آخر تحديث للموقع :

الخميس 4 رجب 1444هـ الموافق:26 يناير 2023م 10:01:54 بتوقيت مكة

جديد الموقع

ضياع القرآن بقتل أصحابه في حروب الردة ..

ضياع القران بقتل أصحابه في حروب الردة

     الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف المرسلين, محمد سيد الأولين والآخرين, وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد:
فقد استدل بعض الطاعنين في القرآن الكريم ببعض الآثار التي تفيد ضياع شيء من القرآن بسبب مقتل أصحابه في حروب الردة وقالواكان عند القراء الذين قتلوا في حروب الردة قرآن لم يكن عند غيرهم, ولم يعلمه أحد بعدهم, فهذا يعني ذهاب شيء من القرآن.

والجواب عن هذا الإشكال سيكون في محورين:

المحور الأول:
ذكر الروايات التي استدلوا بها على هذا الزعم, ودراستها دراسة حديثية, على قواعد أهل هذا الفن, وتبيين درجة صحتها, ثم توجيه الثابت منها التوجيه المناسب, الذي يتفق وحفظ الله لكتابه العظيم.

المحور الثاني:
إثبات أن الشرع والعقل يرفضان هذا القول,  بأدلة من واقع تلك الحقبة التي جرت فيها هذه الأحداث, وكذلك بأدلة عقلية جلية.

أولاً: الجواب رواية 
قال الألوسي (والحق أن كل خبر ظاهره ضياع شيء من القرآن إما موضوع, أو مؤول) (1)

- استدل المثيرون لهذا الطعن بأربع روايات, وهي:
1- أثر عمر ابن الخطاب رضي الله عنه.
2- بلاغ ابن شهاب الزهري رحمه الله.
3- بلاغ سفيان الثوري رحمه الله.
4- أثر مجاهد بن جبر رحمه الله.
وهذه دراسة حديثية  لهذه الآثار, تبين درجتها .....

1 - ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
عن الحسن البصريأن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل: كانت مع فلان، قتل يوم اليمامة, فقال: إنا لله, فأمر بالقرآن فجمع, وكان أول من جمع القرآن
رواه ابن أبي داود (المصاحف – 1/170)
قال حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد قال حدثنا يزيد قال أخبرنا مبارك عن الحسن به.
قلت: وهذا أثر ضعيف فيه علتان:
الأولى: الانقطاع, فالحسن لم يدرك عمر.
قال الحافظ ابن كثير: ( هذا منقطع، فإن الحسن لم يدرك عمر) (2)
قال العلائي:(الحسن بن أبي الحسن البصري .... فروايته عن أبي بكر, وعمر, وعثمان رضي الله عنهم مرسلة بلا شك)(3)
الثانية: مبارك الراوي عن الحسن, هو ابن فضالة مدلس وقد عنعن.
قال الذهبي: (ضعفه أحمد, والنسائي, وقال أبو زرعة يدلس, وقال أبو داود, وأبو حاتم إذا قال حدثنا فهو ثقة)(4)
 
2 - ما روي عن ابن شهاب الزهري
عن ابن شهاب الزهري قال: بلغنا أنه كان قرآن كثير، فقتل علماؤه يوم اليمامة، الذين كانوا قد وعوه، ولم يعلم بعدهم ولم يكتب, فلما جمع أبو بكر وعمر وعثمان القرآن ولم يوجد مع أحد بعدهم, وذلك فيما بلغنا حملهم على أن يتبعوا القرآن, فجمعوه في الصحف في خلافة أبي بكر خشية أن يقتل رجال من المسلمين في المواطن معهم كثير من القرآن، فيذهبوا بما معهم من القرآن، ولا يوجد عند أحد بعدهم، فوفق الله عثمان, فنسخ تلك الصحف في المصاحف، فبعث بها إلى الأمصار، وبثها في المسلمين.
رواه ابن أبي داود (المصاحف – 1/208) قال حدثنا أبو الربيع قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب به.
قلتوهذا أثر ضعيف لأنه بلاغ مرسل, فالزهري لم يشهد زمان اليمامة, بل لم يكن ولد يومئذ, فحرب المرتدين كانت سنة (12هـ), والزهري ولد  سنة (50هـ), أو بعدها(5), فبين الحدث وولادته نحو أربعين سنة أو أكثر, ولم يذكر هذا الخبر عن أحد.
) قال احمد بن سنان: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئا, ويقول: هو بمنزلة الريح, ويقول: هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه)(6)
 
3 - ما روي عن سفيان الثوري 
قال سفيان الثوري وبلغنا أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كانوا يقرؤون القرآن أصيبوا يوم مسيلمة فذهبت حروف من القرآن.
رواه عبدالرزاق (المصنف – 7/329), قال: قال الثوري فذكره.
قلتوهذا أثر ضعيف لأنه بلاغ مرسل, فالثوري لم يشهد زمان اليمامة, بل لم يكن ولد يومئذ, فحرب المرتدين كانت سنة (12هـ), والثوري ولد سنة (95هـ)(7), فبين الحدث وولادته أكثر من ثمانين سنة, ولم يذكر هذا الخبر عن أحد.
قال أبو زرعة لما سئل عن مرسلات الثوري وشعبة: (الثَّوْرِيُّ تَسَاهَلَ فِي الرِّجَالِ، وَشُعْبَةُ لاَ يُدَلِّسُ وَلاَ يُرْسِلُ)(8(
 
4-  ما روي عن مجاهد بن جبر 
عن مجاهد قالكانت الأحزاب مثل سورة البقرة أو أطول, ولقد ذهب يوم مسيلمة قرآن كثير, ولم يذهب منه حلال ولا حرام
أورده ابن عبدالبر (التمهيد – 4/275) معلقا, قال: وروى أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا سيف عن مجاهد به.
قلت: وهذا أثر – معلق- ضعيف حتى يعلم وصله من وجه ثابت(9), فبين ابن عبدالبر وأبي نعيم مفاوز تنقطع دونها أعناق الإبل, ولم يذكر كيف تحمله, ولم أجده موصولا بعد البحث.
وأيضا هو مرسل, فمجاهد لم يشهد زمان اليمامة, بل لم يكن ولد يومئذ, فحرب المرتدين كانت سنة (12هـ), ومجاهد ولد سنة (21هـ)(10), فبين الحدث وولادته تسع سنين, ولم يذكر هذا الخبر عن أحد.

ثانيا: الجواب دراية
والجواب على هذه الشبة دراية في وجوه:

الأول: في الروايات الصحيحة لجمع القرآن على عهد أبي بكر, أنه أمر زيد بن ثابت رضي الله عنه بذلك, وجرى بينهما مراجعات حتى اقتنع زيد, فلو كان شيء من القرآن ذهب حقيقة, لكان ذكر ذلك أقوى في حجة أبي بكر لإقناع زيد, وإنما دفع أبا بكر ذلك الخوف على مستقبل القرآن من عوارض الزمن كما يستفاد بوضوح من الرواية(11).

الثاني: أكثر الصحابة الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عنهم, أو عرفوا بحفظه في عهده, كأبي بن كعب, ومعاذ بن جبل, وزيد بن ثابت, وعبدالله بن مسعود, وأبي الدرداء, وعبدالله بن عمرو بن العاص, كانوا أحياء عند الجمع الأول للقرآن, بل أكثرهم بقي إلى الجمع الثاني في عهد عثمان.

فقد كان جميع القرآن عند هؤلاء, فلم يكن لمقتل من قتل في حرب الردة من أثر على شيء من القرآن(12)

الثالث: قال الباقلاني: ( أنه كان لا بد في وضع العادة ومستقَرها من أن يتحدث, الباقون من الأمّة بأنّه قد ذهب قرآن كثير وسور وآيات من سورٍ بقيت منتثرةً بذهاب حفاظها، لأنه لا بدّ أن يكون علمُ ذلك مشهوراً مستقراً عندنا في الأمّة ، وإن كانوا لا يحفظون ذهاب الذاهب على ترتيبه ونظامه وتعيُّنه كما يعلمُ أهلُ بلدٍ وإقليم من أقاليم المسلمين وقريةٍ من قراهم اليوم أنّ من حفظ من الكهف إلى الناس فإنّه لم يحفظ جميع القرآن، وأن من حفظ عشرين آيةً من سورة البقرة فلم يحفظ سائرها، وإن ما لم يحفَظْه زيد من السور هي السورة التي تُسمَّى كذا وسورةَ كذا، وإن لم يحفظوا هم أيضاً ذلك القدْرَ، لأنَّ القرآن كان أشهر عندهم وأظهر من أن يُخفى أمرُه، لأنهم كانوا يَتَلَقون ذلك من رسول اللّه صلَّى الله عليه، سُورُهُ مرتبة منظومة على سبيل ما يتلقنه الناسُ اليوم، وكان من لا يحفظ السورة منه يعلمُ أن في القرآن سورةً تُدعى بكذا وإن كان لا يحفظها، هذه هي العادةُ في علم الناس بالقرآن ومعرفتهم بجملته حُفاظاً كانوا له أو غير حُفاظ.

وإذا كان ذلك كذلك وجب أنه لو سقط من القرآن سورٌ وآياتٌ لهلاك من كان يحفظُ ذلك أن يَعلَم الباقونَ من الأمةِ أنّه قد ذَهَبَ كثيرٌ من القرآن، وأن يتحدثوا بينهم حديثاً لا يمكنُ معه الجهلُ بما ضاع من القرآن لذهاب حَفَظَته.

ولو كان منهم قولٌ في ذلك وتُحُدّثَ به لوجب أن يُنقل ذلك عنهم، ويتسع ذكرُه فيهم ، وفي علمنا بأنَ ذلك لم يكن, دليلٌ على بطلان هذه الدعوى)(13)

الرابع: قال الباقلاني (أنه لا يجوز في مستقر العادة أن يتفقَ القتلُ والموتُ والهلاكُ بأي وجهٍ كان بجميع من كان يحفظُ الذاهب من القرآن وبقاءُ الحافظين لغيره، كما أنه لا يجوز أن يتَفق هلاك جميع من يحفظُ سورةَ الكهف وبقاءُ جميع من يحفظُ مريمَ, وعَطَبُ كل حافظٍ لشعر جريرٍ وبقاءُ كل حافظ لشعر الفرزدق، وهلاكُ جميع المرجئة وبقاءُ سائر المعتزلة, وعَطَبُ جميع من يحفظُ مسائل وبقاءُ جميع الحفَّاظِ للوصايا، كلُّ هذا باطلٌ ممتنعٌ في مستقر العادة، وذلك لا يجوز فيها هلاكُ جميع من حفظ شيئا من كتاب الله، وبقاءُ الحافظين لغيره منهم)(14(

الخامس: وعلى فرض كون هذه الروايات ثابتة, (يكون القرآن الذي لم يعلم ولم يكتب مما نسخت تلاوته, فإن بعض الصحابة بقي يحفظ الشيء من المنسوخ حتى بعد جمع القرآن, مما يدل على إمكان حمل بعض من قتل في حرب الردة لشيء من ذلك).(15(

 كتبه/ الشيخ خالد الخالدي.
------------------------------------------
(1) روح المعاني (11/140(
(2)
تفسير ابن كثير (1/26)
(3) جامع التحصيل (1/162)
(4) المغني في الضعفاء (2/540)
(5) انظر الأقوال في تهذيب التهذيب (9/398)
(6) تهذيب التهذيب (9/398)
(7) انظر  الثقات لابن حبان (6/401)
(8) سير أعلام النبلاء (25/75)
(9) وذلك للجهل بدرجة الساقط من الإسناد
(10) انظر  الثقات لابن حبان (5/419)
(11) المقدمات الأساسيات (160)
(12) المصدر السابق.
(13)
الانتصار للقرآن (1/127)
(14) المصدر السابق.
(15)
المقدمات الأساسيات (161) 

عدد مرات القراءة:
851
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :