ وهل ستتخلىٰ إيران نجاد عن مشروع الخميني، الذي «كان يريد إقامة حزام شيعي للسيطرة علىٰ ضفتي العالم الإسلامي، كان هذا الحزام يتألف من إيران والعراق وسوريا ولبنان، وعندما يصبح سيدًا لهذا الحزام يستخدم النفط وموقع الخليج الفارسي للسيطرة علىٰ بقية العالم الإسلامي، كان الخميني مقتنعًا بأن الأمريكيين سيسمحون له بتنفيذ ذلك.

لقد قطعت واشنطن العلاقات مع إيران في عام 1980م، وكانت ترىٰ فيها خطرًا علىٰ مصالحها في الخليج! في حين كانت الولايات المتحدة الأمريكية في ثقافة الثورة الإيرانية «الشيطان الأكبر»! هذا في العلن، أما في السر فيبدو أن إيران - رابع أكبر منتج للنفط في العالم - كانت «تتمتع» بعلاقة دافئة مع واشنطن خلال تلك الحقبة الغابرة!!

وبالرغم من أن إيران ضمن محور الشر الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش عقب الحادي عشر من سبتمبر، ورغم استمرارها في برنامجها النووي وصناعتها العسكرية للأسلحة بعيدة المدىٰ، ورغم اتهامها بأعمال إرهابية علىٰ صعيد الخارج، ورغم النظر إليها باعتبارها تهديدًا للأصدقاء؛ إلا أنها لم تتعرض لأي هجوم أمريكي! فمصلحة واشنطن تحجيم طهران وليس القضاء عليها، وذلك منذ الحرب العراقية الإيرانية!

و«الواقع أنه رغم أن إيران تصنف الولايات المتحدة علىٰ أنها «الشيطان الأكبر» الذي تنبغي مواجهته، فإن تأكيدات المواجهة لم تتعدَّ التصريحات والهتافات بالموت لأمريكا»، فقد أكد محمد خاتمي - الرئيس السابق للجمهورية - «أن إيران ليست راغبة في الحرب مع أحد، حتىٰ مع أعدائها»! ويقول العميد محمد باقر ذو القدر - نائب القائد العام لجيش حراس الثورة الإسلامية: «إننا لا نرحب بالحرب، ولكننا ندافع عن هويتنا»! الهوية! التي توصف اليوم بأنها ضد إسرائيل!!! وهذه قضية أخرىٰ! ( ).

غير أن «إيران غيت، شراء الأسلحة الأمريكية عبر إسرائيل» لم تغب عنها شمس الحقيقة! كما أن علاقة إيران الثورة مع الكيان الصهيوني لم تَدُم في الخفاء!( )، فقد صرح ديفيد ليفي - وزير الخارجية اليهودي في حكومة نتنياهو - قائلًا: 

إن إسرائيل لم تقل في يوم من الأيام إن إيران هي العدو( ). ويقول الصحفي اليهودي أوري شمحوني: إن إيران دولة إقليمية ولنا الكثير من المصالح الإستراتيجية معها، فإيران تؤثر علىٰ مجريات الأحداث وبالتأكيد علىٰ ما سيجري في المستقبل، إن التهديد الجاثم علىٰ إيران لا يأتيها من ناحيتنا بل من الدول العربية المجاورة! فإسرائيل لم تكن أبدًا ولن تكون عدوًّا لإيران!( ) كما أعلن إيتان بن تسور - مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية - عن عدم وجود خصومة بين البلدين - أي إسرائيل وإيران - فتنتفي دوافع العداء بينهما علىٰ المستويين الرسمي والشعبي!( ).

الشيء ذاته يؤكده السفير الإسرائيلي المتقاعد هانان باريمون - الذي عمل مستشارًا لرئيس بلاده عايزرا وايزمان - في اليوم الأخير من الحلقة النقاشية عن الخليج والغرب، والتي نظمها مركز مؤتمرات ويلتون بارك، يقول السفير: إيران دولة إقليمية مهمة ليس لنا معها أو مع شعبها أي خلاف أو عداء! وأن عليها أن تعمل للتكيف مع ظروف النظام العالمي الجديد!( ).

لكن إسرائيل حرصت ألا تحرج طهران أو تفضحها! فأصدرت حكومة نتنياهو أمرًا يقضي بمنع النشر عن أي تعاون عسكري أو تجاري أو زراعي بين إسرائيل وإيران، وجاء هذا المنع لتغطية فضيحة رجل الأعمال اليهودي ناحوم منبار الذي أدانته محكمة تل أبيب بالتورط في تزويد إيران بـ50 طنًّا من المواد الكيمائية لصنع غاز الخردل السام! وقد تقدم المحامي اليهودي أمنون زخروني - حينها - بطلب بالتحقيق مع جهات عسكرية واستخباراتية أخرىٰ زودت إيران بكميات كبيرة من الأسلحة أيام حرب الخليج الأولىٰ!( ) فقد قامت شركة كبرىٰ تابعة لموشيه ريجف، الذي يعمل خبير تسليح لدىٰ الجيش الإسرائيلي، ما بين 1992م - 1994م ببيع مواد ومعدات وخبرات فنية إلىٰ إيران، وقد كشفت عن هذا التعاون الاستخبارات الأمريكية بصور ووثائق تجمع بين موشيه والدكتور ماجد عباس رئيس الصواريخ والأسلحة البايولوجية بوزارة الدفاع الإيرانية( ). وقد نقلت جريدة الحياة (عدد 13070) عن كتاب «الموساد» للعميل السابق في جهاز الاستخبارات البريطانية ريتشارد توملينسون: وثائق تدين جهاز الموساد لتزويده إيران بمواد كيماوية! وذكرت الصحيفة عن صحيفة «هآرتس» أن ريتشارد توملينسون، أكد في كتابه أن جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية «الموساد» ساعد إيران علىٰ شراء عتاد كيماوي في وقت كان يقود حملة استخباراتية دولية لإحباط خطط إيران، لكن في الوقت ذاته عمل الموساد سرًّا وحده من دون علم الأطراف الأخرىٰ وبالتعاون مع الإيرانيين لعقد صفقة تهدف إلىٰ مساعدة الإيرانيين في جهودهم لإنشاء مصنع للأسلحة الكيماوية في مقابل إطلاق الطيار الإسرائيلي «رون أراد» الذي قبض عليه في لبنان بعد سقوط طائرته!( ).

«في كل الأحوال فإن من غير المحتمل أن تقوم إسرائيل بهجوم علىٰ المفاعلات الإيرانية، وقد أكد عدد كبير من الخبراء تشكيكهم بأن إيران - بالرغم من حملاتها الكلامية - تعتبر إسرائيل عدوًّا لها، وأن الشيء الأكثر احتمالًا هو أن الرؤوس النووية الإيرانية موجهة للعرب»! ( )

وإيران التي ساهمت في احتلال العراق، تعلم مؤكدًا بوجود الموساد الإسرائيلي وكافة الأجهزة الاستخبارية الأخرىٰ علىٰ أرض العراق، وتعلم أن هناك وجودًا صهيونيًّا! لا بل مشروعًا صهيونيًّا! تقوم به قوات الاحتلال الأمريكي والشركات اليهودية علىٰ أرض العراق لتمزيقه إلىٰ دويلات طائفية وعرقية! ونهب ثرواته ومقدراته! فلماذا لا تعمل علىٰ محاربة الوجود والتغلغل الإسرائيلي تحت غطاء الخبراء والضباط والجنود والشركات؟! رغم نفوذها في الأوساط الشيعية! ووجودها علىٰ الساحة من خلال عشرات الميليشيات المسلحة التي تصفي الوجود السني العربي! في حين يعلن الجعفري والبارزاني عن نيتهما لتطبيع العلاقات مع إسرائيل من خلال فتح قنصلية رسمية في أربيل شمال العراق!

وعلىٰ الرغم من تصريح كلٍّ من الجانبين بخطر التهديد الإستراتيجي الذي يمثله الطرف الآخر، وعلىٰ أعلىٰ المستويات السياسية غير أن التاريخ والواقع يثبتان أن هذا التهديد ليس إلا غطاء يحجب علاقة استراتيجية بين إيران وإسرائيل تتخلله لحظات فتور أو خلاف عابرة سرعان ما تلتئم. فقد حافظت إيران بزعامة الشاه علىٰ موقف مناصر لليهود الإسرائيليين أثناء حروب العرب ضد إسرائيل، فقد واصلت تزويد إسرائيل بالنفط في فترة الحظر النفطي الذي فرضه العرب في سبعينيات القرن الماضي. كما أنها وفرت طريق الهروب أمام يهود العراق الراغبين في الهجرة إلىٰ إسرائيل بعد عام 1948م، وكانت واحدة من أوائل الدول الإسلامية التي أقامت علاقات دبلوماسية وتجارية مع دولة إسرائيل المحتلة. كما كان اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية، ورغبة منه في استنزاف العراق ثروة وجهدًا، وراء تزويد الولايات المتحدة الأمريكية إيرانَ بالسلاح في حربها ضد العراق خلال ثمانينيات القرن الماضي، بل كانت إسرائيل وسيطًا في صفقة السلاح مقابل الرهائن التي أبرمت في عهد إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق «رونالد ريغان»!

ويبلغ عدد اليهود المهاجرين إلىٰ إسرائيل من أصل إيراني حوالي 200 ألف نسمة، وفي المقابل يبلغ عدد اليهود في إيران حوالي 25 ألف نسمة، وهي من أكبر الجاليات اليهودية في الشرق الأوسط خارج إسرائيل في الوقت الراهن( ).

يتحدث صبحي الطفيلي الأمين العام لحزب الله اللبناني: 

«اليوم هناك محاولة أمريكية لأنْ يلعب الشيعة دورًا لصالح أمريكا في المنطقة، وهناك جهات سُنية تراقب وتعتبر هذا الدور دور عمالة للكفر وجريمة ضد الإسلام، وبالتالي الشيعة يلعبون دورًا قذرًا، (حنقول) الأمور بوضوح، هذا الأمر قد يتفاقم ويصل إلىٰ درجة يصبح قتل الشيعي وقتل الأمريكي سيان عند شريحة واسعة من المسلمين، ويصبح إذا صدق الناقلون - وإن كنت أشك بذلك - أن قتل الناس في كربلاء في يوم عاشوراء أو في الكاظمية أمر من ضروريات العمل لتحرير الأمة الإسلامية من الوجود الأمريكي وهذه مصيبة!» وللخروج من هذه النتيجة يقول الطفيلي: علىٰ المسئولين الشيعة وعلىٰ رأسهم إيران أن يبعدوا أنفسهم عن القطار الأمريكي! لأن هذا القطار سيرحل في يوم من الأيام! وإذا رحل فسيكون في «أجواء أن الشيعي كان في خدمة الأمريكي»! مما قد يعرضهم للانتقام السني وقتلهم باعتبارهم عملاء للاحتلال! ويضيف الطفيلي: «من يتحمل المسؤولية؟ أليست السياسة الإيرانية؟!» ( ).

وثيقة تكشف سر التحالف الأمريكي الإيراني ومحاولات التغلغل الإيراني في المنطقة العربية:

جاء علىٰ موقع شبكة «البصرة»: في أواخر عام 2005م: 

أن المقاومة العراقية قد كشفت عن وثيقة خطيرة تفضح حجم التغلغل الإيراني في الأوساط العربية، مثل: الكتاب والصحفيين والسياسيين المحسوبين علىٰ الخط الوطني والقومي والإسلامي العربي، جاء فيها: 

«أن المهمة الأساسية في خطتنا الجديدة هي إخراج أمريكا من العراق بعد أن نجحنا في جرها إليه وحققنا هدفين كبيرين وتاريخيين: 

أولًا: القضاء علىٰ حكم الطاغية صدام إلىٰ الأبد علىٰ يد أمريكا التي صنعته، وبذلك تجنبنا التكاليف البشرية والمادية لحرب أخرىٰ مع العراق، وذلك هدف كان من بين أول الأهداف التي تبنتها جمهورية إيران الإسلامية والإمام الخميني قدس الله سره.

والهدف الثاني: كان توريط أمريكا في المستنقع العراقي من أجل منعها من الاعتداء علىٰ جمهوريتنا الإسلامية؛ أمل كل المسلمين والمستضعفين في العالم. وفي هذا الصدد يجب ألا يخجل من يدافع عن إيران من تأكيد أن تعاوننا مع أمريكا ضد الطاغية يخدم أهدافنا الإسلامية ويعزز مركز الجمهورية الإسلامية ويزيل أكبر وأخطر عقبة من طريق انتصارنا الحاسم في كل الأمة الإسلامية ونشر مذهبنا فيه وإعادة الحق إلىٰ أهله بعد حوالي 14 قرنًا علىٰ سلبه. ولأجل تعزيز موقف أصدقائنا العرب يجب تأكيد أن المعيار المعول عليه هو: أن جمهورية إيران الإسلامية هي التي تحارب أمريكا استراتيجيًّا الآن وليس تعاونها تكتيكيًّا مع أمريكا لتدمير الطاغية صدام في بداية الغزو.

أعداء الإسلام في العراق يستعدون لتوجيه ضربات لنا تدفعنا لترك العراق بعد أن نجحوا في تعبئة أقسام غير قليلة من الرأي العام العربي ضدنا، لذلك يجب أن يكون عام 2006 عام الحسم بالنسبة لنا من خلال المبادرة بتوجيه ضربات قوية لأعدائنا؛ خصوصًا في بغداد وجعلها منطلقًا لنشر سيطرتنا علىٰ العراق. وقد كلفنا الأخوة في التيار الصدري «جيش الإمام المهدي عجل الله فرجه» بالقيام بالسيطرة علىٰ بغداد وتطهيرها من النواصب بأسرع وقت ممكن.

ولأجل توفير جو مناسب لنا عربيًّا للقيام بعملية السيطرة علىٰ بغداد وعدم توفير الفرصة للتركيز علىٰ أحداث العراق القادمة أصدر المرشد الأعلىٰ السيد خامنئي أوامره «للسيد» حسن نصر الله لجعل لبنان ساحة جلب الأنظار عن طريق الاشتباك مع الكيان الصهيوني الغاصب للقدس الشريف، لضمان حشد الرأي العام العربي مع إيران ومنع مهاجمتها بسبب العراق. ولأجل ذلك وفرنا لحزب الله كل ما يحتاجه لأجل تحقيق أفضل صمود ممكن مما يضعف قدرة أعدائنا علىٰ مهاجمتنا بنجاح، ويسمح ببقاء الكثير من المثقفين العرب معنا مستندين علىٰ ما يحققه حزب الله من انتصارات ومكاسب استراتيجية، رغم الضغوط العربية الشعبية عليهم. ويجب أن نفهم بأن العراق هو منطقة معركتنا الحاسمة، وما لم نكسب المعركة فيها لن تجد جمهورية إيران الإسلامية أي فرصة أخرىٰ لنشر المذهب في العالم وتحقيق النصر. لقد عطل الطاغية صدام محاولة الثورة الإسلامية الانتشار في الثمانينيات عندما شن حربه الظالمة علينا بدعم أمريكي لذلك يجب ألا نفقد الفرصة التاريخية التي أتيحت لنا مرة أخرىٰ مما يتطلب جعل كل الطاقات الخاصة بنا في العالم العربي تخدم هدفنا الأهم وهو جعل العراق جمهورية إسلامية حليفة لجمهورية إيران الإسلامية ومساندة بقوة لها وتحت قيادة الإخوة العراقيين المساندين لنا. ويجب أن يكون واضحًا وبلا لبس أن انتصارنا في العراق هو مفتاح تحقيق أهدافنا في البلدان العربية كلها وفي الأمة الإسلامية كلها.

إن نجاحنا في العراق سوف يجعل شعبيتنا كاسحة في البلدان العربية، ويفتح الباب أمامنا لجعل الإسلام الحقيقي القوة الأساسية في العالم الإسلامي، وبالتالي يصبح للمسلمين دولة مهابة بين كبار العالم. إن الإسلام سيعود إلىٰ أصوله التي غيبتها سرقة الخلافة وسوف ننجح فيما أجهضه أعداء آل البيت قبل 14 قرنًا».

سر مهادنة الغرب لإيران!!:

يرىٰ المراقبون أن صراع أمريكا وإيران الحالي فيه الحقائق والأكاذيب والتمويهات، وأن التصعيد الإعلامي أو التهدئة ليسا مؤشرًا حقيقيًّا في الصراع الأمريكي الإيراني، فالثورة الشيعية قد تزوجت الشيطان الأكبر زواج متعة مرتين: الأولىٰ في بداية الثورة الإيرانية زمن قمة الصفاء الثوري أثناء الحرب الإيرانية العراقية، فكانت الثمرة: ولادة صفقة أسلحة عبر إسرائيل عرفت بفضيحة إيران جيت. والثانية: عبر عملاء إيران من الشيعة في تمكين أمريكا من احتلال العراق فهذا زواج قديم ومودة رغم كل الجعجعة الإعلامية. وإن الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي هو صراع سياسي علىٰ مصالح لا علىٰ مبادئ وعقائد، والاختلاف هو اختلاف المحاصصة واقتسام الغنيمة، والغنيمة هنا هي المنطقة العربية السنية. وإن الشواهد كثيرة وما تغنَّىٰ ثوار إيران بالمبادئ إلا لخداع البسطاء من المسلمين، والدليل صفقة إيران جيت في عز الثورة وسماح الخميني بنقل الآلاف من يهود إيران بالحافلات سرًّا إلىٰ باكستان، ومنها إلىٰ إسرائيل «وعندما سُئل الخميني عن مدىٰ شرعية التعامل مع إسرائيل، كان جوابه: ما دام التعامل لم يكن مباشرًا فإنني لا أبالي». وفي موضوع الهجوم علىٰ المفاعل النووي العراقي فقد تم التباحث بشأنه بين إسرائيل وإيران. «وقد وفرت إيران لإسرائيل الصور الفوتوغرافية والخرائط المفصلة وقد تم الاجتماع بين موفد إسرائيل وممثل للخميني في فرنسا قبل شهرين من ضرب المفاعل، وشرح الإيرانيون تفاصيل هجومهم غير الناجح علىٰ المفاعل العراقي في 30/9/1980م وسمحوا للطائرات الإسرائيلية بحق الهبوط في مطار تبريز في حال الضرورة، ومساعدة إيران لأمريكا في احتلال العراق وأفغانستان لا تحتاج لأدلة.

إيران تريد دورًا إقليميًّا معترَفًا به في العراق وغيره، ورغم ما قدمته لإسقاط العراق؛ إلا أن أمريكا لم تمنحها إلا القليل في العراق وبصورة غير رسمية، وقد تسحبه، فكان السلاح النووي وسيلة لترسيم نفوذها في المنطقة وتحقيق حلم مجدها الفارسي التليد، وأما عملاؤها الشيعة في العراق فلا تأمن انقلابهم عليها كما حاول محمد باقر الحكيم.

ساعدت إيران الولايات المتحدة علىٰ القدوم إلىٰ المنطقة؛ لإسقاط نظاميْن كانا لدىٰ إيران قبل أمريكا العائق؛ بل الجدار الرئيس لاجتياح الأمة الإسلامية، ونجح الطرفان - بفضل التعاون المشترك - في بلوغ هذا الهدف، ولكن هذا الحلف كان يحمل عوامل انهياره منذ البداية. أول هذه العوامل: رغبة كل طرف بأن يكون له الكلمة الفصل في شئون هذه المنطقة، بالإضافة إلىٰ أن أحد الأطراف هو الذي كان يدفع الثمن دائمًا؛ ونقصد به أمريكا، بينما الطرف الثاني يجني الأرباح دونما أي خسائر تقريبًا، وهو بالطبع إيران.

ورئيس إيران يمشي في بغداد، وفي المنطقة الخضراء وبحماية أمريكية! وعلىٰ البساط الأحمر، وباستقبال رسمي، وبوش وتشيني ورايس يأتون خفية وتحت جنح الظلام!!

إسرائيل لا تعتبر الشيعة وإيران خطرًا علىٰ وجودها ولكن خطرًا علىٰ نفوذها؛ فقط بدليل تأييد شارون لشيعة لبنان حيث قال في مذكراته: اقترحت إعطاء قسم من الأسلحة التي منحتها إسرائيل؛ ولو كبادرة رمزية إلىٰ الشيعة الذين يعانون هم أيضًا مشاكل خطيرة مع منظمة التحرير الفلسطينية، ومن دون الدخول في أي تفاصيل، لم أرَ يومًا في الشيعة أعداء إسرائيل علىٰ المدىٰ البعيد!! ( ).

أمريكا ليس من مصلحتها تدمير إيران علىٰ النحو الذي تم في العراق. وإسرائيل تشاركها هذه الرؤية، بصفتها أكبر المستفيدين من وجود خطر إيراني علىٰ العرب. فبقاء إيران كقوة عسكرية في هذه المنطقة مصلحة أميركية وإسرائيلية في المقام الأول. والخلاف ليس علىٰ بقاء هذه القوة أو عدمه، وإنما علىٰ حجمها ودورها. فالمحافظة علىٰ القوة الإيرانية يعني في الإستراتيجية الأميركية تشتيت وإضعاف ما يسمىٰ بالخطر الإسلامي، فإيران - بحكم دوافعها الطائفية الدينية الخطيرة القائمة علىٰ الاختلاف والمخالفة لكل ما يمت إلىٰ الإسلام بصلة - تلعب دورًا مهمًا في تقسيم الأمة إلىٰ أمتيْن حتىٰ في أعيادها. والتصدي لأطماعها بالنسبة للعرب بات بديلًا عن الصراع مع إسرائيل. وهنا تكمن أهميتها.

ومن هنا يرى كثيرون أن سر مهادنة الغرب لإيران يرجع إلى أن: 

- إيران حليف وَفِيٌّ لأمريكا ودول الغرب.. عندما تكون الهجمة باتجاه العالم المسلم السني.. كما حصل في العراق وأفغانستان.. ولو اضطروا إلىٰ غزو منطقة سنية أخرىٰ فسيجدونها بجوارهم.. لذا ليس من الحكمة التفريط في الحليف بسهولة.. ومن دون دراسة العواقب والنتائج!

- إيران بتركيبتها الطائفية عنصر توتر في المنطقة.. وهو مما يستدعي من دول المنطقة الضعيفة أن ترمي بنفسها وثرواتها وقرارها السياسي في حضن أمريكا ودول الغرب؛ ليحموها من «البعبع» الإيراني ومن طموحاته التوسعية - طيلة فترة التوتر - وفي ذلك مكسب ظاهر لأمريكا؛ لذا من صالحها أن تبقي علىٰ عنصر التوتر هذا، وأن تُطيل من أمده؛ ليستمر الابتزاز، ويستمر وجود القواعد الأمريكية العسكرية في المنطقة! فإذا خلا وجود العدو أو الخطر من المنطقة.. فما هو المبرر للابتزاز، والتدخل في شؤون المنطقة؟! وما هو المبرر لاستمرار بقاء تلك القواعد العسكرية الأمريكية الغربية في المنطقة؟! كان من قبل صدام حسين.. فقضوا عليه.. والآن إيران.. فإذا قضوا علىٰ خطرها كليًّا.. فمن أين سيأتون بخطر جديد.. يبتزون به أموال العرب وثرواتهم.. وبخاصة الدول الخليجية منها؟!.. أمريكا بحاجة - في المنطقة - إلىٰ كلب عقور.. ترخي له الحبل وقتما تشاء.. وتلجمه وقتما تشاء.. تُرهب به من يستعصي أو يُحاول أن يفكر من عملائها الصغار في الخروج عن طاعتها.. أو التحرر من التبعية لها!

- إيران - بحكم دوافعها الطائفية الدينية الخطيرة القائمة علىٰ الاختلاف والمخالفة لكل ما يمت إلىٰ الإسلام بصلة - تلعب دورًا مهمًا في تقسيم الأمة.. وهذا التفرق في الكلمة.. وعلىٰ جميع المستويات.. مطلب أمريكي غربي - يساعدها علىٰ التدخل في شؤون المنطقة - قد لا يُمكن أن يحققوه من دون آيات وأحبار وساسة قم وطهران!

- إيران قد تضخمت قوتها العسكرية وتضخم نفوذها في المنطقة وضرب إيران يُعد مجازفة لا تؤمن عواقبها.. وقد يترتب عليها تكاليف تفوق قدرات وطاقات أمريكا وحلفائها في هذه المرحلة أو الظروف.. لذا نجد أمريكا تحسب ألف حساب لهذه الخطوة.. وتقدم خطوة وتُحجم أخرىٰ.. يومًا تُصعد فيه الخطاب.. ويومًا آخر تلجأ فيه إلىٰ التهدئة والخطاب الأقرب إلىٰ الدبلوماسية والموادعة!

- إيران قد نجحت في جر أمريكا ومعها المجتمع الدولي إلىٰ المستنقع العراقي والأفغاني.. وإشغالها عن مشروعها العسكري النووي، وعن طموحاتها الخاصة في المنطقة.. إلىٰ درجة الاستنزاف.. بحيث يصعب علىٰ أمريكا وحلفائها أن يفتحوا جبهة ثالثة مع دولة بقوة إيران ونفوذها.. وساسة أمريكا والغرب قد صرحوا بذلك أكثر من مرة!

- ضرب إيران من قبل أمريكا وحلفائها.. قد يحمل إيران - من قبيل ردة الفعل، والدفاع عن النفس - علىٰ مد بعض الحبال للتجمعات السنية المجاهدة المحاصرة في كل من العراق، وأفغانستان.. لقربها الجغرافي من المنطقتين.. إضافة إلىٰ تحريض عملائها ودبابيرها الكامنة في المنطقة والتي تنتظر أمرًا من ساسة وآيات قم وطهران.. وهذا ما يؤذي أمريكا جدًّا.. ويُفسد عليها مخططاتها ويزيدها إرهاقًا وخسارة في جنودها وعتادها.. وهي تحسب لذلك ألف حساب!

- إيران سوق نفطية كبيرة.. والاعتداء عليها يربك الاقتصاد العالمي.. وهذا أمر معتبر لدىٰ المجتمع الدولي.. التفريط به ليس بالأمر الهيّن أو السهل!

هذه الأوجه مجتمعة وغيرها هي التي تمنع أمريكا ومعها حلفائها من الاجتراء علىٰ ضرب إيران.. وتصعيد الخلاف معها..

الخلاصة: 

سياسة النظام الإيراني تقوم علىٰ محوريْن أساسيين؛ كلٌّ منهما يؤدي إلىٰ الآخر ويمده بالقوة والحياة.. غير قابليْن للتفاوض والمساومة: 

الأول والأهم: العمل المكثف علىٰ نشر مذهب التشيع والرفض في المنطقة.. وحماية ودعم كل نشاط شيعي رافضي في المنطقة، وهذه مهمة غالبًا ما يقوم بها أئمتهم وآياتهم وأحبارهم؛ مدعومين بصورة مباشرة من الطبقة الحاكمة المتنفذة.

والثاني: العمل الدؤوب - وبصورة جنونية ومريبة - علىٰ تطوير برنامجها التسليحي؛ التقليدي منه وغير التقليدي.. والذي لن يتوقف إلا عند تصنيع القنابل النووية والذرية تنفيذًا لوصية إمامهم الخميني!

إيران تُمارس دوريْن متناقضيْن: 

- دور العميل لأمريكا وحلفائها من دول الغرب؛ وذلك عندما تكون ضحية هذه العمالة هم المسلمين السُّنة، كما حصل في أفغانستان والعراق؛ حيث صرح المسؤولون الإيرانيون أكثر من مرة أنهم ساعدوا أمريكا في غزوها لأفغانستان والعراق، وأنهم لولا مساعدة إيران لما استطاعت أمريكا أن تُسقط نظام الطالبان في أفغانستان، ونظام وحكم صدام في العراق.. وهذا أمر واضح لا يحتاج لمزيد تدليل أو براهين.

- ودور الندِّ الذي يسعىٰ لمصالحه وبسط نفوذه؛ ونفوذ التشيع والرفض في المنطقة.. وإن أدىٰ به هذا الطموح لنوع مواجهة مع من تعامل معهم من أجل ضرب العالم المسلم السني.. فإيران تتعامل مع أمريكا وحلفائها من دول الغرب ككاسحات ألغام.. تستعين بهم وتعينهم وتتعامل معهم علىٰ ضرب المسلمين السُّنة واحتلال بلادهم.. ثم هم بعد ذلك يدخلون بسلام - بعد أن تكون الكاسحات الأمريكية قد مهدت لهم الطريق، وأزالت من طريقهم الألغام والعقبات - ليقطفوا الثمار.. ويبسطوا نفوذهم.. وينشروا سمومهم.. سموم التشيع والرفض.. سموم الهدم والطعن.. وسموم التخريب والقتل لكل مناوئ سني قوي.. كما حصل في أفغانستان والعراق؛ أي أن إيران حتىٰ في الجانب الذي تظهر فيه كعميل، فهو من أجل تسخير واستخدام الطرف الآخر الأمريكي الغربي في بسط نفوذها في المنطقة.. ونشر التشيع والرفض.. وثقافة ولاية الفقيه المطلقة.. بأقل خسارة ممكنة.. ومن عرف هذه الحقيقة أمكنه التوفيق بين المواقف المتذبذبة المتناقضة لساسة وآيات وأحبار قم وطهران، وأدرك أن إيران تستخدم أمريكا ودول الغرب «كطنابر» تعبر من خلالهم إلىٰ القلاع الإسلامية السنية الصعبة الحصينة، التي قد تكلف إيران قتالًا عشرات السنين.. ومئات الآلاف من شبابها.. لو أرادت أن تقتحم تلك القلاع بمفردها.. دون استخدام تلك الطنابير.. والحرب الإيرانية العراقية السابقة أكبر دليل علىٰ صحة ما نقول.

نخلص مما سبق إلىٰ أن التحالف الإيراني الأمريكي حقيقة لا مراء فيها، تؤكدها الحقائق الواقعية، وأنها تأتي في نسق العداء العقدي مع جمهور الأمة من السُّنة والعرب، ومِنْ ثمَّ فهي امتداد طبيعي للتاريخ التآمري للشيعة مما يذكره المؤرخون وأهل العلم، ويغذي التوجه نحو هذا التحالف «المعتقد الديني» الذي يرىٰ في اليهود والنصارىٰ كفارًا أصليين، وفي المسلمين السُّنَّة كفارًا مرتدين، و(التعصب الطائفي) الذي رُبي عليه عموم الشيعة وقامت دولهم علىٰ أساسه، و(الانتماء القومي) لحضارة مغايرة للحضارة الإسلامية العربية، و(المصالح السياسية) التي تريد إيران اقتناصها في زمن الهجوم علىٰ المكون «السني» للأمة من قبل اليهود والنصارىٰ، فإيران تعمل بمبدإ: «ليس في السياسة أعداء دائمون، أو أصدقاء دائمون، إنما هي مصالح دائمة فحسب»!

وهكذا يلتقي الديني بالطائفي والقومي والسياسي في رؤية ووعي ومواقف مرجعيات الشيعة الاثني عشرية بقيادة إيران تجاه المسلمين السُّنة والعرب عمومًا!

وهذا التحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل يأخذ أبعاده السياسية والدينية والاقتصادية والعسكرية المشتركة، فمن حيث السياسة يلتقي الطرفان في إسقاط بعض الأنظمة السنية أو إضعافها، وتغيير خارطة المنطقة. ودينيًّا: تريد الولايات المتحدة القضاء علىٰ الإرهاب «السني» ولا مانع لديها من مساندة المذهب «الشيعي» الثائر؛ كذبًا! إلا علىٰ الحكومات السنية والعربية. واقتصاديًّا: يرغب كل من الطرفيْن في الوصول إلىٰ ثروات العراق والخليج. وعسكريًّا إضعاف الدول الإسلامية والعربية عمومًا لصالح أمن إسرائيل وتأمين مصالح الغرب!

ومن نتائج هذا التحالف ما شاهدناه في أفغانستان والعراق ولبنان واليمن.. والدور قادم علىٰ دول أخرىٰ( ).

شهادة الموسوي.. الشيعي!!:

يقول الدكتور الشيعي موسىٰ الموسوي في كتابه «الثورة الخمينية - الثورة البائسة» عن النظام الإيراني وإسرائيل: «إسرائيل تعرف جيدًا أن عدوها الأول والأخير هو العرب، وأقوىٰ الدول العربية هي أقوىٰ أعدائها، أما إيران فكانت منذ قيام دولة إسرائيل صديقًا حميمًا سواء في عهد الشاه أو بعد سقوطه، وإسرائيل علىٰ علم ويقين أن تصريحات الخميني وسائر زمرته من احتلال القدس والحرب مع الكيان الصهيوني هي للاستهلاك المحلي ومزايدات سياسية داخلية وخارجية. لقد ثبت هذا عندما زودت إسرائيل إيران بقطع الغيار والأسلحة لاستعمالها في الحرب الإيرانية العراقية، ولقد حاولت الزمرة الخمينية الحاكمة إخفاء هذه الفضيحة الكبرىٰ، وحاول الخميني نفسه أن يدخل الميدان وكذب الخبر مرات ومرات؛ إلا أن الفضيحة كانت أكبر من أن تُخفىٰ.

إن المخطط المشؤوم الذي نفذته إيران بالتعاون مع إسرائيل يعطي مؤشرات خطيرة، هي أبعد بكثير من التعاون الاقتصادي والسياسي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني، إن المتتبع لأحداث المنطقة يعرف بوضوح أن إسرائيل لا تستطيع العيش في المنطقة إلا إذا ضعفت الدول العربية التي تهدد كيانها التوسعي، فقوة الدول العربية تعني ضعف إسرائيل، ولأن العراق كان أقوىٰ الدول العربية الرافضة لمعاهدة كامب ديفيد ورفض الحلول الاستسلامية، وبما أنه كان أقوىٰ دول المواجهة عسكريًّا وبشريًّا والذي كان يقود السياسة العربية الرافضة للحل الاستسلامي الذي اتبعه الرئيس المصري أنور السادات، فكان لا بد من إضعاف العراق عسكريًّا بأي ثمن، ومهما كلف الأمر وبدون أن تثير مخاوف دول المجابهة الأخرىٰ، فلذلك فإن الحرب الإيرانية العراقية كانت ضمن التخطيط الأساسي لدعم الكيان الصهيوني، ومن هنا استغلت إسرائيل الحرب الإيرانية العراقية لتتوسع في الأراضي العربية كما تريد وبلا رادع ومانع. إن استمرار إيران في حربها مع العراق ورفضها للصلح هو مخطط صهيوني استعماري أوضح من الشمس في رابعة النهار، إن في ضعف العراق تكمن قوة إسرائيل، وضعف العراق ضعف العرب، وضعف العرب قوة إسرائيل أيضًا.

إن العالم يسخر مما يسمع من الخميني والخمينيين حول عدائهم مع إسرائيل، ويعتبره نوعًا من الهذيان السياسي، وإسرائيل ترىٰ تعاونها وصداقتها مع النظام الإسلامي في إيران فرصة ذهبية لابد أن تستغلها في سبيل مآربها، ولذلك يعتقد الضالعون في شؤون السياسة - كما نشرت بعض الصحف -أن الأسلحة وقِطَع الغيار التي باعتها إسرائيل لإيران تجاوزت مائة مليون دولارًا، كما أن خبراء إسرائيليين وصلوا إيران لتدريب حرس الثورة علىٰ استعمال تلك الأسلحة.

إن الدول العربية التي تواكب النظام الإيراني في مسيرته الشائنة إنما تشارك في هدم نفسها وكيانها وشعوبها؛ بعمد أو جهل، ولأول مرة يحدث مثل هذا الخطأ الجسيم في تقييم العلاقات العربية الخمينية. إن تأييد النظام السوري للزمرة الخمينية الحاكمة في إيران إنما هو تأييد لبيغن وإسرائيل، وفي الحقيقة والواقع هدم لسوريا وأمة العرب جميعًا والإسلام. كما أن الأموال التي ينفقها الأخ القذافي علىٰ النظام الحاكم في إيران إنما تضاف إلىٰ أرصدة إسرائيل بعد تحوير صغير. وإذا كانت الدول الاستعمارية الكبرىٰ تساعد إسرائيل ضد العرب بالمال والسلاح، فإن الجمهورية الإسلامية الخمينية تساعد إسرائيل بالمال والسلاح والدم. إن قتل كل جندي في جبهة الحرب الإيرانية العراقية حياة لجندي إسرائيلي واقف في الجبهة العربية بالمرصاد. لقد ثبت لإسرائيل أن إيران في ظل التاج والعمامة سوق رائجة له وصديق لا غِنًىٰ عنه، فالبضائع الاستهلاكية التي تستوردها إيران في عهد الخميني، والنفط الذي تستورده إسرائيل من إيران أضعاف ما كانت تستورده في عهد الشاه، والتعاون الإيراني في ظل الخميني وزمرته يتجاوز تعاون الصديق مع صديقه، بل أصبح تعاون الحليف مع حليفه، فمتىٰ كان الشاه يشتري الأسلحة ويستورد قطع الغيار من إسرائيل كما فعلت الدولة الخمينية؟! غير أن الشاه كان شجاعًا في التصريح بعلاقته مع إسرائيل، والخميني وزمرته الحاكمة جبناء أذلاء، وَمِنْ وَرائِهِم قَوم اشتَروا الضَّلالة بِالهُدىٰ فَما رَبِحَتْ تِجارتُهُم، وَكانوا مِن الخَاسِرين.

الخميني يقول: (لا تلهكم الحرب الصغيرة عن الحرب الكبيرة):

جمع الخميني خطباء المساجد، وأجهزة إعلام نظامه، وأركان حكومته، وخطب فيهم قائلًا: «إن ما يحدث في لبنان؛ ولا سيما بعد احتلال إسرائيل لتلك البلاد إنما هي مؤامرة لصرف أنظاركم إلىٰ تلك المنطقة المنكوبة والتقليل من شأن الحرب مع العراق. إن الحرب الكبيرة هي الحرب مع العراق، وأما الحرب مع إسرائيل فإنها الحرب الصغيرة فلذلك لا تلهكم الحرب الكبيرة عن الصغيرة». وهكذا ساند الخميني بيغن في احتلاله للبنان، وهذا هو المنطلق الذي ينطلق الخميني منه لحفظ مصالح الإسلام والمسلمين والأمة العربية. لقد رفض الخميني اقتراح العراق بوقف الحرب الدائرة بينهما حتىٰ يتسنىٰ للعراق مساعدة لبنان. وجَّه الخميني نداء إلىٰ الشعب الإيراني يقول فيه: لا تلهكم الحرب الصغيرة عن الحرب الكبيرة، فمحاربة العراق أهم لنا بكثير من محاربة إسرائيل..). ويقول مؤلف كتاب «الغزو الفارسي للعالم العربي» عبد الله عبد الله السعيد - عام 1404هـ - عن الحرب الإيرانية العراقية: «العالم كله يتحرك ويتوسط إلا أن إيران ترفض إلا أن تُفتَحَ العراقُ ليصعد الشيعة فيها إلىٰ سدة الحكم، وليقيموا المشانق لنحو 65( من شعب العراق السني. ويا له من يوم كيوم القيامة، يوم تفتح يأجوج ومأجوج علىٰ السُّنة في العراق والخليج، ولا أحد - إلا الله - يعلم كم من ملايين السُّنة سوف تباد في ذلك اليوم المنحوس». وقد كان ما تنبأ به السعيد بعد سقوط النظام السني ووصول الشيعة إلىٰ سدة الحكم!!

حقائق ومرتكزات لفهم إيران الشيعية:

تملك إيران مشروعًا للهيمنة والسيطرة علىٰ ما حولها بدافع قومي فارسي ودافع ديني شيعي، وقد يقوىٰ دافع علىٰ حساب آخر وقد يجتمعان، ولذلك لم تتغير المطامع الإيرانية في البحرين أو جزر الإمارات بتغير التاج أو العمامة، ولذلك وصف بعض الخبراء هذه السياسة بقولهم: «التاج تحت العمامة»!!

- المصالح الإيرانية القومية الفارسية والدينية الشيعية تتعارض مع المصالح العربية والإسلامية، ومن ذلك: عدم الاعتراف باستقلال بعض دول الخليج، وتصدير الثورة عبر تحريض الشيعة العرب واحتضان المعارضة السنية والشيعية، وتقاسم النفوذ مع الطامعين.

- الصراع الداخلي بين المحافظين والإصلاحيين هو صراع في الوسائل علىٰ تحقيق أفضل المكاسب بأقل الأثمان للمصالح القومية الفارسية والدينية الشيعية، علىٰ غرار صراع أحزاب إسرائيل وأمريكا، وقد استحدث الإيرانيون مؤخرًا لعبة جديدة هي: توزيع الأدوار بين المحافظين ليصبحوا محافظين تقليديين ومحافظين إصلاحيين!!

- استراتيجية إيران الشيعية اليوم تقوم علىٰ اللعب في ساحة الآخرين وبدمائهم وتجنيب إيران أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات، فلذلك تحرّض التجمعات الشيعية علىٰ أوطانها، وتدعم الحركات السنية المعارضة، وتتدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، ولهذا لم تحدث أي عملية تفجير أو اغتيال في إيران.

- حقيقة نزاع إيران مع أمريكا وإسرائيل في المنطقة هو حول حصص النفوذ لكل منهم، كما وضّحته الدراسات الجادة، مثل: كتاب تريتا بارزي، والذي تُرْجم إلىٰ العربية حديثًا بعنوان «تحالف المصالح المشتركة».

- التشدق بالدفاع عن قضية فلسطين هو الباب الذي تتسلل منه إيران إلىٰ قلوب وعقول الجماهير المسلمة؛ وخاصة من خلال استقطاب مباركة جماعة الإخوان؛ وبخاصة في مصر، مع التركيز علىٰ كسب العديد من أقلام وحناجر الصحفيين والإعلاميين؛ وبخاصة من القوميين والإسلاميين.

- لا تتورع إيران عن التحالف مع أي عدو لها «إسرائيل، أمريكا، القاعدة.. » في ساحة سياسية محددة لتحقيق مكسب استراتيجي.

 

الفصل الخامس

عقيدة الشيعة الإمامية في الصحابة

مناقضات صريحة للإسلام.. ومجاهرة بالكفر!!:

العقيدة الخمينية الاثنى العشرية:

الخميني في عقائده لا يختلف عن عقائد الإمامية الاثني عشرية. وذلك في تكفيره لصحابة رسول الله ﷺ؛ حتىٰ إنه يقرر في كتابه «تحرير الوسيلة مشروعية» التبري من أعداء الأئمة في الصلاة؛ وأعداء الأئمة في قاموس الشيعة هم صحابة رسول الله ﷺ؛ إلا ثلاثة أو سبعة ( ).

في كتابه: «كشف الأسرار» يصرح الخميني بتكفير الشيخيْن، وينعت أهل السُّنة عمومًا، ينعتهم بالنواصب - ما عدا من يسمونهم بالمستضعفين.. بل هو يأخذ بالرأي المتطرف من آراء قومه في ذلك، وهو معاملتهم كالحربي حيث قال: «والأقوىٰ إلحاق الناصب بأهل الحرب في إباحة ما اغتنم منهم وتعلق الخمس به، بل الظاهر جواز أخذ ماله أينما وجد، وبأي نحو كان، ووجوب إخراج خمسه». وهو يريد بالناصب: أهل السُّنة ومن يلحق بهم - في نظرهم - من الشيعة الزيدية؛ ما عدا الجارودية لا الخوارج فقط، والذين هم يُسَمَّوْن بالنواصب عند أهل السُّنة؛ لإجماعهم علىٰ تكفير أمير المؤمنين علي، ولذلك يذكر الخوارج كقسم آخر مع النواصب، فيقول مثلًا: «وأما النواصب والخوارج لعنهم الله تعالىٰ فهما نجسان» ( ).

ويلمح الخميني في عقيدته في القرآن إلىٰ تصديقه بخرافة وجود قرآن لعلي بن أبي طالب عرضه علىٰ الصحابة فرفضوه، وأنه متضمن لزيادات ليست في القرآن، فيقول: «ولعل القرآن الذي جمعه - يعني عليًّا - وأراد تبليغه للناس بعد رسول الله - هكذا في النص بدون ذكر الصلاة عليه ﷺ - هو القرآن الكريم مع جميع الخصوصيات الدخيلة في فهمه، المضبوطة عنده بتعليم رسول الله»( ).

وهو يترحم علىٰ المجوسي الملحد صاحب «فصل الخطاب»، ويتلقىٰ عن كتابه: «مستدرك الوسائل» ويحتج به( )، كما يتلقىٰ من أصولهم التي حوت هذا الكفر؛ كـ«الكافي» للكليني( )، و«الاحتجاج» للطبرسي( ) وغيرهما.

هذا وقد ذكر الندوي في ترجمته لبعض نصوص «كشف الأسرار» ما يتضمن مجاهرة الخميني بهذا الكفر. وفي النص المترجم من كشف الأسرار يجيب الخميني علىٰ من يقول: لماذا لم يُذْكر الأئمة في القرآن بقوله: 

«إن الذين لم يكن ارتباطهم بالإسلام والقرآن إلا لأجل الرئاسة والدنيا، وكانوا يجعلون القرآن وسيلة لمقاصدهم الفاسدة، كان من الممكن أن يحرفوا هذا الكتاب السماوي في حالة ذكر اسم الإمام في القرآن وأن يمسحوا هذه الآيات منه، وأن يلصقوا وصمة العار هذه علىٰ حياة المسلمين».

فهو هنا لم يصرح بوقوع التحريف إلا بالتلميح، ولكنه يزعم صراحة أنه بإمكان أحد من الناس تحريف كتاب الله، وفي هذا تكذيب لقوله سبحانه: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾ [الحجر: 9]..

وكذلك يقول الخميني بخرافة الغيبة ويزعم رجعته، بل يقول: لقد جاء الأنبياء جميعًا من أجل إرساء قواعد العدالة في العالم لكنهم لم ينجحوا!! حتىٰ النبي محمد خاتم الأنبياء الذي جاء لإصلاح البشرية.. لم ينجح في ذلك!! وإن الشخص الذي سينجح في ذلك هو المهدي المنتظر( ).

«وقد استنكر المسلمون ذلك، وأصدرت رابطة العالم الإسلامي بيانًا تنكر هذه المقالة وتوضح أنها تحوي مناقضة صريحة للإسلام وما جاء به القرآن والسُّنة النبوية المطهرة، وما أجمعت عليه الأمة( ). وقد نشرت مجلة الجماعة الإسلامية بباكستان خطاب الخميني، وعلقت عليه بقولها: «هذا نفي للإسلام، وتاريخ الإسلام، وأمر لا يحتمله حتىٰ الأصدقاء»( ). وهو في تصريحه هذا لم يخرج عن طبيعة مذهبه المفرطة في الغلو، فهو يرىٰ أن الأئمة - والمهدي منهم - أفضل من الأنبياء، ويرىٰ أن صحابة رسول الله ﷺ ارتدوا بعد وفاة الرسول ﷺ بسبب بيعة أبي بكر دون علي، وجوهر الرسالة عندهم هو إمامة علي، ولهذا قال: «يعتبر الرسول - لولا تعيينه الخليفة من بعده - غير مبلغ للرسالة» فمن هنا قال: إن الرسول ﷺ لم ينجح لأنه لم يتول علي الخلافة بعده مباشرة!

وقد أصدر الخميني بيانًا يجيب فيه علىٰ المنكرين، وليس في جوابه إلا التأكيد علىٰ هذا المنكر، حيث قال: «ونقول بأن الأنبياء لم يوفقوا في تنفيذ مقاصدهم، وأن الله سيبعث في آخر الزمان شخصًا يقوم بتنفيذ مسائل الأنبياء»، ثم ينكر علىٰ المنكرين بأنهم يسعون لتفريق المسلمين»( ) ويقول خميني: إن «تعاليم الأئمة كتعاليم القرآن»( )، بل هو يعمل حتىٰ بحكايات الرقاع ويعطيها نفس القدسية التي توليها الأمة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وقد استدل بها علىٰ مذهبه في عموم ولاية الفقيه( ) إلىٰ آخر قائمة العقائد التي تقول بها الاثنا عشرية، ويتابعهم فيها خميني، وقد يأخذ بأشدها تطرفًا مما لا حاجة إلىٰ تفصيله واستقصائه؛ إذ الغرض بيان أنه لم يكن كما يتوهم أصحاب تلك النظرة السطحية الساذجة.. لكن رأيت بعضهم يقول بأن الخميني قد تخلىٰ عن بعض عقيدته في التقية( )، وأنه قد أمر أتباعه بالصلاة مع أهل السُّنة مما يعد اعتدالًا في صورته الظاهرة. والجواب عن ذلك يوجد في رسالته في التعادل والترجيح، وفي رسالته في التقية، وحسبك أن تعلم من هذا إيمانه بأن أصل دينهم يقوم علىٰ مخالفة أهل السُّنة، وأن هذا الأصل هو من المرجحات عنده في حالة اختلاف الروايات.. فهو يقول: «إن أخبارهم الآمرة بالأخذ بخلاف العامة.. كقوله: «ما خالف العامة ففيه الرشاد».. وقوله: «دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم» هي من أصول الترجيح، وليس الترجيح بها بمحض التعبد، بل «لكون المخالفة لهم طريقًا إلىٰ الواقع، والرشد في مخالفتهم»( ). الحق أن خميني من غلاة الروافض؛ بل هو يأخذ من آرائهم ما هو أكثر شذوذًا، ويتعمد مخالفة أهل السُّنة، وإن خرج عن ذلك فهو تقية( ).

عقيدة شيعة اليوم على درب شيعة الأمس:

كثير مِنْ مراجع الشيعة، من بينوا عقيدة الشيعة في الصحابة ش صراحة.. واحد من علمائهم ممن يدعو إلىٰ التقريب والوحدة ليل نهار، وكان قائدها في العراق في الخمسينيات من القرن الفائت وهو آية الله محمد الخالصي، قال: 

«لم أذكر الصحابة بخير؛ لأني لا أريد أن أتعرض لعذاب الله وسخطه، بمخالفتي كتابه وسنته في مدح من ذمه الكتاب والسُّنة، والإطراء علىٰ من قبح أعماله القرآن المجيد والأحاديث المتواترة عن النبي، وغاية ما كنت أكتبه وأقوله هو أن كتاب الله وسنته لم تذكر الصحابة بخير ولا تدل علىٰ فضل لهم لأنهم صحابة»( ).

* وقال السيد هاشم الهاشمي في كتابه حوار مع فضل الله حول الزهراء: 

«لو فرضنا أن الأحاديث المادحة لأبي بكر وعمر قد بلغت حد الاستفاضة أو التواتر، فهذا لا يعني قبولها؛ لأنه قد حصل العلم ومن خلال أدلة أخرىٰ واضحة ونصوص صحيحة كثيرة أن واقع أمرهما ليس كذلك، فينتفي تحقق العلم والاطمئنان من كثرة الأحاديث المادحة لهما»( ).

وقال المجلسي في بحاره: 

«الأخبار الدالة علىٰ كفر أبي بكر وعمر وأضرابهما وثواب لعنهم والبراءة منهم، وما يتضمن بدعهم، أكثر من أن يذكر في هذا المجلد أو في مجلدات شتىٰ، وفيما أوردناه كفاية لمن أراد الله هدايته إلىٰ الصراط المستقيم»( ).

وذكر الشيرازي النجفي القمي في كتابه «الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين» - المطبوع في جمهورية إيران الإسلامية - بابًا تحت عنوان: (في ذكر نسب أبي بكر وبيان دناءته وخساسته) فقال: 

«إن أبا قحافة أبا أبي بكر كان أجيرًا لليهود يعلم لهم أولادهم، فاشتهر عنه أنه كان يلوطهم… وكان أبو قحافة في قريش مشهورًا باللواط. وأم أبي بكر سلمىٰ من ذوات الأعلام في مكة، وكانت لها راية في الأبطح؛ لأن العرب كانوا يأنفون من أن تنازلهم البغايا، فكانوا يبعدونها عن قرب منازلهم، وكانت رايتها حمراء تدل علىٰ فجورها وعهرها … وكان أبو بكر ظالمًا فاسقًا لا يستحق الخلافة»( ).

* وذكر الشيرازي بابًا تحت عنوان: «إن عمر كان قبل الإسلام نخاس الحمير، أبو عمر بن الخطاب قطعت يده في سوق عكاظ، ومن قلة حياء عمر أنه قال علىٰ المنبر: ألا إني فسوت وها أنا أنزل لأعيد الوضوء».

ثم قال عن عمر بعد ذكر عدد كبير من الروايات التي تذمه: «هذه روايات المخالفين في ظلم عمر، وكفره، ونفاقه، وأما رواياتنا في هذا الباب فكثيرة جدًّا بالغة حد التواتر»( ).

وقال عن عثمان >: «إن عثمان ممن يلعب به ويتخنث، وكان يضرب بالدف، وذكر أدلة يثبت فيها كفر عثمان»( ).

وقال عن معاوية: «والذي سماه النواصب - أهل السُّنة - كاتب الوحي وخال المؤمنين؛ بغضًا لأمير المؤمنين. وعديله ونظيره في الكفر والزندقة، عمرو بن العاص، وطلحة، والزبير، والدليل علىٰ كفر هؤلاء الأربعة في غاية الوضوح: لأن الأمة بين قائلَيْن: 

قائل بكفر هؤلاء، وهم القائلون بإمامة أمير المؤمنين من غير فصل وكفر الخلفاء الثلاثة. وقائل بإيمان هؤلاء، وهو أكثر القائلين بإمامة الخلفاء الثلاثة. فلما أثبتنا بطلان خلافة الثلاثة ثبت كفر هؤلاء لعدم القائل بالفصل»( ).

وقال أيضًا: 

«مما يدل علىٰ إمامة أئمتنا الاثني عشر، أن عائشة كافرة مستحقة للنار، وهو مستلزم لحقية مذهبنا وحقية أئمتنا الاثني عشر …. وكل من قال بإمامة الاثني عشر قال باستحقاقها اللعن والعذاب. وقال: ومما يدل علىٰ كفرها وكفر حفصة تظاهرهما علىٰ رسول الله ﷺ وشبههما الله بامرأة نوح وامرأة لوط …»( ).

ويقول يوسف البحراني في كتابه «الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب»: 

«فهل لعائشة ولمعاوية عليهما اللعنة مزية وفضيلة … غير ما ذكرنا من تظاهرهم، زيادة علىٰ غيرهم علىٰ أهل البيت بالظلم والفجور»( ).

وفي الوقت الذي تبكي فيه إيران بدموع التماسيح علىٰ التقريب ووحدة المسلمين الضائعة، تقوم بطباعة كتاب «الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين»، وكتاب «الشهاب الثاقب في بيان معنىٰ الناصب»، وقد تم طباعتهما في مدينة قم - الجمهورية الإسلامية الإيرانية تاريخ الطبع 1418هـ، 1419 هـ علىٰ التوالي. وموضوع كتاب «الشهاب الثاقب في بيان معنىٰ الناصب» هو إثبات أن الناصبي هو من قدَّم أبا بكر وعمر علىٰ عليٍّ أو أحبهما، وإن لم يبغض عليًّا، وإثبات أن أهل السُّنة جميعًا نواصب يحل دمهم ومالهم!

وقال المجلسي في بحاره: 

عن أبي بصير قال: «يؤتىٰ بجهنم لها سبعة أبواب: بابها الأول للظالم وهو زريق، وبابها الثاني لحبتر، والباب الثالث للثالث، والرابع لمعاوية، والباب الخامس لعبد الملك، والباب السادس لعسكر بن هوسر، والباب السابع لأبي سلامة. فهي أبواب لمن اتبعهم، ثم قال بيان: (زريق كناية عن أبي بكر؛ لأن العرب تتشاءم بزرقة العين، والحبتر هو عمر، والحبتر هو الثعلب، ولعله كنَّي عنه لحيلته ومكره، وفي غيره من الأخبار وقع العكس، وهو أظهر إذا الحبتر بالأول أنسب، ويمكن أن يكون هنا أيضًا المراد ذلك وإنما قدم الثاني لأنه أشقىٰ وأفظ وأغلظ … ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وسائر أهل الجمل إذ كان اسم جمل عائشة عسكرًا، وروي أنه كان شيطانًا)( ).

وعقد البحراني عدة أبواب في موضوع سب وتكفير الصحابة منها: 

الباب 97: اللذان تقدما علىٰ أمير المؤمنين علي مثل ذنوب أمة محمد إلىٰ يوم القيامة.

والباب 98: إن إبليس أرفع مكانًا في النار من عمر، وإن إبليس شرف عليه في النار( ).

في «مستدرك الوسائل» للنوري الطبرسي عقد بابًا بعنوان: باب استحباب لعن أعداء الدين عقيب الصلاة بأسمائهم( ).

ومما ذكره علي بن عبد العال الكركي في كتابه: «نفحات اللاهوت في لعن الجبت والطاغوت» في حق صحابة رسول الله: قال: روىٰ الشيخ في التهذيب أن الصادق كان ينصرف من الصلاة بلعن أربعة من الرجال منهم أبو بكر وعمر).

وقال: وليتأمل العاقل المنصف أنه: هل يجوز أن يتولىٰ منصب الخلافة الذي هو معظم منصب النبوة مثل شيخ تيّم الجاهل - أبو بكر - بأمور الدين … ومثل عُتلّ عدي الزنيم - عمر - ذي الفظاظة والغلظة والمكر والخديعة … ومثل ثور بني أمية - عثمان - الذي حملهم علىٰ أعناق الناس( ).

ومن عباراته التي يلعن فيها الصحابة: وقد وقع كل من الأمرين من أبي بكر وعمر عليهما اللعنة … وقد وقع من عثمان لعنه الله …. عثمان بن عفان لعنه الله … في نبذه من الأحكام التي صدرت من أبي بكر لعنه الله … في نبذه من مخالفة عمر لعنه الله … نبذه من مخالفات عثمان لعنه الله … ومن أدل دليل علىٰ كفر عثمان واستحقاقه اللعن … فلعنة الله عليه - أي عثمان - وعلىٰ صاحبيه، وأشياعهم، وأتباعهم إلىٰ يوم الدين( ).

وقال الكركي: 

«إن من لم يجد في قلبه عداوة لعثمان ولم يستحل عرضه، ولم يعتقد كفره، فهو عدو الله ورسوله كافر بما أنزل الله»( ).

وقال آية الله محمد نبي التوسيركاني في كتابه «لئالي الأخبار» في باب الأدعية الواردة للتعقيب: «ومما يستفاد منه أن اللعن عليهم وعلىٰ غيرهم من الأعداء أفضل من جميع الأذكار والأوراد والتعقيبات حتىٰ الصلاة علىٰ النبي وآله، وكلمة التوحيد وغيرها مما مر فصلها في الباب السابع، بل من جميع الطاعات والعبادات حتىٰ الصلاة والصوم». وقال: مرت في الباب السابع قصة غريبة من امرأة فاحشة كانت تزني بابنها ونجت بعد موتها بسبب الصلاة علىٰ النبي وآله، واللعن علىٰ أعدائهم، لهما نفع عظيم في المقام فأرجعهما لأنها لا تَفْتُر من لعن هؤلاء الملاعين وغيرهم من الأعداء.

ثم أعطىٰ تنبيهًا للقراء يقول فيه: اعلم أن أشرف الأمكنة والأوقات والحالات وأنسبها للعن عليهم «عليهم اللعنة» إذا كنت في المبال فقل عند كل واحدة من التخلية، والاستبراء، والتطهير، مرارًا بفراغ من البال: اللهم العن عمر ثم أبا بكر، وعمر ثم عثمان، وعمر ثم معاوية، وعمر ثم يزيد، وعمر ثم ابن زياد، وعمر ثم ابن سعد، وعمر ثم شمرًا وعمر، ثم عسكرهم وعمر، اللهم العن عائشة وحفصة وهند وأم الحكم والعن من رضي بأفعالهم إلىٰ يوم القيامة( ).

ويقول محمد حسين كاشف الغطاء - من علماء الشيعة المعاصرين - في كتابه «أصل الشيعة وأصولها»: 

«لولا علي لكان الإسلام ضرطة عنز»( ). وفي هذا إلغاء كامل، وشطب نهائي لجهود جميع الصحابة الذين حملوا الإسلام علىٰ أكتافهم، وثبتوا أركانه بدمائهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأولهم الصديق والفاروق، وحصْر الدور كله في عليّ. هذا عدا إلغاء الإسلام نفسه في غياب علي! والحق أنه لولا الإسلام ما كان علي ولا غيره. والإسلام كلمة الله وشرعه وقدره الذي لا بد أن يكون بعلي أو بسواه.

ويقول في كتابه المذكور (صـ43): إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الإسلام هو نفس صاحب الشريعة. يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الإسلام جنبًا الىٰ جنب، وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والري حتىٰ نمت وازدهرت في حياته، ثم أثمرت بعد وفاته.

ويقول أيضًا في (صـ79) من الكتاب المذكور: أما ما يرويه مثل أبي هريرة، وسمرة بن جندب، ومروان بن الحكم، وعمران بن حطان الخارجي، وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس له عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة، وأمرهم أشهر من أن يذكر.

ويسأل محمد حسين فضل الله: 

هل يجوز التعبد في فروع الدين بالمذاهب السنية الأربعة، وكذلك بقية المذاهب غير الشيعية؟ يجيب: لا يجوز التعبد بأي مذهب إسلامي غير مذهب أهل البيت عليهم السلام، لأنه المذهب الذي قامت عليه الحجة القاطعة( ).

ويذكر صباح الموسوي الأحوازي أن «فضل الله» هذا قام بطرد أحد المشائخ الشيعة، اسمه «طالب السنجري» من حوزته الكائنة في منطقة السيدة زينب في سوريا، كان أستاذًا للفقه فيها، بسبب تأليفه كتابًا أكد فيه علىٰ أن الرجوع إلىٰ الخليفة عمر بن الخطاب كالرجوع إلىٰ الإمام علي بن أبي طالب ب، لكون الاثنان يستقيان علمهما من منبع واحد، وهو القرآن والسُّنة( ).

وموسي الصدر مؤسس منظمة «أمل» - إيراني من مواليد قم - وهو لا يحسن الكلام باللغة العربية. وهو صنيعة الشاه أرسله إلىٰ لبنان، فأسس «منظمة أمل» صاحبة المجازر الطائفية المشهورة.. خرج رجاله في المنظمة المذكورة يهتفون في شوارع بيروت الغربية في يوم (2/6/1985): (لا إله إلا الله والعرب أعداء الله) محتفلين بمجزرتهم في مخيم صبرا الفلسطيني - وفقًا لما ذكرته صحيفة الوطن الكويتية في اليوم التالي - والفرحة تعم أوساط المنظمة التي يترأسها عضو البرلمان اللبناني الحالي، ورئيسه سابقًا نبيه بري؛ فقد خلَّفوا للتو نحو 3000 شخصًا بين قتيل وجريح في صفوف الفلسطينيين! وكان صراخ الفلسطينيين يتعالىٰ من بين جثث الشهداء: (اليهود أفضل منهم)! وقد جاء في وصف المجزرة «أمل والمخيمات الفلسطينية لعبد الله محمد الغريب»: (إن المنازل جُرّفت، والمساجد خُرِّبت، وخزانات المياه فُجِّرت، والكهرباء والماء قطعت، والمواد الغذائية نفدت، والجرحىٰ دون أطباء أو أدوية، والشهداء في الشوارع بسبب حصار حركة أمل واللواء السادس والثامن ومن يساندهم في البرزة). وقد هتكوا عرض (25) امرأة فلسطينية وعلىٰ مرأىٰ من أهالي المخيم المذكور! (كما ذكرت وكالات الأنباء الكويتية في 4/6/1985، والوطن في 3/6/1985) ونحروا ممرضة بالسكين؛ لأنها اعترضت علىٰ قتل جريح في المستشفىٰ أمامها! وقتلوا عددًا من الفلسطينيين في مستشفيات بيروت. وقال مراسل صحيفة صنداي تلغراف في (27/5/1985): إن مجموعة من الجثث الفلسطينية ذبح أصحابها من الأعناق. وذكرت وكالة «أسوشيتد برس» عن اثنين من الشهود أن ميلشيات أمل جمعت العشرات من الجرحىٰ والمدنيين خلال ثمانية أيام من القتال في المخيمات الثلاثة وقتلتهم. وقال الشاهدان: إنهما رأيا أفراد أمل واللواء السادس يقتلون أكثر من 45 فلسطينيًا بينهم جرحىٰ في مستشفىٰ غزة وحوله.

هكذا هم يفعلون اليوم في العراق! وهكذا يفعلون في أي بلد متىٰ ما تمكنوا منه!

ومحمد باقر الصدر - مؤسس حزب الدعوة العميل في العراق - وقد أثبتت الأحداث عمالته بلا شك - يتحدث عن خليفة رسول الله: «فلا غرابة في أن ينتزع من أهل البيت أموالهم المهمة ليركز بذلك حكومته، أو أن يخشىٰ من علي عليه السلام أن يصرف حاصلات فدك وغير فدك علىٰ الدعوة إلىٰ نفسه. وكيف نستغرب ذلك من رجل كالصديق وهو الذي قد اتخذ المال وسيلة من وسائل الإغراء، واكتساب الأصوات( ). ويطعن في شرعية خلافته ويصفها بأنها: خلافة لم تباركها السماء ولا رضي بها المسلمون( ). ويقول أيضًا: والنقطة الأولىٰ التي نؤاخذ الصديق عليها هي وقوفه موقف الحاكم في المسألة «فدك» مع أن خلافته لم تكتسب لونًا شرعيًّا( ).

ويفسر الخير والعدل والحق الذي كان عليه الخلفاء الثلاثة بأنهم كانوا مُلْجَأين إليه؛ إرضاءً للناس؛ لأنهم تحت مراقبة النظر الإسلامي العام الذي كان مخلصًا كل الإخلاص لمبادئه، وجاعلًا لنفسه حق الإشراف علىٰ الحكم والحاكمين. ولأنهم يتعرضون - لو فعلوا شيئًا من ذلك - لمعارضة خطرة من الحزب الذي ما يزال يؤمن بأن الحكم الإسلامي لا بد أن يكون مطبوعًا بطابع محمدي خالص، وأن الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يطبعه بهذا الطابع المقدس هو علي - وارث رسول الله ووصيه وولي المؤمنين من بعده( ).

يقول الخميني: وهذا يؤكد أن هذه الفرية صدرت من ابن الخطاب المفتري، ويعتبر خير دليل لدىٰ المسلم الغيور، والواقع أنهم «أي الصحابة» ما أعطوا الرسول حق قدره!! الرسول الذي جدّ وكدّ وتحمل المصائب من أجل إرشادهم وهدايتهم، وأغمض عينيه وفي أذنيه ترن كلمات ابن الخطاب القائمة علىٰ الفرية والنابعة من أعمال الكفر والزندقة( ).

يقول سعيد حوى ؟ عن سبهم الصحابة وتكفيرهم: 

وهذا الأمر مستفيض عند علمائهم وثقات محدثيهم من المتقدمين والمتأخرين، أمثال ابن بابويه القمي، وشيخ الطائفة الطوسي، والشيخ المفيد، وابن طاووس، والأردبيلي وأبو الحسن القمي، ومحمد باقر المجلسي الملقب عندهم بخاتمة المحدثين والذي أسهب الخميني في الثناء عليه في كتابه «كشف الأسرار»، وقد أورد المجلسي في كتابه «زاد المعاد» و«حق اليقين» و«بحار الأنوار» من الأكاذيب والحكايات في حق سادتنا أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وخالد بن الوليد وغيرهم ما نتأدب عن نقله.

أما الخميني الذي نادىٰ في أول حركته بوحدة الأمة الإسلامية، فقد كان من المفروض أن يسدل الستار علىٰ مثل هذه الضلالات بحق أطهار هذه الأمة ويعلنها حربًا علىٰ من يقول بها ويمنع الكتب المؤلفة في سبهم وتكفيرهم، ولكنه بدلًا من كل ذلك تبنىٰ أعتىٰ الشذوذ في هذا المجال. وكان الخميني قد كتب فصلين في كتابه «كشف الأسرار» أحدهما في بيان مخالفة أبي بكر للقرآن، والآخر في مخالفة عمر لكتاب الله، فيهما من الكذب والافتراء والحقد علىٰ أئمة المسلمين ما لا يتصور وصفه من رجل يدعي العلم والمعرفة والدين. فقال في حق الشيخين: 

«إننا هنا لا شأن لنا بالشيخين وما قاما به من مخالفات للقرآن ومن تلاعب بأحكام الإله، وما حلَّلاه وما حرماه من عندهما، ومامارساه من ظلم ضد فاطمة ابنة النبي وضد أولاده. ولكننا نشير إلىٰ جهلهما بأحكام الإله والدين... إن مثل هؤلاء الأفراد الجهال الحمقىٰ والأفاكون والجائرون «كذا» غير جديرين بأن يكونوا في موضع الإمامة وأن يكونوا ضمن أولي الأمر». ووصف عمر بن الخطاب > بأن أعماله: «نابعة من أعمال الكفر والزندقة والمخالفات لآيات ورد ذكرها في القرآن الكريم».

بل ذكر خلاصة كلامه عن سبب عدم ورود ذكر الإمامة في القرآن الكريم وما قام به الشيخان في زعمه من اغتصاب للخلافة ما نصه: 

«من جميع ما تقدم يتضح أن مخالفة الشيخين للقرآن لم تكن عند المسلمين شيئًا مهمًّا جدًّا، وأن المسلمين إما كانوا داخلين في حزب الشيخين مؤيدين لهما، وإما كانوا ضدهما ولا يجرؤون أن يقولوا شيئًا أمام أولئك الذين تصرفوا مثل هذه التصرفات تجاه رسول الله وتجاه ابنته. وحتىٰ إذا كان أحدهم يقول شيئًا فإن كلامه لم يكن ليؤخذ به. والخلاصة: حتىٰ لو كان لهذه الأمور ذكر صريح في القرآن، فإن هؤلاء لم يكونوا ليكفوا عن منهجهم ولم يكونوا ليتخلوا عن المنصب» ا هـ.

جعل الخميني من مذهب أهل السُّنة مذهبًا باطلًا وضع لبناته أبو بكر وعمر وأصحابهما تحت قبة السقيفة، من أجل التوصل إلىٰ هدم دين الإسلام! ويقول في كتابه المسمىٰ «الأربعون حديثًا» (صـ592): إن ولاية أهل البيت عليهم السلام شرط في قبول الأعمال عند الله سبحانه، بل هي شرط في قبول الإيمان بالله والنبي الأكرم ﷺ.

وقال (صـ590 - 591): فكل من توفرت فيه هذه الأمور الثلاثة - آمنوا وتابوا وعملوا صالحًا - فاز وشملته ألطاف الله سبحانه وأصبح مكرَّمًا أمام ساحة قدسه، فتتحول سيئاته وآثامه إلىٰ حسنات. ومن المعلوم أن هذا الأمر يختص بشيعة أهل البيت، ويحرم عنه الناس الآخرون؛ لأن الإيمان لا يحصل إلا بواسطة ولاية علي وأوصيائه من المعصومين الطاهرين عليهم السلام، بل لا يقبل الإيمان بالله ورسوله من دون الولاية... ويعتبر هذا من الأمور المُسَلَّمة، بل من ضروريات مذهب أهل التشيع المقدس، وتكون الأخبار في هذا الموضوع أكبر من طاقة مثل هذه الكتب المختصرة علىٰ استيعابها وأكثر من حجم التواتر.

وقال في كتاب «المكاسب المحرمة» (1/249 - 252) بعدم الأُخوة بينهم وبين المخالف - وأول المخالفين عنده أهل السُّنة - ووجوب البراءة منهم ومن مذهبهم وأئمتهم، كما تدل عليه الأخبار واقتضته أصول المذهب... فغيرنا ليسوا بإخواننا وإن كانوا مسلمين.

وقال: فلا شبهة في عدم احترامهم بل هو من ضروري المذهب كما قال المحققون، بل الناظر في الأخبار الكثيرة في الأبواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الأئمة المعصومون، أكثروا في الطعن واللعن عليهم وذكر مساويهم. فعن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: إن بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم؟ فقال: الكف عنهم أجمل ثم قال: يا أبا حمزة إن الناس كلهم أولاد بغاة - أي زنا - ما خلا شيعتنا. والظاهر منها جواز الافتراء والقذف عليهم.

الإمامية أكثر الفرق غلوًّا في التكفير.. وأشنعهم دموية!!:

- الشيعة الإمامية - عند المحققين - من أكثر الفرق غلوًّا في التكفير، وأشنعهم دموية في الثأر، وأكثرهم همجية في الانتقام،.. غلوهم في ذلك قد فاق غلو الخوارج؛ لأن الخوارج - علىٰ الرغم من غلظ بدعتهم - لم يكفِّروا أبا بكر وعمر وعثمان وبعض أمهات المؤمنين - رضي الله عن الصحابة أجمعين - ولم يتسببوا في كوارث أودت بالملايين من المسلمين، مثلما حدث من الروافض إبَّان الحملات الصليبية والتتارية.

- يتعبدون بسوء الظن وإكثار التهم لجمهور حَمَلَة هذه الرسالة والسابقين في حمايتها، ولكن العجب يزداد عندما نرىٰ أن هذه الاتهامات والظنون تتركز حول خاصة المبعوثين بالدين، وحواريي المبلغ بالرسالة ﷺ. فحين يزعمون تعظيم الرسالة وتعزير الرسول، يبالغون في أذية أمته، ولا يبرِّئون خاصته من أقرب بطانته وألصق الناس به، وحتىٰ أزواجه أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن - ما نجون من التهم التي تُكال لهن ذات اليمين وذات الشمال.

لقد علم العقلاء الأمناء في هذه الأمة أن هذا الطعن في حَمَلَة الرسالة هو طعن في الرسالة نفسها، بل في المبلِّغ بها ﷺ؛ إذ كيف يكون أمناؤه وأوصياؤه وأصدقاؤه وأحبَّاؤه من الخائنين وهو لا يَعْرِفُ أو يُعرَّف؟! وكيف يتنزل القرآن بالثناء عليهم؛ دون «اكتشاف» أنهم سيرتدون بعد حين؟!إن الشيعة الاثني عشرية - بجهل أو تجاهل - لم يستثنوا من جيل الصحابة العظيم، ومن حواريي الرسول الكريم ﷺ إلا بضعة عشر شخصًا، بالغوا في رفعهم والغلو فيهم حتىٰ رفعوهم إلىٰ منزلة الملائكة أو أرفع، كما بالغوا - في الوقت نفسه - في الحط من شأن البقية المفترىٰ عليهم، حتىٰ وضعوهم في درك الشياطين أو أنزل!!

المطّلع علىٰ مقالات القوم قديمًا وحديثًا يفهم أن مداركهم ومفاهيمهم قد انحطت إلىٰ ذلك الحضيض.. يدَّعون أن الخلفاء الثلاثة الأُوَلَ أصحابُ ضلالة، ومن ذلك ما جاء في كتاب «الكافي» للكليني، منسوبًا إلىٰ أبي جعفر أنه قال: «الناس صاروا بعد رسول الله ﷺ بمنزلة من اتبع هارون، ومن اتبع العجل، وإن أبا بكر دعا، فأبىٰ عليٌّ إلا القرآن، وإن عمر دعا، فأبىٰ عليٌّ إلا القرآن، وإن عثمان دعا، فأبىٰ عليٌّ إلا القرآن، وإنه ليس من أحد يدعو إلىٰ أن يخرج الدجال إلا سيجد من يبايعه، ومن رفع راية ضلالة فهو طاغوت»( )!!

يقولون إن بيعة أبي بكر > انعقدت لإبليس؛ ففي الكافي أيضًا، ينسبون لعلي > أنه قال لسلمان الفارسي > عندما بويع أبو بكر بالخلافة: «يا سلمان! هل تدري من أول من بايعه علىٰ منبر رسول الله ﷺ؟ قال: قلت: لا أدري، إلا أني رأيت في سقيفة بني ساعدة حين خصمت الأنصار، وكان أول من بايعه بشير بن سعد وأبو عبيدة بن الجراح، ثم عمر ثم سالم. قال: لست عن هذا أسألك، ولكن تدري أول من بايعه علىٰ منبر رسول الله ﷺ؟ قال سلمان: قلت: لا، ولكن رأيت شيخًا كبيرًا متوكئًا علىٰ عصاه، بين عينيه سجادة شديدة التشمير، صعد إليه أول من صعد وهو يبكي ويقول: الحمد لله الذي لم يمتني من الدنيا حتىٰ رأيتك في هذا المكان، ابسط يدك.. فبسط يده فبايعه ثم نزل فخرج من المسجد، فقال عليٌّ - عليه السلام -: هل تدري من هو؟ قال: لا، ولقد ساءتني مقالته كأنه شامت بموت النبي ﷺ، فقال علي: ذاك إبليس لعنه الله»( )!! هكذا يقولون - عليهم من الله ما يستحقون.

- في تفاسيرهم، ينكرون فضل أبي بكر الذي نزل فيه القرآن، ويحوِّلون مناقبه إلىٰ مثالب؛ ففي قول الله تعالىٰ: ﴿ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ﴾ [التوبة: 40]، قال عبد الله بن محمد رضىٰ العلوي المتوفىٰ سنة 1242هـ في تفسيره للقرآن المسمىٰ (الوجيز): «﴿ﯕ ﯖ ﯗ﴾ لا مدح فيه؛ إذ قد يصحب المؤمن الكافر، كما قال: ﴿ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ﴾ [الكهف: 37]، وقوله: ﴿ﯘ ﯙ﴾ يدل علىٰ أنه خاف وقبض واضطرب، حتىٰ كاد يدل عليه فنهاه»( ).

يتهمون الصديق بأنه مكذب بالرسالة، ففي تفسير «الصافي»، لمؤلفه محمود مرتضىٰ المعروف بملّا محسن الكاشي المتوفىٰ سنة 1091هـ، أورد ذلك «المفسر» قصة مختلقة في هذه الآية، مفادها أن أبا بكر أخذته الرعدة وخاف، فجعل النبي ﷺ يشغله بأن يطلعه علىٰ جعفر وأصحابه وهم يغوصون في البحر، فأضمر أبو بكر في تلك الساعة أنه - أي النبي ﷺ - ساحر، ثم نقل ذلك المفسر عن العياشي قوله: «يحتجون علينا بقوله تعالىٰ: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ﴾، وما لهم في ذلك حجة، فوالله لقد قال الله تعالىٰ: ﴿ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ﴾ وما ذكره بخير»!!

أنعجب من افترائهم علىٰ الله في تفاسيرهم، أم افترائهم علىٰ رسوله ﷺ في كتب أحاديثهم، أم افترائهم علىٰ التاريخ في الآثار والأخبار المكذوبة، أم افترائهم علىٰ الحقيقة والعقل في نقل ما لا يصدقه عقل؟! يكفِّرون الفاروق بآيات من الفرقان الذي عاش مجاهدًا عنه وقائمًا به حتىٰ لقي ربه. ففي تفسير قول الله - تعالىٰ -: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾ [الفرقان: 27 - 28]، روىٰ «محدثهم» علي بن إبراهيم القمي عن أبي جعفر أن «الظالم» أبو بكر، والسبيل علي، والخليل عمر. يجعلون عثمان ذا النورين من المرائين، وأنه ومن سبقه كانوا من المبدِّلين، فيدعي عالمهم ومحدثهم «الكشي» أن فيه نزل قول الله - تعالىٰ -: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ﴾ [الحجرات: 17]، ويذكر مفسرهم «القمي» أن قول الله - تعالىٰ -: ﴿ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [آل عمران: 106]، نزل في أبي بكر وعمر وعثمان، وأورد في ذلك «حديثًا» طويلًا، يدعي فيه أن رسول الله ﷺ قال: «ترد عليَّ أمتي يوم القيامة علىٰ خمس رايات..» ثم ذكر «راية العجل» و(راية فرعون) و(راية السامري) و(راية زعيم الخوارج) و(راية المتقين). ويقصدون بالأربعة الأُول رايات أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية، وبالراية الخامسة راية علي بن أبي طالب، وادعوا أن النبي ﷺ سأل أصحاب كل راية عما فعلوه مع «الثقلين» أي: الحسن والحسين، فكلهم اعترفوا بأنهم خذلوهما وظلموهما، فحق عليهم العذاب وقيل: ﴿ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ﴾ [آل عمران: 106]. وفي تفسيرهم لقول الله - تعالىٰ -: ﴿ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [الانشقاق: 19]، يقول «الملَّا عبد اللطيف الكازراني» في تفسيره «مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار»: «أي: لتركبن هذه الأمة بعد نبيها طبقًا عن طبق في أمر فلان وفلان وفلان... أي كانت ضلالتهم بعد نبيهم مطابقة لما صدر عن الأمم السابقة في ترك الخليفة «يقصد عليًّا >» وأتباع السامري وأشباه ذلك( ). يتهمون خيار الأمة بخيانة النبي ﷺ في حياته وبعد مماته فعند تفسيره لقول الله - تعالىٰ -: ﴿ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [آل عمران: 144]

قال محمد بن حيدر الخراساني من القرن الرابع عشر الهجري في تفسيره «بيان السعادة»: «المراد بالشاكرين هنا، علي ونفر يسير بقوا عند رسول الله ﷺ حين انهزم المسلمون»( ). وعند تفسيره لسورة التحريم، أورد «المفسر» نفسه العديد من القصص الملفقة والأراجيف المخترعة، يستدل بها علىٰ أن كلًّا من أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة، تآمروا علىٰ قتل النبي ﷺ!!

معروف موقف التكفيريين السبئيين القدامىٰ الشائن من أكثر أزواج النبي ﷺ - وكيف أنهم أخرجوهن من مسمىٰ أهل البيت بالرغم من وصف الله - تعالىٰ - لهن بأنهن أمهات المؤمنين في قوله - سبحانه -: ﴿ﯞ ﯟ ﯠ﴾ [الأحزاب: 6]، ولم يسمع العقلاء من الناس بقوم يشهّرون بـ ﴿ﯟ ﯠ﴾. ويلخص محمد باقر المجلسي في كتابه «حق اليقين» عقيدة الشيعة «التكفيرية» في أصحاب وأزواج النبي ﷺ فيقول: «وعقيدتنا في البراءة، أننا نتبرأ من الأصنام الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية، والنساء الأربع: عائشة وحفصة وهند وأم الحكم، ومن جميع أتباعهم وأشياعهم، وأنهم من شر ما خلق الله علىٰ وجه الأرض، وأنه لا يتم الإيمان بالله ورسوله والأئمة إلا بعد التبرؤ من أعدائهم»( ).

كان الشيعة يرجئون انتقامهم من أهل السُّنة حتىٰ يخرج «مهديهم» فيقودهم إلىٰ ذلك، حتىٰ جاء «الخميني» واخترع لهم «ولاية الفقيه» وأذن لهم بـ «الجهاد» و«الإمامة» التي كانت ممنوعة بانتظار المهدي.. يحملون عقيدة شاذة في أمر المهدي، لا تزال موجودة في كتبهم بتفاصيلها حتىٰ اليوم.

إنهم يؤمنون بأن المهدي «الذي نعتقد نحن أنه سيكون علىٰ سيرة الخلفاء الراشدين» سيأتي بمقتضىٰ عقيدتهم - لكي ينتقم من هؤلاء الخلفاء؛ لأنهم عندهم أئمة الكفر، وبدلًا من أن يخرج لكي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا، فإنه «سيتفرغ» للقصاص من قادة القسط ورموز العدل من المسلمين، وعلىٰ رأسهم كبار الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - لا بل إن النبي ﷺ نفسه - في اعتقادهم - سيرجع وسيرجع معه إلىٰ الدنيا علي والحسن والحسين وجميع الأئمة المنصوص عليهم، لا لينقذوا العالم ويخلصوه من الظلم، بل لينتقموا من «خصوم» أهل البيت وعلىٰ رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان، وهو ما يسمىٰ عندهم بعقيدة «الرجعة».

يقول صادق الحسيني الشيرازي في كتابه «المهدي في القرآن» عند قوله تعالىٰ: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [القصص: 6]: «إن فرعون وهامان، هما شخصان من جبابرة قريش، يحييهما الله تعالىٰ عند قيام القائم من آل محمد في آخر الزمان، فينتقم منهما بما أسلفا». ويقول المجلسي في كتابه «حياة القلوب»: «إذا ظهر الإمام المهدي، فإنه سيحيي عائشة، ويقيم عليها الحد انتقامًا لفاطمة».

أساطير اختلقوها وأكاذيب لفقوها:

وحملات ظالمة على من صنعوا تاريخ الإسلام!!:

اختلقوا الأكاذيب، واخترعوا الأباطيل، وملئوا الدنيا بالمؤلفات والمصنفات... يستدلون بالقرآن الكريم، ولكن بعد أن يبطنوه بروايات مختلفة تحمل النصوص ما لا تحتمل، لما يتفق مع مفاهيم مقلوبة.. مفاهيم ألفاظ القرآن ومعاني الآيات مختلفة. كفروا صحابة رسول الله، وألصقوا بهم أشنع التهم، زعموا فيما زعموا: 

«أن صحابة رسول الله ﷺ، قد أطفئوا بطغيانهم مصابيح دين الله وأنواره، وهدموا معالمه وأنواره، وأن أمة محمد أصبحت؛ إلا القليل منها لحدود الله تاركة، ولغير سبل الله سالكة، ولحقوقه مضيعة، ولحرمة دينه هاجرة، ولغير أولياء الله متبعة، كأنهم صم لا يسمعون، وبهم لا يعقلون، قد شملهم البلاء، وغلبت عليهم الأهواء، وملكتهم الضلالة وأهلكتهم الفتن، وعدمت فيهم الأحكام، والسنن حتىٰ ملئت الأرض جورًا، وظلمًا واعتداء، ومعاصي وطغيانًا!!

كل واحد من الثلاثة - يقصدون الخلفاء الثلاثة - قد ابتدع بدعًا في شريعة الإسلام علىٰ قدر طول عمره، وتراخي أيامه، وعلىٰ قدر تمكنه في سلطانه مما يوجب علىٰ مبتدعه الهلاك والدمار وسوء العاقبة والبوار!! واتبعهم في ذلك السواد الأعظم من الناس مع إقرارهم بخطرها، وإيجاب الكفر علىٰ فاعلها، عدا فرقة قد فرت منهم مشردة في كل بلد ممتنعة عن موالاتهم، وهم شيعة آل محمد ﷺ، فاستحلوا عند ذلك سفك دمائهم، وإباحة أموالهم وهتك محارمهم، وصاروا بينهم مقهورين مستضعفين خائفين، وهم مع ذلك مستمسكون بدينهم، صابرون علىٰ محنتهم، حامدون لربهم، منتظرون الفرج في غدوهم ورواحهم..».

أول ظلم في الإسلام.. بيعة أبي بكر!!:

قالوا: تآمر أبو بكر علىٰ الناس، من غير أن يبيح الله له ذلك، وطالب جميع الناس بالبيعة له، والانقياد له طوعًا أو كرهًا.. وكان ذلك أول ظلم في الإسلام.

ولما انقاد الناس له، طالبهم بالخروج عما كان يأخذه رسول الله ﷺ من الصدقات، والأخماس، ثم تسمىٰ بخليفة رسول الله، وقد علم الخاص والعام أن النبي ﷺ لم يستخلفه، وبذا صار ظالمًا وكاذبًا، وحق عليه قول النبي ﷺ «من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار».

ولما انقاد الناس إليه طوعًا وكرهًا، امتنعت عليه قبيلة من العرب في دفع الزكاة، وقالوا: إن الرسول لم يأمر بالدفع إليك ولا أمرك بمطالبتنا فسماهم أهل الردة، وبعث إليهم خالد بن الوليد في جيش فقتل مقاتلتهم وسبىٰ ذراريهم واستباح أموالهم، وقتل خالد مالك بن نويرة، وأخذ زوجته فوطئها من ليلته من غير استبراء.. واعترض عمر علىٰ فعل خالد، وطلب من أبي بكر إقامة الحد عليه فرفض أبو بكر، وقال: لا أغمد سيفًا سله الله علىٰ المشركين، وهذا الفعل الفظيع لا يخلو أن يكون بأمر الله ورسوله أو برأي استحسنه، فإن قالوا بأمر من الله ورسوله طولبوا بالدليل، وإن قالوا برأي استحسنه قيل لهم: هل هو عندكم ظلم أو محق؟ فإن قالوا: محق أباحوا دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم بغير حق، وقائل هذا خارج من دين الله. وإن قالوا: إنه ظالم كفاهم ذلك خزيًا وكفرًا وجهلًا.. !!

فدك وفاطمة:

وفي ميراث فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالوا: 

«والمصيبة العظمىٰ في ظلم فاطمة فيما خلفه أبوها من ضِياع وبساتين، وجعل ذلك بزعمه صدقة للمسلمين وزعم أن النبي ﷺ قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة»، ورد دعوىٰ فاطمة أن النبي ﷺ قد وهبها فدكًا فطالبها بالبينة، فجاءت بأم أيمن فشهدت لها، فرد شهادتها كما رد من قبلها شهادة علي؛ قائلًا: هذا بعلك... وهم قد رووا جميعًا أن النبي ﷺ قال: «علي مع الحق والحق مع علي يدور، ولن يفترقا حتىٰ يردا عليَّ الحوض». هذا مع ما أخبر الله به من تطهيره لعلي وفاطمة من الرجس، فمن توهم بعد هذا أن عليًّا وفاطمة يدخلان في شيء من الكذب والباطل علىٰ غفلة أو تعمد فقد كذب علىٰ الله، ومن كذب علىٰ الله فقد كفر، فغضبت فاطمة وحلفت أن لا تكلمه وصاحبه، حتىٰ تلقىٰ أباها، فلما حضرتها الوفاة أوصت عليًّا بأن يدفنها ليلًا لئلا يصلي عليها أحد منهم.. وهم قد رووا جميعًا أن النبي ﷺ قال: «فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني». فقال عمر: اطلبوا قبرها لننبشها ونصلي عليها، فطلبوه فلم يجدوه، وهم قد رووا أن النبي ﷺ قال لها: «يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك ويرضىٰ لرضاك». وقد ثبت بذلك أنهم أغضبوا الله بإغضابهم لفاطمة، فاستحقوا بذلك اللعن بنص قول الله تعالىٰ: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾ [الأحزاب: 57].

«وأنه لما استتب الأمر لأبي بكر قطع لنفسه أجرة من مال بيت الصدقة كل يوم ثلاثة دراهم، وهذا من أظهر الحرام، وذلك أن أبواب أموال الشريعة معلومة، كل باب منها مفروض من الله ورسوله لقوم بأعيانهم، لا يحل لأحد أن يأكل حبة واحدة حتىٰ يصير في أيديهم».

«.. وأن النبي ﷺ، قد ضم قبل وفاته إلىٰ أسامة مع صاحبه وجماعة من رؤساء المهاجرين والأنصار، وأمرهم بالمسير إلىٰ الشام، وقال: «أنفذوا جيش أسامة، لعن الله المتخلف عن جيش أسامة» فلم ينفذوا وتأخروا..

«وأن أبا بكر قد عهد، لما حضرته الوفاة، إلىٰ عمر من بعده، وطالب الناس بالبيعة له؛ كره من كره ورضي من رضي».

«.. وكانت الطامة الكبرىٰ أن أمر وقت وفاته أن يدفنوه مع رسول الله ﷺ في بيته حتىٰ اقتدىٰ به عمر وهذا منكر عظيم.. !!».

الحق أن: 

أبا بكر > لم يطلب الخلافة، ولم ينصب نفسه أميرًا بالقوة، ولم تكن عنده وقت المبايعة قوة عسكرية يستطيع أن يخضع بها الناس أو يخيفهم.. كما أنه لم يقم بانقلاب عسكري علىٰ خلافة قائمة، وإنما بويع فلم يرفض؛ إذ ليس من حقه أن يرفض ما دام أنه يشعر في نفسه بالمؤهلات اللازمة لهذا المنصب الخطير، أما دعوىٰ أن الله لم يبح له الخلافة فقول مردود؛ إذ لا سند له من عقل أو نقل وليس في آي الكتاب، ولا في سنة محمد ﷺ ما يمنع أبا بكر أو غيره من تَوَلِّي الخلافة.. ولو كانت الخلافة حقًّا خاصًّا لعلي >، فقد ثبت تنازله عنها بمبايعته للخلفاء الثلاثة الذين تقدموه، كما أنها إن كانت حقًّا عامًّا للمسلمين فليس لأحد أن ينتزعها بغير رضاهم، وقد ثبت أنهم رضوا بخلافة الخلفاء الثلاثة، وبايعوهم ولم ينازعهم فيها أحد.

أما مطالبته بالصدقات والأخماس، فليست إلا جزءًا من مسؤوليات الخلافة، وثبوت شرعية الخلافة يؤدي ضمنًا إلىٰ إباحة ممارسة مسؤولياتها.

أما تسميته بخليفة رسول الله ﷺ، فقد سماه صحابة رسول الله الذين أخبر الله عنهم أنهم صادقون.

قبيلة مالك بن نويرة كانت قد أظهرت السرور بموت النبي ﷺ، وثبت لأبي بكر أنهم ضربوا الدفوف وشتموا أهل الإسلام، وأن مالكًا قال لخالد: هذا رجلكم أو صاحبكم!! يعني النبي ﷺ، وأنه أعاد صدقات قومه عليهم، وقال لهم: قد نجوتم من هذا الرجل، وأن قومه وافقوه علىٰ منع الزكاة.

أما مسألة فدك فإن أبا بكر > لم يأخذ منها شيئًا لنفسه، وما كان في امتناعه عن تسليمها، إلا منفذًا لأمر رسول الله ﷺ، وفاطمة < أَوْلىٰ الناس بالخضوع والانقياد لتعاليم الإسلام التي جاء بها مَنْ هي أقرب الناس إليه.. فاطمة لا يؤذيها أن الخليفة كان حريصًا علىٰ تطبيق تعاليم الإسلام، ولا تغضب إلا لمخالفة هذه التعاليم.

احتجوا علىٰ ثبوت الإرث من الأنبياء بقول الله تعالىٰ: ﴿ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﴾ [النمل: 16]» وقوله تعالىٰ فيما أخبر به عن زكريا عليه السلام: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [مريم: 5، 6].

المقصود هو: إرث العلم والنبوة لا إرث المال.

وفيما يتعلق بالأجر الذي كان لأبي بكر، لم يقطعه الخليفة لنفسه، وإنما المسلمون هم مَنْ قطعوا ذلك الراتب له.. رآه عمر بعد توليه الخلافة ذاهبًا إلىٰ السوق، وعلىٰ كتفه أثواب لبيعها، فقال له: إلىٰ أين؟ قال: إلىٰ السوق لأبيع ما عندي وأشتري غيره، فقال له عمر: وشؤون المسلمين إلىٰ مَن تتركها؟ فقال له: ومن أين ما أطعم به عيالي؟ فقال له: لنذهب إلىٰ المسجد، وهناك أعلن عمر بن الخطاب علىٰ المسلمين أن يقترحوا تخصيص راتب معين لأبي بكر؛ ليتفرغ لشؤون الخلافة، فاستقر الرأي علىٰ تخصيص هذا المبلغ له، وهذا العمل إن كان حرامًا فقد كان علي > أحد من أقروه وقدروه، وقد أفتىٰ علي لعمر بن الخطاب أيام خلافته بأن يأخذ من بيت المال ما يصلحه ويصلح عياله.

نظرتهم السوداوية لتاريخنا.. ضرورة التصالح مع التاريخ العربي:

انظر إلىٰ قطيعتهم لتاريخ العرب والإسلام، ونظرتهم إليه علىٰ أنه تاريخ أسود، ليس فيه من إشراقة تضيء الدرب، أو مكرمة يرتفع لها الرأس. إلا ما علقوه بمجموعة من الشخصيات، شدوا أحداث التاريخ جميعًا إلىٰ ظلالها. وعدة أحداث، أداروا أجيالهم جميعًا حول محورها. فليس إلا الغدير والسقيفة والجمل وصفين والطف، وما إليها. وقد وقفوا بعجلة الزمن فهي ترابط عندها لا تبغي عنها حولًا.

اللعنة اليومية لأصحاب النبي ﷺ عامة، وللشيخين خاصة: قبل الصلوات وبعدها، وقبل النوم وحين الاستيقاظ. وتصل أحيانًا إلىٰ ألف مرة بحسب الإمكان. وكذلك الدعاء عليهم بالنار والغضب والهلاك... إلخ.

القطيعة الروحية بين الشيعي وأمته؛ تاريخًا وواقعًا. فهو لا يحتفي بذات السلاسل، والقادسية، والمدائن، وجلولاء، ونهاوند، ولا اليرموك، وذات الصواري، وحطين، والقسطنطينية. ويغتاظ لذكر عمر والزبير وخالد وابن العاص ويزيد بن أبي سفيان وابن أبي سرح وصلاح الدين؛ لأن هذه الوقائع والأشخاص ترتبط في ذاكرته المستنسخة عن الذاكرة الفارسية بكل ما يؤلم، ويشعر بالذل والهزيمة والهوان.

الأمة مجمعة علىٰ عدالة صلاح الدين، وأنه من رجالها الأفذاذ المعدودين في تاريخها. ولا ترضىٰ بمن يبخسها في رموزها وعظمائها، ولا يمكن أن ترضىٰ بالتصالح معه، إلا الشيعة، فإنهم يسبونه ويكفرونه ويحقدون عليه! وذلك لأسباب طائفية سوداوية بحتة تغطي منظارهم فلا يرون منه إلا ما هو أسود مكروه.

علماء التشيع أدخلوا التاريخ في العقيدة. فـ «بيعة الغدير»، و(اغتصاب أبي بكر للخلافة)، و(كفر الصحابة) بذلك، و(كسر ضلع الزهراء)... إلخ من الخزعبلات التاريخية التي امتزجت عند الشيعي مع عقيدته امتزاجًا لا يمكن بعده الفصل أو التمييز بينهما. فإن تخلىٰ عنها شعر أنه تخلىٰ عن دينه وشيعيته.

يقول الخميني: في صدر الإسلام سعىٰ الأمويون ومن يسايرهم لمنع استقرار حكومة الإمام علي بن أبي طالب «ع»، مع أنها كانت مرضية لله وللرسول. وبمساعيهم البغيضة تغير أسلوب الحكم ونظامه، وانحرف عن الإسلام؛ لأن برامجهم كانت تخالف وجهة الإسلام في تعاليمه تمامًا. وجاء من بعدهم العباسيون، ونسجوا علىٰ نفس المنوال. وتبدلت الخلافة، وتحولت إلىٰ سلطنة وملكية موروثة، وأصبح الحكم يشبه حكم أكاسرة فارس، وأباطرة الروم، وفراعنة مصر، واستمر ذلك إلىٰ يومنا هذا( ).

يُشبِّه الخميني الدولة الأموية التي قدمت للإسلام الشيء الكثير ونشرت الإسلام في أرجاء المعمورة بأنها أشد من إسرائيل العنصرية، في خطابه الذي ألقاه عام 1383ه‍ـ ما نصه: وليعلم السادة الخطباء والمبلغون بأن الخطر الذي أحدق اليوم بالإسلام لا يقل عن خطر بني أمية ( ).

يصف خلفاء الإسلام ابتداء من أبي بكر إلىٰ هارون الرشيد بالجهل كما قال في كتابه «الحكومة الإسلامية» (صـ132): «وها هو التاريخ يحدثنا عن جهال حكموا الناس بغير جدارة ولا لياقة، هارون الرشيد، أية ثقافة حازها؟ كذلك من قبله ومن بعده».

هل تغير موقفهم اليوم من الصحابة ش؟!:

يتساءل د. ناصر عبد الله القفاري في أطروحته «أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية - عرض ونقد».

«السؤال المطروح اليوم من البعض: هل تغير شيء في مذهب هذه الطائفة، ولاسيما - بعد قيام دعوات التقارب والوحدة.. وتكالب العدو الكافر علىٰ الأمة من كل حدب وصوب.. ومُضِيّ القرون المتطاولة، ولم تعرف الأمة أشرف ولا أعظم ولا أفضل من ذلك الجيل القرآني الفريد؛ جيل الصحابة رضوان الله عليهم؟

هل تفتحت عقول الشيعة وقلوبهم علىٰ الحقيقة، وعرفت خطورة تلك الأسطورة التي تتناقلها كتبهم القديمة من حكاية ردة الصحابة، ومن افتعال ذلك الصراع المكذوب بين الآل والأصحاب؟! أما آن لها أن تؤمن بالتنزيل الإلهي، والسُّنة المطهرة، وإجماع الأمة، وما علم من الدين والتاريخ بالضرورة، وتوازن بالعقل بين الأخذ بذلك، أو الاغترار بنقل حثالة من الكذابين استفاض ذمهم وتكذيبهم؟! فهل يقبل عقل سليم تصديق شرذمة من الكذابين، وتكذيب الصحابة أجمعين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؟!

كتابات لبعض المعاصرين منهم:

خرج من شيعة العصر الحاضر رجل يدعي «أحمد الكسروي» اكتشف بطلان مذهب الشيعة حول الصحابة، وتخلص من تلك الأساطير التي وضعتها تلك الزمرة الحاقدة حول الصحابة وارتدادهم لمخالفتهم النص علىٰ إمامة علي - كما يزعمون - وبيَّن ضلال طائفته في هذا المذهب فقال: «وأما ما قالوا عن ارتداد المسلمين بعد موت النبي ﷺ؛ إلا ثلاثة أو أربعة منهم فاجتراء منهم علىٰ الكذب والبهتان، فلقائل أن يقول: كيف ارتدوا وهم كانوا أصحاب النبي، آمنوا به حين كذبه الآخرون ودافعوا عنه، واحتملوا الأذىٰ في سبيله ثم ناصروه في حروبه ولم يرغبوا عنه بأنفسهم. ثم أي نفع لهم في خلافة أبي بكر ليرتدوا عن دينهم لأجله؟ فأي الأمرين أسهل احتمالًا: أكذب رجل أو رجلين من ذوي الأغراض الفاسدة، أو ارتداد بضع مئات من خُلَّص المسلمين؟ فأجيبونا إن كان لكم جواب»( ). وقد كان لهذا الاتجاه عند الكسروي أثره في التفاف بعض المثقفين حوله وإقبال الشباب عليه فأحاط به الآلاف منهم، وقاموا بنصرته وبث آرائه ونشر كتبه؛ إلا أن خصومه منهم عاجلوه بالقتل قبل انتشار دعوته وظهورها!!

وقد ظهرت كتابات لبعض المعاصرين من الشيعة ممن يتظاهرون بالدعوة للتقارب، وهي موضوعة للدفاع عن معتقد التشيع والدعاية للشيعة، وموجهة لبلاد السُّنة. وقد تضمنت القول بأن الشيعة لا تسب؛ فضلًا عن أن تكفِّر الخلفاء الثلاثة، وأنها تقدر أصحاب رسول الله ﷺ. فالخنيزي في كتابه: «الدعوة الإسلامية إلىٰ وحدة أهل السُّنة والإمامية» يقول: «بأن الإمامية - في هذا العصر - لا تمس كرامة الخلفاء البتة فهذه كتاباتهم، وهذه كتبهم تنفي علنًا السب عن الخلفاء وتثني عليهم»( ).

وقال الخنيزي: وممن صرح بنفي السب محمد باقر أحد مشاهير المجتهدين في كربلاء في منظومته المطبوعة قال: 

فَلَا نَسُبُّ عُمَرًا كَلَّا ولَا

عُثْمانَ والّذِي تولَّىٰ أولا

ومَنْ تَولَّىٰ سَبَّهُمْ ففاسِق

حُكْمٌ به قضىٰ الإمامُ الصادق

ثم قال: 

وعندنا فلا يحل السبُّ ونحن - وايم الله - لا نَسُبّ( ).

ولذلك فإن الخنيزي يلقب عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ويترضىٰ عنه( ). ويطلق علىٰ عائشة وحفصة أمهات المؤمنين.. وكذا يلقب أبا بكر بأمير المؤمنين( ).

ويقول: «إن جعفر الصادق يقول مفتخرًا: ولدني أبو بكر مرتين؛ لأن أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فهي بكرية أمًّا وأبًا». ويقول: إن من قضاء جعفر الصادق «فسق من سب الخلفاء الثلاثة»( ).

ويرىٰ الشيعي أحمد مغنية أن الشيعة تثني علىٰ عمر بن الخطاب وتترضىٰ عنه، وأن القول بأن الشيعة تنال من عمر هو من أحط أنواع الدس، ثم يكشف السبب في وجود مثل هذه الإشاعة عنهم فيقول: «إن المفرقين وجدوا في اتفاق الاسمين: عمر بن الخطاب الخليفة العظيم، وعمر بن سعد قاتل الحسين ميدانًا واسعًا يتسابق فيه في تشويه الحقيقة والدس علىٰ الشيعة بأحط أنواع الدس.. وكان طبيعيًّا أن يكون لعنة اللعنات عمر بن سعد؛ لأنه بطل الجريمة وقائد المجرمين الجبناء، ومَنْ من المسلمين لا يلعن عمر بن سعد قاتل ابن بنت رسول الله ﷺ؟!

إن أولئك الآثمين المفرقين استغلوا كلمة «عمر» وقالوا: إن الشيعة تنال من خليفة النبي عمر بن الخطاب > وإني في الوقت الذي أثور فيه علىٰ الدساسين التجار أصحاب الغايات والمصالح الرخيصة، لا أنكر وجود أفراد بالأمس من سواد الشيعة وبسطائها لا يفرقون بين هذين الاسمين، بل لا يعرفون أن في دنيا التاريخ الإسلامي عمرين: تقيًّا وشقيًّا»( ).

فهو يرىٰ أن وجود هذا التشابه في الأسماء، واستغلال المفرقين من الأعداء لذلك، ووجود بعض عوام الشيعة في الماضي الذين لا يفرقون بين العُمَرَيْن.. كل ذلك ساعد علىٰ نسبة سب عمر إلىٰ الشيعة.. أما كتب الشيعة، وشيوخها فهي بريئة من هذه التهمة.. لأنها ترىٰ فيه الخليفة التقي العظيم خليفة رسول الله.

وهذا الرفاعي أحد العراقيين الشيعة وقد لجأ إلىٰ مصر لنشر التشيع، وأنشأ جمعية لهذا الغرض سماها «جمعية أهل البيت» وسمىٰ نفسه بـ«إمام التشيع في جمهورية مصر العربية»( ). علىٰ الرغم من أنه لا يوجد في مصر شيعة بعد جهود العظيم صلاح الدين الأيوبي.. وقد أصدر في مصر كتابًا بعنوان «تقدير الإمامية للصحابة»، وفي هذه الكتيب نفىٰ أن تكون الشيعة ترمي الشيخين ومن بايعهما بلعن أو تكفير( ).

وقال: إن الشيعة لو كفَّرْتهما لكفرتْ عليًّا؛ لأنه بايعهما، ولكفّرت سلمان وعمارًا؛ لأنهما بايعوهما؛ بل إن سلمان تولىٰ علىٰ المدائن لعمر فكيف يتصور منه أن يلي لعمر لو كان يرىٰ كفره( )؟! ثم قال: إن الشيعة تؤمن بالقرآن وقد جاء فيه الثناء علىٰ الأصحاب واستدل بالآية المائة من سورة التوبة، والآية التاسعة والعشرين من سورة الفتح، ثم أردف ذلك ببعض ما جاء في نهج البلاغة والصحيفة السجادية من الثناء عليهم( ).

ونقل بعد هذا أقوال بعض شيوخهم المعاصرين في مدح الصحابة، واستدل بقول باقر الصدر: «إن الصحابة بوصفهم الطليعة المؤمنة والمستنيرة كانوا أفضل وأصلح بذرة لنشوء أمة رسالية، حتىٰ إن تاريخ الإنسان لم يشهد جيلًا عقائديًّا أروع وأنبل وأطهر من الجيل الذي أنشأ الرسول القائد»( ).

ثم ختم حديثه عن هذه المسألة بقوله: «إن من ينسب إليهم ذلك «أي الصحابة» فهو إما أن يكون خصمًا سيئ النية، وإما لم يطلع علىٰ مذهب الشيعة؛ إلا من خلال كتب خصومها، ولم يتمكن من الاطلاع علىٰ كتب أصحاب المذهب نفسه»( ).

وفي تفسير الكاشف لرئيس المحكمة الجعفرية في بيروت محمد جواد مغنية يقول: إن الشيعة لا ينالون من الصحابة، ويستدل بقول زين العابدين علي بن الحسين في الصحيفة السجادية من دعاء له في الصلاة علىٰ أتباع الرسل وهو: «اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلو البلاء الحسن في نصره.. وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته»( ).

ثم قال جواد: هذه المناجاة جاءت في الصحيفة السجادية التي تعظمها الشيعة وتقدس كل حرف منها( ). وهي رد مفحم لمن قال: إن الشيعة ينالون من مقام الصحابة( ).

وبمثل هذه الأقوال قال آخرون من شيعة العصر الحاضر؛ مثل: حسين يوسف مكي العاملي الذي قال: «لا نسوغ لأحد أن يسبهما «يعني الشيخين» ولا أن يتحامل علىٰ مقامهما، ولا أفتينا لأحد بجواز سبهما، فلهما عندنا من المقام ما يقتضي الإجلال والاحترام، وإننا نحرص كل الحرص علىٰ تدعيم قواعد المودة والألفة بين المسلمين»( ).

هذا حسن ولكن أين هذا من أرض الواقع؟!

يرد د. ناصر القفاري ويتساءل: 

هل حقيقة هذا ما يقوله هؤلاء أم تقية ومصانعة؟!

إننا نقول للخنيزي وأحمد مغنية، والرفاعي، ومحمد جواد مغنية وغيرهم ممن يقول إننا نقدر الصحابة، ولا ننقصهم ونترضي عنهم: تلك كلمات طيبة تنزل علىٰ قلوبنا بردًا وسلامًا، ومرحبًا بهذه الروح الكريمة الجامعة الموحدة بين المسلمين.

وإننا لنفتح صدورنا لكل كلمة توفق ولا تفرق.. ونستبشر بكل محاولة صادقة لرفع تلك الأدران والصفحات السوداء التي تمس صحابة رسول الله ﷺ.

ولكن ألا يعلم الخنيزي وغيره أن المكتبة الشيعية المعاصرة قد أخرجت كتبًا مليئة بالسب والطعن والتكفير لخيار صحابة رسول الله ﷺ، فلِمَ القول بأن شيعة العصر الحاضر لا يسبون، وأن سب الشيخين عندهم فسق؟

فهذا أحد آيات الشيعة ويدعىٰ «حسين الخراساني» يقول في كتابه «الإسلام علىٰ ضوء التشيع»، والذي أهداه إلىٰ مكتبة دار التقريب بالقاهرة، وجاء علىٰ غلافه بأنه قد نشر باللغات الثلاثة العربية والفارسية والإنجليزية، وحاز علىٰ رضا وزارة المعارف الإيرانية، يقول في هذا الكتاب: تجويز الشيعة لعن الشيخين أبي بكر وعمر وأتباعهما، فإنما فعلوا ذلك أسوة لرسول الله ﷺ واقتفاء لأثره»( )، «فإنهم ولا شك - كما يفتري - قد أصبحوا مطرودين من حضرة النبوي 

- كذا - وملعونين من الله تعالىٰ بواسطة سفيره ﷺ»( ).

فانظر كيف يعلن أحد آياتهم - لا واحد من عوامهم -  أن اتجاه الشيعة هو اللعن والتكفير لعظيمَيْ هذه الأمة وأفضل الخلق بعد النبيين، ومن أمر الرسول ﷺ أمته بالاقتداء بهما، وأنهم يرون لعنهما شريعة ودينًا، فكيف ينكر أولئك وجود السب، مع اللعن والتكفير الصريح والذي يجاهر به، ويطبع باللغات المختلفة؟

يقول القفاري: وقع بيدي كتاب من كتب الأدعية عندهم باللغة الأردية موثق من ستة من شيوخ الشيعة، وصف كل منهم بأنه «آية عظمىٰ»، منهم: الخوئي والخميني وشريعتمداري.. وفي هذا الكتاب الموثق من هؤلاء الآيات دعاء بالعربية بحدود صفحتين يتضمن لعن أبي بكر وعمر ب وابنتيهما أمهات المؤمنين عائشة وحفصة ب، ومما جاء في هذا الدعاء: 

«اللهم العن صنمي قريش وجبتيها، وطاغوتيها، وإفكيها، وابنتيهما الذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك وجحدا إنعامك وعصيا رسولك، وقلبا دينك، وحرفا كتابك، وأحبا أعداءك، وجحدا آلاءك - كذا - وعطلا أحكامك، وألحدا في آياتك»( ).

هكذا يوجه هؤلاء الآيات كل شيعي علىٰ وجه الأرض، لأن يدعو بهذا الدعاء ويتعبد الله بهذا اللعن؛ ليزرعوا الحقد والكراهية في نفوس أتباعهم ضد خير القرون ومن اتبعهم بإحسان إلىٰ يوم الدين.. وليضعوا العقبات والعراقيل في وجه كل تآلف وتقارب.. وحتىٰ يضمنوا أن باطلهم لا ينكشف، يخدعون ويخادعون بقولهم: إننا لا نسب.. وهيا إلىٰ التقارب والتعاون.

إذن الشيعة لم تترك السب واللعن، ولا يزال طائفة من شيوخهم يهذون بهذا الضلال، وعوامهم علىٰ آثارهم يهرعون، يشتمون ويكفرون.

وقد كشف لنا حقيقة الأمر الشيخ موسىٰ جار الله، حينما زار ديار الشيعة في إيران والعراق، وحضر مجالسها ومحافلها وحلقات درسها في البيوت والمساجد والمدارس، فاطلع علىٰ ما يدور في واقع الشيعة من تكفير لمن رضي الله عنهم ورضوا عنه حتىٰ قال: 

«كان أول شيء سمعته وأنكرته هو لعن الصديق والفاروق، وأمهات المؤمنين: السيدة عائشة والسيدة حفصة، ولعن العصر الأول كافة، وكنت أسمع هذا في كل خطبة وفي كل حفلة ومجلس في البداية والنهاية، وأقرأه في ديابيج الكتب والرسائل وفي أدعية الزيارات كلها، حتىٰ في الأسقية؛ ما كان يسقي ساقٍ إلا ويلعن، وما كان يشرب شارب إلا ويلعن. وأول كل حركة وكل عمل هو الصلاة علىٰ محمد وآل محمد، واللعن علىٰ الصديق والفاروق وعثمان الذين غصبوا حق عليّ - بزعمهم - وظلموه، حتىٰ أصبح السب واللعن عندهم أعرف معروف يلتذ به الخطيب، ويفرح عنده السامع، وترتاح إليه الجماعة»( ).

وهذا الواقع المظلم الذي تجري السُّنة أهله باللعن والتكفير والسب ليس بغريب علىٰ من يرتضع منذ طفولته كره أصحابه رسول الله ﷺ، ويلقن من صغره أن ما يقع له من مصائب إنما هو بسببهم، وتجري أمامه في كل عام «التمثيليات» التي تصور ما جرىٰ علىٰ أهل البيت من ظلم - كما يزعمون - من قبل الصحابة أو بسببهم، وقد أشار صاحب «الوشيعة» إلىٰ ما شاهَدَه من أعمالهم في ذلك. وقال بأن كل هذه التمثيليات والألعاب فيها إغراء وعداوة وبغضاء( )، بل هي مدرسة لزرع الحقد والكراهية ضد خير القرون وأتباعهم. وهذا ليس من أفعال عوامهم، بل شيوخهم وآياتهم يغرونهم بذلك ويدفعونهم إليه بمختلف الوسائل، فقد قُدِّمَ إلىٰ آيتهم ومرجعهم محمد آل كاشف الغطاء السؤال التالي: 

«ما يقول مولانا حجة الإسلام في المواكب المشجية التي اعتاد الجعفريون اتخاذها في العاشر من المحرم؛ تمثيلًا لفاجعة الطف، وإعلامًا لما انتهك فيها من حرمة الرسول ﷺ في عترته المجاهدين بالتمثيل للشهداء وجهادهم، وماجرىٰ عليهم، وما جرىٰ علىٰ الأطفال من القتل والقسوة، وبإعلانهم الحزن لذلك بأنواعه من ندب، ونداء وعويل، وبكاء، وضرب بالأكف علىٰ الصدور، وبالسلاسل علىٰ الظهور، فهل هذه الأعمال مباحة في الشرع أم لا؟ أفتونا مأجورين».

فأجاب آيتهم على ذلك بقوله: 

«بسم الله الرحمن الرحيم، قال سبحانه وتعالىٰ: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾ [الحج: 32، 33]، ولا ريب أن تلك المواكب المحزنة، وتمثيل هاتيك الفاجعة المشجية من أعظم شعائر الفرقة الجعفرية»( ). فهو يعد هذه «البدعة الخطيرة في دينهم» والتي هي من أعظم الباطل، من شعائر الله، فإذا كان هذا رأي مرجعهم فما بالك بمن دونه مع أنه يجري فيها تعذيب للنفس وقتلها وتكفير للمسلمين من الصحابة والتابعين، والنياحة ولطم الخدود..، والشرك بدعاء المخلوق.. إلخ مما يُعْلم بطلانه من الإسلام بالضرورة، ومع ذلك يتفاخر شيخهم محسن الأمين أنه أقام مجلسًا للعزاء في دمشق - كما يزعم - حضره عدد كبير، «وختم باللطم المهيج المؤثر»( ).

وهذه الأعمال التي تجري منهم في المحرم من كل عام لا موضوع لها إلا سب الصحابة، وإعلان الشرك بالله؛ حيث تسمع أصواتهم تردد «يا حسين يا حسين»، وتصب اللعنات علىٰ العصر الأول، ولاسيما الخلفاء الثلاثة رضوان الله عليهم، فتزرع في نفوسهم أحقادًا لا حدود لها، ولذلك ترىٰ المعاصرين منهم يكتبون عن الصراع المزعوم بين الآل والأصحاب وكأنه واقع الساعة، كأنه خطر محيط بالأمة يهدد وجودها.

هذا ولا تزال مظاهر الطعن والتكفير للصحابة موجودة ومستمرة عبر روافد أخرىٰ، وشيوخهم يمدونهم بهذا الغي ويدفعونهم إليه، ولا يقصرون، فمن هذه المظاهر الموجودة، والروافد الجارية التي لا تنبت إلا أشجار الحنظل، ولا تزرع إلا الفرقة والحقد والبغضاء والتي لم تتوقف حتىٰ هذه الساعة ما يأتي: 

أولًا: لا تزال حركة نشطة تقوم لبعث التراث الرافضي القديم ونشره بين الناس وترويجه بينهم، وهذا التراث مليء باللعن والتكفير والتخليد في النار للمهاجرين والأنصار الذين ش ورضوا عنه، وفي مقدمتهم الخلفاء الثلاثة وبقية العشرة المبشرين بالجنة، ما عدا أمير المؤمنين عليًّا [في حين أن أمير المؤمنين يناله من ذلك أمور كثيرة بشكل غير مباشر كما يظهر ذلك في نصوصهم].

فكيف يقال إن شيعة هذا العصر لا يسبون، وهم قد ألبسوا تلك الصفحات السوداء المظلمة ثيابًا جديدة ونشروها بين أتباعهم بلا نقد ولا اعتراض؟

ثانيًا: ولا يزال أيضًا هناك مجموعة كبيرة من شيوخهم المعاصرين قد تفرغوا لهذا «الباطل» فلا همّ لهم فيما يكتبون وينشرون إلا سب رجال الصدر الأول وتجريحهم، وكأنه لا همّ للشيعة في هذا العصر إلا هذا.

وقد تخصصت كتب عندهم لهذا تفوق ما جاء في كتبهم القديمة في البذاءة وسوء المقال، مثل كتاب الغدير - لشيخهم المعاصر عبد الحسين الأميني النجفي - المليء بالدس والكذب والطعن فيمن رضي الله عنهم ورضوا عنه.. وعليه تقريظات عدد من آياتهم.

وكانت حملته ضد صحابة رسول الله، ولا سيما الخليفة الراشد عمر بن الخطاب > محل رضا أعداء الأمة، كما تجد ذلك - مثلًا - في كلمات بولس سلامة الشاعر النصراني الذي استكتبه هذا الرافضي في مقدمة الجزء السابع من الكتاب، فكتب كلمات يظهر فيها رضاه وغبطته بما قام به هذا «الأفاك» ضد الأمة ودينها، وإشادته بحملته المسعورة ضد فاروق هذه الأمة وعظيمها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، والتي كانت فتوحاته وجهاده ونشره للإسلام شجًىٰ وغصة في حلوق الأعداء إلىٰ اليوم [صَدَّرَ الرافضي الجزءَ السابع من كتابه بتقريظ هذا النصراني فكتب له النصراني بعد ذلك يقول: 

«وقد شرفتموني بإدراج رسالتي في المقدمة، وقد اطلعت علىٰ هذا السفر النفيس فحسبت أن لآلئ البحار قد اجتمعت في غديركم. ولقد لفت نظري علىٰ الأخص ما ذكرتموه بشأن الخليفة الثاني، فلله دركم! ما أقوىٰ حجتكم!»( ) وقد ابتهج هذا الرافض الرافضي المغفل، أو الزنديق المرتدي ثوب الإسلام بثناء هذا الكافر، فبادله الثناء وقال عن رسالته تلك: «أتانا من بحاثة المسيحيين القاضي الحر والشاعر النبي الأستاذ بولس سلامة... الخالد الذكر، فشكرًا له ثم شكرًا»( ). لاحظ هذا الرافضي الذي يرمي الصحابة بكل مذمة ونقيصة.. وهو يمتدح الكفار ويتقرب إليهم.. وهذه عادة الروافض من قديم الزمان].

ومثل كتاب «أبو هريرة» لشيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي الذي اتهم فيه أبا هريرة >، راوية الإسلام بالكذب والنفاق في حين تجده يدافع عن الكذابين الوضاعين أمثال جابر الجعفي( )، وغيره؛ كدفاعه عن هشام بن الحكم( ). ومثل كتاب «السقيفة» لشيخهم محمد رضا المظفر الذي صور فيه الصحابة عصابة لا هدف لها إلا التآمر علىٰ الإسلام حتىٰ قال: ما مات النبي ﷺ، ولابد أن يكون المسلمون كلهم (لا أدري الآن) قد انقلبوا علىٰ أعقابهم( ).

وغيرها كثير؛ مثل كتاب «النص والاجتهاد» لشيخهم عبد الحسين شرف الدين الموسوي الذي أراد أن يعتذر عن الصحابة لمخالفتهم - بزعمه - النصّ علىٰ عليّ فاعتذر عنهم اعتذارًا ماكرًا خبيثًا، حيث زعم أنهم يدينون بمبدأ فصل الدين عن الدولة، ولذلك لم يأخذوا بالنص وهذه فرية مكشوفة يكشفها ثناء الله عليهم ورسوله، وورعهم وزهدهم وجهادهم..، ومثل كتاب: «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة» لأسد حيدر الذي يهاجم فيه خلفاء المسلمين، ويفتري علىٰ أئمة المسلمين؛ كالإمام أحمد وغيره افتراءات لتأييد مذهب الرافضة، ويتحدث عن المحن المزعومة لآل البيت، ومثل كتاب «علي ومناوئوه» للدكتور نوري جعفر والذي يفتعل وجود صراع بين علي والصحابة، ويقول: إنه كالصراع بين النبي وكفار قريش، يقول: «وإذا كان النصر قد كتب للنبي في نزاعه مع مناوئيه لاعتصامهم بالأوثان، فإن النصر لم يكن في متناول الإمام لتقمص مناوئيه رداء الإسلام»( ).

فالتفكير - كما ترىٰ - لم يتغير عن زنادقة الماضي، وإن كان الكاتب يحمل شهادة علمية.. ومن غرائب «إصداراتهم» كتاب: «الرسول الأعظم مع خلفائه» لشيخهم مهدي القرشي، والذي صور فيه، حسب خياله ومعتقده ما يجري يوم القيامة لأبي بكر وعمر والصحابة، وكان يضع محاورات من عنده يزعم أنها ستجري بين الرسول وصحابته يحاسبهم فيها علىٰ تركهم بيعة علي.

وتلك الأدعية التي يرددها الشيعة كل يوم وهي لا تكاد تخلو من لعن خيار هذه الأمة وروادها وأحباء رسول الله ﷺ وأصهاره وبعض زوجاته أمهات المؤمنين.. ولا تختلف كتب الأدعية المؤلفة حديثًا عما تراه في كتبهم القديمة، كما نجد في كتاب «مفاتيح الجنان» لشيخهم المعاصر عباس القمي، و«ضياء الصالحين» لشيخهم محمد الجوهري وغيرهما.

وبعد هذا كله، فهل يبقي لإنكار هؤلاء المنكرين تفسير إلا التقية والكذب؟ فالخنيزي الذي يقول إن الشيعة لا تسب، هل يتجاهل ما سطره شيوخهم القدامىٰ والمعاصرون في ذلك؟! بل إن الخنيزي نفسه ارتكب جريمة السب فهو يطعن في الصديق >( )، ويزعم بأن ما ورد عندهم في الكافي من سب للصحابة وتكفيرهم يوجد مثله في «صحيح البخاري»( ). وهي دعوىٰ لا حقيقة لها.. إلا البحث عن مسوغ لمذهبهم في الصحابة، ولو كان في «صحيح البخاري» مثلما يوجد في «الكافي» لكان في السُّنة من هو كالشيعة يطعن ويكفِّر، ولكن الرجل يريد إثبات معتقده الباطل بأي وسيلة.

أما الأستاذ أحمد مغنية الذي يرىٰ أن الشيعة إنما تلعن عمر بن سعد لا عمر بن الخطاب وإنما وقع الوهم في التشابه في الأسماء، فهل خفي عليه أن عمر بن الخطاب قد تعرض للعن والتكفير في كتب الشيعة المعتمدة وعلىٰ رأسها الكافي والبحار، وتفسير القمي والعياشي وغيرها؟ كما سلف نقل ذلك( )؛ فلا حاجة لإعادته. وهل غاب عنه أن شيعة العصر الحاضر أيضًا لا يزالون علىٰ هذا النهج يتخبطون كما رأينا من صاحب «الغدير» و«السقيفة» و«الإسلام علىٰ ضوء التشيع».. وغيرهم. بل إن من يلهج بالدعوة للوحدة الإسلامية منهم لا يزال في هذا الضلال يهذي ويفتري؛ فهذا آيتهم محمد الخالصي من كبار مراجع الروافض في العراق وممن يتزعم الدعوة إلىٰ الوحدة الإسلامية بين السُّنة والشيعة، يشكك في إيمان أبي بكر وعمر ب فيقول: «وإن قالوا: إن أبا بكر وعمر من أهل بيعة الرضوان الذين نص علىٰ الرضا عنهم القرآن في قوله: ﴿ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾ [الفتح: 18].

قلنا: لو أنه قال: لقد رضي عن الذين يبايعونك تحت الشجرة لكان في الآية دلالة علىٰ الرضا عن كل من بايع ولكن لما قال: ﴿ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ﴾ فلا دلالة فيها إلا علىٰ الرضىٰ عمن محض الإيمان»( ). ومعنىٰ هذا أن أبا بكر وعمر لم يمحضا الإيمان فلم يشملهما رضا الله في زعم هذا الرافضي، وهل هناك فهم أسقم من هذا الفهم الذي يجعل وصفهم بالإيمان دليلًا علىٰ خروج خيارهم من الإيمان؟

ولهذا الخالصي أمثاله من روافض العصر الحاضر( ). فهل خفي ذلك علىٰ أحمد مغنية أم أراد خداع أهل السُّنة؟! الله أعلم بالحقيقة.. والتقية بلية الشيعة ومصيبتها.

أما الرفاعي الذي يقول بأن الشيعة تقدر الصحابة.. وأن من نسب إلىٰ الشيعة خلاف ذلك فهو خصم سيئ النية.. فهل يخفىٰ عليه أن الذي نسب إلىٰ الشيعة هذا المذهب هو كتبهم.. والذي سجل عليهم هذا العار هو مشايخهم، أمثال: الكليني والقمي والعياشي والمجلسي، وليس خصمًا سيئ النية أو جاهلًا بما في كتبهم؟!

والرفاعي نفسه قد رجع في كتيبه الذي سماه «تقدير الإمامية للصحابة» إلىٰ البحار( ). للمجلسي، والذي حوىٰ من السب واللعن والتكفير ما تقشعر منه جلود المؤمنين؛ حتىٰ إنه عقد بابًا بعنوان باب: كفر الثلاثة( ) (أي الخلفاء قبل علي) فكيف يقول بأن الشيعة تقدر الصحابة؟ وإذا كان يؤمن بمبدأ تقدير الصحابة فعليه أن ينشر ذلك في الوسط الشيعي لا في القاهرة، وأن يجاهد من أجل إقناع إخوانه الإمامية حتىٰ يغيروا هذا البلاء الذي عم وطم في كتبهم أو يعرضوا عنها ويعلنوا فسادها، أما نفي ما هو واقع فلا يجدي في الدفاع؛ لأنه سيؤول من قبل الشيعة والمطلعين علىٰ كتبهم من غير الشيعة بأنه تقية.

وهذا الرفاعي الذي يكتب في القاهرة بين أهل السُّنة «تقدير الإمامية للصحابة» ويتجاهل ما جاء في كتبهم؛ قديمها وحديثها، وما يجري في واقعهم من عوامهم وشيوخهم.. هو نفسه يسب خيار صحابة رسول الله ﷺ؛ فهو من الذين يقولون ما لا يفعلون، كما هو من الذين ينكرون ما يعرفون.. فيتهم فاروق هذه الأمة بالتآمر وأنه أول من قال بالرجعة من المسلمين( ). كما يسب أبا بكر وعمر وأبا عبيدة رضوان الله عليهم( ).

والغريب أنه يستدل بما جاء في رسالة محمد باقر الصدر والتي سماها «التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية»؛ مع أن هذه الرسالة محاولة يائسة وعاجزة لإثبات أصالة مذهب الرافضة.. وأن الصحابة رضوان الله عليهم ليسوا بأهل لحمل الرسالة وتبليغ الشريعة - كما يفتري - وأن الجدير بحملها والمبلغ لها هو علي.. وهذا مع ما فيه من النيل من صحابة رسول الله فهو دعوىٰ جاهلية غبية، أو حاقدة مغرضة تحاول النيل من السُّنة المطهرة، وتواتر هذا الدين. فهو يزعم أن نقل الواحد أوثق من نقل المجموع.. وهذا «إفراز» لعقيدة عصمة الأئمة، وتكفير الصحابة.. والثناء المزعوم علىٰ الصحابة، الذي نقله من رسالة الصدر، قد قاله الصدر من باب تخدير القارئ حتىٰ يتقبل ما يفتريه علىٰ استدلاله ويبطله، فالصدر يقول: «وبالرغم من أن الصحابة بوصفهم الطليعة المؤمنة كانوا أفضل وأصلح بذرة لنشوء أمة رسالية.. بالرغم من ذلك نجد من الضروري التسليم بوجود اتجاه واسع منذ كان النبي حيًّا يميل إلىٰ تقديم الاجتهاد في تقدير المصلحة واستنتاجها من الظروف علىٰ التعبد بحرفية النص الديني، وقد تحمل الرسول ﷺ المرارة في كثير من الحالات بسبب هذا الاتجاه»( ).

فهل ترىٰ في هذا النص مدحًا؟ إنه يزعم أن الصحابة رضوان الله عليهم يجتهدون مع وجود النص؛ بل يرفضون أوامر رسول الله، ويتبعون مصالحهم.. فهل هذا تقدير للصحابة؟! إن من المعروف أنه لا اجتهاد مع النص، وأن مخالفة أمر رسول الله جرم عظيم: ﴿ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ﴾ [النور: 63].

وكل هذه الدعاوىٰ من هذا الرافضي لتأييد فريته، وهي دعوىٰ النص علىٰ علي، وأن الصحابة أعرضوا عن العمل بها لمصلحة راعوها، فأي مصلحة لهم في بيعة أبي بكر؟!

ولا يستدل الرفاعي من رسالة الصدر فحسب؛ بل ينشر باطلها، ويتحفه بتقريظه وتأييده، ويقول في كتيب آخر: إن الإمامية يقدرون الصحابة، فأي تقدير هذا؟! إلا إن كان يريد أن تقدير الإمامية للصحابة هو السب واللعن والتكفير. فما أجرأ هؤلاء علىٰ الكذب!!

وأما محمد جواد مغنية الذي يقول بأن الشيعة لا تنال من مقام الصحابة هو الذي يقول في كتابه «في ظلال نهج البلاغة» عن الخليفة الراشد ذي النورين صاحب الجود والحياء، وصهر النبي ﷺ في ابنتيه، ومجهز جيش العسرة، وصاحب الهجرتين، والمبشر بالجنة من رسول الله ﷺ. يقول فيه: «إن عثمان انحرف عن سنة الرسول، وخالف شريعة الإسلام، واستأثر هو وذووه بأموال المسلمين، فامتلكوا القصور والمزارع والرياش والخيول والعبيد والإماء، ومن حولهم ملايين الجياع والمعدمين»( ).

ويقول: «وكان الزبير وطلحة وعائشة وراء ما حدث لعثمان وعليهم تقع التبعة في دمه»( ). ويتهم عمر > وأهل الشورىٰ الذين فوض لهم عمر اختيار خليفة من بعده - يتهم الجميع بالخيانة والتآمر( ).

فأي احترام لمقام الصحابة وهذا الكلام الحاقد يوجه لخيارهم؟!

وأي إيذاء لرسول الله ﷺ أشد من هذا الإيذاء الذي يوجه له بسب بعض زوجاته، وأصهاره، وخيار أصحابه. وبعد هذا كله.. فكيف نفسر هذا التناقض من هؤلاء؟ هل هذا تقية؟ والتقية عندهم تسعة أعشار الدين ولا دين لمن لا تقية له، أو هي مؤامرة للدعاية للشيعة والتشيع؟

حقيقة ثنائهم على الصحابة: 

يزعمون أنهم يوالون أهل البيت ويعنون بهم أئمتهم الاثني عشر ويتناولون البقية، ولا سيما من خرج منهم لطلب الإمامة بالسب والتجريح، بل التكفير والتخليد في النار. كذلك يزعمون - أحيانًا - أنهم يوالون الصحابة ويريدون بهم الثلاثة أو الأربعة أو السبعة الذين لم يرتدوا كما تصور ذلك أساطيرهم.

والذي لا يعرف هذه الحقيقة قد ينخدع بكلامهم في هذا الباب ولا يتصور أن للصحابة عندهم تفسيرًا معينًا. وهناك تفسير آخر لهم في الصحابة جاء بيانه في بعض رواياتهم، تقول رواياتهم بعد ثناء علىٰ الصحابة وأمر بالرجوع لأقوالهم وإجماعهم: فقيل: يا رسول الله، ومن أصحابك؟ قال: أهل بيتي( ). فهم يفسرون الصحابة بأهل البيت.

ثم هناك مسلك ثالث يسلكونه في الثناء علىٰ الصحابة وهو حمله علىٰ التقية، وقد أشار إليه شيخهم الطوسي، حيث قال بعد أن سب عائشة أم المؤمنين <: «فإن قيل: أليس قد روي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر أن سائلًا سأله عن عائشة وعن مسيرها في تلك الحرب، فاستغفر لها وقال له (الراوي): تستغفر لها وتتولاها؟ فقال: نعم، أما علمت ما كانت تقول: يا ليتني 

كـنت شـجرة، ليتني كنت مدرة». قال الطوسي: «لا حجة في ذلك علىٰ مذاهبنا؛ لأنا نجيز عليه - صلوات الله عليه - التورية، ويجوز أن يكون السائل من أهل العداوة واتقاه بهذا القول، وورىٰ فيه تورية يخرجه من أن يكون كذبًا، وبعد، فإنه علق توبتها بتمنيها أن تكون شجرة ومدرة وقد بينا أن ذلك لا يكون توبة وهو عليه السلام بهذا أعلم»( ).

إن علىٰ الذين يقولون بتقدير الشيعة للصحابة أن يعلنوا خطأ هذه المسالك وعدم صحتها، وأن يعترفوا ببطلان تلك الروايات السوداء، وأن يصدقوا ولا يتناقضوا، حتىٰ يقبل منهم موقفهم، ثم لِمَ يذهبون للرد علىٰ أهل السُّنة إذا قالوا: إن مذهب الشيعة الطعن في الصحابة وتكفيرهم، ولا يردون علىٰ أنفسهم وعلىٰ كتبهم وعلىٰ مشايخهم المعاصرين الذين لا يزالون يهذون في هذا الضلال؟

وأي فائدة اليوم في اللعن والسب والتكفير الذي ملأوا به كتبهم، وأسواقهم، ومزاراتهم، وقد انقضىٰ العصر الأول بكل ما فيه؟! لا هدف في الحقيقة إلا الطعن في القرآن والسُّنة والدين بعامة، وإلا إثارة الفتنة وتفرقة الأمة.

وماذا يبقى لنا بعد سبهم ولعنهم؟!:

وماذا يبقىٰ من أمجادنا وتاريخنا إذا كان أولئك السادة القادة الأتقياء الأصفياء الأوفياء الرواد، الذين نشروا الإسلام وأقاموا دولته، وفتحوا البلاد وأرشدوا العباد، وبنوا حضارة لم تعرف لها الدنيا مثيلًا، إذا كان هؤلاء الرواد الأوائل لكل معالم الخير والعدل والفضائل يستحقون اللعن من أحفادهم، وتشويه تاريخهم، وهم الذين أثنىٰ الله عليهم ورسوله، وسجل التاريخ الصادق مفاخرهم بمداد من نور. فمن الذي يستحق الثناء والمديح؟ وأين أمجادنا وتاريخنا إذا كان أولئك كذلك؟!.

إن تلك الصفحات السوداء التي تتضمن الطعن واللعن والتكفير لأولئك الصحب العظام، وهم الذين تلقوا هذا الدين، ونقلوه لنا، هي في الحقيقة طعن في دين الإسلام ورسول الإسلام.. وإن علىٰ الصادقين المخلصين من الشيعة وهم يريدون التقارب مع المسلمين أن يعلنوا براءتهم من تلك الأقوال الشاذة الملحدة التي تتناول خيار صحابة رسول الله باللعن والتكفير، ويبينوا لأقوامهم أولًا وللمسلمين عامة أن تلك الروايات والأقوال هي آراء لبعض الطوائف المنحرفة الضالة القديمة يبوؤن بإثمها وإثم من اتبعهم فيها إلىٰ يوم القيامة، حتىٰ يزيلوا تلك النفرة التي سكنت في قلوب أهل السُّنة منذ أقدم العصور إلىٰ الآن.

وإن أجدىٰ طريق لإزالتها هو بيان أنهم لا يعتقدون صحة تلك الآراء التي يستوحش منها المؤمنون في كل بقاع الأرض، فأي مؤمن صادق الإيمان يعلم أن فرقة من الفرق تدين بلعن صدّيق هذه الأمة الذي لو وزن إيمانه بإيمان الأمة لرجح بهم، أو فاروقها الذي لم يَفْرِ في الإسلام فريه أحد، ثم بعد ذلك يقبل علىٰ دراسة مذهبها، إلا إذا أوتي قدرة فكرية خاصة؟!

وأي مؤمن يثق بآراء هذه الطائفة إذا كان يعلم أنها تدين بهذا اللعن؟! إن إزالة هذه الأدران والبلايا هي من أركان التقارب وأسسه، وإن عليهم أن يعلنوا هذه الإزالة والتغيير( )، إذا كانوا صادقين في رغبتهم في التآلف مع المسلمين، وليس الأمر مؤامرة لنشر معتقداتهم في ديار السُّنة»( ).



الفصل السادس

على أي أساس تقوم الوحدة معهم؟! ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [التوبة: 49]!!

جهل الساسة بالشرع.. وجهل العلماء بالسياسة!!:

الحيرة تجاه قضايا إيران وزمرتها القيادية هو ما شخّصه العلامة رشيد رضا قبل 100 عام حين قال: «جهل الحكام بالشرع وجهل العلماء بالسياسة سبب مصائبنا»، فغالب المتولين لشؤون السياسة في عالمنا الإسلامي من خلفيات علمانية ليبرالية أو يسارية لا يَعون حقيقة الأيديولوجية الدينية الشيعية التي ينطلق منها الخميني وأتباعه، كما أن الكثير من علمائنا، وخاصة قادة الحركات الإسلامية يشاطرونهم هذا الجهل بالعقيدة الشيعية!!

أما الذين يملكون المعرفة الصحيحة بالفكر الشيعي من علمائنا فقليل منهم مَن يملك القدرة علىٰ ترجمة أثر هذه العقيدة في حركة إيران السياسية وتحالفاتها وتكتيكاتها المتناقضة، وتقديم خطاب متماسك ومقنع للنخب والعامة يبين حقيقة المصالح والمفاسد من سياسات إيران علينا.

محاولات الدعوة للوحدة والتقريب:

هنالك نفر من العلماء ورجال العلم وقادة الفكر، قد خدعوا بعد أن تصوروا الأشياء علىٰ غير حقيقتها، وانطمست في أعينهم الحقائق بعد أن أضحوا ينظرون إليها بالمنظار الذي تصنعه الدسائس والمؤامرات، فراحوا يمدون أيديهم إليهم؛ ظنًّا منهم أنهم يستطيعون انتشالهم من مصائد الشيطان.

قد يظن البعض أن الطوائف الشيعية التي يزيد عددها علىٰ سبعين فرقة، كل فرقة تدعي أن الحق في جانبها، لا تتفق فيما بينها، علىٰ أصول مشتركة، وأن لكل طائفة عقيدتها الخاصة، وطقوسها التي لا يعتد بها غيرها، ولكن الدراسات أكدت - بما لا يدع مجالًا للشك - أن الأصول الإلحادية للتشيع مشتركة بين جميع الطوائف، وأن الاختلاف بين كل طائفة وأخرىٰ شكلي لا جوهري، بل هو أقل بكثير من الاختلاف الواقع بين أحد المذاهب الإسلامية، وبين ما بقي منها؛ لأن الدين عند كل طائفة منهم هو عبادة إمام من أئمتهم تكفر به الطوائف الأخرىٰ، وتلعنه وتتبرأ منه.

هذه الاختلافات الجوهرية - كما يقول محب الدين الخطيب، في «شرح المنتقىٰ من منهاج السُّنة» - لم تكن موجودة بين هذه الطوائف إلا في القرن الهجري الأول، حين كان منهم الغلاة وأنصاف الغلاة، أما منذ القرن الثاني فقد صار الكل غلاة، وما كان يعد غلوًّا أصبح من ضرورات التشيع، باعتراف علمائهم.

روي عن الحسن المثنىٰ بن الحسن السبط، قال لرجل من الشيعة: «والله لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم ثم لا نقبل لكم توبة، فقال رجل له: ولم لا تقبل منهم التوبة؟ قال: نحن أعلم منكم بهؤلاء إن شاءوا صدقوكم وإن شاءوا كذبوكم، وزعموا أن ذلك يستقيم لهم، ويلك إن التقية باب رخصة للمسلم إذا اضطر إليها وخاف من ذي سلطان أعطاه غير ما في نفسه، يدرأ عن ذمة الله، وليست باب فضل، وإنما الفضل في القيام بأمر الله وقول الحق، وايم الله ما بلغ من التقية، أن يجعل بها لعبد من عباد الله أن يضل بها عباد الله». أخرجه الحافظ ابن عساكر.

إن طائفة كبيرة من أحاديث بخاريهم الذي يسمونه «الكافي» مروية عن أناس مطعون في دينهم، لكنهم يعدون عندهم ثقات؛ لأن الطعن في الدين لا يوجب الطعن في الرواية، ولأن ميزان الإيمان عندهم هو الحب والبغض لا لرسالة الإسلام، ومن أجلها، بل لأشخاص وهميين زعموا لهم ما ليس للبشر من صفات، فانتحلوا محبتهم، ليستروا بها أهدافهم الدنيئة التي لا تعدوا القضاء علىٰ الإسلام وتشويه مبادئه.

ينسبون بعض كتبهم إلىٰ بعض مشاهير أهل السُّنة، بعد أن يقوموا بحشوها بكلمات تتقزز منها النفوس، من مطاعن في الدين، وفي صحابة رسول الله ﷺ، ثم يحتجون بها علىٰ أهل السُّنة.

يشترون ذمم بعض الكتاب وحملة الأقلام؛ نظير ثمن بخس، وطمعًا في مجد زائف.

إقامة حفلات العزاء والنياحة في أيام عاشوراء للنكاية بأهل السُّنة والجماعة، ولاستفزازهم بما يلقونه في هذه المآتم من خطب مشحونة بأقذع الشتائم لسلفنا الصالح، وممارستهم في هذه المآتم أنواعًا من الممارسات لا يمكن أن توصف إلا بأنها خطط مدبرة لتشويه سمعة سلفنا الصالح في الصدر الأول من الإسلام، وإظهارهم للشعوب الأخرىٰ بمظهر عصابات تتناحر علىٰ الحكم، وتتطاحن علىٰ الزعامة، بعد أن كانت تتناحر في الجاهلية علىٰ القوت، وتتطاحن علىٰ لقمة العيش.. لا يتهاونون عن إقامة هذه المآتم التي يحرمها الكتاب والسُّنة، ولا يقيمون الجمعة والجماعة المؤكدتين في الكتاب والسُّنة بحجة غيبة الإمام المنتظر.. وفي عاشوراء يقف البعض جماعات جماعات في حلقات، وتؤدي كل جماعة منها طقسًا معينًا.. ومنهم من يردد أناشيد معينة يضربون فيها صدورهم حتىٰ تتورم من الضرب.. ومنهم من يضرب جباههم بالسلاسل والسيوف.. ومنهم من يأتي بسخلة ويسمونها بعائشة، ثم يبدءون بنتف شعرها، وينهالون عليها ضربًا بالأحذية حتىٰ تموت.. ومنهم من يأتي بكلب ويسمونه عُمَر، ثم ينهالون عليه ضربًا بالعصي ورجمًا بالحجارة حتىٰ يموت... وغير ذلك من الممارسات المستنكرة، والتي تمارس باسم الدين...

محاولات دعوتهم إلىٰ الوحدة والتقريب بين المذاهب.. هي دعوىٰ محببة إلىٰ النفوس، ولكن علىٰ أي أساس تقوم هذه الوحدة؟ هل سيكون كتاب الله أساسًا لها؟

هل هو مصحف فاطمة، أم هو المصحف الذي سيأتي به المهدي المنتظر؟!

ننخدع بالشعارات الجوفاء التي يرفعون لواءها، وهي في الحقيقة تخدير للذين يجهلون حقيقتهم ومقاصدهم بعد أن لبسوا مسوح التقوىٰ والصلاح.. !!

تجربة الشيخ القرضاوي:

أطلق الشيخ يوسف القرضاوي تحذيرًا شديد اللهجة من خطورة المشروع الشيعي في المنطقة، وجهر بالتحذير من التمدد الشيعي في المجتمع السني وما يترتب علىٰ ذلك من خطورة علىٰ الدين والأمة، ولقي تحذير الشيخ ترحيبًا من المخلصين الفاقهين الحريصين علىٰ المصلحة الشرعية، ولكن هذا التحذير لم يَرُقْ لمراجع الشيعة ووسائل إعلامهم فشنّوا عليه حملة متشنجة كشفت كثيرًا من مخازيهم، ومع الأسف الشديد، فإن هذا التحذير لم يَرُقْ أيضًا لبعض الناس من أهل السُّنة، حيث دعوا - كالمعتاد - إلىٰ تنحية الخلافات بين السُّنة والشيعة، والتوحد أمام الهجمة الصهيونية والأمريكية (وهو ما لم يسبق حدوثه). لقد أظهر هذا الموقف مدىٰ التغلغل الشيعي داخل أدمغة بعض النخب المحسوبة علىٰ الاتجاه السني؛ فقد عارض موقفَ الشيخ مَن عارضه ممن كان يُظَنُّ به متابعته له، كما صمت عن نصرته مَن صمت، حيث لا يصلح الصمت في مكان ينبغي فيه الجهر. إن هذا الموقف من يوسف القرضاوي لم يأت من فراغ ولم يكن ناتجًا عن تسرُّع أو جهل بحقيقة الشيعة، بل كان علىٰ علم ومعرفة بالمشروع الإيراني الطائفي، وجاء بعد معاناة طويلة، فعندما عاتبه بعض أصحابه علىٰ هذا الجهر وطالبه بالحديث غير المعلن مع علماء الشيعة قال الشيخ: «هذا قد تم يا دكتور خلال أكثر من عشر سنوات تم في مؤتمرات التقريب ومن خلال زيارتي لإيران سنة 1988م بيني وبين علماء طهران وقم ومشهد وأصفهان، وتم فيما كتبته من بحوث ورسائل آخرها رسالة مبادئ الحوار والتقريب بين المذاهب الإسلامية، ولكني وجدت أن المخطط مستمر، وأن القوم مصمِّمون علىٰ بلوغ غاية رسموا لها الخطط ورصدوا لها الأموال وأعدوا لها الرجال وأنشؤوا لها المؤسسات، ولهذا كان لا بد أن أدقَّ ناقوس الخطرِ؛ وأجراسُ الخطر يا دكتور لا تؤدي مهمتها ما لم تكن عالية الصوت، توقظ النائم، وتنبه الغافل، وتُسمِع القريب والبعيد». ثم قال بكل وضوح: «الخطر في نشر التشيع أن وراءه دولة لها أهدافها الاستراتيجية وهي تسعىٰ إلىٰ توظيف الدين والمذهب لتحقيق أهداف التوسع ومد مناطق النفوذ حتىٰ تصبح الأقليات التي تأسست عبر السنين أذرعًا وقواعد إيرانية فاعلة لتوتير العلاقات بين العرب وإيران وصالحة لخدمة استراتيجية التوسع القومي لإيران».

حاول الدكتور يوسف القرضاوي البحث عن مواضع لقاء معهم والتماس الأعذار لهم، وهو يعلم أنهم يسبون عائشة أم المؤمنين والصحابة رضوان الله عنهم، ومؤكدًا علىٰ إمكانية التعايش، وأنه هناك ما يمكن أن نقف عليه كأرضية مشتركة تقاوم أعداء الإسلام، ونتعاون فيه فيما ينفع الأمة الإسلامية؛ رافضًا كل ما من شأنه أن يزيد التوتر بين الطرفين السُّنة والشيعة قائلًا: 

(وأما الخلاف المذهبي حقيقة بين السُّنة والشيعة، وهذه الأشياء يمكن أن يلتقي فيها العلماء ويناقشوا، ويكون هناك أشياء في ظل الحرص علىٰ وحدة الأمة، وفي ظل العمل علىٰ التوفيق قدر الإمكان، فهذا هو الرأي الذي ينبغي أن نتبناه ولا نتركه).

فماذا كانت النتيجة؟! فماذا كان منهم بعد كل هذا من القرضاوي للقرضاوي؟! حين طالبهم بالتوقف عن نشر مذهبهم الضال في بلاد السُّنة، وقال قولة حق طال غيابها في مذهبهم، شنوا عليه حملة شعواء، وصفوه فيها بأنه خائن وعميل للصهيونية، وأقاموا الدنيا عليه ولم يقعدوها بعد، وهذا هو دأبهم فيمن يتناولهم بحق!!

استخدموا التقية والتدليس لتخدير رموز أهل السُّنة.. إن خلاف أهل السُّنة والجماعة مع المذهب الشيعي الإمامي، هو من نوع خلاف التضاد وليس خلاف التنوع؛ لأنه متعلق بالعقيدة وبكتاب الله وتفسيره، والموقف من السُّنة النبوية المشرفة، وعدالة الصحابة الكرام والتاريخ الإسلامي، والمنظومة الأخلاقية.. وغير ذلك كثير، لقد تشكلت لجنة في القاهرة باسم دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، وكان علىٰ رأسها علماء كبار من شتىٰ المذاهب وبالخصوص من الشيعة والسُّنة.. إلخ، ثم خبا صوتها وخفت نتيجة لما وصلت إليه قناعة دعاة التقريب من أهل السُّنة، وكشفهم لألاعيب الشيعة وأكاذيبهم، وتحققهم من انعدام صدقهم، وقد كان من المتحمسين للتقريب يومها د. مصطفىٰ السباعي ؟، ففوجئ بعد لقاءات وحوارات بالطعن في الظهر ونكث ما اتفق عليه حيث قال: «إن عبد الحسين شرف الدين الموسوي، الذي كان متحمسًا لفكرة التقريب، قام بإصدار كتاب في أبي هريرة >؛ مليء بالسباب والشتائم، بل انتهىٰ فيه إلىٰ القول بأن أبا هريرة > كان منافقًا كافرًا، وأن الرسول قد أخبر عنه بأنه كان من أهل النار.. ثم يقول السباعي: «لقد عجبت من موقف عبد الحسين من كلامه وفي كتابه معًا، ذلك الموقف الذي لا يدل علىٰ رغبة صادقة في التقارب ونسيان الماضي». ويذكر السباعي أن غاية ما قدم شيوخ الشيعة تجاه فكرة التقريب هي جملة من المجاملة في الندوات والمجالس، مع استمرار كثير منهم في سب الصحابة، وإساءة الظن بهم، واعتقاد كل ما يروىٰ في كتب أسلافهم من تلك الروايات والأخبار. ) مفهوم التقريب عند الشيعة الإمامية؛ أن يتاح لهم المجال لنشر عقائدهم في ديار السُّنة، وأن يستمروا في نيلهم من أصحاب رسول الله ﷺ، وأن يسكت أهل السُّنة عن بيان الحق، وإن سمع دعاة الشيعة الحق هاجوا وماجوا قائلين: ان الوحدة في خطر.. !! تجربة أخرىٰ مطابقة لتجربة السباعي؛ قام بها الشيخ موسىٰ جار الله التركستاني القازالي الروسي، شيخ مشايخ روسيا في نهاية العصر القيصري وبداية الحكم السوفياتي، وكان صاحب الكلمة الأولىٰ والأخيرة في أمور مسلمي روسيا، فقد حاول أن يجمع شمل الأمة، وتحمس للتقريب، ثم درس كتب الشيعة، والْتقىٰ بعلمائهم، وذكر لهم قضايا خطيرة في أمور منكرة تحول بين الأمة واتحادها. وقد انتهت تجربته إلىٰ نفس ما انتهت إليه تجربة السباعي والقرضاوي.

الخلاف بين أهل السُّنة والشيعة خلاف في الأصول قبل الفروع.. !!:

الخلاف في العقائد قبل المسائل الفقهية.. !!:

وإذا كنّا لا نتفق على القرآن الكريم؛ المصدر الأول الذي يجب أن نتفق عليه، فعلى أي شيء نتفق؟!:

ذهب أكثر علماء الشيعة؛ أمثال: الكليني صاحب الكافي، والقمي صاحب التفسير، والمفيد، والطبرسي صاحب الاحتجاج، والمجلسي، وغيرهم من علماء الشيعة - وسيأتي ذكر الباقي منهم - إلىٰ القول بتحريف القرآن، وأنه أُسقط من القرآن الكريم كلمات بل آيات، حتىٰ إن بعض علمائهم المتأخرين يلقبونه بخاتمة المحدّثين». النوري الطبرسي صنّف كتابًا أسماه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب»، أورد فيه كلام علماء الشيعة القائلين بالتحريف، غير أن بعض علماء الشيعة أمثال الطوسي صاحب «التبيان»، والمرتضىٰ الذي هو ثاني اثنين شاركا في تأليف «نهج البلاغة» - المنسوب زورًا وبهتانًا - إلىٰ علي >، والطبرسي صاحب «مجمع البيان»، والبعض منهم في العصر الحاضر أنكروا التحريف، ولكن ذلك الإنكار لم يكن صادرًا عن عقيدة، بل إن الواقع: إنما صدر منهم ذلك لأجل التقية التي يحتمون بها، لاسيما من المسلمين.

يقول الطبرسي في كتاب «الاحتجاج» (جـ1/ صـ225): عن أبي ذر الغفاري أنه قال: لما توفي رسول الله صلىٰ الله عليه وآله جمع علي عليه السلام القرآن، وجاء به إلىٰ المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه رسول الله صلىٰ الله عليه وآله، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم، فوثب عمر وقال: يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه عليه السلام وانصرف. ثم أحضروا زيد بن ثابت - وكان قارئًا للقرآن - فقال له عمر: إن عليًّا جاء بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منه ما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلىٰ ذلك، ثم قال: إذا فرغت من القرآن علىٰ ما سألتم، وأظهر عليّ القرآن الذي ألفه، أليس قد بطل كل ما عملتم؟ قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر: فما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه؟ فدبر في قتله علىٰ يد خالد بن الوليد فلم يقدر علىٰ ذلك. فلما استخلف عمر سأل عليًّا عليه السلام أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيما بينهم، فقال: يا أبا الحسن إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلىٰ أبي بكر حتىٰ نجتمع عليه؟ فقال عليه السلام: هيهات ليس إلىٰ ذلك سبيل، إنما جئتُ به إلىٰ أبي بكر لتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي. قال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم. فقال عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي، يظهره ويحمل الناس عليه، فتجري السُّنة به( ).

اتهموا الصحابة الكرام بالارتداد؛ لأنهم بايعوا أبا بكر وتركوا عليًّا الذي لا وصيّ غيره، كيف نتحد مع من يطعنون في كتاب الله؟! يدعون أن عثمان > زاد فيه وانتقص!! عثمان أسقط كثيرًا من السور والآيات التي توصي بمتابعة أهل البيت ومحبتهم، ولعن من لا يؤمن بولايتهم، وأن من السور المحذوفة «سورة الولاية»، ومن الآيات في سورة «الشرح» «وجعلنا عليًّا صهرك».

تفاسيرهم مملوءة بالمطاعن!! يفسرون «ودًّا» و«سُواعًا» بطلحة والزبير، و﴿ﮯ﴾ بعثمان، ﴿ﮰ ﮱ﴾ بمعاوية وعمرو بن العاص، «والجبت والطاغوت» بأبي بكر وعمر.. مئات النصوص أوردها علي بن إبراهيم القمي، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتابه «الاحتجاج» و«فصل الخطاب».. وغير ذلك من كتبهم.. أبو علي الطوسي في «مجمع البيان» يؤكد علىٰ أن الزيادة مجمع علىٰ بطلانها، وأما النقصان والتغيير فهو موجود. وقسموا القرآن الكريم إلىٰ أربع مراتب وهي: فهم العبارة وهو للعامة، وفهم الإشارة وهو للخاصة من العلماء، وهناك ما لا يفهمه إلا الخاصة من الأولياء الذين لازموا الأوصياء، أما الحقائق ومراد الله سبحانه فهو للأوصياء خاصة!!

كيف يدعون إلىٰ الوحدة، وهم عاجزون عن توحيد فرقهم وشراذمهم.. هم لا يجرؤون علىٰ مهاجمة «الأغاخان» الذي أسقط الصوم والصلاة عن أتباعه، واستبدل ما تهمهم بها الشفاه بضع دقائق في كل صباح!!

يقولون: إن القرآن الذي بين أيدينا ليس بتمامه، بل منه ما هو خلاف ما أنزل الله، ومنه ما هو مغير ومحرف، وأنه قد حذفت منه أشياء كثيرة، منها: اسم عليّ في كثير من المواضع.. يروي الكليني عن جعفرالصادق: أن القرآن الذي نزل به الوحي علىٰ محمد سبعة آلاف آية، والآيات التي نتلوها ثلاث وستون ومائتان وستة آلاف، أما الفرق بين العددين فهو مخزون عند أهل البيت.. وأنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، وأنهم يعلمون علمه كله، وقد كذَّب الكليني من ادعىٰ من الناس أنه جمع القرآن كله!! وقال: ما جمعه وحفظه كما نزله الله إلا علي بن أبي طالب، والأئمة من بعده.. والذي جمعه علي هو مثل قرآنكم ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد.. !!

ويروي الكليني أيضًا أن فاطمة < قد مكثت بعد وفاة النبي ﷺ خمسة وسبعين يومًا، صبت عليها مصائب من الحزن لا يعلمها إلا الله، فأرسل الله إليها جبريل يسليها ويحدثها عن أبيها، وعما يحدث لذريتها إلىٰ يوم القيامة، وكان علي يسمع ويكتب ما سمع، حتىٰ جاء به مصحف قدر القرآن ثلاث مرات ليس فيه شيء من حلال وحرام، ولكن فيه علم ما كان وما يكون، وما لم يكن إلىٰ يوم القيامة.

يقولون: لدىٰ الأئمة ما يسمونه «بزبور آل محمد، وإنجيل أهل البيت»، وهي معتبرة عندهم بمنزلة القرآن الكريم!!

ما رواه المرتضىٰ في المسائل الناصرية، أن أبا بكر وعمر سيصلبان علىٰ شجرة في زمن المهدي المزعوم عند الرجعة.

يقولون: «حب علي حسنة لا تضر معها سيئة».

وفي بصائر الدرجات ينسبون للنبي ﷺ قولهم: «تشهدون لله بالوحدانية، ولي بالرسالة، ولعلي بالوصية والولاية، لا أقدم علىٰ علي أحدًا، والبيعة بعدي ضلالة، للأول ثم للثاني ثم للثالث» ثم يقولون: «وويل للرابع ثم الويل له ولابنه يزيد، وويل لمن كان قبله». ومن الغريب أن عليًّا هو الذي كان قبله، وقد وجهوا إليه ويلاتهم الملتهبة مرتين ولغيره مرة واحدة.

وعن جعفر الصادق - علىٰ حد زعمهم قوله: «لنا مع الله حالات، نحن فيها هو وهو نحن».. وفي الوافي عن جعفر: «كنا عند الله وليس عنده أحد سوانا لا ملك مقرب ولا غيره، ثم بدا له خلق السموات والأرض فخلق ونحن معه»!!

وفي الوافي: «كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله»، و«الجهاد مع غير الإمام حرام، مثل حرمة الميتة والخنزير ولا شهيد إلا الشيعة، والشيعي شهيد ولو مات علىٰ فراشه حتف أنفه، والذين يقاتلون في سبيل الله من غير الشيعة فالويل يتعجلون»( ).

من اعتقادات الشيعة أن دين أهل السُّنة ناقص لم يكتمل، إلا إذا اعتنقوا مذهب أهل البيت رضوان الله عليهم حيث إنه المكتمل وحده، ولأن الأئمة وحدهم هم الذين استوعبوا جميع أحاديث رسول الله ﷺ وفهموا كتاب الله تعالىٰ؛ لأن له ظاهرًا وباطنًا ويستدلون بقول الله تعالىٰ: ﴿ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [آل عمران: 7]. ومن يطلع علىٰ تفاسير الشيعة الاثني عشرية يجد تفسير ﴿ﯚ ﯛ ﯜ﴾ هم الأئمة المعصومون؛ أولهم حقيقة وآخرهم خرافة. هذا هو اعتقاد الشيعة الاثني عشرية في دين أهل السُّنة( ).

هل دعوتهم إلى وحدة إسلامية - مزيفة - وتقريبهم للمذاهب مجدي؟!:

وراء الأكمة ما وراءها!! أي وحدة هذه، لا يكون كتاب الله أساسا لها؟!

لقد أملت علىٰ الآخرين مصالحهم الشخصية، أن يخترعوا بدعة منكرة قوامها الدعوة إلىٰ وحدة إسلامية، وتقريب بين المذاهب الإسلامية!!

إن من لديه أدنىٰ معرفة بالأسس التي قام عليها دينهم يعجب أشد العجب من هذه الخدعة المفضوحة!! كيف تنقلب الذئاب الشرسة إلىٰ أحمال وديعة؟! وكيف يجمع بين الحق والباطل والهدىٰ والضلال؟!

هنالك هوة سحيقة بين أهل السُّنة والجماعة وبين الشيعة، تجعل من المستحيل تحقيق هذه الوحدة، فهم يعتقدون بأن القرآن الكريم الذي بين أيدينا محرف، وأن ما يعترفون به منه له معنىٰ ظاهر تفهمه العامة، ومعنىٰ خاص لا يفهمه إلا الأئمة المعصومون من الخطإ والنسيان.. يقولون، وكل ما يقولونه حق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!! يتهمون الصحابة بالارتداد لمبايعتهم أبي بكر وعمر دون علي بن أبي طالب ش، وغير ذلك من الأمور!!

حقيقة التشيع أن نتنازل عن كل شيء!!:

حقيقة التشيع تقول: إنهم يريدون منا أن نتنازل عن كل شيء، عندئذ يترضون عنا كما يترضون عن بابا شجاع الدين أبو لؤلؤة المجوسي؛ الذي قتل عمر الفاروق.. يترضون عنا إذا ما وضعنا عقولنا تحت أقدامنا، ورضينا بأن نكون رعاعًا نسمع لكل ناعق ونتبع كل مارق!!

ولقد انخدع بالفعل - بعد أن انزلقوا في مجارف التقية وأوحالها - رجال من ذوي المكانة العلمية في العالم الإسلامي، وممن تصدوا للفتوىٰ ونصبوا من أنفسهم حماة للإسلام والمسلمين!! الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمود شلتوت ؟، كان ممن سقطوا في كهوف تقيتهم، فأعلن أن المذاهب الإسلامية الخمسة واحدة جوهرًا، واحدة مصدرًا، واحدة موردًا، وأنه يجوز التعبد بالفقه الإمامي الاثني عشري الجعفري!!

ليس حقيقةً ما اصطلح علىٰ تسميته بالمذهب الفقهي الإمامي، الذي يحاول البعض نسبته إلىٰ جعفر الصادق، ويسمونه بالمذهب الجعفري، رغم عدم وجود أي علاقة بين جعفر الصادق وهذا المذهب؛ لأن معظم المؤلفات الفقهية للشيعة الإمامية ألفت بعد وفاة الصادق بأكثر من مائتي عام، بل إن الروايات المنسوبة في كتب القوم لهذا الإمام الجليل تتعدىٰ تلك المدة الزمنية، ولذا هناك هوة واسعة؛ تاريخيًّا بين الشيعة الإمامية كعقيدة، وبين فقههم، لم يستطيعوا إخفائها علىٰ مر العصور، بل حاولوا أن يسدوا هذه الهوة بما أوتوا من مكر وكذب، ولم يفلحوا في ذلك أبدًا؛ نظرًا لضعف حجتهم وتأخر كتبهم الفقهية، ولذا نجدهم يملئون فهارسهم (مثل «فهرست» الطوسي) بمؤلفات وهمية لرجالهم، وفي بعض الأحيان ينسبون مؤلفات أهل السُّنة لهم، علىٰ اعتبار أن أصحابها كان عندهم شيء من التشيع، علىٰ مذهب المحدثين من أهل السُّنة في ذكر مثل هذه المسائل عند استعراضهم للرجال في كتب الجرح والتعديل وكتب التراجم.

ليس هناك تحديد دقيق لنشأة الفقه عند الإمامية.. هم يخلطون بين الرواية والفقه، وربما يفعلون ذلك عمدًا؛ نظرًا لتأخر ظهور الفقه عندهم؛ مقارنة بالروايات المنسوبة للأئمة.. أول من كانت له عناية حقيقية بالفقه من علماء الإمامية ومصنفيهم، هو ابن بابويه القمي المعروف عندهم بالصدوق ووفاته كانت في سنة 381هـ، وأشهر المؤلفات التي كتبها هو كتابه «من لا يحضره الفقيه»، ولا يعدو هذا الكتاب كتابًا فقهيًّا، بقدر ما هو كتاب للمرويات عن الأئمة، وليس فيه آراء فقهية يمكن نسبتها لابن بابويه نفسه، لكنه ألف فيما بعد كتابين مهمين جدًّا عند فقهاء الإمامية، الأول هو كتاب «المقنع»، والثاني كتاب «الهداية»، وهما مختصرات فقهية لم يشرحها علماء الإمامية، إلا بعد موت ابن بابويه بأكثر من أربعمائة عام.

وبعد هلاك ابن بابويه، لم تكن عناية من جاء من بعده من علماء الإمامية ومصنفيهم كبيرة بكتب الفقه، فأُهمِل هذا الجانب كثيرًا، اللهم إلا إذا استثنينا محمد بن النعمان المعروف عندهم بالمفيد - وفاته سنة 413هـ - في مختصره الفقهي «المقنعة»، والمرتضىٰ المعروف عندهم بعلم الهدىٰ - وفاته سنة 436هـ - في كتابه «الانتصار» وفي بعض الرسائل الصغيرة، ولذا تأخرت ولادة الفقه كثيرًا عن ولادة المرويات عند الإمامية، ولم يهتم به فقهاؤهم إلا في القرن الثامن والتاسع الهجريين علىٰ يد ابن المطهر الحلي وابنه والعاملي وغيرهم.

وهذه الحقيقة تخفىٰ علىٰ كثير من الدارسين لهذا المذهب؛ فضلًا عن عامة أهل السُّنة والجماعة.. لم يكن هناك فقه ولا فقهاء عند الإمامية طوال سبعة قرون من تاريخ الإسلام، والأدهىٰ من ذلك أنهم يدعون أنهم من أوائل المذاهب الفقهية عند المسلمين، ونحن نقول لهم: فأين هي كتبكم، وأين هي مصنفاتكم، وأين هم علماؤكم: ﴿ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ﴾ [البقرة: 111]( ).

الإمام الأكبر ؟ ونفر من العلماء الأجلاء، تصوروا الأمور علىٰ غير حقيقتها، وانطمست في أعينهم الحقائق، فراحوا يمدون أيديهم النظيفة إلىٰ أيدٍ ملطخة؛ ظنًّا منهم أنهم يستطيعون أن ينتشلوهم من حمأة السفاسف ومصائد الشيطان!!

أي كتاب ستقوم عليه هذه الوحدة؟ كتاب الله يطعنون فيه؛ لأن مَن جمعه أناس - علىٰ حد زعمهم - كفار مرتدون؛ لأنهم بايعوا أبا بكر وتركوا عليًّا الذي لا وصي غيره!! ويدعون أن عثمان زاد فيه وانتقص!! فأي كتاب يريدون منا أن نتحد علىٰ أساسه؟ هل هو مصحف فاطمة؟ أم هو مصحف سيأتي به المهدي بعد عمر طويل؟! إن كان الأول، فأين هو؟ وإن كان الثاني فليؤجلوا دعوتهم إلىٰ الوحدة إلىٰ أن يتحلىٰ مهديهم بالشجاعة ويخرج من السرداب!!

هم يهدفون من وراء المطالبة بالوحدة بين المذاهب الإسلامية أو التقريب بينها الظفر باعتراف صريح من علماء المسلمين بعدم وجود فروق ذات بال بين عقائد الشيعة والعقيدة الإسلامية الصحيحة.. ليحتفظوا بهذا الاعتراف علىٰ ما يتمتعون به من مكانة بين السذج والبسطاء، وليضمنوا بقاء نفوذهم الديني!!

كيف تقوم الوحدة الإسلامية مع دين يستمد مقوماته من المجوسية واليهودية والنصرانية والمذدكية والزرادشتية؟! إذا ما تمت الوحدة بين المذاهب الإسلامية والرافضة ستكون الكلمة لهم في كل رأي.. لأن اعترافنا بمذهبهم يعني اعترافنا بعصمة الأئمة!!

جميع أصول هذه العقيدة وفروعها تقوم علىٰ أساس مخالفة أهل السُّنة والجماعة، في كل شيء، فكل حكم شرعي لا يجدون له دليلًا يؤيد مخالفتهم، يأتون له بسيل من الأحاديث والنصوص الملفقة، وكل همهم أن يطبقوا نصًّا وروحًا قول جعفر الصادق - علىٰ حد زعمهم: «إذا اختلفتم في شيء من المسائل فخالفوا هؤلاء فإن الرشاد في مخالفتهم». والمقصود بهؤلاء هم أهل السُّنة والجماعة!!

يقول الشيخ محمد عرفة - ؟ عضو هيئة كبار العلماء في مصر عام 1946م، وكان عضو جماعة التقريب بين السُّنة والشيعة، وبعد أن تبين له الحق - وذلك في مقدمة كتاب «الوشيعة في نقد عقائد الشيعة»: 

لقد صدرت آراء من دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية، يثنون فيها علىٰ مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، علىٰ أن لهذه الطائفة أصولها المستمدة من كتاب الله تعالىٰ، ومن سنة رسوله ﷺ. ولعله لا يكون من السهو أن يفوت هؤلاء أن هذا المذهب يقول بردة الصحابة جميعًا بعد وفاة الرسول ﷺ، إلا قليلًا منهم، وأن أبا بكر وعمر كافران ملعونان! فهل يجوز للمسلمين تقليدهم في ذلك؟ وأن يكون من المسلمين من يلعن أبا بكر وعمر وعثمان وعائشة، ويقول بكفر الصحابة؟! وأن هذا المذهب يقول بكفر المسلمين من غير الشيعة: الحاضرين والماضين؛ فالمسلمون في رأيهم كفار؛ حكامهم ومحكوموهم في نظرهم!!

والذي دعاهم إلىٰ ذلك أنهم يجعلون الإيمان بإمامة علي ومن بعده من أبنائه جزءًا من الإيمان، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فمن لم يؤمن بالأئمة من أهل البيت لم يكن مؤمنًا، ولذلك كفَّروا الصحابة الذين قالوا بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان، وكفروا هؤلاء الخلفاء؛ لأنهم أخذوا ما ليس لهم من الإمامة، ولذلك أيضًا كفروا المسلمين الحاضرين والماضين الذين لا يقولون بالإمامة التي جعلوها جزءًا من الإيمان، وجعلوا حكامهم أهل جور؛ لأنهم لم يستمدوا حكمهم من الأئمة المعصومين ذوي الحق، وجعلوا الرعية كفارًا؛ لأنهم اتبعوا أئمة الجور، ولم يؤمنوا بإمامة الأئمة من أهل البيت.

فهل يجوز تقليد هذا المذهب في ذلك؟! وهل نقول للمسلمين: لكم أن تقلدوا هذا المذهب فيما ذكرنا؛ فيكفِّر بعضهم بعضًا، وتكون عداوات بين الحاكمين والمحكومين؛ بعضهم وبعض؟! وهذا المذهب يقول: إن هذا القرآن الذي بأيدي الناس ليس هو القرآن كله، وإن عليًّا هو الذي جمعه كله، فهل يجوز للمسلمين تقليده في ذلك؟ إن ما نسبناه إليهم ينبغي ألا نتركه حتىٰ نبين نسبته إليهم من كتبهم المعتبرة، التي جعلوها أصول هذا المذهب، والتي هي عندهم كالبخاري عندنا.

أما أن هذا المذهب يقول بردة الصحابة، فنحن نستدل عليه بما ورد في «الوافي» (صـ48) في الباب العشرين منه، قال: عن أبي جعفر عليه السلام قال: «ارتد الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد. قيل: فعمار؟ قال: كان حاص حيصة ثم رجع! ثم قال: إن أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد، فأما سلمان فإنه عرض في قلبه أن عند أمير المؤمنين اسم الله الأعظم، لو تكلم به لأخذتهم الأرض، وهو هكذا، وأما أبو ذر فأمره أمير المؤمنين بالسكوت ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأبىٰ إلا أن يتكلم».

وفي الباب نفسه (صـ48): «عن عبد الرحيم القصير، قال: قلت لأبي جعفر: إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا. فقال: يا عبد الرحيم، إن الناس عادوا، بعدما قبض رسول الله ﷺ أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت فلم تعتزل بخير».

وفي الباب حديث طويل، وفي آخره: «فلما قبض رسول الله ﷺ وأقام الناس غير علي - عليه السلام - لبس إبليس تاج الملك، ونصب منبرًا وقعد في ألويته، وجمع خيله ورجله، ثم قال لهم: اطربوا، لا يطاع الله حتىٰ يقوم إمام، وتلا أبو جعفر عليه السلام: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ﴾ [سبأ: 20]. فقال أبو جعفر: كأن تأويل هذه الآية لما قبض رسول الله ﷺ ».

من فرق المسلمين ومزق شملهم؟!:

إن المستقرئ للدستور الإيراني يتأكد له أنه ليس دستورًا إسلاميًّا، ولم ينبثق من عقيدة الإسلام. إن نص المادة الثانية عشرة تلزم مجلس الشورىٰ بالتقيد التام بقواعد المذهب الجعفري ولا تجيز له سن أي قانون وفقًا لقواعد أي من المذاهب الإسلامية الأخرىٰ. والعجيب الغريب أن المشرِّع الإيراني لم يراع أن الشعوب الإيرانية بحكم تنوع قومياتها ومذاهبها الدينية لا تتبع مذهبًا واحدًا بعينه. وإلزام الجميع بمذهب واحد هو نوع من الجبر والقهر والسيطرة الطائفية والمذهبية، فإذا ما أضيف إلىٰ ما في المادة الثانية عشرة من نص علىٰ الطائفية والمذهبية ما جاء بنصوص المادة الخامسة عشرة التي تشترط في رئيس الجمهورية: «أن يكون إيراني الأصل، ويحمل الجنسية الإيرانية مؤمنًا ومعتقدًا بمبادئ الجمهورية الإسلامية والمذهب الرسمي للدولة»، يتضح لنا أن هذا الدستور ما وضع إلا للمحافظة علىٰ النزعة العنصرية والأطماع الإيرانية المتأصلة في نفوس الفرس الذين يحلمون بالهيمنة علىٰ مقدرات الشعوب المجاورة ذات يوم باسم الدين الإمامي ونزعته العنصرية.

قال تعالىٰ: ﴿ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ﴾ [الأنعام: 159].

لم يختلف أهل السُّنة والجماعة في أصل واحد من أصول الإسلام، بل يعتبرون من خالفهم في أصل واحد كمن خالفهم في سائر الأصول، يوجبون البراءة منه ومن قوله.. وهذه حقائق لا ينكرها اثنان.

حدث أن طلب أبو جعفر المنصور، من مالك بن أنس، أن يحمل الناس علىٰ ما في الموطأ، فرفض مالك وقال ما معناه: دع الناس وما يختارون لأنفسهم.

علي > لم يكفِّر أحدًا ممن لا يؤمن بإمامته!! لم يكفر الخوارج الذين خرجوا عليه، ولم يخرجهم من حظيرة الإسلام؛ لأنهم لم يخرجوا للقضاء علىٰ الإسلام، وكانوا طلاب حق ولكن أخطئوا الوسيلة، ومحنة الإسلام لم تأت ممن طلبوا الحق فأخطئوه، وإنما جاءت ممن طلبوا الباطل فأصابوه.. ممن يبيتون الشر والنوايا الشريرة لرسالات السماء!! ممن جعلوا من التشيع دينًا ليأكلوا فريقًا من أموال الناس بالباطل؛ مستغلين فيهم غريزة التدين التي خلقها الله لعبادته.

كُثُر هم من كانوا وراء انقسام المسلمين منهم: بابك الخرمي، وصاحب الزنج، والمختار بن عبيد، وأبو الخطاب الأسدي، والمغيرة العجلي، والحسن الصباح، وحمدان قرمط، وطاهر الجنابي، والمقنع الكندي، وأبو عبد الله الشيعي، وإسماعيل الصفوي، والأغاخان، وغيرهم.

أهل السُّنة والجماعة لم يكفِّروا أصحاب رسول الله ﷺ، ولم يلصقوا بهم أشنع التهم، كما أنهم لم يبطنوا آيات القرآن الكريم بقصص خيالية تقلب الحقائق، وتحمل النصوص غير ما تحتمل، ولم يرفعوا أحدًا فوق مستوىٰ البشر، ويخفضوا آخرين إلىٰ ما تحت مستوىٰ البهائم؛ نكاية بالإسلام، وانتصارًا للحاقدين عليه!!

فقهاء السُّنة والجماعة لم يضعوا النظريات والمذاهب الهدامة التي جرَّت علىٰ الأمة النكبات والويلات، ومزقتها شر ممزق!!

قالوا: ما وافق كتاب الله وسنة رسوله من آرائي فخذوا به، وما خالفهما فاضربوا به عرض الحائط.. لم نجد منهم من يطالبنا بأن نؤمن بما يقوله إيمانًا أعمىٰ.. لم يأمرونا بأن نتجاهل نعمة العقل التي مَنَّ الله بها علىٰ عباده.



الباب الثاني

الفصل الأول

الصحابة ش

معرفة فقه سيرتهم ضرورة

لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها:

لا يختلف اثنان علىٰ أن الإنسانية كلها اليوم أشد حاجة إلىٰ معرفة فضائل أصحاب رسول الله ﷺ، وكرم معدنهم، وأثر تربية رسول الله فيهم وما كانوا عليه من علو المنزلة التي صاروا بها الجيل المثالي الفذ في تاريخ البشر... سيرتهم وتاريخهم المجيد من أقوىٰ مصادر الإيمان والعاطفة الإسلامية الصحيحة التي لا تزال هذه الأمة تقتبس منها شعلة الإيمان، وتحمل زاد الدعوة فتشعل أنوار الحق في قلوب الناس حتىٰ لا تنطفئ بريح الهدم التي يوجهها أعداء الأمة ضد دعوتها وتاريخها.. سيرتهم مليئة بالدروس والعبر بم اتصفوا به من مكارم الأخلاق والصفات الحميدة.. وستظل الحضارة الإنسانية مدينة لهم بجهادهم الرائع في نشرهم الإسلام في الأمم والدول والشعوب بحركة الفتوحات العظيمة التي لم يشهد لها التاريخ الإنساني مثيلًا.. بذروا العدل والحرية وسقوها بدماء الشهداء الذكية فأتت أكلها من كل الثمرات تقدمًا عظيمًا في العلوم والفكر والثقافة.

يقول د. محمد حسين هيكل ؟: إن الأوربيين وجدوا من علمائهم من يشيد بعظمائهم ويستقصي نواحي مجدهم، بل قد دعتهم العصبية أحيانًا أن يتزيدوا في نواحي العظمة ويعملوا الخيال في تبرير العيب وتكميل النقص؛ تحميسًا للنفس وإثارة لطلب الكمال.. أما نحن فقد كان بيننا وبين عظمائنا سدود وحواجز حالت بين شبابنا والاستفادة منهم، وهذه من الأمور التي لها أخطارها الجسيمة وعاقبتها الوخيمة والنتيجة السيئة علىٰ أجيال الأمة الإسلامية.. ذلك الفراغ الفكري والخلاء والخواء المهيمن علىٰ العقول، من الذين لا يؤخذ إلا عنهم، ولا يقتدي إلا بهم، ولا يسمع إلا لهم، ولا تصلح لنا حال إلا بما صلح حالهم به، ذلك الجيل القرآني الفريد.. قادوا العالم بعد أن دكوا العروش وفتحوا البلدان، وأسسوا حضارة إسلامية مزدهرة، علىٰ منهج الله تعالىٰ.

الصحابة الكرام هم «نور النبوة».. نماذج إنسانية عُلْيَا:

يقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي: إن ما تقتضيه طبيعة الرسالات السماوية ودراسة تاريخ حملتها، هو أن تتحقق معجزة صنع الإنسان، كما لو كانت ولادته من جديد.. تتحقق هذه النتيجة الخارقة للعادة من غير اعتماد علىٰ الأساليب والوسائل التربوية والإعلامية التي تستخدمها مؤسسات التربية وخبراء التعليم؛ لأن ما يتحقق من التحول في العقائد والميول والسيرة والأخلاق في ظل تعاليم الرسول ﷺ وفي أحضانه، ينبثق من رعاية الله وتأييده الغيبي، ولا يمكن أن يعبر عنه بكلمة غير «نور النبوة» و«بركات الصحبة».. إن الذين يسعدون بتربية الرسول ﷺ وصحبته، إنما تتحلىٰ حياتهم بالصلة الوثيقة بالله، وبالإخلاص والعبودية والتواضع والإيثار، وذوق العبادة، والانصراف عن حطام الدنيا والاهتمام بالآخرة، ومحاسبة النفس محاسبة دقيقة أمينة، والاستقامة علىٰ الدين.. هذه التربية النبوية صورها القرآن الكريم في قوله تعالىٰ: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ﴾ [الجمعة: 2].

ويقول Q: ﴿ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ﴾. 

[الحجرات: 7]

هذه التربية النبوية للصحابة ش، كان لا بد وأن تثمر جيلًا جديدًا لا يقبل انتكاصًا ولا انتكاسًا، وأن يظهر نماذج إنسانية عليا من أروع ما شاهد التاريخ من نماذج وأجملها، يشق الطريق للإسلام، وتترامىٰ بفضله وتأثيره أمم وأقطار في أحضان الإسلام، ويتكون مجتمع كامل يعتبر مجتمعًا نموذجيًّا مثاليًّا من كل جهة.

الشجرة التي لم تؤت ثمارها اليانعة الحلوة، ولم تتفتح أزهارها العطرة الجميلة، أيام شبابها وفي موسم ربيعها وهو - عهد النبوة - لا تعتبر شجرة مثمرة سليمة.

صاغت التربية النبوية الإنسان صياغة جديدة وربته تربية فاضلة، لذا فالصحابة ش هم أعز مأثرة تلمع علىٰ جبين الإنسانية، من بين مآثر النبوة، وهم المأثرة الكبرىٰ التي قام بها محمد رسول الله ﷺ.. هي التوفيق الذي أكرمه الله به في مجال تربية الإنسان وصياغته، إنما تفرد به من بين الأنبياء والمرسلين.. يقول الشيخ الندوي ؟: 

كل فرد من أفراد الجيل الذي أعده النبي ﷺ كان نموذجًا رائعًا للتربية النبوية، ومفخرة وشرفًا للنوع الإنساني، لا توجد في الكون كله أجمل وأشرف من هذه النماذج الإنسانية؛ باستثناء الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

إن إيمانهم الراسخ وعلمهم العميق، وقلبهم الصادق، وحياتهم الساذجة، وتواضعهم، وخشيتهم لله، وعفتهم وطهرهم وعطفهم ورأفتهم، وشجاعتهم وجلادتهم، وتذوقهم للعبادة وحنينهم إلىٰ الشهادة، وفروسيتهم بالنهار، وقيامهم بالليل، وتحررهم من سلطان الثروات، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة واستهوائها، وزهدهم في زخارف الدنيا، وعدلهم وحسن تدبيرهم، كل ذلك مما لا يوجد له نظير في الدنيا، ومن مآثر النبوة أنها صنعت رجالًا كانوا أفذاذًا من نوعهم في التاريخ.. هذه حقائق تاريخية، وواقع معلوم لا مجال فيه للشك( ).

قام النبي ﷺ بالنصح لأصحابه وإرشادهم وتربيتهم، وظلَّ علىٰ دوام تعهدهم ﷺ حتىٰ لحق بالرفيق الأعلىٰ.. رباهم رسول الله ﷺ فكانوا علىٰ أعلىٰ مستوىٰ من الدين والخلق والإخلاص والتفاني في سبيل نصرة هذا الدين؛ فاستحقوا بذلك رضا الله Q، ورضا رسوله ﷺ. وفتح الله Q بهم البلاد وقلوب العباد، وتكونت الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة في فترة كأنها لحظات من عمر الدنيا بعد ثلاثة عشر عامًا من ابتداء البعثة النبوية المباركة، ثم توالت الانتصارات، وانتشر الضوء وعم الخير فجاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا في السُّنة الثامنة من الهجرة، وما فارق النبي ﷺ الدنيا حتىٰ عم الإسلام جزيرة العرب ثم سطع النور بعد ذلك في المشارق والمغارب، حتىٰ دق المسلمون أبواب فينا في أوربا ووصلوا إلىٰ حدود الصين.. الصحابة ش كانوا خير أمة أخرجت للناس.

حبهم لرسول الله ﷺ:

ضربوا لنا أروع الأمثلة في حبهم للنبي عليه الصلاة والسلام.. يقول مبعوث قريش لما رجع‏ إلىٰ أصحابه: «أي قوم والله لقد وفدت علىٰ الملوك ووفدت علىٰ قيصر وكسرىٰ والنجاشي والله ما رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون علىٰ وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر؛ تعظيمًا له».

يقول عمرو بن العاص: «وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه؛ إجلالًا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه».

‏عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم، هل تعرف  أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يابن أخي؟ قال: أُخْبِرْتُ أنه يسب رسول الله ﷺ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتىٰ يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلىٰ  أبي جهل يزول في الناس، فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه. قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتىٰ قتلاه ثم انصرفا إلىٰ رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلت. فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا: لا. فنظر في السيفين، فقال: «كلاكما قتله». وقضىٰ بسَلَبِهِ لمعاذ بن عمرو بن الجموح!

‏ والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء من صغار الصحابة رضي الله عنهم.

تعظيمهم لأمر الله Q وأمر رسوله ﷺ:

كان الصحابة رضوان الله عليهم يسارعون إلىٰ تنفيذ أوامر الله Q وأوامر رسوله ﷺ.. ومن سرعة استجابتهم لأوامر النبي ﷺ أنه كان الواحد منهم يأخذ النص لينفذ ويعمل مباشرة، دون أي تردد، حتىٰ ولو كان العمل ضد هوىٰ الواحد منهم: «عن معقل بن يسار أنه زوج أخته رجلًا من المسلمين علىٰ عهد رسول الله ﷺ فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة، لم يراجعها حتىٰ انقضت العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخُطَّاب، فقال له: يا لكع، أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها! والله لا ترجع إليك أبدًا آخر ما عليك. قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلىٰ بعلها، فأنزل الله تبارك وتعالىٰ ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴾ - إلىٰ قوله - ﴿ﭪ ﭫ ﭬ﴾ [البقرة: 231، 232]، فلما سمعها  معقل  قال: سمعًا لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك».

وهذه زينب بنت جحش < يخطبها رسول الله ﷺ لفتاه زيد بن حارثة وحين يفاتحها في ذلك تأبىٰ وتقول: لست بناكحته. فيقول رسول الله ﷺ: «بل فانكحيه». وبينما هما يتحدثان إذا بالمولىٰ سبحانه وتعالىٰ ينزل قرآنًا علىٰ رسوله ﷺ فتقول: قد رضيته لي يا رسول الله منكحًا؟ فيقول: «نعم». فتقول: إذن لا أعصي رسول الله ﷺ قد أنكحته نفسي»( ).

ولما سقط مسطح بن أثاثة مع من سقط في حادثة الإفك واتهام أم المؤمنين < بالزنا مع صفوان بن المعطل، شق ذلك علىٰ أبي بكر وأهله وقال: هذا أمر لم نتهم به في الجاهلية أفبعد إذ أعزنا الله بالإسلام نتهم به؟ وحلف أن لا ينفع مسطحًا بنافعة أبدًا فأنزل الله Q آيات تتلىٰ وسمعها قَالَ أَبُو بَكْرٍ، بَلَىٰ وَالله إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَىٰ مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ التي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا عَنْهُ أَبَدًا»( ).

شجاعتهم واستهانتهم بالحياة الدنيا:

كانت تربيتهم علىٰ الشجاعة والإقدام، يقتحمون الأسوار ويسلمون أرواحهم للسيوف تمزقها؛ لتدخل جنة عرضها السموات والأرض، شجاعة تكسر أسوار الحديد المادي. عَنْ‏أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي  يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «‏إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ». فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَىٰ آنْتَ سَمِعْتَ 

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَىٰ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَأَلْقَاهُ ثُمَّ مَشَىٰ بِسَيْفِهِ إِلَىٰ الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّىٰ قُتِلَ( ).

عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم علىٰ الله لأبره منهم البراء بن مالك»( ). وإن البراء لقي المشركين، وقد أوجع المشركون 

في المسلمين فقالوا له: يا براء، إن رسول الله ﷺ قال: إنك لو أقسمت علىٰ الله لأبرك، فأقسم 

علىٰ ربك. قال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم. وفي يوم اليمامة أغلقت بنو حنيفة 

أنصار مسيلمة الكذاب الباب عليهم وأحاط بهم الصحابة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة، فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرماح حتىٰ ألقوه 

عليهم من فوق سورها. فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتىٰ فتحه، ودخل المسلمون الحديقة 

من حيطانها وأبوابها يقتلون مَن فيها من المرتدة من أهل اليمامة، حتىٰ خلصوا إلىٰ مسيلمة -

لعنه الله. قال الذهبي( ): «بلغنا أن البراء يوم حرب مسيلمة الكذاب أمر أصحابه أن يحتملوه علىٰ ترس علىٰ أسنة رماحهم ويلقوه في الحديقة، فاقتحم عليهم وشد عليهم وقاتل، حتىٰ افتتح باب الحديقة. فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحًا، ولذلك ظل خالد بن الوليد عليه شهرًا يداوي جراحه»( )( ). 

موالاة الله Q ورسوله ﷺ والمؤمنين: 

الولاء( ) والبراء( ) أوثق عرىٰ الإيمان، وهو من أعمال القلوب لكن تظهر مقتضياته علىٰ اللسان والجوارح، قال ﷺ «أوثق عرىٰ الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله Q»( ). الولاء والبراء ركن من أركان العقيدة، وشرط من شروط الإيمان. أخرج البزار عن أبي هريرة > قال: «مر رسول الله ﷺ بعبد الله بن أُبَيّ وهو في ظل أطم»( ) فقال: غبّر علينا ابن أبي كبشة. فقال ابنه عبد الله بن عبد الله - >: يا رسول الله والذي أكرمك لئن شئت لأتيتك برأسه! فقال: «لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته»( ). وهذا حنظلة بن أبي عامر يستأذن رسول الله ﷺ في قتل أبيه لما آذىٰ الرسول ﷺ والمسلمين فينهاه النبي ﷺ عن ذلك( ). وكان أبو عزيز بن عمير بن هشام أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارىٰ (يوم بدر) قال أبو عزيز: مر بي مصعب بن عمير، ورجل من الأنصار يأسرني فقال: شد يدك به؛ إن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك. فقال أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بي. فقال له مصعب: إنه أخي دونك. فسألت أمه: من أعلىٰ ما فدىٰ به قرشي فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها»( ).

استهانتهم بزخارف الدنيا وزينتها الجوفاء:

لم يغتروا بزينة الدنيا وزخرفها عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «‏لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَىٰ كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ»( ). فعلم الصحابة ش حقارة الدنيا وزيف زخارفها، فاستهانوا بها فلم تبهرهم الأضواء، ولم تشغلهم الشهوات.

أرسل سعد بن أبي وقاص، قبل القادسية، رِبْعِيَّ بن عامر رسولًا إلىٰ رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي الحرير، وأظهروا اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة، وعليه تاجه، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس علىٰ سرير من ذهب، ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة، ولم يزل راكبها حتىٰ داس بها علىٰ طرف البساط، ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد، وأقبل عليه بسلاحه ودرعه وبيضته علىٰ رأسه، فقالوا له: ضع سلاحك. فقال: إني لَمْ آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت. فقال رستم: ائذنوا له، فأقبل يتوكأ علىٰ رمحه فوق النمارق فخرق عامتها. فقال له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلىٰ عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلىٰ سعتها، ومن جور الأديان إلىٰ عدل الإسلام( ).

حرصهم على الاجتماع والوحدة ونبذ الخلاف:

كان الصحابة ش من أحرص الناس علىٰ أسباب الرفعة والنصر والعزة، ولا شك في أن من أسباب النصر والرفعة والعزة الوحدةَ والاجتماعَ ونبذَ الفرقة والخلاف. أخرج عبد الرزاق في المصنف من حديث قتادة أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان صدرًا من خلافته كانوا يصلون بمكة ومني ركعتين، ثم إن عثمان صلاها أربعًا، فبلغ ذلك ابن مسعود فاسترجع، ثم قام فصلىٰ أربعًا. فقيل له: استرجعت ثم صليت أربعًا؟ قال: الخلاف شر( ). وأخرج أحمد في «المسند» عن رجل قال: كنا قد حملنا لأبي ذر > شيئًا نود أن نعطيه إياه، فأتينا الربذة، فسألنا عنه فلم نجده، قيل: استأذن في الحج فأذن له، فأتيناه بالبلدة - وهي منىٰ - فبينما نحن عنده إذ قيل له: إن عثمان صلىٰ أربعًا، فاشتد ذلك عليه، وقال قولًا شديدًا. وقال: صليت مع 

رسول الله ﷺ فصلىٰ ركعتين، وصليت مع أبي بكر وعمر، ثم قام أبو ذر > فصلىٰ أربعًا. فقيل: عبت علىٰ أمير المؤمنين شيئًا لِمَ تصنعه؟ قال: الخلاف أشد، إن رسول الله ﷺ خطبنا فقال: «إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه، فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقه من الإسلام»( ). ومن ذلك ما جاء عَنْ عَلِي > قَالَ: «اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلَافَ حَتَّىٰ يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي». فَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَرَىٰ أَنَّ عَامَّةَ مَا يُرْوَىٰ عَنْ عَلِيّ الْكَذِبُ‏( ). 

مسارعتهم ش إلى التوبة والإنابة إن بدرت منهم معصية:

كانوا ش يسارعون في التوبة والرجوع إلىٰ الله كما في قصة ماعز الذي أقر عند رسول الله ﷺ علىٰ نفسه بالزنا، فأمر بإقامة الحد عليه، ثم أتت الغامدية تقر علىٰ نفسها ذلك( ). وربط أبو لبابة بن عبد المنذر نفسه في سارية من سواري المسجد، لما أحس بأنه قد خان الله Q ورسوله ﷺ، وبقي أبو لبابة مرتبطًا بالاسطوانة، وكانت ابنتُه أو زوجته تأتيه في مواعيد الصلاة، وتحلّ رباطه، فيصلّي ثم تعيد الرباط. فلما كان السَّحَرُ من اليوم السابع، نزلت توبة أبي لبابة - بواسطة ملك الوحي - علىٰ رسول الله وهو في بيت اُم سلمة، فلما نظرت أم سلمة إلىٰ رسول الله - صلّىٰ الله عليه وآله - وهو مستبشر يضحك، قال صلّىٰ الله عليه وآله لها: «لقد تيب علىٰ أبي لبابة إن شئتِ فبشريه». فقامت إليه وهو مرتبط بالجذع في المسجد وقالت له: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. فلما عرف الناس بذلك أرادوا أن يطلقوه فقال: لا والله حتىٰ يكون رسول الله - صلّىٰ الله عليه وآله - هو الذي يطلقني. فلما مر عليه رسول الله – صلّىٰ الله عليه وآله - خارجًا إلىٰ صلاة الصبح أطلقه( ). وكذا الثلاثة( ) الذين تخلفوا عن غزوة تبوك بغير عذر، فاعترفوا بين يدي رسول الله ﷺ، وما تعللوا بالأباطيل والكذب؛ كما فعل المنافقون، وأمر النبي ﷺ بمقاطعتهم حتىٰ مر عليهم خمسون ليلة، ثم نزلت براءتهم من السماء. فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم من أسرع الناس إلىٰ التوبة والإنابة والاعتراف بالذنب.

اتهامهم أنفسهم دائمًا بالتقصير: 

انتصر الصحابة ش باتهامهم أنفسهم بالتقصير والشعور بعدم الزهو أو الافتخار، وهو سبيل النبي ﷺ حيث يقول لربه في دعاء سيد الاستغفار: «اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَىٰ عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَي وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ»( ). أما أبو بكر: فإنه يدخل عليه عمر بن الخطاب مرّة فيراه يجبذ لسانه، فيقول له: (مه! غفر الله لك)، فيقول الصديق: (إن هذا أوردني شر الموارد)( ). وهذا عمر بن الخطاب >، لما طعن كان ولده عبد الله يضع رأسه في حجره، فإذا أفاق قال لابنه: ضعه، لا أم لك، ويلي، ويل أم عمر إن لم يغفر لي ربي( ). وهذا عمران بن حصين يدخل عليه بعض أصحابه، وكان قد ابتلي في جسده، فيقول له نفر منهم: إنا لنبأس لك لما نرىٰ فيك، قال: فلا تبتأس بما ترىٰ، فإن ما ترىٰ بذنب وما يعفو الله عنه أكثر، ويصيب أبا الدرداء المرض، ويدخل عليه أصحابه ليعودوه ويقولون له: أي شيء تشتكي؟ فيقول: ذنوبي، فيقولون: أي شيء تشتهي، فيقول: الجنة»( ). وهذه أسماء بنت أبي بكر كانت تصدع فتضع يدها علىٰ رأسها وتقول: بذنبي وما يغفره الله أكثر.

ثباتهم أمام المطامع والشهوات:

لا شك في أن قوة الإيمان في قلب العبد تجعله يترفع عن شهوات الدنيا وأغراضها الدنية، فيصون العرض، ويؤدي الأمانة، ويعف عن الغلول. قال الطبري في تاريخه: لما هبط المسلمون المدائن، وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحق معه فدفعه إلىٰ صاحب الأقباض. فقال والذين معه: ما رأينا مثل هذا قط، وما يعدله ما عندنا ولا يقاربه فقالوا: هل أخذت منه شيئًا؟ فقال: أما والله، لولا الله ما أتيتكم به، فعرفوا أن للرجل شأنًا، فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني، ولا غيركم لتقرظوني. ولكني أحمد الله وأرضىٰ ثوابه. فأتبعوه رجلًا حتىٰ انتهىٰ إلىٰ أصحابه، فسألهم عنه، فإذا هو عامر بن عبد قيس. وعلىٰ الصحابة أيضًا ما قرره القرآن الكريم وطبقه الرسول الأمين محمد ﷺ عمليًّا من أن تطهير وتزكية النفس هما أساس التغيير المنشود، وأساس النجاح والنصر المنشود في الدنيا، والفوز والفلاح، فقد قَامَ النبي ﷺ حَتَّىٰ تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: «‏أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»( ). ويقول ﷺ «‏حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة»( ). وعىٰ الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا ذلك كله، فعملوا جاهدين علىٰ تمثله في أنفسهم، بحيث صار واقعًا حيًّا ملموسًا يتحرك في دنيا الناس، وتتحدث عنه كتب التراجم والسير والتواريخ، وتتناقله الأعداء في مجالسهم الخاصة والعامة في كتبهم. هذا عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتىٰ إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، ثم يقول لهم: «الصلاة». وعن نافع بن عمر ب «أنه كان يحيي الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع، أَسْحَرْنا؟ فيقول: لا فيعاود الصلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحرنا؟ فيقول: نعم: فيقعد ويستغفر ويدعو حتىٰ يصبح»( ). وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يختم القرآن في ثلاث، وواظب علىٰ ذلك وهو طاعن في السن، حتىٰ أدركته الوفاة.

تكافلهم فيما بينهم ومواساتهم لإخوانهم:

كان الصحابة رضوان الله عليهم بينهم من التكافل والتناصر والمواساة ما يُضْرب به المثل. عَنْ أَنَسٍ >، قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ، فَآخَىٰ النبي ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِي، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللهُ لَكَ في أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلَّنِي عَلَىٰ السُّوقِ، فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، فَرَآهُ النبي ﷺ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ النبي ﷺ: مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ. قَالَ: فَمَا سُقْتَ فِيهَا؟ فَقَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ النبي ﷺ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ‏( ). وهذا أبو بكر الصديق، يتزوج أسماء بنت عميس؛ ليقوم علىٰ أمرها وأمر صغارها بعد مقتل زوجها. وهذا عثمان بن عفان، يقول لعبد له: «إني كنت عركت أذنك فاقتص مني، فأخذ بأذنه، ثم قال عثمان للعبد: اشدد، يا حبذا قصاص في الدنيا، لا قصاص في الآخرة». وهذا عبد الرحمن بن عوف يتزوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي هاجرت من مكة وحدها سرًّا؛ ليقوم عليها فلا تضيع. وليست أحداث الأخوة التي وقعت بين الصحابة عنكم ببعيد، فبمثل ذلك انتصر الصحابة، قد ابتعدوا عن الأنانية والأثرة، وتخلصوا من حب الذات، وسموا بالإيثار وكرم النفس والعدل والإنصاف.

يقول كعب بن مالك: «فبينا أنا جالس علىٰ الحال التي ذكر الله Q فينا، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفىٰ علىٰ سلع، يقول بأعلىٰ صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدًا وعرفت أنْ قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا، حين صلىٰ صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلىٰ فرس، وسعىٰ ساع من أسلم قبلي وأوفي الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ، يتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة، ويقولون: لتهنأك توبة الله عليك، حتىٰ دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتىٰ صافحني وهنأني».

استنصارهم بالله Q:

طلبهم العزة بما أعزهم الله Q به، فقد كان من هدي الصحابة الكرام أنهم يطلبون النصر من الله Q. أخرج ابن عبد الحكم عن زيد بن أسلم قال: لما أبطأ علىٰ عمر بن الخطاب > فتح مصر، كتب إلىٰ عمرو بن العاص >: أما بعد: لقد عجبت بإبطائكم عن فتح مصر، تقاتلونهم منذ سنين، وما ذاك إلا لما أخذتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تعالىٰ لا ينصر قومًا إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل علىٰ ما أعرف، إلا أن يكون غيَّرهم ما غيَّر غَيْرَهم... فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس، وحضهم علىٰ قتال العدو، ورغبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، وأمر الناس أن يكونوا لهم صدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل فيها الرحمة، ووقت الإجابة وليعج الناس [أي: يرفعون أصواتهم] إلىٰ الله، وليسألوه النصر علىٰ عدوهم». فلما أتىٰ عمرو الكتاب، جمع الناس، وقرأه عليهم، ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين، ثم يرغبون إلىٰ الله ويسألونه النصر ففتح الله عليهم. وعياض الأشجعي قال: شهدت اليرموك وعليها خمسة أمراء: أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد وعياض ش، وليس عياض هذا الذي حدث - فقال: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة، فكتبنا إليه: أنه قد جاش إلينا الموت، واستمددناه فكتب إلينا: أنه قد جاءني كتابكم تستمدوني، وإني أدلكم علىٰ من هو أعز نصرًا وأحضر جندًا: الله Q، فاستنصروه، فإن محمدًا ﷺ قد نُصر يوم بدر في أقل من عدتكم. وكانوا ش يطلبون العزة بما أعزهم الله Q به من الإيمان والعمل بالإسلام، وطاعة النبي ﷺ. عن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب > إلىٰ الشام، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح >، فأتوا علىٰ مخاضة وعمر علىٰ ناقة له، فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما علىٰ عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة. فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أنت تفعل هذا؟! تخلع خفيك وتضعهما علىٰ عاتقك وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك. فقال عمر: أواه! لو قال ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالًا لأمة محمد ﷺ، «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله( ).

ثقتهم بنصر الله Q:

كان الرسول ﷺ يبث فيهم بشائر النصر؛ يَعِدُ سراقة بسواري كسرىٰ في حفر الخندق، يبشرهم بتدمير ممالك الكفر: كسرىٰ وقيصر، والصحابة موقنون، يعلمهم الثقة. ولقد كانت الآيات القرآنية تنزل بمكة تبشر بانتصار الإسلام، والصحابة ش يعذبون في ربوع مكة، وهُزِمت جموع المشركين في أول لقاء بين الكفر والإيمان في يوم الفرقان يوم التقىٰ الجمعان، كما بشر الله Q وبشر رسوله ﷺ بانتصار الإيمان وغلبة جند الرحمن في كل زمان ومكان وقال ﷺ: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين؛ بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلًّا يذل به الكفر( )» وقال ﷺ: «إن الله زوىٰ لي الأرض - أو قال: إن ربي زوىٰ لي الأرض -، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، ولا يسلط عليهم عدوًّا من سوىٰ أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال لي: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوًّا من سوىٰ أنفسهم، فيستبيح بيضتهم لو اجتمع عليهم مَن بين أقطارها - أو قال  بأقطارها -، حتىٰ يكون بعضهم يهلك بعضًا، وحتىٰ يكون بعضهم يسبي بعضًا. وإنما أخاف علىٰ أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلىٰ يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتىٰ تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتىٰ تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون؛ كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي علىٰ الحق - قال ابن عيسىٰ: «ظاهرين» ثم اتفقا - لا يضرهم من خالفهم حتىٰ يأتي أمر الله»( ). فكان من ثقة الصحابة الكرام بنصر الله Q يتهمهم المنافقون بالغرور؛ فهذا خالد بن الوليد > يقول للروم وقد تحصنوا بالحصون: أيها الروم، انزلوا إلينا، فو الله، لو كنتم معلقين بالسحاب لرفعَنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا. وهذا عقبة بن نافع، ربَّاه النبي ﷺ، وقف عقبة بن نافع بفرسه علىٰ المحيط الأطلنطي يقول للماء: يا ماء! أوراؤك أرض؟ والله، لو أعلم أن وراءك أرضًا لخضت البحر إليها؛ لأنشر اسم الله العظيم هناك ( ).

هناك نفر من الناس قد قاس الصحابة الكرام ش، والذين تربوا في مدرسة النبوة، علىٰ عباد الجاه والملك، وطماعي المال والثراء، الذين تمثلت نماذجهم في ملوك فارس؛ من بهلويين وصفويين وقاجاريين، ممن يستسيغون استخدام كل وسيلة ويسوغونها للحصول علىٰ متاع قليل: ﴿ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ﴾ [النجم: 30].

وصفوة القول: «لا يختلف منصفان في أن العصر الأول للإسلام يُعَدُّ أنظف العصور وأسلمها من حيث استقامة المجتمع، وتوفيق رجاله وصلاحهم، ولا غَرْوَ، فإن جلّ القيادات كانت من الصحابة». كما أن التربية القرآنية التي غرسها ﷺ في صحبه، وتعهدها بالرعاية كانت عاملًا فعالًا في تطهير نفوس الأصحاب مما يطرأ عادة علىٰ القلوب والنفوس من أهواء ورغائب تكون مدعاة للكذب والافتراء؛ ولا سيما والقرآن الكريم يتوعد الكاذبين بأشد الوعيد، ويصف الكذب بأنه ظلم قال تعالىٰ: ﴿ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [الزمر: 32]. وقال سبحانه: ﴿ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ﴾ [يونس: 69] وكيف يكذبون وقد اشتهر وأعلن فيهم وتواتر عنهم قوله ﷺ: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»؟! وكيف نتصور وصفهم بالكذب وعشرات من الآيات القرآنية، وعشرات أخرىٰ من الأحاديث النبوية تزكيهم وتصفهم بالصدق، والإخلاص، والتقوىٰ؟!

هم الصفحة الأولى من صفحات تاريخنا الإسلامي!!:

تأتي أهمية سيرة الصحابة ش ومعرفتها، في أنها الصفحة الأولىٰ من صفحات التاريخ الإسلامي؛ تاريخ الكمال الإنساني علىٰ وجه الأرض، بما حوىٰ من القيم والمعاني السامية. فأحداث القرن الهجري الأول كانت من معجزات التاريخ، وما أنجزه الصحابة ش بإمامة أبي بكر الصديق - الذي أقامه النبي ﷺ مقامه، وأمَّ الأمة في ساعة المحنة والفتنة الكبرىٰ، يوم وفاة النبي ﷺ، وسار بها علىٰ منهج الكتاب والسُّنة.

إن ما أنجزوه، ومن بعدهم التابعون، لم تنجز مثله أمة من الأمم في التاريخ... لقد استحقوا بصدق وصف رب العزة لهم في محكم التنزيل: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ﴾ [الفتح: 29].

وقوله سبحانه: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ﴾ [الأنفال: 74].

مكَّن الله تعالىٰ بهم لدينه... ولم تأخذهم في نصرة الله ونصرة رسوله لومة لائم... أشار القرآن الكريم إلىٰ سيرتهم وحياتهم، وقصص مؤاخاتهم ومناصرتهم وتراحمهم، وفصلتها الأحاديث النبوية المطهرة في كتب السُّنة... آمنوا بالله تعالىٰ خالقهم إيمانًا غسل قلوبهم من أدران الكفر والفسق والنفاق... وحملوا مع نبيهم ﷺ هموم الإسلام، ونقلوا الكتاب والسُّنة بمنتهىٰ الحرص والحذر إلىٰ الأجيال القادمة... ولم يغادروا الدنيا إلا وقد هدوا الناس إلىٰ الصراط المستقيم، ورفعوا لواء الحق والقوة والحرية.

كانوا حريصين علىٰ أداء الأمانة، وإعلاء دعوة الحق، وضحوا بدمائهم في سبيل نقل البشر من عبادة العباد إلىٰ عبادة رب العباد... وأنقذوا الناس من الطواغيت الفجرة الذين استعبدوا عباد الله، وسفكوا دماءهم ونهبوا أموالهم واستلبوا كرامتهم الإنسانية.

عصرهم هو عصر الخلافة الراشدة، إنما هو امتداد لعصر السيرة النبوية، أميز عصور التاريخ بعد عصر النبوة، حيث تولىٰ الحكم كبار الصحابة المقربين من النبي ﷺ، ممن شهد لهم بالسابقة والفضل والبشارة بدخول الجنة... هم الذين نقلوا القرآن والسُّنة إلىٰ الأجيال التالية... وهم قادة الفكر والسياسة والاقتصاد والفتوح.

أساليبهم في الحكم والقيادة والإدارة صارت مثالًا يتطلع إليه المؤمنون في كل الأجيال... يقيسون أحوال زمانهم به، ويصفونه لبيان الانحراف والظلم وانهيار القيم الاجتماعية والخلقية والسياسية، الواقع في مجتمعاتهم.

فتحوا البلدان وأقاموا العدل:

فتح أصحاب رسول الله ﷺ وتابِعُوهم ثلاثةَ أرباع العالم آنذاك، وحملوا معهم العلم والهدىٰ، والعدل والأمن إلىٰ البلاد التي فتحوها... لم يخونوا، ولم يغدروا، ولم يغلوا، ولم يمثلوا بأعدائهم... لم يقتلوا امرأة ولا طفلًا ولا شيخًا، ولم يهدموا منزلًا، ولم يهيجوا معتزلًا، ولا عابدًا كما يفعل أعداؤهم اليوم من يهود وصليبيين، وحلفاؤهم من المرتدين في هذا العصر من تدمير، وتخريب وقتل، وتشريد ونهب، واغتصاب وقتل الأطفال والنساء، وتدمير للمستشفيات والجسور وموارد المياه، وإغلاق الطرق والتشفي بتعذيب المسنين والمصابين والجرحىٰ؛ فضلًا عن تدمير المساجد وتدنيس المصاحف وقتل الأئمة ومداهمة البيوت، واعتقال النساء وسومهم سوء العذاب... إلىٰ غير ذلك من الممارسات التي نزعت منها كل قيم الخير والإنسانية، وماتت فيها كل مشاعر الرحمة والفضيلة، وانعدمت فيها كل مظاهر النبل والرجولة.

أين هذه الممارسات الحاقدة المتجردة من الإنسانية من الفتوحات التي قادها صحابة رسول الله ﷺ؟! فجلبوا العدل والأمن والمحبة وملكوا بالعدل قلوب الناس. 

مَلَكْنَا فَكَانَ الْعَدْلُ مِنَّا سَجِيَّةً

فَلَمَّا مَلَكْتُمْ سَالَ بالدَّم أَبْطُحُ

وَحَلَّلْتُم قتلَ الأسارىٰ وطالما

عَدَوْنَا علىٰ الأَسْرَىٰ نَمُنُّ ونَصْفَحُ

فحَسْبُكُمْ هذا التفاوُتُ بيننا

فكلُّ إناءٍ بالذي فيه يَنْضَحُ

تلك هي أخلاق الصحابة ش، ذلك الجيل القرآني الفريد... فأين أخلاق أعداء الصحابة وسادتهم من أهل الصليب والسواد والنجمة، المجردة من كل فضيلة، والتي تنضح من قلوبهم وأفواههم وأقلامهم ثقافة الكراهية لسنة رسول الله ﷺ وحملتها؟!.. انتصروا بالطاعة والحب لله ورسوله ﷺ والجهاد في سبيل نشر الدعوة الإسلامية وسحق الباطل في الأرض... انتصروا بأخلاقهم وحسن سيرتهم عندما حكموا بالعدل والحق والقسطاس المستقيم.

لماذا تتجاهلون دورهم ش؟!:

حرص أعداء الصحابة علىٰ تجاهل دور الصحابة في بناء الأمة، وتأصيل هويتها، وتعزيزوحدتها وترسيخ عقيدتها... حرصوا علىٰ تجهيل الناس بهذا الدور وتزييف معالمه وطمس محاسنه، قال تعالىٰ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ﴾ [البقرة: 217].

وقال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴾ [البقرة: 120].

معظم كتابات أعداء الإسلام من اليهود والنصارىٰ والمجوس ومن سار علىٰ نهجهم من سفهاء العرب والمسلمين في مجالات الأدب والتاريخ والفكر الإسلامي جاءت لتحقيق أهدافهم التخريبية، والانتقاص من حقهم وطمس محاسنهم.

علموا أن صحابة رسول الله ﷺ، هم حلقة الوصل بين نبي الأمة ﷺ وبين أمته في نقل الشريعة، وأن الطعن فيهم هو طعن في مصادر الإسلام وسلامة وصوله إلينا... هو نقض لعرىٰ الدين، فالانتقاص منهم يسقط هيبتهم من نفوس الذين جاءوا من بعدهم، فيشكُّون في إيمانهم وسيرتهم وصدقهم مع الله تعالىٰ ورسوله ﷺ!! والتشكيك في إيمانهم وسيرتهم، تشكيك في نقلهم لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ.

الطعن في الصحابة الكرام طعن في الوحي وطعن في النبوة:

بدلًا من أن ينظر أعداء السُّنة الذين تحللوا من عقيدتهم إلىٰ ما أصاب الأمة المسلمة من الهوان والتمزق والضياع والتبعية، بعدما تخلت عن منهجية وعقيدة وأخلاق المهاجرين والأنصار، وأن يبحثوا ويحللوا ذلك بموضوعية ويستخرجوا من ذلك العظة والعبرة، فقد اتخذوا تاريخ صدر الإسلام؛ عصر الفتح والفكر والحضارة مسرحًا لأوهامهم ومرتعًا لأمانيهم الباطلة!!

يمجدون عصر الانحراف والتبعية... عصر الهزيمة وفقدان الهوية وضياع الوحدة ونكران الأخوة وحقوق الجوار... يمجدون من يقود الأمة بمنهجية وأخلاقية بعيدة كل البعد عن سيرة الصحابة... منهجية يريدها أعداء الأمة!!

يأبىٰ أعداء الأنصار والمهاجرين، إلا أن يعملوا علىٰ وصم الصحابة الكرام ش ببعض أخلاق الجاهلية، التي طهرهم الله تعالىٰ منها، وشهد لهم في ذلك الكتاب والسُّنة... ينتقصون أصحاب محمد ﷺ، وهم الناقصون الآثمون.

من الإنصاف والعلمية والموضوعية أن يُتَّهم كل من يطعن في أحد من الصحابة الكرام، بل وبكل من يثق بأعداء الصحابة ويدعو إلىٰ مودتهم وهم علىٰ ما هم عليه... هم الناقصون في الرؤية والبحث والصدق والأمانة... المتَّهَمون بالعمل علىٰ هدم الدين... يدعون إلىٰ تكذيب الله ورسوله ﷺ... وتصديق أباطيلهم المبنية علىٰ الحقد والضغينة... هؤلاء هم العاقون لعقيدتهم وحَمَلَتها، وهؤلاء الطاعنون بالصحابة، مقاصدهم أخطر وأكبر مما يفصحون عنه... هم يعملون علىٰ هدم الإسلام وانتزاع الثقة من عقول المؤمنين بهذا الدين، ولما لم يجرؤوا علىٰ الإفصاح بتكذيب القرآن الكريم والطعن بالرسول الأمين ﷺ، جعلوا من الصحابة غرضًا لهم وهدفًا لنشر سمومهم؛ لأنهم علموا أن الطعن فيهم طعن في الوحي وطعن في النبوة؛ لأنهم هم حملة الوحي وورثة النبوة بعد رسول الله ﷺ... قال تعالىٰ: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ﴾ [التوبة: 117].

غرضهم من الطعن في عدالة رواة السُّنة النبوية من صحابة رسول الله ﷺ هو تحطيم الوسيلة التي وصلت السُّنة النبوية بها إلينا، وإذا تحطمت الوسيلة يصبح الأصل معتمدًا علىٰ (لا شيء) فيصبح (لا شيء). وقديمًا صرح بذلك أحد الزنادقة فيما رواه الخطيب البغدادي في «تاريخه» عن أبي داود السجستاني قال: «لما جاء الرشيد بشاكر - رأس الزنادقة ليضرب عنقه - قال: أخبرني، لِمَ تعلِّمون المتعلم منكم أول ما تعلمونه الرفض - أي الطعن في الصحابة -؟ قال: إنا نريد الطعن علىٰ الناقلة، فإذا بطلت الناقلة؛ أوشك أن نبطل المنقول»( ).

الصحابة ش «الطعن فيهم جرح لشعور المسلمين، يقوض دعائم الشريعة، ويشكك في صحة القرآن، لذلك عني علماء الإسلام قديمًا وحديثًا، بالدفاع عن عدالة الصحابة؛ لأنه دفاع عن الإسلام، ولم يكن ذلك الدفاع نزوة هوىٰ، ولا عصبية؛ بل كان نتيجة لدراسات تحليلية وأبحاث تاريخية، وتحقيقات بارعة واسعة، عرضتهم علىٰ أدق موازين الرجال؛ مما تباهي به الأمة الإسلامية كافة الأمم والأجيال.

الصحابة هم خير أمة أخرجت للناس، وأسمىٰ طائفة عرفها التاريخ، وأنبل أصحاب لنبي ظهر علىٰ وجه الأرض، وأوعىٰ وأضبط جماعة لما استحفظوا عليه من كتاب الله Q، وهدي رسول الله ﷺ.

الصحابة ش هم حجر الزاوية في بناء الأمة المسلمة، عنهم - قبل غيرهم - تلقت الأمة كتاب الله Q، وسنة رسوله ﷺ، فالغض من شأنهم والتحقير لهم، بل النظر إليهم بالعين المجردة من الاعتبار، لا يتفق والمركز السامي الذي تبوءوه، ولا يوائم المهمة الكبرىٰ التي انتدبوا لها ونهضوا بها. كما أن الطعن فيهم والتجريح لهم، يقوض دعائم الشريعة، ويشكك في صحة القرآن، ويضيع الثقة بسنة سيدالأنام ﷺ ! فضلًا عن أنه تجريح وقدح فيمن بوَّأهم تلك المكانة، وجعَلَهم خيرأمة أخرجت للناس!!

معرفة فقه سيرتهم ش واجب شرعي على كل مسلم:

والسير على هديهم ينير لنا الطريق:

كم يتوجب علىٰ المنصفين من أبناء هذه الأمة أن يتعلقوا بمعالم عصر الصحابة ش وعقيدتهم وثوابتهم، وكم يتوجب عليهم العمل والصبر والاحتساب حتىٰ تعود الأمة إلىٰ منهجها ومسارها الصحيح، وكم يتوجب علىٰ الذين خُدعوا وغُرر بهم حتىٰ تشككوا في عقيدتهم وخرجوا من ملتهم، فأصبحوا هائمين علىٰ وجوههم في هذا الوجود!! كم يجب علىٰ هؤلاء من التنبه والحذر ممن يدعونهم إلىٰ غير منهج الصحابة وعقيدتهم.

محبة صحابة رسول الله ﷺ وموالاتهم - في وقت تكاتف وتآزر فيه أعداء الصحابة علىٰ حرب السُّنة وأهلها في كل مكان، وبكل وسيلة مغتنمين فرصة العبث الحاصل في صفوف أهل السُّنة وانشغالهم بأنفسهم أو بلهوهم ودنياهم، وضعف الولاء والبراء والانتماء - محبتهم والوقوف علىٰ فضائلهم ومناقبهم... وتفاصيل سيرهم، وجميل صفاتهم، وعميق إخلاصهم، وصدق إيمانهم واجبٌ شرعي علىٰ كل مسلم، وما أحوج المسلمين اليوم، أمام ما يجري، وكل ما يجري من مجريات، إلىٰ معرفة فقه سيرتهم ش... لعلاج جراح الأمة.

من سيرتهم تتعلم الأمة فنون الإيمان، وخدمة الأمة، وفهم العقيدة ونصرتها والبذل والعطاء من أجل عزتها وسلامتها.

معرفة فقه سيرتهم واجبة، أمام أمراض وأوجاع، ورجس الإقليمية ودين القطرية والجنسية، ولون جواز السفر وهويته... أمام كل هذه الأوزار وغيرها، تلك التي جعلت من أهل السُّنة النبوية مطمعًا للقريب والبعيد، ولقمة تكاد تكون سهلة من الخصوم والطامعين!!

معرفة فقه سيرتهم واجبة أمام ما يخطط له من أمور وسياسات تناصب السنةَ وأهلها العداءَ... ولإعادة النظر في المناهج والوسائل التي يتبعها المسلمون في هذا العصر، وقياس الأمور بمقاييس الشرع علىٰ مناهج علمية صحيحة، ومن ثَمَّ إصلاح الخلل؛ امتثالًا لقوله تعالىٰ: ﴿ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ﴾ [الحجرات: 10].

السير علىٰ هدي الصحابة ش ينير لنا الدروب، قال تعالىٰ: ﴿ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ﴾ [المائدة: 11].. معرفة فقه سيرتهم ضرورة أمام ما يجري الآن في أكثر من مصر، ويتأصل في أكثر من قطر للقضاء علىٰ ما تبقىٰ من انتماء وولاء وبراء عند عامة أهل السُّنة، الذين تتساقط بلدانهم وتتألب عليهم أعداؤهم، وهم في غَيِّهم سادرون؛ إلا من رحم الله منهم... أمام ما يجري من تخبط أو عجز، وما نراه ونسمع عنه من نكبات وآلام ومحن يتعرض لها المسلمون، وثمن باهظ يدفعونه في عامة البلدان الإسلامية. في الوقت الذي يزداد فيه أعداء السُّنة تنظيمًا وتعاونًا، وتحالفًا ومكرًا، واستعدادًا وتوثبًا للقتل والاغتيال، والتدمير والهتك، والاستباحة والتقسيم والتمزيق، في عداء سافر معلن علىٰ الثوابت والأعلام والأشخاص والعقيدة وحملتها من الصحابة الكرام وأتباعهم دون أي قيد أو حرج أو رحمة!!

تقاعس البعض وفقدان الهُوية السنية... لماذا؟!:

معرفة فقه سيرتهم واجبة، بعد أن فقد الكثير من عامة أهل السُّنة، وجهلوا امتداداتهم العقدية والجغرافية، وانعدم تمييزهم بين عدوهم ومحبهم؛ في وقت لا يفرق فيه عدوهم في عدائه لأهل السُّنة بين صحوىٰ وغفوىٰ أو بين سلفي وصوفي... الكل عنده في الميزان سواء، والحرب قائمة علىٰ الهوية وليس علىٰ التيار أو الجماعة... يستخدم كل الطاقات والتحالفات في كل الاتجاهات لطمس هوية السُّنة النبوية قبل أن يستيقظ ماردها فيلقي بكل العابثين في هذا الوجود في مكانهم الذي يجب أن يكونوا فيه.

ويعجب المرء ويتساءل: كيف يكون من أهل السُّنة من يوالي أعداء السُّنة الذين زيفوا الدين؟ بدءًا من الأذان بما أضافوا وحذفوا، ومرورًا بالصلاة بما قدموا وأخروا وزادوا وأنقصوا وأشركوا، والزكاة التي استبدلوا بها الخمس الذي أصبح يؤخذ من الأتباع؛ بدلًا من الأعداء، وكذلك الصيام والحج والقبلة والكعبة وباقي شعائر الدين، وكيف يكون من أهل الإسلام من لا يأتم بإمامة الصديق >؟!

يعجب المرء المسلم ممن يزعمون أنهم من أهل السُّنة، ويقولون: ما الفرق بين عقيدتنا وعقيدة مكذبي القرآن الكريم، وقتلة الفاروق، ومعظمي الغادر أبي لؤلؤة المجوسي - صاحب مقام بابا شجاع في مدينة كاشان الإيرانية -، الذي كتبوا علىٰ مدخله لعن الخلفاء الراشدين الثلاثة ش، المتعبدين بحبه وموالاته؟ لعنه الله ولعن من يعظمه ويواليه، لما اقترف من الجرم والسوء والإثم بغدره بالعادل الطاهر الفاروق نصير رسول الله ﷺ... قال تعالىٰ: ﴿ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ﴾ [الأعراف: 37].

معرفة فقه سيرتهم ضرورة أمام تقاعس بعض المسلمين وتناحر توجهاتهم، وعدم تأصيل الهوية السنية في ضمائرهم، وعدم معرفة من يناصبهم المكر والعداء، ومسالمته وموالاته... أمام ممن يحسبون علىٰ علماء أهل السُّنة، أولئك الصامتون الخرس أمام الباطل، الذين أسهموا ويسهمون إسهامًا مباشرًا في تمدد الرفض وبغض الصحابة وكراهية السُّنة في أكثر من مصر وعصر، حتىٰ تلبس به كثير من الغوغاء الذين لا علم لهم ولا تجربة، ولم يرشدهم أحد إلىٰ الحقيقة الناصعة، فباء بإثم التفريط وتقوية الباطل وإضعاف الحق... أمام كل من لديه علم من أهل السُّنة، وليس له مشاركة وإسهام في التصدي لأعداء الصحابة، ورد بغيهم وكشف زيفهم وباطلهم الذي يسعون به لتطويق السُّنة وسحق أهلها الأبرار؛ ولا سيما هذه المرحلة التي عبثت فيها العلمانية بعقول الكثير من أهل السُّنة، فأفرغت فكرهم من الولاء للسنة ومحبة الصحابة، وتركتهم في مهب الريح فاجتالتهم الشياطين، واغتالت ولاءهم وفهمهم لموروث الأمة وأعلامها المؤتمنين من أئمتها الصالحين.

أين إسهامهم في رد الباطل والعدوان ولو بمحاضرة أو بمقال أو بكتاب أو ندوة تعقد أو أي إسهام آخر لإيقاف هذا البغي والظلم والانتقاص من صحابة رسول الله ﷺ، ممن يزعمون أنهم حماة السُّنة وأهلها؟!

في الوقت الذي يبخل أغنياؤهم في مواجهة هذا الباطل... بالقليل من أموالهم في دفع الشر والمكر وحماية السُّنة وأهلها... يبذل فيه أعداء الصحابة أموالهم لهدم السُّنة النبوية، ويستثمرونها في شراء ضعاف النفوس والجهلة ومن لا دين لهم، وزرعهم كجراثيم سامة في جسد أهل السُّنة، ينشرون الشك والحقد، ويبثون الفتن والإفك، ليشقوا الصفوف ويصدعوا الوحدة، ويتربعوا علىٰ كرسي العمالة لأعداء الصحابة علىٰ حساب الدين والأمة... يبيعون دينهم بثمن بخس؛ كما هو الحاصل في كثير من بلدان أهل السُّنة والجماعة... !!

الحاجة إلى ثقافة عقائدية تقدس السُّنة المطهرة!!:

تفريط لا تسوغه الأعذار!!:

معرفة فقه سيرتهم ضرورة أمام ما يقوم به أعداء الصحابة من أفراح وأحزان وقبول ورفض وحب وبغض له أبعاد عقائدية جاهلية، تم صنعها لتأصيل الأحقاد في نفوسهم علىٰ الصحابة والسُّنة النبوية المطهرة وأهلها، وتأمين استمرارية تغذية البغض وإمداد ثقافة الكراهية في نفوسهم للسنة وأهلها علىٰ مر السنين، في ثقافة حاقدة يتشربها كل منهم، ويرضع صديدها مع اللبن الذي يتناوله في مهده، مما سمح لهم في التمدد والانسياح داخل الكيان الإسلامي، وقد أعانهم علىٰ ذلك غفلة عامة أهل السُّنة، وضعف الإحساس بالهوية السنية عند طبقات هائلة من أجيالهم، وصمت مريب من عامة علمائهم، وتزييف ظاهر للأحداث من كُتَّابهم، وفتاوىٰ آثمة ممن يتصدر بين الناس من علمائهم تدعو إلىٰ نصرة أعداء أهل السُّنة وموالاتهم، في الوقت الذي يستبيحون فيه كل محرمات أهل السُّنة!!

معرفة فقه سيرتهم ضرورة؛ لإيجاد ثقافة عقائدية بأدلة شرعية تقدس السُّنة المطهرة وتتبرأ من كل من ينالها بقول أو فعل أو كتابة شركية تنال من حملتها ش... والإسهام في مد ثقافي يفصل بين الصحابة وأعدائهم وبين السُّنة وأعدائها، وإنقاذ البسطاء من أهل السُّنة من علماء يدعون إلىٰ محبة أعداء القرآن والسُّنة... من لا يسهم في تكوين هذه الثقافة فإنه يشارك في توفير الفراغ العقدي الذي يتمدد فيه سرطان الهدم والتخريب لدين الإسلام والدمار لبلادهم... أعداء الصحابة يشاركون بكل طاقاتهم وندواتهم، ومحاضراتهم، وفضائياتهم في دمار السُّنة والعمل علىٰ تمزيقها وسحق أهلها... أمام التقاعس المشبوه عن الدفاع عن الصحابة وميراثهم الطاهر، والإسهام في رد العدوان المستمر علىٰ السُّنة المطهرة!!.. أمام التفريط وانعدام الغيرة من علماء السُّنة تحت ما يسمىٰ بالحكمة والعقلانية، وهو في الواقع ما هو إلا تزييف للحق وشك بالسُّنة... تفريط لا تسوغه الأعذار ولا تغسل عاره الأنهار!!

أمام من يتهم القرآن بالتزييف، والنبي ﷺ بعدم التبليغ، والصحابة بالردة، وأمهات المؤمنين بالفحشاء - حاشاهن - والبخاري ومسلم بالكذب، والسُّنة النبوية بالبهتان، ويرفض خلافة النبوة، ويكفر بكل إنجازاتها وتشريعاتها، ويستبيح دماء الخلفاء الراشدين، ويرىٰ أن كل من يسير علىٰ نهجهم مستباح الدم والمال والعرض، وكل من لا يشارك بلعن الصحابة ش وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فهو غير مؤمن، وكذلك من لا يعتقد بأن هناك شيئًا اسمه أئمة، هم فوق الأنبياء والملائكة، وأن لهم وكلاء في الأرض يحلون ويحرمون من دون الله تعالىٰ، وقولهم فوق كل قول!!

معرفة الصحابة معرفة لديننا، والجهل بهم جهل بديننا... وتشويه صورتهم تشويه لسيرة نبينا ﷺ، هم الجيل القرآني الفريد... تلقوا الوحي غضًّا كما أُنزل علىٰ رسول الله ﷺ، وأخذوه عن مصدر التلقي دون واسطة، وحملوه إلىٰ العالمين كما أراد وأمر به رسول الله ﷺ، فأثبتوا أنهم هم النخبة البشرية المختارة لهذه المهمة... تربوا في مدرسة النبوة... رباهم محمد ﷺ، آمنوا به وماتوا علىٰ دينه. لذلك فإن موالاتهم ومتابعتهم والاعتزاز بنشر سيرتهم فضلًا عن حبهم ووجوب الاقتداء بهم علامةُ الإيمان والرشاد والسداد، ومناصبتهم العداء والتشكيك بآثارهم علامة الجحود والنفاق والردة، وطمس لنجاحاتهم وإنجازاتهم العظيمة التي حفظت الدين والأمة. 

برئت من الخوارج لست منهم

من الغزال منهم وابن باب

ومن قوم إذا ذكروا عليًّا

يردون السلام علىٰ السحاب

ولكني أحب بكل قلبي

وأعلم أن ذاك من الصواب

رسول الله والصديق حبًّا

به أرجو غدًا حسن الثواب

وحب الطيب الفاروق عندي

كحب أخي الظما برد الشراب

وعثمان بن عفان شهيد

نقي لم يكن دنس الثياب



الفصل الثاني 

كيف نقرأ سيرة صحابة

رسول الله ﷺ

تاريخ صحابة رسول الله ﷺ، هو جزء من ديننا، لا يصح بحال أن نسوي بينه وبين أي تاريخ آخر، أو نتساهل في أخذه وروايته؛ لأن أي تمييع في حق هذا التاريخ وتوثيقه، يعود أثره علىٰ الدين، من هنا لا ينبغي لطالب الحق أن ينجرف بمجرد أن يقرأ رواية تاريخية، لا يعرف مصدرها فضلًا عن أن يعلم صحيحها من سقيمها، ثم يحدِّث بها... !! علىٰ المسلم أن يتحرىٰ الحق، ويكون دقيقًا في أخذه للروايات، فيتمسك بالصحيح والذي تنطبق عليه قواعد وشروط الحديث النبوي الشريف، ولا يغتر بكثرة الروايات الموضوعة والمختلقة المكذوبة، تلك التي وضعها أهل الفتن لتمزيق الصف المسلم!! عليه أن يبحث عن اتصال السند ورواية العدل الضابط الحافظ... لابد من التثبت من صحة الإسناد وضعفه!!

وضع العلماء المسلمون قواعد لعلم الرواية، تبلورت عن مجموعة من العلوم، مثل: علم أصول الحديث أو مصطلح الحديث، وعلم الجرح والتعديل وتاريخ الرجال، وعلم الدراية أو نقد المتن، فلإثبات الحقائق وتوثيق الروايات اختط العلماء المسلمون منهجًا مستقلًّا لم يشاركهم فيه أحد، يقوم علىٰ التزام الإسناد واعتماده ومعرفة الرجال والكشف عن حالهم واستعمال النقد للمتون والأسانيد، كما يقوم علىٰ التحري والتثبت في الرواية وهو ما حث عليه القرآن الكريم، فقد أمرنا الله تعالىٰ من التثبت والتبين في خبر الفاسق؛ لقوله تعالىٰ: 

﴿ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ 

ﭯ ﭰ﴾ [الحجرات: 6] وهو أيضًا ما حثت عليه السُّنة المطهرة وسنة الخلفاء الراشدين، وعمل الصحابة ش... يعني هذا أنه لابد من الرجوع إلىٰ القواعد التي وضعها العلماء لمعرفة الحقيقة، فلا يؤخذ الخبر من الكذابين والفاسقين؛ لأن فسقهم يدفعهم إلىٰ تصويره علىٰ خلاف ما هو عليه... ومن هنا حذر المحققون الغيورون أمثال: القاضي ابن العربي الأندلسي، والمؤرخ المسلم عبد الرحمن بن خلدون من الصيغ الاستسلامية في التعامل مع الحشود من الروايات والمعطيات التاريخية، ورفضها إذا اقتضىٰ الأمر، ومقاطعة أهل الباطل، ورفض كل ما ورد إذا ما كذب صراحة أو ضمنًا ما ورد في كتاب الله تعالىٰ وسنة رسوله، والاقتصار علىٰ روايات العدول، يكون ذلك بالبحث عن المصدر ودرجة الثبوت الثقة، وتقديم الأوثق ثبوتًا كالنقل المتواتر، وتقديم المصادر الشرعية علىٰ كل مصدر، فالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل قد تكفل الله تعالىٰ بحفظه من التحريف أو الزيادة أو النقصان: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ﴾ [الحجر: 90] وهو قطعي الثبوت. ويأتي بعده الحديث النبوي الشريف في قوة الثبوت؛ لأن النبي ﷺ، كما أخبر عنه لا ينطق عن الهوىٰ، وقد حفظه أصحابه ش، ودوَّنه علماء الحديث والرواية تبعًا لأرقىٰ منهج علمي في نقد الروايات والمرويات.

تاريخ الصحابة ش جزء من ديننا لا نتساهل في أخذه وروايته... إذا كانت الأخبار والروايات تحكي كريم سجاياهم، ولا تخرج عن الأصول العامة للشريعة، ولا تأباه الفطرة السليمة، لا مانع من رواياتها والأخذ بها؛ لأنها لا تمس ولا تخدش أصلًا شرعيًّا.

لابد من التعامل السليم مع كل ما كُتب عن صحابة رسول الله سيرهم وتاريخهم ش، وتبيان ما يمارسه البعض من نقل للروايات التاريخية دون نقد وتمحيص، فقد يكون مبنيًّا علىٰ الهوىٰ والتشويه المتعمد لحقائق التاريخ!!

لابد من إعمال قواعد البحث العلمي والتحقيق، ومعرفة مناهج وشروط العلماء في التعامل مع سائر مرويات كتب التراث والتاريخ، والاعتماد علىٰ أقوال النقاد من أئمة الجرح والتعديل... النظر في الأسانيد ومحاكمتها محاكمة عادلة... الروايات الباطلة سندًا والمنكرة متنًا يجب الحذر منها، تلك التي تضمها كتب انتهكت حرمات الإسلام والصحابة الكرام( ).

من هو الصحابي؟:

الصاحب في اللغة: اسم فاعل من صحب يصحب فهو صاحب، وقيل غير ذلك( ).

واصطلاحًا: قيل كل من لقي الرسول ﷺ مؤمنًا به ومات علىٰ ذلك، سواءٌ أطال هذا اللقاء أم قصر.

يقول ابن حجر العسقلاني في تعريفه للصحابي: 

أصح ما وقفت عليه في تعريف الصحابي: أنه من لقي النبي ﷺ مؤمنًا، ومات علىٰ الإسلام فيدخل فيه: من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روىٰ عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يَغْزُ، ومن رآه رؤية بصر ولم يجالسه، ومن لم يَرَهُ لعارضٍ كالعمىٰ، كعبد الله بن أم مكتوم، كان أعمىٰ ولقي النبي ﷺ ولم يره( ).

إذن الصحابي هو: من لقي النبي ﷺ يقظة، مؤمنًا به بعد بعثته، حال حياته - أي يشترط الإيمان بالنبي ﷺ، وما جاء به، فمن لقي النبي ﷺ وهو علىٰ الكفر من أهل الكتاب والمنافقين وغيرهم، سواءٌ أسلم بعد وفاة الرسول ﷺ أو لم يسلم فلا صحبة له - ومات علىٰ الإيمان، أما من أسلم بعد وفاة النبي ﷺ ورآه قبل دفنه فلا يعد صحابيًّا، وكذلك من مات مرتدًّا بعد وفاة النبي ﷺ، فلا يقال عنه: إنه صحابي ولا كرامة له( ).

ويدخل فيه من طالت مجالسته ولازم النبي ﷺ، مثل: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، أو قصرت مثل: الوافدين عليه ممن لم يمكثوا معه إلا قليلًا كما ذكر ابن حجر في «الإصابة»، أو رآه ولم يجالسه مثل بعض الأعراب الذين شهدوا مع النبي ﷺ حجة الوداع، فإنهم رأوه ولم يجالسوه ﷺ .. ويدخل فيه من روىٰ حديثًا واحدًا أو حديثين أو أكثر، أو لم يرو شيئًا أصلًا... ويدخل فيه من غزا مع النبي ﷺ غزوة أو أكثر، أو لم يغز مع النبي ﷺ أصلًا... ويدخل فيه الذكور والإناث، والبالغون منهم؛ - باتفاق أهل الحديث -، وأما غير البالغين فيشترط التمييز، كسبطي 

رسول الله ﷺ: الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير ش... واختلفوا بعدُ في غير المميزين مثل: محمد بن أبي بكر الذي ولد قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أشهر وأيام. 

ويدخل في مفهوم الصحبة من لقيه مؤمنًا به ثم ارتد، وعاد إلىٰ إيمانه في حياة النبي ﷺ ولقيه مرة أخرىٰ. وذلك باللقاء الثاني، بلا خلاف بين العلماء، وذلك مثل: عبد الله بن سعد بن أبي السرح( )، ويدخل فيه أيضًا: من لقيه مؤمنًا به ثم ارتد، وعاد إلىٰ إيمانه في حياة النبي ﷺ، ولم يلقه مرة أخرىٰ، أو عاد بعد انتقال النبي ﷺ إلىٰ الرفيق الأعلىٰ.

ويخرج من مفهوم الصحبة: ومن آمن به ولم يره كأصحمة النجاشي، وزيد بن وهب، وأبي مسلم الخولاني وغيرهم( ). ومن لقي النبي ﷺ في منامه، فإنه ليس بصحابي( ).

يخرج منه من لقيه كافرًا به، فإنه لا يعد من الصحابة، سواءٌ أكان من المشركين أم من المجوس أم من أهل الكتاب - اليهود والنصارىٰ - وسواء بقي علىٰ كفره مثل: أبي جهل وأبي لهب وغيرهما من الكفرة والمشركين، أم آمن بعد انتقال النبي ﷺ إلىٰ الرفيق الأعلىٰ كرسول قيصر... ويخرج من مفهوم الصحبة من لقيه مؤمنًا به قبل بعثته ﷺ، مثل: زيد بن عمرو بن نفيل، وجرجيس بن عبد القيس المعروف ببحيرا الراهب؛ فقد عرفه وهو ذاهب إلىٰ الشام وآمن به قبل بعثته( )، فإن هؤلاء لا يدخلون في مفهوم الصحابة؛ لأن النبي ﷺ، لم يكن مبعوثًا حين آمنوا به وصدقوه( ).

وهناك من توسع في تعريف الصحابي، قال الحميدي: في القرآن الكريم قال الله تعالىٰ: ﴿ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ﴾ [الكهف: 34] فقضىٰ بالصحبة مع الاختلاف في الإسلام الموجب للعداوة لما جرىٰ بينهما من ملابسة الخطاب للتقدم، وقد أجمعت الأُمة علىٰ اعتبار الإسلام في اسم الصحابي فلا يُسمّىٰ من لم يسلم صحابيًّا إجماعًا، وقد ثبت بالقرآن أن الله سمّىٰ الكافر صاحبًا للمسلم فيجب أن يكون اسم الصحابي عرفيًّا، وإذا كان عرفيًّا اصطلاحيًّا كان لكل طائفة أن تصطلح علىٰ اسم.

قال تعالىٰ: ﴿ﮩ ﮪ﴾ [النساء: 36] وهو المرافق في السفر، ولا شك أنه يدخل في هذه الآية الملازم وغيره، ولو صحب الإنسان رجلًا ساعة من نهار وسايره في بعض الأسفار لدخل في ذلك؛ لأنه يصدُق عليه أن يقول: صحبت فلانًا في سفري ساعة من النهار، ولأن من قال ذلك لم يردّ عليه أهل اللغة ويستهجنوا بكلامه.

وفي السُّنة فكثير غير قليل، ومن أوضحها ما ورد في الحديث الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة <: «إنكن صواحب يوسف». فانظر أيها المنصف ما أبعد هذا السبب الذي سُمّيت به النساء صواحب يوسف، وكيف يستنكر من آمن برسول الله ووصل إليه وتشّرف برؤية غرّته الكريمة صاحبًا له، ومن أنكر علىٰ من سمّىٰ هذا صاحبًا لرسول الله ﷺ فلينكر علىٰ رسول الله حيث سمّىٰ النساء كُلهُنَّ صواحب يوسف.

ومن ذلك الحديث الذي أُشير فيه علىٰ النبي ﷺ أن يقتل عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين فقال عليه الصلاة والسلام: «إني أكره أن يُقال إن محمدًا يقتل أصحابه». فَسُمِّي صاحبًا مع العلم بالنفاق للملابسة الظاهرة مع العلم بكفره الذي يقتضي العداوة ويمحو اسم الصحبة في الحقيقة العرفية.

ومما يدل علىٰ التوسع الكثير في اسم الصحبة: إطلاقها بين العقلاء وبين الجمادات كقوله تعالىٰ: ﴿ﭮ ﭯ﴾ [يوسف: 39] ومثل تسمية ابن مسعود صاحب السواد، وصاحب النعلين والوسادة.

وأما الإجماع، فلا خلاف بين الناس أنه كان رسول الله ﷺ إذا لاقي المسلمين في الحرب فقُتِل من عسكر النبي جماعة ومن المشركين جماعة أن يُقال: قُتِل من أصحاب النبي ﷺ كذا وكذا، ومن المشركين كذا وكذا، وبذا جرىٰ عمل المؤرخين والإخباريين، يقولون في أيام صفين: قُتِل من أصحاب عليّ كذا ومن أصحاب معاوية كذا، ولا يعنون بأصحاب عليّ من لازمه وأطال صحبته بل من قاتل معه شهرًا أو يومًا أو ساعة، وهذا شيء ظاهر لا يستحق بمن قال مثله الإنكار( ).

الصحابي والمنافق:

النفاق في اللغة يعني: التقلب علىٰ أكثر من وجه والاستتار.

يزعم البعض أن في قوله تعالىٰ: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ﴾ [التوبة: 100] دليلًا علىٰ أن في الصحابة منافقين. وقوله ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ﴾ [المنافقون: 1] دليل علىٰ ذلك أيضًا في الاصطلاح.

يقول ابن القيم: «المنافق الذي يظهر الإسلام ومتابعة الرسول ويبطن الكفر ومعاداة الله ورسوله»( ).

الصحابي والمنافق لا يتفقان، لا من الناحية اللغوية، ولا من الناحية الاصطلاحية؛ فالصحابي: هو الذي آمن بالنبي ص ومات علىٰ الإسلام، والمنافق: من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، فلا يتوافق أن يكون الصحابي منافقًا ولا المنافق صحابيًّا.

كيف نعرف الصحابي من المنافق؟:

وهل كل من رأى النبي ﷺ صحابي؟:

للمنافق صفات وعلامات ظاهرة بالكتاب والسُّنة، نستطيع من خلالها أن نميزه عن الصحابة... لم يكن المنافقون مجهولين في مجتمع المدينة، إنما كانوا فئة مفضوحة، فقد عُلم بعضهم بعينه، والبعض الآخر عرف بالأوصاف المذكورة في القرآن. ويبين هذه الحقيقة حديث كعب بن مالك؛ وهوأحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وذلك حين قال: «فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ص، فطفت فيهم أحزنني أني لا أرىٰ إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء... إلخ».

من صفات المنافقين: 

- وصفهم الله تعالىٰ بالإفساد في الأرض، والاستهزاء بدينه وبعباده، وبالطغيان واشتراء الضلالة بالهدىٰ، والصم والبكم والعمىٰ والحيرة، والكسل عند عبادته.

- بالتردد والتذبذب بين المؤمنين والكفار؛ فلا إلىٰ هؤلاء ولا إلىٰ هؤلاء، والحلف باسمه تعالىٰ كذبًا وباطلًا، وبعدم الفقه في الدين، وبالجبن، وبعدم الإيمان بالله وباليوم الآخر والرب.

- يحزنون بما يحصل للمؤمنين من الخير والنصر، ويفرحون بما يحصل لهم من المحنة والابتلاء.

- يتربصون الدوائر بالمسلمين وبكراهتهم الإنفاق في مرضاة الله وسبيله.

- يفرحون إذا تخلفوا عن رسول الله ص ويكرهون الجهاد في سبيل الله، وأنهم أحلف الناس بالله، قد اتخذوا أيمانهم جنة تقيهم من إنكار المسلمين عليهم، وبأنهم مضرة علىٰ أهل الإيمان، يقصدون التفريق بينهم والفجور عند الخصام، ويؤخرون الصلاة إلىٰ آخر وقتها، ويتركون حضور الجماعة، وأن أثقل الصلوات عليهم الصبح والعشاء.

هذه بعض صفات المنافقين التي وصفهم الله سبحانه بها... فضح الله المنافقين في سورتي «المنافقين»، و«التوبة»؛ مبينًا حالهم ودسائسهم وما تكنه صدورهم تجاه المؤمنين؛ لذلك سُمّيت سورة «التوبة» بالفاضحة والمدمدمة؛ لما أظهرت من صفاتهم ونواياهم، ثم أظهرت حال أهل الإيمان من الصحابة الميامين بشهادة رب العالمين. وبالنسبة لسورة «المنافقين» فقد نزلت في رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه، فقد أخرج البخاري في «صحيحه» عند تفسير سورة «المنافقين» عن زيد بن الأرقم أنه قال: 

«كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا علىٰ من عند رسول الله حتىٰ ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكر للنبي ص فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله ص إلىٰ عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فكذبني رسول الله ص وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثلُهُ قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله ص ومقتك، فأنزل الله تعالىٰ: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ﴾ [المنافقون: 1] فبعث إليّ النبي ص فقرأ فقال: «إن الله قد صدقك يا زيد».

وأما بالنسبة لسورة «التوبة»، فقد دمدمت علىٰ أهل النفاق في مواضع عديدة وفضحت الكثير من صفاتهم، ففي قوله تعالىٰ: ﴿ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ﴾ إلىٰ قوله: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾ [التوبة: 44 - 49]، ومعلوم أن الصحابة جميعًا قد خرجوا للقتال وقد تخلف في بادئ الأمر أبو ذر وأبو خيثمة، ثم لحقا بالنبي ص، وقد تخلف أيضًا من الصحابة ثلاثة، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وهم من الأنصار، الله سبحانه غفر لهم وتاب عليهم، وبقي في المدينة أهل النفاق والمعذورون من الجهاد.

وقوله تعالىٰ: ﴿ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ﴾ [التوبة: 64] يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: 

«قال مجاهد: يقولون القولَ بينهم ثم يقولون: عسىٰ الله أن لا يغشىٰ علينا سرنا هذا، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالىٰ: ﴿ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴾ [المجادلة: 8]، أي: أن الله سينزل علىٰ رسوله ما يفضحكم به ويبين لكم أمركم، كقوله تعالىٰ: ﴿ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚﭛ﴾ [محمد: 29، 30] الآية، ولهذا قال قتادة: كانت تسمىٰ هذه السورة الفاضحة؛ فاضحة المنافقين». أي: أن الله فضحهم أمام الخلائق وبين حقيقتهم للناس بعد ما كان مكرهم سرًّا وفي الخفاء.

لهذا لا يقول: إنهم والصحابة الكرام قسم واحد إلا من تسربل بالغباء!

وقوله تعالىٰ: ﴿ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ﴾ إلىٰ قوله تعالىٰ: ﴿ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴾ [التوبة: 95، 96]. هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وجاؤوا يعتذرون للنبي ص وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، ليس فيهم أحد من أصحاب النبي ص( ). وقوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ... ﴾ إلىٰ قوله: ﴿ﮃ ﮄ ﮅ﴾ [التوبة: 107، 108]. وهذه الآية أيضًا فضحت المنافقين وذلك عندما بنوا مسجد ضرار لأبي عامر الراهب الفاسق لحرب المؤمنين، وأرادوا من النبي ص أن يصلي فيه، فأخبره جبريل بأمرهم فأمر بعض أصحابه بهدمه، وأمره بالصلاة في المسجد الذي أسس علىٰ التقوىٰ...

ولا شك أن الذين قاموا ببناء مسجد ضرار غير مجهولين عن الصحابة، ولكن في نظر الكارهين للحق أن أكثر الصحابة منافقون، والبداهة تقول: إن المسجد الذي يصلي فيه الرسول ص هو مسجد الصحابة، والمسجد الذي أمر بهدمه هو مسجد أهل النفاق، فإذا كان أكثر الصحابة منافقين، وصلىٰ الرسول ص في مسجد الصحابة المنافقين، فهل الرسول ص هدم مسجد المؤمنين ليصلي في مسجد المنافقين؟!

وفي السورة نفسها يخبر الله برضاه عن الصحابة من السابقين الأولين مهاجرين وأنصارًا بقوله سبحانه: 

﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 100].

انظر كيف يخبر الله برضاه عن الصحابة من المهاجرين والأنصار!!

أهل السُّنة يترضون عمن رضي الله عنه ويسبون من سبه الله ورسوله ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدعون؛ ولهذا هُم حزب الله المفلحون وعبادُه المؤمنون.

وقوله سبحانه: 

﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾ [التوبة: 117].

وهذه الآية أيضًا صريحة في مدح الصحابة من المهاجرين والأنصار وصفاء ضمائرهم وسرائرهم، فهاتان الآيتان تصرحان بعدالة الصحابة الأخيار بشهادة الكبير المتعال، ثم رضي الله سبحانه علىٰ الثلاثة الذين تخلفوا، وهم من جملة الصحابة، خلاف بقية المتخلفين عن الغزوة من المنافقين الذين قبل الرسول ص عن ظاهرهم، وهذا أعظم دليل علىٰ الفارق الكبير بين الصحابة المعدَّلين من الله سبحانه، رغم أخطائهم، وبين المنافقين الذين فضحهم الله سبحانه في كتابه الكريم.

موقع الصحابة الكرام من هذه الصفات:

صحابة رسول الله ص هم أبعد الناس من أن يوصفوا بتلكم الأوصاف، لقد استحقوا رضا الله سبحانه ومرضاته حتىٰ قال فيهم: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ﴾ [آل عمران: 110]. وقال تعالىٰ: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [الأنفال: 64].

وقال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [الفتح: 29].

وقال سبحانه: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ﴾ [الأنفال: 74] .

فالذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا هم المهاجرون من الصحابة، والذين آووا ونصروا هم الأنصار من الصحابة، وقد وصفهم الله بصيغة الجمع بأنهم هم المؤمنون حقًّا. من المتفق عليه أن النبي ص قد علّم بعض أصحابه أسماء المنافقين، وقد ثبت أيضًا أن النبي ص قد ترضىٰ عن صحابته، وأوجب حبهم والثناء عليهم، وحمىٰ أقدارهم من التعرض لهم بسوء فقال: 

«لاتسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفه». وقال: «من سب أصحابي، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

وقال أيضًا صلوات الله وسلامه عليه: «احفظوني في أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،... إلخ».

وهذا يقتضي بالضرورة عدالة جميع الصحابة، ولا يمكن بحال إدخال المنافقين في جملة هذه الأحاديث وقد أنزل الله فيهم قوله: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ [النساء: 145] - و(أل) للاستغراق - اللهم إلا إذا كان النبي ص يتناقض في أقواله، وحاشاه ذلك.

يقول علي بن أبي طالب >: «لقد رأيت أصحاب محمد ص، فما أرىٰ أحدًا يشبههم منكم، لقد كانوا يصبحون شعثًا غبرًا، وقد باتوا سجّدًا وقيامًا، يراوحون بين جباهِهِم وخدودهم، ويقفون علىٰ مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم رُكب المعزىٰ من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتىٰ تبُلَّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف؛ خوفًا من العقاب ورجاءً للثواب».

سأله أصحابه: ... يا أمير المؤمنين حدثنا عن أصحابك. قال: عن أي أصحابي؟ قالوا: عن أصحاب محمد ص. قال: كل أصحاب محمد أصحابي.

الصحابة الكرام طبقات:

والصحابة ش طبقات، اختلف العلماء في عدهم، منهم من جعلهم خمس طبقات: البدريون - من شهدوا بدرًا - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا - ومنهم من أسلم قديمًا ممن هاجر عامتهم إلىٰ الحبشة وشهدوا أُحدًا فما بعدها، ثم من شهد الخندق فما بعدها، والرابعة: مسلمة الفتح وما بعدها، والخامسة: الصبيان والأطفال الذين رآهم النبي ﷺ، ممن لم يغزوا.

وبهذا القول أخذ ابن سعد في كتابه «الطبقات الكبرىٰ».

صحابة رسول الله ﷺ، ليسوا علىٰ درجة واحدة في الفضل والمرتبة، بل تتفاوت مرتبتهم في الفضل؛ بحسب سَبْقهم إلىٰ الإسلام والجهاد والهجرة، وبحسب ما قاموا به من أعمال تجاه دينهم ونبيهم... والمهاجرون يقدمون علىٰ الأنصار، وأهل بدر يقدمون علىٰ أهل بيعة الرضوان، ومن أسلم قبل الفتح وقاتل يقدمون علىٰ غيرهم... فضل الله سبحانه وتعالىٰ المهاجرين والأنصار علىٰ سائر الصحابة ش، وذلك لسبقهم في الاستجابة لدعوة النبي ﷺ ودخولهم فيها وتحملهم الأذىٰ لأجلها... وفضل الله تبارك وتعالىٰ المهاجرين علىٰ الأنصار؛ لأن المهاجرين جمعوا بين الهجرة والنصرة، وقد تركوا أهلهم وأموالهم وأوطانهم، وخرجوا إلىٰ أرضٍ هم فيها غرباء طالبون فقط الأجرَ ونصرة الله ورسوله ﷺ... وأما الأنصار فقد أتاهم النبي ﷺ في بلادهم، فنصروه وقسموا أموالهم ونساءهم؛ نصرةً لله ولرسوله.

قال تعالىٰ: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ﴾ [الحشر: 8- 9].

قال تعالىٰ: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ﴾ [الأنفال 74: 75].

بعد المديح العام للصحابة المهاجرين والأنصار ش، جعل الله سبحانه وتعالىٰ الأفضلية والمراتب العظيمة لمن شهد بدرًا من المسلمين، وكانوا يومئذ قلة، سارعوا إلىٰ القتال مع النبي ﷺ من غير دعوة وميعاد، وتحقق لهم النصر بفضل الله ومنته علىٰ أيدي هؤلاء القلة، وقد اطلع الله علىٰ أعمالهم وبشرهم بأنهم لن يموتوا علىٰ الكفر، وأن ذنوبهم مغفورة بإذنه سبحانه، وهذا ما أكده النبي ﷺ لعمر بن الخطاب حين أراد ضرب عنق حاطب بن أَبي بلتعة > فقال له: «وما يدريك لعل الله اطلع علىٰ أهل بدر فغفر لهم، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم».

وهذه تزكية وشهادة أبدية من الله سبحانه علىٰ لسان رسوله ﷺ لأهل بدر وأنه راض عنهم إلىٰ يوم القيامة.

وجاء الثناء بعد أهل بدر للذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح، هؤلاء هم أهل بيعة الرضوان وصلح الحديبية، بايعوا النبي ﷺ علىٰ الموت، حينما صد المشركون رسول الله ﷺ وأصحابه عن دخول مكة... وقد خصوا بالفضل وعلو المكانة للحاجة الماسة التي ألمت بالنبي ﷺ والصحابة في وقتها، وكانت ظروف عصيبة، وكان الصلح وما جرىٰ بعده من مبايعة... وسميت هذه البيعة فتحًا لما حصل بسببها وبعدها من الخير الكثير والنصر المبين للمسلمين، وقد أثنىٰ الله تبارك وتعالىٰ عليهم، وزكىٰ ظاهرهم وباطنهم فقال سبحانه: ﴿ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾ [الفتح: 18].

عدالة الصحابة ش:

صحابة رسول الله ﷺ كلهم عدول، وليس المراد بعدالة الصحابة ش هو عصمتهم من الخطأ والنسيان والذنوب والعصيان؛ إذ العصمة لم تثبت لأحد بعد أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وإنما المراد بعدالتهم: أنهم لا يتعمدون الكذب علىٰ رسول الله ﷺ، كما أن إخبار الله تعالىٰ برضاه عنهم، وأنهم من أهل الجنة، دليل علىٰ أن ما يقع فيه البعض منهم يوفق فيه إلىٰ التوبة... ولذلك نقبل مروياتهم من غير أن نبحث عن عدالتهم أو نطلب من أحد تزكيتهم( ).

يقول الإمام الألوسي في «الأجوبة»: «اعلم أن أهل السُّنة - إلا من شذ - أجمعوا علىٰ أن جميع الصحابة عدول، يجب علىٰ الأمة تعظيمهم، فقد أخلصوا الأعمال من الرياء؛ نفلًا وفرضًا، واجتهدوا في طاعة مولاهم ليرضىٰ، وغضوا أبصارهم عن الشهوات غضًّا، فإذا أبصرتهم رأيت قلوبًا صحيحة وأجسادًا مرضىٰ، وعيونا قد ألفت السهر فما تكاد تطعم غمضًا، بادروا أعمالهم لعلمهم أنها ساعات تنقضي... ومن ارتكب منهم ما يخالف بعض هذه الأوصاف، لم يمت إلا وهو أنقىٰ من ليلة القدر، غير مدنس بوصمة ولا مصر علىٰ سيئة... ويقول: إنهم لم ينتقلوا من هذه الدار إلىٰ دار القرار إلا وهم طاهرون مطهرون، تائبون آيبون، ببركة صحبتهم للنبي ﷺ، ونصرتهم إياه، وبذل أنفسهم وأموالهم في محبته وتعظيمهم له أشد التعظيم؛ سرًّا وعلانية، كما يدل علىٰ ذلك الكتاب، وتشهد له الآثار»( ).

وقال الخطيب البغدادي في «كفايته» (صـ69): «علىٰ أنه لو لم يرد من الله Q ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ علىٰ عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين. قال: هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء».

الثناء على الصحابة ش تحقق في كتاب ربنا Q، وفي سنة نبينا محمد ﷺ:

المنافقون الذين كشف الله ورسوله سترهم، ووقف المسلمون علىٰ حقيقة أمرهم، والمرتدون الذين ارتدوا في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، ولم يتوبوا ويرجعوا إلىٰ الإسلام، وماتوا علىٰ ردتهم، هم بمعزل عن شرف الصحبة، وبالتالي بمعزل عن أن يكونوا من المرادين بقول جمهور العلماء والأئمة: إنهم عدول، وفي تعريف العلماء للصحبة ما ينفي عنها هؤلاء؛ وأولئك من وصفوا بالنفاق في حياة رسول الله ﷺ، ليسوا من الصحابة، وكانوا معروفين للنبي ﷺ والصحابة؛ بأعيانهم وبأوصافهم، وقد بينت آيات القرآن الكريم كل حركاتهم وسكناتهم، بل حتىٰ في خلجات نفوسهم.

كان الصحابة ش من أكثر الناس خوفًا من الله Q وخشية علىٰ أنفسهم أن يقعوا في النفاق.

الصحابة ش معصومون في إجماعهم، فلا يمكن أن يجتمعوا علىٰ شيء من كبائر الذنوب أو صغيرها، فيستحلونها ويفعلونها، وأما وقوع المعاصي من بعضهم ففيه الدلالة علىٰ عدم عصمة أفرادهم، ولا يضر هذا الزلل في عدالتهم، ولا يحط من مكانتهم... ومما يدل علىٰ عدالتهم علىٰ وجه العموم: ما قام به الأئمة من تمحيص لروايات الصحابة التي رووها عن النبي ﷺ، فلم يجدوا بعد الفحص والنظر صحابيًّا كذب كذبة واحدة علىٰ النبي ﷺ... لقد اصطفاهم الله ورعاهم وميزهم واختارهم لصحبة نبيه ﷺ ونشر دينه القويم.

ولا يلزم إثبات العدالة للصحابة ش إثبات العصمة لهم من الأخطاء، فهم بشر يخطئون ويصيبون، وإن كانت أخطاؤهم مغمورة في بحور حسناتهم... لهم من السوابق والفضائل التي لن يلحقهم فيها أحد... نصروا النبي ﷺ حين اجتمع عليه المشركون، وجاهدوهم بأموالهم وأولادهم وأنفسهم، وقاتلوا آباءهم وإخوانهم وعشيرتهم، وبذلوا رقابهم لإعلاء كلمة الله، وكانوا سببًا في نشر ووصول هذا الدين العظيم إلينا... وهذه توجب - بإذن الله تعالىٰ - مغفرة ما صدر منهم، ولو كان من أعظم الذنوب ما لم يصل إلىٰ الكفر.

العدالة ليست العصمة، فقد يعصي المؤمن العادل ثم يتوب بعد انتباهه؛ لذلك يرىٰ العلماء أن العدالة ترتفع بمجرد وقوع المعصية، وتعود بالتوبة والندم، ولا يفرق في ذلك بين الصغيرة والكبيرة( ).

الآيات القرآنية، التي جاء فيها عتاب للصحابة أو لبعضهم لارتكابهم بعض المعاصي لَخير دليل شاهد علىٰ أن المراد بعدالتهم جميعًا: عصمتهم من الكذب في حديث رسول الله ﷺ، وليس معنىٰ عدالتهم عصمتهم من المعاصي أو من السهو أو الغلط، فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، وحتىٰ مع ارتكاب بعضهم لبعض الذنوب، فقد امتن الله Q عليهم بالتوبة والمغفرة لذنوبهم؛ وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

شبهات حول عدالة الصحابة والرد عليها:

روايات شاعت... لم تثبت أسانيدها:

قالوا في قوله تعالىٰ: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ﴾ [آل عمران: 144]: تدل علىٰ ردة الصحابة، وأن الصحابة سينقلبون علىٰ أعقابهم بعد وفاة الرسول ص مباشرة، ولا يثبت منهم إلا القليل.

هذه الآية نزلت يوم أُحد، عندما أصاب المسلمين ما أصابهم، وشُج رسول الله ص، وكُسرت رباعيته، وشاع في الناس أن الرسول ص قتل، فقال بعض المنافقين: إن محمدًا قد قتل فالحقوا بدينكم الأول؛ فنزلت هذه الآية.

روىٰ الطبري في «تفسيره» بسنده عن الضحاك قال في قوله تعالىٰ: ﴿ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ﴾ [آل عمران: 144]: «ناس من أهل الارتياب والمرض والنفاق، قالوا - يوم فرّ الناس عن نبي الله ص، وشج فوق حاجبه، وكسرت رباعيته: قتل محمد فالحقوا بدينكم الأول، فذلك قوله: ﴿ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ﴾ [آل عمران: 144]». ‎

لو كانت الآية فيمن ارتد بعد موت النبي ص لكانت أظهر في الدلالة علىٰ براءة أصحاب النبي ص من المرتدين، فإنهم هم الذين قاتلوهم، وأظهر الله دينه علىٰ أيديهم، وخذل المرتدين بحربهم لهم، فرجع منهم من رجع إلىٰ الدين، وهلك من هلك علىٰ ردته، وظهر فضل الصّديق والصحابة بمقاتلتهم لهم.

وثبت عن علي > أنه كان يقول في قوله تعالىٰ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ﴾ [آل عمران: 144]: «الثابتين علىٰ دينهم: أبا بكر وأصحابه». وكان يقول: «كان أبو بكر أمين الشاكرين، وأمين أحباءِ الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلىٰ الله». ‎ وقد ذهب بعض المفسرين إلىٰ أن قول الله تعالىٰ: ﴿ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ﴾ [البقرة: 217] أنها كانت في أبي بكر وأصحابه، لما كان في علم الله أنهم سيقاتلون أهل الردة. روىٰ الطبري بسنده عن علي > أنه قال في قوله تعالىٰ: ﴿ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ﴾ [المائدة: 54]: «بأبي بكر وأصحابه». وعن الحسن البصري قال: «هذا والله أبو بكر وأصحابه». وعن الضحاك قال: «هو أبو بكر وأصحابه، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام جاهدهم أبو بكر وأصحابه؛ حتىٰ ردهم إلىٰ الإسلام». وبهذا قال قتادة وابن جريج وغيره من أئمة التفسير. ‎

قالوا: إن الصحابة اختلفوا في أن يكتب لهم رسول الله ص ذلك الكتاب( )، الذي يعصمهم من الضلالة إلىٰ قيام الساعة، واختلافهم هذا هو الذي حرم الأمة الإسلامية من الوحدة، ورماها في الضلالة، فانقسمت وتفرقت وتنازعت وفشلت وذهبت ريحها... وقالوا: اختلف الصحابة في الخلافة، فتوزعوا بين حزب حاكم، وحزب معارض، وسبب ذلك تخلف الأمة، وانقسامها إلىٰ: شيعة علي، وشيعة معاوية... وهم أيضًا الذين اختلفوا في تفسير كتاب الله، وأحاديث رسوله ص، فكانت المذاهب والفرق والملل والنحل، ونشأت من ذلك المدارس الكلامية والفكرية المختلفة، وبرزت فلسفات متنوعة؛ أملتها دوافع سياسية محضة، تتصل بطموحات الهيمنة علىٰ السلطة والحكم. فالمسلمون لم ينقسموا ولم يختلفوا في شيء لولا الصحابة، وكل خلاف نشأ وينشأ إنما يعود إلىٰ اختلافهم في الصحابة.

هذه المزاعم تعني أن الرسول ص قد ترك تبليغ أمته ما فيه عصمتها من الضلال، ولم يبلغ شرع ربه لمجرد اختلاف أصحابه عنده حتىٰ مات علىٰ ذلك، وأنه بهذا مخالف لأمر ربه في قوله: ﴿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ﴾ [المائدة: 67]. ‎‎والرسول ص مبرأ من ذلك ومنزه بتزكية ربه له في قوله: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ﴾‎ [التوبة: 128]. فوصفه بالحرص علىٰ أمته: أي علىٰ هدايتهم، ووصول النفع الدنيوي والأخروي لهم، ذكره ابن كثير في تفسيره، وإذا كان هذا الأمر معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام عند الخاص والعام، لا يشك فيه من في قلبه أدنىٰ مثقال ذرة من إيمان، أن هذا الرسول الكريم قد بلغ كل ما أُمر به، وكان أحرص ما يكون علىٰ أمته، بما هو متواتر من جهاده، وأخباره الدالة علىٰ ذلك!!

القول بأن الصحابة اعترضوا على تعيين أسامة بن زيد أميرًا للجيش!!:

قالوا بأن كبار الصحابة بما فيهم أبو بكر وعمر قد طعنوا في تأمير أسامة، وقالوا: كيف يؤمر علينا شاب لا نبات بعارضيه، وقد طعنوا من قبل في تأمير أبيه!، وقد قالوا في ذلك وأكثروا النقد...

بلغ ذلك الرسول ﷺ، فقام الرسول ﷺ يتكئ علىٰ شخصين حتىٰ صعد المنبر، وقال: «أيها الناس! ما مقالة بلغت عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن ضقتم في تأمير أبيه من قبل، وايم بالله إنه كان خليقًا بالإمارة،، وإن ابنه لخليق بها». وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» عن عبد الله بن عمر: «بعث رسول الله بعثًا، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال رسول الله ﷺ: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده».

لما تمت البيعة لأبي بكر بعد انتقال الرسول ﷺ إلىٰ الرفيق الأعلىٰ أمر أبا بكر بإنفاذ بعث أسامة إلىٰ الشام وتحقيق وصية النبي ﷺ، رغم الحاجة إلىٰ جيش أسامة بوقوع الردة.

روىٰ الترمذي عن أسامة بن زيد > قال: «كان رسول الله ﷺ قد عقد لي لواءً في مرضه الذي مات فيه، وبرزتُ بالناس، فلما ثقل رسول الله ﷺ أتيته يومًا، فجعل رسول الله ﷺ يضع يده عليَّ ويرفعها، فعرفت أنه كان يدعو لي، فلما بويع لأبي بكر، كان أول ما صنع، أمر بإنفاذ تلك الراية التي كان عقدها لي رسول الله ﷺ؛ إلا أنه كان سألني في عمر: أن أتركه له ففعلت».

وقد قام الصِّدِّيق بتشييع أسامة ماشيًا، وأسامة راكب .. وأوصاه وصيته التاريخية المشهورة بأسمىٰ مبادئ المدنية والحضارة، ونجح أسامة في مهمته، وعاد بجيشه سالمًا غانمًا إلىٰ المدينة، ولما سمع المسلمون بقدومهم، خرج أبو بكر مع المهاجرين، وخرج أهل المدينة حتىٰ العواتق وسُرُّوا بسلامة أسامة ومَن معه، وفي هذا الاستقبال الحافل ردد الناس قول النبي ﷺ: «إنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقًا لها».

اشتد علىٰ رسول الله ﷺ وجعه فدخل أسامة من عسكره والنبي مغمور، فطأطأ رأسه فقبله وهو ﷺ لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلىٰ السماء ثم يضعها علىٰ أسامة >، قال أسامة: فعرفت أنه ﷺ يدعو لي، ورجع أسامة > إلىٰ عسكره ثم دخل عليه ﷺ يوم الاثنين فقال له ﷺ: اغدُ علىٰ بركة الله تعالىٰ، فودعه أسامة وخرج إلىٰ معسكره، وأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن < قد جاءه يقول: إن رسول الله ﷺ يموت، وفي لفظ: فسار حتىٰ بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول له: لا تعجل فإن رسول الله ﷺ ثقيل، فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح ش فانتهوا إلىٰ رسول الله ﷺ وهو يموت، فتوفي رسول الله ﷺ حين زاغت الشمس.

وجوه المهاجرين والأنصار من خيار الصحابة لم يطعنوا في تأمير أسامة، وإن الذي تكلم في ذلك هم أشخاص نكرات غير معروفين، وقد ذكر الطبري وابن الأثير أن الذين أطلقوا ألسنتهم في تأمير أسامة هم المنافقون، فلو كانوا من صحابة رسول الله ﷺ لذكر ذلك واحدٌ من المؤرخين فضلًا عن جميعهم، والمنافقون ليسوا بأي حال من جملة الصحابة، ومن هنا نعلم أن الصحابة العدول رضي الله عنهم وأرضاهم براء من ذلك الأمر.

قالوا: «لعن الله من تخلف عن جيش أسامة»؛ حتى تصيب اللعنة أبا بكر وعمر:

استثنىٰ ﷺ أبا بكر، وأمره بالصلاة بالناس، أي: فلا منافاة بين القول بأن أبا بكر > كان من جملة الجيش، وبين القول بأنه تخلف عنه؛ لأنه كان من جملة الجيش أولًا، وتخلف لما أمره ﷺ بالصلاة بالناس، وبهذا يُرَدُّ قول من قال - طعنًا في أبي بكر >-: إنه تخلف عن جيش أسامة > لما علمت أن تخلفه كان بأمر منه ﷺ لأجل صلاته بالناس.

إن أبا بكر لم يكن أبدًا في جيش أسامة، ولم يقل النبي ﷺ في يوم من الأيام: «لعن الله من تخلف عن جيش أسامة»، بل هذا كذب علىٰ النبي ﷺ. وأما كون عمر في جيش أسامه فهذا هو المشهور في السير. كيف يكون أبو بكر في جيش أسامة، والنبي أمر أبا بكر أن يصلي بالناس في فترة مرض النبي ﷺ، هذا تناقض لا يمكن أن يحدث، ولذلك لما أراد أسامة أن يخرج استأذن أبو بكر أسامةَ أن يبقىٰ عمر بعد وفاة النبي ﷺ، بل ما سَيَّر جيش أسامة إلا أبو بكر الصديق، وذلك أنه بعد وفاة النبي ﷺ أشار بعض الصحابة علىٰ أبي بكر أن يبقىٰ جيش أسامة في المدينة؛ خوفًا علىٰ المدينة من المرتدين ومن العرب الذين لم يسلموا بعد، فأبىٰ أبو بكر أن ينزل راية رفعها رسول الله ﷺ، وقال: يخرج جيش أسامة، وخرج جيش أسامة بأمر من أبي بكر الصديق >.

فكيف جعلوا أبا بكر الصديق الذي أخرج جيش أسامة ممن تخلف، وجعلوه ممن يستحق اللعن من النبي ﷺ؟! وما هذا إلا من شيء في قلوبهم علىٰ أصحاب النبي ﷺ.

يقولون: إن النبي ص لما جهز جيش أسامه؛ وذلك لينتقم أسامة > لأبيه زيد بن حارثة لما قُتل في مؤته، جهز النبي جيش أسامة ليذهب إلىٰ مؤته، وقالوا: جعل من ضمن هذا الجيش أبا بكر وعمر حتىٰ يصفو الجو لعلي > ويستطيع النبي أن يعينه خليفة!!

جعلوا النبي ﷺ ضعيفًا يخاف من أبي بكر وعمر فيرسلهما في الجيش، حتىٰ يستطيع أن يبين للناس أن عليًّا هو الخليفة!! هكذا يكتم الدين بهذه الدرجة! وهذا طعن في النبي صلوات الله وسلامه عليه.

انفضاض الصحابة عن رسول الله ﷺ!!:

قالوا في قوله تعالىٰ: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [الجمعة: 11]: نزلت في أكثر الصحابة الذين انفضوا عن رسول الله ﷺ إلىٰ العير التي جاءت من الشام، وتركوه وحده في خطبة الجمعة، وتوجهوا إلىٰ اللهو، واشتغلوا بالتجارة، وذلك دليل علىٰ عدم الديانة.

قصة انفضاض أكثر الصحابة عن رسول الله ﷺ إلىٰ العير القادمة من الشام، وتركهم خطبة الجمعة، إنما وقع ذلك في بدء زمن الهجرة، ولم يكونوا إذ ذاك واقفين علىٰ الآداب الشرعية كما ينبغي، كما أن كبار الصحابة - كأبي بكر وعمر - كانوا قائمين عنده، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة. فعن جابر بن عبد الله > قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا، إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ حتىٰ لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلًا، فيهم أبو بكر وعمر ب ونزلت الآية: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [الجمعة: 11]، ولذا لم يشنع عليهم، ولم يتوعدهم سبحانه وتعالىٰ بعذاب ولم يعاتب الرسول ﷺ أيضًا »... كما أن الانفضاض كان في الخطبة كما جاء في رواية مسلم: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا.

يقول الحافظ ابن حجر: «ترجيح كون الانفضاض وقع في الخطبة لا في الصلاة، هو اللائق بالصحابة تحسينًا للظن بهم، وعلىٰ تقدير أن يكون في الصلاة حمل علىٰ أن ذلك وقع قبل النهي كآية: ﴿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾ [محمد: 33] وقبل النهي عن الفعل الكثير في الصلاة ونزول قوله تعالىٰ: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴾ [المؤمنون: 2]. ويؤيد ذلك: ما رواه أبو داود في «المراسيل» أن هذه القصة كانت لما كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة قبل الخطبة، مثل العيدين، فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الجمعة شيء، فأنزل الله Q: ﴿ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ﴾ [الجمعة: 11] قدم النبي ﷺ الخطبة يوم الجمعة، وأخر الصلاة، وهو ما رجحه أيضًا النووي في «شرحه علىٰ مسلم». وعلىٰ تقدير أنه في الصلاة، فلم يكن تقدم لهم نهي عن ذلك، فلما نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذم ذلك، اجتنبوه ». وبالجملة: الطعن في الصحابة بهذه القصة التي كانت من بعضهم في أوائل أمرهم، وقد أعقبها منهم عبادات لا تحصىٰ، سفه ظاهر، وجهل وافر.

فرية النفاق:

- استدلوا أيضًا بما ورد في القرآن الكريم من آيات تتحدث عن النفاق والمنافقين، وحملوها علىٰ أتقىٰ خلق الله، وأطهرهم رضوان الله عليهم أجمعين، كقوله تعالىٰ: ﴿ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾ [التوبة: 101].

نسبة النفاق إلىٰ خيار هذه الأمة بدعوىٰ أنه كان في المدينة منافقون، وأن النبي ﷺ أطلق لفظ الصحابة عليهم: «معاذ الله! أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي».

هذه الشبهة فرية واضحة لا تثبت لها قدم؛ لأن إطلاق لفظ الصحابة علىٰ المنافق، كما جاء في الحديث، هذا الإطلاق لغوي، وليس اصطلاحيًّا نظير قوله تعالىٰ: ﴿ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ﴾ [الأعراف: 184] وقوله تعالىٰ: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ﴾ [النجم: 2]، فإضافة صحبة 

النبي ﷺ إلىٰ المشركين والكافرين إنما هي صحبة الزمان والمكان لا صحبة الإيمان، وذلك كقوله تعالىٰ في حق سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ﴾ [يوسف: 39]. فالصحبة في الحديث الشريف بمعناها اللغوي كما في الآيات السابقة، وليست الصحبة الاصطلاحية، فتعريفها السابق يخرج المنافقين والمرتدين، ثم كيف يكون المنافقون من الصحابة بالمعنىٰ الاصطلاحي وقد نفاه عنهم رب العزة بقوله: ﴿ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ﴾ [التوبة: 56]. ثم إن المنافقين لم يكونوا مجهولين في مجتمع الصحابة الكرام ش ولم يكونوا هم السواد الأعظم، والجمهور الغالب فيهم، وإنما كانوا فئة معلومة، آل أمرهم إلىٰ الخزي والفضيحة، حيث علم بعضهم بعينه، والبعض الآخر منهم علم بأوصافه، فقد ذكر الله في كتابه العزيز من أوصافهم وخصوصًا في سورة «التوبة»، ما جعل منهم طائفة متميزة منبوذة، لا يخفىٰ أمرها علىٰ أحد، كما لا يخفىٰ علىٰ أحد حالهم في زماننا. ويدل علىٰ ما سبق من قلة المنافقين في المجتمع الإسلامي، وأنهم فئة معلومة تكفل رب العزة بفضحهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم... ومع كل هذا فقد تقرر أن العدالة لا تعني العصمة من الذنوب أو السهو أو الخطإ، ومن فضل الله عليهم ش أن وعدهم بالمغفرة ولا سيما أهل بدر.

- استدلوا بقوله ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وقالوا: تقاتل الصحابة في صفين والجمل!!

يقول ابن تيمية: «والذين قاتلوا الإمام عليًّا > لا يخلو: إما أن يكونوا عصاة، أو مجتهدين مخطئين أو مصيبين، وعلىٰ كل تقدير، فهذا لا يقدح في إيمانهم، ولا في عدالتهم، ولا يمنعهم الجنة، بما سبق من تصريح القرآن الكريم؛ من تسميتهم إخوة، ووصفهم بأنهم مؤمنون، وتأكيد النبي ﷺ ذلك بما سبق من رواية الحسن بن علي عن أبي بكرة >، ولهذا اتفق أهل السُّنة علىٰ أنه لا تفسق واحدة من الطائفتين، وإن قالوا في إحداهما أنهم كانوا بغاة. والبغي إذا كان بتأويل كان صاحبه مجتهدًا، والمجتهد المخطئ لا يكفر، ولا يفسق وإن تعمد البغي فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يرفع عقابها بأسباب متعددة كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وشفاعة النبي ﷺ ودعاء المؤمنين، وغيرذلك وعلىٰ هذا القول إجماع الأمة من علمائها».

يقول الإمام الآمدي: «فالواجب أن يحمل كل ما جرىٰ بينهم من الفتن علىٰ أحسن حال، وإن كان ذلك إنما لما أدىٰ إليه اجتهاد كل فريق من اعتقاده أن الواجب ما صار إليه، وأنه أوفق للدين وأصلح للمسلمين، وإلا فجمهور الصحابة وسادتهم تأخروا عن تلك الفتن والخوض فيها، كما قال محمد بن سيرين: «هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرة آلاف فما حضر منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين». وإسناد هذه الرواية كما قال ابن تيمية أصح إسناد علىٰ وجه الأرض، وعلىٰ هذا فالذي خاض في تلك الفتن من الصحابة إما أن يكون كل مجتهد مصيبًا، أو أن المصيب واحد، والآخر مخطئ في اجتهاده مأجور عليه، وعلىٰ كلا التقديرين، فالشهادة والرواية من الفريقين لا تكون مردودة، إما بتقدير الإصابة فظاهر، وإما بتقدير الخطأ مع الاجتهاد فبالإجماع».

يقول الإمام الجويني: «أما التوقف في تعديل كل نفر من الذين لابسوا الفتن، وخاضوا المحن، ومتضمن هذا الانكفاف عن الرواية عنهم، فهذا باطل من دين الأمة، وإجماع العلماء علىٰ تحسين الظن بهم، وردهم إلىٰ ما تمهد لهم من المآثر بالسبيل السابقة، وهذا من نفائس الكلام». اهـ. وصدق عمر بن عبد العزيز خ: «تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فلا نخضب بها ألسنتنا» اهـ( ).

ما جرىٰ بين الصحابة ش في الجمل، فالأمر فيهم أوضح وأبين مما جرىٰ في صفين؛ وذلك أن الزبير وطلحة ب من العشرة المبشرين بالجنة، وعائشة هي أم المؤمنين وحبيبة رسول رب العالمين، وهم لم يخرجوا لطلب الملك أو المشاقة لأمير المؤمنين علي >، وإنما خرجوا من أجل المطالبة بدم عثمان > والإصلاح بين الناس. أخرج الإمام أحمد في «المسند» (6/97): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم أن عائشة لما أتت علىٰ الحوأب سمعت نباح كلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ﷺ قال لنا: «أيتكن تنبح عليها الكلاب الحوأب» فقال لها الزبير: ترجعين! عسىٰ الله أن يصلح بك الناس.

وأخرجه أحمد (6/52) ثنا يحيىٰ، عن إسماعيل به، ولفظه «فقالت: ما أظنني إلا أني راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله Q ذات بينهم». وهذا إسناد صحيح، وقال ابن كثير في «البداية» (9/187) عن الإسناد الأول: علىٰ شرط الشيخين ولم يخرجاه.

ولذلك قال أبو محمد بن حزم في «الفِصَل» (4/158) عن الذين خرجوا إلىٰ البصرة وهم من تقدم: «فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلىٰ البصرة لحرب علي ولا خلافًا عليه ولا نقضًا لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، هذا ما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد، فصح أنهم إنما نهضوا إلىٰ البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان > ظلمًا، وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا، فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم فبينوا عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم، فدافع القوم عن أنفسهم في دعوىٰ حتىٰ خالطوا عسكر علي فدفع أهله عن أنفسهم، وكل طائفة تظن ولا شك أن الأخرىٰ بُدئ بها بالقتال، واختلط الأمر اختلاطًا لم يقدر أحد علىٰ أكثر من الدفاع عن نفسه، والفسقة من قتلة عثمان لا يفترون من شن الحرب وإضرامه، فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها ومقصدها مدافعة عن نفسها، ورجع الزبير وترك الحرب بحالها وأتىٰ طلحة سهم غاير وهو قائم لا يدري حقيقة ذلك الاختلاط فصادف جرحًا في ساقه كان أصابه يوم أحد بين يدي رسول الله ﷺ فانصرف ومات من وقته >. وقتل الزبير > بوادي السباع علىٰ أقل من يوم من البصرة. فهكذا كان الأمر اهـ( ).

وقالوا: اختلفوا في الخلافة فتوزعوا بين حزب حاكم وحزب معارض، وسبب ذلك تخلف الأمة وانقسامها إلىٰ شيعة عليّ وشيعة معاوية...

الخلاف بين الصحابة ش في عهد عليّ > لم يكن في الخلافة، فإن الذين اختلفوا مع عليّ > هم: طلحة، والزبير، وعائشة، ومعاوية ش، ولم يكن هؤلاء ينازعونه في الخلافة بل لم يَدَّعِ أحد؛ لا من هؤلاء ولا من غيرهم، أنه أولىٰ بالخلافة بعد مقتل عثمان > من علي؛ لأنه أفضل من بقي، وقد كانوا يقرون له بالفضل، وإنما أصل الخلاف بين هؤلاء الصحابة المذكورين وعلي هو في المطالبة بدم عثمان وقتل قتلته، فقد كانوا يرون تعجيل ذلك والمبادرة بالاقتصاص منهم، وقد كان علي > لا ينازعهم في أن عثمان > قُتل مظلومًا، وعلىٰ وجوب الاقتصاص من قتلته، وإنما كان يرىٰ تأجيل ذلك حتىٰ تهدأ الأوضاع ويستتب له الأمر؛ لأن قتلة عثمان كثير، وقد تفرقوا في الأمصار كما كانت طائفة كبيرة منهم في المدينة بين الصحابة.

ومع هذا كله فإن اختلافهم ش لم يصل بهم إلىٰ الطعن في الدين، واتهام بعضهم لبعض، وإنما كان كل فريق يرىٰ لمخالفه مكانته في الفضل والصحبة، ويرىٰ أنه مجتهد في رأيه، وإن كان يخطئه فيه...

الخلاف بين علي ومخالفيه ش إنما هو في تقديم الاقتصاص من قتلة عثمان أو تأخيره؛ مع اتفاقهم علىٰ وجوب تنفيذه، وأن الصحابة ش الذين اختلفوا في الفتنة لم يتهم بعضهم بعضًا في الدين، وإنما كان يرىٰ كل فريق منهم أن مخالفه وإن كان مخطئًا، فهو مجتهد متأول، يعترف له بالفضل في الإسلام وحسن الصحبة لرسول الله ص، وهذه مسألة مقررة عند أهل العلم أيضًا بما ثبت من ثناء الصحابة بعضهم علىٰ بعض رضي الله عنهم أجمعين، فمن ذلك ما جاء عن علي > بعد معركة الجمل أنه كان يتفقد القتلىٰ، فرأىٰ طلحة بن عبيد الله مقتولًا، فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: «رحمة الله عليك أبا محمد يعزّ عليَّ أن أراك مجدولًا تحت نجوم السماء»، ثم قال: «إلىٰ الله أشكو عُجَري وبُجَري». ‎ وأما معاوية > فقد جاء في حواره مع أبي مسلم الخولاني، لما قال له: أنت تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: «لا والله إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني...». إلخ كلامه. وقد روىٰ أبو نعيم في حلية الأولياء أن ضرارة بن ضمرة الصُّدَائي دخل علىٰ معاوية فقال له: صف لي عليًّا، فقال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، قال: «أما إذ لابد فإنه كان، والله، بعيد المدىٰ، شديد القوىٰ، يقول فضلًا، ويحكم عدلًا... ». وذكر كلامًا طويلًا في وصف علمه وشجاعته وزهده. إلىٰ أن قال: «فوكفت دموع معاوية علىٰ لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال: كذا كان أبو الحسن ؟».

‎ ما ينقل عن الصحابة من اختلاف في التفسير، وفي فهم بعض الأحاديث، لم يترتب عليه ما ذكر من نشأة الفرق والمدارس الكلامية والفلسفات المتنوعة. وذلك أن الاختلاف ينقسم إلىٰ قسمين: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد، وغالب ما ينقل عن الصحابة في تفسير بعض الآيات، من باب اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ؟، قال: «الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلىٰ اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد».

والخلاف بين أهل السُّنة كان في مسائل جزئية ودقيقة، الاجتهاد فيها سائغ والخطأ فيها مغفور؛ لأنه ناشئ عن اجتهاد من غير تعمد للمخالفة، وقد ثبت في حياة النبي ص أن اختلف الصحابة إلىٰ فريقين في فهم قصد النبي ص من قوله: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظةً». فصلىٰ فريق منهم في الطريق، وفريق آخر لم يصلِّ إلا في بني قريظة، وحصل هذا في حوادث كثيرة يطول ذكرها، ومع هذا لم يؤثمهم النبي ص وهو أغير الأمة علىٰ دين الله؛ لأن أخطاءهم نشأت عن اجتهاد أو تأويل قد رفع الحرج فيه عن الأمة.

بل إن الأمة استفادت بسبب اختلاف الصحابة في الاجتهاد، مع عدم التفرق والتمزق من الدروس والعبر ما كان سببًا في اجتماع الأمة لا تفرقها، ووحدتها لا تمزقها، كما حصل هذا لأهل المتابعة لطريقهم الذين اهتدوا بهديهم واقتفوا أثرهم في ذلك، فلم يتفرقوا لاختلاف الآراء في الاجتهاد. ألا وهم أهل السُّنة، الذين هم أهل الاجتماع والائتلاف، وفارقهم وخالفهم في هذا سائر أهل البدع، الذين هم أهل التفرق والاختلاف، ولذا لما رأىٰ خيار السلف من بعد الصحابة هذه الثمار الطيبة المباركة لاجتهادات الصحابة، وأثرها في الأمة، وما حصل بسببها من الرحمة للأمة والتوسعة في الاجتهاد والترجيح بين أقوالهم، ما كرهوا اختلاف الصحابة، بل أظهروا الفرح والرضا به. قال عمر بن عبد العزيز ؟: «ما يسرني أن أصحاب رسول الله ص لم يختلفوا». ‎‎ وفي رواية أخرىٰ عنه: «ما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم». ‎ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ؟: «ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، فأقوال هؤلاء الأئمة تدل دلالة ظاهرة علىٰ أن اختلاف الصحابة ش في الاجتهاد، لم يفض إلىٰ مفسدة في الدين، ولم يكن سببًا في تفرق المسلمين، ونشأة الفرق المبتدعة في الإسلام.

زعموا أن الصحابة لم يمتثلوا أمر النبي في صلح الحديبية!!

قالوا: إن رسول الله ﷺ خرج في السُّنة السادسة للهجرة يريد العمرة مع ألف وأربعمائة من أصحابه، فأمرهم أن يضعوا سيوفهم في القرب، وأحرم هو وأصحابه بذي الحليفة، وقلدوا الهدي ليعلم قريش أنه إنما جاء زائرًا معتمرًا وليس محاربًا، ولكن قريشًا بكبريائها خافت أن يُسمع بأن محمدًا دخل عنوة إلىٰ مكة وكسر شوكتها؛ فبعثوا إليه بوفد يرأسه سهيل بن عمرو بن عبد ود العامري وطلبوا منه أن يرجع في هذه المرة من حيث أتىٰ، علىٰ أن يتركوا له مكة في العام القادم ثلاثة أيام، وقد اشترطوا عليه شروطًا قاسية، قبلها رسول الله لاقتضاء المصلحة التي أوحىٰ إليه ربه Q، ولكن بعض الصحابة لم يعجبهم هذا التصرف من النبي وعارضوه في ذلك معارضة شديدة، وجاءه عمر بن الخطاب فقال: ألست نبي الله حقًّا؟ قال: «بلىٰ»، قال عمر: ألسنا علىٰ الحق وعدونا علىٰ الباطل؟ قال: «بلىٰ»، قال عمر: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال رسول الله ﷺ: «إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري»، قال عمر: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلىٰ، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟» قال عمر: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوف به». ثم أتىٰ عمر بن الخطاب إلىٰ أبي بكر فقال: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلىٰ: ثم سأله نفس الأسئلة التي سألها رسول الله، وأجابه أبو بكر بنفس الأجوبة، قائلًا له: أيها الرجل، إنه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، ولما فرغ رسول الله من كتابة الصلح قال لأصحابه: «قوموا فانحروا ثم احلقوا»، فوالله ما قام منهم رجل حتىٰ قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يمتثل لأمره منهم أحد، فدخل خباءه ... ثم خرج فلم يكلم أحدًا منهم بشيء حتىٰ نحر بدنة بيده، ودعا حالقه فحلق رأسه، فلما رأىٰ أصحابه ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتىٰ كاد بعضهم يقتل بعضًا.

قال النووي: «قال العلماء: لم يكن سؤال عمر وكلامه المذكور شكًّا بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًّا علىٰ إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه وقوته في نصر الدين وإذلَالَ المبطلين». ‎ونقل هذا أيضًا ابن حجر ؟ عن بعض شراح الحديث. ‎ فعمر كان في هذا مجتهدًا، حمله علىٰ هذا شدته في الحق، وقوته في نصرة الدين، والغيرة عليه، مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله من المشورة وإبداء الرأي؛ امتثالًا لأمر الله تعالىٰ: ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾ [آل عمران: 159]. وقد كان كثيرًا ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم، كما استشارهم يوم بدر في الذهاب إلىٰ العير، وأخذ بمشورتهم، وشاورهم يوم أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج للعدو فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذٍ فأبىٰ عليه السعدان - سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة -، فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية أن يميل علىٰ ذراري المشركين، فقال أبو بكر: إنا لم نجيء لقتال، وإنما جئنا معتمرين فأجابه إلىٰ ما قال في حوادث كثيرة يطول ذكرها. فقد كان عمر يطمع أن يأخذ رسول الله برأيه في مناجزة قريش وقتالهم، ولهذا راجعه في ذلك، وراجع أبا بكر، فلما رأىٰ اتفاقهما أمسك عن ذلك وترك رأيه، فعذره رسول الله لما يعلم من حسن نيته وصدقه.

أما توقف الصحابة عن النحر والحلق حتىٰ نحر رسول الله وحلق، فليس معصية لأمر رسول الله... قال ابن حجر: 

«قيل: كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول وحي بإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوّغ لهم ذلك؛ لأنه كان زمان وقوع النسخ، ويحتمل أنهم ألهتهم صورة الحال فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم علىٰ بلوغ غرضهم، وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم».

وجاء في بعض الروايات أن الرسول لما رأىٰ عدم امتثالهم، دخل علىٰ أم سلمة فذكر لها ذلك فقالت: «يا رسول الله، لا تكلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت علىٰ نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح». فأشارت عليه كما جاء في رواية البخاري: 

«أن اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتىٰ تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتىٰ فعل ذلك؛ نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا». قال ابن حجر: 

«ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي أمرهم بالتحلل أخذًا بالرخصة في حقهم، وأنه يستمر علىٰ الإحرام أخذًا بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي صواب ما أشارت به ففعله... ونظير هذا ما وقع لهم في غزوة الفتح من أمره لهم بالفطر في رمضان، فلما استمروا علىٰ الامتناع، تناول القدح فشرب، فلما رأوه شرب شربوا».

وهذا الوجه حسن، وهو اللائق بمقام أصحاب النبي، فإنهم كانوا علىٰ قدر كبير من تعظيم الإحرام والحرص علىٰ إكمال النسك، فلما أمرهم النبي بالتحلل ولم يفعل، ظنوا أن الذي حمله علىٰ هذا هو الشفقة عليهم، كما كانت سيرته معهم، فكأنهم ش آثروا التأسي به علىٰ ما رخص لهم فيه من التحلل، ثم لما رأوه قد تحلل أيقنوا أن هذا هو الأفضل في حقهم، فبادروا إليه، وهذا مثل ما حصل منهم في الحج مع النبي لما بلغوا مكة وطافوا وسعوا أمرهم أن يحلوا، وأن يصيبوا النساء ويجعلوها عمرة، فكَبُر ذلك عليهم لتعظيمهم لنسكهم، وقالوا: نذهب إلىٰ عرفة ومذاكيرنا تقطر من المني، فلما علم بذلك الرسول وكان لم يتحلل، قال لهم: «أيها الناس أحلوا فلولا الهدي الذي معي لفعلت كما فعلتم».

قال جابر راوي الحديث: فحللنا وسمعنا وأطعنا. وهذا كله من حرص أصحاب رسول الله علىٰ الخير والرغبة في التأسي برسول الله التأسي الكامل، فرضي الله عنهم أجمعين، وبهذا تظهر الوجهة الصحيحة لمواقف الصحابة الجليلة في هذه الغزوة المباركة، التي ازدادوا بها رفعة عند الله، وسبقًا في دينه، ومحبة في قلوب المؤمنين. ما بدر من الصحابة ش يوم الحديبية كان بحضور رسول الله، وقد كان الوحي ينزل عليه، فهل ذمهم الله بذلك؟ فإن الله لا يقر علىٰ باطل، أو أنكر عليهم رسوله؛ فإنه لا تأخذه في الله لومة لائم، فإذا لم يحصل شيء من ذلك ولم ينقل عن أحد من الصحابة الذين شهدوا الواقعة أنهم سعوا في الإنكار علىٰ من يدعي أنه مخالف ومنازع، ثم تتابعت الأمة بعد ذلك جيلًا بعد جيل علىٰ عدم الإنكار بل الترضي علىٰ أولئك الأخيار، أفاد كل ذلك حقيقة حتمية، وضرورة شرعية عند كل متدين بهذا الدين داخل في عقد المسلمين ألا وهي: براءة الصحابة وطهارتهم من كل ما يرميهم به الرافضة والزنادقة من العظائم وأن الطعن فيهم بعد هذا رد علىٰ رب العالمين، ومشاقة لرسوله الكريم، واتباع لغير سبيل المؤمنين، إن الله تعالىٰ قال في سورة «الفتح» التي أنزلها علىٰ رسوله بعد رجوعه من الحديبية في طريقه إلىٰ المدينة:

﴿ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴾ [الفتح: 18، 19]. وكان عدد أهل الحديبية الذين بايعوا النبي تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة رجلٍ، كما ذكر جابر قال: «كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة». وفي «صحيح مسلم» أن أم بشر سمعت النبي يقول: 

«لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها». فثبت بصريح الكتاب والسُّنة أن الله رضي عنهم، وأنزل السكينة في قلوبهم، وشهد لهم الرسول بالجنة، والنجاة من النار، فالطعن فيهم بعد هذا تكذيب صريح لما دلت عليه النصوص، ورد علىٰ الله ورسوله، ولهذا لم يتوقف العلماء في تكفير من كفّر أو فسق عامة الصحابة؛ لمناقضته لصريح الكتاب والسُّنة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ؟ في تفصيل حكم سب الصحابة: «... وأما من جاوز ذلك إلىٰ أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا، أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضا عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين». لم يعارض الصحابة النبي ﷺ معارضة شديدة كما يدعي من طمس الله بصيرتهم، ولا يظهر في الحديث ما يدل علىٰ أنهم أرادوا مخالفة نبيهم ﷺ، ولكنهم فعلوا ما فعلوه حبًّا لدينهم وعقيدتهم وحنقًا علىٰ الكافرين، وظنوا كما يظن أي إنسان تعتريه الأعراض البشرية أن ما جاء في المعاهدة التي أبرمت من الشروط ما يعتبر إجحافًا في حق المسلمين، وهذا ما كان ظاهرًا وجليًّا في هذه المعاهدة، وليسوا هم معصومين ويوحىٰ إليهم مثل نبيهم ﷺ، ثم كيف يخالف الصحابة نبيهم ولا يمتثلون أمره ثم ينزل فيهم قوله تعالىٰ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾ [الفتح: 18].

فهذه الآية نزلت في صلح الحديبية، فكيف يخبر الذي يعلم السر وأخفىٰ برضاه عن الصحابة لعلمه ما في قلوبهم من الصدق والوفاء والسمع والطاعة، ويبشرهم بالفتح القريب، ثم يأتي من يشكك في نيات الصحابة تجاه نبيهم ﷺ!

وروىٰ أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «لن يدخل النار رجل شهد بدرًا والحديبية». فقد أخبر الله برضاه عن المؤمنين المبايعين للنبي ﷺ تحت الشجرة وشهد لهم بالجنة... لماذا؟ لأنه علم صفاء ظواهرهم وبواطنهم، ولا شك أن عمر بن الخطاب من أوائلهم، فإذا كان الله سبحانه علام الغيوب يخبر عن صفاء قلوب الصحابة، ثم يأتي من يطعن في قلوب الصحابة ألا يكون هذا طعنًا في الدين؟!

قالوا: إن معاوية كان يحمل الناس عليّ سب علي ولعنه فوق منابر المساجد!!

معاوية > منزه عن مثل هذه التهم، بما ثبت من فضله في الدين، فقد كان كاتب الوحي لرسول الله ص، وثبت في «سنن الترمذي» بسند صحيح أن النبي ص قال لمعاوية: «اللهم اجعله هاديًا مهديًّا واهد به». ‎ وكان محمود السيرة في الأمة، وعن علي > أنه قال بعد رجوعه من صفين: «أيها الناس، لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل». ‎ وفي صحيح البخاري أنه قيل لابن عباس: «هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة؟ قال: إنه فقيه». ‎‎ وعن قتادة قال: «لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي». ‎ وعن مجاهد أنه قال: «لو رأيتم معاوية لقلتم: هذا المهدي». ‎ وعن الزهري قال: «عمل معاوية بسيرة عمر بن الخطاب سنين لا يخرم منها شيئًا». ‎ وعن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله فقال: «فكيف لو أدركتم معاويه؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله، ألا بل في عدله». ‎ وسُئل المعافىٰ: معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: «كان معاوية أفضل من ستمائه مثل عمر بن عبد العزيز». والآثار عن السلف في ذلك كثيرة كما أثنىٰ علىٰ معاوية > العلماء المحققون في السير والتاريخ، ونقاد الرجال. يقول ابن قدامة المقدسي: «ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين رضي الله تعالىٰ عنهم». ‎ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واتفق العلماء علىٰ أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة؛ فإن الأربعة قبله كانوا خلفاء نبوة، وهو أول الملوك، كان ملكه ملكًا ورحمة». ‎ وقال: «فلم يكن من ملوك المسلمين خير من معاوية، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرًا منهم في زمان معاوية». ‎ وقال ابن كثير في ترجمة معاوية >: «وأجمعت الرعايا علىٰ بيعته في سنة إحدىٰ وأربعين... فلم يزل مستقلًّا بالأمر في هذه المدة إلىٰ هذه السُّنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية، والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو». ‎ وقال ابن أبي العز الحنفي: «وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين». ‎ وقال الذهبي في ترجمته: «أمير المؤمنين ملك الإسلام». ‎ وقال: «ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم علىٰ ظلمهم». ‎

وإذا ثبت هذا في حق معاوية > فإنه من أبعد المحال علىٰ من كانت هذه سيرته أن يحمل الناس علىٰ لعن علي > علىٰ المنابر وهو مَن هو في الفضل، وهذا يعني أن أولئك السلف وأهل العلم من بعدهم الذين أثنوا عليه ذلك الثناء البالغ، قد مالؤوه علىٰ الظلم والبغي واتفقوا علىٰ الضلال، وهذا مما نزهت الأمة عنه بنص حديث الرسول ص: «إن أمتي لا تجتمع علىٰ ضلالة».

ومن علم سيرة معاوية > في الملك، وما اشتهر به من الحلم والصفح، وحسن السياسة للرعية، ظهرله أن ذلك من أكبر الكذب عليه، فقد بلغ معاوية > في الحلم مضرب الأمثال، وقدوة الأجيال قال: عبد الملك بن مروان - وقد ذكر عنده معاوية -: «ما رأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه». ‎ وقال قبيصة بن جابر: «ما رأيت أحدًا أعظم حلمًا، ولا أكثر سؤددًا، ولا أبعد أناة، ولا ألين مخرجًا، ولا أرحب باعًا بالمعروف من معاوية». ‎ ونقل ابن كثير: «أن رجلًا أسمع معاوية كلامًا سيئًا شديدًا، فقيل له: لو سطوت عليه؟ فقال: إني لأستحيي من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي». ‎ وقال رجل لمعاوية: «ما رأيت أنذل منك، فقال معاوية: بلىٰ من واجه الرجال بمثل هذا». ‎

فهل يعقل بعد هذا أن يسع حلم معاوية > سفهاء الناس وعامتهم المجاهرين له بالسب والشتائم، وهو أمير المؤمنين، ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب علىٰ المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان. الحكم في هذا لكل صاحب عقل وفهم. ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: «لما جاء خبر قتل علي إلىٰ معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك! إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم».

فهل يسوغ في عقل ودين أن يسب معاوية عليًّا بل ويحمل الناس علىٰ سبه، وهو يعتقد فيه هذا؟!

كما أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية > تعرض لعلي > بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناس علىٰ سبه وشتمه. وأن معاوية > انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علىٰ ب له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سب علي؟ بل الحكمة وحسن السياسه تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئه النفوس، وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفىٰ علىٰ معاوية > الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير.

ما رووه عن أبي بكر أنه قال علىٰ المنبر: إن النبي ص كان يعتصم بالوحي، وإن لي شيطانًا يعتريني، فإن استقمت فأعينوني، فإن زغت فقوموني، وكيف يجوز إمامة من يستعين بالرعية علىٰ تقويمه، مع أن الرعية تحتاج إليه؟

الحديث من أكبر فضائل الصديق > وأدلها علىٰ أنه لم يكن يريد علوًّا في الأرض ولا فسادًا، فلم يكن طالب رياسة، ولا كان ظالمًا، وإنه إنما كان يأمر الناس بطاعة الله ورسوله فقال لهم: إن استقمت علىٰ طاعة الله فأعينوني عليها، وإن زغت عنها فقوّموني.

كما قال أيضًا: أيها الناس، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. والشيطان الذي يعتريه يعتري جميع بني آدم؛ فإنه ما من أحد إلا وقد وكَّل الله به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن. ومقصود الصديق بذلك: إني لست معصومًا كالرسول ﷺ، وهذا حق. وقول القائل: كيف تجوز إمامة من يستعين علىٰ تقويمه بالرعية؟كلام جاهل بحقيقة الإمامة، فإن الإمام ليس هو ربًّا لرعيته حتىٰ يستغني عنهم، ولا هو رسول الله إليهم حتىٰ يكون هو الواسطة بينهم وبين الله، وإنما هو والرعية شركاء، يتعاونون - هم وهو - علىٰ مصلحة الدين والدنيا؛ فلا بد له من إعانتهم، ولا بد لهم من إعانته، كأمير القافلة الذي يسير بهم في الطريق: إن سلك بهم الطريق اتّبعوه، وإن أخطأ عن الطريق نبّهوه وأرشدوه، وإن خرج عليهم صائل يصول عليهم تعاون هو وهم علىٰ دفعه، لكن إذا كان أكملهم علمًا وقدرة ورحمة كان ذلك أصلح لأحوالهم( ).

وهنالك روايات تاريخية كُثُر شاعت وانتشرت، لم تثبت أسانيدها في مقابل النقد العلمي!! هناك مرويات مثلًا عن إهانة أبي بكر الصديق لفاطمة، وحديث طويل مكذوب عن فدك وميراث الزهراء من أبيها، ومرويات عن موقف خالد بن الوليد من مالك بن نويرة وزوجته!!

لا شك أن الأعداء قد وضعوا الكثير، والقسم الأكبر منها بين أيدي الرواة، والتي لم تثبت عدالتهم بعد التمحيص والتدقيق.

ضرب الزهراء!!:

قضية ضرب الزهراء وكسر ضلعها وإسقاط جنينها - علىٰ ما ذكرت الروايات التاريخية - بعد وفاة النبي ﷺ، مما لا يقبله عقل ولا منطق!! يقول محمد حسين كاشف الغطاء - العالم الشيعي: «... لا؛ لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية التي ركزتها الشريعة الإسلامية وزادتها تأييدًا وتأكيدًا تمنع بشدة أن تضرب المرأة».

رواية عارية عن الصحة!! كيف يقبل عليّ > الاعتداء علىٰ منزله وزوجه سيدة نساء العالمين، وبحجة أن عليًّا أمر بعدم مقاتلة الصحابة؛ لحفظ راية الإسلام من السقوط، وافتراق الأمة! ألم تكن هناك مقاتلة منه يوم الجمل لجيش طلحة وأم المؤمنين عائشة، ويوم صفين، وكذلك في النهروان حين قاتل الخوارج؟ ولم وقع منه كل هذا القتال وسفك الدماء؟ أليس في تلك الفعال دلالة منه علىٰ نبذ وصية النبي بعدم تفريق المسلمين؟! لم يؤمر علي بعدم دفع الظلم إن وقع عليه، أو انتهكت حرمات الله!!

مسألة فدك!!:

في مسألة فدك رووا أن أبا بكر الصديق لم يعط فاطمة حقها في ميراثها في أرض فدك وغيرها، بعد وفاة أبيها ﷺ، وأنها ماتت دون أن تكلمه، مع أن الله تعالىٰ قرر الميراث في كتابه العزيز في قوله: ﴿ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ﴾ [النساء: 11]، وقوله تعالىٰ: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾ [مريم: 5: 6]... إلخ. وأنه بذلك قد أغضب النبي ﷺ لقوله في حقها: «إن فاطمة مني من أغضبها أغضبني».

الحق أنه كان لفاطمة وزوجها مكانة عظيمة عند أبي بكر الصديق وغيره من الصحابة... أبو بكر هو الذي أشار علىٰ علي بن أبي طالب بالزواج من الزهراء، وأمره النبي ﷺ بالإشراف علىٰ تجهيزها للزواج من الإمام عليّ، وشاركته زوجته أسماء بنت عميس، ولما ماتت فاطمة قامت زوجة أبي بكر نفسها بتجهيز الزهراء وتغسيلها!!

أرض فدك كانت فيئًا من الله علىٰ رسوله ﷺ، من خيبر، والفيء: ما يكون من غنيمة من غير حرب، وما أفاءه الله علىٰ رسوله ﷺ فهو له ﷺ، جعلها لحاجته وأهل بيته، ولم يورثها أحد من أهله، ولم يتملكها أحد في عهود أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ والحسن والحسين وزيد بن الحسن... وقد أخبر النبي ﷺ أصحابه بأن الأنبياء لا يورثون بعد مماتهم كسائر الناس، وقد روي عن أبي عبد الله قوله: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهمًا ولا دينارًا، وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظًّا وافرًا».

واستدلالهم بقوله تعالىٰ: ﴿ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ﴾ [النمل: 16] استدلال باطل؛ لأن الوراثة هي وراثة نبوة وعلم وحكمة وليست وراثة مال... قال العلماء: إن الإرث المقصود هو العلم والنبوة وليس شيئًا آخر!! وحين تسَلَّم الإمام علي خلافة المسلمين، لم يعط أولاده (فدك)، وعندما سئل في رد فدك قال: «إني لأستحي من الله أن أرد شيئًا منع منه أبو بكر، وأمضاه عمر». وإذا كان الحكم علىٰ أبي بكر أنه كان ظالمًا لمنعه حق الزهراء، فهل يكون الحكم نازلًا كذلك علىٰ الإمام علي - والعياذ بالله -؛ لأنه لم يرجع لأولاده الحق في ميراث والدتهم؟!

والمسلم ينزه الجميع عن الظلم، ويبتعد عن سوء الظن... !!

قصة خالد بن الوليد ومالك بن نويرة!!:

قصة خالد بن الوليد مع مالك بن نويرة وزوجته، جاء فيها ثلاث روايات: الأولىٰ أن خالد بن الوليد > جاء لمالك بن نويرة وقومه، فقال لهم: أين زكاة الأموال؟ مالكم فرقتم بين الصلاة والزكاة؟

فقال مالك بن نويرة: إن هذا المال كنا ندفعه لصاحبكم في حياته، فمات، فما بال أبي بكر؟ فغضب خالد بن الوليد وقال: أهو صاحبنا وليس بصاحبك؟ فأمر ضرار بن الأزور بضرب عنقه.

وقيل: إن مالك بن نويرة قد تابع سجاح التي ادعت النبوة.

وهناك رواية ثالثة وهي: أن خالد بن الوليد، لما كلم قوم مالك بن نويرة وزجرهم عن هذا الأمر، وأسر منهم من أسر، قال لأحد حراسه: أدفئوا أسراكم، وكانت ليلة شاتية، وكان من لغة ثقيف: «أدفئوا الرجل تعني: اقتلوه»، فظن الحارس أن خالدًا يريد القتل فقتلهم؛ وفق فهمه بدون أمر خالد بن الوليد >.

لو كان خالد قد وقع في خطأ، فقد حدث مثله مع الصحابي الجليل أسامة بن زيد >، حينما تأول في قتل الرجل الذي قال: لا إله إلا الله، ولم يوجب النبي ﷺ عليه دية أو كفارة.

أما القول بأن خالدًا قتل مالك بن نويرة، ثم تزوج امرأته في تلك الليلة، فهو قول باطل لا يستند علىٰ رواية صحيحة، ولم يتوصل إلىٰ إسناد واحد صحيح يدل علىٰ ما زعمه البعض... روايات ضعيفة تم تحريفها وتأويلها التأويل الباطل... القول بأن خالدًا قد قتل مالك لأجل الظفر بزوجته ضرب من البهتان!!

كثيرون هم الذين وقعوا ضحايا لما كتبه الأعداء من أكاذيب وترهات مختلقة تتعلق بصحابة رسول الله ﷺ؛ مروجين لها، ومعتمدين علىٰ كونها مسطرة في ثنايا بعض الكتب التاريخية، وكأن وجودها في بطون الكتب كاف لإسباغ صفة الصدق والثبوت لما تحويه من الأكاذيب والأباطيل، متغافلين عن تطبيق وإعمال قواعد البحث العلمي؛ لأن كثيرًا مما ينقلونه إما ضعيف السند، أو مكذوب، أو ليس له أصل... هذه المرويات لا تقوم بها الحجة، ولا تفضي إلىٰ التصديق... بعض العلماء مثل الطبري وابن كثير أشارا في مقدمة كتابيهما أنهما جمعا في كتبهم الصحيح والسقيم، ولم يشترطا الصحة فيما ساقاه من مرويات، وأن العهدة علىٰ الرواة فيما نقل، ذلك ليكون القارئ علىٰ بينة من الأمر، ولكن الكثيرين من الكتاب تجاهلوا هذه المنهجية وأهملوها في بحوثهم وكتاباتهم التاريخية ففقدوا الكثير من الموضوعية والمصداقية وإصابة الحق!!

بعض هؤلاء المؤرخين كان منهجهم نقل الروايات والأخبار مسندة بغض النظر عن حال رجال أسانيدها؛ سيرًا علىٰ القول الشائع: «من أسند فقد أحال»؛ تقليدًا منهم ومحاكاة لبعض علماء الحديث في تدوين الحديث، إذ إنهم يكتبون كل المرويات المسندة كمرحلة أولية، ثم تأتي المرحلة التالية، وهي الفارق بين المؤرخين والمحدثين، حيث يقومون بالتنقيح والتفتيش والتحقيق وتمييز الصحيح من الضعيف!!

من هنا كان لزامًا علىٰ القارئ البحث والتفتيش عن حال الرواة؛ اعتمادًا علىٰ أقوال النقاد من أئمة الجرح والتعديل؛ كالإمام أحمد وابن معين والبخاري ومسلم وشعبة وابن المبارك والرازي وابن حجر والذهبي وغيرهم، وأقوالهم في كتبهم؛ كتب الرجال مثل: كتاب «الجرح والتعديل» للرازي، و«تهذيب الكمال» للمزي، وقد اختصره ابن حجر في «تهذيب التهذيب»، و«تقريب التهذيب»، و«ميزان الاعتدال» للذهبي، وهناك مصنفات غيرها، منها ما يهتم بالضعفاء، ومنها ما يختص بالثقات.

كذلك لابد من النظر في متون هذه المرويات ونقدها بمطابقتها علىٰ كتاب الله تعالىٰ والسُّنة الصحيحة الثابتة والأصول العامة المستنبطة منها؛ لمعرفة المنكر منها من المحفوظ، والناسخ والمنسوخ...

الموقف فيما وقع بين الصحابة ش من تشاجر وتقاتل:

كثر كلام أهل العلم بالأمر بالسكوت عما حصل بين الصحابة ش، بل نُقل الإجماع علىٰ ذلك، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السُّنة، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا ومصر وشامًا ويمنًا: فكان من مذهبهم... الترحم علىٰ جميع أصحاب محمد ﷺ وعلىٰ آله والكف عما شجر بينهم. اهـ( ).

ودليل هذا هو قوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾ [الحشر: 10]. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي». وأخرج عبد الرزاق في «الأمالي» عن ابن طاوس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا». وقول أهل العلم بهذا معناه: عدم الكلام والقدح فيهم وليس معناه عدم ذكر ما جرىٰ مثلًا في صفين أو الجمل، فإن هذا أولًا: أخبر عنه الرسول ﷺ، ثم هو تاريخ؛ ولذلك ذكره ودوَّنه أهل العلم، بل وألفت المؤلفات الخاصة في ذلك، وأطال الكلام في ذلك ابن جرير وابن كثير وابن حجر وغيرهم من أهل العلم، ولكن لم يبنوا علىٰ هذا القدح في الصحابة والطعن فيهم.

هنالك نفر ممن اتخذوا مما وقع بين الصحابة وقت الفتنة من الاختلاف والاقتتال سببًا وذريعة للنيل من عدالتهم، وجعلوا من أنفسهم حكمًا بين أصحاب النبي ﷺ، يصوبون بعضهم، ويخطئون آخرين بلا دليل وحجة.

اختلقوا القصص حولهم، وأبرزوا الخلافات فيما بينهم وبين غيرهم لتمهيد الطريق لإطفاء نور الله الذي سار عليه صحابة رسول الله ﷺ، بإسقاط عدالتهم ومن ثم يسهل عليهم ضرب كتاب الله الذي نقلوه وحفظوه، ومن ثم سنة نبيه محمد ﷺ، التي فيها تفصيلات التشريعات الربانية، فيسهل بعد ذلك تفريق صفوف الإسلام والمسلمين، وجعل الفتن والبغضاء متأصلة بينهم... !!

رووا رويات عديدة مكذوبة تدعو إلىٰ الفرقة والاختلاف بين أصحاب رسول الله ﷺ، ليس فيها رواية واحدة صحيحة متصلة السند عن رواة عدول!!

موقف المسلم فيما حدث بين أصحاب النبي ﷺ هو: موقف الاعتدال والوسط؛ بعيدًا عن الإفراط والتفريط، والغلو والجفاء... موقف المسلم أن يتولىٰ جميع أصحاب النبي ﷺ؛ لا سيما السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وكذلك الذين اتبعوهم بإحسان، وأن نعرف فضلهم ومناقبهم ودرجاتهم، وأن نمسك عما شجر بينهم!! وأن نعلم أن ما وقع بينهم زمن الفتنة مرجعه إلىٰ تأويل واجتهاد، إذ كان كل واحد منهم يظن أنه علىٰ الحق دون غيره، كما قال الإمام علي >: «إنا لم نقاتلهم علىٰ التكفير لهم، ولم نقاتلهم علىٰ التكفير لنا، ولكنا رأينا أنَّا علىٰ الحق ورأوا أنهم علىٰ الحق»، لنكون ممن قال فيهم الله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾ [الحشر: 10].

موقف المسلم يكون من أصحاب رسول الله ﷺ وسطًا عدلًا، لا إفراط ولا تفريط... وسطًا بين الغلاة الذين يرفعون من يعظمونه منهم إلىٰ ما لا يليق إلا بالله سبحانه وتعالىٰ، أو برسله عليهم السلام، وبين الجفاة الذين ينتقصونهم ويسبونهم ولا يعرفون لهم قدرهم... فأهل السُّنة وسط بين هؤلاء وأولئك، يحبون أصحاب رسول الله ﷺ جميعًا، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالإنصاف والعدل، ويعرفون للخلفاء الراشدين المهديين قدرهم، ولبقية العشرة المبشرين بالجنة، ولأهل بدر، ولأهل بيعة الرضوان، ولأهل بيعة العقبة، ولمن أنفق قبل الفتح وقاتل، ولمن أنفق بعد الفتح وقاتل، وعد الله الكل الحسنىٰ وهي الجنة.

لا يرفعونهم إلىٰ ما لا يستحقون، ولا يقصرون بهم عما لا يليق بهم، فألسنتهم رطبة بذكرهم الجميل اللائق بهم، وقلوبهم عامرة بحبهم، وما صح فيما جرىٰ بينهم من خلاف فهم فيه مجتهدون، إما مصيبون فلهم أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإما مخطئون فلهم أجر الاجتهاد، ولكن ما أكثر صوابهم بالنسبة لخطإ غيرهم، وما أقل خطأهم إذا نسب إلىٰ خطإ غيرهم، وقد وعدوا من الله المغفرة والرضوان( ).

يقول محمد بن علي الشوكاني عن مذهب الحق في شأن ما شجر بين الصحابة ش: إذا كان السائل طالبًا للنجاة، فليدع الاشتغال بهذه الأمور في هذا المضيق الذي تاهت فيه الأفكار، فإن هؤلاء الذين تبحث حوادثهم وتتطلع لمعرفة ما شجر بينهم قد صاروا تحت أطباق الثرىٰ، ولقوا ربهم في المئة الأولىٰ من البعثة... فما لنا والاشتغال بهذا الشأن الذي لا يعنينا... و«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وأن ندع ما يريبنا إلىٰ ما لا يريبنا ويكفينا أن نعتقد أنهم خير القرون وأفضل الناس.

ومن أحسن ما قيل: ما قاله الإمام أحمد بن حنبل، وقد سئل عن الفتن أيام الصحابة، فما زاد أن تلا قول الله تعالىٰ: ﴿ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ﴾ [البقرة: 134].

المسلم يحفظ اللسان فيما شجر بين صحابة رسول الله ﷺ، ولا يقول فيهم إلا خيرًا بعد أن أفضوا إلىٰ ما قدموا، وما جرىٰ من تخاصم وتشاجر يحمل علىٰ محامل صحيحة، ونقول: تحروا الحق والصواب، لم يكونوا طلاب دنيا أو رئاسة، وكان الإخلاص وتحري الحق رائدهم، ولنتذكر قول ابن سيرين حين سئل عن الحجاج: ما لك لا تقول في الحجاج شيئًا؟ فقال: أقول فيه وينجيه الله بتوحيده، ويعذبني باغتيابه... !!

ذهب أهل السُّنة إلىٰ وجوب الإمساك عن ذلك، وعدم جواز الخوض فيه، فيقول ابن تيمية في «العقيدة الواسطية» (صـ25): إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو مكذوب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.

وأهل السُّنة طريقتهم الإمساك عما شجر بين الصحابة؛ لما في ذلك من توليد العداوة والبغضاء والحقد علىٰ أحد الطرفين، وذلك من أعظم الذنوب، والواجب حب الجميع والترضي عنهم والترحم عليهم، وحفظ فضائلهم والاعتراف لهم بسوابقهم، ونشر مناقبهم؛ لقوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [الحشر: 10]( ).

إن البحث فيما جرىٰ بين الصحابة من الموافقة والمخالفة ليس من العقائد الدينية، وليس مما ينتفع به في الدين، بل ربما أضر باليقين، لا يباح الخوض فيه إلا للتعليم، أو الرد علىٰ المتعصبين... والعوام لا يجوز لهم الخوض فيه لفرط جهلهم، وعدم معرفتهم بالتأويل( ).

وحين سئل خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز > عن ذلك، قال: تلك دماء طهر الله يدي منها أفلا أطهر منها لساني؟

وحين سئل الإمام جعفر الصادق > عن ذلك، قال: أقول ما قاله الله: ﴿ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ﴾ [طه: 52]( ).

والإمساك عما شجر بينهم قال به علماء كثر، وقالوا: إن ذلك أسلم للعقيدة، وأحفظ للدين، ولئلا يزين الشيطان للبعض الخوض في أعراض الصحابة، ورميهم بالنقائص والضلال والخروج من الإسلام، وفي ذلك ما فيه من تجريح أصحاب رسول الله ﷺ، وبالتالي عدم الثقة بنقلهم الشريعة عنه ﷺ، وأن في الخوض في هذه المسائل فتح لباب الشر والفتنة بين الناس، إذ لكل إنسان غرض وهوىٰ، وقد يميل البعض إلىٰ هذا، ويميل الآخر إلىٰ ذاك فتشتعل نار الفتنة بين المسلمين والواجب إطفاؤها وإخمادها... هذا هو قول أهل السُّنة وهو ما عليه الجمهور من المسلمين.

وإن كان هناك من يرىٰ جواز الخوض في ذلك حتىٰ يتبين الأمر ويظهر الحق و﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ﴾ [الأنفال: 42]، وأن المرء ينبغي له أن يخوض في الشر ليعرفه حتىٰ يتوقىٰ الوقوع فيما لا يجوز الوقوع فيه، وليتمكن من دفع ما يقذفه شياطين الجن من وسوسة، وما يلقيه شياطين الإنس من تضليل.

عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه

ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه

فالحق في حروب الصحابة، وما حدث بينهم من خلاف وتشاجر وتقاتل، لم يكن لمطامع دنيوية، أو شهوات نفسانية، إنما كان عن اجتهاد في إقامة كتاب الله وتطبيق حدوده، وقطع دابر المفسدين... كان الحق مع علي > ومن وافقه من الصحابة ش، وكان هو المصيب في ذلك، وأن الذين قاتلوه كانوا بغاة خرجوا عليه عن اجتهاد منهم أخطئوا فيه.

لماذا يسبون أبا بكر >؟!

أبو بكر الصديق أفضل الصحابة ش:

ومما أجمعت عليه الأمة، وارتضاه علماء الملة؛ أن أفضل الصحابة علىٰ الإطلاق هو أبو بكر الصديق >، ومن بعده عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان ذو النورين، ثم علي بن أبي طالب ش.

آيات الكتاب الحكيم وأحاديث رسول الله ﷺ ناطقة بفضلهم ومشيدة بمكانتهم، وهم ش وإن تساووا في شرف الصحبة وشملهم الفضل إلا أنهم متفاوتون في فضائلهم، ومتمايزون في درجاتهم.

الصحابة ش كلهم لهم فضل الصحبة لرسول الله ﷺ، وجميعهم عدول ومشمولون

بالثناء من الله تعالىٰ ووعده Q لهم بالجنة ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ﴾ [النساء: 95]، ولكنهم كغيرهم من

سائر الخلق، ليسوا في درجة واحدة، منهم من كان له السبق إلىٰ الإسلام وأنفق وجاهد قبل

فتح مكة، ومنهم من أنفق وجاهد بعد الفتح، والأول أعظم درجة وأكثر ثوابًا عند الله تعالىٰ

من الثاني.

قال تعالىٰ: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ﴾ [الحديد: 10].

والتفاضل بينهم يكون بعظم الدرجة والمنزلة، وعظم الأجر وكثرة الثواب، وهو ما يشير إليه القرآن الكريم في قوله تعالىٰ: ﴿ﯽ ﯾ ﯿ﴾ [الحديد: 10].

ومذهب أهل السُّنة أن أفضل الصحابة علىٰ الإطلاق هو أبو بكر الصديق >.. يقول ابن كثير: أفضل الصحابة بل أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم السلام هو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة التيمي، ثم من بعده عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.

ويقول ابن قدامة المقدسي في «لمعة الاعتقاد»: أفضل أمته ﷺ: أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضىٰ، ش.

أما ابن تيمية فيقول في «العقيدة الواسطية» (صـ24): ... ويقرون - أي أهل السُّنة - بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب > وغيره أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي.

وروىٰ البيهقي عن الشافعي أنه قال: ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما علىٰ جميع الصحابة.

ومثل ذلك قال النووي وابن حجر الهيثمي وأحمد بن حنبل وغيرهم.

وأيدوا ما ذهبوا إليه بأدلة، منها قوله تعالىٰ: ﴿ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾ [الليل: 17، 18]. قال أكثر المفسرين: إنها نزلت في أبي بكر >، والأتقىٰ هو الأفضل؛ لقوله تعالىٰ: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ﴾ [الحجرات: 13]، والأكرم هو الأفضل.

يقول الإمام الفخر الرازي: لا يمكن حمل هذه الآية علىٰ علي بن أبي طالب، فتعين حملها علىٰ أبي بكر، وإنما قلنا: إنه لا يمكن حملها علىٰ علي بن أبي طالب لأنه كان في تربية النبي ﷺ، أخذه من أبيه، وكان يطعمه ويسقيه، ويكسوه ويربيه، وكان الرسول ﷺ منعمًا عليه نعمة يجب جزاؤها، وأما أبو بكر فلم يكن للنبي ﷺ عليه نعمة دنيوية، بل أبو بكر كان ينفق علىٰ الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان للرسول ﷺ نعمة الهداية والإرشاد إلىٰ الدين.

ومنها: ما رواه البخاري عن ابن عمر ب أنه قال: كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ش( ).

وفي «مسند الإمام أحمد» عن علي بن أبي طالب > أنه قال لأبي جحيفة الذي كان علي يسميه وهب الخير: يا أبا جحيفة، ألا أخبرك بأفضل هذه الأمة بعد نبيها؟ قال: قلت: بلىٰ - ولم أكن أرىٰ أن أحدًا أفضل منه - قال: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وبعد أبي بكر عمر، وبعدهما آخر ثالث ولم يسمه( ).

وما رواه البزار عن شقيق قال: قيل لعلي: ألا تستخلف؟ قال: ما استخلف رسول الله ﷺ 

فأستخلف عليكم، وإن يرد الله تبارك وتعالىٰ بالناس خيرًا فسيجمعهم علىٰ خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم علىٰ خيرهم( ).. لما امتاز به أبو بكر > من فضائل جمة... حين لم يكن يجرؤ أحد علىٰ الدعوة غيره، فأدخل في دين الله كثيرًا من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام ممن أصبح لهم قدم صدق في هذا الدين مثل: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون، وغيرهم ش.

ولما امتاز به أبو بكر > من تنصيص النبي ﷺ علىٰ إمامته بالناس أيام مرضه عليه الصلاة والسلام، بل وتأكيده علىٰ ذلك... ثم إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين علىٰ أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ومن بعد أبي بكر عمر، ثم عثمان، ثم علي رضوان الله عليهم، ولا يمكن لمثل هؤلاء أن يتواطئوا علىٰ خيانة، أو يجتمعوا علىٰ ضلال، وكيف وهم القوم الذين لا يخشون إلا الله، ولا يتطلعون إلا إلىٰ رضاه( ).

ومن مجموع ما تقدم وغيره أوجب العلماء اتباع أهل السُّنة في تقديم أبي بكر علىٰ سائر الصحابة في الفضل.

إن الذين يسبون أبا بكر > ويطعنون في إمامته إنما هم زنادقة، يريدون هدم الدين، وهم إخوان لمسيلمة الكذاب والأسود العنسي وابن سبإ وأمثالهم، ومقصدهم هو سب رسول الله ﷺ والطعن في نبوته، وأن الله تعالىٰ اختار لنبيه ﷺ شرار الخلق، وأن النبي ﷺ أحبهم وولاهم أمور المسلمين وهم ليسوا بأهل لذلك!!

قال الإمام أبو زرعة الرازي ؟ كما نقله الخطيب البغدادي في «الكفاية» (صـ97): «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدىٰ إلينا هذا القرآنَ والسننَ أصحابُ رسول الله ﷺ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسُّنة، والجرح بهم أولىٰ، وهم زنادقة».

لقد اختار الله تعالىٰ أصحاب رسول الله ﷺ لنشر دعوته وإعلاء كلمته، وشرفهم بصحبة نبيه ﷺ ومحبته، فكانوا له وزراء وأنصارًا، يذبون عن شريعته وينافحون لتبليغ سنته، حتىٰ أوصلوا الدين إلىٰ من بعدهم كاملًا غير منقوص – رضي الله عنهم وأرضاهم -... فكيف يكون سبهم وتجريحهم أو الطعن فيهم والحط من قدرهم؟!

قال ابن عمر ب: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ، فلمقام أحدهم ساعة - يعني مع النبي ﷺ - خير من عمل أحدكم أربعين سنة( ).

وعن عائشة <: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا أصحابي، لعن الله من سب أصحابي».

حكم الإسلام فيمن سب صحابة رسول الله ﷺ:

ذهب جمع من أهل العلم إلىٰ القول بتكفير من سب الصحابة ش أو تنقصهم وطعن في عدالتهم وصرح ببغضهم، وأن من كانت هذه صفته فقد أباح دم نفسه وحل قتله، إلا أن يتوب من ذلك ويترحم عليهم. وممن ذهب إلىٰ ذلك: الصحابي الجليل عبد الرحمن بن أزىٰ،

وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وأبو بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن يوسف الفريابي وبشر بن الحارث المروزي وغير كثير. فهؤلاء الأئمة صرحوا بكفر من سب الصحابة، وبعضهم صرح مع ذلك أنه يعاقب بالقتل، وإلىٰ هذا القول ذهب بعض العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية.

وذهب فريق آخر من أهل العلم إلىٰ أن ساب الصحابة لا يكفر بسبهم بل يفسق ويضلل ولا يعاقب بالقتل، بل يكتفىٰ بتأديبه وتعزيره تعزيرًا شديدًا يردعه ويزجره حتىٰ يرجع عن ارتكاب هذا الجرم الذي يعتبر من كبائر الذنوب والفواحش المحرمات، وإن لم يرجع تُكرر عليه العقوبة حتىٰ يظهر التوبة. وممن ذهب إلىٰ هذا القول: عمر بن عبد العزيز، وعاصم الأحول، والإمام مالك، والإمام أحمد، وكثير من العلماء ممن جاء بعدهم.

بعض أقوال العلماء في من سب الصحابة ش: 

* الإمام مالك: 

قال مالك: الذي يشتم أصحاب النبي ﷺ ليس لهم اسم - أو قال: نصيب – في

الإسلام( ).

قال القرطبي: «لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد علىٰ الله رب العالمين وأبطل شرائع المسلمين»( ).

* الإمام أحمد:

رويت عنه روايات عديدة في تكفيرهم. روىٰ الخلال عن أبي بكر المروذي قال: سألت أبا عبد الله عمن يشتم أبا بكر وعمر وعائشة؟ قال: ما أراه علىٰ الإسلام.

* البخاري: 

قال ؟: «ما أبالي صليت خلف الجهمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارىٰ، ولا يُسلَّم عليهم، ولا يُعَادون، ولا يناكحون، ولا يُشهدون، ولا تُؤكل ذبائحهم»( ).

* ابن قتيبة الدينوري: 

قال: إن غلو الرافضة في حب علي المتمثل في تقديمه علىٰ من قدمه رسول الله ﷺ وصحابته عليه، وادعاءهم له شركة النبي ﷺ في نبوته، وعلم الغيب للأئمة من ولده، وتلك الأقاويل والأمور السرية، قد جمعت إلىٰ الكذب والكفر أفراط الجهل والغباوة( ).

* السمعاني: 

قال ؟: «واجتمعت الأمة علىٰ تكفير الإمامية؛ لأنهم يعتقدون تضليل الصحابة، وينكرون إجماعهم وينسبونهم إلىٰ ما لا يليق بهم»( ).

* ابن تيمية: 

قال ؟: «من زعم أن القرآن نقص منه آيات وكتمت، أو زعم أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، فلا خلاف في كفرهم، ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع من الرضىٰ عنهم والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسُّنة كفار أو فساق، وأن هذه الآية التي هي: ﴿ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﴾ [آل عمرن: 110] وخيرها هو القرن الأول، كان عامتهم كفارًا، أو فساقًا، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وأن سابقي هذه الأمة هم شرارها، وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام»( ).

* ابن كثير: 

ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلىٰ الفجور والتواطئ علىٰ معاندة الرسول ﷺ ومضادته في حكمه ونصه، ومن وصل من الناس إلىٰ هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام، وكفر بإجماع الأئمة الأعلام، وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام»( ).

* أبو حامد محمد المقدسي: 

قال بعد حديثه عن فرق الرافضة وعقائدهم: «لا يخفىٰ علىٰ كل ذي بصيرة وفهم من المسلمين أن أكثر ما قدمناه في الباب قبله من عقائد هذه الطائفة الرافضة علىٰ اختلاف أصنافها كفر صريح، وعناد مع جهل قبيح، لا يتوقف الواقف عليه في تكفيرهم والحكم عليهم بالمروق من دين الإسلام»( ).

* أبو المحاسن الواسطي: 

وقد ذكر جملة من مكفراتهم، فمنها قوله: «إنهم يكفرون بتكفيرهم لصحابة رسول الله ﷺ الثابت تعديلهم وتزكيتهم في القرآن بقوله تعالىٰ: ﴿ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ﴾ [البقرة: 143] وبشهادة الله تعالىٰ لهم أنهم لا يكفرون بقوله تعالىٰ: ﴿ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ﴾ [الأنعام: 89]( ).

* الخلاصة: 

اتفق العلماء علىٰ حرمة سبهم، وعظيم إثم منتقصهم ش، ذلك هو مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، أو يتنازع فيه اثنان.

اختلفوا في الحكم المترتب علىٰ من سبهم وجرحهم، فذهب فريق إلىٰ تكفير من سب الصحابة أو انتقصهم وطعن في عدالتهم أو جاهر ببغضهم، وأنه يهدر بذلك دمه، ويحل قتله إلا أن يتوب ويترحم عليهم - رضي الله عنهم وأرضاهم... قال بذلك الإمام السرخسي في «أصول السرخسي» (3/134)، قال: من طعن فيهم فهو ملحد منابذ للإسلام، داؤه السيف إن لم يتب. 

وقال الإمام الطحاوي في «عقيدته»: وحبهم - أي الصحابة ش - دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. (صـ528).

والقول بتكفير من سب الصحابة ش هو إحدىٰ الروايتين عن الإمام أحمد ؟، وذهب إلىٰ ذلك معظم الحنفية، استدلوا لما ذهبوا إليه بأن سب الصحابة وانتقاصهم والطعن فيهم إيذاء لرسول الله ﷺ وانتقاص له وحط من مكانته عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم أصحابه الذين رباهم وزكاهم، وذكرهم بخير وأوصىٰ بهم خيرًا، ومعلوم أن إيذاء النبي ﷺ كفر، فيكون سب أصحابه كفرًا... الطعن فيهم والتجريح لهم يؤدي إلىٰ بطلان الشريعة، إذ هم نقلتها والمبلغون لها... قال القرطبي: من نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد رد علىٰ الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين.

كما أن في ذلك إنكار ما قام الإجماع عليه من فضلهم وشرفهم، ومصادمة المتواتر من الكتاب والسُّنة الدالين علىٰ أن لهم الزلفىٰ من ربهم( ).. ولا شك أن معارضة الله في كتابه، وعدم قبول دليل القرآن الكريم أو إنكار حرف منه، مخرج من الملة، ومدخل في الكفر( ).

استدلوا بحديث رسول الله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» من سبهم فقد زاد في بغضهم.

وهناك من قال غير ذلك وذهب إلىٰ تفسيق وتضليل من سب الصحابة ش... فقال ابن تيمية في «الصارم المسلول»: سب أصحاب رسول الله ﷺ حرام بالكتاب والسُّنة... ولكن مطلق السب لغير الأنبياء لا يستلزم الكفر. (صـ571).

وقال مثل هذا من العلماء ابن عابدين والقسطلاني والباقلاني وإبراهيم النخعي وابن راهويه وأحمد ومالك وغيرهم، مستدلين علىٰ ذلك بأن سب الصحابة قد حصل علىٰ عهد رسول الله ﷺ وبمسمع منه ولم يحكم بكفر الساب ولا إهدار دمه، وإنما اكتفىٰ بالنهي عن ذلك.

إذن القول بعدم تكفير من سب الصحابة ش ليس علىٰ إطلاقه، وإنما هو مشروط بعدم مصادمة النصوص الصريحة من الكتاب والسُّنة الصحيحة، وعدم إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وعلىٰ هذا يحمل كلام من أطلق القول بعدم التكفير.

إذن مطلق السب للصحابة ش أو الطعن في عدالتهم حرام بالكتاب والسُّنة، وأن فاعل ذلك فاسق ضال يجب زجره وتأديبه، غير أن ذلك لا يستلزم الكفر والخروج من الملة، إلا إذا اشتمل علىٰ إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أو اصطدم بنص صريح، وذلك كمن طعن في جميع الصحابة ش، المؤدي إلىٰ إبطال الشريعة، أو أنكر صحبة أبي بكر الصديق >، أو طعن في براءة عائشة أم المؤمنين <، أو نحو ذلك مما ثبت بالأدلة القطعية، فإن من تفوه بذلك كان كافرًا خارجًا عن الملة والدين، بعيدًا عن حظيرة المسلمين، داؤه السيف إن لم يتب( ).



الفصل الثالث

فضل الصحابة وثناء الله تعالى عليهم

النصوص القرآنية والنبوية دلت على محبتهم ش:

دلت النصوص القرآنية ونصوص السُّنة النبوية المطهرة علىٰ حبهم وتعظيمهم وتوقيرهم وتكريمهم، والاستنان بآثارهم، وحرمة سب أحد منهم؛ لما شرفهم به الله تعالىٰ من صحبة رسوله ﷺ والجهاد معه، والصبر علىٰ أذىٰ المشركين، والهجرة من أوطانهم وأموالهم وأبنائهم، وتقديم حب الله تعالىٰ ورسوله ﷺ علىٰ ذلك كله.

لذا فإن من لا يحبهم بل يبغضهم، ولا يتولاهم وفي قلبه غل عليهم، هو خارج عليهم... تمردوا علىٰ هذه الآيات ببغضهم ورفضهم الاستغفار للصحابة السابقين بالإيمان... بل تجاوزوا البغض لمن أحبهم الله تعالىٰ وأثنىٰ عليهم إلىٰ الافتراء عليهم والتدين ببغضهم وكراهيتهم وكراهية الأمة التي تواليهم وتوالي قرآنهم وسنة نبيهم ﷺ.

قال تعالىٰ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ﴾ [الفتح: 18].

فالصحابة بايعوا رسول الله ﷺ يوم الحديبية تحت الشجرة سنة ست من الهجرة في ذي القعدة، عندما صده المشركون عن العمرة... بايعوا علىٰ الموت لمقاتلة من اعتدىٰ علىٰ سفير رسول الله ﷺ عثمانَ بن عفان >... كانوا شموسًا سطعت في سماء الإنسانية مرة، ولا تطمع الإنسانية في طلوع شموس من طرازهم مرة أخرىٰ إلا إذ عزم المسلمون علىٰ أن يراجعوا دينهم ويتأدبوا بآداب سنة نبيهم فيوالون من والاها ويتبرؤون ممن عاداها، ولعل بعض تلك الشموس تطلع من جديد... رضي الله تعالىٰ عنهم، قال تعالىٰ: ﴿ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ﴾ [الأنعام: 124].

لابد من معرفة حق صحابة رسول الله ﷺ، وما لأصحاب القرون الأولىٰ في تاريخ الإسلام من تميز وفضل، دون غلو أو تفريط، فإن الذي أعطاهم هذا التميز والمنزلة النصوص الشرعية من الكتاب والسُّنة، إذ ليس الأمر اجتهادًا منا أو افتراء علىٰ الحق.

علىٰ كل مسلم أن يعتقد علو مكانتهم، وأنهم أفضل الأمم، وخير قرون الإسلام قرنهم؛ وذلك لسبقهم للإسلام، وشرف اختصاصهم بصحبة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ، والجهاد معه، وتحمل الشريعة عنه، وتبليغها لمن بعده.

سجل التاريخ الإنساني للرسل والأنبياء مآثر نبوية كثيرة، ولكن محمدًا ﷺ ينفرد من بين الأنبياء والمرسلين بأن سجل التاريخ مآثره في تفصيل لا يوجد له نظير في غيره... تأتي أعظم مآثره في مجال تربية الإنسان وصياغته، والمستوىٰ الذي بدأ منه والمستوىٰ الأعلىٰ الذي بلغه النبي ﷺ ووصل به إلىٰ أعلىٰ قمة للإنسانية وأعلاها... تمثل ذلك في تربيته لأصحابه ش الجيل القرآني الفريد، مفخرة وشرف للنوع الإنساني، لا توجد صورة أجمل ولا أروع منه باستثناء الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم.

ما عُلم بالضرورة من دين الإسلام فضل صحابة رسول الله ﷺ وعلوّ مكانتهم ورفعة درجتهم - كل الصحابة - ش، وهذا لما تكاثرت به الأدلة الدالة علىٰ ذلك من الكتاب والسُّنة.

ثناؤه Q على الصحابة في القرآن الكريم والسُّنة المطهرة: 

في القرآن الكريم: 

قال تعالىٰ: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ﴾ [الحشر: 8].

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ 

ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ﴾ [الحشر: 9].

وقوله تعالىٰ فيمن جاء من بعدهم وسار علىٰ سنتهم ومنهجهم من المسلمين والمؤمنين: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾ [الحشر: 10].

هذه الآيات تتضمن الثناء علىٰ صحابة رسول الله مهاجرين وأنصار، وعلىٰ الذين جاءوا من بعدهم من المسلمين يستغفرون لهم ويسألون الله تعالىٰ أن لا يجعل في قلوبهم غلًّا عليهم.

قال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [محمد: 29].

وهذه الآية الكريمة تشمل كل الصحابة ش؛ لأنهم كلهم مع رسول الله ﷺ.

وقال تعالىٰ: ﴿ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ﴾ [الحديد: 10].

وهذه الآية أيضًا شاملة لكل الصحابة ش لمن أنفق قبل فتح مكة وقاتل ولمن أنفق من بعد الفتح وقاتل، كلهم وعدهم الله بالحسنىٰ، والحسنىٰ هي الجنة كما قال الله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [يونس: 26].

وقال تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ﴾ [التوبة: 100].

وهذه الآية أيضًا شاملة لكل الصحابة ش.

وفي قوله تعالىٰ: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾ [الأنفال: 64].

أثنىٰ الله تعالىٰ علىٰ المؤمنين الذين اتبعوا النبي ﷺ، وأخبر أنهم يكفونه في جميع أموره، وفي ذلك تنويه بفضلهم، وبيان لعظيم شرفهم.

وفي قوله تعالىٰ: ﴿ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ 

ﭻ ﭼ﴾ [التوبة: 88، 89].

أثنىٰ الله تعالىٰ علىٰ جميع المؤمنين الذين آمنوا مع النبي من المهاجرين والأنصار وغيرهم، وجعل لهم الخيرات، وأثبت لهم الفلاح والفوز عند الله... وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها.

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ 

ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ﴾. 

[آل عمران: 173 - 174]

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ﴾ [الأنفال: 74].

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ﴾. 

[التوبة: 117]

وقوله تعالىٰ: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ﴾ [الفتح: 18 - 19].

وقوله تعالىٰ: ﴿ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ﴾.

[آل عمران: 195]

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [التوبة: 19: 22].

وقوله تعالىٰ: ﴿ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ﴾ [النحل: 41 - 42].

وقوله تعالىٰ: ﴿ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ﴾. 

[الحج: 58 - 59]

وقوله تعالىٰ: ﴿ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ﴾. 

[البقرة: 207]

نزلت في صهيب الرومي >، لما خرج مهاجرًا من مكة وتبعوه فأخرج من كنانته أربعين سهمًا وهددهم بها إن لاحقوه... فيها مدح له وثناء عليه بأنه اشترىٰ نفسه بماله ليهاجر إلىٰ نبيه ﷺ؛ رغبة في رضا ربه... وحين رآه النبي ﷺ قال له: «ربح البيع أبا يحيىٰ». أو كما قال... وتلا عليه الآية.

وقوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ﴾ [الأحزاب: 23].

نزلت الآية في فضل أنس بن النضر وأشباهه ش.

في السُّنة الصحيحة: 

نهىٰ رسول الله ﷺ عن سبهم، وقد وصفهم بالصحبة؛ تنويهًا لفضلهم وبيانًا لشرف منزلتهم، وأنهم يفضلون غيرهم بما ينفقون من أموالهم في سبيل الله، وذلك فيما رواه البخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري >، قال: 

قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه». النصيف بمعنىٰ النصف، أي: أن إنفاق مد طعام أو نصفه من أحدهم أفضل عند الله من إنفاق مثل جبل أحد ذهبًا من غيرهم( ).

أثبت لهم رسول الله ﷺ الخيرية، وأنهم مقدمون في الفضل علىٰ التابعين وأتباع التابعين، وذلك فيما رواه البخاري ومسلم عن عمران بن حصين > يقول: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن». واللفظ للبخاري، والقرن: هم أهل كل زمان، وقيل: القرن أربعون سنة، وقيل: ثمانون، وقيل: مئة، وقيل غير ذلك.

وفي بيان فضل الأنصار قوله ﷺ فيما رواه البخاري عن أبي هريرة >، عن النبي ﷺ أنه قال: «لو أن الأنصار سلكوا واديًا أو شعبًا لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار».

جعل حبهم ﷺ دليلًا علىٰ إيمان الشخص، وبغضهم دليلًا علىٰ نفاقه، ودعا لمن أحبهم بأن يحبه الله، وعلىٰ من أبغضهم بأن يبغضه الله، وذلك في قوله ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم عن البراء >، قال: قال النبي ﷺ: «الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله». وذلك لما فازوا به من إيوائهم للنبي ﷺ ومن معه، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم علىٰ أنفسهم.

وهناك نصوص نبوية كثر تبين فضلهم، وتدل علىٰ أنهم ش أمان للأمة من ظهور البدع والحوادث في الدين والفتن واختلاف القلوب، ونحو ذلك.

ويؤيد ما تقدم ما جاء في السُّنة، فقد أخرج البخاري ومسلم كلاهما من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء؛ فسبّه خالد؛ فقال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي؛ فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه». وهذا لفظ مسلم.

وهذا الحديث شامل لكل الصحابة ش؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أحدًا من أصحابي».

تبين مما تقدم ثناء الله تعالىٰ ورسوله الكريم ﷺ علىٰ الصحابة كلهم ش ولا شك أن الله تعالىٰ بعلمه للغيب اختار أصحاب رسوله ﷺ؛ عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون علىٰ دينه، فما رأىٰ المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئ، وقال فيهم رسول الله ﷺ: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم...». مسلم.

وقال فيهم عبد الله بن مسعود: من كان مستنًّا فليستن بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا علىٰ الهدىٰ المستقيم.

فالصحابة قاموا بتطبيق أحكام الإسلام ونشروه في مشارق الأرض ومغاربها، فعصرهم خير العصور، فهم الذين علموا الأمة القرآن الكريم ورووا لها السنن والآثار عن رسول الله ﷺ، فتاريخهم هو الكنز الذي حفظ مدخرات الأمة في الفكر والثقافة والعلم والجهاد.

يقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي ؟: «إن إيمانهم الراسخ، وعلمهم العميق، وقلبهم الصادق، وتواضعهم وخشيتهم لله، وعفتهم، وطهرهم، وعطفهم، وشجاعتهم وجلادتهم، وتذوقهم للعبادة، وحنينهم للشهادة، وفروسيتهم بالنهار، وقيامهم بالليل، وتحررهم من سلطان الثروات، وزهدهم في زخارف الدنيا، وعدلهم وحسن تدبيرهم، حقائق تاريخية... لقد صنعت منهم تربية محمد لهم رجالًا أفذاذًا من نوعهم في التاريخ».

موقف أهل البيت من الرافضة:

موقف أهل البيت من الرافضة هو موقف سائر أهل السُّنة... يعتقدون ضلالهم وانحرافهم وبعدهم عن الحق، وهم من أشد الناس ذمًّا ومقتًا لهم، وذلك لنسبتهم تلك العقائد الفاسدة إليهم، وكثرة كذبهم عليهم.

وعن عمرو بن الأصم، قال: قلت للحسن بن علي ب: إن الشيعة تزعم أن عليًّا مبعوث قبل يوم القيامة. قال: كذبوا والله ما هؤلاء بالشيعة، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه، ولا اقتسمنا ماله.

في «حلية الأولياء» (2/37): قيل للحسن بن علي ب: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة، قال: كانت جماجم العرب في يدي، يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء أمة محمد ﷺ.

وفي «سير أعلام النبلاء» (4/302): كان الحسين بن علي ب يقول في شيعة العراق - الذين كاتبوه ووعدوه بالنصر ثم تفرقوا عنه وانحازوا لأعدائه -: اللهم إن أهل العراق غروني وخدعوني، صنعوا بأخي ما صنعوا، اللهم شتت عليهم أمرهم وأحصهم عددًا.

ثم كانت نتيجة غدرهم وخذلانهم له استشهاده > هو وعامة من كان معه من أهل بيته، بعد أن تفرق عنه هؤلاء الخونة، فكان مقتله معيبة عظيمة ومأساة جسيمة يتفطر له قلب كل مسلم... وثبت عن علي بن الحسين قوله: يا أهل العراق، أحبونا حب الإسلام، ولا تحبونا حب الأصنام، فما زال بنا حبكم حتىٰ صار علينا شينًا.

وهذه هي أقوال أئمتهم... يتبرءون منهم!!

قال جعفر بن محمد بن علي: «برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر».

وسئل زيد بن علي عمن يتبرأ منهما؟ قال: «أبرأ منه».

روىٰ الطوسي في «الأمالي» عن الباقر > أنه قال: «صلىٰ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالناس الصبح بالعراق، فلما انصرف وعظهم فبكىٰ وأبكاهم من خوف الله تعالىٰ، ثم قال: أما والله لقد عهدت أقوامًا علىٰ عهد خليلي رسول الله ﷺ وآله، وإنهم ليصبحون ويمسون شعثًا غبرًا خمصًا، بين أعينهم كركب المعزىٰ ذوات شعر من الغنم - القصد منه كثرة السجود -، يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ربهم، ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم وهم جميع مشفقون منه خائفون».

كما روىٰ ابن عساكر عن الباقر قوله: «أجمع بنو فاطمة علىٰ أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول».

لقد فات من يتهم أبا بكر وعمر ب بالنفاق والكفر أن عليًّا > كان وزيرًا لهما ومعينًا لهما، وقد قال الباقر: «العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به شركاء ثلاث»( ).

لا يستطيع أحد أن ينكر أن عليًّا > كان وزيرًا للشيخين، بل إن كثيرًا ممن يطعنون بالشيخين يثبتون وزارة علي لعمر ب ومناصحته، ويرددون القول المنسوب إلىٰ عمر: «لولا علي لهلك عمر». ويستدلون به علىٰ رجاحة عقل علي رضي الله عنه وأرضاه، لكنهم في الوقت ذاته يغفلون عن قول الباقر السابق... وهم بهذا يتهمون عليًّا رضي الله عنه وأرضاه بتولي الظالمين والمشاركة في ظلمهم، أيقبل عاقل هذا؟!

لا سبيل لتنزيه علي رضي الله عنه وأرضاه من هذا الظلم إلا بتنزيه إخوانه الصحابة، وعلىٰ رأسهم الشيخان أبو بكر وعمر من هذا الأمر... فمن نسب إلىٰ الصحابة الردة والكفر فقد جمع معهم عليًّا > لأنه كان معينًا لهم في جميع أحواله.

روىٰ النوري الطبرسي عن الباقر أنه قال: «قال أمير المؤمنين عليهم السلام: إن رسول الله ﷺ كان يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤاخين كافرًا، ولا يخالطن فاجرًا، ومن آخىٰ كافرًا أو خالط فاجرًا كان كافرًا فاجرًا»( ).

وللمرء أن يتساءل: أيخالط علي > الكفار الفجار، بل ويتزوج منهم ويزوجهم؟! بل السؤال الأهم هو: أيخالط النبي ﷺ الكفار الفجار ويتزوج منهم ويزوجهم بناته؟!

كانت عائشة بنت أبي بكر الصديق هي زوج النبي، وإن ابنتي رسول الله ﷺ كانتا زوجتين لعثمان بن عفان >!!

جاء في «نهج البلاغة» نصيحة علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب ب بعدم الخروج للروم قائلًا: «إنك متىٰ تسر إلىٰ هذا العدو بنفسك فتلقهم بشخصك فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصىٰ بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا مجربًا واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرىٰ كنت ردءًا للناس ومثابة للمسلمين». فإن كان عمر > مرتدًّا أو ضالًّا - حاشاه الله من ذلك - كان علي > مداهنًا له، فكلامه لا يحتمل إلا أن يكون كلام حق في صالح عادل أو مداهنة لظالم غاشم!!

وجاء في «تهذيب التهذيب» لابن حجر أن سالم بن أبي حفصة قال: «سألت أبا جعفر بن محمد عن أبي بكر وعمر، فقال لي: يا سالم، تولهما وابرأ من عدوهما؛ فإنهما كانا إمامي هدىٰ، وقال: ما أدركت أحدًا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما».

وفي «الطبقات الكبرىٰ» لابن سعد (5/321) عن جابر الجعفي - وهو من مبغضي الصحابة -، قال: قلت لمحمد بن علي: «أكان منكم أهل البيت أحد يقر بالرجعة؟ قال: لا، قلت: أكان منكم أهل البيت أحد يسب أبا بكر وعمر؟ قال: لا، فأحبهما وتولهما واستغفر لهما».

وجاء في «البداية والنهاية» (9/ 340): قال عروة بن عبد الله: سألت أبا جعفر محمد بن علي عن حلية السيف، فقال: لا بأس به قد حلىٰ أبو بكر الصديق سيفه، قال: قلت: وتقول الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة، ثم قال: «نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولًا في الدنيا والآخرة»( ). كيف يكون يسيرًا علىٰ النفس الحكم بكفر الصحابة وردتهم، مع أن الإمام عليًّا > لم يكفر أحدًا من مقاتليه من أهل الجمل وصفين، ولم يسب أحدًا منهم... كان هذا مع من قاتله، فكيف بمن لم يقاتله كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم!!

هل يعقل أن يطيع المهاجرون والأنصار جميعهم أبا بكر > في الكفر بالله؟!

كيف يأمرنا النبي ﷺ بمجالسة الصالحين، وينهانا عن مجالسة أهل السوء، وقد جالس النبي ﷺ الصحابة - المرتدين المنافقين كما يزعمون -، وكيف ينهانا عن تزويج ومصاهرة أهل الكبائر والمعاصي، ويخالف هو ويصاهر المرتدين - أبي بكر وعمر وعثمان في زعمهم - ؟! فهل أخطأ النبي ﷺ لأولئك النفر؟!

إذا كان الصحابة مرتدين مارقين مغيرين لدين الله... فعلىٰ هذا فإن كل ما نقل عنهم فهو باطل!! إذن بأي شرع صحيح نتعبد ربنا؟! وكيف نعتمد علىٰ قرآن نقله هؤلاء؟!

معتقد أئمة أهل البيت في الصحابة الكرام:

ثبت عن علي بن أبي طالب > أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ب وقوله: لا يفضلني أحد علىٰ الشيخين إلا جلدته حد المفتري، وفي «الصحيحين» أنه قال في حق عمر عند تشييعه: ما خلفت أحدًا أحب إلي من أن ألقىٰ بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت أسمع – كثيرًا - رسول الله ﷺ يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر»، وإن كنت لأظن أن يجعلك الله معهما.

وعن علي بن الحسين أنه جاءه نفر من أهل العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ش، فلما فرغوا قال لهم: ألا تخبروني: أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا.

قال: فأنتم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علىٰ أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون؟ قالوا: لا.

قال: أشهد أنكم لستم من الذين قال الله Q فيهم: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ﴾ [الحشر: 10]، اخرجوا، فعل الله بكم!!( ).

وجاء عن محمد بن علي الباقر أنه قال: أجمع بنو فاطمة أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول، وعنه ؟ أنه قال لجابر الجعفي: إن قومًا بالعراق يزعمون أني أمرتهم بذلك، فأخبرهم أني أبرأ إلىٰ الله تعالىٰ منهم، والله بريء منهم، والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلىٰ الله بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد إن لم أكن أستغفر الله لهما، وأترحم عليهما، إن أعداء الله غافلون عنهما( ).

عن بسام الصيرفي، قال: سألت أبا جعفر عن أبي بكر وعمر، فقال: والله إني لأتولاهما وأستغفر لهما، وما أدركت أحدًا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما( ).

وعن زيد بن علي أنه قال: كان أبو بكر إمام الشاكرين، ثم تلا: ﴿ﮎ ﮏ ﮐ﴾ [آل عمران: 144]، ثم قال: البراءة من أبي بكر هي البراءة من علي ب، فإن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر.

وهذه من مروياتهم في كتبهم!!:

روى علم الهدى الشيعي في كتابه «الشافي» في الحديث: 

«إن عليًّا عليه السلام قال في خطبته: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر.

هكذا كان حب علي > لأمير المؤمنين وخليفة المسلمين أبي بكر الصديق ولعمر الفاروق ب وأرضاهما عنه، وهذا كان موقفه تجاههما وتجاه المعادي لهما.

وعلىٰ ذلك لما جاءه أبو سفيان > بعد بيعة أبي بكر الصديق > واجتماع الناس عليه يحرضه علىٰ معارضته حسب روايتهم قال ردًّا عليه: «ويحك يا أبا سفيان هذه من دواهيك، وقد اجتمع الناس علىٰ أبي بكر، مازلت تبغي الإسلام عوجًا في الجاهلية»( ).

وأما عثمان فهو الذي أرسل ابنيه للدفاع عنه.

يقول في مبغضي الصديق بعد ما يبالغ في مدحه: «فغضب الله علىٰ من ينقصه ويطعن فيه»( ).

وفي مبغضي الفاروق بعد الثناء العاطر عليه: «وأعقب الله من ينقصه اللعنة إلىٰ يوم الدين»( ).

وفي مبغضي ذي النورين بعد ما ذكر أوصافه الجميلة وأخلاقه الحميدة: «فأعقب الله من يلعنه لعنة اللاعنين»( ).

وحفيد علي المرتضىٰ > وسميّه علي بن الحسين، علىٰ سنة آبائه يحارب من حاربهم، ويعادي من عاداهم، يبغض من قلاهم، ويخرج من يتبرأ منهم ويتكلم فيهم، فلقد روىٰ الأربلي الشيعي أن نفرًا من أهل العراق قدموا عليه، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ش: 

«فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا، قال: فأنتم: الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علىٰ أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [الحشر: 10]. اخرجوا عني فعل الله بكم»( ).

وزيد ابنه علىٰ شاكلته، زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم ورحمته، الذي بالغ القوم في مدحه، وخصصوا أبوابًا كثيرة للثناء العاطر عليه في كتبهم، فسلك نفس المسلك الذي خططه أبوه علي بن الحسين وجده علي بن أبي طالب ومن قبلهما محمد رسول الله ﷺ القائل: «دعوا لي أصحابي»( ).

ولقد روىٰ الشيعة: «وكان أصحاب زيد لما خرج سألوه في أبي بكر وعمر، فقال: ما أقول فيهما إلا الخير، وما سمعته من أهلي فيهما إلا الخير، فقالوا: لست بصاحبنا، وتفرقوا عنه ورفضوه، فقال: رفضونا اليوم؛ فسموا من ذلك اليوم الرافضة»( ).

ويضيف المرزا تقي على ذلك: 

«إن زيدًا منعهم عن الطعن في أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ورضوان الله عليهم أجمعين، فلما عرفوا منه بأنه لا يتبرأ من الشيخين - أبي بكر وعمر - رفضوه وتفرقوا عنه، وبعد ذلك استعمل هذه الكلمة في كل من يغلو في المذهب، ويجوّز الطعن في الأصحاب»( ).

ثم ومحمد الباقر بن علي بن الحسين - الإمام الخامس عند القوم - أيضًا يقول بقولهم ويرىٰ رأيهم، ولأجل ذلك يثب علىٰ من يتنكر لقب الصديق علىٰ أبي بكر > ويشدد عليه النكير بقوله: نعم الصديق، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله له قولًا في الدنيا والآخرة( ).

وها هو «نهج البلاغة» مليء من منعه أصحابه من السب والشتم والتكفير والتفسيق، وحتىٰ لمقاتليه في حرب صفين، وعنوان الخطبة: «ومن كلام له عليه السلام وقد سمع قومًا من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم صفين»، فقال: 

«إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم؛ كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتىٰ يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به»( ).

وذكر مثل ذلك الدينوري الشيعي، وصرح بأن الشاتمين كانوا من الذين قتلوا الإمام المظلوم عثمان ذا النورين >، كما صرح بأنهم لعنوا معاوية وأصحابه، وكان بينهم وبين علي سؤال وجواب.

وها هو يذكر القصة بتمامها: 

«بلغ عليًّا (ع) أن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران شتم معاوية ولعن أهل الشام، فأرسل إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما، فأتياه فقالا: يا أمير المؤمنين، ألسنا علىٰ الحق، وهم علىٰ الباطل؟ قال: بلىٰ ورب الكعبة المسدنة، قالوا: فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا شتامين، لعانين، ولكن قولوا: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم...» إلخ( ).

وهذا هو علي بن أبي طالب الذي لا يرضىٰ أن يشتم أهل الشام، ومحاربه معاوية بن أبي سفيان، وينهىٰ عن ذلك، هل يتوقع منه أنه يرضىٰ بلعن أهل المدينة - مدينة النبي -، وشتم أصحاب النبي ورحمائه وأصهاره؟

ثم ولقد صرح بإسلامهم وإيمانهم مع محاربتهم إياه، ومقالته إياهم بأنهم ليسوا بكفره، مرتدين، خارجين عن الإسلام والدين.

كما رواه جعفر عن أبيه: «أن عليًّا عليه السلام كان يقول لأهل حربه: إنا لم نقاتلهم علىٰ التكفير لهم، ولم نقاتلهم علىٰ التكفير لنا، ولكنا رأينا أنا علىٰ حق، ورأوا أنهم علىٰ حق»( ).

ويقول في خطبته أمام أنصاره ومخالفيه: «فلقد كنا مع رسول الله ﷺ، وإن القتل ليدور علىٰ الآباء والأبناء، والإخوان والقرابات، فما نزداد علىٰ كل مصيبة وشدة إلا إيمانًا، ومضيًّا علىٰ الحق، وتسليمًا للأمر، وصبرًا علىٰ مضض الجراح، ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام علىٰ ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبه والتأويل»( ).

وأصرح من ذلك: «أوصيكم عباد الله بتقوىٰ الله، فإنها خير ما تواصىٰ العباد به، وخير عواقب الأمور عند الله، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة»( ).

بل وأكثر من ذلك يجعلهم مساوين له في الإيمان بالله والتصديق بالرسول، وأيضًا يعلن براءته من دم عثمان بن عفان > فيكتب إلىٰ أهل الأمصار يقصّ فيه ما جرىٰ بينه وبين

أهل صفين: 

وكان بدأ أمرنا أنا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أن ربنا واحد، ونبينا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان، ونحن منه براء - وما أدري مع هذا كيف اجترأ المجلسي وهو يدعي موالاة أهل البيت واتباع مذهبهم أن يقول: إن أمير المؤمنين عليًّا يبيح

قتله، ولم يكن يرىٰ منه بأسًا مع قول علي هذا؟ ثم وأكثر من ذلك أن «نهج البلاغة» مليء من أقوال إمامه المعصوم الأول الذي يعده بأنه لا يخطئ، من أقواله هو بأنه بريء من قتل

عثمان وقتلته، ومن طالع «نهج البلاغة» أو قرأه يشهد علىٰ ذلك، ولكن من للقوم؟ فإن

الحسد أكل قلوبهم، وأعمىٰ أبصارهم، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور -، فقلنا:

تعالوا... إلخ( ).

شهادات أهل البيت للصحابة رضوان الله عليهم:

ثناء أهل البيت على الصحابة ش... روايات من كتبهم:

روايات كثيرة ساقها العلماء في كتبهم، واردة عن الأئمة من أهل البيت تدل علىٰ توقيرهم الصحابة وتبين الحب لهم... وأهل البيت هم أقرب الناس عهدًا بالشيخين، ولم يفتهم ما عملا ولا غاب عنهم ما فعلا.

نال الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان من ثناء آل البيت الشيء الكثير لتميزهم وانفرادهم بخصائص لم تتوفر في غيرهم من الصحابة، وللعلاقة الوطيدة بين الخلفاء الثلاثة وأهل بيت النبوة، فقد تزوج النبي ﷺ من عائشة وحفصة ابنتي أبي بكر وعمر ب، وزوج ابنتيه رقية وأم كلثوم لعثمان بن عفان، وزوج الإمام علي > ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب، وسمىٰ أولاده بأسمائهم وكذا أبناؤه( ).

علي بن أبي طالب > يمدحهم، ويثني عليهم: 

يقول علي >: «ولعمري إن مكانهما – أي: أبي بكر وعمر - في الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد، رحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا»( ).

يقول مثنيًا علىٰ خلافة الثلاثة وعلىٰ من اختارهم: «إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان علىٰ ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورىٰ للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا علىٰ رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضًا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلىٰ ما خرج منه، فإن أبىٰ قاتلوه علىٰ اتباع سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولىٰ»( ).

وقال مثنيًا علىٰ عمر بن الخطاب: «لله بلاء فلان! فلقد قوم الأود وداوىٰ العمد، وأقام السُّنة، وخلف الفتنة، ذهب نقي الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها، وسبق شرها، أدىٰ إلىٰ الله طاعته، واتقاه بحقه»( ).

وقال لعمر في حياته - حين شاوره في الخروج إلىٰ غزو الروم -: «إنك متىٰ تسر إلىٰ هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة - ستر ووقاية - دون أقصىٰ بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلًا مجربًا واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرىٰ كنت ردءًا للناس ومثابة للمسلمين»( ).

يقول >: «لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ، فما أرىٰ أحدًا يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثًا غبرًا وقد باتوا سجدًا وقيامًا، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون علىٰ مثل الجمر من ذكر معادهم! كأن بين أعينهم ركب المعزىٰ من طول سجودهم! إذا ذكر الله هملت أعينهم حتىٰ تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف؛ خوفًا من العقاب، ورجاء للثواب»( ).

علي > يمدح أصحاب النبي عامة، ويرجحهم علىٰ أصحابه وشيعته الذين خذلوه في الحروب والقتال، وجبنوا عن لقاء العدو ومواجهتهم، وقعدوا عنه وتركوه وحده، فيقول موازنًا بينهم وبين صحابة رسول الله: 

يقول علي بن أبي طالب > واصفًا حاله مع صحابة رسول الله ﷺ: 

«ولقد كنا مع رسول الله ﷺ نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، ومضيًّا علىٰ اللقم، وصبرًا علىٰ مضض الألم، وجدًّا في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأىٰ الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر؛ حتىٰ استقر الإسلام ملقيًا جرانه، ومتبوئًا أوطانه، ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود، ولا اخضر للإيمان عود، وايم الله لتحتلبنها دمًا، ولتتبعنها ندمًا»( ).

ويذكرهم أيضًا مقابل شيعته المنافقين المتخاذلين، ويأسف على ذهابهم بقوله: 

«أين القوم الذين دعوا إلىٰ الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلىٰ القتال فولهوا وله اللقاح إلىٰ أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفًا زحفًا وصفًّا صفًّا، بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء ولا يعزون عن الموتىٰ، مرة العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، علىٰ وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي علىٰ فراقهم»( ).

ويذكرهم، ويذكر بما فازوا به من نعيم الدنيا والآخرة، ولهم حظ وافر من كرم الله وإحسانه، حيث يقول: 

«واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا

في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها

بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه

الجبابرة المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح، أصابوا لذة زهد الدنيا في

دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غدًا في آخرتهم، لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب

من لذة»( ).

ويمدح المهاجرين من الصحابة في جواب معاوية بن أبي سفيان ب، فيقول: «فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم»( ).

وأيضًا: «وفي المهاجرين خير كثير تعرفه، جزاهم الله خير الجزاء»( ).

ومدحهم مدحًا بالغًا موازنًا أصحابه ومعاوية مع أنصار النبي بقوله: 

«أما بعد، أيها الناس، فوالله لأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب، وما كانوا يوم أعطوا رسول الله ﷺ أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين حتىٰ يبلغ رسالات ربه إلا قبيلتين صغير مولدهما، وما هما بأقدم العرب ميلادًا، ولا بأكثرهم عددًا، فلما آووا النبي ﷺ وأصحابه، ونصروا الله ودينه، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وتحالفت عليهم اليهود، وغزتهم اليهود والقبائل قبيلة بعد قبيلة، فتجردوا لنصرة دين الله، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل وما بينهم وبين اليهود من العهود، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة وأهل الحزن والسهل، وأقاموا قناة الدين، وتصبروا تحت أحلاس الجلاد حتىٰ دانت لرسول الله ﷺ العرب، ورأىٰ فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه، فأنتم في الناس أكثر من أولئك في أهل ذلك الزمان من العرب»( ).

وسيد الرسل نفسه يمدح الأنصار - حسب قول الشيعة -: «اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، يا معشر الأنصار، أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاه والنعم وفي سهمكم رسول الله ﷺ»( ).

وكذلك قال النبي ﷺ: «الأنصار كرشي وعيبتي، ولو سلك الناس واديًا، وسلك الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار»( ).

وعن الطوسي في رواية موثوقة عن علي بن أبي طالب أنه قال لأصحابه: 

«أوصيكم في أصحاب رسول الله ﷺ، لا تسبوهم؛ فإنهم أصحاب نبيكم، وهم أصحابه الذين لم يبتدعوا في الدين شيئًا، ولم يوقروا صاحب بدعة، نعم! أوصاني رسول الله ﷺ

في هؤلاء»( ).

ويمدح المهاجرين والأنصار معًا، حيث يجعل في أيديهم الخيار لتعيين الإمام وانتخابه، وهم أهل الحل والعقد في القرن الأول من بين المسلمين، وليس لأحد أن يرد عليهم، ويتصرف بدونهم، ويعرض عن كلمتهم؛ لأنهم هم الأهل للمسلمين والأساس، كما كتب لأمير الشام معاوية بن أبي سفيان ب ردًّا عليه دعواه بإمرة المؤمنين وحكم المسلمين؛ فإن الإمام من جعله أصحاب محمد إمامًا لا غير، فها هو علي بن أبي طالب > يذكّر معاوية بهذه الحقيقة ويستدل بها علىٰ أحقيته بالإمامة، والكلام من كتاب القوم.

«إنما الشورىٰ للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا علىٰ رجل وسموه إمامًا كان ذلك لله رضىٰ، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلىٰ ما خرج منه، فإن أبىٰ قاتلوه علىٰ اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولىٰ»( ).

ويقول > في خطبة له: «أين القوم الذين دعوا إلىٰ الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلىٰ القتال، فولهوا وله اللقاح إلىٰ أولادهم، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفًا زحفًا وصفًّا صفًّا، بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء ولا يعزون بالموتىٰ، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء صفر الألوان من السهر، علىٰ وجوههم غبرة الخاشعين... أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم، ونعض الأيدي علىٰ فراقهم».

وما روي عن أمير المؤمنين في كتاب كتبه إلىٰ معاوية جوابًا عن كتابه، قال - بعد ذكر أبي بكر وعمر -: «ولعمري إن مكانهما في الإسلام لعظيم، وإن المصاب لهما لجرح في الإسلام شديد، يرحمهما الله وجزاهما بأحسن ما عملا»، وهذا الكتاب أورده شارحو «نهج البلاغة».

ومنها أنه قال في كلام له في «النهج»: «الزموا السواد الأعظم؛ فإن يد الله مع الجماعة، وإياكم والفرقة؛ فإن الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب»، والروافض - كالخوارج - رفضوا السواد الأعظم.

ومنها ما في «النهج» أيضًا، أنه > كتب إلىٰ معاوية: «إنما الشورىٰ في المهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا علىٰ رجل وسموه إمامًا كان لله رضىٰ، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلىٰ ما خرج منه، فإن أبىٰ قاتلوه علىٰ اتباع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولىٰ وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا، وقد اجتمع المهاجرون علىٰ أربع من الصحابة، وسموا كلًّا منهم إمامًا؛ فهم أئمة، ومتبعوهم علىٰ الحق، ومخالفوهم علىٰ الباطل».

ومنها ما صرح به شرّاح «النهج»: أن أمير المؤمنين كتب إلىٰ معاوية: «ألا إن للناس جماعة يد الله معها، وغضب الله علىٰ من خالفها...» إلخ.

ومنها ما صرح به الشرّاح أيضًا: أنه كتب إلىٰ معاوية: «ما كنت إلا رجلًا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا، وصدرت كما صدروا، وما كان الله ليجمعهم علىٰ الضلال».

ومنها ما روىٰ يحيىٰ بن حمزة الزيدي في آخر كتاب «طوق الحمامة في مباحث الإمامة» عن سويد بن غفلة أنه قال: «قلت لعلي: إني مررت بقوم من الشيعة يذكرون أبا بكر وعمر وينتقصونهما، ولولا يعلمون أنك تضمر ما هم عليه لم يجترئوا علىٰ ذلك، فقال: أعوذ بالله Q أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل رحمهما الله. ثم نهض وأخذ بيدي وأدخلني المسجد وصعد المنبر، ثم قبض علىٰ لحيته - وهي بيضاء - فجعلت دموعه تتحادر عليها، وجعل ينظر للبقاع حتىٰ اجتمع الناس، ثم خطب فقال: ما بال أقوام يذكرون أخوي رسول الله صلىٰ الله تعالىٰ عليه وسلم، ووزيريه وصاحبيه، وسيدي قريش، وأبوي المسلمين، وأنا بريء مما يذكرون، وعليه معاقب، صحبا رسول الله صلىٰ الله تعالىٰ عليه وسلم بالجد والوفاء، والجد في أمر الله، يأمران وينهيان ويغضبان ويعاقبان لله، لا يرىٰ رسول الله كرأيهما رأيًا، ولا يحب كحبهما حبًّا؛ لما يرىٰ من عزمهما في أمر الله، فقبض وهو عنهما راضٍ والمسلمون راضون، فما تجاوزا في أمرهما وسيرتهما رأي رسول الله صلىٰ الله تعالىٰ عليه وسلم وأمره في حياته وبعد موته، فقبضا علىٰ ذلك رحمهما الله، فوالذي فلق الحبة وبرئ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن فاضل، ولا يبغضهما إلا شقي مارق، وحبهما قربة، وبغضهما مروق. ثم أرسل ابن سبإ إلىٰ المدائن؛ لأنه أحد الطاعنين»( ).

شهادة جامعة من أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب > لكل صحابة رسول الله صلىٰ عليه وسلم، لم تكن خاصة بسلمان وأبي ذر والمقداد فحسب... بيان رائع لما عرف به أهل البيت النبوي من الصدق والأمانة، ومثال ناطق للبلاغة التي اشتهر بها علي >!!

عقائد الشيعة اليوم المنطوية علىٰ بغض السلف الصالح - وعلىٰ الأخص أبو بكر وعمر وعثمان وأزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين - والمبنية علىٰ إنكار القرآن الموجود بأيدي الناس، والمبنية علىٰ السُّنة التي أخذوها عن عبد الله بن سبإ وتوارثوها عن اليهودية البغيضة. الأئمة من أهل البيت كانوا محبين لأصحاب محمد ﷺ وعلىٰ رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان وأزواج النبي الطاهرات المطهرات، والمقتفين آثارهم والمقتدين هداهم، وعلىٰ رأسهم علي > أمير المؤمنين وخليفة رسول الله الأمين الراشد الرابع، حيث كان يحبهم حبًّا جمًّا ويظهر موالاته لهم، ويعاند كل من يعارضهم، ويعاقب كل من يتكلم فيهم، كما كان يحارب بكل قوة وشدة تسرب أفكار السبئية واليهودية في أتباعه وأنصاره وشيعته، ويطرد كل من يشك فيه بتسممه من هذه العقائد المسمومة، فلقد ذكر الشيعة أنفسهم أن عليًّا > سمىٰ أبناءه بأسماء الخلفاء الراشدين السابقين الثلاثة، بأبي بكر وعمر وعثمان؛ وابنه الحسين كذلك سمىٰ أبناءه بأبي بكر وعمر، وكذلك الآخرون من أبناء علي وأبناء الحسين سموا أبناءهم بأسماء هؤلاء الأخيار البررة تحببًا إليهم وتبركًا بهم.

وأما الاقتداء والاتباع نثبت هنا عبارة عن الملا باقر المجلسي الشيعي الإيراني الذي يلقب بخاتمة المحدثين، والذي ألف أكبر مجموعة في الحديث باسم «بحار الأنوار»، فهو يكتب في كتابه «جلاء العيون في حياة ومصائب أربعة عشر معصومًا» أن الحسين بن علي بن أبي طالب صالح معاوية بن أبي سفيان علىٰ أنه يعمل بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة الخلفاء الراشدين، وأن لا يعين أحدًا بعده، وأن يؤمن الناس أينما كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن، وأن يؤمن شيعة علي بن أبي طالب وأصحابه في أنفسهم وأموالهم وأزواجهم وأولادهم، وأخذ علىٰ هذه الشروط العهود المغلظة باليمين».

فجعل الحسن بن علي - وهو الإمام الثاني عند الشيعة - أحد شروط الصلح مع معاوية أن يكون متبعًا لسيرة الخلفاء الراشدين، ولم يكن هؤلاء إلا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا، كما أنه لم يجعل العمل بسيرة هؤلاء شرطًا من أهم الشروط إلا لأنه كان يحسن فيهم الظن، ويعتقد فيهم الخير، ويؤمن بتقواهم وطهارتهم زيادة علىٰ إيمانهم وإسلامهم الصحيح الخالص، هذا ومثل هذا كثير لمن تتبع أخبار علي وأولاده رضي الله عنهم ورحمهم أجمعين.

علي بن الحسين زين العابدين:

يذكر أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، ويدعو لهم في صلاته بالرحمة والمغفرة لنصرتهم سيد الخلق في نشر دعوة التوحيد وتبليغ رسالة الله إلىٰ خلقه، فيقول: 

«فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان، اللهم وأصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلىٰ وفادته، وسابقوا إلىٰ دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الحق عليك، وكانوا من ذلك لك وإليك، واشكرهم علىٰ هجرتهم فيك ديارهم وخروجهم من سعة المعاش إلىٰ ضيقه ومن كثرة في اعتزاز دينك إلىٰ أقله، اللهم وأوصل إلىٰ التابعين لهم بإحسان

- الذين يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان - خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحروا جهتهم، لو مضوا إلىٰ شاكلتهم لم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام بهداية منارهم، مكانفين ومؤازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم»( ).

موقف أهل البيت من الصديق >:

يقول فيه ابن عم النبي وصهره، زوج ابنته، ووالد سبطيه علي بن أبي طالب >، وهو يذكر بيعة أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله ﷺ عند انثيال [انثيال الناس أي: انصبابهم من كل وجه كما ينثال التراب]( ) الناس علىٰ أبي بكر، وإجفالهم [الإجفال: الإسراع] إليه ليبايعوه: 

«...فمشيت عند ذلك إلىٰ أبي بكر، فبايعته ونهضت في تلك الأحداث حتىٰ زاغ الباطل وزهق؛ وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولىٰ أبو بكر تلك الأمور فيسر، وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحًا، وأطعته فيما أطاع الله [فيه] جاهدًا»( ).

ويقول أيضًا وهو يذكر خلافة الصديق وسيرته: «فاختار المسلمون بعده – أي: النبي ﷺ - رجلًا منهم، فقارب وسدد بحسب استطاعته علىٰ خوف وجد»( ).

ولم اختار المسلمون أبا بكر خليفة للنبي وإمامًا لهم؟ يجيب عليه المرتضىٰ > وابن عمة الرسول الزبير بن العوام > بقولهما: «وإنا نرىٰ أبا بكر أحق الناس بها، إنه لصاحب الغار وثاني اثنين، وإنا لنعرف له سنة، ولقد أمره رسول الله بالصلاة وهو حي»( ).

ومعنىٰ ذلك أن خلافته كانت بإيعاز الرسول عليه السلام.

وعلي بن أبي طالب > قال هذا القول ردًّا علىٰ أبي سفيان حين حرضه علىٰ طلب الخلافة كما ذكر ابن أبي الحديد.

جاء أبو سفيان إلىٰ علي عليه السلام، فقال: وليتم علىٰ هذا الأمر أذل بيت في قريش، أما والله لئن شئت لأملأنها علىٰ أبي فصيل خيلًا ورجلًا، فقال علي عليه السلام: 

«طالما غششت الإسلام وأهله، فما ضررتهم شيئًا، لا حاجة لنا إلىٰ خيلك ورجلك، لولا أنا رأينا أبا بكر لها أهلًا لما تركناه»( ).

«وعن أمير المؤمنين عليه السلام لما قيل له: ألا توصي؟ فقال: ما أوصىٰ رسول الله ﷺ فأوصي، ولكن إذا أراد الله بالناس خيرًا استجمعهم علىٰ خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم علىٰ خيرهم»( ).

هذا هو علي بن أبي طالب > يتمنىٰ لشيعته وأنصاره أن يوفق الله لهم رجلًا خيرًا صالحًا كما وفق للأمة الإسلامية المجيدة بعد أن اصطدموا بوفاة النبي ﷺ برجل خير صالح، أفضل الخلائق بعد نبيه ﷺ، بأبي بكر الصديق >، إمام الهدىٰ، وشيخ الإسلام، ورجل قريش، والمقتدىٰ به بعد رسول الله ﷺ حسب ما سماه سيد أهل البيت زوج الزهراء ب، كما رواه السيد مرتضىٰ علم الهدىٰ في كتابه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن رجلًا من قريش جاء إلىٰ أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: سمعتك تقول في الخطبة آنفًا: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين، فمن هما؟ قال: حبيباي، وعماك أبو بكر وعمر، وإماما الهدىٰ، وشيخا الإسلام، ورجلا قريش، والمقتدىٰ بهما بعد رسول الله ﷺ، من اقتدىٰ بهما عصم، ومن اتبع آثارهما هدي إلىٰ الصراط المستقيم»( ).

هذا وقد كرر في نفس الكتاب هذا: «إن عليًّا عليه السلام قال في خطبته: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر»، ولم لا يقول هذا وهو الذي روىٰ: «أننا كنا مع النبي ﷺ علىٰ جبل حراء إذ تحرك الجبل، فقال له: قر، فإنه ليس عليك إلا نبي وصديق وشهيد»( ).

هذا هو رأي علي > الخليفة الراشد الرابع، كما قالوا: «الموالي له ناجٍ، والمعادي له كافر هالك، والمتخذ دونه وليجة ضال مشرك»( ).

ابن عباس يقول وهو يذكر الصديق: «رحم الله أبا بكر، كان والله للفقراء رحيمًا، وللقرآن تاليًا، وعن المنكر ناهيًا، وبدينه عارفًا، ومن الله خائفًا، وعن المنهيات زاجرًا، وبالمعروف آمرًا، وبالليل قائمًا، وبالنهار صائمًا، فاق أصحابه ورعًا وكفافًا، وسادهم زهدًا وعفافًا»( ).

ويقول ابن أمير المؤمنين علي، ألا وهو الحسن، نعم! الحسن بن علي، الإمام المعصوم الثاني عند القوم، والذي أوجب الله اتباعه علىٰ القوم حسب زعمهم - يقول في الصديق، وينسبه إلىٰ رسول الله عليه السلام أنه قال: «إن أبا بكر مني بمنزلة السمع»( ).

وكان الحسن بن علي ب يوقر أبا بكر وعمر، فجعل من إحدىٰ الشروط علىٰ معاوية بن أبي سفيان ب: «إنه يعمل ويحكم في الناس بكتاب الله، وسنة رسول الله، وسيرة الخلفاء الراشدين، - وفي النسخة الأخرىٰ - الخلفاء الصالحين»( ).

وأما علي بن الحسن بن علي، فقد روي عنه أنه جاء إليه نفر من العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان ش، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: «ألا تخبروني أنتم المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا أولئك هم الصادقون؟ قالوا: لا، قال: فأنتم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون علىٰ أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ﴾ [الحشر: 10]، اخرجوا عني، فعل الله بكم»( ).

مساعدة الصديق في تزويج علي من فاطمة:

توسط أبو بكر الصديق لعلي في زواجه من فاطمة < وساعده فيه، كما كان هو أحد الشهود علىٰ نكاحه بطلب من رسول الله ﷺ.

مما يرويه أحد أعاظم القوم ويسمىٰ بشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي، عن الضحاك بن مزاحم أنه قال: 

«سمعت علي بن أبي طالب يقول: أتاني أبو بكر وعمر، فقالا: لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت له فاطمة، قال: فأتيته، فلما رآني رسول الله ﷺ ضحك، ثم قال: ما جاء بك يا علي؟ وما حاجتك؟ قال: فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام ونصرتي له وجهادي، فقال: يا علي، صدقت، فأنت أفضل مما تذكر، فقلت: يا رسول الله، فاطمة تزوجنيها»( ).

وأما المجلسي الذي لا يستطيع أن يذكر أصحاب النبي وخاصة الصديق والفاروق إلا ويسبق ذكرهم بالسباب القبيحة والشتائم الفضيحة والألقاب الخبيثة الرديئة مثل: «الملاعين» و«مسودي الوجوه» و«الشياطين» - يذكر هذه الواقعة ويزيدها بيانًا ووضوحًا حيث يقول: في يوم من الأيام كان أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ جلوسًا في مسجد رسول الله ﷺ، وتذاكروا ما بينهم بزواج فاطمة، فقال أبو بكر: أشراف قريش طلبوا زواجها عن النبي ولكن الرسول قال لهم بأن الأمر في ذلك إلىٰ الله - ونظن أنها لعلي بن أبي طالب - وأما علي بن أبي طالب فلم يتقدم بطلبها إلىٰ رسول الله لأجل فقره وعدم ماله، ثم قال أبو بكر لعمر وسعد: هيا بنا إلىٰ علي بن أبي طالب لنشجعه ونكلفه بأن يطلب ذلك من النبي، وإن مانعه الفقر نساعده في ذلك، فأجاب سعد ما أحسن ما فكرت به، فذهبوا إلىٰ بيت أمير المؤمنين عليه السلام … فلما وصلوا إليه سألهم ما الذي أتىٰ بكم في هذا الوقت؟ قال أبو بكر: يا أبا الحسن، ليس هناك خصلة خير إلا وأنت سابق بها … فما الذي يمنعك أن تطلب من الرسول ابنته فاطمة، فلما سمع علي هذا الكلام من أبي بكر نزلت الدموع من عينيه وسكبت، وقال: قشرت جروحي ونبشت وهيجت الأماني والأحلام التي كتمت منذ أمد، فمن الذي لا يريد الزواج منها؟ ولكن يمنعني من ذلك فقري.

الصديق أبو بكر هو الذي حرض عليًّا علىٰ زواج فاطمة ش، وهو الذي ساعده المساعدة الفعلية لذلك، وهو الذي هيأ له أسباب الزواج وأعدها بأمر من رسول الله ﷺ كما يروي الطوسي أن عليًّا باع درعه وأتىٰ بثمنه إلىٰ الرسول. «ثم قبضه رسول الله من الدراهم بكلتا يديه، فأعطاها أبا بكر، وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، أردفه بعمار بن ياسر وبعدة من أصحابه، فحضروا السوق، فكانوا يعرضون الشيء مما يصلح فلا يشترونه حتىٰ يعرضوه علىٰ أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه... حتىٰ إذا استكمل الشراء حمل أبو بكر بعض المتاع، وحمل أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا معه الباقي»( ).

الصديق ورفاقه كانوا شهودًا علىٰ زواجه بنص الرسول ﷺ وطلبٍ منه، كما يذكر الخوارزمي.

ويكشف النقاب عن الشهود الأربلي في كتابه «كشف الغمة»، حيث يروي: «عن أنس أنه قال: كنت عند النبي ﷺ فغشيه الوحي، فلما أفاق قال لي: يا أنس، أتدري ما جاءني به جبرئيل من عند صاحب العرش؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: أمرني أن أزوج فاطمة من علي، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وطلحة والزبير وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أن أخذوا مجالسهم قال رسول الله ﷺ بعد أن حمد الله وأثنىٰ عليه: ثم إني أشهدكم أني زوجت فاطمة من علي علىٰ أربعمائة مثقال فضة»( ).

هذا ولما ولد لهما الحسن كان أبو بكر الصديق، الرفيق لجد الحسن في الغار، والصديق لوالده علي، والمساعد القائم بأعباء زواجه، كان يحمله علىٰ عاتقه، ويداعبه ويلاعبه، ويقول: «بأبي شبيه بالنبي غير شبيه بعلي»( ).

وبنفس القول تمسكت فاطمة بنت الرسول <( ).

وكانت العلاقات وطيدة إلىٰ حد أن زوجة أبي بكر أسماء بنت عميس هي التي كانت تمرّض فاطمة بنت النبي عليه السلام و< في مرض موتها، وكانت معها حتىٰ الأنفاس الأخيرة، وشاركها في غسلها وترحيلها إلىٰ مثواها «وكان علي يمرضها بنفسه، وتعينه علىٰ ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله علىٰ استمرار بذلك»( ).

و«وصتها بوصايا في كفنها ودفنها وتشييع جنازتها (ض)»( ).

و«هي التي كانت عندها حتىٰ النفس الأخير، وهي التي نعت عليًّا بوفاتها»( ).

و«كانت شريكة في غسلها»( ).

وكان الصديق دائم الاتصال بعلي من ناحية ليسأله عن أحواله وبنت النبي ﷺ، خلاف ما يزعمه القوم.

«فمرضت - أي فاطمة < - وكان علي (ع) يصلي في المسجد الصلوات الخمس، فلما صلىٰ قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟»( ).

ومن ناحية أخرىٰ من زوجه أسماء حيث كانت هي المشرفة والممرضة الحقيقية لها.

و«لما قبضت فاطمة من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله، فأقبل أبو بكر وعمر يعزيان عليًّا ويقولان: يا أبا الحسن، لا تسبقنا بالصلاة علىٰ ابنة رسول الله»( ).

المصاهرات بين الصديق وآل البيت:

كانت العلاقات وثيقة أكيدة بين بيت النبوة وبيت الصديق، لا يتصور معها التباعد والاختلاف مهما نسج المسامرون الأساطير والأباطيل، ﴿ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ﴾ [العنكبوت: 41].

فالصديقة عائشة بنت الصديق أبي بكر كانت زوجة النبي ﷺ، ومن أحب الناس إليه مهما احترق الحساد ونقم المخالفون، فإنها حقيقة ثابتة، وهي طاهرة مطهرة بشهادة القرآن مهما جحدها المبطلون وأنكرها المنكرون.

ثم أسماء بنت عميس التي جاء ذكرها آنفًا كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب شقيق علي، فمات عنها وتزوجها الصديق وولدت له ولدًا سماه محمدًا الذي ولاه علي علىٰ مصر، ولما مات أبو بكر تزوجها علي بن أبي طالب فولدت له ولدًا سماه يحيىٰ، وحفيدة الصديق كانت متزوجة من محمد الباقر الإمام الخامس عند القوم وحفيد علي >.

يذكر الكليني في «أصوله» تحت عنوان مولد جعفر: «ولد أبو عبد الله عليه السلام سنة ثلاث وثمانين ومضىٰ في شوال من سنة ثمان وأربعين ومئة، وله خمس وستون سنة، ودفن بالبقيع في القبر الذي دفن فيه أبوه، وجده، والحسن بن علي عليهم السلام، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر»( ).

القاسم بن محمد بن أبي بكر حفيد أبي بكر، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد علي كانا ابني خالة.

يذكر المفيد وهو يذكر علي بن الحسين بقوله: والإمام بعد الحسن بن علي (ع) ابنه أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام، وكان يكنىٰ أيضًا أبا الحسن، وأمه شاه زنان بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرىٰ، ويقال: إن اسمها كان شهر بانويه، وكان أمير المؤمنين (ع) ولىٰ حريث بن جابر الحنفي جانبًا من المشرق، فبعث إليه بنتي يزدجرد بن شهريار بن كسرىٰ، فنحل ابنه الحسين (ع) شاه زنان منهما، فأولدها زين العابدين (ع)، ونحل الأخرىٰ محمد بن أبي بكر، فولدت له القاسم بن محمد بن أبي بكر، فهما ابنا خالة»( ).

وذكر أهل الأنساب والتاريخ قرابة أخرىٰ وهي تزويج حفصة بنت عبد الرحمن بن الصديق من الحسين بن علي بن أبي طالب ش بعد عبد الله بن الزبير أو قبله، ثم وإن محمد بن أبي بكر من أسماء بنت عميس كان ربيب علي وحبيبه، وولاه إمرة مصر في عصره، «وكان علي عليه السلام يقول: محمد ابني من ظهر أبي بكر»( ).

وكان من حب أهل البيت للصديق والتوادد ما بينهم أنهم سموا أبناءهم بأسماء أبي بكر >، فأولهم علي بن أبي طالب حيث سمىٰ أحد أبنائه بأبي بكر، كما يذكر المفيد تحت عنوان «ذكر أولاد أمير المؤمنين (ع) وعددهم وأسمائهم ومختصر من أخبارهم»: محمد الأصغر المكنىٰ بأبي بكر، عبيد الله، الشهيدان مع أخيهما الحسين (ع) بألطف أمهما ليلىٰ بنت مسعود الدارمية( ).

وقال اليعقوبي: «وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكرًا الحسن والحسين … وعبيد الله وأبو بكر لا عقب لهما أمهما يعلىٰ بنت مسعود الحنظلية من بني تيم»( ).

وذكر الأصفهاني في «مقاتل الطالبيين» تحت عنوان «ذكر خبر الحسين بن علي بن أبي طالب ومقتله ومن قتل معه من أهله»، وكان منهم: «أبو بكر بن علي بن أبي طالب وأمه يعلىٰ بنت مسعود … ذكر أبو جعفر أن رجلًا من همدان قتله، وذكر المدائني أنه وجد في ساقيه مقتولًا، لا يدري من قتله»( ).

وهل هذا إلا دليل حب ومؤاخاة وإعظام وتقدير من علي للصديق ب.

والجدير بالذكر أنه ولد له هذا الولد بعد تولية الصديق الخلافة والإمامة، بل وبعد وفاته كما هو معروف بداهة، وهل يوجد في الشيعة اليوم المتزعمين حب علي وأولاده رجل يسمىٰ بهذا الاسم، وهل هم موالون له أم مخالفون؟! ونريد أن نلفت الأنظار أن عليًّا لم يسم بهذا الاسم ابنه إلا متيمنًا بالصديق، وإظهارًا له الولاء والوفاء، وحتىٰ بعد وفاته، وإلا لا يوجد في بني هاشم رجل قبل علي يسمىٰ ابنه بهذا الاسم حسب علمنا ومطالعتنا كتب القوم، فبمن سمىٰ ابنه آنذاك؟ ثم ولم يقتصر علي بهذا التيمن والتبرك وإظهار المحبة والصداقة للصديق، بل بعده بنوه أيضًا مشوا مشيه ونهجوا منهجه، فهذا هو أكبر أنجاله وابن فاطمة وسبط الرسول الحسن بن علي - الإمام المعصوم الثاني عند القوم - أيضًا يسمي أحد أبنائه بهذا الاسم كما ذكره اليعقوبي، «وكان للحسن من الولد ثمانية ذكور وهم: الحسن بن الحسن وأمه خولة … وأبو بكر وعبد الرحمن لأمهات أولاد شتىٰ، وطلحة وعبيد الله»( ).

ويذكر الأصفهاني: «إن أبا بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب أيضًا كان ممن قتل في كربلاء مع الحسين، قتله عقبة الغنوي»( ).

والحسين بن علي أيضًا سمىٰ أحد أبنائه باسم الصديق كما يذكر المؤرخ الشيعي المشهور بالمسعودي في «التنبيه والإشراف» عند ذكر المقتولين مع الحسين في كربلاء: «وممن قتلوا في كربلاء من ولد الحسين ثلاثة: علي الأكبر، وعبد الله الصبي، وأبو بكر، بنو الحسين بن علي»( ). وقيل: «إن زين العابدين بن الحسن كان يكنىٰ بأبي بكر أيضًا»( ). وأيضًا حسن بن الحسن بن علي، أي حفيد علي بن أبي طالب سمىٰ أحد أبنائه أبا بكر كما رواه الأصفهاني عن محمد بن علي بن حمزة العلوي أن ممن قتل مع إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كان أبو بكر بن الحسن بن الحسن، والإمام السابع عند الشيعة موسىٰ بن جعفر الملقب بالكاظم أيضًا سمىٰ أحد أبنائه بأبي بكر.

وأما الأصفهاني فيقول: إن ابنه عليًّا - الإمام الثامن عندهم - هو أيضًا كان يكنىٰ بأبي بكر، ويروىٰ عن عيسىٰ بن مهران عن أبي الصلت الهروي أنه قال: سألني المأمون يومًا عن مسألة، فقلت: قال فيها أبو بكرنا، قال عيسىٰ بن مهران: قلت لأبي الصلت: من أبو بكركم؟ فقال: علي بن موسىٰ الرضا كان يكنىٰ بها وأمه أم ولد»( ).

والجدير بالذكر أن موسىٰ الكاظم هذا سمىٰ إحدىٰ بناته أيضًا باسم بنت الصديق الصديقة عائشة كما ذكر المفيد تحت عنوان «ذكر عدد أولاد موسىٰ بن جعفر وطرف من أخبارهم».

وكان لأبي الحسن موسىٰ عليه السلام سبعة وثلاثون ولدًا ذكرًا وأنثىٰ، منهم: علي بن موسىٰ الرضا عليهما السلام… وفاطمة… وعائشة وأم سلمة»( ).

كما سمىٰ جده علي بن الحسين إحدىٰ بناته عائشة( )، وأيضًا - الإمام العاشر المعصوم حسب زعمهم - علي بن محمد الهادي أبو الحسن سمىٰ أحد بناته بعائشة، يقول المفيد: وتوفي أبو الحسن عليهما السلام في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره بسرّ من رأىٰ، وخلف من الولد أبا محمد الحسن ابنه… وابنته عائشة»( ).

هناك في الهاشمية كثير من تسموا أنفسهم، أو سموا أبناءهم بأبي بكر نذكر منهم ابن الأخ لعلي بن أبي طالب وهو عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب فإنه سمىٰ أحد أبنائه أيضًا باسم أبي بكر كما ذكره الأصفهاني في مقالته: قتل أبو بكر بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يوم الحرة في الوقعة بين مسرف بن عقبة وبين أهل المدينة.

وهذا من إحدىٰ علائم الحب والود بين القوم خلاف ما يزعمه الشيعة اليوم من العداوة والبغضاء، والقتال الشديد والجدال الدائم بينهم.

لقي علي > من أبي بكر وجميع الصحابة كل إجلال وتوقير هو أهل لهما، واستعان به الخليفة بمواهبه ومواقفه العظيمة، دون أن يبخل علي العظيم ببذل يبذله... وحين اختار أبو بكر > عمر ورشحه للخلافة بعده ووافق الصحابة لم يتأخر علي رضي الله عنهم جميعًا عن المبايعة، ووقف بجانب الخليفة الجديد، واستعان به عمر في أهم المعضلات وأنزله المنزلة التي يستحقها، ولم يبخل عنه علي برأي ولا بجهد بجانبه وصاهره عمر فتزوج بابنته أم كلثوم، وحين ذهب عمر إلىٰ بيت المقدس جعل عليًّا مكانه في المدينة علىٰ المسلمين... !! وعندما فارقت الروح الخليفة عمر بعد الطعنة الغادرة التي طعنه بها المجوسي الغادر أبو لؤلؤة الفارسي وقف علي > أمام جثمانه وهو مسجىٰ في كفنه، كما جاء في «صحيح البخاري» عن ابن عباس ب، وقال: 

«والله ما علىٰ الأرض رجل أحب إلي أن ألقىٰ الله بصحيفته من هذا المسجىٰ بالثوب».

وكان علي > واحدًا من الستة الكبار الذين اختارهم عمر بعد أن تلقىٰ الطعنة وتوقع الموت... !! وكان هناك من الصحابة من يحب عليًّا أكثر، ويتعاطف معه، وكان هناك من يرىٰ أنه الأجدر والأحق، لكن كان ذلك لا يتعدىٰ الرأي الشخصي، دون أن يؤثر علىٰ النظر علىٰ الآخرين بالكراهة أو العداء.

لقد حرم الإسلام شتم المسلم، وجعل سبابه فسوقًا، فقال ﷺ: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» كما أن علي بن أبي طالب >، ومن صلح من ذريته هم أئمتنا نحن وليسوا أئمة لمن كان علىٰ دين الرافضة... والخلفاء الراشدون أجل قدرًا من أن تنالهم المطاعن، وأعلىٰ كعبًا من أن يتطاول إليهم الأقزام، والمتحامل عليهم كشارب السم، لا يقتل إلا نفسه ولا يكيد إلا أهله... !!

تباين الموقفين من الصحابة:

الشيعة الذين يزعمون أنهم أتباع أهل البيت والمحبون الموالون لهم يرون رأيًا غير هذا الرأي، قال قائلهم: إن الناس كلهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ غير أربعة... وتقدم بخاري القوم محمد بن يعقوب الكليني إلىٰ أبعد من ذلك فقال: كان الناس أهل ردة بعد النبي إلا ثلاثة المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي( ).

ومثل هذا ذكر المجلسي: «هلك الناس كلهم بعد وفاة الرسول إلا ثلاثة أبو ذر والمقداد وسلمان»( ).

وأكثر من ذلك قال الكليني في موضع آخر من كتابه: «إن الناس يفزعون إذا قلنا: إن الناس ارتدوا، فقال: … إن الناس عادوا بعد ما قبض رسول الله ﷺ أهل جاهلية، إن الأنصار اعتزلت - يعني: عن أبي بكر - فلم تعتزل بخير - أي: لم يكن اختيارهم لاختيار الحق أو ترك الباطل، بل اختاروا باطلًا مكان باطل آخر للحمية والعصبية، كما ذكر المحشي الملعون علىٰ هذه الرواية -، جعلوا يبايعون سعدًا وهم يرتجزون ارتجاز الجاهلية: يا سعد، أنت المرجأ، وشعرك المرجل، وفحلك المرجم»( ). ومعناه أنه لم يبق ولا واحد، لا أبو ذر ولا سلمان ولا المقداد.

ويكتب القمي تحت تفسير قوله تعالىٰ: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴾ [المائدة: 71]: «نزل كتاب الله يخبر أصحاب الرسول ﷺ فقال: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴾ أي: لا يكون اختبار، ولا يمتحنهم الله بأمير المؤمنين عليه السلام، ﴿ﭕ ﭖ﴾ قال: حيث كان رسول الله ﷺ بين أظهرهم، ﴿ﭛ ﭜ ﭝ﴾ حين قبض رسول الله ﷺ، وأقام أمير المؤمنين عليه السلام عليهم فعموا وصموا فيه حتىٰ الساعة»( ).

هذا هو موقف الشيعة من الصحابة، وذلك هو موقف أهل البيت منهم.

أين هم من شهادات غير المسلمين في الصحابة ش... ؟!

في كتابه «سنن الإسلام» يقول الألماني كاتاني Caetani: «لقد كان هؤلاء الصحابة الكرام ممثلين صادقين لتراث الإسلام الخلقي، ودعاة الإسلام في المستقبل، وحملة تعاليم محمد التي بلغها إلىٰ أهل التقوىٰ والورع،.. حدثت فيهم تحولات ذات قيمة كبيرة في كل زاوية، وأثبتوا فيما بعد في أصعب مناسبات الحروب أن مبادئ محمد ﷺ إنما بذرت في أخصب أرض أنبتت نباتًا حسنًا، وذلك عن طريق أناس ذوي كفاءات عالية جدًّا، كانوا حفظة الصحيفة المقدسة وأمناءها، وكانوا محافظين علىٰ كل ما تلقوه من رسول الله من كلام وأوامر، لقد كان هؤلاء قادة الإسلام السابقين الكرام الذين أنجبوا فقهاء المجتمع الإسلامي وعلماءه ومحدثيه الأولين».

وفي كتابه «حضارة العرب» يقول غوستاف ليبان Gustave Lieban: «وبالجملة فإن هذا الدين الجديد كان يواجه مناسبات وفرصًا كثيرة، وإن فراسة الصحابة وحسن تدبيرهم قد جعلهم ينجحون لدىٰ كل فرصة ومناسبة، لقد وقع الاختيار للخلافة في العهد الأول علىٰ أناس كان جل غرضهم نشر الدين المحمدي».

ويقول Edward Gibbon إدوارد جيبون الإنجليزي عن الخلفاء الراشدين في كتابه «انقراض وسقوط المملكة الرومية»: «لقد كانت أخلاق الخلفاء الأربعة الأولين وتصرفاتهم نزيهة مضرب الأمثال، إن نشاطهم وتفانيهم إنما كان بإخلاص تام، ورغم التمكن من الثراء والسلطة فقد أفنوا أعمارهم في أداء المسؤوليات الخلقية والدينية».

أما فيليب حتي Dr Philp Hitti صاحب كتاب «مختصر تاريخ العرب» فيقول: عاش أبو بكر > قاهر المرتدين وموحد الجزيرة تحت راية الإسلام حياة بسيطة ملؤها الوقار، وفي الستة الأشهر الأولىٰ من خلافته القصيرة كان يغدو كل يوم من السنح حيث قطن وزوجه حبيبة في بيت متواضع إلىٰ عاصمة المدينة ولم يكن يتقاضىٰ راتبًا؛ لأنه لم يكن للدولة إذ ذاك دخل يستحق الذكر، وكان يدير جميع شؤون الدولة في صحن المسجد النبوي... أما عمر > الخليفة الثاني فكان رجلًا جلدًا نشيطًا، ومثالًا للبساطة والاقتصاد، ومن صفاته أنه كان طوالًا أصلع شديد الأدمة، وقد أعال نفسه في إبان عهد خلافته بالمتاجرة، وكانت حياته - شأن حياة أي شيخ بدوي - بعيدة عن الأبهة وحب التظاهر، وتجعل الروايات الإسلامية اسمه أرفع اسم في أوائل الإسلام بعد النبي ﷺ، وقد مجد عمر الكتاب المسلمون لتقواه، وعدله، وتواضعه، ووقاره، وحسبوا هذه المناقب التي يجدر بكل خليفة أن يتحلىٰ بها مشخصة فيه، وقالوا: لم يكن لعمر إلا قميص خلق وإزار قطري مرقوع برقعة من أدم، وكان ينام علىٰ فراش من سعف النخل، ولم يهمه من شؤون هذه الحياة الدنيا سوىٰ الدفاع عن شعائر الدين، وإقامة العدل، وإعلاء شأن الإسلام وتأمين مصالح العرب.

ويتحدث سير وليم ميور Sir William Muir والذي عرف بالتحامل علىٰ الإسلام، وذلك في كتابه «حياة محمد ﷺ»: لقد كان عمر > أعظم رجل بعد رسول الله ﷺ، في المملكة الإسلامية، فكان من ثمار ذكائه واستقامته أن خضعت في خلال هذه السنوات العشر كل مناطق الشام ومصر وفارس للنفوذ الإسلامي، ولا تزال منذ ذلك الوقت ضمن الأقطار الإسلامية... ولكنه بالرغم من أنه كان حاكمًا عظيمًا لمملكة عظيمة لم تعوزه الفراسة والمتانة ولا الرؤية العادلة في الأمور والقضايا، إنه لم يرض لنفسه بأن يلقب بألقاب عظيمة سوىٰ ذلك اللقب العادي والساذج الذي يدعىٰ به وهو «رئيس العرب».. كان الناس يتوافدون إليه من ولايات بعيدة، ويسألون عن عمر الحاكم والخليفة في فناء المسجد النبوي وأنحائه، ثم يتساءلون عما كان أمير المؤمنين موجودًا في المسجد، وهو جالس أمامهم في ملابسه العادية.

أبو بكر الصديق >:

ويقول عن الخليفة أبي بكر >: لقد كانت بساطة مجلس أبي بكر مثلها في حياة محمد ﷺ، لم يكن عنده خدم ولا حرس، ولا مؤشرات تشير إلىٰ أبهة الحكم والخلافة، كان متعودًا علىٰ بذل مجهودات واسعة في شؤون الخلافة، وهناك أحداث كثيرة تدل علىٰ تعمقه في جزئيات الأمور ودقائقها، كان يتجول الليالي للعثور علىٰ المظلومين والفقراء، وكان أرفع من أي محاباة أو دافع انتقام في تعيين العمال وكبار الحكام في الخلافة، وكان يتجلىٰ التدبر العميق في تصرفاته وأحكامه.

عثمان بن عفان ذو النورين >:

منهم الخليفة الثالث عثمان بن عفان > يشهد التاريخ أنه كان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته يأكل الخل والزيت، وكان يصوم الدهر ويباشر أعماله بنفسه برغم وجود الخدم، كان يقيل في المسجد وهو يومئذ خليفة، ويقوم وأثر الحصىٰ بجنبه، والناس يقولون: هذا أمير المؤمنين هذا أمير المؤمنين( )، ولا أدل علىٰ إيثاره وإنكاره للذات من أنه لم يرض بقتال أعدائه الذين جاءوا إليه من مصر وهاجموه رغم تحقق وسائل الدفاع عنه عنده؛ كراهية أن يقاتل المسلم ويسفك دمه، واستشهد وهو يتلو القرآن، كما كره أن يتنازل عن الخلافة التي اعتبرها أمانة المسلمين... يقول أمير المؤمنين علي: ومن أكبر خصائصه ورعه وتقواه... ويقول عنه سير وليم مور: كان رقيق القلب ولو أنه كان قد أدرك الخلافة أيام الأمن لنال إعجابًا كبيرًا من الناس... في عهده امتدت الفتوحات الإسلامية من السند إلىٰ بلاد الأندلس... فتحت تونس والجزائر والمغرب، ووصلت جيوش المسلمين تفليس، وساحل البحر الأسود، وخراسان، وطبرستان، وجرجان، وسجستان، وهرات، وكابل، ونيسابور، وكرمان، ووصلت إلىٰ سواحل الهند وبحر قزوين... وكانت أجل مآثره أنه جمع العالم الإسلامي كله علىٰ مصحف واحد وقراءة واحدة... وعندما اشتكىٰ بعض أهل الكوفة إلىٰ علي > من أن الخليفة الذي سبقه جمع الناس علىٰ قراءة واحدة للقرآن، فرد عليهم علي > مغضبًا، وقال لهم: اسكتوا، فإن عثمان فعل ذلك برأي من كبار الصحابة، ولو كنت أنا في موضعه آنذاك لفعلت كما فعل عثمان >.

الفصل الرابع

صورة مشوهة عن الصحابة... تقدمها الشيعة الإمامية

«لو سألت مسيحيًّا وقلت له: من خير أهل ملتكم؟ لقال علىٰ الفور: إنهم أصحاب عيسىٰ عليه السلام وحواريه... ولو سألت يهوديًّا من خير أهل ملتكم لقال: إنهم أصحاب موسىٰ عليه السلام... ولكنك لو سألت شيعيًّا من شر أهل ملتكم لقال علىٰ الفور: إنهم أصحاب محمد!!»( ).

الشيعة الإمامية الاثنا عشرية التي تدعي الانتماء إلىٰ الإسلام ونبي الإسلام، تهدم كل ما قام به النبي ﷺ في مجال التربية والتوجيه، وتثبت له إخفاقًا لم يواجهه مصلح أو مرب خبير مخلص لم يكن مأمورًا من الله Q، ولا مؤيدًا من السماء، كما كان الشأن مع رسول الله ﷺ.

تقدم الشيعة الإمامية صورة مشوهة كالحة لجحود النعمة والجفاء والغدر، وإخفاء الحق، وعبادة النفس، وحب الجاه، تقوم باستخدام كل نوع من المؤامرات والتحريفات والافتراءات، وتسوقها لأغراضها الخسيسة، إنها الصورة الكريهة التي لا تبعث في النفوس اليأس عن مصير الجهود التربوية فحسب، بل إنها تبث اليأس عن صلاحية الإنسانية جمعاء ومصيرها ومستقبلها!!

ترىٰ الشيعة الإمامية أن المجهودات الجبارة التي بذلها النبي ﷺ ثلاثة وعشرين عامًا لم تنتج إلا ثلاثة أشخاص، أو أربعة - وفقًا لبعض الروايات - ظلوا متمسكين بالإسلام إلىٰ ما بعد وفاة النبي ﷺ، أما بقية الصحابة فقد ضلوا فور وفاته ﷺ - والعياذ بالله - عن الإسلام، وأثبتوا أن صحبة النبي ﷺ، وتربيته أخفقت في مهمته التي توخاها!!

جاء في كتاب «الكافي» للكليني - الذي تعتبره الشيعة الإمامية الاثنا عشرية أصح كتاب - في الفصل الأخير، تحت عنوان «الروضة» رواية عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر يقول: «كان الناس علىٰ ردة بعد النبي ﷺ إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، رحمة الله عليهم وبركاته»، وفي رواية أخرىٰ يعتبر عمار بن ياسر رابع هؤلاء الأربعة.

الخميني نائب الإمام الغائب علىٰ حد زعمهم ينعت الصحابة ش في كتابه «كشف الأسرار» بأوصاف تثبتهم عبادًا للدنيا، متجرئين علىٰ الله تعالىٰ، محرفين للقرآن الكريم، وفي عاقبة الأمر كافرين، يقول في كتابه: 

«أولئك الصحابة الذين لم يكن يهمهم إلا الدنيا والحصول علىٰ الحكم دون الإسلام والقرآن، والذين اتخذوا القرآن مجرد ذريعة لتحقيق نواياهم الفاسدة، قد سهل عليهم إخراج تلك الآيات من كتاب الله، التي كانت تدل علىٰ خلافة علي > بلا فصل، وعلىٰ إمامة الأئمة، وكذلك تحريف الكتاب السماوي، وإقصاء القرآن عن أنظار أهل الدنيا علىٰ وجه دائم، بحيث يبقىٰ هذا العار في حق القرآن والمسلمين إلىٰ يوم الدين، إن تهمة التحريف التي يوجهونها إلىٰ اليهود والنصارىٰ إنما هي ثابتة عليهم».

اللعن والسب والبذاءة... لماذا؟!:

اللعن والسب والبذاءة ليست من أخلاق ولا من شيم الأئمة من آل البيت ش، حتىٰ مع المشركين، فهل يمكن أن يكون منهجهم مع السابقين بالإسلام، ومع من نصروا الدين وأعز الله بهم الإسلام؟!

لقد نهىٰ رسول الله ﷺ أن يسب قتلىٰ بدر من المشركين، وقال: «لا تسبوا هؤلاء؛ فإنه لا يخلص إليه شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء، ألا إن البذاء لؤم».

ويقول ﷺ: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». فكيف يليق بمن يزعمون بأنهم من أتباع محمد ﷺ وآل بيته أن يتخذوا من السب واللعن والشتم وقبيح القول دينًا ووسيلة يتقرب بها إلىٰ الله تعالىٰ؟!!

سبهم عائشة <.. ووصفها بأنها عدوة الله ورسوله!!:

مرويات كثر رووها في كتبهم - في «الكافي» - في سبابها <، فعن أبي جعفر أنه لما حضر الحسنَ الوفاة قال للحسين: 

«واعلم أنه سيصيبني من عائشة ما يعلم الله والناس صنيعها وعداوتها لنا أهل البيت، فلما قُبِض الحسن انطلقوا به إلىٰ مصلىٰ رسول الله وأقبلوا بالحسن ليدفنوه مع النبي ﷺ، فقالت عائشة: نحوا ابنكم عن بيتي؛ فإنه لا يدفن في بيتي ويهتك علىٰ رسول الله حجابه. فقال لها الحسين: قديمًا هتكتِ أنتِ وأبوكِ حجاب رسول الله ﷺ وأدخلت علىٰ بيته من لا يحب قربه، وإن الله سائلك عن ذلك يا عائشة».

وزعم الكليني أن الحسين قال لعائشة: «لقد أدخل أبوك وفاروقه علىٰ رسول الله ص بقربهما منه الأذىٰ، وما رعيا من حقه… ولو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه رسول الله صلوات الله عليهما جائزًا فيما بيننا وبين الله لعلمتِ أنه سيدفن وإن رغم معطسك…».

ثم تكلم محمد بن الحنفية وقال: يا عائشة: يوم علىٰ بغل ويوم علىٰ جمل؟ فقالت عائشة للحسين عليه السلام: نحّوا ابنكم واذهبوا به، فإنكم قوم خصمون.

وعن يعقوب السراج، قال: دخلت علىٰ أبي عبد الله عليه السلام وهو واقف علىٰ رأس أبي الحسن موسىٰ وهو في المهد فجعل يسارّه طويلًا، فجلست حتىٰ فرغ، فقمت إليه، فقال لي: ادن من مولاك فسلم. فدنوت فسلّمت عليه، فرد علي السلام بلسان فصيح، ثم قال لي: اذهب فغيّر اسم ابنتك التي سميتها بالأمس؛ فإنه اسم يبغضه الله. قال: وكانت ولدت لي ابنة سميتها بالحميراء. فقال أبو عبد الله عليه السلام: انته إلىٰ أمره ترشد. فغيرتُ اسمها... !!

لقد اجترءوا علىٰ الدوحة الرفيعة أم المؤمنين الصدِّيقة بنت الصدِّيق ب، تلك الطيبة الطاهرة العفيفة التي نزلت براءتها من فوق سبع سموات... تقول أم المؤمنين عن نفسها <: «لقد أُعطيت تسعًا ما أعطيتهن امرأة: لقد نزل جبريل - عليه السلام - بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكرًا وما تزوج بكرًا غيري، ولقد توفي ﷺ وإن رأسه لفي حِجري، ولقد قُبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه فما يُبِينُني عن جسده، وإني لابنة خليفته وصدِّيقه، ولقد نزل عُذْري من السماء، ولقد خُلقت طيبة وعند طيب، ولقد وُعدت مغفرة ورزقًا كريمًا - تعني: قوله تعالىٰ: ﴿ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ﴾ [النور: ٦٢]( ) -.

ألم يردع هؤلاء قول النبي ﷺ حين سأله عمرو بن العاص >: «أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها». البخاري ومسلم... ألم يسمع هؤلاء قول النبي ﷺ: «فضل عائشة علىٰ النساء كفضل الثريد علىٰ سائر الطعام»؟ البخاري ومسلم... < أعلم النساء علىٰ الإطلاق؛ لم يسمع بامرأة في جميع الأمم جمعت من العلم النافع الديني ونشرته في الأمة مثلها؛ فإنها كانت في غاية الذكاء والعقل والحرص علىٰ اكتساب العلم منه ﷺ وتبليغه لأمته، وقد روت عن النبي ﷺ أكثر من ألفي حديث، عن مسروق قال: يحلف بالله مسروق لقد رأينا الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ يسألون عائشة عن الفرائض، وقال الزهري: لو جمع علم عائشة وجمع علم جميع أزواج النبي ﷺ وجميع النساء كان علم عائشة أكبر.

قال ابن الأثير في «أسد الغابة»: ولو لم يكن لعائشة < من الفضائل إلا قصة الإفك لكفىٰ بها فضلًا وعلو مجد؛ فإنها نزل فيها من القرآن ما يتلىٰ إلىٰ يوم القيامة. ا هـ. ومن شك في براءتها < فهو كافر لتكذيبه القرآن.

قال النبهاني بعد أن ذكر شيئًا من فضائلها ونسبتها إلىٰ النبي ﷺ: إذا علمت ذلك أيها الشيعي وكان عندك ذرة من الإنصاف والإيمان الصحيح وحب النبي ﷺ الذي يقتضي وجوب محبتك له ولكل من يحبه، وكراهتك لكل من يكرهه؛ تعلم يقينًا أن توقير السيدة عائشة <، والثناء عليها من أوجب الموجبات الدينية التي ترضي الله تعالىٰ ورسوله ﷺ، وهو الموافق للحقيقة، ونفس الأمر والعكس بالعكس، فدع ما نشأت عليه في شأنها <؛ فإنه مخالف كل المخالفة لحكم العقل والنقل والذوق السليم، واتبع في محبتها والثناء عليها رب العالمين وسيد المرسلين وجميع المؤمنين؛ ترضي ربك ونبيك وأهل البيت الكرام ولا سيما ساداتهم العظام، فوالله الذي لا إله إلا هو إنهم لا يرضون إلا بذلك، ويعلمون أن كل من أبغض السيدة عائشة < أو ذمها فهو هالك، وكيف يرضيهم كراهة حرم جدهم الأعظم ﷺ وأحب نسائه إليه وأعزهم عليه، وهي عرضه ﷺ الذي يعود إليه كل ما وجه إليها من مدح أو ذم، وهل يرضىٰ بذلك أحد من أمته ﷺ المؤمنين فضلًا عن أهل بيته الطاهرين رضي الله عنهم أجمعين( ).

موقف علي من عائشة:

بعد حرب الجمل كرَّم علي > السيدة أم المؤمنين وأكرمها إكرامًا يليق بزوجة الرسول صلىٰ الله تعالىٰ عليه وآله وسلم، حينما أعادها من ساحة الحرب مصحوبة بعدد من النساء القرشيات، أما الشيعة فلم تغفر للسيدة عائشة خروجها علىٰ الإمام في تلك الحرب، وهذا هو سبب موقفها المعارض لأم المؤمنين.

علي > بَرَّأَ ساحة السيدة عائشة من الحرب التي قادتها، وهو الخليفة الذي كان يقضي بين الناس بالحق ولا يحيد عنه قيد أنملة، السيدة عائشة بريئة من كل ما يتعلق بحرب الجمل وذيولها، ولذلك أمر علي بإكرامها وإرجاعها إلىٰ المدينة بالصورة التي أجمعت عليها كتب التاريخ

ليثبت براءتها من تلك الحرب في نظر القاضي العادل الذي هو الخليفة، فلا يحق لأحد أن يطعن أو يجرح السيدة عائشة متحديًا عمله ورأيه الذي يؤكده بصريح العبارة عندما يتحدث عن

حرب الجمل.

الجدير بالذكر أن بعض علماء الشيعة وقف موقفًا لائقًا بأم المؤمنين، ونهىٰ عن تجريحها، فقد قال السيد الطباطبائي - وهو من علماء القرن الثاني عشر - في أرجوزته الفقهية مخاطبًا السيدة «عائشة»: 

أيا حميراء سبُّك محرم

لأجل عين ألف عين يكرم

صنعوا لنا التاريخ... فهل نكافئهم بالعقوق؟!:

تهم ألصقوها والرد عليها:

يقولون: «الخلفاء الثلاثة اصطلحوا علىٰ تعطيل أحكام الله وإضاعة حدوده، وإباحة

حرامه وحظر حلاله، وأطفئوا بطغيانهم مصابيح دين الله وأنواره وهدموا معالمه، وأصبحت أمة محمد ﷺ لحدود الله تاركة، ولغير سبل الله سالكة، ولحقوقه مضيعة، ولحرمة دينه هاجرة،

ولغير أولياء الله متبعة، كأنهم صم لا يسمعون، غلبت عليهم الأهواء، وملكتهم الضلالة وأهلكتهم الفتن، حتىٰ ملئت الأرض جورًا، وظلمًا وطغيانًا!! وابتدع كل واحد من الثلاثة

بدعًا في شريعة الإسلام، كل علىٰ قدر طول عمره وتراخي أيامه، وعلىٰ قدر تمكنه في سلطانه مما يوجب علىٰ مبتدعه سوء العاقبة والبوار... واتبعهم علىٰ ذلك السواد الأعظم مع إقرارهم بخطرها وإيجاب الكفر علىٰ فاعلها، ثم هم مع هذا كله ينقلون، عن الثلاثة جميعهم فلا يمنعهم ذلك من موالاتهم ومعاداة من يعاديهم، وهذا إما جهلًا بما علىٰ المبتدعين، وذلك أخس لأحوالهم أو عصبية لهم علىٰ معرفة منهم بفسادهم، وذلك أثبت لكفرهم وإلحادهم، وأدعىٰ إلىٰ

كشف ضلالهم»!!

قالوا في الصديق >: «... تآمر علىٰ الناس، من غير أن أباح الله له ذلك، ومطالبته جميع الناس بالبيعة له، والانقياد إلىٰ طاعته طوعًا أو كرهًا، فكان ذلك أول ظلم في الإسلام، ولما انقاد الناس له طالبهم بالخروج عما كان يأخذه رسول الله ﷺ من الصدقات، والأخماس، ثم تسمىٰ بخليفة رسول الله، وقد علم الخاص والعام أن النبي ﷺ لم يستخلفه، وبذا صار ظالمًا وكاذبًا، وحق عليه قول النبي ﷺ: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار»( ).

الحق أنه لم يطلب أبو بكر الخلافة، ولم ينصب نفسه أميرًا، ولم يقم بانقلاب علىٰ خلافة كانت قائمة، وإنما بويع فلم يرفض، وليس في آي كتاب الله، ولا في سنة نبيه ﷺ ما يمنع أبا بكر أو غيره من تولي الخلافة!! ومطالبته بالصدقات والأخماس إنما هي من مسؤوليات الخليفة، وعن تسميته بخليفة رسول الله فقد سماه بذلك صحابة رسول الله الذين أخبر الله عنهم بأنهم صادقون!!

قال الكوفي: «... ولما انقاد الناس إليه طوعًا وكرهًا امتنعت عليه قبيلة من العرب في دفع الزكاة، وقالوا: إن الرسول لم يأمر بالدفع إليك ولا أمرك بمطالبتنا؛ فسماهم أهل الردة، وبعث إليهم خالد بن الوليد في جيش فقتل مقاتلتهم وسبىٰ ذراريهم واستباح أموالهم، وقتل خالد مالك بن نويرة، وأخذ زوجته فوطئها من ليلته من غير استبراء... ولما اعترض عمر علىٰ فعل خالد، وطلب من أبي بكر إقامة الحد عليه، رفض أبو بكر، وقال: لا أغمد سيفًا سله الله علىٰ المشركين، وهذا الفعل الفظيع لا يخلو أن يكون بأمر الله ورسوله أو برأي استحسنه، فإن قالوا: بأمر من الله ورسوله طولبوا بالدليل، وإن قالوا: برأي استحسنه. قيل لهم: هل هو عندكم ظالم أو محق؟ فإن قالوا: محق. أباحوا دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم بغير حق، وقائل هذا خارج من دين الله، وإن قالوا: أنه ظالم. كفاهم ذلك خزيًا وكفرًا وجهلًا».

الثابت أن قبيلة مالك بن نويرة قد أظهرت السرور بموت النبي ﷺ، وثبت لأبي بكر أنهم ضربوا الدفوف وشتموا أهل الإسلام، وأن مالكًا قال لخالد: هذا رجلكم أو صاحبكم - يعني النبي ﷺ -، وأنه أعاد صدقات قومه عليهم، وقال لهم: لقد نجوتم من هذا الرجل، وأن قومه وافقوه علىٰ منع الزكاة.

قال: «... ظلم فاطمة بنت رسول الله ﷺ، فقبض دونها تركات أبيها مما خلفه من الضياع والبساتين، وجعل ذلك بزعمه صدقة للمسلمين، وزعم أن النبي ﷺ قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة». ورد دعوىٰ فاطمة أن النبي ﷺ قد وهبها فدكًا، فطالبها بالبينة فجاءت بأم أيمن فشهدت لها، فرد شهادتها كما رد من قبلها شهادة علي قائلًا: هذا بعلك إنما يجر إلىٰ نفسه. وهم قد رووا جميعًا أن النبي ﷺ قال: «علي مع الحق، والحق مع علي يدور، ولن يفترقا حتىٰ يردا علي الحوض» هذا مع ما أخبر الله به من تطهيره لعلي وفاطمة من الرجس، فمن توهم بعد هذا أن عليًّا وفاطمة يدخلان في شيء من الكذب والباطل علىٰ غفلة أو تعمد فقد كذب علىٰ الله، ومن كذب علىٰ الله فقد كفر.

فغضبت فاطمة وحلفت أن لا تكلمه وصاحبه حتىٰ تلقىٰ أباها، فلما حضرتها الوفاة أوصت عليًّا بأن يدفنها ليلًا لئلا يصلي عليها أحد منهم... وهم قد رووا جميعًا أن النبي ﷺ قال: «فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني». فقال عمر: اطلبوا قبرها لننبشها ونصلي عليها، فطلبوه فلم يجدوه، وهم قد رووا أن النبي ﷺ قال لها: «يا فاطمة، إن الله يغضب لغضبك ويرضىٰ لرضاك». وقد ثبت بذلك أنهم أغضبوا الله بإغضابهم لفاطمة، فاستحقوا بذلك اللعن بنص قول الله تعالىٰ: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾ [الأحزاب: 57].

لم يأخذ أبو بكر منها شيئًا لنفسه، وإنما كان منفذًا لأوامر رسول الله ﷺ، وإنما كان مراعيًا في ذلك نصوص الشريعة الإسلامية التي لا تثبت الحقوق في ظلها إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، والتي ترفض شهادة الزوج لزوجته لما فيها من مظنة الاتهام... وفاطمة وعلي أولىٰ الناس بالخضوع والانقياد لتعاليم الإسلام... استشهد بأحاديث غير صحيحة فيها تنقص للذات الإلهية!! ذلك في قوله: «يا فاطمة، إن الله يغضب لغضبك ويرضىٰ لرضاك». وفاطمة ليست معصومة، وأنه يجوز أن يقع منها ما يقع علىٰ غيرها من الذنوب، لقوله ﷺ: «والله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». وليس في الإسلام ذوات مصونة ولا حصانات ولا قداسات مزيفة ولا عصمة؛ لأن الناس في ذات الله سواء، الله ربهم وهم عباده، يتفاضلون عنده بالتقوىٰ، وليس بين أحد وبين الله نسب ولا قرابة.

قالوا: «... ولما استتب الأمر لأبي بكر قطع لنفسه أجرة من بيت مال الصدقة، وهذا من أظهر الحرام، وحيث أن أبا بكر قد أخذ من الصدقات فقد أكل حرامًا وأصبح عليه وزر كل من استن بعده بسنته إلىٰ يوم القيامة... ولأن الإمام المنتصب بأجرة يجب أن تكون أجرته علىٰ جميع المسلمين لا علىٰ قسم منهم».

الذي قطع الراتب لأبي بكر هم المسلمون... رآه عمر بن الخطاب داخلًا السوق، وعلىٰ كتفه أثواب لبيعها، فقال له: إلىٰ أين؟ قال: إلىٰ السوق لأبيع وأشتري غيره، فقال له: وشؤون المسلمين إلىٰ من تتركها. فقال له: ومن أين لي ما أطعم به عيالي؟ فقال له: لنذهب إلىٰ المسجد، وهناك أعلن عمر بن الخطاب علىٰ المسلمين أن يقترحوا تخصيص راتب معين لأبي بكر؛

ليتفرغ لشؤون الخلافة، فاستقر رأيهم علىٰ تخصيص هذا المبلغ له، وكان علىٰ أحد من أقروه وقدروه، وقد أفتىٰ علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب أيام خلافته بأن يأخذ من بيت المال

ما يصلحه ويصلح عياله، ومع ذلك لم يأخذ إلا حظه من الفيء... ثلاثة دراهم يعطيها صحابة رسول الله لأبي بكر لقاء انشغاله بأمور الخلافة عن الكسب، تضرب بها الطبول وتقوم الدنيا

ولا تقعد!! والملايين التي يسرقونها باسم الدين لينفقونها علىٰ هدم الدين ومحاربة الفضائل

ونشر الفساد لا يجوز لأحد أن يتطرق إلىٰ ذكرها، أو السؤال عنها!!!

قال: «وأن أبا بكر لما أراد جمع ما تهيأ له من القرآن صرخ مناديه في المدينة من كان عنده

شيء من القرآن فليأتنا به، ثم قال: لا نقبل من أحد شيئًا إلا بشاهدي عدل، وأراد بذلك

أن لا يقبلوا ما ألفه أمير المؤمنين علي، إذ كان قد ألف القرآن الكريم بتمامه من ابتدائه إلىٰ خاتمته علىٰ نسق تنزيله، فلم يقبل ذلك منه خوفًا أن يظهر فيه ما يفسد عليهم أمرهم».

هذا اعتراف صريح بأن هنالك ما يشير إلىٰ أن عليًّا قد ألف قرآنًا يختلف عما في أيدي

الناس. 

قال: اختلفوا في رواية إمامة أبي بكر في الصلاة، وأنه لو كانت إمامة الصلاة توجب الولاية لكان عتاب بن أسيد أحق بالإمامة من أبي بكر؛ لأنه أم الناس في المسجد الحرام بمكة وهو أفضل من مسجد المدينة.

وساقوا روايات كثيرة تخالف ما ورد في «صحيحي» البخاري ومسلم.

الروايات الصحيحة مجمعة علىٰ أن النبي ﷺ قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس».

وأن عائشة < قد قالت: إن أبا بكر رجل رقيق القلب كثير البكاء إذا قرأ القرآن، فقال رسول الله ﷺ: «مروه فليصل بالناس»، فكررت عائشة قولها، فقال النبي ﷺ: «إنكن صواحب يوسف، مروه فليصل بالناس». كما أجمعت الروايات علىٰ أن أبا بكر قد تغيب في بعض الأيام في بعض شؤونه، فدعا بلال عمر أن يصلي بالناس، وكان عمر جهير الصوت، فلما كبر سمعه النبي ﷺ من بيت عائشة، فقال: «فأين أبو بكر؟ يأبىٰ الله ذلك والمسلمون»...

كما أجمعت الروايات الصحيحة علىٰ أن النبي ﷺ شعر في نفسه القدرة في يوم الأحد علىٰ الخروج إلىٰ المسجد لصلاة الصبح، فخرج عاصبًا رأسه، معتمدًا علىٰ علي بن أبي طالب والفضل بن العباس، وكان أبو بكر حينئذ يصلي بالناس، فلما رأىٰ المسلمون النبي وهم في صلاتهم قد خرج إليهم كادوا يفتنون فرحًا به، وتفرجوا، فأشار إليهم أن يثبتوا في صلاتهم، ولما شعر أبو بكر بدنو النبي ﷺ منه نكص عن مصلاه يريد أن يتخلىٰ عن مكانه للنبي ﷺ، فدفعه النبي ﷺ في ظهره قائلًا: «صل بالناس»، وجلس إلىٰ جنب أبي بكر، فصلىٰ قاعدًا عن يمينه... ولقد فرح المسلمون فرحًا عظيمًا.

لم ينح النبي ﷺ أبا بكر عن الإمامة، وإنما صلىٰ إلىٰ جانبه مؤتمًا به وانعقدت الصلاة بإمامة أبي بكر، وإذا بطلت صلاة أبي بكر بطلت صلاة من ائتم به، وحسب أبي بكر فخارًا وشرفًا أن يأتم به رسول الله ﷺ، وقولهم: إن إمامة الصلاة لا توجب ولاية المسلمين، فكذلك لو كانت القرابة من النبي ﷺ تعطي أحدًا الحق في ولاية المسلمين لكان العباس بن عبد المطلب أولىٰ من علي بن أبي طالب بهذه الولاية!!

قالوا: ليس في قوله تعالىٰ: ﴿ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ﴾ [التوبة: 40] منقبة لأبي

بكر؛ لأنه لم يدفع ضيمًا ولا حارب عنه عدوًّا، والصحبة قد تكون للكافر مع المؤمن، وكان

هاربًا ببدنه مستعيذًا بالرسول، والمنة لله ولرسوله عليه أن قبله صاحبًا، وهو متهم في إيمانه

بدليل أن الله أنزل السكينة علىٰ النبي وحده، وكانت السكينة تشمل النبي والمؤمنين في

جميع المواطن.

لو لم تكن الصحبة لرسول الله منقبة فهل تكون المنقبة لمن لم يصاحبه، ولو لم يكن أبو بكر قد دفع ضيمًا وحارب عدوًّا فمن هو؟! يقول محب الدين الخطيب: «ولو أن أحدًا من الحواريين قد صنع مع المسيح عليه السلام ما صنع أبو بكر مع رسول الله ﷺ لعبدته النصارىٰ من دون الله، ولكن أبا بكر قد وقع في براثن من هم أشد ضلالًا من النصارىٰ وأعظم إيغالًا في مناصبة الله العداء من مردة الشياطين، ولكن ماذا تصنعون، وهل يسعكم غير هذا العمل تجاه من أرغم الله به أنف كل جبار وأخزىٰ به كل منافق، وحفظ به عقد المسلمين بعد أن كاد أن ينفرط».

وفي قوله تعالىٰ: ﴿ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ﴾ [آل عمران: 159] قالوا: إن الله أمر رسوله بالاستغفار لهم؛ لأنهم ارتكبوا ما لا يرضي الله ورسوله.

فماذا في قوله تبارك وتعالىٰ: ﴿ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ﴾ [محمد: 19]؟! وثبت أن النبي ﷺ قد استشار أصحابه عما يصنعه مع أسرىٰ بدر، فأشاروا كلهم قبول الفداء، وأشار عمر > بالقتل وأصر عليه؛ فأنزل الله تعالىٰ: ﴿ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ﴾ [الأنفال: 67] فقال النبي ﷺ: «لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه إلا ابن الخطاب»... ولم يستثن نفسه!!

وقالوا: «ليس يختلف أهل الأثر في أن أبا بكر وعمر قد انهزما في مواطن كثيرة مثل هزيمتهما يوم خيبر، حين دفع الرسول بالراية لأبي بكر وأمره بالمسير إلىٰ حصن خيبر فرجع منهزمًا ثم دفعها إلىٰ عمر فرجع منهزمًا، فغضب الرسول ﷺ وقال: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتىٰ يفتح الله علىٰ يديه».

كان علي بن أبي طالب مكلفًا بمهاجمة أحد الحصون، وقد فتحه الله علىٰ يديه كما فتح غيره من القواد بقية الحصون في الأيام التالية وهي كثيرة منها: الوطيح، والسلالم، والشق، ونطاة، والكتيبة، والحصن، والصعب، ومرحب، وناعم وهو الحصن الذي فتحته سرية علي.. وإذا كان هذا فيمن فتح حصنًا، فماذا فيمن أزال الله به دولة الأكاسرة وقصم به ظهور القياصرة؟!

في عمر بن الخطاب:

روىٰ الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس > قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتىٰ قمت في صدره أعدد له أيامه ورسول الله ﷺ يبتسم، حتىٰ إذا أكثرت قال: «يا عمر، أخر عني؛ فإني قد خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ﴾ [التوبة: 10]، فلو أني أعلم أني إن زدت علىٰ السبعين غفر له لزدت».

قال: ثم صلىٰ عليه رسول الله ﷺ، ومشىٰ معه، ثم قام علىٰ قبره حتىٰ فرغ منه. قال: فوالله ما كان إلا يسيرًا حتىٰ أنزل الله عليه قوله تعالىٰ: ﴿ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ﴾ [التوبة: 84]، فما صلىٰ رسول الله ﷺ بعدها علىٰ منافق حتىٰ قبضه الله.

ليست هذه الحادثة الوحيدة التي يتنزل فيها القرآن موافقًا لرأي عمر واجتهاده.

موافقات عمر > للقرآن والسُّنة كثيرة، منها ما نزل القرآن موافقًا له، ومنها ما رضي به رسول الله، وأمر به... في نساء النبي ﷺ، واحتجاب النساء، وفي أسارىٰ بدر، وفي تحريم الخمر، وغير ذلك كثير... حسبه شرفًا أنه أول من أعز الله به الإسلام، وأول من قصم به ظهور الجبابرة، وأول من هدم به بيوت النيران، كان > شوكة في عين كل منافق، وغصة في حلق كل طاغوت... ولكن: 

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد

وينكر الفم طعم الماء من سقم

عمر بن الخطاب > أزال أعظم امبراطورية، وحطم أثقل عرش علىٰ وجه الأرض في معركتين اثنتين في القادسية ونهاوند، وحرر أممًا بأسرها من جبروت كسرىٰ وطغيان قيصر، وهو أعدل وأفضل من أقلته الغبراء وأظلته الخضراء بعد محمد ﷺ وأبي بكر... يطعنون في المتخلفين عن جيش أسامة، ويزعمون أن رسول الله ﷺ قال: «جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه».

الحديث فيه زيادة لم يقلها النبي ﷺ، وهي لعن من تخلف عن جيش أسامة... !! يقولون: إن عليًّا > لم يتخلف عن ذلك الجيش، وهذا القول هو إقرار بصحة خلافة أبي بكر الصديق؛ لأن خروج علي مع جيش يتلقىٰ قائده أوامره من أبي بكر يعني ضمنًا قبول علي بخلافة أبي بكر، ويعني بالضرورة صحة خلافة أبي بكر!!

يقولون: إن أبا بكر وعمر حكموا بالرأي والهوىٰ، وأفتوا بغير ما أنزل الله، ولم يستندوا في حكمهم ولا في افتائهم إلىٰ كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.

«أخرج أبو القاسم البغوي، عن ميمون بن مهران، قال: كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر إلىٰ كتاب الله، فإن وجد ما يقضي به قضىٰ به، وإن لم يجد قضىٰ بما علم من السُّنة، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، فإذا ذكر له شيء من قضاء النبي ﷺ قضىٰ به، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا، فإن أعياه أن يجد سنة محمد رسول الله ﷺ جمع رؤوس الناس وخيارهم واستشارهم، فإن أجمع أمرهم علىٰ شيء قضىٰ به، وكان عمر يفعل مثل ذلك، فإن أعياه أن يجد في القرآن والسُّنة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء، فإن كان لأبي بكر قضاء فيه قضىٰ به وإلا دعا رؤوس المسلمين، فإذا اجتمعوا علىٰ أمر قضىٰ به».

زعموا أن النبي ﷺ وأم المؤمنين عائشة كانا يحبان الغناء ومزامير الشيطان علىٰ ما أخرجه البخاري في «صحيحه».

العشرة المبشرون بالجنة:

- يقولون عن العشرة المبشرين بالجنة، الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة: «الجنة لمن أطاع الله، وهؤلاء خالفوا رسول الله ﷺ، وابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وتسعة من هؤلاء العشرة قد أحدثوا ما يخالف شريعة الله، ومنهم: طلحة والزبير اللذان ارتكبا في هتك حريم رسول الله ما لا يرتكبه كافر ولا مشرك، حينما أخرجا عائشة لقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مع أنهم قد سمعوا من رسول الله ﷺ قوله: أنهم سيقاتلون عليًّا وهم ظالمون له... وقد كان الزبير في أول خروجه محاربًا وفي آخره خاذلًا، وبذا حقت عليه كلمة الرسول بالخذلان، ومن خذله الله فالنار أولىٰ به، وأما طلحة فحكمه حكم الزبير خرج محاربًا ومات خاذلًا، وحق عليه ما حق علىٰ الزبير، وحسبهما ظلمًا ما أدخلاه من الأذىٰ علىٰ رسول الله ﷺ بإخراج زوجته من بيتها إلىٰ ميدان القتال، والله يقول: ﴿ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ﴾ [الأحزاب: 57]، وكان الواجب عليهما أن يمنعاها من الخروج ويلزماها بيتها صيانة لحرمة رسول الله ﷺ، وقد شاركتهما فيما استحقاه من العقوبة».

خرج طلحة والزبير وعائشة ش متأولين ولم يخرجوا ظلمًا ولا تعديًا، وقولهم في علي > أن رسول الله ﷺ قال فيه: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» فغير صحيح بدليل خذلان أنصار علي >، حيث لم تقم لهم قائمة بعد وقعتي الجمل وصفين، وتحقق النصر لمن حاربوهم، وانتهت تلك الحوادث بانتقال الخلافة إلىٰ بني أمية وزوالها عن العلويين.

وقالوا في عبد الرحمن بن عوف: «كان أحد الستة الذين جعل عمر الشورىٰ بينهم لاختيار الإمام - الستة هم: علي، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلىٰ ثلاثة منكم. فقال الزبير: قد جعلت أمري إلىٰ علي. فقال طلحة: قد جعلت أمري إلىٰ عثمان. وقال سعد: قد جعلت أمري إلىٰ عبد الرحمن بن عوف. - تنازل عبد الرحمن بن عوف لهم مع ابن عمه سعد بن أبي وقاص علىٰ أن يكون له حق الاختيار من بين الأربعة فقبلوا، فاختار من الأربعة عليًّا وعثمان، ثم قال لعلي: إن اخترتك تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، فقال: بل أسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله. فتركه، وقال لعثمان: إن اخترتك تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر، قال: نعم، فاختاره وبايع له... فإن كانت سيرة أبي بكر وعمر علىٰ كتاب الله وسنة رسوله، فما معنىٰ اشتراطه سيرة أبي بكر وعمر، وإن كانت مخالفة لهما فحسبه خزيًا..».

كان أبو بكر وعمر قد أبرما أمورًا في المسائل السياسية رأىٰ عبد الرحمن بن عوف في مخالفتها أو نقضها يحدث رد فعل سيئ لا تحمد عقباه، ولهذا السبب اشترط السير علىٰ سنة أبي بكر وعمر بعد اشتراطه العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وكان عبد الرحمن علىٰ حق في اشتراطه؛ لأن الناس في ذلك الوقت كانوا يعدون عصرهما امتدادًا لعصر النبوة، وكانوا يريدون السير علىٰ نفس نهج الشيخين والسير بسيرتيهما، ولم يبايع عبد الرحمن بن عوف عثمان إلا بمشورة كبار الصحابة واختيارهم، حيث لم يجد من بينهم من يقدم عليًّا علىٰ عثمان ش.

ومثل هذه التهم ألصقوها لبقية العشرة المبشرين بالجنة... فسعيد بن زيد الذي أسلم في أول عام من البعثة تسند إليه تهمة تنفير ناقة النبي ﷺ... وأبو عبيدة الذي كان تاسع رجل يدخل الإسلام، وقد حولوه من أمين الأمة إلىٰ أمين صحيفة تعاقد محرروها علىٰ مكافحة الإسلام!! أما عبد الله بن سبإ، وكعب الأحبار، وأبو لؤلؤة المجوسي، وغيرهم وغيرهم فهم شخصيات مقدسة وذوات مصونة لا ترتفع إليها التهم، ولا تتطاول إليها الشبهات!!( ).

الصحابة ش هم سلفنا الصالح، من شرفهم الله بصحبة نبيه وأكرمهم بمؤازرته، وحفظ بهم كتابه، وطهر بهم الأرض من رجس الوثنية، وقصم بهم ظهور الجبابرة، وأذل بهم الطواغيت، ورفع بهم لواء الإسلام عاليًا خفاقًا: في مشارق الأرض ومغاربها، فكانوا بحق سادة الدنيا وقادتها، وكانوا بحق خير من طلعت عليه الشمس بعد نبيها الكريم.

الصحابة رضوان الله عليهم، كلهم عدول، ولا فرق بينهم في الأخذ عن النبي ﷺ، والرواية عنه، وحسبهم تعديلًا قول الله تعالىٰ فيهم: ﴿ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ﴾  [البقرة: 143]، والشهادة لا تطلب إلا من العدول، ولا يطعن في تعديلهم إلا كافر بما أنزل علىٰ محمد ﷺ.

لو لم يرِد من الله تعالىٰ، ولا من رسوله شيء في تعديلهم، وتزكيتهم لوجب علينا ذلك؛ لما قاموا به من أعمال مجيدة في دعم الدين والذب عنه، ومناصرة النبي ﷺ، وبذلهم كل غال ورخيص في سبيل مرضاة الله وإعلاء كلمة الله... كيف لا وقد جاهدوا في سبيل الله حق جهاده حتىٰ نشروا العدل، وغيروا وجه التاريخ، وطهروا بلادًا واسعة من رجس الشرك، والوثنية، وأنقذوا أممًا وشعوبًا من الطغيان والاستبداد.

الثابت الذي لا يختلف اثنان في ثبوته هو ما تضمنته كتبهم من شتائم وسباب وتهم، وعدم اعتراضهم علىٰ إعادة نشرها، مما يدل علىٰ رضاهم بما فيها وموافقتهم عليها، أما ما يتظاهرون به في بعض الكتب المعاصرة من عدم رضاهم ما هو إلا من قبيل التقية.

الفصل الخامس

من مرويات وافتراءات الكليني... في «الكافي»!!

منزلة «الكافي»... (أوثق من «صحيح البخاري» على حد زعمهم!!):

مرويات أوردها الكليني مؤلف أعظم كتاب من بين كتب الشيعة ومصادر أصولهم وفروعهم، كما يعتقدون أنه أوثق من كتاب «صحيح البخاري»!!

قال الكليني نفسه يمدح كتابه في المقدمة: وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع فنون علم الدين، ما يكتفي به المتعلم، ويرجع إليه المسترشد، ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين( ).

وقال علي بن أكبر الغفاري محقق كتاب «الكافي»: اتفقت الإمامية علىٰ صحة ما في «الكافي».

قال عبد الحسين شرف الدين: وأحسن ما جمع منها الكتب الأربعة التي هي مرجع الإمامية في أصولهم وفروعهم من الصدر الأول إلىٰ هذا الزمان، وهي: «الكافي»، و«التهذيب»، و«الاستبصار»، و«من لا يحضره الفقيه»، وهي متواترة، ومضامينها مقطوع بصحتها، و«الكافي» أقدمها وأعظمها وأحسنها وأتقنها( ).

وقال الفيض الكاشاني بعد الثناء علىٰ الكتب الأربعة: و«الكافي» أشرفها وأعظمها وأوثقها وأتمها وأجمعها( ).

وقال الطبرسي: «الكافي» بين الكتب الأربعة، كالشمس بين النجوم، وإذا تأمل المنصف استغنىٰ عن ملاحظة حال آحاد رجال السند المودعة فيه، وتورثه الوثوق، ويحصل له الاطمئنان بصدورها وثبوتها وصحتها( ).

وقال الحر العاملي: الفائدة السادسة في الصحة المعتمدة في تأليف هذا الكتاب وتوافرها وصحة نسبتها وثبوت أحاديثها عن الأئمة عليهم السلام( ).

وقال آغا بزرك الطهراني: هو أجل الكتب الأربعة الأصول المعتمدة عليها، لم يكتب مثله في المنقول عن آل الرسول( ).

وقال العباس القمي: وهو أجل الكتب الإسلامية، وأعظم المصنفات الإمامية، والذي لم يعمل للإمامية مثله، قال محمد أمين الاسترابادي: سمعنا عن مشائخنا وعلمائنا أنه لم يصنف في الإسلام كتاب يوازيه أو يدانيه( ).

وقال الشيخ محمد صادق الصدر في كتابه «الشيعة» (صـ122): ويحكىٰ أن «الكافي» عُرض علىٰ المهدي فقال: «هذا كافٍ لشيعتنا».

أنىٰ تكون أسانيده صحيحة فضلًا عن أن تكون متواترة، ويظهر أنه لا يعرف الإسناد؛ لأن غالب رواياته يبدأ الكليني روايتها هكذا: «عن عدة من أصحابنا»، فهذا إسناد فيه مجاهيل. والأصل تسمية الرواة حتىٰ يتسنىٰ لنا فحص السند وتتبع حال الرواة.

من مروياته:

عن أبي عبد الله في قول الله Q: ﴿ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [آل عمران: 90] قال: نزلت في فلان وفلان وفلان - يقصدون أبا بكر، وعمر، وعثمان ش - آمنوا بالنبي ص في أول الأمر، حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي ص: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه». ثم بايعوا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام، ثم كفروا حيث مضىٰ رسول الله ص، فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرًا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم. فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء.

عن أبي عبد الله قال: ﴿ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ﴾ [محمد: 25] فلان وفلان وفلان - يقصدون أبا بكر وعمر وعثمان ش ارتدوا عن الإيمان في ترك ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. قلت: قوله تعالىٰ: ﴿ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ [محمد: 26] قال: نزلت والله فيهما وفي أتباعهما، وهو قول الله Q الذي نزل به جبرئيل عليه السلام علىٰ محمد ﷺ.

عن أبي عبد الله قال: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ﴾ [الأنعام: 82] قال: بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الولاية، ولم يخلطوها بولاية فلان وفلان: فهو الملبّس بالظلم.

﴿ ﮓ ﮔ ﮕ﴾ يعني بالإمام، ﴿ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ﴾ [الأعراف: 157] يعني: الذين اجتنبوا الجبت والطاغوت أن يعبدوها، والجبت والطاغوت: فلان وفلان وفلان.

قال المجلسي: «المراد بفلان وفلان أبو بكر وعمر»( ).

ولهذا يعتبرهما الشيعة شيطانين، فقد جاء في تفسيرهم لقوله تعالىٰ: ﴿ﭕ ﭖ ﭗ ﭘﭙ﴾ [النور: 21] قالوا: خطوات الشيطان والله ولاية فلان وفلان( ).

عن أبي عبد الله قال: ﴿ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ﴾ [آل عمران: 7] قال: أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة. ﴿ﮢ ﮣ ﮤ﴾ قال: فلان وفلان. ﴿ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﴾، فهم أصحابهم وأهل ولايتهم، ﴿ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ﴾ [آل عمران: 7] قال: أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام.

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعىٰ إمامة من الله ليست له، ومن جحد إمامًا من الله، ومن زعم أن لهما في الإسلام نصيبًا.

عن أبي عبد الله قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله… فلما أن تولوا كل إمام جائر ليس من الله Q خرجوا بولايتهم إياه من نور الإسلام إلىٰ ظلمات الكفر؛ فأوجب الله لهم النار مع الكفار.

عن أبي جعفر أنه قيل له: لماذا سمي أمير المؤمنين؟ قال: الله سماه، وهكذا أنزل في كتابه: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم علىٰ أنفسهم ألست بربكم وأن محمدًا رسولي وأن عليًّا أمير المؤمنين».

فليس أبو بكر وعمر وعثمان هم الكفار فحسب، بل يكفر كل من اعتقد أن لهم نصيبًا في الإسلام!!

عن أبي عبد الله: ﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ﴾ [الحج: 24] أي: هدوا إلىٰ أمير المؤمنين. وقوله: ﴿ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ﴾ يعني: أمير المؤمنين. ﴿ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊﮋ﴾ [الحجرات: 7] يعني: الأول والثاني والثالث.

وهكذا استحق عند القوم وصف الثلاثة بالكفر والفسوق والعصيان، وصار علي هو الطيب من القول!!

عن حمران بن أعين قال: «قلت لأبي جعفر: جعلت فداك، ما أقلنا لو اجتمعنا علىٰ شاة ما أفنيناها؟ فقال: ألا حدثتك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا - وأشار بيده - ثلاثة».

قال أبو موسىٰ: «لعن الله أبا حنيفة، كان يقول: قال علي، وقلتُ».

عن أحدهما - أي الإمامين – قال: «إن أهل مكة ليكفرون بالله جهرة، وإن أهل المدينة أخبث من أهل مكة، أخبث منهم سبعين ضعفًا».

عن أبي بكر الحضرمي قال: «قلت لأبي عبد الله: أهل الشام شر أم أهل الروم؟ فقال: إن الروم كفروا ولم يعادونا وإن أهل الشام كفروا وعادونا».

عن أبي عبد الله: «أهل الشام شر من أهل الروم، وأهل المدينة شر من أهل مكة؛ يكفرون بالله جهرة».

تلك بعض من مروياتهم، وهي كثر في سب أم المؤمنين عائشة، والخلفاء الثلاثة ش، وسب علماء المسلمين، وأهل مكة، والمدينة، والشام، وسائر المؤمنين!! أين بعد ذلك دعوىٰ التقارب والتباكي علىٰ وحدة المسلمين التي يدندن حولها محترفو البكاء المتلاعبون بعواطف العوام، وبعواطف من أصل دينه علىٰ العاطفة لا علىٰ العقيدة!!

افتراءات وأكاذيب على الله تعالى ورسوله ﷺ!!

سورة النورين!!:

يزعمون أن عثمان > أسقطها من القرآن!! لم يكتف الشيعة بتزوير الأحاديث في سب الصحابة، ونسبتها إلىٰ رسول الله ﷺ دعمًا لأباطيلهم وافتراء علىٰ الله، بل راحوا يصنعون

هذيانًا ويسمونه قرآنًا، ﴿ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ﴾ [التوبة: 30] من أمثال مسيلمة الكذاب، وما كانوا في الحقيقة إلا مخلصين للرسالة التي جاء بها مسيلمة متحمسين لها، ومن هذا الهذيان

سورة تقيأها أحد مسعوريهم وسماها سورة النورين، وادعىٰ أن عثمان > قد أسقطها من المصحف، جاء فيها: 

«يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين اللذين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي، ويحذرانكم عذاب اليوم العظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم، أن الذين يوفون بعهد الله لهم جنات النعيم والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدوا الرسول عليه يقذفون في الجحيم؛ لأنهم ظلموا أنفسهم وعصوا الرسول أولئك يسقون من حميم».

ومنها: «يا أيها الرسول بلغ إنذاري، فسوف يعلمون مثل الذين يوفون بعهدك، إني جزيتهم جنات النعيم، وأن عليًّا لمن المتقين، ولقد آتينا لك الحكم كالذين من قبلك، وجعلنا لك منهم وصيًّا لعلهم يرجعون، إن عليًّا قانتًا بالليل ساجدًا يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربه، قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون».

الكليني يخضع كتاب الله تعالى لهواه!!: 

يقول د. علي أحمد السالوس: وفي «باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية » (صـ412 - 436) يذكر الكليني اثنتين وتسعين رواية: «.. ويبدو من العنوان أن الكليني أراد هنا أن يخضع كتاب الله لهواه، فيحرف معناه ليؤيد عقيدته في الإمامة، أراد إذًا أن يجعل آيات الله تعالىٰ تتحدث عن أئمة الجعفرية، ولكن الكليني لم يكتف بهذا، فسلك مسلك شيخه علي بن إبراهيم القمي صاحب التفسير الضال المضل، ولذا ترىٰ الكليني هنا يحرف نصوص آيات قرآنية، ويطعن في الصحابة الكرام بصفة عامة، فيصمهم بالكفر، والردة، والنفاق، ويطعن في الخلفاء الراشدين الثلاثة بصفة خاصة باعتبار أنهم - كما يفتري - اغتصبوا الولاية من أمير المؤمنين، ويطعن في الشيخين بصفة أخص»( ).

ولاية الأئمة ولاية الله تعالى!!:

وفي «باب فيه نتف وجوامع من الرواية في الولاية» (436 - 438) يذكر تسع روايات يستفاد منها أن ولاية أئمة الجعفرية الإمامية الرافضة ولاية الله تعالىٰ، جاء بها كل الأنبياء، وكتبت في جميع صحفهم، ويؤمن بها ما لا يحصىٰ من الملائكة، منكرها كافر، وجاهلها ضال، ومن اتخذ معهم أئمة آخرين كان مشركًا، ومن جاء بهذه الولاية دخل الجنة وفي (صـ 438 - 439) يذكر ثلاث روايات هي: 

عن أبي عبد الله: إن رجلًا جاء إلىٰ أمير المؤمنين وقال له: إني أحبك وأتولاك، فكذبه. فكرر ثلاثًا فقال له: كذبت، ما أنت كما قلت، إن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام، ثم عرض علينا المحب لنا، فوالله ما رأيت روحك فيمن عرض، فأين كنت؟ فسكت الرجل عند ذلك ولم يراجعه». وفي رواية أخرىٰ قال أبو عبد الله: كان في النار.

عن أبي جعفر: إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الإيمان وحقيقة النفاق.

عن عبد الله بن سليمان، عن أبي عبد الله، قال: سألته عن الإمام: فوض الله إليه كما فوض إلىٰ سليمان بن داود؟ فقال: نعم. وذلك أن رجلًا سأله عن مسألة فأجابه فيها، وسأله آخر عن تلك المسألة فأجابه بغير جواب الأول، ثم سأله آخر فأجابه بغير جواب الأولين، ثم قال: «هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ (أعط) بِغَيْرِ حِسَابٍ» (39) سورة «ص»، ولكنه حرفها فجعل (أعط) بدلًا من ﴿ﭳ﴾. انظر (صـ 473). وهكذا هي في قراءة علي... إلخ.

وفي أبواب التاريخ يذكر الكليني روايات نرىٰ في الحاشية رفضًا لبعضها وطعنًا في سندها، ولكن أثر الإمامة يبدو كذلك فيما لم يطعن فيه، مثال هذا ما رواه أن أبا جعفر المنصور أمر بإحراق دار الإمام جعفر الصادق، فخرج يتخطىٰ النار، ويمشي فيها، ويقول: أنا ابن أعراق الثرىٰ، أنا ابن إبراهيم خليل الله.

لوح فاطمة... كتاب من الله العزيز الحكيم!!:

وفي «باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم يذكر الكليني عشرين رواية، نذكر هنا نص إحدىٰ الروايات: 

«عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتىٰ يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: أي الأوقات أحببته، فخلا به في بعض الأيام فقال له: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة عليها السلام بنت رسول الله ﷺ، وما أخبرتك به أمي أنه في ذلك اللوح المكتوب؟ فقال جابر: أشهد بالله أني دخلت علىٰ أمك فاطمة عليها السلام في حياة رسول الله ﷺ فهنيتها بولادة الحسن ورأيت في يديها لوحًا أخضر، ظننت أنه من زمرد، ورأيت فيه كتابًا أبيض، شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي وأمي يا بنت رسول الله ﷺ، ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله إلىٰ رسوله ﷺ، فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي، وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة عليها السلام فقرأته واستنسخته. فقال له أبي: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟ فقال: نعم. فمشىٰ معه أبي إلىٰ منزله فأخرج صحيفة من رق، فقال: يا جابر، انظر في كتابك لأقرأ أنا عليك. فنظر جابر في نسخته فقرأه فما خالف حرف حرفًا، فقال جابر: فأشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبًا.

نص الكتاب: 

بسم الله الرحمن الرحيم «هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين، عظم يا محمد أسمائي، واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي، إني أنا الله لا إله إلا أنا، قاصم الجبارين ومديل المظلومين وديان الدين، إني أنا، الله لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي، أو خاف غير عدلي؛ عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، فإياي فاعبد وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبيًّا فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيًّا، وإني فضلتك علىٰ الأنبياء، وفضلت وصيك علىٰ الأوصياء، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، فجعلت حسنًا معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه، وجعلت حسينًا خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من ا