آخر تحديث للموقع :

الأحد 7 رجب 1444هـ الموافق:29 يناير 2023م 05:01:52 بتوقيت مكة

جديد الموقع

رد على الرسالة الرملية فيما سمته العقائد الوهابية ..

(مجلة المنار ـ المجلد [‌ 24 ] الجزء [‌ 1 ] صــ ‌ 73 ‌ جمادى الأولى 1341 ـ يناير 1923)
رد على الرسالة الرملية فيما سمته العقائد الوهابية


بسم الله الرحمن الرحيم


إلى حضرة أستاذنا العلامة السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار الأغر ، أرجو نشر ما يأتي في المنار بيانًا للحقيقة التي أخفاها المحترم صاحب مجلة الإسعاد وصاحبه الأستاذ المحترم الشيخ تاج الدين في حادثة الرمل ؛ إذ كتب الثاني رسالة أسماها ( الرسالة الرملية في الرد على مروجي بعض العقائد الوهابية في ثغر الإسكندرية ) ونشرها صاحب المجلة المذكورة وأسماها ( الرسالة الجليلة ) وعقَّبَها بخبر غير صحيح لم يعزه إلى مصدره الحقيقي بل عزاه إلى نفسه ليوهم أنه كان حاضرًا ويُلَبِّس على القراء .

وقد نُشرت الرسالة المذكورة في عدد 5 من المجلد 3 من مجلة الإسعاد وكتبنا ردًّا عليها فأبى نشره وطلب غيره خوفًا على كرامة الأستاذ المؤلف كما يقول . فكتبنا غيره وأردفناه بمؤاخذته على الخبر الذي نشره غير معزو إلى صاحبه طالبين منه نشره ظانين أنه كأصحاب المجلات الحرة التي تنشر ما لها وما عليها وترد بالحق كالمنار الذي يطلب كل حين من قرائه أن يوافوه بكل ما يرونه منتقدًا معززًا بالأدلة والبراهين . وقد نشر بعضه مبتورًا أوله ، ورد عليه بالباطل الذي طالما لغط به المقلدون وفنده المهتدون ، إسعادًا لصاحب الرسالة علينا ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

أما ملخص الحادثة الرملية : فهو أن أئمة المساجد منعوني من إلقاء المواعظ والدروس في المساجد التي احتكروها بالوظائف والمرتبات ، فاتخذنا مسجدًا آخر بنيناه بأيدينا في ملك بعض مريدينا ، وصرنا نصلي فيه ونقرأ الدرس بعد العشاء لمن يحضر من الإخوان فاجتمع عندنا خلق كثير ، وهداهم الله حتى تابوا عن الكبائر التي كانوا منغمسين فيها ليلاً ونهارًا . فحقد أولئك الأئمة وصاروا يفترون علينا الكذب وينبزوننا بالألقاب ويشيعون بين الناس أننا ننكر الوسيلة والشفاعة ونَسُبُّ الأئمة وننكر الوحي ويخطبون في مساجدهم بهذا ، ويقسمون بالله جهد

أيمانهم ليصدقهم العوام . ثم كتبوا لمشيخة الإسكندرية شكوى عَزَوْا إلينا فيها كل هذه المفتريات وختَّموا كثيرًا من العوام عليها زورًا ، وطلبوا من المشيخة إرسال وفد يخطب معهم في الإغراء بنا وتنفير الناس عنا ، ولكن المشيخة - وفقها الله - لم تُرِد ذلك لِما بلغها أننا براء من كل ما نسبوه إلينا بشهادة بعض الكبراء وبعض العلماء الذين يعرفوننا حق المعرفة . ولما أكثروا من الشكوى ، وأرسلوا وفودهم إلى المشيخة تترى كلفت بعضهم بتحقيق المسألة ، وكان المنتظر من ذلك الوفد المؤلف من ثلاثة علمائهم أن يحضروا إلى محل الحادثة ويجمعوا الأئمة الشاكين والمشكو منهم في بيت بعضهم بعيدًا عن العامة ، وفي حفلة خاصة بهم ولكنهم - أرشدهم الله - لم يفعلوا وجاءوا بعد شهر ألفوا فيه رسالة ردًّا على شخص لا وجود له إلا في خيالهم ينكر الوسيلة والشفاعة وكرامات الأولياء وما استحسنوه من البدع ، وجاءوا يوم جمعة في ربيع الأول من سنة1340 هـ في بعض مساجد الظاهرية وبعد صلاة الجمعة قعد القوم واحتشدوا حتى ملاأوا ما هو له من الفضاء والطرقات وقعد أحد الثلاثة الموفدين وهو الأستاذ الشيخ تاج الدين وأخرج رسالته بعد أن نَوَّهَ الخطباءُ بفضل الوفد وعلمه وعناية المشيخة بإيفاده ، وأن قوله هو القول الفصل والدين العدل ، واسترعَوْا الأسماع لقراءة الرئيس رسالته فقرأها وأنا حاضر في المسجد لا أقدر أبدي ولا أعيد من كثرة الصياح ،وارتفاع الأصوات ، وتحرش العوام ، وكلما هممت برد الباطل أسكتني العوام منحولي ، ولما قرأ الأستاذ مسألة الشفاعة وأثبتها على الوجه الذي نعتقده استطعت أن أرفع صوتي بالموافقة في بعض المواضع التي لا خلاف فيها ، ثم انتهى الشيخ ولم يكد حتى قام ثاني الوفد الشيخ شريف وخطب وخصني بالكلام تحاملاً إذ قال : يا فلان اتق الله ( يكررها ) ولا تفرق الناس ، ونحو ذلك ، ثم قام آخر وارتقى المنبر بغير دعوة وصار يحرض الناس ويثير الفتنة يسب ويشتم تصريحًا وتلويحًا والعلماء حاضرون وأكثر العوام والخصوم ، فقمت من بينهم بعد أن أشهدتهم ورددت عليه ، وقلت : والله إنا كنا على الحق ولا زلنا على الحق والله لأنصرن السنة ما دمت حيًّا إن شاء الله ،وما كدت أخرج من باب المسجد حتى ابتدرني العوام ضربًا ولكمًا ولم ينقذني من بينهم إلا رجال الشرطة وبعض الإخوان .

وأما الرسالة فقد احتوت على إثبات الشفاعة التي لم ينكرها أحد ؛ ليقال : إنه رد على من ينكرها ، وليدخل أو يلصق بها ما يسمونه اليوم بالتوسل ، والمراد دعاء الموتى وسؤالهم قضاء الحاجات ، وقد بنى إثبات هذه الوسيلة على حياة الأموات في قبورهم وسماعهم مَن يخاطبهم واستجابة دعائه ، وردهم عليه السلام ، واستدل ببعض الأحاديث الضعيفة وبالآية الواردة في حياة الشهداء وحديثين من أحاديث الصحيح في سؤال القبر والزيارة وهي حجة عليهم لا لهم لو كانوا منصفين ، ثم قاس على حياة الشهداء - التي أثبتها القرآن لشهداء الصحابة في بعض الغزوات - حياة جميع من يسمونهم الأولياء ، وبنى على هذا جواز دعائهم والاستغاثة بهم في تفريج الكروب وقضاء الحاجات ؛ لأنه لا فرق عندهم بين رد الميت السلام على من سلم عليه وبين استجابته الدعاء وإجابة سؤال من توجه إليه ، ولا سيما إذا قدم له هدية من صدقة وقرآن ( كذا قال الشيخ تاج الدين ) في رسالته وذكر واقعة حال جرت بينه وبين وليه أبي العباس وكفى بها مصورًا لعقائد أمثاله ، وهذا نصها نقلا عن مجلة الإسعاد وهو :

( كم من منح ونفحات ، ونوال وإغاثات ، شوهدت بسبب الزيارات والتوسلات ، بأصحاب هذه المقامات : فمما وقع للفقير جامع هذه الكلمات أني اضطررت ( تأمل ) وقتًا إلى الانتقال من مسكن إلى آخر بمدينة الإسكندرية وكاد الحصول على المطلوب يتعسر أو يتعذر ( تأمل ) لضيق الجهة التي أريد السكنى بها بسكانها ، فتوجهت ( تأمل ) لزيارة سيدي أحمد المرسي أبي العباس رضي الله عنه ، فبعد أن سلمت ووهبت لروحه الكريمة ( تأمل ) ما تيسر من القرآن ، توسلت به إلى الله تعالى في ذلك المطلوب ( تأمل ) وشكوت له هذه الضائقة ( تأمل ) كأني أكلم حيًّا أشاهده ( تأمل ) وأخاطبه ، وكان من كلامي له رضي الله عنه هذه العبارة : ( إن كان لكم كرامات فَلِمَ لَمْ تكن لأمثالنا وقد جئنا لتعليم العلم ) ثم خرجت فاعترضني بجوار ضريحه أحد كناسي البلدية فسألته عن مسكن فأشار إلى دار بهذه الجهة تدعى بدار الحاج علي الخولانى وقرع بابها فنزل صاحبها المذكور باسِمَ الوجه تُرى عليه لوائح الاستبشار بالطارق وأدخلنا ما أعده للإيجار من هذه الدار فقدرت أجرته في نفسي بما يقرب من ضعف ما خصصه لأجرة السكنى فأردت التخلص لذلك ، ولما ظهر لذلك الرجل حقيقة الأمر لم يسعه إلا القبول بما أستطيع فأوقعني تساهله هذا في ريب وحذر من أن يكون بالمسكن عيب خفي عليَّ فاستأجرته مشاهرة بدل المسانهة التي هي العادة الغالبة بالمدينة فقبل أيضًا وبعد تمام الاتفاق والتوقيع من الجانبين على الأوراق قال : إن سبب هذا الإكرام أني ساعة قرعكم الباب كنت نائمًا فرأيت أبا العباس واقفًا على سطح مقامه يناديني بـ ( يا علي إني مرسل إليك من يسكن بدارك فأكرمه ) فأيقظني قرع الباب فأحببت أن أقابل هذا الطارق بنفسي ، لعله المرسل من قبل السيد المرسي ، فتحققت ما رجوت لأني رأيتك كثيرًا بمسجده ( تأمل ) وعزمت على إكرامك بكل ما يمكنني إجابة لهذا الولي الذي لم أره في منامي مدة حياتي غير هذه المرة ) قال الشيخ : فشكرته إلخ .

هذه الحكاية تمثل لنا عقيدة الشيخ الذي يرد على الوهابية ، وتمثل لنا أيضًا عقيدة صاحب مجلة الإسعاد الذي نصب نفسه لإفتاء الناس وكتب على مجلته عنوان : أكبر المجلات الإسلامية الإصلاحية …

ثم هو يصف هذه الرسالة القبورية بالجليلة راضيًا بما فيها ويرد على من قام يدفع عن نفسه تهمة الكذب التي ألصقها به الجاهلون ، فالإصلاح عند هؤلاء المصلحين تضليل من يهتدي بهدي السلف الصالح ، وإقناعه بالنظريات والتأويلات لاتباع خرافات القبوريين وأصحاب الموالد إلخ .

عبد الظاهر

( المنار )

قد تكرر تقنيدنا لخرافات ( الجبت ) الوثنية ، فنكتفي هنا بتذكير طلاب الحق بالمسائل الآتية المفصلة في المنار من قبل ، وهي :

( 1 ) أن ما ورد من النصوص في عالم الغيب كحياة الشهداء وسماع أرواح المؤمنين والكفار كلام أهل الدنيا - يجب الإيمان بما صح منه كما ورد بلا زيادة ولا نقصان ولا يجري فيه القياس ، بل هو مبني على السماع . وهذه مسألة لا خلاف فيها ولكن أدعياء العلم عندنا يدرسون بعض كتب الكلام والأصول لأجل المناقشة في عباراتها استعدادًا للامتحان ولا يعقلون منها شيئًا .

( 2 ) أن هذه مسألة اعتقادية لا تقوم الحجة عليها إلا بالأدلة القطعية ولو كان الصالحون يقضون حاجات الناس بعد موتهم وكان طلب ذلك مشروعًا لبيَّنه الله في كتابه ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بيانًا لا شبهة فيه ولتواتر فعله عن الصحابة والتابعين ( رضي الله عنهم ) ولكن لم يرد فيه نص قطعي ولا خبر صحيح ظني .

( 3 ) أن الرؤى والأحلام لا يثبت بها حكم من أحكام الفروع الشرعية التي يكتفون فيها بالأدلة الظنية ، فضلاً عن العقائد وأصول الإيمان التي يترتب عليها السعادة الأبدية أو الشقاء الأبدي ، فرجل مشغول الخيال بأمر من الأمور تخيله في نومه واقعًا على ما يحب في صورة مطابقة لعقيدته في ميت وافق تخيله الواقع ، هل يثبت بهذا أصل من عقائد الدين أو أي شيء يعتد به شرعًا ؟ ! أو يعد من خوارق العادات ؟ كلا إن مثل هذا يقع كثيرًا لأهل كل ملة ، ولا سيما الوثنيين ، والروايات عن المتقدمين والمتأخرين فيها كثيرة ، ولكن أدعياء العلم عندنا لا يعرفون من أمر العالم ولا من تاريخه شيئًا يعتد به . وإن علماء النفس المتأخرين قد أثبتوا أن بعض الناس يشعرون في المنام أو اليقظة ببعض ما تتوجه إليه أنفسهم من الأمور وينقلون وقائع كثيرة في ذلك . فلا يبعد على هذا أن تكون نفس صاحب الدار قد شعرت وهو نائم بأن رجلاً في مسجد المرسي سيطلب منه أن يسكن في داره فصور له الخيال أن المرسي هو الذي أرسله ويطلب إكرامه . فهل نرتب على هذا المنام الذي تكثر أمثاله في كل أمة وملة أن المرسي سمع دعاء الشيخ اللاجئ إليه واستجاب له وتمثل لصاحب الدار في منامه وأخبره بما أخبره وأمره بما أمره ، ثم نجعل هذا دليلاً على شرعية الذهاب إلى القبور التي اتخذت مساجد ، فاستحق متخذوها لعنة الله على لسان خاتم رسله في آخر حياته وندعوهم بأن يقضوا حاجاتنا ، خلافًا لكتاب ربنا وسنة نبينا وسيرة سلفنا الصالح : ] رَبَّنَا لاَ تُزِغْقُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [ ( آل عمران : 8 ) ] رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا [( الممتحنة : 5.
 
( مجلة المنار ـ المجلد [‌ 24 ] الجزء [‌ 4 ] صــ ‌ 318 ‌ شعبان 1341 ـ أبريل 1923)
 
رسائل الطعن في الوهابية
 
كان السلطان عبدالحميد يخاف عاقبة نهضة العرب الدينية في نجد ؛ إذ كان يعتقد هو وبعض أركان دولته أن العرب لا تجتمع لهم كلمة ولا تقوم لهم دولة إلا بدعوة دينية كما قرَّره حكيمهم ابن خلدون في مقدمته - فكان يغري بعض أمرائهم ببعض كإغراء آل رشيد بآل سعود وكان المنافقون من المُعَمَّمِينَ يتقربون إلى حكومته بالطعن في الوهابية ويزعمون أنهم يخدمون بذلك الدين وينصرون السنة ، ولكننا لم نر أحدًا من هؤلاء المنافقين نصر الدين بالرد على الملاحدة ولا على دعاة النصرانية الذين يطعنون في أصل الإسلام وكتابه ورسوله لتنصير المسلمين ، وكان بعض حشوية الشام المُتَمَلقين أشد الناس إسرافًا في الطعن في الوهابية فلا يكادون يُذكرون في كل البلاد العثمانية بقدر ما يذكرون في دمشق وحدها .
 
وقد خفت هذه الوطأة في السنين الأخيرة ثم اشتدت بعد أن استقرت إمارة عبدالله ابن الملك حسين في شرق الأردن وشاع أن الوهابية سيزحفون للاستيلاء على هذه المنطقة لانتزاعها من السلطة الحجازية البريطانية ، وكان بعض الجرائد المسيحية في دمشق و القدس أول ميادين هذه الحملة ، فأصحابها النصارى يطعنون في الوهابية ويفضلون أمراء الحجاز على أمراء نجد من طريق السياسة ، بل ذكرت جريدة ( لسان العرب ) التي تأخذ راتبًا شهريًّا من الأمير عبدالله ، ومنحتها جريدة القبلة الحجازية لقب ( لسان أقوامنا ) أنه يجب على النصارى في سورية و فلسطين تأييد الملك حسين وأولاده ؛ لأن حكومتهم مدنية لا إسلامية بخلاف حكومة نجد فإنها إسلامية دينية متعصبة . وقد فتحوا أبواب صحفهم لكل من يطعن في الوهابية من المسلمين طعنًا دينيًّا بحتًا لأجل هذه الغاية السياسية .
 
وفي هذه الأثناء جاءتنا عدة رسائل من دمشق ورسالة من بيروت في الطعن في الوهابية كُتِبَ على ظهر بعضها أنها ( تُوَزَّع مجانًا وقفًا لله تعالى ) وعلى البعض الآخر ( توزع مجانًا في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) وغير معهود من أصحابها هذا السخاء في نشر العلم والدين ! .
 
لم يرسل إلينا هذه الرسائل مؤلفوها ، بل أرسلها بعض أهل العلم والدين لنرد عليها ، وقد تصفحنا أوراقًا من كل منها من أولها وآخرها فلم نر شيئًا منها يستحق أن يكرم بالرد ؛ لأنهم يقولون زورًا ويخلقون أفكارًا ويردون عليها كما يردون بعض الحق بمحض الجهل وتقليد العوام ومجاراتهم وجعل البدع الفاشية فيهم سننًا مجمعًا عليها ، بل ذكروا في رسائلهم من الأحاديث الموضوعة والآثار المصنوعة والكذب على السلف الصالح والأئمة ما يعد معه الكذب على الشيخ محمد عبدالوهاب وأهل نجد أمرًا هينًا ؛ فإن كذبًا عليه صلى الله عليه وسلم ليس ككذب على غيره ، فمن كذب عليه متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار ، كما تواتر عنه عليه صلوات الله وسلامه . على أن بعض علماء دمشق الأثريين قد ردوا عليهم برسائل فضحوا بها ما ستروا ولقفوا ما لفقوا .
 
فمن هذه الرسائل ثلاث لرجل في دمشق يدعي الشيخ عبدالقادر الكيلاني الإسكندراني لقيته في دمشق غير مرة فأوهمني أنه يكره الحشو والبدع ويحب الإصلاح . وما كنت أظن فيه أن يكتب أمثال هذه الرسائل ، ولكنها هي أدل على حقيقة حاله مما تراءى لي منه .
 
( ومنها ) رسالة لرجل عامي لا ندري أهو من طائفة المعممين أم من غيرهم اسمه محمد توفيق السويقة ، وقد كتب عليها أنها الرسالة الأولى .
 
( ومنها ) رسالة للشيخ محمد جميل الشظي الحنبلي سماها ( الوسيط بين الإفراط والتفريط ) نصب فيها نفسه حكمًا بين الوهابية وغلاة خصومهم ، وكنا نظن أنه يحكم عن علم ، ويلتزم الحق فلا يجور في الحكم ، فإذا هو خصم أي خصم ، نقل عنهم ما ليس عندهم ، ولبَّس الحق بالباطل ، ولم يميز بين الأواخر والأوائل ، بل جعل الخلف الطالح ، كالسلف الصالح ، وأيَّدهم في بعض المواضع من حيث لا يدري بل في سياق الرد عليهم ، واعتمد في هذا الرد على كلام أعدائهم ومقلدة أعدائهم .
 
رد على هذه الرسائل الشيخ ناصر الدين الحجازي الأثري ، والشيخ أبو اليسار الدمشقي ، فأتيا بما يكفي دافعًا لمفترياتها ، ومزيلاً لشبهاتها ، وإن لم يستقصيا جميع ضلالاتها ، وردهما عليها رد على رسالة الشيخ مصباح شبقلو البيروتي .
 
فإن كل الذين يردون على الوهابية يستمدون الافتراء عليهم من مصدر واحد كما أن مصدر مادتهم العلمية والدينية واحد هو التقليد لمتأخري مقلدة الحشوية وبدعهم ، فلا تحري في النقل ، ولا استقلال في الفهم ، ولا رسوخ في شيء من العلم ، وأنَّى والعلم الذي فرضه الله على كل مسلم محرم عندهم ؛ لأنه يدخل في مفهوم الاجتهاد الذي أقفل بابه بعض شيوخ مشايخهم ، وشرعوا للناس تقليد المجتهدين بدلاً منه ، ثم شرع آخرون لهم تقليد المقلدين ، وجميع من ينسب إلى مذاهبهم من الميتين إلى خمس طبقات مرتبة في خمس دركات على أنهم يستدلون فيجتهدون لتأييد التقليد ؛ لأن الاجتهاد المحرم عندهم ما يطلب به الحق لذاته ؛ ولذلك يحتجون بالأحاديث الموضوعة أو المفتراة حديثًا لأن مشايخهم ذكروها ، ولا يعلم الفريقان أن المحدثين أنكروها أو لم يثبتوها ، والتمييز بين الأحاديث الصحيحة والباطلة من شروط العلم المحرم عندهم ، وإن لنا كلمة فاصلة فيهم وفي بيان عقائد الوهابية سَيَرَوْنَهَا في جزء آخر .
 
(مجلة المنار ـ المجلد [‌ 24 ] الجزء [‌ 8 ] صــ ‌ 584 ‌ ذو الحجة 1341 ـ أغسطس 1923)

حقيقة الوهابية ومنشأ الطعن فيها
إن سبب قذف الوهابية بالابتداع والكفر سياسي مَحْضٌ . كان أولاً لتنفير المسلمين منهم لاستيلائهم على الحجاز وخوف الترك أن يقيموا دولة عربية إلخ ؛ ولذلك كان الناس يهيجون عليهم تبعًا لسخط الدولة ، ويسكتون عنهم إذا سكنت ريح السياسة ، إلى أن جددها الملك حسين في الحجاز وولده الملك فيصل في العراق وولده الأمير عبد الله في سورية و فلسطين بعد توليتهم لأمور هذه البلاد .
أصدر الملك حسين عدة منشورات في جريدته ( القبلة ) في 9 شوال سنة1336 وغرة ربيع الأول سنة 1337 و8 جمادى الأول منها رماهم فيها بالكفر ، وتكفير أهل السنة ، والطعن في الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم … وقد صرح في الثاني منها بأن حكومته رأت أن تمحو بدعتهم بالأصالة عن نفسها وبالنيابة عن سائر المسلمين … وفي الثالث ( أنه لا بد للسلطان من قتالهم بكل موجوديته ) إذا لم ينفع ما بدأ به من الدفاع لمحو بدعهم وكفرهم . ويعني بالسلطان نفسَهُ ، فإنه يرى أنه إمام المسلمين وسلطانهم . وفعل الملك فيصل ما فعل في العراق وكان من مؤتمر الشيعة في كربلاء ما كان ، ثم رأينا بعض أهل دمشق وبيروت يتقربون إليه وإلى ولده الأمير عبد الله بطبع الرسائل في تكفيرهم ورميهم بما يرميهم هو به وما بُهِتُوا عند ظهور أمرهم ويزيدون ، حتى قال بعضهم : إن محمد عبد الوهاب كان يبغض النبي صلى الله عليه وسلم ويريد أن يدعي النبوة ! !
دع أقوال من يزعمون أنهم ينكرون الشفاعة والكرامات كالمعتزلة ، وقد اشتهر أن هذا كله بإغراء الأمير عبد الله . ثم سرى ذلك إلى مصر وظهر له أثر في بعض الجرائد من حيث لا يدري أصحابها من أين جاء . وقد رد على هذه الرسائل بعض علماء الشام ، ووصل الأصل والرد إلى نجد فجمع بعض علمائها عدة رسائل لمتقدمي علمائهم ومتأخريهم طبعت في مطبعتنا ، فرأينا أن نقتبس منها ما يأتي ليعلم المطلعون عليه حقيقة أمرهم ومنشأ بهتهم والافتراء عليهم ، وهو :

نموذج من مناظرة الشيخ عبد الله
ابن الشيخ محمد عبد الوهاب
لعلماء مكة
وكان فيمن حضر مع علماء مكة وشاهد غالب ما صار : حسين بن محمد بن الحسين الإبريقي الحضرمي ثم الحياني ، ولم يزل يتردد علينا ويجتمع بسعود وخاصته من أهل المعرفة ويسأل عن مسألة الشفاعة التي جرد السيف بسببها من دون حياء ولا خجل لعدم سابقة جرم له .
فأخبرناه بأن مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة ، وطريقنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم ، والأعلم والأحكم ، خلافًا لمن قال : طريقة الخلف أعلم ، وهي أنّا نُقر آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها ، ونكل علمها إلى الله مع اعتقاد حقائقها ، فإن مالكًا وهو من أجلّ علماء السلف لما سئل عن الاستواء في قوله تعالى : ] الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى [ ( طه : 5 ) قال : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .
ونعتقد أن الخير والشر كله بمشيئة الله تعالى ، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد ، فإن العبد لا يقدر على خلق أفعاله ، بل له كسب رتب عليه الثواب فضلاً ، والعقاب عدلاً ، لا يجب على الله لعبده شيء ، وأنه يراه المؤمنون في الآخرة بلا كيف ولا إحاطة . ونحن أيضًا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ولا ننكر على مَن قلَّد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم لعدم ضبط مذاهب الغير كالرافضة والزيدية والإمامية ونحوهم [1] لا نُقِرُّهم ظاهرًا على شيء من مذاهبهم الفاسدة [2] ؛ بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة .
ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد منا يدعيها ، إلا أنَّا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصَّص ولا معارَض بأقوى منه ، وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة ، فإنَّا نقدم الجد بالإرث ، وإن خالفه مذهب الحنابلة .
ولا نفتش على أحد في مذهبه ولا نعترض عليه إلا إذا اطلعنا على نص جلي مخالف لمذهب أحد الأئمة وكانت المسألة مما يحصل بها شعائر ظاهرة كإمام الصلاة فنأمر الحنفي والمالكي مثلاً بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال والجلوس بين السجدتين ؛ لوضوح ذلك ، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة فلا نأمره بالإسرار ، وشتان ما بين المسألتين ، فإذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص وإن خالف المذهب وذلك يكون نادرًا جدًّا ، ولا مانع من الاجتهاد في بعض المذاهب دون بعض ، ولا مناقضة لعدم الاجتهاد المطلق . وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة لاختيارات لهم في بعض المسائل مخالفة للمذهب الملتزمين تقليد صاحبه .
ثم إنَّا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة ومن أجلِّها لدينا تفسير ابن جرير ومختصره لابن كثير والشافعي ، وكذلك البغوي والبيضاوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم ، وعلى فهم الحديث بشرح الأئمة المبرزين كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري والنووي على مسلم والمناوي على الجامع الصغير ، ونحرص على كتب الحديث خصوصًا الأمهات الست وشروحها ، ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولاً وفروعًا ، وقواعد وسِيَرًا ونحوًا وصرفًا وجميع علوم الأئمة ، ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلاً إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك كروض الرياحين . وما يحصل بسببه خلل في العقائد كعلم المنطق فإنه قد حرَّمه جمع من العلماء [3] على أنا لا نفحص عن مثل ذلك وكالدلائل ( ؟ )
إلا إن تظاهر به صاحبه معاندًا أُتلف عليه ، وما اتفق لبعض البدو من إتلاف بعض كتب أهل الطائف إنما صدر من بعض الجهلة وقد زُجِرَ هو وغيره عن مثل ذلك .
ومما نحن عليه أنا لا نرى سبي العرب ولم نفعله ولم نقاتل غيرهم ، ولا نرى قتل النساء والصبيان .
وأما ما يُكْذَب علينا سترًا للحق وتلبيسًا على الخلق ، بأنا نفسر القرآن برأينا ، ونأخذ من الحديث ما وافق أفهامنا ، من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقولنا : النبي رمة في قبره ، وعصا أحدنا أنفع له منه ، وليس له شفاعة ، وأن زيارته غير مندوبة ، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى نزل عليه ] فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ [ ( محمد : 19 ) مع كون الآية مدنية ، وأنَّا لا نعتمد على أقوال العلماء ، فنتلف مؤلفات أهل المذاهب لكون فيها الحق والباطل ، وأنا مجسمة ، وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن عليه ، ومن فروع ذلك أن لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرر عليه بأنه كان مشركًا ، وأن أبويه ماتا على الشرك بالله ، وأنا ننهى عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقًا ، وأن مَن دان بما نحن عليه سقطت عنه جميع التبعات حتى الديون ، وأنا لا نرى حق أهل البيت رضوان الله عليهم ، وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم ، ، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شابًّا إذا ترافعوا إلينا .
فلا وجه لذلك !! فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفُهمنا عنها . من ذكر أو لا وكان جوابنا في كل مسألة من ذلك ] سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [ ( النور : 16 ) .
فمن روى عنا شيئًا من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى ، ومن شاهد حالنا ، وحضر مجالسنا ، وتحقق ما عندنا ، علم قطعيًّا أن جميع ذلك وضعه علينا وافتراه أعداء الدين وإخوان الشياطين ، تنفيرًا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فإنا نعتقد أن من فعل أنواعًا من الكبائر كقتل المسلم بغير حق والزنا والربا وشرب الخمر وتكرر منه ذلك أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام ، ولا يخلد به في دار الانتقام ، إذا مات موحدًا بجميع أنواع العبادة .
والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء ؛ للنصوص عليها في التنزيل ؛ إذ هو أفضل منهم بلا ريب ، وأنه يسمع سلام المسلم عليه ، وتسن زيارته إلا إنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه - وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس - ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه- عليه الصلاة والسلام - الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين ، وكُفِيَ همَّه وغمَّه كما جاء في الحديث عنه .
ولا ننكر كرامات الأولياء ونعترف لهم بالحق وأنهم على هدًى من ربهم ، مهما ساروا على الطريقة الشرعية ، والقوانين المرعية ، إلا أنهم لا يستحقون شيئًا من أنواع العبادات لا حال الحياة ولا بعد الممات ، بل يُطْلَب من أحدهم الدعاء في حال حياته بل ومن كل مسلم ، فقد جاء في الحديث : ( دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه ) الحديث ، وأمر صلى الله عليه وسلم عمر وعليًّا بسؤال الاستغفار من أويس ففعلا .
ونثبت الشفاعة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حسب ما ورد ، وكذا نثبتها لسائر الأنبياء والملائكة والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضًا ، ونسألها من المالك لها والآذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد ، بأن يقول أحدنا متضرعًا إلى الله تعالى : اللهم شفِّع نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم فينا يوم القيامة ، أو : اللهم شفع فينا عبادك الصالحين ، أو ملائكتك ، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم ، فلا يقال : يا رسول الله أو : بولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها ، كأدركني أو أغثني أو اشفني أو انصرني على عدوي ، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فإذا طلبت ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك ؛ إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة ولا أثر من السلف الصالح على ذلك ، بل ورد الكتاب والسنة وإجماع السلف أن ذلك شرك أكبر قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فإن قلت : ما تقول في الحلف بغير الله والتوسل به ؟ قلت : ننظر إلى حال المُقْسِم إن قصد به التعظيم كتعظيم الله أو أشد كما يقع لبعض غلاة المشركين من أهل زماننا إذا استحلفه بشيخه - أي معبوده الذي يعتمد في جميع أموره عليه – لا يرضى أن يحلف إذا كان كاذبًا أو شاكًّا ، وإذا استحلف بالله فقط رضي - فهو كافر من أقبح المشركين وأجهلهم إجماعًا . وإن لم يقصد التعظيم بل سبق لسانه إليه فهذا ليس بشرك أكبر ، فيُنهى عنه ويُزجر ويؤمر صاحبه بالاستغفار عن تلك الهفوة .

وأما التوسل وهو أن يقول القائل : اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، أو بحق نبيك أو بجاه عبادك الصالحين أو بحق عبدك فلان ، فهذا من أقسام البدعة المذمومة ، ولم يرد بذلك نص كرفع الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الآذان .

وأما أهل البيت فقد ورد سؤال على الدرعية في مثل ذلك وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي وكان الجواب عليه ما نصه : أهل البيت رضوان الله عليهم لا شك في طلب حبهم ومودتهم ؛ لما ورد فيه من كتاب وسنة فيجب حبهم ومودتهم ، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق فلا فضل لأحد إلا بالتقوى ، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم ، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم ، ونحو ذلك إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن أو العلم ، وما اعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم وجاهلهم على من هو أمثل منه حتى إنه إذا لم يقبل يده كلما صافحه عاتبه وصارمه أو ضارَّ به أو خاصمه ، فهذا مما لم يرد به نص ولا دل عليه دليل بل منكر تجب إزالته ، ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر أو لمشيخة علم ، أو في بعض أوقات أو لطول غيبة فلا بأس به ، إلا أنه لما أُلِفَ في الجاهلية الأخرى أن التقبيل صار علمًا لمن يعتقد فيه أو في أسلافه أو عادة المتكبرين من غيرهم - نهينا عنه مطلقًا لا سيما لمن ذُكر حسمًا لذرائع الشرك ما أمكن .
وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة وقبة المولد وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء حسمًا لتلك المادة ، وتنفيرًا عن الإشراك بالله ما أمكن لعظم شأنه فإنه لا يغفر [4] ، وهو أقبح من نسبة الولد لله تعالى ؛ إذ الولد كمال في حق المخلوق ، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق ؛ لقوله تعالى : ] ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ [ ( الروم : 28 ) الآية .

وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي فجائز إجماعًا ، بل ولا كراهة في ذلك وقد زوج عليٌّ عمرَ بن الخطاب وكفى بهما قدوة ، وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي بأربعة ليس فيهم فاطمي بل ولا هاشمي ، ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار ؛ إلا أنا لا نجبر أحدًا على تزويج موليته ما لم تطلب هي وتمتنع من غير الكفء ، والعرب أكفاء بعضهم لبعض ، فما اعتيد في بعض البلاد من المنع دليل التكبر وطلب التعظيم ، وقد يحصل بسبب ذلك فساد كبير كما ورد [5] ، بل يجوز الإنكاح لغير الكفء ، وقد تزوج زيد وهو من الموالي زينب أم المؤمنين [6] وهي قرشية ، والمسألة معروفة النقول عند أهل المذهب . انتهى [7] .
( فإن قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان له ) : يلزم من تقريركم وقطعكم في أن من قال : يا رسول الله أسألك الشفاعة- أنه مشرك مهدر الدم- أن يقال بكفر غالب الأمة ولا سيما المتأخرين لتصريح علمائهم المعتبرين أن ذلك مندوب وشنوا الغارة على من خالف في ذلك ؟
(قلت ) لا يلزم ذلك لأن لازم المذهب ليس بمذهب كما هو مقرَّر ، ومثل ذلك لا يلزم أن نكون مجسمة ، وإن قلنا بجهة العلو كما ورد الحديث بذلك ، ونحن نقول فيمن مات : ] تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ [ ( البقرة : 134 ) ولا نكفر إلا مَن بلغته دعوتنا للحق ووضحت له المحجة وقامت عليه الحجة وأصر مستكبرًا معاندًا كغالب من نقاتلهم اليوم يصرون على ذلك الإشراك ، ويمتنعون من فعل الواجبات ، ويتظاهرون بأفعال الكبائر المحرمات ، وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته لمن هذه
حاله ورضاه به ، ولتكثير مواد من ذكر والتغليب معه فله حينئذ حكمه في حِل قتاله ، ونعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون لعدم عصمتهم من الخطأ ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعيًّا ، ومن شن الغارة فقد غلط ، ولا بدع أن يغلط فقد غلط من هو خير منه كمثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر وفي غير ذلك ، يعرف ذلك في سيرته ، بل غلط الصحابة وهم جمع ونبينا صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم سارٍ فيهم نوره فقالوا : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط .
( فإن قلت ) : هذا فيمن ذهل فلما نُبِّهَ انتبه فما القول فيمن حرَّر الأدلة ، واطلع على كلام الأئمة القدوة ، واستمر مُصِرًّا على ذلك حتى مات ؟
( قلت ) : ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر ولا نقول : إنه كافر ، ولا لما تقدم أنه مخطئ ، وإن استمر على خطأه ؛ لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته بلسانه وسيفه وسنانه ، فلم تقم عليه الحجة ، ولا وضحت له المحجة ، بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسًا ، ومن اطلع عليه أعرض عنه قبل أن يتمكن في قلبه ، ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك ، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من شاء الله منهم .
هذا وقد رأى معاوية وأصحابه رضي الله عنهم منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بل وقتاله ومناجزته الحرب ، وهم في ذلك مخطئون بالإجماع واستمروا في ذلك الخطأ حتى ماتوا ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعًا ، بل ولا تفسيقه بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد ، وإن كانوا مخطئين كما ذلك مشهور عند أهل السنة .
ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه ، وعلم ورعه وزهده ، وحسنت سيرته ، وبلغ من نصحه الأمة ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها وإن كان مخطئًا في هذه المسألة أو غيرها ، كابن حجر الهيتمي فإنا نعرف كلامه في ( الدر المنظم ) ولا ننكر سعة علمه ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرهما ونعتمد على نقله إذا نقل ؛ لأنه من جملة علماء المسلمين .
هذا ما نحن عليه مخاطبين به مَن له عقل أو علم وهو متصف بالإنصاف ، خالٍ عن الميل إلى التعصب والاعتساف ، ينظر إلى ما يقال لا إلى من قال ، وأما من شأنه لزوم مألوفه وعادته سواء كان حقًّا أو غير حق فقلد من قال الله تعالى فيهم] إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ [ ( الزخرف : 23 ) عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق ، فلا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف حتى يستقيم أوده ، ويصح معوجه ، وجنود التوحيد بحمد الله منصورة ، وراياتهم بالسعد والإقبال منشورة ] وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [ ( الشعراء : 227 ) ] فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ [ ( المائدة : 56 ) وقال تعالى : ] وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ [ ( الصافات : 173 ) ] وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ [ ( الروم :47 )] وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ ( الأعراف : 128 ) .

ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) إن كلمة الرافضة التي وضعت لغلاة الشيعة تشمل الباطنية وآخرين دون الزيدية ومعتدلي الإمامية والظاهر أن صاحب هذه الرسالة ووالده لم يطلعوا على كتب الزيدية في الفقه ولو اطلعوا عليها لعلموا أن فقههم مدون وكذلك الإمامية ، وأن الفرق بينه وبين فقه الأربعة قليل قلما قال أحد مجتهديه قولاً انفرد به وخالف الإجماع قبله ، وكيف وهم يحتجون بالإجماع وبعمل السلف ؟ وكذا بأحاديث دواوين السنة المشهورة كالكتب الستة وقد كان مشايخنا يقولون كما قال مشايخ نجد : إن سبب حصر التقليد في فقه الأربعة دون سائر مجتهدي الأمة هو تدوين مذاهبهم دون غيرها . وهذا غلط سببه عدم الاطلاع وكتبه مصححه .
(2) أي لا نقر - بصفتنا حكام البلاد - أصحاب المذاهب غير المضبوطة أن يظهروا شيئًا من مفاسدهم الفاسدة بالإجماع كأقوال الباطنية بأن لأحكام العبادات معاني غير الظاهر الذي عليه العمل ، وبوجود إمام معصوم في كل عصر يجب اتباعه في كل ما يقول وكَسَبِّ غلاة الرافضة للشيخين رضي الله عنهم وبراءة الخوارج من الصهرين رضي الله عنهم ، ومقابل قوله : (ظاهرًا) أنهم لا يحاسبون أحدًا على ما يخفيه من أمثال هذه المسائل .
(3) إنما حرموا بعض كتب المنطق القديمة الممزوجة بالفلسفة اليونانية الباطلة دون ما ألَّفه المسلمون ولم يمزجوه بذلك .
(4) ذكر الإمام الشافعي في الأم أن ولاة مكة كانوا يهدمون ما بني في مقبرتها من القبور ولا يعترض عليهم الفقهاء ونقله عنه النووي في شرح مسلم عند شرح ما ورد في هذا المعني من الأحاديث ، وفي ( الزواجر ) لابن حجر الهيتمي أن اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانًا والطواف بها واستلامها والصلاة إليها كلها من كبائر المعاصي (راجع الكبيرة 93-98) وبعد أن أورد بعض الأحاديث الصحيحة في ذلك ذكر كلام الفقهاء الشافعية والحنابلة ومنه أنها من أسباب الشرك ، وآخره قولهم : (وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور ؛ إذ هي أضر من مسجد الضرار ؛ لأنها أسست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه نهى عن ذلك وأمر صلى الله عليه وسلم) بهدم القبور المشرفة ، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ، ولا يصح وقفه . اهـ. ص 163 من الجزء الأول- طبع المطبعة الوهبية بمصر سنة 1292 .
(5) أشار إلى حديث : (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ؛ إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) وفي رواية (إذا خطب إليكم) .
(6) أي قبل أن صارت أم المؤمنين كما هو معلوم .
(7) انتهى ما أفتى به في الدرعية وهي بلد الشيخ محمد عبد الوهاب والد المؤلف ومركز تلك النهضة، وهل الفتوى لوالده في زمنه أم كان هناك مفتٍ خاص بعد الشيخ أو جماعة ؟ الله أعلم .
 
المصدر: 
http://www.soufia-h.net/showthread.php?t=14300

عدد مرات القراءة:
739
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :