آخر تحديث للموقع :

الأحد 6 ربيع الأول 1444هـ الموافق:2 أكتوبر 2022م 09:10:36 بتوقيت مكة

جديد الموقع

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل - خلفيّاته وانعكاساته ..

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل - خلفيّاته وانعكاساته
مشتاق بن موسى اللواتي(*)

مقدّمة

الاختلاف في جانبٍ منه طبيعيٌّ بين بني البشر بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينيّّة والفكريّة والسياسيّة والثقافيّّة وغيرها. إذ يرجع إلى تفاوت المدارك والأفهام والطبائع والميول والأذواق. ومن أسبابه التباين في الثقافة والتربية، ومنها التغاير في الاستعدادات والمواهب ومنها الاختلاف في الطبع والمزاج، ومنها التصادم بين المصالح والمنافع الشخصيّة(1) . ومن الطبيعيّ أن ينعكس تفاوت المدارك والأفهام والاستعدادات عند الناس على طرائق التفكير لديهم، وكذا على مستوياته ونتائجه، من حيث الوقوف عند سطوح الأشياء وظواهرها أو التعمّق في سبر الأغوار وتلمّس الحِكَم والمقاصد والغايات. فنجد أحدهم ينحو المنحى الرياضيّ الصارم، والآخر يولّي وجهه شطر الاستقراء والتجريب، وهذا يتَّجِه صوب المعقول، وذاك يميل نحو المأثور والمنقول، وخامس تراه يحاول التوفيق والمزج بين هذا وذاك وهكذا. ومن ثمَّ فلا يكون مستغرباً أن تتغاير أنظارهم وتختلف نتاجاتهم الفكريّة. وليس معنى ذلك أنّهم واقعون تحت تأثيرات الجبريّة والحتميّة الفكريّة! لأنّنا نلاحظ أنّ الجدال الفكريّ والسجال المعرفيّ متواصل بين بني البشر عبر

(*) باحث من سلطنة عمان.

(1) محمّد جواد مغنية، التفسير الكاشف، ج1، ص318، الطبعة الثانية، سنة 1981، دار العلم للملايين، بيروت.

[25]

مشتاق بن موسى اللواتي

التاريخ، ونجد أنّ محاكمات الأفكار جارية ومراجعاتها مستمرة وكتب النقض، ونقض النقض، والتهافت، وتهافت التهافت، والنقد، ونقد النقد متوالية لم تتوقّف عبر التاريخ. بل نجد بعض أهل الفكر يقرّر التحوّل من منهج إلى آخر ومن مدرسةٍ إلى أخرى ومن رأي إلى آخر وهكذا.

اختلافات المسلمين الأوائل

وإذا كان هذا شأن الاختلاف بين بني البشر، فلا غرو إن وقع الاختلاف بين المسلمين في المعارف الفكريّة والكلاميّة والمناهج الاجتهاديّة الفقهيّة والتفسيريّة وفي الممارسات السياسيّة، فهم في ذلك كسائر البشر. وقد اختلف المسلمون الأوائل في بعض المواقف في حياة النبيّّ صلى الله(ص)، كما اختلفوا بعد وفاته(ص) في أمور عديدة فكريّة وتشريعيّة وسياسيّة وإداريّة وغيرها. وذلك بسبب العوامل العامّة التي تؤدّي إلى الاختلاف بين الناس، إلى جانب بعض العوامل الاجتماعيّّة والسياسيّة والتاريخيّّة الخاصّة بهم والتي ترجع إلى الأوضاع التاريخيّّة والانقسامات السياسيّة والاجتماعيّّة والأحلاف والتوازنات القبليّة التي كانت سائدةً قبل الإسلام. هذا مضافاً إلى التحوّلات التي أحدثها الإسلام في الحياة الفكريّة والاجتماعيّّة والسياسيّة والتي هي الأخرى كانت لها تداعيات على مختلف المستويات والمجالات. فلقد جاء الإسلام كرسالةٍ سماويّة تشتمل على فكر عَقَديّ يُخاطب العقل والقلب، وتشريعات عباديّة واجتماعيّة وسياسيّة ومنظومة قِيميّة وتربويّة، تُعنى بمجموعها بالجسم والروح وتنظِّم شؤون الفرد والمجتمع. واستطاع النبيّّ(ص) خلال فترة وجيزة أن يُحدِثَ تغييرات كبيرة في المسيرة الحياتيّة في ربوع الجزيرة العربيّة، بحيث جعل من قبائلها المتفرِّقة أمّة تنتظم تحت كيانٍ سياسيٍّ موحَّد وفي إقليمٍ جغرافيٍّ معيّن، وتحتكم إلى مرجعيّة الدين وسيادة الشريعة وقيادة النبيّّ(ص)، وبذلك فقد تكاملت أركان تشكيل الدولة طبقاً للفكر السياسيّ والدستوريّ الحديث. ومن الطبيعيِّ أن لا يكون تأثير الدين في الناس

[26]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

على مستوىً واحد. ولا بدّ أن تترك هذه التغييرات انعكاسات وتداعيات متفاوتة على الأفراد والفئات المجتمعيّة المتعدّدة. وبالفعل كانت هناك فئات لم تتمكن من أن تواكب هذه التحوّلات الفكريّة والاجتماعيّّة العميقة، لا سيّما الزعامات والفئات التي فقدت مصالحها ونفوذها وسلطتها من قبيل المنافقين ومن وجدوا أنفسهم مرغمين على مجاراة الأوضاع الجديدة ومسايرتها بالإنضمام إلى الكيان السياسيّ الجديد.

ويتساءل الكاتب المعروف أحمد أمين «إلى أيّ حدٍ تأثّر العرب بالإسلام؟ وهل امّحت تعاليم الجاهليّة ونزعات الجاهليّة بمجرّد دخولهم في الإسلام؟ ويجيب: الحقّ أنّه ليس كذلك، وتاريخ الأديان والآراء يأبى ذلك كلّ الإباء، فالنزاع بين القديم والجديد قلّ أن يتلاشى بتاتاً، وهذا ما كان بين الجاهليّة والإسلام. فقد كانت النزعات الجاهليّة تظهر من حين إلى حين وتحارب نزعات الإسلام، وظلّ الشأن كذلك أبدا بعيداً »(2) .

وثمّة حوادث تاريخيّة مهمّة وقعت بين المسلمين الأوائل وفي حياة النبيّ(ص) تعكس تأثير العوامل السابقة مجتمعةً من تفاوت المدارك وتنوّع الأفهام، وكذا دور البيئة الاجتماعيّّة والسياسيّة في ظهور الاختلافات الفكريّة والسياسيّة بين المسلمين. فقد روى البخاريّ في صحيحه أنّه بعد واقعة الأحزاب قال النبيّّ(ص): «لا يصلّينَّ أحد العصر إلّا في بني قريظة»، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلّي حتّى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلّي، لم يُرِد منّا ذلك، فذُكر ذلك للنبيّّ(ص) فلم يعنِّف واحداً منهم »(3) ، وهذه الواقعة تُشير إلى وقوع هذا الاختلاف بين المسلمين الأوائل في فهم تعليمات النبيّّ(ص)، حيث فهمها كلُّ فريقٍ بحسب مداركه. ويمكن القول إنّ بعضهم وقف عند شكلها وظاهرها الحرفيّ، وبعضهم أخذ بروحها ومقصدها. كما روى المحدِّثون والمؤرّخون في سياق قصّة الإفك، كما عن البخاريّ في صحيحه عن السيّدة عائشة في رواية جاء فيها، أنّ النبيّّ(ص) قام فاستعذر من عبد

(2) أحمد أمين، فجر الإسلام، ص78، الطبعة الحادية عشرة، سنة 1975، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.

(3) محمّد بن اسماعيل البخاري، صحيح البخاري، رقم الحديث 4119، ص 782، سنة 1998، بيت الأفكار الدوليّة، الرياض.

[27]

مشتاق بن موسى اللواتي

الله بن أبُيّ وهو على المنبر، فقال: «يامعشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلّا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عنه إلّا خيراً، وما يدخل على أهلي إلّا معي»، فقام سعد بن معاذ أخو بني الأشهل، فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك. فقام سعد بن عبادة، سيّد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحاً، ولكن احتملته الحميّة، فقال لسعد بن معاذ، كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يُقتل. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عمّ سعد فقال لسعد بن عبادة، كذبت لعمر الله لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: فثار الحيّان الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله(ص) قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله(ص) يخفضهم حتّى سكتوا وسكت »(4) . وفي واقعةٍ أخرى رواها البخاري ّفي صحيحه أيضاً عن جابر بن عبد الله قال: غزونا مع النبيّّ(ص) وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتّى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع أنصارياً، فغضب الأنصاريّ غضباً شديداً حتّى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجريّ: ياللمهاجرين، فخرج النبيّّ(ص) فقال: ما بال دعوى أهل الجاهليّة؟ ولمَّا أُخبِرَ بالواقعة، قال: «دعوها فإنّها خبيثة »(5) . وهذه الوقائع وقعت في السنة الخامسة أو السادسة من الهجرة. وهي واضحة في دلالاتها بوجود ترسّبات وبقايا تأثيرات الصراعات التاريخيّّة الاجتماعيّّة والسياسيّة التي كانت بين الأوس والخزرج قبل الإسلام، وكونها لم تنمح ولم تضمحّل. وإذا تأمّلنا في وصف عائشة لسعد بن عبادة الأنصاري بأنّه كان رجلا صالحاً ولكن احتملته الحميّة أي لقبيلته الخزرج ضد قبيلة الأوس المنافسة للأولى في الجاهليّة. فإنّ هذا التعبير يكشف لنا بأنّ تراكمات الصراعات بين القبيلتين قبل الإسلام كانت باقيةً وحاضرةً لدى بعضهم على الأقلّّ. وقد بلغ بهم الحال

(4) البخاري، صحيح البخاري، رقم الحديث 4141، ص 788، مرجع سابق.

(5) المصدر نفسه، رقم الحديث 3518، ص 675، مرجع سابق.

[28]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

إلى تبادل أوصاف الكذب والنفاق بل التهديد بقتل من في الطرف الآخر. بل إنّ عائشة وهي راوية الموقف، ذكرت بأنّ الحيَّيْن (الأوس والخزرج) قد ثارا بالفعل وهمّا أن يقتتلا بمحضر النبيّّ(ص) وفي مسجده. ويُلاحظ في الموقف الثاني وهو بين المكيَّيّن المهاجرين والمدنيّين الأنصار، أنّهما تنادَيا باللقب الجديد الذي اكتسباه في الإسلام، كمظهرٍ من مظاهر العصبيّة الجمعيّة التي تشكَّلت في العهد الإسلاميّّ الجديد والتي ربّما تكون قد تموضعت محلّ العصبيّات والأحلاف القديمة أو امتزجت واندمجت معها مولِّدةً تكتُّلاً عصبيّاً جديداً. ولئن استطاع الإسلام أن يخفّف منها ويهذّبها ويسكِّنها، فإنّها ظلَّت كامنةً في النفوس سرعان ما تفجَّرت حين وجِدَ ما يستثيرها ويهيجها. ويلاحظ في الواقعة الأولى أنّ الفئتين كادتا أن تقتتلا وهما في المسجد وأمام محضر النبيّّ(ص). كما أنّ الواقعة الثانية تشير إلى أنَّ نوعاً من التكتّل الاجتماعيّّ والسياسيّ الجديد كان قد تشكَّل بين المهاجرين والأنصار في حياة النبيّّ(ص) وأنّ شكلاً من أشكال العصبيّة قد وجدت فيما بينهما. وهكذا إذا مضينا قُدُماً في متابعة الحوادث التي وقعت فيما بعد، وتحديداً قُبيل وفاة النبيّ(ص) وبُعَيْدَها، لا سيما المناقشات التي جرت في سقيفة بني ساعدّة، حيث حصل نوع من الاصطفاف بين الأوس والخزرج من جهة، وبين المهاجرين والأنصار من جهة أخرى، وبين أهل البيت (علي هم السلام) ومؤيّديهم وبين غيرهم من جهة ثالثة وهكذا. والمتتبِّع للنصوص التاريخيّّة التي غطّت تلكم الوقائع يجد أنّ جانباً من ترسّبات الصراعات السياسيّة والإجتماعية قبل الإسلام قد انعكست على الجدل الذي جرى في السقيفة بين زعماء الأوس والخزرج وبعض الزعامات القرشيَّة حول مسألة الخلافة. ويلاحظ أنّ بعض المفاهيم القبليّة والعشائريّة السالفة فرضت نفسها بشكلٍ تلقائيٍّ وطبيعيٍّ في تلكم المناقشات. وقد أوردت مصادر التاريخ والحديث تفاصيل وافية عنها، غير أنّنا نكتفي بالإشارة إلى مقتطفات ممّا أورده البخاريّ في صحيحه والطبريّ في تاريخه. فقد روى البخاريّ عن الخليفة عمر أيّام خلافته أنّه بلغه في آخر حجّةٍ حجّها أنّ أحداً من الصحابة قال: لو قد مات عمر بايعت فلاناً، فقرّر أن يُلقي خطبة بالمدينة يوضح

[29]

مشتاق بن موسى اللواتي

فيها مجريات الأمور بعد وفاة النبيّّ(ص). وممّا قاله فيها: إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتةً وتمّت، ألا وإنّها قد كانت كذلك، ولكنّ الله وقى شرّها...

من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي تابعه، تغرة أن يقتلا. ثمّ قال: وإنّه قد كان من خبرنا حين توفَّى الله نبيّه(ص) أنّ الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدّة، وخالف عليٌّ والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر. ثمّ ذكر ما قاله خطيب الأنصار: أمّا بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفّت دافّة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا. وأشار إلى ما قاله أبو بكر بعد التأكيد على فضل الأنصار: لن يُعرف هذا الأمر إلّا لهذا الحيِّ من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب، منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. ثمّ كثر اللغط.. فنزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعدَ بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة(6) .

ويُلاحظ أنّ هذا المشهد الموجز الذي اشتمل على فراغات ملحوظة نتيجة لتصرّف الرواة في متنه، ولكنّه مع ذلك محمَّل بالإشارات الدالّة على النزعات العصبيّة التي تشكّلت بين المسلمين ومثقلٌ بالمخاوف والتهديدات الصريحة والمبطّنة التي تبادلها بعض الزعماء. أمّا الطبريّ فقد أورد تفاصيل ضافية للجدل العنيف الذي دار في السقيفة. فذكر خطبة سعد بن عبادة شيخ الخزرج التي جاء فيها: يا معشر الأنصار، لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلةٍ من العرب، إنّ محمّداً(ص) لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن... فما آمن به من قومه إلّا رجال قليل... حتّى إذا أراد بكم الفضيلة... فكنتم أشدّ الناس على عدوّه منكم... حتّى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً... ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفّاه الله وهو عنكم راض.. استبدّوا بهذا الأمر لكم دون الناس. وذكر خطبة أبي بكر في السقيفة والتي جاء فيها: إنّ الله بعث محمّداً رسولا

(6) المصدر نفسه، ص1302 رقم الحديث 6830، مرجع سابق.

[30]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

إلى خلقه. فعظُمَ على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخصّ الله المهاجرين الأوّلين من قومه بتصديقه... فهم أوّل من عبد الله في الأرض وآمن بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلّا ظالم. فتكلّم الحبّاب بن المنذر وقال يا معشر الأنصار، املكوا عليكم أمركم، فإنّ الناس في فيئكم وفي ظلِّكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم... أنتم أهل العزّ والثروة وأولو العدد والمنعة. فقال عمر: والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيُّها من غيركم، ولكنّ العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوّة فيهم ووليُّ أمورهم منهم... من ذا ينازعنا سلطان محمّد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلّا مدلّ بباطل؟... فردّ الحباب ابن المنذر وقال: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموه، فاجلوهم عن هذه البلاد وتولّوا عليهم هذه الأمور، ثمّ قال: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب. فقال له عمر: إذن يقتلك الله، قال: بل إيّاك يقتل. فقال أبوعبيدة: يامعشر الأنصار، إنّكم أوّل من نصر وآزر فلا تكونوا أوّل من بدّل وغيّر(7) . يُذكر أنّ الإمام عليَّاً وأهل بيته وجملة من الصحابة لم يشاركوا في اجتماع السقيفة. ولمّا انتهى الإمام علي(ع) من تجهيز النبيّّ(ص) ودفنه علم بأنباء السقيفة فعلّق على حجج الفريقين بمنطقهم نفسه، فقيل له: إنّ الأنصار قالت: منّا أمير ومنكم أمير. فقال: هلّا احتججتم عليهم بأنّ رسول الله(ص) وصّى بأن يُحسِن إلى محبّهم ويُتجاوزَ عن مسيئهم؟ فقالوا له: وما في ذلك من الحجّة؟ قال: لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصيّة بهم. وأخبِرَ بأنّ قريشاً احتجّت بأنّها شجرة الرسول(ص)، فقال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة(8) . وأيّاً كان فإنّ الهدف من إيراد جانب من هذه المناقشات الصاخبة ليس هو البحث في كيفيّة نشأة نظام الخلافة في تاريخ المسلمين وما اعتراه من ثغرات، إنّما لكي نضع اليد على طريقة تفكير بعض القيادات من المسلمين الأوائل آنذاك في رسم الأمور العامّة والإشارة إلى طبيعة خلافاتهم وتأثّرها بالترسّبات الثقافيّّة والإجتماعيّة والسياسيّة السابقة. فإذا تركنا ما اشتملت عليه الخطب والكلمات

(7) أبوجعفر الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج3، ص 218ـ 221، دارالتراث، بيروت.

(8) نهج البلاغة، ضبط نصه وابتكر فهارسه، الدكتور صبحي الصالح، ص97، ايران، سنة 1395 للهجرة.

[31]

مشتاق بن موسى اللواتي

من سبق الفريقين إلى الإيمان ودورهما في النصرة والهجرة، ونظرنا إلى بقيّة مضامين الخطاب الذي ساد في اجتماع السقيفة.

نجد أنّ الخطاب كان مشحوناً بالقِيَم القبليّة والعشائريّة بشكل ملحوظ. فالأنصار وهم أهل المدينة كانوا يعتقدون بأحقيّتهم في تولّي الأمر لأنّهم أهل المدينة الأصليُّون وأصحاب القوّة والثروة فيها. كما أنّ بعض الزعامات المدنيّة كانت تنظر إلى المهاجرين المكيّين على أنّهم رهط وافد من الخارج، ويخشون أن يتأمّروا عليهم ويختزلوهم من أصلهم ولذا هدّدوا بإجلائهم وقتالهم. بينما أكَّدَ فريق المهاجرين المكيّين على انتمائهم إلى قريش وإلى موقعها في القبائل العربيّة وأكَّدوا على اشتراكهم مع النبيّّ(ص) في الإنتماء إلى القبيلة نفسها وكونهم أهل النبيّ(ص) وعشيرته وأنّهم أحقّ بأن تكون فيهم الإمارة كما كانت فيهم النبوّة، الأمر الذي يجعلهم أكثر قبولاً لدى القبائل العربيّة لخلافة النبيّّ(ص) وتولّي أمور المسلمين.

الاختلاف بعد وفاة النبي(ص) ومصلحة المسلمين

وكيف ما كان فقد ظهرت بعض الحوادث الخلافيّة بعد وفاة النبيّّ(ص) في بعض القضايا الإداريّة والسياسيّة والتشريعيّة. واستطاع المسلمون تغليب المصالح العامّة عليها وركّزوا اهتمامهم نحو تقوية الكيان السياسيّ للمسلمين واتّجهوا صوب الفتوحات خارج الجزيرة العربيّة. ومعروف بأنّ الإمام عليّاً(ع) كان أبرز معارض لِمَا انتهى إليه اجتماع السقيفة، ولكنّه مع ذلك آثر قضيّة حماية الإسلام من أعدائه المتربِّصين به وقدّم وحدة المسلمين على قضيّة أحقيّته بخلافة النبيّّ(ص). ويذكر البلاذريّ في أنساب الأشراف لمّا ارتدّت العرب مشى عثمان إلى عليّ فقال: يا بن عمّ إنّه لا يخرج أحدٌ إلى قتال هذا العدوّ وأنت لم تبايع. فلم يزل به حتّى مشى إلى أبي بكر فبايعه فسرّ المسلمون وجد الناس في القتال وقطعت البعوث(9) . وما يهمّنا من كلام البلاذريّ أنّ الإمام عليّاً(ع) غلَّب مصلحة المسلمين العامّة على موقفه من النظام السياسيّ الذي انبثق عن اجتماع السقيفة. وقد عبَّر عنه بوضوح فيما نقله المعتزليّ عن الكلبي قوله: «إنّ الله لمَّا قبض نبيّه

(9) مرتضى العسكري، معالم المدرستين، ج1، ص130 مؤسـّسة البعثة طهران سنة 1406 للهجرة.

[32]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

استأثرت علينا قريش بالأمر ودفعتنا عن حقٍّ نحن أحقّ به من الناس كافّة، فرأيت أنّ الصبر على ذلك أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم »(10) ، وجاء في كتابه لواليه على مصر: «فلمّا مضى صلّى الله عليه وآله تنازع المسلمون الأمر بعده، فوالله ما كان يُلقى في رُوعي ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده(ص) عن أهل بيته، ولا أنّهم منحوه عنّي من بعده فما راعني إلّا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد(ص) فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم... فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه »(11) ، وقد كان من نتائج الفتوحات أن توسَّعت رقعة الدولة وازدهر اقتصادها وتوالت الخيرات وعمّت الأرزاق على المسلمين. وفي الوقت ذاته كانت الفتوحات سبباً في احتكاك المسلمين بالحضارات والثقافات والفلسفات الأجنبيّة لا سيّما بعد فتح فارس والشام. ومن جهة أخرى، ونتيجةً لنظام التفاضل في العطاء وتوزيع الثروة بين مختلف الفئات المجتمعيّة، الذي اتّبعه الخليفة عمر بن الخطاب، وكذلك بسبب بعض السياسات الإداريّة والماليّة التي اتّبعها الخليفة الثالث عثمان، ظهرت بعض التناقضات الاقتصاديّة والإجتماعيّة ممّا أدّى إلى تكوّن شكلٍ من أشكال الطبقيّة في المجتمع. وكان الخليفة عمر بن الخطاب قد تنبّه لذلك في أواخر أيَّامه، وأزمع على إجراء تعديلٍ في نظام التوزيع، وقال قولته المعروفة: «لئن عشت إلى هذه الليلة من قابل لألحقنّ أخرى الناس بأولاهم حتّى يكونوا في العطاء سواء »(12) ومع تجمّع هذه العوامل وتفاعلها مع بعضها مع الزمن وتراكم آثارها وتداعياتها وتعاضدها مع ترسّبات الخلفيّات الاجتماعيّّة والسياسيّة السابقة، انتهت إلى تشكّل قوى اجتماعيّة وسياسيّة ذات نزعات واتّجاهات فكريّة وسياسيّة واجتماعيّة متباينة بل ومتصارعة. وكلُّ ذلك أدّى إلى تعمّق الخلافات والصراعات بحيث نشبت ثلاث معارك مسلَّحة بين المسلمين في تلك المرحلة المبكّرة، وذلك خلال ثلاثة عقود من وفاة النبيّّ(ص). وانتهت حقبة الخلافة الأولى عن

(10) عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة،ج1، ص308، دار الفكر بيروت، سنة 1979.

(11) المصدر نفسه، ج17، ص 151.

(12) أبو يوسف، الخراج، ص46، سنة 1979، دار المعرفة، بيروت؛ وراجع أيضاً سيد قطب، العدالة الإجتماعية في الاسلام، ص 172، دار الشروق، الطبعة الثامنة، سنة 1982، بيروت.

[33]

مشتاق بن موسى اللواتي

مقتل ثلاثة من الخلفاء الأوائل، بل ويذهب بعض المحدّثين والمؤرِّخين كالسيوطيّ والبخاريّ إلى أنّ الخليفة الأوّل أيضاً رحل عن الدنيا مسموماً(13) .

وقد حاول مؤرّخ الفرق الشهرستانيّ أن يؤرِّخ لبداية وقوع الاختلاف بين المسلمين الأوائل، فأرجعه إلى أواخر حياة النبيّّ(ص). وهذا يعني أنّه فطن إلى أنّ تلكم الخلافات لم تكن وليدة ساعة وفاة النبيّّ(ص) بل كانت لها جذور وقد ظهرت بعض بوادرها في أواخر حياة النبيّّ(ص). فذكر أنّ أوّل تنازع وقع في مرضه(ص) فيما رواه الإمام البخاريّ في صحيحه عن ابن عبّاس قال: لمّا اشتدَّ بالنبيّّ(ص) مرضه الذي مات فيه قال: «ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي » فقال بعض الحاضرين: إنّ النبيّ(ص) قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط، فقال النبيّّ(ص): «قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع »(14) . وذكر نماذج متنوِّعة من الخلافات منذ أواخر حياة النبيّ(ص) ومروراً بزمن خلافة أبي بكر إلى زمن خلافة الإمام عليّ بن أبي طالب(ع).

ومن الأمثلة التي ذكرها الشهرستانيّ: اختلافهم في تنفيذ جيش أسامة إبَّان مرض النبيّ(ص) وحول موته(ص) وموضع دفنه وحول خلافته وفي أمر فدك وقتال مانعي الزكاة وحول تنصيص أبي بكر على عمر والخلافات زمن الخليفة عثمان ثمّ في فترة خلافة الإمام عليّ. وقال: «وأمّا الاختلافات الواقعة في حال مرضه عليه الصلاة والسلام وبعد وفاته بين الصحابة رضي الله عنهم فهي اختلافات اجتهاديّة كما قيل، كان غرضهم منها إقامة مراسم الشرع وإدامة مناهج الدين »(15) .

والمتأمّل في الأمثلة الآنفة يُلاحظ أنّ بعضها كانت دينيّة وبعضها سياسيّة وإداريّة وبعضها مزيج من هذا وذاك. وانتهى الشهرستانيّ منها إلى القول: «وانقسمت الاختلافات بعد الإمام عليّ إلى قسمين، أحدهما الاختلاف في الإمامة، والثاني الاختلاف في الأصول »

(13) جلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص81، الطبعة الأولى، سنة 1952، مطبعة السعادة، القاهرة.

(14) محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل، ص22، ج1، دار المعرفة.

(15) المصدر نفسه، ص22ـ 27، ج1.

[34]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

(16) .

تحوّلات العصر الأمويّ والعباسيّ

وفي العصر الأموي ومنذ أن تولّى معاوية بن أبي سفيان الحكم تمّ تحويل النظام السياسيّ إلى نظام حكم وراثيّ داخل العائلة الأمويّة، وهو ما عبّرت عنه بعض الروايات بالملك العضوض(17) . وقد لاقى ذلك معارضةً شديدةً من بعض كبار الصحابة والتابعين الذين رأوا فيه هرقليّة وكسرويّة(18) . وكان من أبرز المعارضين له الإمام الحسين(ع) الذي رفض مبايعة يزيد بن معاوية حتّى انتهى به ذلك الموقف إلى أن يُقتل هو وكوكبة من أهل بيته وأنصاره في واقعة كربلاء الدامية. وتوالت بعدها الثورات ضدّ الحكم الأمويّ ولكنّها عوملت بقسوة وعنف دمويّين، إلّا أنّها أسهمت في إضعاف الدولة الأمويّة حتّى انتهى الأمر إلى سقوطها. وتضاعفت التناقضات السياسيّة والاجتماعيّّة والاقتصاديّة. وكان الأمويّون قد لجأوا إلى إثارة العصبيّات القديمة وتعميقها بين القحطانيّة والعدنانيّة وبين عرب الشمال والجنوب. كما شجّعوا النزَعَات الجبريّة في الأمّة للتخفيف من حدّة المعارضة السياسيّة ضدّهم؛ لأنّ النَزَعات الجبريّة تعني في النهاية بوضوح بأنّ الله تعالى هو الذي يسيِّر الأمور وقد فرض على الناس دولتهم فهي بقضاء الله وقدره ومن ثمَّ يجب الخضوع له(19) .

وفي العصر العباسيّ حصل توسّع كبير في رقعة الدولة وزاد احتكاك المسلمين بالشعوب الأخرى وانفتحوا على ثقافاتها وفلسفاتها. وتمّت ترجمة الكتب اليونانيّة والفارسيّة والهنديّة إلى اللغة العربيّة، وراجت الأسئلة الفلسفيّة والفكريّة في المجتمع. واستعان العبَّاسيِّون بالفرس والأتراك لمواجهة التناقضات الداخليّة في العائلة العباسيّة ولقمع المعارضين السياسيّين، لا سيّما العلويّين منهم. وانتهت الأمور إلى هيمنة الأتراك والفرس على مفاصل الدولة(20) .

(16) المصدر نفسه، ص 27.

(17) جلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص199، مرجع سابق.

(18) المصدر نفسه، ص196، ص203.

(19) أحمد أمين، ضحى الإسلام، ص81، ج3، الطبعة العاشرة، دار الكتاب اللبناني، بيروت.

(20) علي حسني الخربوطلي، الإسلام والخلافة، ص 162، سنة 1969، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت. وكذا أبو الأعلى المودودي، الخلافة والملك، ص111، 131، دار القلم، بيروت.

[35]

مشتاق بن موسى اللواتي

طرح أسئلة فكريّة فلسفيّة

هذه إطلالة سريعة لأبرز التطوّرات والتحوّلات التي حصلت في التاريخ السياسيّ للمسلمين حتّى العصر العباسيّ. وهذه الأوضاع بمجموعها أنتجت صراعات سياسيّة وخلافات فكريّة، وأثارت أسئلةً فكرية ودينيّة وفلسفيّة في أوساط المسلمين تركَّزت حول مصير أولئك المتقاتلين من المسلمين مع بعضهم، ومَن المحقّ فيهم ومن المبطل؟ وهل كانت تلكم الأوضاع والصراعات محكومة بحتميّة وقدرية بحيث لا تتحمّل الأطراف أيّة تبعة إزاءها، أم أنّها ناتجة عن اختيارات الناس، سواء أكانت عن وعي أم اندفاعٍ جمعيّ وبالتالي فإنّهم يتحمّلون مسؤوليّاتها وأوزارها؟ وهل من مسؤوليّة المجتمع أن يبحث فيها ويحدِّدَ موقفه منها ومن شخوصها أم يرجئ أمرهم إلى الآخرة والى الله تعالى؟ وكيف يجب أن يكون خليفة النبيّ(ص) ومواصفاته وطريقة تولّيه أمور المسلمين؟ وهل تكون الخلافة والإمامة بالنصّ والوصية من النبيّّ(ص)؟ أم بالاختيار والتشاور؟ أم بالقوَّة والغلبة والتوريث؟ وهل يجب الخروج على الحاكم الجائر والفاسق، أم يلزم السمع والطاعة والصبر على القضاء والقدر؟ وهذه التباينات والاختلافات في مجتمع المسلمين ولَّدت حِراكاً فكرياً نشطت فيه المناظرات والجدالات، وأدلى كلُّ فريقٍ بدلوه في بلورة الرؤى وتقديم الإجابات عن هذه التساؤلات في ضوء ما فهموه من المصادر الدينيّّة والسوابق التاريخيّّة والاجتماعيّّة والسياسيّة والثقافيّّة. وقادت بعض تلكم الأسئلة والمناقشات إلى بروز بعض العناوين الفكريّة الدينيّّة من قبيل مصير مرتكب الكبيرة، وتصنيف الناس إلى مؤمن ومنافق وكافر، والمنزلة بين المنزلتين، والموقف من الوعد والوعيد الإلهيّين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطهما وتطبيقاتهما، والعدل الإلهيّ، والجبر والاختيار، والتسيير والتخيير، والقضاء والقدر، والخير والشرّ، والإمامة وموقعها من الأصول أوالفروع، وهل تكون في قريش أم تحديداً في بني هاشم؟ وهل تكون باختيار أهل الحلّ

[36]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

والعقد، أم بالنصّ والوصيّة؟ وما إلى ذلك. وقد دارت حول هذه المحاور المناظرات والمناقشات بين العلماء والمتكلِّمين. واختلفت حولها الآراء، وانتهت إلى حالةٍ من الاصطفاف والتمايز الفكريّ والسياسيّ، بحيث تبنّى كلُّ فريقٍ رؤية معيّنة حيالها.

هل بحث المسلمون مسائل العقيدة مبكّراً؟

يحاول بعض المؤرِّخين التأكيد على أنّ الاختلافات بين المسلمين الأوائل اقتصرت على المسائل الاجتهاديّة الفرعيّة، ولم تشمل المسائل العقَديّة المتعلِّقة بالتوحيد والصفات والعدل والقدر والوعد والوعيد وغيرها؛ لأنّه كان مجتمع التسليم بالنصوص القرآنيّة والتعاليم النبويّة. ولهذا لم يُطرح أيّة أسئلة تتعلّق بهذه القضايا التي أُثيرت في مراحلَ لاحقة من تاريخ المسلمين. فالبغداديّ (ت429) وأثناء بيانه كيفيّة اختلاف الأمّة، يؤكِّد أنّ المسلمين عند وفاة الرسول(ص) كانوا على منهاج واحد في الأصول والفروع، غير من أظهر وفاقاً وأضمر نفاقاً. ويعدّد الخلافات التي وقعت بعد وفاة النبيّ(ص) إلى أن يقول: «ثم اشتغلوا بعد ذلك بقتال الروم والعجم وفتح الله لهم الفتوح وهم على كلمةٍ واحدةٍ في أبواب العدل والتوحيد والوعد والوعيد وفي سائر أصول الدين. وإنَّما كانوا يختلفون في فروع الفقه كميراث الجدّ مع الإخوة والأخوات من الأب أو الأم أو من الأب، وكمسائل العول والكلالة والردّ ونصيب الأخوات من الأب والأم أو من الأب مع البنت أو بنت البنت، وكاختلافهم في جرّ الولاء، وفي مسألة الحرام ونحوها ممّا لم يورث اختلافهم فيه تضليلا ولا تفسيقاً. وكانوا على هذه الجملة في أيّام أبي بكر وعمر وست سنين من خلافة عثمان »(21) . وقال بعد ذلك: «ثمّ حدث في زمان المتأخّرين من الصحابة خلاف القدريّة في القدر والإستطاعة من معبد الجهني وغيلان الدمشقي والجعد بن درهم، وتبرّأ منهم المتأخّرون من الصحابة..» (22) ، ونجد في هذا النص تأكيداً على أنّ الاختلاف بين الصحابة كان مقتصراً على الفروع الفقهيّة العمليّة، وإن كان ألمح إلى أنّ الاختلاف في زمن الخليفة عثمان أدّى إلى التفسيق والتضليل. ولكنّه مع ذلك أرجع ظهور الاختلافات في مسائل العقيدة إلى معبد

(21) البغدادي، الفرق بين الفرق، ص17، دار المعرفة، بيروت.

(22) المصدر نفسه، ص18.

[37]

مشتاق بن موسى اللواتي

الجهني الذي أرّخوا لمقتله في سنة ثمانين للهجرة، زمن عبد الملك بن مروان. ومع ذلك فقد أرجعوه إلى التأثّر بمصدرٍ دينيّ أجنبيّ. وعلى النسق نفسه يقرّر المقريزيّ في خططه: «اعلم أنّ الله تعالى لمّا بعث نبيّه محمّداً رسولاً إلى الناس جميعاً، وصف لهم ربّهم سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه الروح الأمين، وبما أوحى إليه ربّه تعالى، فلم يسأله صلّى الله عليه وسلّم من العرب قرويَّهم وبدويّهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه صلّى الله عليه وسلّم عن أمر الصلاة والزكاة والحجّ وغير ذلك ممّا لله فيه أمر ونهي، وكما سألوه عن أحوال يوم القيامة والجنّة والنار. إذ لو سأله إنسانٌ منهم عن شيء من الصفات الإلهيّة لنُقل كما نقلت الأحاديث الواردة عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم في أحكام الحلال والحرام وفي الترغيب والترهيب وأحوال القيامة والملاحم والفتن، ونحو ذلك ممّا تضمّنته كتب الحديث ومعاجمها ومسانيدها وجوامعها، ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبويّ ووقف على الآثار السلفيّة علم أنّه لم يروِ قطّ من طريق صحيح ولا سقيم عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم على اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم أنّه سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن معنى شيء ممّا وصف الربّ سبحانه وتعالى به نفسه الكريمة في القرآن الكريم.. »(23) .

والواقع أنّ كلام البغداديّ والمقريزيّ لا تؤيِّده طبائع التطوّر الفكريّ والاجتماعيّّ في مجتمع المسلمين. فالقرآن الكريم تناول جملة من تلك المسائل العقديّة في العديد من آياته التي كان يتلوها المسلمون آناء الليل وأطراف النهار. وناقش العقائد السائدة آنذاك، وردَّ على بعض أفكار اليهود والنصارى والدهريّين والمشركين وعبدة الكواكب. وتطرّق القرآن إلى عقيدة التوحيد والنبوّة والمعاد، وحاجج الأديان الأخرى فيها، كما تناول مسألة العلم الإلهيّ والعدل الإلهيّ، وتناول مسألة الإرادة والمشيئة والقضاء والقدر والخير والشرّ والجبر والاختيار والهداية والضلال والشقاء والسعادة وما إلى ذلك من المسائل. يقول سبحانه وتعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ}

(23) محمّد أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلاميّة، ص98، دار الفكر العربي.

[38]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

{ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} ، (الحديد، 22). ويقول: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ } ، (الحجر، 21). ويقول: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً} ، (الكهف، 17). ويقول: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } ، ( التكوير، 29)، ويقول: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } ، (الشمس، 7ـ 10) ويقول: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } ، (الدهر، 3) ويقول: {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي } ، (سبأ، 50) ويقول: {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا } ، (الأنعام،140) ويقول: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } ، (المدثر، 38). بل يبدو من بعض الآيات القرآنيّة أنّ عقيدة الجبر كانت موجودة لدى المشركين، أو أنّهم تذرّعوا بها ليسوّغوا شركهم، لمّا أعيتهم الحجّة المنطقيّة. يقول جلَّ وعلا عنهم: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ } ، (الأنعام، 148). ويقول في آيةٍ أخرى: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} ، (الزخرف،20). وليس من المعقول أن يطرح القرآن كلَّ تلكم المفاهيم العقديّة ويجري كلّ تلك المناظرات الفكريّة ثمّ يحجر على المسلمين التعمّق في فهمها وإدراكها، في الوقت الذي يحثّ كثيراً على التفكّر والتعقّل والتدبّر في آيات الله تعالى التكوينيّة والتدوينيّة. بل إنّ من المنطقيّ أن تُثير هذه الآيات والمناقشات القرآنيّة للأفكار العقديَّة الأخرى تساؤلات واستفهامات - على الأقلّ - عند نخبة مفكِّرة من المسلمين. كما أنّه من غير المتصوَّر أن يَطرح المسلمون أسئلةً على النبيّّ(ص) فيُعرض عن الإجابة عنها أو يزجرهم ويأمرهم بالإيمان والتسليم بها كما هي وإن لم يقتنعوا بها ولم يفهموها. نعم يمكن أن تفسَّر بعض الروايات الناهية عن الخوض في مثلها على أنّ النبيّ(ص) كان يراعي مستويات الناس ويتعامل معهم وفق مداركهم وأفهامهم لتجنيبهم من الوقوع في الشبهات،

[39]

مشتاق بن موسى اللواتي

ومن ثمَّ فإنّها لم تكن تعليمات عامّة.

المسلمين وعلاقاتهم بغيرهم

من جهةٍ أخرى، إنّ المسلمين احتكّوا بغيرهم من أهل الكتاب في المدينة، حيث أسلم بعضهم مثل عبد الله بن سلام وتميم الداريّ وكعب الأحبار ووهب بن منبّه وغيرهم، الأمر الذي يعني أنّ المسلمين استمعوا إليهم وإلى مناقشاتهم واطّلعوا على آرائهم وأفكارهم وعقائدهم حول الله والكون والخلق والملائكة والوحي والقيامة. وهناك من الشواهد الروائيّة التي تشير إلى أنَّهم اطَّلعوا بالفعل على جانبٍ من فكرهم. ففي مسند أحمد عن جابر الأنصاري «إنّ عمر بن الخطّاب أتى النبيّ(ص) بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبيّ(ص) فغضب وقال: أمتهوّكن (متحيّر) فيها يا بن الخطّاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحقّ فتكذِّبوا به، أو بباطل فتصدِّقوا به، والذي نفسي بيده لو أنّ موسى كان حيّاً ما وسعه إلّا أن يتَّبعني »(24) وفي رواية البغويّ في شرح السنّة عن عمر، إنّا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها ؟ الخ(25) ، وجاء في تفسير ابن كثير روي أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب في اليرموك وكان يحدّث منهم(26) . وذكر ابن كثيرٍ في تفسيره حديثاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص جاء فيه: إنّ دابة الأرض تخرج من صدع الصفا، فأوّل خطوة تضعها بأنطاكيا فتأتي إبليس فتلطمه. وعلّق عليه ابن كثير بقوله: غريب جدّاً وسنده ضعيف، ولعلَّه من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله يوم اليرموك(27) . وفي مسند الربيع عن جابر عن أبي هريرة أنّه قال: خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدّثني عن التوراة وحدّثته عن رسول الله...»(28) وهذه الروايات تدلّ بوضوح على أنّ المسلمين الأوائل، سواء في حياة النبيّ(ص) أو بعد وفاته وبعد توسّع الدولة، كانوا على تماسّ بأهل الكتاب، يجالسونهم ويستمعون إليهم، وكانوا على اطّلاع بكتبهم وبفكرهم. وهذا الاحتكاك بطبيعة

(24) أحمد بن حنبل، المسند، ج 23، ص348، رقم الحديث 15156، حققه وخرج أحاديثه شعيب الأرنؤوط ورفاقه، مؤسـّسة الرسالة، شبكة السنة.

(25) الحسين بن مسعود البغوي، شرح السنة، ج1، ص270، رقم الحديث 126، تحقيق زهير الشاويش وشعيب الأرنؤوط، شبكة السنة، الانترنت.

(26) اسماعيل بن عمر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج1، ص4، مكتبة دار التراث، القاهرة.

(27) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 2، ص195.

(28) الربيع بن حبيب، الجامع الصحيح، ص74، مكتبة الاستقامة، مسقط.

[40]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

الحال يقود إلى طرح الأفكار وتبادل الأسئلة وإثارة الشبهات والإشكالات ومناقشتها ومحاولة الردّ عليها وتفنيدها ممّا يؤدّي إلى توسّع الفكر الجدليّ عندهم.

ثمّ إنّه ليس من المنطقيّ أن يختلف المسلمون الأوائل في فهم آيات الكتاب وتفسيرها وما تناقلوه من السنّة المتعلّقة بالفقه والفروع والحلال والحرام، بحكم تفاوت مداركهم وأفهامهم واختلاف مستوياتهم العلميّّة ولا يختلفون في فهم النصوص الدينيّّة المتعلّقة بمسائل العقيدة ومفاهيم التوحيد والقضاء والقدر والوعد والوعيد والسعادة والشقاء وما شابه. مع أنّ النصوص هي النصوص والأشخاص هم الأشخاص.

وعلى صعيد آخر، وعلى الرغم من هذه اللغة الجازمة لهؤلاء المؤرِّخين على نفي وجود أيّ أسئلةٍ في تلك الفترة المبكّرة حول الصفات والقدر والوعد والوعيد، فضلاً عن البحث والتفكير فيها، إلّا أنّ هناك بعض الشواهد التاريخيّّة التي تدلّ على أنّ بعض المسلمين الأوائل انشغلوا في بحث الأمور المتعلِّقة بالقضاء والقدر ومسؤوليّة الإنسان عن أعماله وكيفيّة ترتّب الثواب والعقاب عليها. صحيح أنّها لم تكن في حجم المشكلات الفكريّة التي تبلورت لاحقاً في مراحل تالية، ولكنّها لم تكن معدومة تماماً حسبما يرى بعض المؤرِّخين. ومن الطبيعيّ أن يبدأ التنظير حولها في مرحلةٍ تاريخيّةٍ لاحقةٍ.

ويبدو أنّ الهدف من وراء هذا النفي القاطع الآنف الذكر إرجاع ظاهرة الاختلاف في المسائل العقديّة إلى أسباب خارجيّّة وعوامل أجنبيّة، انطلاقاً من الإيمان بفكرة النقاء الدينيّّ للمسلمين آنذاك، بالإضافة إلى تأييد الإتجاه الفكريّ الذي تشكَّل فيما بعد والذي يرى حظر البحث والتفكير في مثل هذه المسائل الإعتقاديّة والإيمان بها على ظاهرها، ولكنَّ الواقع التاريخيّّ لا يؤيّد ذلك. وبالفعل فقد أرجعوا سبب البحث في هذه المسائل العقديّة إلى التأثّر بمصدرٍ دينيّ أجنبيّ. فقد نُقِلَ عن الأوزاعيّ أنّ أوّل من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له سوسن، كان نصرانيّاً فأسلم ثمّ تنصَّر، أخذ عنه معبد الجهنيّ(29) . ولكنّنا كما أسلفنا لا نعدم وجود نصوص تاريخيّة وحديثيّة تدلّ على انشغال بعض المسلمين ببحث المسائل الفكريّة والعقديّة في مرحلةٍ مبكِّرة. فقد روى مسلم في صحيحه عن الإمام عليّ عن النبيّ(ص) أنّه قال: ما منكم أحدٌ، ما من نفس

(29) البغدادي، الفرق بين الفرق، الهامش، ص18، مرجع سابق.

[41]

مشتاق بن موسى اللواتي

منفوسة إلّا كتب الله مكانها من الجنّة والنار، وإلا وقد كُتبت شقيّة أو سعيدة، قال، فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا، وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، فقال: اعملوا فكلٌّ ميسّر، أمّا أهل السعادة فيُيسَّرون لعمل أهل السعادة، وأمّا أهل الشقاوة فيُيسَّرون لعمل أهل الشقاوة، ثمّ قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } (30) . كما روى مسلم عن أبي الأسود الدؤليّ أنّ عمران بن حصين قال له: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قُضي عليهم ومضى عليهم من قدر ما سبق؟ أو فيما يستقبلون به ممّا أتاهم به نبيّهم وثبتت الحجّة عليهم؟ فقلت: بل شيء قُضي عليهم، ومضى عليهم، قال، فقال: أفلا يكون ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً، وقلت: كلُّ شيء خلق الله وملك يده، فلا يُسأل عن شيء وهم يسألون، فقال لي: يرحمك الله، إنّي لم أرد بما سألتك إلّا لأحرز عقلك. إنّ رجلين من مزينة أتيا النبيّ(ص) فقالا: يارسول الله، أرأيت ما يعمل الناس اليوم، ويكدحون فيه، أشيء قُضي عليهم فيهم من قَدَر ما سبق، أو هو فيما يستقبلون به ممّا أتاهم به نبيّهم وثبتت الحجّة عليهم؟ فقال: لا بل شيء قُضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } (31) ». ولهذه الرواية نظائر وردت في عددٍ من مصادر الحديث عن عددٍ من الشخصيّات أنّهم طرحوا على النبيّ(ص) أسئلةً بهذا المضمون. وفيما إذا صحّت هذه الروايات والوقائع، فإنّها تدلّ على أنَّ أسئلة القدر كانت مطروحة زمن النبيّ(ص) وبعد وفاته.

وأنّ بعض المسلمين الأوائل كانوا يربطون بين علم الله تعالى الأزلي ومفهوم القدر وبين مفهوم الجبر، وكان النبيّ(ص) يصحّح مفاهيمهم ويذكِّرهم بآيات من القرآن الكريم تؤكِّد على مسؤوليّة الإنسان على أفعاله وتصرّفاته. وذكر الدكتور صبحي الصالح أمثلةً تدلّ على أنّ بعض المسلمين الأوائل

(30) مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، رقم الحديث، 2647، ص1061، سنة 1998، بيت الأفكار الدولية، الرياض.

(31) مسلم النيسابوري، صحيح مسلم، رقم الحديث، 2650، ص 1063، مرجع سابق.

[42]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

تناولوا بعضاً منها. فقد روى الترمذيّ في سننه عن أبي هريرة قال: «خرج علينا رسول الله(ص) ونحن نتنازع في القدر فغضب حتّى احمّر وجهه حتّى كأنّما فقئ في وجنتيه حبّ الرمان، فقال: أبهذا أُمرتم؟ أم بهذا أُرسلت إليكم؟ إنّما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه » وقد وصف الترمذيّ الحديث بأنّه غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه من حديث صالح المرّي. وهو له غرائب ينفرد بها لا يُتابع عليها. ولكنّ هذا لا يكفي لتضعيف الحديث لأنّ الغريب قد يكون صحيحاً وحسناً وضعيفاً. ولو أنّ الترمذيّ احتمل ألا يكون النبيّ(ص) نطق بهذا لما تطوّع بعنوانٍ يجعله صريحاً واضحاً فيقول «باب فيما جاء في التشديد بالخوض بالقدر» وأضاف الصالح «ونحن لو لم نفترض خوض بعض الصحابة في مسائل شائكة من مسائل القدر، لغابت عنّا الحكمة في حديث رسول الله(ص) الذي يقول فيه: «إذا ذكر القدر فأمسكوا»، فلو لم يتجادلوا في القدر لما ثار وغضب »(32) . ويظهر أنّ هذه التساؤلات لم تتوقّف بعد وفاة النبيّ(ص)، بل استمرّت، لا سيما بعد احتكاك المسلمين بغيرهم وهو أمر يتّفق مع طبائع الأمور وسنن الإجتماع البشريّ. وقد تفاوت فهم المسلمين الأوائل لها وكذا اختلف أسلوب تعاملهم معها. فقد روى السيوطيّ أنّ الخليفة أبا بكر جاءه رجل فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ الله قدره عليّ ثمّ يعذّبني، قال: نعم يا بن اللخناء، أما والله لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ أنفك»(33) وفي كتاب المنية والأمل، «روي أنّ الخليفة عمر أُتي بسارقٍ، فقال له لِمَ سرقت؟ فقال: قضى الله عليّ، فأمر بقطع يده وضربه أسواطا، ولمّا سئل عن السبب، قال: أمّا القطع فلأنّه سرق، وأمّا الجلد فلأنّه كذب على الله »(34) . وروي أنّ «الإمام علياً عدل من حائط مائل إلى حائطٍ آخر، فقيل له يا أمير المؤمنين أتفرّ من قضاء الله؟ فقال: أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله عزّ وجلّ »(35) . وتذكر عدّة مصادر حواراً مفصّلاً جرى بين الإمام عليّاً وشيخ اشترك في معركة صفين حول مسألة القضاء والقدر وطبيعة عمل الإنسان بين التسيير والتخيير وما يترتّب عليه من الجزاء.

فقد روى الكُلينيّ وغيره أنّ الإمام

(32) صبحي الصالح، النظم الاسلامية، ص75، الطبعة السادسة، سنة 1983، دار العلم للملايين، بيروت.

(33) السيوطي، تاريخ الخلفاء،ص 95، مرجع سابق.

(34) صبحي الصالح، النظم الاسلامية، ص135، مرجع سابق.

(35) أبو جعفر الصدوق، التوحيد، ص 25، دار المعرفة، بيروت.

[43]

مشتاق بن موسى اللواتي

علي لمَّا انصرف من صفين أقبل شيخ فجثا بين يديه ثمّ قال له: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام، أبقضاء الله وقدره؟ فقال: أجل ياشيخ، ما علوتم من تلعة ولا هبطتم من واد إلّا بقضاء من الله وقدر، فقال الشيخ: عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين. فقال له: مه ياشيخ، فوالله لقد عظم لكم الأجر في مسيركم وأنتم سائرون وفي مقامكم وأنتم مقيمون وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطّرين. فقال الشيخ: كيف لم نكن في شيء من حالاتنا مضطّرين وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟ فقال له: أوتظنّ أنّه كان قضاء حتماً وقدراً لازماً؟ إنّه لوكان كذلك لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي والزجر من الله تعالى وسقط معنى الوعد والوعيد ولم تكن لائمة للمذنب ولا محمدة للمحسن ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن ولكان المحسن أولى بالعقاب من المذنب. وتلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدريّة هذه الأمّة ومجوسها. وإنّ الله كلَّف تخييراً ونهى تحذيراً وأعطى على القليل كثيراً ولم يُعصَ مغلوباً ولم يُطَع مكرهاً ولم يَملّك مفوّضاً ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا ولم يبعث النبيّين مبشّرين ومنذرين عبثاً ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار(36) . ويبدو واضحاً من هذا الحوار وبعض ما سبقه من الوقائع أنّه كانت هناك بعض المفاهيم غير الدقيقة لدى شريحة من المجتمع، أو كان ثمّة غموض لديهم حول هذه المسائل بحيث كانوا يعتقدون بشكل من أشكال التسيير والجبر في الأعمال. وإنّ الأسئلة التي طرحها هذا الشيخ والمداخلات التي داخلها مع الإمام عليّ أثناء حديثه معه، وإجابة الإمام عليّ المفصّلة له على اعتراضاته، تدلّ على نموّ وتوسّع في طرح هذه المناقشات في تلك الفترة. ومن الواضح أنّ تلكم الآراء والأفكار المتناثرة التي نقلتها مصادر الحديث والتاريخ تعبّر عن بدايات تشكّل الاتِّجاهات الفكريّة التي تباينت آراؤها حول هذه المحاور الفكريّة والتي انتهت فيما بعد بفعل عوامل سياسيّة وغير سياسيّة إلى تبلور نزعات الجبر والإرجاء والتفويض

(36) محمّد بن يعقوب الكليني، الأصول من الكافي، ج1، ص155، دار صعب، الطبعة الرابعة، 1401 للهجرة، بيروت؛ وكذا محمّد أبوزهرة، تاريخ المذاهب، ص 101، مصدر سابق.

[44]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

والتشبيه والتجسيم وغيرها.

مدارس فكريّة ومذاهب فقهيّة

وأيا كانت بداية الاختلاف وطبيعة المسائل الفكريّة والعقديّة والوقائع التشريعيّة والسياسيّة التي كانت مورد اختلاف بينهم. فإنّ من الجليّ الواضح أنّ الاختلاف الفكريّ بين المسلمين ظاهرة لافتة يمكن أن يلاحظها من له أدنى اطلاع ودراية بشؤون الفكر الدينيّّ للمسلمين. إنّ نظرةً واحدةً إلى مختلف مجالات هذا الفكر سواء في العقيدة أو الفقه أو التفسير وسائر علوم القرآن وطرق توثيق السنّة وعلومها كالرجال والدراية أو المصطلح تكشف لنا المساحات التي كانت مسرحاً لطرح الآراء والأفكار والاجتهادات المتنوّعة فيها. ونتيجة لهذا الاختلاف، ولأسباب أخرى اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة، حصل توسّع كميّ ونوعيّ في هذا الفكر، انتهى خلال قرنين من الزمان أو أكثر بقليل إلى تبلور ومدارس وظهور مذاهب مستقلّة في العقيدة والفقه وتشكّل مناهج في التفسير والحديث. ففي العقيدة ظهرت المحكّمة والمعتزلة والشيعة وأهل الحديث، ثمّ بعد ذلك وفي مرحلةٍ لاحقةٍ ظهرت الأشعرية والماتريدية والمتصوّفة والسلفية. ومع تطوّر الزمن وتقدّم المسيرة الحضاريّة للمسلمين برزت مناهج متعدّدة في بحث العقيدة كالمنهج النصيّ والكلاميّ والفلسفيّ والمنهج العرفانيّ الصوفيّ.

كما تنوّعت مناهج تفسير القرآن الكريم، بين المأثور عن النبيّ(ص) وأهل البيت والصحابة والتفسير بالرأي والفهم العقليّ والتفسير الإشاريّ الرمزيّ والتفسير الفلسفيّ والفقهيّ والبلاغيّ والتفسير العلميّّ. وهناك من نحا منحى المزج بين أكثر من منهج وهكذا. وكذلك الحال في الفقه فقد ظهرت اتّجاهات الحديث والتي تمركزت في الحجاز واتّجاهات الرأي التي تمركزت في العراق، كما تشكّلت مرجعيّة سيرة الخلفاء الأوائل وسنّة الخلفاء وحجّيّة الصحابة كمرجعيّة في السياسة والفقه والتشريع. وانتهى هذا الحراك الفكريّ والفقهيّ والسياسيّ إلى تكوّن مذاهب فقهيّة متنوّعة انقرض بعضها أو اندمج في بعضها الآخر، كمذهب الشيبانيّ وأبي يوسف والسفيانين والأوزاعيّ والطبري والظاهري

[45]

مشتاق بن موسى اللواتي

وغيرها.

وبقيت بعضها كالمذاهب الفقهيّة الأربعة المعروفة، إلى جانب المذهب الفقهيّ الأباضيّ والمذهب الشيعيّ الإماميّ والزيديّ. ومع تنامي حركة الاجتهاد وتطوّر مناهج البحث في الفكر الإسلاميّّ في مختلف النتاجات الفكريّة والمعرفيّة الدينيّّة بين المدارس والمذاهب والتيّارات المتعدّدة، وبفعل التواصل الفكريّ بين هذه المدارس والإتّجاهات، ظهرت اختلافات غير قليلة داخل المدرسة الواحدة والمذهب الواحد طالت المناهج والقواعد فضلاً عن التفاصيل. ولم يقتصر الحال على هذا المستوى بل نتيجة للبحث والتفكير المستمرَّين، أو كأثر من آثار استمرار الحوار والجدال الفكريّ، حصلت تحوّلات وتطوّرات فكريّة وفقهيّة في اتّجاهات وآراء لبعض العلماء والفقهاء والمتكلّمين والفلاسفة.

وتحوّل إثرها بعضهم من مدرسةٍ فكريّةٍ إلى أخرى، وعدل بعضهم عن منهج اجتهاديٍّ إلى آخر وبعضهم عن منهج معرفيّ إلى آخر، كما هو الحال بالنسبة إلى محمّد بن إدريس الشافعيّ صاحب المذهب القديم والجديد في الفقه وأبي الحسن الأشعريّ الذي ترك الإعتزال وعبد الجبّار الهمدانيّ الذي اقتنع بفكر المعتزلة وأبي حامد الغزالي الذي مرَّ بأدوار ومناهج فكريّة متعدّدة ومحمّد بن مسعود العيّاشيّ وأبي جعفر بن قبّة الرازيّ اللَّذين اقتنعا بالفكر الإماميّ. وهذا يعني أنّ الاختلاف والتغيّر قد يطرآن على أفكار المفكّر الواحد والفقيه الواحد والمتكلّم الواحد، بحيث يكون قد مرّ بأدوار ومراحل فكريّة متنوّعة في حياته.

وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى الإختلاف الذي وقع بين الشيخ أبي جعفر الصدوق من علماء الإماميّة الذي كان يمثّل مدرسة قمّ التي كان يغلب عليها المنهج الحديثيّ وبين تلميذه الشيخ المفيد المعروف بابن المعلّم الذي كان يمثّل مدرسة بغداد التي كان يغلب عليها المنهج الكلاميّ، حول عدد من المسائل التفصيليّة في العقيدة. فقد كتب الصدوق رسالة في بيان عقائد الإماميّة حسبما انتهى إليه نظره، فنقد المفيد جملةً من آرائه في رسالة كتبها بعنوان «شرح الإعتقاد بصواب الإنتقاد ». وممّا لاحظه المفيد

[46]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

على منهج شيخه أنّه في جملة من المسائل اتّبع أخبار الآحاد التي لا تفيد علماً كما أخذ عليه وقوفه عند ظواهر بعض المنقولات دون استعمال النظر والتأويل فيه(37) . ومن أمثلته السجال الذي وقع بين أبي حامد الغزالي وبين ابن رشد. فقد كتب الغزالي «مقاصد الفلاسفة » ثمّ أردفه بـ«تهافت الفلاسفة » تناول فيه عشرين مسألة، رأى أنّ الفلاسفة خالفوا فيها تعاليم الدين، لا سيما فيما يتعلّق بمسألة حشر الأجسام وعلم الله تعالى بالجزئيّات وقِدَم العالم. وانتهى إلى أنّ بعض آرائهم تستوجب الكفر. وردّ عليه ابن رشد بكتاب «تهافت التهافت »، اتّهم فيه الغزالي بالتخليط وعدم فهم أغراض الفلاسفة والسعي لتأليب الجماهير عليهم والتسرّع في تكفيرهم(38) . ويرى الدكتور الجابري أنّ الغزالي ألّف عدّة كتب في هذه المرحلة وقبل تحوّله إلى التصوّف، وذلك ضمن برنامج المعركة الأيديولوجيّة للدولة السلجوقيّة ضد خصومها الفاطميّين وكذلك المعتزلة والفلاسفة. منها كتاب «فضائح الباطنيّة وفضائل المستظهريّة » نسبة إلى الحاكم المستظهر العباسيّ، و«الاقتصاد في الاعتقاد » إلى جانب الكتب السالفة(39) . وسواء صحّ تحليل الجابري أو لم يصحّ فإنّ السياسة لم تكن بمنأى عن إثارة الخلافات بين تيّارات الفكر المختلفة وتعميق الهوّة بينها وتوظيفها لتحقيق مصالحها. ومن الشواهد البارزة على ذلك إفتعال مشكلة خلق القرآن أو قِدَمه، وإلزام الناس بالإيمان بهذه تارةً كما في زمن المأمون وإجبارهم بالإعتقاد بأخرى كما في زمن المتوكّل، وإقامة ما يشبه محاكم التفتيش عن العقائد والآراء ومعاقبة من يخالف الإتجاه الدينيّّ الرسميّ للدولة. ومن المفارقات العجيبة التي وظهر في هذه القضيّة الفكريّة السياسيّة المفتعلة أنّ تبادل كلّ من المعتزلة وأهل الحديث، وهما اتجاهان فكريّان متعارضان، مواقع القوّة عن طريق التحالف مع السلطة الحاكمة والإعتماد عليها ليس من أجل دعم صوّراتهما الفكريّة وتعزيزها فحسب بل وفرضها على الناس بالقوّة والقهر عبر توظيف مختلف الوسائل والمنابر الرسميّة والشعبيّة المتاحة ومعاقبة كلّ من يخالفها أو يتبنّى فكراً مغايراً لها.

ويُلاحظ هنا أنّ المعتزلة وعلى الرغم من أنّهم يُعلون من شأن

(37) محمّد بن محمّد النعمان المفيد، تصحيح الإعتقاد بصواب الإنتقاد، ص 34، 62، 101، 104، دار الكتاب الإسلاميّ، سنة 1983، بيروت.

(38) محمّد عابد الجابري، ابن رشد سيرة وفكر، ص 141، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، سنة 2001، بيروت.

(39) محمّد عابد الجابري، مدخل على فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، ص22، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، سنة 1997، بيروت؛ وكذلك، ابن رشد، ص 136، مرجع سابق.

[47]

مشتاق بن موسى اللواتي

العقل في مجال قراءة النصوص وتفسيرها وتأويلها بل يحتكمون إلى العقل والمنطق في قبول الأخبار والآثار أو ردَّها فلا يقبلون أيّ خبر يتعارض مع العقل ويؤوّلون أيّ تفسير أو قراءة لا تتّفق مع مبادئهم العقليّة. ولهذا نظر إليهم كثير من الدّارسين على أنّهم فرسان الحريّة الفكريّة ورادة الاجتهاد العقلي والمدرسة العقليّة في تاريخ المسلمين. إلّا أنّهم وخلافاً لكلِّ تلكم المقولات لم يجدوا حرجاً في التحالف مع السلطة الحاكمة وإضفاء الشرعيّة والمشروعيّة عليها زمن المأمون العباسيّ ومن جاء بعده، وفرض اتِّجاههم الفكريّ على الجماهير بالقوة والبطش. لقد كشفت هذه الظاهرة المبكّرة في تاريخ المسلمين عن وجود فجوة عميقة لدى بعض النخب من أهل الفكر والثقافة بين ما يطرحونه من أفكار ونظريّات كلاميّة وفلسفيّة مستنيرة وبين تجسيدها على أرض الواقع لا سيّما فيما إذا اصطدمت مع استلام زمام الأمور والتربّع على عرش السلطة والحكم. إنّ فشل شيوخ المعتزلة في هذا الاختبار العمليّ دلّ على وجود أزمة فكريّة عميقة لا يمكن أن تكون وليدة ساعتها. بل هي محصّلة عوامل فكريّة واجتماعيّة وسلوكيّة تكوّنت وتراكمت مع الزمن لتشكِّل هذه الازدواجيّة الصارخة.

مناشئ الإختلاف والخطأ المغفور

وكما سبق، فإنّ الإختلاف الفكريّ له مناشئ وأسباب متداخلة، طبيعيّة وثقافيّة وسياسيّة وتاريخيّة وإنّ جذور الاختلاف الفكريّ والعقديّ في تاريخ المسلمين ترجع إلى تاريخ مبكّر يعود إلى زمن الصحابة والتابعين.

وقد تطرّق الشيخ ابن تيميّة إلى بعض عوامل الاختلاف بين الصحابة والتابعين والسلف والخلف، وأشار إلى مناشئ الخطأ فيها، مؤكّداً أنّ الخطأ في أمثالها مغفور. قال في مجموع الفتاوى: «والخطأ المغفور في الاجتهاد هو في المسائل الخبريّة والعلميّّة كما

[48]

الإختلاف الفكريّ بين المسلمين الأوائل خلفيّاته وانعكاساته

قد بسط في غير موضع، كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آيةٍ أو حديثٍ وكان لذلك ما يعارضه ويبيّن المراد ولم يعرفه، مثل من اعتقد أنّ الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته أو اعتقد أنّ الله لا يُرى لقوله: «لا تدركه الأبصار» الأنعام... وكما نقل عن بعض التابعين إنّ الله لا يرى وفسّروا قوله: «وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة » بأنّها تنتظر ثواب ربّها كما نقل عن مجاهد وابي صالح..... أو اعتقد أنّ علياً أفضل الصحابة، لاعتقاده صحّة حديث الطير، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال‏:‏ « اللّهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك يأكل معي من هذا الطائر » أو اعتقد أنّ من جسس للعدوّ وأعلمهم بغزو النبيّ(ص) فهو منافق، كما اعتقد ذلك عمر (بن الخطّاب) في حاطب، وقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق. أو اعتقد أنّ من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق، كما اعتقد ذلك أسيد بن خضير في سعد بن عبادة، وقال: إنّك منافق، تجادل في المنافقين. أو اعتقد أنّ بعض الكلمات أو الآيات أنّها ليست من القرآن، لأنّ ذلك لم يثبت عنده، كما نُقل عن غير واحدٍ من السلف، أنّهم أنكروا ألفاظاً من القرآن، كإنكار بعضهم «وقضى ربّك » وقال إنّما هي ووصّى ربك، وإنكار بعضهم قوله: «وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين »، وقال إنّما هو ميثاق بني إسرائيل، وكذلك هي في قراءة عبد الله، وإنكار بعضهم: «أفلم ييأس الذين آمنوا »، إنّما هي أولم يتبين الذين آمنوا، وكما أنكر عمر على هشام بن الحكم لمّا رآه يقرأ سورة الفرقان على غير ما قرأها، وكما أنكر طائفة من السلف على بعض القرّاء بحروف لم يعرفوها حتّى جمعهم عثمان على المصحف الإمام(40) ، ويتبيّن من كلام ابن تيميّة السابق الآتي:

- إنّ الاختلاف في قضايا الفكر الدينيّّ ظهر مبكراً في تاريخ المسلمين، وأنّه وقع بين الصحابة والتابعين وعلماء السلف والخلف.

- إنّ الاختلاف الفكريّ بين المسلمين شمل مسائل العقيدة والتفسير والحديث من حيث الثبوت وعدمه والعلم به وعدمه، بالإضافة إلى التفسير والفهم للنصوص.

- إنّ الاختلاف وقع بين الصحابة حول بعض آيات القرآن الكريم وألفاظه وكلماته وحروفه وإنّ بعضهم كان ينكر ما يقرأه غيره من القرآن.

(40) ابن تيميةالحراني، مجموع الفتاوى، ج 20، ص33 35، الإصدار الثاني، سنة 1995، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبويّة، الانترنت.

[49]

مشتاق بن موسى اللواتي

- إنّ صرف بعض المعاني الظاهريّة لبعض النصوص الموهمة للتشبيه أو التجسيم إلى معانٍ أخرى مقبولة أو حملها على بعض المعاني المجازيّة كان موجوداً عند بعض التابعين.

- إنّ الاختلاف والجدال وقع بين بعض الصحابة إلى درجة أنّهم أطلقوا على بعضهم وصف النفاق.

- مشروعيّة الاختلاف في الأمور التفصيلية للدين سواء في العقيدة أو الفقه أو التفسير إذا كان ناتجاً من اجتهاد في فهم النصّ وتفسيره وتأويله أو لعدم ثبوت حديث أو لعدم العلم به أصلا.

إنّ التحوّلات الفكريّة والسياسيّة والتفاعلات الإجتماعيّة والإقتصاديّة التي مرَّت بها مسيرة المسلمين أسهمت في تشكيل تيّارات ومناهج ومدارس فكريّة متنوّعة. وقد أدّى انفتاح المسلمين على الفلسفات والثقافات الأخرى إلى تنشيط الحركة العقليّة وتفعيل السجال في مختلف القضايا الفكريّة. والاختلاف يكاد يكون سِمَةً ملازمة للإجتهاد ومزاولة التفكير في مختلف المجالات العلميّّة والمعرفيّة. ومن الطبيعيّ أن لا تكون كلُّ الآراء والأفكار والنظريّات، لا سيّما المتخالفة والمتعارضة منها مصيبة ومطابقة للواقع. ولكن حسب المرء أن يخلص النيّة وأن يبذل وسعه في البحث والتقصّي مع إعمال المعدّات العلميّّة والأدوات البحثيّة للوصول إلى النتائج السليمة. ولهذا فقد قرّر فقهاء المسلمين أنّ المجتهد يخطئ ويصيب، وطالما لم يألُ جهداً في البحث فإنّه مأجور على كلّ حال. ومن المفترض أن يدرس هذا الاختلاف بوصفه منجزاً اجتهاديّاً فكريّاً وفقهيّاً للعقل المسلم، وقابلاً لإعمال الإجتهاد والنظر فيه، من قِبَل أهل الفكر والفقه والتفسير والفلسفة والكلام والتصوّف ضمن الجوامع الدينيّّة العريقة والحوزات العلميّّة والمجامع الفقهيّة والجامعات والمعاهد الأكاديميّة على قاعدة الجدال بالتي هي أحسن.

عدد مرات القراءة:
224
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :