معركة الجدور ..   لمن ولاء شيعة الخليج؟ (مشاهدات من الحرب الحالية ومقتل الخامنئي) ..   موقف الشيعة من دول الخليج العربي ..   موقف الشيعة من أهل السنة (إلى دعاة التقريب - من غير تحية) ..   جذور الانحراف (من صور ترسيخ العقائد عند الشيعة) ..   يا شيعة العالم .. ماذا يراد بكم؟ ..   ساعة كاملة من تكفير علماء الشيعة لبعضهم البعض ..   ظاهرة الإطاحة بعمائم علماء الشيعة في إيران في إزدياد ..   من وسائل الشيعة في ترسيخ الأحقاد بين المسلمين - (تحديث مستمر) ..   إذا غاب العقل سادت الخرافة - منطق العاجز ..   أنظر كيف يحث علماء الشيعة أتباعهم على هجر القرآن ..   باعتراف الشيعة أقذر خلق الله في شهوة البطن والفرج هم أصحاب العمائم ..   فنادق جديدة في بغداد وكربلاء لممارسة اللواط ..   كيف تتم برمجة عقول الشيعة؟ ..   لماذا تم تغيير إسم صاحب الضريح؟ ..   من كرامات مقتدى الصدر ..   سجود الشيعة لمحمد الصدر ..   جهاز الاستخبارات الاسرائيلي يرفع السرية عن مقطع عقد فيه لقاء بين قاسم سليماني والموساد ..   إتصال الشيعة بموتاهم عن طريق الموبايل ..   كمال الحيدري: روايات لعن الصحابة مكذوبة ..   كثير من الأمور التي مارسها الحسين رضي الله عنه في كربلاء كانت من باب التمثيل المسرحي ..

" جديد الموقع "

تحقيق روايات بيعة علي بن أبي طالب لعثمان بن عفان رضي الله عنهما ..

تحقيق روايات بيعة علي بن أبي طالب لعثمان بن عفان رضي الله عنهما

 بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
تحقيق روايات بيعة علي بن أبي طالب لعثمان بن عفان رضي الله عنهما.
اتفقت الروايات التاريخية و الحديثية على أن علي بن أبي طالبنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- قد بايع الخليفة عثمان بن عفاننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- و لم يشذ عن جماعة المسلمين؛ لكنها اختلفت في : هل بايع مكرها أو طواعية ؟ و هل بايع مع الأوائل أو مع الأواخر ؟ و هل خُدع في بيعته أم لا ؟
أولا :عرض روايات البيعة :
أولا إن هناك روايات تاريخية ذكرت أن عليا لم يوافق على تعيين عثمان خليفة ، وإنما بايعه مكرها .
 فمن ذلك ما رواه ابن جرير الطبري بقوله : حدثني عمر بن شبة ، قال حدثنا علي بن محمد عن و كيع عن الأعمش عن إبراهيم ، و محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن أبي عروة ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، و أبي مخنف ، عن يوسف بن يزيد ،عن عباس بن سهل ،و مبارك بن فضالة ، عن عبيد الله بن عمر ، و يونس بن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، أنه قال : لما أنهى عبد الرحمن بن عوفنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة-مشاوراته للناس فيمن يتولى الخلافة ، وأعلن بيعة عثمان لأن الناس قد اختاروه ، لم يرض علي بن أبي طالب بذلك و قال لعبد الرحمن : حبوته حبو الدهر ، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل و الله المستعان علي ما تصفون . و الله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر عليك(1) .
و روى المؤرخ بن واضح اليعقوبي (ت284 هجرية) خبرا - بلا إسناد – مفاده أن عليا و بعض الصحابة –منهم المقداد بن الأسود و أبو ذر الغفاري –لم يرضوا بتعيين عثمان خليفة ، فقال أحدهم لعلي : (( ألا تقوم بهذا الأمر فأعينك ، فقال علي : إن هذا الأمر لا يجزي فيه الرجل و الرجلان )) (2) .
و حكى صاحب كتاب : الإمامة و السياسة ، خبرا – في إسناده ابن عفير عن أبي عون عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري – مفاده أنه لما كان عبد الرحمن بن عوف في مشاوراته لاختيار الخليفة ، اشترط على عثمان بن عفان انه إن بويع بالخلافة لا يجعل أحدا من بني أمية على رقاب الناس ، فقال: نعم . ثم اشترط على عليّ ألا يجعل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس ، فأبى و أصر على موقفه من أنه يولي من بني هاشم و غيرهم من الناس حسب اجتهاده ؛ فتركه عبد الرحمن . ثم عندما اجتمع بالناس في المسجد قال لهم : أنه و جد أكثر الناس لا يعدلون بعثمان أحدا . ثم قال لعلي : فلا تجعل يا علي سبيلا إلى نفسك فإنه السيف لا غير )) ؛ و أخذ بيد عثمان و بايعه ، ثم بايعه الناس جميعا (3) .
و ذكر المؤرخ ابن طاهر المقدسي (ت 507هجرية)في كتابه : البدء و التاريخ ، رواية بلا إسناد مفادها أنه لما بويع عثمان بالخلافة لم يبايعه علي بن أبي طالب ، ودخل إلى بيته و هو كاسف اللون ، فرفع عمار بن ياسر صوته قائلا
يا ناعي الإسلام قم فانعه + قد مات عرف و إني منكر 
ثم قال المؤلف (( هكذا رأيته في بعض التواريخ ، وما أظنه حقا و الله أعلم )) (4) . لكنه عاد –أي المقدسي- وأكد أنه لما قام عثمان و خطب في الناس لم يكن علي حاضرا ، لأنه لم يبايعه و كان قد دخل إلى بيته ؛ فذهب إليه بعض أهل الشورى و طالبوه بالبيعة لعثمان فقال لهم : فإن لم أفعل ماذا أنتم فاعلون ؟ قالوا له : نجاهدك ! فجاء فبايع (5) .
و ثانيا فإن من الروايات التي ذكرت أن عليا خُدع في بيعته لعثمان ، وأنه بايع متأخرا ما رواه الطبري في قوله : حدثني سلم بن جنادة أبو السائب ، قال حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، قال حدثنا أبي عن عبد الله بن جعفر ، عن أبيه عن المسور بن مخرمة ، أنه لما أنهى عبد الرحمن بن عوف مشاوراته و بايع عثمان ثم بايعه الناس من بعده ، تلكأ علي فقال له عبد الرحمن (( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ))-سورة الفتح / 10 – فرجع علي يشق الناس حتى بايع و هو يقول ( (خدعة و أيما خدعة )) و سبب قوله ذلك-فيما قيل- أن الصحابي عمرو بن العاص-نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة كان قد لقي عليا في ليالي التشاور فقال له : إن عبد الرحمن رجل مجتهد ، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك ، و لكن الجهد و الطاقة ، فإنه أرغب له فيك . ثم لقي-أي عمرو –عثمان فقال له : إن عبد الرحمن رجل مجتهد ، وليس و الله يبايعك إلا بالعزيمة فأقبل . فلذلك قال علينقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة خدعة (6 )
و ثالثا فإن المؤرخ أبا القاسم بن عساكر (ت571هجرية ) قد روى طائفة من الأخبار فيها أن عليا بايع عثمان-نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- دون معارضة ، منها رواية مسندة ذكر فيها ابن عساكر ، أن عبد الرحمننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة لما أنهى مشاوراته جمع كبار الصحابة في دار المال، فبايعوا كلهم عثمان بالخلافة ، وكان علي من بينهم (7) . و الرواية الثانية ذكر فيها ابن عساكر بإسناده ، أنه لما أنهى عبد الرحمن بن عوف مشاوراته ، قال لعلي : إن صار الأمر إليك أتسير بسيرة صاحبيك-أي الصديّق و عمر – فقال نعم . ثم قال مثل ذلك لعثمان فقال : نعم . ثم أقبل على علي بن أبي طالب و قال له : إن فاتك هذا الأمر فيمن تحب أن يكون ؟ فقال: في عثمان . ثم تقول الرواية أن الحاضرين أعادوا السؤال على علي ، فقال لهم : إن الرسولنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة أخبره أن عثمان هو الخليفة الثالث ، لذا فهو-أي علي- سيسمع و يطيع . فقال له عبد الرحمن : بايع عثمان فبايعه ، فكان علي أول المبايعين له ، ثم قال : سبقت عدتي بيعتي (8)

و أشير هنا إلى أن الحافظ بن عساكر قد روى بإسناده ، أن عبد الرحمن بن عوف قد سئل عن سبب بيعته لعثمان دون علي فقال : (( ما ذنبي قد بدأت بعلي فقلت : أبايعك على كتاب الله و سنة رسوله –صلى الله عليه و سلم – وسنة أبي بكر و عمر ، فقال : فيما استطعت . قال ثم عرضتها على عثمان فقبلها )) (9)
ثانيا : تحقيق الروايات السابقة
كانت تلك أشهر الروايات التاريخية التي رويت في بيعة علي لعثماننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- ، و هي التي سنخضعها للنقد و التمحيص ، ففيما يخص رواية الطبري الأولى ، ففي إسنادها من هو مجروح ، كشهر بن حوشب ،و أبي مخنف لوط بن يحي ، و يوسف بن يزيد البراء البصري (10) .و فيه أيضا أسماء مبهمة و غير معروفة , كإبراهيم و ابن أبي عروة ، فهي إذن لا تصح من حيث الإسناد . و أما متنها فهو يخالف الرواية الصحيحة التي نصت على بيعة علي لعثمان ، و سيأتي ذكرها قريبا إن شاء الله
و أما رواية اليعقوبي ، فقد رواها بلا إسناد ،و هذا وحده يكفي لرفضها من أساسها . و هو بذاته مجروح له ميول شيعية ، و هذه الرواية تخدم مذهبه .و أما متنها فلا يصح لأنه يخالف الرواية الصحيحة في بيعة علي لعثماننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا – ومع ذلك فإنها قد نصت على حقيقة ثابتة ، وهي أن الغالبية العظمى من المسلمين قد فضّلوا عثمان على عليّ ؛ و من ثم فما على الأقلية إلا التسليم للأغلبية و النزول عند رأيها
و فيما يخص الرواية التي ذكرها مؤلف كتاب : الإمامة و السياسة ، فإسنادها فيه انقطاع كبير ، فلا يعقل أن يكون فيه ثلاثة رجال بين الحادثة (سنة 23 هجرية ) ،و ابن قتيبة-المنسوب إليه الكتاب- المتوفى سنة 276هجرية . كما أن نسبة ذلك الكتاب لابن قتيبة غير ثابتة ،و الصحيح أن مؤلفه مجهول ، لذا فنحن لا نقبل رواية مؤلفها مجهول أو مشكوك فيه . و أما متنها فهو مضطرب و متناقض ، فهي من جهة تقول إن عبد الرحمن بن عوف ترك عليا و بايع عثمان عندما لم يرض بالشرط الذي اشترطه عليه ؛ و هو أن لا يولي أحدا من بني هاشم على رقاب الناس ؛ ثم هي من جهة أخرى تقول أن عبد الرحمن لما وقف في المسجد قال للحاضرين : إنه وجد أكثر الناس لا يعدلون بعثمان أحدا ، لذلك بايعه و لم يقل لهم أنه بايعه لقبوله الشرط الذي رفضه علي بن أبي طالب . و بما أن الناس قد فضلوا عثمان على علي – نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- فأية فائدة من ذلك الشرط المزعوم الذي أسقط عليا ؟ و هي من جهة أخرى قد صوّرت عبد الرحمن ظالما لعلي عندما لم يقبل جوابه على شرطه ، و هو جواب واقعي صحيح أحسن من جواب عثمان ؛ و ظلمه أيضا عندما هدده بالسيف على حد زعم الرواية ؛ و هذا أمر باطل ليس هو من أخلاق الصحابة الكرام ، و لأنه يخالف الرواية الصحيحة في بيعة عثمان لعلي كما سنبينه قريبا إن شاء الله .
و أما رواية ابن طاهر المقدسي(ت507هجرية) فهي رواية بلا إسناد مردودة على صاحبها ذو الميول الشيعية . و أما متنها فهو مسرحية مكشوفة تثير الضحك و علامات الوضع عليها بارزة . فهل يعقل أن عليا يرفض بيعة عثمان ، ثم عندما يأتي إليه الصحابة لا يناقشهم و لا يشرح لهم و جهة نظره ،و لا يدافع عنها ثم يذهب معهم ليبايع عثمان ، لمجرد أنهم قالوا له-بناء على سؤاله : إن لم تبايع نجاهدك ! فماذا كان ينتظر منهم يا ترى ؟ . وأخيرا أقول : إن هذه الرواية باطلة من أساساها لإسنادها المفقود ، و لمتنها المضحك ، و لمخالفتها الصحيح من الأخبار في بيعة علي لعثماننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا
و بالنسبة لرواية الطبري الثانية التي ذكرت أن عليا خُدع في بيعته لعثمان ، ففي إسنادها من هو مجروح كأبي السائب بن جنادة الكوفي ،و سليمان بن عبد العزيز (11) . و في متنها ما يدل على بطلانها ، فهي تخالف الخبر الصحيح في بيعة علي لعثماننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا . و فيها طعن في الصحابيين : علي و عمرو بن العاصنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- فقد صوّرت الأول ساذجا ، و الثاني محتالا , و هذا يتنافى تماما مع أخلاق الصحابة الذين شهد لهم الشرع الحكيم بالاستقامة . و مما يدل على أنها رواية موضوعة و مسرحية مكشوفة أن عليا انطلت عليه الحيلة ، و أنه همّ بالنكوص و الخروج من المسجد عندما بويع عثمان ، و هذا لا يصح في حق علينقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- لأنه طعن في شجاعته و أمانته . و هو –بلا شك- أنه عندما حضر إلى المسجد كان مستعدا لاحتمالين لا ثالث لهما ، إما أن يعين هو خليفة ، و إما أن يعين عثمان ، و من ثم فلا داعي للهروب ، لأن النتيجة لا تخرج عن هذين الاحتمالين
و أما الرواية التي ذكرت أن عليا بايع طواعية ، و أنه أول المبايعين لعثمان ،و أن الرسول –صلى الله عليه و سلم- قد أخبره بخلافة عثمان ؛ فهي و إن أشارت إلى أن بيعة علي لعثمان تمت بلا إكراه و لا خداع ، فإنها لا تصح بتلك الصيغة ،و بتلك التفاصيل ؛ لأنه إذا كان علي قد أخبره النبي –عليه الصلاة و السلام- أن عثمان هو الخليفة الثالث ، فلماذا إذن لم يسلم له الأمر منذ البداية ،و ينسحب كما انسحب أهل الشورى الآخرين ؟ كما أنها من جهة أخرى تخالف الرواية الصحيحة التي نصت على أن عليا هو ثاني من بايع عثمان بعد عبد الرحمن ، ولم يكن هو الأول ، و هذه الرواية سنذكرها قريبا
و فيما يخص ما روي عن عبد الرحمن بن عوفنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- من أنه بايع عثمان دون علي لمجرد شرط اشترطه على الاثنين ، قبله عثمان دون شرط و قبله علي بتحفظ ؛ فهو خبر لا يصح لأن في إسناده من هو ضعيف ،و كثير الغلط ،و متهم بالكذب ، كسفيان بن وكيع الرواسي (ت247هجرية)(12). و في متنه ما هو منكر ،و مخالف للصحيح من الأخبار ، فإنه من الثابت تاريخيا أن عبد الرحمن بن عوف لم يبايع عثمان إلا بعدما اجتهد في مشاورة الناس فيمن يختارونه خليفة لهم ، فوجدهم لا يعدلون بعثمان أحدا ، فاختاره على هذا الأساس و ليس على أساس اعتبارات أخرى . و إلا أية فائدة من مشاوراته المضنية إذا كان قد اختار أحدهما بناء على شرط اشترطه عليهما ؟ و ما الفرق بين إجابتيهما ؟ فعلي أجاب بأنه يعمل بالكتاب و السنة و سيرة الشيخين حسب طاقته ، و لم يقل أنه لا يعمل بذلك .و عثمان أجاب بنعم على الشرط ، و جوابه لا يخرج من أنه يعمل حسب طاقته .و إذا كان عبد الرحمن قد اختار عثمان عل أساس ذلك الجواب ، فإنه يكون قد غش الأمة ،و ضيع الأمانة ،و أهمل مبدأ الشورى ؛ و هذا لا يصح في حق صحابي جليل من السابقين الأولين الذين دخلوا في الإسلام ، و نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة و رضوا عنه . كما أن الخبر الصحيح قد اثبت أنه-أي عبد الرحمن – قد بذل وسعه في مشاورة المسلمين ، و اختار عثمان على ذلك الأساس
ذلك الخبر رواه الإمام البخاري في صحيحه ، و ملخصه أن عبد الرحمننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- لما أنهى مشاوراته للمسلمين، جمع المهاجرين و الأنصار ،و أمراء الأجناد في المسجد ،و قال لعلي بن أبي طالب : (( إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان ، فلا تجعلن لنفسك سبيلا )) ثم بايع عبد الرحمن عثمان على إتباع الكتاب و السنة ،و نهج أبي بكر و عمرنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- ، ثم بايعه المهاجرون و الأنصار و عامة المسلمين (13)
و هناك رواية أخرى رواها الإمام البخاري ، و ملخصها أنه لما اجتمع أهل الشورى –الذين عينهم عمر نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- و انحصر الأمر في علي و عثماننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- اقترح عليهما عبد الرحمن بن عوف أن يجعلوه حكما بينهما ،و أنه سيختار للخلافة أفضلهما ، فقالا نعم ؛ ثم أخذ على كل منهما الميثاق على العمل بالعدل و السمع و الطاعة في حالة إذا ما تولى أحدهما الخلافة . ثم أخذ بيد عثمان و بايعه ، ثم بايعه علي ،و بعده دخل أهل الدار و بايعوا عثمان (14) . و هذه رواية موجزة لم تذكر المشاورات التي أجراها عبد الرحمن بن عوف لاختيار الخليفة . كما أنها أشارت لبيعة خاصة تمت في دار من دور المدينة ، ولم تشر للبيعة العامة التي تمت في المسجد بحضور الجمع الغفير من الناس ؛ و هي بهذا لا تناقض الرواية الأولى ، و إنما تثريها و تبيّن جوانب أخرى من القضية . و في قول عبد الرحمن بأنه سيولي أفضل الاثنين ، فيه ما يوحي بأنه قد اتخذ موقفا منهما بناء على مشاوراته التي أجراها مع المسلمين ، فوجدهم لا يعدلون بعثمان أحدا . و هذا الخبر أكد أن عليا –رصي الله عنه- هو ثاني من بايع عثمان و قد بايعه طواعية دون إكراه و لا تهديد .
و ختاما لما ذكرناه يتبين من مناقشتنا للروايات التاريخية السابقة ،و من روايتي الإمام البخاري ، أن الشبهات التي أثيرت حول بيعة علي بن أبي طالب لعثمان –رضي اله عنهما- هي محض افتراء لم تصمد أما النقد العلمي ،.و أن الصحيح هو أن عليا سارع إلى بيعة عثمان طواعية، من غير إكراه و لا خداع
----------------------------------- 
الهوامش : 
1-ابن جرير ااطبري : تاريخ الأمم و الملوك ،ط1 بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1407 ، ج2 ص: 581 و ما بعدها
2-ابن واضح اليعقوبي : تاريخ اليعقوبي ، بيروت ، دار صادر، دت ، ج 2 ص: 163
3-ابن قتيبة : الإمامة و السياسة ، الجزار ، موفم للنشر ، ج1 ، ص: 40-41 .
4-ابن مطهر المقدسي : البدء و التاريخ ،القاهرة ، مكتبة الثقافة الدينية ، دت ، ج 5 ص : 193
5- نفسه ج 5 ص: 193
6- الطبري: المصدر السابق ، ج2،ص: 185-186
7-ابن عساكر : تاريخ دمشق ، دم ، دن ،ج 39 ص: 194 .
8- نفس المصدر ج39 ص: 197
9 نفس المصدر ج 39 ص: 202
10- الذهبي : ميزان الاعتدال ، حققه علي معوطي، ط1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1995 ،ج 3 ص: 389، و ج 7 ص: 302، 309 .و ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ج ، ط1 ، بيروت ، دار احياء التراث العربي ، 1952، 9ص: 234
11-الذهبي : المغني في الضعفاء ، حققه نور الدين عتر ، دم ، دن ، دت ،ج1 ص: 273 . و ابن حجر العسقلاني: لسان الميزان ، ط3 بيروت ، مؤسسة الأعلمي ، 1986ج 3 ص: 97
12-ابن عساكر : المصدر السابق ج 39 ص : 202
13-البخاري : الجامع الصحيح ، حققه ديب البغا ، ط3 ، بيروت ، دار ابن كثير ، 1987 ،ج 6 ص: 2634 .
14-نفس المصدر ج 6 ص : 1356 .


تحقيق روايات بيعة علي بن أبي طالب لعثمان بن عفاننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا-
اتفقت الروايات التاريخية و الحديثية على أن علي بن أبي طالبنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- قد بايع الخليفة عثمان بن عفاننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- و لم يشذ عن جماعة المسلمين؛ لكنها اختلفت في : هل بايع مكرها أو طواعية ؟ و هل بايع مع الأوائل أو مع الأواخر ؟ و هل خُدع في بيعته أم لا ؟ . 

أولا :عرض روايات البيعة :

أولا إن هناك روايات تاريخية ذكرت أن عليا لم يوافق على تعيين عثمان خليفة ، وإنما بايعه مكرها .
فمن ذلك ما رواه ابن جرير الطبري بقوله : حدثني عمر بن شبة ، قال حدثنا علي بن محمد عن و كيع عن الأعمش عن إبراهيم ، و محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن أبي عروة ، عن قتادة ، عن شهر بن حوشب ، و أبي مخنف ، عن يوسف بن يزيد ،عن عباس بن سهل ،و مبارك بن فضالة ، عن عبيد الله بن عمر ، و يونس بن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، أنه قال : لما أنهى عبد الرحمن بن عوفنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة-مشاوراته للناس فيمن يتولى الخلافة ، وأعلن بيعة عثمان لأن الناس قد اختاروه ، لم يرض علي بن أبي طالب بذلك و قال لعبد الرحمن : حبوته حبو الدهر ، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل و الله المستعان علي ما تصفون . و الله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر عليك(1) .
و روى المؤرخ بن واضح اليعقوبي (ت284 هجرية) خبرا - بلا إسناد – مفاده أن عليا و بعض الصحابة –منهم المقداد بن الأسود و أبو ذر الغفاري –لم يرضوا بتعيين عثمان خليفة ، فقال أحدهم لعلي : (( ألا تقوم بهذا الأمر فأعينك ، فقال علي : إن هذا الأمر لا يجزي فيه الرجل و الرجلان )) (2) .
و حكى صاحب كتاب : الإمامة و السياسة ، خبرا – في إسناده ابن عفير عن أبي عون عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري – مفاده أنه لما كان عبد الرحمن بن عوف في مشاوراته لاختيار الخليفة ، اشترط على عثمان بن عفان انه إن بويع بالخلافة لا يجعل أحدا من بني أمية على رقاب الناس ، فقال: نعم . ثم اشترط على عليّ ألا يجعل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس ، فأبى و أصر على موقفه من أنه يولي من بني هاشم و غيرهم من الناس حسب اجتهاده ؛ فتركه عبد الرحمن . ثم عندما اجتمع بالناس في المسجد قال لهم : أنه و جد أكثر الناس لا يعدلون بعثمان أحدا . ثم قال لعلي : فلا تجعل يا علي سبيلا إلى نفسك فإنه السيف لا غير )) ؛ و أخذ بيد عثمان و بايعه ، ثم بايعه الناس جميعا (3) .
و ذكر المؤرخ ابن طاهر المقدسي (ت 507هجرية)في كتابه : البدء و التاريخ ، رواية بلا إسناد مفادها أنه لما بويع عثمان بالخلافة لم يبايعه علي بن أبي طالب ، ودخل إلى بيته و هو كاسف اللون ، فرفع عمار بن ياسر صوته قائلا
يا ناعي الإسلام قم فانعه + قد مات عرف و إني منكر 
ثم قال المؤلف (( هكذا رأيته في بعض التواريخ ، وما أظنه حقا و الله أعلم )) (4) . لكنه عاد –أي المقدسي- وأكد أنه لما قام عثمان و خطب في الناس لم يكن علي حاضرا ، لأنه لم يبايعه و كان قد دخل إلى بيته ؛ فذهب إليه بعض أهل الشورى و طالبوه بالبيعة لعثمان فقال لهم : فإن لم أفعل ماذا أنتم فاعلون ؟ قالوا له : نجاهدك ! فجاء فبايع (5) .

و ثانيا فإن من الروايات التي ذكرت أن عليا خُدع في بيعته لعثمان ، وأنه بايع متأخرا
ما رواه الطبري في قوله : حدثني سلم بن جنادة أبو السائب ، قال حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، قال حدثنا أبي عن عبد الله بن جعفر ، عن أبيه عن المسور بن مخرمة ، أنه لما أنهى عبد الرحمن بن عوف مشاوراته و بايع عثمان ثم بايعه الناس من بعده ، تلكأ علي فقال له عبد الرحمن (( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ))-سورة الفتح / 10 – فرجع علي يشق الناس حتى بايع و هو يقول ( (خدعة و أيما خدعة )) و سبب قوله ذلك-فيما قيل- أن الصحابي عمرو بن العاص-نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة كان قد لقي عليا في ليالي التشاور فقال له : إن عبد الرحمن رجل مجتهد ، وإنه متى أعطيته العزيمة كان أزهد له فيك ، و لكن الجهد و الطاقة ، فإنه أرغب له فيك . ثم لقي-أي عمرو –عثمان فقال له : إن عبد الرحمن رجل مجتهد ، وليس و الله يبايعك إلا بالعزيمة فأقبل . فلذلك قال علينقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة خدعة (6 )
و ثالثا فإن المؤرخ أبا القاسم بن عساكر (ت571هجرية ) قد روى طائفة من الأخبار فيها أن عليا بايع عثمان-نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- دون معارضة ، منها رواية مسندة ذكر فيها ابن عساكر ، أن عبد الرحمننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة لما أنهى مشاوراته جمع كبار الصحابة في دار المال، فبايعوا كلهم عثمان بالخلافة ، وكان علي من بينهم (7) . و الرواية الثانية ذكر فيها ابن عساكر بإسناده ، أنه لما أنهى عبد الرحمن بن عوف مشاوراته ، قال لعلي : إن صار الأمر إليك أتسير بسيرة صاحبيك-أي الصديّق و عمر – فقال نعم . ثم قال مثل ذلك لعثمان فقال : نعم . ثم أقبل على علي بن أبي طالب و قال له : إن فاتك هذا الأمر فيمن تحب أن يكون ؟ فقال: في عثمان . ثم تقول الرواية أن الحاضرين أعادوا السؤال على علي ، فقال لهم : إن الرسولنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة أخبره أن عثمان هو الخليفة الثالث ، لذا فهو-أي علي- سيسمع و يطيع . فقال له عبد الرحمن : بايع عثمان فبايعه ، فكان علي أول المبايعين له ، ثم قال : سبقت عدتي بيعتي (8)

و أشير هنا إلى أن الحافظ بن عساكر قد روى بإسناده ، أن عبد الرحمن بن عوف قد سئل عن سبب بيعته لعثمان دون علي فقال : (( ما ذنبي قد بدأت بعلي فقلت : أبايعك على كتاب الله و سنة رسوله –صلى الله عليه و سلم – وسنة أبي بكر و عمر ، فقال : فيما استطعت . قال ثم عرضتها على عثمان فقبلها )) (9)

ثانيا : تحقيق الروايات السابقة : 

كانت تلك أشهر الروايات التاريخية التي رويت في بيعة علي لعثماننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- ، و هي التي سنخضعها للنقد و التمحيص ،
 ففيما يخص رواية الطبري الأولى ، ففي إسنادها من هو مجروح ، كشهر بن حوشب ،و أبي مخنف لوط بن يحي ، و يوسف بن يزيد البراء البصري (10) .و فيه أيضا أسماء مبهمة و غير معروفة , كإبراهيم و ابن أبي عروة ، فهي إذن لا تصح من حيث الإسناد . و أما متنها فهو يخالف الرواية الصحيحة التي نصت على بيعة علي لعثمان ، و سيأتي ذكرها قريبا إن شاء الله
و أما رواية اليعقوبي ، فقد رواها بلا إسناد ،و هذا وحده يكفي لرفضها من أساسها . و هو بذاته مجروح له ميول شيعية ، و هذه الرواية تخدم مذهبه .و أما متنها فلا يصح لأنه يخالف الرواية الصحيحة في بيعة علي لعثماننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا – ومع ذلك فإنها قد نصت على حقيقة ثابتة ، وهي أن الغالبية العظمى من المسلمين قد فضّلوا عثمان على عليّ ؛ و من ثم فما على الأقلية إلا التسليم للأغلبية و النزول عند رأيها
و فيما يخص الرواية التي ذكرها مؤلف كتاب : الإمامة و السياسة ، فإسنادها فيه انقطاع كبير ، فلا يعقل أن يكون فيه ثلاثة رجال بين الحادثة (سنة 23 هجرية ) ،و ابن قتيبة-المنسوب إليه الكتاب- المتوفى سنة 276هجرية . كما أن نسبة ذلك الكتاب لابن قتيبة غير ثابتة ،و الصحيح أن مؤلفه مجهول ، لذا فنحن لا نقبل رواية مؤلفها مجهول أو مشكوك فيه . و أما متنها فهو مضطرب و متناقض ، فهي من جهة تقول إن عبد الرحمن بن عوف ترك عليا و بايع عثمان عندما لم يرض بالشرط الذي اشترطه عليه ؛ و هو أن لا يولي أحدا من بني هاشم على رقاب الناس ؛ ثم هي من جهة أخرى تقول أن عبد الرحمن لما وقف في المسجد قال للحاضرين : إنه وجد أكثر الناس لا يعدلون بعثمان أحدا ، لذلك بايعه و لم يقل لهم أنه بايعه لقبوله الشرط الذي رفضه علي بن أبي طالب . و بما أن الناس قد فضلوا عثمان على علي – نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- فأية فائدة من ذلك الشرط المزعوم الذي أسقط عليا ؟ و هي من جهة أخرى قد صوّرت عبد الرحمن ظالما لعلي عندما لم يقبل جوابه على شرطه ، و هو جواب واقعي صحيح أحسن من جواب عثمان ؛ و ظلمه أيضا عندما هدده بالسيف على حد زعم الرواية ؛ و هذا أمر باطل ليس هو من أخلاق الصحابة الكرام ، و لأنه يخالف الرواية الصحيحة في بيعة عثمان لعلي كما سنبينه قريبا إن شاء الله .
و أما رواية ابن طاهر المقدسي(ت507هجرية) فهي رواية بلا إسناد مردودة على صاحبها ذو الميول الشيعية . و أما متنها فهو مسرحية مكشوفة تثير الضحك و علامات الوضع عليها بارزة . فهل يعقل أن عليا يرفض بيعة عثمان ، ثم عندما يأتي إليه الصحابة لا يناقشهم و لا يشرح لهم و جهة نظره ،و لا يدافع عنها ثم يذهب معهم ليبايع عثمان ، لمجرد أنهم قالوا له-بناء على سؤاله : إن لم تبايع نجاهدك ! فماذا كان ينتظر منهم يا ترى ؟ . وأخيرا أقول : إن هذه الرواية باطلة من أساساها لإسنادها المفقود ، و لمتنها المضحك ، و لمخالفتها الصحيح من الأخبار في بيعة علي لعثماننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا
و بالنسبة لرواية الطبري الثانية التي ذكرت أن عليا خُدع في بيعته لعثمان ، ففي إسنادها من هو مجروح كأبي السائب بن جنادة الكوفي ،و سليمان بن عبد العزيز (11) . و في متنها ما يدل على بطلانها ، فهي تخالف الخبر الصحيح في بيعة علي لعثماننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا . و فيها طعن في الصحابيين : علي و عمرو بن العاصنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- فقد صوّرت الأول ساذجا ، و الثاني محتالا , و هذا يتنافى تماما مع أخلاق الصحابة الذين شهد لهم الشرع الحكيم بالاستقامة . و مما يدل على أنها رواية موضوعة و مسرحية مكشوفة أن عليا انطلت عليه الحيلة ، و أنه همّ بالنكوص و الخروج من المسجد عندما بويع عثمان ، و هذا لا يصح في حق علينقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- لأنه طعن في شجاعته و أمانته . و هو –بلا شك- أنه عندما حضر إلى المسجد كان مستعدا لاحتمالين لا ثالث لهما ، إما أن يعين هو خليفة ، و إما أن يعين عثمان ، و من ثم فلا داعي للهروب ، لأن النتيجة لا تخرج عن هذين الاحتمالين
و أما الرواية التي ذكرت أن عليا بايع طواعية ، و أنه أول المبايعين لعثمان ،و أن الرسول –صلى الله عليه و سلم- قد أخبره بخلافة عثمان ؛ فهي و إن أشارت إلى أن بيعة علي لعثمان تمت بلا إكراه و لا خداع ، فإنها لا تصح بتلك الصيغة ،و بتلك التفاصيل ؛ لأنه إذا كان علي قد أخبره النبي –عليه الصلاة و السلام- أن عثمان هو الخليفة الثالث ، فلماذا إذن لم يسلم له الأمر منذ البداية ،و ينسحب كما انسحب أهل الشورى الآخرين ؟ كما أنها من جهة أخرى تخالف الرواية الصحيحة التي نصت على أن عليا هو ثاني من بايع عثمان بعد عبد الرحمن ، ولم يكن هو الأول ، و هذه الرواية سنذكرها قريبا
و فيما يخص ما روي عن عبد الرحمن بن عوفنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- من أنه بايع عثمان دون علي لمجرد شرط اشترطه على الاثنين ، قبله عثمان دون شرط و قبله علي بتحفظ ؛ فهو خبر لا يصح لأن في إسناده من هو ضعيف ،و كثير الغلط ،و متهم بالكذب ، كسفيان بن وكيع الرواسي (ت247هجرية)(12). و في متنه ما هو منكر ،و مخالف للصحيح من الأخبار ، فإنه من الثابت تاريخيا أن عبد الرحمن بن عوف لم يبايع عثمان إلا بعدما اجتهد في مشاورة الناس فيمن يختارونه خليفة لهم ، فوجدهم لا يعدلون بعثمان أحدا ، فاختاره على هذا الأساس و ليس على أساس اعتبارات أخرى . و إلا أية فائدة من مشاوراته المضنية إذا كان قد اختار أحدهما بناء على شرط اشترطه عليهما ؟ و ما الفرق بين إجابتيهما ؟ فعلي أجاب بأنه يعمل بالكتاب و السنة و سيرة الشيخين حسب طاقته ، و لم يقل أنه لا يعمل بذلك .و عثمان أجاب بنعم على الشرط ، و جوابه لا يخرج من أنه يعمل حسب طاقته .و إذا كان عبد الرحمن قد اختار عثمان عل أساس ذلك الجواب ، فإنه يكون قد غش الأمة ،و ضيع الأمانة ،و أهمل مبدأ الشورى ؛ و هذا لا يصح في حق صحابي جليل من السابقين الأولين الذين دخلوا في الإسلام ، و نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة و رضوا عنه . كما أن الخبر الصحيح قد اثبت أنه-أي عبد الرحمن – قد بذل وسعه في مشاورة المسلمين ، و اختار عثمان على ذلك الأساس
ذلك الخبر رواه الإمام البخاري في صحيحه ، و ملخصه أن عبد الرحمننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- لما أنهى مشاوراته للمسلمين، جمع المهاجرين و الأنصار ،و أمراء الأجناد في المسجد ،و قال لعلي بن أبي طالب : (( إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان ، فلا تجعلن لنفسك سبيلا )) ثم بايع عبد الرحمن عثمان على إتباع الكتاب و السنة ،و نهج أبي بكر و عمرنقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- ، ثم بايعه المهاجرون و الأنصار و عامة المسلمين (13) . 
و هناك رواية أخرى رواها الإمام البخاري ، و ملخصها أنه لما اجتمع أهل الشورى –الذين عينهم عمر نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة- و انحصر الأمر في علي و عثماننقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةا- اقترح عليهما عبد الرحمن بن عوف أن يجعلوه حكما بينهما ،و أنه سيختار للخلافة أفضلهما ، فقالا نعم ؛ ثم أخذ على كل منهما الميثاق على العمل بالعدل و السمع و الطاعة في حالة إذا ما تولى أحدهما الخلافة . ثم أخذ بيد عثمان و بايعه ، ثم بايعه علي ،و بعده دخل أهل الدار و بايعوا عثمان (14) . و هذه رواية موجزة لم تذكر المشاورات التي أجراها عبد الرحمن بن عوف لاختيار الخليفة . كما أنها أشارت لبيعة خاصة تمت في دار من دور المدينة ، ولم تشر للبيعة العامة التي تمت في المسجد بحضور الجمع الغفير من الناس ؛ و هي بهذا لا تناقض الرواية الأولى ، و إنما تثريها و تبيّن جوانب أخرى من القضية . و في قول عبد الرحمن بأنه سيولي أفضل الاثنين ، فيه ما يوحي بأنه قد اتخذ موقفا منهما بناء على مشاوراته التي أجراها مع المسلمين ، فوجدهم لا يعدلون بعثمان أحدا . و هذا الخبر أكد أن عليا –رصي الله عنه- هو ثاني من بايع عثمان و قد بايعه طواعية دون إكراه و لا تهديد .
و ختاما لما دكرناه يتبين من مناقشتنا للروايات التاريخية السابقة ،و من روايتي الإمام البخاري ، أن الشبهات التي أثيرت حول بيعة علي بن أبي طالب لعثمان –رضي اله عنهما- هي محض افتراء لم تصمد أما النقد العلمي ،.و أن الصحيح هو أن عليا سارع إلى بيعة عثمان طواعية، من غير إكراه و لا خداع . 

الهوامش
1-ابن جرير ااطبري : تاريخ الأمم و الملوك ،ط1 بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1407 ، ج2 ص: 581 و ما بعدها
2-ابن واضح اليعقوبي : تاريخ اليعقوبي ، بيروت ، دار صادر، دت ، ج 2 ص: 163
3-ابن قتيبة : الإمامة و السياسة ، الجزار ، موفم للنشر ، ج1 ، ص: 40-41 .
4-ابن مطهر المقدسي : البدء و التاريخ ،القاهرة ، مكتبة الثقافة الدينية ، دت ، ج 5 ص : 193
5- نفسه ج 5 ص: 193
6- الطبري: المصدر السابق ، ج2،ص: 185-186
7-ابن عساكر : تاريخ دمشق ، دم ، دن ،ج 39 ص: 194 .
8- نفس المصدر ج39 ص: 197
9 نفس المصدر ج 39 ص: 202
10- الذهبي : ميزان الاعتدال ، حققه علي معوطي، ط1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1995 ،ج 3 ص: 389، و ج 7 ص: 302، 309 .و ابن أبي حاتم : الجرح و التعديل ج ، ط1 ، بيروت ، دار احياء التراث العربي ، 1952، 9ص: 234
11-الذهبي : المغني في الضعفاء ، حققه نور الدين عتر ، دم ، دن ، دت ،ج1 ص: 273 . و ابن حجر العسقلاني: لسان الميزان ، ط3 بيروت ، مؤسسة الأعلمي ، 1986ج 3 ص: 97
12-ابن عساكر : المصدر السابق ج 39 ص : 202
13-البخاري : الجامع الصحيح ، حققه ديب البغا ، ط3 ، بيروت ، دار ابن كثير ، 1987 ،ج 6 ص: 2634 .
14-نفس المصدر ج 6 ص : 1356
 
المصدر:
كتاب الدكتور خالد كبير علال : بحوث حول الخلافة والفتنة الكبرى خلال العهد الراشدي :دراسة نقدية تمحيصية وفق منهج علم الجرح و التعديل ، إسنادا و متنا-.


إنكار بيعة علي لعثمان

الشبهة:

زعم بعض الشيعة –كالمفيد- أن علي بن أبي طالب لم يبايع عثمان أبدًا، فقال: «ولما صفق عبد الرحمن يده على يد عثمان نهض أمير المؤمنين (ع) وقال: مال الرجل إلى صهره ونبذ دينه وراء ظهره، وأقبل على عبد الرحمن فقال: والله ما أملت منه إلا ما أمل صاحبك من صاحبه، دق الله بينكما عطر منشم، وانصرف مظهرًا للتنكير على عبد الرحمن، واعتزل بيعة عثمان فلم يبايعه، حتى كان من أمره مع المسلمين ما كان، وقد عرفت الخاصة والعامة ما أظهره أمير المؤمنين (ع) من كراهته من تقدم عليه وتظلمه منهم»([1]).

وعلَّق جعفر مرتضى العاملي عليه فقال: «وربما يكون هذا النص الأخير هو الأقرب إلى الاعتبار»([2]).

وزعم بعضهم أن عليًّا بايع مكرهًا وبخديعة، يقول الشريف المرتضى: «إن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام لم تكن عن رضًا، والأخبار متظاهرة بين كل من روى السير بما يقتضي ذلك، حتى أن من تأمل ما روي في هذا الباب لم يبق عليه شيء في أنه عليه السلام أُلْجِئ على البيعة وصار إليها بعد المدافعة والمحاجزة لأمور اقتضت ذلك، ليس من جملتها الرضا»([3]). 


([1]) الجمل، المفيد (1/ 61).

([2]) الصحيح من سيرة الإمام علي، جعفر مرتضى العاملي (١٥/ 171).

([3]) الشافي في الإمامة، الشريف المرتضى (3/ 240).

الرد علي الشبهة:

اتفقت الروايات على أن عليًّا قد بايع عثمان ب، ولم يتردد أو يتلكأ، ولم يكن ذلك عن خديعة كما زعموا، بل ثبت أنه ا بايع في أول الناس رضًا وطواعيةً.

ففي صحيح البخاري عن عمرو بن ميمون: «... فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَفَتَجْعَلُونَهُ إِلَيَّ وَاللهُ عَلَيَّ أَلَّا آلُ عَنْ أَفْضَلِكُمْ؟ قَالَا: نَعَمْ، فَأَخَذَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَقَالَ: لَكَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ق وَالقَدَمُ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، فَاللهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ، وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عُثْمَانَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ، ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَخَذَ المِيثَاقَ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ يَا عُثْمَانُ فَبَايَعَهُ، فَبَايَعَ لَهُ عَلِيٌّ، وَوَلَجَ أَهْلُ الدَّارِ فَبَايَعُوهُ»([1]).

فهذه الرواية تنص على أن عليًّا كان الرجل الثاني الذي يبايع عثمان، والأول بعد عبد الرحمن بن عوف؛ ولذلك قال ابن كثير: «وَبَايَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلًا»([2]).

وفي رواية أخرى عند البخاري عن المسور بن مخرمة: «فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا عَلِيُّ، إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فَلَا تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا، فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَالخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَأُمَرَاءُ الأَجْنَادِ وَالمُسْلِمُونَ»([3]).

انعقد إجماع الأصحاب ي على خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقد روى ابن أبي شيبة عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: «حَجَجْتُ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ فَلَمْ يَكُونُوا يَشُكُّونَ أَنَّ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِهِ لِعُثْمَانَ»([4])، ونقل الإمام أحمد الإجماع على ذلك فقال: «لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى بَيْعَةِ أَحَدٍ مَا اجْتَمَعُوا عَلَى بَيْعَةِ عُثْمَانَ»([5]).

ونقله ابن كثير كذلك فقال: «ثُمَّ نَهَضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ا يَسْتَشِيرُ النَّاسَ فِيهِمَا وَيَجْتَمِعُ بِرُؤُوسِ النَّاسِ وَأَجْنَادِهِمْ؛ جَمِيعًا وَأَشْتَاتًا، مَثْنَى وَفُرَادَى وَمُجْتَمِعِينَ، سِرًّا وَجَهْرًا، حَتَّى خَلَصَ إِلَى النِّسَاءِ الْمُخَدَّرَاتِ فِي حِجَابِهِنَّ، وَحَتَّى سَأَلَ الْوِلْدَانَ فِي الْمَكَاتِبِ، وَحَتَّى سَأَلَ مَنْ يَرِدُ مِنَ الرُّكْبَانِ وَالْأَعْرَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فِي مُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، فَلَمْ يَجِدِ اثْنَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي تَقْدِيمِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛ إِلَّا مَا يُنْقَلُ عَنْ عَمَّارٍ وَالْمِقْدَادِ أَنَّهُمَا أَشَارَا بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ بَايَعَا مَعَ النَّاسِ عَلَى مَا سَيُذْكَرُ.

فَسَعَى فِي ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا لَا يَغْتَمِضُ بِكَثِيرِ نَوْمٍ إِلَّا صَلَاةً وَدُعَاءً وَاسْتِخَارَةً، وَسُؤَالًا مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَعْدِلُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ا»([6]).

كل هذه النصوص تدلك على إجماع الصحابة - بمن فيهم علي بن أبي طالب - على بيعة عثمان بن عفان ا، وأنه لم يختلف في بيعته أحد، ولم تكن كما زعم الزاعمون بمجرد بيعة عبد الرحمن له، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية V: «عُثْمَانُ لَمْ يَصِرْ إِمَامًا بِاخْتِيَارِ بَعْضِهِمْ، بَلْ بِمُبَايَعَةِ النَّاسِ لَهُ، وَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بَايَعُوا عُثْمَانَ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ بَيْعَتِهِ أَحَدٌ... قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَمْدَانَ بْنِ عَلِيٍّ: مَا كَانَ فِي الْقَوْمِ أَوْكَدُ بَيْعَةً مِنْ عُثْمَانَ كَانَتْ بِإِجْمَاعِهِمْ، فَلَمَّا بَايَعَهُ ذَوُو الشَّوْكَةِ وَالْقُدْرَةِ صَارَ إِمَامًا، وَإِلَّا فَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بَايَعَهُ، وَلَمْ يُبَايِعْهُ عَلِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَهْلِ الشَّوْكَةِ لَمْ يَصِرْ إِمَامًا»([7]).

وقد اعترفت بذلك كتب الشيعة، فقد نسبوا إلى علي ا قوله: «فخشِيَ القوم إن أنا وليتُ عليهم ألا يكونَ لهم في الأمر نصيب ما بقوا، فأجمعوا إجماعًا واحدًا، فصرفوا الولاية الى عثمان وأخرجوني منها»([8]).

ذكر الطوسي رواية طويلة عن علي بن أبي طالب جاء فيها أنه قال: «فَبَايَعْتُمْ عُثْمَانَ فَبَايَعْتُهُ»([9])، وهذا يتفق مع ذلك المنسوب إليه في نهج البلاغة في قوله: «وَإنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل وَسَمَّوْهُ إِمَامًا كَانَ ذلِكَ لله رِضًى، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ منْه، فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلَّاهُ اللهُ مَا تَوَلَّى»([10]).

ويقول هاشم معروف الحسني: «لقد وقف علي (ع) بين تلك الجماهير التي احتشدت في ذلك اليوم..، فقال: أيها الناس، لقد علمتم أني أحق الناس بهذا الأمر من غيري، أما وقد انتهى الأمر إلى ما ترون فوالله لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن جورٌ إلا عَلَيَّ خاصةً التماسًا لأجرِ ذلك وفضلِه، وزهدًا فيما تنافستموه من زخرفة.

وهكذا سالَمَ أمير المؤمنين (ع) وبايع لعثمان كما بايعه الناس، ومضى في السبيل الذي اختاره لنفسه، يعمل ما وسعه العمل في سبيل الصالح العام، لا يبخل عليهم بآرائه ولا بكل إمكاناته إذا أرادوها في سبيل الإسلام وانتشاره، كما سالم وساير ونصح من كان من قبله»([11]).

وهذا كذلك يتفق مع ما نُسب إليه في نهج البلاغة في قوله: «وَوَاللهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً، الْتِمَاسًا لأجْرِ ذلِكَ وَفَضْلِهِ»([12]).

فهذا نصٌّ صريحٌ في أن عليًّا قد بايع بكامل رضاه؛ لأنه رأى أن أمور المسلمين قد سلمت ببيعة عثمان، فبايع ودخل فيما دخل فيه الناس.

وقد نُسب إليه أيضًا قوله: «ولعمري ما كنت إلَّا رجلًا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلالة، ولا ليضربهم بالعمى»([13]).

    1. اعتقاد الصحابة ي بفضل عثمان علَى علِي

ظل المسلمون يعتقدون بصحة إمامة عثمان، وأنه أفضل من علي بن أبي طالب حتى في زمان خلافة علي، يقول الشريف المرتضى: «ومعلوم أن جمهور أصحابه وجلهم كانوا ممن يعتقد إمامة مَن تقدم علي عليه السلام، وفيهم من يفضلهم على جميع الأمة»([14]).

القول بأن عليًّا قد بايعَ مكرهًا يلزمه الطعن في علي بن أبي طالب ا من وجوه:

    1. الوجه الأول: التزام التكفير

فعلماء الشيعة برروا عدم بيعة الحسين ليزيد بأن بيعة يزيد كفر، وروى أبو مِخنف في حديث عمار أنّه قال: «بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، لقد خرجتُ من جوارك كرهًا، وفُرّق بيني وبينك، وأُخذت قهرًا أن أُبايع يزيد، شارب الخمور، وراكب الفجور، وإن فعلت كفرت»([15]).

    1. الوجه الثاني: المخالفة الصريحة للدين الشيعي

الإكراه على البيعة مخالفةٌ صريحة للدين عند الشيعة؛ إذ الإكراه لا يمكن أن يصل إلى أن يكفر المعصوم، بأن يبايع على السمع والطاعة لكافر في عقيدة الشيعة، وهذا ما قرره الحسيني القزويني بقوله: «وفي حدود هذا التكليف الإلهي، فإن خروج الإمام من البلاد كـان كافيًا للقيام بالواجب المترتب عليـه نتيجة ذلك، وكذلك أيضًا لو أنه اختار صعود الجبال، والاختفاء عن الأنظار (كما اقترح عليه ابن عباس، بأن يذهب إلى شعاب الجبال)، وإذا ما افترضنا أنه كان قد اختار الاختفاء عن الأنظار في أحد البيـوت، فإنه يكون بذلك قد قام بواجبه أيضًا، لكنه لم يكن معذورًا فيما لو رضـخ للبيعة الإكراهية، فتَقَبُّل الإكراه من وجهة نظر الإسلام لا يشمل مثل هذه الحالات، وقاعدة: رُفع ما استكرهـوا عـليـه، ولا ضرر ولا ضرار.. لا يجوز تطبيقها عندما يكون المتضرر هو الإسلام، كأن يُجبر الإنسان أو يُكـره على كتابة كتاب ضد الإسلام أو معاند لأهل القرآن الكريم»([16]).

فها هو علي لم يغادر المدينة هربًا من البيعة، ولا اختفى في مكان، وقد كان يسعه ذلك على عقيدة الشيعة.

    1. الوجه الثالث: من بايع ولو مكرهًا فقد جُعل للكافر عليه سبيل

إن المكره على البيعة يَجعل للذي أكرهه سبيلًا عليه، وقد قال الله تعالى: [ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ] {النساء:141}.

والدليل على أن من أُكرِه على البيعة فقد جُعل للمُكرِه له سبيلٌ عليه ما رواه ابن ميثم البحراني قال: «ومن كتاب له عليه السلام إلى طلحة والزبير، مع عمران بن الحصين الخزاعي..، فإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي طَائِعَيْنِ فَارْجِعَا وَتُوبَا إِلَى اللهِ مِنْ قَرِيبٍ، وَإِنْ كُنْتُمَا بَايَعْتُمَانِي كَارِهَيْنِ فَقَدْ جَعَلْتُمَا لِي عَلَيْكُمَا السَّبِيلَ بِإِظْهَارِكُمَا الطَّاعَةَ وَإِسْرَارِكُمَا الْمَعْصِيَةَ»([17]).

فهذا نص كلام عليٍّ عندهم يقرر مخالفة صريحة منْهُ لكتاب الله؛ حيث جعل لعثمان أعظم السبل عليه لما بايعه، حتى ولو كان مكرهًا.

    1. الوجه الرابع: الهجرة سبيل المستضعفين

قال الله تعالى: [ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ   ] {النساء:97}.

فهذه الآية تأمر المستضعفين بالهجرة من بلدانهم، ومن لم يهاجر وجعل للكافر عليه سبيلًا فهو في جهنم وساءت مصيرًا، فإما أن يكون عليٌّ بايع راضيًا، وإما أن يكون بايع مكرَهًا مستضعفًا وخالف الأمر بالهجرة، فاستوجب بالثانية العقوبة المذكورة في الآية، ولا مناص للشيعة إلى غيرهما.

قد جاءت روايات في كتب أهل السنة تذكر أن عليًّا إنما بايع مكرهًا، أو أنه تم خداعه، ونحن نذكر أشهرها لنبين ضعفها:

    1. أولاً: رواية الطبري

وفيها: «فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ وَشَاوَرْتُ، فَلَا تَجْعَلَنَّ أَيُّهَا الرَّهْطُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ سَبِيلًا وَدَعَا عَلِيًّا، فَقَالَ: عَلَيْكَ عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَنَّ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَسِيرَةِ الْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَفْعَلَ وَأَعْمَلَ بِمَبْلِغِ عِلْمِي وَطَاقَتِي، وَدَعَا عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِعَلِيٍّ، قَالَ: نَعَمْ، فَبَايَعَهُ، [فَقَالَ عَلِيٌّ: حَبَوْتَهُ حَبْوَ دَهْرٍ، لَيْسَ هَذَا أَوَّلَ يَوْمٍ تَظَاهَرْتُمْ فِيهِ عَلَيْنَا، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ، وَاللهِ مَا وَلَّيْتَ عُثْمَانَ إِلا لِيُرَّدَ الأَمْرَ إِلَيْكَ، وَاللهِ كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ]، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا عَلِيُّ لا تَجْعَلْ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا، فَإِنِّي قَدْ نَظَرْتُ وَشَاوَرْتُ النَّاسَ، فَإِذَا هُمْ لا يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ فَخَرَجَ عَلِيٌّ وَهُوَ يَقُولُ: سَيَبْلُغُ الْكِتَابُ أَجَلَهُ»([18]).

وهذه الرواية لا تصح إسنادًا([19]) ولا متنًا.

ففي الإسناد شهر بن حوشب، طعن فيه شعبة والنسائي وابن حبان([20])، وفيه أبو مخنف لوط بن يحيى، أخباري تالف، لا يوثق به، على فرط تشيعه، ضعفه أبو حاتم والدارقطني وابن عدي والذهبي([21])، وفيه يُوسُف بن يزِيد أَبُو معشر الْبَراء، ضعفه يحيى([22]).

وأما من جهة فساد المتن:

فيقول البرزنجي في تحقيقه على تاريخ الطبري تعقيبًا على هذه الرواية ما نصه: «هذا إسناد مركب جمع فيه الطبري الرواية من هذه الطرق (وهي ثلاثة) فخلط روايةَ البعض بالبعض الآخر، أما طريق شهر بن حوشب فقد أخرجه شيخ الطبري (عمر بن شبة) في كتابه القيّم (أخبار المدينة المنورة 6/ 3) مختصرًا ليس فيه إلا ذكر فضل أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وأنه لو كانا على قيد الحياة لاستخلفهما (أي عمر ا)، وهذا يعني أن النكارة الشديدة من قبل أبي مخنف أو إبراهيم النخعي، ولا نظنه من قبل إبراهيم، فهو وإن كان يرسل كثيرًا كما قال الحافظ فإنه غير متهم بالكذب أو الوضع والافتراء كما هو حال أبي مخنف، وإن كان إبراهيم في إسناده هنا يرسل؛ لأنه ولد بعد الحادثة (أي وفاة عمر والشورى) بحوالي (22) سنة، فهو أرسل هنا أيضًا، ولكننا على يقين من أن التالف الهالك أبا مخنف هو الذي افترى وقال هذه النكارات الشنيعة التي تكذبها الروايات الصحيحة عند البخاري وغيره كما ذكرنا في قسم الصحيح فليراجع (4/ 227/ قصة الشورى)، وسنذكر طرفًا من غرائب وعجائب اختلقها أبو مخنف، والروايات الصحيحة السند تكذبه، والحمد لله على نعمة الإسناد.

1- رواية أبي مخنف تؤكد أن عمرًا أمر صهيبًا أن يراقب مجلس الشورى المتكون من الصحابة المعروفين (عثمان، علي، طلحة، الزبير، سعد) فإن لم يتفقوا فإن عليه (أي على صهيب) أن يضرب رؤوسهم بالسيف.

وحاشا لسيدنا عمر أن يكون سيِّئ الأدب مع من مات رسول الله ق وهو عنهم راضٍ، (وباعتراف أمير المؤمنين عمر نفسه).

والرواية الصحيحة تكذب ذلك، فقد أخرج ابن سعد في طبقاته بسندٍ حسنٍ أن عمر ا أمر صهيبًا أن يضرب رأس من خالف مجلس الشورى بعد اتفاق هذا المجلس، وفيه: «فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالفهم فاضربوا رأسه»([23]).

2- اختلق أبو مخنف كلامًا على لسان سيدنا علي ا، وهو أنه اتهم عبد الرحمن بالتحيّز إلى جانب عثمان بعد أن اتهمه عمه العباس بأنه قد تخلى عن أعوانه وأبنائه من آل بيت النبي ق وضعف أمام عثمان، وحاشا لعلي أن يقول مثل هذا، وحاشا لابن عوف ألَّا يعدل، ولم نجد رواية صحيحة تثبت ما قاله أبو مخنف، علمًا أن عبد الرحمن كان أقرب إلى علي بناحية الرابطة العشائرية وما إلى ذلك من عثمان، فعبد الرحمن زهري وهم أخوال رسول الله ق، فمَن أقربُ لِمَن؟!

3- رواية أبي مخنف التالف الهالك تقول بأن طلحة كان غائبًا عن اجتماع مجلس الشورى، بينما تذكر الروايات الصحيحة خلاف ذلك تمامًا، ولا نريد أن نطيل هنا في ذكر افتراءات أبي مخنف وزياداته الشنيعة وطعنه الخبيث في عدالة الصحابة، فيكفينا ما ذكرنا من الروايات الصحيحة في قسم الصحيح من عهد الخلفاء الراشدين»([24]).

وبمقارنة رواية أبي مخنف مع ما صح من رواية البخاري لقضية الشورى تجد أن أبا مخنف قد أضاف أمورًا مكذوبة نجملها في الآتي:

1- القول المنسوب لعمر أنه أمر بقتل من لم يرض ببيعة غيره من الستة، فهذا من الكذب البيّن؛ إذ إن الذي صح أنه ا قال: «ادْعُوا لِي صُهَيْبًا، فَدُعِيَ، فَقَالَ: صَلِّ بِالنَّاسِ ثَلَاثًا وَلْيَخْلُ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ فِي بَيْتٍ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ فَمَنْ خَالَفَهُمْ فَاضْرِبُوا رَأْسَهُ»([25]).

والإسناد رجاله ثقات، فهنا أمر عمر أن يُضرب عنق من يخالف الستة الذين هم أهل الشورى، وذلك أن النبي ق قال: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ»([26])، فهذا عمل بالسنة حتى آخر رمق في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ا.

2- اتهام علي للعباس بقوله: «عدلت عنا...» إلى أن قال عبد الرحمن: «...كلاكما يحب الإمرة»، كل هذا من الكذب الذي لا يليق أن ينسب إلى أصحاب النبي ق.

٣- قول علي: «وعبد الرحمن صهر عثمان، فلا يختلفون فيوليها أحدهما الآخر» كذب وتدليس متعمد، فعبد الرحمن أقرب إلى علي منه إلى عثمان، يقول ابن تيمية: «فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْسَ أَخًا لِعُثْمَانَ وَلَا ابْنَ عَمِّهِ وَلَا مِنْ قَبِيلَتِهِ أَصْلًا، بَلْ هَذَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَهَذَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنُو زُهْرَةَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ أَكْثَرُ مَيْلًا مِنْهُمْ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِنَّ بَنِي زُهْرَةَ أَخْوَالُ النَّبِيِّ ق، وَمِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ الَّذِي قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ق: «هَذَا خَالِي، فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ» وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا بَيْنَ عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ مُؤَاخَاةٌ وَلَا مُخَالَطَةٌ»([27]).

٤- الزعم بأنه حصلت مشادة بين بني هاشم وبني أمية أثناء البيعة كذب واضح لم يرد في رواية صحيحة؛ حيث بايعه علي، وعبد الرحمن، وسائر المسلمين بيعة رضًا واختيارٍ من غير رغبةٍ أعطاهم إياها، ولا رهبةٍ خوفهم بها.

وأما تقديم عثمان على علي ا فقد: «أجمع عليه المهاجرون والأنصار كما قال غير واحد من الأئمة منهم أيوب السختياني وغيره: من قدَّم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: كنا نفاضل على عهد رسول الله ق: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وفي لفظ: ثم ندع أصحاب النبي ق لا نفاضل بينهم، فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي ق من تفضيل أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقد روي أن ذلك كان يبلغ النبي ق فلا ينكره، وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتًا بالنص، وإلا فيكون ثابتًا بما ظهر بين المهاجرين، والأنصار على عهد النبي ق من غير نكير، وبما ظهر لما توفي عمر، فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة، ولا رهبة، ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم. قال الإمام أحمد: «لم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة عثمان» وهو بيِّنٌ في قصة مبايعته ا»([28]).

٥- في الرواية: «وَجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَجَلَسَا بِالْبَابِ، فَحَصَبَهُمَا سَعْدٌ وَأَقَامَهُمَا، وَقَالَ: تُرِيدَانِ أَنْ تَقُولا: حَضَرْنَا وَكُنَّا فِي أَهْلِ الشُّورَى! فَتَنَافَسَ الْقَومُ فِي الأَمْرِ»، فهذا لا يصدر حتى من رعاع الناس، ولذلك لم يرد ذلك في رواية صحيحة قط.

    1. ثانيًا: رواية اليعقوبي

أورد اليعقوبي الشيعي خبرًا فيه أن عليًّا والمقدادَ وأبا ذر لم يرضَوا ببيعة عثمان، وقال أحدهم: «فدنوت منه فقلت: من أنتَ يرحمك الله، ومن هذا الرجل؟ فقال: أنا المقداد بن عمرو، وهذا الرجل علي بن أبي طالب. قال فقلت: ألا تقوم بهذا الأمر فأعينك عليه؟ فقال: يا بن أخي! إن هذا الأمر لا يجري فيه الرجل ولا الرجلان»([29]).

وهذه الرواية مذكورة بلا إسناد، فلا نتكلف الجواب عما هو ظاهر البطلان.

    1. ثالثًا: رواية كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة

وجاء فيه: «فلما تم ذلك أخذ بيد عثمان، فقال له: عليك عهد الله وميثاقه لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب الله وسنة رسوله وسنة صاحبيك، وشرط عمر ألا تجعل أحدًا من بني أمية على رقاب الناس، فقال عثمان: نعم، ثم أخذ بيد علي، فقال له: أبايعك على شرط عمر ألا تجعل أحدًا من بني هاشم على رقاب الناس، فقال عليٌّ عند ذلك: ما لك ولهذا إذا قطعتها في عنقي؟ فإن علَيَّ الاجتهاد لأمة محمد؛ حيث علمت القوة والأمانة استعنت بها، كان في بني هاشم أو غيرهم، قال عبد الرحمن: لا والله حتى تعطيني هذا الشرط، قال عليٌّ: والله لا أعطيكه أبدًا، فتركه»([30]).

وهذه الرواية فيها انقطاع واضح؛ إذ لا يمكن أن يكون بين ابن قتيبة المتوفَّى سنة ٢٧٦ والحكاية التي كانت سنة ٢٣ هجرية ثلاثة رجال فقط؟ وعليه فالرواية ساقطة الإسناد بالانقطاع.

وكذلك متنها لم يرد في رواية صحيحة ما يؤيده، بل ما ورد في الصحيح يخالفه، فكيف يزعمون أن عمر اشترط ألَّا يجعل أحدًا من بني أمية على رقاب الناس، وعمر نفسه قد ولاهم ومات ومعاوية من ولاته؟ وكفى بهذا مسقطًا للرواية.

وكذلك فإن كتاب الإمامة والسياسة المنسوب لابن قتيبة إنما هو لمؤلف مجهول، قال الدكتور علي نفيع العلياني في «عقيدة الإمام ابن قتيبة» عن كتاب الإمامة والسياسة: «وبعد قراءتي لكتاب الإمامة والسياسة قراءة فاحصة ترجَّحَ عندي أن مؤلف الإمامة والسياسة رافضيٌّ خبيثٌ، أراد إدماج هذا الكتاب في كتب ابن قتيبة نظرًا لكثرتها ونظرًا لكونه معروفًا عند الناس بانتصاره لأهل الحديث، وقد يكون من رافضةِ المغرب، فإن ابن قتيبة له سمعة حسنة في المغرب»([31]).

    1. رابعًا: رواية كتاب البدء والتاريخ للمقدسي

وجاء فيه: «وبسط عثمان يده وبنو هاشم وبنو أمية قيام ينتظرون ما يكون، فضرب عبد الرحمن على يد عثمان وبايعه على الأمر، ثم تتابع الناس على ذلك، وخرج عثمان ووجهه يتهلل وعلي كاسف اللون أربد لم يبايعه، ودخل منزله ورفع عمَّار عقيرته يقول:

يا ناعي الإسلام قم فانعه

\

 قد مات عرف وأتى منكر»([32]).

وهذه الرواية ساقطة؛ إذ هي بلا إسناد كسابقاتها.

وقد جاءت روايات أخرى أن عليًّا خُدع، وكلها ضعيفة لا تصح، ويكفينا ما نقلناه من روايات الصحيحين وغيرهما في بيعة علي لعثمان، وإجماع المهاجرين والأنصار على بيعته. 


([1]) صحيح البخاري (5/ 15).

([2]) البداية والنهاية (10/ 213) ت التركي.

([3]) صحيح البخاري (9/ 78).

([4]) مصنف ابن أبي شيبة (7/ 440) ت الحوت.

وروى البيهقي عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّه قَالَ: «كُنَّا فِي زمَنِ النَّبِيِّ ق لَا نَعْدِلُ بَعْدَ النَّبِيِّ ق أَحَدًا بأَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ق لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ». الاعتقاد للبيهقي (ص366).

([5]) منهاج السنة النبوية (6/ 154).

([6]) البداية والنهاية (10/ 211) ت التركي.

وقال أبو الحسن الأشعري: «وثبتت إمامة عثمان ا بعد عمر ا بعقد من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى، الذين نص عليهم عمر ا، فاختاروه ورضوا بإمامته، وأجمعوا على فضله وعدله». الإبانة عن أصول الديانة (ص257) ت فوقية.

وقد نقل أبو حامد المقدسي كلامًا عزَاهُ للإمام الشافعي أنه قال: «واعلموا أن الإمام الحق بعد عمر ا عثمان ا بجعل أهل الشورى اختيار الإمامة إلى عبد الرحمن بن عوف، واختياره لعثمان ا وإجماع الصحابة ي، وصوبوا رأيه فيما فعله، وأقام الناس على محجة الحق، وبسط العدل إلى أن استُشهد ا». الموسوعة العقدية - الدرر السنية (7/ 388) بترقيم الشاملة آليًّا.

([7]) منهاج السنة النبوية (1/ 532).

([8]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد (6/ 96)، الغارات، إبراهيم الثقفي (1/ 307) ط الحديثة.

([9]) الأمالي، الطوسي (1/ 507) ط دار الثقافة.

([10]) نهج البلاغة، الشريف الرضي (1/ 587) ت الحسون.

([11]) سيرة الأئمة الاثني عشر، هاشم معروف الحسني (1/ 360).

([12]) نهج البلاغة، الشريف الرضي (1/ 136) ت الحسون.

([13]) تمام نهج البلاغة، صادق الموسوي (ص٦٥٥)، «مصباح البلاغة - مستدرك نهج البلاغة» (4/ 27)، نهج السعادة (4/ 93).

([14]) الشافي في الإمامة، الشريف المرتضى (3/ 144).

([15]) تاريخ أبي مخنف (ص٢٤)، الوثائق الرسميَّة لثورة الإمام الحسين، الحسيني القزويني (1/ 45).

([16]) الملحمة الحسينية، مرتضى مطهري (٣/ ١٠٨).

([17]) شرح نهج البلاغة، البحراني (5/ 188).

([18]) تاريخ الطبري (4/ 233)، تاريخ المدينة، ابن شبة (3/ 931).

([19]) قال الطبري: «حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شبة قال: حدثنا علي بن محمد، عن وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قتادةَ، عن شهر بن حوشب وأبي مِخْنَفٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، وَمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَيُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب لَمَّا طُعِنَ قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوِ اسْتَخْلَفْتَ ...». تاريخ الطبري (4/ 233)، تاريخ المدينة، ابن شبة (3/ 931).

([20]) قال فيه ابن الجوزي: «... تَركه شُعْبَةُ وَطعن فِيهِ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، لَا يُحْتَج بحَديثه، وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ يروي عَن الثِّقَات المعضلات». الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي (2/ 43)

([21]) «قال أبو حاتم: متروك. وقال الدارقطني: أخباري ضعيف، وقال ابن عدي: شيعي محترق صاحب أخبارهم، وقال الذَّهبي: ساقط، وقال أيضًا: أخباري تالف لا يوثق به». الجرح والتعديل (7/ 182)، لسان الميزان (4/ 492) ميزان الاعتدال (3/ 419)، سير أعلام النبلاء (7/ 301).

([22]) الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي (3/ 222).

([23]) الطبقات الكبرى (3/ 342).

([24]) صحيح وضعيف تاريخ الطبري (8/ 449).

([25]) الطبقات الكبرى (3/ 260) ط العلمية.

([26]) صحيح مسلم (3/ 1480) ت عبد الباقي.

([27]) منهاج السنة النبوية (6/ 171).

([28]) شرح العقيدة الواسطية (ص186).

([29]) تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب (2/ 163).

([30]) الإمامة والسياسة، ابن قتيبة (1/ 30) ت الزيني.

([31]) محتوى موقع الإسلام سؤال وجواب (9/ 9) بترقيم الشاملة آليًّا.

([32]) البدء والتاريخ (5/ 193).
موقع رامي عيسى ..

عدد مرات القراءة:
5766
إرسال لصديق طباعة
الأثنين 3 جمادى الآخرة 1447هـ الموافق:24 نوفمبر 2025م 03:11:01 بتوقيت مكة
خالد يوسف 
حبوته حبو الدهر ، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا
غير موجودة عند ابن جرير الطبري في تاريخ الطبري بأكمله
الجمعة 13 صفر 1447هـ الموافق:8 أغسطس 2025م 04:08:32 بتوقيت مكة
ابو عيسى 
في صحيح البخاري يدل على البيعة برقم 3700
اوردها مختصرا تقول الرواية..
ﻭﺟﺎءﺕ ﺃﻡ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺣﻔﺼﺔ ﻭاﻟﻨﺴﺎء ﺗﺴﻴﺮ ﻣﻌﻬﺎ، ﻓﻠﻤﺎ ﺭﺃﻳﻨﺎﻫﺎ ﻗﻤﻨﺎ، ﻓﻮﻟﺠﺖ ﻋﻠﻴﻪ، ﻓﺒﻜﺖ ﻋﻨﺪﻩ ﺳﺎﻋﺔ، ﻭاﺳﺘﺄﺫﻥ اﻟﺮﺟﺎﻝ، ﻓﻮﻟﺠﺖ ﺩاﺧﻼ ﻟﻬﻢ، ﻓﺴﻤﻌﻨﺎ ﺑﻜﺎءﻫﺎ ﻣﻦ اﻟﺪاﺧﻞ، ﻓﻘﺎﻟﻮا: ﺃﻭﺹ ﻳﺎ ﺃﻣﻴﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ اﺳﺘﺨﻠﻒ، ﻗﺎﻝ: ﻣﺎ ﺃﺟﺪ ﺃﺣﺪا ﺃﺣﻖ ﺑﻬﺬا اﻷﻣﺮ ﻣﻦ ﻫﺆﻻء اﻟﻨﻔﺮ، ﺃﻭ اﻟﺮﻫﻂ، اﻟﺬﻳﻦ ﺗﻮﻓﻲ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻭﻫﻮ ﻋﻨﻬﻢ ﺭاﺽ، ﻓﺴﻤﻰ ﻋﻠﻴﺎ، ﻭﻋﺜﻤﺎﻥ، ﻭاﻟﺰﺑﻴﺮ، ﻭﻃﻠﺤﺔ، ﻭﺳﻌﺪا، ﻭﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ، ﻭﻗﺎﻝ: ﻳﺸﻬﺪﻛﻢ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮ، ﻭﻟﻴﺲ ﻟﻪ ﻣﻦ اﻷﻣﺮ ﺷﻲء - ﻛﻬﻴﺌﺔ اﻟﺘﻌﺰﻳﺔ ﻟﻪ - ﻓﺈﻥ ﺃﺻﺎﺑﺖ اﻹﻣﺮﺓ ﺳﻌﺪا ﻓﻬﻮ ﺫاﻙ، ﻭﺇﻻ ﻓﻠﻴﺴﺘﻌﻦ ﺑﻪ ﺃﻳﻜﻢ ﻣﺎ ﺃﻣﺮ، ﻓﺈﻧﻲ ﻟﻢ ﺃﻋﺰﻟﻪ ﻋﻦ ﻋﺠﺰ، ﻭﻻ ﺧﻴﺎﻧﺔ، ﻭﻗﺎﻝ: ﺃﻭﺻﻲ اﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﻣﻦ ﺑﻌﺪﻱ، ﺑﺎﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ اﻷﻭﻟﻴﻦ، ﺃﻥ ﻳﻌﺮﻑ ﻟﻬﻢ ﺣﻘﻬﻢ، ﻭﻳﺤﻔﻆ ﻟﻬﻢ ﺣﺮﻣﺘﻬﻢ، ﻭﺃﻭﺻﻴﻪ ﺑﺎﻷﻧﺼﺎﺭ ﺧﻴﺮا،

ﻓﻠﻤﺎ ﻓﺮﻍ ﻣﻦ ﺩﻓﻨﻪ اﺟﺘﻤﻊ ﻫﺆﻻء اﻟﺮﻫﻂ، ﻓﻘﺎﻝ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ: اﺟﻌﻠﻮا ﺃﻣﺮﻛﻢ ﺇﻟﻰ ﺛﻼﺛﺔ ﻣﻨﻜﻢ، ﻓﻘﺎﻝ اﻟﺰﺑﻴﺮ: ﻗﺪ ﺟﻌﻠﺖ ﺃﻣﺮﻱ ﺇﻟﻰ ﻋﻠﻲ، ﻓﻘﺎﻝ ﻃﻠﺤﺔ: ﻗﺪ ﺟﻌﻠﺖ ﺃﻣﺮﻱ ﺇﻟﻰ ﻋﺜﻤﺎﻥ، ﻭﻗﺎﻝ ﺳﻌﺪ: ﻗﺪ ﺟﻌﻠﺖ ﺃﻣﺮﻱ ﺇﻟﻰ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﺑﻦ ﻋﻮﻑ، ﻓﻘﺎﻝ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ: ﺃﻳﻜﻤﺎ ﺗﺒﺮﺃ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻷﻣﺮ، ﻓﻨﺠﻌﻠﻪ ﺇﻟﻴﻪ ﻭاﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭاﻹﺳﻼﻡ، ﻟﻴﻨﻈﺮﻥ ﺃﻓﻀﻠﻬﻢ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ؟ ﻓﺄﺳﻜﺖ اﻟﺸﻴﺨﺎﻥ، ﻓﻘﺎﻝ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ: ﺃﻓﺘﺠﻌﻠﻮﻧﻪ ﺇﻟﻲ ﻭاﻟﻠﻪ ﻋﻠﻲ ﺃﻥ ﻻ ﺁﻝ ﻋﻦ ﺃﻓﻀﻠﻜﻢ ﻗﺎﻻ: ﻧﻌﻢ، ﻓﺄﺧﺬ ﺑﻴﺪ ﺃﺣﺪﻫﻤﺎ ﻓﻘﺎﻝ: ﻟﻚ ﻗﺮاﺑﺔ ﻣﻦ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻭاﻟﻘﺪﻡ ﻓﻲ -
[ 18]
- اﻹﺳﻼﻡ ﻣﺎ ﻗﺪ ﻋﻠﻤﺖ، ﻓﺎﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻚ ﻟﺌﻦ ﺃﻣﺮﺗﻚ ﻟﺘﻌﺪﻟﻦ، ﻭﻟﺌﻦ ﺃﻣﺮﺕ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻟﺘﺴﻤﻌﻦ، ﻭﻟﺘﻄﻴﻌﻦ، ﺛﻢ ﺧﻼ ﺑﺎﻵﺧﺮ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻣﺜﻞ ﺫﻟﻚ، ﻓﻠﻤﺎ ﺃﺧﺬ اﻟﻤﻴﺜﺎﻕ ﻗﺎﻝ: اﺭﻓﻊ ﻳﺪﻙ ﻳﺎ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻓﺒﺎﻳﻌﻪ، ﻓﺒﺎﻳﻊ ﻟﻪ ﻋﻠﻲ، ﻭﻭﻟﺞ ﺃﻫﻞ اﻟﺪاﺭ ﻓﺒﺎﻳﻌﻮﻩ
 
اسمك :  
نص التعليق :