آخر تحديث للموقع :

السبت 17 ربيع الأول 1443هـ الموافق:23 أكتوبر 2021م 03:10:55 بتوقيت مكة

جديد الموقع

أقوال السلف و العلماء في اثبات الصفات حقيقة بلا كيف و لا تعطيل ..

الخلاف حول آيات الصفات قديم بين السلف والخلف منذ أن أظهر الجعد بن درهم بدعة نفي الصفات، وتلقفها عنه الجهم بن صفوان، ثم تقسمتها الطوائف بعدهما، وقتلا جراءها أوائل المائة الثانية،
وصار السلف ينعتون أتباعهما بالجهمية،
ولهم في الرد عليهم والتحذير من بدعتهم مصنفات،
كالردعلى الزنادقة والجهمية للإمام أحمد،
وخلق أفعال العباد للإمام البخاري صاحب الصحيح،
والاختلاف في اللفظ، والرد على الجهمية والمشبهة للإمام ابن قتيبة،
والرد على الجهمية للإمام عثمان بن سعيد الدارمي، وغيرها كثير..
 
النقول عن العلماء
 
قال ابن كثير في تفسيره الآية 54\الأعراف
وأما قوله تعالى { ثم استوى على العرش } فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها
وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا
وهو إمرارها كما جاءت
من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل
والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله لا يشبهه شيء من خلقه
و ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير )
بل الأمر كما قال الأئمة منهم
نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال
من شبه الله بخلقه كفر
ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر
وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه
فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الايات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى
 
وقد ثبت عن الإمام مالك إثبات العلو
رروى أبو داود في المسائل (ص263) بسندصحيح
عن عبدالله بن نافع عن الامام مالك أنه قال
( الله في السماء وعلمه في كل مكان)
 
حدد ابن حجر رحمه الله معنى ( بلا كيف )
التي قالها السلف حين قال بأن السلف
(لم يخوضوا في صفات الله لعلمهم بأنه بحث عن
كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل،
لكون العقول لها حد تقف عنده)
فتح الباري 13/350
 
و ليس ما يعلم معناه !
 
و في تفسير البغوي 1\235:
"{ ثم استوى على العرش }
قال الكلبي و مقاتل : استقر
وقال أبو عبيدة : صعد
وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء
وأما أهل السنة فيقولون :
" الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف"
 
يجب على الرجل الإيمان به ويكل العلم فيه إلى الله عز وجل وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله : { الرحمن على العرش استوى } [ طه - 5 ] كيف استوى ؟
فأطرق رأسه مليا وعلاه الرحضاء ثم قال :
الاستواء غير مجهول
والكيف غير معقول
والإيمان به واجب
والسؤال عنه بدعة
وما أظنك إلا ضالا ثم أمر به فأخرج
 
-و ليس و المعنى غير معقول!-
وروي عن سفيان الثوري و الأوزاعي و الليث بن سعد و سفيان بن عيينة و عبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة :
أمروها كما جاءت بلا كيف
 
-و ليس بلا معنى-
 
و أثبت ابن جرير الطبري صفة المجيء
حيث قال في تفسيره وقوله: (وجاء ربكوالملك صفا صفا)
يقول تعالى ذكره: وإذا جاء ربك يا محمد وأملاكه صفوفا صفا بعدصف
 
وقد قال القرطبي ( وهو من أهل التأويل ) في تفسيره
( والذي عليه جمهورأئمة أهل السنة أنهم يقولون:
يجيء وينزل ويأتي. ولا يكيفون
لأنه "ليس كمثله شيء وهوالسميع البصير" )
 
- و ليس و لا يفهمون شيئا كما تقول المعطلة المفوضة!-
 
وقوله
ولا يكيفون يدل على أنهم يثبتون المعنى
ولكن أشاعرةاليوم يعتبرون هذا القول من أقوال أهل التجسيم والتشبيه
 
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - (7 / 152)
أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بهاوحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك
ولا يحدون فيه صفة محصورة
وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة
ويزعمون أن من أقر بها مشبه
وهم عند من أثبتها نافون للمعبودوالحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمدلله
 
الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 1/365
قال : حدّثني الحسن بن أبي طالب قال: نبّأنا أبو الحسنمنصور بن محمد بن منصور القزاز قال: سمعت أبا الطيب أحمد بن عثمان السمسار والد أبي حفص بن شاهين يقول:
حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إنَّ الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا ... ))،
فالنزول كيف يكون يبقى فوقه علوّ؟!،
فقال أبو جعفر الترمذي:
النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
 
وأورده الذهبي في العلوّ ، قال الألباني -رحمه الله-: (( وهذا إسنادرجاله كلهم ثقات ... )) - مختصر العلوّ ص:232
وعلّق الذهبيُّ على هذا الأثربقوله
(صدق فقيهُ بغداد وعالمُها في زمانه؛ إذ السؤال عن النزول ما هو؟ عيٌّ؛
لأنَّه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلاّفالنزول والكلام والسمع والبصر والعلم والاستواء عباراتٌ جليّةٌ واضحةٌ للسامع،
فإذا اتّصف بها من ليس كمثله شيء، فالصفة تابعةٌ للموصوف،
وكيفية ذلك مجهولة عندالبشر،
وكان هذا الترمذي من بحور العلم ومن العباد الورعين.
مات سنة خمس وتسعين ومائتين)
- مختصر العلوّ ص:231
 
أبو علي الحسين بن الفضل البجلي :
سئل عن الاستواء وقيل له : كيف استوى على عرشه؟
فقال:
(أنا لا أعرف من أنباء الغيب إلاَّ مقدار ماكُشف لنا،
وقد أعلمنا جلّ ذكره انَّه استوى على عرشه ولم يخبرنا كيف استوى)
رواه الصابوني في عقيدة السلف ص:40
 
قال الإمام الترمذي صاحبالسنن بعد روايته حديث:
"إِنَّ اللهَ يَقبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهابِيَمِينِه"
- الترمذي (662)- وتصحيحه له:
 
(وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذاالحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى، كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا:
قد تثبت الروايات في هذا، ويؤمن بها ولا يُتوهم،
ولا يقال: كيف).
هكذا روي عن
مالك
وسفيان بن عيينة
وعبد الله بن المبارك،
أنهم قالوا في هذه الأحاديث:
(أمروها بلا كيف).
 
وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة،
 
وأماالجهمية فأنكرت هذه الروايات
وقالوا: (هذا تشبيه).
وقد ذكر الله عز وجل، في غيرموضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر،
فتأولت الجهمية هذه الآيات،
ففسروها على غيرما فسر أهل العلم،
وقالوا: (إن الله لم يخلق آدم بيده).
وقالوا: (إن معنى اليد هاهنا القوة)
. وقال إسحاق بن إبراهيم:
(إنما يكون التشبيه إذا قال:
يد كيد، أو مثل يد،
أو سمع كسمع، أو مثل سمع.
فإذا قال: سمع كسمع، أو مثلسمع.
فهذا التشبيه،
وأما إذا قال، كما قال الله تعالى: يد، وسمع، وبصر.

ولا يقول: كيف.

ولا يقول: مثل سمع ولا كسمع.
فهذا لا يكون تشبيهًا،
وهو كما قال الله تعالى، في كتابه:
(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)
[الشورى: 11] السنن (3/50، 51).




ونقل الإمام البخاري في (خلق أفعال العباد)
عن يزيد بن هارون قوله:
 
من زعم أن الرحمن على العرش استوى
على خلاف مايقر في قلوب العامة فهو جهمي،
 
ونقل أيضًا قول الفضيل بن عياض:
 
إذا قال لك جهمي:
أنا كافر برب يزول عن مكانه.
فقل: أنا أؤمن برب يفعل مايشاء

ونقل أيضًا قول سليمان التيمي:
(لو سئلت: أين الله؟
لقلتُ: في السماء،فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء؟
لقلت: على الماء، فإن قال:
فأين كان عرشه قبل الماء؟
لقلتُ لا أعلم
قال الإمام البخاري:
(وذلك لقوله تعالى: (وَلاَيُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ).
يعني إلا بما بين.
 
قال الإمام أبو حنيفة:



وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكرهالله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس

فهو له صفات بلا كيف،

ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته؛ لأن فيه إبطالَ الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال
[الفقهالأكبر ص302]
 
قال الذهبي في السير في ترجمة أبو بكر الإسماعيلي الإمام الحافظ الحجةالفقيه رحمهالله
(ولد سنة 277 هــ) :
 
أخبرنا إسماعيل بن عبد الرحمن بنالفراء ، أخبرنا الشيخ موفق الدين عبد الله ، أخبرنا مسعود بن عبد الواحد ، أخبرناصاعد بن سيار ، أخبرنا علي ابن محمد الجرجاني ، أخبرنا حمزة بن يوسف ، أخبرنا أبوبكر الإسماعيلي ، قال :
اعلموا - رحمكم الله - أن مذاهب أهل الحديث الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وقبول ما نطق به كتاب الله ، وما صحت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا معدل عن ذلك .
ويعتقدون بأن الله مدعو بأسمائه الحسنى،
وموصوف بصفاته التي وصف بها نفسه ، ووصفه بها نبيه ،
خلق آدم بيديه ،ويداه مبسوطتان
بلا اعتقاد كيف،
واستوى على العرش
بلا كيف ،
وذكرسائر الاعتقاد . اهــ
 
و قال في ترجمة أبي ذَرّ الهَرَوِيّ رحمه الله (ولد سنة 356 هــ) :

هو الذي كان ببغداد يناظر عن السنة وطريقة الحديث بالجدل والبرهان ، وبالحضرة رءوس المعتزلةوالرافضة والقدرية وألوان البدع ، ولهم دولة وظهور بالدولة البويهية ، وكان يرد على الكرامية، وينصر الحنابلة عليهم ، وبينه وبين أهل الحديث عامر ، وإن كانوا قديختلفون في مسائل دقيقة ، فلهذا عامله الدارقطني بالاحترام ، وقد ألف كتابا سماه:
"الإبانة" ، يقول فيه : فإن قيل :

فما الدليل على أن لله وجهاويدا؟

قال : قوله : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ وقوله : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
فأثبت - تعالى - لنفسه وجها ويدا ... إلى أن قال:
فإن قيل: فهل تقولون: إنه في كل مكان ؟
قيل : معاذ الله ! بل هو مستوٍ على عرشه كما أخبر في كتابه اهــ
 
و قال في ترجمة الخطيب البغدادي رحمه الله (ولد سنة 392 هــ) :
أخبرنا أبو علي بنالخلال ، أخبرنا أبو الفضل الهمداني ، أخبرنا أبو طاهر السلفي ، أخبرنا محمد بن مرزوق الزعفراني ، حدثنا الحافظ أبو بكر الخطيب قال :
 
أما الكلام في الصفات ، فإنما روي منها في السنن الصحاح ،
 
مذهب السلف إثباتها
وإجراؤها على ظواهرها ،
ونفي الكيفية
والتشبيه عنها ،
 
وقد نفاها قوم ، فأبطلوا ما أثبته الله ، وحققها قوم منالمثبتين ، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف ، والقصد إنما هو سلوكالطريقة المتوسطة بين الأمرين ، ودين الله ءتعالىء بين الغالي فيه والمقصر عنه
. والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات ، ويُحتذى في ذلك حذوهومثاله ،
فإذا كان معلوما أن إثبات رب العالمين إنما
هو إثبات وجود لا إثبات كيفية،
فكذلك إثبات صفاته
إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف .
 
فإذا قلنا :
لله يد وسمع وبصر ، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه ،
ولا نقول : إن معنى اليد القدرة ، ولا إن معنى السمع والبصر العلم ، ولا نقول : إنها جوارح . ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل،
ونقول : إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها ، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله : لَيْسَكَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ . اهــ
 
في سنن ابن ماجة في مقدمته عنونبابابعنوان :
باب فيما أنكرت الجهمية
و وضع فيه هذه الأحاديث :
عنأبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" كتب ربكم على نفسه بيده قبل أن يخلق الخلق :
رحمتي سبقت غضبي "
 
سعيد بنالمسيب ، أن أبا هريرة ، كان يقول :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقبضالله الأرض يوم القيامة ، ويطوي السماءبيمينه، ثم يقول : أنا الملك ، أين ملوك الأرض ؟ "
 
عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلمقال : " يمين الله ملأى، لا يغيضها شيء ، سحاء الليلوالنهار ، وبيده الأخرى الميزان ، يرفع القسط ويخفض ، قال : أرأيت ما أنفق منذ خلقالله السموات والأرض ؟ فإنه لم ينقص مما في يديه شيئا "
 
عبد الله بن عمر ، أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو علىالمنبر يقول : " يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده،وقبض بيده فجعل يقبضها ويبسطها "
، ثم يقول : " أنا الجبار ، أينالجبارون ؟ أين المتكبرون ؟
" ، قال : " ويتميل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه وعن يساره ، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه ، حتى إني أقول : أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم
 
أبا إدريس الخولاني ، يقول : حدثني النواس بن سمعان الكلابي ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما منقلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن ، إن شاء أقامه ، وإن شاء أزاغه " وكان رسولالله صلى الله عليه وسلم يقول : " يا مثبت القلوب ، ثبت قلوبنا على دينك .
قال :والميزان بيد الرحمن،
يرفع أقواما ويخفض آخرين ، إلى يومالقيامة "
 
فأنظروا كيف أثبت ابن ماجة صفة اليدين لله عز و جل
فهذا مذهب أهل الحديث و السلف.
قال أبو حسن الأشعري في كتابه الإبانة :
 
وقد اعتل معتل بقول الله تعالى ( 1 / 130 ) :
( والسماء بنيناها بأيد ) من الآية ( 47 / 51 ) قالوا : الأيد القوة فوجب أن يكون معنى قوله تعالى : ( بيدي ) بقدرتي قيل لهم : هذا التأويل فاسد من وجوه :
 
أحدها
: أن الأيد ليس جمع لليدلأن جمع يد أيدي
وجمع اليد التي هي نعمة أيادي وإنما قال تعالى : ( لما خلقت بيدي ) من الآية ( 75 / 38 ) فبطل بذلك أن يكون معنى قوله : ( بيدي ) معنى قوله : ( بنيناها بأيد )
وأيضا فلو كان أراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتي وهذا ناقض لقولمخالفنا وكاسر لمذهبهم لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة فكيف يثبتون قدرتين . ( 1 / 132 )
وأيضا فلو كان الله تعالى عنى بقوله :
( لما خلقت بيدي ) القدرة لم يكن لآدمصلى الله عليه وسلم على إبليس مزية في ذلك والله تعالى أراد أن يرى فضل آدم صلىالله عليه وسلم عليه إذ خلقه بيديه دونه ولو كان خالقا لإبليس بيده كما خلق آدم صلىالله عليه وسلم بيده لم يكن لتفضيله عليه بذلك وجه وكان إبليس يقول محتجا على ربه
: فقد خلقتني بيديك كما خلقت آدم صلى الله عليه وسلم بهما فلما أراد الله تعالىتفضيله عليه بذلك وقال الله تعالى موبخا له على استكباره على آدم صلى الله عليهوسلم أن يسجد له : ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت ؟ ) ( 75 / 38 ) دل علىأنه ليس معنى الآية القدرة إذ كان الله تعالى خلق الأشياء جميعا بقدرته وإنما أرادإثبات يدين
ولم يشارك إبليس آدم صلى الله عليه وسلم في أن خلق بهما .
الإبانة الأشعري [ جزء 1 صفحة 133 ]
 
من أثبت صفة النزول من السلف
وقال أحمد بن سلمة :
"سمعت إسحاق بن راهويه يقول:
جمعني وهذا المبتدع -يعني إبراهيم بن أبي صالح- مجلس الأمير عبد الله ابن طاهر ، فسألني الأمير عنأخبار النـزول فسردتها.قال ابن أبي
صالح:
كفرت برب ينـزل من سماء إلى سماء
. فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء" .
رواه البيهقي في الأسماء والصفات عن الحاكمسمعت محمد بن صالح بن هاني سمعت أحمد بن سلمة فذكره
وإسناده صحيح
وفيه الرد علىمن زعم أن السلف كان مذهبهم التفويض أو ما يسمونه بالسكوت
 
وممن أثبت النزول) أبو العباس السراج ولد عام 217 وتوفي عام 313)
قال الذهبي في سير اعلام النبلاء
أخبرنا إسماعيل بن إسماعيلفي كتابه:
أخبرنا أحمد بن تميم اللبلي ببعلبك أخبرنا أبو روح بهراة أخبرنا محمد بنإسماعيل أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن محمد الخفاف
حدثنا أبوالعباس السراج إملاء قال:
من لم يقر بأن الله تعالى يعجب ويضحك وينزل كل ليلة إلىالسماء الدنيا فيقول:" من يسألني فأعطيه"
فهو زنديق كافر يستتاب فإن تاب وإلا ضربتعنقه ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين
قلت وإسناده صحيحشيخ الذهبيإسماعيل بن إسماعيل بن جوسلين أبو الفداء عماد الدينقال اليونيني ذيل مرآةالزمان (( كان إماماً عالماً فاضلاً ورعاً عاملاً(
وأحمد بن تميم حافظ معروفوأبو روح اسمه عبد المعز بن محمد له ترجمه في تاريخ الإسلام
قال الذهبي( عبد المعز بن محمد بن أبي الفضل بن أحمد بن أسعد بن صاعد. الشيخ المعمَّر، حافظالدين أبو رَوْح الساعدي، البزّاز، الهَرَوي، الصوفي، مسند العصر بخُراسان.
ولدفي ذي العَقْدة سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة بهَراة(وشيخه محمد بن إسماعيل بنالفُضيلله ترجمة في الأنساب للسمعانيقال السمعاني (( محمد بن إسماعيل بنالفضيل الفضيلي من أهل هراة، كان مشهوراً بالعدالة والتزكية عالماً باللغة، سمعالحديث الكثير وكان من بيت الحديث )) وأما المليحي فلهترجمة في الأنساب للسمعانيقال السمعاني (( محدث هراة في وقته ومسندها(وأما شيخه الخفاف فقد ذكر السمعاني ( كما نقل الألباني ) في الأنساب أنسماعاته من أبي العباس السراج صحيحة
والأثر واضح وهو والذي قبله فيهما رد علىمن زعم أن السلف كانوا مفوضة
 
وقال [الترمذي] لما روى حديث أبي هريرة
"إن الله يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينهفيربيها"
: "هذا حديث صحيح روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال غيرواحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبهه من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كلليلة إلى السماء الدنيا قالوا: قد ثبتت الروايات في هذا، ونؤمن به، ولا نتوهم، ولايقال كيف هذا
وروي عن مالك، وابن عيينة، وابن المبارك أنهم قالوا في هذهالأحاديث:
أمروها بلا كيف.وهكذا قول أهل العلم، من أهل السنة والجماعة.
وأماالجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وفسروها على غير ما فسرأهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وإنما معنى اليد ها هنا النعمة،
وقالإسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد، أو مثل يد، وسمعكسمع
قلت وقوله ولا يقال كيف إثبات للصفة إذ ما لم يثبت معناه لم نحتج نفيالعلم بكيفيته أو السؤال عن كيفيته ووما على أن الترمذي أراد الإثبات أنه لم يفرقبين صفات السمع والبصر واليد
ومما يؤكد أنه أراد الإثبات إثباته لصفة العلو فيموضع آخر من سننه
الرابع الدارمي ( وهو من طبقة شيوخ البخاري) صاحب السنن حيثبوب في سننه ( باب في شأن الساعة ونزول الرب تعالى)
الخامس ابن أبي عاصمالنبيل صاحب كتاب السنة فقد باباً في النزول في كتابه السنة
السادس عثمان بنسعيد الدارمي ولم ينكر عليه أحد من السلف إثباته للصفات بل أثنى أبو زرعة علىتصنيفه
السابع ابن أبي داود حيث قال في منظومته
وقل ينـزل الجبار في كلليلة بلا كيف جل الواحد المتمدح
وقال بعد منظومته
(( هذا قولي، وقول أبي، وقولشيوخنا، وقول من لقيناهم من أهل العلم، وقول العلماء ممن لم نرهم كما بلغنا عنهم،فمن قال غير ذلك فقد كذب)
وقد قدمنا إثبات كل من ابن عباس وام سلمة رضي اللهعنهما لصفة النزول وإنما قصدنا هنا ذكر من أثبت صفة النزول من غيرالصحابة





- ابن حجر رحمه الله:
 
حدد رحمه اللهمعنى ( بلا كيف ) التي قالها السلف حين قال بأن السلف
لم يخوضوافي صفات الله لعلمهم بأنه بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته بالعقل، لكون العقول لهاحد تقف عنده) فتح الباري 13/350
 
- إمام الأئمة ابن خزيمة:
 
)نشهد شهادة مقر بلسانه مصدقبقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية ، لأننبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا وأعلمنا أنه ينزلوالله جل وعلا لم يترك ولا نبيه عليه السلام بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه من أمردينهم فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الاخبار من ذكر النزول غير متلكفين القولبصفته أو ((بصفة الكيفية)) إذ النبي لم يصف لنا كيفية النزول( التوحيد لابنخزيمه 1/289-290
 
- الإمام المفسر القرطبي الأشعري:
(قال مالك رحمه الله : الاستواء معلوم -يعني في اللغة- والكيف مجهولوالسؤال عنه بدعة)
وينقل إجماع السلف ويقول
- (ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلكلأنه أعظم المخلوقات وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته)تفسير القرطبي 7/140-141
 
-
- العلامة جمال الدين القاسمي:
قال في تفسيره "محاسن التأويل" في شرح آية الإستواء:
قال البخاري في آخر [صحيحه] في كتاب الرد على الجهمية، في باب قوله تعالى "وكان عرشه على الماء": [قال مجاهد: استوى: علا على العرش] انتهى.
وفي كتاب [العلو] للحافظ الذهبي:
قال إسحاق بن راهويه: سمعت غير واحد من المفسرين يقول:
"الرحمن على العرش استوى"
أي ارتفع،
ونقل ابن جرير عن الربيع بن أنس أنه بمعنى ارتفع،
وقال: إنه في كل مواضعه بمعنى علا وارتفع
وأقول: لا حاجة إلىالاستنكار من ذلك، فإن الاستواء غير مجهول
وإن كان الكيف مجهولاً
- أبو علي الحسين بن الفضل البجلي:
سئل عن الاستواء وقيل له : كيف استوى على عرشه؟
فقال:
((أنا لا أعرف من أنباء الغيب إلاَّ مقدار ما كُشف لنا،
وقد أعلمنا جلّ ذكره انَّه استوى على عرشه
ولم يخبرنا كيف استوى))
رواه الصابوني في عقيدة السلف ص:40
- الإمام أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي:
يقول في قصيدته في السنة:
وأن استواء الرب يعقل كونه ويجهل فيه الكيف جهل الشهارب
العلو للذهبي 191 وطبقاتالسبكي 6/137
- أبو بكر بنالعربي الأشعري: عارضةالاحوذي 3/166
وذهب مالك رحمه الله أن كل حديث
- منهامعلوم المعنى
- ولذلك قال للذي سأله الاستواء معلوم والكيفية مجهولة



- الإمام حماد بن أبي حنيفة رحمه الله:
قال محمد بن الحسن : قال حماد بن أبي حنيفة رحمه الله:
قلنا لهؤلاء أرأيتم قول الله -عز وجل : (( وجاء ربك والملك صفاً صفاً)
قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفاً صفاً ، وأماالرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى بذلك ولا ندري كيف مجيئه.
فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكن نكلفكم أن تؤمنوابمجيئه ، أرأيتم إن أنكر أن الملائكة تجيء صفاً صفاً ماهو عندكم؟
قالوا: كافر مكذب.
قلت: فكذلك من أنكر أن الله سبحانه يجيء فهو كافرمكذب
راوه أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف ص64 وإسناده في غايهالصحة
و نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهالله في الحموية:
) روى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئلمكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا :
- (( أمرّوها كما جاءت(
وروى أيضاًعن الوليد ابن مسلم قال: سألت مالك ابن أنس وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات ، فقالوا: (( أمرُّوها كما جاءت ))، ـ وفي روايةقالوا:
- (( أمرُّوها كما جاءت بلا كيف)
وقولهم -رضي الله عنهم-:
(( أمرّوهاكما جاءت )) ردٌّ على المعطِّلة
وقولهم: (( بلا كيف )) ردٌّ على الممثِّلة،
والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصرتابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما... (
وأورد أثر مالك وربيعة ثم قال:
) فقول ربيعة ومالك (( الاستواءغير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب )) موافق لقول الباقين:
(( أمرُّوهاكما جاءت بلا كيف ))
فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة،
 
ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرّد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله
لما قالوا(( الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول ))،
ولما قالوا: ((أمرّوها كما جاءت بلا كيف)،
فإنَّ الاستواء حينئذ لا يكون معلوماً، بل مجهول بمنزلة حروف المعجم، وأيضاًفإنَّه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، إنما يحتاج إلىنفي علم الكيفية إذا أُثبتت الصفات.
وأيضاً فإنَّ من ينفي الصفات الخبرية أوالصفات مطلقاً لا يحتاج إلى أن يقول:
(( بلا كيف ))، فمن قال: إنَّ الله ليس علىالعرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لماقالوا: بلا كيف.
وأيضاً فقولهم:
(( أمرّوها كما جاءت ))
يقتضي إبقاء دلالتهاعلى ما هي عليه،
فإنها جاءت ألفاظاً دالَّة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفيةلكان الواجب أن يقال أمرّوا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو: أمرّوالفظها مع اعتقاد أنَّ الله لا يوصف بما دلّت عليه حقيقةً، وحينئذ تكون قد أُمرَّتكما جاءت، ولا يقال حينئذٍ: (( بلا كيف ))؛ إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو منالقول.
وروى الأثرم في السنة وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة وأبو عمروالطلمنكي وغيرهم بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ـ وهوأحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم: مالك بن أنس وابن الماجشون وابن أبي ذئب
وقدسُئل عما جحدت به الجهمية:
(( أما بعد فقد فهمتُ ما سألتَ فيما تتابعت الجهمية ومنخلفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتدبر، وكلّت الألسن عن تفسيرصفته، وانحصرت العقول دون معرفة قدرته، وردت عظمته العقول فلم تجد مساغاً فرجعتخاسئة وهي حسيرة، وإنما أُمروا بالنظر والتفكير، فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال(كيف )) لمن لم يكن مرّة ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل،فإنه لا يعلم كيف هو إلاّ هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ، ومن لا يموت ولا يبلى؟،
وكيف يكون لصفته شيء منه حدٌّ أو منتهى يعرفه عارف، أو يحدُّ قدره واصف؟
، على أنَّهالحق المبين لا حق أحق منه ولا شيء أبين منه، الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفتهعجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغراً، يحول ويزول، ولا يُرى له سمعولا بصر، لما يتقلّب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره،فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم، وسيِّد السادة، وربُّهم، ليس كمثله شيء وهوالسميع البصير.
اعرف -رحمك الله- غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسهبعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلّفك علم ما لميصف؟!، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته؟، أو تزجر به عن شيء من معصيته؟(
إلى أن قال:
(( فما وصف الله من نفسه فسماه على لسان رسوله صلى الله عليهوسلم سميناه كما سماه، ولم تتكلّف منه صفة ما سواه، لا هذا ولا هذا، ولا نجحد ماوصف، ولا نتكلّف معرفة ما لم يصف… )
إلى آخر كلامه -رحمه الله- الحمويةص:24 ـ 27
 
رد شبهة يحتج بها المعطلة
من قول الإمام أحمد
( نؤمن بها ونصدق بها لا كيف ولا معنى )
 
جاء في الزناد في شرح لمعة الاعتقاد
لعلي الخضير 8-10"
ومثل ذلك قول الإمام أحمد
الذي ذكره المصنف قال :
 
( نؤمن بها ونصدق بها لا كيف ولا "معنى" )
 
ويقصد بقول
ولا "معنى"
في كلام أحمد:
أي
"المعنى الباطل"
وهوالتأويل في اصطلاح المتأخرين
 
وهو صرف اللفظ
عن معنى راجح
إلى معنى مرجوح
 
ومما يدل على ذلك
ما نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء
لما ترجم للخطيب البغدادي
ذكر عقيدة الخطيب الموافقة لمذهب السلف
إلى أن قال :



" كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ...
إلى أن قال :
فإذا قلنا :
إن للَّه يد وسمع وبصر،
فإنما هي صفات أثبتها اللَّه لنفسه ،
فلا نقول
أن" معنى " اليد القدرة
ولا نقول
السمع والبصر العلم .



والشاهد قوله:
ولا نقول
أن " معنى " اليد :القدرة
 
فجعل تسمية اليد بالقدرة :
"معنى "
 
فأصبح باصطلاحهم
إذا نفوا
"المعنى "
في صفات اللَّه
 
يكون المقصود به شيئان
 
1 - نفي الكيفية
أي لا تكييف .
 
2 - نفي "المعنى " الباطل
وهو التأويل .



ومن قال إن اليد هي القدرة
 
فقد جعل لها " معنى ".
 
هذا إذا أطلقت كلمة
 
"معنى"
 
. أما إذا قال :
 
" لا كيفية ولا معنى "
 
فجمع بين المعنى والكيفية
 
كما فعل الإمام أحمد
 
فيحمل "المعنى "
على التأويل الباطل .
 
وبذلك نكون قد انتصرنا لقول المؤلف
 
وأنه كلام سليم على اصطلاحهم
وأنه موجود في كلام السلف
نفي "المعنى"
بل موجود في كلام السلف
 
نفي التفسير فيقولون ولا نفسرها .
 
كما نقل الذهبي في سير أعلام النبلاء
 
عن أبي عبيدالقاسم بن سلام قال أبو عبيد :
 
وقال عبد العزيز الماجشون
 
في رسالته في الرد على الجهمية
ونقلها ابن تيمية في الحموية ،
قال في المقدمة بعدما حمد اللَّه وأثناء عليه قال :
وكلّت الألسن عن تفسير صفته ،
فمعنى نفي التفسير في كلام السلف
 
أي نفي الكيفية أو التأويل الباطل
مثل كلمة نفي "المعنى "
 
ومثله أسلوب درج عليه السلف
في آيات الصفات
أمِرّوها كما جاءت
 
أي لا تكيفوا
ولا تذكروا " معنى" باطل .



وقال صالح ل الشيخ
في الملاحظات على لمعة الاعتقاد
 
" قال الإمام بن قدامة:
(قالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ محمدٍ بنِ حنبلٍ
رحمه الله
في قولِ النَّبي صلى الله عليه و سلم
 
«إنَّ اللهَ ينزِلُ إلى سماءِ الدُّنْيَا»
و«إنَّ الله يُرى في القيامَةِ»
 
وما أشبه هذه الأحاديثَ، قال:
 
نؤمِنُ بها ونُصَدِّقُ بها
لاكَيْفَ ولا مَعْنَى
ولا نَرُدُّ شيئا منْها
 
وهذه أيضا مما أُخذ على المؤلف
حيث لم يُوضِح المراد من كلام الإمام أحمد.



وأهل العلم يقولون
 
إن الإمام أحمدأراد بقوله
 
(بلا كيف ولا معنى)
 
الرد على طائفتين:
 
1.الطائفة الأولى
 
المشبهةالمجسمة
رد عليهم بقوله
(بلا كيف)
يعني الكيفية التي تتوهمها العقول
أو وَصَفَ اللهَ جل وعلا بها المجسمة أو الممثلة.




2.وقوله (ولا معنى)
ردّ بها رحمه الله على المعطلة
 
الذين جعلوا معاني النصوص
على خلاف الظاهر المتبادر منها
 
فقالوا
إن "معنى" النزول الرحمة
 
وقالوا
إن "معنى" الاستواء الاستيلاء



وقالوا
إن "معنى" الرحمة الإرادة
إرادة الإحسان أو إرادة الخير



وإن الغضب "معناه"
إرادة الانتقام
 
ونحو ذلك فهذا تأويل منه.




فالإمام أحمد يقول
(بلا كيف)
الكيف الذي جعله المجسمة
 
(ولامعنى)
الذي جعله المعطلة
يعني "المعنى" الباطل
الذي صرف الألفاظ إليه المبتدعة المؤولة.
 
فإذن قوله
(بلا كيف ولا معنى)
 
يريد بقوله (ولا معنى):
"المعنى الباطل"
الذي تأول به وإليه المبتدعة
نصوص الصفات والنصوص الغيبية
 
تكاثرت النصوص عن السلف
بقولهم في نصوص صفات الله تعالى
 
"أمروها بلا كيف"
- و ليس أمروها بلا معنى -
 
و هذه العبارة
تعني تلقائياً إثبات المعنى
 
وإلا
 
فما فائدة نفي الكيفية
عن شيء لا يعرف معناه أصلاً !
 
فنفي الكيف فرع عن إثبات المعنى
 
أما المفوضة
الذين يفوضون العلم بالمعنى
 
- بدلاً من تفويض العلم بالكيفية
مع إثبات المعنى كما هو مذهب السلف -
 
قولهم هذا يعني
 
أن الله تعالى
عندما أنزل آيات الصفات
في القرآن
 
على قلب نبيه
صلى الله عليه و سلم



فالمعنى
الذي فهمه منها



النبي
(عليه الصلاة و السلام ) ابتداءً
 
وثم يفهمه سامعها
 
العربي
 
و الصيني
 
و الإسباني
 
و الروسي
 
و الفرنسي
 
و الألماني
 
كلهم يفهمون شيئاً واحداً
و هو :







"لا شيء" !
 
أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي العُلُوِّ وَالْفَوْقِيَّةِ

وفيما يلي أوردُ أقوالهم في العلوِّ والفوقيَّةِ مستعينًا بالله تباركَ وتعالى.

1 - حُمَيدُ بنُ ثوَرٍ
أبو المثنى الهلالي، صحابي شاعرٌ مشهورٌ إسلاميٌّ، أدركَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالسنّ... روى الزُبيرُ بنُ بكارٍ عنْ أبيهِ، أنَّ حميدَ بنَ ثورٍ وفدَ على بعضِ بني أميّة، فقالَ: ما جاءَ بكَ! فقال:
أتاكَ بي اللهُ الذي فـوقَ عَرْشِـهِ وخـيرٌ ومعروفٌ عليـك دلـيلُ

2 - ابنُ عَبّاسٍ
عَنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه دخلَ على عائشةَ رضي الله عنها وهيَ تموتُ، فقالَ لهَا: «كنتِ أحبَّ نساءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولمْ يكُنْ يُحِبُّ إلَّا طيِّبًا، وأنزلَ اللهُ براءَتَكِ منْ فَوْقِ سَبْعِ سماواتٍ»

3 - زينبُ بنتُ جَحْشٍ
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ زَيْنَبَ بِنت جَحْشٍ كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَقُولُ: «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سماوات» وفي لفظٍ: كانتْ تقولُ: «إِنَّ اللهَ أَنْكَحَنِي فِي السَّمَاءِ».

4 - ابنُ مَسْعُودٍ
قالَ ابنُ مسعود رضي الله عنه: «العَرْشُ فَوْقَ المَاءِ، واللهُ فَوْقَ العَرْشِ لا يَخْفَى عليهِ شيءٌ منْ أَعْمَالِكُم».

5 - عَائِشَةُ أمّ المؤمنين
قالتْ رضي الله عنها: «وأيمُ اللهِ إنِّي لأَخْشَى لو كُنْتُ أُحِبُّ قَتْلَهُ لَقَتَلْتُ - تعني عثمان ـ، وَلَكِنْ عَلِمَ اللهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ أَنِّي لَمْ أُحِبَّ قَتْلَهُ».

6 - أَبو ذَرٍّ
عَنِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قالَ: «لمَّا بَلغَ أبا ذرٍّ مَبعثُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ لأخيهِ: ارْكَبْ إلى هذا الوادِي فاعْلَمْ لي عِلْمَ هذا الرَّجُلِ الذي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ».
قولهُ: (يأتيهِ الخبرُ مِنَ السَّماءِ) المرادُ بهِ الوحيُ. وهلْ يوحي إلَّا الله سبحانه وتعالى. فهوَ كغيرهِ مِنَ الأحاديثِ الدَّالَّةِ على العُلُوِّ والفَوْقِيَّةِ.

7 -التابعي الجليل مَسروقٌ
كَانَ مسروقٌ إِذَا حَدَّثَ عنْ عائشةَ قَالَ: حدَّثتني الصِّدِّيقةُ بنتُ الصِّدِّيقِ، حبيبةُ حبيبِ اللهِ، المُبَرَّأَةُ منْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ.

- أيوبُ السُّخْتِيَانِيُّ
قالَ أيُّوبُ السُّخْتِيَانِيُّ - وذكرَ المعتزلةَ -: «إِنَّما مدارُ القومِ على أنْ يَقُولوا ليسَ في السَّماءِ شيءٌ».

- التابعي الجليل سليمان التِّيميُّ
قَالَ سليمانٌ التِّيمِيُّ رحمه الله: «لَوْ سُئِلتُ أينَ اللهُ؟ لقلتُ: فِي السَّمَاءِ ».

- مقاتلُ بنُ حِيَّانَ (قبل150هـ)
قالَ عالمُ خراسانَ مقاتلُ بن حِيَّانَ رحمه الله في قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]: «هُوَ على عَرْشِهِ وعِلْمُهُ مَعَهُمْ».

- الأَوزاعيُّ (157هـ)
قالَ عالمُ الشَّامِ الأوزاعيُّ رحمه الله: كُنَّا - والتَّابعونَ متوافرونَ - نقولُ: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ على عرشهِ، ونؤمنُ بما وَرَدَتْ بهِ السُّنَّةُ منْ صِفَاتِهِ».

قالَ شيخُ الاسلامِ ابنُ تيميَّةَ معلِّقًا: «فقدْ حكى الأوزاعيُّ - وهوَ أحدُ الأئمَّةِ الأربعةِ في عصرِ تابعي التابعينَ الذين همْ مالكٌ، إمامُ أهلِ الحجازِ، والأوزاعيُّ إمامُ أهلِ الشَّامِ، والليثُ إمامُ أهلِ مصرَ، والثَّوريُّ إمامُ أهلِ العراقِ - حكىَ شُهْرَةَ القولِ في زمنِ التَّابعينَ بالإيمانِ بأنَّ الله فوقَ العرشِ، وبصفاتهِ السَّمعية[213]؛ وإنَّما قالَ الأوزاعيُّ هذَا بعدَ ظهورِ مذهبِ جهمٍ، المنكِرِ لكونِ اللهِ فوقَ عرشهِ، والنَّافي لصفاتهِ، ليعرفَ النَّاسُ أنَّ مذهبَ السَّلف كانَ خلافَ ذلكَ».

- سفيانُ الثوريُّ عالمُ زمانهِ (161هـ)
قَالَ معدانُ: سألتُ سفيانَ الثوريَّ عنْ قولهِ عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4] قَالَ: عِلْمُهُ[215].

- مالك إمام دار الهجرة (179هـ)
قالَ الإمامُ مالك رحمه الله: «اللهُ في السَّمَاءِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكَانٍ لا يَخْلُو منهُ شَيءٌ»

- عبدُ اللّه بنُ المباركِ، شيخُ الإسلامِ (181هـ)
قالَ عليُّ بنُ الحسنِ بن شقيق: قلتُ لعبدِ الله بنِ المبارك: كيفَ نعرفُ ربَّنا عزَّ وجلَّ؟ قَالَ: «بِأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ عَلَى العَرْشِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ».

- جرير الضبيُّ، محدِّث الري (188هـ)
قال جريرُ بنُ عبدِ الحميد رحمه الله: «كلامُ الجهميَّةِ أَوَّلهُ عَسَلٌ وآخِرُهُ سُمٌّ، وإنَّما يحاولونَ أنْ يقولوا: ليسَ في السَّمَاءِ إلهٌ».

- عبدُ الرحمنِ بنُ مهدي (198هـ)
قال الذهبيُّ رحمه الله: نقلَ غيرُ واحدٍ بإسنادٍ صحيحٍ عنْ عبدِ الرحمنِ - الذي يقولُ فيهِ عليُّ بنُ المديني: حافظُ الأمَّةِ، لو حلفتُ بينَ الركنِ والمقامِ لحلفتُ أنِّي ما رأيتُ أعلمَ منْ ابنِ مهدي - قال:
«إنَّ الجهميَّةَ أرادوا أنْ يَنْفُوا أن يكونَ اللهُ كَلَّمَ موسى؛ وأنْ يكونَ على العَرْشِ، أرى أنْ يُسْتَتابُوا، فإنْ تابوا وإلا ضُرِبَتْ أعناقُهُمْ».

- أبو معاذ البلخي الفقيه (199هـ)
قال أبو قُدامةَ السرخسيُّ: سمعتُ أبا معاذٍ خالدَ بنَ سليمانَ بفرغانةَ يقولُ: «كانَ جهمٌ على معبرِ ترمذ، وكانَ فصيحَ اللِّسانِ، ولمْ يكنْ لهُ علمٌ ولا مجالسةٌ لأهلِ العلمِ، فكلَّم السمنية، فقالوا لهُ: صفْ لنَا ربَّكَ عزَّ وجلَّ الذي تعبدهُ، فدخلَ البيتَ لا يخرجُ منهُ، ثمَّ خرجَ إليهم بعدَ أيَّامٍ، فقالَ: هوَ هذا الهواءُ مَعَ كلِّ شيءٍ، وفي كلِّ شيءٍ، ولا يخلو منهُ شيءٌ، فقالَ أبو معاذ البلخيُّ الفقيهُ: كذَبَ عدوُّ اللهِ، بل اللهُ جلّ جلاله على العَرْشِ كمَا وَصَفَ نَفْسَهُ».
وقال يحيى بنُ أيوب: سمعتُ أبا نُعيمٍ البلخيَّ قالَ: «كَانَ رجلٌ منْ أهلِ مرو صديقًا لجهمٍ ثمَّ قطعهُ وجفاهُ فقيلَ لهُ: لِمَ جفوتهُ؟ فقالَ: جاء منهُ ما لا يحتملُ، قرأتُ يومًا آيةَ كذاَ وكذَا - نسيهَا يحيى - فقالَ: ما كانَ أظرف محمَّدًا، فاحتملتهَا، ثمَّ قرأ سورةَ طه، فلمَّا قالَ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5] قالَ: أمَا واللهِ لو وجدتُ سبيلًا إلى حَكِّها لَحَكَكْتُهَا مِنَ المصحفِ، فاحتملتهَا. ثمَّ قرأَ سورةَ القصصِ، فلمَّا انتهى إلى ذكرِ موسى قالَ: ما هذا؟ ذكر قصةً في موضعٍ فلم يُتِمَّها ثمَّ ذكرَ ههنا فلمْ يُتِمَّها، ثمَّ رمى بالمصحفِ من حِجْرِهِ برجليهِ!!! فَوَثَبْتُ عليهِ».
فهذا شيخُ النَّافينَ لعلوِّ الربِّ عَلَى عرشهِ ومُبَايَنَتِهِ منْ خَلْقِهِ.
وذكرَ ابنُ أبي حاتم عنهُ بإسنادهِ عَنِ الأصمعيِّ قَالَ: قَدِمَتِ امرأةُ جَهْمٍ فقالَ رجلٌ عندهَا: اللهُ عَلَى عَرْشِهِ. فقالتْ: محدودٌ عَلَى محدودٍ. قَالَ الأصمعيُّ: هي كافرةٌ بهذهِ المقالةِ.
فهذهِ المقالةُ إِمَامَاهَا هَذَا الرجلُ وامرأتهُ وما أَوْلاهُ بأنْ {سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ *}{وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ *} [المسد: 4 - 5][227].

- منصورُ بن عمار (200هـ)
كتبَ بِشْرٌ المرِّيسيُّ إلى منصور بن عمَّار يسألهُ عنْ قولهِ تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5] كيفَ استوى؟
فكتبَ إليهِ: «اسْتِوَاؤُهُ غيرُ محدودٍ، والجوابُ فيه تَكَلُّفٌ، مُسَاءَلَتُكَ عنهُ بِدْعَةٌ، والإيمانُ بِجُمْلَةِ ذَلِكَ وَاجِبٌ».

- الإمامُ الشافعيُّ (204هـ)
قال رحمه الله: «القولُ فِي السنَّةِ التي أنا عليهَا، ورأيتُ أصحابَنا عليهَا، أهلَ الحديثِ الذينَ رأيتهم فأخذتُ عنهم، مثلُ سفيانَ ومالكٍ وغيرهمَا: الإقرارُ بشهادةِ أنْ لاَ إلهَ إلَّا الله وأنَّ محمدًا رَسُولُ الله، وأنَّ اللهَ عَلَى عرشِهِ فِي سمائِهِ يقربُ منْ خَلْقِهِ كيفَ شاءَ»
«وأنَّ الله عزَّ وجلَّ يُرى فِي الآخرةِ يَنْظُرُ إليهِ المؤمنونَ عيانًا جهارًا، ويسمعونَ كلامَهُ. وأَنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ».
وقال رحمه الله في «الرسالةِ»: «الحمدُ للهِ الذي هوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وفَوْقَ ما يَصِفُهُ خَلْقُهُ».
قال ابنُ القيِّمُ رحمه الله: «فأثبتَ في هذهِ الكلمةِ أنَّ صفاتهِ إنَّما تُتلقَّى بالسَّمعِ، لا بآراءِ الخلقِ، وأنَّ أوصافَهُ فوقَ ما يصفهُ بهِ الخلقُ، فتضمَّنتْ هذهِ الكلمةُ، إثباتَ صفاتِ الكمالِ الذي أثبتهُ لنفسهِ، وتنزيهَهُ عَنِ العيوبِ والنَّقائصِ والتَّمثيلِ، وأنَّ ما وصفَ بهِ نَفْسَهُ فهوَ الذي يُوصَفُ بهِ، لا مَا وَصَفَهُ به الخلقُ»[232].

- يزيدُ بنُ هارونَ الواسطيُّ (206هـ)
قال يزيدُ بنُ هارون رحمه الله: « مَنْ زَعَمَ أنَّ {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} على خِلاَفِ ما يَقِرُ في قُلُوبِ العَامَّةِ فهوَ جَهْمِيٌّ»[233].
قال الذهبيُّ معقِّبًا: «وهذا الذي قالهُ هوَ الحقُّ؛ لأنَّهُ لو كانَ معناهُ على خلافِ ما يَقِرُ فى القلوبِ السَّليمةِ مِنَ الأهواءِ، والفطرةِ الصَّحيحةِ مِنَ الأدواءِ، لوجبَ على الصَّحَّابةِ والتَّابعينَ أنْ يُبَيِّنوا أنَّ استواءَ الله على عرشِهِ على خلافِ ما فَطَرَ اللهُ عليهِ خَلْقَهُ، وَجَبَلَهُم على اعتقادِهِ، اللهمَّ إلَّا أنْ يكونَ في بعضِ الأغبياءِ منْ يفهمُ مِنْ أنَّ الله في السَّماء، أو على العرشِ [أنَّه محيِّزٌ وأنَّهما حَيِّزٌ له]، وأنَّ العرشَ محيطٌ بهِ، فكيَّفَ ذلكَ في ذهنهِ وبفهمهِ، كمَا بدر في الشَّاهدِ من أيِّ جسمٍ كانَ، على أيِّ جسمٍ، فهذا حالُ جاهلٍ و[مَا] أظنُّ أنَّ أحدًا اعتقدَ ذلكَ مِنَ العامَّةِ ولا قالهُ، وحاشَا يزيدَ بنَ هارونَ أنْ يكونَ مرادُهُ هذا وإنَّما مرادهُ ما تقدَّمَ»[234].
وقالَ شيخُ الاسلامِ رحمه الله: والذي تقرَّرَ في قلوبِ العامَّةِ هوَ ما فطرَ الله تعالى عليهِ الخليقةَ منْ توجُّههَا إلى ربِّها تعالى عنْدَ النوازلِ والشدائدِ والدُّعَاءِ والرغباتِ إليهِ تعالى نحوَ العُلُوِّ، لا يلْتفتُ يُمْنَةً ولا يُسْرَةً منْ غيرِ موقفٍ وقفهم عليه، ولكن فطرةَ الله التي فطَرَ النَّاسَ عليهَا، وما منْ مولودٍ إلَّا هوَ يولدُ على هذهِ الفطرةِ يجهِّمهُ وينقلهُ إلى التَّعْطيلِ منْ يقيَّض لهُ.

- سعيدُ بن عامر الضبعيُّ عالِمُ البصرة (208هـ)
ذكرَ سعيدُ بنُ عامرٍ الضبعيُّ الجهميَّةَ فقالَ: همْ شرٌّ قولًا مِنَ اليهودِ والنَّصارى، قَدِ اجتمعَ اليهودُ والنَّصارى، وأهلُ الأديانِ مَعَ المسلمينَ، عَلَى أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عَلَى العَرْشِ. وقالوا هم: لَيْسَ عَلَى شيءٍ.

- عبدُ الله بن أبي جعفر الرازيُّ
قالَ صالحُ بنُ الضريسِ: «جعلَ عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ الرازيُّ يضربُ رأسَ قرابةٍ لهُ يرى برأيِّ جهمٍ، فرأيتهُ يضربُ بالنَّعلِ على رأسهِ ويقولُ: لا، حتَّى تقول: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5] بائِنٌ منْ خَلْقِهِ».

- القعنبيُّ (221هـ)
قَالَ بنانُ بنُ أحمدَ: كنَّا عند القعنبيِّ رحمه الله، فسمعَ رجلًا مِنَ الجهميَّةِ يقولُ: الرَّحْمنُ عَلَى العرشِ استولى. فقال القعنبيُّ: « مَنْ لا يُوقِن أنَّ الرَّحْمن عَلَى العرش استوى كَمَا يَقِرُ فِي قلوبِ العامَّةِ، فهو جَهْمِيٌّ».

- عاصمُ بن علي شيخ البخاري (221هـ)
قَالَ رحمه الله: «ناظرتُ جهمًا فتبيَّنَ مِنْ كلامهِ أنَّه لاَ يؤمنُ أنَّ فِي السَّمَاء ربًّا».

- هشام بن عبيد الله الرَّازيُّ (221هـ)
قَالَ ابنُ أبي حاتم: حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ بنِ يزيدَ السُّلميُّ: سمعتُ أبي يقولُ: «سمعتُ هشامَ بنَ عبيدِ الله الرَّازيَّ - وحبسَ رجلًا فِي التَّجَهُّم فتابَ فجيءَ بِهِ إليهِ ليمتحنهُ - فقالَ لهُ: أَتَشْهَدُ أنَّ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ بائنٌ منْ خَلْقِهِ؟ فقالَ: لاَ أدري مَا بائنٌ منْ خَلْقِهِ. فقالَ: رُدُّوهُ فإنَّهُ لَمْ يَتُبْ بَعْدُ».

- بِشْر الحافي، زاهدُ العصرِ (227هـ)
قال حمزةُ بنُ دَهْقَانَ: «قلتُ لبشرِ بنِ الحارث: أحبُّ أنْ أخلوَ معكَ. قال: إذا شئتَ فيكونُ يومًا. فرأيتهُ قدْ دخلَ قُبةً، فصلَّى فيهَا أربعَ رَكَعَاتٍ لا أحْسِنُ أصلِّي مثلَهَا، فسمعتُهُ يقولُ في سجودهِ: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ فَوْقَ عَرْشِكَ أنَّ الذُّلَّ أحبُّ إليَّ مِنَ الشَّرَفِ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ فَوْقَ عَرْشِكَ أنَّ الفقرَ أَحبُّ إليَّ مِنَ الغِنَى، اللَّهُمَّ إِنَّك تَعْلَمُ فَوْقَ عَرْشِكَ أنِّي لا أُوثِرُ عَلى حُبِّكَ شيئًا.
فلمَّا سمعتهُ، أخذني الشهيقُ والبكاءُ، فقالَ: اللهمَّ إنَّك تعلمُ أنِّي لو أعلمُ أنَّ هذا هاهنا، لم أتكلَّمْ».

- محمدُ بن مصعب العابدُ: شيخُ بغداد (228هـ)
قالَ محمَّدُ بنُ مصعب العابد رحمه الله: «مَنْ زَعَمَ أنَّكَ لا تتكَلَّمُ ولا تُرى في الآخرةِ، فهوَ كافرٌ بوجهكَ، أَشْهَدُ أنَّكَ فَوْقَ العَرْشِ، فَوْقَ سَبعِ سَمَاوَاتٍ، ليسَ كمَا تقولُ أعداءُ اللهِ الزنادقةُ».

- نُعَيمُ بن حمَّاد الخزاعيُّ الحافظ (228هـ)
قال الرماديُّ: سألتُ نعيمَ بنَ حمَّادٍ عنْ قولِ اللهِ تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ} [الحديد: 4] قالَ: «معناهُ أنَّهُ لا يَخْفَى عليهِ خافيةٌ بِعِلْمِهِ، ألا تَرَى قولَهُ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]».
وقالَ رحمه الله: « منْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ، فقدْ كَفَرَ، ومنْ أنكرَ ما وَصَفَ بهِ نفسَهُ، فقدْ كَفَرَ، وليسَ ما وصفَ بهِ نفسَهُ وَلاَ رسولُهُ تشبيهًا».
 
- أبو معمر القطيعي (236هـ)
قال رحمه الله: «آخرُ كلامِ الجهميَّةِ أنَّه ليسَ في السَّماءِ إلهٌ».
قال الإمامُ الذهبيُّ معقِّبًا على هذا الأثرِ: «قلتُ: بلْ قولهم: إنَّه عزَّ وجلَّ في السَّماءِ وفي الأرضِ، لا امتيازَ للسَّماءِ. وقولُ عمومِ أمَّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللهَ في السَّمَاءِ، يُطلقونَ ذلكَ وِفْقَ ما جاءتِ النُّصوصُ بإطلاقهِ، ولا يخوضونَ في تأويلاتِ المتكلِّمينَ، مَعَ جَزْمِ الكُلِّ بأنَّه تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]».
 
- إسحاق بن راهويه عالم خراسان (238هـ)
قَالَ إسحاقُ بنُ راهويه رحمه الله: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5] إجماعُ أهلِ العِلْمِ أَنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ اسْتَوَى، ويعلمُ كلَّ شيءٍ فِي أسفلِ الأرضِ السَّابعةِ.
قال الذهبيُّ معلِّقًا: اسمع وَيْحَكَ إِلَى هَذَا الإمامِ كيفَ نقلَ الإجماعَ عَلَى هذهِ المسألةِ الشَّريفةِ».
 
- قُتَيْبَةُ بنُ سعيدٍ: شيخُ خراسانَ (240هـ)
قال قُتَيْبَةُ بنُ سعيد رحمه الله: هذا قولُ الأئمَّةِ في الإسلامِ السنَّةِ والجماعةِ: نَعْرِفُ ربَّنا في السَّمَاءِ السَّابعةِ على عَرْشِهِ، كمَا قالَ جلّ جلاله: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5].
فهذا قتيبةُ في إمامتهِ وصدقهِ قدْ نقلَ الإجماعَ على المسألةِ، وقدْ لقيَ مالكًا والليثَ وحمَّادَ بنَ زيدٍ والكبارَ، وعمَّرَ دهرًا وازدحمَ الحفَّاظُ على بابهِ.
 
- أحمدُ بن حنبل شيخُ الإسلام (241هـ)
قالَ الإمامُ أحمد رحمه الله في «الردِّ على الزنادقةِ والجهميَّةِ» (ص48 - 49):
« أَنْكَرْتُم أن يكونَ اللهُ على العَرْشِ، وقد قال تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5] وقال: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [يونس: 3]، وقدْ أخبرنَا أنَّهُ في السَّماءِ فقال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: 16]، {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} [الملك: 17]، وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وقال: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، وقال: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وقال: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ} [الأنبياء: 19]، وقال: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}، وقال: {ذِي الْمَعَارِجِ} [المعارج: 3]، وقال: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18] وقال: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]. فهذا خبرُ اللهِ أخبرنَا أنَّهُ في السَّماءِ.
وإنَّما معنى قولهِ جلَّ ثناؤه: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3]، يقولُ: هوَ إلهُ مَنْ في السَّماواتِ وإلهُ مَنْ في الأرضِ، وهُوَ على العَرْشِ وقدْ أحاطَ عِلْمُهُ بما دونَ العرشِ، ولا يخلو منْ علمِ الله مكانٌ، ولا يكونُ علمُ الله في مكانٍ دونَ مكانٍ، فذلكَ قولُه: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]».
 
وقال يوسفُ بن موسى القطان شيخُ أبي بكرٍ الخلال: «قيلَ لأبي عبد الله: اللهُ فَوْق السَّمَاءِ السَّابِعَةِ على عَرْشِهِ بَائِنٌ منْ خَلْقِهِ، وقُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ؟ قالَ: نعمْ هوَ على عرشهِ ولا يخلو شيءٌ منْ علمهِ».
 
وقال حنبلُ بنُ إسحاقَ: قلتُ لأبي عبدِ الله: ما معنى قولهِ: {وَهُوَ مَعَكُمْ} و{مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}؟ قال: عِلْمُهُ عِلْمُهُ.
 
وقال أبو بكرٍ المروزيُّ: حدثني محمدُ بن إبراهيم القيسيُّ قالَ: قلتُ لأحمدَ بنَ حنبلٍ: يُحكى عَنِ ابنِ المباركَ أنَّه قيلَ لهُ: كيفَ نعرفُ ربَّنَا؟ قالَ: في السَّماءِ السَّابِعَةِ على عَرْشِهِ. قال أحمدُ: هكذا هوَ عندنَا.
 
- الإمام الربانيُّ محمدُ بن أسلم الطوسيُّ (242هـ)
قالَ محمَّدُ بنُ أسلم رحمه الله: قال لي عبدُ الله بنُ طاهرٍ: بلغني أنَّكَ ترفعُ رأسَكَ إلى السَّماءِ، فقلتُ: ولِمَ؟ وهَلْ أَرْجُو الخَيْرَ إلَّا مِمَّنْ هُوَ فِي السَّمَاءِ؟
 
- عبدُ الوهاب الوراق ُ (250هـ)
قال رحمه الله: «مَنْ زَعَمَ أنَّ اللهَ هاهنا فهو جَهْمِيٌّ خَبِيثٌ، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ فَوْقَ العَرْشِ، وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بالدُّنيا والآخِرَةِ».
 
- خَشَيْشُ بن أصرم (253هـ)
قال أبو عاصم خَشيشُ بن أصرم رحمه الله: «وقدْ أنكرَ جهمٌ أنْ يكونَ اللهُ على العَرْشِ، وقالَ الله تباركَ وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ} [السجدة: 4]، وقالَ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، وقالَ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5] وقالَ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59].
قالَ أبو عاصم: منْ كفرَ بآيةٍ منْ كتابِ الله؛ فقدْ كفرَ بهِ أجمع، فمنْ أنكرَ العرشَ؛ فقدْ كفرَ بالله. وجاءتِ الآثارُ بأنَّ لله عرشًا، وأنَّهُ على عرشهِ»[257].
قالَ أبو عاصم: وأنكرَ جهمٌ أنْ يكونَ اللهُ في السَّماءِ دونَ الأرضِ... وقدْ دلَّ في كتابهِ أنَّهُ في السَّماءِ دونَ الأرضِ... ثمَّ ذكرَ الآياتِ الدَّالَّةِ على عُلوِّ الله إلى أنْ قالَ:
لوْ كانَ في الأرضِ كمَا هوَ في السَّماء لم ينزلْ مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ شيءٌ، ولكانَ يصعدُ مِنَ الأرضِ إلى السَّماءِ كما ينزلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ، وقدْ جاءتِ الآثارُ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّ الله عزَّ وجلَّ في السَّماء دونَ الأرضِ.
 
- الذهلي ُّ (258هـ)
قال الحاكمُ: قرأتُ بخطِ أبي عمرو المستملي: سئلَ محمدُ بنُ يحيى عنْ حديثِ عبدِ الله بن معاوية عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لِيَعْلَمِ العَبْدُ أنَّ اللهَ معهُ حيثُ كانَ»، فقالَ: يريدُ أنَّ اللهَ عِلْمُهُ محيطٌ بكلِّ مكانٍ، واللهُ على العَرْشِ.
 
- إسماعيل بن يحيى المزنيُّ (264هـ)
قالَ محمَّدُ بنُ إسماعيل الترمذي: سمعتُ المزنيَّ يقولُ: «لا يَصِحُّ لأحدٍ توحيدٌ حتىَّ يعلمَ أنَّ اللهَ تعالى على العَرْشِ بصفاتهِ. قلتُ لهُ: مثلُ أيِّ شيءٍ؟ قالَ: سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَلِيمٌ».
وقَالَ رحمه الله فِي «شرحِ السنَّةِ»: «(عالٍ) عَلَى عرشهِ (فِي مجدهِ بذاتِهِ)... عَالٍ عَلَى عَرْشِهِ، بَائِنٌ منْ خَلْقِهِ»[262].
قال العلامةُ الألبانيُّ رحمه الله: «واعلمْ أنَّ لفظةَ (بائنٌ) كَثُرَ ورودُهَا فِي عقيدةِ السَّلفِ فِي قولهم: «هَوَ تَعَالى عَلَى عَرْشِهِ، بائِنٌ من خَلْقِهِ» وحكاها أبو زرعة وأبو حاتم الرّازيانِ عَنِ العلماءِ فِي جميعِ الأمصارِ، وإنَّما نطقَ العلماءُ بهاتَيْنِ اللفظَتَيْنِ: «بذاتهِ» و «بائنٌ» - بعدَ أنْ لم تكونَا معروفتينِ فِي عهدِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم - لمَّا ابتدعَ الجهمُ وأتباعهُ القولَ بأنَّ الله فِي كلِّ مكانٍ، فاقتضت ضرورةُ البيانِ أنْ يتلفَّظَ هؤلاءِ الأئمَّةِ الأعلامِ بلفظِ «بائنٌ» دونَ أنْ ينكرهُ أحدٌ منهم».
 
- أبو زُرعة الرازيُّ (264هـ)
قَالَ عبدُ الرَّحْمن بن أبي حاتم: سألتُ أبي وأبا زرعةَ عَن مذاهبِ أهلِ السنَّةِ فِي أصولِ الدِّينِ، وما أدركا عَلَيهِ العلماءُ فِي جميعِ الأمصارِ ومَا يعتقدانِ فِي ذلكَ؟ فقالا:
«أدركنَا العلماءَ فِي جميعِ الأمصارِ - حجازًا وعراقًا وشامًا ويَمَنًا - فكانَ منْ مذهبهم:
وأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ منْ خَلْقِهِ كَمَا وصفَ نفسَهُ فِي كتابهِ وعلى لسانِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم بلا كيفٍ، أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]».
وقال أبو زرعة الرازي رحمه الله: «المعطِّلةُ النَّافيةُ الذينَ ينكرونَ صفاتِ الله عزَّ وجلَّ التي وصفَ بها نفسَهُ في كتابهِ وعلى لسانِ نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم، ويكذِّبونَ بالأخبارِ الصحاحِ التي جاءتْ عنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصفاتِ ويتأوَّلونها بآرائهم المنكوسةِ على موافقةِ ما اعتقدوا منَ الضلالةِ وينسبونَ رواتها إلى التشبيهِ، فمنْ نسبَ الواصفينَ ربَّهم تبارك وتعالى بما وصفَ بهِ نفسهُ في كتابهِ وعلى لسانِ نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم منْ غيرِ تمثيلٍ ولا تشبيهٍ إلى التشبيهِ فهو معطِّلٌ نافٍ، ويستدلُّ عليهم بنسبتهم إيَّاهم إلى التشبيه أنَّهم معطِّلةٌ نافيةٌ، كذلكَ كانَ أهلُ العلمِ يقولونَ منهم: عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح».
 
- أبو حَاتِمٍ الرازيُّ (277هـ)
قال الحافظُ أبو القاسم الطبريُّ: وجدتُ في كتابِ أبي حاتمٍ محمدِ ابن إدريس بن المنذر الحنظليِّ ممَّا سُمِعَ منهُ يقولُ: «مذهبنا واختيارنا اتِّباعُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابهِ والتَّابعينَ منْ بعدهم، والتَّمسُّكُ بمذاهبِ أهلِ الأثرِ مثلُ الشَّافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عبيدٍ رحمهمُ الله تعالى، ولزومُ الكتابِ والسنَّةِ، ونعتقدُ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ على عَرْشِهِ، بَائِنٌ منْ خَلْقِهِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]».
 
- حَرْب الكَرْمَانِيُّ (280هـ)
قال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني فِي «مسائلهِ المعروفةِ» التي نقلهَا عَنْ أحمدَ وإسحاقَ وغيرهمَا: «وهو سبحانه بائنٌ من خلقهِ لا يخلو منْ علمه مكانٌ، وللهُ عرشٌ، وللعرشِ حَمَلَةٌ يحملونهُ... واللهُ عَلَى عَرْشِهِ عزَّ ذِكْرُهُ وتعالى جَدُّهُ وَلاَ إلهَ غيرهُ... ينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، كيفَ شَاءَ وكمَا شاءَ، ليسَ كمثلهِ شيءٌ وهوَ السَّميعُ البصيرُ».
 
- ابنُ قُتَيْبَةَ (276هـ)
قَالَ الإمامُ العالمُ ابنُ قُتَيْبَةَ رحمه الله: «نحنُ نقولُ فِي قولهِ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]: إنَّهُ معهم بالعلمِ بمَا هم عَلَيهِ، كَمَا تقولُ للرجلِ وجهتهُ إِلَى بلدٍ شاسعٍ، ووكلتهُ بأمرٍ من أموركَ: احذرِ التقصيرَ والإغفالَ لشيءٍ ممَّا تقدَّمتُ فيهِ إليكَ فإنِّي معكَ. تريدُ أنَّهُ لاَ يخفى عليَّ تقصيركَ أَوْ جدُّكَ للإشرافِ عليكَ والبحثِ عنْ أموركَ...
وكيفَ يسوغُ لأحدٍ أنْ يقولَ: إنَّهُ بكلِّ مكانٍ عَلَى الحلولِ مَعَ قولهِ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5] وقولهِ تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].
وكيفَ يصعدُ إليهِ شيءٌ هُوَ معهُ؟ أَوْ يرفعُ إليهِ عملٌ وَهُوَ عندهُ؟ وكيفَ تعرجُ الملائكةُ والرُّوحُ إليهِ يومَ القيامة؟»[269].
 
- أبو عيسى الترمذيُّ (279هـ)
قالَ الحافظُ أبو عيسى الترمذيُّ رحمه الله: «وهُوَ عَلَى العَرْشِ كمَا وَصَفَ نَفْسَهُ في كِتَابِهِ»[270].
 
- عثمانُ بنُ سعيد الدّارِمِيُّ الحافظُ (280هـ)
قالَ رحمه الله: «قد اتَّفقتِ الكلمةُ مِنَ المسلمينَ أنَّ اللهَ فَوْقَ عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ».
قَالَ الذهبيُّ معقِّبًا: «قلتُ: أوضحُ شيءٍ فِي هَذَا البابِ قوله عزَّ وجلَّ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]. فَلْيُمَرَّ كَمَا جاءَ، كَمَا هُوَ معلومٌ منْ مذهبِ السَّلفِ، ويُنهى الشَّخصُ عَنْ المراقبةِ والجدالِ، وتأويلاتِ المعتزلةِ، {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} [آل عمران: 53]».
وقال الذهبي رحمه الله: «كان عثمانُ الدارميُّ جِذْعًا في أَعْيُنِ المُبْتَدِعَةِ».
 
- ثَعْلَب إمامُ العربية (291هـ)
قَالَ الحافظُ أبو القاسمِ اللالكائيُّ فِي كتابِ «السنَّةِ»: وجدتُ بخطِّ الدارقطنيِّ عنْ إسحاقَ الكاذي قَالَ: سمعتُ أبا العبَّاسِ ثعلبَ يقولُ: «استوى: أقبلَ عَلَيهِ وإنْ لَمْ يكن معوَّجًا. {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [البقرة: 29] أقبلَ. و{اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [السجدة: 4] عَلاَ. واستوى وجهه: اتَّصلَ. واستوى القمرُ: امتلأَ. واستوى زيدٌ وعمرو: تشابها فِي فعلهما وإنْ لَمْ تتشابه شخوصهما. هَذَا الَّذِي نعرفُ منْ كلامِ العرب».
 
- أبو مُسْلِمٍ الكجيُّ الحافظُ (292هـ)
قال أبو مسلم الكجي: خرجتُ فإذا الحمامُ قد فُتحَ سَحَرًا، فقلتُ للحمامي: أدخلَ أحدٌ؟ قَالَ: لا، فدخلتُ، فساعةَ فتحتُ البابَ قَالَ لي قائلٌ: أبو مسلم! أسلمْ تسلمُ، ثمَّ أنشأ يقولُ:
لَكَ الحَمْدُ إمَّا عَلَى نِعْمَةٍ وإمَّا عَلَى نِقْمَةٍ تُدْفَعُ
تشاءُ فتفعل مـَا شِئْتَـهُ وتَسْمَـعُ مـن حَيْـثُ لا نَسْمَـعُ
قالَ: فبادرتُ وخرجتُ وأنا جَزِعٌ، فقلتُ للحماميِّ: أليسَ زعمتَ أنَّهُ ليسَ في الحمَّامِ أحدٌ؟
قَالَ: ذاك جنيٌّ يترايا لنا فِي كلِّ حينٍ ينشدنا، فقلتُ: هلْ عندكَ منْ شعرهِ شيءٌ؟ قالَ: نعم وأنشدني:
أَيُّها المُذْنِبُ المُفَرِّطُ مَهْلًا كم تَمَادَى وَتَكْسِبُ الذَّنْبَ جَهْلا
كَـمْ وكَـمْ تُسْخِـطُ الجِلِيـلَ بفعلٍ سَمْـجٍ وهـوَ يُحْسِـنُ الصُنْـعَ فِعْـلاَ
كيـفَ تَـهْـدَا جُفُـونُ مَـنْ لَيْـسَ يدري أَرَضِـي عنـهُ مَـنْ عَلَى العَـرْشِ أَمْ لا
 
- عَمْرُو بنُ عثمانَ المكيُّ (297هـ)
صنَّف كتابًا سمَّاه «التعرُّفُ بأحوالِ العبّادِ والمتعبدينَ» قال: «باب ما يجيءُ بهِ الشَّيطانُ للتائبينَ» وذكر أنَّهُ يدفعهم في القنوطِ، ثمَّ في الغرورِ وطولِ الأمدِ، ثمَّ في التَّوحيدِ. فقالَ: «منْ أعظمِ ما يوسوسُ في «التَّوحيدِ» بالتشكل أو في صفاتِ الربِّ بالتمثيلِ والتَّشبيهِ، أو بالجحودِ لها والتَّعطيلِ.
فلا تذهبْ في أحدِ الجانبينِ، لا معطِّلًا ولا مشبِّهًا، وارضَ لله بما رضيَ بهِ لنفسهِ، وقفْ عندَ خبرهِ لنفسهِ مسلمًا، مستسلمًا، مصدِّقًا، بلا مباحثةِ التنفيرِ ولا مناسبةِ التنقيرِ.
فهو تباركَ وتعالى المستوي على عرشهِ بعظمةِ جلالهِ فوقَ كلِّ مكانٍ - تبارك وتعالى - النَّازلُ كلَّ ليلةٍ إلى السَّمَاءِ الدنيا ليتقرَّبَ إليهِ خلقهُ بالعبادةِ، وليرغبوا إليهِ بالوسيلةِ.
إلى أنْ قالَ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]. القائل: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *}{أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ *} [الملك: 16 - 17].
تعالى وتقدَّسَ أنْ يكونَ في الأرضِ كمَا هوَ في السَّمَاءِ، جلَّ عنْ ذلكَ علوًّا كبيرًا».
 
- ابنُ أبي شَيْبَةَ (297هـ)
قال رحمه الله في «كتاب العرش»:
«ذكروا أنَّ الجهميَّةَ يقولون: أنْ ليسَ بينَ اللهِ عزَّ وجلَّ وبينَ خلقهِ حجابٌ، وأنكروا العرشَ، وأَنْ يكونَ هو فوقهُ وفوقَ السَّماواتِ، وقالوا: إنَّه في كلِّ مكانٍ...
وقدْ علمَ العالِمُونَ، أنَّ اللهَ قبلَ أنْ يخلقَ خلقَهُ قدْ كانَ متخلِّصًا منْ خلقهِ، بائنًا منهم، فكيفَ دخلَ فيهم؟! تبارك وتعالى أنْ يوصفَ بهذهِ الصِّفةِ، بلْ هُوَ فَوْقَ العَرْشِ كمَا قالَ، محيطٌ بالعرشِ، متخلِّصٌ منْ خلقهِ بيِّنٌ منهم، علمهُ في خلقهِ لا يخرجونَ منْ علمهِ...
قال عزَّ وجلَّ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} [المجادلة: 7]، وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ} [الحديد: 4]، ففسَّرَ العلماءُ قولَهُ: {وَهُوَ مَعَكُمْ} [الحديد: 4] يعني: عِلْمَهُ، وقالَ عزَّ وجلَّ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، فاللهُ تعالى استوى على العرشِ يرى كلَّ شيءٍ في السَّماواتِ والأرضينَ، ويعلمُ ويسمعُ كلَّ ذلكَ بعينهِ وهُوَ فَوْقَ العَرْشِ، يرى ويسمعُ ما في الأرضِ السفلى، ولكنَّهُ خلقَ العرشَ كما خلقَ الخلقَ لمَّا شاءَ، وكيفَ شاءَ، وما يحملهُ إلَّا عظمتهُ فقالَ: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ *} [السجدة: 5]، وقال عزَّ وجلَّ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وقال عزَّ وجلَّ: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 55]، وقال: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا}{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 157، 158] وأجمعَ الخلقُ جميعًا أنَّهم إذا دَعَوْا اللهَ جميعًا، رفعوا أيديهمْ إلى السَّماءِ، فلو كانَ اللهُ عزَّ وجلَّ في الأرضِ السُّفلى، ما كانوا يرفعونَ أيديهمْ إلى السَّماءِ وهو معهم في الأرضِ.
ثمَّ تواترتِ الأخبارُ أنَّ الله تعالى خلقَ العرشَ فاسْتَوَى عليهِ بذاتِهِ... فَهُوَ فَوْقَ السَّماواتِ وفَوْقَ العَرْشِ بِذَاتِهِ مُتَخَلِّصًا منْ خلقهِ، بائنًا منهم، علمهُ في خلقهِ، لا يخرجونَ من علمهِ».
 
- زكريا السَّاجيُّ (307هـ)
قَالَ الإمامُ الحافظُ محدِّثُ البصرةِ السَّاجيُّ: «القولُ فِي السنُّةِ الَّتِي رأيتُ عَلَيْهَا أهلَ الحديثِ الَّذِينَ لقيتهم أنَّ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ فِي سمائِهِ يَقْرُبُ منْ خَلْقِهِ كَيْفَ شاءَ - وذكرَ سائرَ الاعتقادِ».
 
- محمدُ بن جرير الطبريُّ (310هـ)
قَالَ الطبريُّ رحمه الله: « وحسبُ امرئٍ أنْ يعلمَ أنَّ ربَّهُ هوَ الّذي عَلَى العَرْشِ استوى، لهُ مَا فِي السَّماواتِ وما فِي الأرضِ وما بينهما وما تحتَ الثَّرى، فمنْ تجاوزَ ذلكَ فقدْ خابَ وخَسِرَ وضَلَّ وهَلَكَ».
وقالَ رحمه الله في تفسيرِ قولهِ تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]: «وعَنَى بقوله: {هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] بمعنى أنَّهُ مُشَاهِدُهم بعلمهِ، وَهُوَ على عَرْشِهِ».
وقالَ رحمه الله في تفسيرِ قولهِ تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، يقولُ: «وهو شاهدٌ لكم أيُّها النَّاسُ أينما كنتم يعلمكم، ويعلمُ أعمالَكُم، ومُتَقَلَّبَكمْ ومَثْوَاكُمْ، وهُوَ على عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ السَّبْعِ».
وقالَ رحمه الله: «وأولى المعاني بقولِ الله جلَّ ثناؤهُ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ} [البقرة: 29] عَلاَ عليهنَّ وارتفعَ فَدَبَّرَهُنَّ بقدْرتهِ وخَلَقَهُنَّ سبعَ سمواتٍ».
54 - ابنُ الأخرم (311هـ)
قالَ رحمه الله: « واللهُ تعالى على العَرْشِ وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بالدُّنيا والآخرةِ».
 
- إمام الأئمة ابنُ خُزَيْمَةَ (311هـ)
قالَ رحمه الله: « مَنْ لمْ يُقِرَّ بأنَّ اللهَ تعالى على عَرْشِهِ قَدِ اسْتَوَى فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِرَبِّه، يُسْتَتَابُ فإِنْ تَابَ وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ وأُلْقِيَ على بَعْضِ المَزَابِلِ حَيْثُ لا يَتَأَذَّى المُسْلِمُونَ والمُعَاهَدُونَ بنَتَنِ رِيْحِ جِيْفَتِهِ، وكَانَ مَالُهُ فَيْئًا لا يَرِثُهُ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ إِذِ «المُسْلِمُ لا يَرِثُ الكَافِرَ»، كمَا قال صلى الله عليه وسلم».
 
- نِفْطَوَيْه شيخُ العربية (323هـ)
صنَّفَ الإمامُ النَّحويُّ نفطويه كتابًا في «الردِّ على الجهميَّةِ» وذكرَ فيه أشياء منهَا: قولُ ابنِ الأعرابيِّ الذي مضى ثمَّ قالَ: وسمعتُ داودَ بنَ عليٍّ يقولُ: كانَ المريسيُّ - لا رحمه الله - يقولُ: سبحانَ ربِّي الأسفل. قال: وهذا جهلٌ منْ قائلهِ، وردٌّ لنصِّ كتابِ اللهِ إذْ يقولُ: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16].
 
- البَرْبَهَارِيُّ (329هـ)
قالَ رحمه الله: «اعلمْ رحمكَ الله: أنَّ الكلامَ في الرَّبِّ تعالى مُحْدَثٌ، وهو بدعةٌ وضلالةٌ، ولا يُتكلَّمُ في الرَّبِّ إلا بما وصفَ بهِ نفسَهُ عزَّ وجلَّ في القرآنِ، وما بيَّنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصحابهِ، فهوَ جلَّ ثناؤهُ واحدٌ: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
ربُّنا أوَّلٌ بلا مَتَى، وآخرٌ بلا مُنتهى، يعلمُ السِّرَّ وأخفى، وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ اسْتَوَى، وعِلْمُهُ بكلِّ مكانٍ، ولا يخلو منْ علمِهِ مكانٌ».
 
- الوزير عليُّ بنُ عيسى (334هـ)
قال محمَّدُ بنُ عليِّ بن حبيش: دخلَ أبو بكرٍ الشبليُّ رحمه الله دارَ المرضى ليعالجَ، فدخلَ عليهِ الوزيرُ عليُّ بنُ عيسى عائدًا، فقال الشِّبليُّ: ما فعلَ ربُّكَ؟ قَالَ: « الربُّ عزَّ وجلّ فِي السَّمَاءِ يَقْضِي ويُمْضِي».
 
- العلَّامة أبو بكر الضِّبْعِيُّ (342هـ)
قالَ رحمه الله: «قَدْ تضعُ العربُ «فِي» موضع «عَلَى» قَالَ الله تَعَالَى: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} [التوبة: 2]، وقالَ: {وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] ومعناهُ عَلَى الأرضِ وعلى النَّخلِ، فكذلكَ قولهُ: {مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] أيْ مَنْ عَلَى العرشِ، كَمَا صَحَّتِ الأخبارُ عنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم».
 
- ابنُ شعبان (355هـ)
قال الذهبيُّ رحمه الله: «رأيتُ له[291] تأليفًا في تسميةِ الرواةِ عنْ مالكٍ، أولهُ: الحمدُ لله الحميدِ، ذي الرُّشدِ والتسديدِ، والحمدُ لله أحقُّ ما بُدِي، وأولى منْ شكر، الواحدِ الصَّمدِ، جَـلَّ عَنِ المَثَلِ فلا شَبَهَ لهُ ولا عَدْلَ، عَالٍ على عَرْشِهِ، فهوَ دَانٍ بِعِلْمِهِ، وذكرَ باقي الخطبة».
 
- الإمام أبو بكر الآجُرِّيُّ (360هـ)
صنَّفَ الحافظُ الزَّاهدُ الآجُرِّيُّ المجاورُ بحرمِ الله كتابَ «الشَّريعةِ» فمنْ أبوابهِ: «بـابُ التحذيرِ منْ مذاهبِ الحلوليَّةِ» ثمَّ قَالَ: أمَّا بعدُ: فإنِّي أحذِّرُ إخواني مِنَ المؤمنينَ مذهبَ الحلوليَّةِ: الذينَ لَعِبَ بهمُ الشَّيطانُ، فخرجوا بسوءِ مذهبهم عنْ طريقِ أهلِ العلمِ.
مذاهبهم قبيحةٌ، لاَ تكونُ إلَّا فِي كلِّ مفتونٍ هالكٍ، زعموا أنَّ الله عزَّ وجلَّ حالٌّ فِي كلِّ شيءٍ، حتَّى أخرجهم سوءُ مذهبهم إِلَى أنْ تكلَّموا فِي الله عزَّ وجلَّ بِمَا ينكرهُ العلماءُ العقلاءُ.
لاَ يوافقُ قولَهم كتابٌ وَلاَ سنَّةٌ، وَلاَ قولُ الصَّحابةِ، وَلاَ قولُ أئمَّةِ المسلمينَ، وإنِّي لأستوحشُ أنْ أذكرَ قبيحَ أفعالهم تنزيهًا منِّي لجلالِ اللهِ عزَّ وجلَّ وعظمتهِ، كَمَا قَالَ ابنُ المبارك رَحمةُ الله عليهِ: «إنَّا لنستطيعُ أنْ نحكيَ كلامَ اليهودِ والنَّصارى، وَلاَ نستطيعُ أنْ نحكيَ كلامَ الجهميَّةِ».
ثمَّ إنَّهم إِذَا أنكرَ عليهمْ سوءُ مذهبهم، قالوا: لنا حجَّةٌ منْ كتابِ الله عزَّ وجلَّ.
فإذا قِيلَ لهم: مَا الحجَّةُ؟!
قالوا: قَالَ الله عزَّ وجلَّ فِي كتابهِ فِي سورةِ المجادلة: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7] وبقولهِ عزَّ وجلَّ: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} - إِلَى قوله - {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد 3 - 4].
فلبَّسوا عَلَى السَّامعِ منهم بِمَا تَأَوَّلوهُ، وفَسَّروا القرآنَ عَلَى مَا تهوى نفوسهم، فضلُّوا وأضلُّوا. فمنْ سمعهم ممَّنْ جهلَ العلمَ، ظنَّ أنَّ القولَ كَمَا قالوه، وليسَ هُوَ كَمَا تأوَّلوهُ عندَ أهلِ العلمِ.
والذي يذهبُ إليهِ أهلُ العلمِ: أنَّ الله عزَّ وجلَّ سبحانَهُ عَلَى عرشهِ فَوْقَ سماواتهِ، وعلمهُ محيطٌ بكلِّ شيءٍ، قَدْ أحاطَ علمهُ فِي جميعِ مَا خلقَ فِي السَّمَاوَاتِ العلا، وبجميعِ مَا فِي سبعِ أرضينَ وما بينهما، وما تحتَ الثَّرى وما بينهما، يعلمُ السِّرَّ وأخفى، ويعلمُ خائنةَ الأعينِ وما تخفي الصُّدور، ويعلمُ الخطرةَ والهمَّةَ، ويعلمُ مَا توسوسُ بِهِ النُّفوسُ، يسمعُ ويرى، لاَ يعزبُ عَنِ الله عزَّ وجلَّ مثقالُ ذرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ والأرضينَ وما بينهنَّ، إلَّا وقدْ أحاطَ عِلْمُهُ بهِ، وهوَ عَلَى عَرْشِهِ سُبْحَانهُ العَلِيُّ الأَعْلَى، تُرفعُ إليه أعمالُ العبادِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا مِنَ الملائكةِ الذينَ يَرْفَعُونها باللَّيلِ والنَّهارِ.
فإنْ قَالَ قائلٌ: فإيش معنى قولِهِ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7] الآية... التي بِهَا يحتجُّون؟
قِيلَ لهُ: عِلْمُهُ عزَّ وجلَّ، واللهُ عزَّ وجلَّ عَلَى عرشهِ، وعِلْمُهُ محيطٌ بهم، وبكلِّ شيءٍ منْ خلقهِ، كذا فسَّرهُ أهلُ العلمِ، والآيةُ يدلُّ أوَّلها وآخرهَا عَلَى أنَّهُ العلمُ.
فإنْ قَالَ قائلٌ: كيفَ؟!
قِيلَ: قَالَ الله عزَّ وجلَّ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ}...} [المجادلة: 7] إلى آخرِ الآيةِ قوله: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7].
فابتدأَ الله عزَّ وجلَّ الآيةَ بالعلمِ، وختمهَا بالعلمِ، فعِلْمُهُ عزَّ وجلَّ محيطٌ بجميعِ خلقهِ، وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ، وهذا قولُ المسلمينَ.
وفي كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ آياتٌ تَدُلُّ عَلَى أنَّ اللهَ تبارك وتعالى فِي السَّمَاءِ عَلَى عرشهِ، وعِلْمُهُ محيطٌ بجميعِ خَلْقِهِ. ثمَّ ذكرَ آياتٍ دالَّةً عَلَى العُلُوِّ، وذكرَ جُمْلَةً مِنَ الأحاديثِ إِلَى أنْ قَالَ:
فهذه السننُ قَدِ اتَّفقتْ معانيها، ويُصَدِّقُ بعضُهَا بعضًا، وكلُّها تَدُلُّ عَلَى مَا قلنا، أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عَلَى عَرْشِهِ، فَوْقَ سماواتِهِ، وقدْ أحاطَ عِلْمُهُ بكلِّ شيءٍ، وأنَّهُ سميعٌ بصيرٌ، عليمٌ خبيرٌ.
وقدْ قَالَ جلَّ ذِكْرُهُ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *} [الأعلى: 1].
وقدْ علَّمَ النّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّتهُ أنْ يقولوا فِي السُّجودِ: «سبحان ربِّيَ الأعلى» ثلاثًا.
وهذا كُلُّهُ يُقَوِّي مَا قلنا: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ العَلِيُّ الأعلى، عَلَى عرشهِ، فَوْقَ السَّمَاوَاتِ العلا، وعِلْمُهُ محيطٌ بكلِّ شيءٍ، خلافَ مَا قالتهُ الحُلولِيَّةُ، نعوذُ باللهِ منْ سوءِ مذهبهم...
وممَّا يُلَبِّسونَ بهِ على منْ لا عِلْمَ معهُ احْتَجُّوا بقولهِ عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3] وبقولهِ: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84].
وهذا كلُّهُ إنَّما يطلبونَ بهِ الفتنةَ، كمَا قالَ الله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7].
وعندَ أهلِ العلمِ مِنْ أهلِ الحقِّ: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ *} [الأنعام: 3] فهوَ كمَا قالَ أهلُ العلمِ ممَّا جاءتْ بهِ السننُ: إنَّ الله عزَّ وجلَّ على عَرْشِهِ، وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بجميعِ خَلْقِهِ، يعلمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ، يعلمُ الجهرَ مِنَ القولِ ويعلمُ ما تَكْتُمُونَ.
وقولهُ عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] فمعناهُ: أنَّهُ جلَّ ذكرهُ إلهُ مَنْ في السَّمواتِ، وإلهُ منْ في الأرضِ، إلهٌ يُعبدُ في السَّمواتِ، وإلهٌ يُعبدُ في الأرضِ، هكذا فسَّرهُ العلماءُ.
 
- الحافظُ أبو الشيخ (369هـ)
قَالَ محدِّثُ أصبهانَ أبو محمد ابن حيَّان رحمه الله فِي كتاب «العظمة» له:
ذِكْرُ عَرْشِ الرَّبِّ تباركَ وتعالى وكُرْسِيِّهِ، وعِظَمِ خَلْقِهِما، وعُلُوِّ الرَّبِّ فَوْقَ عَرْشِهِ.
ثمَّ ساقَ جملةً مِنَ الأحاديثِ فِي ذَلِكَ.
 
- العلاّمة أبو بكر الإسماعيليُّ (371هـ)
قَالَ رحمه الله فِي كتابِ «اعتقادِ أئمَّةِ الحديثِ» (ص50):
«ويعتقدونَ أنَّ الله تَعَالَى... اسْتَوى عَلَى العرشِ، بلا كيفٍ. فإنَّ الله تَعَالَى انتهى منْ ذَلِكَ إِلَى أنَّهُ استوى عَلَى العرشِ، ولمْ يذكرْ كيفَ كَانَ اسْتِوَاؤُهُ».
 
- أبو الحسن بنُ مهدي المتكلِّمُ (380هـ)
قالَ في كتابِ «مشكل الآياتِ» لهُ في بابِ قولهِ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]:
«اعلمْ - عصمنا الله وإيَّاكَ مِنَ الزيغِ برحمته - أنَّ الله سبحانه في السَّمَاء فوقَ كلِّ شيءٍ، مستوٍ على عرشهِ، بمعنى أنَّه عَالٍ عليه، ومعنى الاستواءِ: الاعتلاءُ، كمَا تقولُ: استويتُ على ظهرِ الدَّابةِ، واستويتُ على السَّطحِ، يعني: عَلَوْتُهُ، واستوتِ الشَّمسُ على رأسي، واستوى الطيرُ على قمَّةِ رأسي، بمعنى علا في الجوِّ، فوجدَ فوقَ رأسي.
والقديمُ جلّ جلاله، عالٍ على عرشهِ، يَدُلُّكَ أنَّه في السَّماء عالٍ على عرشهِ، قولُه: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، وقولهُ: {يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، وقوله: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] وقوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وقوله: {ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5]، وزعمَ البلخيُّ: أنَّ استواءَ الله على العرشِ، هو الاستيلاءُ عليهِ، مأخوذٌ منْ قولِ العربِ: استوى بشرٌ على العراقِ، أي: استولى عليها.
قالَ: ممَّا يدلُّ على أنَّ الاستواءَ - هاهنا - ليسَ بالاستيلاءِ، أنَّه لو كانَ كذلكَ، لم يكنْ ينبغي أنْ يخُصَّ العرشَ بالاستيلاءِ عليهِ، دونَ سائرِ خَلقهِ، إذْ هوَ مُسْتَوْلٍ على العرشِ، وعلى سائرِ خلقهِ، ليسَ للعرشِ مَزِيَّةٌ على مَا وصفْتهُ، فبَانَ بذلكَ فسادُ قولهِ.
ثمَّ يقالُ لهُ أيضًا: إنَّ الاستواءَ، ليسَ هوَ الاستيلاءَ، الذي هوَ مِنْ قولِ العربِ: استوى فلانٌ على كذا، أي: استولى، إذ تَمَكَّنَ منهُ بعدَ أنْ لمْ يكنْ مُتَمَكِّنًا، فلمَّا كانَ الباري عزَّ وجلَّ لا يوصفُ بالتَّمَكُّنِ بعدَ أنْ لمْ يكنْ مُتَمَكِّنًا، لمْ يُصْرفُ معنى الاستواءِ إلى الاستيلاءِ.
ثمَّ قالَ: فإنْ قيلَ: ما تقولونَ في قولهِ: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]؟
قيلَ لهُ: معنى ذلكَ أنَّهُ فوقَ السَّماءِ على العَرْشِ، كمَا قالَ: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} [التوبة: 20]، بمعنى على الأرضِ، وقال: {وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] يعني على جذوعِ النَّخْلِ، فكذلكَ قولهُ: {فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] بمعنى: فَوْقَ السَّمَاءِ على العَرْشِ.
فإنِ استدلُّوا بقولهِم على أنَّه في كلِّ مكانٍ بقولهِ سبحانهُ: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] قيلَ لهُ: ليسَ الأمرُ في ذلكَ على ما سبقَ إلى قلوبكم، إنَّما أرادَ بذلكَ أنَّه إلهٌ عندَ أهلِ الأرضِ وإلهٌ عندَ أهلِ السَّماءِ، كقولكَ: زيدٌ نبيلٌ عندَ أهلِ العراقِ وعندَ أهلِ الحجازِ، وليسُ يوجبُ هذا أنَّ ذاتهُ بالعراقِ والحجازِ.
فإنْ قيلَ: فمَا تقولونَ في قولهِ: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3]؟
قيلَ لهُ: إنَّ بعضَ القرَّاءِ يجعلُ الوقفَ في {السَّمَاوَاتِ} [الأنعام: 3] ثمَّ يبتدئُ: {وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ} [الأنعام: 3]، وكيفما كانَ، فلو أنَّ قائلًا قالَ: فلانٌ بالشَّامِ والعراقِ ملكٌ، لدلَّ على أنَّ ملكهُ بالشَّامِ والعراقِ، لا أنَّ ذاتهُ فيهما.
فإنْ قيلَ: فما يقولُ في قولهِ سبحانهُ: {يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} [المجادلة: 7].
قيلَ لهُ: كونُ الشَّيءِ مَعَ الشَّيءِ على وجوهٍ: منها بالنُّصرةِ، ومنهَا بالصحبةِ، ومنهَا بالمماسةِ، ومنها بالعلمِ. فمعنى هذا القولِ عندنا: أنَّه مَعَ كلِّ الخلقِ بالعلمِ، بمعنى أنَّه يعلمهم ولا يخفى عليه منهم شيءٌ سبحانَهُ...
وإنَّما أمرنَا الله تعالى برفعِ أيدينا قاصدينَ إليهِ برفعهمَا نحوَ العرشِ الذي هوَ مستوٍ عليهِ كمَا قالَ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]».
 
- ابنُ بطَّة (387هـ)
قَالَ الإمامُ الزاهدُ أبو عبد الله بن بطّة العكبري شيخُ الحنابلةِ فِي «الإبانة»:
«بابُ الإيمانُ بأنَّ الله عزَّ وجلَّ على عَرْشِهِ بائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بجميعِ خَلْقِهِ. أجمعَ المسلمونَ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ، وجميعُ أهلِ العلمِ مِنَ المؤمنينَ أنَّ الله تباركَ وتعالى على عَرْشِهِ، فَوْقَ سَمَاواتِهِ، بائِنٌ منْ خَلْقَهِ، وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بجميعِ خَلْقِهِ، لا يأبى ذلكَ، ولا يُنْكِرُهُ إلَّا مَنِ انْتَحَلَ مذاهبَ الحُلوليَّةِ: وهمْ قومٌ زاغتْ قلوبهم، واسْتَهْوَتْهُمُ الشَّياطينُ فمَرَقُوا مِنَ الدِّينِ.
وقالوا: إنَّ الله ذاته لا يخلو منهُ مكانٌ.
فقالوا: إنَّهُ في الأرضِ كمَا هو في السَّماءِ، وهو بذاتهِ حَالٌّ في جميعِ الأشياءِ.
وقدْ أكذبهمُ القرآنُ والسُّنَّةُ وأقاويلُ الصَّحابةِ والتَّابعينَ مِنْ علماءِ المسلمينَ.
فقيلَ للحلوليِّةِ: لِمَ أنكرتمْ أنْ يكونَ اللهُ تعالى على العرشِ؟
وقال اللهُ تَعَالَى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]. وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59].
فهذا خبرُ الله أَخْبَرَ بهِ عنْ نَفْسِهِ، وأنَّهُ على العَرْشِ.
وقال: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ} [الأنعام: 3]، ثمَّ قالَ: {وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ} [الأنعام: 3]، فأخبرَ أنَّهُ في السَّماءِ، وأنَّهُ بِعِلْمِهِ في الأرضِ.
وقَالَ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، فهلْ يكونُ الصُّعودُ إلَّا إلى ما علا؟.
وقَالَ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *} [الأعلى: 1] فَأَخْبَرَ أنَّهُ أعلى مِنْ خلقِهِ.
وقَالَ: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، فأخبرَ أنَّهُ فوقَ الملائكةِ.
وقدْ أخبرنَا اللهُ تعالى أنَّهُ في السَّمَاءِ على العرشِ.
أَوَ مَا سَمِعَ الحُلوليُّ قولَ الله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *}{أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ *} [الملك: 16 - 17]. وقولَه لعيسى عليه السلام: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]. وقَالَ: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]. وقَالَ: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18 و61]. وقَالَ: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ *}{تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 3 - 4]. وقَالَ: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [الأنبياء: 19]. وقَالَ: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ} [غافر: 15]، ومِثْلُ هذا كثيرٌ في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
فأمَّا قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، فهوَ كمَا قالَ العلماءُ: عِلْمُهُ.
وأمَّا قولُهُ: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3]، كمَا قالَ: {وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ} [الأنعام: 3]، ومعناهُ أيضًا: أنَّهُ هوَ اللهُ في السَّماواتِ، وهوَ اللهُ في الأرضِ.
وتصديقُ ذلكَ في كتابِ الله: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84].
واحْتَجَّ الجَهْمِيُّ بقولِ الله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7].
فقالوا: إنَّ الله معنا وفينا.
وقدْ فسَّر العلماءُ هذهِ الآية: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ} [المجادلة: 7] إلى قولهِ: {هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، إنَّما عنى بذلكَ: عِلْمُهُ، ألاَ ترى أنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيةِ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]، فرجعتِ الهاءُ والواوُ منْ هو على عِلْمِهِ لا على ذَاتِهِ.ثمَّ قالَ في آخرِ الآيةِ: {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]، فعادَ الوصفُ إلى العلمِ، وبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أرادَ بذلكَ العِلْمَ، وأنَّهُ عليمٌ بأمورِهم كُلِّها».
 
وقالَ رحمه الله: «بابُ ذِكْرِ العَرْشِ والإيمانِ بأنَّ لله تعالى عَرْشًا فوقَ السَّمواتِ السَّبْعِ.
اعلموا - رحمكمُ الله -: أنَّ الجهميةَ تجحدُ أنَّ لله عرشًا، وقالوا: لا نقولُ إنَّ اللهَ على العَرْشِ؛ لأنَّهُ أعظمُ مِنَ العرشِ، ومتىَ اعترفنا أنَّه على العرشِ؛ فقدْ حَدَّدْناهُ، وقدْ خَلَتْ منهُ أماكنُ كثيرةٌ غيرُ العرشِ؛ فرَدُّوا نصَّ التنزيلِ، وكذَّبوا أخبارَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم.
قال اللهُ تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]. وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ} [الفرقان: 59].وقال: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} [هود: 7].
وجاءتِ الأخبارُ، وصحيحُ الآثارِ منْ جهةِ النَّقلِ عَنْ أهلِ العدالةِ، وأئمَّةِ المسلمينَ عَنِ المصطفى صلى الله عليه وسلم منْ ذِكْرِ العرشِ ما لا يُنْكِرُهُ إلا المُلْحِدَةُ الضَّالَّةُ».

- ابنُ أبي زيدٍ المالكي (386هـ)
قالَ الإمامُ أبو محمد بن أبي زيد المغربي شيخُ المالكية في كتابهِ «الجامع»:
«ممَّا اجتمعتِ الأئمةُ عليهِ منْ أمورِ الديانةِ ومِنَ السننِ التي خلافُهَا بدعةٌ وضلالةٌ أنَّ الله - تبارك وتعالى - فوقَ سماواتِهِ على عَرْشِهِ دونَ أرضِهِ وأنَّهُ في كُلِّ مكانٍ بِعِلْمِهِ».
وقال رحمه الله في أوَّلِ رسالتهِ المشهورةِ في مذهبِ مالكٍ الإمام:
«وأنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ المَجِيدُ بِذَاتِهِ، وهُوَ في كُلِّ مَكِانٍ بِعِلْمِهِ»[299].
قالَ الإمامُ الذهبيُّ معقِّبًا:... واللهُ تعالى خالقُ كلِّ شيءٍ بذاتهِ، ومُدَبِّرُ الخلائقِ بذاتهِ، بِلاَ مُعينٍ، ولا مُؤازِرٍ؛ وإنَّما أرادَ ابنُ أبي زيدٍ وغيرهُ التَّفرقةَ بينَ كونه تعالى معنَا، وبينَ كونهِ تعالى فوقَ العرشِ، فهوَ كمَا قالَ: ومعنَا بالعلمِ، وأنَّهُ على العرشِ كما أعلمنا حيثُ يقولُ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، وقدْ تلفَّظَ بالكلمةِ المذكورةِ جماعةٌ مِنَ العلماءِ كمَا قدَّمناه.
وكانَ رحمه الله عَلَى طريقةِ السَّلفِ فِي الأصولِ، لاَ يدري الكلامَ، وَلاَ يتأوَّلُ، فنسألُ الله التَّوفيقَ.

- ابنُ مَنْدَه (395هـ)
قالَ رحمه الله في «كتابِ التَّوحيدِ»: «ذِكْرُ الآيِ المَتْلُوَّةِ والأخبارِ المأثورةِ في أنَّ الله عزَّ وجلَّ على العَرْشِ فَوْقَ خَلْقِهِ بَائِنًا عنهم وبدءِ خلقِ العرشِ والماءِ، ثمَّ ذكرَ ثلاثَ آياتٍ في استواءِ الرَّحمنِ على العَرْشِ».

وقالَ رحمه الله: ذِكْرُ الآياتِ المَتْلوَّةِ والأخبارِ المأثورةِ بنقلِ الرواةِ المقبولةِ التي تَدُلُّ على أنَّ الله تعالى فوقَ سماواتِهِ وعَرْشِهِ وخَلْقِهِ قاهرًا لهم عالمًا بهم. ثمَّ ذكرَ آياتٍ دالَّةً على العُلُوِّ. وساقَ جُمْلةً مِنَ الأحاديثِ في ذلكَ.

- ابنُ أبي زمْنِين (399هـ)
قالَ رحمه الله: «ومنْ قولِ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّ الله عزَّ وجلَّ خَلَقَ العَرْشَ واختصَّهُ بالعُلُوِّ والارتفاعِ فوقَ جميعِ ما خلقَ، ثمَّ استوى عليهِ كيفَ شاءَ، كمَا أخبرَ عنْ نفسهِ... فسبحانَ مَنْ بَعُدَ فلا يُرى، وقرُبَ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ فسَمِعَ النَّجْوَى».

- القَصّابُ (400هـ)
قال الحافظُ الإمامُ أبو أحمد بن علي بن محمد المجاهد في «كتابِ السنَّةِ»:
كلُّ صفةٍ وصفَ اللهُ بها نفسهُ، أو وصفهُ بها نبيُّهُ، فهيَ صفةٌ حقيقيَّةٌ لا مجازًا».

- ابنُ الباقلانيُّ (403هـ)
قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني في كتابِ «التمهيدِ» منْ تأليفهِ:
«فإنْ قالوا: فهلْ تقولونَ إنَّه فِي كلِّ مكانٍ؟
قِيلَ: مَعاذَ الله! بلْ هُوَ مستوٍ عَلَى العرشِ، كَمَا أخبرَ فِي كتابهِ فقال: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] وقال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: 16]. ولوْ كَانَ فِي كلِّ مكانٍ، لكانَ فِي جوفِ الإنسانِ وفمهِ وفي الحشوشِ والمواضعِ التي يُرْغَبُ عنْ ذكرهَا - تَعَالَى اللهُ عنْ ذَلِكَ!ـ ولوجبَ أن يزيدَ بزيادةِ الأماكنِ إِذَا خلقَ منها مَا لَمْ يكن خلقهُ، وينقصُ بنقصانها إِذَا بطلَ منها مَا كَانَ؛ ولصحَّ أنْ يرْغبَ إليهِ إِلَى نحو الأرضِ وإلى وراءِ ظهورنَا وعنْ أيماننا وشمائلنَا. وهذا مَا قَدْ أجمعَ المسلمونَ عَلَى خلافهِ وتخطئةِ قائلهِ.
فإنْ قالوا: أَفَلَيْسَ قَدْ قَالَ الله عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] - فأخبرَ أنَّهُ فِي السَّمَاءِ وفي الأرضِ - وقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ *} [النحل: 128]، وقال: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه:]، وقال: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ} [المجادلة: 7] فِي نظائر لهذهِ الآياتِ. فمَا أنكرتم أنَّهُ فِي كلِّ مكانٍ؟
يقالُ لهم: قولُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] المرادُ بِهِ أنَّه إلهٌ عندَ أهلِ السَّمَاءِ وإلهٌ عندَ أهلِ الأرضِ، كَمَا تقولُ العربُ: «فلانٌ نبيلٌ مطاعٌ بالعراقِ ونبيلٌ مطاعٌ بالحجازِ» يعنونَ بذلكَ أنَّهُ مطاعٌ فِي المِصْرَيْنِ وعندَ أهلهمَا، وليسَ يَعْنُونَ أنَّ ذاتَ المذكورِ بالحجازِ والعراقِ موجودةٌ.
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ *} [النحل: 128]، يعني: بالحفظِ والنَّصرِ والتّأييدِ، ولم يردْ أنَّ ذاتهُ معهم - تَعَالَى عنْ ذَلِكَ!
وقوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] محمولٌ عَلَى هَذَا التأويلِ.
وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] يعني: أنَّه عالمٌ بهم وبمَا خفيَ منْ سرائرهم ونجواهم. وهذا إنَّما يُستعملُ كَمَا وردَ بِهِ القرآنُ. فلذلكَ لاَ يجوزُ أنْ يقالَ - قياسًا عَلَى هَذَا -: إنَّ الله سبحانهُ بالبردانِ وبمدينةِ السَّلامِ، وإنَّه تَعَالَى مَعَ الثَّورِ ومَعَ الحمارِ؛ وَلاَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مَعَ الفسَّاقِ والمُجَّان ومَعَ المصعدينِ إِلَى حلوانَ، قياسًا عَلَى قولهِ: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ *} [النحل: 128] فوجبَ أنْ يكونَ التأويلُ عَلَى مَا وصفناهُ.
وَلاَ يجوزُ أن يكونَ معنى استوائِهِ عَلَى العرشِ هُوَ استيلاؤهُ عَلَيهِ كَمَا قَالَ الشَّاعرُ:
قَدِ اسْـتَوَى بِشْرٌ عَلـَى العـراقِ من غـيرِ سَيْـفٍ ودَمٍ مِهْـرَاقِ
لأنَّ الاستيلاءَ هُوَ القدرةُ والقهرُ، والله تَعَالَى لَمْ يَزَلْ قادرًا قاهرًا عزيزًا مقتدرًا. وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] يقتضي استفتاحَ هَذَا الوصفِ بعدَ أنْ لَمْ يكنْ؛ فَبَطَلَ مَا قالوهُ».
قال الذهبي رحمه الله: «فهذا النفس نفس هذا الإمامِ، وأينَ مثلُهُ في تبحُّرهِ وذكائهِ وبصرهِ بالمللِ فلقد امتلأ الوجودُ بقومٍ لا يدرونَ ما السلفَ، ولا يعرفونَ إلَّا السلبَ، ونفيَ الصفاتِ وردَّهَا، صمٌّ بكمٌّ عتمٌّ عجمٌّ، يدعونَ إلى العقلِ، ولا يكونونَ على النَّقلِ، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون».
 
- ابنُ موهب المالكي (406هـ)
قَالَ العلَّامةُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ موهب المالكيُّ فِي شرحهِ لرسالةِ الإمامِ محمَّد بن أبي زيد:
«أمَّا قولهُ: (إِنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ المَجِيدِ بِذَاتِهِ) فمعنى (فَوْقَ) و(على) عندَ جميعِ العربِ واحدٌ. وفي الكتابِ والسنَّةِ تصديقُ ذلكَ، وَهُوَ قوله تَعَالَى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، وقال: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، وقال: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50].
وساقَ حديثَ الجاريةِ والمعراجِ إِلَى سدرةِ المنتهى، إِلَى أنْ قَالَ:
«وقدْ تأتي لفظةُ (فِي) فِي لغةِ العربِ بمعنى فوق، كقولهِ تَعَالَى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} [الملك: 15] و{فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] و {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]. قَالَ أهلُ التَّأويلِ: يريدُ فوقهَا، وَهُوَ قولُ مالكٍ ممَّا فهمهُ عمَّنْ أدركَ مِنَ التَّابعينَ ممَّا فَهِمُوهُ عَنِ الصَّحابةِ، ممَّا فهموهُ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ اللهَ فِي السَّماءِ، يعني فَوْقَها وعَلَيْهَا، فلذلكَ قَالَ الشيخُ أبو محمَّد: (إنَّهُ فَوْقَ عَرْشِه) ثمَّ بيَّنَ أنَّ عُلُوَّهُ فَوْقَ عرشِهِ إنَّما هُوَ بذاتهِ لأنَّه تَعَالَى بائنٌ عنْ جميعِ خلقهِ بلا كيفٍ، وَهُوَ فِي كُلِّ مكانٍ بِعِلْمِهِ لاَ بِذَاتِهِ. إِذْ لاَ تحويهِ الأماكنُ، لأنَّهُ أعظمُ منهَا، قَدْ كَانَ وَلاَ مكانَ».
ثمَّ سردَ كلامًا طويلًا إِلَى أنْ قَالَ: «فلمَّا أيقنَ المنصفونَ إفرادَ ذِكْرِهِ بالاستواءِ عَلَى عَرْشِهِ بعدَ خلقِ سماواتِهِ وأرضِهِ، وتخصيصِهِ بصفةِ الاستواءِ، عَلِمُوا أنَّ الاسْتِوَاءَ هنا غيرُ الاستيلاءِ ونحوِهِ، فأَقَرُّوا بوصفِهِ بالاستواءِ عَلَى عرشهِ، وأنَّهُ عَلَى الحقيقةِ لاَ عَلَى المَجازِ، لأنَّهُ الصَّادقُ فِي قِيْلِهِ، وَوَقَفُوا عنْ تكييفِ ذَلِكَ وتمثيلِهِ، إذْ لَيْسَ كمثلِهِ شيءٌ»[308].

- مَعْمَرُ بنُ زيادٍ (418هـ)
قالَ الإمامُ العارفُ أبو منصور مَعْمَرُ بن أحمد بن زياد الأصبهاني رحمه الله: «أحببتُ أنْ أوصيَ أصحابي بوصيةٍ مِنَ السنَّةِ، وأجمعُ ما كانَ عليهِ أهلُ الحديثِ والأثرِ، وأهلُ المعرفةِ والتَّصوفِ»، فذكرَ أشياءَ إلى أنْ قالَ فيهَا: «وأنَّ الله استوى على عَرْشِهِ بلا كَيْفٍ ولا تَشْبِيهٍ ولا تأويلٍ، والاستواءُ معقولٌ والكيفُ فيهِ مجهولٌ، وأنَّهُ عزَّ وجلَّ بائنٌ منْ خلقهِ، والخلقُ منهُ بائنونَ بلا حلولٍ ولا مُمَازَجَةٍ، ولا اختلاطٍ ولا مُلاَصَقَةٍ، وأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ينزلُ كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدُّنيا كيفَ يشاءُ فيقولُ: «هَلْ منْ دَاعٍ فأستجيبَ لهُ؟ حتىَّ يَطْلُعَ الفَجْرُ»، ونزولُ الرَّبِّ إلى السَّماءِ بلا كَيْفٍ ولا تَشْبِيهٍ، ولا تَأْوِيلٍ، فمَنْ أَنْكَرَ النُّزُولَ أو تَأَوَّلَ فهوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ».

- أبو القاسم اللاَلكَائِيُّ (418هـ)
قَالَ الإمامُ الحافظُ أبو القاسم هبةُ الله بن الحسن الطبري الشافعي مصنِّف كتاب «شرح اعتقاد أهل السنّة» وَهُوَ مجلَّدٌ ضخمٌ:
«سياقُ مَا رُوي فِي قوله تَعَالَى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5] وأنَّ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ فِي السَّمَاءِ:
قَالَ عزَّ وجلَّ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].
وقال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: 16].
وقال: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} [الأنعام: 16].
فدلَّتْ هذهِ الآيةُ أنَّهُ تَعَالَى فِي السَّمَاءِ وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بكلِّ مكانٍ مِنْ أرضهِ وسمائهِ.
ورُوي ذَلِكَ مِنَ الصَّحابة: عنْ عمرَ وابنِ مسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ وأمِّ سلمة رضي الله عنهم.
ومِنَ التَّابعين: ربيعة بن أبي عبد الرَّحْمن وسليمان التيمي ومقاتل بن حيَّان.
وبهِ قَالَ مِنَ الفقهاءِ: مالكُ بنُ أنسٍ وسفيانُ الثوريُّ وأحمدُ بنُ حنبل».

- يحيى بنُ عمَّارٍ (422هـ)
قال المفسِّرُ الحنبليُّ يحيى بنُ عمَّارٍ رحمه الله: «كلُّ مسلمٍ منْ أوَّلِ العصرِ إلى عصـرنَا هذا إذا دعَا اللهَ سبحانهُ رفعَ يدَيْهِ إلى السَّماءِ. والمسلمونَ منْ عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، يقولونَ في الصَّلاةِ ما أمرهمُ الله تعالى بهِ في قولهِ تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *} [الأعلى: 1].
ولا حاجةَ لله سبحانه وتعالى إلى العرشِ، لكنَّ المؤمنينَ كانوا محتاجينَ إلى معرفةِ ربِّهم عزَّ وجلَّ. وكلُّ منْ عبدَ شيئًا أشارَ إلى موضعٍ، أوْ ذكرَ مِنْ معبودهِ علامةً. فجبَّارُنَا وخالِقُنا، إنَّما خَلَقَ عرشَهُ ليقولَ عبدهُ المؤمنُ، إذا سُئلَ عنْ ربِّهِ عزَّ وجلَّ أينَ هوَ الرحمنُ؟ عَلَى العَرْشِ اسْتَوىَ، معناه فوقَ كُلِّ مُحْدَثٍ عَلَى عَرْشِهِ العظيمِ، وَلاَ كيفيَّةَ وَلاَ شَبَهَ.
ولا نحتاجُ في هذا البابِ إلى قولٍ أكثرَ منْ هذا أنْ نؤمنَ بهِ، وننفيَ الكيفيَّةَ عنهُ، ونتَّقيَ الشَّكَّ فيهِ، ونوقنَ بأنَّ ما قالهُ اللهُ سبحانه وتعالى ورسولُه صلى الله عليه وسلم، ولا نتفكَّرُ في ذلكَ، ولا نسلِّطُ عليهِ الوهمَ والخاطرَ والوسواسَ.
وتعلمُ حقًّا يقينًا أنَّ كلَّ ما تُصُوِّر في همِّكَ ووهمكَ منْ كيفيَّةٍ أو تشبيهٍ، فاللهُ بخلافهِ وغيرهِ.
نقولُ: هُوَ بِذَاتِهِ على العَرْشِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بكُلِّ شَيءٍ».
وقال رحمه الله: لا نقولُ كمَا قالتِ الجهميَّةُ: إنَّهُ تعالى مداخلٌ للأمكنةِ وممازجٌ بكلِّ شيءٍ ولا نعلمُ أينَ هوَ؟ بلْ نقولُ هُوَ بِذَاتِهِ عَلَى العَرْشِ وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بكلِّ شَيءٍ، وعلمهُ وسمعهُ وبصرهُ وقدرتهُ مُدْرِكَةٌ لكلِّ شيءٍ. وذلكَ معنى قولهِ: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، فهذَا الذي قلناهُ هوَ كمَا قالَ اللهُ وقالهُ رسولهُ.
 
- القادرُ بالله أميرُ المؤمنين (422هـ)
لهُ معتقدٌ مشهورٌ، قرئَ ببغدادَ بمشهدٍ منْ علمائها وأئمَّتها، وأنَّهُ قولُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، وفيهِ أشياء حسنة. منْ ذلكَ:
«وأنَّهُ خَلَقَ العرشَ لا لحاجةٍ، واسْتَوَى عليهِ كيفَ شاءَ لا استواءَ راحةٍ، وكلُّ صفةٍ وصفَ بها نفسَهُ، أو وصفَهُ بها رسولُهُ فهي صفةٌ حقيقيةٌ لا صفةُ مجازٍ، وكلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ أنزَلَهُ على رسولِهِ صلى الله عليه وسلم».
 
78 - أبو عمر الطلمنكيُّ (429هـ)
قالَ في كتابِ «الوصولِ إلى معرفةِ الأصولِ» وهوَ مجلدانِ: «أجمعَ المسـلمونَ منْ أهلِ السنَّةِ على أنَّ معنى قولِهِ: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، ونحو ذلكَ مِنَ القرآنِ أنَّهُ عِلْمُهُ، وأنَّ اللهَ تعالى فوقَ السَّماواتِ بذَاتِهِ، مستوٍ على عَرْشِهِ كَيْفَ شَاءَ.
وقالَ أهلُ السُّنَّةِ في قولِهِ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]: إنَّ الاستواءَ مِنَ اللهِ على عَرْشِهِ على الحَقِيقَةِ لا على المَجَازِ».
 
79 - أبو نُعيم الأصبهانيُّ (430هـ)
قَالَ الحافظُ أبو نُعيم الأصبهاني صاحبُ «الحلية» فِي عقيدةٍ لهُ قَالَ فِي أوَّلها:
«طريقتُنا طريقةُ المتَّبعينَ للكتابِ والسُّنَّةِ، وإجماعِ الأمَّةِ. فممَّا اعتقدوهُ أنَّ الأحاديثَ التي ثبتَتْ عَنِ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي العرشِ واستواءِ اللهِ يقولونَ بِهَا، ويُثْبتونهَا منْ غيرِ تكييفٍ، وَلاَ تمثيلٍ، وَلاَ تشبيهٍ.
وأنَّ اللهَ بائنٌ مِنْ خَلْقِهِ والخلقُ بَائِنُونَ منهُ. لاَ يَحِلُّ فيهمْ وَلاَ يَمْتَزِجُ بهم وَهُوَ مستوٍ عَلَى عرشِهِ فِي سمائِهِ، دونَ أرضِهِ وخَلْقِهِ».
وقالَ فِي كتابهِ «محجَّةُ الواثقينَ ومدرجةُ الوامقينَ»: «وأجمعوا أنَّ اللهَ فَوْقَ سماواتِهِ، عالٍ عَلَى عرشِهِ، مُسْتَوٍ عليهِ، لاَ مُسْتَولٍ عَلَيهِ كَمَا تقولُ الجهميَّةُ: إنَّهُ بكلِّ مكانٍ، خلافًا لما نزلَ فِي كتابهِ: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]. {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]».
 
- عبدُ الله بن يوسف الجوينيُّ (438هـ)
قَالَ الشَّيخُ العالمُ العلَّامةُ أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والدُ إمامِ الحرمينِ رحمه الله فِي «رسالةٍ فِي إثباتِ الاسْتِوَاءِ والفوقيَّةِ»: " ...
كنتُ أخافُ مِنْ إطلاقِ القولِ بإثباتِ العلوِّ، والاستواءِ، والنزولِ، مخافةَ الحصرِ والتَّشبيهِ، ومَعَ ذلكَ فإذا طالعتُ النُّصوصَ الواردةَ فِي كتابِ الله وسنَّةِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم، أجدهَا نصوصًا تشيرُ إِلَى حقائقِ هذهِ المعاني، وأجدُ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم، قدْ صرَّحَ بهَا مخبرًا عنْ ربِّهِ، واصفًا لهُ بها، وأَعلمُ بالاضطرارِ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يحضرُ فِي مجلسهِ الشريفِ العالمُ والجاهلُ، والذكيُّ والبليدُ، والأعرابيُّ والجافي، ثمَّ لا أجدُ شيئًا يعقِّبُ تلكَ النُّصوصَ، التي كانَ يصفُ ربَّهُ بها، لا نصًّا وَلاَ ظاهرًا، ممَّا يصرفُها عنْ حقائقها، ويؤوِّلها كَمَا تأوَّلها... مشايخي الفقهاءِ المتكلِّمينَ مثلُ تأويلهم الاستواءَ بالاستيلاءِ، وللنزولِ بنزولِ الأمرِ وغيرِ ذلكَ. ولم أجدْ عنهُ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ كانَ يحذِّرُ النَّاسَ مِنَ الإيمان بما يظهرُ مِنْ كلامهِ فِي صفتهِ لربِّهِ مِنَ الفوقيَّةِ واليدين وغيرها، ولم ينقلْ عنهُ مقالة تدلُّ عَلَى أنَّ لهذهِ الصِّفاتِ معاني أُخَرَ باطنة، غير مَا يظهرُ منْ مدلُولِها، مثلُ فوقيَّةِ المرتبةِ،.. وغيرِ ذلكَ.
وأجدُ اللهُ عزَّ وجلَّ يقول: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4]، {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]. {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ *} [الملك: 16 - 17]. {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} [النحل: 102]. {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأََظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 36 - 37].
وهذا يَدُلُّ عَلَى أنَّ موسى أخبرهُ بأنَّ ربَّهُ تعالى فوقَ السَّماءِ ولهذا قالَ {وَإِنِّي لأََظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر: 37].
وقوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ *} [المعارج: 4] الآية.
ثمَّ ساقَ جُمْلَةً مِنَ الأحاديثِ الدَّالةِ عَلَى عُلُوِّ الرحمنِ - إِلَى أنْ قَالَ:
إِذَا علمنا ذلكَ واعتقدناهُ، تخلَّصنا منْ شبهِ التَّأويلِ، وعماوةِ التَّعطيلِ، وحماقةِ التَّشبيهِ والتَّمثيلِ، وأثبتنا علوَّ ربِّنا سُبْحَانهُ وفوقيَّته، واستواءَهُ عَلَى عرشهِ، كَمَا يليقُ بجلالهِ وعظمتهِ، والحقُّ واضحٌ فِي ذلكَ والصُّدورُ تنشرحُ لهُ.
فإنَّ التَّحريفَ تأباهُ العقولُ الصَّحيحةُ، مثلُ تحريفِ الاسْتِوَاءِ: بالاستيلاءِ وغيرهِ، والوقوفُ فِي ذلكَ جهلٌ وعيٌّ، مع كونِ أنَّ الرَّبَّ تعالى وصفَ لنا نفسَهُ بهذهِ الصِّفاتِ لنعرفَهُ بها، فوقوفنا عنْ إثباتها ونفيهَا، عدولٌ عَنِ المقصودِ منهُ فِي تعريفنا إيَّاها، فما وصفَ لَنا نفسَهُ بها إلَّا لنثبتَ مَا وصفَ بِهِ نفسَهُ لنا، وَلاَ نقفُ فِي ذلكَ.
وكذلكَ التَّشبيهُ والتَّمثيلُ حماقةٌ وجهالةٌ، فمنْ وفَّقهُ الله تعالى للإثباتِ بلا تحريفٍ، وَلاَ تكييفٍ، وَلاَ وقوفٍ، فقدْ وقعَ عَلَى الأمرِ المطلوبِ منهُ، إنْ شاءَ الله تعالى.
والذي شرحَ الله صدري، فِي حالِ هؤلاءِ الشيوخِ، الذين أوَّلوا الاسْتِوَاءَ: بالاستيلاءِ، والنزولَ: بنزولِ الأمرِ، واليدين بالنعمتين والقدرتينِ هو علمي بأنَّهم مَا فهموا فِي صفاتِ الرَّبِّ تعالى إلَّا مَا يليقُ بالمخلوقينَ، فما فهموا عَنِ الله استواءً يليقُ بهِ، وَلاَ نزولًا يليقُ به ولا يدينِ تليقُ بعظمتهِ بلا تكييفٍ وَلاَ تشبيهٍ، فلذلكَ حرَّفوا الكَلِمَ عنْ مواضعهِ، وعطَّلُوا مَا وصفَ الله تعالى نفسهُ بِهِ.ونذكرُ بيانَ ذلكَ إنْ شاءَ الله تعالى.
لا ريبَ إنَّا نحنُ وإيَّاهم متَّفقونَ عَلَى إثباتِ صفاتِ الحياةِ، والسَّمعِ، والبصرِ، والعلمِ، والقدرةِ، والإرادةِ، والكلامِ لله.ونحن قطعًا لا نعقلُ مِنَ الحياةِ إلَّا هَذَا العَرَض الّذي يقومُ بأجسامنا، وكذلكَ لا نعقلُ مِنَ السَّمعِ والبَّصرِ إلَّا أعراضًا تقومُ بجوارحنَا. فكمَا أنَّهم يقولونَ: حياتُه ليستْ بِعَرَضٍ، وعلمهُ كذلكَ، وبصرهُ كذلكَ، هي صفاتٌ كَمَا تليقُ بهِ، لا كَمَا تليقُ بنا. فكذلكَ نقولُ نحنُ: حياتهُ معلومةٌ وليستْ مُكيَّفةً، وعلمهُ معلومٌ وليسَ مُكيَّفًا، وكذلكَ سمعهُ وبصرهُ معلومانِ، لَيْسَ جميعُ ذلكَ أعراضًا بلْ هوَ كَمَا يليقُ بِهِ.
ومثلُ ذلكَ بعينهِ فوقيَّتهُ واستواؤهُ ونزولهُ، ففوقيَّته معلومةٌ، أعني ثابتة كثبوتِ حقيقةِ السَّمعِ وحقيقةِ البصرِ فإنَّهما معلومانِ وَلاَ يُكيَّفانِ، كذلكَ فوقيَّتهُ معلومةٌ ثابتةٌ، غيرُ مكيَّفةٍ كَمَا يليقُ بهِ، واستواؤهُ عَلَى عرشهِ معلومٌ غيرُ مُكيَّفٍ بحركةٍ أو انتقالٍ يليقُ بالمخلوقِ، بلْ كَمَا يليقُ بعظمتهِ وجلالهِ. صفاتهُ معلومةٌ منْ حيثُ الجملةِ والثبوتِ، غيرُ معقولةٍ منْ حيثُ التكييفِ والتحديدِ، فيكونُ المؤمنُ بِها مبصرًا منْ وجهٍ، أعمى منْ وجهٍ، مبصرًا منْ حيثُ الإثباتِ والوجودِ، أعمى منْ حيثُ التكييفِ والتحديدِ، وبهذا يحصلُ الجمعُ بينَ الإثباتِ لما وصفَ الله تعالى نفسَهُ بهِ، وبينَ نفيِ التَّحريفِ والتَّشبيهِ والوقوفِ، وذلكَ هو مرادُ الرَّبِّ تعالى منَّا فِي إبرازِ صفاتهِ لنا لنعرفهُ بها، ونؤمنُ بحقائقها وننفيَ عنهَا التَّشبيهَ، وَلاَ نعطِّلها بالتَّحريفِ والتَّأويلِ، وَلاَ فرقَ بينَ الاسْتِوَاءِ والسمعِ، وَلاَ بينَ النزولِ والبصرِ، الكلُّ وردَ فِي النَّصِّ.
فإنْ قالوا لنا: فِي الاسْتِوَاءِ شبَّهتم.
نقولُ لهم: فِي السَّمعِ شبَّهتم، ووصفتم ربَّكم بالعَرَض!!
فإنْ قالوا: لا عرض، بل كَمَا يليقُ بِهِ.
قلنا: فِي الاسْتِوَاءِ والفوقيَّةِ لا حَصْرَ، بلْ كَمَا يليقُ بهِ، فجميعُ مَا يلزمونَا بِهِ فِي الاستواءِ، والنزولِ، واليدِ، والوجهِ، والقدمِ والضحكِ، والتعجُّبِ مِنَ التَّشبيه، نلزمهمْ بِهِ فِي الحياةِ والسَّمعِ، فكمَا لا يجعلونها همْ أعراضًا، كذلكَ نحنُ لا نجعلهَا جوارحَ، وَلاَ مَا يوصفُ بِهِ المخلوقُ. وليسَ مِنَ الإنصافِ أنْ يفهموا فِي الاسْتِوَاءِ والنزولِ، والوجهِ، واليد صفاتِ المخلوقينَ فيحتاجوا إِلَى التَّأويلِ والتَّحريفِ.
فإنْ فهموا فِي هذه الصِّفاتِ ذلكَ فيلزمهم أنْ يفهموا فِي الصِّفاتِ السبعِ، صفاتِ المخلوقينَ مِنَ الأعراضِ!!
فما يلزمونَا فِي تلكَ الصِّفاتِ، مِنَ التَّشبيهِ والجِسْمِيَّةِ، نلزمهمْ بِهِ فِي هذهِ الصِّفاتِ مِنَ العرضيةِ، وما ينزَّهونَ ربَّهم بِهِ فِي الصِّفاتِ السَّبعِ، وينفونَ عنهُ عوارضَ الجسمِ فيها، فكذلكَ نحنُ نعملُ فِي تلكَ الصِّفاتِ، التي ينسبونا فِيهَا إِلَى التَّشبيهِ سواءٌ بسواءٍ.
ومنْ أنصفَ، عرفَ مَا قلنا واعتقدهُ، وقبلَ نصيحتنَا، ودانَ لله بإثباتِ جميعِ صفاتهِ هذهِ وتلكَ، ونفى عنْ جميعهَا التَّشبيهَ، والتَّعطيلَ، والتَّأويلَ، والوقوفَ.
وهذا مرادُ الله تعالى منَّا فِي ذلكَ، لأنَّ هذه الصِّفاتِ وتلكَ، جاءتْ فِي موضعٍ واحدٍ، وهو الكتابُ والسنَّةُ، فإذا أثبتنا تلكَ بلا تأويلٍ، وحرَّفنا هذهِ وأوَّلناها، كنَّا كمنْ آمنَ ببعضِ الكتابِ وكفرَ ببعضٍ، وفي هَذَا بلاغٌ وكفايةٌ إنْ شاءَ الله تعالى...
ثمَّ قَالَ رحمه الله مبيِّنًا أثرَ هذهِ العقيدةِ فِي قلبِ المؤمنِ بها:
العبدُ إِذَا أيقنَ أنَّ الله تعالى فوقَ السَّماءِ، عالٍ عَلَى عرشهِ بلا حصرٍ وَلاَ كيفيَّةٍ، وأنَّهُ الآن فِي صفاتهِ كَمَا كانَ فِي قِدَمِهِ، صارَ لقلبهِ قبلة فِي صلاتهِ وتوجههِ ودعائهِ، ومنْ لا يعرفُ ربَّهُ بأنَّهُ فوقَ سماواتهِ عَلَى عرشهِ، فإنَّهُ يبقى ضائعًا لا يعرفُ وجهةَ معبودهِ،... بخلافِ منْ عرفَ أنَّ إلههُ الَّذي يعبدهُ فوقَ الأشياءِ، فإذا دخلَ فِي الصَّلاةِ وكبَّرَ، توجه قلبهُ إِلَى جهةِ العرشِ، منزِّهًا ربَّهُ تعالى عَنِ الحصرِ مفردًا لهُ، كَمَا أفردهُ فِي قِدَمِهِ وأزليَّتِهِ، عالمًا أنَّ هذهِ الجهاتِ منْ حدودنا ولوازمنا، وَلاَ يمكننَا الإشارةُ إِلَى ربِّنا فِي قِدَمِهِ وأزليَّتِهِ إلَّا بِهَا؛ لأنَّا مُحْدَثونَ، والمُحْدَثُ لاَ بدَّ لهُ فِي إشارتهِ إِلَى جهةٍ، فتقعُ تلكَ الإشارةُ إِلَى ربِّهِ، كَمَا يليقُ بعظمتهِ، لاَ كَمَا يتوهَّمهُ هُوَ منْ نفسهِ، ويعتقدُ أنَّهُ فِي علوِّهِ قريبٌ منْ خلقهِ، هُوَ معهم بعلمهِ وسمعهِ وبصرهِ، وإحاطتهُ وقدرتهُ ومشيئتهُ، وذاتُهُ فَوْقَ الأشياءِ، فَوْقَ العرشِ، ومتىَ شعرَ قلبهُ بذلكَ فِي الصَّلاةِ أَوْ التوجُّهِ أشرقَ قلبهُ، واستنارَ، وأضاءَ... وقويَ إيمانُهُ، ونزَّهَ ربَّهُ عَنْ صفاتِ خلقهِ مِنَ الحصرِ والحلولِ، وذاقَ حينئذٍ شيئًا منْ أذواقِ السَّابقينَ المقرَّبينَ، بخلافِ منْ لاَ يعرف وجهةَ معبودهِ، وتكونُ الجاريةُ راعيةُ الغنمِ أعلمَ باللهِ منهُ، فإنَّها قالتْ: «فِي السَّمَاءِ» عرفتهُ بأنَّهُ عَلَى السَّمَاءِ.
فإنَّ «فِي» تأتي بمعنى «عَلَى» كقولهِ تَعَالَى: {يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 26] أي عَلَى الأرضِ: وقوله: { ط ظ ع غ {وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] أي عَلَى جذوعِ النَّخلِ. فمنْ تكونُ الراعيةُ أعلمَ بالله منهُ، لكونهِ لاَ يعرفُ وجهةَ معبودهِ، فإنَّهُ لاَ يزالُ مظلمَ القلبِ، لاَ يستنيرُ بأنوارِ المعرفةِ والإيمانِ.
ومنْ أنكرَ هَذَا القولَ، فليؤمنُ بهِ، وليجرِّب، ولينظر إِلَى مولاه مِنْ فوقِ عرشهِ بقلبهِ، مبصرًا منْ وجهٍ، أعمى منْ وجهٍ كَمَا سبقَ، مبصرًا منْ جهةِ الإثباتِ والوجودِ والتَّحقيقِ، أعمى منْ جهةِ التَّحديدِ، والحصرِ، والتكييفِ، فإنَّهُ إِذَا عملَ ذلكَ وجدَ ثمرتهُ إنْ شاءَ الله تعالى، ووجدَ نورهُ وبركتهُ عاجلًا وآجلًا، {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] والله سُبْحَانهُ المُوَفِّقُ والمُعِينُ.
ثمَّ عقدَ فصلًا فِي تقريبِ مسألةِ الفوقيَّةِ إِلَى الأفهامِ، بمعنًى منْ علمِ الهيئةِ والفلكِ لمنْ عرفهُ قَالَ:
لا ريبَ أنَّ أهلَ هَذَا العلمِ حكموا بما اقتضتهُ الهندسةُ، وحكمهَا صحيحٌ لأنَّهُ ببرهانٍ، لا يكابرُ الحسُّ فيهِ بأنَّ الأرضَ فِي جوفِ العالمِ العلويِّ، وأنَّ كرةَ الأرضِ فِي وسطِ السَّمَاءِ كبطيخةٍ فِي جوفِ بطيخةٍ، والسَّماءُ محيطةٌ بهَا منْ جميعِ جوانبهَا، وأنَّ سُفلَ العالمِ هو جوفُ كُرَةِ الأرضِ، وهو المركزُ،... وهوَ منتهى السفلِ والتحتِ، وما دونهُ لا يسمَّى تحتًا، بل لا يكونُ تحتًا ويكونُ فوقًا، بحيثُ لَوْ فرضنا خرقَ المركزُ وهو سفلُ العالمِ إِلَى تلكَ الجهةِ لكانَ الخرقُ إِلَى جهةِ فوقَ، ولو نفذ الخرقُ جهةَ السَّمَاءِ منْ تلكَ الجهةِ الأخرى لصعدَ إِلَى جهةِ فوقَ.
وبرهانُ ذلكَ أنَّا لَوْ فرضنَا مسافرًا سافرَ عَلَى كرَةِ الأرضِ منْ جهةِ المشرقِ إِلَى جهةِ المغربِ، وامتدَّ مسافرَ المشيِ عَلَى كرةِ الأرضِ إِلَى حيثُ ابتدأ بالسَّيرِ وقطعَ الكرةَ مما يراهُ النَّاظرُ أسفلَ منهُ، وهو فِي سفرهِ هَذَا لم تبرح الأرضُ تحتهُ، والسَّمَاءُ فوقهُ، فالسَّماءُ التي يشهدهَا الحسُّ تحتَ الأرضِ هي فوقَ الأرضِ، لا تحتهَا، لأنَّ السَّمَاءَ فوقَ الأرضِ بالذَّاتِ، فكيفَ كانتِ السَّمَاءُ كانتْ فوقَ الأرضِ، منْ أيِّ جهةٍ فرضتهَا...
وإذا كانَ هَذَا جسمٌ - وهو السَّمَاءُ - علُوُّهَا عَلَى الأرضِ بالذَّاتِ فكيفَ منْ لَيْسَ كمثلهِ شيءٌ وعلُوُّه عَلَى كلِّ شيءٍ بالذَّاتِ كَمَا قَالَ تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *} [الأعلى: 1]، وقدْ تكرَّر فِي القرآنِ المجيدِ ذكرُ الفوقيَّة: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18].
لأنَّ فوقيَّتهُ سُبْحَانهُ وعلوَّهُ عَلَى كلِّ شيءٍ ذاتيٌّ لهُ، فهو العليُّ بالذَّاتِ، والعلوُّ صفتهُ اللائقةُ بِهِ كَمَا أنَّ السُّفولَ والرسوبَ والانحطاطَ ذاتيٌّ للأكوانِ عنْ رتبةِ ربوبيَّته، وعظمتهِ، وعلوِّهِ. والعلوُّ والسُّفولُ حدٌّ بينَ الخالقِ والمخلوقِ يتميَّزُ بِهِ عنهُ. هو سُبْحَانهُ عليٌّ بالذَّاتِ، وهوَ كَمَا كانَ قبلَ خلقِ الأكوانِ، ومَا سواهُ مستقلٌ عنهُ بالذَّاتِ. وهوَ سُبْحَانهُ العليُّ عَلَى عرشهِ، يدبِّرُ الأمرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرضِ، ثمَّ يعرجُ الأمرُ إليهِ، فيحيي هذا، ويميتُ هذا، ويمرضُ هذا، ويشفي هذا، ويعزُّ هذا، ويذلُّ هذا، وهو الحيُّ القيُّومُ القائمُ بنفسهِ، وكلُّ شيءٍ قائمٌ بِهِ.
 
- أبو عَمْرٍو الدّانِيُّ (440هـ)
قَالَ عالمُ الأندلس عثمانُ بنُ سعيدٍ الدَّاني رحمه الله فِي «الرسالة الوافية» (ص129 - 132):
«ومنْ قولهم: إنَّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ سماواتهِ مستوٍ عَلَى عرشه، ومُسْتَوْلٍ على جميعِ خلقهِ، وبائنٌ منهم بذاتهِ، غيرُ بائنٍ بعلمهِ، بلْ علمهُ محيطٌ بهم، يعلمُ سرَّهم وجهرهم، ويعلمُ ما يكسبونَ عَلَى ما وردَ بِهِ خبرهُ الصَّادقُ، وكتابهُ النَّاطقُ فقالَ تَعَالَى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، واستواؤه جلّ جلاله عُلُوُّه بغير كيفيةٍ، ولا تحديدٍ، ولا مجاورةٍ ولا مماسةٍ...
قالَ جلّ جلاله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} [الحديد: 4]. يعني أَنَّ علمَهُ محيطٌ بهم حيثما كانوا، بدليلِ قولهِ: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]. وقال عزَّ وجلَّ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]. وقال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} [الملك: 16]، {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} [الملك: 17]، وقال: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، وقال: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ} [السجدة: 5] وقال: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، وقال: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، وقال: {يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، وقال: {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} [النساء: 158]، وقال مخبرًا عَنْ فرعون: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا} [غافر: 36] الآية.
وقوله تَعَالَى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3] الآية. المعنى: وَهُوَ المعبودُ فِي السَّمَاوَاتِ وفي الأرضِ...
وقوله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] يعني: أَنَّهُ إلهُ أهلِ السَّمَاءِ، وإلهُ أهلِ الأرضِ.
وقولُهُ سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ *} [النحل: 128]: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] و: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] يعني: أنَّه يحفظهم وينصرهم ويؤيدهم، لا أنَّ ذاته معهم، تعالى الله عنْ ذلكَ علوًا كبيرًا، وقوله عزَّ وجلَّ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] الآية. يعني: أنَّه تبارك وتعالى عالمٌ بهم وبما خَفِيَ منْ سرِّهم ونجواهم بدليلِ قولهِ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [المجادلة: 7]، وقوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] فابتدأَ الآيةَ بالعِلْمِ، وختمها بالعِلْمِ».

وقال في «أرجوزته» التي في عقودِ الدِّيانةِ:
كَلَّمَ مُوسى عبدَهُ تكليمًا ولـم يَـزَلْ مُدَبِّـرًا حَكِيمـًا
كلامُهُ وقولُهُ قديمٌ وهو فوقَ عَرْشِـهِ العَظِيـمُ
والقـولُ فـي كتابِـهِ المُفَضَّـلُ بأنَّهُ كلامُهُ المُنَزَّلُ
علـى رَسُـولـِـهِ النَّـبِيِّ الصَّـادِقِ ليسَ بمخلـوقٍ ولا بِخَالـِـقٍ

- عليُّ بنُ عمر الحربيُّ (442هـ)
قال علي بن عمر الحربي رحمه الله في «كتاب السنَّة»:... «وممَّا نعتقدُ: أنَّ للهِ عزَّ وجلَّ عَرشًْا، وهو على العَرْشِ، وعِلْمُهُ تعالى محيطٌ بكلِّ مكانٍ، ما تسقطُ منْ ورقةٍ إلَّا يعلمهَا، ولا حبَّةٍ في ظلماتِ الأرضِ، ولا رطبٍ ولا يابسٍ إلَّا في كتابٍ مبينٍ.
والعرشُ فوقَ السَّماءِ السابعةِ، واللهُ تَعَالَى على العَرْشِ، قال الله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وقال عزَّ وجلَّ: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} [آل عمران: 55]، وقال: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]، وقال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]. وللعرشِ حَمَلَةٌ يحملونهُ على ما شاءَ الله منْ غيرِ تكييفٍ والاستواءُ معلومٌ والكيفُ مجهولٌ».

83 - أبو عثمانَ الصابونيُّ (449هـ)
قال رحمه الله: «ويعتقدُ أهلُ الحديثِ ويشْهدونَ أنَّ الله سبحانه وتعالى فوقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ على عَرْشِهِ كمَا نطقَ بهِ كتابُهُ، ثمَّ ذكرَ الآياتِ الدَّالَّةَ عَلَى العلوِّ إِلَى أنْ قَالَ:
وعلماءُ الأمَّةِ وأعيانُ الأئمَّةِ مِنَ السَّلفِ رحمهمُ الله لم يختلفوا في أنَّ اللهَ تعالى على عَرْشِـهِ، وعَرْشُهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، يُثْبتونَ لهُ منْ ذلكَ ما أثبتهُ الله تعالى ويؤمنونَ بهِ ويُصدِّقونَ الرَّبَّ جلّ جلاله في خبرهِ، ويُطْلقونَ ما أَطْلقهُ سبحانه وتعالى من استوائهِ على العرشِ ويُمرُّونهُ على ظاهِرِهِ»[323].

- أبو نَصْرٍ السجزيُّ (444هـ)
قال في كتاب «الإبانة» الذي ألَّفهُ في السنَّةِ: «أئمَّتنا كسفيانَ الثوريِّ، ومالكٍ، وحمَّادِ بن سلمةَ، وحمَّادِ بنِ زيدٍ، وسفيانَ بنِ عيينة، والفضيلِ، وابنِ المباركِ، وأحمدَ، وإسحاقَ، متَّفقونَ على أنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بِذَاتِهِ فَوْقَ العَرْشِ، وعِلْمَهُ بِكُلِّ مَكَانٍ، وأنَّهُ يَنْزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا، وأنَّهُ يَغْضَبُ، ويَرْضَى، وَيَتَكَلَّمُ بما شَاءَ».

وقال رحمه الله: «لاَ يجوزُ أنْ يُوصفَ الله سُبْحَانهُ إلَّا بما وصفَ بِهِ نفسَهُ أو وصفهُ بِهِ رسولهُ صلى الله عليه وسلم... قَالَ اللهُ سُبْحَانه: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ *} [النحل: 50] وقال: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ} [السجدة: 5] وقال: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 3، 4] وقال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *} [الملك: 16] الآية والآيةُ التي بعدَهَا».

وعندَ أهلِ الحقِّ أنَّ اللهَ سُبْحَانهُ مُبَايِنٌ لِخَلْقِهِ بذاتِهِ فَوْقَ العَرْشِ بلا كَيْفِيَّةٍ بحيثُ لاَ مَكَانَ. ثمَّ ذكرَ حديثَ الجاريةِ إِلَى أنْ قَالَ:
ولقدْ قَالَ الأوسُ بنُ حارثة بن ثعلبة عندَ موتهِ قصيدةً يوصي فِيهَا إِلَى ابنهِ مالكٍ وذلكَ قبلَ الإسلامِ فيها:
فَإِنْ تَكُنِ الأيَّامُ أَبْلَيْنَ أَعْظُمِي وَشَيَّبْنَ رَأْسِي والمَشِيبُ مَعَ العُمُرِ
فإنَّ لنا رَبّـًا عَلِيٌّ فَـوْقَ عَرْشِهِ عَلِيمًا بما نَأْتِي مـن الخَيْرِ والشَّرِّ
وليسَ فِي قولنا: إنَّ الله سُبْحَانهُ فَوقَ العرشِ تحديدٌ؛ وإنَّما التَّحديدُ يقعُ للمحدثاتِ. فَمِنَ العرشِ إِلَى مَا تحتَ الثَّرى محدودٌ، واللهُ سُبْحَانهُ فوقَ ذَلِكَ بحيثُ لاَ مكانَ وَلاَ حدَّ...
وقدْ ذكرَ الله سُبْحَانهُ فِي القرآنِ مَا يَشفي العَلِيلَ وَهُوَ قولُهُ تَعَالَى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى *} [طه: 5، 6] فخَصَّ العرشَ بالاستواءِ، وذَكَرَ مُلْكَهُ لسائرِ الأشياءِ فعُلِمَ أنَّ المرادَ بِهِ غيرُ الاستيلاءِ.
 
- القاضي أبو يعلى (458هـ)
قال في كتابِ «المعتمدِ في أصولِ الدِّينِ» عَنِ الاستواءِ: «وقدْ وصفَ نفسَهُ سبحانهُ بالاستواءِ على العرشِ فقال: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، وقال سبحانهُ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54].
والواجبُ إطلاقُ هذه الصِّفةِ منْ غيرِ تأويلٍ وأنَّهُ استواءُ الذَّاتِ على العرشِ لا على معنى القعودِ والمماسةِ، ولا على معنى العلوِّ والرفعةِ، ولا على معنى الاستيلاءِ والغلبةِ، خلافًا للمعتزلةِ في قولهم: معناهُ الاستيلاءُ والغلبةُ، وخلافًا للأشعريةِ في قولهم: معناه العلوُّ منْ طريقِ الرتبةِ والمنزلةِ والعظمةِ والقدرةِ، وخلافًا للكرَّاميَّةِ والمجسِّمةِ أنَّ معناهُ المماسَّةُ للعرشِ بالجلوسِ عليهِ. ثمَّ قالَ بعدَ الردِّ على المخالفينَ: فلمْ يبقَ إلَّا أنْ نحملَ هذهِ الصِّفةِ على إطلاقها».
وقالَ رحمه الله في كتابِ «إبطالِ التَّأويلاتِ» لهُ: «لا يجوزُ ردُّ هذهِ الأخبارِ على ما ذهبَ إليه جماعةٌ مِنَ المعتزلةِ، ولا التَّشاغلُ بتأويلها على ما ذهبَ إليه الأَشْعَرِيَّةُ. والواجبُ حملُها على ظاهرهَا، وأنَّها صفاتٌ لله تعالى لا تشبهُ سائرَ الموصوفينَ بها من الخلقِ، ولا نعتقدُ التَّشبيهَ فيها».
قالَ: «دليلٌ آخرُ على إبطالِ التَّأويلِ: أنَّ الصَّحابةَ ومنْ بعدهمْ مِنَ التابعينَ حملوهَا على ظاهرهَا ولمْ يتعرَّضُوا لتأويلِهَا، ولا صَرْفِهَا عنْ ظاهِرِهَا، فلو كانَ التأويلُ سائغًا لكانوا أسبقَ لما فيهِ من إزالةِ التَّشبيهِ، ورفعِ الشُّبهةِ».
قال الذهبيُّ معقّبًا: «قلتُ: المتأخرونَ منْ أهلِ النَّظرِ قالوا مقالةً مولَّدةً، ما علمتُ أحدًا سبقهم بها.
قالوا: هذه الصفاتُ تمرُّ كما جاءتْ ولا تؤولُ، مع اعتقادِ أنَّ ظاهرهَا غيرُ مرادٍ، فتفرَّعَ منْ هذا أنَّ الظاهرَ يُعْنَى بهِ أمرانِ:
أحدُهما: أنَّهُ لا تأويلَ لها غيرُ دلالةِ الخطابِ كما قالَ السَّلفُ: الاستواءُ معلومٌ، وكما قالَ سفيانُ وغيرُهُ: قراءتُهَا تفْسيرُهَا، يعني أنَّها بيِّنةٌ واضحةٌ في اللغةِ لا يُبْتَغَى لها مضايقُ التأويلِ والتَّحريفِ، وهذا هوَ مذهبُ السَّلفِ مع اتفاقهم أيضًا أنَّها لا تُشْبِهُ صفاتِ البشرِ بوجهٍ، إذِ الباري لا مثلَ لهُ لا في ذاتهِ ولا في صفاتهِ.
الثاني: أنَّ ظاهرها هَو الذي يتشكَّلُ في الخيالِ منَ الصفةِ كما يتشكَّلُ في الذهنِ منْ وصفِ البشرِ، فهذا غيرُ مرادٍ، فإنَّ الله تعالى فردٌ صمدٌ ليسَ لهُ نظيرٌ، وإنْ تعددت صفاتهُ فإنَّها حقٌّ، ولكن ما لها مثلٌ ولا نظيرٌ، فمنْ ذا الذي عاينهُ ونعتهُ لنا؟ ومنْ ذا الذي يستطيعُ أنْ ينعتَ لنا كيفَ سُمِعَ كلامهُ؟ واللهِ إنَّا لعاجزونَ كالُّونَ حائرونَ باهتونَ في حدِّ الروحِ التي فينا؛ وكيفَ تَعْرُجُ كلَّ ليلةٍ إذا توفاها بارئها؛ وكيفَ يرسلها، وكيفَ تستقلُّ بعدَ الموتِ، وكيفَ حياةُ الشهيدِ المرزوقِ عندَ ربِّه بعدَ قتلهِ، وكيف حياةُ النبيينَ الآن؟ وكيفَ شاهدَ النبي صلى الله عليه وسلم أخاهُ موسى يصلي في قبرِه قائمًا؟ ثمَّ رآهُ في السماءِ السادسةِ وحاورهُ وأشارَ عليهِ بمراجعةِ ربِّ العالمينَ وطلبَ التخفيفَ منهُ على أمَّتهِ[330]؟ وكذلكَ نعجزُ عنْ وصفِ هيأتنا في الجنَّةِ ووصفِ الحورِ العينِ، فكيفَ بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم وكيفيَّتها... فاللهُ أعلى وأعظمُ، ولهُ المثلُ الأعلى والكمالُ المطلقُ ولا مثلَ له أصلًا، {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52]».

- البيهقيُّ (458هـ)
قال الحافظُ البيهقيُّ رحمه الله في «كتابِ الاعتقادِ» له:
بابُ القولِ في الاستواءِ: قال الله تبارك وتعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، وقال: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الرعد: 2]، وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الفرقان: 59]، وقال: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18، 61]، وقال: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ *} [النحل: 50]، وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10]، وقال: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16]، وأرادَ مَنْ فوقَ السَّماءِ كمَا قالَ: {وَلأَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]، يعني: على جذوعِ النَّخلِ. وقال: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} [التوبة: 2]، يعني: على الأرضِ، وكلُّ ما علا فهو سماء، والعرشُ أعلى السَّماواتِ، فمعنى الآيةِ - واللهُ أعلمُ -: أأمنتم مَنْ على العرشِ، كما صرَّحَ بهِ في سائرِ الآياتِ.
وفيمَا كتبناهُ من الآياتِ دلالةٌ على إبطالِ قولِ مَنْ زعمَ مِنَ الجهميَّةِ بأنَّ الله سبحانه وتعالى بذاتهِ في كلِّ مكانٍ. وقوله عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، إنَّما أرادَ بهِ: بعلمهِ لا بذاتهِ.

- ابنُ عبد البر (463هـ)
قالَ ابنُ عبد البر رحمه الله تعليقًا عَلَى حديثِ النزولِ: «هذا الحديثُ ثابتٌ منْ جهةِ النقلِ، صحيحُ الإسنادِ، لا يختلفُ أهلُ الحديثِ في صحَّتهِ. وهوَ حديثٌ منقولٌ منْ طرقٍ متواترةٍ، ووجوهٍ كثيرةٍ منْ أخبارِ العدولِ، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وفيه دليلٌ على أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ في السَّماءِ على العَرْشِ، مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، كما قالتِ الجماعةُ، وهوَ منْ حجَّتهم على المعتزلةِ، والجهميَّةِ، في قولهم: إنَّ الله عزَّ وجلَّ في كلِّ مكانٍ، وليسَ على العرشِ. ثمَّ ذكرَ الآياتِ الدَّالَّةَ عَلَى علوِّ الرَّحْمنِ إِلَى أنْ قَالَ:
وأمَّا ادِّعاؤهم المجاز في الاسْتِوَاءِ، وقولهم في تأويلِ استوى: استولى، فلا معنى لهُ، لأنَّهُ غيرُ ظاهرٍ في اللُّغةِ، ومعنى الاستيلاءِ، في اللغةِ: المغالبةُ، والله لا يغالبهُ ولا يعلوهُ أحدٌ. وهوَ الواحدُ الصَّمدُ. ومنْ حقِّ الكلامِ أنْ يحملَ على حقيقتهِ، حتَّى تتفقَ الأمَّةُ أنَّهُ أريدَ بهِ المجاز. إذْ لا سبيلَ إلى اتِّباعِ ما أنزلَ إلينا مِنْ ربِّنا، إلَّا على ذلكَ، وإنَّما يوجَّهُ كلامُ الله عزَّ وجلَّ إلى الأشهرِ والأظهرِ منْ وجوههِ، ما لمْ يمنعْ منْ ذلكَ ما يجبُ لهُ التسليمُ، ولو ساغَ ادِّعاءُ المجازِ لكلِّ مدَّعٍ، ما ثبتَ شيءٌ مِنَ العباراتِ، وجلَّ الله عزَّ وجلَّ عنْ أنْ يخاطبَ الأمَّةَ إلَّا بما تفهمهُ العربُ في معهودِ مخاطباتها، ممَّا يصحُّ معناهُ عندَ السَّامعينَ.
والاستواءُ معلومٌ في اللُّغةِ ومفهومٌ، وهوَ العُلُوُّ والارْتِفَاعُ على الشَّيءِ... وبهذا خاطبنَا اللهُ عزَّ وجلَّ وقال: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} [الزخرف: 13]. وقال: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [هود: 44]. وقال: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} [المؤمنون: 28]. وقال الشاعرُ:
فَأَوْرَدْتُهم ماءً بِفَيْفَاءَ قَفِـرَةٍ وقد حَلَّقَ النَّجْم اليَمَانِيُّ فَاسْتَـوَى
وهذا لا يجوزُ أنْ يتأوَّلَ فيهِ أحدٌ: استولى، لأنَّ النَّجمَ لا يستولي. وقدْ ذكرَ النَّضرُ بنُ شميل وكانَ ثقةً مأمونًا جليلًا في علمِ الدِّيانةِ واللُّغة، قال: حدثني الخليلُ، وحسبكَ بالخليلِ، قال: أتيتُ أبا ربيعةَ الأعرابيَّ، وكان من أعلمِ منْ رأيتُ، فإذا هو على سطحٍ، فسلَّمنا فردَّ علينا السَّلامَ وقالَ لنَا: استووا، فبقينا متحيرينَ، ولم نَدْرِ ما قالَ؟ قال: فقال لنا أعرابيٌّ إلى جنبهِ: إنَّهُ أمركم أنْ ترتفعوا، قال الخليلُ: هو منْ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11]. فصعدنَا إليه.
فإنِ احتجُّوا بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84]. وبقولهِ: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} [الأنعام: 3]، وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]. وزعموا: أنَّ الله تبارك وتعالى في كلِّ مكانٍ بنفسهِ وذاتهِ تبارك وتعالى.
قيلَ لهم: لا خلافَ بيننا وبينكم، وبينَ سائرِ الأمَّةِ: أنَّهُ ليسَ في الأرضِ دونَ السَّماءِ بذاتهِ، فوجبَ حملُ هذهِ الآياتِ، على المعنى الصَّحيحِ المجمعِ عليهِ، وذلكَ: أنَّهُ في السَّماءِ إلهٌ معبودٌ منْ أهلِ السَّماءِ، وفي الأرضِ إلهٌ معبودٌ منْ أهلِ الأرضِ، وكذلكَ قالَ أهلُ العلمِ بالتفسيرِ، فظاهرُ التنزيلِ، يشهدُ أنَّهُ على العرشِ؛ والاختلافُ فِي ذَلِكَ بيننا فقط، وأسعدُ النَّاسِ بِهِ، مَنْ ساعدهُ الظَّاهرُ؛ وأمَّا قولهُ فِي الآيةِ الأخرى: {وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84]، فالإجماعُ والاتِّفاقُ، قدْ بيَّنَ المرادَ بأنَّهُ معبودٌ منْ أهلِ الأرضِ، فتدبَّر هذا، فإنَّهُ قاطعٌ إنْ شاءَ الله.
ومِنَ الحجَّةِ أيضًا: في أنَّه عزَّ وجلَّ على العَرْشِ، فوق السَّماواتِ السَّبْعِ، أنَّ المُوَحِّدِينَ أجمعينَ، مِنَ العربَ والعجمِ، إذا كربهم أمرٌ، أو نزلتْ بهم شدَّةٌ، رَفَعُوا وجوهَهُم إلى السَّماءِ، يَسْتَغِيثُونَ رَبَّهُم تبارك وتعالى؛ وهذا أشهرُ وأعرفُ، عندَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، منْ أنْ يحتاجَ فيهِ إِلَى أكثر من حكايتهِ؛ لأنَّهُ اضطرارٌ لم يُؤَنِّبْهُم عليه أحدٌ، ولا أنكرَهُ عليهمْ مسلمٌ.
فإنْ قالَ: إنَّه لا يكونُ مستويًا على مكانٍ إلَّا مقرونًا بالتكييفِ، قيلَ: قدْ يكونُ الاستواءُ واجبًا، والتكييفُ مرتفعٌ، وليسَ رفعُ التكييفِ يوجبُ رفعَ الاسْتِوَاءِ. وقدْ عقلنَا وأدركنا بحواسنا أنَّ لنا أرواحًا في أبداننا، ولا نعلمُ كيفيَّةَ ذلكَ، وليسَ جهلنا بكيفيَّةِ الأرواحِ، يوجبُ أنْ ليسَ لنَا أرواحٌ، وكذلكَ ليس جهلنا بكيفيَّةٍ على العرشِ، يوجبُ أنَّهُ ليسَ على عرشهِ.
وأمَّا احتجاجهم بقوله عزَّ وجلَّ: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]. فلا حجَّةَ لهم في ظاهرِ هذهِ الآيةِ، لأنَّ علماءَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ الذين حملت عنهم التآويلُ في القرآنِ قالوا في تأويلِ هذهِ الآيةِ: هُوَ عَلَى العَرْشِ وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكَانٍ، وما خالفهم في ذلكَ أحدٌ يحتجُّ بقولهِ...
وأمَّا قولهُ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»[333] فقدْ أكثرَ النَّاسُ التنازعَ فيهِ، والذي عليهِ جمهورُ أئمةِ أهلِ السُّنَّةِ، أنَّهم يقولونَ: ينزلُ كمَا قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ويصدِّقونَ بهذا الحديثِ، ولا يكيِّفون، والقولُ في كيفيَّةِ النزولِ، كالقولِ في كيفيَّةِ الاستواءِ والمجيءِ، والحجَّةُ في ذلكَ واحدةٌ.
وأمَّا احتجاجهم [أي الجهمية]: لو كانَ في مكانٍ لأشبهَ المخلوقاتِ، لأنَّ ما أحاطت بهِ الأمكنةُ واحتوته مخلوقٌ، فشيءٌ لا يلزمُ، ولا معنى لهُ، لأنَّه عزَّ وجلَّ ليسَ كمثلهِ شيءٌ منْ خلقهِ، ولا يقاسُ بشيءٍ منْ بريتهِ، لا يُدركُ بقياسٍ ولا يقاسُ بالنَّاسِ، لا إلهَ إلَّا هو»

قالَ أبو عمر: «أهلُ السُّنَّةِ مجمعونَ على الإقرارِ بالصِّفاتِ الواردةِ كلِّها في القرآنِ والسنّةِ والإيمانِ بها، وحملهَا على الحقيقةِ لا على المجازِ إلَّا أنَّهم لا يكيِّفونَ شيئًا منْ ذلكَ ولا يحدُّون فيهِ صفةً محصورةً. وأمَّا أهلُ البدعِ والجهميَّةِ والمعتزلةِ والخوارج، فكلُّهم ينكرهَا، ولا يحملُ شيئًا منها على الحقيقةِ، ويزعمونَ أنَّ مَنْ أقرَّ بها مشبِّهٌ، وهم عندَ منْ أثبتَها نافونَ للمعبودِ، والحقُّ فيما قالهُ القائلونَ بما نطقَ بهِ كتابُ الله، وسنَّةُ رسولهِ، وهم أئمَّةُ الجماعةِ والحمدُ لله».

قالَ أبو عمر: «الذي أقولُ: إنَّهُ منْ نَظَرَ إلى إسلامِ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ وطلحةَ وسعدٍ وعبدِ الرحمن، وسائرِ المهاجرينَ والأنصارِ، وجميعِ الوفودِ الذينَ دخلوا في دينِ الله أفواجًا، علمَ أنَّ الله عزَّ وجلَّ، لم يعرفهُ واحدٌ منهم إلَّا بتصديقِ النبيينَ بأعلامِ النبوةِ، ودلائلِ الرسالةِ، لا مِنْ قِبَلِ حركةٍ ولا منْ بابِ الكلِّ والبعضِ، ولا منْ بابِ كانَ ويكونُ، ولو كانَ النَّظرُ في الحركةِ والسكونِ عليهم واجبًا في الجسم ونفيهِ، والتَّشبيهِ ونفيهِ لازمًا، ما أضاعوهُ ولو أضاعوا الواجبَ ما نطقَ القرآنُ بتزكيتهم، وتقديمهم ولا أطنبَ في مدحهم وتعظيمهم، ولو كانَ ذلكَ منْ عملهم مشهورًا، أو منْ أخلاقهم معروفًا، لاستفاضَ عنهم ولشهروا بهِ كما شهروا بالقرآنِ والرواياتِ».

قال أبو عمر: «وقولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» عندهم مثلُ قول الله عزَّ وجلَّ: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143]، ومثلُ قولِهِ: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا *} [الفجر: 22]، كلُّهم يقولُ: ينزلُ ويتجلَّى ويجيءُ بلا كيفٍ، لا يقولونَ كيفَ يجيءُ؟ وكيفَ يتجلَّى؟ وكيفَ ينزلُ؟ ولا منْ أينَ جاءَ؟ ولا منْ أينَ يتجلَّى؟ ولا منْ أينَ ينزلُ؟ لأنَّهُ ليسَ كشيءٍ منْ خلقهِ، وتعالى عَنِ الأشياءِ، ولا شريكَ لهُ.
وفي قولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143] دلالةٌ واضحةٌ أنَّهُ لمْ يكنْ قبلَ ذلكَ متجلِّيًا للجبلِ، وفي ذلكَ ما يفسِّرُ معنى حديثِ التنزيلِ».
وقال رحمه الله تعليقًا على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَبْدَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: يا جبريلُ: قَدْ أَحْبَبْتُ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي في أَهْلِ السَّمَاء: إِنَّ اللهَ قَدْ أَحَّبَ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في الأَرْضِ».
«في هذا الحديثِ مِنَ العلمِ والفقهِ:
أنَّ الله عزَّ وجلَّ في السَّماءِ ليسَ في الأَرْضِ، وأنَّ جبريلَ أقربُ الملائكةِ إليهِ وأَحْظَاهُم عندهُ....
وفيهِ أنَّ الوُدَّ والمحبَّةَ بينَ النَّاسِ اللهُ يَبتدِئُهَا ويَبْسُطُهَا، والقرآنُ يشهدُ بذلكَ. قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَانُ وُدًّا *} [مريم: 96]. قال المفسِّرونَ: يحبهم ويحببهم إلى النَّاس».
فتدبَّرْ كلامَ هذا الإمامِ وما فيهِ مِنَ المعرفةِ والبيانِ.
 
- سعدٌ الزنجانيُّ الشافعي (471هـ)
قَالَ إمامُ الشَّافعيَّةِ فِي وقتهِ سعدُ بنُ عَليٍّ الزنجانيُّ رحمه الله: « وَهُوَ فَوْقَ عَرْشِهِ بوُجُودِ ذَاتِهِ».
قَالَ الحافظ الذهبيُّ رحمه الله: «وقد كَانَ الحافظُ سعدُ بنُ عليٍّ هَذَا منْ رؤوسِ أهلِ السنَّةِ، وأئمَّةِ الأثرِ، وممَّنْ يعادي الكلامَ وأهلَهُ، ويذمُّ الآراءَ والأهواءَ. فنسألُ الله أنْ يختمَ لنا بخيرٍ، وأنْ يتوفَّانا عَلَى الإيمانِ والسنَّةِ. فلقدْ قلَّ منْ يتمسَّكُ بمحضِ السنَّةِ؛ بل تراهُ يثني عَلَى السنَّةِ وأهلهَا وقدْ تلطَّخَ ببدعِ الكلامِ ويجسرُ عَلَى الخوضِ فِي أسماءِ الله وصفاتهِ وبادرَ إِلَى نفيهَا وبالغَ بزعمهِ فِي التنزيهِ؛ وإنَّما كمالُ التنزيهِ تعظيمُ الرَّبِّ عزَّ وجلَّ ونعتهُ بِمَا وصفَ بِهِ نفسَهُ تَعَالَى».
 
- إمامُ الحرمَيْنِ (478هـ)
قَالَ الحافظ الحجّة عبد القادر الرهاوي: سمعت عبد الرحيم بن أبي الوفا الحاجي يقول: سمعت محمد بن طاهر المقدسي يقول: سمعت الأديب أبا الحسن القيرواني بنيسابور يقول: - وكان يختلف إِلَى دروس الأستاذ أبي المعالي الجويني يقرأ عَلَيهِ الكلام - يقول: «يَا أصحابنا لاَ تشتغلوا بالكلامِ، فلو عرفتُ أنَّ الكلامَ يبلغُ بي مَا بلغَ مَا اشتغلتُ بِهِ».
وقال الإمام أبو الفتح محمد بن علي الفقيه: دخلنا عَلَى الإمام أبي المعالي ابن الجويني نعوده فِي مرضِ موتهِ فأقعدَ، فقال لنا: «اشهدوا عليَّ أنِّي قَدْ رجعتُ عنْ كلِّ مقالةٍ قلتها أخالفُ فِيهَا مَا قَالَ السَّلفُ الصَّالحُ، وأنِّي أموتُ عَلَى مَا تموتُ عَلَيهِ عجائزُ نيسابور»
قال شيخُ الإسلام: فإنَّ تلكَ العقيدةَ الفطريةَ التي للعجائزِ خيرٌ منْ هذهِ الأباطيلِ التي هي من شُعَبِ الكفرِ والنِّفاقِ، وهمْ يجعلونَها منْ بابِ التَّحقيقِ والتَّدقيقِ.
وقَالَ الذهبيُّ رحمه الله: «هَذَا معنى قول بعض الأئمَّةِ: عليكم بدينِ العجائزِ. يعني أنهنَّ مؤمناتٌ بالله عَلَى فطرةِ الإسلامِ، لَمْ يدرينَ مَا علمُ الكلامِ».
 
- شيخُ الإسلام الهرويُّ (481هـ)
قَالَ الذهبيُّ رحمه الله: «غالبُ مَا رواهُ فِي كتابِ «الفاروق» صحاحٌ وحسانٌ، وفيهِ بابُ إثباتِ استواءِ اللهِ عَلَى عرشهِ فَوْقَ السَّمَاءِ السابعةِ بائنًا منْ خلقهِ مِنَ الكتابِ والسنَّةِ، فساقَ دلائلَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ والأحاديثِ إِلَى أَنْ قَالَ: وفي أخبارٍ شتَّى أنَّ الله فِي السَّـمَاءِ السَّـابعةِ على العَرْشِ، وعِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ واسْتِمَاعُهُ ونَظَرُهُ ورَحْمَتُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ».
وقال رحمه الله:
إلَهُنا مَرْئِيٌّ على العَرْشِ مُسْتَوٍ كَلاَمُهُ أَزَلِيٌّ رَسُولُهُ عَرَبِيٌّ
كُلُّ مَـنْ قَالَ غَـيْرَ هَـذَا أَشْعَرِيٌّ مَذْهَبُنَـا مَذْهَبٌ حَنْبَـلِيٌّ
 
- القيرواني ُّ (489هـ)
قَالَ الإمامُ أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحسنِ الحضرميُّ القيروانيُّ المتكلِّم صاحب رسالة «الإيماء إِلَى مسألة الاسْتِوَاء» فساقَ فِيهَا قولَ أبي جعفرٍ محمدِ بنِ جريرٍ، وأبي محمد بن أبي زيد، والقاضي عبد الوهَّاب، وجماعةٍ مِنْ شيوخِ الفقهِ والحديثِ أنَّ اللهَ سُبْحَانهُ مُسْتَوٍ عَلَى العَرْشِ بِذَاتِهِ:
قَالَ: «وأطلقوا فِي بعضِ الأماكنِ أنَّهُ فَوْقَ عرشهِ. ثمَّ قَالَ: وهذا هُوَ الصَّحيحُ الَّذِي أقولُ بِهِ مِنْ غيرِ تحديدٍ، وَلاَ تمكُّنٍ فِي مكانٍ، وَلاَ كون فيه وَلاَ مماسة».
قَالَ الذهبيُّ رحمه الله: «سلبُ هذه الأشياءِ وإثباتهُا مدارهُ عَلَى النَّقلِ، فلو وردَ شيءٌ بذلكَ نطقنَا بِهِ وإلَّا فالسُّكوتُ والكفُّ أشبهُ بشمائلِ السَّلفِ، إذِ التَّعَرُّضُ لذلكَ نوعٌ مِنَ الكيفِ وَهُوَ مجهولٌ، وكذلكَ نعوذُ بالله أنْ نثبتَ استواءَهُ بمماسةٍ أَوْ تمكُّنٍ بلا توقيفٍ وَلاَ أثرٍ، بَلْ نَعْلَمُ مِنْ حَيْثُ الجُمْلَةِ أَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ كَمَا وَرَدَ النَّصُّ».
وقالَ العلَّامَةُ ابنُ عثيمين رحمه الله: يخطيءُ بعضُ العلماءِ الذينَ قالوا: إنَّ الله استوى على العرشِ بدونِ مماسةٍ!!
نقولُ: ليسَ لكَ الحقُّ أنْ تقولَ: بدونِ مماسةٍ، ولا أنْ تقولَ: بمماسَّةٍ..
دعْ هذا! يسعكَ ما وسِعَ الصَّحابةُ، الذين همْ أحْرصُ منكَ على العلمِ، وأشدُّ منكَ تعظيمًا لله عزَّ وجلَّ. فكلمةُ بمماسةٍ أو غيرِ مماسةٍ يجبُ أنْ تلغى وتحْذف» اهـ. من «شرحه للسفارينية».
 
- الفقيهُ نَصْر المقدسيُّ (490هـ)
قَالَ رحمه الله فِي كتابِ «الحجَّة» له - وَهُوَ مجلَّدٌ فِي السُّنَّةِ: - «وأنَّ الله تعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، بَائِنٌ منْ خَلْقِهِ، كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ».
 
- ابن الحدَّاد (517هـ)
قَالَ رحمه الله: « وأَنَّهُ سُبْحَانهُ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ وفَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ وعلى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ صَلَّى الله عليهم وسَلَّمَ منْ غيرِ تَشْبِيهٍ وَلاَ تَعْطِيلٍ، وَلاَ تَحْرِيفٍ وَلاَ تَأْوِيلٍ».
 
- إسماعيلُ بنُ محمد التيميُّ الأصبهاني ُّ (535هـ)
قال رحمه الله في «كتاب الحجّة في بيان المحجَّة»: «بابٌ في بيانِ استواءِ الله عزَّ وجلَّ على العرشِ. قال الله عزَّ وجلَّ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، وقالَ في آيةٍ أخرى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255]، وقال: {الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة: 255]، وقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *} [الأعلى: 1]...
قالَ أهلُ السنَّةِ: اللهُ فوقَ السَّماواتِ لا يَعْلُوهُ خَلْقٌ منْ خَلْقِهِ، ومِنَ الدَّليلِ على ذلكَ: أنَّ الخلقَ يُشِيرونَ إلى السَّماءِ بأصابِعِهِم، ويَدْعُونَهُ ويَرفَعُونَ إليه أبصارَهُم.
وقال عزَّ وجلَّ: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]، وقال عزَّ وجلَّ: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ *} [الملك: 16، 17]. والدليلُ على ذلكَ الآياتُ التي فيها ذكرُ إنزالِ الوحيِ.
ثمَّ عقدَ فصلًا في بيانِ أنَّ العرشَ فوقَ السَّماواتِ، وأنَّ الله عزَّ وجلَّ فَوْقَ العَرْشِ، ثمَّ ذكرَ آياتٍ وأحاديثَ دالَّةً على عُلُوِّ اللهِ ثمَّ قالَ:
قالَ علماءُ أهلِ السنَّةِ: إنَّ الله عزَّ وجلَّ على عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خلقهِ، وقالتِ المعتزلةُ: هوَ بذاتهِ في كلِّ مكانٍ، وقالتِ الأشعريةُ: الاستواءُ عائدٌ على العرشِ.
ولو كانَ كما قالوا، لكانتِ القراءةُ برفعِ العرشِ، فلمَّا كانتْ بخفضِ العرشِ دلَّ على أنَّهُ عائدٌ إلى الله تعالى.
وقالَ بعضُهم: استوى بمعنى استولى، قالَ الشاعرُ:
استوى بِشْرٌ على العراقِ منْ غيرِ سيفٍ ودمٍ مهراق
 
والاستيلاءُ لا يُوصَفُ بهِ إلَّا منْ قدرَ على الشَّيءِ بعدَ العجزِ عنهُ. واللهُ تعالى لم يَزَلْ قادرًا على الأشياءِ ومستوليًا عليها. ألا ترى أنَّهُ لا يُوصَفُ بِشْرٌ بالاستيلاءِ على العراقِ إلَّا وهوَ عاجزٌ عنهُ قبلَ ذلكَ.
وزعمَ هؤلاءِ: أنَّ معنى قولهِ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، أي مَلَكَهُ، وأنَّه لا اختصاصَ لهُ بالعرشِ، أكثر ممَّا لهُ بالأماكنِ، وهذا إلغاءٌ لتخصيصِ العرشِ وتشريفهِ.
قالَ أهلُ السنَّةِ: خلقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ، وكانَ عرشُهُ على الماءِ مخلوقًا قبلَ خلقِ السَّماواتِ والأرضِ، ثمَّ استوى على العرشِ، بعدَ خلقِ السَّماوات والأرضِ، على ما وردَ بهِ النَّصُّ، وليسَ معناهُ: المماسَّة، بل هوَ مُسْتَوٍ على عَرْشِهِ بلا كَيْفٍ، كمَا أخبرَ عنْ نفسهِ.
وزعمَ هؤلاءِ: أنَّهُ لا يجوزُ الإشارةُ إلى الله سبحانهُ بالرؤوسِ والأصابعِ إلى فوق، فإنَّ ذلكَ يوجبُ التَّحديدَ.
وقدْ أجمعَ المسلمونَ أنَّ الله هوَ العليُّ الأعلى، ونطقَ بذلكَ القرآنُ في قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *} [الأعلى: 1].
وزعموا أنَّ ذلكَ بمعنى: علوِّ الغلبةِ، لا علوِّ الذَّاتِ. وعندَ المسلمينَ: أنَّ لله عزَّ وجلَّ عُلُوَّ الغَلَبَةِ، والعُلُوَّ منْ سائرِ وجوهِ العُلُوِّ، لأنَّ العلوَّ صفةُ مدحٍ، فثبتَ أنَّ لله تعالى علوَّ الذَّاتِ، وعُلُوَّ الصِّفاتِ، وعُلُوَّ القَهْرِ والغَلَبَةِ.
وفي منعهم الإشارةَ إلى الله سبحانهُ مِنْ جهةِ فوق، خلافٌ منهم لسائرِ المللِ؛ لأنَّ جماهيرَ المسلمينَ وسائرَ المللِ، قدْ وقعَ منهمُ الإجماعُ عَلَى الإشارةِ إِلَى اللهِ جَلَّ ثناؤهُ، منْ جهةِ الفوقِ فِي الدُّعاءِ والسؤالِ. فاتِّفاقهمُ بأجمعهمْ على ذلكَ حُجَّةٌ، ولمْ يَسْتَجِزْ أحدٌ الإشارةَ إليهِ منْ جهةِ الأسفلِ، ولا منْ سائرِ الجهاتِ، سوى جهةِ الفَوْقِ.
وقالَ الله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50]، وقالَ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، وقال: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4]».
 
- عديُّ بنُ مسافر الأمويُّ الهكاريُّ (555هـ)
قال رحمه الله في «اعتقاد أهل السنة والجماعة» له: « وأنَّ اللهَ على عَرْشِهِ بَائِنٌ منْ خَلْقِهِ، كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ في كِتَابِهِ وعلى لِسَانِ نَبِيِّهِ بلا كَيْفٍ، أحاطَ بكُلِّ شيءٍ علمًا وهو بِكُلِّ شيءٍ عليمٌ».
 
- العلامةُ يحيى بنُ أبي الخير العمرانُّي (558هـ)
قال في كتابهِ: الانتصارُ في الردِّ على المعتزلةِ القدريةِ الأشرارِ:
«قدْ ذكرنَا في أوَّلِ الكتابِ أنَّ عندَ أصحابِ الحديثِ والسُّنةِ أنَّ الله سبحانهُ بذاتهِ، بائنٌ عَنْ خَلْقِهِ، على العرشِ استوى فوقَ السَّمواتِ، غيرَ مماسٍ لهُ، وعِلْمُهُ محيطٌ بالأشياءِ كلِّها.
وقالتِ الكرَّاميةُ: إنَّهُ مماسٌّ للعرشِ.
وقالتِ المعتزلةُ: إنَّ ذاتَ الله بكلِّ مكانٍ حتى بالحشوشِ وأجوافِ الحيوانِ.
قيلَ لبشرٍ المريسيِّ: فهوَ في جوفِ حماركَ هذا؟ قالَ: نعمَ، وهذا قولُ الحلوليَّةِ وهوَ كفرٌ صريحٌ لا إشكالَ فيهِ.
وقالتِ الأشعريةُ: لا يجوزُ وصفهُ بأنَّهُ على العَرْشِ ولا في السَّماءِ.
ثمَّ ذكرَ آياتٍ وأحاديثَ دالَّةً على عُلُوِّ اللهِ إلى أنْ قالَ:
ولأنَّ المسلمينَ مُجْمِعُونَ عندَ الدُّعاءِ على رَفْعِ أَبْصَارِهِمْ وأَكُفِّهِمْ إلى نَحْوِ السَّماءِ؛ فَدَلَّ على صَحَّةِ ما قلناهُ.
ويقالُ لهم: إذا لم يَكُنِ اللهُ فوقَ العَرْشِ بمعنًى يختصُّ بالعرشِ كمَا قالَ أصحابُ الحديثِ، وكانَ بكلِّ مكانٍ، فقولوا: إنَّهُ تحتَ الأرضِ والسَّماءُ فوقهَا فهوَ تحتَ التَّحْتِ وأنَّهُ فَوْقَ الفَوْقِ والأشياءُ تحتَهُ وهذا متناقضٌ.
فإنِ احتَجُّوا بقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، وبقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4].
فالجوابُ: أنَّ المرادَ بالآية {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ} [المجادلة: 7] أي منْ حديثٍ بَيْنَ ثلاثةٍ إلا هوَ رابعُهم بالإِحَاطَةِ والعِلْمِ لا في العَدَدِ لأنَّهُ واحدٌ لا منْ عَدَدٍ، ولا واحدٌ في معناه[357]، وكذلك المعنى في قوله تعالى: {وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} [المجادلة: 7]. إلى قوله {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} [المجادلة: 7]، يريدُ بالإحاطةِ والعِلْمِ لا بالذَّاتِ والحُلُولِ.
يَدُلُّ على صحةِ هذا التأويلِ قولهُ تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ} [المجادلة: 7] الآية.. إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] فبدأَ الآيةَ بالعِلْمِ وختمهَا بالعِلْمِ، فَدَلَّ على أنَّ المرادَ بذلك كُلِّهِ الإخبارُ عنْ عِلْمِهِ وإِحَاطَتِهِ بهم في جميعِ هذهِ الحالاتِ.
فإن احْتَجُّوا بقولهِ تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] فأخبرَ أنَّه إلهٌ بكلِّ واحدٍ منهما.
فالجوابُ: أنَّ المرادَ بالآيةِ أنهُ عندَ أهلِ السَّماءِ إلهٌ وعندَ أهلِ الأرضِ إلهٌ كمَا يقالُ: فلانٌ نبيلٌ مطاعٌ في العراقِ ونبيلٌ مطاعٌ في الحجازِ، يَعْنُونَ أنَّهُ نبيلٌ مطاعٌ فيهما وليس يَعْنُونَ أنَّ ذاتَهُ في العراقِ وفي الحجازِ.
فإن احْتَجُّوا بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقُوْا} [النحل: 128] وبقوله تعالى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46].
فالجوابُ: أنَّ المرادَ على أنَّهُ أرادَ بالحفظِ والرعايةِ والنَّصرِ والتأييدِ مَعَ الذين اتقوا ومَعَ المحسنينَ ومَعَ موسى وهارون عليهما السلام، فلا يُقَاسُ على هذا أنَّه معَ الفسَّاقِ والكفَّارِ، ولا مَعَ الكلابِ والخنازيرِ تعالى الله عنْ ذلكَ عُلُوًّا كبيرًا.
وَتَأَوَّلَتِ المعتزلةُ ومَنْ تَابَعَهُم قولَ الله سبحانه: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5] على أنَّ الاستواءَ هو الاستيلاءُ والقهرُ واحتَجُّوا بقولِ الشَّاعرِ:
قَدِ استوى بِشْرٌ على العِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ ولا دَمٍ مِهْرَاقِ
والجوابُ: أنَّهُ لا يُقَالُ هذا إلَّا لمنْ كان عاجزًا عن قهرِ شيءٍ ثمَّ قهرهُ واستولى عليهِ، واللهُ سبحانه قاهرٌ ومُسْتَولٍ على كلِّ شيءٍ.
ثمَّ نقلَ كلامَ ابنِ الأعرابيِّ في إبطالِ تفسيرِ الاستواءِ بالاستيلاءِ ثمَّ قالَ:
ولو كانَ ما ذكروهُ صحيحًا لجازَ أنْ يُقالَ: إنَّ الله مُسْتَوٍ على الحشوشِ والأمكنةِ التي يرغبُ عنْ ذكرِهَا لأنَّهُ مُسْتَولٍ عليهَا، ولو كانَ كذلكَ لم يَكُنْ لذكرهِ للعرشِ معنًى.
وأمَّا الأشعريةُ فقالوا: إذا قلتم إنَّه على العرشِ أفضى إلى أنَّهُ يكونُ محدودًا أو أنَّهُ يفتقرُ إلى مكانٍ وجهةٍ تحيطُ بهِ، وتعالى الله عنْ ذلكَ.
والجوابُ: أنَّا وإنْ قلنا إنَّهُ على العرشِ كمَا أخبرَ بكتابهِ وأخبرَ بهِ نبيُّه صلى الله عليه وسلم فلا نقولُ إنَّهُ محدودٌ، ولا إنَّهُ يفتقرُ إلى مكانٍ، ولا تحيطُ بهِ جهةٌ ولا مكانٌ، بل كانَ ولا مكانَ ولا زمانَ ثمَّ خلقَ المكانَ والزمانَ، واستوى على العرشِ بلا كيفيَّةٍ، ولم يخلقِ العرشَ لحاجتهِ إليهِ، بلْ كما حُكِيَ عنْ ذي النونِ المصريِّ لمَّا قيل لهُ: ما أرادَ اللهُ بخلقِ العرشِ؟ فقالَ: أرادَ اللهُ أنْ لا تتيهَ قلوبُ العارفينَ ولم يَخْلُقْهُ لحاجتهِ إليهِ، فإذا قيلَ للعبدِ المؤمنِ أينَ اللهُ؟ قال: عَلَى العَرْشِ».
 
- الشيخُ عبدُ القادر (562هـ)
قَالَ شيخُ الإسلامِ سيِّدُ الوعَّاظِ عبد القادر الجيلي الحنبلي شيخ العراق فِي كتاب «الغنية»:
« وَهُوَ بِجِهَةِ العُلُوِّ، مُسْتَو عَلَى العَرْشِ، محتوٍ عَلَى الملكِ محيطٌ عِلْمُهُ بالأشياءِ {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10]، {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ *} [السجدة: 5].
واللهُ تَعَالَى عَلَى العَرْشِ وَلاَ يَخْلُو منْ عِلْمِهِ مكانٌ، وَلاَ يجوزُ وصفهُ بأنَّهُ فِي كلِّ مكانٍ، بلْ يقالُ: إنَّهُ فِي السَّمَاءِ عَلَى العَرْشِ، كَمَا قَالَ جلَّ ثناؤهُ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5]، وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، وقال تَعَالَى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10].
وينبغي إطلاقُ صفةِ الاسْتِوَاءِ منْ غيرِ تأويلٍ، وأنَّهُ اسْتِوَاءُ الذَّاتِ عَلَى العَرْشِ لاَ عَلَى معنى القعودِ والمماسةِ كَمَا قالتِ المجسِّمَةُ والكرَّاميةُ، وَلاَ عَلَى معنى العُلُوِّ والرِّفْعَةِ كَمَا قالتِ الأشعريَّةُ، وَلاَ عَلَى معنى الاستيلاءِ والغَلَبَةِ كَمَا قالتِ المُعْتَزِلَةُ، لأنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بذلكَ وَلاَ نُقلَ عنْ أحدٍ منَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ مِنَ السَّلفِ الصَّالحِ مِنْ أصحابِ الحديثِ ذلكَ، بلِ المنقولُ عنهم حَمْلُهُ عَلَى الإطْلاَقِ.
وكَوْنُهُ عزَّ وجلَّ عَلَى العَرْشِ مذكورٌ فِي كلِّ كتابٍ أُنزلَ عَلَى كلِّ نبيٍّ أُرسلَ بلا كَيْفٍ، ولأنَّ اللهَ تَعَالَى فيما لَمْ يَزَلْ موصوفٌ بالعلوِّ والقدرةِ، والاستيلاءِ والغَلَبَةِ عَلَى جميعِ خلقهِ مِنَ العرشِ وغيرهِ، فلا يحملُ الاسْتِوَاءُ عَلَى ذلكَ، فالاستواءُ منْ صفاتِ الذَّاتِ بعدَ مَا أخبرنا بِهِ ونصَّ عَلَيهِ وأكَّده فِي سبعِ آياتٍ من كتابهِ، والسنَّةُ المأثورةُ بِهِ وَهُوَ صفةٌ لازمةٌ لهُ وَلاَئقةٌ بِهِ كاليدِ والوجهِ والعينِ والسَّمعِ والبصرِ والحياةِ والقدرةِ، وكونهُ خالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا موصوفٌ بِهَا، وَلاَ نخرجُ مِنَ الكتابِ والسنَّةِ. نقرأُ الآيةَ والخبرَ ونؤمنُ بِمَا فيهما، ونكلُ الكيفيَّةَ فِي الصِّفاتِ إِلَى علمِ الله عزَّ وجلَّ. ولمْ نتكلَّف غيرَ ذلكَ، فإنَّهُ غيبٌ لاَ مجالَ للعقلِ فِي إدراكهِ، ونسألُ الله تَعَالَى العفوَ والعافيةَ، ونعوذُ بِهِ مِنْ أنْ نقولَ فيهِ وفي صفاتهِ مَا لَمْ يخبرنَا بِهِ هُوَ أَوْ رسولهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ».
وقالَ فِي ذكرِ مقالةِ السالميَّة: «ومنْ قولهم إنَّ الله تَعَالَى فِي كلِّ مكانٍ، وَلاَ فرقَ بينَ العرشِ وغيرهِ مِنَ الأمكنةِ. قَالَ: وفي القرآنِ تكذيبهم، قَالَ الله عزَّ وجلَّ: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5] وَلاَ يُقَالُ عَلَى الأرضِ استوى، وَلاَ عَلَى بطونِ الجبالِ وغيرِ ذَلِكَ مِنَ الأمكنةِ».
تنبيه: قال ابنُ حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية (1 /145): وإياك أن تغتر أيضاً بما وقع في [ الغُنْية ] لإمام العارفين وقطب الإسلام والمسلمين الأستاذ عبد القادر الجيلاني ، فإنه دسَّه عليه فيها مَنْ سينتقم اللَّهُ منه وإلا فهو برىء من ذلك.
وهذا الكلامُ أوهى من خيوط العنكبوت وعارٍ من الصحةِ وقائمٍ على جرفٍ هارٍ.
وكلامُ الجيلاني في إثبات الجهةِ والعلو لله تعالى ذكرهُ ابنُ تيمية في أكثر من موضع من كتبهِ، والذهبي في «العلو»، وابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية»، وابن رجب في «الذيل على طبقات الحنابلة». فهل تواطأ هؤلاء الأمة الكبار على الكذب على هذا الإمام؟! سبحانك هذا بهتانٌ مبين.
 
- ابنُ رشد المالكيُّ (595هـ)
قالَ ابنُ رشدٍ رحمه الله: «القولُ بالجهةِ: وأمَّا هذهِ الصِّفَةُ فلمْ يزل أهلُ الشَّريعةِ منْ أولِ الأمرِ يثبتونها لله سبحانه وتعالى، حتَّى نَفَتْها المعتزلةُ ثمَّ تبعهم على نفيِّها متأخرو الأشعريةِ،... وظواهرُ الشَّرعِ كلُّها تقتضي إثباتَ الجهةِ مثلُ قولهِ تعالى: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ *} [السجدة: 5]، ومثل قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} [المعارج: 4] ومثلُ قولهِ تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *} [الملك: 16]، إلى غيرِ ذلكَ من الآياتِ، التي إنْ سُلِّطَ عليها التأويلُ عادَ الشَّرعُ كلُّهُ مُؤَوَّلًا، وإنْ قيلَ فيهَا إنَّها من المتشابهاتِ عادَ الشَّرْعُ كُلُّهُ مُتَشَابِهًا؛ لأنَّ الشرائعَ كلَّها مَبْنِيَّةٌ على أنَّ اللهَ في السَّماءِ، وأنَّ منهُ تنزلُ الملائكةُ بالوحي إلى النبيينَ، وأنَّ مِنَ السماءِ نزلتِ الكتبُ، وإليهَا كانَ الإسراءُ بالنبيِّ، حتَّى قربَ من سدرةِ المنتهى. وجميعُ الحكماءِ قَدِ اتَّفقوا أنَّ اللهَ والملائكةَ في السَّماءِ، كما اتَّفَقَتْ جميعُ الشرائعِ على ذلكَ».
 
102 - المقدسيُّ (600هـ)
قال الإمامُ الحافظُ عبدُ الغنيِّ بنُ عبد الواحد المقدسيُّ في كتاب «الاقتصاد في الاعتقاد»:
«مِنْ صفاتِ الله تعالى التي وصفَ بها نفسَهُ، ونطقَ بهَا كتابهُ، وأخبرَ بها نبيُّه: أنَّهُ مُسْتَوٍ على عَرْشِهِ كما أخبرَ عنْ نفسهِ، ثمَّ ذكرَ آياتِ الاسْتِوَاءِ السبعِ إِلَى أنْ قَالَ:
فهذهِ سبعةُ مواضعَ أخبرَ الله فيهَا سبحانهُ أنَّهُ على العرشِ.
ثمَّ ساقَ جملةً مِنَ الأحاديثِ في ذلكَ إلى أنْ قالَ:
وفي هذهِ المسألةِ أدلَّةٌ مِنَ الكتابِ والسنَّةِ يطولُ بذكرهَا الكتاب.
ومُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ اللهُ في جِهَةِ العُلُوِّ بعدَ هذهِ الآياتِ والأحاديثِ مُخَالِفٌ لكتابِ اللهِ، مُنْكِرٌ لِسنَّةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم».
 
103 - القرطبيُّ (677هـ)
قالَ الإمامُ القرطبيُّ رحمه الله في تفسيرِ قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]: «هذهِ مسألةُ الاستواءِ، وللعلماءِ فيها كلامٌ وإجراءٌ.. والأكثرُ مِنَ المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ أنَّه إذا وجبَ تنزيهُ الباري سبحانهُ عَنِ الجهةِ و[التحيزِ] فمنْ ضرورةِ ذلكَ ولواحقهِ اللازمةِ عليهِ عندَ عامةِ العلماءِ المتقدمينَ وقادتهم مِنَ المتأخرينَ تنزيههُ تبارك وتعالى عَنِ الجهةِ، فليسَ بجهةِ فوق عندهم، لأنَّه يلزمُ منْ ذلكَ عندهم متَّى اختصَّ بجهةٍ أنْ يكونَ في مكانٍ أو حَيِّزٍ، ويلزمُ على المكانِ والحَيِّزِ الحركةُ والسكونُ للمُتَحَيِّزِ، والتغيرُ والحدوثُ. هذا قول المُتَكَلِّمِينَ. وقدْ كانَ السَّلفُ الأولُ رضي الله عنهم لا يقولونَ بنفيِّ الجهةِ ولا ينطقونَ بذلكَ، بلْ نطقوا هم والكآفَّةُ بإثباتها لله تعالى كمَا نطقَ كتابهُ وأخبرتْ رسلهُ. ولم ينكرْ أحدٌ مِنَ السَّلفِ الصَّالحِ أنَّه استوى على عرشهِ حقيقةً وخصَّ العرشَ بذلكَ لأنَّه أعظمُ مخلوقاتهِ، وإنَّما جهلوا كيفيةَ الاستواءِ فإنَّه لا تُعلم حقيقتهُ».
وقالَ فِي «الأسنى» - بعد أن حكى أربعةَ عَشَرَ قولًا فِي معنى الاسْتِوَاءِ -:
«وأظهرُ هذهِ الأقوالِ - وإنْ كنتُ لاَ أقولُ بِهِ وَلاَ أختارهُ - مَا تظاهرت عَلَيهِ الآيُ والأخبارُ أنَّ الله سُبْحَانهُ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أخبرَ فِي كتابهِ وعلى لسانِ نبيِّهِ بلا كَيْفٍ، بائنٌ منْ جميعِ خَلْقِهِ. هَذَا جُمْلَةُ مذهبِ السَّلفِ الصَّالحِ فيما نَقَلَ عنهمُ الثِّقَاتُ».
وفي قولهِ رحمه الله: «وإنْ كنتُ لا أقولُ بهِ»، غايةُ العجبِ؛ لأنَّهُ اعترفَ بتظافرِ الآياتِ القرآنيةِ عليهِ ودلالةِ الأخبارِ النبويةِ إليهِ وتعويلِ السَّلف الصالحِ الأخيارِ عليهِ، فكيفَ يليقُ مِنْ مثلهِ أنْ يقولَ: وإنْ كنتُ لا أقولُ بهِ ولا أختارهُ، مَعَ الدلالاتِ القرآنيةِ والأحاديثِ النبويةِ وكونهِ معتقدَ الرَّعيلِ الأوَّلِ؟!
 
- الشيخ الفقيهُ الصالحُ تقيُّ الدين المقدسي ُّ (608 -؟)
قال الذهبي رحمه الله: «رأيت له مُصَنَّفًا في الصِّفاتِ، ولمْ يصحَّ عنهُ ما كانَ يلطخ بهِ مِنَ التَّجسيمِ، فإنَّ الرجلَ كانَ أتقى لله وأخوفَ منْ أنْ يقولَ على الله ذلكَ، ولا ينبغي أنْ يُسْمَعَ فيهِ قولُ الخصومِ.
وكانَ الواقعُ بينهُ وبينَ شيخنا العلامة شمس الدين ابن أبي عمر وأصحابه، وهو فكانَ حنبليًّا خشنًا متحزقًا على الأشعريةِ. وبلغني أنَّ بعضَ المتكلِّمينَ قالَ لهُ: أنتَ تقولُ إنَّ الله استوى على العرشِ؟ فقالَ: لا والله ما قلتهُ، لكنَّ الله قالهُ، والرسولُ صلى الله عليه وسلم بلَّغَ، وأنا صَدَّقتُ، وأنتَ كَذَّبْتَ. فأَفْحَمَ الرَّجلَ».
 
- العلاّمةُ الشَّوكانِـيُّ (1255هـ)
قال رحمه الله: «الاستواءُ على العرش، والكونُ في تلكَ الجهةِ، قد صرَّح به القرآنُ الكريمُ في مواطنَ يكثرُ حصرهَا، ويطولُ نشرها. وكذلكَ صرَّح بهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في غيرِ حديثٍ، بل هذا ممَّا يجده كلُّ فردٍ منْ أفرادِ النَّاسِ في نفسهِ، وتحِسه في فطرته وتجذبه إليه طبيعتهُ كما نراه في كلِّ مَنِ استغاثَ بالله سبحانه وتعالى، والتجأَ إليهِ، ووجَّهَ أدعيتهُ إلى جانبهِ الرفيعِ وعزِّهِ المنيعِ، فإنَّهُ يشيرُ عندَ ذلكَ بكفهِ أو يرمي إلى السَّماءِ بطرفهِ، ويستوي في ذلكَ عندَ عروضِ أسبابِ الدعاءِ وحدوثِ بواعثِ الاستغاثةِ ووجودِ مقتضياتِ الإزعاجِ، وظهورِ دواعي الالتجاءِ، عالمُ الناس وجاهلهم. والماشي على طريقِ السَّلفِ والمقتدي بأهلِ التأويلِ القائلينَ بأنَّ الاستواءَ هو الاستيلاءُ، فالسلامةُ والنجاةُ في إمرارِ ذلكَ على الظاهرِ والإذعان بأنَّ الاستواءَ والكون على ما نطقَ بهِ الكتابُ والسنةُ منْ دونِ تكييفٍ ولا تكلُّفٍ، ولا قيل ولا قال، ولا قصورٍ في شيءٍ منَ المقالِ.
فمنْ جاوزَ هذا المقدارَ بإفراطٍ أو تفريطٍ فهو غيرُ مقتدٍ بالسَّلفِ، ولا واقفٍ في طريقِ النَّجاةِ، ولا معتصمٍ عَنِ الخطأ ولا سالكٍ في طريقِ السلامة والاستقامة».
فقدْ تبينَ بهذا الكلامِ أنَّ مثلَ هذهِ المسألةِ «العظيمةِ التي هي منْ أعظمِ مسائلِ الدينِ لم يكن السَّلفُ جاهلينَ بها ولا معرضينَ عنها، بلْ منْ لمْ يعرف ما قالوه فهو الجاهلُ بالحقِّ فيها، وبأقوالِ السلفِ، وبمَا دَلَّ عليه الكتابُ والسنةُ، والصَّوابُ في جميع مسائلِ النزاعِ ما كانَ عليهِ السلفُ مِنَ الصحابةِ والتابعينَ لهم بإحسانٍ، وقولهم هو الذي يدلُّ عليهِ الكتابُ والسنةُ والعقلُ الصريحُ».
ومنْ تدبَّرَ كلامَ أئمَّةِ السنَّةِ المشاهيرِ في هذا البابِ علمَ أنَّهم كانوا أدقَّ النَّاسِ نظرًا، وأعلمَ النَّاسِ في هذا البابِ بصحيحِ المنقولِ وصريحِ المعقولِ، وأنَّ أقوالهم هي الموافقةُ للمنصوصِ والمعقولِ، ولهذا تأتلفُ ولا تختلفُ، وتتوافقُ ولا تتناقضُ.
والذينَ خالفوهم لم يفهموا حقيقةَ أقوال السَّلفِ والأئمةِ، فلمْ يعرفوا حقيقةَ المنصوصِ والمعقولِ، فتشعَّبتْ بهم الطرقُ، وصاروا مختلفينَ في الكتابِ، مخالفينَ للكتابِ وقدْ قال تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقِ بَعِيدٍ} [البقرة: 176][373].
وقدْ طوَّلنا في هذا المكان، ولو ذكرنا كلَّ منْ لهُ كلامٌ في إثباتِ علوِّ الله على العرشِ مِنَ الأئمةِ لاتسعَ الخرقُ، وإذا كان المخالفُ لا يهتدي بمن ذكرنا فلا هداه الله. ولا خيرَ - والله - فيمن ردَّ على الأئمةِ المذكورين الذين هم لُبُّ اللُّبَابِ ونقاوةُ الأمَّةِ في كلِّ عصرٍ، وهو مُتَّبِعٌ غيرَ سبيلِ المؤمنينَ.
 
 
 
بيان أن السلف كانوا يجرون الصفات على ظاهرها اللائق بالله تعالى.
 
قال القاضي أبو يعلى: (لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمِرّوها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين).
 
وإليك آثار السلف الدالة على ذلك:

الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (150 هـ)
وقال أيضاً: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) اهـ.
فتأمل قوله: (ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)، فإنه يدل على أن صفة اليد معلومة المعنى لديهم، وأن تأويلها بإخراجها إلى المعاني المجازية إبطال لحقيقة معناها، وهو قول المعطلة !!.

إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (157 هـ)
إمام أهل الكوفة سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (161 هـ)
إمام أهل مصر أبو الحارث الليث بن سعد (175 هـ)
إمام دار الهجرة مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (179 هـ)
قال الوليد بن مسلم: (سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف) اهـ.

أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (173 هـ)
قال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله عز وجل موسى تكليما؟ قال : «مشافهة» .

وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين)
قال في قول الله عز وجل: {وكلم الله موسى تكليما} النساء164، قال: «مشافهة مراراً» .
وهذا تفسير للكلام بالمشافهة، مما يقتضى كونه معلوماً.
وقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه) .

الفضيل بن عياض (187هـ)
قال الفضيل بن عياض: (ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال {قل هو الله أحد.الله الصمد.لم يلد ولم يولد.ولم يكن له كفوا أحد} الإخلاص، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء).
وقوله وقول السلف: "كيف شاء" ، "كما شاء"، صريح في فهمهم لمعنى الصفة وجهلهم بكيفيتها، وإلا لم يكن لقولهم عما لا يعلمون معناه "كيف شاء" أو "كما شاء": معنى

عبد الرحمن بن القاسم العتقى أبو عبد الله المصرى المالكي (191 هـ)
قال ابن عبد البر: (وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأساً برواية الحديث "أن الله ضحك"، وذلك لأن الضحك من الله، والتنزل، والملالة، والتعجب منه، ليس على جهة ما يكون من عباده) اهـ.
ففي هذا الكلام إثبات كون صفات الله تعالى معلومة المعنى، مفهومة للسلف، مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق، ولو لم يكن بين صفات الله تعالى وبين صفات خلقه قدر مشترك من حيث أصلها، مع الاختلاف في وصفها وحقيقتها، لم يؤكد هذا المعنى


الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (198 هـ)
قال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل»
قال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف).
وقال الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (198 هـ) : «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» اهـ.
قال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف)

إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (241 هـ)
قال في رسالة "السنة" التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى ... –إلى أن قال: ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءاً واحداً، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات ...) ثم قال: (ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحداً)اهـ.
ونقل القاضي أبو يعلى ما يؤكد هذا من كلام الإمام أحمد فقال في إثبات صفة القدم والرجل لله تعالى: (وقد ذكر البخاري ومسلم "القدم" في الصحيحين جميعاً. اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن المراد به "قدم" هو صفة لله تعالى وكذلك "الرجل".
 
وقد نص أحمد على ذلك في رواية المروزي وقد سأله عن الأحاديث "يضع قدمه" وغيرها قال: نـُمِررها كما جاءت.
وقال ابن منصور: قلت لأبي عبد الله : "اشتكت النار إلى ربها حتى يضع قدمه فيها" فقال أحمد: صحيح.
وقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حدث محدث وأنا عنده بحديث "يضع الرب عز وجل قدمه" وعنده غلام فأقبل على الغلام فقال: نعم إن لهذا تفسيراً، فقال أبو عبد الله: انظر إليه كما تقول الجهمية سواء.
وقال في رواية حنبل: قال النبي صلى الله عليه وسلم : "يضع قدمه" نؤمن به ولا نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقد نص على الأخذ بظاهر ذلك لأنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه)اهـ.
ونقل عن الإمام أحمد أيضاً مثل ذلك في صفة الضحك لله فقال: (قال في رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديقها الرسول r ... القرآن.[هكذا في المطبوع]
وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق، وقد كتبت عنه من الرقايق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك، وهذا كلام الجهمية. قلت: ما تقول في حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر "فضحك حتى بدت"؟ قال: هذا يشنع به، قلت: فقد حدثت به، قال: ما أعلم أني حدثت به إلا داود بن محمد يعني المصيصي وذلك أنه طلب إلي فيه، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول؟ قال: بلى....
إلى أن قال القاضي معلقاً: فقد نص على صحة هذه الأحاديث والأخذ بظاهرها والإنكار على من فسرها، وذلك أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه)اهـ.
 
الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (280 هـ)
قال في إثباته لنزول الله ومجيئه ورده على من تأوله: (والقرآن عربي مبين، تصرف معانيه إلى أشهر ما تعرفه العرب في لغاتها، وأعمها عندهم. فإن تأول متأول مثلك جاهل في شيء منه خصوصاً، أو صرفه إلى معنى بعيد عن العموم بلا أثر، فعليه البينة على دعواه وإلا فهو على العموم أبداً كما قال الله تعالى.)
 
وقال في رده على تأويلات المريسي لصفات الله وإخراجها عن ظاهرها: (فيقال لك أيها المريسي ... فادعيت أن وجهه: كله، وأنه لا يوصف بنفس، وأن سمعه: إدراك الصوت إياه، وأن بصره: مشاهدة الألوان كالجبال والحجارة والأصنام التي تنظر إليك بعيون لا تبصر، وأن يديه: رزقاه موسعه ومقتوره، وأن علمه وكلامه مخلوقان محدثان. وأن أسماءه مستعارة مخلوقة محدثة، وأن فوق العرش منه مثل ما هو أسفل سافلين، وأنه في صفاته كقول الناس في كذا، وكقول العرب في كذا، تضرب له الأمثال تشبيهاً بغير شكلها، وتمثيلاً بغير مثلها، فأي تكييف أوحش من هذا إذا نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله تعالى بهذه الأمثال والضلالات المضلات؟)اهـ.
وقال : (ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات، غير أنا نقول لا يُحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب، لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فتصرف معانيها بعلة المجازات إلى ما هو أنكر، ونرد على الله بداحض الحجج وبالتي هي أعوج، وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تصرف معانيها إلى العموم حتى يأتي متأول ببرهان بين أنه أريد بها الخصوص، لأن الله تعالى قال {بلسان عربي مبين} الشعراء195،فأثبته عند العلماء أعمه وأشده استفاضة عند العرب فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهو يريد أن يتبع فيها غير سبيل المؤمنين)اهـ.
 
سهل بن عبد الله أبو محمد التستري الزاهد (283 هـ)
قال: (احتفظوا بالسواد على البياض، فما أحد ترك الظاهر إلا خرج إلى الزندقة)
 
الإمام الحافظ أبو بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (287هـ)
قال الذهبي: (قال الحافظ الإمام قاضي أصبهان وصاحب التصانيف أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني: "جميع ما في كتابنا -كتاب السنة الكبير الذي فيه الأبواب- من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها".. فذكر من ذلك النزول إلى السماء الدنيا، والإستواء على العرش.
سمعت عاتكة بنت أبي بكر هذا الكلام من أبيها، وكانت فقيهة عالمة ..)اهـ.
 
الإمام أبو العباس أحمد بن عمر ابن سريج البغدادي الشافعي (303 هـ)
قال: (حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله، وقد صح عن جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن رسول الله يجب على المسلمين الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وأن السؤال عن معانيها بدعة، والجواب كفر وزندقة، مثل قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام} البقرة210، وقوله: {الرحمن على العرش استوى} طه5، و{جاء ربك والملك صفاً صفاً} الفجر22، ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، وصعود الكلم الطيب إليه، والضحك، والتعجب، والنزول ..) إلى أن قال: (اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن أن نقبلها، ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية، ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها)اهـ.
وحكمه بالبدعة على السؤال عن معاني الصفات، المراد به السؤال عن كيفيتها وحقيقة ما هي عليه، أو حملها على خلاف ظاهرها من مجازات الكلام، ولذلك جعل الجواب عليها كفراً وزندقةً، ومعلوم أن السلف قد تكلموا في معاني الصفات كالاستواء، والنزول، والوجه، ونحوها، كما سبق بيانه في الفصل السابق، وكلام السلف يفسر بعضه بعضاً، ويؤيد بعضه بعضاً، ولا يقتطع منه من شاء ما شاء، ليستدل به على باطل.
 
إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (311 هـ)
قال: (باب ذكر صورة ربنا جل وعلا: وصفة سبحات وجهه عز وجل، تعالى ربنا عن أن يكون وجه ربنا كوجه بعض خلقه، وعن أن لا يكون له وجه، إذ الله قد أعلمنا في محكم تنزيله أن له وجهاً ذواه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه).
وهذا ظاهر في إثبات الآية التي فيها ذكر وجهه سبحانه على ظاهرها. ولذلك أكد هذا المعنى بقوله: (نحن نقول : وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار : إن لمعبودنا عز وجل وجهاً كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا عز وجل من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقياً، فنفى عنه الهلاك والفناء).
وتأمل وصفه لوجه الله تعالى بما يخالف وجه المخلوق، مما يعني أن وجه الله تعالى هو الوجه المعروف لغة، مع التباين في الصفة {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11.
وقال مثل ذلك في باقي الصفات.
 
الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (310 هـ)
قال: ( فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟
قيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا جل جلاله يوم القيامة والملك صفاً صفاً، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتاً دون وقت، ما دامت موجودة باقية.
وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله عز وجل وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه).
 
أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (360هـ)
قال: (لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفُسّرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بين).
 
عبد العزيز بن جعفر، أبو بكر غلام الخلال حافظ علم الإمام أحمد (363 هـ)
قال القاضي أبو يعلى: (وقد حمل أبو بكر عبد العزيز قوله تعالى {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه} الزمر67، على ظاهره وان ذلك راجع إلى ذاته، ذكر ذلك في كتاب "التفسير" في الكلام على قوله {والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة} الزمر67 ..).
 
إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (369 هـ)
قال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول –أي أحاديث الصفات كالوجه والأصابع ونحوها- فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه، ولكان الصحابة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعاً ما قبلوا.).
 
أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي (388 هـ)
قال فى رسالته المشهورة في "الغنية عن الكلام وأهله": (فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة، فان مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفى الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمقصر عنه).
وقوله "وحققها قوم" أي أثبتوا لها حقائق صفات المخلوقين، وهم المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه
 
الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (395 هـ)
قال في التوحيد: (وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى r، وبين مراد الله عز وجل فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوماً عند العرب غير محتاج إلى تأويلها).
 
القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي (422 هـ)
قال في شرح قول ابن أبي زيد القيرواني "وأن الله يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفا" : (وهذا لقوله عز وجل {وجاء ربك والملك صفاً صفا} الفجر22، فأثبت نفسه جائياً، ولا معنى لقول من يقول: إن المراد به: جاء أمر ربك، لأن ذلك إضمار في الخطاب يزيله عن مفهومه، ويحيله عن ظاهره، لا حاجة بنا إليه ..).
 
الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (444 هـ)
قال في رسالته إلى أهل زبيد: (الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي r لما أداها بتفسير يخالف الظاهر فهي على ما يعقلونه ويتعارفونه).
وقال أيضاً: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفاً، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات، أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال ... ).
 
شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (449 هـ)
قال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله r من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله).
وقال في إثبات علو الله تعالى واستواءه على عرشه بعد أن ساق الأدلة: (وعلماء الأمة وأعيان السلف رحمهم الله لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته، يثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به ويصدقون الرب جل جلاله في خبره، ويطلقون ما أطلقه سبحانه وتعالى من استوائه على العرش، ويمرونه على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله).
وقال في إثبات صفة النزول لله تعالى: (ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله).
وقد سبق بيان معنى قوله "ويكلون علمه إلى الله" أن المراد به كنه الصفات وحقيقة ما هي عليه، بدليل قوله (ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه، بتأويل منكر) فدل على أن اللفظ يحمل على ظاهره المعروف في اللغة، وعلى حقيقته اللائقة بالله تعالى.
 
القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (458 هـ)
قال في "إبطال التأويلات": (واعلم أنه لا يجوز رد الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين).
وقال في موضع آخر في سياق أدلة بطلان تأويل الصفات: (دليل آخر على إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها).
 
الحافظ أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي (463 هـ)
قال: (أما الكلام في الصفات فأما ما روي منها في السنن الصحاح فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها).
 
الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (463 هـ)
قال: (ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه).
 
شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبدالله بن محمد الأنصاري الهروي (481 هـ)
قال في "منازل السائرين" في منزلة "تعظيم حرمات الله": (الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره. وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة الخبرية على ظواهرها. ولا يتحمل البحث عنها تعسفاً، ولا يتكلف لها تأويلاً، ولا يتجاوز ظاهرها تمثيلاً، ولا يدّعي عليها إدراكاً أو توهماً).
 
الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (516 هـ)
قال في "شرح السنة" بعد أن ساق أحاديث الأصابع لله عز وجل: (والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرحثم ساق الأدلة عليها ثم قال: فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضاً عن التأويل، مجتنباً عن التشبيه، معتقداً أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} الشورى11، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعاً بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل – ثم ساق آثار السلف).
 
الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (535 هـ)
قال: (مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع والبصر والوجه واليدين وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره) ثم قال: (أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل).
وقال أيضاً: (الكلام في صفات الله عز وجل ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله r، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها).
وقال نقلاً عن بعض السلف: (قال بعض علماء أهل السنة: ويجب الإيمان بصفات الله تعالى كقوله عز وجل {الرحمن على العرش استوى} طه5، وقوله {لما خلقت بيدي} ص75، وقوله {تجري بأعيينا} القمر14، وقوله {أن غضب الله عليه} النور9، وقوله {رضي الله عنهم} المائدة119.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم :"ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" رواه ثلاثة وعشرون من الصحابة، سبعة عشر رجلاً وست نساء.
فهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية والتشبيه عنه، وقد نفى قوم الصفات فأبطلوا ما أثبته الله تعالى، وتأولها قوم على خلاف الظاهر فخرجوا من ذلك إلى ضرب من التعطيل والتشبيه، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، لأن دين الله تعالى بين الغالي والمقصر فيه).
 
أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (620 هـ)
ذكر في "لمعة الاعتقاد" جملة من صفات الله الواردة في الكتاب والسنة مثل الوجه، والنفس، والإتيان، والرضى، والمحبة، والغضب، والنزول، والضحك، ثم قال: (فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته ، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الشورى11، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه ).
وقال في "ذم التأويل" : (ومذهب السلف رحمة الله عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها، ولا تجاوز لها ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمرُّوها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها).
وقوله برد علمها إلى قائلها، المراد به حقيقة ما هي عليه وكيفيتها، يبينه كلامه في مواضع كثيرة من إثبات الصفات، وتأليفه كتاب العلو الذي بين فيه أن استواء الله على عرشه هو علوه عليه وارتفاعه، كما أن منعه من تأويلها بخلاف ظاهرها يدل على التأويل المقبول فيها هو ما وافق ظاهرها.
 
الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)
قال: (السؤال عن النزول ما هو؟ عي، لأنه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلا فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر).
وقال: (المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم بها قالوا هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تأول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران:
أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضاً أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته، ولا في صفاته.
الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة، كما يتشكل في الذهن من وصف البشر، فهذا غير مراد، فإن الله تعالى فرد صمد، ليس له نظير، وإن تعددت صفاته فإنها حق، ولكن ما لها مثل ولا نظير).
وقال في السير في ترجمة ابن عقيل : (قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق، والثاني باطل:
فالحق: أن يقول إنه سميع بصير مريد متكلم حي، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليماً، واتخذ إبراهيم عليم خليلاً، وأمثال ذلك، فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول له تأويل يخالف ذلك.
والظاهر الآخر: وهو الباطل والضلال أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له ولا ضد له ولا نظير له ولا مثل له ولا شبيه له، وليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي والله أعلم).
وقوله عن أحاديث الصفات "فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى"، يفسر لنا مراد السلف بقولهم عن أحاديث الصفات: "أمروها كما جاءت"، كما سبق أن قررناه، وهو إثبات معناه على ما دل عليه ظاهر لفظه، من غير تعرض له بتأويل ولا تمثيل.
 
الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (1014 هـ)
قال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ...).
 
المصدر
 
http://aljazeeratalk.net/forum/showthread.php?s=3efe0a0d7dcb78ae3e13bc33eae1fba4&t=270768

عدد مرات القراءة:
165
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :