آخر تحديث للموقع :

الخميس 11 رجب 1444هـ الموافق:2 فبراير 2023م 08:02:12 بتوقيت مكة

جديد الموقع

عبدالله بن زيد آ ل محمود ..
الكاتب : عبدالله بن زيد آ ل محمود ..

بطلان نكاح المتعة
فضيلة العلامة الشيخ عبد الله بن زيد ال محمود


خطبة الكتاب

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده .
أما بعد : فإن النكاح الشرعي هو من سنن المرسلين و من ضروريات بقاء الآدميين به ينتظم العفاف و الإحسان و حفظ الأنساب . و النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح : » لكني أصلي و أرقد ، و أصوم و أفطر ، و أتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني « . و لا يسمى النكاح زواجا إلا إذا كان عن طريق شرعي . فلقد شرع الله سبحانه هذا الزواج ليكون طريقا وحيدا لالتقاء الرجل بالمرأة ، فكل لقاء بينهما خارج نطاق الزواج الشرعي بأركانه و شروطه ، هو لقاء محرم يحاربه الإسلام أشد المحاربة .
هذا و إنه تظهر بين حين و آخر دعوات لإباحة أنواع من الأنكحة خارج نطاق الزواج الشرعي ، من ذلك دعوة بعضهم في هذه الأيام إلى حلية نكاح المتعة و ضرورة الأخذ به في الوقت الحاضر ، إن نكاح المتعة و إن كان مباحا زمن الجاهلية و بدء البعثة ، كإباحة الربا و شرب الخمر ، و الصلاة إلى غير الكعبة ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حرمه بعد ذلك تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة .
و في هذه الرسالة مناقشة هادئة مدعمة بالأدلة الشرعية و المنطقية لدعاوى القائلين بنكاح المتعة ، تبين ضعف دليلهم ، و زيغ قصدهم ، و قصور حجتهم بل كون هذا الدليل حجة عليهم
لا لهم ، إذ أن دليلهم الوحيد في ذلك هو حديث ابن عباس في هذا الموضوع ، و هم يأخذون شطرا من الحديث و يتركون الشطر الآخر ، كما أنهم يأخذون قولا و يدعون آخر ( أ فتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا و يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ) إذ أن ابن عباس نفسه يصرح بأن نكاح المتعة قد حرم كتحريم الميتة و الدم و لحم الخنزير على أن ابن عباس بشر يخطئ ويصيب ، و قد سبقه القرآن الكريم بتحريمه بقوله سبحانه : ( و الذين
هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ، فمن ابتغي وراء ذلك فأولئك هم العادون ) فاتفق الكتاب و السنة و إجماع المسلمين على تحريم نكاح المتعة .
نسأل الله سبحانه أن يسدد خطانا ، و أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
من عبد الله بن زيد آل محمود ــ رئيس المحاكم الشرعية و الشؤون الدينية إلى عيسى عبد الحميد الخاقاني .
و بعد ، فإنني وقفت على مقالتك المسجلة و الصادرة منك في يوم الجمعة الموافق 20/2/1979 . و سمعت ما تضمنت من الحث و التحريض للشباب و الشابات إلى التمتع من بعضهم مع بعض بنكاح المتعة الذي يستأجر فيها الرجل امرأة لوطئها باليوم أو الأسبوع بأجر مسمى معلوم ، و قد أثرت هذه الفتنة في الشباب لتفسد بها أخلاقهم و أنكحتهم الشرعية ، و تدنيهم إلى الإباحة المحرمة المطلقة التي يعدها العلماء زنا من عمل الجاهلية . و قد وردت النصوص الصحيحة الصريحة القطعية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في تحريمها إلى يوم القيامة في أحاديث مشهورة و منشورة في رسالتي هذه ، و أصحها ما ثبت في الصحيحين عن الإمام علي رضي الله عنه ، قال : » نهى رسول الله متعة النساء عام خيبر « و في الحديث الآخر عنه:
» حرم رسول الله متعة النساء و الحمر الأهلية عام خيبر « . و ثبت عنه أنه قال : » لا أوتى بمستمتعين إلا رجمتهما « . و ثبت مثله في صحيح مسلم عن سبره بن معبد . و عن سلمة بن الأكوع عن رسول الله : » قد انعقد إجماع الصحابة على تحريمها كتحريم الزنا « و كل المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها مجمعون على تحريمها تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة و لا عبرة بشذوذ الشيعة القائلين بإباحتها ، إذ القول الشاذ لا يعتد به . . ثم إن الشيعة أنفسهم لا يعملون بها في أنفسهم و لا مع محارمهم و بناتهم فلا نسمع برجل منهم لا من أغنيائهم و لا من فقرائهم أنه أجر ابنته أو موليته لرجل يطؤها أسبوعا
أو شهرا باسم نكاح المتعة ، فهم أبعد الناس عن هذه العملية الدنيئة ، و أشدهم بغضا لها لاعتقادهم بطلانها و عدم إباحتها .
و أنت تحاول أن تزيغ الناس عن معتقدهم الصحيح ، ثم تقودهم إلى الإباحة المحرمة بزخرف القول غرورا . و كأنك إنما قصدت هذه البلاد لقصد إثارة الفتن فيها التي هذه من جملتها و متى أردت بنا فتنة أبينا .
و بما أنني ــ رئيس المحاكم الشرعية و الشؤون الدينية ــ فإنني أمنعك منعا بابا من التعرض لإثارة مثل هذه الفتنة مثل هذه الفتنة التي تزيغ الناس عن معتقدهم الصحيح ، ثم تدنيهم من الإباحة المحرمة ، و لو كان عن جهل منك لعذرناك و لكنه عن قصد لإثارة الفتنة بين أهل السنة فعزلناك . فمن واجبك التزام الأدب الذي هو من صالحك و صالحنا و عدم التعرض لإثارة الفتن الضارة و لا الأقوال الشاذة ، إذ تحريم المتعة هو من الأمر الجلي الذي لا يخالطه غبار من الشك .
و ستجد في رسالتنا ما يشفي و يروي الغليل مما لا شك في صحته . و إني أرجو أن تكون لك بمثابة العظة النافعة ــ و قد أحسن من انتهى إلى ما سمع و السلام .
عبد الله بن زيد آل محمود
رئيس المحاكم الشرعية و الشؤون الدينية
بدولة قطر
بطلان نكاح المتعة بمقتضى الدلائل من الكتاب و السنة
الحمد لله ثم الصلاة و السلام على محمد و على آله و صحبه و من تمسك بسنته و اتبع هداه .
أما بعد : فإنني رأيت مقالة صادرة عن أحد علماء الشيعة يقول فيها بإباحة متعة النساء
و يحث فيها الشباب و الشابات على فتح أبواب التمتع من بعضهم مع بعض بالنكاح المؤقت باليوم و اليومين و الأسبوع و الشهر ليشبعوا بذلك شهوتهم بدون تكلف النكاح الشرعي الذي يشق عليهم فعله و فعل ما يترتب عليه من الصداق و النفقة .
و هذه دعوة سافرة إلى فتح أبواب الزنا و التوسع فيه مما يجعل الشباب ينصرفون عن النكاح الشرعي ، و كانت هذه القضية هي مما عفا عليه الأثر و لم يبق عند علماء المسلمين كافة أي اهتمام بها و لا ذكر لكونها معلومة البطلان بواضح الكتاب و السنة و الإجماع .
ثم إنه يستدل لتأييد رأيه بالنقول الباطلة غير الصحيحة و بالأحاديث المنسوخة فتراه يقول ذكر البخاري في كتابه كذا ذكر مسلم كذا و ذكر مسلم كذا و ذكر الرازي كذا بما لا حقيقة له
و لم أجده ذكر في مقالته حديثا واحدا بلفظه أو معناه ، و لكنه عندما يسوق حديثا كحديث الإمام علي رضي الله عنه أن رسول الله رخص في المتعة في أول الإسلام ، ثم نهى عنها عام خيبر
وقبل عام الفتح نهيا عاما دائما إلى يوم القيامة ، فتراه يحتج بالمنسوخ من قوله رخص النبي صلى الله عليه وسلم في المتعة و يترك الناسخ تغريرا و تدليسا لأسماع الناس ، مع العلم أنني لم أره ذكر حديثا واحدا صحيحا بلفظه يؤيد صحة ما ذهب إليه ، إلا أن يكون منسوخا قد بطل العمل به .
إن أول كلمة بدأ بها مقالته هي قوله :
» إن المتعة كانت مباحة و إن أول من قال بتحريمها هو الخليفة الثاني « يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو يحاول الصاقها بعمر ليستبيح بذلك حرمة تحريمها و ينزه الرسول عنها ، و هذا ليس محمولا على عدم معرفته أحاديث النسخ لها و إجماع الصحابة على تحريمها ، و
إنما فعله تلبيسا على أسماع الناس ، كما قال سبحانه و تعالى :
( قل يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل و تكتمون الحق و أنتم تعلمون ) .
و لبس الحق بالباطل هو تغطيته به بحيث يظهر الباطل في صورة الحق فيظهر للناس باطله في صورة الحق و هو في الحقيقة باطل .
و من لوازم هذا التدليس كتمان الحق و عدم بيانه ، لأنه لو بينه للناس لعرفوا حقيقة بطلان قوله كله .
و إباحته في بدء الإسلام إنما نشأت عن بقاء الناس على حالتهم في الجاهلية و كان هذا نوعا من أنكحتهم ، و يسمى في القرآن » بالمتخذين أخدانا « . كما في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة ابن الزبير أن » عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء منها نكاح الناس اليوم ، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها ، و نكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه و يعتزلها زوجها
و لا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب ، و إنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد ، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع .
و نكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها ، إذا حملت
و وضعت و مر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم عرفتم الذي كان من أمركم ، و قد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمى من أجبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل . و نكاح رابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع من جاءها ، و هن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما ، فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن و وضعت حملها جمعوا لها و دعوا لهن القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون ، فالتاط به و دعي ابنه لا يمتنع من
ذلك . فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم « .

و به يعلم أن نكاح المتعة هو من قبيل » متخذات أخدان « بحيث يختص بها واحد بدون مشارك في زمن محدود كما هو الواقع من فعل كثير من النساء الزواني اللاتي يراعين التستر
و بذلك أنزل الله تعالى قوله :
( فأنكحوهن بإذن أهلهن و آتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات
ولا متخذات أخدان ) . فسمى الله الصداق أجرة و أجرا كما قال سبحانه : ( و المحصنات من المؤمنات و المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن ) . في قصة موسى قول شعيب : » إني أريد أن أنكحك إحدى ابني هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن اتممت عشرا فمن عندك « ، فتزوجها موسى برعاية غنم شعيب ثماني سنين ثم كملها عشرا . فليس في الشريعة الإسلامية نكاح مباح إلا نكاح الزوجة أو الأمة فمن ابتغى نكاحا غيرهما فأولئك هم العادون ، أي الذين يطلبون نكاحا مؤقتا بيوم أو يومين فهم المعتدون لحدود الله
والمستحلون لمحارمه .
ثم إن صاحب المقالة رد على من قال بجواز الاستمناء باليد يعني بذلك الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه » الحلال و الحرام « حيث طرق موضوع هذه القضية ، ثم قال بجواز الاستمناء باليد عند الضرورة و ليس رأيه هذا ببدع من القول و الزور لجواز ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما و هو عمل جائز في مذهب الحنابلة قال في » الإقناع « و لا يعزر من استمنى بيده أي لقوة الخلاف به و ضعف القول بحرمته .

و قد قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن أبناء المهاجرين و الأنصار في غزواتهم الطويلة كانوا يستريحون بالاستمناء باليد ، و هذا الاستمناء هو كاسمه حقيقة و معنى و لا يسمى نكاحا ، فإخراج هذا المني إلى التراب أو إلى الفراش أيسر من وضعه في فرج حرام ، و قال شيخ الإسلام في فتاويه إن اضطر الشخص إلى الاستمناء بيده مثل أن يخاف الزنا إن لم يستمن أو يخاف المرض فهذا فيه
قولان مشهوران و قد رخص في هذه الحال طوائف من السلف و الخلف.

هذا و إن أساطين الشيعة و رؤساءهم يتعففون عن هذا العمل فلا نسمع بغنى و لا فقير أنه سلم ابنته لرجل باستئجاره لها يوما أو يومين أو أسبوعا أو شهرا باسم نكاح المتعة ، فهم يترفعون عن العمل بهذا أو عدم السقوط فيه لدناءته ، فهو نكاح مفسدة و تنقل في اللذات ، و حتى إن جريمة الزنا قليلة فيما بينهم ، و ليس فيه شيء من المصالح سوى قضاء وطر الشهوة بخلاف النكاح الدائم الشرعي ، فإنه يترتب عليه مصالح كثيرة منها الإحصان و يعني أنه يحصن الزوج عن غير زوجته و يحصنها هي أيضا ، و متى أشرك مع زوجته غيرها من الأخدان فإنه يفسد به نظام الزوجية الشرعية فيبغض زوجته و تبغضه .
و منها أن الله سمى الزوجة سكنا فيسكن إليها الزوج و تسكن إليه و يأنس بها فقال سبحانه: ( و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة ) . فالزوج سكن للمرآة يسكن إليه و يطمئن بها فتجلب إليه الأنس و السرور و الغبطة و الحبور و تقاسمه الهموم و الغموم ويكون بوجودها بمثابة الملك المخدوم و السيد المحشوم . فمسكين مسكين رجل بلا زوجة ، و العزاب هم أراذل الأحياء و شرار الأموات … كما أن الزوج كرامة و نعمة للزوجة يرفع مستوى ضعفها و ينشر جناح وحدتها ويسعى عليها بكل ما تشتهي من الحاجات
والنفقات ، و يجعلها سيدة بيت و سعيدة عشيرة و أم بنين و بنات .
و منها أن الله سمى الزوجة حرثا الذي هو محل لإنشاء النسل المحبوب تكثيره عند الشرع ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة « و لا توجد هذه الميزات في نكاح المتعة الذي غايته قضاء وطر الشهوة لا غير
و لهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان النكاح و اشتهاره لشرفه فقال صلى الله عليه وسلم
» أعلنوا النكاح « . لكون النكاح الحرام يبالغ أهله في إخفائه و عدم
بيانه ، فنكاح المتعة غايته تفنن الذوق و التنقل في اللذات بدون رغبة منه و لا منها في إنجاب البنين و البنات بل إنه من الأسباب التي ينقطع بها النسل ، لأنه متى تعاقب الرجال على المرأة بحيث تكون عند أحدهم شهرا و عند الآخر الشهر الثاني فإنه بذلك يفسد نظام الحمل من أجل اختلاط المياه في الرحم إذ هي بهذه الصفة من قبيل المتخذات أخدان .
و في مذهب الزيدية : إن النكاح مؤبد فلا يجوز عندهم نكاح المتعة أو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو معلوم و غايته إلى خمسة و أربعين يوما أو أكثر من ذلك . فقد حدث زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنهم : » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة عام خيبر« .

و أخرج البخاري و مسلم و المؤيد بالله في شرح التجريد و غيرهم من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبد الله و الحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي ابن أبي طالب : » أن رسول الله صلى الله نهى عن متعة النساء يوم خيبر و عن لحوم الحمر الإنسية « .

و أخرج البيهقي عن طريق عبد الله بن لهيعة عن موسى بن أيوب عن أياس ابن عامر عن علي بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : » نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة . قال : إنما كانت لمن لم يجد ، فلما أنزل النكاح و الطلاق و العدة و الميراث بين الزوج
و المرأة نسخت « .

و أخرج البيهقي أيضا أن رجلا سأل عبد الله بن عمر عن المتعة فقال » حرام «. قال فإن فلانا يقول فيها . فقال و الله لقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر و ما كنا مسافحين ، و هذا يدل على تحريم المتعة .
ثم إن الشيعة تمسكوا في استدلالهم على نكاح المتعة بقوله سبحانه : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) و هذا الاستدلال لا صحة له ، فإن هذه الآية سيقت في بيان ما يحل
و يحرم من نكاح النساء كما يعلم من نظمها فيما قبلها و بعدها . و أن يكون الغرض المقصود من النكاح هو الإحصان و طلب
النسل دون التمتع بسفح الماء و التنقل في اللذات الذي يكون حظ الحيوان فيها أكثر من حظ الإنسان ، ثم إن السنة تفسر القرآن و تبين ما أشكل منه ، و قد فسرت السنة هذا الاستمتاع و أن المراد به النكاح الشرعي .
فقد روى البخاري و مسلم : » أن النبي صلى الله عليه وسلم قال استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع أعوج و إن أعوج ما في الضلع أعلاه ، فإن استمتعت بها استمتعت و بها عوج و إن ذهبت تقيمها كسرتها ، و كسرها طلاقها « . فدل هذا الحديث على نفس ما دلت عليه الآية و أن المراد بقوله » فما استمتعتم به منهن « . أي بالنكاح الشرعي الذي يتخلله الطلاق عند عدم الوفاق كما قال » و كسرها طلاقها « و نكاح المتعة ليس فيه طلاق و لا نفقة و لا ميراث فيجوز عندهم أن يستأجرها بنكاح المتعة . فهو يتمشى على طريقة السفاح بحيث أن الرجل يتفق مع المسافحة أسبوعا أو شهرا بأجر مسمى على سبيل الاختصاص بدون مشارك ثم يتفق الثاني معها كذلك إلا أنهم لا يذكرون فيه نكاح المتعة . و لهذا قال علي رضي الله عنه : » لا أوتي بمستمعين إلا رجمتها « .

فقوله : » فما استمتعتم به منهن « أي تمتعتم ، و الزوجة تسمى متاعا كما روى الإمام أحمد و الدارمي أن النبي صلى الله عليه وسلم » الدنيا متاع و خير متاعها الزوجة الصالحة
التي إذا نظر إليها سرته ، و إن أمرها أطاعته ، و إن غاب عنها حفظته في نفسها و ماله « .

ثم إن النكاح الشرعي المؤبد يخالف نكاح المتعة المقدر بيوم أو أسبوع أو شهر ، فإن نكاح المتعة ليس فيه سوى قضاء وطر الشهوة فقط بحيث يسفح ماءه في فرجها فهو يزيد الولوع
و الشغف في التنقل في اللذات ، فكلما سفح ماءه في امرأة انصرف عنها إلى غيرها ، لكون الحب إذا نكح فسد ، و لكون المتمتع بنكاح المتعة لا يقصد الإحصان و إنما يقصد مجرد السفاح التنقل في اللذات بين المشتهيات فتزداد به المرأة جنونا لا إحصانا بحيث تنصرف برغبتها عن النكاح الشرعي ، و من
شروط النكاح الشرعي هو أن يكون عن رغبة في استدامة بقائها لإحصانه بها
وطلب النسل منها ، أما إذا تزوجها على عزم أن يطلقها بعد يوم أن يومين أو أسبوع أو على نية أن يبيحها لزوجها الأول فإن هذا نكاح باطل و لا ينعقد و لا تحل به المرأة لزوجها الأول و يسمى » التيس المستعار « .

عن ابن مسعود قال : » لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل و المحلل له « . رواه أحمد و النسائي و الترمذي و صححه .
و من صفة المؤمنين ما أخبر الله عنهم بقوله : ( و الذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء فأولئك هم العادون ) أي المتجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم .
إن متعة النساء في استئجار المرأة لوطئها يوما أو أسبوعا أو شهرا كانت من عمل الجاهلية ، ثم بقيت على حالة الإباحة في أول الإسلام حيث كان الناس في شدة و حاجة ، فلما وسع الله عليهم بالمال يوم فتح خيبر أي عام ستة من الهجرة حرمها رسول الله عن الله تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة ، و قال : » إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء و إن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن عنده منهن شيء فليخل سبيلها و لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا « .

فلقد أبيحت متعة النساء لهم في أول الإسلام كحالتهم في الجاهلية حيث كانوا مصابين بالفقر الشديد و الفاقة و بالجوع و العراء حيث كانوا يتقاسمون في بعض أسفارهم بالتمرة الواحدة و حيث كان يوجد من بينهم سبعون رجلا ما منهم رجل عليه إزار و رداء ، بل إزار و إما رداء قد ربطوها في أعناقهم .
و في الصحيحين : » أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله صلى الله جئت أهب لك نفسي فنظر إليها ثم صوب نظره ، ثم طأطأ رسول الله رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست . فقام رجل فقال يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ، فقال : هل عندك من شيء ؟ فقال : لا و
الله فقال : انظر و لو خاتما من حديد ، فقال
و الله ما عندي و لا خاتم من حديد ، و لكن هذا إزاري فلها نصفه ، و ليس عليه سوى إزار
فقال رسول الله : ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء و إن لبسته لم يكن عليك منه شيء ، و لكن هل معك شيء من القرآن ؟ فقال : نعم معي سورة كذا و كذا فقال اذهب فقد زوجتكما بما معك من القرآن « . مما يدل على أن متعة النساء قد أبيحت في زمان أبيح فيه أكل الميتة ، و هذا معنى الفتوى التي قيل إن ابن عباس أفتى بها على أنه ليس بمعصوم ، و قد زجره الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : ما أراك تاركا هنياتك أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد حرمها !!! .
و جاء سعيد بن جبير إليه فقال ما هذه الفتوى التي سمعت الناس يتحدثون بها ، فقال: ما يقولون ؟ قال : يقولون : » إنك أبحت متعة النساء ، و قد سمعت الركاب الإبل يتغنون بها فقال: ما يقولون . قلت يقولون :
أقول للشيخ لما طال مجلسه

يا صاح لك في فتوى ابن عباس

هل لك في خصرة الأطراف آنسة

تكون مثواك حتى مصدر الناس

فقال : و الله ما قلت إلا أنها محرمة كحرمة الميتة و الدم و لحم الخنزير و ليس تأخير تحريم متعة النساء إلى زمن خيبر ببدع من القول للحكمة و المصلحة فإن الله يحدث من أمره ما يشاء . و كانت الأحكام من ا لأمر و النهي و الحلال و الحرام تنزل على النبي صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء كما كان بعضهم يكلم بعضا في نفس الصلاة فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : » إن الله يحدث من أمره ما يشاء و إن مما أحدث من أمره أن لا تتكلموا في الصلاة يقول الله سبحانه : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) . فقد أبيح للناس شرب الخمر في أول الإسلام فكان أول آية نزلت في التمهيد لتحريمه هي قوله سبحانه : ( لا تقربوا الصلاة
و أنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) ثم أنزل الله بعدها ( و يسألونك عن الخمر و
الميسر قل فيهما إثم كبير و منافع للناس و إثمهما أكبر من نفعهما ) .

و متى كان الشيء إثمه أكبر من نفعه وجب اجتنابه . ثم أنزل الله في السنة التاسعة من الهجرة قوله سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) . و هذه من سورة المائدة التي هي من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها و حرموا حرامها . و هذا تحريم مؤبد يكفر مستحله ، حتى إن الصحابة حزنوا على من قتل شهيدا و هي في بطنه ، فأنزل الله : ( ليس على الذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ) لكون الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها لقوله سبحانه : ( و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) و مثله صلاة الصحابة إلى جهة المشرق
وهو قبلة اليهود و النصارى ، حتى أنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام و حيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) . و أتي رجل إلى بني عبد الأشهل و هم يصلون الفجر مستقبلين المشرق ، فقال أشهد بالله لقد أنزل الله على رسوله قرآنا و أمر أن نستقبل القبلة فاستداروا و هم في صلاتهم إلى جهة القبلة .
إن الله سبحانه لا يحرم شيئا من المحرمات كالخمر و الميسر و متعة النساء إلا و مضرته واضحة و مفسدته راجحة ، و لهذا أوجب العلماء إقامة الحد على من يستحل النساء لإجماع الصحابة و التابعين و سائر علماء المسلمين على تحريمها إلى يوم القيامة ، و لا عبرة بشذوذ الشيعة في هذا . و ما نسبوه إلى أحد الصحابة كأبي و ابن مسعود من أنهما فعلا المتعة زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه على فرض صحته محمول على فعله قبل تحريمه . و إلا فحاشا و كلا أن يستبيحا فعلها بعد تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لها و انعقاد إجماع الصحابة على تحريمها بالنصوص الصحيحة الصريحة . و مثله ما نسبوه إلى علي من قوله : » لو لا نهي عمر عن
المتعة لما زنى إلا شقي « فإن هذا من الكذب المفترى صريحا على علي و عمر بشهادة علي على ذلك ، فإنه له في البخاري حديثين يبين فيهما أن رسول الله حرم المتعة و الحمر الأهلية عام خيبر ، و لم يحرمها عمر من تلقاء نفسه كما يقوله أعداؤه .

فقد أخرج البيهقي عن طريق عبد الله بن لهيعة عن موسى بن أيوب عن اياس بن عامر عن علي رضي الله عنه قال : » نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة قال وإنما كانت لمن لم يجد فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت « . وأما احتجاج الشيعة بما روى مسلم عن جابر بن عبد الله كنا نستمع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى نهى عنها عمر فدعوى اسناد انشاء التحريم إلى عمر هو باطل قطعا ، فما كان نهي عمر إلا بمثابة التبليغ والتنفيذ لحكم رسول الله في تحريمها إذ هو من واجبه ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع .

ثم قوله كنا نتمتع على عهد رسول الله و أبي بكر فإن هذا مخالف للأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري و مسلم عن علي و عن سلمة بن الأكوع و عن ابن عمر ، و لا يبعد أن يكون حديث جابر مكذوب عليه أو أنه دخل فيه شيء من زيادة بعض الرواة .
و الصحيح هو ما رواه مسلم عن ربيع بن سبرة عن أبيه أن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : » إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء و أن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده شيء منها فيخل سبيلها و لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا « . فهذا الحديث فيه ذكر الناسخ و المنسوخ ، و كون التحريم صدر عن رسول الله عن الله و لم يقع من عمر ابتداء إلا على سبيل التبليغ و التنفيذ عن الله .
و مثله الحديث الذي احتج به صاحب المقالة عن ابن مسعود رضي الله عنه و هو في الصحيحين قال : » كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء
فقلنا : يا رسول الله ألا نختصي فنهانا عن ذلك ، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ ابن مسعود
( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) .
إن من عادة صاحب المقالة أن يحتج بالمنسوخ الذي زال حكمه و بطل العمل به و يترك الناسخ المحكم الذي يجب العمل به و الحكم بموجبه .
و نحن لا ننكر إباحة متعة النساء في أول الإسلام على حسب حالتهم في الجاهلية و كونهم يستأجرون المرأة في أسفارهم الطويلة بالثوب و بالقبضة من التمر و بالقبضة من الدقيق ، فابن مسعود و جابر على فرض صحة حديثهما يتحدثان عن حالتيهما في الجاهلية قبل تحريمها ، كما يتحدث الصحابة عن شربهم الخمر قبل أن تحرم عليهم ، و كما يتحدثون عن صلاتهم إلى المشرق قبل أن يحولوا إلى جهة الكعبة و كما يتحدثون عن كون أحدهم يكلم صاحبه بحاجته
وهو في صلاته جهة الكعبة و كما يتحدثون عن كون أحدهم يكلم صاحبه بحاجته و هو في صلاته زمن النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله ( قوموا لله قانتين) أي ساكتين فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : » إن الله يحدث من أمره ما يشاء . و إن مما أحدث من أمره أن
لا تتكلموا في الصلاة « . لكون أحكام الشرائع من الفرائض و المحرمات تنزل شيئا بعد شيء
وإنما يؤخذ بالأخير فالأخير من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم و أفعاله و أحكامه ، و ملاك الأمر خواتمه ، و كل الصحابة مجمعون على تحريمها كالزنا سوى ما نسب إلى ابن عباس للمضطر ، و قد تحامل عليه الإمام علي رضي الله عنه باللؤم و التعنيف و قال له إنك امرؤ تائه فرجع ابن عباس عن فتواه و الصحابة كغيرهم يخطئ أحدهم في فتواه و يصيب .
قال في » الروضة الندية « .
( نكاح المتعة ) قال في الحجة : رخص فيها عليه الصلاة و الصيام أياما ثم نهى عنها . أما الترخيص أولا فلمكان حاجة تدعوا إليه كما ذكره ابن عباس فيمن يقدم بلدة ليس بها أهله
. أشار ابن عباس أنها لم تكن يومئذ استئجارا على مجرد البضع بل كان ذلك مغمورا في ضمن حاجات من باب تدبير المنزل ، كيف و الاستئجار على مجرد البضع انسلاخ عن الطبيعة الإنسانية
و وقاحة يمجها الطبع السليم .

و أما النهي عنها فلارتفاع تلك الحاجة في غالب الأوقات ، و أيضا ففي جريان الرسم به اختلاط الأنساب لأنها عند انقضاء تلك المدة تخرج من حيزه و يكون الأمر بيدها فلا يدري ماذا تصنع . و ضبط العمدة في النكاح الصحيح الذي بناؤه على التأبيد في غاية العسر فما ظنك بالمتعة و إهمال النكاح الصحيح المعتبر في الشرع فإن أكثر الراغبين في النكاح إنما غالب داعيتهم قضاء شهوة الفرج ، و أيضا فإن من الأمر الذي يتميز به النكاح من السفاح التوطين على المعاونة الدائمة و إن كان الأصل فيه قطع المنازعة فيها على أعين الناس ــ انتهى و في شرح السنة اتفق العلماء على تحريم المتعة هو كالإجماع بين المسلمين ……
إن الحاجة إلى النكاح ليست من الضرورة التي تبيح المحظور من الزنا و نكاح المتعة
و لقد قيل تجوع الحرة و لا تأكل بثيها و تأبى الدنية و لا اضطرت إليها .
إن قول صاحب المقالة : » إن نكاح المتعة أبيح في حالة الضرورة و أن أكثر الشباب
لا يستطيعون النكاح الشرعي لصعوبة التكاليف المترتبة عليه من الصداق و غيرها فصاروا واقعين في هذه الضرورة التي لهم نكاح المتعة أشبه إباحة أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير
و شربة الخمر لدفع اللقمة التي يغص بها « .
فالجواب أن هذا الخطاب بعيد عن الصواب .
ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » ما نهيتكم عنه فاجتنبوه و ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم « . رواه البخاري و مسلم من رواية أبي هريرة ، فجعل جميع المنهيات من الأشياء التي يجب اجتنابها و لا يعذر أحد بارتكابها كالربا و الزنا و شرب الخمر ، لأن هذه كلها ليست بأحمال على الجسم و ليست بأكل و شرب مما يفتقر غليه الجسم ، بل كلها من التروك ، بل كل المنهيات كهذه تركها أنفع من فعلها ، و إنما تحتاج إلى شدة حزم و قوة عزم في انصراف النفس عنها ، بخلاف الأوامر فإنها على حسب الاستطاعة ، صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب لأن الله سبحانه لا يكلف نفسا إلا وسعها .

فلو فعل أحد شيئا من المنهيات و الحدود وجب أن يعاقب بما يستحقه من الحد أو التعزير الذي يرجع فيها إلى اجتهاد الحاكم » و لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله « . لأن من لا يكرم نفسه لا يكرم و من يهن الله فما له من مكرم . لأن الله سبحانه شرع الحدود للزجر بها مواقعة المنهيات كالزنا و نكاح المتعة و غيرها ، فكما أنه لا يستجاب لمرتكب كبيرة الزنا في دعوى الضرورة
فكذلك نكاح المتعة و هو محرم كالزنا .
فقول بعضهم إن نكاح المتعة محرم كتحريم الميتة و الدم و لحم الخنزير ، فإن هذا التعريف قاصر عن حدود التعريف بتحريمها ، و فيه شيء من التدليس و
التلبيس على أسماع الناس .
فإن نكاح المتعة حرام إلى يوم القيامة كما روى مسلم عن ربيع بن سبرة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: » إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من الناس و إن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها و لا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا « . و خطب النبي صلى الله عليه و سلم قال : » إن الله » فرض فرائض فلا تضيعوها ، و حد حدودا فلا تعتدوها ، و حرم أشياء فلا تنتهكوها، و سكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا
عنها «.
و تحريم الميتة و الدم و لحم الخنزير ليس من تحريم المؤبد إلى يوم القيامة بل له أجل ينتهي إليه و هو وجود الضرورة المقتضية لإباحته ، فمتى أصيب الإنسان بالجوع الشديد الذي أشفى منه على الهلاك أبيح له أن يتناول من الميتة أو لحم الخنزير ما يسد به رمقه ، و لو مات بدون أن يتناول منها عد عاصيا . و قد قال بعض العلماء إنني لن أوتى برجل ما جوعا و لم يأكل من الميتة فإنني لا أصلي عليه لكونه قد أعان على قتل نفسه ، و المطلوب منه إحياءها و من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا .
ومثله إباحة الدم للضرورة وقد صار من أكبر العوامل والأدوية عند الأطباء في تدارك صحة المصابين بالجروح البليغة وبالرصاص الذي ينزف الدم عن الجسم ، فيكون في حالة ضرورة في تدارك علاجه بالدم لسريانه في الجسم مما عسى أن يتدراك به حياته وصحته لكونه لا بقاء للجسم بعد خروج الدم منه بخلاف نكاح المتعة فإنه لا ضرورة إليه ، وإنما يزداد صحة بتركه وقد قال رسول الله e لرجل: » أقلل من النكاح فإنه نور عينك وقوة ساقيك « .

وقد قيل:

أقلل نكاحك ما استطعت
ماء الحياة يصب في الأرحام

ولو كانت شهوة النكاح التي يجدها الإنسان في نفسه تبيح له نكاح المتعة لقيل بجواز الزنا للضرورة إذ هما في الحكم سواء ، بل إن نكاح المتعة أشد من الزنا فإن الزنا يستخفى به أهله أما نكاح المتعة فيجهرون به
.

وقد حدثني رجل من الثقات قال: أتيت أصفهان فوجدت نساء كثيرات صفوفاً ينادين الرجال بأصوات عالية المتعة … المتعة !!

ومتى كان في مذهبهم وعقيدتهم أنه يجوز إستئجار المرأة باليوم واليومين وبالمرة والمرتين ويجوز مع بنت إبنة تسع سنين وعشر سنين بدون إذن أبيها أو وليها علمت حينئذ أنه الزنا قطعاً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الزنا إلا أحصاها .

تبقى تسميته بالمتعة والأسماء لا تغير المسميات عن حقائقها وأوضاعها كما أخبر
النبي e عن أناس يشربون الخمر يسمونها بغير إسمها .

ومن القواعد الأصولية أن الاعتبار في العقود بمقاصدها ومعانيها لا بألفاظها ومبانيها.

فدعوى عدم صبره عنها حجة داحضة نظير إحالة ارتكابه لها على القضاء والقدر وما أذنب القضاء والقدر ولكنهم المذنبون ، ولما جيء عمر بن الخطاب بسارق فقال له ما حملك على السرقة قال حملني عليها قضاء الله وقدره فقال: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره فأمر به فقطعت يده .

وقد شرع الله الحدود لتكون بمثابة الزواجر عن إرتكاب الجرائم . وحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً ، لأن الحدود تقلل من فشو إرتكاب المنكرات من الزنا وشرب الخمر ، فلا يقبل من أحد دعوى ضرورته وعدم صبره عند تغلب شهوته على عقله
ولو كان كذلك لفسد باب الأمر والنهي اللذين عليهما مدار أحكام الشرع .

أفيقال إن الزنا مباح للضرورة في حق من لا يستطيع الصبر عنه والله يقول: (والذين هم لفروجهم حافظون ، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هو العادون) فجعل كل من طلب نكاحاً غير النكاح الدائم الشرعي وملك اليمين أنه من المعتدين لحدود الله . ومثله دعوى عدم الصبر عن شرب الخمر .

فكيف يقاس أكل الميتة للمضطر التي لو ترك أكلها لمات ، وقد قال بعض العلماء لو ترك أكلها فمات لا يصلى عليه ، فكيف يقاس هذا على ضرورة الشهوة إلى النكاح التي لا يخشى على أحد
الهلاك بتركه ، وبعض الناس يؤثر البقاء على العزوبة مع توفر الشهوة . ومثله لو غض بلقمة فدفعها بشربة خمر التي هي نادرة الوقوع ولعلها لم يقع لها نظير في الدنيا .

وقد رأينا بعض العلماء من جعل هذه حجة في إباحة ربا النسيئة للمضطر الذي يكفر من قال بإباحته ، ولا شك أن هذا من باب الترخص الجافي والأحكام الشرعية يجب بأن لا تعارض بترخص جاف ولا تشدد غال ولا تحمل على علة توهن الانقياد للحكم .

والنبي e حرم الربا بموقف جميع الناس بعرفة عام حجة الوداع فقال: » إن ربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله « .

فحرم الربا تحريماً عاماً بدون إستثناء مع كونه عمدة تجارتهم ، فقد اشتهرت قريش بالتجارات الواسعة من أجل رحلاتهم الصيفية والشتوية ومن أجل توسعهم في المعاملات الربوية مع العلم أن جميع العرب سوادهم في حاجة وفقر شديد ، فكانوا يقتسمون الزاد بالتمرة الواحدة في غزوة العسرة القريبة من حجة الوداع ، ومع هذا فلم يبح رسو الله صلى الله عليه وسلم تعاطي الربا للمضطر لدخوله في عموم قوله ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، لكون الشخص متى صحت نيته وصدقت عزيمته سهل عليه مفارقة المألوفات المحرمة كما قيل:

والنفس كالطفل إن تهمله شبّ على

حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

ولهذا عزف الصحابة عن التعامل بالربا فلم يبق له ذكر بينهم امتثالاً لأمر الله وطاعة رسوله ، ولم يقولوا لا نستطيع تركه لأن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً ، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ومثله عزوفهم عن الخمر التي كانوا قد شبوا على شربها ونشأوا على حبها وإدمان شربها ، ولما بلغهم تحريمها أخذوا يرمون الأوعية من أيديهم ثم خرجوا إلى السوق وبه ظروف الخمر فجعلوا يطعنونها بالسكانين حتى سالت بالأزقة وهم يقولون والله إن كنا لنكرمك عن هذا المصرع وأما اليوم فقد أهانك الله .
(ومن يهن الله فما له من مكرم ) ، ولم يقولوا لا نستطيع تركها ولم يتعللوا بدعوى الضرورة وهكذا يقال في نكاح المتعة .

فقد كان العرب في جاهليتهم يستأجرون المرأة بالثوب والأتوار من الأقط والشعير ، ولما بغلهم خبر تحريمها وخطبهم النبي e قائلاً: » إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً « رواه مسلم . فعزفوا عنها كلهم غنيهم وفقيرهم لكونها من التحريم المؤبد إلى يوم القيامة كما يدل له لفظ الحديث ، ثم إن النكاح قد يصبر عنه بعض الناس السنين الطويلة مع رجوليتهم وقوة شهوتهم خصوصاً الرؤساء والمجاهدين والمشتغلين بالعلم والتجارة والصناعة فإنهم ينصرفون عنه الانصراف الكلي بدون أن يحسوا بشدة ، وكانوا يتغربون عن أهلهم السنتين والثلاث ولا يجدون مساَ من تعب العزوبة ، وكنت ممن تغرب عن الأهل في طلب العلم أربع سنين ولم أجد مشقة في الغربة ولا في العزوبة ، لكون الاشتغال بالعلم وبالأعمال الدينية والمالية يستدعي الانصراف الكلي على حد ما قيل:

قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم

عن النساء ولو باتت بأطهار

وإن الذين يولعون بمجالسة النساء والعكوف بينهن هم الفارغون البطالون الذين ليسوا في عمل دنيا ولا دين ، وكذا الذواقون الذين يتنقلون في اللذات بين المشتهيات ، فلا يشبع نهمة أحدهم شيء ، حتى قيل إنه لو كان مع رجل جميع نساء أهل العراق فقدمت إمرأة من الشام وذكر له جمالها لتمنى أن تكون زوجة له مضافة إلى نساء أهل العراق وقد قيل:

لا يشبع النفس شيء حين تحرزه

ولا يزال لها في غيره وطر

ولا تزال وإن كانت بها سعة

لها إلى الشيء لم تظفر به نظر

لكن من قرّ عيناً بعيشه نفعه ، ومن جمع الضرات يطلب لذة فقد بات في الأضرار غير سديد .

لهذا رأينا شعراء العرب كإمريء القيس وزهير وعمرو بن ربيعة وكثير عزة رأيناهم يكثرون
المديح والمبالغة في أوصاف النساء وذكر محسانهن بدقة الأوصاف الجميلة ، خصوصاً عندما يريد تقديم قصيدة على فاضل ، كما قدم زهير قصيدته في معشوقته سعاد ، لأن عندهم متى جاد المدح في المليح فالنسب مقدم . فبالغوا في الغوص على الأوصاف الشائعة المشتملة على الصدق والكذب ، حتى قيل أعذبه أكذبه ، كله من أجل غلبة الفراغ عليهم وكثرة اختلاطهم بالنساء في البادية زمن الجاهلية .

غير أن عشقهم يتصور على ألستنهم ، وإلا فمن المشهور إتصافهم بالعفاف والحصانة كما في قصة بيعة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء حينما قال: » لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين « فقالت هند أو تزني الحرة يا رسول الله ؟ استنكاراً لذلك لكون الزنا إنما يعرف في الإماء ولسنا بهذا ننكر شدة حاجة الرجل إلى المرأة الحاجة الضرورية من جهة الناحية الجنسية أو الاجتماعية ، لكن هذه الحاجة الضرورية لا ينبغي أن ترقى إلى درجة استحلال المحظورات من الزنا ونكاح المتعة لكونها من اللذات ونعيم الحياة يقول الله سبحانه: (زين للناس حب الشهوات من النساء) والمزين هو الله والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء « . وقد تكلمنا في بعض مذكراتنا على شدة حاجة الرجل إلى المرأة وحاجتها إليه عند قوله سبحانه: ( وهو الذي جعل لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها جعل بينكم مودة ورحمة) .

فقلنا إن المرأة سكن للزوج تجلب إليه الأنس والسرور والغبطة والحبور وتقاسمه الهموم والغموم ، ويكون بجودها بمثابة الملك المخدوم والسيد المحشوم فمسكين رجل بلا إمرأة ، والعزاب هو أراذل الأحياء وشرار الأموات ، فمتى تعاملا بينهما بالمودة والرحمة فإنها السعادة الزوجية في الحياة ، كما أن الزوج كرامة للمرأة يرفع مستوى ضعفها وينشر جناح وحدتها ويسعى عليها بكل ما تشتهي من الحاجات والنفقات ، ويجعلها سيدة بيت وسعيدة عشيرة وأم بنين وبنات ، ولا توجد هذه الميزات في
المنكوحة بالمتعة لأنها ليست بزوجة .

ولما جاءت إمرأة إلى عمربن الخطاب تجادله في خصومة لها أنشدها:

إن النساء شياطين خلقن لنا

نعوذ بالله من شر الشياطين

فقالت ليس كذلك ولكن قال الشاعر:

إن النساء رياحين خلقن لكم

وكلكم يشتهي شم الرياحين

ثم رأينا صاحب المقالة يحتج بما زعم بأنه قول العلامة ابن القيم في زاد المعاد وهو كذب منه فإن العلامة يجزم بتحريمها .

لكنه في بحثه في فتح مكة طرق موضوع تحريم متعة النساء ، فقال من العلماء من قال إنها حرمت يوم خيبر وعليه تدل أحاديث علي في البخاري .

ومنهم من قال إنما حرمت عام فتح مكة ، ورجح هذا القول لما روى مسلم عن سلمة بن الأكوع أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن متعة النساء عام أوطاس أي يوم حنين وهو عام فتح مكة .

ثم طرق موضوع الخلاف وهل تحريمها كتحريم الميتة ولحم الخنزير أو هو تحريم مؤبد في الحضر والسفر ، وهذا هو الصحيح لحديث ربيع بن سبرة عن أبيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة « ثم قال العلامة ابن القيم إن رسول الله رخص فيها أي في ذلك الزمان للضرورة والحاجة في الغزو فمن رخص فيها في الحضر مع كثرة النساء وإمكان النكاح الشرعي المعتاد فقد إعتدى والله لا يحب المتعدين . إنتهى .

وبه يعلم أن النصوص الصحيحة الصريحة ترد على من ادعى أن بدء تحريم متعة النساء وقع من عمر اجتهاداً منه واستجاب الصحابة له من أجل هيبته ، وهذا كله من الكذب على الله ورسوله وعلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

ولم نر لهذا القول سنداً صحيحاً ولا حسناً بل هو من نوع الكذب المفترى على عمر لكون الشيعة يبغضون عمر أشد البغض ، ولهذا شددوا في الإنكار على من يقول بتحريم المتعة مع ظواهر النصوص الصريحة المؤيدة للتحريم مع الإجماع العام ولا عبرة بشذوذ المخالفين .

أما نهي عمر عن التمتع في الحج
فإن له أصلاً من الصحة في الصحاح وهو رأي رآه. والرأي يخطيء ويصيب ، وليس الصحابي بمعصوم فقد رأي أن يفرد الحج بسفرة ويفرد العمرة بسفرة ، فخالفه الصحابة على ذلك وأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تمتع بالعمرة إلى الحج في حجة الوداع ولم ينسخها شيء وبقي العمل بها إلى الآن ، وصفة التمتع أن يحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج . فإذا طاف طواف العمرة وسعى سعي العمرة قصّر من شعره ، ثم يلبس ثيابه ويتمتع بما هو مباح له من الطيب والنساء وغير ذلك من المحظورات كحالته قبل الإحرام وإذا كان يوم الثامن يحرم بالحج ، فهذه هي التي قال فيها ابن عباس حين نهى عمر عن التمتع فقال يوشك أن ينزل عليكم حجارة من السماء . أقول: قال رسول الله وتقولون قال أبوبكر وعمر. أما القول بالنهي عن متعة النساء فإنما ذكره على فرض صحته إبلاغاً للسنة واشتهاراً لها ليبلغ الشاهد الغائب .

ومن الكذب أيضاً ما نسبوه إلى علي من قوله: » لو لا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلا شقي « فهذا مما لا صحة له وينزه الإمام علي عنه ، فقد ثبت عنه في الصحيحين من طريقين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن متعة النساء عام خيبر وعن سلمة بن الأكوع: » قال رخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنها « رواه مسلم . وعن علي رضي الله عنه قال: » نهى رسول الله عن المتعة عام خيبر « متفق عليه . وعنه رضي الله عنه » أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن متعة النساء وعن الحمر الأهلية يوم خيبر « رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد وابن حبان. وعن ربيع بن سبرة عن أبيه أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: » إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهم شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً « . رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه
والإمام أحمد وابن حبان في صحيحه . قال أبو محمد بن حزم في المحلى ، الجزء الحادي عشر: ولا يجوز نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل ، وكان حلالاً على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم نسخها الله تعالى على لسان رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نسخاً باتاً إلى يوم القيامة.

ثم قال بعد ذكره للخلاف بين الصحابة في بداية تحريمها فقال ونقتصر من الحجة في تحريمها على خبر ثابت وهو ما رويناه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله e فذكر الحديث وفيه فقال: سمعت رسول الله e على المنبر يخطب ويقول من كان تزوج إمرأة إلى أجل فليعطها ما سمى لها ولا يسترجع مما أعطاها شيئاً ويفارقها فإن الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة . قال أبو محمد: ما حرم إلى يوم القيامة فقد أمنا نسخه .

فهذه النصوص الصحيحة الصريحة تكذب ما نسبوه إلى علي من قوله » لولا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلا شقي « .

وإن من حكمة الله في شرعه وخلقه أنه لا يسد عن النفوس باب ممنوعها إلا ويفتح لها باب مشروعها ، لأن من ترك شيئاً لله عوضه الله ما هو خير منه ومن يتق الله يجعل اله مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً .

لهذا حث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على النكاح الشرعي لكونه من أسباب الغنى لقوله سبحانه: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ) فكم فقير عاد بعد الزواج غنياً .

وكذلك حث النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ أمته على فتح أبوابه وتسهيل طرقه وأسبابه فقال: » يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج « ، ولم يقل ومن لم يستطع فعليه بنكاح المتعة .

وقال: » خير الصداق أيسره « وخير النكاح أقله كلفة وقد أجاز نكاح إمرأة بنعلين وبوزن نواة من ذهب وبخاتم من حديد
وبتعليم سورة أو سورتين من القرآن ، وكذلك التخفيف من مؤونة وليمة العرس وغيرها فقال: » أولم ولو بشاة « وقد أولم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على بعض نسائه بمدين من شعير ، ولم يتزوج أحداً من نسائه ولا زوج أحداً من بناته بأكثر من خمسمائة درهم ، وقد قدر يقل عن مائة ريال ، فلا يزني مع هذه التسهيلات إلا شقي ، ولا يكلف الخاطب الزيادة في الصداق إلا بخيل .

ثم إن الشيعة يستدلون على رأيهم بما هو معلوم البطلان لتضليل العوام وضعفة العقول والأفهام ، فهم يوردون لتأييد رأيهم ما دب ودرج من الأحاديث الموضوعة والأخبار المنكرة المكذوبة ، ومن ذلك قولهم: » قلت لأبي جعفر رضي الله عنه للتمتع ثواب؟ قال إن كان يريد بذلك وجه الله تعالى، وخلافاً على من أنكرها ، لم يكلمها كلمة إلا كتب الله له بها جنة ولم يمد يده إليها إلا كتب الله حسنة ، فإذا دنا منها غفر الله له بذلك ذنباً ، فإذا اغتسل غفر الله له بقدر ما مر من الماء على شعره قلت بعدد الشعر ؟ قال بعدد الشعر « .

وقولهم عن النبي e قال: » إني لما أسرى بي إلى السماء لحقني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى يقول: إني غفرت للمتمتعين من أمتك من النساء « .

من ذلك أبو زهرة في كتابه موسوعة الفقه الإسلامي المجلة الأول ص 3. قال بعد ذكره لأقوال القائلين بإباحة المتعة : وهي مذهبهم واعتقادهم وعليها جمهورهم ، لكن يوجد في أعقاب هذه الأقوال من ينكر متعة النساء من علماء الشيعة وينهي عنها أشد النهي .

من ذلك أن تحريم المتعة نقل صحيحاً عن الإمامين أبي جعفر محمد بن الباقر وأبي عبدالله جعفر الصادق وهما إمامان من أئمة الإمامية : فقد رووا أن بساما الصيرفي سأل أبا عبدالله جفعر الصادق عن المتعة ووصفها له فقال رضي الله عنه: ذلك هو الزنى وإنها من المخادنة التي نهى الله تعالى عنها في كثير من آيات القرآن مثل قوله: ( محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان) وقوله
تعالى: (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان) . ولقد جاء في الكافي عن الحسن بن يحيى بن زيد فقيه العراق أنه قال: اجمع آل رسول الله على كراهية المتعة والنهي عنها . والكراهية مع النهي تقتضي التحريم .

ورأس الأئمة بالإجماع عندهم هو علي كرم الله وجهه قد نهى عن المتعة نهياً مؤكداً فقد قال رضي الله عنه : » لا أوتى بمستمتعين إلا رجمتهما « .

وقد نقل الكافي وهو أحد المصادر الأربعة لفقههم النهي عنها . وقد وجدنا في كتب الزيدية عن أئمة آل البيت عامة وعن الإمام جعفر الصادق خاصة ما يثبت أنه يرى المتعة من الزنا، كما نسب هذا القائل القول بإباحة المتعة إلى البخاري ومسلم وعن ابن القيم في زاد المعاد وعن ابن كثير في النهاية وغيرها من الكتب ، فيوهم الناس أن هؤلاء يقولون بإباحتها إلى يوم القيامة وهو كذب صريح عليهم فإنهم مجمعون كغيرهم على تحريمها إلى يوم القيامة .

والحاصل: أن المتعة ليست إلا من قبيل إتخاذ الأخدان الذي هو معروف من عادات الجاهلية وسكت عنه النبي e في أول الإسلام عفواً حتى يجيء الوقت المعين لإعلان التحريم ـ وقد حان وقت تحريمه زمن خيبر أي عام ستة من الهجرة .. وقيل عام الفتح ـ وإنه بلا ريب لا تتفق المتعة مع مقاصد الإسلام من العلاقة بين الرجل والمرأة التي أحلها الله سبحانه وتعالى بكلمته و لا يمكن أن يحل الله تعالى بكلمته إتخاذ الأخدان .

ثم إن هذا القرآن الكريم النازل على محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم لا يغادر صغيرة ولا كبيرة مما يحتاج إليه الناس إلا جاء بما يقطع النزاع ويعيد الخلاف إلى مواقع الإجماع في شأن هذه القضية وغيرها .

فقد حكى القرآن الكريم عن الرجل المعدم الفقير الذي يشتهي النساء بشدة ولا يستطيع صداق المحصنات الحراير فماذا يصنع ؟ أيحل له أن يستأجر امرأة بأجرة زهيدة إلى أجل مسمى ليتمتع بها أم لا ؟ وهي عين القضية التي نحن بصددها قال سبحانه: (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح
المحصنات المؤمنات فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بأيمانكم بعضكم من بعض فأنكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان) .

ولم يقل ومن لم يستطع منكم طولاً أي صداقاً ، والطول هو الغني بالصداق ، فليتمتع بإمرأة بأجر معلوم إلى أجل مسمى " وما كان ربك نسيا " فلو كان حلالاً لما سكت عنه القرآن. ولو كانت المتعة تباح بحال لأبيحت لهذا المضطر الذي لم يجد صداقاً للمحصنات ، ولكون المقام مقام ضرورة والمقال جرى على حالة المخرج من هذه الضرورة ، فأباح الله له أن ينكح الجارية المملوكة مع علمه باسترقاق أولاده فيها تبعاً لأمهم ، أما إذا كان غنياً يجد صداق الحرة المحصنة فإنه لا يجوز له أن ينكح أمة مملوكة لكونه يذل نفسه بإسترقاق أولاده إلا إذا كانت ملكاً له، وقد نزلت هذه الآية في زمان كان الأرقاء فيه كثيرين ، فنكاح الأمة في مثل حالة هذا المقل هو نكاح شرعي يترتب عليه لوازم النكاح الشرعي فحصرت هذه الآية النكاح في أربعة أمور ، منها: إثنان حلالان ، وإثنان حرامان ، فإن الحلال هو نكاح الرغبة الشرعي الدائم ، ومنه زواج الفقير بالمرأة المملوكة .
والثاني : النكاح بملك اليمين .

وأما النكاح الحرام فمنه نكاح المسافحات اللاتي يزني بهن كل أحد .

والثاني: المتخذات أخدان أي التي تزني مع خليل واحد لا يشاركه فيها أحد وقد جعل العلماء نكاح المتعة من قبيل المتخذات أخدان ، وهذه الآية تشبه قوله سبحانه : ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) والمستأجرة يوماً أو أسبوعاً في سبيل نكاح المتعة لا تسمى زوجة لا لغة ولا عرفاً ، ولا ينطبق عليها أحكام الزوجة الشرعية من الولي والإشهاد والنفقة والطلاق والميراث .

ويدل لهذه الآية قول النبي e » يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ولم يستطع فعليه بالصوم
فإن له وجاء « أي يكسر من حدة شهوته ، ولم يقل ومن لم يستطع فليتمتع بامرأة بأجر معلوم إلى أجل مسمى ، فلو كان جائزاً لوجب بيانه ولما ساغ كتمانه لكونه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ، إذ الأمر بنكاح المتعة أيسر من الصوم الذي لا يطيقه أكثر الناس وخاصة الشباب ، مما يدل على عدم إباحة المتعة .

ومثله إباحة نكاح الفقير للأمة المملوكة ، فإن هذه الأمة لا توجد في كل زمان ومكان وخاصة في هذا الزمان الذي تم فيه إبطال الرق العام وصار الناس كلهم أحراراً .

ومما ينبغي أن يعلم أن الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيه لا يحرم شيئاً من المحرمات كالربا والزنا وشرب الخمر ونكاح المتعة إلا ومضرته واضحة ومفسدته راجحة .

وأنه لو انفتح للشباب والشابات إباحة نكاح المتعة الذي هو سهل وميسر لكل أحد بحيث يستأجر المرأة بنقد يسير في زمن قصير كيوم أو أسبوع أو مرة واحدة على مذهبهم يتمتع بها فإنه يفضل هذا على الزواج وتحمل تبعته وتكاليفه .

فلو فتح لهم إباحة هذا لانصرفوا برغبتهم عن النكاح الشرعي ، وتؤثر المرأة أن تبقى خالية من الأزواج وبريئة من الحمل وأعباء مشقته وتكاليفه ، لكون المسافحة لا ترغب أن تحمل ولا رغبة لها في الزواج الشرعي الدائم لكونها مسحورة بالتنقل في اللذات ، وكذا الرجل يفضل التنقل من واحدة إلى أخرى ، وبذلك يقل النسل أو ينقطع وقد لعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذواقين من الرجال والذواقات من النساء ، ويوجد في هذا من المضار وما يوجد في السفاح من قلة النسل واختلاط الأنساب والعداوة بين الأغيار .

ولهذا رأينا من عرفنا من الشيعة أنهم أبعد الناس عن هذا العمل وأشدهم بغضاً له فلا نسمع بغني ولا فقير ولا شريف ولا حقير أنه أجر ابنته أو موليته رجلاً يتمتع بنكاحها أسبوعاً أو شهراً بأجرة معلومة ، فهم يترفعون بشرفهم واحترام محارمهم عن السقوط في هذه المهانة حتى كانت جريمة الزنا نادرة الوجود فيما
بينهم ولهذا ختم الله هذه الآية : (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم . والله يريد أ، يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً ) . والله أعلم .

عدد مرات القراءة:
196
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :