آخر تحديث للموقع :

الثلاثاء 10 شعبان 1445هـ الموافق:20 فبراير 2024م 10:02:24 بتوقيت مكة

جديد الموقع

يجب منع الرجال من تعليم البنات والنساء من تعليم الصبيان في الصفوف الابتدائية ..

قال ابن باز زعيم الوهابية إنه يجب منع الرجال من تعليم البنات والنساء من تعليم الصبيان في الصفوف الابتدائية
فتاوى المرأة" ص27 دار الوطن، الرياض


الجـواب:
بيان لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- بعنوان(خطورة تعليم النساء للبنين)وهو موجود في كتاب فتاوى إسلامية جمع الشيخ الدكتور محمد المسند، وأرى أن نسوقه كاملاً لفائدته وأهميته في هذه المسألة.
 
قال -رحمه الله-: "الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
 
أما بعد:
فقد أطلعت على ما نشرته صحيفة المدينة عدد (3898) وتاريخ(30/2/1397هـ) بقلم من سمت نفسها (نورة بنت...) تحت عنوان(وجهاً لوجه) وخلاصة القول أن نورة المذكورة ضمها مجلس مع جماعة من النساء بحضرة عميدة كلية التربية بجدة فائزة الدباغ، ونسبت نورة المذكورة إلى فائزة استغرابها عدم قيام المعلمات بتعليم أولادنا الذكور في المرحلة الابتدائية، ولو إلى الصف الخامس، وأيدتها نورة المذكورة للأسباب المنوه عنها في مقالها، وإني مع شكري لفائزة ونورة وزميلاتها على اهتمامهن بموضوع تعليم أولادنا الصغار، وحرصهن على مصلحتهم، أرى من واجبي التنبيه على ما في هذا الاقتراح من الأضرار والعواقب الوخيمة، وذلك أن تولى النساء لتعليم الصبيان في المرحلة الابتدائية يفضي إلى اختلاطهن بالمراهقين والبالغين من الأولاد الذكور؛ لأن بعض الأولاد لا يلتحق بالمرحلة الابتدائية إلا وهو مراهق، وقد يكون بعضهم بالغاً؛ ولأن الصبي إذا بلغ العشر يعتبر مراهقاً، ويميل بطبعه إلى النساء؛ لأن مثله يمكن أن يتزوج ويفعل ما يفعله الرجال، وهناك أمر آخر وهو أن تعليم النساء للصبيان في المرحلة الابتدائية يفضي الاختلاط، ثم يمتد ذلك إلى المراحل الأعلى، فهو فتح لباب الاختلاط في جميع المراحل بلا شك، ومعلوم ما يترتب على اختلاط التعليم من المفاسد الكثيرة، والعواقب الوخيمة التي أدركها من فعل هذا النوع من التعليم في البلاد الأخرى، فكل من له أدنى علم بالأدلة الشرعية، وبواقع الأمة في هذا العصر من ذوي البصيرة الإسلامية على بنينا وبناتنا يدرك ذلك بلا شك، وأعتقد أن هذا الاقتراح مما ألقاه الشيطان، أو بعض نوابه على لسان فائزة ونورة المذكورتين، وهو بلا شك مما يسر أعداءنا وأعداء الإسلام، ومما يدعون إليه سراً وجهراً.
 
ولذا فإني أرى أن من الواجب قفل هذا الباب بغاية الإحكام، وأن يبقى أولادنا الذكور تحت تعليم الرجال في جميع المراحل، كما يبقى تعليم بناتنا تحت تعليم المعلمات من النساء في جميع المراحل، وبذلك نحتاط لديننا وبنينا وبناتنا، ونقطع خط الرجعة على أعدائنا، وحسبنا من المعلمات المحترمات أن يبذلن وسعهن بكل إخلاص وصدق وصبر على تعليم بناتنا في جميع المراحل، ومن المعلوم أن الرجال أصبر على تعليم البنين، وأقوى عليه، وأفرغ له من المعلمات في جميع مراحل التعليم، كما أن من المعلوم أن البنين في المرحلة الابتدائية وما فوقها يهابون المعلم الذكر ويحترمونه، ويصغون إلى ما يقول أكثر وأكمل مما لو كان القائم بالتعليم من النساء، مع ما في ذلك كله من تربية البنين في هذه المرحلة على أخلاق الرجال وشهامتهم وصبرهم وقوتهم، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)) هذا الحديث الشريف يدل على ما ذكرناه من الخطر العظيم في اختلاط البنين والبنات في جميع المراحل، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وواقع الأمة كثيرة لا نرى ذكرها هنا طلباً للاختصار، وفي علم حكومتنا -وفقها الله- وعلم معالي وزير المعارف، وعلم سماحة الرئيس العام لتعليم البنات وحكمتهم جميعاً -وفقهم الله- ما يغني عن البسط في هذا المقام، وأسأل الله أن يوفقنا لكل ما فيه صلاح الأمة ونجاتها وصلاحنا، وصلاح شبابنا وفتياتنا وسعادتهم في الدنيا والآخرة، إنه سميع قريب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم".


للفائدة هذا موضوع
تعليم المعلمات الأطفالَ الذكور رؤية شرعية

(مادة مرشحة للفوز بمسابقة كاتب الألوكة الثانية)

 
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
أما بعد:
فإن مما لا شك فيه أن التعليم يُعد من الروافد المهمة لنهوض أي أمة، وما من أمةٍ تقدمت، وصار لها شأن، إلا وكان تطوير تعليم أبنائها من ركائز تقدمها، فبالتعليم يمكن صياغة شعب بأكمله من جديد، والعملية التعليمية ليست عملية أداء وظيفي محض، بل هي عملية وضع اللبنات الأساسية في بناء الإنسان، ولا يتحقق ذلك إلا بوجود المعلم الذي تتجسد به القيم والمبادئ الاجتماعية والدينية، ويعكس النموذج الذي يجب أن يُحتذى من قبل الطالب أو الطالبة.
 
وإن أبرز ما يواجه الأمة الإسلامية هو سقوطها -أثناء محاولة استعادة نهضتها- في فخ المفاهيم والرؤى الغربية، وهو الأمر الذي قادها إلى حالة من التخبط في فهم التاريخ، وطريقة النظر إلى المستقبل، ولقد استسلم المسلمون لحديث الغرب وللحضارة الغربية، ونظروا إلى أنفسهم من خلال الغرب فقط.
 
ولقد أُخذ كثيرٌ على شبابنا تقليد الغرب في مظاهر حياته المترفة، بعيداً عن جوهر عملية التقدم، حيث العلم والأبحاث والتكنولوجيا والصناعة المتطورة، وعلى نفس المنوال تجري عملية تطوير كافة القطاعات ومنها التعليم، ويُكتفى فيه فقط بالأخذ بالمظاهر، فتقتصر عملية التطوير لدينا على الاختلاط في المدارس، أو مسخ المناهج، أو تأنيث التعليم[1] وما إلى ذلك، ولا ندري لماذا في أي عملية للتطوير نتجه غرباً، ونبحث عن المظاهر الشكلية، ونحاول أن ننقلها بكل سلبياتها وإيجابياتها؟[2].
 
ومن المعلوم أن المرحلة الابتدائية مرحلة أولية في حياة الطالب، وهي مرحلة حساسة جداً، تحتاج إلى عناية خاصة؛ لأنها تشكل الملامح المبدئية لشخصية الطالب، فلا بد أن يكون المعلم فيها على قدر كافٍ من الصبر، والوعي بكيفية التعامل مع الأطفال؛ لتأسيس جيل قوي في إيمانه، وشخصيته، وجميع خصائصه.
 
ولا بد من الاعتناء بمعلم المرحلة الابتدائية بإقامة الدورات التأهيلية والتثقيفية في التعامل مع الأطفال في هذه المرحلة، ولكن -للأسف- أننا نجد أن المرحلة الابتدائية مهملة على حساب المتوسطة والثانوية، مع أن المفروض أن تُعطى اهتمام أكبر كون معلمين الصفوف الدنيا هم الذين يؤسسون، ويبنون للمراحل التي فوقها! فهي محتاجة إلى المعلم الواعي الصبور والحكيم، الذي يعامل الأطفال مثل أولاده، لا كمعلم ناقل للمعلومة فقط، أو كجلاد للطلاب.
 
وفي كل يوم تطلُّ علينا في شتى مناحي الحياة إشكالاتٌ عديدة متنوعة، نحتاج معها في أحايين كثيرة إلى استشارة تنير لنا الطريق، لكن العجيب أن الكثيرين منا يبحثون حل هذه الإشكالات، والحُكم عليها من خلال آراء البشر التي لا تعرِف استقراراً، ولا تؤمنُ بثبات، فهي مُتقلِّبة تقلُّب مسارات الحياة! ولقد دلنا الشارع الحكيم سبحانه أن الطريق الأوحد والممهد لحل كل مشاكل وإشكاليات حياتنا المتزايدة هو الرجوع إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا الكريم.
 
بل وأكدت الآيات أن أصل الإيمان ينتفي عمن لا يُحكِّمهما في حياته ويرجع إليهما، قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا[(65) سورة النساء] لكننا نجد الآن -وللأسف- من يُحيل إشكالياتِ واقعنا إلى العقل والمنطق والهوى! ليجعلها له قِبْلة بعد ذلك يؤمُّها كلما اعترض عليه أحد، أو خالفه، ومن هذه الإشكاليات الجديدة التي تشتعل الآن في الأوساط التعليمية بل والمجتمعية تدريس النساء الأطفال الذكور في الصفوف الأولية[3].
 
وهذا ما سنتناوله في هذا البحث من حيث مشروعية هذا العمل، وهل له أصل من الناحية الشرعية والتاريخية أو لا أصل له؟ وهل هو من السياسات الشرعية والمصالح المرعية أو لا؟ وهل له مساوئ أو لا مساوئ له؟
 
وقبل البدء في تناول الموضوع لا بد من معرفة أمور هامة، وهي:
أولاً: لا بد أن نعرف أن الفقه ليس معرفة الخير من الشر، والمصلحة من المفسدة، بل هو معرفة خير الخيرين، وشر الشرين، فتُحَصّلُ أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدرأ أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما، وهذا هو الفقه المطلوب عند التزاحم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، إنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين، وشر الشرين، وينشد:

 

وقال"وتمام الورع أن يعلم الإنسان خير الخيرين، وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية، والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات، ويفعل محرمات، ويرى ذلك من الورع..."[5].
 
وقال: "والشارع دائماً يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويدفع شر الشرين بالتزام أدناهما..."[6]. وقال: "فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بتحصيل أعظم الضررين، فان الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعاً، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعاً..."[7].
 
وقال: "فالأقل ظلماً ينبغي أن يعاون على الأكثر ظلماً؛ فإن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين، حتى يقدم عند التزاحم خير الخيرين، ويدفع شر الشرين..."[8].
 
وقال -رحمه الله-: "وعلى هذا استقرت الشريعة بترجيح خير الخيرين، ودفع شر الشرين، وترجيح الراجح من الخير والشر المجتمعين..."[9].
 
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما..."[10]. وقال"فيؤثِر الأعلى على الأدنى، ويقدم خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويرتكب أخف الشرين خشية حصول أقواهما..."[11].
 
ونقل عن عمر بدون إسناد قائلاً"وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر ولكنه الذي يعرف خير الخيرين، وشر الشرين..."[12].
 
ومن السهل -كما يقول أهل العلم- على كثير من الناس معرفة الخير والشر؛ لأن الفرق بينهما واضح لكل ذي فطرة سليمة، إلا أن معرفة خير الخيرين لإتباعه، وشر الشرين لاجتنابه هو الفقه الدقيق الذي يحتاجه المسلم خاصة عند كثرة الفتن، واضطراب المفاهيم، وتغير الأحوال؛ ولذا قال عمر -كما سبق-: "ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين، وشر الشرين"[13] لأنه كما قال الشاعر:

ثانياً: لا بد أن يعلم المسلم أن باب سد الذرائع باب عظيم في الشريعة، وهو في الأصل يتعامل مع المباحات، ولكن من منظور أنها قد تؤدي إلى مفاسد بالنظر إلى عنصري الزمان والمكان، بمعنى أن الحكم في أمر مباح قد يختلف باختلاف أحدهما أو كليهما، فتسد الأبواب والطرق المفضية إلى الحرام، وليس هذا من باب الظنون والشكوك والهوس كما يقول البعض، وإنما هو شرع رب العالمين.
 
وهذا الباب مُناط بأهل العلم؛ لأنه أمر اجتهادي يتطلب الرسوخ في العلم، فليس لأحد أن يتناوله بالاجتهاد سواء باستخدامه كمطية للفتوى بدون علم، أم بنقض الفتاوى الصادرة بحجة أن هذا الباب استخدم لتحويل عادات وموروثات اجتماعية إلى مقدسات، أو أنه تضييق بلا مبرر، أو ظنون فارغة؛ ولهذا نجد أن الشارع الحكيم جعل قيوداً لمنع الذريعة، ومنها:
 أن يؤدي الفعل المأذون فيه إلى مفسدة قطعاً.
 أن تكون تلك المفسدة راجحة على مصلحة الفعل المأذون فيه.
 أن يكون أداء الفعل المأذون فيه حيلة إلى المفسدة غالباً.
 
وبيّن ما هي المفسدة التي تُسد ذريعتها؟ فالمفسدة ضد المصلحة، وهي كل ما عُلم مفسدتها بطريق الشرع، ومن المعلوم أن الدين جاء ليحفظ ضرورياته الخمس(الدين، النفس، العقل، المال، النسب- أو النسل) فكل ما أفسد هذه الضروريات، أو أحد منها باعتبار الشرع فهو مفسدة، وليس لأحد أن يحدد مصلحة أو مفسدة لأمر ما بمجرد عقله وهواه، إذ إن ذلك من خصوصيات الشرع، ومعلوم عند كل عاقل أن العقل السليم يوافق النقل الصحيح.
 
وقاعدة سد الذرائع تقوم على المقاصد والمصالح، فهي تقوم على أساس أن الشارع ما شرع أحكامه إلا لتحقيق مقاصدها، من جلب المصالح ودرء المفاسد، فإذا أصبحت أحكامه تستعمل ذريعة لغير ما شرعت له، ويتوسل بها إلى خلاف مقاصدها الحقيقية، فإن الشرع لا يُقرُّ إفساد أحكامه، وتعطيل مقاصده، وقد عُلم بالاستقراء أن موارد التحريم في الكتاب والسنة يُظهِر أن المحرمات منها: ما هو محرم تحريم المقاصد، كتحريم الشرك والزنا وشرب الخمر والقتل العدوان وغيرها، ومنها: ما هو تحريم للوسائل والذرائع الموصلة لذلك والمسهلة له.
 
وهذه القاعدة -سد الذرائع- دلت عليها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ[(108) سورة الأنعام] فنهى الله تبارك وتعالى عن سب آلهة الكفار؛ لئلا يكون ذلك ذريعةً إلى سب الله تعالى، مع أن سب الكفار في أصله مشروع، لكن إذا أفضى إلى مفسدة سبهم لله تعالى فإنه يُنهى عنه.
 
ونهى سبحانه عن كلمة: (راعنا) في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا[(104) سورة البقرة] لئلا يكون ذلك ذريعةً لليهود إلى سب النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن كلمة(راعنا) في لغتهم سب للمخاطب، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا[(97) سورة النساء] ففي هذه الآية نهى الله تعالى عن الإقامة في أرض الكفر، وترك الهجرة إلى بلد الإسلام، مع أن الإقامة لا يلزم منها في ظاهرها كفر ولا نفاق، ولا ما دون ذلك، ولكن لما كانت الإقامة الدائمة بين ظهراني الكفار تؤثر في سلوك المسلم واعتقاده، وتعرضه للفتن ولو بعد زمن نهى الله عنها سداً لذريعة المفسدة.
 
ومن السنة قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))[14]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في المشبهات كان كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمًى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه))[15]وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يخلون أحدكم بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما))[16] مع أن الخلوة في ظاهرها لا محظور فيها، ولا يلزم منها الوقوع في الفاحشة، لكنها لما كانت ذريعة إليها غالباً حرَّمها الشرع، فتحريمها من تحريم الوسائل، ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع))[17] فأمر بالتفريق بينهم في المضاجع خشية أن يفضي نومهم في مضجع واحد إلى وقوعهم في الفاحشة.
 
والشواهد على أصل العمل بسد الذرائع كثيرة ومستفيضة في نصوص الوحيين، ومنها قرر أهل العلم قواعد مهمة في هذا الباب، منها"للوسائل أحكام المقاصد" و"كل ما أفضى إلى حرام فهو حرام".
 
ونجد أن هذه القاعدة تدخل في أبواب كثيرة في الشريعة، قال ابن رشد"إن أبواب الذرائع في الكتاب والسنة يطول ذكرها، ولا يمكن حصرها"[18].
 
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "باب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين"[19].
 
ويقول ابن القيم -رحمه الله-: "لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها؛ كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليها فإنه يحرمها، ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه، وتثبيتاً له، ومنعاً أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل المفضية والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم، وإغراءً للنفوس به، وحكمته تعالى تأبى ذلك كل الإباء"[20].
 
ولم ينفرد علماء الشريعة بالعمل بهذا الأصل (سد الذرائع) بل هو معمول به حتى في الأنظمة والقوانين الوضعية، وما من دولة إلا وهي تعمل بقاعدة سد الذرائع في أنظمتها وقوانينها، وإن اختلفت في درجة العمل به تضييقاً أو توسيعاً.
 
إذن فأصل قاعدة سد الذرائع متفق عليه بين أهل العلم، فكل ما يفضي إلى الحرام قطعاً فهو حرام عند أهل العلم جميعاً، ولا خلاف بينهم في هذه الصورة[21] وكذلك ما نص الشرع على تحريمه مما يفضي إلى الحرام غالباً كالخلوة مثلاً، فهم متفقون على تحريمها عملاً بالنص، لا إعمالاً لسد الذرائع.
 
فالعمل بسد الذرائع فيما يفضي إلى الحرام غالباً -هو مذهب جمهور العلماء- وإن كان لا يُقطع بإفضائه إليه؛ استشهاداً بنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخلوة بالمرأة الأجنبية، وبنهيه عن الدخول على المغيبات، وعن سفر المرأة بلا محرم، فهذه الصورة لا تفضي إلى الحرام والمفسدة قطعاً، وإنما تفضي إلى الحرام في الغالب، فاعتُبِرت، وإن كانت أحياناً لا تقع بها فتنة ولا فاحشة.
 
وفي الزمن الذي تكثر فيه الفتن، وتضطرب فيه الأفهام تبرز أهمية فقه المصالح والمفاسد، والذي يفرط في هذا الفقه يظلم نفسه وغيره، والمصالح متفاوتة (ضروري وحاجي وتحسيني) كما أن من المحرمات ما هو لذاته، وما هو لغيره، وعليه فإطلاق الأحكام لا بد من مراعاة الشرع والعقل والواقع.
 
ثالثاً: إن أهمية التعليم مسألة لم تعد اليوم محل جدل في أي منطقة من العالم، فالتجارب الدولية المعاصرة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن بداية التقدم الحقيقية، بل والوحيدة هي التعليم، وإن كل الدول التي أحرزت شوطاً كبيراً في التقدم تقدمت من بوابة التعليم، بل إن الدول المتقدمة تضع التعليم في أولوية برامجها وسياستها، ومن الطبيعي أن يكون للتحويلات والتغيرات العالمية انعكاساتها على العملية التعليمية في شتى بقاع العالم، باعتباره نظاماً اجتماعياً فرعياً داخل إطار المنظومة المجتمعية الشاملة.
 
ولهذا لا بد من العمل على تحقيق أهداف التعليم التي تلتزم السياسة التربوية الشرعية المطورة بتحقيقها، والتي منها: غرس الإيمان بالله ورسله والقيم الدينية، وتقوية الاعتزاز بالدين والأمة والذاتية الثقافية والحضارية، وتدريب الفرد على واجبات المواطنة والمشاركة المجتمعية والسياسية، وتنشئة المتعلمين على الأخلاق والقيم الفاضلة، وممارسات العمل والإنتاج والإتقان، وتمكين المتعلمين من إتقان أساسيات التعلم (القراءة والكتابة والحساب) وتمكين المتعلمين من التزود بالمعرفة والعلوم المتقدمة، وأساليب البحث والاستكشاف العلمي، وتعزيز اتجاهات ومهارات التعلم الذاتي وصولاً إلى مجتمع دائم التعلم[22].
 
يقول الشاعر (محمد إقبال) مبيناً أهمية التعليم في الأمم"إن التعليم هو (الحامض) الذي يذيب شخصية الكائن الحي، ثم يكوّنها كما يشاء، وهذا (الحامض) هو أشد قوة وتأثيرًا من أي مادة كيمائية، فهو الذي يستطيع أن يحول جبلاً شامخًا إلى كومة تراب"[23].
 
فالتعليم إذاً بمفرداته المختلفة سواء المعلم أو المنهج أو الأسلوب كلها تصب في بوتقة واحدة؛ ولذلك فإن اختلال كل تلك العناصر أو بعضها تؤدي إلى خلل في المخرجات التعليمية، ويرى كثير من الباحثين أن المعلم يعد عصب العملية التعليمية، ومن هنا ظهر الجدل حول تأنيث تعليم الأطفال في السعودية وغيرها من الدول العربية والإسلامية، وهذه القضية وإن كان لها شق تعليمي وتربوي فإن شقها الآخر هو وضعية المرأة، والسعي إلى ما يعرف بـ(تمكين المرأة) حسب المصطلحات العلمانية.
 
بقي أن نذكر ما ذكره معالي الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد: من أن التربية لباس يفصل على قامة الأمة، متسق مع تعاليمها وآدابها وأهدافها التي تعيش من أجلها، وتموت في سبيلها لباس منسجم مع مبادئها ومعتقداتها وتاريخها، وأن التربية ليست عملية بيع وشراء، وليست بضاعة تصدر أو تستورد، وأن الأمم لتخسر أكثر مما تكسب حينما تعمد في تربيتها لناشئتها ورسمها لمناهجها على استيراد المناهج، ووضع الخطط بعيداً عن أصالتها ومبادئها وتاريخها[24].
 
نعم إن أي خطأ أو انحراف في مسار التعليم -ولو بسيطاً- فإنه يؤدي إلى انحراف التعليم عن أهدافه، وانحلال المجتمع كله أو ضعفه، وليس هو كالخطأ الفردي، بل خطأ في سياسات عامة، قد تضر في بنية الجيل وهويته في المستقبل.
 
رابعاً: أن مسألة تعليم النساء للأطفال في المرحلة الابتدائية في الصفوف الدنيا فقط أو الدنيا والعليا، مسألة كثُر الخوض فيها هذه الأيام بين مؤيد لها ومعارض -وستأتي دعاوي وحجج كل فريق-، إلا أنه من المهم القول أن معرفة حكم مثل هذه المسألة وغيرها من المسائل يُرجع فيه إلى أهل العلم الراسخين فيه، العالمين بمقاصد الشريعة، والخبراء والمختصين والتربويين، لا أن يتكلم فيها أو يفتي فيها آحاد الناس، مع ضرورة مراعاة تجارب من سبق إليها (لأن المجرب لا يجرب -كما يقال- إلا بعد الدراسة والتمحيص والتأني).
 
وإن من علامات الساعة أن يتكلم الجهال في أمر العامة، كما جاء ذلك في صحيح مسلم -رحمه الله-، فعن ‏ ‏عروة بن الزبير ‏ ‏أن النبي ‏-‏صلى الله عليه وسلم- قال: ‏((‏إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعاً، ولكن ‏ ‏يقبض ‏ ‏العلماء فيرفع العلم معهم، ‏‏ويبقي في الناس رؤوساً جهالاً يفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون))[25] ‏‏وقد أخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه سيأتي على الناس سنوات خدعات يتكلم فيها في أمر العامة وفي مسائل العلم وقضايا الأمة العظام من لا يحسن ذلك، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((سيأتي على الناس سنوات خدعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة)) قيل: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: ((الرجل التافه يتكلم في أمر العامة))[26].
 
وعلى هذا فإنه لا ينبغي لعاقل أن يقحم نفسه فيما لا يحسنه ولا يخصه، وأنه لا بد من الرجوع في هذه المسائل لأهل العلم والاختصاص، وهم -ولله الحمد- موجودون.
 
خامساً: أن كثيراً ممن يثير مثل هذه المسائل اليوم لا يريد بذلك معرفة الحق والعمل به، أو تحرير المسألة علمياً، والوصول إلى الحق الذي ينفع الأمة، وإنما يريدون من الخوض في هذه المسائل هو التقليد الأعمى، ومجارة العصر والتطور كما يزعمون، أو مصالح متوهمة، كما قد تبين مقصدهم في الكلام على كثير من المسائل التي يثيرونها في هذه الأيام مستغلين جو الانفتاح، وحرية الكلمة.
 
سادساً: لا بد من معرفة أن ما يراه الحاكم أو يقرره أو يمنعه هو من السياسات التي تتضمن مصلحة معتبرة، أو درء مفسدة متوقعة يجب طاعته فيها، وإن لم يرد مثله؛ أو لم يرد فيه نصاً قاطعاً في التحريم؛ لأن هذا من باب السياسات الشرعية وبابها واسع؛ ألا ترى أن عمر أنفذ الطلقات الثلاث بلفظ واحد لما تلاعب الناس بالطلاق حيث كان الطلاق على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر بن الخطاب طلاق الثلاث واحدة؛ فقال عمر -رضي الله عنه-: "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم" ومعنى هذا أنهم كانوا يوقِعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس الآن ثلاث تطليقات.
 
لأن الناس في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعهد أبي بكر -رضي الله عنه- كانوا على صدقهم وسلامتهم لم يكن فيهم الخب والخداع فكانوا يصدقون أنهم أرادوا به التأكيد، ولا يريدون به الثلاث، فلما رأى عمر -رضي الله عنه- في زمانه أموراً ظهرت، وأحوالاً تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار، وألزمهم الثلاث، فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان[27].
 
وعلم الصحابة -رضي الله عنهم- حسن سياسة عمر، وتأديبه لرعيته في ذلك فوافقوه على ما ألزم به، وهذا هو رأي شيخ الإسلام في هذه المسألة لموافقته الدليل الصريح الذي أخرجه الإمام مسلم من حديث ابن عباس -رضي الله عنه[28]، وكذلك جلد عمر السكران ثمانين، وكان هذا عند عتو أهل الشرب بزيادة الفسق من الهذيان والقذف والضرب ونحوها في حال سكرهم، فرأى تضعيف الحد سياسة مناسبة لحالهم من سوء فعالهم، وقبح مقالهم، واستمر الحكم على ذلك حتى قال بعض الشافعية: أربعين حداً وأربعين سياسةً.
 
وجعل-رضي الله عنه- مدة غيبة الجند والمرابطين في الثغور عن زوجاتهم أربعة أشهر، فإذا مضت هذه المدة استُرِدّوا، وأرسل بدلهم غيرهم[29].
 
وكذلك قال الفقهاء"لو غلب على ظن الإمام مصلحة في التغريب تعزيراً فله أن يفعله... كما غرب عمر نصر بن الحجاج لافتتان النساء بجماله، والجمال لا يوجب نفياً"[30] إلا أنه فعله سياسة لا حداً، وفيه إشارة إلى أن السياسة أوسع باباً، وهي -في تعريف فقهائنا-: "سياسة الدنيا بالدين".
 
وقد ذكر ابن القيم ما جرى من مناظرة بين ابن عقيل ومن ينكر السياسة الشرعية، فقال -رحمه الله-: "وجرت في ذلك مناظرة بين أبي الوفاء بن عقيل وبين بعض الفقهاء، فقال ابنُ عقيل: "العملُ بالسياسة هو الحزم، ولا يخلو منه إمام" وقال الآخر: لا سياسة إلا ما وافق الشرع، فقال ابن عقيل: السياسية ما كان من الأفعال بحيث يكون الناسُ معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: لا سياسة إلا ما وافق الشرع أي: لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيحٌ، وإن أردت ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والمثل ما لا يجحده عالم بالسِّير، ولو لم يكن إلا تحريق المصاحف كان رأياً اعتمدوا فيه على مصلحة، وكذلك تحريق عليَّ -رضي الله عنه- الزنادقة في الأخاديد، ونَفْي عمر نَصْرَ بن حجاج".
 
ثم قال ابن القيم: "قلت: هذا موضع -يعني العمل بالسياسة الشرعية أو إهمالها- مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مُقامُ ضَنك، في معترك صعب، فرَّط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيّعوا الحقوق، وجرَّدوا أهل الفجور على الفساد، وأعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، وسَدُّوا على أنفسهم طرقاً صحيحة من الطرق التي يُعرفَ بها المُحِقُّ من المبطل، وعطلوا مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجب لهم ذلك نوعُ تقصر في معرفة حقيقة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها، فلما رأى وُلاة الأمر ذلك، وإن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم؛ فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل، وفساد عريض، وتفاقَمَ الأمر وتعذَّر استدراكه.
 
وأفرط فيه طائفة أخرى فسوَّغت منه ما يُناقض حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أُتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله؛ فإن الله أرسل رُسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفرَ صبحه بأي طريق كان فثم شرعُ الله[31] ودينه ورضاه وأمره، والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر، بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها، وإنما المراد غاياتها التي هي المقاصد، ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها، ولن تجد طريقاً من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعة وسبيل للدلالة عليها، وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟
 
إلى أن قال بعد أن ذكر بعض الأمثلة من السياسة الشرعية التي اتخذها أبو بكر وعمر: "إلى أضعاف ذلك من السياسات العادلة التي ساسوا بها الأمة، وهي مشقة من أصول الشريعة وقواعدها...، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد، وهو عموم رسالته -صلى الله عليه وسلم- بالنسبة إلى كل ما يحتاج إلى العبادُ في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحَدٍ بعده، وإنما حاجتهم إلى مَن يبغلهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسَل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج مَنْ بُعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلَّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به"[32].
 
سابعاً: لا بد أن نعلم أنه ما من شيء إلا وله منفعة، ولا يوجد شيء في الدنيا ليس فيه منفعة أو فائدة -في الغالب- حتى الخمر، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا[(219) سورة البقرة] إلا أن العبرة بالغالب، فما غلب خيره على شره فيشرع، وما غلب شره على خيره فيُمنع، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإنا نعلم إنما حرمت الأشياء لكونها في نفسها فساداً بحيث تكون ضرراً لا منفعة فيه، أو لكونها مفضية إلى فساد بحيث تكون هي في نفسها فيها منفعة، وهي مفضية إلى ضرر أكثر منها فتحرم، فإن كان ذلك الفساد فعل محظور سميت ذريعة، وإلا سميت سبباً ومقتضياً ونحو ذلك من الأسماء المشهورة، ثم هذه الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرم غالباً فإنه يحرمها مطلقاً، وكذلك إن كانت قد تفضي وقد لا تفضي لكن الطبع متقاض لإقضائها، وأما إن كانت إنما تفضي أحياناً فإن لم يكن فيها مصلحة راجحة على هذا الإفضاء القليل وإلا حرمها أيضاً ثم هذه الذرائع منها ما يفضي إلى المكروه بدون قصد فاعلها ومنها ما تكون إباحتها مفضية للتوسل بها إلى المحارم، فهذا القسم الثاني يجامع الحيل بحيث قد يقترن به الاحتيال تارة، وقد لا يقترن كما أن الحيل قد تكون بالذرائع، وقد تكون بأسباب مباحة في الأصل ليست ذرائع"[33].
 
وقال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- مستخدماً هذه القاعدة، ومعلقاً على من يقول بأن التلفاز فيه خير: "وأما قوله: بأنه فيه خير، نعم هو فيه خير وفيه شر، لكن في الوقت الحاضر شرُّه أكثر من خيره، والإنسان العاقل لا ينبغي أن يقتنيه في بيته حتى ولا للأخبار؛ لأنه إذا اقتناه بالبيت فلن يقتصر على الأخبار فقط، لا بد أن يأتي أخبار وغير أخبار، فنصيحتي لإخواني أن يدعوا اقتناء التلفزيون مطلقاً مهما كان"[34].
 
ثامناً: أن ما أورده كل فريق من حجج ومبررات ومسوغات في مسألة (تعليم النساء الطلاب في الصفوف الأولى) منها ما يمكن أن يصلح أن يكون مبرراً، ويمكن الرد عليه، ومنها ما هو من قبيل الشبه الواهية التي لا تنهض أو لا تصلح أن تكون مسوغاً أصلاً، ولمناقشة هذه المسألة من الناحية الشرعية لا بد من ذكر ما أورده الفريقان (القائلون بتعليم النساء الطلاب في الصفوف الأولى، والقائلين بالمنع) من مبررات وحجج، ومناقشتها، ثم النظر في الراجح.
 
أولاً: حجج القائلين بجواز تعليم النساء الطلاب في الصفوف الأولى:
يستند دعاة تأنيث التعليم (تعليم النساء الطلاب في الصفوف الأولى) إلى حجج، ومن أهمها:
 قالواإنه لا يوجد أي محظور من تعليم النساء للأطفال؛ إذ أنهم ما زالوا صغاراً، غير بالغين، ولا يوجد دليل يمنع من ذلك.
 
 وقالوا: إن الأطفال في هذه المرحلة بحاجة إلى من يقوم بدور قريب من الأم، فيحتاجون -وهم ينتقلون من المنزل إلى المدرسة- إلى رعاية خاصة قريبة من الرعاية التي كانوا يجدونها في المنزل، والذي كانت تقوم بها الأم، ومن ثم فإن المعلمة هي امتداد لدور الأم الذي يحتاج إليه الأطفال في هذه المرحلة؛ فليس هناك من هو أكثر قدرة من المرأة على التعامل مع الأطفال، فالطفل في بداية دخوله المدرسة يحتاج لبديل للأم تعامله بلطف، وتحنو عليه، وتحببه في المدرسة حتى لا ينفر من التعليم ويكرهه.
 
 وقالوا: إن المرأة بطبيعتها أميل للعمل مع الأطفال، فهي تعطيهم الحب والحنان في هذه السن من عمرهم أكثر، وذلك نابعاً من طبيعة الأمومة التي تمتلكها فطرياً، فالمرأة أكثر تحملاً وحنكة من الرجل في معالجة مشكلات الصغار، وأقدر على حلها[35] فالطفل الصغير في بداية حياته يتعلق بأمه، ويشعر معها بالأمان، فالمعلمة لديها غرائز أمومة قريبة من مشاعر الطفل.
 
 وذكروا: إن تدريس النساء للطلاب في الصفوف الأولية فيه مصالح للطلاب من حيث العطف عليهم، واللطف بهم كون النساء ألطف في التربية.
 
 وقالواإن عملية تأنيث المرحلة الابتدائية تُعد ضرورة أفرزتها طبيعة مخرجات الكليات المختصة، فالأعداد الزائدة من المدرسات المتخصصات في المرحلة الابتدائية هي التي دفعت وزارات التربية في بعض الدول إلى تأنيث المرحلة الابتدائية، حيث إن كثيراً من النساء يرغبن في التدريس في المرحلة الابتدائية، خاصة في بعض المجتمعات التي يسبب التقاليد فيها أن تكتفي الفتيات بتعليم المعاهد الذي يؤهلهن للعمل كمعلمات للأطفال فقط.
 
 أن هناك مطلب في المجتمع يدعو إلى عمل المرأة كمعلمة، إما لانشغال الرجال في بعض المجتمعات بأعمال الصناعة، أو بالجيش كما في المجتمعات التي تكثر فيها الحروب، أو المجتمعات التجارية والعمالية التي يعزف فيها الرجال عن العمل في التدريس.
 
 ومن المبرراتأن الجهد والعطاء الذي تبذله المعلمة أكثر مما يعطيه المعلم في المدرسة، فيكون تدريس النساء أفضل من تدريس الرجال، وهو شيء واضح وملموس من خلال التجربة -كما يقول الداعون إلى تأنيث التعليم الابتدائي-.
 
 وقالواإن المعلمات أكفأ في التعامل مع الأطفال في هذه السن، كونهن قادرات على إدراج برامج متنوعة وطفولية قد لا يستطيع المعلم التعاطي معها، وأيضاً فالطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى رعاية، فلو مرض أو تعب أو تعرض لأي شيء في المدرسة فلن يجد أفضل من المرأة، خاصة أن الأطفال عرضة للتعب في هذا السن، فلا يستطيع أن يتعامل معه الرجل مثل ما تتعامل معه المرأة!
 
 ومن المبرراتأن أولياء أمور الطلاب يطمئنون إلى تدريس أبنائهم على أيدي المعلمات أكثر منه على أيدي المعلمين، وإن هذا القرار جاء استجابة لرغبة الأمهات اللائي طالبن منذ فترة بتدريس أبنائهن من قبل المعلمات خوفاً عليهم من قسوة المعلمين، حيث أنه سجلت حالات كثيرة من معاناة الأطفال الذكور مع المعلمين، إما بسبب استخدام العنف اللفظي، أو الحركي، أو حتى بطريقة التعامل بشكل عام مع الطفل، فالمعلم الرجل يعامل الطفل وكأنه رجل من ناحية العقوبة والكلام، وكأنه يحادث أو يعاقب رجل كبير وليس طفل صغير بريء، فشدة المعلم في معاملة الطفل في هذه المرحلة يجعله يكره المدرسة، وينفر منها[36].
 
 وقالواإن تدريس المعلمات للأطفال من الذكور في المرحلة الابتدائية ضرورة نظراً للخصائص النفسية للطفل في هذه المرحلة من حيث مقاربتها لصورة الأم أو الأخت الكبرى في المنزل، وهذا له أثر ايجابي على الطفل من ناحية الارتياح النفسي، ومن ثم التجاوب من الناحية التعليمية والسلوكية.
 
 وقالوابضرورة تعويد الأطفال على المرأة من سن مبكرة من أجل إلا تكون لهم ردة فعل عكسية وعدوانية تجاه المرأة في المراهقة، أو مرحلة الشباب والرجولة لاحقاً، فتعليم المرأة للأطفال يغرس في الجيل القادم احترام المرأة أكثر.
 
 أن في فصل هذه المرحلة حماية للأطفال من التحرش التي يواجهها هؤلاء من طلاب الصفين السادس والخامس من كبار السن.
 
 أن المعلمة (المرأة) أرحم من الرجل، فهي مهيأة للعناية بالطفل أكثر من الرجل، فهي من طفولتها تجدها تعتني بدميتها، وتمثل معها دور الأم بعكس الطفل الذي تجده يهتم بألعاب فيها عنف، فالمرأة في هذه المرحلة أكثر صبراً وعناية وتحملاً ودراية بالأطفال بعكس الرجل.
 
 وقالواإن التجديد مطلب حضاري لمواكبة التقدم والتطور الهائل في هذا العصر؛ ولإصلاح أي خلل يطرأ على النظام المتبع بسبب هذا التطور السريع.
 
 وعللوا ذلك أيضاًبأن الطفل يتعلم بشكل أفضل لأن المعلمات أكثر مهنية وإخلاصاً من المعلمين -زعموا ذلك- مما يساهم في إنشاء جيل متعلم على أسس سوية نفسياً وعقلياً.
 
 أن المعلمة أكثر انضباطاً من المعلمين، وأقل غياباً، فهي تحضر مع بداية الدوام، ولا تخرج إلا مع نهايته.
 
 وقالواأن ذلك موافقة للفطرة، فنحن نلاحظ أن تربية الأولاد أوكلها الله -سبحانه وتعالى- للأم؛ وذلك لجلدها وقوة صبرها، وتحمل سلوكيات الأطفال ومجادلاتهم، حيث أن الأم هي من تقوم بتربية أبنائها، والتفاهم معهم، وتعليمهم، ومتابعة واجباتهم، إذ أن الأب يتواجد خارج المنزل ليؤمن لذلك ما تحتاجه من أمن مادي واستقرار، فيكون من مصلحة النشء الصغير أن تكون أم أخرى لديه في المدرسة تراعي احتياجاته وأموره، وتتحمل أعباء وأضناء هذه المهمة الموكلة إليها.
 
 وذكرواأنه من خلال دراسات وصفية وجدت أن المشاكل السلوكية لدى الأطفال الذكور في المدارس كانت المرشدة التربوية الأقدر على التعامل معها حيث استطاعت تعويض جزء من احتياجاتهم، ورأب الهوة التي حدثت داخل نفسية الطفل المتصارعة.
 
 ومن حججهمأنه من خلال الملاحظة اليومية وجد أن جلد المعلمين الذكور أقل على مواجهة مشاكل الأطفال السلوكية في هذه المرحلة، وكذلك كانت المعلمة أيضاً هي الأقدر على توصيل النتاج التعليمي بشكل أفضل بما تملك من مهارات اتصال عالية مع الطلاب.
 
 سوء معاملة المعلمين للطلاب الصغار، وعدم مراعاة سنهم وشعورهم، وقد سُجلت أمثلة يندى لها الجبين من تعامل المعلمين مع الأطفال الصغار، فأحدهم يستخدم الطالب في ربط جزمته، وآخر في مسح كرسيه...الخ[37].
 
هذه هي مجمل مسوغات ومبررات القائلين بتعليم النساء الأطفال في المراحل الأولى.
 
ثانياً: حجج القائلين بمنع تأنيث التعليم (تعليم النساء الطلاب في الصفوف الأولى):
يستند القائلون بمنع تعليم النساء الطلاب في الصفوف الأولى على حجج ومبررات كثيرة، منها:
وجود مفاسد (سلبيات) كثيرة، ومنها:
 قالواإن ذلك فتح لباب لا يدرى ما وراءه، والنار من مستصغر الشرر، حيث أن تعليم النساء للبنين في الصف الأول والثاني والثالث الابتدائي قد يفتح باب الاختلاط في جميع المراحل ولو بعد حين.
 
والتدرج -كما يقال- سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، فالولد الذي يخرج من بطن أمه لا يمشي ويتكلم ويلبس ثيابه بيديه من أول مرة، وإنما يتدرج في ذلك، والبذرة التي تغرسها في التراب لا تصير من فورها شجرة باسقة، والفساد ما جاء في يوم واحد حتى يذهب في يوم واحد، لقد قصّر النساء الملاءة إصبعاً إصبعاً، حتى خرجن سافرات بالأكمام اليابانية، وحتى اختلط في الجامعات الفتيات المسلمات بنات الصالحين بالشباب الأجانب، فالفساد يحصل خطوة خطوة، فلنرجع إلى الصلاح خطوة خطوة، وإصبعاً إصبعاً، ولا ينبغي أن نلقي بالاً لمن يقول: إنها (رجعية) فإن هذا التكشف وتقليد الغرب هو الرجعية[38].
 
يقول سلطان بن عثمان البصري: "لم يكن الاختلاط في التعليم قد تم في البُلدان الإسلامية والعربية في عشية وضُحاها، بل كان على مراحل؛ التعليم في المراحل الأولية، ثم فوق الأولية، ثم المتوسطة، أو الإعدادية وهكذا؛ فالبدء بالمراحل الأولية قد يتساهل فيه أولياء الأمور باقتناعهم أن الدارسين فيها أطفال، ومن وضَع قدمه في أمر سهُل عليه وضْع الأخرى، ولا سيما وكما تقدم أن الأطفال سيعتادون على الأمر، ولن يروا بأساً في استمراره، وإن النار من مستصغر الشرر، وما من مؤمن بالله يقعُ في ذنبٍ إلا يُدرك أن مقارفته للذنب كانت في حال غَيَابِ العقل، وطغيان حبّ فعل الذنب على الفكر؛ لذا فقد يكون التلميذ والمعلمة على قدْرٍ كبيرٍ من التربية الصالحة، ولكن ماذا تتوقع إن أوقدت ناراً بجانب وقود؟!"[39].
 
 وقالواإن الزج بالمعلمات في مدارس البنين لتعليم الصغار والتي فيها المعلمون من الرجال سيكون أول الاختلاط في التعليم، لا نقول: بين الطلاب والطالبات، بل بين المعلمين والمعلمات، إذ أنه في الغالب لن تخصص مدارس خاصة بالصفوف الدنيا تدرس فيها معلمات، بل سيكون على المعلمة الذهاب إلى مدارس البنين الموجودة حالياً.
إذن فتدريس الأطفال من قبل مدرسين ينسجم مع الفطرة والقواعد الشرعية الداعية إلى عدم الاختلاط في علاقة الجنسين ببعضهما.
 
 ومن المبرراتأن في تدريس الذكور للذكور تهيئة مبكرة للأطفال لتطبيق الأحكام الشرعية؛ ومنها(عدم الاختلاط، والنظر، والخلوة، والاستئذان وغيرها) يقول الله -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ[(58) سورة النور] ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع))[40].
 
 ومن المبررات: أن كثرة الإمساس تبلد الإحساس: فالطفل لما يُكثر من التعامل من المرأة (المعلمة) يقل خجله من النساء، ويقل حياؤه، وربما عندما يكبر يكون جريئاً في المعاكسات، والكلام مع النساء.
 
 وقالواإن ذلك يؤدي إلى نقل سلوك وأفعال واهتمام وعادات النساء إلى الأطفال، فيقضي ذلك على الرجولة لديهم، فيصاب بعضهم برقة وميوعة، فيتحدث بعد ذلك بأسلوب نسائي، ويتصرف تصرف نسائي، فبدلاً من أن يأتينا الطالب بعد ذلك وهو ممتلئ رجولة وعنفواناً يحاول مجاراة أستاذه في تصرفاته صار كل همه (فستان الأبله) وعطر (الأبله) ونغمات موبايل(الأبله) والخوف أن استمر الوضع على ما هو عليه أن يحاول الطالب تقليد ماكياج (الأبله) وقد يتجاوز ذلك إلى التشبه بالنساء، وربما كانت النتيجة الحتمية لذلك هو الشذوذ في كلا الجنسين.
 
فترك الأولاد للمدرسات يؤدي إلى نوع من التشبه بسلوكيات المرأة من حيث الحركات والسكنات، فتأنيث المدارس الابتدائية يؤدي إلى ظهور سلوكيات شاذة لدى الطلبة الذكور، وتشبههم بالمعلمات؛ إذ الطفل في هذه المرحلة يتصرف ويتأثر بشخصية من يدرسه، بل يتخذه قدوة، ويحاكيه في حركاته وسكناته، فعندما يقوم بهذه المهمة رجل فهذا هو المطلوب؛ لأن التلميذ يحاكي رجولة المدرس، فيتعلم منه الرجولة.
 
 وقالواإن الأولاد يحتاجون إلى احتكاك بالرجال ليتعلموا منهم أمور الرجولة، فلا بد من تعويدهم العيش في مجتمع ذكوري، وألا نجعلهم يتنقلون بين النساء حتى يبلغون العاشرة، ثم نقول لهم بعد ذلك: إن الاختلاط حرام، والنظر إلى النساء حرام، والمصافحة حرام، وقد تعودوا عليها منذ الصغر.
 
 وقالواإن أطفال اليوم أكثر انتباهاً للمرأة، وفي وقت مبكر يتحدثون، ويقومون بوصف معلمتهم إلى أقاربهم؛ إذ إن براءة الأطفال قد اختفت وصار عندهم وعي مبكر بسبب الإعلام، ومخالطة الأطفال في المدارس على اختلاف مشاربهم؛ لذا وجب أخذ الحيطة والحذر.
 
 أن طول تعامل الطفل منذ ولادته وحتى سن متأخرة نسبياً (قد تصل إلى سن الثانية عشرة، وهي الصف السادس الابتدائي) تحت رعاية أنثى (والدته ثم معلمته) سببٌ في مشكلات نفسية واجتماعية، واحتمالية تعقد قدرة الطفل على التفاعل الطبيعي مع أفراد المجتمع -فيما بعد- بغض النظر عن جنسويتهم.
 
 الانعكاس السلوكي على الطالب، وميله إلى الليونة والميوعة، وعدم تحمل المسؤولية، فنحن نلاحظ أنه لما وجد لدينا معلمون في السنوات الأخيرة أصحاب (موضات وقصات) أنتجوا لنا طلاب مثلهم في غاية الميوعة، فكيف إذا جاءت معلمات غير ملتزمات؟! كيف سيطلع الطالب؟! فالعالم اليوم يعاني من نشؤ جيل متشبه بالنساء لباساً ومكياجاً وحركة، فهل نريد زيادة أعداد هؤلاء؟ وقد نصح التربويون بتربية الولد على الشجاعة والخشونة في مكانيهما كالبادية مثلاً لا على النعومة[41].
 
 ظهور سلبيات كثيرة ظهرت على السطح منذ تطبيق هذا القرار في بعض الدول، أهمها: المعاكسات التي تحدث من بعض الطلبة إزاء مدرساتهم، لا سيما من الطلبة الكبار في السن، والتعلق والإعجاب بهن، ووصفهن لغيرهم، ووجد بعض الطلاب يتحدثون عن إعجابهم بالمعلمة فلانة لتميزها خلُقاً وخلْقاً، فكل واحد منهم كان يتفرس في معلمات الصف، ولا سيما مع تفتح أذهانهم بما يرونه في الفضائيات والإنترنت، أو بما يسمعونه هنا وهناك.
 
يقول سلطان بن عثمان البصيري"إن من يسمع ويقرأ على الأقل ما تكتبنه معلمات الابتدائي في بعض الدول العربية في الإنترنت من معاناتهن من طلاب الابتدائي عموماً بجميع مراحله، كحدة النظر، والكلام النابي، وربما اللمس، وكذلك التقبيل والمُعانقة في بعض المناسبات بحجة التحية، لَيُدرك أن ضررَ تأنيث تعليم الصبيان ليس على الطفل فقط، بل يلحق المعلمةَ في خلْق جوّ غير مُريح في العمل"[42].
 
 وقالواإن الطفل في هده السن يتميز بالذكاء، فسوف يقوم بوصف المعلمة للرجال الأجانب، فتجده الآن يصف المعلم ماذا يعمل؟ وماذا يلبس؟ فكيف بالمعلمة؟! وأغلب المعلمات -إلا من رحم الله- يتجاوزن الشرع في كثير من الأمور، وأقلها أنهن لا يتقيدن بالحجاب الإسلامي؛ ولذا نلاحظ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- منع ذلك الشخص من الدخول على النساء؛ لأنه وصف امرأة بأنها سمينة فقط، دون التعرض للجمال واللون والطول والقصر وحسن الحديث وغيره، بل لمجرد أنه وصفها بالسمنة منعه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الدخول على النساء.
 
يقول الشيخ محمد صالح المنجد"والطفل إذا ظهر على عورة المرأة، وصار ينظر إليها، ويتحدث إليها كثيراً، فإنه لا يجوز للمرأة أن تكشف أمامه، وهذا يختلف باختلاف الصبيان من حيث الغريزة، وباختلاف الصبيان من حيث المجالسة؛ لأن الصبي ربما يكون له شأن في النساء إذا كان يجلس إلى أناس يتحدثون عنهن كثيراً، ولولا هذا لكان غافلاً لا يهتم بالنساء، ولا شك أن الأفلام والمسلسلات والفساد الاجتماعي يؤدي إلى سرعة اطلاع الأطفال على عورات النساء، فينبغي الحرص والحذر، نسأل الله العافية"[43].
 
 وقالواإن الطفل عند دخوله للمرحلة الابتدائية يبدأ أولى خطواته الاجتماعية، وخطوة التأنيث تصنع واقعاً للطفل غير واقع مجتمعه، وهذا له آثار عليه، خاصة وأنه في هذه المرحلة تجده نفسياً لا يحب التعامل مع امرأة غير أمه.
 
 ومن المبرراتأن الطفل إذا كان في البيت مع الشغالة، وفي الروضة مع المعلمة، وفي المدرسة مع المعلمة، يطول به معايشة عالم النساء، فيضر ذلك بتربيته الرجولية.
 
 أن معايشة الأطفال للمعلمات يقتل فيهم الغيرة، والغيرة عبارة عن بذرة في صدر الطفل، إما أن نجعلها تنمو قوية وذلك بإبعادهم عن النساء، أو أن نتركها تضعف وتتلاشى شيئاً فشيئاً.
 
 أن الطالب بطبيعته لا يهاب من المعلمة، بل يهاب المدرس أكثر، فالولد بطبيعته يختلف عن الفتاة، فهو عنيف يحتاج إلى توجيه وحزم من قبل المعلم، أما المعلمة فقد لا تستطيع أن تسيطر على فصول الأولاد، ولو كانت تدرس لهم في الابتدائية الدنيا، وقد وجد بالتجربة أن المرأة يصعب عليها التحكم والسيطرة على الطلاب، أو التدخل لفض اشتباكاتهم وشجارهم.
 
 افتتان النساء والتعلق ببعض الطلاب؛ وخاصة أولاد الأغنياء إذ أن أولاد الأغنياء لهم صوراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من غيرهم.
 
 وقالواإن الطفل يحب المحاكاة من تلقاء نفسه؛ لذلك يجب أن يعلم كل أب أن عامل القدوة أكبر العوامل المؤثرة في التربية -وفي تربية الطفل خصوصاً- لأنه يتعلم في البداية بالمحاكاة والتقليد؛ ولذا أي فعل يفعله مربيه يقلده تلقائياً فيخشى على الطفل في هذه المرحلة تقليد معلمته في كل شيء.
 
وقد حذر علماء الاجتماع من الاعتماد على المربيات لتربية الأطفال، وخاصة في عمر التلقي، حيث يكونون أكثر عرضة لاكتساب كل ما يتعلق بمحيطهم من عادات وتقاليد وسلوكيات، ووجود المربيات في بعض الأحيان يضاعف من حجم الفجوة التي تفصل الأمهات عن أطفالهن.
 
فالطلاب الصغار يأخذون كل شيء، ويحاولون التقليد في كل صغيرة وكبيرة، ويقدمون أقوال المعلم على أقوال آبائهم وأمهاتهم، وهذا أمر طبيعي فطري في هذه السن، ولا ندري ماذا سيحدث في المستقبل لو أخذوا عن معلمتهم ليونة حديثها، ورقة تعاملها وأناقة مظهرها، وبقية حركاتها؟! ونتساءل كيف تستطيع هذه المعلمة أن تزرع قيم الرجولة في هذا الجيل الذي أصبح مائعاً بطبعه إلا من رحم الله؟!
 
والتربية تقوم على العادة والملاحظة والقدوة للمربي، يقول الشيخ عبد الله ناصح علوان في كتابه القيم (تربية الأولاد في الإسلام): "إن التربية بالعادة والتأديب هي من أهم دعائم التربية، وأمتن وسائلها في تنشئة الولد إيمانياً، وتقويمه خلقياً؛ ذلك لأنها تعتمد على الملاحظة والملاحقة، وتقوم على الترغيب والترهيب، ورحم الله من قال:

انتهى كلامه.
 
وهذه القدوة الحسنة هي خير ما يدعم المبدأ والفكرة التي نريد بثها في نفس الناشئ، وتربيته عليها، فإذا أردنا أن نغرس الصدق فإن علينا أن نكون أولاً صادقين، وإذا أردنا أن نغرس الأمانة في نفوس أبنائنا، فعلينا أن نكون أمناء في أنفسنا وسلوكنا، وإذا أردنا أن نغرس في نفوس أبنائنا حسن الخلق فعلينا أن نري أبناءنا في كلامنا ومواقفنا وغضبنا ورضانا: حسن الخلق، وضبط اللسان، وعفة القول، والبعد عن البذاءة أو الفحش، إن كثيراً من الأبناء يرون التناقض البين بين سلوك آبائهم وأمهاتهم، وبين ما يأمرونهم به، ويحثونهم عليه.
 
 وقالوا: إن الطفلُ يستهويه التقليد لمن يُحِب، بل يتخذه قدوةً له؛ لذا فكثيرٌ هم الأطفال الذين يُقلّدون آباءهم في جميع تصرفاتهم كالحديث واللباس والمشي والجلوس وغيره، وهذا أمر لا يُنكره أحدٌ، وكما قيل:

 

وقد أدرك العربُ أن الطفل يتأثّر بالبيئة التي يعيش فيها؛ ولهذا كانوا يبعثون به للعيش في البادية ليأخذ من مكارم الصفات كالشجاعة والرجولة والفروسية، كما إن كثيراً من الناس يعرف من أخلاق الطفل وتصرفاته ما رُبّي عليه.
 
يقول سلطان بن عثمان البصري مبيناً هذه القضية: "وبالإشارة إلى الهوية الجنسية للطفل gender Identity نقول: إن إدراك الطفل لهويته بداية للسلوك المعبر عن جنسه؛ لتجدهُ يحاكي سلوك أبيه إن كان ذكراً أو عكس ذلك، ويُسمى الدور الجنسي gender role.
 
هذا، ومن ينظر إلى حال التعليم الابتدائي اليوم في المراحل الأولية يجد أن المعلم فيه لا يتولى تعليم مادة واحدة فقط كالسابق، بل هو معلم للصف بأكمله، أي إن المعلم سيعيش مع الطفل قريباً من رُبع اليوم، فهل تُرى لو كان المعلم امرأة ألن يتأثر الطفل بشخصيتها؟ بلى، وربما يكون لديه ازدواجية؛ فالعوامل البيولوجية تقرر أنه ذكر والبيئية تُصادم ذلك، وإذا كان ذلك فهل تُراه سينشأ بشخصية رجولية كأبيه أم بشخصية أنثوية أو لا هذه ولا تلك؟ هل سيكون رجلاً يعيش كرجل بمعنى الكلمة، فيه من معاني الرجولة ما يؤهله ليعيش كأب يُربي جيلاً، ويرعى أسرة، أم يُحاكي الأنثى في مشيتها وكلامها وذوْقها واهتماماتها وسائر ما يتعلق بها، وهو في الصورة ذكر؟![44].
 
والعجيب أن الغرب نفسه قد أدرك خطورة هذه المسألة: وها هو وزير التعليم الفلبيني (ريكارد جلوديا) يعلن أنه يرغب في تعيين عددٍ أكبر من المدرسين الذكور لتدريس التلاميذ الذكور؛ حتى يتحلوا بصفات الرجولة بدلاً من الصفات الأنثوية التي يكتسبونها من مدرساتهم[45].
 
 وقالواإن الطفل هو رجل المستقبل، ويبدأ بناؤه منذ الصغر، فإما أن نبنيه كرجل بين الرجال، أو أن نتركه بين النساء هملاً! فالطفل أما أن نربيه ليكون مشروع رجل من البداية، أو ليكون حائراً بين جنسين!
 
 ومن المبرراتأن هناك بعض الطلاب تتعدى أعمارهم العشر سنوات، وما زالوا في الصفوف الأولى، وبالتالي يتأثرون بسلوكيات غير سليمة، وتشتكي المدرسات من هذه الفئة، ويطلبن بنقلهم إلى المرحلة المتوسطة، هروباً من تدريس مثل هذه النوعية من الأبناء، أو يطلبن بنقلهن إلى مدارس البنات.
 
 وقالواإن تولي النساء تعليم الصبيان في المرحلة الابتدائية يفضي إلى اختلاطهن بالمراهقين والبالغين من الأولاد الذكور؛ لأن بعض الأولاد لا يلتحق بالمرحلة الابتدائية إلا وهو مراهق، وقد يكون بعضهم بالغاً؛ والصبي إذا بلغ العشر يعتبر مراهقاً يميل بطبعه إلى النساء؛ لأن مثله يمكن أن يتزوج، ويفعل ما يفعله الرجال، وهذا يؤدي إلى اختلاط المعلمات بالطلبة ممن كبرت سنهم نوعا ما، وكشفهن أمامهم، خاصة أنه يوجد أطفال في الصف الثاني والثالث أعمارهم تناهز (11) عاماً، وهم ممن يرسبون فيبقون سنة أو سنتين أو أكثر في نفس الصف، أو ممن يتأخرون في الالتحاق بالمدرسة.
 
 وقالواإن النضج لدى الطفل في هذه المرحلة يبدأ قبل سن السابعة؛ فيبدأ يُفرق بين انتمائه إلى جنس الذكور في مقابلة جنس الإناث، كما قرره علماء النفس والتربية المسلمون وغيرهم، ويكون في السابعة بداية لتكوين رجولته ودينه وأخلاقه؛ ولهذا فالصبي يؤمر بالصلاة عند بلوغ سبع، ونجد أن كلام الشارع يحوم حول هذا السن لأهميته.
 
 وقالواإن هذا التصرف يخالف ما كان عليه الناس عبر تاريخنا الإسلامي من أن الذكور يعلمون الذكور، والإناث يعلمن الإناث، وسار الناس على ذلك قروناً طويلة، ونتج عن ذلك علماء أفذاذ ورجال وقادة عظماء.
 
 وقالواإن هذا التصرف يخالف أيضاً عاداتنا وتقاليدنا في مجتمعنا المحافظ، ويشكل لون غربي بحت، لا يمت لعادتنا بصلة.
 
 ومن المبرراتأن هناك مشكلات عند الأولاد قد تعترض المعلمة ولا تستطيع حلها، أو القيام بها، كحالات الشغب في الطابور والاستراحة وغيرها.
 
والأطفال لديهم أيضاً دروس عملية، قد لا تستطيع المرأة القيام بها، كتعليم الصلاة عملياً، وحصة التمارين الرياضية[46] والخروج معهم في الرحلات والزيارات، وإقامة المحاضرات وغيرها.
 
 زيادة احتمالات غياب المعلمة بالنسبة للمعلم عن العمل لأسباب معروفة ومتكررة، نتيجة مهام المرأة الكثيرة والمعروفة، وإجازاتها الكثيرة لأسباب الأمومة وغيرها، مثل(الزواج، والولادة، والرضاعة، ورعاية الأبناء والأسرة) خاصة في حالات انشغال الأزواج بأعمال وأنشطة مختلفة، بل قد وُجد العديد من النساء يتخذن من مهنة التدريس عملاً مؤقتاً يتركنه بعد الزواج.
 
 الخشية من أن صورة معلم المرحلة الابتدائية كصاحب مهنة تتدنى مجتمعياً بسبب أن أولوية أو شرط التعيين في هذه المهنة يعتمد على الجنسوية، وليس على الإعداد والاستعداد لمهنة التعليم، مما يقلل من المكانة الاجتماعية لمهنة التعليم من حيث انفرادها دون المهن الأخرى في النظر إلى المعلمة على أنها مجرد مربية أطفال، أو شيئاً قريباً من هذا.
 
 وجود شبهة الاتهام بأن الرجل لا يصلح لتعليم الطفل، كما هو الحال في مهنة التمريض التي كانت لزمن طويلة قاصرة على الفتيات.
 
 ومن المبررات: وجود معلمات غير قادرات على التدريس، خاصة ممن تخرجن من الدورات السريعة، وقد أشارت بعض الدراسات التربوية إلى أن الأطفال الذين يتربون على أيدي المربيات والمعلمات هم أقل تحصيلاً في المواد الدراسية، وأقل تفوقاً وطموحاً، وأكثر طلباً للنجدة، وأكثر اضطراباً بصحتهم النفسية، وأقل رجولة كذلك.
 
 ومن المبررات: أنه عندما يخرج الطالب من المرحلة الابتدائية ستبدأ معاناته في التأقلم مع جو الخشونة والرجولة؛ إذ إنه غالباً يصعب عليه بعد ذلك التأقلم السريع، وتظهر عليه سلبيات كثيرة جراء ذلك.
 
 ومن المبرراتأن مسألة تأنيث التعليم (الذي يؤدي تدريجياً -غالباً- إلى نشر الاختلاط في العملية التعليمية) مسألة مخطط لها، مثل غيرها من المسائل الكثيرة التي يريدون من خلالها الولوج إلى تغريب المجتمعات (كقيادة المرأة للسيارة، وطرح الحجاب والسفور وغيرها) مما تجلب عليه الصحافة للتوطئة، وتغيير فكر المجتمع لتقبل التغريب، والتحول في المجتمع من محافظ إلى منفلت بعيد عن التمسك بالدين.
 
 ومن المبرراتأن المرأة في توجيهاتها للأطفال تغلب عليها العاطفة، بعكس الرجل فهو يخاطب عقله وفكره، وهذا يقوي فيه الرجولة.
 
 وقالواإن المرأة يغلب عليها الاهتمام بجوانب الأنوثة أكثر، فهي تدور حولها، وينعكس ذلك سلباً على تربية الأطفال واهتماماتهم.
 
 ومن المبررات: أن تقييم المرأة للطلاب يقوم على العاطفة، بينما الرجل يعطيه حقه في التقييم.
 
 وقالواإن في تدريس النساء للأولاد إضرار بالرجال، والحد من وظائفهم، علماً أن الرجل هو المطالب شرعاً بالمهر عند الزواج، وبالإنفاق على أولاده وزوجته ووالديه إذا احتاجا خلافاً للمرأة.
 
 أن الأبناء الذكور عندهم من الحركة واللعب والتعدي على الآخرين والجلد عليه ما ليس عند البنت، فهم في حاجة إلى الرجل المربي في حكمته وقدرته ما يعيد الأمور في نصابها إذا حصل تعدي؛ لذا تجد في المنزل الأم تشتكي من ابنها ولا يقف له إلا الوالد، مما يدل على أهمية تدريس الرجل للصغار من الذكور، وكما أن من غير المناسب تدريس الرجل للفتيات فكذلك العكس.
 
 وقالواإن تدريس المعلمات للطلاب سيطيل من فترة الطفولة التي كان يعيشها في بيته، ولا بد يوماً أن ينتقل منها إلى حياة أكثر جدية، وتحملاً للمسؤولية، وكما يجب أن يسمع الطفل الكلمات الحانية والرحيمة فإنه لا بد أن يسمع يوماً من يقول له(لا) لو أخطأ.
 
 أن هذه الخطوة ستؤدي في المستقبل إلى اختلاط الجنسين في هذه الصفوف الأولى وغيرها، وقد أشارت الدراسات إلى الأضرار التربوية لاختلاط الجنسين على مقاعد التعليم، حتى لو كان بفصول منفصلة، أو كان في الصفوف الأولية، وببحث سريع في شبكة الإنترنت سيجد الباحث الكثير من الدراسات التي أكدت ذلك، وسيجد الكثير من الأخبار عن مدارس عادت للفصل بين الجنسين لا لدوافع شرعية، بل لدوافع تربوية ونفسية واجتماعية وتعليمية، وقد سُألت إحدى مديرات المدارس في أمريكا، فأجابت"إن الآثار السلبية على تحصيل الطلاب والطالبات واضحة جداً بسبب اختلاطهم في مدرسة واحدة، فهو يصرف اهتمام الجنسين إلى بعضهما على حساب التحصيل" ولا يمكن القول إن هؤلاء أطفال لا يميزون، فقد غدا الطفل اليوم أكثر تمييزًا بكثير من ذي قبل نظراً لتعدد مصادر الخبرة والتعلم، وقد ثبت بالشرع والعقل تمييز الطفل عند سن السابعة، أو قبل ذلك أحياناً.
 
 ومن المبرراتأنه قد سبقت تجارب في هذا الشأن لكثير من الدول الغربية وغيرها، وكلها أثبتت مفاسد تدريس المرأة للأبناء، وبدؤوا الآن يشجعون الرجال على تعليم الأبناء!
 
يقول إبراهيم السكران: "فمنذ عدة عقود مضت أخذت تتزايد أعداد المعلمات في الصفوف الدنيا في (بريطانيا) حتى أصبحت الصورة النمطية أن الصفوف الدنيا تناسب المعلمات، وكان هذا التوجه متوازياً تاريخياً مع أوج ضغوط الحركات النسوية، وخصوصاً بعد الستينات، وهي النقطة التاريخية التي يرى المؤرخون الغربيون أنها المفصل الزمني الحاسم في أكثر التغيرات الاجتماعية الغربية، وخصوصاً ما يتعلق بوضع المرأة من لباس وعمل وعلاقات الاقتران.
 
وفي السنوات الأخيرة ظهرت عدة أبحاث تدرس(آثار غياب المعلم الرجل على شخصية الطالب في الصفوف الدنيا في بريطانيا) وكانت المسألة محل جدل، لكن كثيراً من هذه الأبحاث أظهرت خطر هذه الظاهرة، وحاجة الطالب الذكر إلى المعلم الرجل، وكانت هذه الأبحاث تدور حول بناء الثقة لدى الطالب حتى تستطيع البيئة التعليمية أن تقدم قدوة تتناسب مع شخصية الطالب الذكر، وأشارت الدراسات إلى مفهوم ثقافة الرجل، وعلاقة مثل هذه الأجواء النسوية بها.
 
المهم في القضية أن المؤسسة الرسمية المعنية في بريطانيا، وهي وكالة التطوير والتدريب للمدارس (TDA) استندت إلى هذه الأبحاث، واتخذت قراراً بزيادة أعداد المدرسين الرجال لاستنقاذ التكوين التربوي للصبيان في الصفوف الدنيا (نقلت الوكالة خلاصة هذه الدراسات في موقعها الرسمي على الشبكة: (http://www.tda.gov.uk/فيمكن مراجعتها من هناك).
 
وفي أواسط العام الماضي (2009م) أطلقت الوكالة ذاتها (TDA) حملة فعاليات في المدارس البريطانية لتشجيع وإقناع المدرسين الذكور للتعليم في الصفوف الدنيا، وفي شهر يوليو تحديداً من العام (2009م) تصور الكاتبة "آسثانا" هذه الحملة التي تقودها وكالة (TDA) الرسمية بقولها"الدفع الأضخم لزيادة أعداد المعلمين الذكور في الصفوف الأولية تم إطلاقه هذا الأسبوع في محاولة للتغلب على الشح الحاد في المعلمين الذكور الذي يقول الخبراء: إنه يؤثر على الصبيان، المئات من الرجال سيحضرون الفعاليات في المدارس حيث يتواجد المدراء والوكلاء والمدرسون لإقناعهم بالعمل في هذه المهنة" [Guardian،12Jul2009].
 
ومن شدة عناية وكالة التطوير والتدريب البريطانية (TDA) بهذه القضية صارت تهاجم من قبل الناشطين في الحركات النسوية والمعارضين لهذه التوجهات، حتى أن الرئيس التنفيذي للوكالة المشار إليها وهو (جراهام هولي) أظهر انزعاجه من ذلك، وقال"كلما تحدثت عن حاجتنا لزيادة أعداد المدرسين الذكور في الصفوف الأولية تقول الاتحادات عني: إنني أصبحت ضد المرأة!" [Guardian،12Jul2009].
 
وتنقل الكاتبة المهتمة بشؤون التعليم (ليبست) عن البعض قولهم"إن نقص المعلمين الذكور في الصفوف الأولية يعني أنه لن يكون لديهم تواصل منتظم بالرجال حتى سن الحادية عشرة!" [Guardian،23Mar2009].
 
وهذا بدهي أصلاً لا يحتاج لكبير دراسات، فإن المدرس الذكر يملك خبرات يحتاجها الطالب الذكر لا تملكها المعلمة المرأة، ولا تستطيع إيصالها، والاستهتار بخبرات الرجال، وتربية الأجيال عليها يعكس سطحية خطيرة[47].
 
 وبعيداً عن إدراك كثير من الغربيين -وإن كان إدراكاً متأخراً- لخطورة فصل الفتيان عن الرجال، فإن فقهاءنا -رحمهم الله- حين كتبوا عن التعليم وآدابه نبهوا على كثير من المسائل ذات الصلة، وتكلموا عن أهمية تربية الفتى بين الرجال ليكتسب من شخصياتهم، بل ونبهوا على أهمية فصل الفتيان عن الفتيات في التعليم حتى وهم صغار مراعاة لذلك، فهذا الإمام المشهور سحنون[48] كتب رسالة تربوية عن أحكام التعليم، وقال فيها"وأكره للمعلم أن يعلم الجواري، ويخلطهن مع الغلمان؛ لأن ذلك فساد لهم"[49].
 
وهذا العلامة القابسي[50] فقيه القيروان، كتب رسالة تربوية أيضاً حول التعليم، ونبّه على هذه القضية، فقال في طريقة تعليم الصبيان"ومن صلاحهم ومن حسن النظر لهم أن لا يخلط بين الذكران والإناث"[51] [52].
 
 وقالواإن أي أمر يشتمل على مصالح ومفاسد فإنه يُنظر فيه، فإن كانت المصالح والمفاسد فيه مستوية فإنه يُترك، وهذا ما يقتضيه العقلُ والشرعُ؛ فدرْءُ المفسدة مُقدّمٌ على جلب المصلحة، وليس من الحكمة أن يُصلح المرء أمراً من جهة، ويُفسده من أخرى، وكذلك فإن الأمر يُترك لو كانت المفاسد فيه أرجح من المصالح من باب أولى، وأما إذا كانت المصالح فيه أرجح من المفاسد فإنه لا يُترك، ويُحرص فيه أيضاً على درء المفاسد التي فيه وتقليلها، ولا يعلم أحداً خالف في هذه القاعدة من المذاهب الإسلامية كما تُبيّنه كتب أصول الفقه في كل مذهب، وتأسيساً على ما تقدم لو قيل: إن الطفل يتقبّل التوجيه من المرأة أكثر من تقبله من الرجل؛ لذا ففي تعليم المرأة للطفل مصلحة، لقلنا: لو سَلَّمَ العاقلُ جدَلاً بذلك لكانت المفاسد كفيلةٌ لإثبات أن تعليم المرأة للطفل يُصلِحُ من جهة، ويُفسِدُ من جهاتٍ أخرى، ومثله مثل الدواء إذا تناوله المريض بدون وصْفة من الطبيب فقد يكون نافعاً من جهة، وغير نافع من أخرى، ولو لم يكن الدواء كذلك لما كانت هناك حاجة إلى الطبيب في وصْف الدواء للمريض فيَنْظر هل الدواء ينفع له أو ربما يضرّه؟ ولما احتيج أيضاً إلى ورقة تُرفق غالباً مع العلاج توضح فيها دواعي الاستعمال وموانعه[53].
 
 وقالواإن المصلحة المزعومة في تعليم المرأة للطفل هي أنه يتقبل منها أكثر من تقبله من الرجل، وهي المصلحة نفسها التي قيلت في البلدان العربية في بداية دخول الاختلاط لمدارسها وجامعاتها، كما هو مبثوث في بعض كتابات من كتب في الموضوع عبر الكتب والمجلات، وكذلك في الإنترنت عن التعليم في البلدان العربية[54].
 
 وقالواإن الولد منذ حين ولادته تُولدُ العاطفةُ معه فهو يحن لحجْرِ أمه، حتى إذا بلغ سن السابعة بدأت تتفتق العاطفةُ لديه ليحن إلى من يُحب، حتى إذا ما بلغ الحُلُمَ ثار بُركان العاطفة فإما أن يوجهها لما يُرضي الله أو لما يُغضبه، وهذا مصداق قول الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: ((مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع))[55] بل إن الطفل كما تقدم يبدأ النضج لديه قبل السن السابعة بحيث يُفرق بين انتمائه لجنس الذكور في مقابلة جنس الإناث.
 
وفي هذا الصدد نجد عدداً من علماء النفس والتربية حتى من غير المسلمين يؤكدون أن الهوية الجنسية لدى الطفل ويدعونها بقولهم: [gender Identity] ويُريدون بها: إدراك الطفل لجنسه أهو ولد أم بنت؟ تكون من السن الثانية إلى الثالثة، وهذا الأمر تتحكم فيه عوامل بيولوجية مثل الهرمونات، وعوامل بيئية كالأسرة، وما تقرر من المنطق السابق يُصدّقه الواقع من جنوح بعض طلاب المراحل الأولية لبعض التصرفات العاطفية مع بعضهم كما يعرف معلموهم ذلك تماماً، ولا سيما عند غياب الرقيب، إذاً فالعاطفة التي تقود الطفل للتأثر موجودة لديه[56].
 
 ومن المبرراتما وجده العالم بيتر بيرمان: من أن ضعف التربية الجنسية [gender socializing] يكون في مراحل الطفولة الأولى، ويُقصد بالتربية الجنسية تربية كل طفلٍ بما يتناسب مع جنسه، واستشهد (بيتر) على رأيه كدليلٍ واضحٍ عندما يكون لدى الأبوين توأمان مختلفان في الجنس فيربيانهما معاً بالطريقة نفسها، فوجد أن ذلك يؤدي إلى مشاكل نفسية وسلوكية في الكِبَر، ومنها ازدواج شخصية الذكر وشخصية الأنثى، وبالتالي فإن المدرسة هي أهم بيئة مؤثرة في الطفل خلال فترة نضجه الجنسي، أي نُضج عقله من حيث الإدراك والمفاهيم والأدوار المتوقعة منه، بل على مستوى الجانب النفسي لديه المتعلق بالميول والرغبات، وحينها هل نقول: إن تعليم الإناث كتعليم الذكور؟ فالمعلمة تُعلّم الذكور كما تُعلّم الإناث؟ وقد يقول قائل: إن الأم هي التي تربي في البيت فما المشكلة من تربية امرأة؟ فالجواب: أن الأمر هنا يتعلق بالبيئة بمعناها الكبير، من يخالط الطفل، وماذا يرى ويسمع؟ وكيف يتفهم الأشياء؟ فالطفل يُدرك انتماءه لمدرسة بنات وتُعلّمه النساء؟ وربما غداً يكون مُحاطاً بزميلات؟ ثم سؤالٌ بعد هذا لنقولمن الأقدر في نقل الدور الجنسي بكفاءة؟ أهو الذي من الجنس نفسه أم من الجنس الآخر؟[57].
 
 وقالواليس من الحكمة اعتبار أن الزمان واحد، فما رُبّي عليه أولاد الأمس لا يصلح لأولاد اليوم؛ وإن اعتبرنا الطفل بالأمس قد تخفى عليه أمور لا يعرفها إلا الكبار فهو اليوم بفضل الانفتاح الفضائي والإنترنت يعرفها! بل إن من يُسمّون في فصول المدرسة "شلل آخر الفصل" الذين غالباً ما يكونون أشقياء خُلُق، لا يُقصّرون في تغذية أفكار بقيّة طلاب الفصل؛ لذا فإن الطفل لو دخل المدرسة وهو يجهل كثيراً من الأمور التي لا يعرفها إلا الكبار لكانت شلل آخر الفصل مُستعدة لتعليمهأتُراه لن يعرف مفاتن المرأة عندئذٍ؟! ولن يَصدر منه إلا كل فعل بريء؟! أتُراه لن يتفرس بالنظر على الأقل!
 
والتاريخ يحفظ لنا في ذاكرته احتجاب بعض الصحابيات -رضي الله عنهن- من ذلك العبد[58] عندما سمعنه يقول عن إحداهن: فلانة تُقبل بأربع وتُدبر بثمان[59] بل النساء تعرف الطفل الذي يُحد النظر في مفاتن المرأة فينفرن منه من الطفل الذي ليس كذلك، ولا تُنْكر هذا إلا مُكابِرة[60].
 
 ومن المبرراتتعلق هذا الطفل بالمعلمة بسبب تدليلها له.
 
يقول سلطان بن عثمان البصيري: أربع سنوات على الأقل كان فيها أحياناً يبكي فتمسح معلمتُه دموعَه وتضمه لتُخفف عنه كأمه الحنون، وأحياناً ينسى ما يأكلُه في المدرسة فتشتري له ما يُريد، وأحياناً يجتهد فتكتب له في دفتره عبارات الثناء، وربما دفعت إليه هدية، أتُراه سينساها بعد هذه السنين؟! ولذا لن يرتضِ الطفلُ تعليمَ الرجال الأجلاف في نظره له بقية عمره؛ فمن شب على شيء شاب عليه، وربما بقيت معه الذكريات أمداً طويلاً.
 
فالطفل الذي سيعيش رُبع اليوم مع المرأة ولمدة أربع سنوات على أقل تقدير -إذا ما حسبنا التمهيدي مع المراحل الأولية في الابتدائي- فإنه سيأخذ على أسلوب أن تُعلّمه امرأة، وهل من العقل نقله مباشرة بعد هذه السنوات ليُعلمه رجلٌ؟ وهل سنجد عندئذٍ من يقول: لمصلحة تعليمه دعوا المرأة تُعلمه بقية مراحل الابتدائي؟! إن الغيور يخشى ذلك لأنها قيلت في البُلدان المُجاورة من قبل[61].
 
 وقالواإن تأنيث تعليم الصبيان وإن كان فيه بعض المصالح إلا أن مفاسده أعظم.
 
يقول سلطان بن عثمان البصري: قد يحمد بعض الناس تأنيث تعليم الصبيان ولا يرى به بأساً، مع أن مفاسده أظهر وأعم من مصالحه إن كان فيه مصالح، وهؤلاء لا يُعول على رأيهم من جهتين:
الأولى: أن نبينا محمداً -صلى الله عليه وسلم- قال عن الأولاد: ((وفرقوا بينهم في المضاجع))[62] في إشارة منه -صلى الله عليه وسلم- إلى ما يُحدثه الميول، ولا شك أن نبينا أعلم منهم بتربية النشء.
والجهة الثانية: أن من رأى حالهم في اتباع الهوى والسيْر بلا مبادئ عرَف أنهم يرون المُنكر معروفاً، والمعروف منكراً، وهذه حال من أُشْرب في قلبه الهوى، ولعله بعرض ما تقدم تبينت الحالُ والسبيلُ، واتضح أن تأنيث تعليم الصبيان ليس من الصواب في شيء، ونسأل الله صلاح الأحوال[63].
 
 ومن المبررات أيضاًما أثبتته الدراسات الحديثة أن الطفل يتقبل ممن هو من جنسه أكثر، كما أنه يسلك سلوكاً يُماثل سلوك الشخص الذي أمامه، فالفتاة تتوحد مع أمها أو معلمتها، والصبي يتوحد مع أبيه أو أستاذه، تقول أ.د: كريستين نصار- أستاذ علم النفس بالجامعة اللبنانية"لا بد من التوقف قليلاً للإشارة إلى تلك المرحلة التي تتميز بتماهي الطفل بالقريب الذي هو من جنسه في محاولة منه لاكتساب صفاته كرجل أو امرأة، وهذا التماهي يشكل المدماك الأساسي لمستقبل الطفل في اكتسابه صفات الرجولة أو الأنوثة؛ ولتكوين هويته الشخصية، وغني عن القول هنا بأن وجود مثل هذا النموذج بمتناول الطفل بشكل مستمر إنما ينمي في داخله الرغبة في أن يعيش حياة هذا النموذج"[64].
 
ويُؤكد علماء النفس والتربية أن (الطفل في سن الرابعة يُحاول تقليد من أمامه، فعندما تقوم بتدريس الطفل امرأة في هذه السن فإنه يأخذ من صفاتها وأخلاقها) وأقول: معلومٌ لكل ذي عقل أن الطفل منذ السنتين -أي قبل الرابعة- وحتى التاسعة تقريباً وربما أكثر يحرِص حرصاً كاملاً على تقليد النموذج الذي يُكرر عليه في حياته، ويراه باستمرار. إذاً وجود معلمة تدرِّس الطفل في هذه الفترة المهمة من حياته سيُخرِّج لنا ولا شكَّ جيلاً مائعاً، لا نستطيع معه أن نفرِّق بين الفتى والفتاة[65].
 
وأثبتت الدراسات -أيضاً- والواقع والمُعاينة أن طبيعة المعلمة الأنثوية لا تتناسب أبداً كمقام تعليم للطفل في مرحلته هذه، يقول الدكتور ليونارد ساكس- وهو رجل جمع مؤهلات شتى تتعلق بما نحن فيه فهو طبيب أسرة، وعالم إحيائي، بالإضافة إلى كونه خبيراً في علم النفس، وهو رئيس ومنشئ منظمة(NASSPE) أو الجمعية الوطنية للتعليم الأهلي غير المختلط بأمريكا: "بدأت ألاحظ مجموعات من طلاب السنة الثانية والثالثة الابتدائية يتقاطرون نحو العيادة، ومع كل طفل أحد أبويه حاملاً ورقة من المدرسة تطالب بفحص الطفل، والتأكد من عدم إصابته بمرض اضطراب العجز عن التركيز (ADD) Attention Deficit Disorder)) وفي بعض الحالات لم يكن الأطفال بحاجة إلى ترياق اضطراب العجز عن التركيز، بقدر حاجتهم لمعلم يفهم الفروق العضوية بين الأولاد والبنات التي تؤثر على تعليمهم، وبعد أن تقصيت الأمر وجدت أن المعلمة امرأة تتكلم بنبرة مناسبة بالنسبة لها، لا يكاد يسمعها الطلاب، فيبدءون في النظر من النافذة، أو يراقبون ذبابة تسير في سقف الفصل، فتلاحظ المعلمة أنهم غير منتبهين، تتكرر القصة، فتظن المعلمة أنهم ربما يكونون مصابين باضطراب العجز عن التركيز! المعلمة مصيبة تماماً في وصمهم بالعجز عن التركيز، لكن ليس السبب هو هذا المرض، لكنه صوت المعلمة الهادئ الناعم الذي يناسبها، ويفلح في شد بنات جنسها، بينما ينام أغلب الأولاد الذين لم تفلح المعلمة في شد انتباههم"[66].
 
هذه هي جميع حجج الفريقين، من منع من تعليم المرأة الأطفال (تأنيث المرحلة الابتدائية) ومن أجازها، قد تتبعتها جميعاً، ولا تخرج حججهم عما ذكرته، والملاحظ أن حجج المانعين أقوى، والسلبيات أكثر من الإيجابيات، وهذا شيء لمسه من عايشه من المعلمين والمعلمات، وعرفه من جربه من الأمم والشعوب.
 
وبعد سرد حجج الفريقين يتبين لي -والله أعلم- أن الراجح هو القول بالمنع؛ لأن ما ذكروه هو عبارة عن حجج أقل ما يقال عنها أنها حجج واهية، ولا ترقى إلى مصلحة شرعية، ولا حتى إلى قياسات عقلية، ناهيك عن العلمية والعملية والواقعية، وأن ما ذكره المجيزون يمكن أن يجاب عليه على النحو التالي:
مناقشة أدلة الفريق الأول والرد عليها:
 أما قولهم: إنه لا يوجد محظور شرعي ظاهر، كونهم ما زالوا صغاراً، ولا يوجد دليل خاص في المسألة: فنقولأما أنه لا يوجد محظور شرعي، فالرد عليه ما ذكرناه من السلبيات الكثيرة في تعليم النساء للأطفال، وأما أنه لا يوجد دليل خاص في المسألة، فقد سبق القول أن هذا من باب سد الذرائع، ومن باب السياسات الشرعية، والمصالح المرعية في الشريعة، وأيضاً نقول: للذي يسأل عن الدليل الخاص في المسألةوأين دليلك أنت الصحيح الصريح (المرفوع) أو حتى من تاريخ الإسلام على ذلك؟ فإن أتى بالدليل وإلا فقد بطلت حجته، وسقطت مطالبته لنا بالدليل، وأنى له دليل على ذلك؟!
 
وقد سبق ذكر بعض السلبيات، وهي في الحقيقة كلها محظورات بإعمال قاعدة -سد الذرائع-، فإن هذا الجيل ومع هذا الانفتاح التكنولوجي أصبح الصغار يدركون أموراً كثيرة مما يعرفه الكبار، وما أصبح يوجد هذه الأيام أطفال صغار أغرار لا يفهمون شيئاً، فمنع هذا الأمر يكون سداً لذريعة التوسع في هذا الباب، فإن العادة أن الضوابط التي توضع لا تنفذ، كما أنه قد يكون في الصغار من مرج طبعه، وقد يكون في المعلمات من تسول لها نفسها استدراج الصغار، خصوصاً إذا كانوا حسان الوجوه، وهي غير متزوجة أو مطلقة، فإذا تذكرنا أن وسائل الإعلام اليوم قد طبعت الثقافة الجنسية التي كانت إلى عهد قريب محجوبة عن الصغار، إذا تذكرنا ذلك فإن تدريس المرأة الصغار تكتنفه جملة مخاطر جمة، أما الإذن فهو فتح باب فيه من المفاسد ما فيه، والسلامة لا يعدلها شيء.
 
ونختم بمقولة للشيخ الحكيم علي الطنطاوي -رحمه الله- في ذكرياته حيث يقول: "والصغير لا يدرك جمال المرأة كما يدركه الكبير، ولا يحس إن نظر إليها بمثل ما يحس به الكبير، ولكنه يختزن هذه الصورة في ذاكرته فيخرجها من مخزنها ولو بعد عشرين سنة، وأنا أذكر نساء عرفتهن وأنا ابن ست سنين، قبل أكثر من سبعين سنة، وأستطيع أن أتصور الآن ملامح وجوههن، وتكوين أجسادهن، ثم إن من تشرف على تربيته النساء يلازمه أثر هذه التربية حياته كلها[67].
 
 أما قولهم: إن التلاميذ في مرحلة طفولة، يحتاجون احتواء وعطف وحنان؛ ليمكنهم من المضي في طريق التعليم بخطى ثابتة، فهذه ليست حجة صحيحة، فيمكن اختيار معلمين المرحلة الابتدائية بعناية، ومواصفات خاصة، وبتدريب مكثف للتعامل مع هذه المرحلة، بحيث يكون عندهم شيء من الرفق والحنان والحكمة.
 
ثم إننا نقول: إن التعامل الحاني مطلوب في كل مرحلة؛ فلماذا فقط يشترط في هذه المرحلة فقط؟ فحُسْن التعامل دليل خلق الإنسان وهو مطلوب في كل مكان وزمان.
 
وأيضاً نقول: إن الحنان الزائد مضر بالطفل، فعندما يكون في البيت مدلل عند أهله، ويذهب إلى المدرسة كذلك فهذا دافع له إلى النعومة، وعدم الخشونة بين الأطفال، ومن ثم يؤثر عليهم بالمستقبل.
 
وأيضاً نقول: إنه يوجد معلمون في المراحل الابتدائية أحن، ولديهم عطف على الصغار أكثر من المعلمة في بعض الأحيان.
 
يقول إبراهيم السكران: ومن شبهاتهم التي يتذرعون بها قولهم"نريد رقة في تعليم الصبيان" وكأننا نعاني من ازدياد الرجولة في صبياننا؟! وكأن الجيل الجديد يتفجر فروسية وفتوة! بالله عليك خذ جولة في المجلات الشعرية المصورة، وكثيراً من ضيوف الفضائيات، واشمئز بقدر ما تستطيع من ظاهرة التأنث في الحديث، والتمايل والأصوات الناعسة، والصور المستلقية على أحد جانبيها، بل وخصلات الشعر التي صار يلقيها بعض الرجال على أحد عينيه!
 
نحن في عصر استنوق فيه الجمل، وهؤلاء يقولون: نريد رقة نسائية في تعليم أبنائنا، نحن لا نريد رقة، فقد أصيب أبناؤنا بأمراضها، بل نريد ثقافة رجولية يفهم فيها الفتى معنى المسؤولية والصمود والغيرة والحمية بمعناها اللائق به، بدلاً من أن يكون الفتى في ذروة سنوات التربية يرى اللحية والشماغ والثوب، ويردد قال الأستاذ، وحكى لنا الأستاذ، ويقف أمام أستاذه رجلاً لرجل، يأتيك طفلك غداً لا يرى إلا تنورة وأسورة وقلائد وقروط وروجاً وقصات شعر نسوية، ويردد: قالت الأبلة، وحكت لنا الأبلة، ويقف أمام أبلته بكيان مختلف عن كيانها، لا يدري وهو يشعر بغربته بينهن أين مساره؟![68].
 
 وأما حجتهم: في إسناد الدراسة للمعلمات أنه من أجل توظيف المعلمات[69] فهذه ليست حجة شرعية، ولا علمية ولا تربوية؛ لأنه كما أن هناك نساء كثيرات عاطلات عن العمل، فإن هناك كثير من الرجال عاطلين عن العمل أيضاً.
 
يقول إبراهيم السكران: "والحقيقة أنني حين أتذكر مصيبة كثير من المعلمين العاطلين الذين لم يجدوا وظيفة، ثم أقارنها بهذا القرار التعيس الذي سيزيد حرمانهم، فإنني أتحسر على أن تخطط أمورنا المدنية بهذا الشكل، آلاف من الشباب الآن، وهم أرباب الأسر- المتخرجين بشهادات معلمين لا يجدون وظائف، ثم يأتينا هذا القرار! هذا التوجه لوزارة التربية والتعليم لا يصب في مصلحة تخفيف البطالة، بل يصب الكيروسين على نيران البطالة، بدلاً من أن يفتح للشاب وظيفة جديدة راح يغلق وظائف موجودة! بدلاً من أن يوظف رب الأسرة ذهب يوظف زوجته، ويحرم زوجها من وظيفته! ومن شبهاتهم التي يتذرعون بها قولهم"إن هذا فيه توظيف للمرأة" والحقيقة أن توظيف المرأة يكون بخلق فرص وظيفية مناسبة لها، وليس باجتياح وظائف الشباب المسكين الذي يعاني هو الآخر من البطالة! هذا كمن رأى رجلاً فقيراً فراح يتصدق عليه بالأخذ من رصيد مفلس أسوأ منه حالاً![70].
 
 وأما استدلالهم بعمل الغرب: فإننا نقول: إن عمل الغرب ليس حجة عند المسلمين، فالمسلمون لديهم ضوابط في دينهم يسيرون عليها، وأيضاً نقول: إنها تجارب بشرية، جربوها في الغرب بعقلهم القاصر، وهم الآن يتراجعون عن كثير من تلك التجارب، فهذه التجربة البريطانية في هذا الشأن أثبتت ضرر هذه الخطوة، وهم اليوم يعملون على إعادة المعلمين للصفوف الأولية، فلماذا نبدأ من جديد ولا نبدأ حيث انتهى الناس؟!
 
وكذلك قضية الاختلاط بين البنين والبنات هم اليوم يصيحون منها، وينادون للفصل بين الجنسين.
 
وننقل هنا خلاصة مجموعة من الدراسات والأبحاث الميدانية التي أجريت في كل من مدارس ألمانيا الغربية وبريطانيا والتي تدل على انخفاض مستوى ذكاء الطلاب في المدارس المختلطة، وأن مدارس الجنس الواحد (غير المختلطة) يرتفع الذكاء بين طلابها، كما أن دراسة أجراها معهد أبحاث علم النفس الاجتماعي في بون بألمانيا تبين أن تلاميذ وتلميذات المدارس المختلطة لا يتمتعون بقدرات إبداعية، وهم محدودو المواهب، قليلو الهوايات، وأنه على العكس من ذلك تبرز محاولات الإبداع واضحة بين تلاميذ مدارس الجنس الواحد (غير المختلطة) والسبب في ذلك انشغال كل جنس بالآخر عن الإبداع والابتكار.
 
ويشير الدكتور التويجري إلى ما ذكره الدكتور عبد العزيز الفوزان: عشت في أمريكا سنوات أذكر أكثر من جامعة مخصصة للبنات لا يوجد فيها طالب ذكر واحد، وبوش الرئيس الأمريكي السابق يذكر أن هذه التجربة ناجحة ورائعة، ويدعو جميع المدارس والجامعات إلى أن تعمل على الفصل بين البنين والبنات من أجل تقوية التحصيل العلمي والوقاية من التحرش الجنسي.
 
كما أوضحت مجلة (سفنتيز) الأمريكية في استطلاع لها أن أعداداً كبيرة من الفتيات يتعرضن لتحرشات غير أخلاقية ليست فقط في المدارس الثانوية، وإنما تبدأ أيضاً من المدارس الابتدائية حيث يتعرضن لهذه المضايقات من التلاميذ الذكور، وكذلك من المعلمين [انظر: جريدة الرياض - العدد (9150) بتاريخ 26-1-1414هـ][71].
 
 وأما قولهم: إن المرأة أكثر اجتهاداً في التعليم من الرجل، فهذه دعوى تحتاج إلى دليل على عمومها وشمولها، وأيضاً نقول: إننا منذ الأزل وإلى يومنا الحالي، والرجل هو مدرس البنين، وقد تخرجت أجيال كثيرة، وأصبح منهم العالم، ومنهم العبقري، ومنهم الأديب، ومنهم الطبيب، ومنهم المهندس، ومنهم المدرس، واستقام حالهم، ثم نحن نتساءل هل أصبح الجيل في الدول التي عملت بتأنيث التعليم الابتدائي نوابغة على غيرهم وقد تخرجوا على أيدي معلمـات؟! أم كان الفشل حليفهم، والميوعة دثارهم؟!
 
 وأما قولهمأن المعلمة بديلة لأمه، فنقول: وكذلك المعلم القدوة هو في مقام والده، والإنسان كذلك يحتاج لأمه حتى ولو كبر سنه فلماذا إذن لا نقول: إن المعلمة بديلة لأمه في المرحلة المتوسطة والثانوية أيضاً؟! ومن المناسب أن يتنقل الطفل بين تربية أمه في البيت وتربية المعلم في ساعات الدراسة حتى تكتمل شخصيته.
 
 وأما حجتهمبضعف المعلمين بالأساليب التي يتعاملون بها مع الصغار، فيمكن أن يكون الحل بتقديم اختبارات ودورات خاصة لمعلمي الابتدائية، وتزويدهم بالأفكار الجديدة في الأساليب التربوية، وإعدادهم إعداداً جيداً.
 
 وأما حجتهمبالتعلق بالأم فنقول: إنها مرحلة يجب أن تنتهي، ويبدأ الطفل بالتعايش مع المجتمع الرجولي حتى يكتسب منه صفات الرجولة والشجاعة واهتمامات الرجال.
 
 وأما قولهم: إن هناك حالات خاصة من الأطفال تحتاج لرعاية خاصة من قبل النساء، فنقول: إن هذه حالات نادرة لا يُبنى عليها الأحكام، وإنما تُبنى الأحكام على الغالب الأعم.
 
 وأما حجتهمبقسوة المعلمين، فهذا كلام صحيح، ولا نختلف في أن بعض ممارسات المعلمين غير جيدة، ولكنها لا تعني أن البديل هو تكليف النساء بهذا، وإنما بإعداد المعلم والاهتمام به وتأهيله.
 
 وأما قياسهمعلى نجاحات المرأة في الحضانةفإننا نقول: إن الحضانة تختلف عما بعدها، ولا بد أن نعرف إن التربية تختلف عن الإنجاب وعن الحضانة وغيرها، فقد نجد امرأة حنونة تجيد الحضانة والرضاعة، ولكنها لا تجيد التربية، فالتربية شأن آخر، فهي عملية متكاملة وشاملة للطفل لا يصلح لها إلا الرجل، فالطفل في الروضة صغير غير مميز، ومحتاج للرعاية والتأقلم على الدراسة، ومحيط الأطفال معه ليتعايش معهم، أما بعد ذلك فالأفضل له الالتحاق في مجتمع ذكوري، وهذا ما أثبتته الدراسات التربوية المتعددة، وقد سبق الإشارة إلى بعضها.
 
 وأما قياس المعلمة على الخادمة في المنزل: فلا يصح هذا القياس؛ لأن الخادمة ليست مربية، ولا هي في محل القدوة، وإنما عملها الخدمة في البيت بعكس المعلمة التي هي مربية للأطفال، وقدوة أمام أعينهم، فلا يصح الاحتجاج بهذا!
 
وأيضاً فهذه المسألة لا مجال للرأي المجرد فيها وإلا لاجتهدنا وقلناإن مدارس البنات تحتاج إلى مدرسين يدرسون في ثانويات البنات لقدرتهم على السيطرة على المراهقات بشكل أفضل من المدرسات.
 
 ومن شبهاتهم التي يتذرعون بها قولهم: "حتى نحمي طلاب الصفوف الدنيا من التحرش من طلاب الصفوف العليا!" والحقيقة أن هذا تمثيل بارد، فهؤلاء الذين يسعون ليل نهار لإقرار الاختلاط في التعليم والعمل هل يمكن أن يكونوا مهتمين أصلاً بقضية التحرش؟! لكن دعنا نفترض أن هذه حجة يعتقد بعض المحايدين صحتها -لنفترض ذلك جدلاً- فالحل هو فصل المرحلتين عن بعضهما، مع بقاء الرجال في تدريس المراحل الدنيا، هل يمكن لعاقل يحترم عقله أن يصدق أن تأنيث معلمي الصفوف الدنيا مقصوده حماية الطلاب من تحرش الصفوف العليا، ما صلة الحل بالمشكلة؟! هذا كمن رأى طفلين يتشاجران في غرفة فوضع أحدهما في بيت الجيران! هذا نموذج للحل الذي لا صلة له بالمشكلة! ثم افترض أن أحد الطلاب رسب في بعض سنواته الأولى لأي ظرف مر به، ثم صار في الصف الرابع وقد صار كبيراً، فهل سيبقى بين المعلمات؟ أم سيكون له وضع خاص؟ وهكذا هي مشاكل القرارات التي تبحث عن استعراض أمام الأمريكان أكثر من مراعاة مصلحة البلد[72].
 
 وأما قولهم: "يجب أن نعتني بحاجات الناس" فهل الفضيلة وسد ذرائع انتهاكها والتفطن لمخططات الليبراليين ليست من احتياجات المسلمين الماسة![73].
 
 وأما حجتهمبأن بعض المعلمين يسيئون إلى الطلاب الصغار، ويهينونهم، ويستخدمونهم في حوائجهم، فنقول: وكذلك بعض المعلمات، فهذا موجود في المعملين، وموجود في المعلمات، فإذا كان المعلم أو المعلمة سيئ الأخلاق فقد يصدر منه أشياء مثل هذه سواء كان ذكراً أو أنثى.
 
وإلا فـقد ذكر العلماء والمربون أنه: ينبغي للمؤدب ألا يستخدم أحد الصبيان في حوائجه، وأشغاله التي فيها عار على آبائهم، كنقل التراب والزبل، وحمل الحجارة وغير ذلك، ولا يرسله إلى داره وهي خالية؛ لئلا تتطرق إليه التهمة، ولا يرسل صبياً مع امرأة لكتب كتاب ولا غير ذلك، وأن يكون السائق لهم أميناً ثقة متأهلاً؛ لأنه يتسلم الصبيان في الغدو والرواح، ويتفرد بهم في الأماكن الخالية، ويدخل على الصبيان بيوتهم.
 
 وأما قولهم: لا داعي لتضخيم الأمور: فالحقيقة أن من تأمل ثناء الصحافة الأمريكية على الإدارة الحالية لوزارة التربية والتعليم، ومن تأمل عدداً من القرارات التي غدر بها الفقهاء فلما أجازوها إذا بها مطية لغيرها؛ علم أن هذا الشك والارتياب هو مقتضى العقل والفطنة، وأن ضده ما هو إلا دس للرأس في الرمال، والله ليسألنكم الله عن فتيان أنثتم تربيتهم، والله ليسألن الله كل من بارك هذه الخطوة، وهو يعلم أنها خطوة لغيرها، خصوصاً وهو يعلم أن الله تعالى قال في أربعة مواضع من كتابه في البقرة مرتين وفي الأنعام والنور: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ[(168) سورة البقرة] والله ليسألنكم الله عن شاب تخرج بشهادة معلم ينتظر الفرج فإذا بكم تغدرون به ذات صباح، وزدتم حرمانه وحرمان أسرته لأنكم أردتم أن تقول الصحافة الأمريكية عنكم: إنكم أناس راقون متقدمون![74].
 
 وأما تحديدهم تدريس المعلمات للأطفال إلى الصف الثالث فقط: "فالسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو الفرق (العملي) بين طفل في الصف الثالث وذلك الذي في الصف الرابع مثلاً؟ ثم ماذا لو أعاد بعض الطلاب سني الدراسة،حتى تجاوز (السن القانوني) للاختلاط؟! علماً أن هناك أكثر من دراسة غربية وعربية أثبتت أن الأطفال أصبحوا (يبلغون) قبل السن المعتاد، وبفارق ملحوظ، وعزت ذلك إلى أحد سببين: الأطعمة، والمشاهد العارية"[75].
 
 وأما قولهمإن المعلمة أكثر انضباطاً من المعلمين، وأقل غياباً، فهي تحضر مع بداية الدوام، ولا تخرج إلا مع نهايته.
 
فإننا نقول العكس، إن غياب المعلمة بالنسبة للمعلم أكثر؛ نتيجة مهام المرأة الكثيرة والمعروفة، وإجازاتها الكثيرة لأسباب الأمومة وغيرها، مثل(الزواج، والولادة، والرضاعة، ورعاية الأبناء والأسرة).
 
وأيضاً تغير نفسيتها وطبيعتها أيام الحمل والوحم، وأيام العادة الشهرية، وضعفها وقت الرضاعة، مما يجعلها أقل استعداداً لتحمل مشاق تعليم الأطفال.
 
 وأما قولهمإن عملية تأنيث المرحلة الابتدائية تُعد ضرورة أفرزتها طبيعة مخرجات الكليات المختصة، فالأعداد الزائدة من المدرسات المتخصصات في المرحلة الابتدائية هي التي دفعت وزارات التربية في بعض الدول إلى تأنيث المرحلة الابتدائية.
 
فالرد لو كان الأمر مقتصراً على هذا لكان أهون، ولكنه يستغل ليكون مدعاة لخروج المرأة بهذه الصورة، وبعدها تصدر المعلمات لغير الابتدائية، والسؤاللماذا لا يعطى الذكور نفس نسبة القبول في الكليات المختصة بهذا الجانب؟!
 
 وأما قولهمإن الجهد والعطاء الذي تبذله المعلمة أكثر مما يعطيه المعلم في المدرسة، وتدريس النساء أفضل من تدريس الرجال، وهو شيء واضح وملموس من خلال التجربة -كما يقول الداعون إلى تأنيث التعليم الابتدائي-.
 
فالردومن علم المرأة الأولى؟ لا يستطيع أحد أن يجزم أن جنساً أكثر تفهيماً من جنس، فالأساليب تختلف، اللهم إلا أن يقاللماذا يفهم شباب الثانوية من المعلمة أكثر من المعلم؟ وهل الفتيات في فهمهن من المعلمة كفهمهن من المعلم؟
 
 وأما قولهمإن المعلمات أكفأ في التعامل مع الأطفال في هذه السن.
 
فالردالأطفال في هذه السن أحوج إلى تربية، نعم، ولكن من المناسب تربوياً المعادلة بين المدرسة والمنزل، ففي المنزل الأمهات يقدمن دوراً، وفي المدرسة المعلم يعطي دوراً آخر، أما إن كان دور الأمهات في البيت والمدرسة معاً، فهذا يؤدي إلى تربية على وجه واحد دون تنوع، وهذا لا شك خطأ في التربية؛ ولهذا خلق الله الجنس ذكراً وأنثى، وهذه المرحلة هامة للتنويع بين التربيتين الذكرية والأنثوية.
 
 وأما قولهمإن أولياء أمور الطلاب يطمئنون إلى تدريس أبنائهم على أيدي المعلمات، أكثر منه على أيدي المعلمين، وإن هذا القرار جاء استجابة لرغبة الأمهات اللائي طالبن منذ فترة بتدريس أبنائهن من قبل المعلمات خوفاً عليهم من قسوة المعلمين.
 
فالردأولياء أمور الطلاب هم الآباء، وليست رغبة الأمهات ومطالبتهن معبرة عن أولياء الأمور، هذا من جانب، ومن جانب آخر ينبغي اعتبار حسن اختيار المعلمين للصغار، كما هو الحال في اختيار المعلمات، إذ ليست كل معلمة تصلح لتدريس المرحلة الأولى، وكذا ليس كل معلم يصلح لذلك، ومثلما يتم اختيار المعلمات ينبغي اختيار المعلمين.
 
 وأما قولهمبضرورة تعويد الأطفال على المرأة من سن مبكرة من أجل إلا تكون لهم ردة فعل عكسية وعدوانية تجاه المرأة في المراهقة، أو مرحلة الشباب والرجولة لاحقاً، فتعليم المرأة للأطفال يغرس في الجيل القادم احترام المرأة أكثر.
 
فالردأن هذا كلام يخالف الفطرة والعقل والواقع، ولم يقل بها أحد حتى دعاة التغريب إلا على سبيل التهكم، فالذكر لا يحتاج إلى تعويد على الأنثى، ولا الأنثى تحتاج إلى تعويد على الذكر، ولو كانت هذه حاجة فسيولوجية فلماذا لا نسمع بتعويد الفتيات على الرجل من سن مبكرة من أجل ألا تكون لهن ردة فعل عكسية تجاه الرجل؟! ولنزيل الخوف من الرجال بهذه؟! وهذا قد يحقق للتغريبيين هدفاً آخر، ولكن لم يدعوا إليه، وهل آباؤنا وأجدادنا كلهم كانوا غير متعودين على أمهاتنا وجداتنا؟!
 
 وأما قولهمإن التجديد مطلب حضاري لمواكبة التقدم والتطور الهائل في هذا العصر؛ ولإصلاح أي خلل يطرأ على النظام المتبع بسبب هذا التطور السريع.
فالرد: وما علاقة التطور والتجديد الحضاري بإخراج المرأة؟ من أي ناحية سيتأخر النظام المتبع لولا المرأة؟ وهل التقدم والتطور الهائل في هذا العصر محتاج إلى المرأة؟ إن كان ولا بد فلماذا لا تكون لنا رئيسة بدلاً عن الرئيس، فهذا سيقدم المجتمع أكثر مما لو كانت لنا مجرد مدرسة أو موظفة.. فبعلو مرتبة المرأة يزيد التطور والتجديد؟!
 
 وأما قولهمإن ذلك موافقة للفطرة، فنحن نلاحظ أن تربية الأولاد أوكلها الله -سبحانه وتعالى- للأم؛ وذلك لجلدها وقوة صبرها.
 
فالرد: نعم أوكلها الله للأم وليس للمدرسة؟ وهذا مزج بين الأدوار، إن المعلمة إن تعاملت مع طلابها كأم فشلت قضيتها التربوية، ولا بد حينئذٍ من الفصل بين أدوار التربية، فالطفل لا بد أن يعيش فترة مع أم، وفترة مع معلم، وفترة مع ... الخ، ولو كانت الحياة كلها مع أم لكان ثمت خلل في العملية التربوية.. وطريقة واحدة في التفكير والتصرف والتعامل من قبل الطفل حين يكبر.. ومن ناحية أخرى: الله أوكل تربية الأولاد إلى الأم، نعم، فأين دور المعلمة تجاه أولادها كأم؟ إنها:

وبعد المناقشة والردود لحجج الداعين لتعليم النساء للأطفال في الصفوف الأولى نحن جميعاً بحاجة ماسة للعودة إلى كتاب ربنا، وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ ليكونا هما الفصل فيما يستجدُّ في أمورنا الحياتية من إشكالات، تلك العودة التي نجزم أننا متى انتهجناها فلن نضِل بعدها أبداً، كما وعدَنا النبي -عليه الصلاة والسلام- بذلك يوم قال: ((تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي))[76].
 
وبحاجة أيضاً إلى الاسترشاد بكلام أهل العلم من المعاصرين العارفين بمقاصد الشريعة، المطلعين على أسباب الفتن وعلاجها، فإنه ينثلج به الصدر، ويزول به الريب.
 
وهذه مجموعة من كلام العلماء وفتاويهم في هذه المسألة وهي (تعليم النساء للأطفال في الصفوف الأولى) أتينا بها لإظهار الحق، وتأيداً للقول الراجح في المسألة.
 
أقوال العلماء المعاصرين وفتاويهم في هذه المسألة:
لقد تكلم فيها مجموعة من العلماء المعاصرين، وهذه جملة من فتاويهم:
أولاً: بيان لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- بعنوان(خطورة تعليم النساء للبنين) وهو موجود في كتاب فتاوى إسلامية جمع الشيخ الدكتور محمد المسند، وأرى أن نسوقه كاملاً لفائدته وأهميته في هذه المسألة.
 
قال -رحمه الله-: "الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
 
أما بعد:
فقد أطلعت على ما نشرته صحيفة المدينة عدد (3898) وتاريخ(30/2/1397هـ) بقلم من سمت نفسها (نورة بنت...) تحت عنوان(وجهاً لوجه) وخلاصة القول أن نورة المذكورة ضمها مجلس مع جماعة من النساء بحضرة عميدة كلية التربية بجدة فائزة الدباغ، ونسبت نورة المذكورة إلى فائزة استغرابها عدم قيام المعلمات بتعليم أولادنا الذكور في المرحلة الابتدائية، ولو إلى الصف الخامس، وأيدتها نورة المذكورة للأسباب المنوه عنها في مقالها، وإني مع شكري لفائزة ونورة وزميلاتها على اهتمامهن بموضوع تعليم أولادنا الصغار، وحرصهن على مصلحتهم، أرى من واجبي التنبيه على ما في هذا الاقتراح من الأضرار والعواقب الوخيمة، وذلك أن تولى النساء لتعليم الصبيان في المرحلة الابتدائية يفضي إلى اختلاطهن بالمراهقين والبالغين من الأولاد الذكور؛ لأن بعض الأولاد لا يلتحق بالمرحلة الابتدائية إلا وهو مراهق، وقد يكون بعضهم بالغاً؛ ولأن الصبي إذا بلغ العشر يعتبر مراهقاً، ويميل بطبعه إلى النساء؛ لأن مثله يمكن أن يتزوج ويفعل ما يفعله الرجال، وهناك أمر آخر وهو أن تعليم النساء للصبيان في المرحلة الابتدائية يفضي الاختلاط، ثم يمتد ذلك إلى المراحل الأعلى، فهو فتح لباب الاختلاط في جميع المراحل بلا شك، ومعلوم ما يترتب على اختلاط التعليم من المفاسد الكثيرة، والعواقب الوخيمة التي أدركها من فعل هذا النوع من التعليم في البلاد الأخرى، فكل من له أدنى علم بالأدلة الشرعية، وبواقع الأمة في هذا العصر من ذوي البصيرة الإسلامية على بنينا وبناتنا يدرك ذلك بلا شك، وأعتقد أن هذا الاقتراح مما ألقاه الشيطان، أو بعض نوابه على لسان فائزة ونورة المذكورتين، وهو بلا شك مما يسر أعداءنا وأعداء الإسلام، ومما يدعون إليه سراً وجهراً.
 
ولذا فإني أرى أن من الواجب قفل هذا الباب بغاية الإحكام، وأن يبقى أولادنا الذكور تحت تعليم الرجال في جميع المراحل، كما يبقى تعليم بناتنا تحت تعليم المعلمات من النساء في جميع المراحل، وبذلك نحتاط لديننا وبنينا وبناتنا، ونقطع خط الرجعة على أعدائنا، وحسبنا من المعلمات المحترمات أن يبذلن وسعهن بكل إخلاص وصدق وصبر على تعليم بناتنا في جميع المراحل، ومن المعلوم أن الرجال أصبر على تعليم البنين، وأقوى عليه، وأفرغ له من المعلمات في جميع مراحل التعليم، كما أن من المعلوم أن البنين في المرحلة الابتدائية وما فوقها يهابون المعلم الذكر ويحترمونه، ويصغون إلى ما يقول أكثر وأكمل مما لو كان القائم بالتعليم من النساء، مع ما في ذلك كله من تربية البنين في هذه المرحلة على أخلاق الرجال وشهامتهم وصبرهم وقوتهم، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع))[77] هذا الحديث الشريف يدل على ما ذكرناه من الخطر العظيم في اختلاط البنين والبنات في جميع المراحل، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وواقع الأمة كثيرة لا نرى ذكرها هنا طلباً للاختصار، وفي علم حكومتنا -وفقها الله- وعلم معالي وزير المعارف، وعلم سماحة الرئيس العام لتعليم البنات وحكمتهم جميعاً -وفقهم الله- ما يغني عن البسط في هذا المقام، وأسأل الله أن يوفقنا لكل ما فيه صلاح الأمة ونجاتها وصلاحنا، وصلاح شبابنا وفتياتنا وسعادتهم في الدنيا والآخرة، إنه سميع قريب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم"[78].
 
ثانياً: فتوى الشيخ عبد الرحمن البراك في هذه المسألة:
السؤال: فضيلة الشيخ: تعلمون -رعاكم الله- خبر سماح وزارة التربية والتعليم للمدارس الأهلية بالاختلاط في الصفوف الأولى في المرحلة الابتدائية، وقد أفادت مصادر رسمية أنه تم تطبيق ذلك في عشر مدارس بجُدة، علماً أن هذا مخالف للنظام، وسيعرض على مجلس الشورى لدراسته، نأمل منكم بيان الحكم الشرعي في ذلك، وتوجيه رسالة للمسئولين، والله يحفظكم ويرعاكم.
 
الإجابة:
الحمد لله، لقد جرى عمل المسلمين قروناً متطاولة على الفصل بين الرجال والنساء، في المجامع والمساجد والمدارس، حتى بين الصبيان من بنين وبنات في التعليم، وهذا موجَب الفطرة والعقل ومقاصدِ الشرع؛ ولهذا شرع الله لكل من الجنسين أحكاماً تناسب طبيعته وتكوينه، وجعل للعلاقة بين الجنسين حدوداً لا يجوز تعديها، ومن المعلوم أن التمايز بين الذكر والأنثى يبدأ من الطفولة، بل قد يكون قبل ذلك، فالقوة والخشونة والسيادة والجرأة هي الأصل في الرجل، والنعومة والضعف والتبعية والحياء هي الأصل في الأنثى، قالت امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى[(36) سورة آل عمران] وقال تعالى في شأن الأنثى: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ[(18) سورة الزخرف] ومن المغالطات الباطلة حساً وعقلاً دعوى مساواة المرأة للرجل في العقل والتفكير والقُدَر، وتحمل الصعاب والمسؤوليات، واعتبر ذلك في نسب النجاح والإنتاج بين الجنسين؛ فإنك تجد المرأة إلى الرجل بنسبة (1/10000) واحد على عشرة آلاف، بل دون ذلك، في المجالات السياسية والعسكرية والهندسية والعلمية والفكرية، وفي مجال الاختراعات والابتكار، والأعمال ذات الأخطار في البر والجو والبحار.
 
ومن أعظم ما أصاب المسلمين في شأن المرأة وغيرها التبعية للغرب الكافر، حتى صار المستغربون يلهجون بأكذوبة مساواة المرأة بالرجل، والدعوة إلى التسوية بينهما في جميع شؤون الحياة، ومن هذا المنطلق صاروا يدعون إلى الاختلاط في التعليم والعمل، وقد تم لهم ذلك في كثير من البلاد الإسلامية، وقد غزت هذه الدعوة بلادنا بلاد الحرمين المملكة العربية السعودية، فصار المسئولون عن التعليم يعملون جاهدين لذلك بخطط ماكرة، ومن ذلك القرار القاضي بالإذن للمدارس الأهلية في الصفوف الأولى بتدريس البنين في مدارس البنات لتعلمهم المعلمات في صفوف مستقلة الآن، ولا يخفى على المتدبر أن هذا من التدرج في الوصول إلى الغاية حتى لا تحدث الصدمة وردة الفعل، وهذا القرار ينطبق عليه قول الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، في بيان له حول اقتراح بعض النساء تعليم النساء للبنين في المرحلة الابتدائية، قال"وأعتقد أن هذا الاقتراح مما ألقاه الشيطان، أو بعض نوابه على لسان فائزة ونورة المذكورتين، وهو بلا شك مما يسر أعداءنا وأعداء الإسلام، ومما يدعون إليه سراً وجهراً" انتهى.
 
وتعليمُ البنين في مدارس البنات يخالف ما دلت عليه الدراسات من فشله، وانعكاساته السيئة على الذكور من تأنيث طباعهم، وإضعاف معاني الرجولة في نفوسهم، بتأثير المعلمات، ومخالطة البنات، دع ما ينشأ عن ذلك من فساد أخلاق الجنسين، فهم مهيئون للانحراف في هذه السن، وإن كانت أعمارهم ما بين السابعة إلى العاشرة، فكيف بما بعد ذلك؟! ومن العجب أن قومنا يتبعون من سبقهم في ذلك، من دول الغرب في الوقت الذي تراجع فيه الغرب عن دمج الذكور بالإناث في التعليم، وبناء على ما سبق من:
1- مخالفة هذا القرار لعمل المسلمين.
2- والتبعية فيه للغرب.
3- وللمفاسد المترتبة على تطبيقه.
 
أرى أنه حرام؛ ولذلك فإني أنصح كل من رزقه الله البنين ألا يلحقوا أبناءهم في المدارس التي تعلمهم فيها النساء، محافظة على طباعهم وأخلاقهم ومستقبلهم، كما أني أنصح المسئولين عن التعليم في بلاد الحرمين أن يتقوا الله، ويرجعوا عن هذا القرار، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وأذكرهم بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ((من سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء))[79]... الحديث، والله يهدينا صراطه المستقيم بمنه وكرمه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، أملاه عبد الرحمن بن ناصر البراك الأستاذ (سابقاً) بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (24/6/1431هـ)[80].
 
ثالثاًكلام الشيخ على الطنطاوي في هذه المسألة:
يقول -رحمه الله-: " ثم سلموا التعليم في المدارس الأولية لمعلمات بدلاً من المعلمين، ونحن لا نقول: إن تعليم المرأة أولاداً صغاراً أعمارهم دون العاشرة محرم في ذاته، لا ليس محرماً في ذاته، ولكنه ذريعة إلى الحرام، وطريق إلى الوقوع فيه في مقبل الأيام، وسد الذرائع من قواعد الإسلام، والصغير لا يدرك جمال المرأة كما يدركه الكبير، ولا يحس إن نظر إليها بمثل ما يحس به الكبير، ولكنه يختزن هذه الصورة في ذاكرته فيخرجها من مخزنها ولو بعد عشرين سنة، وأنا أذكر نساء عرفتهن وأنا ابن ست سنين، قبل أكثر من سبعين سنة، وأستطيع أن أتصور الآن ملامح وجوههن، وتكوين أجسادهن، ثم إن من تشرف على تربيته النساء يلازمه أثر هذه التربية حياته كلها، يظهر ذلك في عاطفته، وفي سلوكه في أدبه إذا كان أديباً"[81].
 
ويقول: "ثم إن أصول العقائد، وبذور العادات، ومبادئ الخير والشر، إنما تغرس في العقل الباطن للإنسان، من حيث لا يشعر في السنوات الخمس أو الست الأولى من عمره، فإذا عودنا الصبي والبنت الاختلاط فيها ألا تستمر هذه العادة إلى السبع والثمان؟ ثم تصير أمراً عادياً ينشأ عليه الفتى، وتشب الفتاة، فيكبران وهما عليه؟ وهل تنتقل البنت في يوم معين من شهر معين من الطفولة إلى الصبا في ساعات معدودات، حتى إذا جاء ذلك اليوم حجبناها عن الشباب؟ أم هي تكبر شعرة شعرة، كعقرب الساعة تراه في الصباح ثابتاً، فإذا عدت إليه بعد ساعتين وجدته قد انتقل من مكانه، فهو إذن يمشي وإن لم تر مشيه، فإذا عودنا الأطفال على هذا الاختلاط فمتى نفصل بينهم؟... ولا تبعد في ضرب الأمثال، فهاكم الإمام ابن حزم يحدثكم في كتابه العظيم الذي ألَّفه في الحب (طوق الحمامة) حديثاً مستفيضاً في الموضوع، خلق الله الرجال والنساء بعضهم من بعض، ولكن ضرب بينهم بسورٍ له باب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قِبَلِهِ العذاب، فمن طلب الرحمة والمودة واللذة والسكون والاطمئنان دخل من الباب، والباب هو الزواج، ومن تسوَّر الجدار أو نقب السقف، أو أراد سرقة متعة ليست له بحق ركبه في الدنيا القلق والمرض وازدراء الناس، وتأديب الضمير، وكان له في الآخرة عذاب السعير"[82].
 
رابعاً: بيان للشيخ عبد المحسن العباد:
لا يجمع بين البنين والبنات في الصفوف الأولية الابتدائية.
 
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فينتشر في كثير من المدن في بلاد الحرمين روضات أطفال أهلية يُجمع فيها بين البنين والبنات، وهم دون سن التمييز، يقوم بالتدريس فيها النساء فقط، والأمر في ذلك سهل؛ لأن البنين والبنات في هذه السن ليس عندهم من الفهم والإدراك ما يقتضي وجوب الفصل بينهم، وإن كان الأولى الفصل بينهم، ولم تأتِ الشريعة بأمرهم بالصلاة، ولا يُحضرون إلى المساجد من أجل الصلاة، ولا يقامون في الصفوف لكونهم ليسوا من أهل الصلاة، ويجري الحديث بين حين وآخر من بعض الناس سواء كانوا مسئولين أو ليسوا في موقع المسئولية تمنياً وتفكيراً في نقل هذا العمل إلى ما بعد سن التمييز في الصفوف الأولية في المدارس الابتدائية.
 
وحصول الجمع بين البنين والبنات بعد سن التمييز ولو في الصفوف الأولية غير سائغ؛ لما فيه من محاذير يدركها كل عاقل، ولما فيه من الفرق بين سن التمييز وما قبله، ومن ذلك:
 أن للبنين والبنات بعد سن التمييز من الفهم والإدراك ما يجعل الحكم فيهم مختلفاً عما قبل هذه السن؛ ولهذا جاءت السنة بأمرهم بالصلاة على سبيل الاستحباب ليتعودوا عليها، ويأتوا بها على الوجه المشروع؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع))[83] وهو حديث صحيح رواه أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن عمرو وسبرة بن معبد -رضي الله عنهم-، بل ذهب بعض أهل العلم إلى صحة إمامة المميز ولو كان في أول سن التمييز إذا كان أقرأ من غيره؛ لحديث عمرو بن سلمة الجرمي -رضي الله عنهما- في ذلك رواه البخاري (4302) وليس في قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: ((وفرقوا بينهم في المضاجع)) دليل على أن ما دون العشر يجوز الجمع فيه بين البنين والبنات في الدراسة؛ لأن المراد منه أن الرجل يفرق بين أولاده في مضاجعهم لما يُخشَى أن يحصل منهم من أفعال غير سائغة؛ ولأنه قد يحصل البلوغ للبنت بالحيض وهي بنت تسع كما سيأتي.
 
 أن الجمع بين البنين والبنات في الصفوف الأولية -مع كونه محذوراً- وسيلة وذريعة إلى الجمع بينهم في الصفوف الأخيرة، ثم في المرحلة المتوسطة وهكذا ما وراءها، فيكون بداية سيئة تجر إلى ما هو أسوأ منها، وقد قال ابن القيم -رحمه الله- في الطرق الحكمية (ص281): "ولا ريب أنَّ تمكين النساء من اختلاطهنَّ بالرجال أصلُ كلِّ بليَّة وشرٍّ، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة" وقال"ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية -قبل الدين- لكانوا أشد شيء منعاً لذلك".
 
 أن من البنين والبنات من يحصل لهم البلوغ وهم في مرحلة الدراسة الابتدائية لم يتجاوزوا الثانية عشرة، فقد ذكر البخاري في صحيحه قبل الحديث (2664) عن المغيرة بن مقسم الضبي أنه قال: ((احتلمت وأنا ابن ثنتي عشرة سنة)) قال الحافظ في شرحه"جاء مثله عن عمرو بن العاص، فإنهم ذكروا أنه لم يكن بينه وبين ابنه عبد الله بن عمرو في السن سوى اثنتي عشرة سنة" ويُفهم من ذلك أن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- بلغ قبل الثانية عشرة، ومن البنات من يحصل لهن البلوغ بالحيض وهن في الصفوف الأولية للدراسة الابتدائية، فقد ذكر البخاري أيضاً عن الحسن بن صالح أنه قال"أدركت جارةً لنا جدةً بنت إحدى وعشرين سنة" قال الحافظ في شرحه"وقد ذكر الشافعي أيضاً أنه رأى جدةً بنت إحدى وعشرين سنة، وأنها حاضت لاستكمال تسع، ووضعت بنتاً لاستكمال عشر، ووقع لبنتها مثل ذلك" فلا يجوز الجمع بين البنات اللاتي بلغن بالحيض أو قاربن البلوغ بعد سن التمييز وبين البنين الذين هم في هذه السن.
 
 أن الله ذكر في سورة النور من يجوز للنساء إبداء زينتهن لهم، ومنهم الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، ومن كان منهم بعد سن التمييز ولا سيما في سن الثامنة والتاسعة فقد يحصل لهم من الإدراك والفطنة في أمر النساء ما يكونون به من الأطفال الذين ظهروا على عورات النساء، فلا يجوز إبداء الزينة لهم، ولا أن يدرسهم مدرسات، ولا الجمع بينهم وبين البنات اللاتي هن مظنة للبلوغ في هذه السن كما مرت الإشارة إليه قريباً.
 
 أن قصر التدريس في الصفوف الأولية على النساء كما هو الشأن في مدارس روضات الأطفال يترتب عليه ضرر كبير، وهو إفساح المجال لتوظيف النساء دون الرجال؛ لأن المدارس الابتدائية أكثر عدداً من غيرها، والدارسون فيها أكثر من الدارسين في غيرها، فوظائف التدريس فيها في غاية الكثرة، فتكثر البطالة ويتسكع الشباب في الشوارع أو يلزمون البيوت، والرجال أولى بالوظائف من النساء لكونهم قوامين عليهن والنساء مقوم عليهن، وهن أولى بلزوم البيوت، ولا تكون حالهم وحالهن كما قال الشاعر:

وأقول بعد إيراد هذه المحاذير: إن من حسن حظ أي مسئول في التعليم وزيراً أو غيره -ولا بد له من مفارقة هذه المسئولية بوفاة أو إعفاء- ألا يحصل في عهده وفترة ولايته ما يكون به ضرر على المسلمين في دينهم وأخلاقهم ويلحقه بعد موته وعزله تبعاته السيئة وآثاره الخطيرة، بل يجتهد في مدة ولايته المنتهية ولا بد في أن يكون فيها من مفاتيح الخير ومغاليق الشر، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) رواه مسلم (6804) وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) رواه مسلم (2351).
 
وأسأل الله -عز وجل- أن يوفق المسئولين في التعليم وغيره لأداء ما وجب عليهم على الوجه الذي يرضيه، وأن يحفظهم من الوقوع في كل فعل يعود عليهم وعلى المسلمين ضرره في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.
 
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه(13/9/1430هـ، عبد المحسن بن حمد العباد البدر)[85].
 
خامساً: فتوى للشيخ سليمان العودة في هذه المسألة:
السؤال: ما حكم تدريس المرأة المسلمة لتلاميذ ذكور في المرحلة التأسيسية؟
الإجابة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
 
أما بعد:
فإذا كان الذكور غير بالغين أي لم يتجاوزوا سن العاشرة -لأنها مظنة البلوغ عند بعضهم- وعادة ما يكون ذلك في الصفوف الأولى من دراستهم، فإن الأصل هو جواز ‏تدريسهم من قبل المعلمات لعدم وجود المانع الشرعي من ذلك، لكننا نقول: إن اشتغال النساء بتعليم البنات، واشتغال الرجال بتعليم الفتيان أسلم وأجدى على الفريقين علمياً وشرعياً، فإن من المعلوم أن الصغار يتقلدون صفات أنثوية من معلماتهم، كما أن النساء غير قادرات بطبعهن على السيطرة على الفتيان، وتلقينهم المعلومات كما يفعل الرجال، مما يترك آثاراً سلبية من الناحيتين العلمية والأخلاقية.
 
ونرى منعه سداً لذريعة التوسع في هذا الباب، فإن العادة أن الضوابط التي توضع لا تنفذ، كما أنه قد يكون في الصغار من مرج طبعه، وقد يكون في المعلمات من تسول لها نفسها استدراج الصغار، خصوصاً إذا كانوا حسان الوجوه، وهي غير متزوجة أو مطلقة، فإذا تذكرنا أن وسائل الإعلام اليوم قد طبعت الثقافة الجنسية، التي كانت إلى عهد قريب محجوبة عن الصغار... إذا تذكرنا ذلك فإن المنع من تدريس المرأة الصغار لا تكتنفه مخاطر، أما الإذن فهو فتح باب فيه من المفاسد ما فيه، والسلامة لا يعدلها شيء، وأما إذا كانوا بالغين فقد ‏تقدم جواب عن ذلك برقم 1665. والله أعلم[86].
 
سادساً: حكم تدريس المرأة للأطفال القرآن في المسجد:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
 
أما بعـد:
فيجوز للمرأة أن تتولى تدريس الأطفال دون سن البلوغ، ولكن الأولى أن يتولى ذلك الرجال؛ لأسباب سبق بيانها في الفتوى رقم: 6993.
 
وإذا كانت هذه المرأة محتاجة للعمل احتياجاً حقيقياً لعدم من ينفق عليها، أو يتكفل بمعاشها مثلاً، فقد تكون هي أولى بهذا العمل ليكفَّها عن غيره من الأعمال التي قد لا تكون مشروعة، وعليها حينئذٍ مراعاة الأمور التالية:
 أن لا تؤثر سلباً على الأطفال؛ فإنه من المعلوم أن الصغار يتقلدون صفات أنثوية من معلماتهم.
 أن تضبط خروجها وذهابها للمسجد بالضوابط الشرعية التي سبق بيانها في الفتويين(28006، 20667).
 أن يكون مكان تدريسها للأطفال منفصلاً عن مكان الرجال بحيث لا تخالطهم، وقد سبق التنبيه على ذلك وغيره من الضوابط في الفتويين(39150، 109816).
 
ولا يخفى أن هذا بخلاف التدريس للذكور البالغين، فالأصل فيه المنع، كما سبق بيانه في الفتاوى ذات الأرقام التالية(113847، 67685، 78954)... والله أعلم[87].
 
وأخيراً نقول:
إن من عرف مقاصد الشريعة، وطرقها في سد الذرائع الموصلة إلى الحرام والفساد، وما أتت به من الحفاظ على الضرورات الخمس(الدين والنفس والعقل والمال والنسب أو النسل) عرف أن كل ما أفسد هذه الضروريات أو أحد منها باعتبار الشرع فهو مفسدة، ومن تتبع الأدلة الشرعية، والأقوال الفقهية تبين له أن الإسلام يؤيد فكرة التباين في التربية (التربية التي تتناسب مع الطبيعة الفطرية والاجتماعية للبنين والبنات في النظام الإسلامي) لأننا إذا قمنا بتربية البنين كما يربى البنات وتربية البنات بالكيفية التي تربي بها البنين -على فرض احتمال تحققه- فإننا في هذه الحالة سنوجه ضربة إلى شخصية كل من الولد والبنت؛ حيث يؤدي هذا العمل إلى تجاهل شخصيتهما، ويتعارض مع فطرتهما وإرادتهما وآمالهما؛ وبذلك سوف نخلق لهما أوضاعهاً مضطربة تعرقل قيامهما بمهامهما مستقبلاً.
 
ولهذا نجد أن أهل العلم قد ذكروا من صور تنشئة الأطفال وتربيتهم على الرجولة والمروءة أنهم كانوا يأخذون الصغار إلى مجامع العامة، وإجلاسهم مع الكبار لأن ذلك يعد من وسائل تنمية الرجولة فيهم، ومما يلقح فهمهم، ويزيد في عقلهم، ويحملهم على محاكاة الكبار، ويرفعهم عن الاستغراق في اللهو واللعب؛ وهكذا كان الصحابة يصحبون أولادهم إلى مجلس النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن القصص في ذلك: ما جاء عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: كان نبي الله -صلى الله عليه وسلم- إذا جلس يجلس إليه نفرٌ من أصحابه، وفيهم رجلٌ له ابن صغير، يأتيه من خلف ظهره، فيقعده بين يديه..." الحديث[88].
 
وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بشرابٍ فشربَ منه، وعن يمينه غلامٌ وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: ((أتأذن لي أن أُعطيَ هؤلاء؟)) فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، لا أُوثِرُ بنصيبي منكَ أحداً، قال: فَتَلّهُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يده[89].
 
وكانوا يحدثون الأطفال عن بطولات السابقين واللاحقين والمعارك الإسلامية، وانتصارات المسلمين؛ لتعظيم الشجاعة في نفوسهم، وهي من أهم صفات الرجولة، وكان للزبير بن العوام -رضي الله عنه- طفلان أشهد أحدهما بعض المعارك، وكان الآخر يلعب بآثار الجروح القديمة في كتف أبيه كما جاءت الرواية عن عروة بن الزبير أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فقال: إني إن شددت كذبتم، فقالوا: لا نفعل، فحمل عليهم (أي على الروم) حتى شق صفوفهم فجاوزهم وما معه أحدٌ، ثم رجع مقبلاً فأخذوا (أي الروم) بلجامه (أي لجام الفرس) فضربوه ضربتين على عاتقه بينهما ضربة ضُربها يوم بدر، قال عروة: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير، قال عروة: وكان معه عبد الله بن الزبير يومئذٍ وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس ووكّل به رجلاً"[90].
 
قال ابن حجر -رحمه الله- في شرح الحديث"وكأن الزبير آنس من ولده عبد الله شجاعة وفروسية، فأركبه الفرس وخشي عليه أن يهجم بتلك الفرس على ما لا يطيقه، فجعل معه رجلاً ليؤمن عليه من كيد العدو إذا اشتغل هو عنه بالقتال، وروى ابن المبارك في الجهاد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير أنه كان مع أبيه يوم اليرموك، فلما انهزم المشركون حمل فجعل يجهز على جرحاهم" أي: يكمل قتل من وجده مجروحاً، وهذا مما يدل على قوة قلبه، وشجاعته من صغره [91].
 
إذن فمجالسة الأطفال للكبار أدعى إلى سمو هممهم، وتفتح مواهبهم، ودخولهم مجلس الكبار تعليم لهم، وتهذيب لشخصيتهم؛ ولهذا من الخطأ ما يقوم به بعض الرجال من طرد أبنائهم، وتركوهم إما مع النساء أو في الشارع إلى سن كبير.
 
ونجد أيضاً عبر تاريخنا الإسلامي أنهم كانوا يتخذون لأبنائهم مؤدبين، ولم نجد أنهم اتخذوا مؤدبة من النساء، بل كانوا يشترطون شروطاً فيمن يتولى منصب معلم الصبيان ومؤدبهم؛ لأنه لا يصلُح لهذا العمل أي أحد، فهذا ابن الأخوة يقدم لنا صورة واضحة عما يجب أن يتوفر في مؤدب الصبيان من شروط، ويبين ذلك بشكل جلي يدلل على مدى اهتمام المماليك بالجيل الناشئ، وحرصهم على تربيته، وتعليمه أشد الحرص، فقال: "يجب أن يكون من أهل الصلاح والعفة والأمانة حافظاً للكتاب العزيز، حسن الخط، يدري الحساب، والأولى أن يكون متزوجاً، ولا يفسح لعازب أن يفتح مكتباً للتعليم إلا أن يكون شيخاً كبيراً، وقد اشتهر بالدين والخير، ومع ذلك لا يؤذن بالتعليم إلا بتزكية مرضية، وثبوت أهليته لذلك، بمعرفة الحروف، وضبطها بالشكل، ويدرجه بذلك حتى يألفه طبعاً، ثم يعرفه عقائد السنن، ثم أصول الحساب، وما يستحسن من المراسلات، ومن كان عمره سبع سنين أمره بالصلاة في جماعة؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((علموا صبيانكم الصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر))[92] ويأمرهم ببر الوالدين، والانقياد لأمرها بالسمع والطاعة، والسلام عليهما، وتقبيل أياديهما عند الدخول إليهما، ويضربهم على إساءة الأدب، والفحش من الكلام، وغير ذلك من الأفعال الخارجة عن قانون الشرع"[93].
 
وقد كان السلف أيضاً يحرصون على اختيار المعلم والمدرس الصالح، ولو كلفهم ذلك السفر والانتقال على أقطار بعيدة، وأموال عديدة، يقول الماوردي: "يجب أن يجتهد في اختيار المعلم والمؤدب الاجتهاد في اختيار الوالدة والظئر -المرضعة- بل أشد منه؛ فإن الولد يأخذ من مؤدبه من الأخلاق والشمائل والآداب والعادات أكثر مما يأخذ من والده، لأن مجالسته له أكثر، ومدارسته معه أطول، والولد قد أمر حيث سلم إلى المدرس بالاقتداء به جملة، والائتمار له دفعة، وإذا كان هكذا فيجب ألا يقتصر من المعلم والمؤدب على أن يكون قارئاً للقرآن وحافظاً للغة، أو راوياً للشعر حتى يكون تقياً، ورعاً، عفيفاً، فاضل الأخلاق، أديب النفس، نقي الجيب، عالماً بالخلاق الملوك وآدابهم، عارفاً بجوامع أصول الدين والفقه، وافياً بما ذكرنا أنه يحتاج أن يعلمه على الترتيب، فإن فاته شيء مما ذكرنا، فلا يفوته التقى والدين والفقه"[94].
 
ولعل في الوصية التي بعث بها الخليفة هارون الرشيد إلى الكسائي مؤدب ابنه ما يلقي الضوء على طبيعة المنهج الذي يسعى الخلفاء إلى تربية أولادهم عليه، يقول"أقرئه القرآن، وعرفه الآثار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم منها فائدة تفيده إياها من غير أن تخرق به فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة"[95].
 
فعلينا إذاً أن ننظر إلى أفكار هؤلاء العلماء جميعاً لأنهم يعتبرون بذلك الطلائع التربوية التي تقتحم مجاهل الطريق، وقد اتفقوا جميعاً على أن الأسس النفسية للتعلم في التربية الإسلامية تتشعب إلى ثلاثة اتجاهات منفصلة، هي:
أولاً: أركان عملية التعلم: ومنها التهيؤ النفسي للتحصيل، والإدراك، والخبرة، ومرحلة النمو والقدرة على التعلم أي مراعاة سن المتعلم، ثم اللغة ودورها كوسيلة تربوية.
 
ثانياً: طريقة التعليم: (أول من تنبه لها ابن خلدون) تقريب المعرفة إلى إدراك المتعلم مع الأخذ بعين الاعتبار علم المتعلم ونضجه اللغوي والعقلي، واستعمال أسلوب المطارحة والمناظرة والمحاورة لأنها تهيئ للمتعلم فرص الجرأة والثقة بالنفس.
 
ثالثا: المهنة التعليمية: نادوا بمعرفة طبيعة الطفل وإمكاناته للتعلم، كما حددوا مسئولية المعلم وفرقوا بين التربية والتعليم وعرفوا أن التربية أكبر من التعليم وأشمل منه؛ لذلك لا بد أن يضاف للعلم فن التربية، وقرروا أن السن المناسبة لبدء التعليم هي سن السادسة، وأدركوا أهمية اللعب والترويح عن النفس بين المعلم والتلميذ وهذه المبادئ هي التي تنادي بها التربية الحديثة[96].
 
وذكر الغزالي[97] في الوظيفة الرابعة من وظائف المعلم، وهي من دقائق صناعة التعليم"أن يزجر المتعلم عن سؤ الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة، ويرث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويهيج الحرص على الإصرار؛ ولأن التعريض أيضاً يميل النفوس الفاضلة والأذهان الذكية إلى استنباط معانيه، فيفيد فرح التفطن لمعناه رغبة في العلم به ليعلم أن ذلك مما لا بعزب عن فطنته"[98].
 
وأما الآداب العامة في المجالسة والمحادثة يرى ابن مسكويه: بأنها أيضاً مما عليه التربية في الإسلام، ومنها: إذا ضمه مجلس فعليه أن لا يبصق في مجالسه، ولا يتمخط، ولا يتثاءب بحضرة غيره، ولا يضع رجلاً على رجل، وليتجنب في الحديث الكذب، ولا يحلف ألبتة لا صادقاً ولا كاذباً، فإنه قبح بالمرء، ويكون كلامه جواباً، ويعود قلة الكلام فيستمع من أهل المجلس ما يفيده، خاصة إذا كان في المجلس من هو أكبر منه، فيستمع إلى كلامهم، ويستفيد من تجارب حياتهم، ويمنع من خبث الكلام وهجينه، ومن السب واللعن ولغو الكلام، ويعود حسن الكلام وطريقه، وجميل اللقاء وكريمه، ولا يرخص له أن يستمع لأضدادها من غيره، ويعود خدمة نفسه ومعلمه، وكل من كان أكبر منه، كذلك يؤكد على أنه إذا ما بدا صلاحه فلا يهمل، بل يستمر في إرشاده وتهذيبه، والثناء عليه حتى ترسخ الأخلاق في نفسه فلا يحيد عنها، ويحمله على حفظ الأخبار والأشعار التي فيها حث على الفضائل ومكارم الأخلاق، لتذكره بما هو عليه من الطباع، وهكذا يستمر معه، ويهنأ بنعمة الله التي أنعم بها عليه في الدنيا، ويستعد لدار البقاء، ويقول: وإذ عرفت هذه الطرق المحمودة في تأديب الأحداث فقد عرفت أضدادها، أعني من نشأ على خلاف هذا المذهب والتأديب لم يرجى فلاحه[99].
 
وحرص السلف على رعاية الناشئ الموهوب، ومراعاة ما يميل إليه ويهواه من العلوم والأعمال: يقول ابن القيم: "ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي، وما هو مستعد له من الأعمال، ومهيأ له منها فيعلم أنه مخلوق له، فلا يحمله على غيره ما كان مأذوناً فيه شرعاً، فإنه إن حمل على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له، فإذا رآه حسن الفهم والإدراك، جيد الحفظ مراعياً، فهذه من علامات قبوله وتهيؤه للعلم لينقشه في لوح قلبه ما دام خالياً، فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه، وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه وهو مستعد للفروسية (الحياة العسكرية) وأسبابها من الركوب والرمي واللعب بالرمح وإنه لإنفاذ له في العلم ولم يخلق له، مكنه من أسباب الفروسية والتمرين عليها فإنه أنفع لها وللمسلمين وإن رآه بخلاف ذلك، وأنه لم يخلق لذلك، ورأى عينه مفتحة إلى صنعة من الصنائع مستعداً لها قابلاً لها وهي صناعة مباحة نافعة للناس فليمكنه منها هذا كله بعد تعليمه له ما يحتاج إليه في دينه"[100].
 
ولا بد أن يدرك المربي أن مرحلة الصغر هي مرحلة الحفظ والنبوغ: ولهذا نجد أن الشافعي -رحمه الله- يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين، ويقول سهل بن عبد الله التستري :مضيت إلى الكتاب فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين.
 
وهذا ابن خلدون[101] حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وتعلم العلوم الكثيرة في اللغة والأدب والفقه والأصول والتفسير والحديث، ونبغ في كل ما تعلمه وهو لم يبلغ العشرين من عمره، وكذلك ابن سيناء كان عالماً وطبيباً بارعاً وهو ابن 16 سنة.
 
وهذا المأمون -رحمه الله تعالى- يفهم فهماً عجيباً في القرآن وهو صغير، فقد كان يقرأ على معلمه الكسائي، وكان من عادة الكسائي أن يخفض رأسه إذا قرأ المأمون، فإذا أخطأ رفع رأسه ناظراً فيرجع إلى الصواب، فقرأ المأمون يوماً سورة الصف، ولما وصل إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ[(2) سورة الصف] رفع الكسائي رأسه، فنظر المأمون إليه وكرر الآية، وهو يفتش عن خطئه فوجدها صحيحة، فمضى في قراءته، ولما انصرف الكسائي دخل المأمون على أبيه قائلاًهل وعدت الكسائي بشيء؟ قالكيف علمت بذلك يا بني؟ فأخبره بالأمر، فسر الرشيد لفطنة ولده وشدة ذكائه. والله أعلم.
 
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 


[1] - فبدأت الدعوة بتأنيث المرحلة التأسيسية الدنيا (أي تخصيص معلمات لتعليم الأولاد) وربما تلاها بعد ذلك مراحل، بحجج مختلفة.
[2] - انظر: (تأنيث التعليم والاتجاه غربًا) لأحمد عمرو بتصرف، المصدر: لها أون لاين.
[3] - انظر: (تدريس المعلمات للبنين وجهة نظر) لأمل بنت زيد المنقور، بتصرف، المصدر: بوابة آسية الالكترونية.
[4] - مجموع الفتاوى (20/54).
[5] - مجموع الفتاوى (10/ 512).
[6] - مجموع الفتاوى (23/182).
[7] - مجموع الفتاوى (23/343).
[8] - منهاج السنة النبوية (6/118).
[9] - الاستقامة (1/439).
[10] - الطرق الحكمية (1/383).
[11] - مدارج السالكين (3/285).
[12] - روضة المحبين (1/8) وابن الجوزي في ذم الهوى (1/8) بينما نفله غيره عن عمرو بن العاص-رضي الله عنه- كالذهبي في سير أعلام النبلاء (3/74) وابن عساكر في تاريخ دمشق (46/186) وفي جمهرة الأمثال للعسكري (1/68) على أنه مثل.
[13] - روضة المحبين (1/8) وابن الجوزي في ذم الهوى (1/8).
[14] - أخرجه الترمذي (4/249-2518) وأحمد(3/252- 1727) وصححه الألباني في الإرواء (12-2074) والظلال(179) والروض النضير(152).
[15] - أخرجه البخاري (3/ 53-2051) ومسلم (3/ 1221- 108).
[16] - أخرجه أحمد ط الرسالة (1/ 269- 114) وابن حبان (15/ 122- 6728) وصححه الألباني (الصحيحة) (430 و 1116).
[17] - أخرجه أبو داود (1/ 133- 495 ) وحسنه الألباني في المشكاة (572) وصحيح أبي داود (509) والإرواء (247).
[18] - المقدمات لابن رشد (2/200).
[19] - إعلام الموقعين (ج3/ 159).
[20] - إعلام الموقعين (3/173).
[21] - ونعجب ممن قال من العلماء: "أدعو العلماء إلى فتح باب الذرائع بدلاً من سدِّها" واعتبر المنع احتياطاً قانونياً أكثر من كونه شرعياً.
[22] - انظر: التعليم وأهميته، بتصرف، المصدر: موقع: عالم المعرفة.
[23] - انظر: (حذروا الأساليب الحديثة في مواجهة الإسلام) للدكتور: سعد الدين السيد الصالح.
[24] - انظر: مجلة المعرفة [رجب 1417هـ] الاختلاط في التعليم تاريخ وهموم، بتصرف؛ لفهد بن عبد العزيز الشويرخ.
[25] - أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس (ج6/ص2665- 6877) ومسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (ج 8/ص60- 6974).
[26] - أخرجه أحمد (ج13/ص291 7912) وابن ماجه في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء (2/1339- 4036) وهو في السلسلة الصحيحة (5/321- 2253).
[27] - هل الفتوى تتغير باختلاف الزمان والمكان؟ وما الضابط في المسألة؟ لا يمكن أن يكون الواقع مصدر أحكام، وإنما قد يجتهد لإصدار أحكام تناسب الواقع، وهو ما يعرف عند العلماء بالنوازل، أما أحكام الإسلام فهي ثابتة لا تتغير بتغير زمان ولا مكان، وإنما يتغير اجتهاد المجتهد، وتتغير الفتوى بحسب تغير الزمان، وكان من سياسة عمر -رضي الله عنه- مراعاة الحال والزمان دون إخلال بأحكام الله، وعلى سبيل المثال: حكم الصلاة لا يتغير في سفر ولا في حضر عما كان عليه في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحكم الزنا أو الخمر لا يتغير عما كان عليه في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما الذي يتغير ما يجد في حياة الناس أو يحتاج إلى اجتهاد، كالنوازل التي تنزل بالناس، أو اختلاف الحال، فتتغير فتوى المفتي أو اجتهاد المجتهد، وهذه لا يمكن أن يقال عنها: تغير أحكام الإسلام وإنما تغير فتوى المفتي أو اجتهاد المجتهد، وهذا أيضاً ليس لكل أحد، بل هو لأهل العلم الذين يبنون تلك الاجتهادات على أصول وقواعد ثابتة، أما أحكام الإسلام فهي ثابتة لا تتغير مهما تغير الزمان أو المكان، ذلك لأنها صالحة لكل زمان ومكان، فتغير الزمان لا يمكن أن يحلل الحرام ولا أن يحرم الحلال؛ لأن هذه أحكام ثابتة لا تتغير.
[28] - أخرجه مسلم في كتاب الطلاق باب طلاق الثلاث (4/419-3748) عن طاوس أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم.
[29] - أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (7 /151- 12593).
[30] - رد المحتار (15/32).
[31] - يتناقل البعض عبارة: "حيث وجدت المصلحة فثم شرع الله" وبعضهم يقول: الصواب العكس: "حيث وجد شرع الله فثمت المصلحة" فأي العبارتين صحيح؟ الذي يظهر في رأيي أن كلتا العبارتين صحيح، فالمصلحة الحقيقية لا تعارض الشرع، والرد على القائلين بالمصلحة المخالفة للشرع المخصصين نصوص الشرع بالمصالح الملغاة وكذا القائلين بالمذهب النفعي يكون بدرء التعارض بين الشرع والمصلحة الحقيقية وحينئذٍ تتطابق النصوص والمصالح.
والإشكال يكون في تحقيق كون هذه أو تلك مصلحة معتبرة لا ينافيها ما هو أعظم منها، فكثير من دعاوي المصلحة المشبوهة هي معارضة بمصالح أوثق منها، وعبارة ابن القيم هنا أحسن واضبط "حيث يكون الحق والعدل فثم شرع الله".

[32] - فتاوى إمام المفتين ورسول رب العالمين (1/108).
[33] - الفتاوى الكبرى (6/172).
[34] - حاشية سلسلة لقاء الباب المفتوح، ش17 د30).
[35] - حيث يرى الدكتور أحمد العيسى مدير كلية اليمامة سابقًا: أن المرأة هي الأقدر على تعليم الأطفال الذكور في مرحلة الصفوف المبكرة، وأنه لو أتيحت لها الفرصة لذلك بشكل رسمي فسوف تحدث نقلة نوعية في معالجة بعض جوانب قصور التعليم في السعودية، مشيرًا إلى أن الدراسات المعارضة لتأنيث تعليم الصفوف المبكرة فيما يخص الأطفال الذكور ليست رصينة، وليس فيها ما يستحق النظر، كما أنها ليست محكمة.
[36] - وعلى الرغم من أن سحنون أجاز للمعلم أن يضرب الصبيان إذا أساؤوا المعاملة أو قصروا في التعليم فإنه وضع لهذا الضرب شروطاً يجعل ممارسة المعلم لهذا الحق محدودة جداً، أو في أضيق الحدود، ومن تلك الشروط:
1) ألا يضربهم وهو غضبان (الغضب الشديد) وعدم الانفعال أثناء الضرب.
2) أن يكون الضرب لمنفعتهم هم، لا انتقاماً أو شهوة منه في الضرب.
3) ألا يتجاوز ثلاث ضربات، إلا إذا أذن له الآباء في الزيادة عليها، فإنه يجوز له ذلك، وعلى كل حال لا يتجاوز عشر ضربات ألا في حد من حدود الله.
4) أن يكون الضرب بأداة لا تؤذي ولا تجرح كالدرة، ولا يضرب بالحذاء أو النعل أو بالطوب.
5) ألا تؤذيه في جسمه وإلا كان عليه القصاص.
6) أن يكون العقاب بقدر الذنب؛لأن الضرب للتأديب كالملح للطعام لا يزيد ولا ينقص.
7- لا تضرب بعد وعدك بعدم الضرب؛ لئلا يفقد الثقة فيك.
8- مراعاة حالة الناشئ المخطئ، وسبب الخطأ.
9- لا يضرب على الناشئ على أمر صعب التحقيق؛ لأنه لم يحصل على الدرجة النهائية مثلاً.
10- يعطى الفرصة إذا كان الخطأ لأول مرة.
11- اضربه بنفسك ولا تتركه لغيرك خاصة أخوته وزملاءه.
12- لا يضرب في مكان واحد، ولا يضرب في الأماكن المؤذية كالوجه والبطن و الصدر.
13- الامتناع عن الضرب فوراًً إن أصر الناشئ على خطئه ولم ينفع الضرب.
14- عدم إرغام الطفل على الاعتذار بعد الضرب وقبل أن يهدأ لأن فيه إذلالاً له ومهانة.
هذا مع أن الرسول الله كما روى أنس -رضي الله عنه-: "أن الرسول لم يضرب خادماً و لا امرأة قط".

[37] - بل قالوا: إن أحدهم -مدرس صف أول- يمشي في الساحة بالأطفال وهو يقول: يا غنامتي، وهم يقولون: باع.
[38] - انظر: فصول إسلامية (ص20) بتصرف.
[39] - انظر: (تعليم المرأة للصبيان بين المصالح والمفاسد) لسلطان بن عثمان البصيري، بتصرف.
[40] - أخرجه أبو داود (1/ 133- 495 ) وحسنه الألباني في المشكاة (572) وصحيح أبي داود (509) والإرواء (247).
[41] - يقول ناظم المسباح: إن ترك أولادنا للمدرسات يؤدي إلى نوع من التشبه بسلوكيات المرأة، ويضيف: في الحقيقة إن سلبيات تأنيث المرحلة الابتدائية أكثر من إيجابياته؛ فالطفل في هذه المرحلة يتصرف ويتأثر بشخصية من يدرسه ويتخذه قدوة ويحاكيه بحركاته، فعندما يقوم بهذه المهمة رجل فهذا هو المطلوب؛ لأن التلميذ يحاكي رجولة المدرس، ويتعلم منه الرجولة.
[42] - انظر: (تعليم المرأة للصبيان بين المصالح والمفاسد) لسلطان بن عثمان البصيري.
[43] - المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب.
[44] - انظر: (تعليم المرأة للصبيان بين المصالح والمفاسد) لسلطان بن عثمان البصيري، بتصرف.
[45] - انظر: (مجلة المعرفة - الاختلاط في التعليم تاريخ وهموم) لفهد بن عبد العزيز الشويرخ.
[46] - إذ تعتبر التربية البدنية من أهم مسئوليات تربية الأبناء في القرن العشرين بجانب المسؤولية الإيمانية والعلمية الخلقية والمهنية والعقلية والنفسية.
[47] - انظر: تأنيث الصبيان في المدارس السعودية، لإبراهيم السكران، بتصرف يسير، المصدر: موسوعة مقالات إبراهيم السكران.
[48] - ابن سحنون (ت 256ه/ 869م): صاحب كتاب (آداب المعلمين) هو محمد بن عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، لقب بسحنون لشدة ذكائه، ولد ابن سحنون سنة (203 هـ) بمدينة القيروان التونسية، كان أبوه سحنون تلميذاً لأسد بن الفرات، تفقه محمد على يدي أبيه، وحفظ القرآن الكريم، وكعادة علماء عصره كان ابن سحنون كثير الوضع للكتب غزير التأليف، ألف في جميع فنون العلوم كتباً تنتهي إلى المائتي كتاب، ولعل أشهرها مخطوطاته: (آداب المعلمين) والتي قام بتحقيقها أكثر من باحث منهم الدكتور محمد عبد المولى في كتابه: (آداب المعلمين) تونس 1969.
[49] - آداب المعلمين للإمام سحنون، ت - أحمد الأهواني - دار المعارف (ص263).
[50] - القابسي (ت 324ه/ 935م) هو: أبو الحسن علي بن محمد المعافري، وهو تلميذ ابن سحنون.
[51] - الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلِّمين لأبي الحسن القابسي - ت أحمد خالد، الشركة التونسية للتوزيع (ص131).
[52] - انظر: تأنيث الصبيان في المدارس السعودية، لإبراهيم السكران، بتصرف يسير، المصدر: موسوعة مقالات إبراهيم السكران.
[53] - انظر: (تعليم المرأة للصبيان بين المصالح والمفاسد) لسلطان بن عثمان البصيري، بتصرف.
[54] - انظر: (تعليم المرأة للصبيان بين المصالح والمفاسد) لسلطان بن عثمان البصيري، بتصرف.
[55] - أخرجه أبو داود (1/ 133- 495 ) وحسنه الألباني في المشكاة (572) وصحيح أبي داود (509) والإرواء (247).
[56] - انظر: (تعليم المرأة للصبيان بين المصالح والمفاسد) لسلطان بن عثمان البصيري، بتصرف.
[57] - انظر: (تعليم المرأة للصبيان بين المصالح والمفاسد) لسلطان بن عثمان البصيري، بتصرف.
[58] - واسمه: (هيت) وكان مولى عبد الله بن أمية -رضي الله عنه-، وقيل: اسمه ماتع، ذكره ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي، كان يدخل على أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، والموصوفة بالحسن هي: بادية بنت غيلان بالنون والياء وقيل: بادنة.
[59] - أخرجه البخاري (5/ 156- 4324) ومسلم (32 - (2180) (4/ 1715).
[60] - انظر: (تعليم المرأة للصبيان بين المصالح والمفاسد) لسلطان بن عثمان البصيري، بتصرف.
[61] - انظر: (تعليم المرأة للصبيان بين المصالح والمفاسد) لسلطان بن عثمان البصيري، بتصرف.
[62] - أخرجه أبو داود (1/ 133- 495 ) وحسنه الألباني في المشكاة (572) وصحيح أبي داود (509) والإرواء (247).
[63] - انظر: (تعليم المرأة للصبيان بين المصالح والمفاسد) لسلطان بن عثمان البصيري، بتصرف.
[64] - انظر: (تدريس المعلمات للبنين وجهة نظر) لأمل بنت زيد المنقور، بتصرف، المصدر: بوابة آسية الالكترونية.
[65] - انظر: (تدريس المعلمات للبنين وجهة نظر) لأمل بنت زيد المنقور، بتصرف، المصدر: بوابة آسية الالكترونية.
[66] - انظر: (تدريس المعلمات للبنين وجهة نظر) لأمل بنت زيد المنقور، بتصرف، المصدر: بوابة آسية الالكترونية.
[67] - ذكريات (5/268-274).
[68] - انظر: تأنيث الصبيان في المدارس السعودية، بقلم:إبراهيم السكران، المصدر: موسوعة مقالات إبراهيم السكران.
[69] - إذ يرى كثير من المراقبين أن الشق الاقتصادي والرغبة في تعيين عدد أكبر من المعلمات في الإدارات التعليمية هو الدافع وراء فكرة تأنيث التعليم، إلا أن تجربة تأنيث التعليم الابتدائي في دولة مثل الكويت بدأت أولى محاولات تأنيث التعليم بها في العام 1985 أفرزت كثيرًا من السلبيات ليس على مستوى التلاميذ فقط، بل من جهة المدرسات أيضًا اللائي تعرض بعضهن لمضايقات وألفاظ غير لائقة من قبل بعض الطلاب الذكور، إلى جانب فشل بعضهن في ضبط الصف والسيطرة عليه [انظر: (تأنيث تعليم الأطفال في السعودية بين الإيجابيات والسلبيات) المصدر: وفاء لحقوق المرأة].
[70] - انظر: تأنيث الصبيان في المدارس السعودية، بقلم:إبراهيم السكران، المصدر: موسوعة مقالات إبراهيم السكران.
[71] - انظر: (تأنيث تعليم الأطفال في السعودية بين الإيجابيات والسلبيات) بتصرف، المصدر: وفاء لحقوق المرأة.
[72] - انظر: تأنيث الصبيان في المدارس السعودية، بقلم:إبراهيم السكران، بتصرف، المصدر: موسوعة مقالات إبراهيم السكران.
[73] - انظر: تأنيث الصبيان في المدارس السعودية، بقلم:إبراهيم السكران، المصدر: موسوعة مقالات إبراهيم السكران.
[74] - انظر: تأنيث الصبيان في المدارس السعودية، بقلم:إبراهيم السكران، المصدر: موسوعة مقالات إبراهيم السكران.
[75] - انظر: (تدريس المعلمات للبنين وجهة نظر) لأمل بنت زيد المنقور، بتصرف، المصدر: بوابة آسية الالكترونية.
[76] - أخرجه الحاكم في المستدرك (1/172- 319) وصححه الألباني في صحيح الجامع حديث رقم: (2937).
[77] - أخرجه أبو داود (1/ 133- 495 ) وحسنه الألباني في المشكاة (572) وصحيح أبي داود (509) والإرواء (247).
[78] - فتاوى إسلامية (3/104) جمع الشيخ الدكتور محمد المسند.
[79] - أخرجه مسلم (4/ 2059- 15) (1017).
[80] - المصدرموقع الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك.
[81] - ذكريات (5/268-274).
[82] - ذكريات الشيخ على الطنطاوي (5/268-271).
[83] - أخرجه أبو داود (1/ 133- 495 ) وحسنه الألباني في المشكاة (572) وصحيح أبي داود (509) والإرواء (247).
[84] - من كتاب محاضرات الجامعة الإسلامية بالمدينة في موسمها الثقافي في عام 1394- 1395هـ ص 241) ضمن محاضرة بعنوان: المرأة بين من كرَّمها ومن أهانها، للشيخ: عبد الفتاح عشماوي -رحمه الله-.
[85] - بيان للشيخ عبد المحسن العباد، المصدر: صحيفة مباشر الالكترونية.
[86] - حكم تدريس المرأة للذكور الصغار؛ فتاوى للشيخ سليمان العودة، المصدر: إسلام ويب.
[87] - حكم تدريس المرأة للأطفال القرآن في المسجد، المصدر: إسلام ويب.
[88] - أخرجه النسائي (4/ 118- 2088) والحاكم (1 / 384) وأحمد (5 / 35) وصححه الألباني في أحكام الجنائز (1/ 162- 111).
[89] - أخرجه البخاري (3/ 130-127) (2030) ومسلم (3/ 1604).
[90] - أخرجه البخاري رقم: (3678).
[91] - انظر: (كيف نصنع من الطفل رجلاً) بتصرف، المصدر: شبكة حصن المسلم.
[92] - أخرجه أبو داود (1/ 133- 495 ) وحسنه الألباني في المشكاة (572) وصحيح أبي داود (509) والإرواء (247) بلفظ: ((مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)).
[93] - انظر: معالم القربة في طلب الحسبة (ص: 171) لمحمد بن محمد بن أحمد بن أبي زيد بن الأخوة، القرشي، ضياء الدين (المتوفى: 729هـ)
الناشر: دار الفنون (كمبردج).

[94] - تسهيل النظر وتعجيل الظفر (ص: 203) لأبي الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي، الشهير بالماوردي (المتوفى: 450هـ).
[95] - بدائع السلك في طبائع الملك (2/ 370) لمحمد بن علي بن محمد الأصبحي الأندلسي، أبو عبد الله، شمس الدين الغرناطي ابن الأزرق (المتوفى: 896هـ) المحقق: د. علي سامي النشار - الناشر: وزارة الإعلام - العراق - الطبعة: الأولى.
[96] - انظر: فن تربية الأولاد عند المسلمين - مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، بتصرف.
[97] - الغزالي (ت 505ه/ 1111م) الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الفيلسوف المتصوف.
[98] - إحياء علوم الدين (1/ 57).
[99] - انظر: من أعلام التربية العربية الإسلامية، المجلد الثاني (ص239)- مكتب التربية العربي لدول الخليج (1409) الرياض.
[100] - تحفة المودود بأحكام المولود (ص: 244).
[101] - ابن خلدون: الوزير السفير القاضي عبد الرحمن بن خلدون صاحب المقدمة الشهيرة، ومؤسس علم الاجتماع الحديث، ولد عبد الرحمن بن خلدون في تونس في غرة رمضان سنة 732 هـ الموافق 27 مايو 1322م وتوفي سنة 1406م عن 74 سنة، نشأ بين أسرة عريقة في الشرف والرياسة والعلم والسياسة، أجاد أصول الفقه على مذهب مالك وتعمق في الفلسفة والمنطق، ونبغ في كل ما تعلمه وهو لم يبلغ العشرين، حتى أقر له أساتذته بالعبقرية، تولى عدة مناصب سياسية في تونس، ثم رحل إلى تلمسان، ومنها إلى المغرب والأندلس عند بني الأحمر ملوك غرناطة، وضع مقدمته الشهيرة أثناء إقامته في المغرب، وله مؤلفات أخرى كثيرة، قام بالتدريس في الأزهر أثناء إقامته في مصر، وكان قاضياً للمالكيين في مصر، وصفه معاصره الأديب الوزير لسان الدين بن الخطيب بقوله: كان ابن خلدون رجلاً فاضلاً، حسن الخلق، جم الفضائل، ظاهر الحياء، عزوفاً عن الضيم، صعب المقادة، سديد البحث، كثير التحفظ وبارع الخط
.
موقع الألوكة ..

عدد مرات القراءة:
1239
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :