ولو تسائلنا وقلنا لماذا كان يجلس هذا الشيخ الشيعي الاثني عشري الامامي إلى علماء أهل السنة والجماعة وهو لديه رواية تقول: (ما خالف العامة ففيه الرشاد) - الكافي، للكليني، 18/ 76، وفي رواية: "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا ما خالف القوم" - وسائل الشيعة، للحر العاملي، 27/ 118؟ لتبين لنا إن غايته كانت ما ذكرنا آنفا.
وهكذا وصل بهم الأمر إلى أن صنفوا في الفقه وأصوله وفي مسائل أخرى تقليداً ومشابهة لأهل السنة والجماعة وهذا لا يستغرب ولا يستبعد منهم، فهم باعترافهم عيال على أهل السنة والجماعة في شتى العلوم، وماشذوا وأنفردوا به من مسائل سواء في الأصول أو الفروع عن أهل السنة والجماعة ضرره عليهم أعظم من نفعه لهم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وإذا صنف واحد منهم كتابا في الخلاف وأصول الفقه كالموسوي وغيره فإن كانت المسألة فيها نزاع بين العلماء أخذوا حجة من يوافقهم واحتجوا بما احتج به أولئك وأجابوا عما يعارضهم بما يجيب به أولئك فيظن الجاهل منهم أن هذا قد صنف كتابا عظيما في الخلاف أو الفقه أو الأصول ولا يدري الجاهل أن عامته استعارة من كلام علماء أهل السنة الذين يكفرهم ويعاديهم وما انفردوا به فلا يساوى مداده فإن المداد ينفع ولا يضر وهذا يضر ولا ينفع) - منهاج السنة النبوية، 6/ 381.
نعم استعارة من أقوال أهل السنة والجماعة وأيما استعارة. فتجدهم يكتبون في مسألة ما، هي عين المسألة الموجودة لدى أهل السنة والجماعة أو مما شذوا وأنفردوا بها عنهم، يتكلمون فيها بما تكلم أهل السنة والجماعة وبنفس الأسلوب، ليظهروا أنفسهم بأنهم لديهم مسائل وأقوال في تحريرها وحل ما وقع فيها من خلاف واشكال خاص بهم دون أهل السنة والجماعة، مع أنه كما سبق من باب تقليد ومشابهة أهل السنة والجماعة لذا يدرسون في حوزاتهم المسماة بالحوزات العلمية كتب أهل السنة والجماعة باعترافهم.
لذا لا يغتر المرء بمباحثهم وتفريعاتهم القديمة والمتأخرة والمعاصرة حول المسائل ولا بإبداء أحدهم لنفسه على أنه بحاثة وعلامة زمانه فإن من هذه المسائل ما هي مأخوذة أصلاً من أهل السنة والجماعة جملةً وتفصيلاً كما سبق ومنها ما شذوا بها عن أهل السنة والجماعة وغالبها مباحث وتفريعات لمسائل باطلة شرعاً كتاباً وسنةً وإجماعاً والبحث فيها كالبحث في صحراء قاحلة عن الماء، وأما عن هذا المنعوت بالبحاثة والعلامة فلا يخلو قوله من الإفتراء والكذب عند مباحثه وتفريعاته، فترك الخوض في هذه المسألة الباطلة شرعاً كتاباً وسنةً وإجماعاً والرجوع إلى الحق فيها خير لهذا المنعوت بالبحاثة والعلامة وأسلم من إجهاد نفسه وإضاعة وقته في البحث حول والتفريع عن مسألة أصلها باطل تضره ولا تنفعه. فأي فائدة شرعية تحصل للمرء من البحث حول مسألة ما والتفريع عنها وهي أصلا مسألة باطلة شرعاً، كتاباً وسنةً وإجماعاً؟ الجواب : لا تحصل له أي فائدة شرعية يقيناً.
كذلك استغلوا الحوادث التاريخية التي وقعت لصالحهم حيث رأوا أنها تساندهم في تطور غرسهم وتنمو بذرتهم أكثر فأكثر، منها حادثة استشهاد الحسين رضي الله عنه لا سيما وهم يدعون محبة آل البيت وموالاتهم فوضعوا في شأنها من الكذب والإفتراء الشىء الكثير الذي يضرهم ولا ينفعهم شرعاً. فزعموا خلافاً لكتاب الله عزوجل وسنة رسول الله الصحيحة الثابتة عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن المؤمن إذا أتى قبر الحسين عليه السلام يوم عرفة واغتسل من الفرات ثم توجه إليه، له بكل خطوة حجة بمناسكها - ولا أعلمه إلا قال - وغزوة! وفي رواية زيارة الحسين - أي قبره - عليه السلام تعدل مائة حجة مبرورة ومائة عمرة متقبلة" - انظر الإرشاد للمفيد، 252، وروايتهم: من زار الحسين بعد موته فله الجنة - المصدر السابق، وروايتهم إنَّ الله تبارك وتعالى يتجلّى لزوَّار قبر الحسين عليه السلام قبل أهل عَرفات ويقضي حوائجهم، ويغفر ذنوبهم، ويشفِّعهم في مسائلهم، ثمَّ يثنّي بأهل عرفات فيفعل بهم ذلك - كامل الزيارات، لإبن قولويه، 181، وغيرها كثير.
وهذا لا شك أنه امتداد للنهج اليهودي في ضرب نصوص الشرع، والحسين رضي الله عنه هو الوسيلة لدى هؤلاء أحفاد اليهودي عبدالله بن سبأ وأبناء وأفراخ آباءهم الأوائل من أتباع هذا اليهودي لتحقيق غايتهم ليصرفوا المسلمين عن أداء شعائر دينهم الإسلام إلى أداء باطلهم وضلالهم المسماة بالشعائر الحسينية التي ما أنزل الله بها من سلطان، حتى رووا كذباً وافتراءً وبهتاناً وزوراً على لسان الصادق رحمه الله أنه قال: لمعاوية بن وهب وقد قال: استأذنت على أبي عبد الله فقيل لي: ادخل، فدخلت فوجدته في مصلاه، فجلست حتى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربه وهو يقول: «يا من خصنا بالكرامة، وخصنا بالوصية، ووعدنا الشفاعة، وأعطانا علم ما مضى وما بقي، وجعل افئدة من الناس تهوي إلينا، اغفر لي ولاخواني ولزوار قبر أبي الحسين صلوات الله عليه الذين أنفقوا أموالهم، وأشخصوا أبدانهم رغبة في برنا ورجاء لما عندك في صلتنا، وسرورا أدخلوه على نبيك صلواتك عليه وآله، وإجابة منهم لامرنا، وغيظا أدخلوه على عدونا، أرادوا بذلك رضاك، فكافهم عنا بالرضوان، وأكلأهم بالليل والنهار، واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلفوا بأحسن الخلف، واصبحهم وأكفهم شر كل جبار عنيد، وكل ضعيف من خلقك أو شديد، وشر شياطين الجن والانس، وأعطهم أفضل ما أملوا منك في غربتهم عن أوطانهم، وما آثرونا به على أبنائهم وأهاليهم وقراباتهم، اللهم إن أعدائنا عابوا عليهم خروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا، وخلافا منهم على من خالفنا، فارحم تلك الوجوه التي قد غيرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبدالله ، وارحم تلك الاعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وارحم الصرخة التي كانت لنا، اللهم إني أستودعك تلك الانفس، وتلك الابدان حتى توافيهم على الحوض يوم العطش» فما زال وهو ساجد يدعو بهذا الدعاء، فلما انصرف قلت: جعلت فداك، لو أن هذا الذي سمعت منك كان لمن لا يعرف الله لظننت أن النار لا تطعم منه شيئا، والله لقد تمنيت أني كنت زرته ولم أحج، فقال لي: ما أقربك منه، فما الذي يمنعك من زيارته؟!.. ثم قال: يا معاوية!.. لم تدع ذلك ؟.. قلت: لم أدر أن الامر يبلغ هذا كله، قال: يا معاوية!.. من يدعو لزواره في السماء أكثر ممن يدعو لهم في الارض، يا معاوية لا تدعه، فمن تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده، أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله وعلي وفاطمة والائمة ؟.. أما تحب أن تكون غدا ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى ويغفر له ذنوب سبعين سنة ؟.. أما تحب أن تكون غدا ممن تصافحه الملائكة؟.. أما تحب أن تكون غدا فيمن يخرج وليس له ذنب فيتبع به؟.. أما تحب أن تكون غدا ممن يصافح رسول الله ؟.. - ثواب الأعمال، للصدوق، 95.
نعم هذا ما يسمونه من الحب للحسين الذي نشهد الله عزوجل أنه رضي الله عنه بريء منهم ومن هذا الصنف الذي يدعي محبته وموالاته على هذا الوجه.
فعندما قالت الشيعة الاثني عشرية واعتقدت بالامامة وأدخلوا أنفسهم في مأزقها توسعوا من خلالها ليدخلوا أنفسهم في مآزق أخرى عظيمة شنيعة، منها:
1- القول والاعتقاد بتحريف القرآن العظيم بادعاء النقص والزيادة في آياته وسوره والعياذ بالله. وذلك عندما زعموا أن الإمامة نص من الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأن عليا رضي الله عنه منصوص عليه بالإمامة والخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة بلا فصل في القرآن العظيم، فوجدوا بعد مطالبة أهل السنة والجماعة وإلزامهم بإثبات ما يدعون من القرآن العظيم، أن آياته لا تسعفهم بل تصفعهم وتقول لهم لا وجود لما تدعون ولا إشارة حتى، اتخذوا هذا القرآن العظيم عدوا لهم فعادوه وادعوا في حقه أمرا شنيعاً كفراً به من أنه قد حُرف وبدل وغيُر ونًقص منه وزِيد فيه وحُذفت منه آيات النص على علي رضي الله عنه وأولاده بالإمامة والخلافة والعياذ بالله.
فلم يراعوا حرمة لكتاب الله عزوجل القرآن العظيم وهان وسهل عليهم الطعن في آياته وسوره والعياذ بالله.
ولكن الله عزوجل لهم بالمرصاد وليس بغافل عما يقولون ويدعون ويفعلون وهو القائل جل جلاله: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ)[البقرة: 79].
فالله قد بين لنا عظيم شأن كلامه القرآن العظيم فقال عز من قائل جل شأنه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)[فصلت: 41-42]. كما بين لنا أن كلامه القرآن العظيم قد تكفل بحفظه بنفسه العظيم جل وعلا فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[الحجر: 9]). فبين لنا أيضاً من سبل حفظه لكلامه فقال سبحانه: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) [العنكبوت: 49]. إذاً لو اجتمع خبثاء الإنس والجن على أن يغيروا ما في هذا القرآن العظيم أو يأتوا بغيره أو مثله لم ولن يجدوا إلى ذلك لأنفسهم من سبيل، فها نحن أهل السنة والجماعة في هذا العهد البعيد عن عهد التنزيل نتحدى هولاء جميعاً أن يخفوا هذا القرآن العظيم عن أنظار العالم كله فوالله الذي لا إله إلا هو ليكتبنه غلمان أهل السنة والجماعة مصحفاً كاملاً من غير نقص أو زيادة في حرف من حروفه قبل أن تغيب الشمس. فهل يقبلون هذا التحدي؟
2- القول بردة الصحابة ورميهم بالكفر والنفاق وسبهم ولعنهم والعياذ بالله وعلى رأسهم أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وهكذا شأنهم مع أمهات المؤمنين زوجات رسول رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم لا سيما العالمة الجليلة المفسرة الفقيهه الطاهرة النظيفة الشريفة العفيفة السيدة عائشة رضي الله عنهن.
فادعوا إلى جانب ما أدعوا في حقهم أعني بهم أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم من غصبهم للإمامة والخلافة أنهم حرفوا القرآن العظيم ونقصوا منه وزادو فيه وبدلوه وغيروه وحذفوا منه الآيات والسور الدالة على إمامة وخلافة علي رضي الله عنه وأولاده زعموا.
ولا يشك المسلم المؤمن ولا يرتاب من أن قولهم هذا بهتان عظيم وادعاء سقيم في حق من بهم حفظ الله عزوجل شريعته بكتابه القرآن العظيم وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، فرضي الله تبارك وتعالى عنهم أجمعين.
وما هذه الدعوى المكشوف سرها المفضوح أمرها إلا محاولة فاشلة يائسة بائسة منهم لإلصاق فعلهم الشنيع من التلاعب بآيات القرآن العظيم والعمل على تحريفه بادعاء أن بعض اياتهم وسورهم المخترعة من تلقاء أنفسهم كانت من ضمن آيات وسور القرآن العظيم التي يدعون من أنها حرفت وحذفت من القرآن العظيم، كسورتهم المزعومة (الولاية) وكذلك (النورين) وكآياتهم من مثل (ان الذين ظلموا آل محمد حقهم..) بالصحابة الأجلاء الكرام العظام أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين ، الذي يضحك منه الصغير قبل الكبير لا سيما من درس القرآن العظيم ودرس علومه وخلطه بعظمه ولحمه ودمه.
فمجرد النظر في سياق ما زعموا من أنها من سور وآيات القرآن العظيم التي حرفت وحذفت منه، يتبادر إلى الذهن قول الله عز وجل: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ)[البقرة: 79]. في أنها تعبير وتركيب بشري لا إلهي يدل على ذلك ركاكة ألفاظها التي تتصادم مع بلاغة القرآن العظيم وفصاحته وإعجازه.
3- القول بالغلو والشرك، فعند تعظيمهم للإمامة وإعطائها من المنزلة والصفات ما لم ينزل الله بها من سلطان، أعطوا من منطلقها لمن قالوا بإمامتهم من المنزلة والصفات ما لم ينزل الله بها من سلطان، فادعوا فيهم صفات الريوبية والألوهية، حتى قال شيخهم المامقاني: (أن ما كان يعد عند القدماء غلوا فهو اليوم من ضروريات المذهب)- تنقيح المقال، للمامقاني، 3/240، أنظر أيضاً: مستدركات علم رجال الحديث، لعلي النمازي الشاهرودي، 6/44.
لذا لا يشك المسلم المؤمن ولا يرتاب في أن أصل دين الشيعة الاثني عشرية الإمامية مأخوذ من اليهودي عبدالله بن سبأ الذي ادعى الربوبية والألوهية في علي رضي الله عنه، وقد بينت ذلك من كتبهم في موضع آخر فمن أراد الوقوف عليه فلينظر كتابنا (من حقوق أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ومن أراد الوقوف على حقيقة أمر الإمامة هذه فلينظر ما كتبه شيخنا وأستاذنا الفاضل فيصل نور حفظه الله بعنوان (الإمامة والنص) وقد اختصره مؤخرا بإسم (تهافت الإمامة).
نعم وهكذا جر القول بمأزق الإمامة الشيعة إلى القول بمآزق أخرى شنيعة.