آخر تحديث للموقع :

الجمعة 4 رمضان 1442هـ الموافق:16 أبريل 2021م 02:04:11 بتوقيت مكة

جديد الموقع

لوكان الله تعالى فوق العرش لما صح القول بأنه تعالى قريب ‏من عباده ..

تاريخ الإضافة 2020/06/05م

لوكان الله تعالى فوق العرش لما صح القول بأنه تعالى قريب ‏من عباده


والجواب على هذه الشبهة أن يقال ‏‎:‎
ليس في القرآن وصف الله بالقرب من كل شيء أصلا بل قربه الذي في القرآن خاص لا عام؛ كقوله تعالى: {وَإِذَا ‏سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُ واْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ ‏بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [11] فهو سبحانه قريب ممن دعاه.‏
وكذلك ما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنهم كانوا مع النبي ‏ في ‏سفر، فكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير؛ فقال: «يأيها الناس، ارْبَعوا على أنفسكم ‏فإنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب ‏إلى أحدكم من عُنُق راحلته» فقال: «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم» لم يقل: ‏إنه قريب إلى كل موجود، وكذلك قول صالح عليه السلام : {فَاسْتَغْفِرُوه ُ ثُمَّ تُوبُواْ ‏إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [12] هو كقول شعيب: {وَاسْتَغْفِرُوا ْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ‏إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [13]، ومعلوم أن قوله: {قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} مقرون بالتوبة ‏والاستغفار، أراد به قريب مجيب لاستغفار المستغفرين التائبين إليه، كما أنه ‏رحيم ودود بهم، وقد قرن القريب بالمجيب، ومعلوم أنه لا يقال: إنه مجيب لكل ‏موجود، وإنما الإجابة لمن سأله ودعاه، فكذلك قربه سبحانه وتعالى.‏
وكذلك قال النبي ‏ في الحديث المتفق على صحته: «إنكم لا تدعون أصم ولا ‏غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق ‏راحلته».‏
وذلك لأن الله سبحانه قريب من قلب الداعي، فهو أقرب إليه من عنق راحلته. ‏وقربه من قلب الداعي له معنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين يقولون: إن الله ‏فوق العرش، ومعنى آخر فيه نزاع.‏
فالمعنى المتفق عليه عندهم يكون بتقريبه قلب الداعي إليه، كما يقرب إليه قلب ‏الساجد؛ كما ثبت في الصحيح: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» ‏فالساجد يقرب الرب إليه فيدنو قلبه من ربه، وإن كان بدنه على الأرض. ومتى ‏قرب أحد الشيئين من الآخر صار الآخر إليه قريبًا بالضرورة. وإن قدر أنه لم ‏يصدر من الآخر تحرك بذاته، كما أن من قرب من مكة قربت مكة منه.‏
وقد وصف الله أنه يقرب إليه من يقربه من الملائكة والبشر، فقال: {لَّن يَسْتَنكِفَ ‏الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدا لله وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} [60]، وقال: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ‏أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [61]، وقال تعالى: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ ‏وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} [62]، وقال تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [63]، وقال: {أُولَئِكَ ‏الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [64]، وقال: {وَنَادَيْنَاهُ مِن ‏جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [65].‏
وأما قرب الرب قربًا يقوم به بفعله القائم بنفسه، فهذا تنفيه الكُلابية ومن يمنع قيام ‏الأفعال الاختيارية بذاته. وأما السلف وأئمة الحديث والسنة، فلا يمنعون ذلك، ‏وكذلك كثير من أهل الكلام.‏
فنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، ونزوله عشية عرفة، ونحو ذلك هو من هذا ‏الباب؛ ولهذا حد النزول بأنه إلى السماء الدنيا، وكذلك تكليمه لموسى عليه السلام ‏فإنهلو أريد مجرد تقريب الحجاج وقوام الليل إليه، لم يخص نزوله بسماء الدنيا، ‏كما لم يخص ذلكفي إجابة الداعي وقرب العابدين له، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ ‏عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [66].‏
وقال: «من تقرب إلى شبرًا تقربت إليه ذراعًا» وهذه الزيادة تكون على الوجه ‏المتفق عليه، بزيادة تقريبه للعبد إليه جزاء على تقربه باختياره. فكلما تقرب العبد ‏باختياره قَدْر شبر زاده الرب قربًا إليه حتى يكون كالمتقرب بذراع. فكذلك قرب ‏الرب من قلب العابد، وهو ما يحصل في قلب العبد من معرفة الرب والإيمان به، ‏وهو المثل الأعلى، وهذا أيضا لا نزاع فيه، وذلك أن العبد يصير محبًا لما أحب ‏الرب، مبغضًا لما أبغض، مواليًا لمن يوالي، معاديا لمن يعادي، فيتحد مراده مع ‏المراد المأمور به الذي يحبه الله ويرضاه.(1)‏

وقال صلى الله عليه وسلم((أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل ‏الآخر,فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن)(2)‏
وليس هذا القرب كقرب الخلق المعهود منهم,كما ظنه من ظنه من أهل الضلال,وإنما هو ‏قرب ليس يشبه قرب المخلوقين,كما أن الموصوف به(ليس كمثله شيء وهو السميع ‏البصير)))))(3).‏
بل هو قرب حقيقي والرب تعالى فوق سماواته على عرشه والعبد في الأرض(4)‏

و قد(( ذكر الله تعالى قربه من بعض عباده في حالتين اثنتين فقط: الأولى: ذكر في معرض إجابة دعاء من ‏دعاه حيث يقول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}421، ‏ومعنى القرب هنا واضح، وهو قرب إجابة من دعاه، إذ هو معه، قريب منه، يرى مكانه، ويسمع دعاءه، ‏ويعلم ما يريد العبد أن يقوله قبل أن يقوله لأنه هو الذي وفقه ليدعوه، ثم هو الذي يجيب دعاءه، فهذا ‏قربه من داعيه. يقول بعض أهل العلم: إن الآية المذكورة نزلت جواباً للصحابة رضي الله عنهم حين سألوا ‏رسول الله عليه الصلاة والسلام قائلين: "ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه"؟ فأنزل الله هذه الآية. ‏
الثانية: ذكر القرب في إثابة عابديه، والمتقربين إليه بالأعمال الصالحة، وذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ‏‏"أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد"422، وقال عليه الصلاة والسلام: "أقرب ما يكون الرب من ‏العبد في جوف الليل الآخر"423. وورد في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ‏‏"كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: "يا أيها الناس! أربعوا على ‏أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق ‏راحلته". هكذا ينتهي الحديث عن المعية والقرب معاً بهد التوفيق بينهما، وبين علو الله تعالى على خلقه، ‏لنثبت بأنه تعالى مع عباده، وقريب منهم وهو في علوه، والعلو وصف ذاتي له سبحانه، دائماً وأبداً.))(5)‏
والسلف "أهل السنة والجماعة" يجرون هذه النصوص على ظاهرها وحقيقة معناها اللائق بالله عز ‏وجل من غير تكييف ولا تمثيل. قال شيخ الإسلام ابن تيميه في شرح حديث النزول ص466 جـ5 ‏من مجموع الفتاوى: "وأما دنوه نفسه وتقربه من بعض عباده فهذا يثبته من يثبت قيام الأفعال ‏الاختيارية بنفسه، ومجيئه يوم القيامة ونزوله واستواءه على العرش، وهذا مذهب أئمة السلف وأئمة ‏الإسلام المشهورين وأهل الحديث، والنقل عنهم بذلك متواتر". أهـ.‏
‏ فأي مانع يمنع من القول بأنه يقرب من عبده كيف يشاء مع علوه؟‏
‏ وأي مانع يمنع من إتيانه كيف يشاء بدون تكييف ولا تمثيل؟
‏ وهل هذا إلا من كماله أن يكون فعالاً لما يريد على الوجه الذي يليق به؟(6)‏
وقال سبحانه وتعالى ‏‎:‎‏ ((فَاسْتَغْفِرُوه ُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ))‏‎]‎هود61‏‎[‎
وقال عز وجل ‏‎:‎‏ ((وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ))‏‎]‎هود90‏‎[‎‏.‏
ومعلوم أن قوله: {قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} مقرون بالتوبة والاستغفار، أراد به قريب مجيب ‏لاستغفار المستغفرين التائبين إليه، كما أنه رحيم ودود بهم، وقد قرن القريب ‏بالمجيب، ومعلوم أنه لا يقال: إنه مجيب لكل موجود، وإنما الإجابة لمن سأله ‏ودعاه، فكذلك قربه سبحانه وتعالى.‏
وقال تعالى ‏‎:‎‏ ((إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)) ‏‎]‎الأعراف56‏‎[‎‏ ‏
فذكر الخبر وهو ((قريب)) عن لفظ ((الرحمة)) وهي مؤنثة,إيذانا بقربه تعالى من المحسنين,فكأنه ‏قال ‏‎:‎‏ إن الله برحمته قريب من المحسنين.‏
ويوضح ذلك ‏‎:‎‏ أن الرحمة لما كانت صفة من صفات الله تعالى,وصفاته قائمة بذاته,فإذا كانت ‏قريبة من المحسنين,فهو قريب سبحانه منهم قطعا.‏
فالرب تبارك وتعالى قريب من المحسنين،‎ ‎ورحمته قريبة منهم، وقربه يستلزم قرب رحمته. ففي حذف التاء ههنا ‏تنبيه على هذه‎ ‎الفائدة العظيمة الجليلة. إن الله تعالى قريب من المحسنين، وذلك يستلزم القربين‎: ‎قربه وقرب رحمته؛ ‏ولو قال: إن رحمة الله قريبة من المحسنين،لم يدل على قربه تعالى‎ ‎منهم؛ لأن قربه تعالى أخص من قرب رحمته، ‏والأعم لا يستلزم الأخص، بخلاف قربه، فإنه لما كان أخص استلزم الأعم، وهو قرب رحمته.‏
فكان في بيان قربه سبحانه من المحسنين، من‎ ‎التحريض‎ ‎على‎ ‎الإحسان، واستدعائه من النفوس، وترغيبها فيه غاية ‏حظ لها، وأشرفه وأجلُّه على‎ ‎الإطلاق، وهو أفضل إعطاء أُعطيه العبد، وهو قربه تبارك وتعالى من عبده، الذي هو‎ ‎غاية الأماني، ونهاية الآمال، وقرة العيون، وحياة القلوب، وسعادة العبد كلها. فكان‏‎ ‎في العدول عن ( قريبة ) إلى ( ‏قريب ) من استدعاء الإحسان، وترغيب النفوس فيه، ما لا‎ ‎يختلف بعده إلا من غلبت عليه شقاوته، ولا قوة إلا بالله.‏
فتبين بهذا ‏‎:‎‏ أن الله سبحانه وتعالى قريب من المحسنين بذاته ورحمته قربا ليس له نظير وهو مع ذلك فوق سماواته ‏على عرشه فإنّ علوّه سبحانه على سمواته من لوازم ذاته فلا يكون قط إلاّ عاليا ولا ‏يكون فوقه‎ ‎شيء البتة كما قال أعلم الخلق صلى الله عليه وسلم((وأنت الظاهر ‏فليس فوقك شيء)(7)‏


------------------‎ ‎
‏(1)مجموع الفتاوى(5/503-513).‏
‏(2)رواه النسائي وصححه الألباني.‏
‏(3) فتح الباري لابن رجب.‏
‏(4)مدارج السالكين لابن القيم(3/272).‏
‏(5)الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية للشيخ محمد أمان جامي رحمه الله.‏
‏(6) القواعد المثلى للشيخ ابن عثيمين رحمه الله.‏
‏(7)أنظر مجموع الفتاوى(5/493) وبدائع الفوائد(3/17-32) ومختصر ‏الصواعق(2/268-271).‏

عدد مرات القراءة:
218
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :