آخر تحديث للموقع :

السبت 17 ربيع الأول 1443هـ الموافق:23 أكتوبر 2021م 03:10:55 بتوقيت مكة

جديد الموقع

مثال يصور منهج الأشاعرة في التعامل مع صفات الله سبحانه ..

مثال يصور منهج الأشاعرة في التعامل مع صفات الله سبحانه

 
يقول الشيخ عبد المجيد الزنداني في معرض رده على من يقول بأن إثبات صفات الله سبحانه وتعالى يلزم منه التجسيم والتشبيه :

"
فلو أن بدوياً دخل المدينة، فرأى المذياع (الراديو)، فعاد إلى قومه يخبرهم عن عجائب وغرائب ما رأى في المدينة، فقال لهم: لقد رأيت الحديد يتكلم يقصد المذياع (الراديو)، وكان قومه يعلمون أنه صادق لا يكذب، ثم مات وبعد موته أخذ قومه يتساءلون عن كيفية كلام الحديد فقالوا: لا يمكن أن يتكلم الحديد إلا إذا كان له لسان؛ إذن للحديد لسان!! وقالوا: لا يمكن أن يكون له لسان إلا إذا كان له فم، إذن للحديد فم! وقالوا: ولا يمكن أن يكون له فم وهو لا يأكل ولا يشرب، إذن الحديد يأكل ويشرب! وقالوا: وما دام الحديد يأكل ويشرب فهو يبول ويتغوط، إذ الحديد يبول ويتغوط!! وأخذوا يصفون الحديد بأن له لساناً وفماً ويأكل ويشرب ويبول ويتغوط، استنباطاً عقلياً من قول صاحبهم الذي لا يكذب: (الحديد يتكلم)

وإذا تأملت هذا المثل عرفت أن سبب خطئهم: أنهم قاسوا الغائب (الحديد) على الحاضر عندهم (الإنسان) بسبب اشتراكهما في صفة الكلام، وعرفوا أن الإنسان يتكلم بكيفية تناسبه ، ويتكلم الحديد بكيفية أخرى مناسبة له

ولو أن ذلك البدوي الذي رأى عجائب ما في المدينة كان قد تعلم كيفية عمل المذياع وقلنا له
لماذا لم تخبر قومك عن كيفية عمل المذياع؟ 

فإنه سيجيبنا بأن عقولهم لا تستوعب بيان تلك الكيفية، فلو قال لهم إن الحديد يتكلم بواسطة موجات كهرومغناطيسية تحدثها تيارات من الإلكترونيات تمر في دوائر كهربائية تتصل وتنقطع فتؤثر على قرص معدني تحدث فيه ذبذبات صوتية

فماذا سيفهم البدو من هذا الكلام؟ إنهم يعجزون عن تصور ما قال لهم، وسيؤدي ذلك إلى شكهم في كلام صاحبهم ورد أغلبهم لقوله، لذلك حجب عنهم الكيفية التي يتكلم بها الحديد، وأخبرهم بالأمر إجمالاً، ليوسعوا مداركهم وتزداد معرفتهم بحقائق ما حولهم

ولكنهم أبوا إلا أن يقيسوا الغائب (الحديد يتكلم) على الحاضر (الإنسان المتكلم) فوصلوا إلى نتائج مغلوطة، وبعدوا عن الحقيقة بعداً كبيراً

وبعد أن وصلوا إلى هذه النتائج المغلوطة أخذوا يتساءلون هل هناك إنسان من حديد؟

فردوا على أنفسهم ما سمعنا بهذا ، وعقولنا لا تصدق ذلك للفارق، الكبير الذي يتكون منه الإنسان، وبين الحديد!! 

وإذن فلا مفر لهم من تكذيب صاحبهم، ورد كلامه عندما قال لهم: الحديد يتكلم،

أو أن يكون الحل هو تحريف كلامه،

فيقولون: إنما أرد صاحبنا بقوله: الحديد يتكلم: أي كأنه يتكلم!! 

أما أن الحديد يتكلم فلا وليس هذا المقصود!! 

وهذا هو ما يقع فيه كل من أراد أن يعرف كيفية صفات الله سبحانه بقياس صفاته الغائبة عنا وكيفياتها على ما نشاهده في عالم المخلوقات، وهو قياس باطل، لذلك قال مالك – رحمه الله - : (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة).

وهكذا وقعت هذه الطائفة في خطأ قياس صفات الخالق على صفات مخلوقاته ووصلوا إلى هذه الإلزامات الفاسدة، فأنكروا صفات الله، وحرفوها بعد إذ جاءهم البيان من الله سبحانه، 

ولهذا بعضهم يصف الله تعالى فيقول: "ليس بجسم، ولا شبح، ولا صورة، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا يتحرك، ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء، وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين ولا شمال، وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المماسة، ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناهي ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات.."(42).

وكل ما أضيف إلى الله سبحانه كالخلق مرده عندهم إلى أمر مخلوق منفصل عن الله، فالخلق هو المخلوق والفعل هو المفعول؛ وعلى هذا فالقرآن مخلوق خلقه الله تعالى في غيره، فتكلم هذا المخلوق بدلاً عنه، كل ذلك حتى لا يكون الكلام حادثاً، وما كان محلاً للحوادث فهو حادث، وفق دليلهم هذا (دليل الأعراض وحدوث الأجسام)

وأما الفريق الثاني (الأشاعرة والماتريدية) فقد قرر أن الله يتصف بصفات ذاتية قديمة أزلية غير متعلقة بمشيئة أو قدرة، ويسمونها صفات، ولا يسمونها أعراضاً لأنها باقية لا تعرض ولا تزول مثل: الحياة والعلم والقدرة، والإرادة والسمع والبصر؛ وأما الكلام فهو كلام نفسي ليس بحرف أو صوت لأن ذلك يستلزم أن يكون المتكلم جسماً

وقد تأثرت هذا الطائفة بآراء الطائفة الأولى وسلموا لهم ببعض أصولهم والتزموا لوازم تلك الأصول التي فيها : دليل الأعراض وحدوث الأجسام إلا أنهم لا يعارضون به جميع نصوص الصفات الخبرية التي تتعلق بمشيئة أو قدرة، ويثبتون علو الله على مخلوقاته، ومع ذلك فقد التزموا ما ألتزمته الطائفة الأولى في نفي الصفات المتعلقة بالمشيئة والقدرة مثل : الرضى والغضب والفرح والضحك والاستواء والنزول والمجيء، حتى لا يثبتوا قيام أفعال اختيارية في ذاته جل وعلا، مستندين إلى هذا الدليل الذي يقرر امتناع حوادث لا أول لها.
 
المصدر - كتاب " توحيد الخالق " –
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=288208

عدد مرات القراءة:
291
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :