معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

أقوال كبار علماء الشيعة في نفي علم الأئمَّة بالغيب ..

أقوال كبار علماء الشيعة في نفي علم الأئمَّة بالغيب 

تقدم في الفصل الماضي أن خواص أصحاب الأئمَّة أمثال «قَيْسِ بْنِ سَعْد» وَ«سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الخُزَاعِي‏» وَ«مُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَة» وَ«زُرَارَةَ» ونظرائهم فضلاً عن عدم اعتقادهم بعلم الأئمَّة بالغيب، لم يكونوا يعتبرون علم الأئمَّة في أحكام الدين كاملاً في بعض المراحل!! وقد صرَّح بذلك بعض كبار علماء الشيعة وأجلّتهم أمثال «ابن الجُنَيْد»(123) وَ«الشهيد الثاني»(124) وَ«المَجْلسيِّ»(125) وَ«بحر العلوم الطباطبائي»(126)، فقالوا إن خواصّ أصحاب الأئمَّة لم يكونوا يعتبرون الأئمَّة أكثر من علماء أبرار مفترضي الطاعة ولم يكونوا يعتقدون بعصمتهم من الخطأ والنسيان!
1- كان مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ الوَلِيدِ القُمِّيِّ (343هـ)(127) - رحمةُ اللهِ عليه - أستاذَ الشيخ الصدوق، وكان من أكبر علماء الشيعة في عصره وكان مُوَثَّقاً وَمُبَجَّلاً وموضع ثناء وتقدير عامَّة علماء الشيعة وأصحاب كتب الرجال.
من المعروف أن «محمد بن الحسن بن الوليد» لم يكن يعتبر الأئمَّة عالمين بالغيب وليس هذا فحسب بل كان أيضاً يجيز في حقهم لا بل في حق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه -الذي هو أمين الوحي والمأمور بإبلاغ رسالة الله- السهو والنسيان! ويعتقد أن أول درجات الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما نقل المرحوم الصدوق عنه هذه العقيدة في كتابه «من لا يحضره الفقيه». وقد كان احتراز الشيخ «محمد بن الحسن ابن الوليد» من القول بعلم الأئمَّة بالغيب شديداً إلى درجة أنه كان يمنع ويحرِّم رواية كتاب «بصائر الدرجات» المنسوب للصفار لكونه يتضمّن بعض أخبار الغلوّ!
2- كان المرحوم الشيخ الصدوق «محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي» (381هـ) شيخ محدثي الشيعة، وكان ممن ينفي أيضاً علم الأئمَّة بالغيب. وكان هذا الموقف في الواقع موقف جميع علماء الشيعة الكبار في قم الذين كان أكثرهم معاصرين للأئمة -عَليهِمُ السَّلام- وعلى ارتباط وصلة بهم ومعاشرة لهم، فكانوا جميعاً ينفون نسبة العلم بالغيب إلى الأئمَّة كما ينفون ما ينسب إليهم -عَليهِمُ السَّلام- من صدور المعجزات إلى درجة أنهم كانوا يعتبرون مجرد نفي السهو والنسيان عن الأئمَّة غلواً، ويعتبرون القائل به غالياً، والغلاة في نظرهم أسوأ من المشركين، وقد كتبوا في ذلك الأمر كتباً خاصة.
وكان المرحوم الصدوق يجيز عروض السهو والنسيان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فضلاً عن عروضهما للإمام، وقد وعد في كتابه «من لا يحضره الفقيه» بتأليف كتاب خاص في هذا الصدد، وهناك احتمال كبير أن يكون قد ألف ذلك الكتاب فعلاً إلا أن حوادث الدهر حالت بيننا وبين الوصول إليه! إذ إن الصدوق ترك أكثر من ثلاثمئة مصنف لم يصل إلى أيدينا منها سوى أقل من النصف، وضاع البقيّة. ورغم هذا فقد بقيت أخبار عديدة في موضوع «سهو النبي» في بقية آثار الشيخ الصدوق والتي يمكن أن تُجمع في كتاب مستقل، وقد أشار هو بنفسه في كتابه «من لا يحضره الفقيه» إلى كثرة الأخبار في هذا الموضوع فقال:
«كَانَ شَيْخُنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الوَلِيدِ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ أَوَّلُ دَرَجَةٍ فِي الغُلُوِّ نَفْيُ السَّهْوِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، وَلَوْ جَازَ أَنْ تُرَدَّ الأَخْبَارُ الوَارِدَةُ فِي هَذَا المَعْنَى لَجَازَ أَنْ تُرَدَّ جَمِيعُ الأَخْبَارِ وَفِي رَدِّهَا إِبْطَالُ الدِّينِ وَالشّـَرِيعَةِ، وَأَنَا أَحْتَسِبُ الأَجْرَ فِي تَصْنِيفِ كِتَابٍ مُنْفَرِدٍ فِي إِثْبَاتِ سَهْوِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَالرَّدِّ عَلَى مُنْكِرِيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى‏»(128).
فالعجيب أن نرى أن بعض علماء الشيعة مثل الشيخ المفيد والشيخ البهائي اللذَيْنِ يريا أن الشيخ الصدوق لم يتيسَّر له تأليف ما وعد به حول «سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم»، يحمدان الله تعالى على ذلك! مع أنه -كما ذكرنا - من المحتمل أن يكون الصدوق قد ألَّف فعلاً ذلك الكتاب لكنه ضاع كما ضاع كثيرٌ من كتبه الأخرى، هذا من جهة، ومن الجهة الثانية: لقد أثبت الصدوق هذا الأمر -أي سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم - بكل وضوح في كتبه التي بقيت ووصلت إلينا، بما يكفي لمعرفة عقيدته بهذا الشأن، وأياً كان الأمر فإن ضياع بعض آثار الصدوق أمر يبعث على الأسف لا على السرور!
وقد ألّف المرحوم الشيخ «المفيد» بعض الرسائل في الرد على الشيخ الصدوق وإحدى رسائله كانت رداً على عقيدة الشيخ الصدوق هذه بالذات [أي تجويزه سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونسيانه] حيث هاجم المفيدُ الصدوقَ لذهابه إلى هذا المذهب وأدان قولَه بشدَّة وردّ عليه. ولكن جاء في زماننا العلامة المحقق الحاج الشيخ «محمد تقي الشوشتري» [أو التُّسْتَري] -أدام الله بقاءه- فألَّف رسالةً باسم «سهو النبيّ» أُلحقت بالمجلد الحادي عشر من كتابه «قاموس الرجال» الذي طُبع وانتشـر. وقد أثبت العلامة «الشوشتري» في رسالته هذا الموضوع على أكمل وجه ويمكن لمن أراد أن يراجع رسالته تلك(129).
إن اعتقاد علماء الشيعة الكبار بجواز سهو الأئمَّة ونسيانهم فضلاً عن عدم علمهم بالغيب كان اعتقاداً مشهوراً إلى درجة أن العلامة المجلسـي نقل في المجلد الخامس عشر من «بحار الأنوار»، وكذلك الشيخ المفيد في كتابه «تصحيح الاعتقاد» (طبع تبريز، ص65) ما يفيد انتشار ذلك بين علماء قم فقالا:
«و قد وجدنا جماعة وردوا إلينا من «قم» يُقصـِّرون تقصيراً ظاهراً في الدين‏ وينزلون الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام- عن مراتبهم وَيزعمون أنهم كانوا لا يعرفون كثيراً من الأحكام الدينية حتى ينكت في قلوبهم ورأينا من يقول إنهم كانوا يلتجئون في حكم الشريعة إلى الرأي والظنون.»(130).‏
وقد ختم المجلسي -عليه الرحمة- تحقيقه وشرحه لموضوع «سهو النبي» بالعبارة التالية فقال: «ويظهر منه عدم انعقاد الإجماع من الشيعة على نفي مطلق السهو من الأنبياء».
نعم، وكيف يمكن للشيعة أن يعتقدوا بمثل تلك العقيدة [أي نفي مطلق السهو عن الأنبياء والأئمة] مع مخالفتها لصريح آيات القرآن؟ فقد قال الله تعالى عن حضرة آدم - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه/115]، وقال بشأن موسى ويوشع بن نون اللذين كانا نبيين: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف/61]، وفي السورة ذاتها نقل عن «يوشع بن نون» قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف/63]، وكذلك قصَّ علينا في السورة ذاتها قول حضـرة موسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف/73]، مع أنه كان قد تعهَّد بأن لا يسأل معلّمه شيئاً ولا يخالفه حين قال: ﴿ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصـِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف/69].
كما نسب القرآن الكريم النسيان إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم (طبعاًَ في غير موضوع الوحي التبليغي الذي وعد الله بأن يقرئه إياه فلا ينساه) فقال عز من قائل: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف/24]. ونبَّهَ نبيَّهُ الكريم فقال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى/6]. مما يفيد احتمال نسيانه لما هو من غير الوحي. إذن السهو والنسيان جائزان على الأنبياء بحكم العقل والقرآن، فإذا جازا على الأنبياء كان جوازهما على الأئمة من باب أولى! والوحيد الأوحد الذي لا يعرض له سهو ولا نسيان أبداً هو ذات الله المتعال كما قال سبحانه: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه/52].
وقد روى الصدوق في «عيون أخبار الرضا»: «عَنِ الهَرَوِيِّ قَالَ قُلْتُ لِلرِّضَا (ع) يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ! إِنَّ فِي الكُوفَةِ قَوْماً يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ السَّهْوُ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ كَذَبُوا لَعَنَهُمُ اللهُ إِنَّ الَّذِي لَا يَسْهُو هُوَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ»(131).
حقاً إنه لـمِمَّا يثير العجب أن نرى آيات القرآن الكريم تنفي علم الغيب بكل صراحة عن جميع البشر بما في ذلك الأنبياء، وتبيِّن لنا نفي الأنبياء لهذا العلم عن أنفسهم بصراحة واضحة، كما قال نوح - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿مَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء/112]، وكما قال شعيب - عَلَيْهِ السَّلامُ - لقومه: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام/104]، وكما قال الله لخاتم أنبيائه: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة/101]. وعشرات الآيات المشابهة الأخرى التي مرّ بيانها من قبل، يُضاف إليها الآيات التي ذكرناها آنفاً والتي تثبت السهو والنسيان للأنبياء؛ ورغم كل ذلك نرى عشّاق الغلوّ والنفاق يصرُّون على أن الأنبياء والأئمّة يعلمون الغيب ومنزّهون عن كل سهوٍ ونسيانٍ مطلقاً! وأن علم غيبهم هو ذات العلم الذي وصف الله به نفسه بقوله: ﴿عَالِمِ الغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ!!﴾ [سبأ/3]. قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ!!
لقد كانت عقيدة الشيعة في زمن الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام- عقيدة توحيدية خالصة. ولكن لما بدأت تنتشر بين المسلمين - منذ زمن الخلفاء العباسيين - خرافات اليونانيين وأساطير آلهتهم وأوهام اليهود والمجوس والعقائد المغالية المشوبة بالشرك، والتي وجدت في بداية الأمر - بالطبع - ردَّ فعل شديد تجاهها بسبب معارضة الإسلام الشديدة للشرك والخرافات وكل ما يخالف التوحيد، وتمكَّنت تلك العقائد المغالية من مواصلة انتشارها شيئاً فشيئاً بيت عامة المسلمين حتى وصل الأمر إلى ادّعاء بعض الأفراد وكثيراً من أقطاب الصوفية ومرشديهم مثل «بايزيد البسطامي» و«منصور الحلاج» و«الشلمغاني» وأمثالهم لتلك الصفات المغالية، إلى درجة أن طائفة تدعى «الراوندية» ادّعت في حق «أبي جعفر المنصور الدوانيقي»، الإلهية، رغم أنه كان من أظلم الناس وألأمهم في عصره! وفي مثل ذلك الجو الموبوء بدأت تنتشـر تدريجياً بعض العقائد المغالية بين بعض الشيعة وظهر من يدَّعي مثل تلك الادعاءات الجزاف في حق الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام-! رغم أن أولئك الأئمَّة الأجلاء والكرام كانوا يكافحون بكل شدة مثل تلك العقائد المغالية المثيرة للفتنة ويظهرون براءتهم منها ويلعنون قائليها -كما بيّنّا فيما سبق(132) - لكن روح الوثنية التي لها في هوى ونفوذ قوي في نفوس العامَّة -كما يقول علماء النفس- إلى حد أنه رغم جميع مجاهدات ومحاربة الأنبياء الكرام لهذا الفكر الوثني الخبيث، لا زلنا نرى آثارها المميتة لدى معظم الملل، هذه الروح لم تسمح ببقاء التوحيد الإسلامي على نقائه بل أخذت تشوبه بالخرافات التي كانت تنتشر بين المسلمين يوماً بعد يوم إلى حد أنها أثَّرت في الأزمنة المتأخرة على بعض علماء الشيعة حتى أخذوا يعتبرون علماء قم الكبار من الشيعة القدماء [المحاربين للغلوّ والغلاة] مقصِّـرين في حق الأئمَّة!! ويخطِّئون عقيدة قدماء الشيعة ويعتبرون أنفسهم مكمِّلين لتلك العقيدة وأنهم أزالوا ما كان فيها من نقص!!
ونجد هذا الأمر منعكساً في عدّة مواضع لدى المرحوم «المامقاني» ذيل ترجمته لعدد من رجال الحديث في كتابه «تنقيح المقال»، ومن جملة ذلك قوله في كتابه «مقباس الهداية» [الملحق بكتاب تنقيح المقال] (ص88) ما نصه:
«ولقد أجاد المولى الوحيد البهبهاني حيث قال: «اعلم أن كثيراً من القدماء سيَّما القمِّيِّين منهم وابن الغضائري كانوا يعتقدون للأئمَّة عليهم السلام منزلةً خاصَّةً من الرفعة والجلالة ومرتبةً معينةً من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما كانوا يجوِّزُون التعدِّي عنها، وكانوا يعدُّون التعدِّي ارتفاعاً وغلوّاً حسب معتقدهم، حتى أنهم جعلوا مثل نفى السهو عنهم غلوّاً، بل ربما جعلوا مطلق التفويض إليهم أو التفويض الذي اختُلِفَ فيه كما سنذكر أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم أو الإغراق في شأنهم وإجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص وإظهار كثرة القدرة لهم وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض ارتفاعاً أو مُوْرِثاً للتهمة به سيَّما بجهة أن الغلاة َكانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مُدَلِّسِين»(133).
وقال العلامة المامقاني في «تنقيح المقال» (ج3/ص 230) ضمن ترجمه «المعلَّى بن خُنَيْس»: «إن ما يُعدّ اليوم من ضروريات المذهب في أوصاف الأئمَّة عليهم السلام كان القول به معدوداً في العهد السابق من الغُلوِّ والارتفاع، ويُطعن بالقول به أوثق الرجال ويُرمون بالغلوّ».
وقال ذيل ترجمته لـ«محمد بن الفرات» (ص170) ما حاصله أن «الكشي» روى في ترجمته لـ«محمد بن الفرات» حديثين أظن أن قصده من روايتهما الاستدلال على غلوه، هذا مع أنه ليس في الحديثين ما يدل على الغلو لأن مضمونهما يُعدُّ اليومَ من ضروريات المذهب!!
وقال ذيل ترجمته لـ «محمد بن سنان» (ج3/ص125): «وقد بينّا مراراً عديدة أنه لا وثوق لنا برميهم رجلاً بالغلوّ، لأن ما هو الآن من الضروري عند الشيعة في مراتب الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام- كان يومئذ غلواً، حتى أن مثل الصدوق (ره) عد نفي السهو عنهم (ع) غلواً مع أن نفي السهو عنهم اليوم من ضروريات مذهبنا».
مثل هذا الكلام نشاهده في أماكن متعددة من كتابه «تنقيح المقال» حيث يعتبر مثل هذه العقائد الغالية من ضروريات المذهب في حين يعتبر أن القميين كانوا مقصرين في معرفة الأئمَّة!!
هذا في حين أنه ورد عن الأئمة -عَليهِمُ السَّلام- الكثير من المدح والثناء على شيعة قم إلى حد أن المجلسي أورد في المجلد 14 من بحار الأنوار (من ص227 إلى 241) أكثر من أربعين حديثاً عن أئمة أهل البيت في مدحهم، من ذلك قول الإمام الصادق (ع): «سَلَامُ اللهِ عَلَى أَهْلِ قُمَّ يَسْقِي اللهُ بِلَادَهُمُ الغَيْثَ وَيُنْزِلُ اللهُ عَلَيْهِمُ البَرَكَاتِ وَيُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ هُمْ أَهْلُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ هُمُ الفُقَهَاءُ العُلَمَاءُ الفُهَمَاءُ هُمْ أَهْلُ الدِّرَايَةِ وَالرِّوَايَةِ وَحُسْنِ العِبَادَةِ»(134).
فهل هؤلاء كانوا مقصِّرين في الأئمة! أما غلاة الكوفة وبغداد الذين تلوثت عقائدهم بآلاف الأوهام والخرافات كانوا شيعة كاملين في تشيعهم!!؟
وإذا وُجد في بعض الأخبار أحياناً ذمٌّ للقميين فإنه كان ذمَّاً لغلاتهم مثل «علي بن حسكه» و«القاسم بن يقطين» كما جاء في رجال الكشي (ص438): «وذكر أبو محمد الفضل بن شاذان في بعض كتبه: إن من الكذابين المشهورين ابن بابا القمي». وطبقاً لما رواه سعدٌ، كتب الإمام العسكري - عَلَيْهِ السَّلامُ - بشأنه: «أبرأ إلى الله من الفهري والحسن بن محمد بن بابا القمي». وسبب البراءة واضح وهو أنهم كانوا من الغلاة!
إذن فتخطئة شيعة قم ونسبة التقصير إليهم أمر بعيد عن الواقع والإنصاف والقول بأن مذهب الشيعة كان في زمنهم ناقصاً وأصبح اليوم كاملاً قول خاطئ تماماً. وليت شعري كيف يكون الذين عاصروا الأئمة وعاشروهم مقصِّـرين في معرفتهم لأنهم كانوا يرفضون ما ينسب إليهم من معجزات خارجة عن المنطق وادعاءات بعيدة عن العقل والشرع، أما الذين جاؤوا بعد مئات السنين ولم يروا الأئمَّة ولا كانوا معاصرين لهم وتأثروا بآلاف الخرافات والأوهام التي شاعت مع الزمن، ولا يعلم إلا الله أي سياسات كانت وراء نشـرها، يكونون عارفين بالأئمَّة وكاملين في تشيُّعهم لأنهم يقولون بمثل هذه العقائد الباطلة في حقهم؟! اللهم إلا أن يقول قائل -والعياذ بالله- أن نبياً آخر جاء وأكمل مذهب شيعة زمن الأئمَّة الذي كان ناقصاً، أي أوصله إلى الغلوّ الذي نجده اليوم!! نعوذ بالله من هذه الضلالة ونسأله الهداية لنا ولجميع المؤمنين.
3- العالم الآخر من علماء الشيعة الكبار الذي لم يكن قائلاً بعلم الأئمَّة بالغيب، فضلاً عن علم أي أحد سواهم، المرحوم «محمد بن أحمد بن الجُنَـيْد»، الذي أشرنا سابقاً إليه، وكان يعيش زمن سلاطين بني بويه خاصة معزّ الدولة الديلمي. وقد كان معز الدولة فضلاً عن أنه كان صاحب منصب الرئاسة كان أيضاً عالماً وشديد التشيع بحيث أنه في زمن خلافة الطائع لِـلَّهِ العباسي كان يحض أهالي بغداد يوم عاشوراء على الخروج في مواكب النواح وعزاء سيد الشهداء - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويحثُّ الناس في عيد الغدير على الاحتفال وتبادل التهاني وكان يخرج بالناس إلى المصلَّى خارج المدينة لأجل إقامة صلاة عيد الفطر.
وكان الشيخ ابن الجنيد مُعزَّزاً ومُكرَّماً جدّاً لديه. ورغم ذلك كان الشيخ ابن الجنيد يرى أن الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام- يفتون باجتهادهم واستعمالهم للرأي كما ذكر ذلك في كتبه، بل ألَّف كتباً خاصَّةً للردّ على مخالفيه ممن لا يعتبرون مثل هذا الكلام في حقِّ الأئمَّة صحيحاً فانتقد قولهم ودافع عن قوله، ومن جملة ذلك كتابٌ ألَّفه لهذا الغرض وعَنْوَنَهُ بـ «إظهار ما ستره أهل العناد من الرواية عن أئمة العترة في أمر الاجتهاد». وكتاب آخر كذلك سماه «كشف التمويه والإلباس على أغمار الشيعة في أمر القياس» حيث أثبت فيه صحة استخدام الأئمة للقياس في استنباط الأحكام حسب عقيدة الشيعة.
وقد أشكلت هذه العقيدة على بعض علماء الشيعة المتأخّرين، بيد أن العلامة الطباطبائي (= بحر العلوم) بـرَّرها وقال: «وأما إسناد القول بالرأي إلى الأئمَّة فلا يمتنع أن يكون كذلك في العصر المتقدّم».وكما ذكرنا سابقاً كان الشيعة القدماء وأصحاب الأئمة لا يعتبرون الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام- سوى علماء أبرار!!
4- من علماء الشيعة الكبار الآخرين الذين كانوا لا يعتقدون بعلم الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام- بالغيب الشيخ الجليل المرحوم «محمد بن محمد بن النعمان الحارثي»(135) المعروف بالشيخ المفيد، وفيما يلي نذكر عقيدته في هذه المسألة من كتبه المختلفة:
ألف) أورد العلامة المجلسيّ في كتابه منقطع النظير «مرآة العقول» ما يلي:
«سُئِلَ الشيخُ المفيد قدَّسَ اللهُ رُوحَهُ في المسائل العكبرية: الإمامُ عندنا مجمعٌ على أنه يعلم ما يكون، فما بالُ أمير المؤمنين عليه السلام خرج إلى المسجد وهو يعلم أنه مقتول وقد عرف قاتله والوقت والزمان؟ وما بالُ الحسين بن علي عليهما السلام سار إلى الكوفة وقد علم أنهم يخذلونه ولا ينصرونه وأنه مقتول في سفرته تلك؟ وَلِمَ لَمَّا حُصِرُوا وعرف أن الماء قد مُنِعَ منه وأنه إن حفر أذرعاً قريبةً نبع الماء لم يحفر وأعان على نفسه حتى تلف عطشاً؟ والحسنُ وادَعَ معاويةَ وَهَادَنَهُ وهو يعلم أنه ينكث ولا يفي ويقتل شيعة أبيه؟؟
فأجاب الشيخ رحمه الله عنها بقوله: «وأما الجواب عن قوله: (إن الإمام يعلم ما يكون) فإجماعنا أن الأمر على خلاف ما قال، وما أجمعت الشيعة على هذا القول، وإنما إجماعهم ثابت على أن الإمام يعلم الحُكْمَ في كلِّ ما يكون دون أن يكون عالماً بأعيان ما يحدث ويكون على التفصيل والتمييز، وهذا يسقط الأصل الذي بنى عليه الأسئلة بأجمعها، ولسنا نمنع أن يعلم الإمام أعيان ما يحدث، ويكون(136) بإعلام الله تعالى [له] ذلك، فأمّا القول بأنه يعلم كلَّ ما يكون فلسنا نُطلقه ولا نصوِّب قائله، لدعواه فيه من غير حجَّة ولا بيان. والقول: بأن أمير المؤمنين ? كان يعلم قاتِلَه والوقت الذي كان يُقْتَلُ فيه فقد جاء الخبر متظاهراً أنه كان يعلم في الجملة أنه مقتول، وجاء أيضاً بأنه يعلم قاتله على التفصيل، فأمّا علمه بوقت قَتْلِهِ فلم يأتِ عليه أثرٌ على التحصيل، ولو جاء به أثرٌ لم يلزم فيه ما يظنُّه المعترضون، إذْ كان لا يمتنع أن يتعبَّدَه اللهُ تعالى بالصبر على الشهادة والاستسلام للقتل، ليبلغه بذلك علوّ الدرجات مالا يبلغه إلا به، ولعلمه بأنه يطيعه في ذلك طاعةً لو كلَّفها سواه لم يردَّها، ولا يكون بذلك أمير المؤمنين ? ملقياً بيده إلى التهلكة، ولا مُعيناً على نفسه معونةً تُسْتَقْبَحُ في العقول. وأما علم الحسين ? بأن أهل الكوفة خاذلوه، فلسنا نقطع على ذلك، إذْ لا حُجَّةَ عليه من عَقْل ولا سَمْع...»(137).
ب) وقال المرحوم «المفيد» في كتابه «الإرشاد»: «فَأَقْبَلَ الحُسَيْنُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَا يُشْعِرُ بِشَيْ‏ءٍ حَتَّى لَقِيَ الأَعْرَابَ فَسَأَلَهُمْ؟؟ فَقَالُوا: لَا وَاللهِ مَا نَدْرِي غَيْرَ أَنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَلِجَ وَلَا نَخْرُجَ فَسَارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -...»(138).
ج) وجاء في «بحار الأنوار» (ج7/ص 318) نقلاً عن كتاب «المسائل العكبرية» للشيخ المفيد قوله فيه: «وَقد يجوز عندي أن تغيب عنه بواطن الأمور فيحكم فيها بالظواهر وَإن كانت على خلاف الحقيقة عند الله تعالى‏»
د) ويقول الشيخ المفيد في كتابه «أوائل المقالات» (ص 38):
«فأما إطلاق القول عليهم بأنهم يعلمون الغيب فهو منكر بيِّنُ الفساد، لأن الوصف بذلك إنما يستحقه من علم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد، وهذا لا يكون إلا لِـلَّهِ - عزَّ وجلَّ -، وعلى قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلا من شذَّ عنهم من المفوِّضَة ومن انتمى إليهم من الغلاة.».
إذا كان الأمر كذلك فقد تبيَّن معنا أن من يقول بعلم الأئمَّة بالغيب هل يُعَدُّ من الشيعة الحقيقيين أم من الغلاة والمشركين؟؟
هـ) وفي كتاب «العيون والمحاسن» للشيخ المفيد حكاية مناقشة قام بها الشيخ المفيد مع شيخٍ مِنْ حُذَّاق المعتزلة وَأهل التديُّن بمذهبهم سأله فيها الأخير عن سبب الغيبة (غيبة الإمام الثاني عشر) وتفسيرها، فأجابه الشيخ المفيد أن سببها هو أن «الإمام في تقيَّة من أعدائه لا محالة وَهو أيضاً في تقيَّة من كثير من الجاهلين به...»، فسأله الشيخ المعتزلي: «أخبرني الآن إذا لم يكن الإمام في تقية منك فما باله لا يظهر لك فيعرفك نفسه بالمشاهدة وَيريك معجزة وَيبين لك كثيراً من المشكلات ويؤنسك بقربه وَيعظم قدرك بقصده، وَيشرفك بمكانه إذا كان قد أمن منك الإغراء به وَتيقن ولايتك له ظاهرة وَباطنة؟؟!».
فأجاب الشيخ المفيد: «فقلت له: أول ما في هذا الباب أنني لا أقول لك إن الإمام (عليه السلام) يعلم السرائر وَإنه مما لا يخفى عليه الضمائر فتكون قد أخذت رهني بأنه يعلم منِّي ما أعرفه من نفسي وَإذا لم يكن ذلك مذهبي وَكنت أقول إنه يعلم الظواهر كما يعلم البشر وَإن علم باطنا فبإعلام الله عز وَجل له خاصة على لسان نبيه (عليه السلام) بما أودعه آباؤه (عليه السلام) من النصوص على ذلك أو بالمنام الذي يصدق وَلا يخلف أبداً أو لسبب أذكره غير هذا، فقد سقط سؤالك من أصله، لأن الإمام إذا فَقَدَ علم ذلك من جهة الله عز وَجل أجاز عليَّ ما يجيزه على غيري ممن ذكرت فأوجبت الحكمة تَقِيَّتَهُ مني وَإنما تَقِيَّـتُهُ منِّي على الشرط الذي ذكرت آنفاً، ولم أقطع على حصوله لا محالة وَلم أقل إن الله عزَّ وَجلَّ قد أَطْلَعَ الإمامَ عَلَى باطني وَعرَّفه حقيقة حالي قطعاً»(139).
تلك الاقتباسات الخمسة من كلام وكتب المرحوم الشيخ «المفيد» حول نفي علم الأئمَّة بالغيب، صرَّح بها في كتبه واطَّلع عليها الصديق والعدو وسُجِّلت في الكتب التي وصلت إلينا عنه. فالاقتباس الأول يبيِّن أن «المفيد» كان يوضِّح للشيعة أن الإمام لا يعلم الغيب ويُظْهِر أنه قال ذلك خلال مجادلته لأهل السنة. ولا يخفى أن المرحوم «الشيخ المفيد» كان من أصلب وأشد الشيعة اعتقاداً بطهارة الأئمَّة وعصمتهم وعلمهم كما تشهد بذلك آثاره الموجودة اليوم، وهو ذاته الذي كتب رداً شديداً وعنيفاً حتى أنه خرج فيه عن رعاية الأدب والاحترام على شيخه وأستاذه المرحوم الصدوق -عليه الرحمة- في موضوع «سهو النبي»، حتى أن «المفيد» اتهم أستاذه «الصدوق» وشيخ أستاذه أي الشيخ «محمد بن الحسن بن الوليد» [اللذان يثبتان وقوع السهو من النبي] بأنهما حشويَّان. ومع هذا كانت عقيدة الشيخ المفيد ما بيَّنَّاه من نفي علم الأئمَّة بالغيب.
إذا كان الأمر كذلك فماذا يقول المساكين الضالون الذين يدَّعون هذه الأوهام والخرافات المغالية اليوم؟! هل يريدون بأباطيلهم وزخرف قولهم أن ينشؤوا عقيدة جديدة لشيعة آخر الزمان ويكمِّلوا مذهبهم القديم الذي يعتبرونه ناقصاً؟!!
5- كان المرحوم السيد المرتضى علم الهدى - رحمة الله عليه- الذي كان من أعلام الشيعة الكبار، من منكري علم الأئمَّة بالغيب أيضاً(140)، وقد قال في كتابه المعروف «تنزيه الأنبياء» (ص 176 من طبعة سنة 1352هـ) في إجابته عن إشكالية مسير الإمام الحسين - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى كربلاء رغم معرفته بخيانة أهل الكوفة وغدرهم بأخيه، وأنه كيف استجاز أن يحارب بنفر قليل الجموع العظيمة حتى أدى ذلك إلى استشهاده؟ فقال السيد المرتضى مجيباً عن هذا الإشكال:
«قلنا: قد علمنا أن الإمام متى غلب في ظنِّه يصل إلى حقه والقيام بما فُوّض إليه بضرب من الفعل، وجب عليه ذلك وإن كان فيه ضرب من المشقَّة يتحمل مثلها تحملها، وسيدنا أبو عبد الله عليه السلام لم يسر طالباً للكوفة إلا بعد توثّقٍ من القوم وعهودٍ وعقودٍ، وبعد أن كاتبوه عليه السلام طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين. وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل الكوفة وأشرافها وقرائها،... وأعادوا المكاتبة بذلوا الطاعة وكرَّروا الطلب والرغبة. ورأى - عَلَيْهِ السَّلامُ - من قوّتهم على من كان يليهم في الحال من قبل يزيد، وتشحّنهم عليه وضعفه عنهم، ما قوَّى في ظنه أن المسير هو الواجب، تعيَّن عليه ما فعله من الاجتهاد والتسبب، ولم يكن في حسابه أن القوم يغدر بعضهم، ويضعف أهل الحق عن نصرته ويتفق بما اتفق من الأمور الغريبة.....
وأما مخالفة ظنّه عليه السلام لظنّ جميع من أشار عليه من النصحاء كابن عباس وغيره، فالظنون إنما تغلب بحسب الإمارات. وقد تَقْوَى عند واحد وَتَضْعُفُ عند آخر، لعلَّ ابن عباس لم يقف على ما كوتب به من الكوفة، وما تردَّد في ذلك من المكاتبات والمراسلات والعهود والمواثيق. وهذه أمور تختلف أحوال الناس فيها ولا يمكن الإشارة إلا إلى جملتها دون تفصيلها.».
فكما نلاحظ، فضلاً عن عدم اعتقاد السيد المرتضى بعلم الإمام بالغيب، كان يرى أن أعمال الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام- تستند إلى الظن والاجتهاد. وسبق أن نقلنا عنه أنه حتى على تفسير علم الغيب بإطلاع الله تعالى الإمام على كل شيء، كان السيد المرتضى لا يرى ذلك ولا يرى أنه من اللازم للإمام أن يعلم كل شيء مما لا علاقة له بالحكم(141).
6- الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي(142) - رحمة الله عليه - كان أيضاً عالماً جليلاً آخر من علماء الشيعة الكبار وفقهائهم الأعلام الذين لم يكونوا يعتقدون بعلم الإمام بالغيب، وقد أوردنا سابقاً تصـريحه بنفي علم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب(143) الذي بيَّنه في أكثر من موضع من تفسيره «التِّبْيان»، وأما عقيدة الشيخ الطوسي بشأن علم الإمام بالغيب فهي مطابقة لعقيدة شيخه وأستاذه السيد المرتضـى، لأنه أورد عين عبارات شيخه في كتابه «تلخيص الشافي» (ص 400) فقال: «عَلَى أنَّ الحسين - عَلَيْهِ السَّلامُ - أظهر الخلاف [ليزيد] لما وجد بعض الأعوان عليه وطمع في معاونة من خذله، وقعد عنه، ثم إنَّ حاله آلت - مع اجتهاده (ع) واجتهاد من اجتهد معه في نصرته- إلى ما آلت إليه»(144).
ويقول الشيخ الطوسي أيضاً في كتابه المذكور: «ولم نوجب أن يكون [الإمام] عالماً بما لا تعلُّق له بالأحكام الشرعية»(145).
7- من علماء الشيعة الإمامية المشاهير الآخرين الذين لم يكونوا يقولون بعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمَّة بالغيب المرحوم الشيخ الطبرسي(146) صاحب تفسير «مجمع البيان»، حيث يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِـلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [هود/123] ما نصُّهُ:
«و وجدتُ بعض المشايخ ممن يتَّسم بالعدوان وَالتشنيع قد ظلم الشيعة الإمامية في هذا الموضع من تفسيره، فقال: هذا يدلُّ على أنَّ الله سبحانه يختصُّ بعلم الغيب خلافاً لما تقول الرافضة أن الأئمَّة يعلمون الغيب! ولا شك أنه عنى بذلك من يقول بإمامة الاثني عشـر وَيدين بأنهم أفضل الأنام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن هذا دأبه وَديدنه فيهم يشنِّع في مواضع كثيرة من كتابه عليهم وَينسب الفضائح وَالقبائح إليهم، وَلا نعلم أحداً منهم استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق فإنما يستحق الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات لا بعلم مستفاد وَهذه صفة القديم سبحانه العالم لذاته لا يشركه فيها أحد من المخلوقين وَمن اعتقد أن غير الله سبحانه يشركه في هذه الصفة فهو خارج عن ملّة الإسلام. فأمّا ما نقل عن أمير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلامُ) وَرواه عنه الخاص وَالعام من الإخبار بالغائبات في خطب الملاحم وغيرها..... فإن جميع ذلك مُتَلَقَّى عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مما أطلعه الله عليه فلا معنى لنسبة من روي عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنه يعتقد كونهم عالمين للغيب»(147).
وقال أيضاً في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام/68] ما نصُّهُ:
«قال الجبّائي وَفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الإمامية في جواز التقية على الأنبياء وَالأئمة وَأن النسيان لا يجوز على الأنبياء!
و هذا القول غير صحيح ولا مستقيم، لأن الإمامية إنما تُجوِّز التقيَّة على الإمام فيما تكون عليه دلالة قاطعة توصل إلى العلم ويكون المكلَّف مزاح العلَّة في تكليفه ذلك، فأمَّا ما لا يعرف إلا بقول الإمام من الأحكام وَلا يكون على ذلك دليل إلا من جهته فلا يجوز عليه التقيَّة فيه. وَهذا كما إذا تقدم من النبيِّ بيانٌ في شيء من الأشياء الشرعية فإنه يجوز منه أن لا يبيِّن في حال أخرى لأمته ذلك الشـيء إذا اقتضته المصلحة. ألا ترى إلى ما روي أن عمر بن الخطاب سأله عن الكلالة فقال يكفيك آية السيف.
و أما النسيان وَالسهو فلم يجوزوهما عليهم فيما يؤدُّونه عن الله تعالى فأما ما سواه فقد جوَّزُوا عليهم أن ينسوه أو يسهوا عنه ما لم يؤدِّ ذلك إلى إخلال بالعقل وكيف لا يكون كذلك وَقد جوَّزُوا عليهم [أي عَلَى النبيِّ والأئمَّةِ] النوم وَالإغماء وهما من قبيل السهو؟! فهذا ظنٌّ منه فاسدٌ، وإِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ.».
هذا التصريح من الشيخ الطبرسي - رحمه الله - بجواز السهو والنسيان على النبيِّ والأئمة، كان ثقيلاً عسير الهضم على علماء الشيعة زمان الصفوية حتى أن المجلسيَّ علَّق عليه - بعد أن أورده في المجلد الثامن من «بحار الأنوار» في «باب سهوه ونومه عن الصلاة» - قائلاً:
«وَفيه من الغرابة ما لا يخفى فإنَّا لم نرَ من أصحابنا من جوَّزَ عليهم السَّهْوَ مطلقاً في غير التبليغ. وَإنَّما جوَّز الصدوق وَشيخه الإسهاء من الله لنوع من المصلحة. وَلم أرَ مَنْ صرَّح بتجويز السهو الناشئ من الشيطان عليهم مع أن ظاهر كلامه يوهم عدم القول بنفي السهو مطلقاً بين الإمامية إلا أن يُقال مراده عدم اتفاقهم على ذلك، وَأما النوم فستعرف ما فيه فالأصوب حمل الآية على أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ظاهراً وَالمراد غيره!!»(148).
8- من علماء الشيعة الأعلام الآخرين الذين لم يكونوا يعتقدون بعلم الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام- بالغيب وليس هذا فحسب بل كانوا يعُدُّون القول بذلك بمنزلة الكفر: حضرة الصدر الإمام وركن الإسلام سلطان العلماء نصير الدين عبد الجليل ابن أبي الحسن محمد بن أبي الفضل القزويني والرازي(149). فقد قال في كتابه القيِّم «بعض مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض» (ص 304 فما بعد) ما نصُّهُ: «إن ما ذكره [أي مؤلف كتاب بعض فضائح الروافض]، وما أورده «محمد بن النعمان الأحوال» في كتاب له من أن الأئمَّة يعلمون جميعاً الغيب، وأنهم مطلعون على الغيب وهم في قبورهم إلى حد أنه لو قدم أحد إل زيارتهم يعلمون أنه منافق أو موافق وعدد الخطوات التي قطعها ويعلمون أسماء كل شخص[غير صحيح]. بل إن ما ذكره من كلام لا معنى له وبعيد عن العقل ومخالف للشرع والنقل لأن القرآن الكريم وإجماع المسلمين على أن الغيب مختص بالله تعالى وحده، ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّـرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه/7]، ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾ [النمل/65]، ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن/26]، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام/59]، والنبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم على جلال قدره وعلوِّ منزلته ودرجة نبوَّته، لم يكن يعلم وهو حيٌّ في مسجد المدينة بما يجري في أسواقها وأحوالها الأخرى طالما لم يأته جبريل ويخبره بذلك، والأئمة ليس لهم درجة الأنبياء وقد رقدوا في أرض خراسان وبغداد والحجاز وكربلاء وتحرَّروا من قيد الحياة، فكيف يعلمون أحوال أهل العالم؟! إن هذا القول بعيدٌ عن العقل والشـرع، ولم يقل به إلا جماعة من الحشوية ألصقوا أنفسهم بهذه الطائفة، ونحمد الله أنه لم يبق منهم إلا القليل وقد تبرأ أصوليو الشيعة وتبرؤوا من مثل هذه الدعاوي فلا مجال لأي مجبِّرٍ أو مشبِّهٍ أن يطعن بالشيعة من هذا الباب». انتهى.
ثم ذكر في الكتاب ذاته (ص276) القصة المكذوبة حول الدائن الذي كان له دين على أبي بكر فرجع إلى «محمد بن أبي بكر» ليطالبه بالمبلغ فقال علي - عَلَيْهِ السَّلامُ - لمحمد بن أبي بكر شُقّ محراب أبيك وأعطه الصنم الذي تجده هناك! فعلَّق الشيخ الجليل على هذه الحكاية قائلاً: «لم يكن علياً يعلم الغيب فكيف عرف أن هناك صنماً مخبأً في ذلك المكان؟!».
9- من علماء الشيعة الأعلام الآخرين الذين لم يكونوا يعتقدون بعلم الأئمَّة بالغيب الشيخ رشيد الدين محمد بن شهرآشوب المازندراني المتوفى عام 586هـ (150) حيث يقول في كتابه «متشابه القرآن ومختلفه» (طبع طهران، ج1/ص211) ما نصُّهُ:
«النبيّ والإمام يجب أن يعلما علوم الدين والشريعة ولا يجب أن يعلما الغيب وما كان وما يكون، لأنّ ذلك يؤدّي إلى أنّهما مشاركان للقديم تعالى في جميع معلوماته ومعلوماته لا تتناهى، وأيضاً يجب أن يكونا عالمين لأنفسهما وقد ثبت أنّهما عالمان بعلم محدَث والعلم لا يتعلّق على التفصيل إلا بمعلوم واحد، ولو علما ما لا يتناهى لوجب أن يعلما وجود ما لا يتناهى من المعلومات وذلك محال...».
أقول: يا ليت آية الله عظمى زماننا (!) [يقصد أبا الفضل النبوي] يفهم هذه الأمور!
10 - ذكرنا في هذا الفصل أسماء تسعة أشخاص من علماء الشيعة الكبار وفقهائهم الأعلام قبل زمن الصفوية الذين عاشوا على أكثر حد إلى القرن السادس الهجري ولم يكونوا يعتقدون أبداً بعلم الأئمَّة بالغيب، وبينا عقيدتهم بما يكفي، كي يتبين أن الشيعة الأطهار المتقدمين كانوا أبرياء من مثل هذه العقائد، وكان بإمكاننا أن نذكر أسماء علماء آخرين لكن لما كانت طريقتنا أن نذكر في كل فصل عشرة أدلة لذا اكتفينا بمن ذكرناهم وتركنا الشخص العاشر لأحد العلماء المعاصرين كي يُعلَم أنه حتى بعد تسلط الصفوية كانت لا تزال عقيدة علماء الشيعة الكبار المحققين هي كذلك [أي نفي علم الأئمة بالغيب]، إلا أن الخوف من العوام جعل كثيراً من الشيوخ وأنصاف العلماء يحجم عن إبراز هذه العقيدة، كما نشاهد نحن أيضاً هذه الأوضاع الصعبة وخنق الحريات في زمننا هذا رغم أننا نعيش بما يسمى عصر التنوير وحرية الأفكار! ومع ذلك لو بحثنا في آثار كبار علمائنا لم نعدم عبارات تدل على قولهم بهذه الحقيقة وإيمانهم بها وأن ما أظهروه لم يكن إلا قطرة من بحر ما يموج في صدورهم ورشحة مما يؤمنون به في قلوبهم، وسنذكر مثالاً واحداً هو غيض من فيض ألا وهو جملة لحضرة العَلَمِ العَيْلَم وَالبحر الخضمّ خاتم المجتهدين الشيخ محمد حسن النجفي(151) صاحب الكتاب الفقهي الموسوعي الكبير الذي لا نظير له: «جواهر الكلام»، حيث قال في كتاب «الطهارة» منه، في باب وزن «الكُرّ» وَمساحته التي وقع فيها الاختلاف، ما نصُّهُ:
«إن دعوى علم النبيِّ والأئمَّةِ (عَليهِمُ السَّلام) بذلك ممنوعة، ولا غضاضة لان علمهم (عَليهِمُ السَّلام) ليس كعلم الخالق عزَّ وجلَّ فقد يكون قَدَرُوهُ بأذهانهم الشريفة وأجرى اللهُ الحكمَ عليه».
نعم، إن النبيّ والإمام الذي لا يعلم من الله حتى مقدار ماء الكر ومساحته كيف يعلم بأوزان بحار العالم والكائنات الموجودة فيها فضلاً عن أن يعلم بسائر كائنات عالم الوجود أو أن يكون علمه مما ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾؟!!
ما ذكرناه كان أقوال عشرة من علماء الشيعة الكبار الذين لا تفتخر بهم طائفة الإمامية فحسب بل يفتخر عالم الإسلام كلّه بوجودهم، وجميعهم كان يعتقد أن الأئمَّة -عَليهِمُ السَّلام- لم يكونوا يعلمون الغيب بل صرّح بعض أولئك العلماء أن الأئمَّة كانوا يجتهدون أحياناً حتى في أحكام الدين ويعربون عن رأيهم الذي يستنبطونه من كتاب الله وسنة نبيه. ولو أردنا أن نذكر جميع الأسماء المباركة لعلماء الشيعة الآخرين ونبين عقيدتهم في موضوع عدم علم الأئمَّة بالغيب لطال بنا الكلام فنكتفي بما ذكرناه فهو كاف لأهل الإنصاف ومن أراد التوسع في ذلك فنحيله إلى الكتب التالية:
1- شرح نهج البلاغة، لابن ميثم البحراني، ج3/ص 209.
2- القوانين، للميرزا القمي، بحث الخاص والعام.
3- الفصول المختارة، للشيخ المفيد، ص80.
4- الغدير، للعلامة الأميني، ج5/ ص407.
5- أصل الشيعة وأصولها، لمحمد حسين آل كاشف الغطاء، ص93.
6- الشيعة والتشيع، محمد جواد مغنية، فصل «علوم الإمام»، ص43. وقد صرح في ذلك الفصل أن جميع الأخبار أو الأقوال التي تنسب إلى الأئمَّة علم الغيب يجب ردها ورفضها.
والعجيب أنه رغم كل آيات القرآن الكريمة وأخبار وأحاديث أهل البيت -عَليهِمُ السَّلام- وسيرهم ووقائع حياتهم، وعقيدة أصحابهم تلامذتهم وعقيدة أكبر علماء الشيعة المؤسسين الأعلام التي أوردنا على كل منها عشرة أمثلة والتي تبين بكل وضوح قاطع أن شيعة أهل البيت الأطهار لم يكونوا يعتقدون بتلك العقائد السخيفة التي يقول بها غلاة آخر الزمن في عصرنا بل كانوا يعارضونها وينفونها بشدة، ومع هذا نجد أنه بمجرد أن قام أستاذ فاضل(152) بتأليف كتاب «شهيد جاويد» [الشهيد الخالد] أو قام عالم آخر(153) بكتابة «درسي از ولايت» [درس عن الولاية]، وبيَّنَا عدم صحّة تلك الأوصاف التي ينسبها الغلاة إلى الأئمّة [ومن جملة ذلك نسبة علم الغيب إليهم] وأخرجا الأئمَّة ولو قليلاً عن حدّ الغلوّ، ثارت ضدهما ضجة وجلبة شديدة من الخاص والعام -كما أشرنا إلى ذلك من قبل- مما لم يكن ليحصل مثله وبشدّته لو كانا قد أنكرا الله واليوم الآخر!! وكُتِبت في الردّ عليهما كتبٌ عديدةٌ وصدرت فتاوى لا سابق لها! والأعجب من ذلك أن بعض الأفراد المعروفين وذوي الفضل(154) نشروا رسائل باسم «علم الإمام» خلطوا فيها أقاويل الفلاسفة وأهل العِرفان(155) بتعاليم الإسلام وروَّجوا لأفكار الغلاة بثوب فلسفيٍّ عِرفانيٍّ جميل! ولا يدري أحدٌ ما هو الداعي إلى هذا العمل وما هي فائدة إصرار البعض على إثبات علم الغيب للأئمَّة؟!
 
الهوامش:
(123) هو «محمد بن أحمد بن الجنيد الكاتب الإسكافي» (ت 381هـ)، أحد أبرز فقهاء الإمامية القدماء وشيخ مشايخ النجاشي والشيخ الطوسي. قال العلامة الحلي عنه في رجاله (ص 145): «كان شيخ الإمامية، جيد التصنيف حسنه، وجهٌ في أصحابنا ثقةٌ جليلُ القدر صنَّف فأكثر وقد ذكرتُ خلافه في كتبي..قال الشيخ الطوسي رحمه الله: إنه كان يرى القول بالقياس فتُركَت لذلك كتبُه ولم يُعوَّل عليها» انتهى. أهم كتبه «تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة» قيل إنه في 20 مجلداً واختصاره «كتاب الأحمدي في الفقه المحمدي»». (تر)
(124) هو زين الدين بن علي بن أحمد العاملي الجبعي (911 - 966هـ)، من فقهاء الشيعة الأعلام في القرن العاشر الهجري، ولد في جبع (جنوب لبنان) ورحل إلى ميس، ومنها إلى كرك نوح. ثم قصد مصر، فالحجاز، فالعراق، فبلاد الروم. وأقام أشهراً في الآستانة فجعل مدرساً للمدرسة النورية ببعلبك. أشهر كتبه «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية» و«مسالك الأفهام إلى شرائع الإسلام»، و«الدراية» وَشرحها «شرح الدراية» في علم الرواية، و«منية المريد في آداب المفيد والمستفيد». (تر)
(125) هو محمد باقر بن محمد تقي بن مقصود علي الأصفهاني، من أبرز المحدثين والفقهاء الشيعة الإمامية في القرن الهجري العاشر (1037 - 1111هـ) ولي مشيخة الإسلام في أصفهان زمن الصفويين، وجمع كتب الحديث الشيعية في موسوعة ضخمة سماها «بحار الأنوار، الجامعة لدرر أخبار الأئمَّة الأطهار» طبعت في 110 مجلدات!! من كتبه المشهورة بالفارسية «جلاء العيون» وَ«حياة القلوب». (تر)
(126) هو مرجع الطائفة الإمامية في عصره (النصف الثاني من القرن12 الهجري) آية الله العظمى السيد محمد مهدي بن المرتضـى الطباطبائي البروجردي الأصل النجفي المعروف ببحر العلوم (1155-1212هـ). أشهر كتبه: «رجال السيد بحر العلوم» المعروف «بالفوائد الرجالية» طبع في 4 مجلدات.(تر)
(127) قال عنه النجاشي في رجاله (ص 383): «محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد: أبو جعفر شيخ القميِّين، وفقيههم، ومتقدمهم، ووجههم. ويُقال إنه نزيل قم، وما كان أصله منها. ثقةٌ ثقةٌ، عينٌ، مسكون إليه. له كتب، منها كتاب تفسير القرآن، وكتاب الجامع.».
(128) الشيخ الصدوق، «من لا يحضره الفقيه»، ج1/ ص 360. (تر)
(129) راجعوا ملحق «تأمُّل في رسالة سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم» في آخر هذا الكتاب.
(130) الشيخ المفيد، «تصحيح الاعتقاد»، ص 135 - 136. (تر)
(131) المجلسيُّ، «بحار الأنوار»، ج 17/ص105. (تر)
(132) راجعوا كتابنا الحالي، ص 131 فما بعد.
(133) الأستاذ علي أكبر غفاري، تلخيص مقباس الهداية للعلامة المامقاني، ص 152. (تر)
(134) المجلسيُّ، «بحار الأنوار»، ج 57/ص 217. (تر)
(135) هو الشيخ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَان العكبري البغدادي (336 - 413 هـ)، المشهور بالشيخ المفيد ويعرف بابن المعلِّم، شيخ متكلِّمي وفقهاء الشيعة الإمامية في عصره بلا منازع. كان ذا نفوذ كبير بين الشيعة في بغداد، وكان أستاذاً للسيد المرتضـى وللشيخ الطوسي وللنجاشي، وكان عضد الدولة البويهي يزوره ويجلُّه. ترك ما يربو على مئتي مؤلَّف في مختلف المواضيع، من أشهرها «تصحيح الاعتقاد»، و«أوائل المقالات»، في العقائد، و«المقنعة» في الفقه، و«الأمالي» أو «المجالس» و«الاختصاص» في الحديث والأخبار، وَ«الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد» في سيرة النبي والأئمَّة. كان يوم وفاته يوماً مهيباً إذ خرج في تشييع جثمانه أكثر من ثمانين ألفاً من شيعة بغداد وأهاليها. (تر)
(136) أي: ويكون علمه.
(137) المجلسيُّ، «بحار الأنوار»، الطبعة الجديدة، ج 42/ص 257 - 258. (تر)
(138) الشيخ المفيد، «الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد»، قم، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، 1413هـ، ج2/ ص 72. (تر)
(139) الشيخ المفيد، «الفصول المختارة من العيون والمحاسن»، ص 113 - 114. (تر)
(140) راجع الصفحة 147 من هذا الكتاب وما نقلناه عنه أيضاً مما قاله في كتابه «الشافي في الإمامة».
(141) راجع الصفحة 147 من هذا الكتاب. (تر)
(142) هو الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي (385 - 460 هـ)، المعروف بشيخ الطائفة. قال عنه العلامة الحلي في الخلاصة (ص148): «شيخ الإمامية، ورئيس الطائفة، جليل القدر، عظيم المنزلة، ثقة، عين، صدوق، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب وجميع الفضائل تنسب إليه، صنَّف في كل فنون الإسلام، وهو المهذِّب للعقائد في الأصول والفروع..الخ» انتهى. وهو صاحب كتابين من كتب الحديث الرئيسية الأربعة لدى الإمامية، هما «تهذيب الأحكام» وَ«الاستبصار فيما اختلف من الأخبار»، وكتابين من الكتب الرجالية الخمسة الرئيسية لدى الإمامية هما «الرجال» و«الفهرست»، وله في العقائد «تلخيص الشافي في الإمامة»، وفي الفقه: «النهاية» و«المبسوط» وفي الفقه المقارن «الخلاف» وفي تفسير القرآن «التبيان».وفي أصول الفقه: «تمهيد الأصول» و«عدة الأصول». (تر)
(143) راجع بداية فصل (موقف القرآن والأئمة من دعوى علم الأئمَّة بالغيب) من هذا الكتاب، الصفحات من 115 إلى 117.
(144) الشيخ الطوسي، «تلخيص الشافي»، الطبعة الحديثة في قم، ج3/ص86. (تر)
(145) الشيخ الطوسي، «تلخيص الشافي»، الطبعة الحديثة في قم، ج1/ص252. (تر)
(146) هو الشيخ أمين الإسلام أبو على الفضل بن الحسن الطبرسي (548 هـ)، مفسِّر ومحقِّق ولغوي بارع ومن علماء الشيعة الإمامية البارزين في القرن السادس الهجري، اشتُهر بتفسيره القيِّم «مجمع البيان في تفسير القرآن والفرقان» الذي طبع مراراً، واختصاره المسمى «جوامع الجامع». وله في السِّيَر كتاب «إعلام الورى بأعلام الهدى». توفي في سبزوار، ونقل إلى المشهد الرضوي. (تر)
(147) الطبرسي، تفسير «مجمع البيان»، ط1، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1415هـ/ 1995م، ج 5/ص 352- 353. (تر)
(148) المجلسيُّ، «بحار الأنوار»، ج 17/ص 98. (تر)
(149) كان حياً سنة 556 هـ. (تر)
(150) ابن شهرآشوب المازندراني، من علماء الشيعة الإمامية وفقهائهم ومحدثيهم البارزين في القرن السادس الهجري، (489 هـ- 558هـ)، طاف البلدان يتلقى العلم عن علماء الشيعة والسنة في عصـره. من أشهر كتبه: «مناقب آل أبي طالب عليهم السلام» و«متشابه القرآن ومختلفه» وكتاب «أساب النزول». ترجم له الصفدي في «الوافي بالوفيات»: فقال إنه حفظ القرآن وله ثمان سنين وبلغ النهاية في أصول الشيعة، وكان يُرْحَل إليه من البلاد، ثم تقدم في علم القرآن والغريب والنحو، وَوعظ على المنبر أيام المقتفي ببغداد فأعجبه وخلع عليه.... كان واسع العلم كثير الخشوع والعبادة والتهجد...اهـ.، تُوُفِّيَ في حلب شمال سورية، سنة 558هـ ودفن بها. (تر)
(151) هو شيخ الفقهاء وإمام المحققين الفقيه الأصولي آية الله الشيخ «محمَّد حسن بن الشيخ باقر بن الشيخ عبد الرَّحيم» النجفي، انتهت إليه الرئاسة العامة ومرجعيَّة التقليد للشيعة الإمامية في عصـره، وكان من أعاظم علمائهم المحقِّقين، اشتهر بالشيخ حسن الجواهري نسبةً إلى كتابه الفقهي الموسوعي المقارن: «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»، الذي طبع في أكثر من 50 مجلداً. توفي سنة 1266هـ. (تر)
(152) يقصد العلامة آية الله نعمة الله صالحي نجف آبادي الذي توفي عام 1427هـ /2006م. (تر)
(153) يقصد آية الله العلامة السيد أبو الفضل البرقعي المتوفى سنة 1992م. (تر)
(154) يقصد آية الله العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب التفسير القيِّم «تفسير الميزان» [20 مجلداً]، المتوفى سنة 1412هـ. (تر)
(155)المقصود بأهل العرفان علماء التصوّف النظري، أو فلاسفة الصوفية أمثال محيي الدين بن عربي وصدر الدين محمد بن إسحق القونوي ومن المتأخرين الملا صدرا والملا هادي السبزواري وأمثالهم. (تر)
 
المصدر: إجتهادات ..

عدد مرات القراءة:
3134
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :