آخر تحديث للموقع :

السبت 6 رجب 1444هـ الموافق:28 يناير 2023م 07:01:43 بتوقيت مكة

جديد الموقع

عايض الدوسري ..

مقدمة ضرورية في فهم تعاطي الشيعة مع المخالفين
عايض بن سعد الدوسري


لا يوجد مسلم اليوم إلا وهو يتمنى أن يجمع الله قلوب المسلمين جميعًا، وأن يوحد صفهم، ويجمع كلمتهم، ويلم شعثهم. ولأن هذه المطلب من أهم مطالب الإسلام، فإنه لن يتم بمجرد التمني، بل لا بد من العمل الجاد والصادق والمسبوق بمعرفة الواقع وتفاصيل المسببات التي شتت الأمة، وفرقة أبناء الإسلام.

وحينما نتحدث عن الشيعة والوحدة والتقارب، فلا بد من أن نتحدث بصدق وصراحة، وهذه هي أول خطوة جادة في الطريق الصحيح نحو وحدة المسلمين. فقد جرب المسلمون تجارب كثيرة قائمة على المجاملات والابتسامات والندوات والاجتماعات، والتي مضى عليها عقود كثيرة دون أن تفرز أي نتائج حقيقية وواقعية، بل أفرزت نتيجة سلبية خطيرة، وهي أن الوحدة الإسلامية مجرد حلم وردي لا أساس له من الواقع.

وحتى نرسم الصورة بشكل صحيح لا بد أن نعرض، لمعوقات الوحدة والتقارب الحقيقي عند الشيعة، وإذا ما تفهمنا الأسباب الحقيقية والواقعية، يمكننا حينئذ أن نُقدم محاولة العلاج الجاد، بعيدًا عن الظروف السياسية أو مقتضيات المجاملات الزائفة

فمن أهم المشكلات المستعصية عند الشيعة مشكلة (التقيَّة)، والتي تُعيق دائماً عمليات التقارب الصادقة بين المسلمين؛ لأنه بواسطة هذه العقيدة يُظهر المرء ما لا يبطن، ويوهم بخلاف ما يعتزم فعله على أرض الواقع، ويُعطوي من اللسان حلاوة لكن على أرض الواقع تتجسد المرارة بأبشع طعم، وكل ذلك انطلاقا من عقيدة (التقيَّة) والتي يعظموها الشيعة ويجعلون منها حقيقة الدين والإيمان!!
فعن الصادق يروون أنه قال: (إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له).

البحار (66/486)، والخصال (1/14). والمحاسن (ص259). الكافي (1/217)، والوسائل (16/204).

ورووا عن الرضا أنه قال: (لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، إن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية). البحار (75/395) وكمال الدين (ص 346) ونور الثقلين (4/47)  ومنتخب الأثر(ص220).
بل يرتبون على (التقيَّة) أعظم الأجر، وأنها أفضل عبادة تقدم في مذهب التشيع، ويسمونها (الخبء).

فقد رووا عن الصادق أنه قال: (ما عُبِدَ الله بشيءٍ أحب إليه من الخبء، قيل: وما الخبء؟ قال: التقية). البحار (75/396) ومعاني الأخبار (ص 162) والوسائل (16/207،219).

وعنه أيضا قال: (إنكم علي دين من كتمه أعزة الله ومن أذاعه أذله الله). البحار (75/397)، والمحاسن (ص412)، وجامع الأخبار(ص 257)،  ورسائل الخميني (2/185).

ويوجبون (التقيَّة) في دار أهل السنة التي يسمونها (دار التقيَّة) فعن الصادق أنه قال: (استعمال التقية في دار التقية واجب، ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية). البحار (75/394-395)، والخصال(2/153) وعيون أخبار الرضا ( 2/124)  والوسائل (15/50).

وعن الصادق –أيضاً- أنه قال: (عليكم بالتقية فإنه ليس منا من لم يجعله شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره). البحار (75/395)، وأمالي الطوسي(ص 299).

وهذا شيخهم (الصدوق) يقول: (اعتقادنا في التقية أنها واجبة، من تركها بمنـزلة من ترك الصلاة، ولا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله وعن دين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة). الاعتقادات (114).

ويقول علامتهم (العاملي) : (الأخبار متواترة صريحة في أن التقية باقية إلى أن يقوم القائم). مرآة الأنوار (ص337 ).

ويقول إمامهم في هذا العصر (الخميني): (وترك التقية من الموبقات التي تلقي صاحبها قعر جهنم وهي توازي جحد النبوة والكفر بالله العظيم). المكاسب المحرمة (2/162).

ثم عندهم نوع غريب من التقية الخاصة بالشيعة وهي (التقية المداراتية) والتي تمثل وجهاً دعائياً للتشيع، من خلاله يمكن للتشيع أن يدخل الصف السني، ويروج للتشيع!

فهذا (الخميني) يعدد أنواع التقية ويذكر أن منها (التقية المداراتية) وعرفها بقوله: (وهو تحبيب المخالفين وجر مودتهم من غير خوف ضرر). الرسائل – للخميني (2/174 ).
وقال: إن التقية واجبة من المخالفين، ولو كان مأمونا وغير خائف على نفسه وغيره. الرسائل ( 2/201 ).

ويقول شيخهم (محسن الخرازي): (وقد تكون التقية مداراةً من دون خوف وضرر فعلي لجلب مودة العامة والتحبيب بيننا وبينهم). بداية المعارف الإلهية (ص430).
ويقول علامتهم (دستغيب): (ومنها التقية المستحبة وتكون في الموارد التي لا يتوجه فيها للإنسان ضرر فِعِلي وآني، ولكن من الممكن أن يلحقه الضرر في المستقبل، كترك مداراة العامة ومعاشرتهم). أجوبة الشبهات(ص 159).

وبهذه (التقيَّة) يصعب معرفة ما هو حقيقي وما هو زائف عند الشيعة، ومتى استطاع الشيعة معالجة موضوع (التقيَّة) بحسم وجديَّة، فإنه حينئذ سوف يسقط أول وأهم عائق أمام وحدة المسلمين.
 
تحدثتُ في الحلقة الأولى من سلسلة (الشيعة والآخر)، أنَّ هناك معوقات تحول بين وحدة المسلمين وتعايشهم السلمي، ومن أهم تلك المعوقات عند الشيعة: "التقيَّة" والتي يصعب معها أن نميز بين مواقف الصدق ومواقف الخداع.
ومن المعضلات الأخرى، التي سوف أتحدث عنها هنا، والتي تقف حجر عثرة أمام وحدة المسلمين وتعايشهم بسلام، معضلة: متاهة "التلاعب بالألفاظ والمصطلحات". فمع أنَّ المذهب الشيعي الجعفري، كما يراه خبراء مقارنة المذاهب والأديان، من أشد المذاهب على (الآخر) المسلم، بل ذهب بعض المتخصصين إلى القول -من خلال قراءةٍ لكثير من مدونات التراث الشيعي القديم والمعاصر- إن مسألة تكفير المخالفين، وتجويز اغتيالهم، والبراءة منهم، والوقيعة في أعراضهم، ولعنهم واستحلال غيبتهم، لا توجد في أي مذهب أو طائفة مثل ما توجد في المذهب الشيعي الإمامي الجعفري، كثرة وتدليلاً وتعضيداً وقبولاً.
وفي هذه الحلقة، لن أتعرض لموقف الشيعة من بعض أمهات المؤمنين عليهن السلام، ومن الصحابة رضوان الله عليهم، وتكفير الشيعة لعمومهم، فموقف الشيعة من الصحابة معروف وواضح وجلي، ومجمع عليه عندهم، وهو من ضروريات مذهبهم، ومن أراد معرفة عقيدتهم في ذلك فليراجع الكتب المختصة، وسيجد اتفاق الشيعة على ردة الصحابة وكفرهم إلا قلة قليلة تعد على أصابع اليد، وأن ذلك من ضروريات قولهم بالإمامة الإلهيَّة.
إنَّ القارئ المحايد ليُذهل ويُصدم بسبب الكم الهائل من النصوص والأقوال التي تقرر هذه العقيدة تجاه المخالفين من المسلمين، فالروايات والأقوال والتقريرات والاجماعات عليها مستفيضة في كتب الشيعة القديمة والمعاصرة، حتى أصبحت ملازمة بالضرورة للاعتقاد بهذا المذهب. وبحكم كون هذه العقيدة ظاهرة وجليَّة ومستفيضة ومتواترة في هذا المذهب، فإنهم يحاولون التهرب منها أمام الخصوم –لا في الحقيقة- وذلك بإدخال الخصوم في متاهة "التلاعب بالألفاظ والمصطلحات".
ومن فروع تلك المتاهات اللفظية: دعواهم أنَّ التفريق بين أهل السنة والشيعة كالتفريق بين الإسلام والإيمان، أو العام والخاص، فيقولون: نحن نقول: "إن العامة –يقصدون أهل السنة- مسلمون لكنهم غيرُ مؤمنين"، موهمين السامع أنهم يقصدون حقيقة الإسلام، ويحاولون اللعب حول هذه المصطلحات، وهم يظنون أن ذلك يُسعفهم للتهرب من مأزق الغلو في تكفير المخالفين.
لكن من له أدنى إطلاع على فقه وتراث الشيعة، ومعاني الألفاظ عندهم، يعلم أن وصفهم لأهل السنة بالإسلام هو وصفٌ مرادفٌ لوصفهم بالمنافق، حيثُ أنَّ الإسلام، الممنوح لأهل السنة، مجرد وصف خارجي فقط، يكون به جريان  بعض الأحكام عليهم  كما تجري على المنافقين، وكما نصت كتبهم فإنهم فإنما أطلقوا لفظ "الإسلام" على أهل السنة، للتخفيف والتيسير على الشيعة في مخالطة الكفار، ورفع الحرج عنهم في مسألة النجاسة ونحوها، فهو إطلاقٌ يُراد به تيسير المعاملات على الشيعة، لا وصف أهل السنة بحقيقة الإسلام.
ولذا؛ فهم يمتنعون امتناعًا نهائيًا عن إطلاق لفظ (المؤمن) حقيقة على أهل السنة، بل لفظ (المؤمن) خاص وحكر بالشيعي، إذ هو المسلم الحقيقي،  و(بالإيمان) عند الشيعة، تتعلق النجاة في الآخرة، ويتحقق به الإسلام الأصيل والصحيح.
فإذا فهمت هذا الأمر: فاعلم أنه حجر الزاوية وقطب الرحى في بيان حقيقة النوايا ومدى صدقها، وعندها أطلب من الشيعي –مهما ظهر لك أنه من أعلام الوحدة والتقارب والتعايش السلمي والمدني- أن يصدر بيانًا علنيًا يؤكد فيه أنَّ أهل السنة هم من المؤمنين الحقيقيين، بلغة واضحة لا لبس فيها، وثق أنك لن تظفر بشيء.
ولعل هذا ما يجعلنا نفهم، بعمق أكثر وعقلانية أشمل، لماذا حرَّم آية الله العظمى محمد حسين فضل الله اللبناني –وهو أبرز علم شيعي من أعلام التقارب والتعايش- التعبد على المذاهب السنية، كما في كتابه (مسائل عقدية: ص 110).
وكذلك تجعلنا نفهم عن درايةٍ مبصرة وإدراكٍ متبصر، لماذا أحجم علماء الشيعة في مناظرات قناة (المستقلة) عن إطلاق لفظ (المؤمن) على المسلمين، وتلجلج بعضهم ودخولهم وخروجهم في دهاليز ومتاهات الألفاظ، التي لا محصل منها في الحقيقة إلا نفي الإيمان عن أهل السنة، والذي هو الإسلام.
ويجب أن تلاحظ هنا، وتستصحب في إدراكك دائمًا، أن رموز التقارب والتعايش الشيعة، يتلجلجون في هذا الموضع، فكيف بموقف مراجعهم وآياتهم الكبار من أهل السنة، وهم الذين فرغوا من تقرير تكفير المخالف بكل وضوح في رسائلهم العملية والعقدية!
وإذا تقررَ هذا، وتنبهتَ له جيدًا، وفهمتَه، فنشرع الآن –بإذن الله- في بيان موقع الشيعة من (الآخر):
-       فكما هو معلوم، فإنَّ الشيخ (المفيد) هو شيخ الشيعة في عصره، وهو منظر الطائفة، وحجتها والمقدم فيها، وهو يحاكي إجماع الشيعة في موقفهم تجاه المخالفين:
يقول: (اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار، وأنّ على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم وإقامة البينات عليهم، فإن تابوا عن بدعهم وصاروا إلى الصواب، وإلا قتلهم لردتهم عن الإيمان، وأن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار)[1].
-       وهذا علامتهم ومحققهم عبدالله شُبر، يبيَّن حكم جميع الفرق الإسلامية -حتى المسالمة منها والتي تحب التعايش السلمي- عند علماء الشيعة، فيقول:
(وأما سائر المخالفين ممن لم ينصب ولم يعاند ولم يتعصب، فالذي عليه جملة من الإمامية كالسيد المرتضى أنهم كفار في الدنيا والآخرة، والذي عليه الأكثر الأشهر أنهم كفار مخلدون في الآخرة)[2].
-       وقال شيخهم وعلامتهم نعمة الله الجزائري مبيناً حقيقة حجم الخلاف –كما يراه هو- بين الشيعة والسنة: (لم نجتمع معهم على إله ولا نبي ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيه، وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا)[3].
 
وإذا كانت جميع الفرق الإسلامية المخالفة للشيعة هذه هي حالتها، فماذا يترتب على ذلك؟ وبأي معاملة يمكن أن يتعامل معهم؟
 يجيب علماء الشيعة فيقولون:
-       قال الخميني عن المسلم غير الشيعي:
(غيرنا ليسوا بإخواننا وإن كانوا مسلمين.. فلا شبهة في عدم احترامهم بل هو من ضروري المذهب كما قال المحققون، بل الناظر في الأخبار الكثيرة في الأبواب المتفرقة لا يرتاب في جواز هتكهم والوقيعة فيهم، بل الأئمة المعصومون، أكثروا في الطعن واللعن عليهم وذكر مساوئهم)[4].
ثم أورد الخميني هذه الرواية عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: (إن الناس كلهم أولاد بغاة –أي أولاد زنا- ما خلا شيعتنا)[5].
فقال الخميني معلقاً على تلك الرواية: (الظاهر منها جواز الافتراء والقذف عليهم)[6]!
-       وقال شيخهم الأنصاري: (ظاهر الأخبار اختصاص حرمة الغيبة بالمؤمن -أي الشيعي- فيجوز اغتياب المخالف، كما يجوز لعنه)[7].
-       ونسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: (إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبّهم، والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس، ولا يتعلمون من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات، ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة)[8].
 وهذه الرواية صححها الشهيد الثاني[9]، ومحققهم الأردبيلي[10]، وعبدالله الجزائري[11]، وقال بتصحيحها أيضاً محققهم البحراني حيث قال: (ورد في جملة من الأخبار جواز الوقيعة في أصحاب البدع ومنهم الصوفية، كما رواه في الكافي في الصحيح)[12]، ومحققهم النراقي حيث قال بعد تصحيح الرواية السابقة: (فتجوز غيبة المخالف، والوقيعة:الغيبة..وتؤكده النصوص المتواترة الواردة عنهم في طعنهم ولعنهم وتكفيرهم، وأنهم شر من اليهود والنصارى، وأنجس من الكلاب)[13]، وكذلك شيخهم الأنصاري[14]، ومرجعهم الأكبر الخوئي حيث قال: (قد دلت الروايات المتضافرة على جواز سب المبتدع في الدين ووجوب البراءة منه واتهامه)[15].
كما صححها –أيضاً- مرجعهم الكلبايكاني حيث قال: (وأما المبتدع فيجوز ذكره بسوء لأنه مستحق للاستخفاف)[16]، ومرجعهم محمد سعيد الحكيم[17]، و الروحاني[18]، والطريحي حيث قال معلقاً: (فاعلم أنه لا ريب في اختصاص تحريم الغيبة بمن يعتقد الحق، فإن أدلة الحكم غير متناولة لأهل الضلال كتاباً ولا سنة)[19]، وعلامتهم المجلسي[20].
-       قال مرجعهم المعاصر الخوئي: (ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين ووجوب البراءة منهم، وإكثار السب عليهم، واتهامهم، والوقيعة فيهم: أي غيبتهم، لأنهم من أهل البدع والريب. بل لا شبهة في كفرهم)[21].
ثم قال بعدها: ( الوجه الثالث : أن المستفاد من الآية والروايات هو تحريم غيبة الأخ المؤمن، ومن البديهي أنه لا أخوة ولا عصمة بيننا وبين المخالفين)[22].
-       وقال سيدهم الروحاني: (جواز غيبة المخالف من المسلّمات عند الأصحاب)[23].
-       ويقول شيخهم الصادق الموسوي معلقاً على رواية منسوبة للسجاد تشبه ما نسبوه لنبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الإمام السجاد يجيز كل تصرف بحق أهل البدع.. من قبيل البراءة منهم وسبهم وترويج شائعات السوء بحقهم والوقيعة والمباهتة، كل ذلك حتى لا يطمعوا في الفساد في الإسلام وفي بلاد المسلمين وحتى يحذرهم الناس لكثرة ما يرون وما يسمعون من كلام السوء عنهم هكذا يتصرف أئمة الإسلام لإزالة أهل الكفر والظلم والبدع فليتعلم المسلمون من قادتهم وليسيروا على منهجهم )[24]!!
 
أقول: انظر أخي القارئ كيف يحث هذا الشيخ الشيعي عموم الشيعة للسير على منهج السب وترويج شائعات السوء والوقيعة والكذب والافتراء على الآخرين، والبراءة من المسلمين المخالفين لهم!
والسؤال هنا هو: إذا كان أهل السنة عند الشيعة حسب أصول مذهبهم وتقريرات كبار شيوخهم، هم: أولاد زنا، ولا بد من لعنهم، والكذب عليهم وقذفهم، وغيبتهم، وتكفيرهم، وأنهم شر من اليهود والنصارى، وأنجس من الكلاب، إلى آخر تلك الأوصاف الخطيرة والمسفة، فكيف يكون هناك تقاربَا، بل كيف يُتَصور قيام التعايش السلمي بين الشيعة والسنة، والشيعة يعتقدون تلك الأوصاف في أهل السنة؟
 
المصادر والمراجع:
(1) أوائل المقالات في المذاهب والمختارات- محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد (ص51 -52) دار الكتاب الإسلامي - بيروت.
(2) حق اليقين في معرفة أصول الدين- عبدالله شبر (ص510) موسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
(3) الأنوار النعمانية- نعمة الله الجزائري (2/279)، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت – لبنان.
(4) المكاسب المحرمة - الخميني (1 / 251)  الطبعة الثالثة 1410هـ، مطبعة إسماعيليان، قم.
(5) المكاسب المحرمة (1 / 251).
(6) المكاسب المحرمة (1 / 251).
(7) كتاب المكاسب- الأنصاري (1/ 319) الطبعة الأولى 1415هـ، مطبعة باقري، قم.
(8) الكافي- الكليني: (2/360 ).
(9) مسالك الأفهام (14/434).
(10) مجمع الفائدة (13/163).
(11) التحفة السنية (ص31).
(12) الحدائق الناضرة (18/164).
(31) مستند الشيعة (14/162).
(14) المكاسب (1/353).
(15) مصباح الفقاهة (1/281).
(16) الدر المنظور (2/148).
(17) مصباح المنهاج (ص359).
(18) فقه الصادق (14/296).
(19) مجمع البحرين (3/343)
(20) بحار الأنوار (72/235).
(21) مصباح الفقاهة (1/504).
(22) مصباح الفقاهة (1/505).
(23) فقه الصادق (14/345).
(24) نهج الانتصار (ص 152). وانظر: تنبيه الخواطر (2 / 162)، وسائل الشيعة (11 /508).
 
الشيعة والتفريق بين السلفية وبين الأشاعرة والصوفية
عايض بن سعد الدوسري
إذا كانت "التقيَّة" أو" متاهات التلاعب بالألفاظ والمصطلحات" الموجودة لدى الشيعة، من أهم عوائق الوحدة الإسلامية والتقارب أو التعايش السلمي، فإنَّ الأمر لا يقف عند هذين العائقين فحسب، بل هناك عوائق عديدة وخطيرة، يجب على عقلاء وحكماء الشيعة أن ينظروا إليها بجديةٍ وتبصرٍ، ثم يُعيدوا مراجعتها ليزيلوا كل ما يُخالف الوحدة الإسلامية القائمة على الإسلام النقي الصافي.
ومن تلك العوائق: محاولة بعض الشيعة –هداهم الله- استخدام حيل ملتوية وغير أخلاقية للتفريق بين أهل السنة، وذلك كقولهم: "نحن ليس بيننا وبين أهل السنة مشكلة، مشكلتنا فقط مع الوهابية أو مع السلفية". فهذه الحيلة، أي: "حيلة التفريق بين السلفية وبقية أهل السنة"، مع كونها محاولة شيعية غير بريئة للتفريق بين البيت السني الواحد؛ فإنها أيضاً من الكذب المحض، لأنهم -كما قرأتَ سابقاً في الحلقة الثانية - لا يفرقون في تكفيرهم بين أحدٍ من أهل السنة بل من عموم المسلمين.
فموقف الشيعة من الأشاعرة -مثلاً- لا يختلف عن موقفهم من سائر أهل السنة، من حيث الشدة والغلو في التكفير، والإخراج عن دائرة الإسلام، واللعن وتجويز غيبتهم، والكذب عليهم، وانتهاك أعراضهم.
فهذا العالم الشيعي الكبير "المازندراني" يعتقد أنَّ الأشاعرة هم مجوس الأمة، فقد روى هذا العالم حديثاً منسوباً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قوله: (القدرية مجوس هذه الأمة). ثم علق عليه، فقال: (هم الأشاعرة)[1]. وقال أيضاً: (فالأشاعرة هم أنذل وأنزل من أن يفهموا هذه المعاني) [2].
وأطبق علماء الشيعة على وصف الأشاعرة بالشرك والتجسيم، بسبب إثباتهم بعض الصفات، ووصف الأشاعرة بالشرك والتجسيم يلزم منه وصف كافة أهل السنة والجماعة بالشرك والتجسيم على معتقد الشيعة!
يقول العالم الإمامي الشيعي المازندراني: (الأشاعرة يثبتون له تعالى صفات الجسم ولوازم الجسمية ويتبرؤن من التجسيم.. وهذا تناقض يلتزمون به ولا يبالون، وهذا يدل على عدم تفطنهم لكثير من اللوازم البينة أيضاً، وعندنا هو عين التجسيم) [3].
وقد نسبَ نصير الدين الطوسي، وعلامتهم الحليّ، و محمد حسن ترحيني إلى الأشاعرة الشرك والتعدد في ذات الله،  حيث زعموا أنه يلزم الأشعرية من مذهبهم في الصفات وجود قدماء مع الله في الأزل، وهذا شرك وتعدد[4].
وهذا حافظهم "رجب البرسي" -أحد علماء الإمامية- يقول: (وأما الإمامية الإثناعشرية، فإنهم أثبتوا لله الوحدانية، ونفوا عنه الاثنينية، ونهوا عنه المثل والمثيل،  والشبه والتشبيه، وقالوا للأشعرية: إن ربنا الذي نعبده ونؤمن به ليس هو ربكم الذي تشيرون إليه، لأن الرب مبرأ عن المثلات، منـزه عن الشبهات، متعال عن  المقولات) [5].
وذهب الشيخ مصطفى الخميني إلى أنَّ الأشاعرة من المشركين بالله، حيث قال: (ولعمري إن هذه الشبهة ربما أوقعت الأشاعرة في الهلكة السوداء، والبئر الظلماء، حتى أصبحوا مشركين) [6].
وذهب العالم الشيعي "نعمة الله الجزائري" -بناءً على ما تقدم- إلى الحكم على الأشعرية بالكفر، وأنهم مخلدون في النار، بل وجعلهم في درجة أسوء من المشركين الأصليـين،!
يقول: (الأشاعرة لم يعرفوا ربهم بوجه صحيح، بل عرفوه بوجه غير صحيح، فلا فرق بين معرفتهم هذه وبين معرفة باقي الكفار) [7].
وقال: (الأشاعرة ومتابعوهم أسوء حالاً في باب معرفة الصانع  من المشركين والنصارى.. فمعرفتهم له سبحانه على هذا الوجه الباطل من جملة الأسباب التي أورثت خلودهم في النار مع إخوانهم من الكفار) [7].
 
وإذا كان هذا هو موقف الشيعة من الأشاعرة، فإنه لم يكن موقِفُهم من الصوفيةِ أحسنَ حالاً من موقفهم من سائر المخالفين، فالصوفية عندهم مثل الأشاعرة، والذين هم من عامة المسلمين من غير الشيعة، فقد اعتبروهم زنادقة وأعداء لأهل البيت، ولم يكن هذا الحكم على القائلين بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود من الصوفية، بل كان حكمًا بالزندقة على خير الزهاد من أهل السنة كالحسن البصري وسفيان الثوري.
يقول شيخ الشيعة ومحدثهم وفقيههم "الحر العاملي": (لا يوجد للتصوف وأهله في كتب الشيعة وكلام الأئمة عليهم السلام ذكر إلا بالذم، وقد صنفوا في الرد عليهم كتباً متعددة ذكروا بعضها في فهرست كتب الشيعة. قال بعض المحققين من مشايخنا المعاصرين: اعلم أن هذا الاسم وهو اسم التصوف كان مستعملا في فرقة من الحكماء الزايغين عن الصواب، ثم بعدها في جماعة من الزنادقة وأهل الخلاف من أعداء آل محمد كالحسن البصري وسفيان الثوري ونحوهما، ثم جاء فيمن جاء بعدهم وسلك سبيلهم كالغزالي رأس الناصبين لأهل البيت) [8].
وقال أيضاً: (روى شيخنا الجليل الشيخ بهاء الدين محمد العاملي في كتاب الكشكول، قال: قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم من أمتي اسمهم صوفية ليسوا مني، وإنهم يهود أمتي وهم أضل من الكفار، وهم أهل النار")[9].
ثم عقد فصلاً كاملاً تحت عنوان: (ذكر بعض مطاعن مشايخ الصوفية وجواز لعن المبتدعين والمخالفين والبراءة منهم) [10].
 ثم سرد الروايات والأقوال في مطاعن الصوفية ولعنهم والافتراء عليهم!
إذن، مقالة الشيعة: "نحن ليس بيننا وبين الأشاعرة والصوفية وبقية أهل السنة أي خلافٍ، وإنما الخلاف بيننا وبين السلفيَّة أو الوهابية"، ليس له أي أساسٍ من الصحة، إذ مع كون ذلك من الكذب المحض، فإنه مجرد حيلة وإستراتيجية للتفريق بين أهل السنة، وتفتيت البيت السني الداخلي، لاستدراج بعضهم لحرب البعض الآخر، أو مجرد الصمت على ما يتعرض له إخوانهم من أهل السنة على يد الشيعة، وهذا الأمر لا يخفى على عقلاء أهل السنة.
 
إنني أُناشد من هذا المنبر المبارك عقلاء الشيعة إلى مقاومة هذه الموانع المنيعة التي تقف في وجه التعايش السلمي والوحدة الإسلامية، فالأساليب الملتوية والمخاتلة والمخادعة لم تعد تنطوي على العقلاء والحكماء من أهل السنة.
لأن العالم في يومنا المعاصر أُدرك الحقائق، واطلع على بواطن كتب ومراجع الشيعة، فعرف تلك الأساليب، وكشف تلك الحيل، ولا بد من وقفة صادقة من عقلاء الشيعة لنبذ تلك العقائد الفاسدة التي كُفر وفُسق ولُعن وهُتك من أجلها خيار الأمة وأفراد أهل السنة وجماعاتهم.
أن نبدأ اليوم خير من أن نتقاعس إلى الغد، فإن الأمة لم تعد تحتمل وتطيق المؤتمرات البراقة، والخطابات اللامعة، والكلمات الرنانة، والندوات الجذابة، التي لم تستفد منها الأمة مقدار ذرة واحدة على الأرض الواقع، ولذا؛ فإنه بدون الصدق والصراحة والشجاعة والوضوح في نقد تلك الموانع الفاسدة، فإن الأمة لن تستفيد شيئًا البتة.
 
المراجع والمصادر:
(1) شرح أصول الكافي – محمد صالح المازندراني (5/11).
(2) شرح أصول الكافي (3/102).
(3) شرح أصول الكافي (3/202).
(4) انظر: شرح الإشارات والتنبيهات- الطوسي، تحقيق: سليمان دنيا (3/ 70) الطبعة الثالثة، دار المعارف.  والرسالة السعديّة- الحلي، عناية: محمود المرعشي، عبدالحسين محمد علي بقال (ص 50 - 51). والإحكام في علم الكلام- السيد محمد حسن (ص25) دار الأمير للثقافة والعلوم.
(5) مشارق أنوار اليقين-البرسي، تحقيق: علي عاشور، (ص337) الطبعة الأولى 1419هـ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
(6) تفسير القرآن الكريم مفتاح أحسن الخزائن الإلهية- السيد مصطفى الخميني، تحقيق: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، (1/103). مؤسسة العروج، الطبعة الأولى 1418هـ.
(7) الأنوار النعمانية (2/ 278).
(8) رسالة الاثني عشرية في الرد على الصوفية – الحر العاملي (ص 13–16).
(9) رسالة الاثني عشرية في الرد على الصوفية – الحر العاملي (ص 13–16).
(10) انظر كامل: رسالة الاثني عشرية في الرد على الصوفية – الحر العاملي
 
 
 
لماذا تحالف الشيعة مع التتار
 
تحدثتُ في الحلقات الأولى عن موقف الشيعة من أهل السنة –على اختلافهم: أهل الحديث والأشاعرة والصوفية-، فهؤلاء حسب أصول مذهب الشيعة وتقريرات كبار شيوخهم، هم: أولاد زنا، ولا بد من لعنهم، والكذب عليهم وقذفهم، وغيبتهم، وتكفيرهم، وأنهم شر من اليهود والنصارى، وأنجس من الكلاب، إلى آخر تلك الأوصاف الخطيرة والمسفة.
وإذا كان هذا الموقف الشيعي هو ما تواترت به أقول كبار علمائهم، فالسؤال الذي قد يطرحه البعض، هو:
 
كيف سيتعامل الشيعة مع أهل السنة في أوقات الأزمات؟
هل سيغلبون الخطاب المدني الذي كانوا يرددونه وقت السلم؟
وهل سيقبلون بالوحدة والتعايش السلمي التي طالما تغنى به بعضهم؟
أم سيطبقون ما يعتقدونه في أهل السنة في تلك النصوص التي تم سردها في الحلقات الأولى؟
 
أقول: من أنصف الإنصاف أن لا يُؤخذ المرء إلا بما قال أو فعل، عن عمدٍ وإصرارٍ، ولذا سوف أعرض لما حصل للمسلمين في القرن السابع، يوم تهاوت دولهم وممالكهم وإماراتهم تحت سنابك خيل التتار، ودمرت ممالك الحضارة الإسلامية في الشرق الأقصى، وسرى ذلك الدمار الأسود نحو الغرب الإسلامي، يأكل الأخضر واليابس، والمسلمون في غفلة ورقادٍ، حتى استيقظوا على تدمير الخلافة العباسية، وسحل الخليفة، واغتصاب عشرات الآلاف من الحرائر أمام عيون آبائهن وإخوانهن.
عندها أفاق المسلمون على نكبة عظيمة لم يشهد لها تاريخ البشرية مثال، كما نص على ذلك أكثر من مؤرخ ممن شهد وعيان تلك الوقائع التاريخية.
والسؤال: هل توحد المسلمون –سنة وشيعة- أمام هذا التحدي الأعظم، وهل غلب الشيعة الخطاب المدني والسلم الاجتماعي، والتعايش السلمي؟
 
إن ما حصل من الناحية العملية يُعد كارثة إنسانية من كل وجهة، فإن ذاكرة الأمة الإسلامية لا تزال مثقلة بالآلام وهي تستعيد الصور المريرة لسقوط بغداد عام 656هـ،  وتتذكر ما فعله الوزير الشيعي "ابن العلقمي" الذي وثق فيه الخليفة السني، لكنه قابل ذلك بالخيانة وتعاون مع التتار سراً لغزو بغداد وتدميرها.
فقد ذكر المؤرخ "قطب الدين اليونيني البلعبكي" أن ابن العلقمي كاتب التتار وأطمعهم في البلاد وأرسل إليهم غلامه وأخاه بذلك. (1)
وذكر "الإمام الذهبي" أن ابن العلقمي استطاع أن يقطع أخبار الجند الذين استنجد بهم المستنصر، وأنه بذل جهده في أن يزيل دولة بني العباس ويقيم علوياً، وأخذ يكاتب التتار ويراسلونه. (2)
وذكر المؤرخ "اليافعي" أن التتار دخلوا بغداد ووضعوا السيف في أهلها، واغتصبوا الحرائر وقتلوا الأطفال، واستمر القتل والسبي نيفًا وثلاثين يوماً، وقل من نجا. وذَكَرَ أن سبب دخولهم هو "ابن العلقمي" الذي كاتبهم وحرضهم على قصد بغداد ليقيم خليفة علوياً، وكان يكاتبهم سراً، ولا يدع المكاتبات تصل إلى الخليفة.
ثم ذكر "اليافعي" أن الوزير ابن العلقمي خدع الخليفة وأوهمه أن التتار يريدون عقد الصلح معه، وحثه أن يخرج إليهم بأولاده ونسائه وحاشيته، فخرجوا فضربت رقاب الجميع، وصار كذلك يخرج طائفة بعد طائفة، فتضرب أعناقهم حتى بقيت الرعية بلا راع، وقتل خير العلماء في العراق، وقتل من أهل الدولة وغيرهم ألف، ألف وثمان مائة.(3)
 
ويقول المؤرخ الشيعي "نور الله الششتري المرعشي" ما نصه عن حقيقة الدور الذي لعبه ابن العلقمي: (إنه كاتب هولاكو والخواجه نصير الدين الطوسي، وحرضهما على تسخير بغداد للانتقام من العباسيين بسبب جفائهم لعترة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم).(4)
 
وهنا نصٌ خطيرٌ للغاية، لأحد كبار علماء الشيعة وهو العلامة "الخوانساري"، حيث تحدث بفرح عظيم، ونشوة كبيرة، عندما تحدث عن مصيبة بغداد على يد المغول، واعتبرها فتحًا وانتصارًا، وإصلاحًا للنظام، وأثنى على المحتل المغتصب المجرم "هولاكو"، واعتبر أن الدماء الطاهرة البريئة التي سالت من أطفال العراق، ونساء العراق، وشيوخ العراق، ليست إلا دماء قذرة وعفنة!!
 فقد قال العلامة الشيعي "الخوانساري" عند ترجمته لنصير الدين الطوسي ما نصه:
(ومن جملة أمره المشهور المعروف المنقول حكاية استيزاره للسلطان المحتشم هولاكو خان، ومجيئه في موكب السلطان المؤيد مع كمال الاستعداد إلى دار السلام بغداد لإرشاد العباد وإصلاح البلاد، بإبادة ملك بني العباس، وإيقاع القتل العام من أتباع أولئك الطغام، إلى أن أسال من دمائهم الأقذار كأمثال الأنهار، فانهار بها في ماء دجلة، ومنها إلى نار جهنم دار البوار)!(5)
 
أقول: إن من في قلبه ذرة إسلام أو إيمان أو إنسانية أو حبٍ للتعايش السلمي والمجتمع المدني، لا يقول مثل هذا القول؟ وأي قلبٍ يفرح ويتشفى بسفك دماء أطفال المسلمين، وهتك أعراض الحرائر، وقتل الشيوخ؟
والأخطر من ذلك كله، أنَّ العلامة الشيعي "الخوانساري" اعتبر أن هؤلاء الضحايا الذين ذبحوا على يد الكفرة التتار، سيكون مصيرهم إلى جهنم!!
ومما يؤسف له حقًا، أنَّ هذا التصرف المشين كان محل تقدير واحترام من علماء ومراجع الشيعة، بل إنَّ جنس هذا الفعل مُقرر في الأدبيات الشيعية، ومحل تقدير واستحباب!
فهذا إمام العصر عند الشيعة "الإمام الخميني" يقول بكل صراحة ما نصه: (إذا كانت ظروف التقية تلزم أحداً منا بالدخول في ركب السلاطين، فهنا يجب الامتناع عن ذلك حتى لو أدى الامتناع إلى قتله، إلا أن يكون في دخوله الشكلي نصر حقيقي للإسلام والمسلمين مثل دخول علي بن يقطين ونصير الدين الطوسي رحمهما الله).(6)
أقول: أما خدمة "نصير الدين الطوسي" التي يرى "الخميني" أنها هي النصر الحقيقي للإسلام، فقد شرحها لك للتو العلامة الشيعي "الخوانساري"!!
 أما خدمة "علي بن يقطين" للإسلام –كما يعتقد الخميني- فندع بيانها لأحد علماء الشيعة وهو العلامة الشيعي "نعمة الله الجزائري" وملخصها كما يلي حسب ما ذكره:
أن "علي بن يقطين" كان مسئولاً في الدولة العباسية، وسنحت له الفرصة لقتل خمسمائة من أهل السنة، فقتلهم بأن هدم عليهم سقف السجن فماتوا كلهم، فأرسل يستفسر عن عمله عند إمامه المعصوم، فأقره على عمله وعاتبه أنه لم يستأذنه في قتلهم. ثم جعل كفارة كل رجل من أهل السنة (تيساً) وقال الإمام المعصوم: "والتيس خير منهم".(7)
 
 يقول العالم الشيعي "نعمة الله الجزائري" معلقاً على هذه الحادثة، وهو لا يخفي فرحه وتشفيه وسخرية من مقتل أهل السنة:
(فانظر إلى هذه الجزية التي لا تعادل دية أخيهم الأصغر وهو كلب الصيد، فإن ديته عشرون درهماً، ولا دية أخيهم الأكبر وهو اليهودي).(8)
 
ومما يؤسف له أن "ابن العلقمي" لم يكن وحده في ذلك، بل كان معه كثرة كاثرة من شيعة بغداد قد فعلوا مثل فعله!
فقد ذكر المؤرخ "رشيد الدين الهمداني" والمؤرخ "أبو المحاسن" أن الشيعة في: الكرخ، والحلة، وبغداد، خرجوا في استقبال هولاكو استقبال الفاتحين الأبطال، والتحق كثير من الشيعة  بجيش المغول، وأقاموا الأفراح ابتهاجاً بهم!(9)
 
ومن الخدمات الجليلة التي قدمها "نصير الدين الطوسي" تلك الرسالة التي كتبها -بوصف وزيراً لهولاكو- إلى أهل السنة في الشام، يهددهم ويروعهم فيها، ويتوعدهم إذا هم لم يدخلوا في طاعة التتار، وأنه سوف يفعل بهم كما فعل بأهل بغداد!!
 يقول الطوسي: (اعلموا أنا جند الله، خلقنا من سخطه، فالويل كل الويل لمن لم يكن من حزبنا، قد خربنا البلاد، وأيتمنا الأولاد، وأظهرنا في الأرض الفساد، فإن قبلتم شرطنا، وأطعتم أمرنا، كان لكم مالنا، وعليكم ما علينا)(10).
 
أما مرجع الشيعة الأوحد في ذلك الوقت وعميد الطائفة في بغداد بلا منازع فهو العالم والمرجع الكبير "ابن طاووس"، الذي كان رأس الشيعة في وقته، ويمكننا أن نشبه مكانته في ذلك الوقت بمكانة المرجع الشيعي "علي السيستاني" في هذا الوقت.
والسؤال: ماذا كان موقف هذا المرجع الشيعي الكبير "ابن طاووس" من المغول الذي قدموا إلى بغداد لتدمير حاضرة الإسلام والمسلمين؟
أقول: حتى يكون الكلام علميًا وموثقًا، فإنه لا بد من أخذ كلام هذا المرجع الكبير من كتبه نفسها أو من مصدرٍ شيعي موثوق، حتى لا يُدان بما لم يثبت عليه، وهذا من الإنصاف والموضوعية.
للأسف الشديد، فإنَّ هذا العالم الشيعي الكبير، قد كتب كتابًا بنفسه عبر فيه عن مشاعره تجاه ما حلَّ ببلاد المسلمين، حيث أعلن عن فرحته بدمار دولة الإسلام، وسماه فتحاً، وأخذ يترحم على هولاكو الوثني المشرك!
 يقول المرجع الكبير "ابن طاووس": (يوم ثامن عشر محرم وكان يوم الإثنين سنة 656هـ فتح ملك الأرض – يقصد هولاكو- زيدت رحمته ومعدلته ببغداد).(11)
وذكر المؤرخ الشيعي "ابن الطقطقي" أن "ابن طاووس"  أصدر فتوى لهولاكو بتفضيل الكافر العادل على المسلم الجائر!!(12)
يقول العالم الشيعي "علي العدناني الغريفي" معلقاً على هذه الحادثة: (وقد نال ابن طاووس بفتياه هذه مقاماً كبيراً في نفس الكافر المحتل)(13).
 
ودعونا الآن نستمع بكل إنصاتٍ وخشوعٍ لما قاله المرجع الكبير "ابن طاووس" نفسه وفي كتابه، عن المكافأة التي  قدمها له هولاكو على وفائه، حيث عينه مرجعاً دينياً عامًا للشيعة، وجعل له حماية عسكرية تُحيطه بالعناية والرعاية!!
يقول "ابن طاووس" نفسه: (ولم نزل في حمى السلامة الإلهية، وتصديق ما عرفناه من الوعود النبوية، إلى أن استدعاني ملك الأرض –هولاكو- إلى دركاته المعظمة جزاه الله بالمجازات المكرمة في صفر، وولاني على العلويين والعلماء والزهاد، وصحبت معي نحو ألف نفس ومعنا من جانبه من حمانا إلى أن وصلت "الحلة" ظاهرين بالآمال).(14)
 
وقد نصَّ العلامة الشيعي الكبير "ابن مطهر الحلي" أن أباه والسيد "محمد ابن طاووس"، أجمع رأيهما على مكاتبة هولاكو، بأنهم مطيعون داخلون تحت دولته.
وأن هولاكو سألهم بما معناه: لماذا تركتكم خليفتكم؟ ولماذا تخونونه؟ ألا تخافون منه إذا انتصر عليَّ!
فأجابه والد "ابن مطهر الحلي" بأن رواياتهم الشيعية تحثهم على مبايعة المغول وترك الدولة العباسية، وأنك يا هولاكو المنصور الظافر!
ويعلق "ابن مطهر الحلي" على قصة والده، وكيف عاملهم هولاكو على موقفهم الإيجابي منه، فقال: (فطيب قلوبهم وكتب فرماناً باسم والدي يطيب فيه قلوب أهل الحلة وأعمالها)(15).
 
هذا بعض ما حصل في القرن السابع للأمة الإسلامية، والسؤال: هل يمكن أن يتكرر هذا الموقف؟
أقول: إن هذا الموقف العملي لم ينبع من فراغٍ، بل نبع من النصوص التراثية السابقة، ولكي نمنع تكرار ما حصل، لا بد من حذف ومحاربة كل نصوص الكراهية الموجودة في التراث الشيعي، والتي تحقن الفرد الشيعي بالكراهية، وتحثه على الثأر، وما مسيرات عاشوراء التي تحمل لافتات "يا لثارات الحسين" إلا خير تعبير وأصدق عنوان لهذا التراث الذي يغذي  الكراهية في قلوب أطفال وشباب الشيعة الأبرياء، الذين يُعلمون الكراهية والإقصائية منذ نُعومة أظافرهم.
 
المصادر والمراجع:
(1) انظر:  ذيل مرآة الزمان – سبط ابن الجوزي ( 1/85)
(2) دول الإسلام – (2/118).
(3) مرآة الجنان (ج4/137 -138).
(4) مجالس المؤمنين (ص400).
(5) روضات الجنات ( 6/300).
(6) الحكومة الإسلامية (ص142).
(7) الأنوار النعمانية- نعمة الله الجزائري (2/308).
(8) الأنوار النعمانية- نعمة الله الجزائري(2/308).
(9) جامع التواريخ (1/259). النجوم الزاهرة( 7/49).
(10) مخطوطة في مكتبة كلية الآداب – جامعة بغداد: (رقم 975).
(11) إقبال الأعمال- لابن طاووس (ص586).
(12) الفخري في الآداب السلطانية  (ص17)
(13 ) مقدمة بناء المقالة الفاطمية - ابن طاووس (ص18 ).
(14) إقبال الأعمال- لابن طاووس ( ص568).
(15) سفينة النجاة- عباس القمي (1/568).
 
 
 
 
 
موقف الإثني عشرية من الفرق الشيعية الأخرى
 
ثارت الحلقات السابقة من سلسلة (الشيعة والآخر) بعض القراء الشيعة، الذين أعرب بعضهم عن حزنه الشديد لوجود تلك النصوص الكثيرة التي يتميز بها التراث الشيعي، والتي تُغذي باستمرار روافد الكراهية والإقصاء والتكفير، وأبدى بعضهم حزنه وأساه بسبب ما يتمتع به هذا التراث، في عصرنا اليوم، من الحصانة والحماية والتجديد، من قبل كثيرٍ من المرجعيات الشيعية.
كان واضحًا على بعضهم الصدمة والحزن معًا، وبعضهم حاول أن يُشكك في صحة ثبوت تلك النصوص، والبعض الآخر حاول أن يتجاهلها ليهرب إلى الأمام. إنني أتفق مع الفريق الأول أن حجم الكارثة كبير بهذا التراث، الذي يُغذي عقول الأطفال والشباب بالكراهية، ويُكرس "الانفصال الشعوري" عن المجتمع الأم، ليَعْزِلَ تلك العقول البريئة في "الغَتو" المنغلق على نفسه، والمُسَيّطَر عليه من قبل المراجع، الذي يأخذون الخمس مقابل ترويج ثقافة الكراهية.
أما الفريق الذي يُشكك بما نقلته عن التراث الشيعي، فإنني أتمنى عليه أن يستدرك أو يُصحح أي حرفٍ أخطأتُ فيه، وله مني الشكر والتقدير، وأتقبل منه الرأي المخالف برحابة صدرٍ وسلامة نفسٍ، فالقضية هي قَصْدُ الحق، وإصابة الحقيقة.
أما الفريق الثالث، الذي يهرب إلى الأمام، فلا بد أن يعي حقيقة خطيرة، وهي أنَّ  الغلو والتطرف إذا كان من صميم مذهبٍ ما؛ فإنه حتمًا لا حدود له، وهذا ما ينطبق على المذهب الشيعي الإثني عشري، الذي لم يكتف بتكفير واستباحة دماء أهل السنة، بل يبدو أن الغلو في التكفير قد وصلَ إلى حدٍ عظيمٍ، حيث تعدى الفرق غير الشيعية إلى الفرق الشيعيَّة -أيضاً- من غير الإثنى عشرية، وإن كانت من الشيعة الإمامية مثل: "الواقفة"، و"الفطحيَّة"، و"الناووسيَّة"، و"الإسماعيلية"، و"العلوية النصيرية"، أو غيرها "كالزيدية"، وغيرها من فرق الشيعة الأخرى، التي تُعتبر كافرةً مرتدةً نجسةً عند الإثني عشرية!
 
فهذا المرجع الشيعي الكبير المعاصر آية الله العظمى "محمد الحسيني الشيرازي"، يقول: (وأما سائر أقسام الشيعة غير الإثني عشرية، فقد دلت نصوص كثيرة على كفرهم، ككثير من الأخبار المتقدمة، الدالة على أن من جحد إماماً كان كمن قال: "إن الله ثالث ثلاثة")[1].
 
وبين يدينا الآن نصٌ من أهم وأخطر النصوص، وهو لعالمٍ من كبار علماء الإثني عشرية، يشرح فيه بكل وضوح حقيقة موقفهم من أهل السنة الذين يسمونهم "العامة"، وموقفهم من فرق الشيعة الأخرى، إنه نصٌ خطيرٌ وعظيمٌ في هذا الباب ويشرح لك بكل وضوح وشفافية معتقد الشيعة في أهل السنة، وكيفية التعامل معهم بناءً على "منهجية المخادعة"، وموقفهم من الفرق الشيعية الأخرى غير الإثني عشرية.
يقول الشيخ والعلامة الشيعي "بهاء الدين العاملي": (المستفاد من تصفح كتب علمائنا، المؤلفة في السير والجرح والتعديل، أن أصحابنا الإمامية كان اجتنابهم لمن كان من الشيعة على الحق أولاً، ثم أنكر إمامة بعض الأئمة -عليهم السلام- في أقصى المراتب، بل كانوا يحترزون عن مجالستهم، والتكلم معهم فضلاً عن أخذ الحديث عنهم، بل كان تظاهرهم بالعداوة لهم أشد من تظاهرهم بها "للعامة" –أي أهل السنة-، فإنهم كانوا يتقون "العامة"، ويجالسونهم وينقلون عنهم، ويظهرون لهم أنهم منهم، خوفا من شوكتهم، لأن حكام الضلال منهم.
وأما هؤلاء المخذولون، فلم يكن لأصحابنا الإمامية ضرورة داعية إلى أن يسلكوا معهم على ذلك المنوال، وخصوصاً "الواقفة"، فإن الإمامية كانوا في غاية الاجتناب لهم، والتباعد عنهم، حتى أنهم كانوا يسمونهم "الممطورة" أي: الكلاب التي أصابها المطر. وأئمتنا -عليهم السلام- كانوا ينهون شيعتهم عن مجالستهم ومخالطتهم، ويأمرونهم بالدعاء عليهم في الصلاة، ويقولون: إنهم كفار، مشركون، زنادقة، وأنهم شر من النواصب، وأن من خالطهم فهو منهم، وكتب أصحابنا مملوءة بذلك)[2].
وقد نقل العلامة الشيعي الشيخ "الحر العاملي" الكلام السابق بطوله مؤيداً له ومُناصراً[3].
 
أقول: أتمنى من كل عاقلٍ أن يتأمل هذا النص الخطير!
إن موقف الشيعة الإثني عشرية من الشيعة الإمامية غير الإثني عشرية هو كما رأيت، فهم يعتقدون بكل صراحة حرمة مجالستهم، ووجوب الدعاء عليهم، وأنهم الكلاب الممطورة، وأنهم كفار، مشركون، زنادقة، وأنهم شر من النواصب، وأن من خالطهم فهو منهم، كل هذه الأحكام المغلظة والقاسية في حق مجموعاتٍ شيعيةٍ أنكرت فقط إمامًا واحدًا!
 
فبالله عليكم كيف هو موقفهم من أهل السنة؟ وهل يا ترى هؤلاء الشيعة يجيزون -عن قناعة عقائدية- مجالسة أهل السنة في مجالس الحوار الوطني و"الصوالين" الوطنية؟ وهل الدعوة إلى السلم المدني والتعايش السلمي دعوة حقيقية؟ وهل يعتبرون أنَّ أهل السنة مسلمون غير كفار، مؤمنون غير زنادقة مشركين؟
هل حقًا يؤمن الشيعة بذلك؟ أم أن المسألة كما بيَّنها علامتهم وإمامهم "بهاء الدين العاملي" أنَّ القضية مجرد "برنامج المخادعة التكتيكي" عبر "لعبة التقية" التي يُمارسونها مع أهل السنة؟
ثم لماذا يستخدمون مع أهل السنة إستراتيجية "المخادعة"؟
الجواب: قد قالها بكل صراحة الإمام الشيعي "بهاء الدين العاملي"، حيث بيَّن أن تلك الإستراتيجية بسبب الخوف من شوكة أهل السنة، لأن ولاة الأمر –"حكام الضلال" هكذا يقول العاملي- من أهل السنة!
 
إنَّ أقوى المستندات القانونية في العالم كله، وسيد الأدلة، هو اعتراف الشخص نفسه بدون ضغطٍ أو إكراه، إنه اعترافٌ صريحٌ من العالم الشيعي "بهاء الدين العاملي" بخداعهم لأهل السنة، وإظهارهم خلاف ما يـبطنون، واعتقادهم بأن حكام المسلمين حكام ضلال، ولهذا السبب فقط هم يتظاهرون بجواز مجالستهم والتودد لهم!
 كيف يمكن للسني أن يثق في هؤلاء، وهم -كما يقرر شيخهم وإمامهم "بهاء الدين العاملي"- يداهنون أهل السنة حينما يكون أهل السنة أقوياء وبيدهم الحكم، لكن حينما لا تكون بين أهل السنة قوة؛ فإن الشيعة لا يحتاجون بعدُ للتقية أو المداهنة، ولذلك فإنهم يَظهَرون على حقيقة طباعهم وقناعاتهم، كما فعلوا مع الفرقة الشيعية "الواقفة" على ما حكى ذلك شيخهم وإمامهم "بهاء الدين العاملي".
أليس يحسن بالمخلصين والصادقين والعقلاء من جيل الشيعة الحديث، أن يراجعوا مواقفهم، وأن يتأملوا عقيدتهم تلك، القائمة على المخادعة والتلون، لأن دين الله لا خداع ولا تلون فيه.
 
أقول: دعونا الآن من موقفهم من أهل السنة، ولنمضي قُدُمًا في بيان موقفهم من بقية فرق الشيعة غير الإثني عشرية.
يقول العالم الشيعي "البياضي" في حق الشيعة الإسماعيلية: (إنهم خارجون عن الملة الحنيفية بالاعتقادات الرديئة، وذلك أنهم قالوا: كل ظاهر فله باطن، وأن الله بتوسط كلمة "كن" أوجد عالمي الخلق والأمر، فجعلوه محتاجاً في فعله إلى الواسطة والآلة)[3].
وقال العلامة الشيعي "محمد طاهر النجفي": (وأما الإسماعيلية فمذهبهم واضح البطلان، لسوء عقائدهم، وقبح مذاهبهم)[4].
ونصَّ  المحقق الشيعي الشهير "الحلي" على نجاسة الإسماعيلية[5].
ووصف "عبدالله شُبر" الإسماعيلية بأنها: (من الفرق الضالة المبتدعة)[6].
وقال العلامة والإمام الشيعي "النوري الطبرسي": (ووافقنا على ذلك السيد الفاضل المعاصر "الخونساري" رحمه الله في الروضات في ترجمة "جلال الرومي" حيث قال: الإسماعيلية وإن كانوا في ظاهر دعاويهم الكاذبة، من جملة فرق الشيعة المنكرين لخلافة غير أمير المؤمنين عليه السلام، إلا أن الغالب عليهم الإلحاد، والزندقة، والمروق عن الدين، والخروج عن دائرة الموحدين، والمليين، وأتباع النبيين)[7].
 
إذًا، الفرق الشيعية الأخرى كالإسماعيلية وبقية الشيعة الإمامية غير الإثني عشرية، عند الشيعة الإثني عشرية هم كفارٌ ومشركون وأنجاسٌ وكلابٌ، وملاحدةٌ، وزنادقةٌ، يحرم مجالستهم. وهكذا كما ترى، سرى سُعَار التكفير والإقصاء حتى وصل الفرق الشيعية الأخرى، ولم يختلف حالها عن غيرها من الفرق والطوائف غير الشيعية.
هذا ما جعل الدكتور الإسماعيلي المعاصر "عارف تامر" يشتكي من ظلم الشيعة الإثني عشرية لطائفته الإسماعيلية عبر التاريخ، وجعله يترحم على أهل السنة وعلى معاملتهم للإسماعيلية، حيث يقول: (صرت أخشى أن ينالني مثلهم -يقصد قدماء الإسماعيلية- وأن يأتيني الدور فأتهم في عقيدتي وديني. إنَّ كل هذا يدفعني إلى الترحم على الأمويين والعباسيين الأعداء، فهم ليسوا أقسى قلباً من أبناء العم الأقربين)[8].
طبعًا، لم تقف الإسماعيلية مكتوفة اليد أمام هذا الهجوم الإثني عشري، فقد ردت الإسماعيلية التضليل بالتضليل، والتكفير بالتكفير، حيث رأوا أنَّ بعض أئمة الإثني عشرية أئمة ضلال، وأنهم أعظموا الفرية على الله، وأنهم جاءوا ليطفئوا نور الله، ومنعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعوا في خرابها، وأنهم شابهوا عقيدة النصارى في مهديهم الذي سيرجع آخر الزمان ليفصل بين الحق والباطل..إلخ [9].
 
 أقول: تأمل أخي القارئ -وفقك الله- ما قاله الدكتور الإسماعيلي "عارف تامر"، ثم تمعن طويلاً في كلام شيخ الإسلام "ابن تيمية"، لتعلم أن ما يقوله هذا الإمام الرباني آتٍ عن تجربة حقيقة، وأنه لا يرمي بالكلام في الهواء.
قال ابن تيمية: (فأهل السنة يستعملون معهم -أي المخالفين- العدل والإنصاف، ولا يظلمونهم، فإن الظلم حرام مطلقاً، بل أهل السنة لكل طائفة من هؤلاء خير من بعضهم لبعض، بل هم للرافضة خير وأعدل من بعض الرافضة لبعض، وهذا مما يعترفون هم به، ويقولون: أنتم تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضاً، ولا ريب أن المسلم العالم العادل أعدل عليهم وعلى بعضهم من بعض)[10].
 
 
المصادر والمراجع:
(1) كتاب الفقه- الشيرازي (4/ 269) دار العلوم، بيروت - لبنان.
(2) مشرق الشمسين- الشيخ بهاء الدين العاملي (273-274) مطبعة مهر، الطبعة الحجرية، إيران - قم 1398.
(3) وسائل الشيعة- الحر العاملي (3/ 203- 204).
(4) كتاب الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم- علي العاملي البياضي (2/ 272) المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
(5) الأربعين في إمامة الأئمة الطاهرين- النجفي، تحقيق: مهدي الرجائي (ص492).
(6) انظر: شرائع الإسلام - الحلي (1/ 12).
(7) حق اليقين- عبدالله شبر (ص251).
(8) خاتمة مستدرك الوسائل - المحقق الميرزا النوري الطبرسي (1 / 139)  تحقيق: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى 1415هـ، مدينة قم.
(9) كتاب افتتاح الدعوة- القاضي النعمان التميمي، تقديم: عارف تامر (ص10) الطبعة الأولى 1416هـ، دار الأضواء- بيروت.
(10) انظر: سرائر وأسرار النُطقاء- الداعي جعفر بن منصور اليمن، تحقيق: مصطفى غالب (ص 246- 264) دار الأندلس.
(11) منهاج السنة النبوية (5/ 157- 158).
 
 
 
التكفير والكراهية داخل البيت الشيعي
 
سبق أن ذكرتُ أنَّ بعض القراء الشيعة –وفقهم الله للخير- حاول أن يقفز على الحقائق التي صَرَّحَتْ بها النصوص المتوافرة في التراث الشيعي تجاه "الآخر"، مفضلاً الهروب إلى الأمام، ومغمضًا عينه عن تلك الأدبيات التي تشحن النفوس بالبغضاء والفرقة والعداء، ومبصرًا بعينه الأخرى القشة التي عند الآخرين، مفتشًا عن كل ما يتصور أنه مثلبة أو منقصة.
ونحن في سلسلة مقالات "الشيعة والآخر"، لسنا بصدد بيان جناية التراث الشيعي على أهل السنة فحسب، بل نحن هنا ناصحون للشيعة أنفسهم، رحمة بهم، وقياماً بحقهم علينا، ونحن نرى أنَّ هذا التراث ليس آفة على أهل السنة فحسب، بل إن جنايته طالت الشيعة أنفسهم.
 
إن الشيعي -وفقه الله للخير- لا يمكنه أن يتجاهل أنَّ نار الكراهية امتدت إلى الداخل الشيعي، ولو أحببنا استعراض الأحداث والحوادث للزمنا مجلدات كثيرة. إنَّ هذا التراث الأُحادي هو ما جعل الحوزة العلمية الشيعية في العالم تهاجم بضراوة المجتهد آية الله العظمى "محمد حسين فضل الله" متهمة إياه بالضلال والانحراف، حتى صدرت عشرات الفتاوى بحقه، تضليلاً وتفسيقًا وتبديعًا، وجُمعت في كتابٍ مستقلٍ تحت عنوان: "الحوزة العلمية تدين الانحراف"!
ومن يُنكر ما حصل لحجة الإسلام "محسن كديفر" في إيران، حيث سجن وعذب بسبب آرائه المعتدلة في "ولاية الفقيه". ومن يُنكر –كذلك- ما حصل للمرجع الكبير آية الله العظمى "محمد تقي الشيرازي" في إيران، الذي فرضت عليه سُلطات إيران الإقامة الجبرية ست عشرة سنة، وعُذب ولده وأحرق جسده بالزيت، ثم بعد وفاته نُهب ضريح المرجع الشيعي وأسقط وتم تعريته، ولم يُقبر حيث أوصى، بل قُبر على قارعة الطريق!
ولا يُنكر الشيعي ما حصل للعالم وابن أكبر مرجع للشيعة على الإطلاق، وهو الشيخ "عبدالمجيد الخوئي"، حينما زار العراق، ولاذ بحمى "الصحن الحيدري"، فلم يرحمه الشيعة، بل قطعوه إربًا بالسكاكين والسواطير، أمام القبر المزعوم لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ولم يُرقب في "عبدالمجيد الخوئي"، ولا في قبر الإمام إلاً ولا ذمةً، فهتكت الحرمات، وسفكت الدماء، وقُتل حفيد علي بن أبي طالب –كما يعتقد الشيعة- أمام قبر جده، وقُطعت أوصاله في حماه، وفي أقدس مكان عند الشيعة.
 
إن الأمثلة المعاصرة للعنف الداخلي الشيعي أكثر من أن تُحصى، ولو قارنت بين مكانة بعض علماء الشيعة في إيران وبين مكانتهم في البلاد السنية لوجدتَ اختلافًا كبيرًا، حيث لن تجد مثل تلك الانتهاك الصارخة التي حصلت لكثيرين منهم في بلد الشيعة الأول إيران.
لا بد للزملاء الشيعة –وفقهم الله للخير- أن يتنبهوا أن تراث التعصب والكراهية لن يولد إلا المزيد من التعصب والحدية، وقد انتقل هذا السُعار إلى داخل الفرقة نفسها، ووصل إلى درجاتٍ خطيرةٍ من التعصب والبعد عن الأدب الإنساني!
 
وليعلموا أن ذلك الأمر ليس مجرد وليد الساعة، فكما هو معلوم، فإن الشيعة الاثناعشرية قد انقسمت إلى فرق وطوائف كثيرة، من أبرزها: "الإخبارية"، و"الأصولية"، و"الشيخيَّة". وقد جرى بين تلك الطوائف ردود ومنازعات، وتكفير وتشنيع، حتى إن بعضهم أفتى بتحريم الصلاة خلف بعضهم الآخر[1]!
يقول الحجة العلامة السيد "محمد حسن آل الطالقاني" –من علماء النجف وهو عميد أسرة السادة آل الطالقاني- : (أوغل "الإخباريون" في الازدراء "بالأصوليين" إلى درجة عجيبة، حتى أننا سمعنا من مشايخنا والأعلام وأهل الخبرة والاطلاع على أحوال العلماء، أن بعض فضلائهم كان لا يلمس مؤلفات الأصوليين بيده تحاشيًا من نجاستها، وإنما يقبضها من وراء ملابسه)[2].
وتكلم حجة الإسلام "الطالقاني" عن طبيعة الخلاف بينهم، وإلى أي مستوى هبط بين علماء المذهب الشيعي، فقال: (كانت اللهجة قاسية، والأسلوب نابياً، وقد تزعم فريق الإخباريين في تلك الفترة "الميرزا محمد النيشابوري" المعروف بالإخباري، كما تزعم فريق الأصوليين الشيخ "جعفر كاشف الغطاء النجفي")[3].
 
ثم تحدث آية الله "الطالقاني" عن هذا الخلاف الشيعي الداخلي، الذي وصل في نهايته –كالعادة- للقتل وسفك الدماء البريئة، وهتك الحرمات، ثم سحل الجثث، والعبث بها، كمشهد متكرر منذ زمنٍ بعيد.
يقول حجة الإسلام "الطالقاني": (وقد تطرف الإخباري إلى أبعد حد ووسع شقة الخلاف كثيراً، وتخلى عن الأدب والحشمة والاحترام في مناقشته لعلماء الأصوليين في نقده ورده على السواء، وتطاول على أساطين الدين وعظماء المذهب بالشتم، واستعمل بذيء القول ومرذوله، أدى إلى وقوف العلماء قاطبة في وجهه وإجماعهم على هتكه وتحطيمه، حتى انتهت القصة بمأساة فظيعة، فقد قتل على أيدي العوام مع كبير أولاده بهجوم شنّ على داره في الكاظمية، وسلمت جثته إلى السكان للعبث بها)[4].
وقد كان العالم الإخباري المقتول صريحاً في قوله، يقول عنه الحجة "الطالقاني": (الإخباري تمادى في غيّه وتوسّع في اتهاماته لأساطين العلماء ونسبة الآراء الفاسدة والفتاوى المفتعلة القذرة لهم، كنسبته القول "بجواز اللواط" إلى السيد "محسن الأعرجي"، ونسبته أمثال ذلك إلى الشيخ "أبي القاسم القمي"، والسيد "علي الطباطبائي" وغيرهما)[5].
وكانت سيرة الشيخ الإخباري الجريء مدعاة لغضب شيخ الأصوليين "كاشف الغطاء"، فألف كتابه الشهير: "كاشف الغطاء عن معايب الميرزا محمد الأخباري عدو العلماء"، فقام الشيخ الإخباري ورد على كاشف الغطاء بكتاب سماه: "الصيحة بالحق على من ألحد وتزندق"[6]!
وقدر الله تعالى أن يمرض شيخ الأصوليين الإمام "جعفر كاشف الغطاء النجفي" بمرض كان يُصيب الخنازير ومات به، ففرح بذلك شيخ الإخباريين "الميرزا محمد الأخباري"، وشمت بشيخ الأصوليين، حتى أعتبره أحد أفراد الخنازير، لأنه مات بمرضهم.
يقول الحجة العلامة السيد "الطالقاني": (ولما توفي "كاشف الغطاء" بمرض الخنازير، قال "الإخباري": مات الخنـزير بالخنازير)[7].
 
 وقد اشتعل الخلاف الداخلي بين الشيعة "الإخبارية والأصولية"، وتأججت الأمور، واستفحلت المهاترات، حتى أدت إلى ما لا يخطر ببال.
 
قال الحجة "الطالقاني": (حتى أدت إلى هتك البعض لحرمة البعض، وانتقاص كل واحد الآخر. وكان كل فريق يرى وجوب قتل الفريق الآخر، وتطورت القضايا إلى أمور شخصية بحته تقريباً، فكان كل من الخصمين يهدف إلى الانتقام من خصمه والتطويح به)[8]!
ثم بعد مدة من الزمن توقف الصراع الثنائي مؤقتاً لوجود عدوٍ مشتركٍ بينهم، وهي فرقة الشيخية -شيخها أحمد الأحسائي، من الأحساء، وهم الذين اهتموا بالمعرفة الروحانية، والعلوم الفلسفيَّة- التي أدى ظهورها إلى اتفاق الإخبارية والأصولية ضد هذا الخصم الجديد!
 
كان ظهور الشيخ "أحمد الأحسائي"، الذي عُرف –كما يقول أتباعه- بالزهد وحسن المنطق، وبراعة الاستهلال، سببًا في التفاف كثيرٍ من الشيعة حوله، خصوصًا أنه عربي من الأحساء، فغار منه شيوخ الشيعة في إيران والعراق، وحاولوا الكيد له وإسقاطه، فوجدوا  في الكذب والافتراء على هذا الخصم الجديد أسهل طريقٍ لإسقاطه ، ومن ثم إصدار فتاوى التكفير ضده، لسحب البساط من تحت قدميه، ونفض الأتباع منه، وإبقائهم تحت نفوذ الشيوخ في إيران والعراق.
يقول العلامة حجة الله السيد "الطالقاني": (كتب "البرغاني الشهيد الثالث" إلى علماء كربلاء بأنه كفر الأحسائي وطلب متابعتهم في ذلك، فاستجابوا وارتفعت الأصوات معلنة كفره وصار الناس في حيرة مما حدث، ثم سادت الخصومة وتوسع الخلاف، وظهر لدى الشيعة مبدأ جديد، وقبرت خلافات الإخباريين والأصوليين، وحلت محلها الشيخية وخصومها)[9].
وتوالت صكوك التكفير من كل من حدب وصوب، فقد كفره: السيد علي الطباطبائي، والسيد مهدي، والشيخ محمد جعفر شريعة مداري، والمولى أغا الدربندري، والمازندراني، والسيد إبراهيم القزويني، والشيخ حسن النجفي، والشيخ محمد حسين الصفهاني.
ويتحدث السيد العلامة "الطالقاني"، عن "أحمد الأحسائي" والآثار السلبية التي خلفها بروزه وشهرته بين علماء الشيعة، حيث لجأ علماء وأكابر الشيعة للحيل والأساليب الملتوية لإسقاطه.
يقول العلامة الحجة "الطالقاني": (تألق نجم الأحسائي، وأخذت رياسته بالتوسع رغم إعراضه عنها، وأوشكت شهرته تغطي العلماء المعاصرين له، فلم يهن ذلك على بعضهم، بل ضاقوا به ذرعًا، وامتلأت صدورهم عليه حقدًا، وصمموا على دكه، غير أن المد الشعبي ومكانته الجماهيرية كانت ترهبهم ، فلزموا جانب الصمت ، إلا أنهم بدأوا يعملون في الخفاء للإطاحة به)[10].
 
ويواصل السيد العلامة "الطالقاني" شارحًا أساليب علماء الشيعة المتلونة والخفية في إسقاط خصومهم، ويشرح إستراتيجية المعممين في صناعة الفوضى الخلاقة، والزوابع الهدامة، والتي يهدفون منها إلى خنق أعدائهم والتضييق عليهم، حتى وإن كانوا شيعة!
 
يقول الحجة "الطالقاني": (ضاق القوم ذرعًا بالرجل وفكروا في الخلاص منه طويلاً، حتى اهتدوا إلى ما اهتدى إليه زملاؤهم علماء كربلاء من قبل، ورأوا أن الطريق الوحيد للإطاحة به وتفريق الناس عنه؛ هي إثارة زوبعة حوله، وذلك عمل يحسنونه ويعرفون كيفية التمهيد له والوصول إليه، كل ذلك يجري في الخفاء و"الأحسائي" مسترسل في سيرته وحديثه لا يعرف ما يبيت له القوم ولا يخطر له على بال)[11].
 
ولا بد من التنبيه هنا، أن أصل الخلاف ومنبعه خوف علماء وأساطين المذهب الشيعي "الأصولي" و"الإخباري" من انتشار المذهب "الشيخي" واستحواذه على عوام الشيعة، ومن ثم استحواذه على الأموال والأخماس والمخصصات والسيولة النقدية التي يتمتعون بها.
وهذا الأمر قديم قِدَم المذهب الشيعي، حيث روى شيخ الطائفة الطوسي عن أبي محمد هارون بن موسى، قال: قال لي أبو علي بن الجنيد، قال لي أبو جعفر محمد بن علي الشلمغانى –الذي كان وكيلاً عن النائب الثالث عن المهدي-: (ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح رضي اللّه عنه في هذا الأمر –يقصد جمع المال باسم وجود المهدي الطفل- إلاّ ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، لقد كنّا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف)[12].
 
 الشاهد، أنَّ علماء الشيعة دخلوا في معركة "تهارش" مع الشيخ "أحمد الأحسائي، وأخذوا يخططون للإطاحة به كما أطاح الشيعة الأقدمون بالوكيل عن أموال المهدي "أبو جعفر الشلمغانى"!
 
يقول السيد العلامة "الطالقاني": (وكان علماء كربلاء قد صمموا على تكفير كل عالم يرأس ويتزعم ويخافون تقدمه، وقد كفروا عددًا من العلماء ولكنهم لم ينجحوا مما اضطرهم إلى الخجل)[13].
ويتابع العلامة السيد "الطالقاني" فيضيف بُعدًا جديدًا للعداء الذي واجه الشيخ "أحمد الأحسائي" من قبل علماء شيعة العراق، حيث بيَّن أنهم من الفرس، وهم يكرهون العرب ويحتقرونهم، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العرب!
يقول الحجة السيد "الطالقاني": (تبودلت الآراء وتكررت المشورة بين علماء إيران والعراق، وكان أكثر علماء العراق يومئذ وإلى اليوم من الإيرانيين، فالإيرانيون في الغالب ينظرون إلى العرب نظرة ازدراء واحتقار ويعتقدون بتخلفهم الذهني، فكيف يروق لهم أن يأتي رجل من أطراف الإحساء وأبناء الصحراء، فيتفوق عليهم في بلادهم ويحظى بإقبال ملكهم وشعبهم، ولكن ذلك قد حصل بالرغم منهم، وأجبرهم على الاعتراف بتفوقه وتقدمه)[14]
ويسترسل السيد"الطالقاني" فيقول: (وقد أجمعت الكلمة على الوقيعة بالأحسائي ولكن من يوري الشرارة الأولى؟)[15]
ويتابع العلامة "الطالقاني" ويقول: (وبدأ "البرغاني" يعمل للانتقام من "الأحسائي" والوقعية به، وأخذ يتحين الفرص ويتسقط كلامه، للحصول على مدخل يلج منه، وممسك يتذرع به، وحانت الفرصة "للبرغاني" أن يلعب لعبته ويحقق رغبته فأضاف إلى الآراء بعض الكفريات ونشرها بين العوام، ونسب "الأحسائي" إلى تضليل العوام بآرائه وغلوه في الأئمة وكفره، وانتشرت أخبار تكفير "الأحسائي" في بقية المدن الإيرانية، وواصل "الأحسائي" سفره إلى خراسان، وكلما مر بمدينة وجد الانقسام حوله واضحًا، ففريق يتجاهله ويعرض عنه، وآخر يـبالغ في تعظيمه تعصبًا، وكتب "البرغاني الشهيد الثالث" إلى علماء كربلاء بأنه كفر "الأحسائي" وطلب متابعتهم في ذلك، فاستجابوا وارتفعت الأصوات معلنة كفره، وصار الناس في حيرة مما حدث، ثم سادت الخصومة وتوسع الخلاف، وظهر لدى الشيعة مبدأ جديد)[16]
 
ثم يُتابع العلامة السيد "الطالقاني" فيسهب في شرح مستوى الخلاف الذي حصل بين علماء الشيعة من جهة وبين الشيخ "أحمد الأحسائي" من جهة أخرى، ويبين إلى أي درجة وصل الانحطاط في الأخلاق، وإلى أي مدى هبطت أدبيات الخلاف.
يقول الحجة "الطالقاني": (وظل خصومه من جانبهم يغذون التفرقة، وينمون دواعي الاختلاف، وكان أن قاموا بعمل أبشع من كل ما عملوا، وتصرف أقبح من سائر ما ارتكبوا)[17]
 
أخي القارئ الكريم: ماذا يمكنك أن تتوقع ذلك الشيء القبيح الذي فعله هؤلاء العلماء الأجلاء من علماء الشيعة في حق "الأحسائي" كي يسقطوه ؟
 
لقد قام علماء الشيعة الأفاضل برفع كتاب (شرح الزيارة الجامعة الكبيرة)  للشيخ "أحمد الأحسائي" إلى الوالي العثماني في بغداد "داود باشا" وأطلعوه على مواضع منه فيها تعريض وطعن في حقِ أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.[18]
يا إلهي! علماء الشيعة تأخذهم الغيرة من أجل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فيقومون يشتكون إلى السلطان السني من الشيخ الشيعي "الأحسائي" الذي تعرض للشيخين!
 
وفي أثناء أزمة الشيخ "الأحسائي"  ضرب الله تعالى كربلاء بزلزال عنيف لم تر مثله من قبل، تساقطت المباني له، وذعر أهلها، وساد الهلع، فظن أتباع "الأحسائي" أنَّ ذلك نصر من الله وخذلان "للأصولية" و"الأخبارية"!
يقول السيد العلامة "الطالقاني": (ولم يردع ذلك -أي الزلزال- القوم ولم يكفوا عن عملهم بل عادوا إلى سابق وضعهم بعد أن هدأت الأوضاع بعض الشيء. وعمد بعضهم إلى تأليف كتاب حشاه بالفضائح والكفر والإفك وقول الزور وأقوال الملاحدة والزنادقة ونسبه إلى الأحسائي، وكان له مجلس عصر كل يوم يقرأ فيه تلك الفضائح على ملأ من الناس فتتعالى الأصوات من أرجاء المكان بلعن الأحسائي والبراءة منه ومن معتقداته، وبوجوب مقاومته والقضاء عليه)[19]
ويشرح السيد "الطالقاني" موقف الشيخ "الأحسائي" المسكين المظلوم، فيقول:
(وأخذ الأحسائي يرد على مؤاخذات خصومه بأسلوب علمي وحجج منطقية ويفسر أقواله المشتبه بها، ونفى عنه التهم والنسب غير الصحيحة، وتبرأ علنا من كل ما يخالف عقائد الشيعة الإمامية وأنه لم يقل ذلك في مجلس أو يسجله في كتاب، ودعا القوم مرارا للاجتماع والمداولة ولكنه لم يعر أذنا صاغية ولم يلتفت إلى طلبه، وتوجد صورة رسالة كتبها الأحسائي إلى تلميذه الشيخ "عبدالوهاب القزويني"، وفيها عرض واف ووصف دقيق لما جرى معه في كربلاء ، ولما وصل إليه القوم من إسفاف وإجحاف وظلم واعتداء كصرف الأموال لشراء الذمم واستئجار الأعوان على التنكيل به، وبث الإشاعات ضده، وبما أنها بقلم الأحسائي نفسه، وهو رجل صدوق لا يتطرق الشك إليه بوجه من الوجوده، ولا يحتمل في حقه الكذب أو الزيادة أو النقصان)[20]
وقام شيوخ الشيعة –أصوليين وإخباريين- بتحريض الوالي العثماني على الشيخ "الأحسائي" بسبب تكلمه في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، من أجل قتل الشيخ الأحسائي!!
يقول السيد الحجة "الطالقاني": (ولما بلغ "الأحسائي" خبر ذلك، رأى بقاءه في كربلاء غير صالح، فباع داره وأثاثه وحلي نسائه، وفر بأهله وأبنائه وزوجاته إلى الله قاصدًا بيته الحرام وقبر نبيه، مع ما كان من كبر السن وضعف القوى، ورغم مشقة الطريق وطوله فالخوف كان يدفعه، وقد مرض قبل الوصول إلى المدينة وتوفي وحمل إليها وقبر في البقيع)[21]
فها هو الشيخ يدرك بعد صبر طويلٍ ألا مأمنَ له بين أهل مذهبه وبني جلدته، فقرر أن يبحث عن أمنه وسكينته في أوساط أهل السنة الذين كانوا يوصفون زوراً بأنهم أعداء أهل البيت.
 
وقد يظن القارئ الكريم أنَّ ما قام به علماء الشيعة –إخباريون وأصوليون- إنما كان تصرفًا فرديًا أو جماعيًا بسبب الغيرة، لكن من يتأمل أدبيات التراث الشيعي يعلم يقينًا أن ذلك إنما مرده إلى وجود منهجٍ راسخٍ وثابت يتوارثه علماء الشيعة كابرًا عن كابرٍ، ذلك المنهج الذي يقوم على إسقاط الخصوم بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية، أخلاقية أو غير أخلاقية.
فعلماء الشيعة يروون عن الإمام "السجاد" أنه يقول: (إذا رأيتم أهل البدع والريب  فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبهم، والقول فيهم والوقيعة، وباهتوهم -أي بالكذب والبهتان- كي لا يطمعوا في الفساد في الإسلام ويحذرهم الناس)[22].
ويقول الشيخ "الصادق الموسوي" معلقًا على هذه الرواية، حاثًا الشيعة على ممارسة هذه الأساليب غير الأخلاقية تجاه خصومهم أي "الآخر":
(إن الإمام السجاد يجيز كل تصرف بحق أهل البدع من الظالمين، ومستغلي الأمة الإسلامية، من قبيل البراءة منهم وسبهم، وترويج شائعات السوء بحقهم، والوقيعة والمباهتة، كل ذلك حتى لا يطمعوا في الفساد في الإسلام وفي بلاد المسلمين، وحتى يحذرهم الناس لكثرة ما يرون وما يسمعون من كلام السوء عنهم، هكذا يتصرف أئمة الإسلام لإزالة أهل الكفر والظلم والبدع، فليتعلم المسلمون من قادتهم وليسيروا على منهجهم )[23].
 
وحينما نرجع للوراء، في الزمن المبكر للتشيع، نجد رواية صريحة يعترف فيها أحد أصحاب الأئمة بأن من أبرز سمات الشيعة وأصحاب الأئمة: قذف المخالف والافتراء عليه!
فعن أبي حمزة أنه سأل الإمام "محمد الباقر": (إن بعض أصحابنا يفترون ويقذفون من خالفهم.. فقال: والله يا أبا حمزة إن الناس كلهم أولاد بغايا ماخلا شيعتنا)[24]
أقول: نرجع لقضية الشيخ "الأحسائي" وشيوخ الشيعة:
فإنه بسبب وشاية علماء الشيعة، هاجم الوالي العثماني كربلاء وضربها بالمدافع، وهدم جانب من صحن الحسين واخترقت الطلقات جدران القبة، وقد اتهم السيد "ضياء الدين الروحاني" الشيخ "الأحسائي" بأنه هو السبب بسبب شتمه للخلفاء الراشدين![25]
توفي الشيخ "الأحسائي" مشردًا وطريدًا على أيدي مشايخ الشيعة، ولكن مأساته لم تنته عند هذا الحد، فقد انتقلت المأساة إلى أهله وأولاده وتلاميذه!
فهذا تلميذه "الرشتي" يتعرض على أيدي "الأصوليين" و"الإخباريين" إلى أبشع أنواع التعامل الحيواني!
يقول السيد العلامة "الطالقاني": (ومن أفظع الأعمال التي قاموا بها تجاه "الرشتي" أنهم أوعزوا إلى بعض أتباعهم بخطف عمته من على رأسه أثناء الصلاة، وهو يؤم الناس في حرم الحسين عليه السلام، وقد تكرر ذلك العمل الشائن مرتين، إحداهما وهو يؤدي صلاة الظهر في إحدى الجمع، وأخرى في صلاة الفجر وهو ساجد، وقد صحب ذلك في الحادثتين تعالي الضحك من قبل الخصوم المتفرقين في أرجاء الحرم وحول ضريح الحسين، دون مراعاة لحرمة المكان وقدسية العبادة، وهو واقف بين يدي ربه، وهموا بقتله)[26]
وورث الشيخ "الرشتي" تركة شيخه المليئة بعداء شيوخ الشيعة، إلا أنَّ شيخًا بارزًا وهو الشيخ "علي بن جعفر كاشف الغطاء" وقف معه موقفًا حاسمًا ونبيلاً في نصرته والدفاع عنه، إلا أنَّ هذا الدفاع –للأسف- لم يستمر طويلاً، إثر خلاف بين "الرشتي" والشيخ "علي بن جعفر كاشف الغطاء" على أموال أيتام طالب بها الشيخ "كاشف الغطاء"، فاعترض "الرشتي" بأن هذه الأموال لصغار قصر، ولا يمكنه التفريط فيها أو هبتها له، فغضب الشيخ "كاشف الغطاء" ورضي بتكفير "الرشتي" وذم الناس له! [27]
وتطاول علماء الشيعة على الشيخ "الأحسائي" وتلامذته، حتى نبشوا قبورهم وسرقوا ما بها، وقتلوا ابنه أحمد وهو يصلي في الصحن، وكان بجواره ابنه الصغير، فقام أحد أصحاب ابن "الأحسائي" بالهروب بالطفل الصغير وإخفائه حتى لا يطاله القتل!
وكان الشيخ "زين العابدين الكرماني الشيخي" إذا مر بمدرسة كاشف الغطاء، ألقى عليه هؤلاء شيئًا من القذارات تحقيرًا له، وفي عام 1314هـ أحرقت بيوت الشيخية، وأحرق "الميرزا محمد علي الهمداني" !
يقول العلامة السيد "الطالقاني": (ووقف السلطان –الإيراني- "مظفر الدين شاه القاجاري" موقف المتفرج فلم يتدخل ولم يضع حدًا للأعمال البربرية، لأن بعض النابهين من خصوم الشيخية اتهمهم عنده بقصد التعرض للعرش) [28]
 
ثم جرت مقتلة رهيبة بين الطرفين، وامتدت المجازر الفظيعة إلى كل دارسٍ ومدرسٍ  للمعرفة الروحيَّة والعلوم الفلسفيَّة في إيران، وأصبح حضور تلك الدروس من أعظم الجرائم، وأكبر الكبائر!
يقول حجة الإسلام السيد "الطالقاني": (ما سجله التاريخ عن تلك المجزرة: أن شاعراً من أهل كاشان اسمه "باقر خرده ئي" كان من تلاميذ "محمود النقطوي" رئيس أحد تلك المكاتب الفلسفية، وقد تذرع بعذر قبيح طلباً للسلامة، ذلك أنه ادعى امتهان اللواط والهيام بغلام أمرد من تلامذة النقطوي، وأنه يتردد إلى المكتب ليحاول الفسق بالغلام لا طلباً للعلم، وقد شفع له بعض علماء خراسان وأيدوا ادعاءه فعفي عنه ونجا من الموت! ومن الخزي أن يسجل التاريخ في حكم "عباس الصفوي" هذه المثلبة، وأن الانحراف الخلقي والشذوذ الجنسي، أهون لديه من طلب المعرفة)[29].
 
أقول: انظر إلى أين وصل مستوى الخصومة بين شيوخ الشيعة؟!
هتك للأعراض، واتهام باللواط والفواحش، وتصدير لفتاوى التكفير والفسوق، وتشجيع على القتل وسفك الدماء، ثم مطاردة المخالفين في أماكنهم واجتثاثهم وتصفيتهم جسدياً، حتى أصبح فعل اللواط بالغلمان عند بعض علماء الشيعة أهون من حضور دروس المخالفين لهم، ويُحكم ببراءة من يلوط بالغلمان، ويشفع فيه علماء الشيعة!
هذا كله كان يمارس في خصومات داخلية، فكيف سيكون حال أهل السنة في العراق وإيران أو غيرهما حين تتمكن منهم عقول يحكمها ذلك التراث.
 
المراجع والمصادر:
(1) انظر: تنقيح المقال في أحوال الرجال (2/85)، ومع علماء النجف- محمد جواد مغنية (ص74)، وكتاب الشيخية- الطالقاني (39).
(2) جامع السعادات (ص1)، الشيخية (ص39).
(3) الشيخية (ص 39).
(4) الشيخية (ص40).
(5) الشيخية (ص41).
(6) انظر: روضات الجنات- الخونساري (1/52)، الذريعة إلى تصانيف الشيعة (7/38).
(7) لباب الألقاب في ألقاب الأطياب (ص 87 )،  قصص العلماء ( ص 133 )،  الشيخية (ص 42).
(8) الشيخية (ص 42).
(9) الشيخية (ص100).
(10) الشيخية ( ص 93).
(11) الشيخية (ص 95).
(12) كتاب الغيبة- شيخ الطائفة الطوسي (ص 241).
(13) الشيخية (ص93).
(14) الشيخية (ص 95).
(15) الشيخية (ص 96).
(16) الشيخية (ص 100).
(17) الشيخية (ص 109).
(18) الشيخية (ص 109).
(19) هداية الطالبين (ص 112)، والشيخية (ص 102).
(20) الشيخية (ص 104).
(21) الشيخية (ص 110).
(22) تنبيه الخواطر (ج 2 ص 162)، ووسائل الشيعة (ج 11 ص 508)، ونهج الانتصار (ص 152).
(23) نهج الانتصار (ص 152).
(24) كتاب الكافي- الكليني (ج 8 ص 285)، ووسائل الشيعة- الحر العاملي (ج 6 ص 385 )، وتفسير البرهان- هاشم البحراني (ج 2 ص 87).
(25) الشيخية (ص 110).
(26) الشيخية ( 140).
(27) انظر : الشيخية (ص 145).
(28) الشيخية (ص 335).
(29) انظر: الذريعة إلى تصانيف الشيعة ( 7/265). والشيخية (ص 336).
  
المصدر: موقع البرهان ..

عدد مرات القراءة:
223
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :