معنى قول بعض السلف" أمروها كما جاءت" :


ان معنى قول السلف أمروها كما جاءت أي اعتقدوها وءامنوا بها وبما دلت عليه من المعنى دون التعرض لها بالتحريف ولا بالتأويل ولا بالتشبيه ولابالتمثيل مع عدم التعرض للكيفية .

ولذلك فان بعض الروايات كما عند البيهقي في الاعتقاد واللالكائي في اعتقادأهل السنة والذهبي في العلو (أمروها كما جاءت بلا كيف ) وهذا نص صريح في الايمان بها وبمعناها دون التعرض للكيفية, ولو لم يكونوا يؤمنون بمعناها ما كان لتخصيص ذكر الكيفية فائدة.

قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد إيراده لرواية أبو بكر الخلال عن مكحول والزهري (أمروها كما جاءت ) وفي رواية بلا كيف قال:( فقولهم رضى الله عنهم أمروها كما جاءت رد على المعطلة وقولهم بلا كيف رد على الممثلة والزهرى ومكحول هما أعلم التابعين فى زمانهم)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ( الفتوى الحموية ) ص 109 مطبعة السنة المحمدية
(فقول ربيعة ومالك : الاستواء غير مجهول . . . موافق لقول الباقين
(أمروها كما جاءت بلا كيف ) فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة .
ولو كان القوم آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا : ( الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ) ولما قالوا : ( أمروها كما جاءت بلا كيف) فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم
وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبت الصفات.
وأيضا فإن من ينفي الصفات الجزئية - أو الصفات مطلقا - لا يحتاج إلى أن يقول ( بلا كيف ) فمن قال : ( إن الله ليس على العرش ) لا يحتاج أن يقول ( بلا كيف ) فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر فلما قالوا : بلا كيف؟
وأيضا فقولهم ( أمروها كما جاءت ) يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه فإنها جاءت ألفاظا دالة على معاني فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال : ( أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد . أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن من الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة ) وحينئذ تكون قد أمرت كما جاءت ولا يقال حينئذ ( بلا كيف ) إذا نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول).

وقال صاحب التحفة المدنية:
(قولهم رضي الله عنهم أمروها كما جاءت رد على المعطلة وقولهم بلا كيف رد على الممثلة والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم والأربعة الباقون هم أئمة الدين في عصر تابعي التابعين فمالك إمام الحجاز والأوزاعي إمام أهل الشام والليث إمام أهل مصر وسفيان الثوري إمام أهل العراق)

إشكال ورده :
قد يشكل على البعض رواية (أمروها كما جاءت بلا تفسير ) وقد يتعلق بها المفوضة في تصحيح مذهبهم مدعين ان قصد السلف بها تفويض المعنى والكيف معاً , ومثلها قول أحمد بن حنبل رحمه الله (لا كيف ولا معنى)
فنقول أولا انه لفهم هذه النصوص لا بد من فهمها في ضوء ما يقول به قائلها في سائر نصوص الصفات , فان من روي عنه هذه المقوله هو هو الذي يؤمن بالمعنى ولا يخوض في الكيف .
ومقصد أهل العلم من قولهم
أمروها كما جاءت: الرد على المعطلة
وقولهم بلا تفسير: رد على المؤوله الذين يفسرونها بغير المراد منها ويحرفون الكلم عن مواضعه كتفسير الاستواء بالاستيلاء واليد بالنعمة
وقولهم بلا كيف : رد على الممثلة والمشبهة الذين يخوضون في الكيف ويشبهون كيفية الصفات في حق الخالق بكيفيتها في حق المخلوق.

ولا يفهم من قولهم بلا تفسير انه بلا معرفة معناها التي دلت عليه إذا ان الائمة كمالك وربيعة وأحمد والأوزاعي وغيرهم كانوا يؤمنون بالمعنى ويفوضون الكيف ومن الأدلة على ذلك ما اخرجه الذهبي في العلو قال:
وروى يحيى بن يحيى التميمي وجعفر بن عبد الله وطائفة قالوا جاء رجل إلى مالك فقال : يا أبا عبد الله ( الرحمن على العرش استوى ) كيف استوى ؟ قال : فما رأيت مالكا وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء يعني العرق وأطرق القوم فسري عن مالك وقال : الكيف غير معقول والإستواء منه غير مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وإني أخاف أن تكون ضالا وأمر به فأخرج )
فهذا مالك رحمه الله يصرح بان الاستواء غير مجهول المعنى وان المجهول لنا هو الكيف فقط فنفوض العلم به الى الله عز وجل.

وقال شيخ الاسلام :
(أمرّوها كما جاءت . يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، وتحذير الناس من التماس معان مخالفة للمعنى المتبادر من اللفظ ، فإنها جاءت ألفاظاً دالة على معاني فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال:
أمرّوا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة)
مجموع فتاوى ابن تيمية 15/41

فبهذا علم معنى قولهم بلا تفسير أي بلا تفسير المتاؤولة والمعطلة الذين يوجدون معاني وتفسيرات باطلة ويردون المعنى والتفسير الحق.

أما قول أحمد رحمه الله (بلا كيف ولا معنى )فهو مما انفرد به حنبل عن الامام أحمد بن حنبل رحمه الله وانفراد حنبل عن أحمد ضعفة بعض الحنابلة قال شيخ الاسلام:(قال قوم: غلط حنبل في نقل الرواية، وحنبل له مفاريد ينفرد بها من الجمهور, وقد اختلف الأصحاب في مفاريد حنبل التي خالفه فيها هل تثبت روايته؟ على طريقين، فالخلال وصاحبه قد ينكرانها، ويثبتها غيرهما كابن حامد)
ونقول وعلى فرض صحتها عن أحمد رحمه الله فانا نفهم كلامه في ضوء سائر معتقده فانه قصد بلا كيف ردا على المشبهة والممثلة
وقصد بقوله بلا معنى ردا على على المعطلة والمؤوله الذين يثبتون معان فاسدة ويعطلون المعنى الحقيقي.
ويؤكد هذا رسالة السنة التي رواها عبدوس بن مالك العطار عن أحمد أن من السنة الإيمان بالقدر والتصديق بالأحاديث فيه والإيمان بها، لا يقال: لِمَ وكيف ومثل ؟والكلام فيه بدعة والحديث عندنا على ظاهره، وحديث الرؤية كما جاء عن النبي نؤمن به كما جاء على ظاهره ولا نناظر فيه أحداً، والإيمان بالميزان يوم القيامة كما جاء » طبقات لحنابلة 1/ 179 – 180 واللالكائي 1/156

وهذا القول شبيه بقوله في نصوص الرؤية كما عند الخلال:
(سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى(إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا) و( أن الله يُرى )و ( إن الله يضع قدمه) وما أشبهه؟ فقال: نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى…) طبقات الحنابلة 1/143
فقوله (لا كيف) رد على المشبهة.
وقوله (ولا معنى) رد على المعطلة الذين ينفون المعنى الصحيح بإيراد معانٍ باطلة لا سلف لهم بها

فالإمام أحمد يسوق الكلام في نصوص الوعيد والقدر والصفات والقيامة سوقاً واحداً، ولم يعرف عن أحمد تفويض معاني نصوص القدر والميزان والرؤية.
ويجب فهم كلام أحمد مقيداً بموقفه الفعلي من الصفات كما يدل عليها كتابه (الرد على الجهمية) الذي اثبته له الحافظ في الفتح حيث رد فيه معاني الجهمية الباطلة ولم يقف عند هذا الحد بل بيّن المعنى الصحيح لها، ولم يقل لا معنى لها .

وبهذا تبين ان نصوص السلف الواردة عنهم تدل على اثباتهم المعنى وتفويضهم الكيف مع نهيهم عن تفسير نصوص الصفات على تفسير غير تفسيرها الصحيح بالتأويلات الباطلة والمتعسفة ))(1).
-----
(1) نقلا عن الأخ هيثم عبد اللطيف حمزه