آخر تحديث للموقع :

الخميس 11 رجب 1444هـ الموافق:2 فبراير 2023م 08:02:12 بتوقيت مكة

جديد الموقع

زيد العبلان ..
الكاتب : زيد بن أحمد بن زيد العبلان ..

جُهُـودُ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ فِي تَقْرِيرِ عَقِيدَةِ السَّلَفِ وَالدِّفَاعِ عَنْهَا
زيد بن أحمد بن زيد العبلان

 
إشراف الدكتور: عبد العزيز بن إبراهيم العسكر - الأستاذ المشارك في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة
 1424هـ/ 2004م
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 
قال الله تعالى:([1]))يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(.
وقال الله تعالى:([2]))وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم(.
وقال الله عزَّ من قائل:([3])) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لـه لَحَافِظُونَ(.
 
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا،من يهده الله فلا مضلَّ لَه، ومن يضلل فلا هادي لَه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً..                                                                أما بعد:
فلقد اختار الله للبشرية دين الإسلام ورضيه لهم ولم يقبل منهم غيره فقال سبحانه وتعالى:([4]))وَمَن يَّبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُّقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين(. وقال r:([5])(والذي نفس محمدٍ بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار).رواه مسلم عن أبي هريرةt.
وقد تكفل الله بحفظ هذا الدين وذلك بحفظ ما أنزله في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم فقال تعالى:([6]))إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لـه لَحَافِظُون( ومن حفظه أن جعل هذه الأمة قائمةً على أمره تعالى حتى يأتي أمر الله تعالى.
وقف معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما يوماً خطيباً فقال: سمعت النبي r يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسمٌ والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) ([7]) رواه البخاري.
فهذه بشارةٌ من رسول الله rلجميع الأمة وإن كانت الأمة بعامَّتها لا تخلو من الخطأ والزلل والانحراف، وهذه سنة الله في خلقه قال تعالى:([8]))وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ & إِلا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ(.وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله r  : (افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقةً كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقةً، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة)رواه أبو داوود ([9]) ورواه الترمذي وقال:( في الباب عن سعد و عبدالله بن عمر وعوف بن مالك وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح)[10] ورواه ابن ماجه كما رواه عن أنس بن مالك وعن عوف بن مالك بلفظ(والذي نفسي بيده لتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار قيل يارسول الله من هم قال الجماعة)[11]وقد أخرج حديث افتراق الأمة كثير من الأئمة وبأسانيد متعدده عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم يقوي بعضها بعضا حتى قال الحاكم عن هذا الحديث:(هذا الحديث كثر في الأصول)وقال عن  حديث أبي هريره السابق (هذا حديث صحيح على شرط مسلم).[12]
وقال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية[13] المتوفى سنة 728هـ رحمه الله
(وهذا الإفتراق مشهور عن النبي r من حديث أبي هريرة وسعد ومعاوية وعمرو بن عوف وغيرهم)[14]
وقد جزم أكثر علماء الحديث بصحته وردوا على من ضعفه واجابوا على الإشكالات التي قد تثار حوله[15].
وإننا عندما نتتبع الآثار والنصوص نجد أن الظهور الموعودة به الأمة يتحقق على أيدي طائفةٍ من هذه الفرقة ففي حديث المغيرة بن شعبة t أن رسول الله r قال: (لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون). رواه البخاري([16]).وفي حديث جابر بن عبدالله عنه سمعت النبيr  يقول"لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة"[17].وقال شيخ الإسلام ابن تيميةرحمه الله" قد تواتر عنه أنه لاتزال طائفة أمته ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة"[18] ,بل إننا نجد بعض الأحاديث المروية عن النبي r تعطي مع البشارة بعض الصفات لتلك الفئة التي يحفظ الله على يديها هذا الدين فعن إبراهيم العذُري[19] t قال: قال رسول الله r: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الجاهلين وانتحال المبطلين وتأويل الغالين)([20]). رواه الخطيب البغدادي عن أبي بكر الخلال ونقل عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لما سئل عن هذا الحديث كأنه كلام موضوع فقال:لا ,هو صحيح[21].ورواه الإمام البيهقي [22]في السنن الكبرى والإمام أبوالفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات عن جابر بن سمرة رضي الله عنه عن النبي r  واحتج به. [23]
وقد استفتح الإمام احمد بن حنبل رحمه الله إحدى رسائله بقوله :(الحمد لله الذي جعل في كل زمان بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى وينهون عن الردى , ويحيون بكتاب الله الموتى, وبسنة رسول الله r أهل الجهالة والردى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه, وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن آثارهم على الناس ينفون عن دين الله تحريف الغالين, وانتحال المبطلين ,وتأويل الضالين الذين عقدوا ألوية البدع, وأطلقوا عنان الفتنة مخالفين الكتاب يقولون على الله وفي الله- تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا في كتابه بغير علم)[24].
وروى أبوداود والحاكم عن أبي هريرة t عن رسول الله r قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) ([25]). قال في عون المعبود: "أي يبين السنة من البدعة ويكثر العلم وينصر أهله ويكسر أهل البدعة ويذلهم..." ([26]) وقال "والمراد بالتجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات"[27].ونقل الذهبي عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله (إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن وينفي عن رسول الله الكذب فنظرنا فإذا رأس المائة عمربن عبدالعزيز وفي رأس المائتين الشافعي[28].
وهذا مما يعطي مجالاً واسعاً وفسيحاً لطلبة العلم الشرعي وأصحاب البحوث لتتبع تاريخ الأمة ودراسة تلك القيادات والاستفادة من علمها وإبراز جهودها لِيُقتدى بها وتنحو الأمة نحوها. يقول حمدون القصار رحمه الله[29]: "من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درجات الرجال". وقال الإمام الشاطبي4 رحمه الله تعليقاً على هذه العبارة: "وهذه- والله أعلم- إشارة إلى المثابرة على الاقتداء بهم فإنهم أهل السنة".([30])
وقال آخر: "عليكم بآثار من سلف فإنهم جاءوا بما يكفي وما يشفي"([31]).
فاهتمام الجامعات الإسلامية بعلماء أهل السنة وإخراج تراثهم وإبراز جهودهم أمرٌ مهمٌّ في هذا العصر الذي ركَّز فيه دعاة الباطل والبدع على إبراز أهل الزيغ والانحراف ممن زاغ عن الإسلام أو شذَّ عن منهج السلف الصالح عبر التاريخ لكي يغترَّ بهم من ضعف إيمانه وقلَّت بضاعته من العلم الشرعي أو قلَّ اطلاعه على عقيدة السلف. يقول ابن تيمية رحمه الله: "إن شعار أهل البدع هو ترك انتحال إتباع السلف"([32]).
ولقد كان اختيار قسم العقيدة في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لموضوع جهود العلماء عبر القرون في تقرير عقيدة السلف والدفاع عنها مجالاً لبحوث الدارسين فيه اختياراً موفقاً بإذن الله، وقد عقدت العزم بعون الله وتوفيقه على الإسهام فيه ببحثي لرسالة الدكتوراه لكي أستفيد منه في الاقتداء بعلماء الأمة ودعاتها وإبراز جهود عددٍ من العلماء الذين قد لا يكون لكثير منهم ما لغيرهم من الشهرة والمؤلفات لانشغالهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والدعوة وغير ذلك من الأسباب.
ولما قلبت النظر في القرون الأُول وقع اختياري على القرن الرابع الهجري من عام 301هـ إلى نهاية عام 400هـ وذلك لعدة أسباب منها:
1) أن النبي r بيَّنَ أن خير القرون قرنه ثم عدَّ قرنين بعده فقال: (خير أمتي القرن الذين بُعثتُ فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ([33]). رواه أبو داود. فإذا جمعنا بين هذا الحديث والحديث السابق وهو قولـه r: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) ([34]). وما اشتهر عند أكثر العلماء بأن القرن مائة سنة؛ تكون المائة الرابعة بداية القرون المفضولة أو آخر القرون الفاضلة التي يقل فيها المتمسكون بالسنة والداعون إليها، فالاهتمام بجهود علماء هذا القرن وإبرازها لـه فوائده التي لا تخفى.
2) أن المتتبع لواقع الأمة الإسلامية يجد أن علم الكلام والمنطق دخل إلى الأمة في أواخر القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري حيث ازدهرت ترجمة الكتب اليونانية إلى العربية لكن الفلسفة والمنطق وعلم الكلام لم تنضج ولم تؤتِ ثمارها الخبيثة إلا في القرن الرابع الهجري؛ ومما يدل على ذلك ما نقله صاحب كتاب (الحجة على تارك المحجة) عن أبي محمد عبد الله بن أبي زيد الفقيه المالكي بالقيروان أن أول الحوادث التي أحدثوها في زمن الدولة العباسية إخراج كتب اليونان إلى أرض الإسلام فترجمت إلى العربية وشاعت في أيدي المسلمين. ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: "ما أظن أن الله يغفل عن المأمون ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية، فأخذ أهل الأهواء ومخالفو السنة مقدمات عقلية من الفلاسفة وأدخلوها في مباحثهم وفرجوا بها مضايق جدالهم"([35]).
بل إننا نجد أن بعض البدع العقدية لم تنتشر إلا في هذا القرن؛ يقول ابن تيمية رحمه الله عن جزء من هذا القرن: "وفي دولة بني بويه ونحوهم فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة ففيهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة، ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم؛ فحصل لأهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يُعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق"([36]).
ويقول صاحب شذرات الذهب: "في يوم عاشوراء ألزم معز الدولة أهل بغداد بالنوح والمآتم على الحسين t وأمر بغلق الأسواق، وعلقت المسوح عليها، ومنع الطباخين من عمل الأطعمة، وخرجت نساء الرافضة منشورات الشعور و مضمخات الوجوه يلطمن ويفتنَّ الناس، وهذا أول ما نيح عليه.. اللهم ثبت علينا عقولنا"([37]).
وفي كتاب العبر: "في رمضان 360هـ قدم المعز أبو تميم العبيدي مصر ومعه توابيت آبائه ونزل القصر بداخل القاهرة المعزية التي بناها مولاه جوهر، وقويت شوكة الرفض شرقاً وغرباً وخفيت السنن وظهرت البدع.. نسأل الله العافية"([38]).
ولعل ما كتبه المقدمون لكتاب (الحجة في علل القراءات السبع) لأبي علي الفارسي ما يعطي وصفاً عاماً لحال الأمة في ذلك القرن منها قولهم:([39])"عاش أبو علي حياته الواعية في القرن الرابع الهجري؛ فرأى خلافة بني العباس كيف هان شأنها وزالت هيبتها حتى لم يبق لها من الأمر شيء وغلبها عليه قادة الجيوش من الترك و الديلم فهم الذين كانوا يصرفون شؤون الدولة وهم الذين كانوا يختارون لها الخليفة حتى إذا تغيروا عليه أو نقموا منه خلعوه وأقاموا خليفة آخر مقامه، وقد يقتلونه مع ذلك أو يمثلون به... وتحركت المطامع والأهواء في حكام الأطراف؛ فتقسمت الدولة وأصبحت دويلات، ونشط دعاة المذاهب والنحل فإذا فتنٌ في الداخل وحروب على التخوم... ولم تكن الحياة الاجتماعية خيراً من الحياة السياسية فقد ضعف الوازع وتغيرت مقاييس الأخلاق وقيم المثل العليا فغلب على الناس اهتبال اللذائذ واغتنام الفرص من كل سبيل، وشاع الملق والنفاق والدهان استكفافاً للعادية أو استجلاباً للمنفعة، و استُجيز التربص والكيد بل الخيانة والغدر في سبيل الغلبة وإدراك البغية".
لكن رغم كل تلك الفتن والمحن والخطوب لم تخلُ الأمة من دعاة الخير وعلماء السنة الذين ما برحوا يحذرون من البدع والضلال ويدعون الأمة إلى عقيدة سلفها والالتزام بكتاب ربها وسنة نبيها r.
3) أثناء بحثي ودراستي في مرحلة الماجستير حول الدراسات الاستشراقية في ضوء العقيدة الإسلامية لحظتُ اهتمام المستشرقين وتلامذتهم بهذا القرن وتصويره بأنه القرن الأمثل في تاريخ الإسلام وتركيزهم على أعلام الزيغ والإلحاد فيه وإخراج مؤلفاتهم وإبرازهم على أنهم المثل الأعلى للمسلمين؛ فهذا (آدم ميتز)[40] يؤلف كتاباً عن الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ويبرز فيه نقاط الانحراف العقدي والانحلال الخلقي على أنها نقاط مشرقة في التاريخ الإسلامي، ويعتبر الحلاج وحمدان قرمط الملحيدين وأمثالهما من العلماء الفطاحل الذين ندر في التاريخ أمثالهم.
وهذا المستشرق (ماسنيون)[41] يقوم بجمع كتب الحلاج التي سبق أن أحرقت ومزقت مثل كتاب (الطواسين) ويحقق كتاب (أخبار الحلاج) ويسميه بالشهيد.
وهذا المستشرق الروسي (فلاكرا تشيكوفسكي)[42] يقضي من عمره ثلاثين سنة في جمع وتحقيق وطباعة اللزوميات للمعري ورسائله.
لكل تلك الأسباب وغيرها عقدتُ العزم بعد الاستعانة بالله على أن يكون موضوع أطروحتي للدكتوراه (جهود علماء القرن الرابع في تقرير عقيدة السلف والدفاع عنها).
هذا، وقد وضعتُ لنفسي خطتاً أسير عليها في هذه الدراسة ملتزماً فيه بالقواعد المتفق والمتعارَف عليها بين الباحثين والأساتذة في الدراسات الجامعية، ويتكون هذا المنهج من مقدمة وتمهيد، ثم بابين هما صلب البحث، ثم خاتمة وفهارس فنية:
المقدمة: وبينتُ فيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياري له، والمنهج الذي سلكته في الدراسة.
التمهيد:
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالسلف.
المبحث الثاني: التعريف بالقرن.
المبحث الثالث: أثر الأوضاع العلمية والسياسية والاجتماعية على الحياة العقدية في هذا القرن.
المبحث الرابع: الدراسات العقدية السابقة عن القرن الرابع.
الباب الأول:منهج علماء السلف في القرن الرابع في تقرير العقيدة والدفاع عنها.
ويشمل ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أبرز العقائد والفرق في القرن الرابع الهجري.
الفصل الثاني: منهج علماء السلف في القرن الرابع في تقرير العقيدة.
الفصل الثالث: جهود علماء السلف في الدفاع عن العقيدة ومقاومة الانحراف فيها.
الباب الثاني- نماذج من علماء السلف في القرن الرابع الهجري
ويشمل فصلين:
الفصل الأول:نماذج من العلماء المشهورين في باب العقيدة الذين نشرت كتبهم وحققت مؤلفاتهم وحررت مواقفهم. وهؤلاء العلماء النماذج هم:
1- الحافظ النسائي
2- أبو بكر الخلال
3- ابن جرير الطبر
4- أبو بكر بن خزيمة
5- أبو بكر بن أبي داود السجستاني
6- أبو جعفر الطحاوي
7- أبو محمد بن أبي حاتم
8- أبو محمد البربهاري
9- أبو بكر الآجري
10- أبو الحسن الدار قطني
11- أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني
12- أبو عبد الله بن بطة
13- أبو عبد الله بن مندة
الفصل الثاني: نماذج من العلماء غير المشهورين الذين لم يذع صيتهم في باب العقيدة ولم تحرر مواقفهم فيها. وهم:
1- أبو بكر الفريابي
2- أبو العباس بن سريج
3- أبو القاسم الطبراني
4- أبو إسحاق بن شاقلا
5- أبو بكر الإسماعيلي
6- أبو سليمان الخطابي
7- أبو عبد الله بن أبي زمنين
وسيتم بإذن الله الكتابة عن كل عالم في الفصلين على حدة وذلك في مبحثين:
المبحث الأول: في ترجمته ، ويشتمل على ثمانية مطالب:
المطلب الأول : اسمه ، ونسبه ، وكنيته ، ونسبته .
المطلب الثانـي : مولده ونشأته زماناً ومكاناً .
المطلب الثالث : مشايـخه .
المطلب الرابع : تلامذته .
المطلب الخامس : مذهبه الفقهيّ .
المطلب السادس : مكانته العلمية وثناء العلماء عليه .
المطلب السابع : مؤلّفاته وآثاره العلمية .
المطلب الثامن : وفاته زماناً ومكاناً .
المبحث الثاني: في عقيدته، ويشتمل على عدة مطالب كل عالم بحسبه وما يتطلبه حاله.
مع الأخذ بعين الاعتبار الاهتمام بالعلماء المغمورين وإبراز جهودهم أكثر من العلماء المشهورين الذين حُققت مؤلفاتهم ونشرت مواقفهم. وهناك بعض العلماء الذين ساروا على منهج السلف ودافعوا عن العقيدة السلفية ولكن وقع منهم بعض الاجتهاد في العقيدة فأخطأوا، ذكرتهم مع الإشارة إلى موضع الخطأ عندهم أخذاً بكلام الإمام الذهبي رحمه الله عندما تكلم عن ابن خزيمة رحمه الله فقال: "ولابن خزيمة عظمةٌ في النفوس وجلالةٌ في القلوب لعلمه ودينه واتباعه السنة. وكتابه في التوحيد مجلدٌ كبير، وقد تأول فيه حديث الصورة، فليعذر من تأول بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفُّوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله. ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخِّيه لاتباع الحق أهدرناه وبدَّعناه لَقَلَّ من يسلم من الأئمة معنا.. رحم الله الجميع بمنِّه وكرمه"([43]).
الخاتمة : وتحتوي على أهم نتائج البحث وتوصياته.
الفهارس : وتشتمل على:
1- فهرس الآيات القرآنية.
2- فهرس الأحاديث الشريفة.
3- فهرس الأعلام.
4- فهرس المصادر والمراجع.
5- فهرس الموضوعات.
ولأن الفضل يُنسب لأهله فإنه لا يسعني قبل نهاية هذه المقدمة إلا أن أسطر أجمل عبارات الشكر والتقدير والعرفان لشيخي الفاضل الأستاذ الدكتور/ عبد العزيز بن إبراهيم العسكر
لما لقيته منه من توجيهٍ حسن، ومتابعةٍ جادة، ونصيحةٍ مخلصة، كما وجدتُ منه الصدر الرحب والعلم الغزير، ولم يضنَّ عليَّ بوقتٍ، ولم يؤخر لي عملاً فعسى الله العلي القدير أن يأجره عني أحسن الجزاء وأن يجعل ذلك في موازين حسناته.
وأتقدم بوافر الشكر والعرفان لجميع المشايخ الأجلاء والعلماء الكرام الذين كان لهم فضلٌ في توجيهي ونصحي وإرشادي وتذليل الصعاب أمامي بدءاً من عميدي الكلية ووكلائها وإلى رؤساء القسم ووكلائه وأمنائه وأعضاء مجلسه مدة تسجيلي البحث والإخوة العاملين في المكتبة المركزية بجامعة الإمام وجامعة الملك سعود وفي المكتبة السعودية بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء الذين قدموا لي الخدمات والتسهيلات التي ساعدتني على إتمام البحث بعد توفيق الله تعالى وأشكر جميع الأساتذة الأفاضل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.

Rounded Rectangle: M
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بسلف أهل السنه.
المبحث الثاني: التعريف بالقرن.
المبحث الثالث: أثر الأوضاع العلمية والسياسية والاجتماعية على الحياة العقدية في هذا القرن.
المبحث الرابع: الدراسات العقدية السابقة عن القرن الرابع.

 
 المبحث الأول: التعريف بسلف أهل السنه:
يطلق السلف لغةً ويُراد به أحد ثلاثة معانٍ:([44])
الأول: التسوية، ومنه (سَلَفَ الأرض) بفتح السين واللام أي سواها ومهَّدها.
الثاني: المُضي والتقدم، ومنه السلف المتقدمون، وجمعه أَسْلاف وسُلاف.
الثالث: بمعنى السَّلَم، وهو نوعٌ من أنواع البيع يُعجل فيه الثمن وتؤخر السلعة إلى أجل معلوم بعد ضبطها ووصفها. ويلاحظ فيه معنى التقدم لأن دفع الثمن متقدمٌ على تسليم السلعة.
أما في اصطلاح علماء العقيدة كمايقول الأمام السفاريني(2) رحمه الله فيُطلق السلف ويُراد به بالتحديد الصحابة y والتابعون لهم بإحسان وتابعوهم وأئمة الإسلام العدول ممن اتفقت الأمة على إمامتهم وعظم شأنهم في الدين، وتلقى المسلمون كلامهم خلفاً عن سلف بالقبول دون من رمي ببدعةٍ أو لقبٍ غير مرضي كالخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة و الجهميه والمعتزلة و الكراميه ونحوهؤلاء.(3)
ومنه يظهر أن السلف يطلق بالأصالة على القرون الثلاثة المفضلة وهم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين، ويأتي بعد ذلك من سلك مسلكهم واقتفى أثرهم في الدين أصولاً وفروعاً ومنهجاً. ويدل على ذلك مدح الله لهم على عدالتهم واستقامة دينهم وصحة عقيدتهم ونقاء سيرتهم كما قال تعالى:([45]))وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ(. ولا يرضى الله إلا عمن صحَّ دينه وثبتت عدالته على الدوام. وقال سبحانه:([46]))مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار(.
كما يدلُّ عليه مدح الرسول r لهم ودعوة الأمة لاتخاذهم قدوة في الدين في قوله:([47]) (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ).
وهذا متضمن لوجوب اتباع ما هم عليه من الحق لأنهم الجيل الأول الذي تلقى دين هذه الأمة وحافظ على كتاب ربها وسنة نبيها، وهم طريق هذه الأمة ووسيلتها الوحيدة لتلقي ذلك الدين العظيم والعمل به، وقد اختارهم الله سبحانه وتعالى واصطفاهم وكرَّمهم وهيأهم للقيام بتلك المهمة العظيمة؛ لذلك كان القدح فيهم قدحاً في الدين كله، بل قدحاً في حكمة الله تعالى الذي اختارهم لنبيه r واصطفاهم لنقل دينه وحماية شريعته وتبليغها كما أنزلت على رسوله r.
وقد نصَّ الرسولr على صحة ما عليه أصحابه الكرامy وجعله علامةً على الحق والنجاة يوم القيامة فقال r مجيباً من سأله عن صفة الفرقة الناجية في حديث عبدالله بن عمر في رواية الترمذي (ما أنا عليه وأصحابي). وعند الحاكم (ماأنا عليه اليوم وأصحابي)([48]). ومر معنا برواية ابي داوود عن معاوية y "وواحدة في الجنة وهي الجماعة"  قال في عون المعبود في شرحها  "وهي" الواحدة التي في الجنة "الجماعة" أي اهل القرآن والحديث والفقه والعلم الذين اجتمعوا على اتباع آثاره r   في جميع الأحوال كلها ولم يبتدعوا بالتحريف والتغيير ولم يبدلوا بالأراء الفاسدة"[49].وقد فسر الإمام البخاري بإن المقصود بالطائفة في قولهr (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون ) هم أهل العلم[50] , وقال العلامة عبدالرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمهم الله بعد أن ساق حديث أنس بن مالك في الأفتراق وحديث معاويةy فتبين بهذه الأحاديث أن الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين التي تمسكت بكتاب الله وسنة رسول الله r  وعملوا بما في كتاب الله وأخلصوا العبادة وأتبعوا رسوله r"[51] .
ومما تقدم يظهر أنه لا يشترط في إطلاق لفظ السلفية الزمن المقصود بها مجرداً عن المعنى والمنهج إلا إذا قُصد به زمن القدوة الذي هو عصر الرسول r وأصحابه الكرام y وأما فيمن بعدهم فلا يشترط إلا الموافقة للرسول r وصحبه الكرام. وبهذا يُعلم بطلان القول الذي يخص السلفية بزمن الرسول r وصحبه y فقط ويمنع إطلاق هذه التسمية على من سواهم. إلا أنه رغم ذلك لا بد من اعتبار كون المتسمي بهذه التسمية موافقاً للرسول r وصحبه y في الأصول والفروع والمنهج المتبع.
وبهذا يعلم أيضاً أن المقصود بتعيين زمن القدوة السلفية الاقتداء لا التبرك بمجرد النسبة إليهم، وإن كانت تلك النسبة موجبةً لمدح من التزمها لفظاً ومعنى، أما النسبة إليها دون الالتزام بمعناها ومنهجها فلا مدح فيه بل غاية الأمر أنه يدل على كون النسبة ممدوحة وإن كان للمنتسب إليها حظٌّ من الذم بحسب ما فيه من مخالفةٍ لتلك النسبة. وما قيل في النسبة للأشخاص يقال في النسبة للمعاني؛ فمن حمَّل السلفية معتقداً أو معنًى غير ما تدل عليه لم يكن ذلك موجباً لمدحه لأن السلفية لها معنى محدد حدده الرسول r بقوله: (ما كنت عليه أنا وأصحابي). فما خالف هذا المدلول فهو من إلباس السلفية غير لباسها وإظهارها بغير مظهرها المحدد شرعاً.يقول العلامة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله[52](وإنما تطلق السلفية على الجماعة المؤمنة الذين عاشوا في العصر الأول من عصور الإسلام,والتزموا بكتاب الله وسنة رسولهr من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ووصفهم الرسولr  بقوله:"خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"..الحديث . فهذا وصف لجماعة وليس لمرحلة زمنية .ولما ذكرr  افتراق الأمة فيما بعد . قال عن الفرق كلها:إنها في النار إلاواحدة.ووصف هذه الواحدة بأنها هي التي تتبع منهج السلف وتسير عليه فقال :"هم من كان على مثل ما انا عليه اليوم وأصحابي"....,فدل على أن هناك جماعة سلفية سابقة وجماعة متأخرة تتبعها في نهجها وهناك جماعات مخالفة لها متوعدة بالنار وما ذاك إلا لضلال هذه الفرق المخالفة للفرقة الناجية[53].
نبذة  موجزةعن عقيدة السلف
لقدكان لعلماءالسلف ومن سارعلى نهجهم منهج واضح المعالم في الاعتقادلايتغير  ولايتبدل من جيل إلى جيل ومن قرن إلى قرن فطريقتهم هي العمل بكتاب الله واتباع آثاررسول الله صلى الله عليه وسلم باطناوظاهراعملا بقول الله تعالى) وماآتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فآنتهوا(2 وغيرها من الآيات وعملا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر  رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة   حجة الوداع( واني تركت فيكم مالن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله) رواه مسلم و ابو داود وابن ماجه 3
 
وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجه الوداع فقال:( قد يئس الشيطان أن  يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع  فيما سوى ذلك مما تحقرون من إعمالكم فاحذروا يأيها الناس اني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم  به  فلن تضلوا أبدا كتابه لله وسنه نبيه صلى الله عليه وسلم  )1
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض)2
ويقتدون بصحابة النبي صلى الله عليه وسلم لان الله قد اختارهم لصحبته واثنى عليهم وقد عايشوا النبي صلى الله عليه وسلم وشاهدوا التنـزيل وعرفوا مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى رأس هؤلاء الخلفاء الراشدون الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالاقتداء بهم عند الاختلاف في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه حيث يقول صلى الله عليه وسلم( انه من يعش منكم فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنه الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ )3
فإذن عقيده السلف الصالح أهل السنه والجماعه هى عقيده الإسلام كماجاءت في كتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم لأن السلف الصالح كمامر هم سلف هذه الأمه وعلى رأسهم صحابة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  فعقيدتهم أخذوهامن كتاب الله جل وعلا وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم
فمن كتاب الله تعالى قوله تعالى )ولكن البرمن أمن بالله واليوم الأخروالملائكة والكتاب والنبين(1وقوله تعالى )آمن الرسول بماأنزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين أحدمن رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربناواليك المصير(2 وقوله تعالى )إن كل شئ خلقناه بقدر(3وغير ذلك من الآيات التى تبين هذه الأصول المجمله وتفصلها.
ومن سنة النبى صلى الله عليه وسلم حديث جبريل الذى رواه ابو هريرة رضى الله عنه قال (كان النبى صلى الله عليه وسلم بارزاً يوماللناس فآتاه رجل فقال ماالإيمان قال الإيمان أن تؤمن بالله وملأئكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث قال ماالاسلام قال الإسلام ان تعبدالله ولا تشرك به،وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضه,وتصوم رمضان,قال وما الإحسان قال أن تعبد الله كانك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك....)إلى ان قال فى آخر الحديث(هذا جبريل يعلم الناس دينهم)4 ورواه عبدالله بن عمرقال:حدثنى ابى عمر بن الخطاب قال:(بينما نحن جلوس عندرسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذطلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديدسوادالشعر لايرى عليه أثرالسفرولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأسندركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمدأخبرنى عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ان تشهد أن لاإله الاالله وأن محمداًرسول الله صلى الله عليه وسلم وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت اليه سبيلا"قال:صدقت قال فعجبناله يسأله ويصدقه قال:فأخبرني عن الإحسان قال:"أن تعبد الله كانك تراه فإن  لم تكن تراه فإنه يراك...)إلى أن قال فى آخرالحديث(فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)5وغيرهمامن الاحاديث التى وردت فى مجمل أصول العقيده وتفصيلاتها.
لذا نجدسلف الامة يستدلون بآيآت القرأن الكريم و حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يكتفون بفهمها لايتكلمون فيها بما لا حاجة له ولا يتتبعون المتشابه وينهون عن إثارة الشبه فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما بلغه ان رجلا من بني تميم يقال له صُبيغ بن عسل قدم المدينة وكانت عنده كتب فجعل يسأل عن متشابه القرآن وجاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه-وكان عمرقد سمع عنه ذالك- فسأل عمرعن معنى قوله تعالى: ) والذاريات ذروا فالحاملات وقرا .فالجاريات يسرا .فالمقسمات امرا (1فأجابه عمر ثم أمر به فضربه مائة سوط ثم جعله في بيت حتى اذا برأ دعا به ثم ضربه مائة سوط اخرى ثم نفاه الى البصرة وحرّم عليه مجالسة الناس حتى تاب2
وهذا الصحابي الجليل جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه لما سأله رجل عن قول الرسول صلى عليه وسلم( إنكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون الى القمر ليلة البدر)3  مامعنى هذا الحديث؟ قال جرير رضي الله عنه: ماأشبهك بصُبيغ وأحوجك إلى مثل مافُعل به ويلك ومن يدري كيف هذا ومن لايجوزله  ان يجاوزهذا القول الذي جاء به الحديث وأن يتكلم فيه بشئ من تلقاء نفسه الامن سفه نفسه واستخف بدينه إذا سمعتم الحديث عن رسول صلى الله عليه وسلم فاتبعوه ولاتبتدعوا فيه فإنكم إن ا تبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم وان لم تفعلوا هلكتم 4
و لمابدأت الفرق المخالفه  للكتاب والسنة بالخروج دأب السلف على الإستدلال عليهم بآيات وأحاديث الإعتقادكماجأت ويكتفون بذالك.ومن هذا قول ابن عمر رضي الله عنهما لمن سأله عن نفاة القدراذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئ منهم  وأنهم براء مني والذي يحلف به عبدالله بن عمر لوأن لاحدهم مثل احد ذهبا فانفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ثم ذكر حديث جبريل السابق
يقول الإمام مالك5 لماسئل عن قوله تعالى( الرحمن على العرش استوى)6 قال:الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعه ماأراك الاضالاوأمربه
ان يخرج من مجلسه 7
وقال الإمام احمدبن حنبل رحمه الله(لايوصف  الله الا بماوصفه  به او وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم )لايتجاوز آلقرأن والحديث1
وقال رحمه الله في احاديث الصفات (نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد شيا منها اذا كانت  بأسانيد صحاح)2
يقول الإمام ابوعثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني3المتوفى سنه449 هـ  في كتابه عقيدة السلف واصحاب الحديث(أصحاب الحديث حفظ الله تعالى احياءهم ورحم امواتهم ويشهدون الله تعالى بالوحدانية وللرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة والنبوة ويعرفون ربهم عزوجل بصفاته التي نطق بهاوحيه وتنزيله وشهدله بهارسوله صلى الله عليه وسلم على ماوردت الاخبارالصحاح به ونقلت العدول الثقات عنه ويثبتون له جل جلاله ومااثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ولايعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه)4
يقول الإمام محمد بن علي الشوكاني5 ( رحمه الله ان مذهب السلف من الصحابه رضي الله عنهم والتابعين وتابعيهم هو إيراد ادله الصفات على ظاهرهامن دون تحريف لهاولاتأويل وتعسف لشئ منهاولاجبر ولا تشبيه ولاتعطيل يفضي اليه كثير من التأويل)6
فلما كثر الاختلاف عند ذلك رأى علماء السلف أن يبينوا عقيدتهم في المسائل المختلف فيها بمؤلفات تشملها او بعضها مع اكتفائهم بالكتاب والسنة في مسائل الاعتقاد المسلم بها من الفرق المنحرفة عن منهج الكتاب والسنة
لذلك نجد أكثر الكتب المؤلفة في عقيدة السلف الصالح من هذا الباب يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله( ومن شأن المصنفين في العقائد المختصرة على مذهب أهل السنة والجماعة إن يذكروا ما تميز به أهل السنة والجماعة عن الكفار والمبتدعين
فيذكروا إثبات الصفات وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه تعالى يرى في الأخرة خلافا للجهمية من المعتزلة وغيرهم ويذكرون أن الله خالق أفعال العباد وأنه مريد لجميع الكائنات وانه ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن خلافا للقدرية من المعتزلة وغيرهم ويذكرون مسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وان المؤمن لايكفر بمجرد الذنب ولا يخلد في النار خلافا للخوارج والمعتزلة ويحققون القول في الإيمان ويثبتون الوعد والوعيد لأهل الكبائر مجملا خلافا للمرجئة ويذكرون إمامة الخلفاء الأربعة وفضائلهم  خلافا للشيعة من الرافضة وغيرهم
وأما الإيمان بما اتفق عليه المسلمون من توحيد الله تعالى والإيمان برسله والإيمان باليوم الأخر فهذا لابد منه وأما دلائل هذه المسائل ففي الكتب المبسوطة الكبار)1
وهذاماسنتعرف عليه إن شاء الله فى ثناياهذاالبحث فى بابيه الأول والثاني.
 
المبحث الثاني: التعريف بالقَرْن:
يطلق القَرْن (بفتح القاف وتسكين الراء) في اللغة ويراد به المعاني التالية:([54])
- ما ينبت في رأس بعض البهائم كالثور وغيره.
- الخصلة من الشعر، ومنه قول أبي سفيان في الروم :(ذات القرون) قال الأصمعي: أراد قرون شعورهم كانوا يطولون ذلك فعرفوا به. ويقال: للمرأة قرنان، وللرجل قرنان، أي ضفيرتان.
- الجُبيل الصغير المنفرد.
- المقارب لك في السن. تقول: هو على قَرْني. أي على سني.
- الثمانون سنة، أو الثلاثون سنة، أو أهل الزمان الواحد. ومنه قول الشاعر:([55])

إِذَا ذَهَبَ الْقَرْنُ الَّذِي أَنْتَ فِيهِم

 

وَخُلِّفْتَ فِي قَرْنٍ فَأَنْتَ غَرِيبُ

أما في الاصطلاح فيطلق القرن ويقصد به الأمة المقترنة في مدةٍ محددةٍ من الزمان، ومنه قولـه r:([56])(خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ,ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه, ويمينه شهادته). وأصله الارتفاع عن الشيء ومنه قرن الجبل فسموا بذلك لارتفاع السن. قال أبو حيان في البحر المحيط:([57])"وقيل هو من قرنت الشيء بالشيء جعلته بجانبه أو مواجهاً لـه فسُموا بذلك لكون بعضهم يقرن ببعض، وقيل سموا بذلك لأنه جمعهم زمانٌ لـه مقدارٌ هو أكثر ما يقرن فيه أهل ذلك الزمان وهو اختيار الزجاج. ومدة القرن مائة وعشرون سنة قاله زرارة بن أوفى وإياس بن معاوية، أو مائة سنة قاله الجمهور، وقد احتجوا لذلك بقول النبي r لعبدالله بن بسر:([58])(تعيش قرناً) فعاش مائة سنة.       وقالr:([59]) (أرأيتكم ليلتكم هذه! فإن على رأس مائةٍ لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد).
أو ثمانون سنة رواه أبو صالح عن ابن عباس، أو سبعون سنة حكاه الفراء، أو ستون سنة لقوله عليه الصلاة والسلام:(معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين) ([60]).
أو أربعون قاله ابن سيرين ورفعه إلى النبي r وكذا حكاه الزهراوي.
أو ثلاثون رُوي عن أبي عبيدة أنه قال: يرون أن ما بين القرنين ثلاثون. وحكاه النقاش.
أو عشرون حكاه الحسن البصري.
أو المقدار الوسط في أعمار أهل ذلك الزمان، وهذا حسنٌ لأن الأمم السالفة كان فيهم من يعيش أربعمائة عام وثلاثمائة. وقال ابن عطية: القرن أن يكون وفاة الأشياخ ثم ولادة الأطفال، ويظهر ذلك من قولـه تعالى:([61]))ِوَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِين(. وقيل: القرن القوم المجتمعون قلَّت السنون أو كثرت لقوله r:لما سئل عن خير القرون( قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)" ([62]).
وقد ورد عن الرسول r قوله:([63])"يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب النبي r؟ فيوجد الرجل فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيهم من رأى أصحاب النبي r؟ فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثالث فيقال: انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي r؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال :انظروا هل ترون فيهم أحداً رأى من رأى أحداً رأى أصحاب النبي r؟ فيوجد الرجل فيفتح لهم به".
وقال السيوطي:([64])"والصحيح أنه لا ينضبط بمدة؛ فقرنه r هم الصحابة وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من الصحابة مائة وعشرين سنة، وقرن التابعين من مائة سنة إلى نحو سبعين، وقرن أتباع التابعين من ثم إلى نحو العشرين ومائتين".
ومهما يكن الأمر فسواء قيل بأن القرن مائة سنة فيدخل القرن الرابع الهجري في القرون الفاضلة أو قيل بأن القرن هو الجيل من الناس فيكون الجيل الرابع يصل إلى المائة الرابعة ويؤيد هذا ما قاله ابن حبان وهو من علماء هذا القرن في مقدمة كتابه (الثقات): "فأول ما أبدأ في كتابنا هذا ذكر المصطفى r ومولده ومبعثه وهجرته إلى أن قبضه الله تعالى إلى جنته، ثم نذكر بعده الخلفاء الراشدين المهديين بأيامهم إلى أن قُتل عليٌّ t، ثم نذكر صحب رسول الله r واحداً واحداً على المعجم إذ هم خير الناس قرناً بعد رسول الله r، ثم نذكر بعدهم التابعين الذين شافهوا أصحاب رسول الله r في الأقاليم كلها على المعجم إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرناً، ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين فأذكرهم على نحو ما ذكرنا الطبقتين الأُولَيَين، ثم نذكر القرن الرابع الذين هم أتباع التابعين على سبيل من قبلهم، وهذا القرن ينتهي إلى زماننا هذا"([65]).
والذي يظهر والله اعلم أن أفضلية هذا القرن كانت بسبب وجود العدد الكبير والكم الهائل من العلماء والزهاد والعباد فيه وذلك لم يوجد في القرون التي بعده ولا ينافي هذا وجود هيمنة سياسية لأصحاب الفرق المنحرفة عن منهج أهل السنة والجماعة إذ هيمنتهم كانت السبب في ضعف الأمة وبداية قلة العلماء العاملين الأخيار والعباد الزاهدين الأبرار.نسأل الله أن يسلك بنا طريقة السلف الأخيار.

المبحث الثالث: أثر الأوضاع العلمية والسياسية والاجتماعية على الحالة العقدية في هذا القرن:
إن الإنسان بطبعه يتأثر بما حوله سلباً أو إيجاباً، وقد جعل الله سبحانه وتعالى نور النبوة هو الهادي إلى الطريق المستقيم فقال:([66]))فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ(. وجعل هذا الهدى فيما جاء به محمد r فقال:([67]))وَأَنَّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ(. وقال تعالى:([68]))وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(.
فهذه صفة أمة محمد r فهم (دائماً بالحق يأخذون ويعطون ويقضون)([69]).وقد اختار الله سبحانه وتعالى نخبة من خيارها لحمل هذا النور والدلالة عليه وهم أهل الحق الظاهرون قال النووي رحمه الله في شرحه لحديث "لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لايضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك إلى يوم القيامة"واما هذه الطائفة فقال البخاري هم أهل العلم, وقال احمد بن حنبل إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم,قال القاضي عياض[70] : "ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين منهم شجعان مقاتلون, ومنهم محدثون, ومنهم زهاد آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر, ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير و لا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة فإن هذا الوصف مازال بحمد الله تعالى من زمن النبي r إلى الآن ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث"([71]).
وهذه من الميزات لهذه الأمة. لذلك عندما نقول إن الأوضاع العلمية والسياسية والاجتماعية لها أثر على الحالة العقدية فإنه لا يفهم من ذلك أن العقيدة الإسلامية تتغير وتتبدل وأن الاعتقاد الصحيح يفقد من المجتمع فهذا غير وارد كما بينا وإنما الذي يحدث يمكن حصره بمايلي:
أ- انتشار البدع و العقائد المخالفة للكتاب والسنة بين المبتدعة ورعاع الناس فهذا يدفع العلماء إلى أن يجاهدوا المبطلين بالقلم واللسان والحجة والبرهان حتى يردوا ذلك الباطل ويثبِّتوا الأمة ويجلوا عنها الغمة.
ب- ويكون تأثير الأحوال المختلفة في المجال العقدي من حيث تجدد وتنوع العقائد النابتة فهذا يدفع العلماء لتعريتها وكشف ضلالها وانحرافها عن المنهج الحق فقد كان لترجمة كتب الفلاسفة كما مرَّ أثرٌ في الحركة العلمية في الأمة حيث اتجه كثير من الناس إلى دراستها وتركوا المنهج الصحيح -منهج الكتاب والسنة- وبناءً على ذلك أنكروا كثيراً من العقائد الثابتة أو أولوها وحكَّموا عقولهم في ذلك وقدموا العقل على النقل. يقول الخطابي:([72])"ولما رأوا كتاب الله تعالى ينطق بخلاف ما انتحلوه، ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه ضربوا بعض آياته ببعض، وتأوَّلوها على ما سنح لهم عقولهم واستوى عندهم على ما وضعوه من أصولهم ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله r ولسنته المأثورة عنه، وردوها على وجوهها" ([73]).وقال ابن جرير([74])رحمه الله في كتاب صريح السنة: "وقد علمنا يقيناً أن النبي r لم يدعهم في أمر التوحيد إلى الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر وانقلابها فيها إذ لا يمكن لأحد من الناس أن يروي في ذلك عنه ولا عن أحد من أصحابه من هذا النمط حرفاً واحداً فما فوق لا من طريق تواتر ولا آحاد، علم أنهم قد ذهبوا خلاف مذهب هؤلاء وسلكوا غير طريقتهم. ولو كان في الصحابة قوم يذهبون مذاهب هؤلاء في الكلام والجدال لعدوا في جملة المتكلمين ولنقل إلينا أسماء متكلميهم كما نقل أسماء فقهائهم وقرائهم وزهادهم، فلما لم يظهر ذلك دلَّ على أنه لم يكن لهذا الكلام عندهم أصل".
فلذا هب علماء أهل السنة والجماعة على مقاومة هذا الانحراف وألفوا الكتب ونافحوا وناظروا عن عقائد الأمة نظراً للحاجة لذلك يقول أبو سليمان الخطابي([75])في كتابه الغنية عن الكلام وأهله:([76])"وسألتني أن أمدك بما يحضرنا في نصرة الحق من علم وبيان، وفي رد مقالة هؤلاء القوم من حجة وبرهان، وأن أسلك في ذلك طريقة لا يمكنهم دفعها، ولا يسوغ لهم من جهة العقل جحدها وإنكارها، فرأيت إسعافك به لازماً في حق الدين، وواجب النصيحة لجماعة المسلمين، فإن الدين النصيحة".
فأصبحت الأحوال متقلبة بعد أن كانت بلاد المسلمين يحكمها خليفة واحد وتستجيب لنداء واحد فقد تمزقت شذر مذر وأصبح في كل ناحية أمير للمؤمنين ومنبر، ولم يبق للخلافة هيبة ولا يرجع للخليفة في أمر، وأصبحت المدن والقرى تتداولها القيادات والإمارات وعن طريقها فرضت العقائد عل الأمة رغم أنفها وبدون رغبتها فأصبح العلماء ينافحون على أكثر من جبهة: الجبهة العلمية التي يتزعمها أهل الكلام والنحل، والجبهة السياسية التي تريد تغيير معتقدات المسلمين بالقوة مما قوَّى من عود علماء أهل السنة وجعلهم أكثر تصميماً واحتسابا.
أما الناحية الاجتماعية في هذا القرن فحدث ولا حرج فقد اختلط الحابل بالنابل فكانت مادة الدولة الإسلامية إلى بداية هذا القرن العرب فهم قادتها وبزمامهم قيادتها ولكن لما استولى الفرس الديلم و الترك والقرامطة تغيرت المعايير الاجتماعية،وأريقت الدماء، واستبيحت في كثير من المواطن الحرمات، وارتفعت الأسعار وقلت الأقوات وأصبح هم الكثير من الناس طلب الأمن ولقمة العيش ولا يهمهم لمن تكون الدولة والصولة والجولة فهذه الأوضاع ألقت تبعات جسام على كاهل علماء السنة وأوجدت فيهم بلا شك دافعاً قوياً للثبات وتحمل الصعوبات مهما كانت الأزمات وهذا ما سنراه من خلال بحثنا هذا إن شاء الله.
المبحث الرابع: الدراسات العقدية السابقة عن القرن الرابع:
في الحقيقة أني لم اقف على دراسة مخصصة لعلماء القرن الرابع الهجري سواء في العقيدة أو غيرها وإننا عندما ننعم النظر في الكتب التي تتحدث عن هذا القرن نجدها على عدة أنواع على النحو التالي:
أولاً- كتب التاريخ وهذه الكتب قد تعرضت لأكثر الأحداث التي وقعت في هذا القرن سواء في العقيدة أو غيرها وذكرت الصالح والطالح منها, وهي على قسمين:
 
أ- كتب تعرضت لأجزاء من هذا القرن نظراً لوفاة أصحابها قبل نهايته، ومنها:
1- تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر الطبري الذي توفي سنة 310هـ وهو أحد أعلام العقيدة في هذا القرن وينتهي ما كتبه إلى سنة ثلاثمائة واثنتين فقط, وقد وضع لـه تتمات منها: صلة تاريخ الطبري لعريب القرطبي وتنتهي أحداثها إلى سنة عشرين وثلاثمائة للهجرة، وتكملة تاريخ الطبري لمحمد بن عبد الملك الهمداني المتوفى سنة 521هـ وتنتهي هذه التكملة بحوادث سنة سبع وستين وثلاثمائة.
2- كتاب تجارب الأمم والملوك لأبي علي أحمد بن محمد المعروف بمسكويه وتنتهي أحداثه في سنة تسع وستين وثلاثمائة وهو على شاكلة سابقه وقد وضع لـه ذيل.
 
ب- كتب تعرضت لتاريخ هذا القرن كاملا نظراً لتأخر مؤلفيها ومنها:
1- الكامل في التاريخ لأبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعرف بابن الأثير الجزري المتوفى سنة 630هـ وهو من أدق كتب التاريخ وأوثقها.
2- البداية والنهاية في التاريخ تأليف الإمام الحافظ المفسر المؤرخ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي المتوفى سنة 774هـ وحسبك به من علم وديانة وحسن اعتقاد وهذا الكتاب لا يقل قيمة عن سابقه في الدقة والإشارة إلى أحداث العقيدة و التعليق عليها.
3- المختصر في تاريخ البشر "تاريخ عماد الدين إسماعيل أبي الفداء المتوفى سنة 732هـ".
4- كتاب دول الإسلام لمؤرخ الإسلام الحافظ شمس الدين الذهبي المتوفى سنة 748هـ. وهذا التاريخ يعتبر مقتضباً في عرضه لأحداث العقيدة ولكن للمؤلف -رحمه الله- كتب أخرى غطت هذا النقص.
5- كتاب شذرات الذهب في أخبار من ذهب للإمام أبي الفلاح عبد الحي بن عماد الحنبلي المتوفى سنة 1089هـ.
وكتب التاريخ في العموم تعرضت لهذا القرن وإنما أشرت لنموذج من أوثقها وأقربها اهتماماً بالأحداث التي لها صلة بالعقيدة.
ثانياً- كتب سير الأعلام وهي كثيرة أيضاً ومنها:
1- وفيات الأعيان أنباء أبناء الزمان لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم   أبي بكر بن خلكان المتوفى سنة 681هـ.
 
2- ميزان الاعتدال في نقد الرجال للإمام الذهبي.
3- كتاب لسان الميزان للإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني المتوفى سنة852هـ.
4- سير أعلام النبلاء للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة  748هـ وهو من أوثق ما كتب عن سير الرجال ومنهم رجال القرن الرابع الهجري فكثيراً ما يبين عقيدة الأعلام الذين يتحدث عنهم بل يناقش ويرجح ويدافع عن علماء أهل السنة ويبطل ما يكون قد وجه إليهم من تهم لا تثبت.
ثالثاً- كتب الطبقات وهي تعتبر من المراجع الخصبة لبيان أعلام الأمة الذين كان لهم دور كبير في تحرير عقيدتها والمحافظة على فقهها. وإن كانت تذكر معهم غيرهم من أهل البدع وقد ألفت كتب كثيرة في طبقات الفقهاء والحفاظ وعلماء المذاهب ومن تلك الكتب:
1-طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسن محمد بن أبي يعلى البغدادي الحنبلي المتوفى سنة 526هـ.
2- طبقات الشافعية لتاج الدين السبكي المتوفى سنة 771هـ.
3- طبقات الشافعية لأبي بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن محمد ابن قاضي شهبة الدمشقي المتوفى 851هـ.
4- طبقات الشافعية لأبي بكر بن هداية الله الحسيني المتوفى سنة 1014هـ.
5- طبقات الحفاظ للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفى سنة 911هـ.
 
رابعاً- الكتب المفردة في بعض المدن و الدول؛ فهناك بعض الدراسات خصصها مؤلفوها للتحدث عن مدن أو دول قامت خلال القرن الرابع ومن تلك المؤلفات:
1- تاريخ جرجان أو كتاب معرفة علماء أهل جرحان لأبي القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي المتوفى سنة 427هـ.
2- تاريخ بغداد أو مدينة بغداد دار السلام للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى سنة 463هـ ويعتبر من أوسع المراجع لمعرفة الأعلام لأن مؤلفه استقصى علماء بغداد ومن سكن بها وكانت بغداد بلا شك عاصمة العالم الإسلامي في ذلك الوقت ومحط رحال العلماء فكما أن فيها الخلافة ومنها يتحرك القادة كذلك فيها كبار العلماء وفيها دور العلم وأعرق جامعاته.
3- العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين تأليف تقي الدين محمد بن أحمد الحسنى الفاسي المتوفى سنة 832هـ.
4- الدرر الفرائد المنظمة في أخبار الحجاج وطريق مكة المعظمة تأليف عبد القادر الجزيري الحنبلي من أهل القرن العاشر الهجري.
وهناك كتابات عن الزيدية وعن البويهيين والحمدانيين وغيرها كثير ولكن لا يوجد دراسات مفردة عن القرن الرابع الهجري إلا ما كتبه المستشرق الألماني آدم متز أستاذ اللغات الشرقية بجامعة بازل بسويسرا المتوفى سنة 1917م و الكتاب يتكون من جزأين يضمان تسعة وعشرين فصلا لم يترك كما يقول ناشره ناحية من نواحي البحث فيما يتعلق بالحياة في ذلك العصر؛([77])وقد خُصص الفصل الثالث عشر منه لعلوم الدين والرابع عشر للمذاهب الفقهية، وكما هي عادة المستشرقين يبرز مواقف أهل الكلام ومواطن الخلاف فهذا هو الكتاب الوحيد الذي اطلعت عليه يتحدث عن هذا القرن. أما البحوث والرسائل الجامعية المعاصرة فقد تعرض عدد من الباحثين إلى جوانب عديدة من الموضوعات منها:-

  1. جهود علماء السلف في القرن الرابع الهجري في الرد على الصوفية . بحث مقدم لنيل درجة الدكتوراه لدى كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض مقدم من الطالب / عبد الله بن محمد المطرودي إشراف فضيلة الدكتور: محمد السمهري .

  2. تدوين علم العقيدة عند أهل السنة والجماعة مناهجه ومصنفاته، من بداية القرن الرابع ((301هـ)) إلى نهاية القرن السادس ((600هـ)) رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه لدى كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض إعداد/ يوسف بن علي بن عبد الله الطريف ، إشراف فضيلة الدكتور:

عبد الله بن صالح المشيقح. وذكر هذا الباحث بعضا من الكتب التي ألفت في هذا القرن في التدوين في العقيدة ضمن منهج علماء أهل السنة عامة وبالأخص في القرون الثلاثة محل البحث.

  1. مدرسة أهل الحديث في قرطبة ، من الفتح 93هـ إلى نهاية الرابع الهجري 40هـ إعداد / أحمد بن علي بن أحمد القرني ، وذلك لنيل درجة الماجستير في الحديث الشريف لدى كلية الحديث والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية بالمدنية النبوية، إشراف فضيلة الدكتور / عوض بن أحمد الشهري .

وقد ذكر فيه كثيرا من علماء الأندلس الذين اعتنوا بالحديث النبوي ومدارسهم ومناهجهم ولم يكر جهودهم في ترسيخ عقيدة السلف والدفاع عنها.

  1. تاريخ الدعوة الإسلامية في الأندلس من بداية الفتح حتى نهاية القرن الرابع الهجري ، إعداد صالح إدريس محمد ،إشراف الدكتور / حسين بن محمد خطاب ، وهي مقدمة لدى كلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض لنيل درجة الماجستير.

  2. الآثار الواردة عن السلف في القضاء والقدر من خلال تفسير الطبري إعداد/ سعاد بنت محمد السويد ، إشراف فضيلة الدكتور/ يوسف عبد الغني وذلك لنيل درجة الدكتوراه وهي مقدمة لدى كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض .

  3. منهج ابن بطة في تقرير عقيدة السلف إعداد / حمد بن عبد المحسن التويجري لنيل درجة الدكتوراه وهي مقدمة لدى كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

  4. الخصومات الأدبية في القرن الرابع الهجري وأثرها في النقد الأدبي، إعداد جابر بشير المحمدي وإشراف / طه مصطفى أبو كريشه مقدمة لنيل درجة الماجستير.

بالإضافة إلى ما كتبه عدد من الباحثين عن علماء هذا القرن في مقدمة تحقيقاتهم لبعض كتبهم.
وأما تخصيص كتاب للعقيدة وبالأخص علماء أهل السنة في هذا القرن فلم أطلع على شيء من ذلك مما يبين لنا أهمية هذا الموضوع و البحث فيه.

Rounded Rectangle: الباب الأول
جهود علماء أهل السنة في القرن الرابع في تقرير العقيدة  والدفاع عنها 
ويشمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: أبرز العقائد والفرق في القرن الرابع الهجري.
الفصل الثاني: منهج علماء السلف في القرن الرابع في تقرير العقيدة.
الفصل الثالث: جهود علماء السلف في الدفاع عن العقيدة ومقاومة الانحراف فيها.


الفصل الأول
أبرز الفرق والعقائد المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة
في القرن الرابع

ويشتمل على: تمهيد وتسعة مباحث:

التمهيد .
المبحث الأول : الخوارج.
المبحث الثاني : القدرية.
المبحث الثالث : الجهمية.
المبحث الرابع : المعتزلة.
المبحث الخامس: الشيعة- وفيه :
الإمامية: البويهيون- الحمدانيون.
الزيدية: زيدية اليمن- زيدية طبرستان.
الإسماعيلية: القرامطة- الفاطميون.
المبحث السادس: أهل الكلام المنتسبون للسنة: الكلابية- الأشعرية- الماتريدية.
المبحث السابع:: الكرامية.
المبحث الثامن:: أهل الحلول والتصوف. والزندقة.
المبحث التاسع: الوضع في الأندلس.
 
 
تمهيـــد
توفي النبي r وقد أكمل الله به الدين وبين الطريق القويم وترك الناس على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك "فقد أنزل الله سبحانه وتعالى يوم عرفة في حجة الوداع التي ودع فيها النبي r أمته قولـه تعالى([78]))اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا(. وخاطب النبي r الناس في ذلك المشهد العظيم قائلاً:([79])(ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد). قال هذا النبي r بعد ما بين حق التبيين امتثالاً لأمر ربه سبحانه وتعالى بقوله([80]))يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين( وقوله([81]))وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(.
فلو كان شيء من أصول الدين أو صفات رب العالمين لم يفهمه صحابة النبي r لقالوا في ذلك المشهد أو في غيره لم نفهم كذا أو كذا, بل عندما وعظهم النبي r وفهموا منه أنها موعظة مودع لم يستفصلوا عن شيء مما بلغ وإنما قالوا: أوصنا يا رسول الله كما جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه؛([82])فأوصاهم النبي r أن يتمسكوا بالكتاب والسنة وأن يسيروا على نهج خلفائه رضوان الله عليهم هكذا كان الجيل الأول الذي بعث فيهم النبي r، ولكن لما اختلط معهم غيرهم ممن يجهل الإسلام ولغة العرب ومن كان في قلبه حقد على الإسلام بدأت الشبهات والتفريق بين المسلمين حتى وقع الاختلاف مصداقاً لنبوته صلى الله عليه وسلم؛ فكانت أول الفرق تخرج عن منهج جماعة المسلمين وتفرق شمل الأمة حدثت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، وسنسوق تسلسلاً لهذه الفرق إن شاء الله حتى يتبين لنا أبرز العقائد التي خالفت منهج السلف في قرننا الرابع الهجري.
المبحث الأول: الخوارج:
هذه أول فرقة تخرج في الإسلام فقد كانت نواتها في عهد النبيr فعن أبي سعيد t قال (بينا النبيr يقسم جاء عبدالله بن ذي الخويصرة التميمي فقال اعدل يارسول الله فقال ويلك من يعدل اذا لم اعدل قال عمربن الخطاب: دعني اضرب عنقه قال دعه فإن له اصحاباً يحقر احدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقونه من الدين كما يمرق السهم من الرميه....الخ)[83]رواه البخاري ومسلم.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "وقد كان أولهم خرج على عهد رسول الله r,فلما رأى قسمة النبيr  قال: يامحمد اعدل فإنك لم تعدل ,فقال له النبي r "لقد خبت وخسرت إن لم اعدل" فقال له بعض أصحابه:دعني يارسول الله اضرب عنق هذا المنافق , فقال"انه يخرج من ضئضئ هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم"[84].وقد خرج على شاكلة هذا الرجل من أحدث الفتنة في اخر عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وارضاه حتى قتلوه وهو في بيته صائماً يقرأ القران فلما استخلف علي بن أبي طالبt خرجت هذه الفئة عليه اثناء حربه في وقعة صفين التي وقعت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما حينما ألزموا علياً t بقبول التحكيم وكان علي t على وشك النصر ووأد الفتنة فقالت تلك الفئة "القوم يدعوننا إلى كتاب الله وأنت تدعونا إلى السيف.حتى قال: أنا أعلم بما في كتاب الله.انفروا إلى بقية الاحزاب, انفروا إلى من يقول:كذب الله ورسوله ,وانتم تقولون:صدق الله ورسوله  قالوا: لترجِعَنَّ الأشتر عن قتال المسلمين وإلا فعلنا بك مثل ما فعلنا بعثمان. فاضطر إلى رد الأشتر بعد ان هزم الجمع وولوا مدبرين ومابقي منه إلى شرذمة قليله...." [85]. عند ذلك رضخ علي t لقولهم ورضي بالتحكيم.( وكان يريد أن يبعث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما فما رضوا بذلك وحملوه على بعث أبي موسى الأشعري على أن يحكم بكتاب الله تعالى فلما انتهى التحكيم خرجوا على عليt  وقالوا :لم حكّمت الرجال ؟ لا حكم إلا لله . وهم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان)[86]، ثم انتصر عليهم كما هو مبين في كتب التاريخ والسير.([87])وقد صح الحديث في الخوارج عن النبي r من عشرة أوجه خرجها مسلم في صحيحه وخرج البخاري منها غير وجه وقد قاتلهم أصحاب النبي r مع أمير المؤمنين علي t فلم يختلفوا في قتالهم.([88])يقول عبد القادر البغدادي: "وقتلت الخوارج يومئذ ولم يفلت منهم غير تسعة أنفس؛ فصار منهم رجلان إلى سجستان [89]ومن أتباعهما خوارج سجستان، ورجلان صارا إلى اليمن ومن أتباعهما أباضية اليمن، ورجلان صارا إلى عمان[90] ومن أتباعهما خوارج عمان، ومن ناحية الجزيرة[91] ومن أتباعهما كان خوارج الجزيرة، ورجل منهم صار إلى تل مورون باليمن".([92])
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "وأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب ويعتقدون ذنباً ما ليس بذنب ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب وإن كانت متواترة، ويكفرون من خالفهم".([93])إلى غير ذلك من العقائد. وقد افترقوا إلى فرق كثيرة أوصلها عبدالقادر بن طاهر البغدادي  صاحب كتاب (الفرق بين الفرق) إلى عشرين فرقة.([94])
وقد استمر خروج الخوارج على الخلفاء والولاة خلال القرنين الأول والثاني إلى آخر القرن الثالث في خلافة المعتضد العباسي حيث خرج هارون بن عبد الله الخارجي على المسلمين وهو من فرقة الصفرية إحدى فرقهم إلى أن تم أسره وصلبه في بغداد سنة ثلاث وثمانين ومائتين؛ ولما صلب نادى بأعلى صوته: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون.([95])
ولم تحدثنا كتب التاريخ عن خروج لـه شأن خلال القرن الرابع الهجري إلا ما حصل من خروج أبي يزيد بن كنداد الخارجي في القيروان سنة 333هـ ضد العبيديين وقال عنه ابن الأثير رحمه الله"وكان خارجياً شديداً يكفر أهل الملة ويستبيح الأموال والدماء والخروج على السلطان".([96])وقد انضم إليه كثير من العلماء وأهل السنة لأنهم يرونهم أقل خطراً من الرافضة الباطنية منهم أبو الفضل عباس بن عيسى الممسي الذي يرى أن الخروج مع أبي يزيد الخارجي وقطع دولة بني عبيد فرضاً لأن الخوارج من أهل القبلة لا يزول عنهم الإسلام ويرثون ويورثون وبنو عبيد ليسوا كذلك لأنهم مجوس زال عنهم اسم المسلمين فلا يتوارثون معهم ولا ينتسبون إليهم.([97])وقد خان أبو يزيد أهل القيروان فأوعز لأصحابه بالاعتزال عن المجاهدين من أهل القيروان حتى تكسر شوكتهم ويستريح من بأسهم ففر من المعركة وهزم فيما بعد وقتله بنو عبيد.([98])
ولم تشتهر للخوارج كتب ليرد عليها العلماء يقول ابن النديم:([99])"هؤلاء القوم كتبهم مستورة قل ما وقعت لأن العالم تشنأهم وتتبعهم بالمكروه ولهم مصنفون ومؤلفون في الفقه والكلام وهذا المذهب المشهور بمواضع كثيرة منها عمان وسجستان وبلاد أذربيجان[100] ونواحي السند وكر[101]خ وتل عكبراء[102] وحزة[103] وشهرزور[104]". ثم ذكر من فقهائهم المعاصرين لـه أبا بكر البرادعي واسمه محمد بن عبد الله الذي رآه في سنة أربعين وثلاثمائة وكان يظهر مذهب الاعتزال وكان خارجياً وأحد فقهائهم وقال إن لـه كتاب الإمامة وكتاب السنة والجماعة وكتاب نقض كتاب ابن الراوندي في الإمامة.
ومع عدم وجود شوكة للخوارج إلا أن العلماء في هذا القرن دائماً ما يقررون العقيدة ويبينون مخالفتها لعقيدة الخوارج إيماناً منهم بقول الصادق المصدوق r:في الحديث المتفق على صحته عن عليt (سيخرج قوم في اخر الزمان حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية يقرؤون القرآن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة)[105]. (يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية سِيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع الدجال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق والخليقة) ([106]).
وقد خرج بمقابلتهم فرقة الشيعة الذين يزعمون أنهم  ينتصرون للخليفة علي t لما حصل عليه من الظلم والتعدي وسيأتي الحديث عنهم مفصلاً بإذن الله حيث كانت لها الهيمنة السياسية على أغلب العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري.
المبحث الثاني:  القدرية:
وهي التي تنفي القدر وتزعم أن الأمر أُنُف وأن الله سبحانه وتعالى لم يقدر المقادير في الأزل ولم يكتبها في اللوح المحفوظ بل لم يعلم ما يقع منها وأن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم. وقد خرجت هذه الفرقة في زمن المتأخرين من الصحابة منهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما كما ورد في الحديث الصحيح عن يحيى بن يعمر قال: "كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الجميري حاجين أو معتمرين فقلنا لو لقينا أحداً من أصحاب النبي r فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر. فوافق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب وأخلى المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيَكِل الكلام إلي فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن ويتفقرون العلم وإنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف. قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم بُرآء مني والذي يحلف به عبدالله بن عمر لو ان لاحدهم مثل احد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر"([107]).
وقد كان رؤوس القدرية: معبد الجهني، وغيلان الدمشقي.وقد حذر منهم المتأخرون من الصحابة كعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وغيرهما وأوصوا بأن لا يسلم عليهم ولا يصلى على جنائزهم ولا يعاد مرضاهم.([108])وقد تبنت المعتزلة عقائد القدرية فيما بعد فأصبحت جزءاً من المعتزلة في قرننا الرابع، لذلك قال صاحب كتاب الفرق بين الفرق:([109])"القدرية والمعتزلة حادوا عن الحق. ثم عدد فرق المعتزلة فجعلهم فرقة واحدة".
المبحث الثالث: الجهمية:
خرجت في أوائل القرن الثاني الهجري من نواحي خراسان وهي فرقة تنسب إلى الجهم بن صفوان وقد قتله سلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية.([110])وقد وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد بقوله: لا يجوز أن يوصف الباري بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك يقتضي تشبيهاً.([111])وكان تلميذاً لجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري على الزندقة والإلحاد. وكان الجعد بن درهم أول من ابتدع القول بخلق القران, وتبعه على ذلك الجهم.([112])
والجهمية فرقة استمرت حتى القرن الرابع كما ذكر البغدادي([113])في كتابه الفرق بين الفرق وقال بأن أتباع جهم ظلوا إلى زمنه في نهاوند وترك فئة منهم المذهب الجهمي وصاروا أشعرية([114])ولكن عقائد الجهمية للعموم تبنتها المعتزلة، بل يرى ابن حزم رحمه الله([115])أن الجهمية
تدخل في المعتزلة في مجمل عقائدها يقول رحمه الله: "وقد يشارك المعتزلة في الكلام فيما يوصف الله تعالى به جهم بن صفوان ومقاتل بن سليمان و الأشعرية وغيرهم من المرجئة إلا أننا اختصصنا المعتزلة بهذا الأصل لأن كل من تكلم في هذا الأصل فهو غير خارج عن قول أهل السنة أو قول المعتزلة".([116])
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الذين امتحنوا الإمام أحمد هم الجهمية يقول رحمه الله تعالى:([117])"ثم ظهر جهم من ناحية المشرق من ترمذ ومنها ظهر، وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد وغيره من علماء السنة فإنهم في إمارة المأمون قووا وكثروا وكان ابن أبي دؤاد([118])قد جمع لـه نفاة الصفات من جميع الطوائف وعلماء السنة كابن المبارك وأحمد وإسحاق والبخاري  يسمون هؤلاء جميعهم جهمية وصار كثير من المتأخرين من أصحاب أحمد وغيره يظنون أن خصومه كانوا هم المعتزلة وليس كذلك بل المعتزلة نوع منهم. والجهم اشتهر عنه بدعتان: إحداهما نفي الصفات، والثانية الغلو في القدر والإرجاء فجعل الإيمان معرفة القلب, وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة وهذان مما غلت المعتزلة في خلافه فيهما".
ومهما يكن الأمر في التسمية فالجهمية لها أقوال في الصفات هي السابقة إليها وبناء على ذلك فكل من نفى شيئاً من الصفات يقال لـه جهمي أو فيه تجهم والمعتزلة هي السابقة في إنكار القدر فمن أنكر شيئا من القدر فهو معتزلي، وكلتا الفرقتين قد وجدتا في القرن الرابع الهجري وقد رد العلماء على كلتا الفرقتين و غيرهما من الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة.
المبحث الرابع: المعتزلة:
هي فرقة بدأت بشذوذها ومخالفتها لعلماء الأمة عندما خالف إمامها واصل بن عطاء شيخه الإمام العالم الحسن البصري رحمه الله في مسائل في الاعتقاد تخالف إجماع علماء المسلمين وذلك عندما قال بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين فهو ليس بمؤمن ولا كافر فطرده الحسن البصري من حلقته في جامع البصرة فاعتزل وجلس وحده عند إحدى سواري الجامع ثم بدأ يتجمع حوله ضعاف الإيمان وأصحاب الشبه أمثال عمرو بن عبيد وأخذ يقرر رأيه؛ ومنذ ذلك الحين "سُمي أتباعهما يومئذ معتزلة".([119])ولقد تبنت هذه الفئة بعد هذا التاريخ عقائد تخالف منهج السلف الصالح وفهمهم لنصوص الكتاب والسنة وأبرزها ما يلي:
1) القول بنفي صفات الله تعالى من العلم والقدرة والحياة وغيرها وبعد مطالعتهم كتب الفلاسفة انتهى نظرهم إلى رد جميع الصفات إلى صفتين هما كونه عالماً وقادراً.
2) نفي القدر كما تقول القدرية أمثال معبد الجهني وغيلان الدمشقي وقال واصل إن الباري حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه فقال الناس يومئذٍ لواصل إنه مع كفره قدري وجرى المثل بذلك في كل كافر قدري.
3) القول بالمنزلة بين المنزلتين وأن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر.
4) أن أصحاب الجمل وصفين أحدهما مخطئ لا بعينه وكذلك عثمان وقاتليه وخاذليه وأن أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أن أحد المتلاعنين فاسق لا محالة ولكن لا بعينه، ولا تقبل شهادة أحد الفريقين كما لا تقبل شهادة المتلاعنين فلا تقبل شهادة علي وطلحة والزبير على باقة بقل.([120])
ثم تعددت فرق هذه الطائفة بتعدد زعمائها فيما بعد, وكانوا في بداية الأمر لا أثر لهم ولا مكانة في الأمة حيث كانوا قلة لا يؤبه بهم خصوصا في مدة حكم بني أمية الذين كانوا على العموم يحاربون البدعة والمبتدعين وكانت المعتزلة تعد من جملة الجهمية والقدرية. قال ابن تيمية رحمه الله:([121])"لكن كانت البدع في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعة وكانت الشريعة أعز وأظهر وكان القيام بجهاد أعداء الدين من الكافرين والمنافقين أعظم، وفي دولة (أبي العباس المأمون) ظهر (الخرمية) ونحوهم من المنافقين، وعُرِّب من كتب الأوائل المجلوب من بلاد الروم ما انتشر بسببه مقالات الصابئين، وراسل ملوك المشركين من الهند ونحوهم حتى صار بينه وبينهم مودة. فلما ظهر ما ظهر من الكفر والنفاق في المسلمين وقوي ما قوي من حال المشركين وأهل الكتاب؛ كان من أثر ذلك ما ظهر من استيلاء الجهمية، والرافضة، وغيرهم من أهل الضلال وتقريب الصابئة ونحوهم من المتفلسفة؛ وذلك بنوع رأي يحسبه صاحبه عقلاً وعدلاً وإنما هو جهل وظلم إذ التسوية بين المؤمن والمنافق، والمسلم والكافر أعظم الجهل فتولد من ذلك محنة الجهمية حتى امتحنت الأمة بنفي الصفات والتكذيب بكلام الله ورؤيته وجرى من محنة الإمام أحمد وغيره ما جرى مما يطول وصفه".
ويقول ابن القيم رحمه الله بعد حديثه عن الصحابة رضوان الله عليهم:([122])"فمضى الرعيل الأول وضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ولم يلتبس بظلم الآراء, وأوصوا من بعدهم ألا يفارقوا ذلك النور الذي اقتبسوه منهم. فلما كان في آخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية بل كانوا للنصوص معظمين وبها مستدلين, ولها على الآراء والعقول مقّدمين ولم يدَّعِ أحد منهم أن عنده عقليات تعارض الوحي والنصوص وإنما أتوا من الفهم فيها فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر ورموهم بالعظائم وتبرؤوا منهم وحذروا من سبيلهم أشد التحذير وكانوا لا يرون السلام عليهم ومجالستهم, ولما كثرت الجهمية في آخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي ومع هذا فكانوا قليلين أذلاء مذمومين".
وذلك في القرن الأول الهجري وأوائل القرن الثاني إلا إنه حصل لمذهبهم انتشار وهيمنة على الأمة ردحاً من الزمن لعدة أسباب أهمها:
1) تمكن المعتزلة من بعض الخلفاء وإقامة روابط حميمة معهم مما أوجد لهم حظوة وحماية وفرصة لنشر آرائهم بين المسلمين؛ فعمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء كان صديقاً لأبي جعفر المنصور قبل أن يتولى الخلافة فكانت لـه عنده مكانة بعد توليه وقرّب أصحابه مما رفع قيمتهم في نظر أبناء وأحفاد المنصور لذا نجد هارون الرشيد يعهد إلى يحيى بن المبارك الزيدي المتوفى سنة اثنتين ومائتين للهجرة بتأديب ابنه المأمون، ولما تولى المأمون الخلافة جعل حجابه ووزراءه من المعتزلة فثمامة بن أشرس النميري رئيس فرقة الثمامية من المعتزلة المتوفى سنة ثلاث عشرة ومائتين من المقربين إليه ويقال بأنه هو الذي أغوى المأمون.([123])فكان المأمون يعقد المناظرات العلمية بينهم، وفي سنة ثماني عشرة ومائتين تبنى آراء المعتزلة بتأثير وزيره وكاتبه أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي وبدأ يلزم الناس بها ويهدد ويعذب من خالف بذلك. ومن أبرز تلك الآراء إلزام الناس بالقول بخلق القرآن تلك الفتنة المشؤومة التي امتحن فيها الناس وعلى رأسهم الإمام احمد بن حنبل رحمه الله حيث انكر على الخليفة المأمون وغيره القول بخلق القرآن وثبت على ذلك واستمرت هذه الفتنة أيام خلافة المأمون وخلافة المعتصم والواثق إلى أن رفعها الله في خلافة المتوكل. وعلى الرغم من انتهاء هذه الفتنة إلا أنها كانت قد ألقت بذوراً جديدة للاعتزال نبتت وأثمرت فيما بعد عقائد جديدة للمعتزلة ودعاة إليها ومدافعين عنها؛ فقد أخرجت تلك الثمار رؤساء كباراً للمعتزلة في أواخر القرن الثالث الهجري و أوائل القرن الرابع الهجري منهم أبو الحسين عبد الرحيم بن الخياط المتوفى سنة تسعين ومائتين والذي شارك القدرية في أكثر ضلالاتها، وتبعه على ذلك فرقة عرفت فيما بعد بالفرقة الخياطية من المعتزلة، ومن أبرز ما دعت إليه هذه الفرقة إنكار حجية أخبار الآحاد. ومنهم فرقة الجبائية أتباع أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي المتوفى سنة ثلاث وثلاثمائة خرجت في أول القرن الرابع الهجري, ويعتبر رئيسها أحد رؤوس الاعتزال, وهو الذي أغوى أهل خوزستان وكانت المعتزلة البصرية في زمانه على مذهبه ثم انتقلوا إلى مذهب ابنه أبي هاشم بسبب دعوة ابن عباد وزير آل بويه إلى مذهبه،([124])ومن ضلاله أنه سمى الله عز وجل مطيعاً لعبده إذا فعل مراداً له! ومن تلامذة أبي هاشم الإمام أبي الحسن الأشعري أحد أعلام هذا القرن الذي كان يعيش في حجره و تحت أكنافه حيث كان زوج أمه فخرج عليه وابتعد عنه لما عرف ضلاله ورد عليه وعلى المعتزلة في آخر حياته رحمه الله.([125]) كما نجد من فرقهم التي خرجت في القرن الرابع الفرقة الكعبية أتباع عبد الله بن أحمد بن محمد البلخي المعروف بأبي القاسم الكعبي المتوفى سنة تسع عشرة وثلاثمائة وهو أحد مشايخ المعتزلة وهو صاحب مقالات خالف بها من سبقه من المعتزلة منها: أن الله سبحانه وتعالى ليست لـه إرادة  وأن صيغ أفعاله واقعة منه بغير إرادة ولا مشيئة.([126])وقال عنه ابن كثير رحمه الله بعد أن ساق نقل ابن خلكان عنه هذا الكلام:([127])"وقد خالف الكعبي نص القرآن في غير ما موضع منها قولـه تعالى([128]) )وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ( وقوله([129]))وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا اقْتَتَلُوا( وقوله([130]))وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا( وقوله([131]))وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا( الآية وغيرها مما هو معلوم بالضرورة".
2) وإذا كان قربهم من الخلفاء مكن لهم فإن إسناد بعض الأعمال المهمة لهم في بعض البلدان ساعد على انتشار هذا المذهب المنحرف في أماكن أخرى بعيدة عن مركز الخلافة فمثلا نجد أن عبد الجبار بن أحمد المعتزلي يسند إليه قضاء قضاة الري تحت حكم مؤيد الدولة بن ركن الدولة([132])ويعتبر القاضي عبد الجبار من كبار المعتزلة ومنظريهم، والخليفة المقتدر يولي ذكاء الرومي الأعور سنة ثلاث وثلاثمائة إمرة مصر والصلاة, ويشتهر عنه ذكر الصحابة رضي الله عنهم بما لا يليق ونسب القرآن إلى مقالة المعتزلة.([133])ونجد مكانة لعبد الملك بن العاص القرطبي الذي تلقى الاعتزال في القيروان بعد رجوعه إلى الأندلس حيث أصبح مشاوراً في الأحكام هناك وتوفي سنة ثلاثين وثلاثمائة.([134])
3) تبني بعض المعتزلة الدعوة إلى الإسلام والذود عنه؛ لأن الدعوة إلى الإسلام تعتبر من سمات المسلمين الظاهرة حتى وإن كان عند بعضهم كثير من الخلل في العقيدة والسلوك فلا تكاد تخلو فرقة من الفرق المنتسبة إلى الإسلام من الدعوة إليه والدفاع عنه على قدر فهمها لَه؛ ومن هذه الفرق فرقة المعتزلة فقد كان لمؤسسيها ومتكلميها جهودهم في هذا المجال وهذا قد أعطاهم مكانة وانتشاراً لاسيما وأن ذلك برز من خلال منهجهم الكلامي الجديد الذي يدَّعون أنهم جاؤوا به لخدمة الإسلام والمسلمين فكان مجادلاتهم ومناظراتهم وتسليم خصومهم لهم محل إعجاب كثير ممن ليس لديه علم ومعرفة وبعد نظر؛ فهذا عمرو بن عبيد ناظر جرير بن حازم الأزدي فقطعه،([135])وهذا أبو الهذيل  العلاف جادل بعض الثنوية فقطعهم وأظهر باطلهم،([136])وهذا الجاحظ وضع الكتب الكثيرة في الرد على النصارى واليهود والزيدية كما أنه قاوم الخوارج؛ فكثير من المعتزلة لم يقصروا عن مقاومة المخالفين والدفاع عن الدين حتى تعدوا إلى الدعوة إلى الإسلام فقد كانوا يرسلون الوفود من أتباعهم لهذا الغرض إلى البلاد التي يكثر فيها المجوس أو غيرهم من الوثنيين؛ فقد أرسل واصل بن عطاء عبد الله بن الحارث إلى المغرب وحفص بن سالم إلى خراسان فأجابهما خلق كثير دخلوا في الإسلام([137])فهؤلاء الذين دخلوا في الإسلام لا يعرفون الإسلام إلا من خلال معرفة دعاتهم وفهمهم له.
إذاً فقد كان للمعتزلة وجود قوي في القرن الرابع الهجري وإن كان أقل بكثير من القرن الذي قبله فقد تعددت فرقهم وحل الشقاق بينهم فكل فئة تخطئ الأخرى أو تكفرها. يقول الإمام أبو الحسين الملطي([138])المتوفى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة عن الخلاف بين معتزلة بغداد ومعتزلة البصرة: "اختلاف كثير فاحش يكفر بعضهم بعضاً، وفي بعض ذلك الاختلاف أكثر من ألف مسالة نعوذ بالله من الريب كله ونسأله السلامة ومن لزم السواد الأعظم وترك الشك نجا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله". ويقول أيضاً عن كثرتهم: "واعلم أن للمعتزلة سوى من ذكرناهم جماعة كثيرة قد وضعوا من الكتب والهوس ما لا يحصى ولا يبلغ جمعه وهي في كل بلد وقرية لا تخلو منهم الأرض".([139])
المبحث الخامس: الشيعة أو (الرافضة):
لعل فرقة الشيعة من أقدم الفرق التي حادت عن منهج أهل السنة والجماعة بل هي والخوارج أقدم فرقتين في التاريخ الإسلامي تحيدان عن الحق فإذا كانت فرقة الخوارج خرجت على المسلمين وبالأخص الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكفرته وعدداً من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فإن فرقة الشيعة خرجت في أول الأمر كما تزعم لمناصرته والمطالبة بأحقيته بالخلافة. "والشيعة ليس لها ذكر أو وجود في عهد أبي بكر أو عمر أو عثمان ".([140])ويقول ابن حزم رحمه الله تعالى:([141])"ثم ولي عثمان وبقي اثني عشر عاماً وبموته حصل الاختلاف".
ولقد كان رأس الفتنة الذي تولى غرس بذرة الرفض والتشيع هو عبد الله بن سبأ اليهودي الذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان وأكدت طائفة كثيرة من الباحثين القدماء والمعاصرين أن ابن سبأ هو أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه وقد ورد ذكره في كتب السنة والشيعة على حد سواء.([142])
وإذا كانت الشيعة بدأت بمعنى الموالاة والنصرة لعلي رضي الله عنه إلا أنها لم تأخذ صفة الجماعة واسم التشيع إلا بعد مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما في كربلاء حيث بدأت كفرقة وانطلقت لتأسيس مذهبها الشيعي على أصول معينة تقوم في الأصل على تفضيل علي على بقية الصحابة يقول ابن حزم رحمه الله:([143])"ومن وافق الشيعة في أن علياً رضي الله عنه أفضل الناس بعد النبي r وأحقهم بالإمامة وولده من بعده فهو شيعي وإن خالفهم فيما عدا ذلك فيما اختلف فيه المسلمون فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعياً".
والذي أشار إليه ابن حزم هو المنهج الذي سار عليه الشيعة المتأخرة أما عموم الشيعة الأوائل فلم يكن هذا منهجهم يقول ابن تيمية رحمه الله: "الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر".واستمر الأمر عند الشيعة على ذلك قال أبو إسحاق السبيعي: "خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر وتقديمها، وقدمت الآن وهم يقولون ويقولون والله ما أدري ما يقولون". وأبو إسحاق السبيعي كان شيخ الكوفة وعالمها ولد في خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قبل استشهاده بثلاث سنين وعمّر حتى عام سبعة وعشرين ومائة للهجرة.
وقال ليث بن أبي سليم2: "أدركت الشيعة الأول لا يفضلون على أبي بكر وعمر أحدا". ومع أن هذا هو التوجه العام في الشيعة؛ فقد وجد في عهد علي من يلحن بتفضيله عليهما فكان رضي الله عنه يقول: "ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر".
بل وجد في عهده رضي الله عنه من يقول بالوصية لـه بالخلافة من النبي r ووجد منهم من غالى فيه حتى ادعوا فيه شيئا من الألوهية فعاقب من قال بذلك بالتحريق بالنار.([144]) يقول أبو حامد محمد المقدسي المتوفى سنة ثمان وثمانين وثمانمائة: "وكل شيعة علي الذين صحبوه لا يعرف عن أحد منهم أنه قدمه على أبي بكر وعمر لا في فقه ولا علم ولا غيرها بل كل شيعته الدين قاتلوا معه عدوّه كانوا مع سائر المسلمين يقدمون أبا بكر وعمر إلا من كان علي ينكر عليه ويذمه مع قلتهم في عهد علي وخمولهم كانوا ثلاث طوائف:
- طائفة غلت فيه كالتي ادعت فيه الإلهية فهؤلاء حرقهم بالنار.
- وطائفة كانت تسب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وكان على رأسهم عبد الله بن سبأ فلما بلغ علياً رضي الله عنه ذلك طلب قتله فهرب منه.
- وطائفة كانت تفضله على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فيقول: "لا يبلغني عن أحد منكم أنه فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري".([145])
ولعل أقرب إيجاز لمعرفة فرقة الشيعة وتوجهاتها العقدية بما يناسب عرضنا هذا هو ما ذكره الشهرستاني بأنهم الذين شايعوا علياً t على الخصوص:([146])"وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصايةً إما جلياً و إما خفياً واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده قالوا وليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم بل هي قضية أصولية هو ركن الدين لا يجوز للرسول عليه السلام إغفاله وإهماله ولا تفويضه إلى العامة وإرساله ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص وثبوت عصمة الأئمة وجوبا عن الكبائر والصغائر والقول بالتولي والتبري قولاً وفعلاً وعقداً إلا في حال التقية ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك ولهم في تعدية الإمامة كلام وخلاف كثير وعند كل تعدية وتوقف مقالة ومذهب، وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية. وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال وبعضهم إلى السنة وبعضهم إلى التشبيه".إن ما ذكره الشهرستاني رحمه الله من أن عدد فرقهم خمس إنما هي الأصول ثم يشير إلى أن اختلافات هذه الفرقة يصعب حصرها حيث قال:([147])"ثم إن الإمامية لم يثبتوا في تعيين الأئمة بعد الحسن والحسين وعلي بن الحسين على رأي واحد بل اختلافاتهم أكثر من اختلافات الفرق كلها حتى قال بعضهم إن نيفاً وسبعين فرقة من الفرق المذكورة في الخبر هو في الشيعة خاصة ومن عداهم فهم خارجون عن الأمة، وهم متفقون في سوق الإمامة إلى جعفر بن محمد الصادق ومختلفون في المنصوص عليه بعده من أولاده إذ كان لـه خمسة وقيل ستة أولاد". وهذا أيضا ما ذكره المسعودي في مروج الذهب وهو متهم بالاعتزال والتشيع وهو قبل الشهرستاني فقد توفي الشهرستاني عام 548هـ والمسعودي عام 436هـ أي أنه قضى جزءاً من حياته في القرن الرابع. وقد أشار إلى كثرة هذه الفرق الشيعية سعد القمي المتوفى سنة 301هـ أو 299هـ في كتابه (المقالات والفرق) وكذلك الشيعي الحسن النوبختي المتوفى سنة 310هـ في كتابه (فرق الشيعة) وهما من أهم كتب الشيعة المهتمة بالفرق، بل ذكر المقريزي في خططه أن فرق الشيعة بلغت ثلاثمائة فرقة.([148])
أهم عقائد الشيعة:
1- تعد الشيعة أكثر فرق الأمة تفرقاً و اختلافاً فمنهم الضال المبتدع ومنهم الغالي المتطرف بل إن كثيراً من تلك الفرق يكفر بعضها بعضاً، ولكن يجمعها عقيدة واحدة هي أن علياً رضي الله عنه هو الإمام المنصوص عليه من النبي r بالخلافة وأنه أولى الصحابة بها وأنه أفضلهم على الإطلاق. يقول أبو الحسن الأشعري رحمه الله:([149])"فالشيعة ثلاثة أصناف وإنما قيل لهم الشيعة لأنهم شايعوا علياً رضوان الله عليه بعد موته على سائر أصحاب رسول الله r". ويقول بعد ذلك عن الإمامية:([150])"وإنما سموا رافضة لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر وهم مجمعون على أن النبي r نص على استخلاف علي بن أبي طالب باسمه, وأظهر ذلك وأعلنه، وأن أكثر الصحابة ضلوا بتركهم الاقتداء به بعد وفاة النبي r, وأن الإمامة لا تكون إلا بنص وتوقيف وأنها قرابة, وأنه جائز للإمام في حال التقية أن يقول إنه ليس بإمام, وأبطلوا جميعا الاجتهاد في الأحكام, وزعموا أن الإمام لا يكون إلا أفضل الناس وزعموا أن علياً رضوان الله عليه كان مصيبا في جميع أحواله وأنه لم يخطئ في شيء من أمور الدين".
وقد مر معنا كلام ابن حزم في ذلك وهذا أدى بهم إلى احتقار بقية الصحابة والحط من قدرهم بل وسبهم وتكفيرهم وبخاصة أبو بكر وعمر وعثمان ومن قاتل علياً من أصحاب الجمل وصفين رضي الله عن الصحابة أجمعين. يقول الشهرستاني:([151])"وإن الإمامية تخطت عن هذه الدرجة إلى الوقيعة في كبار الصحابة طعناً وتكفيراً وأقله ظلماً وعدواناً فإن أكاذيب الرافضة كثيرة".
والذي يظهر والله أعلم أن إطلاق تسمية الرافضة يتعدى الفرقة الإمامية إلى غيرها من الفرق لأن كل فرقة منهم لا تقبل بإمامة الشيخين أبي بكر وعمر على أنها هي الإمامة الشرعية الكاملة؛ فالزيدية التي يقال بأن بعض فرقها قريب من أهل السنة، وقد نقل بعض العلماء بأن سبب تسمية الرافضة بهذا الاسم إنما هو لرفضهم زيد بن علي حين تولى الشيخين؛ يقول الشهرستاني:([152])"ولما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة منه وأنه لا يتبرأ من الشيخين رفضوه حتى أتى قدره عليه فسميت رافضة". فهذه الفرقة وإن كانت بدايتها تجيز خلافة الشيخين إلا أنها ترى أنها خلا ف الأولى وآل بهم الأمر في النهاية إلى أن ينهجوا منهج غيرهم من الشيعة يقول الشهرستاني:([153])"ومالت الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول وطعنت في الصحابة طعن الإمامية". ونتج عن هذه العقيدة عدة عقائد مثل القول بتحريف القرآن، وعدم قبول ما نقله الصحابة عن النبي r لاتهامهم بالخيانة، وعصمة الإمام وغيبته، وعدم الاعتراف بشرعية الخلافة القائمة ووجوب الخروج عليها والسعي لإسقاطها. ونتج أيضا سلوك عملي للشيعة يؤدي إلى الصدام مع أهل السنة وهو سب الصحابة وإعلان ذلك في المساجد والمناسبات.
2- هناك عقائد تبعوا غيرهم من الفرق الضالة فيها فيما يتعلق بصفات الرب والمعاد وأفعال العباد؛ يقول الشهرستاني عن الإمامية:([154])"وكانوا في الأول على مذهب أئمتهم في الأصول ثم لما اختلفت الروايات عن أئمتهم وتمادى الزمان اختارت كل فرقة طريقة وصارت الإمامية بعضها أخبارية معتزلة إما وعيدية وإما تفضيليه وبعضها إخباريه إما مشبهة وإما سلفية[155] ومن ضل عن الطريق وتاه لم يبال الله به في أي واد هلك". ويقول عن الزيدية:([156])"وزيد بن علي لما كان مذهبه هذا المذهب أراد أن يحصل الأصول والفروع حتى يتحلى بالعلم فتتلمذ في الأصول لواصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة مع اعتقاد واصل بأن جده علي بن أبي طالب في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأصحاب الشام ما كان على يقين من الصواب وأن أحد الفريقين منهما كان خاطئاً لا بعينه فاقتبس منه الاعتزال وصارت أصحابه كلها معتزلة". ويقول ابن تيمية رحمه الله عن الرافضة: "وعمدتهم في الشرعيات ما نقل لهم عن بعض أهل البيت وذلك النقل منه ما هو صدق ومنه ما هو كذب عمداً أو خطأً وليسوا أهل معرفة بصحيح المنقول وضعيفه كأهل المعرفة بالحديث؛ فهذه أصول الشرعيات عندهم وهي أصول فاسدة. أما عمدتهم في النظر والعقليات فقد اعتمد متأخروهم على كتب المعتزلة ووافقوهم في مسائل الصفات والقدر، والمعتزلة في الجملة أعقل وأصدق, وليس في المعتزلة من يطعن في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم أجمعين بل هم متفقون على تثبيت خلافة الثلاثة, أما التفضيل فأئمتهم وجمهورهم يفضلون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وفي متأخريهم من توقف في التفضيل وبعضهم فضل عليا؛ فصار بينهم وبين الزيدية نسب واشج من جهة المشاركة في التوحيد والعدل والإمامة والتفضيل"([157]).
وكان متكلمو الشيعة كهشام بن الحكم وهشام بن الجواليقي ويونس بن عبد الرحمن القمي وأمثالهم يزيدون في إثبات الصفات على مذهب أهل السنة؛ فلا يقنعون بما يقوله أهل السنة والجماعة من أن القرآن غير مخلوق وأن الله يُرى في الآخرة وغير ذلك من مقالات أهل السنة (والحديث) حتى يبتدعون في الغلو في الإثبات والتجسيم والتبعيض والتمثيل ما هو معروف من مقالاتهم التي ذكرها الناس. ولهذا تجد المصنفين في المقالات –كالأشعري- لا يذكرون عن أحد من الشيعة أنه وافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم إلا عن بعض متأخريهم, وإنما الذي يذكرون عنه في الإسلام أنه قال "إن الله جسم" هو هشام بن الحكم بل قال الجاحظ في كتابه الحجج في النبوة:([158])"ليس على ظهرها رافضي إلا وهو يزعم أن ربه مثله وأن البدوان تعرض لـه وأنه لا يعلم الشيء قبل كونه إلا بعلم يخلقه لنفسه. وقد كان ابن الرواندي وأمثاله من المعروفين بالزندقة والإلحاد صنفوا لهم كتباً أيضاً على أصولهم".
ولقد كان انتشار فرق من هذه الطائفة في القرن الرابع الهجري وهيمنتها على الأمة لم يسبق لـه مثيل ولم يأت بعده حتى الآن مثيل ونعوذ بالله أن يأتي بمثله أبداً وذلك يتضح من خلال الإشارات الآتية إلى أهم الفرق التي سيطرت في هذا القرن: الإمامية, والزيدية, والإسماعيلية.
1- الإمامية:
"وهم الذين قالوا بوجوب الإمامة ووجودها في كل زمان فالإمامية علم على من دان بوجوب الإمامة ووجوبها في كل وقت وأوجب النص الجلي والعصمة والكمال لكل إمام ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي وساقها إلى الرضا علي بن موسى ويسمون بالإثني عشرية".([159])ولقد كان لعقيدة التقية التي تمثل تسعة أعشار مذهبهم دور في الهيمنة على كثير من المناصب عند الولاة. يقول ابن تيمية رحمه الله:([160])"أما الرافضة فأصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد,وتعمد الكذب كثير فيهم وهم يقرون بذلك حيث يقولون ديننا التقية وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه, وهذا هو الكذب والنفاق". فبناءً على هذه العقيدة تبنوا التزلف عند الخلفاء والأمراء وأظهروا لهم الود والإخلاص حتى حصل لهم التمكن ومسك زمام الأمور في كثير من المدن والأعمال.
"وفرقة الإمامية تفترق إلى عدة فرق لكن الفرقة الإثني عشرية هي المتبادرة إلى الذهن عند الإطلاق من لفظ الإمامية القائلين بإمامة علي الرضا بعد أبيه موسى الكاظم، ثم بإمامة ابنه محمد التقي المعروف بالجواد، ثم بإمامة ابنه التقي المعروف بالهادي، ثم بإمامة ابنه الحسن العسكري، ثم بإمامة ابنه محمد معتقدين أنه المهدي المنتظر. ولم يختلفوا في ترتيب الإمامة على هذا الوجه وإن اختلفوا في وقت غيبة المهدي وعامها وسنه يوم غاب، بل قال بعضهم بموته وأنه سيرجع إلى الدنيا إذا عم الجور وفشا والعياذ بالله تعالى من الحور بعد الكور"([161])
فالشيعة الاثنا عشرية ساقت الإمامة في ذرية الحسين فقط ممن آثر التقية بدءاً بعلي زين العابدين وانتهاءً بالإمام الغائب محمد بن الحسن العسكري، وهي القائلة بالبداء ولذا نراها تنادي بأعلى صوت عند زيارة موسى الكاظم: أنت الذي بدا لله فيه. يعنون ما كان بزعمهم من تنصيب أخيه إسماعيل إماماً بعد أبيه وموته قبل أن ينال الإمامة ونصب أبيه إياه إماما.([162])وظهرت هذه الفرقة بعد سنة مائتين وستين عند ما اختفى إمامهم الذي يزعمون أنه دخل في سرداب في سامراء وينتظرون خروجه.
فهذه الفرقة إذن نشأت على مشارف القرن الرابع الهجري فمن المؤكد أن قوتها وترعرعها فيه لذلك كان لبروزها على الساحة الشيعية وكونها تؤمن بالتقية و بإمام مختفٍ لا وجود لـه بين الناس دافع قوي لكي تسعى أن يكون لها الهيمنة على مواطن كثيرة من العالم الإسلامي وإن كان أغلبه من أهل السنة وبخاصة أن الظروف في هذا القرن قد أصبحت مواتية لها نظراً لضعف الخلافة العباسية التي بدأ الضعف فيها منذ أن تولى الخليفة المقتدر سنة 325هـ حيث "أفضت إليه الخلافة وله ثلاث عشرة سنة وشهران إلا أياماً ولم يل الخلافة من بني العباس في هذا السن غيره فدبر الوزراء والكتاب وغلب النساء على أمره والخدم حتى أن جارية لأمه تعرف بثمل القهرمانة كانت تجلس للمظالم ويحضرها القضاة والفقهاء
والوزراء".([163])وهذا القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد الذي تولى بعد مقتل أخيه المقتدر بالله يخلع وتُسمل عيناه حتى سالتا سنة 322هـ وبقي أعمى لا يبصر.([164])
ثم يتوالى الضعف بعد ذلك حيث يتولى بعده الراضي بن المقتدر  ويكون آخر من يتولى كثيراً من سمات هيبة الخلافة ودلالتها فختم الخلفاء في أمور عدة منها: أنه آخر خليفة لـه شعر يدون، وآخر خليفة  انفرد بتدبير الجيوش والأموال، وآخر خليفة خطب على منبر يوم الجمعة، وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء، وآخر خليفة كانت لـه نفقة وجوائز وعطايا وجرايات وخزائن ومطابخ ومجالس وخدم وحجاب؛ كل ذلك يجري على ترتيب المستقدمين من الخلفاء.([165])
ويشير ابن كثير  إلى أحداث سنة أربع وعشرين وثلاثمائة فيقول:([166])"وفيها ضعف أمر الخلافة جداً وبعث الراضي إلى محمد بن رائق وكان بواسط يدعوه إليه ليوليه إمرة الأمراء ببغداد وأمر الخراج في جميع البلاد والدواوين، وأمر أن يخطب لـه على جميع المنابر، وأنفذ إليه بالخلع؛ فقدم ابن رائق إلى بغداد على ذلك كله، ووهى أمر الخلافة فاستقل نواب الأطراف بالتصرف فيها ولم يبق للخليفة حكم في غير بغداد ومعاملاتها ومع هذا ليس لـه مع ابن رائق نفوذ في شيء ولا تفرد بشيء ولا كلمة تطاع وإنما يحمل إليه ابن رائق ما يحتاج إليه من الأموال والنفقات وغيرها وهكذا صار أمر من جاء بعده من أمراء الأكابر كانوا لا يرفعون رأسا بالخليفة".
ويصف الراضي تلك الفترة بنفسه فيقول:([167])"كأني بالناس يقولون: أرضي هذا الخليفة بأن يدبر أمرَه عبدٌ تركيٌّ حتى يتحكم في المال وينفرد بالتدبير؟! ولا يدرون أن هذا الأمر قد أفسد من قبلي وأدخلني فيه قوم بغير شهوتي، فسلمت إلى قوم يتسحبون علي ويجلسون في اليوم مرات ويقصدوني ليلا، ويريد كل واحد منهم أن أخصه دون صاحبه وأن يكون لـه بيت مال خاص, وكنت أتوقى الدماء في تركي الحيلة عليهم إلى أن كفاني الله أمرهم . ثم دبر الأمر ابن رائق فدبره أشد تحسباً في باب المال منهم وانفرد بشربه ولهوه. ولو بلغه وبلغ  الذين قبله أن فرساً قد أخذوا الأموال واجتاحوا الناس، وقيل لهم أَخرِجوا إليهم فرسخاً لطلبوا  المال وطالبوا بالاستحقاق، وربما أخذوه ولم يبرحوا. ويتعدى الواحد منهم أو من أصحابهم على بعض الرعية، وآمر فيه بأمر فلا يمتثل ولا ينفذ ولا يستعمل، وأكثر ما فيه أن يسألني كلب من كلابهم فلا أملك رده، وإن رددته غضبوا وتجمعوا وتكلموا".
ويستطرد الراضي قائلاً عن بجكم التركي وتسلطه:([168])"فرضيت ضرورة ... وكان الأجود أن يكون الأمر كله لي كما كان لمن مضى قبلي، ولكن لم يجر القضاء بهذا".
وقد سيطر المنتسبون إلى هذا المذهب على أكثر مواطن الخلافة العباسية في القرن الرابع وأبرزهم فئتان هما:1-البويهيون. 2-الحمدانيون.
- البويهيون:
وفي أثناء هذا الضعف كانت قوة تزحف من الشرق باتجاه عاصمة الخلافة وهي قوة الديلم بزعامة بني بويه وهم ثلاثة إخوة: علي، والحسن، وأحمد. ينتسبون إلى والدهم أبي شجاع بويه بن فناخرو ويوصل بعضهم نسبه إلى الملك بهرام جور بن يزدجرد وهم ممن أسلم من الديلم على يد الأطروش الإمام الزيدي عندما كان داعية هناك كما سيأتي ذكره إن شاء الله.
وصاروا من جنود (ماكان بن كاكي) أحد قادة الديلم([169])ووجوهها، فلما ضعف (ماكان بن كالي) انضموا إلى قائد آخر من قادة الديلم يقال لـه (مراد ويج بن وزبيار) فأكرمهم وجعلهم قواده وولى علي بن بويه الكرخ فعظم أمره وأحبه الناس([170])حتى تمكن هؤلاء   البويهيون الذين دخلوا في الإسلام على أيدي الشيعة الزيديين في طبرستان وبدأوا السيطرة بجنودهم الديلم على شرق العالم الإسلامي حتى وصلوا قريباً من بغداد مقر الخلافة. وفي هذه الأثناء بدأ البويهيون يتحولون من المذهب الزيدي الذي كانوا عليه مثل أغلب الديلم الذين دخلوا الإسلام على أيدي دعاة الزيدية هناك إلى المذهب الاثني عشري الذي كان سائداً في بغداد فكان من الأيسر لهم أن ينتسبوا إلى العقيدة الاثني عشرية التي تقول بغيبة الإمام ولحين عودته تكون السلطة الفعلية ملكاً لا نزاع فيه لمن يستولي عليها شريطة أن ينافح عن قدسية الإسلام.
فلما رأى الخليفة المستكفي بالله قوة البويهيين وضعف رجال الخلافة رأى أن يستعين بهم فاستدعى أحمد بن بويه في يوم السبت الحادي عشر من شهر جمادى الأولى من عام أربعة وثلاثين وثلاثمائة ولقبه بمعز الدولة، ولقب أخاه عليا عماد الدولة، ولقب أخاه الحسن ركن الدولة وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على الدنانير والدراهم.([171]) لكنهم لم يكتفوا بهذا فبعد عدة أيام من دخول معز الدولة بغداد أراد الهيمنة على الخلافة هيمنة كاملة فقبض على المستكفي بالله بطريقة مهينة، ومن أسبابها قبض المستكفي بالله على الشافعي  رئيس الشيعة؛ ويحكي ابن مسكويه  في تجارب الأمم هذه الطريقة فيقول:([172])"فلما كان يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة  انحدر الأمير معز الدولة إلى دار السلطان وانحدر الناس على رسمهم فلما جلس المستكفي بالله على سريره ووقف الناس على مراتبهم ودخل الأمير معز الدولة فقـبَّل الأرض على رسمه ثم قـبَّل يد المستكفي بالله ووقف بين يديه يحدثه ثم جلس على كرسي فتقدم نفسان من الديلم فمدا أيديهما إلى المستكفي بالله وعلا صوتهما بالفارسية فظن أنهما يريدان تقبيل يده فمدها إليهما فجذباه بها وطرحاه إلى الأرض  ووضعا عمامته في عنقه وجراه، فنهض حينئذ معز الدولة واضطرب الناس وارتفعت الزعقات وساق الديلميان  المستكفي بالله ماشياً إلى دار معز الدولة و اعتقل فيها ونهبت دار السلطان حتى لم يبق فيها شيء وانقضت أيام خلافة المستكفي بالله وأحضر معز الدولة أبا القاسم الفضل بن المقتدر بالله إلى دار الخلافة في يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وخوطب بالخلافة وبويع ولقب المطيع لله".
ويتمادى البويهيون في إضعافهم للخلافة والخليفة حتى يستكثروا عليه ما بين يديه من الأموال التي لا تكاد تغطي حاجته وحاجة حاشيته القليلة التي بقيت لخدمته ففي عام واحد وستين وثلاثمائة يبعث البويهي (بختيار) بن معز الدولة بعد أن استولى على الأمر بعد وفاة والده إلى المطيع بالله يطلب منه مالا بدعوى الغزو والجهاد وهو يريد سلبه هذا المال القليل فيكون جواب المطيع بالله: الغزو يلزمني إذا كانت الدنيا في يدي وإلي تدبير الأموال والرجال، وأما الآن وليس لي منه إلا القوت القاصر عن كفايتي، وهي في أيديكم وأيدي أصحاب الأطراف فما يلزمني غزو ولا حج ولا شيء مما تنظر الأئمة فيه وإنما لكم مني هذا الاسم الذي يخطب به على منابركم تسكنون به رعاياكم فإن أحببتم أن أعتزل اعتزلت عن هذا المقدار أيضاً وتركتكم والأمر كله. وترددت المخاطبات في ذلك والمراسلات حتى خرجت إلى طرف من أطراف الوعيد واضطر إلى التزام  أربعمائة ألف درهم باع بها ثيابه وبعض أنقاض داره،([173])فأخذها ابن بويه وأنفقها في أغراضه وأهمل الغزو.
ويتكرر استخفاف البويهيين بالخلفاء فقد تم خلع الطائع لله بنفس الطريقة التي خلع بها المستكفي بالله فقد "رمي من السرير؛ جذبه بهاء الدولة بن عضد الدولة وقد مدَّ يده ليسلم عليه؛ وذلك في داره بموضع المدرسة المعروفة بالنظامية ونهبت الديلم دار الخلافة وكان خلعه في شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وأقام معتقلاً فقيراً ذليلاً حقيراً إلى أن توفي ليلة الفطر سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة".([174])
بل إن البويهيين لم يبقوا على الخلافة إلا لتسهيل حكمهم المسلمين من أهل السنة؛ يقول ابن الأثير:([175])"إن الديلم كانوا يتشيعون ويغالون في التشيع ويعتقدون أن العباسيين قد غصبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها فلم يكن عندهم اعتقاد ديني يحثهم على الطاعة حتى لقد بلغني أن معز الدولة استشار جماعة من خواص أصحابه في إخراج الخلافة من العباسيين والبيعة للمعز لدين الله العلوي أو لغيره من العلويين؛ فكلهم أشار عليه بذلك ما عدا بعض خواصه فإنه قال: ليس هذا برأي فإنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة، ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته فلو أمرهم بقتلك لفعلوه؛ فأعرض عن ذلك".
إذن كان سبب إبقائهم على اسم الخلافة في أهل السنة هو سهولة السيطرة عليهم والتحكم في تصريف الأمور بما يوافق معتقدهم، فكان في دخول الديلم بغداد وملك معز الدولة لها وتفويض الأمور لهم إلى هذا الحد قيامٌ للدولة الرافضية تحت مظلة خليفة أهل السنة فأصبحت الشيعة تجد الحماية والمساندة بلا حدود.
ومما يدل على الانحراف العقدي بسبب الهيمنة البويهية على أغلب مناطق الخلافة العباسية وبالأخص بغداد ما يلي:
أولاً- كانت الشيعة ضعيفة في بغداد وما جاورها لا تجرؤ على إعلان سب الصحابة أو الحط من قدرهم مع وجود بعض المتنفذين في وزارات الخلافة ممن يدين بالتشيع أو يميل إليه فمثلاً بنو الفرات يدينون بالرفض ويعرفون بالولاء لعلي وولده؛([176])ففي سنة 321هـ أشيع في بغداد أن الحاجب علي بن بيلق والحسن بن هارون كاتبه عزما على سب معاوية بن أبي سفيان على المنابر فاضطربت الناس وقبض بيلق على جماعة من الحنابلة ونفاهم إلى البصرة.([177])أما عندما تولى البويهيون الأمور فقد اختلفت الحال فبينما كانوا في السابق يدافعون أصبحوا هم الذين يبدأون ويتربصون بأهل السنة وتجري فتن عظيمة بسبب ذلك؛ فلا تكاد تمر سنة دون وقوع فتنة أو أكثر بين السنة والشيعة "وكانت هذه الفتن من الضخامة وشدة العنف أنها كانت تسفر عن إحراق أسواق بكاملها وتدمر ألوف الدكاكين والدور وقتل العديد من الطرفين".([178])
يقول أحمد الكسروي الشيعي الأصل الذي ترك التشيع بعد ما ثبت لـه بطلانه في كتاب (التشيع والشيعة) بعد أن تحدث عن فرية الإمام الغائب أو المختفي يقول:([179])"وساعدتهم من الحوادث ما كان من ضعف أمر الخلافة وقيام القائمين عليها وتوالي الفتن في بغداد فتفسح لهم المجال وتسهل الأمر، ثم استولى البويهيون وهم من الشيعة الإمامية على بغداد فصار مجالهم  أفسح وأمرهم أسهل فخرقوا ستار التقية وتجاهروا بآرائهم وعقائدهم فصاروا يبرزون في المجالس إلى علماء العامة ويحاجونهم بل يفاخرونهم ويتطاولون عليهم".
ومما يشهد على صحة ذلك نذكر بعض هذه الحوادث على سبيل التمثيل لا الحصر:
1) في عام تسع وأربعين وثلاثمائة "جرت وقعة هائلة ببغداد بين السنة والشيعة وتعطلت الصلوات في الجوامع سوى جامع براثا الذي يأوي إليه الرافضة وكان جماعة من بني هاشم قد أثاروا الفتنة فاعتقلهم معز الدولة بن بويه فسكنت الفتنة".([180])
2) وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة كتب الروافض على أبواب المساجد لعنة معاوية ابن أبي سفيان، ولعن من غصب فاطمة حقها من فدك يعنون أبا بكر، ومن أخرج العباس من الشورى يعنون عمر، ومن نفى أبا ذر ويعنون عثمان رضي الله عن الصحابة أجمعين، ولعنوا من منع دفن الحسن عند جده يعنون مروان بن الحـكم. وقد أيَّدهم على ذلك معز الدولة البويهي ولم ينكره ولم يغيره.([181])وقيل إنه هو الذي أمر بذلك؛([182])فمحاه أهل السنة بالليل، فأمر معز الدولة بإعادته، فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب: ألا لعنة الله على الظالمين لآل محمد، ولعن معاوية فقط.([183])
3) وقع في هذه السنة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة فتنة عظيمة بين أهل البصرة بسبب السب أيضاً قتل فيها خلق كثير وجم غفير.([184])
4) ثم استمرت الأحداث في هذا القرن على هذا المنوال حتى نهايته حيث وقعت فتنة عظيمة يحكي لنا ابن العماد عنها في أحداث سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة فيقول:([185])"قصد رجل شيخ الشيعة ابن المعلم وهو الشيخ المفيد وأسمعه ما يكره فثار تلامذته وقاموا واستنفروا الرافضة، وأتوا دار قاضي القضاة أبي محمد بن الأكفاني، والشيخ أبي حامد الإسفراييني فسبوهما وحميت الفتنة. ثم إن السنة أخذوا مصحفاً قيل إنه على قراءة ابن مسعود، فيه خلاف كثير، فأمر الشيخ أبو حامد والفقهاء بتحريقه، فأحضر بمحضر منهم، فقام رافضي وشتم من أحرق المصحف، فأُخذ وقُتل، فثارت الشيعة، ووقع القتال بينهم وبين السنة، واختفى أبو حامد، واستظهرت الروافض وصاحوا: الحاكم يا منصور، فغضب القادر بالله، وبعث خيلاً لمعاونة السنة، فانهزمت الرافضة، وأُحرقت بعض دورهم وذلوا، وأمر عميد الجيوش بإخراج ابن المعلم من بغداد، فأُخرج، وحبس جماعة، ومنع القصاص مدة".
ثانياً- ومن القبائح الفظيعة والبدع الشنيعة التي أدخلها الشيعة البويهيون على الأمة الإسلامية ما يلي:
1) ابتداع مأتم عاشوراء وما فيه من الفضائح، وكانت بداية هذه المآتم سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة عندما ألزم معز الدولة الناس بغلق الأسواق ومنع الطباخين من الطبخ في يوم عاشوراء ونصب القباب في الأسواق وتعليق المسوح عليها وإخراج النساء منشورات الشعور يقمن المآتم على الحسين بن علي رضي الله عنهما "وهذا أول يوم وقعت فيه هذه العادة القبيحة الشيعية ببغداد وكان ذلك في صحيفة معز الدولة بن بويه، ثم اقتدى به من جاء بعده من بني بويه وكل منهم رافضي خبيث".([186])وفي سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة عمل يوم عاشوراء كعام أول من المأتم والنواح إلى الضحى فوقعت فتنة عظيمة بين أهل السنة والرافضة.([187])وفي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة عمل المأتم ببغداد كالسنة الماضية ولم يخرج لهم السنة خوفاً من معز الدولة بن بويه.([188])وهكذا كانت تنكر كل عام ويقع بسببها فتن عظيمة.
2) وابتدع بدعة أخرى يظهر فيها الفرح والصخب وهي بدعة الاحتفال بيوم الغدير في السنة التي ابتدع فيها مأتم عاشوراء سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة حيث أمر بالاحتفال بيوم الغدير في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة وجعله عيداً تنصب فيه القباب والزينة وتشعل النيران بدار الشرطة وأبواب الأمراء إظهاراً للفرح بهذا اليوم، وتفتح الأسواق بالليل كما يفعل في الأعياد.([189])وهذا اليوم معروف عند أهل الحديث والسير حيث إن النبي r خطب بغدير خم يوم مرجعه من حجة الوداع -موضع ماء بين مكة والمدينة– (فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد؛ ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي).([190])قال شيخ الإسلام ابن تيمية:([191]) "فزاد بعض الأهواء في ذلك حتى زعموا أنه عهد  إلى علي رضي الله عنه بالخلافة بالنص الجلي بعد أن فرش لـه وأقعده على فرش عالية وذكروا كلاماً باطلاً وعملاً قد علم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء".
3) بدعة تعظيم القبور والبناء عليها، ونلحظ ذلك فيما يلي: أن عضد الدولة هو الذي أظهر قبر الإمام علي t بالكوفة وبنى عليه المشهد الذي هناك.([192])ولما مات عماد الدولة بن بويه وقدم أخوه ركن الدولة من الري لمساعدة ابنه عضد الدولة الذي ولاه عمه مملكته بفارس قبل وفاته "فلما وصل ركن الدولة إلى شيراز ابتدأ بزيارة قبر أخيه عماد الدولة بأصطخر فمشى إليه حافياً حاسراً ومعه العساكر على تلك الحال ولزم القبر ثلاثة أيام إلى أن سأله القواد والأكابر الرجوع إلى المدينة فرجع إليها سنة 338هـ".([193])
قال الذهبي:([194])"كان شيعياً جلداً أظهر بالنجف قبراً زعم أنه قبر علي وبنى عليه المشهد وأقام شعار الرفض ومأتم عاشوراء والاعتزال وقال أبياتا شعرية:

لَيْسَ شُرْبُ الرَّاحِ إِلا فِي الْمَطَرْ

 

وَغِنَاءٍ مِنْ جَوَارٍ فِي السَّحَرْ

مُرَّ ذَاتِ الْكَأْسَ مِنْ مَطْلَعِهَا

 

سَاقِيَاتِ الرَّاحِ مَنْ فَاقَ الْبَشَرْ

عَضُدَ الدَّوْلَةِ وَابْنَ رُكْنِهَا

 

مَلَكَ الأَمْلاكَ غَلابُ الْقَدَرْ".

وقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية هذه الأبيات وقال:([195])"قبحه الله وقبح أولاده فإنه قد ألحد في أبياته هذه فلم يفلح بعدها".
4) ومن  البدع التي سعى البويهيون إلى إحداثها التفاخر بالألقاب فمنذ أن استولى أحمد بن بويه على بغداد كان أول ما طلبه من الخليفة أن يخلع عليه من الألقاب وعلى إخوانه ما يعطيهم الأبهة والعظمة، وقد تسابق أبناؤهم من بعدهم على الإكثار من الألقاب والنعوت حتى وصل الأمر بعضد الدولة أن يتسمى بشاهنشاه (أي ملك الملوك) فهو أول من خوطب بالملك شاهنشاه في الإسلام وأول من خُطب لـه على منابر بغداد بعد الخلفاء.([196])
يقول ابن كثير:([197])"وهو أول من تسمى شاهنشاه وهو ملك الملوك، وقد ثبت في الصحيح عن النبي r أنه قال: (أوضع اسم -وفي رواية أخنع اسم - عند الله رجلٌ تسمى ملك الملوك -وفي رواية ملك الأملاك- لا ملك إلا الله عزَّ وجل)".
"وفي سنة 363هـ في عاشوراء عملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السنة والروافض وكلا الفريقين قليل عقل أو عديمه بعيد عن السداد، وذلك أن جماعة من عوام أهل السنة أركبوا امرأة على جمل وسموها عائشة وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم بالزبير، وقالوا: نقاتل أصحاب علي، فقُتل بسبب ذلك من الفريقين خلق كثير".([198])وقد تعدى أثرُ هذه البدع الشيعةَ ليشمل أهل السنة حيث عمدوا إلى تقليدهم فيها. يقول  ابن العماد رحمه الله:([199])"فعمدت غالية السنة وأحدثوا في مقابلة يوم الغدير يوم الغار وجعلوه بعد ثمانية أيام من يوم الغدير وهو السادس والعشرون من ذي الحجة  وزعموا أن النبي r وأبا بكر اختفيا في الغار. وهذا جهل وغلط فإن أيام الغار إنما كانت بيقين في صفر وفي أول شهر ربيع الأول، وجعلوا  بإزاء يوم عاشوراء بعده بثمانية أيام يوم مصرع مصعب بن الزبير، وزاروا قبره يومئذ بمسكن وبكوا عليه، ونظروه بالحسين لكونه صبر وقاتل حتى قتل، ولأن أباه ابن عمة النبي r وحواريه وفارس الإسلام كما أن أبا الحسين ابن عم النبي r وفارس الإسلام؛ فنعوذ بالله من الهوى والفتن ودامت السنة على هذا الشعار القبيح مدة سنين".
ثالثاً- ومن دعم البويهيين الواضح للتشيع دفاعهم عن الملاحدة إذا كان هؤلاء الملاحدة ينتسبون للشيعة أو يزعمون أنهم شيعة لآل البيت؛ فهذا الوزير المهلبي يظفر بقوم يقولون بالتناسخ "وفيهم امرأة تزعم أن روح فاطمة رضي الله عنها انتقلت إليها، وفيهم آخر يزعم أنه جبريل, فضربوه, فتعزوا بالانتماء لأهل البيت فأمر معز الدولة بإطلاقهم لتشيع كان فيه والمشهور عن بني بوبه التشيع والرفض".([200])
وتتوالى أعمال البويهيين المخالفة للكتاب والسنة حتى يصل الأمر إلى الاستهانة بالإسلام وعلمائه؛ فقد أقاموا مجالس الإلحاد والشك في الأديان فيجمع في المجلس الفرق من السنة والمبتدعة واليهود والنصارى والمجوس والدهرية, ولكل فرقة رئيس يتكلم وينصر مذهبه فإذا جاء رئيس قام الكل لـه فيقول واحدهم: تناظروا ولا يحتج أحد بكتابه ولا نبيه فإنا لا نصدق بذلك ولا نقرُّ به بل هاتوا العقل والقياس. قال مؤلف سير أعلام النبلاء:([201])"فنحمد الله على العافية فلقد جرى على الإسلام في المئة الرابعة بلاء شديد بالدولة العبيدية بالمغرب، وبالدولة البويهية بالمشرق، وبالأعراب القرامطة فالأمر لله تعالى".
وإننا عندما نتبع أحداث التاريخ في هذا القرن نجد أنها تصب في هذا المنوال من ظهور التشيع في مقر الخلافة حتى البلاد الإسلامية في المشرق وكذلك من بغداد حتى نهاية البلاد الإسلامية في المغرب عدا الأندلس كما سيأتي إن شاء الله.
- الحمدانيون في الموصل والشام:
وإذا كان البويهيون الديلم حكموا بغداد في هذا القرن حتى أقصى بلاد المسلمين في الشرق وكان لهم أثرهم على المسلمين لمحاربتهم السنة ونشرهم البدعة فإن هناك أسرة تجاورهم في جزء من العراق وأغلب بلاد الشام وتشاركهم في المعتقد وتلتقي معهم في الهدف هذه الأسرة هي أسرة بني حمدان العربية فهم ينتسبون إلى جدهم حمدان بن حمدون إلى إن ينتهي نسبهم إلى تغلب.
وكان لحمدان أبناء كثيرون منهم الأمير أبو الهيجاء عبد الله الذي سرت الإمارة في نسله "وقد كان يتقلد جلائل الأعمال وتولى الموصل إلى سنة 301هـ وولي طريق مكة والحرمين وخفارة الحجاج وجرى لـه مع الأعراب كل غريب، وكان شجاعاً عافاً كريماً محبوباً إلى الخلفاء والأجناد وكانت القرامطة إذا أوردت خيولها الماء فنفرت منه يقولون لها: تخافين من الماء أبو الهيجاء فيه لهيبته عندهم واشتهاره لديهم".([202])وقد قتل في محرم سنة سبع عشرة وثلاثمائة في قصر الخلافة وهو يدافع عن الخليفة القاهر الذي خلعه الجند، وتولى بعده ولداه الحسن وعلي فالحسن تولى أيام الخليفة الراضي بالله الموصل سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وخلع عليه الخليفة المتقي لله لقب ناصر الدولة، وعلى أخيه لقب سيف الدولة،([203])وقد ولاه المتقي لله في أول ا لأمر الوزارة ثم خلعه، واستمر حاكماً للموصل إلى أن قبض عليه ولده عدة الدولة أبو تغلب فضل الله وسجنه عام ست وخمسين حتى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة.([204])
أما أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان سيف الدولة فقد استولى على ديار بكر سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، وملك بعد ذلك جميع بلاد أرمينية وما جاورها بلاد بكر من الران ثم ملك حلب وانتزعها من الإخشيد ثم قلده الخليفة بعد ذلك الثغور: الجزيرة وهي طرطوس، وعين زربة، والمصيصة وما جاورها من الثغور من غير أداء مال عن شيء مما بيده من الأعمال لأنه به كفى الله المسلمين أمر الروم فاقتنع الخليفة منه بذلك، وكان لـه مع الروم نحو من أربعين وقعة وقعت لـه وعليه، وقد توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة ومدة ملكه ثلاثون سنة.([205])
وقد استمر حكم هذه الدولة إلى أن استولى العزيز نزار صاحب مصر على بلاد الشام وتنازل أبو الفضائل آخر أمراء بني حمدان عنها عام خمس وثمانين وثلاثمائة. ولقد اشتهر بنو حمدان في التاريخ الإسلامي بسبب وقوع دولتهم في مواجهة الدولة الرومانية أو ما يسمى بالثغور في أطراف العراق وبلاد الشام وكثرة حروبهم التي خاضوها مع الروم وإن كان أهل السنة المعاصرون لهم والعلماء المتأخرون يرون أن السبب الرئيس لهزيمة المسلمين وتسلط الروم هو بسبب ولاية هؤلاء الشيعة على المسلمين , فقد اغار الروم سنة إحدى وستين وثلاثمائة على الجزيرة وديار بكر وقتلوا خلقاً كثيراً من أهل الرها. وقام العامة بعد ما تجهزوا بالهجوم على الشيعة لأنهم يرون أن ما أصابهم هو بسببهم؛ يقول ابن كثير رحمه الله:([206]) "وكذلك سيف الدولة بن حمدان يغلب عليه التشيع وميل للرفض لا جرم أن الله لا ينصر أمثال هؤلاء بل يديل عليهم أعداءهم لمتابعتهم أهواءهم وتركهم أنبياءهم وعلماءهم.. إلى أن قال رحمه الله: وكل ذلك من بعض عقوبات المعاصي وإظهار سب خير الخلق بعد الأنبياء ".
وقال في أحداث سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة:([207])"وفيها قصد دمستق الروم وفي صحبته الدمستق ملك الأرمن بلد طرطوس وكان في عزمهم يريدون أن يستحوذوا على البلاد الإسلامية كلها وذلك لسوء حكامها وفساد عقائدهم في الصحابة".
وقد كان أيضاً من أسباب اشتهار بني حمدان ما يتصفون به من الشجاعة والكرم واعتنائهم باللغة والأدب.
ويرى بعض الباحثين أن تشيع الحمدانيين كان تشيع ضرورة حتى يأمنوا جانب أصحاب النفوذ في بغداد من الشيعة وخاصة البويهيين الذين ازداد خطرهم على بغداد سنة 334هـ
حينما دخل معز الدولة بغداد.([208])ولكن الواقع لا يؤيد هذا لأن الضرورة تكون في غض الطرف عن بعض تصرفات أولئك أما أن يتبنى الحمدانيون التشيع ويعملوا على تأصيله في بلادهم فهذا مما يدل على تشيعهم الحقيقي، ومما يؤيد هذا القول ما يلي:
1) حمايتهم للشيعة والدفاع عنهم والاهتمام بأمرهم؛ ففي أثناء وزارة ناصر الدولة للخليفة المتقي لله قبل بروز نجم دولة آل حمدان وتوسع مملكتهم بدأ الرفض بسببه يظهر ويستعلي فتذمر الناس وشكوا للخليفة "أن أمر الرفض قد تمكن ببغداد، فنادى مناد في جانبي بغداد عن السلطان ببراءة الذمة ممن سمع يذكر أحداً من الصحابة بسوء".([209])
ولما أمر الخليفة التقي بالقبض على رئيس الرافضة الملقب (بابن المطلب) من أهل باب الطاق (وحمله إلى داره وقيده وحبسه) [210]في يوم الجمعة لثلاث خلون من صفر سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة قام أحد خدم الخليفة قبل الصلاة بضرب عنق ابن المطلب المتهم بالرفض وكان (ناصر الدولة) وأصحابه يعتنون به ورمى بجسمه في أزقة الشماسية فبكر الناس يوم السبت فأخذوه وغسلوه وكفنوه بعد أن صلي عليه بمسجد براثا ودفن هناك.([211])ولما طلب محمد بن على الشلمغاني القائل بالحلول والتناسخ هرب إلى الموصل وبقي سنين عند ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان.([212])
وكما كان هذا الاعتناء بالشيعة ومحاولة بسط نفوذهم هو ديدن (ناصر الدولة) كذلك كان ديدن أخيه سيف الدولة فقد ذكر الصاحب كمال الدين بن العديم في كتابه المخطوط (بغية الطلب في تاريخ حلب) أنه في عام واحد وخمسين وثلاثمائة هاجم الروم حلب وقتل معظم أهلها فنقل لها سيف الدولة جماعة من الشيعة من حران وكان سيف الدولة نفسه يتشيع فغلب على أهلها التشيع.([213])
2) ومما يدل على التشيع الواضح لبني حمدان أيضاً أن ناصر الدولة لما ضرب دراهم ضرب على أحد وجهيها (لا إله الا الله- المطيع لله ناصر الدولة) وعلى الآخر (محمد رسول الله- علي ولي الله ). وفي بعضها (ناصر الدولة عبد آل محمد).([214])وسيف الدولة ضرب دنانير من فئة ثلاثين ديناراً وعشرين وعشرة دنانير كتب عليها (محمد رسول الله- أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- فاطمة الزهراء- الحسن والحسين وجبريل عليهم السلام) وعلى الجانب الآخر (أمير المؤمنين المطيع لله- الأميران الفاضلان ناصر الدولة وسيف الدولة- الأميران أبو تغلب، وأبو لمكارم).([215])
3) إبراز المشاهد والقبور لآل البيت؛ يقول أحد الباحثين المعاصرين:([216])"عمد الأمراء والخاصة إلى تشييد المساجد والمشاهد والمراقد الخاصة بالأولياء وذوي الفضل ونستطيع أن نستنتج بأن الحمدانيين الشيعة عنوا أكبر عناية بإحياء ذكر الأئمة العلويين وآل البيت عموماً ولا بد أن المراقد والمشاهد الكثيرة التي حفلت بها الموصل في ذلك العصر يرجع بعضها على الأقل إلى هذه الفترة التي حكم فيها الحمدانيون في الجزيرة، وهناك جانب (دير الأعلى) مشهد عمرو بن الحمق الخزاعي الصحابي الذي بقي على حبه للإمام علي بن أبي طالب وحين طلبه معاوية فر إلى الموصل ويقال إن رأسه حمل إلى معاوية ودفنت جثته في هذه المدينة وقد بنى على قبره سعيد بن حمدان مشهداً سنة 336هـ مما أثار يومئذ فتنة بين الشيعة والسنة هناك ".
4) ومما يدل على تشيعهم الحقيقي أيضاً شعر أبي فراس الحمداني ابن عم سيف الدولة وصهره وهو يتوسل بالأئمة الاثني عشر حيث يقول:

لست أرجو النجاة من كل ما

 

أخشاه ألا بأحمد و علـي

وبنت الرسول فاطمة الطهـ

 

ـر وسبطيه والإمام علي

والتقي النقي باقر علم اللــ

 

ــه فينا محمد بن  علي

وابنه جعفر وموسى ومـولا

 

نا علي أكرم من عـلي

وأبي جعفر سمي رسول الله

 

ثم ابنه  الزكي عــلي

وابنه العسـكري والقائم

 

المظهر حقي محمد بن علي

فيهم ارتجـي بـلــوغ الأمــاني

 

يـوم عـرضـي عـلـى الإله العلي

ويصرح أبو فراس بتشيعه وبغضه للخلفاء العباسيين في قصيدته، ويتكرر مثل هذا في أكثر من قصيدة.([217])
- الزيـــدية:
إن التوجه الشيعي الزيدي أو فرقة الزيدية التي سارت على منهج زيد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم "ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة رضي الله عنها ولم يجوزوا إمامة في غيرهم إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة يكون إِمَاماً واجب الطاعة سواء أكان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين وجوزوا خروج إمامين في قطرين يجمعان هذه الخصال ويكون لكل واحد منهما واجب الطاعة".([218])وبالرغم من أن عقيدة هذه الفرقة أكثر اتساعاً من الفرقة الإمامية للخروج على سلطان خلفاء أهل السنة إلا أنهم لم يتمكنوا من إقامة دولة أو سلطة لهم مع كثرة الثورات التي قاموا بها إلا في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري حيث كان دعاتهم يتنقلون بين الكوفة و الحجاز إلى أن استقر ببعضهم المقام في اليمن وفي الشرق الإسلامي في طبرستان وما جاورها فكانت لهم دولتان واحدة في اليمن والأخرى في طبرستان:
أولاً- الدولة الزيدية في اليمن: وكان ابتداء أمرها عندما أتى الشريف (الهادي إلى الحق) يحيى بن الحسين بن القاسم الذي ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب أتى إلى
اليمن وأقام في صعدة ومخاليف صنعاء ودعا الناس إلى التشيع وكان أهل اليمن صنفين إما مفتون بهم و إما خائف متمسك بنوع من الشريعة إما حنفي وهو الغالب أو مالكي.([219]) وقد دخلها يحيى بن الحسين المذكور عام ثمانين و مائتين بطلب أهلها وخرج منها ورجع مرة أخرى عام أربعة وثمانين ومائتين ثم استمر حكمه على أجزاء كثيرة من اليمن حتى توفي سنة ثمان وتسعين ومائتين وتولى الأمر من بعده ابنه محمد بوصية من أبيه إلى أن قدم أخوه أحمد فتنازل لـه عن الإمامة عام ثلاثمائة وواحد للهجرة أي في بداية هذا القرن.([220])
ثانياً- ابتدأت الدعوة للزيدية في طبرستان عندما هرب محمد بن القاسم بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من الكوفة سنة تسع عشرة ومائتين إلى خراسان عندما خاف على نفسة "وتنقل في مواضع كثيرة كمرو وسرخس وطالقان و نسا فكانت لـه هناك حروب وكمائن وانقاد إليه وإلى إمامته خلق كثير من الناس إلى أن تم أسره وإرساله إلى المعتصم بسر من رأى. وفي سنة خمسين ومائتين ظهر بطبرستان الحسن بن محمد بن إسماعيل ابن الحسن بن علي بن أبي طالب t فغلب عليها الحسن وعلى جرجان بعد حروب كثيرة إلى أن مات سنة سبعين ومائتين  فخلفه أخوه محمد بن زيد فدخل الديلم في سنة سبع وسبعين ومائتين فصارت في يده إلى أن تولى أمرها الحسن بن علي المعروف بالأطروش وولده ثم الداعي الحسن بن القاسم وذلك في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع حيث إن الحسن بن علي بن الحسن بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب استولى على طبرستان وكان يلقب بالناصر وذلك سنة واحد وثلاثمائة أي في بداية هذا القرن وقد اشتهر بلقب الأطروش لأنه كان به صمم بسبب ضربة بالسيف على رأسه في إحدى حروبه فطرش "وقد أسلم على يديه من الديلم الذين هم وراء أسفيدروذ إلى ناحية (آمل) وهم يذهبون مذهب الشيعة وكان الأطروش زيدي المذهب".([221])وقد مال الناس إليه لأنه "كان عادلاً ولم ير الناس مثله في عدله وحسن سيرته وإقامته الحق".([222])وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة ويلي أمرهم،([223])حتى قتل الحسن بن القاسم سنة ست عشرة وثلاثمائة.([224])وقد استمر تمسك الناس بهذا المذهب ردحاً من الزمن حتى أن الصاحب بن عباد الكاتب المشهور المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة كان من أتباع هذا المذهب وله كتاب في نصرة مذهب الزيدية.
- الإسماعيلية:
لما ظفر العباسيون بالخلافة لم يرحب بهم العلويون من أبناء الحسن بن علي والحسين بن علي بن أبي طالب، واستمر النزاع بين الفريقين طوال العصر العباسي الأول، غير أن أحفاد الحسن بن علي المعروفين بالحسنيين لم يكونوا متفقين مع أحفاد الحسين بن علي الذين عرفوا بالحسينيين فقد تخلى جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين عن محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب المعروف بالنفس الزكية، وأخذ يعمل في الخفاء ليمهد السبيل لأبنائه من بعده للوصول إلى الخلافة، واستطاع بحسن سياسته أن يقنع بقايا العلويين من أحفاد الحسن بن علي الذين التفوا حوله بعد أن بدد العباسيون شملهم أنه الوارث الحقيقي لعلي وفاطمة رضي الله عنهما.
وقد انحصرت زعامة العلويين منذ أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي في جعفر الصادق وهو الإمام السادس عند طائفة الإمامية، وكانت هذه الطائفة تذهب إلى أن الإمامة تكون في سلالة علي عن طريق ابنه الحسين، وأنها لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد أن انتقلت من الحسن إلى الحسين، ولا تكون إلا في الأعقاب. وقد خرج بعض الإمامية على هذه التعاليم بعد موت جعفر الصادق سنة 148هـ وانقسموا إلى طائفتين:([225])
- الإمامية الموسوية: وهم الذين أطلق عليهم فيما بعد الإمامية الاثني عشرية. ويقولون بإمامة موسى الكاظم بن جعفر الصادق وهو عندهم الإمام السابع لأن الله-تعالى عما يقولون- قد بدا لـه أن يستبدله بدلاً من أخيه إسماعيل الذي توفي في حياة أبيه سنة خمس وأربعين ومائة للهجرة. كما مر معنا في مبحث الإمامية الاثني عشرية.
- الإمامية الإسماعيلية: وهم القائلون بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق أكبر أولاد أبيه حيث رأوا أن الإمامة يجب أن تنتقل بعده إلى ابنه محمد بن إسماعيل بناء على عقيدتهم التي اتفقوا عليها، والتي تنص على أن الإمامة لا تنتقل من أخ إلى أخ بل تظل في الأعقاب، وبذلك حولوا الإمامة إليه وأصبح الإمام السابع عندهم. وأُطلق على هذه الطائفة اسم السبعية لتمييزهم عن طائفة الاثني عشرية.
وهكذا انتقلت إمامة الإسماعيلية في نظرهم إلى محمد بن إسماعيل بعد وفاة جده جعفر الصادق، وأمعن أنصاره في التخفي ونشر الدعوة لـه سراً أيام الخلفاء العباسيين المهدي والهادي والرشيد، وهي الدعوة التي أنبتت الخلافة الفاطمية فيما بعد. ولما ذاعت دعوته في خلافة الرشيد أيقن أن بقاءه في المدينة النبوية سيسهل على العباسيين تتبع حركاته والقبض عليه أو التخلص منه، فرحل منها شرقاً وأخذ يتنقل بين أرجاء الدولة الإسلامية، فذهب إلى الري، ثم توجه إلى جبل (دماوند) القريب منها واستقر هناك بقرية تدعى (سملا) وأطلق عليها فيما بعد اسم (محمد أباد) نسبة إليه.
وقد خرج في قرننا الرابع طائفتان تدعي كلٌّ منهما أنها قامت لتحقيق الإمامة في ولد محمد بن إسماعيل وهاتان الطائفتان هما: القرامطة والفاطميون، وبما أن كل واحدة منهما غامضة النشأة منحرفة في المنهج فإني أتوسع في تفصيل تاريخ كل منهما على النحو التالي:
 
أولاً- القرامطة:([226])
وهم جماعة من الأعراب والزنادقة سميت بهذا الاسم نسبة إلى قرمط وقد اختلف من المقصود بهذا اللقب فقيل إنه رجل ظهر في الكوفة سنة ثمان وسبعين ومائتين ونزل في موضع منها يقال لـه (النهرين) وتظاهر بالورع والزهد والتقشف فكان يسف الخوص ويأكل من كسب يده ويكثر من الصلاة، وكان إذا جاءه شخص وجلس معه تحدث إليه وزهده في الدنيا وذكَّره بالآخرة والصلاة والعبادة.
وقيل إنه سمي بقرمط لشرائه ثوراً من صاحب لـه فارسي كان يدعى (كرميتة) لحمرة عينيه، وهو بالنبطية (أحمر العينين) فعُرب. وقيل إن اسمه كان حمدان بن الأشعث ولقبه (قرمط) وقيل غير ذلك.
وبعد فترة من تلك الحال واكتسابه ثقة الناس وإعجابهم أعلمهم أنه يدعو إلى الإمام المنتظر من أهل البيت ودعاهم إلى اعتناق مذهبه وأن الصلاة المفروضة هي خمسون صلاة في اليوم والليلة فأجابوه واجتمع حوله جمع كبير منهم، وكان يأخذ من كل رجل منهم ديناراً ويزعم أنه للإمام. واتخذ منهم اثني عشر نقيباً وأمرهم أن يدعوا الناس إلى نِحلته؛ فاشتغل أهل تلك الناحية من الكوفة بما رسم لهم من العبادات والصلوات عن أعمالهم فبلغ ذلك (الهيصم) عامل الكوفة يومها فقبض عليه وحبسه وحلف أن يقتله لما اطلع عليه من مذهبه، وأغلق عليه باب السجن وجعل المفتاح تحت وسادته واشتغل بالشرب. فسمعت بعض من في الدار من الجواري بقصته فرقَّت لحاله وتأثَّرت بزهده وما يظهر عليه من التقوى والصلاح فأخذت المفتاح حين غاب سيدها وفتحت الباب وأخرجت (قرمط) وأرجعت المفتاح إلى مكانه. فلما أصبح الهيصم فتح الباب ليقتله فلم يجده، وشاع ذلك بين الناس فافتتن به خلق كثير في تلك القرية وقالوا: رُفع. ثم ظهر في ناحية أخرى واجتمع بأصحابه وأتباعه وأخبرهم أنه لا يمكن لأحد أن يصل إليه بسوء وأن الأقفال والأغلاق لا تقف عائقاً أمامه؛ فعظم في أنفسهم أكثر،ثم لما اشتد الخوف به على نفسه خرج إلى ناحية أخرى ولم يوقف لـه على أثر.
ثم فشا مذهب القرامطة في عامة الكوفة وما جاورها من القرى والمناطق، ووقف أحد عمال السلطان في تلك المناطق على أمرهم ويدعى أحمد بن محمد الطائي فجعل على الرجل منهم ديناراً في السنة وكان يجبي من ذلك مالا كثيرا،([227]) فقدم قوم من الكوفة إلى السلطان ورفعوا أمر القرامطة والطائي إليه وأخبروه أنهم أحدثوا ما ليس في دين الإسلام، وأنهم يرون السيف على أمة محمد r إلا من بايعهم على دينهم، وأن الطائي يخفي أمرهم عن السلطان؛ فلم يلتفت إليهم ولم يهتم بأمرهم.
وكان زعيمهم القرمطي قد وضع لهم كتاباً ظلوا يتناقلونه بعده وفيه: "بسم الله الرحمن الرحيم.. يقول الفرج بن عثمان وهو من قرية يقال لها (نصرانة) أنه داعية المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل. وأن المسيح تصور لـه في جسم إنسان وقال لـه: إنك أنت الداعية، وإنك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدابة، وإنك يحيى، وإنك روح القدس. وأخبره أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل شروق الشمس وركعتان بعد الغروب، ويقيم الأذان في كل صلاة فيكبر الله ثلاثاً، ويقول أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، وأشهد أن آدم رسول الله، وأشهد أن نوحاً رسول الله، وأشهد أن إبراهيم رسول الله، وأشهد أن موسى رسول الله، وأشهد أن عيسى رسول الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وأشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله. ويقرأ في كل ركعة الاستفتاح المنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية، وأن القبلة إلى بيت المقدس، وأن الجمعة هي يوم الاثنين لا يعمل فيه شيء. وأن السورة هي: (الحمد لله بكلمته وتعالى باسمه المتخذ لأوليائه بأوليائه. قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها أوليائي الذين عرَّفوا عبادي سبيلي. اتقوني يا أولي الألباب. أنا الذي لا أُسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم. وأنا الذي أبلو عبادي وأمتحن خلقي فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنتي وأخلدته في نعمتي، ومن زال عن أمري وكذَّب رسلي أخذته مهاناً في عذابي وأتممت أجلي وأظهرت أمري على ألسنة رسلي. وأنا الذي لم يعلُ عليَّ جبارٌ إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وليس الذي أصر على أمره ودام على جهالته وقالوا لن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين أولئك الكافرون).
ثم يركع ويقول في ركوعه: (سبحان ربي رب العزة وتعالى عما يصف الظالمون) مرتين، فإذا سجد قال: (الله أعلى) مرتين (الله أعظم) مرتين. ومن شريعته الصوم يومين في السنة فقط هما المهرجان والنيروز، والنبيذ حرام والخمر حلال، ولا يغتسل من الجنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة، وأن من حاربه وجب قتله ومن لم يحاربه ممن خالفه وجب عليه الجزية. ولا يأكل كل ذي ناب ولا كل ذي مخلب".([228])
وفي رواية أخرى عن ابتداء أمر هذه الطائفة([229]) أن رجلاً من الشيعة يعرف بحسين الأهوازي تحول من الكوفة إلى البصرة، ثم سار إلى (السلمية) قرب حماة في سوريا فأقام بها مدة، ثم خرج داعية إلى العراق من جديد فصادف في طريقه إلى الكوفة رجلاً يدعى حمدان بن الأشعث ويقال لـه (قَرْمَطة) من أجل أنه كان قصير القامة قصير الرجلين متقارب الخطا يمشي ومعه ثور؛ فسأله الحسين عن الطريق إلى قرية يقال لها (بَهْرام) فقال لـه حمدان: أنا في طريقي إليها، فتماشيا، وبعد ساعة من المسير عرض حمدان على الحسين أن يركب ثوره فأبى ذلك وقال: لم أومر بذلك. فقال لـه حمدان: كأنك تعمل بأمرٍ أُمر لك؟! قال: نعم. قال: ومن يأمرك وينهاك؟ قال: مالِكي ومالكك ومن لـه الدنيا والآخرة. وحدثه طويلاً فبهت حمدان وقال: يا هذا! لا يملك ما ذكرته إلا الله. قال: صدقت. والله يهب ملكه لمن يشاء. قال حمدان: وما تريد في القرية التي سألتني عنها؟ قال: دُفع لي جِرابٌ فيه علمٌ وسرٌّ من أسرار الله وأُمرت أن أشفي هذه القرية وأغني أهلها وأستنقذهم وأُملكهم أملاك أصحابهم. فقال لـه حمدان: يا هذا! نشدتك الله إلا دفعت إلي من هذا العلم الذي معك وأنقذتني ينقذك الله. فقال: لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهداً وميثاقاً أخذه الله على النبيين والمرسلين وألقي إليك ما ينفعك. فما زال حمدان يضرع إليه حتى جلسا وأخذ عليه العهد ثم قال لَه: ما اسمك؟ فقال: حمدان بن الأشعث قرمط، وأسألك أن تسير معي إلى منزلي حتى تجلس فيه فإن لي إخواناً أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهدي. فسار معه إلى منزله وجمع عليه حمدان الناس فأخذ عليهم العهد، واغتبط به حمدان لما رأى من خشوعه وصيام نهاره وقيام ليله. واشتهر أمره في أصحابه حتى كان أغبط الناس به من أخذه إلى منزله، وكان يخيط لهم الثياب فيتبركون بخياطته ويرتزق هو من أجرتها إلى أن حل موسم التمر فوُصف لأبي عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوي أحد وجوه الكوفة وعلمائها وفضلائها أمرُ الحسين الأهوازي وزهده وأمانته فاعتمد عليه لصرم وحفظ تمره، فأحسن الأهوازي القيام بذلك وبالغ في أداء الأمانة وخرج عن الحد في كثرة التشدد وإجادة العمل وذلك في سنة أربع وستين ومائتين للهجرة فاستحكمت ثقة الناس فيه إلى أن حضرته الوفاة فعهد لحمدان بن الأشعث قرمط وأقامه مقامه، ثم قضى نحبه.
والقرامطة التي تنسب إلى هذا الرجل ثلاث مجموعات أو قيادات:قرامطة الكوفة, وقرامطة البحرين, وقرامطة اليمن.
1- قرامطة الكوفة: كان قد استجاب لقرمط مهرويه بن زكرويه السلماني الصواني، وجلندي الرازي، وعكرمة البابلي، وإسحاق البوراني، وعطيف النيلي وآخرون. وبث دعاته في السواد يأخذون على الناس العهود، وكان أكبر دعاته عبدان الأهوازي ختن قرمط فقام بالدعوة وبث الدعاة في أعمال الكوفة فدخل في دعوته بنو ضبيعة بن عجل من ربيعة، وبنو يشكر من بكر بن وائل حتى لم يتخلف عنه رفاعي ولا ضبعي إلا ودخل في دعوته ودان بها، ولم يبق من بطون العرب المتصلة بواسط بطن إلا استجاب لَه، فدخل في دعوته كثير من بني عابس ومن ذهل وعنزة وتيم الله وبني ثعل وهم معظم سواد الكوفة.
وهكذا كثر أتباع قرمط واشتد أمره وأخذ يجمع أموالهم فكان أول ما فرض عليهم الفطرة وهي درهم يؤخذ من كل واحد من الرجال والنساء والصبيان فسارعوا إلى ذلك وحملوه إليه، ثم وضع عليهم الهجرة وهي دينار عن كل شخص أدرك الحلم وتلا عليهم قول الله تعالى([230]))خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيم( وقال لهم: هذا تأويل هذا. فدفعوا ذلك إليه وتعاونوا عليه حتى أن من كان منهم فقيراً أسعفوه. ثم فرض عليهم البلغة وهي سبعة دنانير عن كل شخص وقال لهم: هذا هو البرهان الذي أراده الله تعالى بقوله([231]))قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين( وقال: هذا بلاغٌ لمن يريد الإيمان والدخول في السابقين. فكان من يؤدي السبعة دنانير عن البلغة يطعمه شيئاً حلواً لذيذاً بقدر البندقة ويقول لَه: هذا طعام أهل الجنة نزل إلى الإمام. وصار يبعث إلى كل داعٍ منها مائة بلغة ويطالبه بسبعمائة دينارٍ عن كل واحدة سبعة دنانير.
ثم فرض عليهم الخمس من كل ما يملكونه ويكسبونه وتلا عليهم قوله([232]))وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَه( فبادروا إلى ذلك وقوَّموا سائر ما يملكونه من ثوب وغيره وأدوا منه الخمس حتى إن المرأة كانت تخرج من غزلها خمسه والرجل يخرج الخمس مما يكسبه. ثم فرض عليهم الألفة وهي أنهم يجمعون أموالهم في موضع واحد ويكونون فيه كلهم سواء كالأسرة الواحدة لا يفضل أحد منهم على صاحبه أو أخيه بشيء البتة وتلا عليهم قول الله تعالى([233]))وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانا(. وقوله تعالى([234]))لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم(. وقال لهم: لا حاجة بكم إلى الأموال فإن الأرض بأسرها ستكون لكم دون غيركم. وقال لهم: هذه محنتكم التي امتحنتم بها ليعلم الله كيف تعملون. وألزمهم في سنة ست وسبعين ومائتين بشراء السلاح وأقام في كل قرية رجلاً مختاراً من الثقات تجمع عنده أموال قريته من غنم وبقر وحلي ومتاع وغير ذلك فكان يكسو عاريهم وينفق عليهم ما يكفيهم حتى لم يبق بينهم فقير ولا محتاج. وأخذ كل رجل منهم بالانكماش في صناعته وكسبه حتى يكون لـه الفضل في عبادته ورتبته. وجمعت لـه المرأة كسبها من غزلها وأدى إليه الصبي أجرة نطارته وحراسته للطير ونحوه ولم يبق في ملك أحد منهم إلا سيفه وسلاحه لا غير.
ثم لما استقام لـه ذلك كله أفشى فيهم إباحة الأموال والفروج، ورفع عنهم الصلاة والصوم وجميع الفروض وقال لهم: هذا كله موضوع عنكم، ودماء المخالفين وأموالهم حلال لكم، ومعرفة صاحب الحق تغنيكم عن كل شيء ولا تخافوا إثماً ولا عذابا. ويعني بصاحب الحق الذي تغني معرفته عن كل شيء الإمام محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. وكان يقول: بهذا الإمام اتسقت الأمور، ولولاه لهلك الخلق وعدم الحق والعلم. فبسطوا أيديهم بسفك الدماء ونهب الأموال وقتلوا جماعات كبيرة ممن خالفهم فخافهم الناس ووافقهم كثير من مجاوريهم.
ثم إن الدعاة اتفقوا على بناء دار للهجرة فأقاموا سوراً في قرية يقال لها (مهتماباذ) من أعمال الكوفة وجعلوا عرضه ثمانية أذرع ومن ورائه خندق عظيم، وبنوا داخل السور المباني وتحول إليها النساء والرجال وذلك في سنة سبع وسبعين ومائتين.. كل ذلك والخليفة ببغداد مشغول بالزنج وثورتهم وكثرة الفتن، فلم يبق أحد إلا خافهم لقوتهم ووحشيتهم وتمكنهم في البلاد.([235])
وكان منهم رجل يقال لـه (مهرويه) عُرف بالثقة والدين فانقاد إليه خلق كثير، وقال: أنا من ولد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. فقيل لـه: لم يكن لمحمد بن إسماعيل ابنٌ يقال لـه عبد الله، فكف عن تلك الدعوى، وصار يركب في قبة على جمل ويُدعى بالسيد. وكان لـه ابن من الدعاة يقال لـه (زكرويه) ومن الناس من يسميه الحسين ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.([236])
ثم إن زكرويه هذا اتُّهم بقتل أحد الأشخاص فخاف وخرج من الكوفة ونزل بالسلمية بلدة قرب مدينة حماة في سوريا فوجد بها بني أبي الملاحف وهم أبو عبد الله الحسين بن أحمد وأخواه أبو العباس أحمد وحسن؛ فاستمالهم إلى القرمطة وحسَّن لهم أن يدعوا إلى أبيه محمد بن إسماعيل فأجابوه إلى ذلك. وكان معه من أولاده أربعة هم: أبو القاسم أحمد بن الحسين (صاحب الجمل)، وأبو الحسين علي (صاحب الخال)، وأبو محمد عبيد الله الذي ملك إفريقيا، والقاسم.
فخرج أبو القاسم أحمد في أول المحرم سنة تسعين ومائتين للهجرة في ألف رجل وتوجه إلى الرقة وقاتل عاملها سباد الديلمي وقتله وأخذ جميع ما في عسكره، ثم توجه إلى دمشق فخرج إليه عاملها لكنه هزمه شر هزيمة وقتل أكثر من معه وشنع بهم وأخذ أموالهم، ونزل في دمشق بين (داريا) و(المزة) وحاصرها سبعة أشهر حتى قدم بدر الحمامي بجيش من مصر فزحف إليهم أبو القاسم وقد ركب جملاً أحمر وسار بين عسكره وحوله مائة أَسود بسلاحهم وعتادهم فكان إذا أشار بكمه إلى ناحية من عسكره حملوا على عساكر مصر وهزموهم إلى أن انتدب لـه فارس من أهل مصر طعنه برمحٍ فقتله وأرداه عن جمله.
وقام من بعد أبي القاسم أخوه أبو الحسن علي (صاحب الجمل) فمضى بمن معه عن دمشق فبعث إليه المكتفي بالله فلقيه في حلب وهزمه، فسيَّر إليه محمد بن سليمان الكاتب فلقيه بناحية السلمية وقتل من أصحابه ستة آلاف رجل، وفرَّ فقُبض عليه وحُمل إلى بغداد على فيل في ثاني ربيع الأول سنة إحدى وتسعين ومائتين فصار يصيح ويقول: ألستم يا فسقة بقايا قتلة الحسين بن علي؟!
وضربت عنقه وعنق (المدثر) ابن أخيه واسمه عبد الله بن محمد بن الحسين بن محمد ابن إسماعيل وبقية أصحابه. وقيل إنه قتل هو وابن أخيه من أهل الشام والبوادي وأصحاب السلطان وأهل المدن ومن جند مصر وجند العراق نحو ستمائة ألف إنسان.
هذا مبدأ أمر القرامطة الخارجين في الكوفة وبلاد الشام.([237])
2- قرامطة البحرين: أما قرامطة البحرين فكان مبدأ أمرهم أن رجلاً من أهل (جنابا) يعرف بأبي سعيد الجنابي([238])واسمه الحسن بن بهرام وهو من الفرس وقيل غير ذلك، وكان يعمل الفراء ويسافر من البحرين إلى الكوفة فنكح امرأة من قوم كانوا يدينون بالقرمطة وصحب أحد دعاتهم وقيل بل صحب قرمط نفسه وأخذ عنه، ثم عاد إلى القطيف فدعا الناس إلى القرمطة وكان أول من استجاب لـه بنو سنبر وهم الحسين وعلي وحمدان. وما زالت دعوته تنتشر وأمره يقوى حتى جمع أتباعاً كثر فقاتل بهم من خالفه وهدم مدينة (هجر) بعد محاربة أهلها عدة أشهر، وبنى داراً للهجرة بمدينة الأحساء، وقاتل جيوش المعتضد في سنة سبع وثمانين ومائتين فقتل أكثرهم وأسر الباقي، ولم يزل أمره يشتد حتى قتله غلامه في الحمام بمدينة الأحساء سنة اثنتين وثلاثمائة بعد نحو ست عشرة سنة من تمكنه وحكمه.
وقام من بعده ابنه أبو طاهر سليمان فأكثر من الغزو والترويع وسار إلى البصرة واستولى عليها في ربيع الآخر من سنة إحدى عشرة وثلاثمائة وقتل منها خلقاً كثيراً وأرعب الآخرين، ثم تعرض للحجاج في ذي الحجة من تلك السنة وأوقع بهم وأخذ منهم أموالاً لا تقدر، ثم استولى على الكوفة وأخذها في ذي القعدة من سنة ثنتي عشرة وثلاثمائة، وقاتل في طريقه يوسف بن أبي الساج وأسره ودمر عساكره، وسار إلى الأنبار فهمَّ أهل بغداد بالهرب، وسار إلى الرحبة ووضع السيف في أهلها ونهب الجزيرة بين العراق والشام ثم استولى على الرقة بعد أن قتل معظم أهلها وفرض الأموال على الناس وعاد إلى الأحساء.([239])
ثم قدم مكة المكرمة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وردم زمزم بالقتلى وانتهك حرمة الكعبة وأخذ كسوتها وأموالها، وقلع الحجر الأسود من مكانه وعاد به إلى بلاده. ثم سار إلى الكوفة سنة تسع عشرة فأفسد وعاد، ثم خرج ثانية إلى الكوفة سنة ثلاث وعشرين ونادى بالأمان وفرض على أهل خراسان وبغداد والشام ومصر الأموال العظيمة فكانت تحمل لـه كل سنة اتقاءً لشره. ثم سار أيضاً إلى الكوفة سنة خمس وعشرين وعندما عاد أهلكه الله بالجدري سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة.
وقام من بعده أخواه أبو القاسم سعيد وأبو العباس أحمد واستقر الرأي والتدبير على إعادة الحجر الأسود مع سنبر بن الحسين بن سنبر سنة تسع وثلاثين ووُضع في مكانه يوم النحر، فكانت غيبته اثنتين وعشرين سنة تنقص أياماً.([240])
3-قرامطة اليمن: كان الحسين بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر ويسمى الإمام المستور يقطن سراً في الكوفة وقد رأى أن اليمن والمغرب هما أنسب البلاد لنشر الدعوة فيهما لبعدهما عن أنظار الخلفاء العباسيين من جهة وسرعة استجابة أهلهما لعلاقتهم السابقة بالتشيع لآل البيت. وكان الحسن بن فرج بن حوشب من كبار شيعته خير من يتوسم فيه الحسين للقيام بهذا الأمر, وبينما كان يفكر في إرساله إلى اليمن وصل إليه علي بن الخنفري الحميري وكان قد قدم إلى العراق لزيارة قبر الإمام علي بن أبي طالب t ورأى من تشيعه وبكائه فوق القبر ما يضمن نجاح الدعوة إن هو ضمه إلى الحسين بن فراج ولهذا تمكن من استمالته وتكليفه بالدعوة والتعاون فذهب الحسن بن فراج مع علي بن الفضل إلى اليمن فلما وصلا افترقا "فقصد ابن الفضل بلاد يافع وقصد منصور بن الحسن عدن لاعة بجوار صنعاء غير عدن الساحل وأقام كل منهما في جهته يظهر الزهد والورع والتقشف حتى صار كل واحد منهما مسموع القول في جهته وقصدهم الناس وجمعوا لهما الصدقات وعظم شأنهما".([241])فعلي بن الفضل لما أظهر الزهد في بلاد يافع افتتن به الناس لجهلهم وعدم معرفتهم بمقاصده وطلبوا منه النزول من مكان خلوته معهم فقبل بشروط شرطها عليهم وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك المعاصي والإقبال على الطاعة فأجابوه، ثم أمرهم ببناء الحصون، ثم أخبرهم أن الإغارة على أطراف البلاد من الجهاد في سبيل الله فبدأ أمره يستفحل في المنطقة وعظم شأنه وشاع ذكره. وكان لـه مع من جاوره مواقع كثيرة حتى إنه كانت معاركه فقط مع الإمام الزيدي يحيى بن الحسين أكثر من سبعين معركة خلال خمس سنوات ولما توفي يحيى بن الحسين استمر ابنه أحمد في حربه مع القرامطة علي بن الفضل ومن بعده سبعة وعشرين عاما.([242])
وفي سنة تسع وتسعين ومائتين لما رأى علي بن الفضل أن أمر اليمن قد اجتمع لـه خلع طاعة عبيد الله المهدي وكتب بذلك إلى منصور بن حسن –رفيق دربه- فلامه على فعله وجرت بينهما حروب هلك فيها خلق كثير وعين ابن الفضل على صنعاء من يكون تابعاً لـه يخطب لـه على المنابر وقطع ذكر بني العباس.([243]) ونحا منحى القرامطة في الكوفة والبحرين وظهر الانحراف عنده فغير في أحكام الإسلام ومن ذلك انه أظهر الفسوق وترك الصلاة وشرب الخمر في نهار رمضان واجتمعوا ليلة الإفاضة التي سنها لهم علي بن الفضل.([244]) وقد ذكر القاضي أبو عبد الله يوسف المعروف ببهاء الدين الجندي في كتاب السلوك من طبقات العلماء والملوك وصفاً لليلة الإفاضة التي استنها ابن الفضل للقرامطة فقال عن علي بن الفضل:([245])"انهمك في تحليل محرمات الشريعة وإباحة محظوراتها وعمل بها داراً واسعة يجمع فيها غالب أهل مذهبه نساءً ورجالاً متزينين متطيبين ويوقد بينهم الشمع ساعة ويتحادثون فيها بأطيب الحديث وأطربه ثم يطفئ الشمع ويضع كلٌّ منهم يده على امرأة فلا يترك الوقوع عليها وإن كانت من ذوات محارمه!! وشاعت هذه الليلة عند القرامطة بليلة الإفاضة". وتوفي علي بن الفضل في منتصف ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثمائة بعد ألمٍ ألَمَّ به.([246])
ونخلص من ذلك كله إلى أن أمر القرامطة استفحل في نهايات القرن الثالث الهجري وبدايات القرن الرابع وبخاصة بعد وفاة الخليفة العباسي المعتضد، وأن انتشارهم قد بدأ في منطقة الكوفة وامتدَّ منها إلى البحرين والشام ثم إلى اليمن ومصر وشمال إفريقيا، وأنهم أشاعوا الفتن والإباحية ونشروا الرعب والخوف في نفوس العباد واسترهبوهم وجاءوا بشر عظيم.
أما عن أثرهم في المجتمع وما أدخلوه على الأمة من ضلال وفساد فقد تركز في أمرين اثنين: الأول- استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ونشر القتل والدمار والرعب في نفوسهم. والثاني- إدخال كثير من العقائد والانحرافات الدينية الباطلة التي كان أكثرها متأثراً بالمذاهب والأديان الضالة من فارسية ورومية ونصرانية.
أما الجانب الأول وهو استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم فقد تحدثت عنه سابقاً وأشرت إلى كثير من حوادثه وأمثلته، ومن أراد الاستزادة منه فليرجع إلى مواطنه في المصادر الدينية والتاريخية.([247]) وأما الجانب الثاني وهو العقائد والانحرافات الدينية الباطلة التي تبنوها ودعوا إليها ونشروها بين الناس فقد كانت من الضلالة والخطورة بحيث تكفي الواحدة منها للحكم بخروج معتقدها من الملة ودخوله في الكفر والشرك والضلال، ومن أمثلة ذلك:
- الادعاء بعصمة الأولياء ورفعهم عن منزلة البشر وقدرتهم على الإتيان بمعجزات وخوارق: فمن ذلك ما ادعاه حمدان بن الأشعث (قرمط) وهو الذي عهد إليه الحسين الأهوازي مؤسس فرقة القرامطة بالأمر من بعده؛ من أنه معصوم ومكلف من قبل الله مباشرة، وأنه لا يستطيع أحدٌ أن يصل إليه بمكروه، وأنه لا تقف في وجهه الأغلال والأقفال، وأنه يمثل روح المسيح وجبريل عليهما السلام والمهدي وغيرهم.
ومنها ما ذكره ذلك القرمطي نفسه لأتباعه من أن معرفة صاحب الحق والإيمان به تغني عن الصلاة والصوم والفرائض ولا يُخاف معها إثم ولا عذاب، ويعني بصاحب الحق الإمام الذي يدعو إليه وهو محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأنه الإمام المهدي الذي يظهر في آخر الزمان ويقيم الحق وأن البيعة له، وأن الداعي إنما يأخذها على الناس لـه وأن ما يجمع من الأموال مخزون لـه إلى أن يظهر، وأنه حي لم يمت، وأنه يظهر في آخر الزمان، وأنه مهدي الأمة، وأنه المعول والمقصد والمرام، وبه اتسقت الأمور وعليه يصلح أمر الدنيا والآخرة، ولولاه لهلك الخلق وعدم الهدي والعلم.
ومنها ما ادعاه أبو القاسم الحسن بن فرج الصناديقي الذي استولى على اليمن ونشر فيها القرمطة؛ لنفسه من أنه رب العزة تارةً وابن رب العزة تارةً أخرى، وكان يكاتب بذلك ويعنون كتبه بـ(من ابن رب العزة) ويعلن سب النبي r وسائر الأنبياء والمرسلين.
- اعتقادهم بجواز وجود مصدر آخر للتشريع غير القرآن الكريم والسنة وما اتفق عليه أئمة السلف والخلف: ودليل ذلك تصديقهم بأن الصلاة المفروضة على المسلمين خمسون صلاة في اليوم والليلة وعملهم بذلك، ثم تصديقهم بتحويلها إلى أربع ركعات في اليوم: ركعتان قبل الشروق وركعتان بعد الغروب، وتصديقهم بتغيير الأذان وتغيير القبلة إلى بيت المقدس، وتغيير الجمعة إلى يوم الاثنين، وتغيير فاتحة الصلاة بسورة الاستفتاح المنزلة على أحمد بن محمد بن الحنفية بزعمهم، وتغيير أفعال الصلاة وأقوالها، ونسخ صيام رمضان إلى صيام يومين في السنة فقط هما المهرجان والنيروز، وتحليل الخمر ونسخ وجوب الاغتسال من الجنابة وغيرها.
- اعتقادهم بوحدة الوجود والحلول وهي أن الله سبحانه وتعالى يحلُّ في جسم الإنسان -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- وأن إمامهم المزعوم قد حلت فيه روح المسيح وروح جبريل وروح يحيى عليهم السلام وأنه يتكلم باسمهم جميعاً.
وقد نشروا الجرائم والشرور وأباحوا دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ومارسوا الفواحش والفتن ما ظهر منها وما بطن؛ وعظم شرهم واستشرى حتى عمَّ جميع أقطار العالم الإسلامي إلا ما رحم ربك، ولم يسلم منه شرق ولا غرب ولا شمال ولا جنوب فمن العراق إلى البحرين، ومن اليمن إلى الشام ومصر وإفريقيا؛ وكان أكثر شرهم يتمثل في التعرض لقوافل الحجاج والإغارة عليها فيقتلون الحجاج ويسبون النساء وينهبون الأموال ولا يسلم منهم صغير ولا كبير ولا شريف ولا وضيع، ولم يكن يمضي موسم من مواسم الحج دون وقوع حوادث قتل ونهب وسلب في قوافل الحج من قبل القرامطة.
وأما خراسان فقدم إليها بالدعوة أبو عبد الله الخادم فأول ما ظهرت بنيسابور فاستخلف عند موته أبا سعيد الشعراني، وصار منهم خلق كثير هناك من الرؤساء وأصحاب السلاح.
وأما في الري فقد انتشرت القرمطة من رجل يعرف بخلف الحلاج وكان يحلج القطن فأغرى طائفة (الخلفية) وهم خلق كثير ومال إليه قوم من الديلم وغيرهم، ولما عظمت شوكتهم في الري أخذوا يقتلون الناس غيلةً حتى أفنوا خلقاً كثيراً.
ومما يدل على علاقتهم وارتباطهم بالفاطميين من حيث المنبت والمعتقد أنه لما كانت سنة ستين وثلاثمائة طرح القرمطي مراكب في البحر وشحنها بالمقاتلة وسيرها نحو (تنيس) وغيرها من سواحل مصر، وجمع من قدر عليه من العرب وغيرهم وتأهب للمسير إلى مصر.. هذا بعد أن كان القرامطة أولاً يدعون للمهدي ويوهمون أنه صاحب المغرب وأن دعوتهم إليه، وصادف هذا الوقت نزول المعز لدين الله الفاطمي القاهرة قادماً من المغرب، وقد علم بأخبار القرامطة فكتب إلى الحسن بن أحمد القرمطي كتاباً طويلاً عنوانه:([248])( من عبد الله ووليه وخيرته وصفيه معد أبي تميم المعز لدين الله أمير المؤمنين وسلالة خير النبيين ونجل علي أفضل الوصيين إلى الحسن بن أحمد).
وكان مما جاء فيه قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله تعالى:([249]))وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا(. وقال:([250]))قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين(. وقال:([251]))فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاق(.
وقوله: (وكتابنا هذا من فسطاط مصر، وقد جئناها على قدر مقدور، ووقت مذكور، فلا نرفع قدماً ولا نضع قدماً إلا بعلم موضوع، وحكم مجموع، وأجل معلوم، وأمر قد سبق، وقضاء قد تحقق).
وقوله مخاطباً القرمطي: (فأما أنت الغادر الخائن، الناكث البائن عن هدي آبائه وأجداده، المنسلخ عن دين أسلافه وأنداده، والموقد لنار الفتنة، والخارج عن الجماعة والسنة، فلم أغفل أمرك، ولا خفي عني خبرك، ولا استتر دوني أثرك، وإنك مني لبمنظر ومسمع، فعرفنا على أي رأي أصلت، وأي طريق سلكت، أما كان لك بجدك أبي سعيد أسوة، وبعمل أبي طاهر قدوة؟! ألم تعلم أنهم كانوا لنا عباداً أولي بأس شديد، وعزم سديد، وأمر رشيد، وفعل حميد، يفيض إليهم موادنا، وتنشر عليهم بركاتنا، حتى ظهروا على الأعمال، ودان لهم كل أمير ووال، ولقبوا بالسادة فسادوا، منحةً منا واسماً من أسمائنا، فعلت أسماؤهم، واستعلت هممهم، واشتد عزمهم، فسارت إليهم وفود الآفاق).
فأجاب الحسن بن الأعصم بما نصه: (من الحسن بن أحمد القرمطي الأعصم: بسم الله الرحمن الرحيم. وصل إلينا كتابك الذي كثر تفصيله وقل تحصيله، ونحن سائرون على إثره والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل).
وسار الحسن القرمطي بعد ذلك إلى مصر فنزل بعسكره (بلبيس) وبعث بجنوده إلى الصعيد وانبثت سراياه في أرض مصر، فتأهب المعز للقاء، ودارت بينهما معارك انتهت بهزيمة القرمطي وهروبه.
ثانياً- الفاطميون:
كان محمد بن إسماعيل يعتمد في نشر دعوته على رجل اسمه (ميمون القداح) والذي يقول عنه الإسماعيليون إنه من نسل سلمان الفارسي. ولما توفي محمد خلفه في الإمامة عبد الله الرضي الذي أمعن في التخفي واتخذ عبد الله بن ميمون القداح داعية لَه، واستقر بقرية (السلمية) من أعمال حمص والتي لم تلبث أن أصبحت دار هجرة للأئمة الإسماعيلية. ولما توفي عبد الله تولى ابنه أحمد الإمامة واتخذ عبد الله القداح داعية لـه كما اتخذه أبوه من قبل. وبعد وفاته تولى الإمامة ابنه الحسين بن أحمد بن عبد الله واتسمت أيامه بانتشار الدعوة الإسماعيلية في كثير من أرجاء العالم الإسلامي؛ ففي اليمن أخذ كل من علي بن فضل اليمني وأبي القاسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب الكوفي منذ وصلا إليها سنة 268هـ في نشر الدعوة الإسماعيلية ونجحا في ذلك نجاحاً كبيراً، ثم بنى ابن حوشب حصناً بجبل (لاعة) جنوبي صنعاء، وأعد جيشاً زحف به على صنعاء وأخرج منها بني يعفر وتمكن بمعاونة دعاته من السيطرة على كثير من أرجاء اليمن([252])ثم بعث ابن حوشب الدعاة إلى اليمامة وعُمان والبحرين والسند[253] والهند ومصر والمغرب.([254])وكان مبعوثاه إلى المغرب هما أبا سفيان والحلواني، وقد نصحهما ابن حوشب بأن يبتعد كل منهما عن صاحبه في نشر الدعوة ويمهدا بعملهما لظهور المهدي ودولته.
وكان الإمام الحسين بن أحمد المستقر في السلمية يحرص على نشر دعوته في بلاد المغرب فأرسل أبا عبد الله الشيعي إلى ابن حوشب في اليمن سنة 278هـ وأمره بالدخول في طاعته والاقتداء به على أن يرحل بعد ذلك إلى المغرب لنشر الدعوة الإسماعيلية؛ فقدم أبو عبد الله على ابن حوشب وصار من كبار أصحابه وأقام عنده عاماً كاملاً. ولما وصل إلى ابن حوشب نبأ وفاة أبي سفيان والحلواني بالمغرب عهد إلى أبي عبد الله الشيعي القيام بالدعوة إلى المذهب  الإسماعيلي في تلك البلاد وقال لَه: إن أرض كتامة من بلاد المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان، وقد ماتا وليس لها غيرك فبادر فإنها موطأة وممهدة لك.([255])
غادر أبو عبد الله الشيعي اليمن قاصداً مكة فوصلها في موسم الحج سنة 279هـ وسأل عن حجاج كتامة واجتمع بهم فسمعهم يتحدثون عن فضائل آل البيت؛ فاشترك معهم في الحديث، ثم سألوه عن الجهة التي يقصدها بعد الحج فأخبرهم أنها مصر، فسروا لذلك واصطحبوه معهم ورحلوا سوياً من مكة، وما لبثوا أن أحبوه وتعلقوا به لما شهدوه من ورعه وزهده، فلما وصلوا مصر أخذ يودعهم فشق عليهم فراقه وسألوه عن حاجته بمصر دون غيرها من البلاد فأخبرهم أنه يريد طلب العلم فيها فقالوا له: فأما إذا كنت تقصد هذا فإن بلادنا أنفع لك وأطوع لأمرك ونحن أعرف بحقك. وما زالوا به حتى أجابهم إلى المسير بصحبتهم.([256]) ولما أصبحوا على مقربة من بلادهم كتامة خرج إلى لقائهم أصحابُهم الذين انتشرت بينهم تعاليم الشيعة على يد دعاة الإسماعيلية من قبل.
وكان التشيع قد انتشر في بلاد المغرب على يد الإمام إدريس بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي فرَّ من أيدي العباسيين سنة 169هـ وأقام في المغرب الأقصى دولة علوية سنة 172هـ عرفت بدولة الأدارسة التف حولها البربر، ومن ثم أصبحت بلاد المغرب أرضاً صالحة للدعوة الإسماعيلية وكان ذلك مما سهل على كل من الداعيَيْن أبي سفيان والحلواني نشر الدعوة للمهدي، وصار الناس يتحدثون في تلك البلاد عن قرب ظهور المهدي؛ فلما ذهب أبو عبد الله الشيعي إلى المغرب أوائل سنة 280هـ وجد الأمور ممهدة لـه كما وجد التشيع قد استقر في عقول البربر واعتنقه كثير من وزراء الأغالبة الذين قامت دولتهم في إفريقيا (تونس) على يد إبراهيم بن الأغلب سنة 184هـ وظلت قائمة إلى أن استولى عليها الفاطميون سنة 296هـ.
ولقد استقبل أهالي كتامة أبا عبد الله الشيعي استقبالاً حافلاً وأحلوه من أنفسهم محل الإجلال والإكرام وتهافت كل منهم على إنزاله في منزله، وازداد التفاف المغاربة حوله بعدما أخبرهم بأنه المبشر بالمهدي، ثم لم يلبث أن كشف لهم عن نواياه حين قال: أنا صاحب البذر الذي أخبر به أبو سفيان والحلواني. فازدادت محبتهم لـه وعظم أمره فيهم، وأتته القبائل من كل حدب وصوب تبايعه وتعلن الولاء لـه ولدعوته. وظل أبو عبد الله الشيعي موالياً لإمام الإسماعيلية في السلمية الحسين بن أحمد الذي عرف أيضاً باسم (محمد الحبيب) يرسل إليه الرسل والهدايا.
كان دعاة الإسماعيلية في اليمن يعتقدون أن دولة المهدي ستظهر في بلادهم، وكذلك كان الحال بين دعاة الإسماعيلية في بلاد المغرب إذ كانوا يرجون قدوم المهدي إليهم لإقامة دولتهم المنشودة لذلك أنفذ زعيمهم أبو عبد الله الشيعي إلى عبيد الله بن الإمام الحسين بن أحمد وهو في السلمية وفداً من رجال كتامة يدعوه للقدوم إلى بلاد المغرب. وكان الخليفة العباسي المكتفي قد وصله خبر ذيوع الدعوة الإسماعيلية في اليمن والمغرب فأرسل بعض رجاله للقبض على عبيد الله في السلمية لكن عبيد الله كان قد خرج من السلمية بعد مقابلته وفد كتامة ووقوفه على مدى النجاح الذي حققته الدعوة في بلاد المغرب، ورغم أنه لم يكن يرغب في إقامة دولته في اليمن إلا أنه وحرصاً منه على إخفاء وجهته الحقيقية على العباسيين أخبر أتباعه بأنه سيقصد اليمن ومضى باتجاه المغرب، فلما وصل إلى مصر اتضح لداعي دعاته (فيروز) أنه قاصدٌ المغرب فشق ذلك عليه وتخلف عن المسير معه وعاد إلى اليمن.([257])
بذلت الخلافة العباسية جهوداً كبيرة للقبض على عبيد الله لكنها لم تفلح في ذلك بفضل كثرة أنصاره وأعوانه؛ فقد أرسل الخليفة العباسي أمراً إلى والي مصر محمد بن سليمان الكاتب بالقبض على المهدي لكن أنصار عبيد الله المهدي تمكنوا من إيهام الوالي بأن عبيدالله هذا رجل هاشمي يحترف التجارة وأن الشخص المقصود قد فرَّ إلى اليمن كما أن هذا الوالي لم يكن وفياً للعباسيين فأمر بالقبض على بعض غلمان المهدي وضربهم ضرباً خفيفاً وأهمل شأن المهدي.
ولما بلغ العباسيين تصرف واليهم على مصر هذا عزلوه وولوا عيسى بن محمد النوشرى([258])بدلاً منه فقدم إليها في جمادى الآخرة سنة 292هـ وكان كثير من حاشيته يدينون بعقيدة المذهب الإسماعيلي فحذروا عبيد الله المهدي مما قد يلحق به من خطر العباسيين فقرر الرحيل من مصر، وخرج مرتدياً زي التجار يريد المغرب غير أن عيسى النوشرى لحق به وقبض عليه، لكنه ما لبث أن أطلقه بعد أن رشاه بمال كبير. ولم تقف متاعب عبيد الله عند هذا الحد فلقد هجم على قافلته وهي في طريقها إلى طرابلس جماعة من البربر عند الطاحونة (وهي موقع برقة حالياً) ونهبوها.([259])
ولما وصل عبيد الله إلى طرابلس أرسل رسلاً إلى داعيه أبي عبد الله الشيعي يخبره أنه في طريقه إليه وكان من بين أولئك الرسل أبو العباس أخو عبد الله الشيعي وجماعة من الكتاميين، لكن أمير الأغالبة في تونس زيادة الله الثالث قبض على أبي العباس الشيعي في القيروان وعذبه ليدله على الجهة التي يقيم فيها المهدي فلم يجبه، واستطاع عبيد الله بفضل الأموال التي دفعها لعامل طرابلس أن يهرب مع أتباعه إلى (سجلماسة)([260])في المغرب الأقصى، وأقام فيها مدة طويلة متمتعاً بنوع من الحرية والحماية من واليها اليسع بن مدرار بفضل إغداقه الأموال عليه، لكن معاملة واليها لـه ما لبثت أن تبدلت بعد انتصار أبي عبد الله الشيعي على الأغالبة سنة 296هـ إذ خشي مما قد تتطور إليه الأمور بعد ذلك فقبض على عبيد الله وزجه وأتباعه في السجن.
وكان أبو عبد الله الشيعي إذ ذاك يمد نفوذه على معظم أرجاء المغرب فدخل (رقادة) مقر إمارة الأغالبة وحذف اسم الخليفة العباسي من الخطب، ثم سار في قوة كبيرة إلى (سجلماسة) لإطلاق عبيد الله من سجنه، ولما علم اليسع بن مدرار أمير (سجلماسة) بوصول أبي عبد الله الشيعي هرب ليلاً وخلا الجو لداعي الفاطميين أبي عبد الله الشيعي فأطلق سراح عبيد الله المهدي وابنه أبي القاسم.([261])
وفي (سجلماسة) أُخذت البيعة لعبيد الله المهدي الذي قلَّد أبا عبد الله الشيعي سيفاً مُذهباً ومنحه خلعةً للدلالة على مكانته، وراح أبو عبد الله يقدم إلى عبيد الله أشياعه وأنصاره وجنده ثلاثة أيام كاملة، ثم رحل عبيد الله عن (سجلماسة) بعد أن أقام بها أربعين يوماً قاصداً إفريقية في حفل كبير من العساكر، وكان أبو عبد الله الشيعي ورؤساء كتامة مشاة بين يديه وولده خلفه، فلما اقترب من (رقادة) تلقاه أهلها وأهل القيروان بالترحاب، ثم نزل بقصر من قصور (رقادة) واتخذها حاضرة لـه في شهر ربيع الآخر سنة 297هـ وأمر بذكر اسمه في الخطبة على منابر البلاد وتلقب بالمهدي أمير المؤمنين. وبذلك قامت الخلافة الفاطمية في شمال إفريقية.([262])
وبعد إعلانه خليفة وأميراً للمؤمنين أرسل عبيد الله عمالاً إلى الولايات المختلفة واختارهم من زعماء كتامة وممن يثق بهم من المغاربة، وعهد إلى أبي عبد الله الشيعي بإخضاع بلاد المغرب الأوسط والأقصى لأن أهلها لم يدينوا لـه بالطاعة بعد؛ فخرج أبو عبد الله سنة 297هـ مع بعض قادة كتامة إلى تلك البلاد فافتتح مدنها وأخضع قبائلها وصار يجبي منهم الأموال.
وبالرغم من أن الدولة الفاطمية تدين بظهورها لأبي عبد الله الشيعي إلا أن عبيد الله المهدي لم يلبث أن عمل على التخلص منه لأن أبا عبد الله كان موضع ثقة كثير من الكتاميين وراحت مكانته تعلو بين أهالي بلاد المغرب مما أثار حفيظة عبيد الله المهدي وخشي أن يفتتن به الناس ويشتد نفوذه فأمر بقتله وقتل أخيه وابنه أبي العباس في جمادى الآخرة سنة 298هـ.([263])وقد أثار هذا الحادث أهالي بلاد المغرب فثارت طرابلس واشتبك الكتاميون مع أهل القيروان غير أن عبيد الله ما لبث أن تمكن من إخماد تلك الثورات، ثم عهد بالخلافة من بعده إلى ولده أبي القاسم وأرسله على رأس حملة لمحاربة الكتاميين الذين عادوا إلى بلادهم وأقاموا طفلاً ادعوا أنه المهدي، وزعموا أن أبا عبد الله الشيعي لم يمت؛ فقاتلهم أبو القاسم وأنزل بهم الهزيمة وقتل الطفل الذي ولوه باسم المهدي.([264])
ثم لم تقتصر جهود عبيد الله المهدي على توطيد دعائم حكمه بل رأى أن يبني حاضرة في مكان يتوسط أجزاء دولته ليتخذها حصناً يعتصم به هو وأنصاره ويوجه منه هجماته إلى الخارجين عليه، وتكون مقراً للدعوة الإسماعيلية، فوقع اختياره على مكان يبعد ستين ميلاً جنوب القيروان اتخذه أساساً لمدينة جديدة أسماها (المهدية) وقد ذُكر أن البحر يحيط بها من ثلاث جهات وأن المهدي اتخذ لهذه المدينة بابين من الحديد زنة كل باب منهما ألف قنطار وطوله ثلاثون شبراً، وأقام بها ثلاثة وستين خزاناً للماء عدا ما كان يجري فيها من القنوات، وبنى فيها داراً للصناعة تسع أكثر من مائتي مركب، ولما أتم بناءها سنة 305هـ قال: اليوم أَمنتُ على الفاطميات. يعني بناته. ثم انتقل إليها وأنشأ فيها الدكاكين وجعل لكل طائفة ومهنة سوقاً. وبعد ذلك أمر ببناء مدينة أخرى بجوارها وجعل بين المدينتين ميداناً فسيحاً وأحاط الجديدة بسور وأبواب وسماها (زويلة) نسبة إلى إحدى قبائل بلاد المغرب، وأصدر أوامره إلى أصحاب المهن والدكاكين بأن يقيموا فيها بحرمهم وأهاليهم.
وبعد وفاة عبيد الله المهدي سنة 322هـ كانت الأحوال في بلاد المغرب تتطلب جهوداً كبيرة من ابنه أبي القاسم الذي آلت إليه الخلافة ولقب القائم بأمر الله، فقد كثرت في عهده الثورات والفتن، وخرج على حكمه جموع من البربر والزناتة والخوارج الصفرية، فراح يقاومهم ويرسل الجيوش والحملات للقضاء عليهم إلى أن توفي سنة 334هـ فكتم ابنه وولي عهده إسماعيل الذي تلقب بالمنصور نبأ موته خوفاً من طمع المخالفين، ولم يتلقب بالخليفة ولم يغير السكة ولا الخطبة حتى فرغ من أمر أكثر الخارجين عليه.
وقد كشفت تلك الثورات والفتن المتتالية على الفاطميين عن مدى استعداد البربر لتأييد كل خارجٍ يثور على الدولة الفاطمية، وأخذ النفوذ الفاطمي في بلاد المغرب يتضاءل كما ابتدأت الحكومات المستقلة بالظهور في المناطق العربية من الدولة الفاطمية. وكان يعلى ابن محمد أحد أمراء زناتة قد استفحل خطره من ناحية المغرب الأوسط بعد أن والى الدولة الأموية في الأندلس وأقام الخطبة على المنابر لعبدالرحمن الناصر، ولم يزل سلطانه بالمغرب في ازدياد إلى أن بعث إليه المعز لدين الله الفاطمي قائده جوهر الصقلي سنة 347هـ فبادر يعلى إلى لقائه والإذعان لطاعته.([265])
ولما توفي المنصور سنة 341هـ آلت الخلافة إلى ابنه المعز لدين الله الفاطمي الذي أوضح سياسته في خطبة ألقاها على رؤساء كتامة بمدينة المنصورية جاء فيها أنه شغل بكتب ترد إليه من المشرق والمغرب يجيب عنها بنفسه، كما بين أنه سيوجه عنايته إلى صيانة أرواح رعاياه وتعمير بلاده وقمع الفتن والثورات حتى يسود الأمن والطمأنينة بين ربوع دولته. وختمها بقوله: "إنكم إذا لزمتم ما آمركم به رجوت أن يقرب الله علينا أمر المشرق كما قرب أمر المغرب بكم".([266])
وبالفعل عني المعز بالعمل على توطيد نفوذ الخلافة الفاطمية في بلاد المغرب فعهد إلى قائده جوهر الصقلي بإخضاع الأمراء الثائرين على الحكم الفاطمي في أرجاء البلاد؛ فسار في أوائل سنة 347هـ على رأس جيش كبير إلى (تاهرت) فاستولى عليها وقضى على واليها يعلى بن محمد الزناتي الذي عرف بخروجه على الفاطميين وولائه لعبدالرحمن الناصر الأموي، ثم استأنف سيره إلى (فاس) ولما امتنعت عليه اتجه إلى (سجلماسة) وكان قد استبد بحكمها رجل يقال لـه ابن واسول تلقب بالشاكر لله وخاطبه الناس بأمير المؤمنين ونقش اسمه على السكة؛ فطارده جوهر حتى قبض عليه وأخذه أسيراً، وبذلك استعاد الفاطميون سلطانهم على (سجلماسة) وبلغ من عناية المعز بها أنه ضرب فيها عملة ونقش عليها اسمه.
ثم أخذ جوهر يتابع السير في بلاد المغرب الأقصى وما زال يفتح مدنه مدينة بعد مدينة حتى وصل إلى ساحل المحيط الأطلسي، ولم يمتنع عليه سوى مدينتي (سبتة) و(طنجة). ثم انصرف راجعاً إلى المهدية بعد نجاحه في إقامة الدعوة للفاطميين على جميع منابر المغرب.([267])
امتداد سلطان الفاطميين إلى مصر:
بعد أن امتد نفوذ الفاطميين في بلاد المغرب وشمل جميع مدنها ومناطقها رأوا أن هذه البلاد لا تصلح لتكون مركزاً لدولتهم؛ ففضلاً عن ضعف مواردها كان يسودها الاضطراب
من حين لآخر لذلك اتجهت أنظارهم إلى مصر لوفرة ثروتها وقربها من بلاد المشرق وملاءمتها لإقامة دولة تنافس العباسيين. وكان عبيد الله المهدي يطمع منذ البداية في الاستيلاء على مصر واتخاذها قاعدة تنطلق منها حملاته نحو بغداد للقضاء على الخلافة العباسية المتداعية هناك لذلك وجه نشاطه بعد تأسيس خلافته في المغرب وتوطيد أركان حكمه هناك إلى وضع الخطط لغزو مصر فأعد سنة 301هـ جيشاً من المغاربة بقيادة ابنه وولي عهده أبي القاسم وقائده حباسة بن يوسف وأرسله إلى مصر فاستولى على (برقة) في طريقه وواصل السير إلى الإسكندرية وتوغل في الوجه البحري، لكن الخليفة العباسي المقتدر أرسل جيشاً بقيادة مؤنس الخادم لدفع المغيرين واشتبك الطرفان في معركة كبيرة في بلدة (مشتول) على مقربة من الجيزة، وانهزم جيش المغرب وعاد إلى بلاده.
ورغم فشل هذه الحملة على مصر إلا أنها كشفت عن ميل لدى بعض الناس إلى الدعوة الفاطمية بفضل دعاة الإسماعيلية كأبي علي الداعي الذي بذل جهوداً كبيرة في دعوة أهل مصر إلى المذهب الإسماعيلي وتهيئة البيئة المناسبة لاستقبال الفاطميين، وقام في مصر بنفس الدور الذي قام به أبو عبد الله الشيعي في المغرب.
ولقد رأى عبيد الله المهدي أن يعاود الكرة لغزو مصر مجدداً فأرسل ابنه وولي عهده على رأس جيش لفتحها فاستولى هذا الجيش على الإسكندرية سنة 307هـ، لكن الخليفة العباسي المقتدر أرسل قائده مؤنس الخادم مرة أخرى على رأس جيش كبير فانتصر على
الفاطميين واستولى على سفنهم وأحرقها، وكان أبو طاهر الجنابي أمير القرامطة في البحرين لم يتقدم بجيشه إلى مصر لمساعدة جيش الفاطميين كما كان متفقاً عليه معهم.([268])
ولما توفي المهدي تابع ابنه القائم غزو مصر فأرسل إليها جيشاً في أواخر سنة     323هـ، وانضم إليه بعض المتأثرين بالدعوة الإسماعيلية في تلك البلاد فأرسل إليهم الإخشيدي قوة كبيرة استطاعت أن تهزمهم وترغمهم على العودة إلى إفريقية.
ولما توفي محمد الإخشيد والي العباسيين على مصر سنة 334هـ وتولى إمارتها كافور الإخشيدي، وقد حرص على تحسين علاقته بكل من الخليفة العباسي والخليفة الفاطمي فكان يهادي المعز صاحب المغرب ويظهر ميله إليه، وكذا يذعن بالطاعة لبني العباس ويداري ويخدع هؤلاء وهؤلاء.([269])
ولما توفي كافور سنة 357هـ أعد المعز لدين الله الفاطمي حملة كبيرة لفتح مصر وعهد بقيادتها لجوهر الصقلي سنة 358 هـ وسار جوهر بجيشه حتى وصل إلى (برقة) فاستقبله عاملها ورحب به وقدم لـه فروض الطاعة، ثم مضى قاصداً الإسكندرية فدخلها دون مقاومة ومنع جنده من التعرض للأهالي واستطاع أن يكسب ودهم بما أغدقه عليهم من الأرزاق، ولما وصلت أخباره إلى الفسطاط شاور الوزير جعفر بن الفرات ذوي الرأي والنفوذ من أهلها فاستقر رأيهم على مفاوضة جوهر في شروط التسليم وطلب الأمان على أرواح الناس وممتلكاتهم وتم الاتفاق بكتاب الأمان الذي كتبه جوهر وأعلنه([270])وقد بَيَّن جوهر في هذا الكتاب أن جيوش الفاطميين إنما قدمت لحمايتهم، ونصَّ في هذا الكتاب على أن للناس الحق في أن يظلوا على مذاهبهم أي لا يلزمون بالتحول إلى المذهب الشيعي، وأن يجري الأذان والصلاة والصيام والزكاة والحج على ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله r وتعهد بتأمين الناس على أنفسهم وأموالهم وأهليهم وضياعهم. وهكذا خرج جعفر بن الفرات وسائر الأشراف والقضاة والعلماء ووجوه التجار والأعيان إلى الجيزة لاستقبال جوهر.
لكن جوهر نقض تلك الوثيقة بنفسه قبل أن ينقضها مولاه المعز ففي جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين وثلاثمائة قدم جوهر إلى جامع ابن طولون وأمر فأذن فيه بحيَّ على خير العمل، ثم أذن بعده بذلك في الجامع العتيق.([271])وفي سنة ستين وثلاثمائة أذن المؤذنون بحي على خير العمل بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعز ولم يجسر أحد على مخالفته.([272]) وليس ذلك غريباً على الفاطميين فقد أعطى جوهر الأمان من قبل والعهود للإخشيدية ثم لما استسلموا لـه قبض عليهم وقيدهم  وكانوا ألفاً وثلاثمائة.([273])
وهكذا  بدأ حكم الفاطميين الباطنيين في مصر وزال عهد الدولة الإخشيدية السنية.
تأسيس مدينة القاهرة والجامع الأزهر:([274])
رأى جوهر الصقلي بعد أن تيسر لـه ضم مصر إلى حكم الفاطميين أن يشرع في بناء مدينة جديدة تكون مقراً للخلافة الفاطمية ومركزاً لنشر دعوتها، ووضع أساس المدينة التي عزم على إنشائها شمالي الفسطاط سنة 358هـ وأطلق على مدينته الجديدة اسم (المنصورية) تقرباً إلى خليفته المعز بإحياء ذكرى والده المنصور، وظلت تعرف بذلك الاسم حتى قدم المعز إلى مصر بعد أربع سنوات وسماها القاهرة تفاؤلاً بأنها ستقهر الدولة العباسية.
وكان في مصر قبل استيلاء الفاطميين عليها ثلاثة مساجد جامعة هي: جامع عمرو بن العاص الذي أسس سنة 21هـ، وجامع العسكر الذي بناه والي العباسيين الفضل بن صالح سنة 169هـ بجوار دار الإمارة، وجامع أحمد بن طولون الذي بناه ابن طولون وأسماه باسمه بعد أن استقل بولاية مصر سنة 263هـ.([275])
ولما أسس جوهر مدينة القاهرة رأى أن المساجد في مصر بأيدي أهل السنة وليس من السهل إبعادهم عنها لذا قرر بناء مسجدٍ يكون رمزاً للدعوة الفاطمية كما كانت القاهرة رمزاً للسيادة الفاطمية على مصر فشرع في بناء الجامع الأزهر في اليوم الرابع من شهر رمضان سنة 359هـ وتم بناؤه في سنتين تقريباً وأقيمت فيه الصلاة لأول مرة في اليوم السابع من شهر رمضان سنة 361هـ.([276])
اتخاذ مصر مقراً للخلافة الفاطمية:
بعد أن بنى جوهر الصقلي الجامع الأزهر ومدينة القاهرة شرع في التمهيد لاتخاذها حاضرة للخلافة الفاطمية فأمر بحذف الدعاء لخلفاء بني العباس في الخطب واستبدله بالدعاء للخليفة المعز، وضرب السكة باسم الخليفة الفاطمي بدلاً من اسم الخليفة العباسي، ومنع الناس من لبس السواد شعار العباسيين وزاد في الخطبة العبارة الآتية: (اللهم صلِّ على محمد النبي المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيراً. اللهم صلِّ على الأئمة الراشدين، آباء أمير المؤمنين الهادين المهديين). كما أمر بأن يؤذَّن في بقية المساجد بحيَّ على خير العمل؛([277])وهي من العبارات التي تميز الأذان عند الشيعة. ولم تلبث هذه التغييرات الدينية أن لقيت نجاحاً كبيراً ولم تلقَ معارضة من الناس فأرسل جوهر للمعز يخبره بما لقيته دعوته من نجاح وتأييد في مصر ويدعوه ليتولى زمام الحكم فيها.([278])وبالفعل قرر المعز الرحيل إلى مصر
واستخلف (يوسف بلكين بن زيرى بن مناد الصنهاجي) على إفريقية والمغرب،([279]) وخرج من المنصورية في شهر شوال سنة 361هـ متوجهاً إلى مصر وبصحبته كثير من أتباعه وأولاده وإخوته وأعمامه كما أخذ معه رفات آبائه: المنصور والقائم وعبيد الله المهدي. بالإضافة إلى خمسمائة حمل من الجواهر والأموال التي أخرجها من قصور آبائه، يقول الذهبي:([280])"قدم المعز أبو تميم العبيدي مصر ومعه توابيت آبائه ونزل القصر بداخل القاهرة المعزية التي بناها مولاه جوهر وقويت شوكة الرفض شرقاً وغرباً وخفيت السنن وظهرت البدع نسأل الله العافية".
ولما وصل إلى القاهرة استقر هو وأسرته وأتباعه، وأمر بإطلاق سراح الإخشيدية والكافورية الذين اعتقلهم جوهر، وأصبحت ولاية مصر بعد قدوم المعز إليها دار خلافة عبيدية بعد أن كانت دار إمارة، وحلت القاهرة محل المنصورية وأصبحت عاصمة للدولة الفاطمية، واستأثر المعز بالنفوذ والسلطان في مصر، ولم يترك لجوهر الصقلي شيئاً من السلطة بل أبقاه بجانبه يشير عليه بما تتطلبه أحوال البلاد، واستطاع بفضل الأموال الوفيرة التي جلبها من بلاد المغرب وحسن سياسته أن يقيم في مصر دولة تناهض الدولة العباسية في بغداد.([281])
أعمال الفاطميين المخالفة لعقائد المسلمين:
بما أن الفاطميين كانوا أصحاب عقيدة تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة لذلك سعوا بكل ما يستطيعون لنشر مذهبهم والتلبيس على الناس وتشكيكهم في الثوابت التي يؤمنون بها؛ ومن تلك الأعمال ما يأتي:
1) تفسيرهم أحكام الإسلام تفسيراً باطنياً غير ما تحمله النصوص بما يوافق معتقدهم أو بالأصح باطلهم فمنها مثلا: أن الحج يؤول بمعرفة الإمام أو نائبه. فالقاضي النعمان بن محمد([282])يقول في كتابه (تأويل الدعائم) في باب الحج: "فالحج فيما يتعارفه الناس السير إلى بيت الله الحرام لقضاء المناسك، والحج في اللغة الاختلاف عليه... إلى أن قال: فظاهر الحج الإتيان إلى البيت العتيق بمكة لقضاء المناسك عنه وتعظيمه، وتأويل ذلك الذي جعل الظاهر دليلاً عليه إتيان إمام الزمان من كان من نبي أو إمام وقد ذكرنا أن مثله الباطن مثل البيت الحرام ص(196-197)من تأويل الدعائم وتيسير الأمر لأبناء الدعوة وجعل في كل ناحية تقام فيها الدعوة من يقوم بأمره وهو يمثل الإمام وكذلك تأويل جعفر بن منصور اليمن في كتاب الكشف ص118. والباطن من الحج على وجهين: أحدهما الهجرة من وطنك إلى وطن الرسول في عصره أو إلى وطن الإمام في عصره مع معرفة صاحبها بحقيقة فضله ومقامه حتى يقبل حجك ويشكره قلبك ويتزكى سعيك وينجلي عن شكرك. وأما الوجه الثاني في الباطن فهو معرفة الإمام في كل عصر وزمان الناطق بالحكمة".
ويقول في كتاب المجالس والمسايرات:([283])"وقد أوجب الله على جميع خلقه ولايتنا ومعرفتنا واتباع أمرنا والهجرة كالسعي إلينا من قرب ومن بعد كما أوجب الله عليهم في ظاهر أمره الحج إلى بيته الحرام من الآفاق ولكنا للرأفة بهم ولما نرجوه ونحبه من هدايتهم فقد نصبنا بكل جزيرة لهم من يهديهم إلينا ويدلهم علينا عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله وإن كنا قلما نجد لذلك من يقوم بالواجب فيه".
2) نشر المذهب من خلال دروسهم ومجالسهم من ذلك ما ذكره القاضي الفاطمي النعمان بن محمد في كتابه المجالس والمسايرات عن مجلس من مجالس المعز الفاطمي:([284]) "وسمعته يقول في هذا المجلس وقد ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وما عامل به الناس من القصد للحق وترك المراهنة فيه وطرح التستر فيما بينه وبينهم أو مداراة أحد منهم فقال: كان ذلك مما قوى أسباب اللعين معاوية". ثم بعد ذلك تعرض للخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان y وخطأهم، وسار على هذا المنوال في الرفع من علي وفاطمة رضي الله عنهما والحط من الصحابة على منهج الشيعة.
3) الأمر بتأليف الكتب لتأييد مذهبهم فمن ذلك أن المنصور الفاطمي أمر القاضي النعمان بن محمد بقوله: يا نعمان استخرج من كتاب الله ما رفضته العامة وأنكرته. يقول النعمان: "فجمعت من ذلك جزءاً فيه عشرون ورقة فرفعته إلى المنصور فاستحسنه وأعجب به. ثم قال: تماد. فانتهيت إلى سورة المائدة من أول فاتحة الكتاب والبقرة وجمعت من ذلك أزيد من ستمائة ورقة ثم قبض المنصور ولم يتمه".([285])
ويذكر النعمان حرصهم على أن تكون تلك التآليف على المستوى الذي يريدون فيقول عن المعز:([286])"ذكر لي شيئاً رآه في بعض ما ألفته في الاحتجاج على من خالف مذهب أهل البيت من العامة واستجاد القول فيه ثم أفادني شيئاً كنت أغفلته وقال: يحب أن تدخل مثل هذا فيه لتقطع به مقال من عسى أن يقول شيئاً فيه".
بل طلبوا أن يدخل ما يؤيدهم في كل علم وفن فقد أمر المعز الفاطمي أحد النحاة أن يؤلف كتاباً في النحو ويشمل مذهبهم، فتعاظم النحوي ذلك فقال لـه المعز: اعمل على ما أمرنا به فإن فيه توحيد الله عز وجل وإظهار حكمته وما أيدنا بمعرفته ويؤيدك من سمائه فيما أمرنا به إن شاء الله".([287])
4) إرسال الدعاة حيث دأب الفاطميون على إرسال الدعاة لنشر دعوتهم فقد ابتدأت بأبي عبد الله الشيعي وأخيه اللذين بسبب جهودهما مع قبائل البربر قامت الدولة الفاطمية؛ وقد استمر الفاطميون على هذا المنوال فمن ذلك أن المعز الفاطمي كان يرسل الدعاة في الجزر التي لم تدخل في الإسلام بل وفي بلاد المسلمين أيضاً يقول النعمان:([288])"وكان بعض الدعاة بجزيرة نائية في صقع بعيد يدعو إلى أولياء الله بعد دعاة تقدموا قبله في المكان الذي هو فيه واستجاب لهم قبله وإليه خلق عظيم من أهل تلك الناحية، وعامة أهلها مجوس ولكن قد كان الإسلام فشا فيها قديماً".
ويقول:([289])"وقدم على الإمام المعز لدين الله رسل جماعة من الدعاة من جزائر شتى بعيدة بالحضرة في يوم واحد فأدخلهم إليه وسألهم عن الأحوال ممن خلفوه من الدعاة والمؤمنين وما تجري الأمور به لديهم فذكروا من صلاح الأحوال في ذلك واستقامة الأمور والعلو والظهور ما حمد الله عليه".
5) استغلال المساجد والمنابر لنشر العقائد والتأثير على الناس مثل إدخال (حي على خير العمل) في الأذان كما مر، واشتهار سب الصحابة في المساجد وإلقاء خطب الجمعة من قبل خلفائهم وولاتهم ودعاتهم فقد حرصوا على ذلك مع علمهم بعدم قبول أكثر الناس لذلك. يقول المعز الفاطمي لما تهيأ للخروج ليصلي بالناس يوم الجمعة وقيل لـه إن المسجد قد غص بالناس وما حوله فقال: ما كان أحسن ذلك لو كان عن نية صادقة وضمائر خالصة وقبول للمواعظ وعمل بما يؤمرون، ولكن أكثرهم إنما يحضر ليرانا ويسمع ما نقول ثم لا يعبأ بذلك ولا ينتفع به. والله لولا إقامة الفروض وإحياء ما اندثر من السنن ما خرجت إليهم ولا خطبت عليهم، وإنما ينظرون لهواً ويسمعون سهواً ويرجعون صغاراً كما جاؤوا.([290])
6) اتباع كل الوسائل الممكنة لإغراء الناس وربطهم بأهل مذهبهم ومن ذلك الوسائل التالية:
- إسناد المناصب العليا في الدولة وبخاصة القضاء للشيعة.
- اتخاذ المساجد الكبيرة مراكز للدعوة إلى التشيع.
- تعيين أحد كبار المتفقهين في المذهب الشيعي للقيام بنشر دعوتهم وكان يعرف بداعي الدعاة، وكانت منزلته تعادل منزلة قاضي القضاة ويتزيا بزيه.
- تعيين اثني عشر نقيباً ونائباً في سائر البلاد يدعون إلى التشيع ويعلمون الناس مذاهب أهل البيت وأفكارهم ومعتقداتهم.
- الإمعان في إظهار شعائرهم المخالفة لشعائر أهل السنة كالأذان بحيَّ على خير العمل، والاحتفال باليوم العاشر من المحرم وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بكربلاء، والاحتفال بعيد الغدير المعروف بغدير (خم) وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة مثل ما عمل إخوانهم الشيعة البويهيون في مقر الخلافة في بغداد.([291])
ولما آلت الأمور في مصر إلى الحاكم بأمر الله سنة 390هـ عمد إلى إصدار كثير من الأوامر المبنية على التعصب الشديد للمذهب الفاطمي فأمر سنة 395هـ بسب الصحابة الثلاثة الأول في الخطب ونقش سبهم على جدران المساجد وفي الأسواق والشوارع والدروب، وأصدر الأوامر إلى العمال بمراعاة ذلك.([292])
7) تقريب أهل الذمة من اليهود والنصارى وتمكينهم من الأمور فقد ركنوا إلى اليهود والنصارى لإحكام هيمنتهم على أهل السنة وتوطيد عرى سلطتهم فقربوهم وأظهروا لهم كثيراً من التسامح والمودة واستخدموهم في مراكز ومناصب حساسة في الدولة؛ فيعقوب ابن كلس اليهودي الذي أسند إليه المعز بعض دواوين دولته يتحيز إلى إخوانه في الدين من قبل حيث إنه كان يهودياً وأسلم أو تظاهر بالإسلام. وارتقى يعقوب هذا في المناصب حتى أصبح وزيراً للعزيز بن المعز. كما اتسم عهد العزيز بالمداهنة مع النصارى فزاد بلاطه في إكرامهم لما كان بينه وبينهم من صلة النسب إذ تزوج من نصرانية وكان لها أَخوان رفعهما العزيز إلى أرقى مناصب الكنيسة، وكان لهذه السيدة نفوذ عظيم على العزيز فحملته على انتهاج سياسة المداهنة مع النصارى وتقريبهم وإعادة بعض الكنائس ومشاركتهم الاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم الدينية، فعظم أثرهم وازداد نفوذهم في أيامه وامتلأت وزارات الدولة ودواوينها بالكثير منهم وبخاصة بعد أن عين العزيز عيسى بن نسطورس كاتباً لـه ومنشا ابن إبراهيم الفراري اليهودي والياً لـه على الشام؛ فاستاء المسلمون في مصر من استئثار الذميين بمناصب الدولة ورفعوا للعزيز بالله الفاطمي كتبهم واحتجاجاتهم على محاباة النصارى واليهود؛ فأمر بالقبض على عيسى بن نسطورس وأعوانه من الكتاب، وعلى منشا وغيره من العاملين اليهود وأعاد الكتاب والعاملين المسلمين إلى أعمالهم بالدواوين.
أما الخليفة الحاكم بأمر الله فلم تكد تستقر لـه الأمور في مصر سنة 393هـ حتى نبذ سياسة التسامح التي انتهجها كل من المعز والعزيز مع غير المسلمين وبدأ ينتهج معهم سياسة الشدة؛ وقد تجلى ذلك سنة 395هـ حين أوجب عليهم لبس أزياء خاصة والعيش في مناطق معزولة، وأمر بهدم بعض الكنائس في القاهرة.([293])
8) تمادى الفاطميون في استهانتهم بمعتقدات المسلمين ومسلماتهم وقد بلغ ذلك ذروته في عهد الحاكم بأمر الله العبيدي الذي أراد أن يتجرأ على حرمة رسول الله r حيث بلغت الحماقة به أن يعزم على نبش قبر النبي r وصاحبيه وحملهم إلى مصر وأرسل إلى أبي الفتوح أمير مكة من قبله بذلك في سنة تسعين وثلاثمائة وقد سار أبو الفتوح إلى المدينة النبوية فلما وصل عرف الناس مقصده فلم يمكنوه من ذلك وكادوا أن يقتلوه وأرسل الله في ذلك اليوم ريحاً عاتية كادت أن تعصف بالمدينة ورجع ذلك الرجل خائباً. وبعد هذا العمل القبيح أرسل الحاكم في سنة خمس وتسعين وثلاثمائة إلى أبي الفتوح سجلاً ينتقص فيه بعض الصحابة ويجرح في بعض أزواج النبي r وأمره بقراءته على الناس فلما فشا الخبر في الناس زحفوا إلى المسجد غضباً لله تعالى ورموا من أراد قراءته بالحجارة وكان يوماً عظيماً ومشهداً مهيباً.([294])
وقد تعدى الحاكم جميع المعقولات فأوعز إلى بعض المقربين إليه أن يقوموا سراً بالدعوة إلى تأليهه فأثارت دعوة ألوهية الحاكم غضب أهل السنة ولكنه تمادى في ذلك.([295])
وعلى الرغم من أن الفاطميين حرصوا على نشر مذهبهم الشيعي بين أهالي البلاد التي ضموها إلى خلافتهم إلا أنهم لم ينجحوا بذلك كثيراً في مصر فقد ظل المذهب السني محتفظاً بقوته رغم تحول البعض إلى المذهب الفاطمي رغبةً أو رهبةً. ومن أسباب بقاء أهل السنة هو قوة تمسكهم بعقيدتهم لذلك رأى الفاطميون -كما مرَّ- أن يتركوا الفسطاط وعواصم أهل السنة، ويتخذوا لهم حاضرة جديدة تكون مقراً لأنصارهم ودعاة مذهبهم، كما أنشأوا لهم مسجداً خاصاً وأجازوا لأهل السنة في مصر إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم؛
فصارت تعاليم مذاهب الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد تدرس في دولتهم، بل إنهم صاروا يراعون مذهب الإمام مالك ومن سألهم الحكم به أجابوه. أما مذهب الإمام أبي حنيفة فلم يلقَ تأييداً من الفاطميين لأنه مذهب العباسيين. وظهر في العصر الفاطمي بمصر بعض علماء مذاهب أهل السنة وكانوا يلقون دروسهم على جمهور المسلمين بجامع عمرو بن العاص وغيره.
المبحث السادس: أهل الكلام المنتسبون لأهل السنة والجماعة:
وتشمل هذه التسمية عدداً من الفرق أبرزها الكلابية والأشاعرة والماتريدية. فهذه الفرق تعتبر من الفرق المتأخرة في الظهور في الأمة الإسلامية بالنسبة لغيرها من فرق الخوارج والشيعة والجهمية و المعتزلة فلم يكن لها بروز في الواقع إلا في أواخر القرن الرابع الهجري فإن الأمة عندما امتحنت ببدع المعتزلة ولقي علماء السلف منهم ما لقوا من أصناف العذاب المختلفة وثبتوا على منهجهم في محاجتهم على كتاب الله وسنة رسوله r ومنهج الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وخرج علماء السلف منتصرين ولربهم شاكرين ولأصحاب البدع محتقرين ومنابذين. عند ذلك تفتقت عقول بعض المنتسبين للاعتزال المتطلعين في كتب الفلسفة والمنطق التي ترجمت وتفتحت بصائرهم وتبين لهم عوار منهج المعتزلة وبطلانه عند ذلك شمروا في الرد عليهم بلسانهم وأعلنوا انضمامهم تحت لواء أهل السنة والجماعة فأخذوا يدا فعون وينابذون عن منهج أهل السنة و الجماعة ولكن بغير الطرق والوسائل التي سار عليها سلف الأمة وهو الاعتماد على الكتاب والسنة والكلام بل خلطوا ذلك بعلم المنطق
والكلام فكسروا شوكة المعتزلة ولكن ليس بالقضاء عليها بل بتبني بعض عقائدها وإلباسها بلباس أهل السنة ظناً منهم أن هذا هو الحق الذي لا مرية فيه.
ونظراً لقوة حماسهم في الرد على المعتزلة والانتصار لمذهب أهل السنة اغتر كثير من تلامذتهم بهذا المنهج وظنوا أنه منهج أهل السنة والجماعة فتبنوه وقعدوا لـه وألفوا فيه ودعوا إليه؛ وهذا بيان موجز بتلك الفرق التي نشأت في القرن الرابع:

1) الكلابية:

وهي فرقة أو بالأصح طريقة تنسب إلى أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان البصري وكلاب قيل اسم لوالده وقيل بل لقب لـه لأنه كان يجر الخصم بقوة بيانه.([296])ولم تعرف سنة ولادته ولا وفاته ذكر الذهبي رحمه الله بأنه كان باقياً قبل سنة الأربعين ومائتين.([297])
ولم تكن لـه شهرة إلا بعد ما امتحن أهل السنة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حيث إنه عاصر فتنة القول بخلق القرآن الكريم؛ فلما رأى مواقف علماء أهل السنة من المعتزلة الجهمية أراد أن يدلي بدلوه في الرد عليهم بما يعرفه من علم الكلام لأنه كان رأس المتكلمين في البصرة في زمانه. وقد كانت لـه مع المعتزلة مناظرات ومنهم عباد بن سليمان المعتزلي.([298])
ومما يدل على تأثر المعتزلة بردوده أنهم اتهموه بأنه ما قام بهذه الردود إلا من أجل دس دين النصارى في الإسلام.([299])وقد بين لنا أبو الحسن الأشعري رحمه الله مقولته بقوله:([300]) "قال ابن كلاب إن الله سبحانه لم يزل قديماً بأسمائه وصفاته، وإنه لم يزل عالماً قادراً حياً، ثم قال بعلم وقدرة وحياة وسمع وبصر وجلال وعظمة وكبرياء، وإن ذلك من صفات الذات وإن صفات الله هي أسماؤه".
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اعتقاد ابن كلاب ومن سار على طريقته في الله   فهم يقولون: إنه تقوم به الصفات ويرى في الآخرة والقرآن كلام الله قائم بذاته، وليست الصفات أعراضاً ولا الموصوف جسماً. ولكن الكلابية ومن وافقهم من الأشاعرة والسالمية لم يثبتوا الصفات الاختيارية التي تكون بمشيئته وقدرته مثل كونه يتكلم بمشيئته عندما يشاء بكلام معين إذ إنهم قالوا إن ما يقوم بمشيئته وقدرته لا يكون إلا مخلوقاً حادثاً منفصلاً عنه فلو اتصف الرب به لقامت به الحوادث.([301])
ولابن كلاب عدة كتب منها كتاب (الصفات)وكتاب (خلق أفعال العباد) وكتاب
(الرد على المعتزلة).([302])
وقد بين ابن تيمية رحمه الله أن طريقة ابن كلاب يميل فيها إلى مذهب أهل الحديث ولكن فيها نوع من البدعة لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته، ولكن لـه في الرد على الجهمية نفاة الصفات والعلو من الدلائل والحجج وبسط القول ما يبين فضله في هذا الباب و إفساده لمذاهب نفاة الصفات بأنواع من دلالة الخطاب وصار ما ذكره معونة ونصيراً وتخليصاً من شبههم لكثير من أولى الألباب حتى صار قدوة وإماماً لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها وإن كان قد شركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قاله من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول.([303])
فطريقة ابن كلاب طريقة محدثة خالف بها الجهمية عندما أثبت لله الصفات الذاتية وخالف فيها أهل السنة والجماعة عندما نفى عن الله الصفات الاختيارية التي يفعلها متى شاء سبحانه و تعالى فمن ذلك الوقت كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:([304])"صار المنتسبون إلى السنة والجماعة القائلون بأن القرآن غير مخلوق وأن الله يُرى في الآخرة وأن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه على قولين: طائفة وافقت ابن كلاب كالحارث المحاسبي([305])والقلانسي([306])والأشعري وأبي الحسن بن مهدي([307])الطبري وغيرهم. والطائفة الأخرى المتمسكة بطريقة السلف وهي الإيمان بصفات الله تعالى سواء كانت ذاتية أو فعلية كما جاءت في الكتاب والسنة على ما يليق بعظمة الله وجلاله، وخطأوا عبد الله بن سعيد بن كلاب ومن وافقه وهجر الإمام أحمد بن حنبل الحارث المحاسبي لذلك وحذر من الكلابية، ويقال بأن الحارث رحمه الله تاب من ذلك واشتهر علماً وفضلاً".([308])
وذكر ابن الجوزي أن الإمام أحمد بن حنبل قال لصاحب لَه: لا أرى لك أن تجالسهم. وسئل أبو زرعة رحمه الله عن المحاسبي وكتبه فقال للسائل: إياك وهذه الكتب! هذه كتب بدع وضلالات عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب. فقيل لَه: في هذه الكتب عبرة. فقال: من لم يكن لـه في كتاب الله عز وجل عبرة فليس لـه في هذه الكتب عبرة.([309])
وهكذا كان علماء السلف يحذرون من طريقة ابن كلاب في تفريقه بين الصفات اللازمة كالحياة والصفات الاختيارية. وبقي هذا الأصل يدور كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية إلى بداية القرن الرابع عندما مال إلى طريقة ابن كلاب بعض أصحاب الإمام أبي بكر ابن خزيمة فبلغه ذلك فنهاهم وطعن على مذهب ابن كلاب بما كان مشهوراً عند أئمة
الحديث والسنة.([310])ومن هؤلاء الأصحاب أبو علي الثقفي([311])وأبو بكر الصبغي([312])اللذان خالفا شيخهما أبا بكر بن خزيمة في نيسابور"فوقف أمامهما ولم يزل يصيح بتشويههما ويصنف في ردهما كأنه منذر جيش".([313])وكتب إلى جماعة من العلماء تلك المسائل فأمر أمير نيسابور بامتثال أمر أبي بكر فيهم من النفي والضرب والحبس، بل أراد صلبهما فقال ابن خزيمة: "لا، قد علم رسول الله r النفاق من أقوام ولم يصلبهم".([314])
وكان بعض العلماء يتشدد في التعامل مع الكلابية ومن لـه علاقة بهم .قال الحاكم:([315]) "سمعت أبا سعيد بن أبي بكر يقول: لما وقع من أمر الكلابية ما وقع بنيسابور كان أبو العباس السراج يمتحن أولاد الناس فلا يحدث أولاد الكلابية ونقل أنه قال: من لم يقر بأن الله تعالى يعجب ويضحك وينزل إلى السماء الدنيا فيقول (من يسألني فأعطيه) فهو زنديق كافر فإن تاب وإلا ضربت عنقه ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين". فهذه إشارة منه رحمه الله إلى العقائد التي خالفت فيها الكلابية عقيدة أهل السنة والجماعة.
فالذي نريد الإشارة إليه أن هذه الطريقة طريقة الكلابية كان لها أتباع في هذا القرن الرابع وقد رد عليهم علماء السلف وبينوا بطلان طريقتهم ومخالفتها للكتاب والسنة.
2) الأشعرية:
وهي فرقة تنتسب للإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وقيل في تاريخ وفاته غير ذلك.
وبما أن هناك فرق في الاعتقاد بين اعتقاد مؤسس هذه الفرقة واعتقاد المنتسبين إليه لذا ينبغي أن نبحث كل واحد منهما على حدة:
أولاً- أبو الحسن الأشعري:
هو أبوالحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري ينتهي نسبه إلى أبي موسى الأشعري الصحابي الجليل  رضي الله عنه.([316])وقد مرَّ أبو الحسن رحمه الله بثلاث مراحل هي:
1) مرحلة الاعتزال حيث نشأ في أحضان المعتزلة مدة أربعين سنة حتى صار إماماً من أئمة المعتزلة؛([317])لأنه تربى تحت عين ونظر شيخه أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي وتبعه في الاعتزال حيث كان زوج أمه فعاش ربيباً له.([318])
2) المرحلة الثانية وتبدأ حين تبين لـه خطأ منهج المعتزلة من خلال مواقف علماء الأمة ضدهم وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، ومن خلال تناقض المعتزلة أنفسهم وتضليل بعضهم لبعض، وقبل ذلك مخالفتهم للكتاب والسنة؛ وقد أعلن ذلك بالبصرة في المسجد الجامع في يوم الجمعة حيث "رقي كرسياً ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي: أنا فلان بن فلان, كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا يُرى بالأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها. وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة".([319])
ولما أعلن عن براءته من مذهب المعتزلة بدأ يبين فضائحهم وقبائحهم،([320])ونحا في ذلك منحى عبد الله بن سعيد بن كلاب الذي سبق ذكره، وبَيَّن تناقض المعتزلة في مواضع كثيرة"وبالغ في مخالفتهم في مسائل القدر والإيمان والوعد والوعيد حتى نسبوه بذلك إلى قول المرجئة والجبرية والواقفة "وسلك في الصفات طريقة ابن كلاب أيضا".([321])
3) المرحلة الثالثة وهي المرحلة الأخيرة التي أعلن فيها أنه يسير على منهج السلف الصالح وما يقول به الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. وقد كان لموقف الإمام البربهاري([322]) أعظم الأثر على سلوكه هذا المسلك؛ إذ إن أبا الحسن الأشعري لما وقف من المعتزلة ما يحمد عليه قدم بغداد وكانت الهيمنة فيها لأهل السنة ورأسهم في ذلك الإمام البربهاري فجاء إليه أبو الحسن "فجعل يقول: رددت على الجبائي وعلى أبي هاشم، ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس، وقلت لهم وقالوا وأكثر الكلام في ذلك، فلما سكت قال البربهاري: ما أدري مما قلت قليلاً ولا كثيراً، ولا نعرف إلا ما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل. فخرج من عنده وصنف كتاب (الإبانة) ([323])". وهو آخر كتاب صنفه،([324])وبين فيه أنه يسير على منهج الكتاب والسنة وأنه يقول بما يقول به الإمام أحمد بن حنبل حيث يقول( قولنا الذي نقول به وديننا الذي ندين به التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قولـه مخالفون".([325])
هذا منهج أبي الحسن الأشعري رحمه الله ولكنه كان يخطئ بعض الأحيان في اجتهادا ته لأنه يظن أن منهج السلف كذلك لتأثره بعلم الكلام أولاً وعدم تعمقه في منهج السلف الصالح، وثانياً لأن جُلَّ حياته كان في الاعتزال والاشتغال بعلم الكلام ثم تبع طريقة ابن كلاب يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله:([326])"انتصر للمسائل المشهورة عند أهل السنة التي خالفهم فيها المعتزلة كمسألة الرؤية والكلام وإثبات الصفات ونحو ذلك، ولكن خبرته في الكلام خبرة مفصلة وخبرته بالسنة خبرة مجملة فلذلك وافق المعتزلة في بعض أصولهم التي التزموا لأجلها خلاف السنة, وأعتقد أنه يمكنه الجمع بين تلك الأصول وبين الانتصار للسنة كما فعل في مسألة الرؤية والكلام والصفات الخبرية وغير ذلك.حتى قال: فلما كان في كلامه شوب من هذا, وشوب من هذا يعني من كلام أهل السنة, ومن كلام المعتزلة صار يقول من يقول إن فيه نوعاً من التجهم. وأما من قال إن قولـه قول جهم فقد قال الباطل، ومن قال إنه ليس فيه شيء من قول جهم فقد قال الباطل والله يحب الكلام بعلم وعدل وإعطاء كل ذي حق حقه وتنزيل الناس منازلهم".
وقال عنه رحمه الله في موضع آخر: "إنه دائماً ينصر في المسائل التي فيها النزاع مذهب أهل الحديث لكنه لم يكن خبيراً بأخذهم, فينصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم فيقع في ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء كما فعل في مسألة الإيمان ونصر فيها قول جهم مع نصره للاستثناء ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الاستثناء واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ذلك. ومن لم يقف إلا على كتب الكلام ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة"([327]).
ومهما يكن من أمر فالذي نستطيع أن نقوله هنا هو أن ما ذكره الإمام أبو الحسن الأشعري في كتبه مما يوافق السلف فهو حق اعتقده، وما كان في كتبه يخالف منهج السلف فهو باطل تاب عنه على الملأ وكتب توبته فلا يصح أن يقال بأن هذا هو قول الإمام أبي الحسن الأشعري.
ثانياً- الأشاعرة:
وهم أصحاب أبي الحسن الأشعري من تلاميذه الذين تتلمذوا عليه أو سلكوا منهجه الذي سار عليه لما ترك الاعتزال وأخذ بطريقة عبد الله بن كلاب واستمروا على هذه الطريقة لأن الإمام أبا الحسن الأشعري أعلن توبته في آخر حياته في آخر كتاب لـه كما مر فقد أعلنها توبة عامة ولم يتمكن من مراجعة ما كتبه وحرره سابقاً لذلك استمر أولئك الأصحاب على هذا الانتساب مع أنهم يخالفونه في بعض المسائل التي وافق فيها منهج السلف رحمهم الله ويأخذون برأي المعتزلة فمن ذلك ما ذكره الشهرستاني([328])وهو أشعري عن الباقلاني([329])بأن أبا الحسن الأشعري أثبت لله صفات فقال:([330])"فله صفات دلت أفعاله عليها لا يمكن جحدها وكما دلت الأفعال على كونه عالماً قادراً مريداً دلت على العلم والقدرة والإرادة لأن وجه الدلالة لا يختلف شاهداً وغائباً. على أن القاضي الباقلاني من أصحاب الأشعري قد رد قولـه في إثبات الحال ونفيها وتقرر رأيه على الإثبات, ومع ذلك أثبت للصفات معاني قائمة بها لا أحوال، وقال: الحال الذي أثبته أبو هاشم([331])هو الذي نسميه صفة خصوصاً إذا أثبت حالة أوجبت تلك الصفات".فالباقلاني خالف شيخه ووافق المعتزلة.
وممن اشتهر من تلاميذ أبي الحسن الأشعري:
1- أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بابن المهدي المتوفى نحو سنة ثمانين وثلاثمائة. وهو من أفضل تلاميذه ومع ذلك كان علماء السلف يتحرجون في النقل عنه لما اشتهر عنه من علم الكلام فمن ذلك اعتذار الإمام الصابوني عن استشهاده بكلامه أن مذهب أهل السنة والجماعة القول بأن القرآن كلام الله سبحانه ووحيه المنزل. قال الصابوني:([332])"وإنما ذكرت هذا الفصل بعينه من كتاب ابن المهدي لاستحساني ذلك فإنه اتبع السلف من أصحاب الحديث فيما ذكره مع تبحره في علم الكلام وتصانيفه الكبيرة فيه".
2- أبو بكر محمد الطيب الباقلاني المتوفى سنة 403هـ, وهو أشهرُ مَن أبرزَ المذهب المنسوب إلى أبي الحسن الأشعري وقام بشرح كتابه (اللمع) وألف عدداً من الكتب في مناقشة المعتزلة وغيرهم وكان لـه دور واضح في تطور المذهب الأشعري لكثرة أتباعه.([333])
3- أبو بكر محمد الحسن بن فورك الأصبهاني المتوفى سنة 406هـ والذي درس المذهب الأشعري هو والباقلاني على أبي الحسن الباهلي تلميذ أبي الحسن الأشعري.([334])
وعندما نتبع قرننا هذا لا نجد في الحقيقة إشارة إلى مذهب الأشاعرة كمذهب مستقل فردود أهل السنة إما على الكلابية أو المعتزلة أو الجهمية، وما شاركوهم فيه كانوا داخلين تحتهم ولم تنتشر الأشعرية إلا بإعلانها انتسابها إلى مذهب أهل السنة والجماعة ووقوفها أمام الجهمية والمعتزلة مثل وقوف علماء السلف فقد نقل ابن تيمية عن أبي إسحاق الشيرازي قوله:([335]) "إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة وكان أئمة الحنابلة المتقدمون يذكرون كلامهم في كتبهم". ولذا كان يلوح بخاطري أن الاختلاف الكبير في تاريخ وفاة الإمام أبي الحسن الأشعري, يدل على أنه لم يكن لـه تميز عن غيره من المعاصرين من أهل السنة مما يجعل الناس في وقته لا يحفلون بتاريخ وفاته أو يحفظونه أو يكون لوفاته وقع على العلماء والعامة بحيث تكون من الأحداث البارزة التي لا تنسى، ولا أدلَّ على ذلك من أنه لم يُنسب لـه مذهب معين أغلب القرن الرابع الهجري فهو كان على طريقة ابن كلاب ثم تاب منه فلما لم يقتنع أصحابه الذين تشربوا بهذه الطريقة بتوبته تشبثوا باسمه لقبوله عند الناس حيث اشتهرت عندهم توبته؛ فلم تكن هناك إشارة إلى مذهب الأشاعرة إلا بعد سنة ثمانين وثلاثمائة كما يذكر المقريزي في خططه حيث اشتهر بالعراق وانتقل منه إلى الشام.
ومن الذين نُسب إليهم دور في إدخال الأشعرية إلى القيروان أبو الحسن علي بن محمد القابسي المتوفى سنة 403هـ.([336])
وفي أواخر القرن الرابع الهجري وصل إلى القيروان أبو عبد الله الأزدي وأبو طاهر البغدادي فنشرا العلم والعقيدة الأشعرية وراجت كتبهما بالقيروان. وكان من أبرز التلاميذ الذين تلقوا الأشعرية في هذا المناخ أبو عمران الفاسي المتوفى سنة 430هـ وتفقه عليه جماعة كثيرة إلا أن تلاميذه منهم من غلب عليه الفقه ومنهم من تأثر بعلمه.([337])
ونجد أوائل الإشارات للأشعرية في كتاب (الفصل في الملل والاهواء والنحل) لابن حزم الأندلسي المولود سنة 384هـ مما يؤيد ما ذهب إليه المقريزي. ولعل المناظرات التي وقعت بين الكرامية وعلى رأسهم محمد بن الهيصم وبين ابن فورك أحد أتباع الأشعري بحضور الأمير محمود بن سبكتين وميله لقول الكرامية وطرده لابن فورك([338])وتبني الخليفة القادر بالله لمجمل عقيدة السلف ونبذه لأهل الكلام والتأويل ساعد على تمييز الأشاعرة عن منهج السلف.
ويذكر المقريزي في خططه أن سبب انتشار المذهب الأشعري في الاعتقاد أن السلطان صلاح الدين الأيوبي كان هو وقاضيه صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراتي على هذا المذهب فحملوا كافة الناس في دولتهم على المذهب الأشعري، وسار ملوك بني أيوب على ذلك، ثم في أيام مواليهم من المماليك الأتراك. واتفق مع ذلك توجه أبي عبد الله ابن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق وأخذ المذهب عن أبي حامد الغزالي أحد علماء الأشاعرة المشهورين، فلما رجع للمغرب تبنت دولة الموحدين ببلاد المغرب المذهب الأشعري واستباحوا دماء من خالفه. فكانت هذه هي أسباب انتشاره ولم يبق من يخالفه إلا مذهب السلف الذي كان عليه الإمام أحمد بن حنبل ومن تبعه فهم لا يرون تأويل الصفات "إلى أن جاء تقي الدين أحمد بن تيمية في القرن السابع فانتصر لَه([339])وبيَّن أن الأشعري تبع مذهب السلف ولكن الذين جاؤوا بعده أوَّلوا فوافقوا الجهمية في كثير من أقوالهم. يقول ابن تيمية رحمه الله:([340])"وهذه التأويلات الموجودة بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه (تأسيس التقديس) ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء هي بعينها تأويلات بشر المريسي التي ذكرها في كتابه وإن كان قد يوجد في بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله ولهم كلام حسن في أشياء".
3) الماتريدية:
وهي فرقة تنسب إلى أبي منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي([341])و(ماتريد) قرية من قرى سمرقند في بلاد ما وراء النهر فلذلك يقال في نسبته أحيانا (الماتريدي السمرقندي) ولا يذكر أحد من المؤرخين تاريخ مولده، ويرجح بعض الباحثين أنه ولد حوالي عام 238هـ لأن أحد أساتذته وهو محمد بن مقاتل توفي عام 333هـ.([342])
نشأ الماتريدي في بلاد ما وراء النهر والتي عرفت فيما بعد باسم تركستان. وقد اتفق أبو منصور الماتريدي مع أبي الحسن الأشعري المعاصر لـه في السير على طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب ويتضح ذلك في كتابه التوحيد فهو يقول:([343])"ثم الوصف لله بأنه قادر عالم حي كريم جواد والتسمية بها حق من السمع والعقل جميعا فالسمع ما جاء به القرآن وسائر كتب الله، وسمي بالذي ذكرت الرسل والخلائق كل منهم. إلا أن قوماً وجهوا تلك الأسماء إلى غيره ظناً منهم أن في إثبات الاسم تشابهاً بينة وبين كل مسمى.....فهي مسمى بما سمى به نفسه موصوف بما وصف به نفسه والعقل يوجب ذلك".
ثم يثبت الصفات التي أثبتها ابن كلاب وأبو الحسن الأشعري وهي: السمع والبصر والعلم والحياة والقدرة والكلام والإرادة، ويزيد عليها وصف الله بالتكوين في الأزل.([344])
وفي هذا الكتاب مناقشات مع المعتزلة المعاصرين لـه والقريبين منه مكاناً مثل الكعبي حيث يقول:([345])"ونذكر بعض ما ذكر الكعبي لتعلموا مبلغه في معرفة الله والعلم به فيكون في ذلك الإحاطة  بمبلغ مذهب الاعتزال إذ هو عندهم إمام أهل الأرض ولا قوة إلا بالله".
والماتريدي يقر مثل بقية الكلابية بصفات الله غير ما ذكر لكنه يؤولها على غير وجهها مثل تأويلهم الكلام بأنه نفساني والقرآن عند هؤلاء حكاية عن كلام الله كما كان عند الأشاعرة عبارة عن كلام الله فالقرآن بناء على ذلك مخلوق.
ولأبي منصور الماتريدي جهود في الرد على الفرق التي انحرفت عن منهج أهل السنة والجماعة فقد رد على المعتزلة وبين بطلان أصولهم الخمسة في كتبه: (بيان وهم المعتزلة)، و(رد على كتاب أوائل الأدلة للكعبي)، و(رد على كتاب تهذيب الجدل للكعبي)، و(رد على كتاب وعيد الفساق للكعبي)؛ فهو أفرد المعتزلة المعاصرين لـه بهذه الردود الخاصة فالكعبي احد رؤساء فرقهم،([346])وكذلك رد على القرامطة والروافض.
ومع جهوده واتفاقه مع أبي الحسن الأشعري في المنهج إلا أنه لم يحظ بالاشتهار الذي حظي به أبو الحسن الأشعري أو بالشهرة التي حظي بها غيره من علماء الفرق حيث لم يرد ذكره في أغلب المراجع([347])التي تكلمت عمن هو أقل منه علماً بل ذكرت الزنادقة والملاحدة، ولعل أبرز أسباب ذلك ما يلي:

  1. أن اشتهاره  لم يكن إلا متأخراً عندما وجد لـه أتباع وأنصار تلقوا العلم عن تلاميذه. أما المعاصرين لـه من العلماء فلم يلفت نظرهم لعدم مجيئه بشيء جديد فالطريقة طريقة ابن كلاب وتحذيرهم عام من الكلابية وهو واحد منهم ومع هذا فالرد على المعتزلة والروافض شائع بين الناس في ذلك العصر.

  2. بعده عن حواضر البلاد الإسلامية من المدن الكبرى التي هي مقصد العلماء ومحط رحالهم، وعدم سفره أيضاً لتلك الحواضر جعله أقل اشتهارا من أبي الحسن الأشعري الذي كان في بغداد مقر الخلافة في ذلك الوقت لأنه كان معتزلياً أو من رؤوسهم فانقلب عليهم وبدأ يفند باطلهم تفنيد خبير بالإضافة إلى إعلانه أخيراً أنه على منهج الإمام أحمد بن حنبل رحم الله الجميع، ومع ذلك لم يشتهر تاريخ وفاته.

ومهما يكن فاشتهار الرجلين بعد القرن الرابع في كثير من المناطق في بلاد العالم الإسلامي أمر معروف إلى الآن، وقد صُور للناس أن مذهب أهل السنة والجماعة هو ما عليه الأشاعرة الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري وما سار عليه أبو منصور الماتريدي وتلامذته.
لذلك يقول الزبيدي: "إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية". وقد وقع بين الطائفتين خلاف في العقائد مشهور ووقع بينهما تباين وتنافر.([348])
وهذا بلا شك تمويه على الناس وكذب وافتراء على أهل السنة والجماعة فإن معتقد أهل السنة والجماعة يختلف عن معتقد الأشاعرة والماتريدية في عدد من مسائل الإعتقاد.
المبحث السابع: الكَرَّامية:
وهي فرقة تنسب إلى أبي عبد الله محمد بن كَرَّام بن عَرَّاف بن حزانة بن البراء.([349])وقد اشتهر بأن (كَرَّام) بفتح الكاف وتشديد الراء وقيل بكسر الكاف وتشديد الراء، وقيل في جده لأبيه(حزامة) بدل حزانة،وقيل:كان والده يبيع الكروم.وتوفي سنة خمس وخمسين ومائتين.([350])
نشأ بسجستان وتلقى علوم الحديث وغيرها من الضعفاء والساقطين، وكان من العباد المتكلمين. قال ابن حبان: "خذل حتى التقط من المذاهب أرداها، ومن الأحاديث أوهاها فسار على عقيدة المرجئة، والمرجئة هم الذين يقولون بتأخير العمل عن الإيمان وأضلهم من يقول بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب".
وقد كان الخلاف بين فرق الأمة في مسألة الإيمان وتعريفه على النحو التالي:([351])
1- المرجئة التي تقول بأن الإيمان هو مجرد التصديق فقط ويدخل في ذلك فئتان:
أ- مرجئة الفقهاء الذين يقولون بأن الإيمان التصديق، والعمل زائد عنه ولكن العمل لـه أثره فتارك العمل مذموم في الدنيا مستحق للحد فيما فيه حد في الدنيا، وفي الآخرة تحت المشيئة إن شاء الله غفر لـه وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم أدخله الجنة.
ب- الجهمية الذين يقولون بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب في الدنيا، وفي الآخرة مرتكبو الكبائر في الجنة.
2- الخوارج الذين يقولون بأن الإيمان قول وعمل؛ فمرتكب الكبيرة في الدنيا كافر وفي الآخرة في النار لن يغفر الله لـه أبداً لأنهم يقولون بوجوب إنفاذ الوعيد.
3- المعتزلة قالت مثل قول الخوارج إلا أنها قالت بأن مرتكب الكبيرة في الدنيا في منزلة بين المنزلتين وفي الآخرة مخلد في النار.
4- جمهور أهل السنة والجماعة وعندهم أن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وأن مرتكب الكبيرة في الدنيا مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وفي الآخرة تحت المشيئة إن شاء الله غفر لـه وإن شاء عذبه لأن الله تعالى يقول([352]))إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَّشَاءُ( وغير ذلك من الأدلة.
هذه هي الأقوال التي كانت مشتهرة عند المسلمين في القرن الثاني وأوائل الثالث إلى أن جاء محمد بن كَرَّام فشذَّ عن هذه الأقوال وقال بقول لم يسبقه إليه أحد وهو أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأن الإيمان هو القول باللسان وإن اعتقد قائله الكفر بقلبه؛ فإذا فعل ذلك فهو مؤمن من أهل الجنة؛ فإبليس والمنافقون على عهد رسول الله rبناء على قولـه من المؤمنين.([353]) وينقل ابن تيمية قولهم على أنهم لا يحكمون في الآخرة بذلك حيث يقول:([354])"والكرامية قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه أحد حيث جعلوا الإيمان قول اللسان وإن كان مع عدم تصديق القلب فيجعلون المنافق مؤمناً لكنه يخلد في النار فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم وأما في الصفات والقدر والوعيد فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها  مخالفة للسنة".
وأما مذهبه في أسماء الله وصفاته فقد أثبت الأسماء والصفات وبالغ في الإثبات حتى بلغ به حد التشبيه وجعلها مثل صفات المخلوقين؛ فالكرامية "ليسوا من الجهمية بل يردون عليهم أعظم الرد وهم أعظم مباينة لهم من الأشعرية".([355])ومع ذلك لما قال ببدعته رد عليه العلماء وشنعوا عليه فسجن بنيسابور ثمانية أعوام ثم أخرج فسار إلى بيت المقدس منفياً فسمع منه الناس الحديث فلما قال إن الإيمان قول فقط حرقوا الكتب التي كتبوها عنه ولبث في الشام وتوفي سنة خمس وخمسين ومائتين كما مر.
وقد أصبح لـه أتباع كثر في الشام وسجستان وقد افترقوا إلى فرق أوصلها الشهرستاني  إلى اثنتي عشرة فرقة.([356])وذكر ابن عساكر أن أتباعه في خراسان وحدها أكثر من عشرين ألفاً وفي فلسطين مثلها ولهم رباط في بيت المقدس.([357])
وقد استمر وجود أتباع ابن كَرَّام في القرن الرابع الهجري وقد شنع عليهم علماء قرننا ومن ذلك ما نقل عن ابن خزيمة وغيره من علماء هذا القرن أن "الكرامية كفار يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم".([358])
وذكر عبد القاهر البغدادي المتوفى سنة تسع وعشرين وأربعمائة هجرية أنه ناظر شيخاً منهم يقال لـه إبراهيم بن مهاجر في عام سبعين وثلاثمائة في مجلس ناصر الدولة صاحب الجيوش السامانية.([359])
فلما جاء الربع الأخير من هذا القرن قامت دولة لهم فأفسح لهم المجال وذلك عندما تولى الملك سُبكتكين([360])الأمر في (بلخ) و(غزنة) وغيرها وكان على عقيدتهم وقد استمرت دولته نحواً من عشرين سنة وكان ملكاً عادلاً شجاعاً، وتوفي عام سبعة وثمانين وثلاثمائة،([361])وتولى بعده ابنه محمود فسار على نهج والده وكان ملكاً عادلاً مجاهداً غازياً أظهر لعنة أهل البدع على المنابر. وكان من جلسائه محمد ابن الهيصم أحد علماء الكرامية فمال إلى مذهب الكرامية ونصره.
ويظهر أن ميله لم يكن بذلك التعمق والفهم ولا أدل على ذلك من أنه كان في غاية الديانة والصيانة وكراهية المعاصي وأهلها ولا يحب منها شيئاً ولا يألفه ولا يسمح به، ولا يجسر أحد أن يظهر معصية ولا خمراً في مملكته ولا غير ذلك، ولا يحب الملاهي ولا أهلها وكان يحب العلماء والمحدثين ويكرمهم ويجالسهم ويحب أهل الخير والدين والصلاح، وقد أمر بطرد ابن فورك أحد علماء الأشاعرة لموافقته رأي الجهمية.([362])
والذي يظهر من حال السلطان محمود بن سبكستكين انه يوافقهم في أصل الإثبات لا في الغلو.
المبحث الثامن: أهل التصوف و الحلول و الزندقة:
كانت الصوفية في أول عهدها على سمة السلف في العقائد والأصول وكانت مخالفاتها محصورة في بعض مظاهر التعبد والسلوك؛ وأغلب ذلك منشأه الجهل وكان كثير من رموزها يحث على الاتباع وعدم الابتداع، ومع مرور الزمن ودخول كثير من أصحاب العقائد المنحرفة تحت مظلتها وتسترهم بخبائها لأنها هي الواجهة التي يمكن أن تحميهم من نقد الناقدين وتتبع المتتبعين ولاسيما أن مجالها رحب لهم لكي يصبغوا كل ما يقولون باسم التعبد والزهد.
ثم تطورت بدع الصوفية في نهاية القرن الثالث وما بعده، حتى صارت مأوى لكل مبطل وزنديق، ووعاء لكل مذهب ونحلة، ومستقراً لكل زندقة وضلالة؛ فظهرت في بعض فصائل الصوفية وطرقها عقائد اليهود، والنصارى، والمجوس، والهنود، والفرس، والصابئة، وغيرها فأصبحت الصوفية مشاعة بين جميع الأهواء والبدع حتى اشتهر فيهم الإلحاد والزندقة وأعلن بعضهم الحلول والاتحاد ووحدة الوجود.([363]) وتحولت الصوفية في القرن الرابع وما بعده إلى الطرق وكثر فيها الإلحاد والزندقة والبدع وظهر فيها التجهم والاعتزال والتشيع والرفض وسائر الأهواء. ومن آثار هذا الاعتقاد خرجت فئات متعددة أشغلت المسلمين وأفسدت عقائد الجاهلين ومن أبرزهم ما يلي:
أ- أصحاب الطرق الصوفية:
1- أبو طالب المكي: وهو محمد بن علي بن عطية الحارثي أبو طالب المكي الواعظ المذكر الزاهد المتعبد الرجل الصالح المشهور بأبي طالب. سمع الحديث وروى عن غير واحد، وكان صالحاً مجتهداً في العبادة وصنف كتاباً سماه (قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى ما مقام التوحيد) ذكر فيه أحاديث لا أصل لها. قال صاحب شذرات الذهب:([364])"نشأ بمكة وتزهد وسلك طرق الصوفية وصنف ووعظ وكان صاحب رياضة ومجاهدة وكان على نحلة أبي الحسن بن سالم البصري شيخ السالمية من أهل الجبل، وسكن مكة فنسب إليها".
وحكى ابن الجوزي أنه دخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن بن سالم فانتهى إلى مقالته، ودخل بغداد فاجتمع عليه الناس وعقد لـه مجلس الوعظ بها فغلط في الكلام وقد خالف أصول السنة في مواضع وحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أضر من الخالق !فبدعه الناس وهجروه وامتنع من الكلام على الناس.وقد كان أبو طالب هذا يبيح السماع. وتوفي سنة 386هـ.([365])
 
2- أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله البكري الصقلي سمع بالقيروان من أبي الحسن علي بن محمد بن مسرور الدباغ وحسن بن نصر وأبي العرب اليحصبي ثم رحل للمشرق فأخذ عن البلخي وأبي الحسن الهاشمي وآخرين. جمع الحديث وأصول الفقه والتصوف و الصلاح والزهد. ومن تأليفه كتاب (أنوار الصقلي) أتى فيه بأنواع المعارف وأسرار التصوف، وكتاب (صفة الأولياء ومراتب أحوال الأصفياء)، وكتاب (كرامات الأولياء والمطيعين من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان).([366])وقد انحرف بمنهجه عن منهج أهل السنة والجماعة سواء في السلوك أو المعتقد وبالغ في كرامات الأولياء وادَّعى لهم ما لم يكن للأنبياء والمرسلين مثل رؤية رب العالمين في الدنيا قبل الآخرة، وتبعه على هذا المنهج فئة انتسبت إليه وسميت البكرية فقام العلماء بالرد عليهم ومنهم الإمام أبو زيد القيرواني في كتابه (الاستظهار في الرد على البكرية).
ب- أهل الحلول والزندقة:
في بيئة التصوف والغلو وانحراف المنهج والعقيدة نشأت وترعرعت فئة من الملاحدة أرادت أن تضل الأمة في هذا القرن منهم:
أ-الحلاج:([367])وهو الحسن بن منصور بن محمي الفارسي الحلاج.([368])يكنى بأبي مغيث وقيل أبي عبد الله، وكان جده (محمي) مجوسياً. نشأ الحسن بواسط، وقيل بتستر، وقدم بغداد فخالط الصوفية.([369])وكان قد تصوف بتستر وصحب سهل بن عبد الله التستري الصوفي فلما قدم بغداد صحب كبار الصوفية مثل الجنيد والنوري وتعبد فبالغ في المجاهدة والترقب، ثم فتن ودخل عليه الداخل من الكبر والرياسة فسافر إلى الهند وتعلم السحر.([370]) وكان يخبر الناس بما أكلوه وما صنعوه في بيوتهم، ويتكلم بما في ضمائرهم فافتتن به خلق كثير واعتقدوا فيه الحلول واختلف الناس فيه كاختلافهم في المسيح فمن قائل إنه قد حلَّ فيه جزء إلهي، ومن قائل إنه ولي وما يظهر منه كراما ت، ومن قائل إنه مشعبذ ومتكهن وساحر كذاب. ونظراً لأنه قد جال في خراسان وما وراء النهر والهند وزرع في كل ناحية زندقة وأصبح أتباعه يكاتبونه من الهند بالمغيث، ومن بلاد الترك بالمقيت لبعد الديار عن الإيمان، ومن خراسان بأبي عبد الله الزاهد، ومن خوستان بالشيخ حلاج الأسرار؛ فقامت عليه الكبار ... فقال ناس ساحر فأصابوا، وقال ناس فيه شيء من الجنون فماأبعدوا لأن الذي كان يصدر منه لا يصدر من عاقل,وقال ناس من الأغتنام بل هذا رجل عارف ولي الله
صاحب كرامات فليقل ما شاء فلن يقول إلا الحق، وهذه بلية عظيمة ومرضة مزمنة أعيا الأطباء دواؤها.([371])
وفي سنة تسع وثلاثمائة لما تقلد الوزير أبو الحسن علي بن عيسى الوزارة للمقتدر جدَّ في طلب الحلاج فظفر به بعد شهرين من ولايته. ([372])وكان يخرج كل يوم إلى مجلسه ويستنطقه، فكان الحلاج لا يزيد على إظهار الشهادتين و التوحيد؛ فأحضر قوماً يعتقدون في الحلاج الإلهية أنه يحيي الموتى ووجدوا بعض كتبه التي تدل على كفره وإلحاده عند ذلك أفتى العلماء بقتله ومنهم القاضي أبو عمر محمد بن يوسف المالكي المتوفي(320هـ) فقُتل سنة 309هـ وصُلب بعدما أجمع الفقهاء ببغداد أنه كافر ممخرق مشعبذ.([373]) قال الذهبي:([374])"بل قتل الحلاج بسيف الشرع على الزندقة".
والصوفية مختلفون فيه فأكثرهم نفى أن يكون الحلاج منهم، وفئة تقول بأنه عالم رباني وقد تكون تزكية هذه الفئة تزكية لحاله التي كانت تعرفها في أول أمره ولم تطلع على حاله فيما بعد وتعرف ما عرف الناس عنه. ومهما يكن من أمرٍ فالحلاج تربى في مدرسة التصوف وتخرج فيها قبلما يقول فوجد فيا المرتع الخصب لمعتقداته وزندقته.
2- الشلمغاني سنة 312: وهو أبو جعفر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي القراقر، ويقال لـه ابن العرافة. و(شلمغان) قرية بنواحي واسط. وكان قد أحدث مذهباً غالياً في التشيع والتناسخ والحلول.([375]) ظهر ببغداد، فذكروا عنه أنه يدعي ما كان يدعيه الحلاج من الإلهية، وأظهر ذلك أبو القاسم الحسين بن روح الذي تسميه الإمامية الباب، واتهم أيضاً بأنه يقول بالتناسخ فأنكر ذلك فأحضره الراضي وادعى عليه بما كان ذكر عنه فأنكر وأمسك معه ابن أبي عون وابن عبدوس ممن آمن به فأمرهما بصفع الشلمغاني فامتنعا فلما أكرها مد ابن عبدوس يده فصفعه وأما ابن عون فإنه مدَّ يده ليصفعه فارتعدت يده فقبل لحية الشلمغاني ورأسه وقال: إلهي وسيدي ورازقي. فقالوا للشلمغاني: أما قلت أنك لم تدع الإلهية؟ فقال: إني ما ادعيتها قط وما علي من قول ابن أبي عون مثل هذا. ثم صرفا وأحضر الشلمغاني وابن عون عدة مرات بحضور الفقهاء. وآخر الأمر أفتى الفقهاء بإباحة دمه فصلب الشلمغاني وابن أبي عون في ذي القعدة من هذه السنة وأحرقا بالنار. وقد شبه ابن الأثير مذهبهم بمذهب النصيرية.([376])
ج- ادعاء النبوة:
في هذا المناخ العقدي والسياسي المضطرب للأمة الإسلامية في هذا القرن وعدم وجود القوة العسكرية التي تكون مهمتها الأولى حراسة الدين وقمع المنحرفين استغلت هذه الظروف شخصيات تريد الظهور و العبث بعقول السفهاء و الجاهلين فادعت لنفسها النبوة و الرسالة من رب العالمين، ومن هؤلاء:
1- المتنبي المتوفى سنة 354هـ: وهو أحمد بن الحسن بن عبد الصمد أبو الطيب الجعفي الشاعر المعروف بالمتنبي.([377]) ادعى أنه نبيٌّ يوحى إليه فاتبعه جماعة من بني كلب وغيرهم من جهلتهم وسفلتهم،([378]) وزعم أنه أنزل عليه قرآن منه قوله: (والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي خسار، امض على سنتك واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامعٌ بك من ألحد في دينه، وضل عن سبيله). وهذا من خذلانه وكثرة هذيانه وفشاره، ولو لزم قافية مدحه النافق بالنفاق، والهجاء بالكذب والشقاق، لكان أشعر الشعراء وأفصح الفصحاء، ولكن أراد بجهله وقلة عقله أن يقول ما يشبه كلام رب العالمين الذي لو اجتمعت الجن والإنس والخلائق أجمعون على أن يأتوا بسورة مثل سورة من أقصر سوره لما استطاعوا. ولما اشتهر خبره بأرض السماوة وأنه قد التف عليه جماعة من أهل الغباوة، خرج إليه نائب حمص من جهة بني الإخشيد وهو الأمير لؤلؤ بيض الله وجهه، فقاتله وشرد شمله، وأسره مذموما ًمدحوراً، وسجن دهراً طويلا، فمرض في السجن وأشرف على التلف، فاستحضره واستتابه وكتب عليه كتاباً اعترف فيه ببطلان ما ادعاه من النبوة، وأنه تاب من ذلك ورجع إلى دين الإسلام، فأطلق الأمير سراحه فكان بعد ذلك إذا ذكر لـه هذا يجحده إن أمكنه و إلا اعتذر منه واستحيا. وقد اشتهر بلفظة تدل على كذبه فيما كان ادعاه من الإفك والبهتان، وهي لفظة المتنبي الدالة على الكذب ولله الحمد والمنة,([379])وقد حاول بعض المعجبين به نفي تنبئه وإيجاد بعض التفسيرات لتلقيبه بالمتنبي.
2- مدعي النبوة في الشاش[380] المتوفى سنة 322هـ: حيث ظهر رجل ببلاد الشاش ادعى النبوة وكثر أتباعه وكان صاحب حيل ومخاريق وكان يدخل يده في حوض ملآن بالماء فيخرجها مملوءة دنانير، ويدعي أنه مات وعاد إلى الدنيا وغير ذلك من المخاريق فكثر جمعه؛ فأُرسل إليه جيش كبير فحاربوه وضيقوا عليه حتى قبضوا عليه وقتلوه وقتلوا كثيراً من أتباعه. وبقي بتلك الناحية جماعة كثيرة على ما دعاهم إليه ثم اضمحلوا أو نسوا.([381])
تاسعاً: الوضع في الأندلس في هذا القرن:
لقد استقلت الأندلس عن بقية بلاد العالم الإسلامي استقلالاً سياسياً من وقت مبكر وذلك عندما دخل عبد الرحمن بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي (عبد الرحمن الداخل) الأندلس سنة ثمان وثلاثين و مائة([382])فاراً من العباسيين عام 132هـ. وقد استمرت هذه الجزيرة تحت حكم بني أمية عدة قرون.
ولقد كان عز دولة بني أمية في الأندلس الحقيقة في قرننا هذا -القرن الرابع الهجري- حيث إن النصف الأول من هذا القرن مر على الأندلس وهي تحت إمرة الخليفة عبد الرحمن الناصر   (300_350هـ) أعظم أمراء بني أمية في الأندلس وهو أول من تلقب بالخلافة في الأندلس لما رأى ضعف بني العباس وتلقب الفاطميين بهذا اللقب وهم ليسوا أهلاً لـه فرأى أنه لا يقل عنهم إن لم يكن أقوى منهم. وقد استمر حكمه خمسين سنة وستة أشهر جلها غزو وجهاد وكان ناسكاً([383]) كثير الجهاد، وكان لـه عدد من الفقهاء والعلماء المشاورون وكان يقربهم من مجلسه ويعظم شأنهم ويفتخر بوجودهم.([384])
وقد حافظ أهل الأندلس على منهجهم في العقيدة الذي كانوا عليه في خلافة بني أمية مثل محافظتهم على ولاة أمرهم من بني أمية وقد كانت على مذهب الإمام الأوزاعي والإمام مالك رحمه الله تعالى في الفقه والاعتقاد فعلومهم "المعلومة بأرض الأندلس جارية على مذهب التقليد والتسليم".([385])وزاد ارتباطها بعقيدة السلف عندما انتشر الحديث بها على أيدي العالمين الجليلين بقي بن مخلد الأندلسي([386])الذي ملأ الأندلس حديثاً، ومحمد بن وضاح الأندلسي([387])فصارت الأندلس دار حديث وإسناد ولم يكن فيها شيء من علم الكلام والجدل ومخالفة نهج السلف، وكانوا حرباً على من أراد خلاف ذلك.

  • فمن هذا مثلاً أن "خليل بن عبد الملك بن كليب المعروف بخليل الفضلة المتوفى سنة ثلاثين وثلاثمائة من أهل قرطبة رحل للشرق لطلب العلم ورجع وقد انحرف إلى الاعتزال وكان صديقاً لمحمد بن وضاح فلما أعلن مذهب الاعتزال هجره ابن وضاح. ولما حضر خليل مجلس بقي بن مخلد سأله بقي عن أربع "فقال: ما تقول في الميزان؟ قال: عدل الله. ونفى أن تكون لـه كفتان. فقال لَه: ما تقول في الصراط؟ فقال: الطريق. يريد الإسلام فمن استقام عليه نجا. فقال له: ما تقول في القرآن؟ فلجلج ولم يقل شيئاً وكأنه ذهب إلى أنه مخلوق. فقال له: ما تقول في القدر؟ فقال أقول إن الخير من عند الله والشر من عند الرجل. فقال لـه بقي: والله لولا حالة لأشرت بسفك دمك ولكن قم فلا أراك في مجلسي بعد هذا الوقت".([388])

  • وهذا عبد الأعلى بن وهب بن عبد الأعلى من أهالي قرطبة كان ممن رحل للمشرق وتأثر بالمعتزلة؛ فكان بعض تلاميذه يقول بأن الأرواح تموت فيرد عليه أهل الأندلس بأن عبد الأعلى كان قد طالع كتب المعتزلة ونظر في كلام المتكلمين.([389])يعني أنه لا يحتج بقوله فمطالعة كتب المعتزلة تعتبر قدحاً في الاحتجاج بقوله.

  • وهذا محمد بن عبد الله بن مرة بن نجيد من أهل قرطبة المتوفى سنة تسع عشرة وثلاثمائة وكان أيضاً ممن تأثر بالمشرق فلما رجع للأندلس "أظهر نسكاً وورعاً واغتر الناس بظاهره فاختلفوا إليه وسمعوا منه ثم ظهر الناس على سوء معتقده فانفض عنه من كان لـه إدراك وعلم"([390])

فلم يكن لأهل الكلام فرصة لوضع موطئ قدم في الأندلس إلا حينما عمل الحكم بن عبد الرحمن الناصر وكان ولياً للعهد على تقريبهم وأخذ رأيهم ومن هؤلاء عبد الملك بن العاصي القرطبي المتوفى سنة ثلاثين وثلاثمائة الذي رحل إلى القيروان والمشرق فلما رجع عين مشاوراً في الأحكام وذلك بعد اهتمام الحكم بالعلوم المختلفة في عهد أبيه.
مع ذلك بقوا بالمرصاد لكل من يحاول أن يدخل عليهم اختلاط المذاهب والفرق كما في الشرق فكانت كتب الفلسفة وعلم الكلام والجدل "مهجورة عندهم مذمومة بألسنة رؤسائهم وكان كل من قرأها متهماً عندهم بالخروج من الملة ومظنوناً به الإلحاد في الشريعة". وقد استمروا على ذلك إلى أن توفي عبد الرحمن الناصر رحمه الله.
فلما تولى الأمر ابنه المستنصر بالله أراد أن يواصل ما ابتدأه في حياة أبيه من العناية بالعلوم وتقريب أهلها يقول القاضي صاعد الأندلسي في كتابه (طبقات الأمم):([391])"استجلب من بغداد ومصر وغيرها من ديار المشرق عيون التأليف الجليلة والمصنفات الغريبة في العلوم القديمة والحديثة وجمع فيها في بقية أيام أبيه ثم مدة ملكه من بعده ما كاد يضاهي ما جمعته ملوك بني العباس في الأزمان الطويلة وتهيأ لـه ذلك لفرط محبته للعلم وبعد همته في اكتساب الفضائل وسمو نفسه إلى التشبه بأهل الحكمة من الملوك فكثر تحرك الناس في زمانه إلى قراءة كتب الأوائل وتعلم مذاهبهم، ثم توفي في صفر من سنة ست وستين وثلاثمائة وولي بعده ابنه هشام وهو يومئذ غلام لا يحتلم فتغلب على تدبير ملكه بالأندلس حاجبه أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر، وعمد أول تغلبه عليه إلى خزائن أبيه (الحكم) الجامعة للكتب المذكورة وغيرها وأبرز ما فيها من ضروب التأليف بمحضر خواص من أهل العلم بالدين وأمرهم بإخراج مافي جملتها من كتب العلوم القديمة المؤلفة في علوم المنطق وعلوم النجوم وغير ذلك من علوم الأوائل حاشا كتب الطب والحساب فلما تميز من سائر الكتب المؤلفة في اللغة والنحو والأشعار والأخبار والطب والفقه والحديث وغير ذلك من العلوم المباحة عند أهل الأندلس أمر بإحراقها وإفسادها فأحرق بعضها وألقى الباقي في آبار القصر وأهال عليها التراب والحجارة وغيرت بضروب من التغايير، وفعل ذلك تحبباً إلى عوام الأندلس وتقبيحاً لمذهب الخليفة الحكم عندهم إذ كانت تلك العلوم مهجورة عند أسلافهم مذمومة بألسنة رؤسائهم وكان كل من قرأها متهما عندهم بالخروج من الملة ومظنوناً به الإلحاد في الشريعة".
وقول صاعد بن أحمد -رحمه الله- بأن المنصور بن أبي عامر ما عمل ذلك إلا تودداً للعامة وتقبيحاً لمذهب الخليفة الحكم فيه نظر، ومع ذلك فهو يدل على كراهية الناس في هذا البلد لعلم الكلام والفلسفة؛ لأن الحاجب المنصور -رحمه الله- اشتهر عنه:

  1. الجهاد ومحبة السنة ومحاربة البدعة تديناً وتقرباً إلى الله يقول المقري في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب عن المنصور ابن أبي عامر:([392])"وأعلى مراتب العلماء وقمع أهل البدع".

  2. أنه كان يأمر بإخراج من كان عنده انحراف في العقيدة فمثلاً لما قدم محمد بن أحمد ابن إبراهيم بن أبي بردة الشافعي البغدادي وكان ممن سمع الحديث ببغداد وتفقه على مذهب الشافعي قدم للأندلس سنة إحدى وستين وثلاثمائة أكرمه أمير المؤمنين المستنصر وأمر بإجراء النزل عليه فلما توفي المستنصر بالله رُفع أمره إلى السلطان لأنه كان ينسب إلى الاعتزال "فأمر بإخراجه من البلد وذلك في رجب سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة فصار يتهرب عند بيت لـه فيه قرابة وتوفي بها في ذلك العام".([393])

لذلك نجد أصحاب الأهواء والمستشرقين يتحاملون على المنصور بن أبي عامر ويودون النيل منه ويحملونه تبعة سقوط الدولة الأموية في الأندلس لأنه قد رفع لواء الجهاد فغزا في ست وعشرين سنة مدة سلطته اثنتين وخمسين غزوة واحدة في الشتاء وأخرى في الصيف حتى إنه توفي في إحدى غزواته ودفن بمدينة سالم سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. ومما يحكى عن أحد ملوك النصارى الذي استولى على مدينة سالم بعد وفاة المنصور بن أبي عامر -رحمه الله- أنه قال لأحد المسلمين: أما تراني قد ملكت بلاد المسلمين وجلست على قبر ملكهم؟ فقال المسلم لَه, وقد حملته الغيرة: لو تنفس صاحب هذا القبر وأنت عليه ما سمع منك ما يكره سماعه ولا استقر بك قرار. ثم جاء بعده ابنه عبد الملك المظفر أبو مروان فجرى على سنن أبيه إلى أن مات سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.([394])
هكذا كانت الأندلس في قرننا هذا وقبله تسير في عمومها على منهج السلف أهل السنة والجماعة تحافظ على المنهج وتدافع عنه إلى أن انتهى هذا القرن. وقد تميزت بعلمائها الصادقين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم فكان سلوكهم ولقاؤهم بولاة أمرهم عملاً بمقتضى عقيدتهم عقيدة السلف الصالح فإن التقوا بالولاة كانت النصيحة هي المقدمة وإن ابتعدوا كانت المصلحة للأمة فيما يرونه تقتضي ذلك وليس الأمر كما يتصوره بعض من يدرس أحوال علماء هذا القرن في الأندلس دراسة مادية بحتة وتتركز على فئة ممن تنتسب للعلم وليست قدوة فيه مع أن مواقف أغلبها لا ينفي أن يحكم عليها بالمنظار النفعي المادي بعيداً عن المنظار الشرعي.
ومن تلك الكتابات كتاب (علماء الأندلس في القرنين الرابع والخامس الهجريين دراسة في أوضاعهم الاقتصادية وأثرها على مواقفهم)([395])الذي تمَّ فيه تعليل دوافع تصرفات أعمال علماء الأندلس كلها بأنها للدنيا ومن أجل الدنيا حتى الغزو فدافع أولئك العلماء هو طلب الدنيا حتى قاضي (مالقه) كما يقول الكتاب بالرغم من أنه غني فلم يتخلف عن المنصور بن أبي عامر غزوة واحدة.([396]) فأقول: أليس التقرب إلى الله بالجهاد ونصرة الإسلام هو الذي دفع ابن أبي عامر إلى أن يخاطر بنفسه وسلطانه؟! وأليس هذا الدافع هو نفسه الذي دفع قاضي (مالقه) الثري إلى أن يترك ملذاته وأمواله ليخوض معارك لا يدري ما نهايتها؟ بل نجد أن مواقف كثير من العلماء تجلب عليهم الابتلاء والامتحان وغضب السلطان ومن أمثلة هؤلاء العلماء في الأندلس في هذا القرن:

  1. منذر بن سعيد البلوطي المتوفى سنة 399هـ قاضي قرطبة وخطيب جامع الزهراء كان من الذين لا يخافون في الله لومة لائم وكان ينكر على الخليفة الناصر أخطاءه ومنها إسرافه في بناء مدينة الزهراء حيث اتخذ الناصر لسطح القبة التي كانت على الصرح الممرد بقصر الزهراء قراميد مغشاة بالذهب والفضة وأنفق عليها مالاً جسيماً فلما دخلها القاضي منذر بن سعيد وجلس مع الخليفة الناصر انحدرت دموعه على لحيته وقال: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان لعنه الله تعالى يبلغ منك هذا المبلغ ولا أن يتمكن من قلبك هذا التمكن مع ما أتاك الله من فضله ونعمته، وفضَّلك به على العالمين حتى ينزلك منازل الكافرين. فانفعل عبد الرحمن لقوله وقال له: فسِّر ما تقول وكيف أنزلني منازلهم؟ فقال: نعم أليس الله تعالى يقول([397]))لَوْلا أن يَّكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَّكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ(. فوجم الخليفة وأطرق ملياً ودموعه تتساقط خشيةً وخشوعاً لله تعالى، ثم أقبل على منذر وقال: جزاك الله يا قاضي عنا وعن نفسك خيراً وعن الدين وعن المسلمين أشمل جزاء. فقام من مجلسه ذلك وأمر بنقض سقف القبة وأعاد قرمدها تراباً على صفة غيرها.([398])

فهل الخليفة عبد الرحمن الناصر وهو أعظم خليفة إسلامي في ذلك العصر يتوقع أن هذا العالم يتزلف وتنطلي عليه اللعبة ويدعو لـه ويبادر إلى تغيير هذا المنكر ويستجيب لنصيحته؟ وهل هذا العالم يقف هذا الموقف إذا أراد زيادة في دخله أو مكانته عند الخليفة؟ بل ويتكرر منه هذا الموقف في خطبة الجمعة في جامع الزهراء على الملأ ويذكر الناس ومنهم الخليفة الذي بنى هذه المدينة فيقرأ قولـه تعالى([399]))أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ & وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ(. فعرف الخليفة الأندلسي أنه يعرض به فأصدر أمره أن لا يخطب المنذر بحضرته في مدينة الزهراء. فهل هذه النصيحة قربته وزادته مالاً وجاهاً عند الخليفة؟!

  1. أبو إبراهيم الأندلسي وهو العالم المشاور ومن أكابر علماء المالكية الذين عليهم المدار يتخلف من الحضور في مجلس لإعذار الناصر لأولاد ابنه أبي مروان. وقد حضر هذا المجلس الفقهاء والمشاورون فيجدُّ عبد الرحمن الناصر عليه ويشدد في الأمر ويكون موقف أبي إبراهيم المصارحة في ذلك ويخبره أن حضور مثل هذا المجلس امتهان للعلماء وإشانة لهم ومن المصلحة عدم الحضور فيعذره الخليفة لذلك. ولو كان يريد مكانة أو مالاً لسارع للحضور فهذا مجمع الخليفة والأمراء والأعيان فأي صاحب دنيا يمكن أن يتخلف عنه. وأيضاً لـه موقف آخر عندما طلبه الخليفة الحكم لأمر عاجل وهو يلقي دروسه فاعتذر عن المبادرة للحضور وقال: لا يمكنني الحضور حتى ينتهي الدرس وينصرف الطلاب.([400])

  2. والعلماء المعاصرون لبني عامر لا يقلُّون في عمومهم عن سابقيهم في الزهد في الدنيا والتقرب إلى الله تعالى وطلب مرضاته وإن كان ذلك يؤثر على مراتبهم وقربهم من الملوك والأمراء؛ فهذا عبد الله بن محمد بن القاسم بن حزم بن خلف الثغري من أهل قلعة أيوب المتوفى سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة يوليه المستنصر في عهده في قلعة أيوب فيستعفيه من ذلك، وكان شجاعاً فارساً يحب الجهاد، وكان يقف وحده للفئة، وقد أنكر على السلطان بعض أعماله فنفي إلى قرطبة، ومع ذلك لا يتأثر ولا يتراجع بل يجلس لطلبة العلم مدرساً ومفتيا محتسباً ذلك عند الله حتى سرح إلى بلده في سنة ست وسبعين وثلاثمائة.([401])

  3. ومن علماء الزهد والورع الذين أعرضوا عن الدنيا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري الأندلسي الألبيري الإمام الزاهد المعروف بابن أبي زمنين المولود في قرطبة سنة أربع وعشرين وثلاثمائة والمتوفى سنة تسع وتسعين وثلاثمائة. كان من الورعين البكائين الخاشعين لله ذا نيةٍ حسنة وعلى هدي السلف الصالح إذا سمع القرآن وقرئ عليه تنحدر دموعه على خديه. فهل كان من المتزلفين الذين يسعون للرفع من مراتبهم, أو كان من العلماء الربانيين الذين يرجون الله والدار الآخرة؟([402]) 

 
 

الفصل الثاني

جهود علماء السلف في القرن الرابع

في تقرير العقيدة والدفاع عنها

وفيه مبحثان:
المبحث الأول: منهجهم في تقرير العقيدة والدفاع عنها ويشمل مطلبين:
المطلب الأول: تعريف المنهج
المطلب الثاني: القواعد التي سار عليها العلماء في تقرير العقيدة.
المبحث الثاني: جهودهم في تقرير العقيدة والدفاع عنها ويشمل مطلبين:
المطلب الأول : جهودهم في تقرير العقيدة.
المطلب الثاني: جهودهم في الدفاع عن العقيدة.
  

المبحث الأول: منهجهم في تقرير العقيدة والدفاع عنها:
لقد سلك علماء السلف في القرن الرابع الهجري في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة والدفاع عنها منهج الحق القائم على الصدق والتوسط والاعتدال، وهو المنهج الموافق لمنهج كتاب الله تعالى ومنهج رسوله r، ومنهج من اهتدى بهديه من علماء القرون الثلاثة السابقة.
المطلب الأول: تعريف المنهج:
المنهج يعود إلى الفِعل الثلاثي المجرّد: نَهَج، ومعناه: سَلَك. وسبيل منهج كنهج ومنهج الطريق وضحه والمنهاج كالمنهج. يُقال: نَهَج الطريق: سَلَكه. ويُقال: نَهج سبيل فلان: سَلَك مَسْلكه.([403])
وقد ورد استعمال لفظ المنهاج في القرآن الكريم إذ قال الله تعالى([404]))لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا(. قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسيرها:([405])"سبيلاً وسنّة". وقال أبو بكر السجستاني:([406])"طريقاً واضحاً ويقال الطريق المستمر". قال ابن كثير:([407])"أما المنهاج فهو الطريق الواضح السهل".
فالمنهاج بمعنى المنهج، وكلاهما استعمله العلماء، ومن ذلك:

  • أن الفقيه العّلامة المالكي أبو الوليد بن رشد الحفيد (ت 595هـ)([408])قد سمى أحد كتبه بـ(مناهج الأدلة في عقائد أهل الملة).

  • بينما سمى الإمام الفقيه الشافعي النووي (ت 676هـ)([409])كتابه الشهير (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج).

  • وشيخ الإسلام ابن تيمية سمى كتاباً لـه بمنهاج السنة النبوية.

غير أن للمنهج استعمالاً معاصر أوسع مدى؛ إذ يعني الخطوات التي يسلكها العلماء في البحث والتدقيق، والطُّرق التي يعتمدون عليها في المناقشة والمحاججة وتقرير الحقائق والاستدلال عليها. وليس المنهج واحداً بين العلوم والمعارف -كما هو معلوم- فلكل نمط منها منهجه الخاص به، فالعلوم الطبيعية لها منهجها وكذلك العلوم التجريبية، والعلوم الإنسانية، والعلوم الشرعية الإسلامية في أن لكل واحد منها هدفاً، وهو طلب الحقيقة، ووجود قواعد، وهي المسالك الموصلة إلى الحقيقة. ومن ضمن ذلك (منهج عُلماء أهل السُّنَّة والجماعة) وإن امتاز بوجود الخصوصيات العائدة لهذا الدِّين وأبرزها في جانب الاعتقاد وهي مسائل يجب الإيمان بها، وليست مجرّد فروض، وليست محل اختبار، وإنما هي أصول ثابتة، وتقريرات مطلقة من الشارع الحكيم ، كُفي بها الناس عن التشكك والاختلاف والانحراف إذا آمنوا بها كما جاءت من غير زيادة أو نقصان؛ فمنهج علماء أهل السنة والجماعة في جانب العقيدة هو طريقتهم في تقرير مسائلها والاستدلال عليها.
ومنهج علماء السلف في القرن الرابع الهجري في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة والدفاع عنها يتبين لنا من خلال القواعد التي ساروا عليها في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة، والذب عنها والرد على المخالفين لها.
المطلب الثاني: أبرز قواعد منهج علماء السلف في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة والدفاع عنها
إن لعلماء السلف قواعد جعلوها مسالك لهم في عرض عقيدتهم، وتقريرها، والاستدلال عليها، والرد على مخالفيها، وإقامة الحجة عليهم، وإفحامهم وتبكيتهم. وهي قواعد استنبطوها من الكتاب والسنة ومقتضيات المجادلة بالحق التي أمر الله تعالى بها نبيه r فقال عز وجل([410]))اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(.
وإننا عندما نستنبط تلك القواعد من كتاباتهم ومواقفهم نجد أنها من الأمور المسلمة عندهم فكأنهم اجتمعوا في مكان واحد واتفقوا عليها فكانت ميزاناً لا تختلف نتائجه مهما بعدت المسافات بينهم ونأى بهم الزمن. يقول ابن السمعاني رحمه الله:([411])"إنك لو طالعت كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم من الديار وسكون كل واحد منهم قطراً من الأقطار وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة ونمط واحد يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، وفعلهم واحد، لا ترى بينهم اختلافاً ولا تفرقاً في شيء ما وإن قَلَّ، بل لو
جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء من قلبٍ واحد وجرى على لسان واحد. وهل على الحق دليلٌ أبينُ من هذا؟".
ولقد تعددت تلك القواعد وتنوعت وهي جميعها صحيحة ومشروعة تفي بالغرض وتوصل للهدف. ومن أبرز تلك القواعد ما يلي:
القاعدة الأولى- أن أصول الدين لا تعلم إلا من الكتاب والسنة:
فلقد أكد علماء السلف في هذا القرن الرابع على الرجوع في أصول الدين إلى الكتاب والسنة لاشتمالهما على تلك الأصول وبراهينها تامة شافية منزهة عن النقص والغلط بما لا يحتاج معهما إلى مصادر أخرى كما قال تعالى([412]))وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(  وقال([413]))وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً(. وقال رسوله r:([414])(إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد r). وقال الله تعالى عن نبيه r([415]))وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى & إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى( وقال([416]))قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي(.
وقد التزم علماء السلف هذا المسلك فقدموا الكتاب والسنة، واهتدوا بهما، وقصروا الحق والعلم في أصول الدين عليهما دون سواهما امتثالا لقوله تعالى([417]))فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(. فلم تكن لديهم قيمة إلا في تصديق الكتاب والسنة ومتابعتهما ظاهراً وباطناً، وذلك في اعتقاد القلب، وأقوال اللسان وأعمال الجوارح. فلا اعتبار عندهم لأقوال أو آراء أو حكم أو مقاييس إلا بعد العرض عليهما، فإن وافقتهما أجيزت وقبلت وإن عارضتهما أبطلت وأهملت. ذلك ما دأبوا عليه معتنين به مؤكدين عليه. فعندهم -كما ذكر الإمام ابن خزيمة (ت 311هـ)- فإن أصلي الوحي قد كملت بهما مسائل الاعتقاد وما إليه الحاجة من أمر الدين، حيث قال:([418])"الله جل وعلا لم يترك ولا نبيه عليه السلام بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم".
وهكذا فما منهم إلا وقد عدَّ الاستمداد من الكتاب والسنة والاعتصام بهما أول مطلب وأعظمه لتحقيق التوحيد الصحيح والعبادة الصحيحة. ومن ذلك:

  • قول الإمام الطحاوي ( ت 321هـ):([419])"إن جميع ما أنزل الله في القرآن، وجميع ما صح عن رسوله r من الشرع والبيان كله حق".

  • قول الإمام الأشعري (ت 324هـ):([420])"قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وبسنة نبينا r"

  • قول الإمام الآجري (ت 360هـ) في كتابه الشريعة:([421])"باب الحث على التمسك بكتاب الله عز وجل، وسنة رسوله r".

  • قول الإمام البربهاري (ت 329هـ):([422])"اعلم رحمك الله أن الدين إنما جاء من قبل الله تبارك وتعالى، ولم يوضع على عقول الرجال وآرائهم".

  • وقوله:([423])"إنا إنما عرفنا الله، وعرفنا رسوله r، وعرفنا القرآن، وعرفنا الخير والشر والدنيا والآخرة بالآثار".

القاعدة الثانية- رد التنازع إلى الله ورسوله:
يرد علماء أهل السنة والجماعة ما تنازعوا فيه مع غيرهم من الفرق في أصول الدين إلى القرآن الكريم وسنة النبي r منعاً للاختلاف لأنهما جميعهما صدق وطاعتهما واجبة كما قال الله تعالى([424]))وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ( وقال([425]))يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(.
وإنه بدون الاعتماد على قواعد كلية متفقٍ عليها، وأدلة مسلم بها تكون أصلاً يرد إليه عند الاختلاف والتنازع؛ فإن العرض والبيان والمجادلة تكون حينئذ غير مجدية ومجرد تيه وضلال وإضاعة للجهد والوقت، ولا طائل يتحقق من ورائها, ولا نتيجة يتوصل إليها. وذلك -كما هو معلوم- خلاف نهج العقلاء الذين يريدون الوصول إلى الحق والصواب والعمل بما يرضي رب الأرباب.
لذلك كله كان اعتصام علماء السلف في هذا القرن الرابع -وفي كل قرن- إنما هو بالقرآن الكريم وسنة النبي r دون أن يقدموا عليهما رأياً أو ذوقاً مهما كان وممن كان؛ لأن الهداية كلها في القرآن الكريم، والعصمة كلها فيه وفي التحاكم إليه، والسنة مبينة ومكملة لـه كما قال الله تعالى في آيات عديدة منها:

  • )إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(.([426])

  • )وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ & لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ(.([427])

  • )قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا(.([428])

فعلماء السلف جميعاً وعلى وتيرة واحدة منهم ومن قبل هذا القرن وعلى امتداده، يؤكدون الرد إلى الكتاب والسنة قولاً واحداً لا يحيدون عنه ولا يفرطون فيه، وذلك فيما رووه ونقلوه، وفيما قالوه، ودعوا إليه ومن ذلك:

  • قول الإمام الطحاوي (ت 321هـ):([429])"إنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل، ولرسوله r".

  • قول الإمام الأشعري (ت 324هـ):([430])"نعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا r".

  • قول الإمام الإسماعيلي([431])(ت 371هـ):([432])"مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة... قبول ما نطق به كتاب الله تعالى، وما صحت به الرواية عن رسول الله r لا معدل عما وردا به، ولا سبيل إلى رده، إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة، مضموناً لهم الهدى فيهما، مشهوداً لهم بأن نبيهم r يهدي إلى صراط مستقيم، محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم... وقد بلغ r عن ربه رسالاته وبيَّنَ المراد من آياته وأن في لزوم سنته تمام السلامة وجماع الكرامة لا نطفئ سرجها ولا ندحض حججها من لزمها عصم ومن خالفها ندم".

القاعدة الثالثة- عدم العدول عن النص الصحيح:
لا يقبل علماء السلف التقدم على النقل الصحيح من الله تعالى ومن رسوله r ولا يتصورون أن يتعارض معقول صريح مع منقول صحيح، وإذا توهم ذلك تبين عند التحقيق أن الذي يُدعى أنه منقول نجده منحولاً، وأن الذي يُدعى أنه معقول نجده مجهولاً؛ لأن النص الصريح الثبوت الصحيح الدلالة يستحيل أن يعارضه اجتهاد عقلي صريح، لأن الله تعالى شهد للقران بأنه حق من حق لا اختلاف فيه ولا اضطراب حتى يعارض أو يناقض فقال سبحانه ([433]) )وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً(. وقال الرسول      r:([434])(قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك).
فإذا صح الدليل من القرآن والسنة: أعملوه بلفظه ومعناه وسلموا به، ولم يعدلوا عنه إلى ما سواه، ولم يأخذوا ببعضه ويتركوا بعضه، ولم يحكِّموا فيه أقوال أحدٍ من الرجال، ولم يعارضوه بنقلٍ مقطوع أو ضعيف، أو باحتمال عقلي أو بدلالة بعيدة أو شبهة واردة، ولا يلتفتون إلى شيء قطعاً كلما صح عندهم الدليل.
ولذلك نجدهم يعنون بسوق الآيات القرآنية والروايات المسندة في تفسيرها وسوق الأحاديث النبوية، وذكر ما فيها من البراهين والحجج، وإتباعها بأقوال السلف كما في سائر كتبهم في العقيدة المذكورة سابقاً.
ومما جاء عنهم في ذلك:

  • قول الإمام ابن سريج:([435])"وقد صح وتقرر واتضح عند جميع أهل الديانة والسنة والجماعة من السلف الماضين والصحابة والتابعين من الأئمة المهتدين الراشدين المشهورين إلى زماننا هذا أن جميع الآي الواردة عن الله تعالى في ذاته وصفاته والأخبار الصادرة عن رسول الله r في الله وفي صفاته التي صححها أهل النقل ونقلها النقاد الأثبات يجب على المسلم المؤمن الموقن الإيمان بكل واحد منه كما ورد وتسليم  أمره إلى الله سبحانه وتعالى كما أمر".

  • قول الإمام ابن خزيمة (ت 311هـ) في كتابه التوحيد:([436])"باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي r: نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار".

  • وقال في موضع آخر:([437])"فنحن نؤمن بخبر الله جل وعلا أن خالقنا مستو على عرشه, ولا نقول قولاً غير الذي قيل لنا كما قالت المعطلة الجهمية أنه استولى على عرشه لا استوى فيبدلوا قولاً غير الذي قيل لهم كفعل اليهود لما أمروا أن يقولوا حطة فقالوا حنطة مخالفين لأمر الله جل وعلا.. كذلك الجهمية".

  • قول الإمام الآجري (ت 360هـ) في صفة النزول:([438])"أهل الحق يقولون: الإيمان به واجب بلا كيف، لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله r".

  • قول الإمام الأشعري (324هـ) في المذهب في الصفات:([439])"تُقَرُّ كما جاءت... وبذلك أقول، وبه أدين، ولا تؤول".

وإذا ما ساقوا أدلة عقلية محسوسة فإنهم لا يخرجون عن ذلك المنهج، ومن ذلك ما صنعه الإمام الأشعري (ت 324هـ) في استدلاله على أن الإثبات يقتضي التنزيه وليس المماثلة حيث قال:([440])"إن وصف الباري عز وجل بأنه موجود، ووصف الإنسان بذلك لا يوجب تشابهاً بينهما، وإن كانا قد اتفقا في حقيقة الوجود. ولو وجب تشابه بذلك، لوجب تشابه السواد والبياض بكونهما موجودين، فلما لم يكن بذلك بينهما تشابهاً، وإن كانا قد اتفقا في حقيقة الوجود، لم يوجب أن يوصف الباري عز وجل بأنه حيّ قادر، وأن يوصف الإنسان بذلك تشابهاً، وإن اتفقا في حقيقة ذلك".

  • قول أبي الحسين الملطي المتوفى سنة 377هـ:([441])"هلكت الزنادقة وشكوا في القرآن حتى زعموا أن بعضه ينقض بعضاً في تفسير الآي المتشابه كذباً وافتراءً على الله جل اسمه من جهلهم بالتفسير للآي المحكم الذي زاد الله المؤمنين به إيماناً وتصديقاً فقال المؤمنون: آمنا به ونحن به مقرون وأن بعضه يصدق بعضاً. واعلم زادك الله توفيقاً أن للقرآن وجوهاً كثيرة ومواطن ومواضع منه خاص وعام([442]))وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ( (سورة آل عمران) وأيضاً فمن طلب علم ما أشكل عليه من ذلك عند أهل العلم به من ثقات العلماء وجد مطالبه. ولعمري أن أهل الأهواء في مثل ذلك اختلفوا أو ضلوا".

القاعدة الرابعة- أن الأصل في ألفاظ القرآن الكريم الحقيقة وليس المجاز:
يقول الإمام ابن القاسم المقرئ الأندلسي (ت 393هـ) بعد أن تكلم عن الاستواء:([443]) "ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا سبحانه وتعالى إلا على ذلك وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر ما لم يمنع ذلك ما يجب به التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مُدَّعٍ ما ثبت شيء من العبادات".
ويقول الإمام أبو أحمد القصاب (ت في حدود 400هـ): "كل صفة وصف الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله فليست صفة مجاز ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها وإلا قيل: معنى البصر كذا ومعنى السمع كذا وتفسر بغير السابق إلى الأفهام. فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل علم أنها غير محمولة على المجاز وإنما هي حق بَيِّن".
القاعدة الخامسة- إعمال جميع النصوص:
يلتزم علماء السلف بإعمال جميع النصوص الشرعية الصحيحة، ولا ينتقون منها ما يأخذون به أو يهملونه، حيث إن جميعها حقّ من عند الله تعالى، ولا يتحقق الإيمان إلا بالإيمان بها كلها، ولا يتم العمل إلا بجميعها.
ومن أمثلة جمعهم بين النصوص: إعمالهم نصوص الوعد بالمغفرة والجنة، ونصوص الوعيد بالعذاب والنار معاً، فقرروا كما قال الإمام الطحاوي:([444])
"لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنبٍ ما لم يستحله.
ولا نقول: لا يضرُّ مع الإيمان ذنب لمن عمله.
ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ...
وأهل الكبائر من أمة محمد r في النار لا يخلّدون إذا ما توا وهم موحّدون".
يقول أبو الحسين الملطي رحمه الله: "وذلك خلاف الذين فرقوا، فأخذوا بهذه وتركوا تلك وفق مقاييس وأفهام من عند أنفسهم حكَّموها في الكتاب العزيز، فضلوا وأضلوا، ووقعوا فيما أنكره الله تعالى على اليهود وذمهم بسببه فقال سبحانه([445]))أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَّفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ & أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ(.
القاعدة السادسة- فهم النصوص كما فهمها الصحابة رضوان الله عليهم:
تأتي النصوص في كتاب الله وسنة رسوله r وقد يكون لها أكثر من معنى في اللغة أو قد يفهم منها ما لا يليق بالله عزَّ وجل أو تختلف مدارك الناس في فهمه لذا جعل السلف في هذا القرن فهم الصحابة رضوان الله عليهم حكماً في هذا لأن الصحابة y عاصروا التنزيل وعلموا التأويل من النبي r لذا كان الواجب في فهم تلك النصوص الرجوع إلى أقوالهم y يقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله- (ت 728هـ):([446])"ومن المعلوم أنه لا أحد أرشد ولا أهدى من أصحاب النبي r فهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه ولم يكن الله ليختار لنبيه إلا من هم أكمل الناس إيمانا، وأرجحهم عقلاً، وأقومهم عملاً، وأمضاهم عزماً، وأهداهم طريقاً فكانوا أحق الناس أن يُتبعوا بعد نبيهم r".
وقد أشار إلى هذا علماء السلف في هذا القرن اقتداءً بمن سبقهم؛ ومن ذلك:

  • قول الإمام البربهاري رحمه الله في كتاب السنة:([447])"اعلم رحمك الله أنه لا يتم إسلام عبدٍ حتى يكون متبعاً مصدقاً مسلماً. فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفِناه أصحاب رسول الله r فقد كذبهم. وكفى بهذا فرقة, فطعن عليهم فهو مبتدعٌ ضالٌّ مضلٌّ محدثٌ في الإسلام ما ليس فيه".

  • وقال:([448])"فقد بَيَّن رسول الله r لأمته السنة وأوضحها لأصحابه وهم الجماعة والسواد  الأعظم للحق وأهله".

  • وقول الآجري -رحمة الله- في كتابه (الشريعة): "الحث على التمسك بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله r وسنة أصحابه y وترك البدع وترك النظر والجدل فيما يخالف فيه الكتاب و السنة وقول الصحابة رضي الله عنهم".

  • وقول الإمام الأشعري -رحمه الله- في كتابه (الإبانة):([449])"فإن كثيراً من الزائغين عن الحق المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى تقليد رؤسائهم ومن مضى من أسلافهم فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلاً لم ينزل الله به من سلطان ولا أوضح به برهاناً ولا نقلوه عن رسول رب العالمين ولا عن السلف المتقدمين فخالفوا روايات الصحابة عليهم السلام".

  • وقول الإمام أبي عبد الله محمد بن خفيف([450])في كتابه الذي سماه (اعتقاد أهل التوحيد بإثبات الأسماء والصفات):([451])"فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله عز وجل ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه قولاً واحداً وشرعاً ظاهراً فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف وهم الذين أُمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين".

القاعدة السابعة- الإيمان بالمتشابه والعمل بالمحكم :
لا يعدل علماء السلف في هذا القرن الرابع عمّا علموه من مراد الله تعالى ومراد رسوله r إيماناً وعملاً. أمّا ما جهلوه فإنهم يؤمنون بأنه من عند الله تعالى وأنه حق، وأنه مما استأثر الله عزَّ وجل بعلمه، ولا يمكن لأحدٍ أن يعلمه مهما بحث واجتهد مثل مفاتيح الغيب المذكورة في قولـه تعالى([452]))إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِير(.
وأما المتشابه فهم يؤمنون بأنه من عند الله، وأنه حقّ وصدق، ويعتبرون به، ولا يتكلّفون في تأويله، ولا يلجأون إلى تعطيله عملاً بقوله تعالى([453]))هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُوا الأَلْبَابِ(.
وما كان معلوماً في نفسه، ولكنه لا يعلم من أناس ويعلم من آخرين لما مكنهم الله تعالى من العلم والحفظ؛ فهذا يردّونه لعالمه لحمله على مجمله، أو تقييده، أو تخصيصه، ونحو ذلك، ويعملون بما اهتدوا إليه منه سالمين من الزيغ مسلّمين بأن الجميع من عند الله. وذلك كما قال النبي r:([454])(إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، بل يصدّق بعضه بعضا. فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه).
ومن أقوال علماء السلف في ذلك:

  • قول ابن سريج بعد أن ذكر عدداً من الصفات:([455])"اعتقادنا فيه وفي الآي المشابه أن نقبلها ولا نردها ولا نتأولها بتأويل المخالفين ولا نحملها على تشبيه المشبهين, ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها".

  • قول الإمام الطحاوي (ت 321هـ):([456])"إنه ما سلم في دينه إلا من ردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه".

  • وقوله:([457])"ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه".

  • وقوله:([458])"والله يغضب ويرضى لا كأحدٍ من الورى".

  • قول الإمام الإسماعيلي (ت 371هـ) في رسالته إلى أهل جيلان بعد أن ذكر آيات المجيء والنزول للرب جل في علاه:([459])"ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف, فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل, فانتهينا إلى حكمه وكففنا عن الذي يتشابه إذ كنا قد أمرنا به".

    • قول الإمام الملطي الشافعي(ت 377هـ):([460])"هلكت الزنادقة وشكوا في القرآن حتى زعموا أن بعضه ينقض بعضاً في تفسير الآي كذباً وافتراءً على الله جل اسمه من جهلهم بالتفسير للآي الحكيم الذي زاد الله المؤمنين به إيماناً وتصديقاً".

  • قول الإمام ابن بطة (ت 387هـ) في نصيحته لعموم المسلمين:([461])"الله يا إخواني يا أهل القرآن ويا حملة الحديث: ما نطق به الكتاب وجاء به الأثر فقولوه. وما أشكل عليكم فكِلوه إلى عالمه".

  • قول الإمام ابن أبي زمنين([462])(ت 399 هـ):([463])"اعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله يرون: الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علماً، والعجز عمّا لم يدع إليه إيماناً، وأنهم ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه وعلى لسان نبيه r".

القاعدة الثامنة- الإثبات بلا تمثيل والنفي بلا تعطيل:
منهج علماء السلف بشأن هذه القاعدة:

  • الإثبات لله تعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات في كتابه أو على لسان رسوله r من الحياة والعلم والسمع والبصر والوجه واليدين ... إثباتاً بلا تمثيل أو تشبيه أو تجسيم كما قال سبحانه([464]))لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ(.

  • ونفي ما نفاه الله تعالى عن نفسه من الأسماء والصفات في كتابه أو على لسان رسوله r نفياً بلا تعطيل كما قال تعالى([465]))لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(.

أما ما سكت الله عنه في كتابه وسكت عنه رسوله r فلا يخوضون فيه لا بإثبات ولا بنفي لعدم علمهم به؛ فهم لا يتجرأون في هذا الباب بتفسير مراد الشارع إثباتا أو نفيا, لما حذرهم سبحانه فقال تعالى لرسوله r:([466]))وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً(. فهم أهل الاتباع وأهل الدليل والبرهان ولا يتقحمون المسائل تقحماً فيقولون بلا علم ويشهدون بلا حق. ومن أقوالهم في ذلك:

  • قول الإمام أبي العباس بن سريح([467])في صفات الله:([468])"نقبلها بلا تأويل, ونؤمن بها بلا تمثيل".

  • قول الإمام ابن خزيمة (ت 311هـ):([469])"نحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز و تهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا: أنا نثبت لله ما أثبته لنفسه, نقر بذلك بألسنتنا, ونصدق ذلك بقلوبنا, من غير أن نشبه".

  • قول الإمام البربهاري (ت 329 هـ):([470])"لا يُتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه عز وجل في القرآن, وما بينه رسول الله r لأصحابه".

  • قول الإمام الحافظ الإسماعيلي (ت 371هـ):([471])"إن مذهب أهل الحديث أهل السنة و الجماعة أن الله تعالى: يداه مبسوطتان, وينفق كيف يشاء بلا اعتقاد كيف, إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف، ولا يعتقد فيه الأعضاء والجوارح ولا الطول والعرض, ولا الغلط والدقة, ونحو هذا مما يكون مثله في الخلق, فإنه ليس كمثله شيء تبارك وجه ربنا ذي الجلال والإكرام".

  • وقوله:([472])"إن الله ينزل إلى السماء الدنيا.. نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف, فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل, فانتهينا إلى ما أحكمه, وكففنا عن الذي يتشابه".

وفي المقابل ساق الله تعالى آيات تنزيهه ونفي ما لا يليق بجلاله على وجه الإجمال, ومن ذلك قولـه تعالى([473]))لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ( وقوله([474]))وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ( فقد نفى الله تعالى النقص لإثبات الكمال, لينزهه عباده عما لا يليق, وليعظموه أكمل تعظيم, ويتأدبوا معه جل وعلا أجمل الأدب كما في قولـه تعالى([475]))لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ( وقوله([476]))وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ(. ففي ذلك نفي مجمل بقصد إثبات صفات الكمال من القيومية والعلم والعدل والرحمة, وهذا خلاف ما لو جاء التفصيل بنفي النقائص عنه جل وعلا واحدة بلا سبب يقتضي ذلك في السياق. وهذا على العموم وقد جاء بعض النفي المفصل مثل ما في سورة الصمد وآية الكرسي.
ومما جاء في ذلك قول الإمام الطحاوي (ت 321هـ):([477])"إن الله واحد لا شريك لَه، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه".
المبحث الثاني:جهودهم في تقرير العقيدة والدفاع عنها وفيه مطلبان:
المطلب الأول:جهودهم في تقرير العقيدة.
عُني علماء هذا القرن من أهل السنّة والجماعة بتقرير عقيدتهم الصحيحة وبيان مسائلها وأدلتها، وذلك بالاعتماد على المصادر النقلية المعتبرة من خلال:

  1. الاستشهاد بالآيات القرآنية وإيراد شيءٍ من تفسيرها.

  2. الاستشهاد بأحاديث النبي r المُسنَدة -في الغالب- وذِكر ما يُستنبط منها ممّا يناسب واقع الحال.

  3. ذِكْرُ أقوال الصحابة والتابعين وعلماء السلف والتعليق عليها وتوجيهها.

  4. نَقْل إجماع المسلمين، وما في معناه من الأدلة العقلية الحسنة الموافقة للكتاب والسنة لمجادلة المخالفين وإقامة الحجة عليهم.

وتلك النواحي تظهر جليّة في أغلب كُتبهم -إن لم تكن جميعها- التي صنّفوها ابتداءً في مسائل الاعتقاد، أو تلك التي عُنوا فيها بالرد على أقاويل أهل الضلال وتزييفها بالنصوص من الكتاب والسنّة وأقوال سلف الأمة ممن سبقهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى عصرهم.
وقد سلك العلماء رحمهم الله مسلكين في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة هما:
المسلك الأول- تقرير العقيدة من خلال تصنيف الكتب فيها أو في بعض جوانبها التي يلحظ العلماء حاجة الناس إلى بيانها وإبرازها لهم؛ فقد صنفوا في ذلك العدد الكثير
أستعرضها هنا باختصار وسأكرر بعضها بتوسع في الباب الثاني عند ذكر مؤلفيها إن شاء الله. ومن تلك الكتب:
1) كتاب التوحيد للإمام أبي بكر بن خزيمة:([478]) وقد خصّصه -كما هو عنوانه- لبيان التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل التي وَصَف بها نفسه في تنزيله الذي أنزله على نبيّه المصطفى r وعلى لسان نبيّه.
ومما قال فيه:([479])"مذهبنا أنّا نُثبتُ لله ما أثبته لنفسه، نُقِرّ بذلك بألسنتنا، ونُصدّق بذلك بقلوبنا، من غير أن نُشبّه".
وساق فيه أبواباً واسعة في إثبات: النفس، والعلم، والوجه، والعين، والسمع، واليد، والاستواء، والنزول، والكلام لله تعالى كما أخبر عن نفسه جل وعلا.([480])وأن القرآن كلامه سبحانه وقوله غير مخلوق.([481])ونحو ذلك من مسائل الاعتقاد الصحيحة المشهود لها بالأدلة من القرآن الكريم وأحاديث النبي r وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
2) متن العقيدة للإمام أبي جعفر الطحاوي:([482])وهو متن مشهور خاص في بيان اعتقاد السلف بدأه المؤلف بقوله:([483])"هذا ذِكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة".
ثم عرضها مسألة مسألة، وبلغ بها أربعاً وثلاثين مسألة بعد المائة، ثم ختمها بقوله:([484]) "فهذا دينُنا واعتقادنا ظاهراً وباطناً".
3) كتاب الإبانة للإمام أبي الحسن الأشعري: وهو رسالة مختصرة في موضوعها وشهيرة في مضمونها. ومما قاله فيها مبيناً العقيدة الصحيحة مقرراً لها:([485])"فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة ، فَعَرِّفونا قولكم الذي تقولون وديانتكم التي بها تدينون. قيل لَه: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب ربنا عز وجل وبسنة نبينا r وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته  وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالف قولـه مجانبون".
ثم شرع في الإبانة عن أركان الإيمان، والساعة، والبعث، والرؤية، والجنة والنار، وأسماء الله وصفاته الحسنى، والقرآن، والأنبياء، وصفات المؤمنين ... ونحوها كما في ثنايا كتابه، ومن ذلك قوله:

  • "إنّا نُقرّ بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله r لا نَرُدّ من ذلك شيئاً".([486])

  • "وإنّا نؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره حلوه ومره، ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله".([487])

  • "ونقول إن القرآن كلام الله غير مخلوق".([488])

  • "وندين بأن الله يُرى في الآخرة بالأبصار كما يُرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون... ونقول إن الكافرين محجوبون عنه... ونرى بأن لا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا".([489])

ومعتمداً في ذلك على الأدلة النقلية من القرآن والسنّة، وعلى ما أجمع عليه المسلمون، وعلى ما في معناه مما استنبطوه من الأدلة المعتمدة على تلك الأصول الصحيحة، فكثيراً ما كان يقول:

  • "كما قال تعالى".([490])

  • "وهذا في كتاب الله كثير".([491])

  • "كما قال تبارك وتعالى" و"كما قال الله عز وجل".([492])

  • "وكما جاءت الروايات عن رسول الله r".([493])

  • "نسلِّم بالروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله r التي رواها الثقات عَدْل عن عَدْل".([494])

  • "ونعوّل على كتاب ربنا وسنّة نبينا r وإجماع المسلمين، وماكان في معناه، ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله مالا نعلم".([495])

4) كتاب الشريعة للإمام الآجري: وقد أورد فيه أبوباً كثيرة فيما يلزم المسلم معرفته من مسائل عقائد السلف مثل:

  • (باب ذكر تعريف الإيمان والإسلام وشرائع الدين).([496])

  • (باب ذكر ما دلّ على زيادة الإيمان ونقصانه).

  • (باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح).

وسواها من الأبواب الكثيرة الأخرى التي ساق فيها -فضلاً عن الشواهد القرآنية- ما يربو عن ألفٍ من الشواهد عن رسول الله r وعن الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، مختتماً لها في الغالب بما يناسب من الأمر والتوجيه كقوله في آخر باب (ذِكر ما دلَّ على زيادة الإيمان ونُقصانه) وقد أورد فيه ستة وثلاثين أثراً: "فيما ذَكرت من هذا الباب مقنع لمن وفقه الله عز وجل للرشاد، وسلمه من الأهواء الضالة".
ونجده يسير على هذا المنهج في كتابة (التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة)و الذي يظهر أنه جز من الكتاب نفـسه.
5) كتاب الإبانة الكبرى المسمى (الإبانة عن شريعة الفِرق الناجية ومجانبة الفرق المذمومة) للإمام ابن بطة:([497])
وقد عرض فيه عقيدة أهل السنة والجماعة من خلال ما رواه من الأحاديث والآثار، وعقد أبواباً في معرفة الإيمان ومعرفة الإسلام، وساق روايات كثيرة وآيات من القرآن الكريم في أن الإيمان قول وعمل، وأنه خوف ورجاء، وأنه تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح والحركات.([498])
6) كتاب التوحيد للإمام ابن منده:([499])
وقد قسمه أربعة أقسام جميعها في بيان وتقرير ما ينبغي من التوحيد، وهي:([500])

  1. توحيد الربوبية.

  2. توحيد الألوهية.

  3. توحيد الأسماء.

  4. توحيد الصفات.

مع الاستدلال الواسع لها بالنصوص النقلية، وأقوال السلف المسندة في ذلك.([501])
ولقد بدأ الكتاب بباب: (ذكر ما وصف الله عز وجل به نفسه، ودل على وحدانيته عز وجل، وأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لـه كفواً أحد). وساق فيه سبع روايات مسندة في توحيد الله تعالى بالعبادة، وأنه أول مطلوب من العباد نحو خالقهم.([502])
ثم استمر على نهجه في التبويب وسوق الشواهد إلى أن قاربت الألف رواية في أكثر من مائتين وخمسين باباً مما جعله كتاباً عظيماً في مسائل أهل السنة والجماعة وأدلتها المسندة.
7) كتاب أصول السنة للإمام ابن أبي زمنين:([503]) قال فيه في (باب الإيمان بالعرش): "من قول أهل السنة أن الله عز وجل خلق العرش, واختصته بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر عن نفسه". ثم ساق الآيات وبعض الأحاديث. وقال: باب الإيمان بالكرسي وساق اعتقاده.
ثم قال في باب (الإيمان بالحجب): "ومن قول أهل السنة أن الله بائن من خلقه يحتجب عنهم بالحجب". وذكر آثاراً في ذلك. ثم قال في باب (الإيمان بالنزول): "ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى السماء الدنيا". وذكر أقوال من سبقه من علماء السلف في القول بذلك. وسار على النهج في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة وإثباتها بالأدلة الصريحة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين.([504])
ويوجد سوى تلك المؤلفات في تقرير عقيدة التوحيد مؤلفات أخرى كثيرة لا تقل عنها ومنها:

  1. كتاب القدر وكتاب دلائل النبوة للإمام الفريابي([505])المتوفى سنة إحدى وثلاثمائة.

  2. كتاب الإيمان وشرائعه، وكتاب الأسماء والصفات وكلاهما للإمام النسائي([506])المتوفى سنة ثلاث وثلاثمائة.

  3. كتاب صريح السنة للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة      310هـ([507]) .

  4. كتاب السنة، وكتاب أهل الملل، وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للإمام  الخلال (5)المتوفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.

  5. كتاب السنة لابن أبي حاتم (6)المتوفى سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.

  6. كتاب السنة للإمام البربهاري المتوفى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة ([508]) .

7.كتاب الإبانة عن أصول الديانة لأبي مروان السعدي الأندلسي([509])المتوفى سنة    330هـ.
8.كتاب الإبانة عن حقائق أصول الديانة لمنذر بن سعيد البلوطي المتوفى سنة     355هـ.([510])
9.كتاب فضائل معاوية لأبي عمر غلام ثعلب المتوفى سنة خمس وأربعين وثلاثمائة.
10.كتاب السنة، وكتاب الأولوية في خلافة أبي بكر وعمر وكلاهما للحافظ الطبراني([511]) المتوفى سنة ستين وثلاثمائة.
11.كتاب التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة للإمام الآجري.([512])
12.كتاب مختصر السنة للإمام غلام الخلال([513])المتوفى سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
13.كتاب الروح وماورد فيها من الكتاب والسنة، وكتاب تفسير الأسماء الحسنى للإمام اللغوي محمد بن أحمد الأزهري.([514])
14.كتاب الرؤية، وكتاب النزول، وكتاب الصفات وثلاثتها للحافظ الدار قطني([515])المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
15.كتاب العقيدة السلفية لابن بطة الوالد.([516])
16.كتاب الشرح والإبانة في أصول السنة والديانة وهو الإبانة الصغرى للإمام ابن بطة([517])المتوفى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
17.كتاب الإيمان، وكتاب شروط الأئمة للإمام الحافظ ابن منده([518])المتوفى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.
18.كتاب أصول السنة لابن أبي زمنين الأندلسي.([519])
19.كتاب شرح السنة للإمام البربهاري([520])المتوفى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
20.كتاب السنة للإمام أبي الشيخ الأصبهاني([521])وله كتاب العظمة وفضائل الأعمال  المتوفى سنة تسع وستين وثلاثمائة.
21.كتاب عقيدة أبي أحمد القصاب([522])التي كتبها للخليفة القادر بالله لحض الناس عليها وأمر باستتابة من خرج عنها من معتزلي ورافضي وخارجي.([523])
وسوى ذلك من الكتب الكثيرة التي يضيق المقام عن عرضها جميعاً، وإنما يكفي ما تم الإشارة إليه لدلالته على غيره مما في هذه المؤلفات.
المسلك الثاني- سلك علماء هذا القرن رحمهم الله في تقرير العقيدة من خلال مؤلفاتهم الأخرى في شتى العلوم المختلفة فما تمر فرصة إلا استغلوها لبيان العقيدة والمنهج الصحيح الذي يجب أن تسلكه الأمة فلا يكاد يخلو مؤلف من مؤلفاتهم في مسائل الاعتقاد من تقرير للعقيدة والرد على مقالات الفرق الضالة مثل المعتزلة الجهمية والرافضة والمرجئة وغيرها. وكذلك لا تخلو مؤلفاتهم في المجالات الأخرى من تقرير العقيدة الحق والدفاع عنها لأن الإسلام كلٌّ لايتجزأ، والعقيدة هي أساس الدين وأساس بقاء الأمة. ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أولاً- في التفسير:
فعلماء السنة قد اهتموا بكتاب الله جل وعلا فبينوا معانيه وأظهروا وجوه الاستدلال فيه. وقد تخصص منهم في هذا الباب فئة كبيرة اعتنت به وتبحرت فيه فبينوا من خلال تفسيرهم معاني آيات العقيدة ووجوه دلالتها على منهج السلف الصالح ومن ذلك:
-ما عمله الإمام العالم المفسر المؤرخ ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره المشهور (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) وهو تفسير كبير جليل النفع لم يُؤَلَّف في التفسير مثله. وقد سار فيه وفق عقيدة السلف الذي هو أحد كبار أئمتها بل هو إمام مجتهد متبع. وقد قال في تفسيره عندما ابتدأ بتفسير البسملة ووصل لكلمتي (الرحمن الرحيم) ما يلي:([524])"أما الرحمن فهو فَعْلان من (رحيم) والرحيم فَعِيل منه". ثم بيَّن أنهما اسمان من أسماء الله جل وعلا ثم قال بعد ذلك:([525])"ولا شك أن ذا الرحمة هو الذي قد ثبت أن لـه الرحمة وصح أنها لـه صفة وأن الراحم هو الموصوف بأنه سيرحم". وقال:([526])"والرحمة من صفاته جل ذكره فكان إذ كان الأمر على ما وصفنا واقعاً مواقع نعوت الأسماء اللواتي هن توابعها بعد تقدم الأسماء عليها". فلما جاء عند تفسير (الحمد لله) قال:([527])"فإن قال لنا قائل: أحمد الله نفسه؟ أم أن ذلك من قيل جبريل أو جهد رسول الله r؟ قيل: بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه ولكنه جل ذكره حمد نفسه وأثنى عليها بما هو لـه أهل ثم علم ذلك عباده وفرضه عليهم".
ولما انتهى من تفسير قولـه تعالى([528]))خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ( قال: "وهذه الآية من أوضح الأدلة على فساد قول المنكرين تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله جل ذكره, لأن الله جل وعز أخبر أنه ختم على قلوب صنف من كفار عباده وأسماعهم, ثم لم يسقط التكليف عنهم, ولم يضع عن أحد منهم فرائضه, ولم يعذره في شيء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطبع على قلبه وسمعه, بل أخبر أن لجميعهم منه عذاباً عظيماً على تركهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه, مع حتمه القضاء عليهم مع ذلك أنهم لا يؤمنون".
وقال في قولـه تعالى([529]))وقالت اليهوديدالله مغلولة غلت أيديهم ولعنوابماقالوابل يداه مبسوطتان( بعد استعراض الأقوال في تفسيره:([530])"مع ما وصفناه.. ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى اليد في هذا الموضع النعمة, وصحة قول من قال: أن يد الله هي لـه صفة, قالوا: وبذكر تظاهرات الأخبار عن رسول الله r وقال به العلماء وأهل التأويل (أي التفسير)".
وقال في تفسير قولـه تعالى([531]))هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ( قال:([532])"أو يأتيهم ربك يا محمد بين خلقه في موقف القيامة".
وهكذا سار في تفسير ه على هذا النمط في بيان العقيدة وتقريرها من خلال دلالة الآيات القرآنية مستشهداً على ذلك بالقرآن نفسه مما يؤيد تلك الدلالة، ومن أقوال المصطفى r والسلف الصالح ولغة العرب، ولا يفوته الرد على أصحاب العقائد المنحرفة بالأدلة الواضحة المقنعة.
لقد كان من جهود علماء السلف في خدمة كتاب الله سبحانه وتعالى وذلك بتفسير كلماته وبيان معانيها وبما أن المصدر الأول لعقيدة المسلمين هو كتاب الله جل وعلا فقد فسر العلماء تلك الآيات التي لها صلة بالعقيدة وقرروا في تفسيرها الاعتقاد الصحيح من غير تأويل ولا تحريف فالمسلم الذي يقرأ تفسير كتاب الله تعالى ومنها تلك الآيات تتقرر عنده عقيدة السلف. ولقد كان لعدد كبير من علماء هذا القرن اهتمام بتفسير كتاب الله تعالى قرروا من خلال تفاسيرهم  العقيدة الصحيحة  كما ذكرنا ومن هذه التفاسير ما يلي:
1)تفسير غريب القرآن العزيز للإمام أبي بكر محمد بن عزيز السجستاني([533])(ت330هـ)
نجد أن في تفسيره للكلمات التي عرضها تقريراً للعقيدة على منهج السلف؛ فهو يفسر القرآن بالقرآن وبأقوال النبي r وبتفسير الصحابة والتابعين، فإن لم يجد فإنه يلجأ إلى شعر العرب. وهذا المنهج الذي سار عليه هو منهج العلماء رحمهم الله في تقرير العقيدة، ومن هذا التفسير ما يلي:
-في سورة الفاتحة قال:([534])"(الله): علم على الذات الإلهية وهو اسم لله وحده لا يسمى به غيره. و(الرحمن): ذو الرحمة لا يوصف به إلا الله عز وجل. و(الرحيم): عظيم الرحمة".
-وفي سورة البقرة قال:([535])"قال تعالى([536]))يُخَادِعُونَ اللهَ( والخداع من الله عز وجل يقع بأن يظهر لهم من الإحسان ويجعل لهم من النعيم خلاف ما يغيب عنهم ويستر من عذاب الله جزاء لفعلهم فجُمع الفعلان لتشابههما من هذه الجهة".
-)كِتَابًا مُتَشَابِهًا( -الزمرآية23-: يشبه بعضه بعضاً ويصدق بعضه بعضاً فلا يختلف ولا يتناقص.([537])
-)اِسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ(: قصد إلى السماء قصداً مستوياً خاصاً به أو هو استواء يليق بجلاله سبحانه.([538])
-ولما فسر قولـه تعالى (جعل) في قولـه )اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا( -البقرة – قال : "بمعنى خلق" . ثم قال في قولـه تعالى )وَجَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا( -الزخرف آية3-: "أي صيرناه وبيناه".([539])وهذا يدل على  أنه يوضح اختلاف المعنى في (جعلنا) إشارة إلى أن القرآن غير مخلوق.
- ولم يتعرض لليدين في قولـه تعالى )بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ( -المائدة آية64- لأن اليدين ليستا غريبة فهو يؤمن بإثبات حقيقة اليدين لله تعالى وإنما يفسر كلمة (مبسوطتان) يعني بالعطاء والرزق.([540])
-وعندما يأتي لتفسير العرش فإنه لا يتعرض لعرش الرحمن لأنه غيب وإنما يتكلم عن العرش المعروف فيقول:([541])"العرش: سرير الملك".
- وفي سورة السجدة -الآية (5)- يفسر )يَعْرُجُ إِلَيْهِ( بـ(يصعد إليه) وهذا إشارة إلى صفة العلو.([542])
- وفي سورة غافر -الآية (35)- يفسر قولـه تعالى )كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ( بـ(عظم بغضاً).([543])
2) تفسير النسائي للإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي. وهذا التفسير تتبع فيه مؤلفه آيات من القرآن الحكيم التي بلغه فيها النقل عن النبي r وكان منها آيات تتعلق بالاعتقاد فقرر فيها عقيدة أهل السنة والجماعة كما جاءت بها الآثار، ومن ذلك:
-في قولـه تعالى )وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا( -آية 31من سورة البقرة- ساق حديث أنس بن مالك أن رسول الله r قال: (يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يرحمنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته ..) وساق حديث الشفاعة.([544])فهدا إثبات لصفة اليد وإثبات لعقيدة أهل السنة في الشفاعة.
-وبعدها يفسر قولـه تعالى )اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ( (البقرة آية35) بحديث أبي هريرة t أن رسول الله r قال: (احتج آدم وموسى عليهما السلام فقال لـه موسى: يا آدم خلقك الله بيده..) وساق الحديث..  (فقال آدم: يا موسى ألم تعلم أن الله قدر هذا قبل خلقي ...).([545])فهذا التفسير إثبات لصفة اليد و القدر وغيرها، وساقه مرة أخرى في تفسير قولـه تعالى([546]))وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا( لإثبات صفة الكلام لله تعالى، ومرة ثالثة عند قولـه تعالى([547]))وَكَتَبْنَا لـه فِي الأَلْوَاحِ(.
-وعند تفسير قولـه تعالى([548]))وَمِنَ النَّاسِ مَن يَّتَخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادا( ساق حديث ابن عمر عن النبي r أنه قال:([549])(من يجعل لله نداً أدخله الله النار). وقال:([550])"وأنا أقول: من مات لا يجعل لله نداً أدخله الله الجنة". فهذا تقرير للعقيدة ورد على الخوارج والمعتزلة.
-وساق في تفسير قولـه تعالى([551]))وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّة( عن جابر أن عبداً لحاطب جاء إلى رسول الله r يشكو حاطباً فقال رسول الله r:([552]) (كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدراً والحديبية). فهذا تقرير لعقيدة أهل السنة في السابقين الأولين من الصحابة رضوان الله عليهم.
-وفسر قولـه تعالى([553]))لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى(  بحديث صهيب t وهو قوله:([554])(قرأ رسول الله هذه الآية.... قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه). فهذا فيه إثبات للرؤية.([555])
وقد بلغت الأحاديث والآثار التي رواها في تفسير بعض آيات القرآن من أوله حتى سورة المعوذتين (766) حديثاً وأثراً.
3) تفسير الإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم المتوفى سنة 327هـ ([556]) والذي جمع فيه مؤلفه رحمه الله ما بلغه من التفسير عن النبي r وعن الصحابة y وما بلغه عن التابعين ومن بعدهم إلى عصره رحم الله الجميع. وقد رتبه على خمس مراتب وتتبع آيات القرآن الكريم فلا يترك شيئاً يجد لـه تفسيراً  إلا أخرجه بأصح الأسانيد عنده فهو يعتبر مثل تفسير الإمام النسائي تفسيراً بالمأثور وقد بلغت الآثار التي ذكرها في هذا التفسير واحداً وأربعين وخمسمائة وتسعة عشر ألفاً. وهذا يعطي تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة أثراً أكثر في الاستدلال والقبول إلجاماً للمخالفين بالحجة والبرهان .
-وقد ابتدأه بتفسير (بسم الله الرحمن الرحيم) وذكر وجوهاً ثلاثةً فيها قال في الوجه الثالث: حدثنا عاصم بن رواد بن الجراح العسقلاني حدثنا أبو هلال الراسبي حدثنا حيان الأعرج عن أبي الشعثاء جابر بن زيد في قولـه (بسم الله) قال: اسم الله الأعظم هو الله. ألا ترى أنه في جميع القرآن يبدأ به قبل كل اسم.
-ثم ساق الآثار في تفسير ( الرحمن) ومنها قول ابن عباس: الرحمن الفعلان من الرحمة وهو من كلام العرب. وقال في(الرحيم): الرفيق لمن أحب أن يرحمه البعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه العذاب.([557])وكما نلاحظ فيها إثبات صفة الألوهية والرحمة.
-وفي تفسير قولـه تعالى([558]))هُدًى لِلْمُتَّقِينَ( ساق قول معاذ بن جبل t:([559])(يحبس الناس يوم القيامة في نقيع واحد فينادي منادٍ: أين المتقون؟ فيقومون في كنف الرحمن لا يحتجب الله منهم و لا يستتر).
-وفي تفسير قولـه تعالى([560]))اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ( نقل قول أبي العالية:([561])(يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه).
-وفي قولـه تعالى([562]))اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ( فسرها بتفسير ابن عباس رضي الله عنهما: (يسخر منهم للنقمة منهم).([563])
-وفي قولـه تعالى([564]))ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ( ذكر أبو العالية أنى معنى (استوى): ارتفع. قال: وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله.([565])
-وفي تفسير قولـه تعالى([566]))بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ( عن عكرمة قال: يعني اليدين. وعن قتادة: ينفق كيف يشاء.([567])
-وفي تفسير قولـه تعالى([568]))وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ( ذكر أقوال السلف ومنها قول ابن عباس: (من جحد الحكم بما أنزل الله فقد كفر، ومن أقربه ولم يحكم به فهو ظالم فاسق، ومن جحد شيئاً من حدود الله فقد كفر). وقوله: (ليس هو بالكفر الذي يذهبون إليه). وقول طاووس: (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله) وقول عطاء: (كفر دون كفر).([569])
ثانياً- في الحديث:
لقد تميزت القرون الأولى ومنها هذه القرن بجمع أحاديث النبي r ومعرفة الصحيح منها من غيره وكان العلماء يتسابقون في ذلك وقد اشتهر عدد كبير من العلماء في هذا القرن فجمعوا أحاديث النبي r في مؤلفات كبيرة ومشهورة. وقد عرف أصحابها بصفاء العقيدة وسلامة المنهج مما كان لـه أثره في تصنيفهم حيث حرصوا على تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة من خلال فهمهم واستنباطهم من أحاديث المصطفى r ومن تلك المؤلفات:
1) كتاب (سنن النسائي) للإمام النسائي (215-303هـ):
ومن أبوابه التي لها صلة بالعقيدة إما أصلاً أو مكملاً وتعتبر من فقه الأحاديث العقدية:
- كتاب المساجد: المباهاة في المساجد، ما تشد إليه الرحال من المساجد، النهي عن اتخاذ القبور مساجد.
- كتاب القبلة: النهي عن الصلاة إلى القبر.
- كتاب الجنائز:باب البناء على القبور، وتجصيص القبور، وتسوية القبور إذا رفعت، والتغليظ في اتخاذ السرج على القبور.
- كتاب البيعة: البيعة على السمع والطاعة، البيعة على أن لا تنازع الأمر أهله، الحض على طاعة الإمام، الترغيب في طاعة الإمام، التشديد في عصيان الإمام.
- كتاب الإيمان وشرائعه: ومنه باب تفاضل أهل الإيمان ومنه حديث: (ملئ عمار إيماناً إلى مشاشه). وحديث أبي سعيد: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). وباب زيادة الإيمان وساق فيه حديث أبي سعيد الخدري الذي يدل على فضل عمر رضي الله عنه وهو قولـه r: (بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره. قال: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدِّين).
-باب الحياء: وساق فيه حديث سالم عن أبيه أن النبي r مر على رجل يعظ أخاه في الحياء فقال: (دعه فإن الحياء من الإيمان). وذكر باب شعب الإيمان.
-كتاب الزكاة: باب من سأل بوجه الله، وساق حديث بهز بن حكيم عن أبيه أنه مما قال للنبي r: (وإني أسألك بوجه الله عز وجل بما بعثك ربك إلينا؟).
2) صحيح ابن خزيمة للإمام أبي بكر محمد بن خزيمة (233-311هـ):
وإننا عندما نتتبع هذا السفر العظيم الذي انتخبه المؤلف مما صحَّ عنده من أحاديث النبي r فعندما بوبه نجده يبرز فقه العقيدة من الأحاديث مثل إبرازه لفقه العبادات والمعاملات أو أكثر، ومن ذلك ما يلي:
-باب كراهة معارضة خبر النبي r بالقياس والرأي، والدليل على أن أمر النبي r يجب قبوله إذا علم المرء به وإن لم يدرك ذلك عقله ورأيه قال عز وجل([570]))وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَّكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ(.([571])فهذا إبراز لقاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة وهي أنه لا محيص ولا محيد عن النص الصحيح الصريح إذا وجد ولا مجال للعقل ويؤكد على هذا رحمه الله  في أكثر من موضع. و إذا وجد فرصة لبيان بطلان عقائد الفرق المنحرفة عن المنهج القويم فإنه لم يكن يتردد بإبراز ذلك.
-باب التغليظ في ترك غسل العقبين في الوضوء، والدليل على أن الفرض غسل القدمين لا مسحهما إذا كانتا باديتين غير مغطيتين بالخف أو ما يقوم مقام الخف لا على ما زعمت الروافض أن الفرض مسح القدمين لا غسلهما.([572])ويكرر هذا في باب ذكر بيان أن الله عز وجل وعلا أمر بغسل القدمين في قوله([573]))وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ( لا بمسحهما على ما زعمت الروافض والخوارج.([574])
-باب الزجر عن اتخاذ القبور مساجد والدليل على أن فاعل ذلك من شرار الناس.([575])
-باب الزجر عن الصلاة في المقبرة والحمام؛ فهو اختار لفظة الزجر بينما نص الحديث (الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة) وذلك لبيان شناعة هذا العمل، ثم ساق بعده (باب النهي عن الصلاة خلف القبور).([576])
-باب إباحة الاستعاذة في الصلاة من عذاب القبر ومن عذاب النار ثم ساق الحديث (إني رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال).([577])
-باب التغليظ في المراءاة بتزيين الصلاة وتحسينها.([578])
-باب بيان أن إيتاء الزكاة من الإيمان إذ الإيمان والإسلام اسمان لمعنى واحد.([579])
-ولما تكلم في مسألة سهو المصلي بزيادة في باب قال:([580])"فقولهم على كل حال خلاف سنة النبي r، ولم يستدلوا لمخالفتهم سنة النبي r الثابتة بسنة تخالفها لا برواية صحيحة ولا واهية وهذا محرم على كل عالم أن يخالف سنة النبي r برأي من بعد النبيr". فكلامه هذا رحمه الله تأكيد على منهج علماء السلف في وجوب الالتزام بالسنة وعدم تقديم غيرها عليها إذا ثبتت.
-وفي باب استحباب الدعاء في نصف الليل الآخر رجاء الإجابة ذكر حديث نزول الرب إلى السماء الدنيا.
-باب استحباب مسالة الله عز وجل الهداية لما اختلف فيه من الحق عند افتتاح صلاة الليل، والدليل على جهل من زعم من المرجئة أنه غير جائز للعاطس أن يرد على المشمت فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. والنبي المصطفى الذي قد أكرمه الله بالنبوة قد سأل الله الهداية لما اختلف فيه من الحق، وهم يزعمون أنه غير جائز أن يسأل المسلم الهداية.([581])
ففي المسألة الثانية إبراز للرد على الجبرية الذين يزعمون أن الإنسان مجبور وأن المقادير قد كتبت فلا حاجة للدعاء.
-باب ذكر الدليل على أن اسم الإسلام المعرف بالألف واللام قد يقع على بعض شعب الإسلام، والدليل أن النبي r إنما أجاب جبريل في الخبر الذي ذكر عن أصل الإسلام وأساسه إذ النبي r أعلم أن الإسلام بني على هذه الخمس وما بني من الإسلام على هذه الخمس سوى هذه الخمس، إذ ابتدأ بالاسم المعرفة بالألف واللام على أجزاء الإسلام التي هي سوى هذه الخمس التي أعلم في إجابته جبريل أنها الإسلام.([582])
-باب استحباب الإعلان بالصدقة ناوياً لاستنان الناس بالمتصدق فيكتب لمبتدئ الصدقة مثل أجر المتصدقين استناناً به.([583])ثم ساق حديث جرير بن عبد الله قال: (خطبنا رسول الله r .........).
-باب الزجر عن اتخاذ الدواب يوقفها والمرء راكبها غير سائر عليها ولا نازل عنها.([584])
-باب تباهي الله على أهل السماء بأهل عرفات، ثم يسوق حديث (إذا كان يوم عرفة فإن الله ينزل إلى السماء فيباهي بهم الملائكة).
-باب فضل التهليل والشهادة للنبي r بالرسالة والعبودية وأن لا يطرى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إذا شهد لـه بالعبودية مع الشهادة لـه بالرسالة عند الفراغ من الوضوء.([585])يشير إلى مسالة الخلاف بين المرجئة وأهل السنة أو من يقول بأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان بإبرازه هذه المسالة في عدة أبواب وبين الراجح الصحيح بالدليل فيقول في الباب الخامس من كتاب الصلاة: باب الدليل على أن إقام الصلاة من الإيمان، ويقول في الباب السادس: (باب ذكر الدليل على أن إقام الصلاة من الإسلام إذا الإيمان والإسلام اسمان بمعنى واحد).([586])
3) كتاب السنن لعلي بن عمر الدار قطني (306-385):
-عندما نتتبع أبوابه نجد إبراز العقائد واضحاً فيه بل وفي بعضها ردٌّ على المخالفين مثل باب التشديد في ترك الصلاة وكفر من تركها والنهي عن قاتل فاعلها، حيث ساق فيه تسعة أحاديث في تكفير من تركها والنهي عن قتل المصلين. وفي ذلك رد على المرجئة ورد على الخوارج، ثم يسوق بعده مباشرة باب صفة من تجوز الصلاة معه والصلاة عليه.
-ونجده يبوب باباً على مسألة مهمة أنكرها المعتزلة أن خبر الواحد يوجب العمل، ولما ذكر أول حديث فيه قال ذكر استنباط راوية منه فقال: "قال أبو عبد الله وهو عبيد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله (هذا يدل على أن خبر الواحد يوجب العمل). والحديث عن أنس قال: (كان أبو طلحة وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء عند أبي طلحة يشربون من شراب تمر وبسر وقال رطب، وأنا أسقيهم من الشراب حتى كاد يأخذ منهم فمر رجل من المسلمين فقال: ألا هل علمت أن الخمر قد حرمت؟ فقالوا: يا أنس اكف مافي إنائك وما زالوا حتى كفأته).

  1. معاجم الإمام أبي القاسم الطبراني رحمه الله ت(360)هـ.

لقد ألف الإمام الطبراني كما سيأتي إن شاء الله عدة كتب منها كتب في العقيدة مثل كتاب بيان كفر من قال بخلق القرآن "وكتاب"الرد على المعتزلة"وكتاب الرد على الجهمية"وغيرها حيث أوصلها بعضهم إلى"107"كتب.
وجمع مثل ما جمع غيره كتبا في حديث النبي r وسماها معاجم وهي:-

  • المعجم الكبير

  • المعجم الأوسط.

  • المعجم الصغير

وقد خصص المعجم الكبير في مسانيد الصحابة رضوان الله عليهم يقول في مقدمته "هذا كتاب الفناه جامع لعدد ما انتهى إلينا ممن روى عن رسول الله r من الرجال والنساء على حرف ألف,ب,ت,ث بدأت فيه بالعشرة رضي الله عنهم لأنهم لايتقدمهم أحد غيرهم..."([587]).
وقد وجدها فرصة رحمه الله لبيان فضائل الصحابة وخصوصا الذين كثر سبهم وشتمهم وأطال في ذلك مثل العشرة المبشرين بالجنة ومعاوية وعائشة.وأشار إلى العقائد الأخرى ومن ذلك ما يلي:-
أ-إسناده للصحابة رضوان الله عليهم وذكر فضائلهم ,باب فيما أعد الله لعثمان بن عفان t في الجنة "ذكره بعد عدة أبواب" باب في إكرام قريش ,باب ماجاء في لزوم الجماعة والنهي عن مفارقها,باب تجاوز الله لعبده المؤمن بصلاة المسلمين عليه وعفوه عنه فيما بينه وبينه,باب تعظيم قول لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, باب فيما أعد الله من عقابه وغضبه يوم القيامة لمن اغتصب مال مسلم....([588]).
باب بيان كفر الجهمية الضلال برؤية الرب عز وجل في القيامة"([589]).
وساق الأحاديث التي وردت في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة كما ساق في هذا الجزء عدة أبواب في العقيدة مثل قولـه باب حدثنا عبدالله بن أحمد ....عن جرير قال قال رسول الله r : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل)([590]).
ونجده يطيل في الآثار والأحاديث التي رويت في معاوية t أو رواها  عن النبي rونقلها عنه الصحابة أو غيرهم وهذا بلا شك إشارة إلى عدالته t خلاف ما كان مشهوراً بين الرافضة في هذا القرن من لعنه وسبه وقد بلغت هذه الأحاديث والآثار 253حديثاً وأثراً من ص304-396 في الجزء الثالث والعشرين ..
ونجده أيضاً أطال في الأحاديث التي وردت في فضائل عائشة رضي الله عنها وعقد لذلك أبواباً وأطال في ذكر قصة الإفك وتفسير الآيات التي وردت فيها وساق في موضوع عائشة رضي الله عنها 273 حديثاً وأثراً([591]).

  • أما المعجم الأوسط فقد صنفه في ستة مجلدات كبار على معجم شيوخه يأتي فيه على كل شيخ بما لـه من الغرائب والعجائب وكان يقول هذا الكتاب روحي لأنه تعب عليه"وقد اشار فيه أيضاً إلى بعض العقائد.

  • أما المعجم الصغير فقد أخرج فيه ما بلغه من الأسانيد عن الصحابة وعن شيوخه وغيرهم غير ما ذكره في المعجمين السابقين.

وقد ذكر فيه الإشارة إلى عدد كبير من العقائد ومن ذلك ما يلي:
- حدثنا الحسن بن علي بن دلويه البغدادي ......عن أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله r يقول (اللهم اغفر للأنصار ولأزواج الأنصار ولذراريهم ولذراري ذراريهم)([592]).
- حدثنا علي بن يوسف المستملي البغدادي...عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله r: "إن أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء وإن أبابكر وعمر منهم و أنعما " ([593]).
- حدثنا أحمد بن الحسين بن عبدالملك....عن ابن عمر رضي الله عنه قال:قال رسول الله r : "عشرة من قريش في الجنة أبو بكر في الجنة, وعمر في الجنة, وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة, وطلحة في الجنة, والزبير في الجنة , وسعد في الجنة, وسعيد بن زيد في الجنة ، وعبدالرحمن بن عوف في الجنة, وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة"رضي الله عنهم أجمعين.
- حدثنا محمد بن أحمد بن جعفر الوكيعي بمصر....عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله r :"لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"([594]).
- حدثنا أبوهند يحيى بن عبدالله بن حجر بن عبدالجبار بن وائل بن حجر الحضرمي الكوفي عن وائل بن حجر قال: لما بلغنا ظهور رسول الله r خرجت وافدا عن قومي حتى قدمت المدينة ..وذكر قصة قدومه وإكرام النبي r له, وفي الأثر أنه لما جيء بوائل إلى معاوية بالشام أجلسه معه على سريره ومما قال له: ما منعك من نصرنا وقد اتخذك عثمان ثقة وصهرا؟! قلت إنك قاتلت رجلا هو أحق بعثمان منك قال وكيف يكون أحق بعثمان مني وأنا اقرب إلى عثمان في النسب؟! قلت إن النبي r كان آخى بين علي وعثمان فالأخ أولى من أبن العم ولست أقاتل المهاجرين قال أو لسنا مهاجرين قلت أو لسنا اعتزلناكما جميعا وحجة أخرى حضرت رسول الله r وقد رفع رأسه نحو المشرق وقد حضره جمع كثير ثم رد إليه بصره, فقال: (أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم) فشدد أمرها وعجله وقبحه, فقلت لـه من بين القول يا رسول الله وما الفتن فقال يا وائل إذا اختلف سيفان في الإسلام فاعتزلهما..."إلى آخر هذا الحديث الذي يقرر عددا من العقائد في فضل عثمان وعلي والمهاجرين واجتناب الفتن وغير ذلك ([595]).
وقال في آخر معجم الكتاب الصغير:"سمعت صليحة بنت أبي نعيم الفضل بن دكين تقول سمعت أبي يقول القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ([596]).
فهذا نقل صريح في بيان القول الحق في القرآن الكريم.
-حدثنا مورع بن عبدالله أبو ذهل المصيصي بالمصيصية سنة ثمان وسبعين ومائتين..عن أنس بن مالك قال قال النبي r إنما جعلت الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي" .
ففي سياق هذا الحديث تقرير لعقيدة أهل السنة ورد على الخوارج والمعتزلة ([597]).
- حدثنا خلف بن الحسن الواسطي...عن أبي قتادة t قال:قال رسول الله r: "هلاك أمتي في ثلاث في القدرية والعصبية والرواية من غير تثبت".
- حدثنا مسلمة الهيصم الأصبهاني .....عن أبي إمامة قال: قال رسول الله r: "الخوارج كلاب النار"([598]).
-وفي باب الأحباس يسوق منها خمسة أحاديث تبين أن النبي r لم يخلف ميراثاً منها الحديث الذي حدث به محمد بن زكريا عن الإمام النسائي رحمهما الله عن قتيبة ويسوق السند إلى عمرو بن الحارث t وقد رواه البخاري في باب الوصايا (ما ترك رسول r ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة إلا بغلته الشهباء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضاً جعلها في سبيل الله. قال قتيبة مرة أخرى: جعلها صدقة). فهذا يدل على أنه رحمة الله يريد إبطال زعم الرافضة أن أبا بكر t منع فاطمة رضي الله عنها من ميراثها في فدك.
-وساق اثني عشر حديثاً في باب وقف المساجد والسقايات تدل على فضل عثمان ورضا النبي r عنه وهذا رد واضح أيضاً على الرافضة.
4) صحيح ابن حبان المتوفى سنة 354هـ:
قال السيوطي في تدريب الراوي([599]): "صحيح ابن حبان ترتيبه مخترع ليس على الأبواب ولا على المسانيد ولهذا سماه (التقاسيم والأنواع) وسببه أنه كان عارفاً بالكلام والنحو والفلسفة".
قال ابن حبان رحمه الله في مقدمته:([600])"الحمد لله المستحق الحمد لآلائه, المتوحد بعزه وكبريائه, القريب من خلقه في أعلى علوه, البعيد منهم في أدنى دنوه, العالم بمكنون النجوى المطلع على أفكار السر وأخفى, وما استجن تحت عناصر الثرى".
ثم قال:([601])"ثم اختار طائفة لصفوته, وهداهم لزوم طاعته من اتباع سبيل الأبرار في لزوم السنن والآثار, فزين قلوبهم بالإيمان وأنطق ألسنتهم بالبيان من كشف أعلام دينه واتباع سنن نبيه r بالرؤى في الرحل والأسفار وفراق الأهل والأوطار, وجمع السنن ورفض الأهواء والنفقة فيها وترك الآراء فتجرد القوم للحديث فطلبوه ورحلوا فيه وكتبوه".
وقال: "وإن في لزوم سنته تمام السلامة وجماع الكرامة لا تطفأ سرجها ولا تدحض حججها من لزمها عصم ومن خالفها ندم إذ هي الحصن الحصين والركن الركين".([602])
-ولما ذكر حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه (صلى بنا رسول الله r الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون...) إلى آخر الحديث, قال:([603])"قال أبو حاتم: في قولـه r (فعليكم بسنتي) عند ذكره الاختلاف الذي يكون في أمته بيان واضح أن من واظب على السنن وقال بها ولم يعرج على غيرها من الآراء من الفرقة الناجية في القيامة جعلنا الله منهم بمنه". وقد ساق بعد ذلك الأحاديث في بيان السنة والالتزام بها مما هو موجود في صحيحه.
-وقال بعد أن ساق حديث أبي سعيد الخدري t قال رسول الله r: (والذي نفسي بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى شرد علي كشراد البعير. قالوا: يا رسول الله من يأبى أن يدخل الجنة؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى). "قال أبو حاتم: طاعة رسول الله r هي الانقياد لسنته بترك الكيفية والكمية فيها, مع رفض قول كل من قال شيئاً في دين الله جل وعلا بخلاف سنته دون الاحتيال في السنن بالتأويلات المضمحلة والمخترعات الداحضة".([604])
-ولما ذكر حديث أبي الدرداء الذي فيه (إن العلماء ورثه الأنبياء, وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وأورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر). قال:([605])"قال أبو حاتم: في هذا الحديث بيان واضح أن العلماء هم الذين يعلمون علم النبي r دون غيره من سائر العلوم. ألا تراه يقول: (العلماء ورثه الأنبياء). والأنبياء لم يورثوا إلا العلم وعلم نبينا r سنته فمن تعرى عن معرفتها لم يكن من ورثة الأنبياء".
-وبعد أن ساق خبر ابن عباس (قد رأى محمد r ربه) قال أبو حاتم: معنى قول ابن عباس (قد رأى محمد r ربه) أراد بقلبه في الوضع الذي لم يصعده أحد من البشر ارتفاعاً في الشرف. ثم ساق لتأييد قولـه حديث أبي ذر أنه سأل النبي r (هل رأيت ربك؟) فقال: (رأيت نوراً). قال أبو حاتم: "معناه أنه لم يرَ ربه, ولكن رأى نوراً علوياً من الأنوار المخلوقة".([606]) فترجيح ابن حبان أن النبي r لم يرَ ربه هذا كما هو معلوم هو الرأي الراجح عند السلف وتؤيده الأدلة.
-ونجده يثبت الرؤية ويجمع بين الأحاديث وقوله تعالى )لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ( فيقول:([607]) "فإنما معناه أنه يرى في القيامة ولا تدركه الأبصار إذا رأته لأن الإدراك هو الإحاطة والرؤية هي النظر والله يرى ولا يدرك كنهه".
-وساق الأحاديث التي تنهى عن مجالسة أهل الكلام والقدر.
-ولما ساق أحاديث الفطرة قال أبو حاتم:([608])"قوله r (فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) مما نقول في كتبنا: إن العرب تضيف الفعل إلى الأمر كما تضيفه إلى الفاعل فأطلق r (التهود، والتنصر، والتمجس) على من أمر ولده بشيء منها بلفظ الفعل لا أن المشركين هم الذين يهودون أولادهم أو ينصرونهم أو يمجسونهم دون قضاء الله عز وجل في سابق علمه في عبيده. على حسب ما ذكرنا في غير موضع من كتبنا". وهذا فيه رد على القدرية الذين ينفون العلم لله أو الخلق.
-وفي قول سعد بن أبي وقاص عن رسول الله r قال: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) قال أبو حاتم:([609])"معنى قولـه r (ليس منا) في هذه الأخبار: يريد به ليس مثلنا في استعمال هذا الفعل لأنا لا نفعله فمن فعل ذلك فليس مثلنا". فهذا منهج أهل السنة والجماعة في ألفاظ الوعيد التي ذكرها لا يكفرون بها أو يخرجون مرتكبها من الإسلام فهذا منهجه رحمه الله منهج من سبقه من علماء السلف.
لكن الذي بوبه أخطأ في تسمية بعض الأبواب فمن ذلك وضعه باب (إيجاب العقوبة في القيامة على الكاتم العلم الذي يحتاج إليه في أمور المسلمين) وساق الحديث أبي هريرة: (من كتم علماً تلجم بلجام من نار يوم القيامة). وحديث عبد الله بن عمر (من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار).([610])فمن المشهور من عقيدة السلف رحمهم الله أن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة فإن شاء الله عذبه وإن شاء غفر لَه. ولا يقول بإيجاب عقوبة مرتكب الكبيرة على رب العالمين إلا الخوارج والمعتزلة.والذي يظهر أن قصده بذلك ثبوت العقوبة على الفعل لا على الفاعل.

ثالثاً- في اللغة:
كما عني علماء التفسير والحديث والفقه في هذا القرن بتقرير عقيدة أهل السنة والجماعة من خلال تأليفهم في أبواب كتبهم بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم الذي يواطئ بعضه بعضاً ويؤكده فما لم يرد بيانه في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة فلا بد من الرجوع إلى لغة العرب لفهم أحكام هذا الدين وعقائده لأن هذا الدين نزل بلغتهم وبين ظهرانيهم وقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذا في أكثر من موضع من القرآن الكريم قال تعالى([611]))وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ( وقال([612]))نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأََمِينُ & عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ & بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين( وقال([613]))إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا( وقال تعالى([614])وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا( وقال([615]))قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ( وقال([616])   )كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ( وقال([617]))وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا(.
فالقرآن نزل بلغة العرب والنبي r عربي والقوم الذين نزل فيهم عرب([618])قال تعالى(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِين( لأن الله اختارهم بأن تكون الرسالة أول ما تنزل عليهم والله يعلم حيث يجعل رسالته لكي يفهموها ثم يبلغوها للناس كافة.
وقد سار علماء هذا القرن على ما سار عليه مَن قبلهم من الاستشهاد باللغة فمن ذلك مثلاً أن الإمام الآجري لما أراد أن يبين معنى (اللقاء) في قولـه تعالى([619]))تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلام( قال رحمه الله:([620])"واعلم رحمك الله أن اللقاء عند أهل اللغة لا يكون إلا معاينة يراهم الله عز وجل ويرونه ويسلم عليهم ويكلمهم ويكلمونه".
لذا جد علماء اللغة في هذا القرن في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة بتتبع كلام العرب وما ورد في معاني ألفاظ العقيدة ومحاولة توثيق ذلك والاستدلال عليه من كلام العرب خصوصاً لما عمد ضلال الفرق إلى محاولة تأييد باطلهم بتزوير كلام العرب وإخراجه إلى معانٍ توافق باطلهم بمعانٍ لم تدل عليها اللغة العربية مثل ما حصل من ابن أبى دؤاد([621])رأس المعتزلة الذي أغرى المأمون ليمتحن الأمة في القول بخلق القرآن فقد طلب من عالم اللغة أبى عبد الله بن الأعرابي([622])أن يقول بأن معنى (استوى) في اللغة العربية بمعنى (استولى) فقال: لا أعرفه، وطلب أن يبحث عن غيره. عند ذلك امتحنه وضيق عليه.([623])لذا كان علماء السلف من أهل اللغة يقررون العقيدة في كتبهم وبالأخص التي يقع فيها التنازع بين أهل السنة والجماعة وأهل البدع ومن هؤلاء:
1) العالم الجليل أبو منصور الأزهري الذي اتفق العلماء على فضله وعلمه وثقته وقد كان من ورعه وحرصه على سلامة النقل "لأنه يراه ديانة" أنه لا ينقل عن الفسقة فضلاً عن أصحاب البدع والأهواء من أهل اللغة لذا لم ينقل عن ابن دريد صاحب اللغات المشهور ولم يعبأ  بمروياته لأنه كان فاسقاً يشرب المسكر.([624])
وكان قد ألف رحمه الله عدة كتب في العقيدة وغيرها منها كتاب تفسير أسماء الله الحسنى.والروح وما جاء فيه من القرآن والسنة .ولكن الذي اشتهر كتابه تهذيب اللغة الذي قال عنه ابن المنظور صاحب لسان العرب "ولم أجد في كتب اللغة أجمل من تهذيب اللغة لأبي منصور بن محمد بن أحمد الأزهري ولا أكمل من المحكم لأبي الحسن بن إسماعيل بن سيده الأندلسي رحمهما الله وهما من أمهات كتب اللغة على التحقيق وما عداهما بالنسبة إليهما بنيات الطريق "([625]), وقال عنه ابن الأنباري "وصنف الكتاب المشهور في اللغة وهو أكبر كتاب صنف في اللغة وأحسنة"([626]).
وقد قرر عقيدة أهل السنة في كتابه كلما جاءت فرصة لذلك حيث يذكر معنى الكلمة والقول الحق فيها ومن ذلك ما يلي:

  • أنه في كتابه يثني على أهل السنة من أهل اللغة ويحذر من أهل البدعة فيقول عن الأصمعي"أنه شديد التوقي لتفسير القرآن صدوقا صاحب سنة "([627]).

ويقول عن أبي عبيد القاسم بن سلام "وكان ديناً فاضلاً عالماً أديباً ففيهاً صاحب سنة"([628]),ومن تحذيره من أهل البدع قولـه عن الجاحظ "إن أهل المعرفة بلغات العرب ذموه وعن الصدق دفعوه ....فانه غير ثقة ولا مأمون"([629]).

  • إثباته لعرش الرحمن  وانه لا يقدر قدره إلا الله لما تكلم في مادة "العرش"واستدل بقول الله تعالى : ]الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[([630]) وقوله تعالى : ]وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ[([631]). وقال: "العرش في كلام العرب سرير الملك يدلك على ذلك سرير ملكة سبأ"([632]).

  • وقال في القدر.

"قال الليث:القدر القضاء الموافق يقال قدر الله هذا تقديراً قال وإذا وافق الشيء الشيء قلت جاء قدره,والقدرية قوم ينسبون إلى التكذيب بما قدر الله من الأشياء وقال بعض المتكلمين لا يلزمنا هذا النبز لأننا ننفي القدر عن الله من أثبته فهو أولى به,وهذا تمويه منهم لأنهم يثبتون أن القدر لأنفسهم ولذلك سموا قدرية وقول أهل السنة إن علم الله قد سبق في البشر وغيرهم فعلم كفر من كفر منهم كما يعلم إيمان من آمن منهم فأثبت علمه السابق في الخلق وكتبه وكل ميسر لما خلق لـه وكتب"([633]).

  • قوله في كلام الله والقرآن.

والقرآن كلام الله وكلم الله وكلمات الله وكلمة الله وهو كيفما تصرف متلوا محفوظا ومكتوبا غير مخلوق ... وقال احمد بن يحيى في قول الله: ]وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى  تَكْلِيماً[ ([634]).
لو جاءت كلم الله مجرداً لاحتمل ما قلنا وما قالوا فلما جاءت تكليما خرج الشك الذي كان يدخل في الكلام وخرج الاحتمال للشيئين....."([635]).
فهو إذن يثبت صفة الكلام لله وأن القرآن غير مخلوق ويرد على المعتزلة من لغة العرب.

  • وقال في إثبات رؤية الله تعالى: وقال أبو إسحاق في قول الله جل وعز : ]لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ[ ([636]): أعلم الله جل وعز أنه يدرك الأبصار فأعلم أن خلقا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنههم ولا يحيطون بعلمه فكيف به عز وجل فالأبصار لا تحيط به وهو اللطيف الخبير فأما ما جاء من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول الله r فغير مدفوع وليس في هذه الآية دليل على دفعها لأن معنى هذه الآية معنى إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته وهذا مذهب أهل السنة والعلم بالحديث"([637]).

2) وهذا الإمام النحوي أبو عبد الله إبراهيم الأزدي الملقب بنفطويه المشهور بإمامته ينكر في كتابه (الرد على الجهمية) أن يكون (استوى) بمعنى (استولى) ويستدل بقصة ابن الأعرابي اللغوي مع ابن أبي دؤاد التي مر ذكرها حيث قال: "حدثنا داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال ما معنى قولـه تعالى )الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(؟ فقال: هو على عرشه كما أخبر. فقال: يا أبا عبد الله إنما معناها استولى. فقال: اسكت لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون لـه مضاد فإن غلب أحدهما قيل استولى كما قال النابغة:

سَبْقَ الْجَوَادِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الأَسَدِ

 

إِلا وَمِثْلكَ أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ

وقال محمد بن النضر:([638])"سمعت ابن الأعرابي صاحب اللغة يقول: أرادني ابن أبي داود أن أطلب لـه في بعض لغات العرب ومعانيها (استوى) بمعنى (استولى) فقلت لَه: والله ما يكون هذا ولا وجدته".
فعقيدة السلف مأخوذة من كتاب ربهم جل وعلا بفهم نبيهم وصحابته رضوان الله عليهم وعلماء التابعين فهي ليست جديدة لكي يجتهدوا فيها بل قد كملت بكمال هذا الدين([639]))اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا(.
3) وهذا كتاب معاني القرآن و إعرابه للإمام النحوي أبي إسحاق إبراهيم الزجاج.([640]) الذي صنفه مؤلفه رحمه الله في إعراب كلمات القرآن، وكان يذكر معه التفسير حيث يقول عن منهجه فيه:([641])"وإنما نذكر مع الإعراب المعنى و التفسير لأن كتاب الله ينبغي أن يتبين ألا ترى أن الله يقول([642]))أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآن( فحضنا على التدبر والنظر، ولكن لا ينبغي لأحد أن يتكلم إلا على مذهب اللغة أو ما يوافق مقاله أهل العلم".
وقد ابتدأ بالبسملة فلما مر على كلمة (الله) قال:([643])"فأما اسم الله عز وجل فالألف فيه ألف وصل أكره أن أذكر ما قال النحويون في اسم (الله) أعني قولنا (الله) تنزيهاً لله عز وجل. ثم قال: وقوله عز وجل (الرحمن الرحيم)هذه الصفات لله عز وجل فيما يذكر أبو عبيد ذو الرحمة، ولا يجوز أن يقال (الرحمن) إلا لله".
وقال في تبيينه لمعنى قولـه تعالى )فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا( في سورة البقرة قال: "فيه جوابان: قال بعضهم زادهم الله بكفرهم كما قال عز وجل([644]))بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا   بِكُفْرِهِم(. وقال بعض أهل اللغة: فزادهم الله بما أنزل عليهم من القرآن فشكوا فيه كما شكوا في الذي قبله. قال:([645])والدليل على ذلك قولـه عز وجل([646]))وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ( إلى قوله([647]))وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ( وهذا قولٌ بيِّنٌ واضحٌ والله أعلم.
وقال:([648])"أخبر عز وجل بعظيم فِريتهم فقال([649]))وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ( أي قالوا يداه ممسكة عن الاتساع علينا كما قال عز وجل([650]))وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ( تأويله: لا تمسكها عن الإنفاق. قال بعضهم: معنى (يد الله مغلولة) أي نعمته مقبوضة عنا. وهذا القول الخطأ ينقضه([651]))بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ( فيكون المعنى: نعمتاه مبسوطتان. ونعم الله أكثر من أن تحصى". وقد سار رحمه الله على هذا النهج في جميع كتبه في اللغة يقرر فيها العقيدة الحق عقيدة أهل السنة والجماعة.
وله كتاب (تفسير أسماء الله الحسنى) قال في مقدمته:([652])"هذه تفاسير الأسامي التي رويت عن رسول الله rفي قوله:([653])(إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحدة, وترٌ يحب الوتر من أحصاها دخل الجنة)". وقد قام بتفسير هذه الأسماء حيث يقول: "وأنا أذكر كل هذه الأسماء على ما جاءت به الرواية التي قدمنا ذكرها، وأفسرها على ما يبلغه علمنا وتتسع لـه معرفتنا والله نسأل العصمة والتوفيق لما يقربنا منه قولاً وفعلاً إنه على ما يشاء قدير". وقد اخطأ رحمه الله بتأويل بعضها، وعلَّق على ذلك محقق الكتاب جزاه الله خيراً.([654])



 فهرس الموضوعات

 

الموضوع

الصفحة

 
- المقدمة

 
3

- التمهيد

16

المبحث الأول- التعريف بالسلف

17

المبحث الثاني- التعريف بالقرن

20

المبحث الثالث- أثر الأوضاع العلمية والسياسية والاجتماعية

24

المبحث الرابع- الدراسات العقدية السابقة عن القرن الرابع

28

 
الباب الأول: منهج علماء السلف في القرن الرابع

35

 
الفصل الأول: أبرز الفرق والعقائد في القرن الرابع

36

أولاً- الخوارج

39

ثانياً- القدرية

43

ثالثاً- الجهمية

45

رابعاً- المعتزلة

48

خامساً- الشيعة أو (الرافضة)

56

- الإمامية

64

- البويهيون

68

- الحمدانيون

80

- الزيدية

86

- الإسماعيلية

89

- القرامطة

91

1) قرامطة الكوفة

96

2) قرامطة البحرين

101

3) قرامطة اليمن

102

- الفاطميون

11

- أهل الكلام

134

- الكلابية

135

- الأشعرية

139

- الماتريدية

148

- الكرامية

152

- أهل التصوف والحلول والزندقة

157

أ- أصحاب الطرق الصوفية:

 

1- أبو طالب المكي

158

2- أبو القاسم البكري الصقلي

159

ب- أهل الحلول والزندقة:

 

1- الحلاج

159

2- الشلمغاني

161

ج- ادعاء النبوة:

162

1- أبو الطيب المتنبي

162

2- مدعي النبوة في الشاش

164

- الوضع في الأندلس في هذا القرن

165

 
الفصل الثاني: منهج علماء السلف في القرن الرابع

 
175

أولاً- منهجهم في تقرير العقيدة والدفاع عنها

176

أبرز قواعد منهج علماء السلف في بيان العقيدة:

179

القاعدة الأولى- أصول الدين لا تعلم إلا من الكتاب والسنة

180

القاعدة الثانية- رد التنازع إلى الله ورسوله

182

القاعدة الثالثة- عدم العدول عن النص الصريح

184

القاعدة الرابعة- الأصل في ألفاظ القرآن الحقيقة وليس المجاز

188

القاعدة الخامسة- إعمال جميع النصوص

188

القاعدة السادسة- فهم النصوص كما فهمها الصحابة

190

القاعدة السابعة- الإيمان بالمتشابه والعمل بالمحكم

192

القاعدة الثامنة- الإثبات بلا تمثيل والنفي بلا تعطيل

195

ثانياً- الوسائل التي اتبعوها في تقرير العقيدة

198

المسلك الأول- من خلال تصنيف الكتب

198

المسلك الثاني- من خلال مؤلفاتهم الأخرى

208

أولاً- في التفسير

209

1) تفسير غريب القرآن للسجستاني

211

2) تفسير النسائي

213

3) تفسير ابن أبي حاتم

216

ثانياً- في الحديث

218

1) سنن النسائي

219

2) صحيح ابن خزيمة

220

3) معاجم الطبراني

225

4) سنن الدار قطني

224

5) صحيح ابن حبان

230

ثالثاً- جهودهم في الدفاع عن العقيدة

244

رابعاً- الوسائل التي سلكوها لبيان العقيدة وفضح المخالفين لها

254

- التدريس

254

- الإفتاء

259

- التأليف

262

- المناظرة

262

- الإنكار الشديد والبغض والمجانبة

271

- إطلاق القول بتفسيق أهل البدع ونسبتهم إلى الزيغ والضلال

276

- الحكم باستتابتهم

280

- دعوتهم إلى المباهلة

281

- الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

282

 
الباب الثاني- أعلام أهل السنة في العقيدة في القرن الرابع الهجري

 
290

الفصل الأول- دراسة لأشهر الأعلام الذين لهم تآليف في العقيدة:

291

1- ابن جرير الطبري

292

2- أبو بكر الخلال

318

3- أبو بكر بن خزيمة

329

4- أبو بكر بن أبي داود السجستاني

355

5- أبو جعفر الطحاوي

371

6- أبو محمد بن أبي حاتم

398

7- أبو محمد البربهاري

415

8- أبو بكر الآجري

441

9- أبو بكر الإسماعيلي

460

10- أبو الحسن الدار قطني

477

11- أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني

497

12- أبو عبد الله بن بطة

520

13- أبو عبد الله بن مندة

532

الفصل الثاني- أعلام أهل السنة الذين ليس لهم تآليف أو لم يعثر عليها:

552

1- أبو بكر الفريابي

554

2- الحافظ النسائي

565

3- أبو العباس بن سريج

578

4- أبو القاسم الطبراني

596

5- أبو إسحاق بن شاقلا

611

6- أبو سليمان الخطابي

620

7- أبو عبد الله بن أبي زمنين

642

 

 

الخاتمة

650

الفهارس:

653

أولاً- فهرس الآيات القرآنية

653

ثانياً- فهرس الأحاديث الشريفة

662

ثالثاً- فهرس الأعلام

666

رابعاً- فهرس المصادر والمراجع

674

خامساً- فهرس الموضوعات

696


([1]) سورة النساء- الآية (59).

([2]) سورة التوبة- الآية (71).

([3]) سورة الحجر- الآية (9).

([4]) سورة آل عمران- من الآية (85).

([5]) صحيح مسلم 1/134.

([6]) سورة الحجر- الآية (9).

([7]) صحيح البخاري في كتاب المناقب رقم 3641 وفي كتاب التوحيد رقم 7460.

([8]) سورة هود- من الآيتين (118-119).

([9]) رواه أبوداود في كتاب السنة 4/198.تعليق محمد محي الدين عبدالحميد ط دار إحياء السنة النبوية.والإمام أحمد في المسند 4/102 والدارمي في كتاب الجهاد باب في افتراق هذه الأمة 2/158 وابن حبان في صحيحه برقم 6247 ج 14ص140 ورقم 6731ج 15ص125بترتيب ابن اللبان تحقيق شعيب الأرنؤوط.ط 2- 1414هـ مؤسسة الرسالة ببيروت.

)3(  رواه الترمذي في كتاب الإيمان, باب ما جاء في افتراق الأمة.

(4) سنن ابن ماجه كتاب الفتن رقم 3992,3991 ,3993 ج4ص392/393 تحقيق محمود محمد محمود حسن نصار ط 1419هـ.

(1) المستدرك على الصحيحين للإمام محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405هـ ج1 ص128,6 الناشر دار الكتاب العربي بيروت.

([13]) الإمام العالم العلامة وحيد عصره وفريد دهره شيخ الإسلام أبوالعباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني المولود سنة661هـ بحران وتوفي بدمشق سنة 728هـ رحمه الله , للإستزاده في معرفة سيرته راجع كتاب ابو حفص البزار (الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية).وكتاب الحافظ محمد بن أحمد بن عبدالهادي(العقود الدريه من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية) وغيرها.

([14] )إقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام ابن تيمية ج1 ص116,تحقيق الدكتور ناصر عبدالكريم العقل ط1414هـ

(4) للإستيزادة في ذلك يراجع كتاب حديث إفتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة للإمام المحدث محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني المتوفى سنة 1182هـ .تحقيق سعد بن عبدالله السعدان ط1 1415هـ دار العاصمة الرياض .ويراجع سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها للشيخ محمد ناصر الدين الألباني القسم الأول ج1/ص 402-414 ط1415هـ مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض. وذكر جماً غفيراً من العلماء الذين قالوا بتصحيحه كالترمذي والحاكم وفصل الرد على من تكلم في صحة هذا الحديث وقال في ص408 "فقد تبين بوضوح أن الحديث ثابت لاشك فيه, ولذلك تتابع العلماء خلفاً عن سلف على الإحتجاج به ....ولا أعلم أحداً قد طعن فيه إلا بعض من لايعتدد بتفرده وشذوذه".

([16]) صحيح البخاري-كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة رقم 7311 ج 4/263.

([17]) رواه مسلم في كتاب الإيمان رقم 156 وفي الجهاد 1926.

([18])اقتضاءالصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم ج1ص,69تحقيق الدكتورناصربن عبدالكريم العقل ط 1404هـ.

(4)إبراهيم بن عبدالرحمن العذري رحمه الله  تابعي مقل ترجمته في الميزان للذهبي 1/45 رقم 137.

([20]) شرف أهل الحديث للخطيب البغدادي ص(28).

([21]) هو إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني ولد عام 164هـ في بغداد وتوفي عام 241هـ وهو رحمه الله كأنه علم في رأسه نار يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين ج1 ص28(إمام أهل السنة على الإطلاق أحمد بن حنبل الذي ملأ الأرض علماً وحديثاً وسنة, حتى إن أئمة الحديث والسنة بعده هم اتباعه إلى يوم القيامة) وللإستزادة عنه رحمه الله إرجع إلى كتاب مناقب الإمام أحمد لأبن الجوزي وكتاب طبقات الحنابله لأبن أبي يعلا ج1 ص4-20 وكتاب حلية الأولياء لأبي نعيم ج9 ص163 وكتاب تاريخ بغداد ج4 ص422  وكتاب سير أعلام النبلاء ج11 ص177-358 وغيرها.

([22]) السنن الكبرى ج10/209ط1دائرةالعثمانية بحيدرأباد للإمام أبوبكرأحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة458هـ.

([23])كتاب الموضوعات للإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ج1ص7 تحقيق نور الدين بن علي بويا جيلار ط1/1418هـ أضواء السلف بالرياض.

([24]) المدخل لمذهب الإمام احمد بن حنبل تأليف عبدالقادر بن بدران الدمشقي تصحيح وتعليق د/عبدالله التركي ص56 الطبعة الرابعة 1411هـ مؤسسة الرسالة بيروت.

(3)سنن أبي داود كتاب الملاحم الحديث رقم(4291)4/109تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. ط دار إحياء السنة النبوية.المستدرك على الصحيحين ج4ص522.وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داوود ج3ص809 رقم 3606.وفي سلسة الأحاديث الصحيحة ج2ص148رقم 599,وقال(والسند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم).

([26]) عون المعبود شرح سنن أبي داود 11/ 386 للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم ابادي تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان. ط 2 سنة 1389هـ.

([27] )عون المعبود المرجع السابق ص391.

(2) (سير أعلام النبلاء)،تأليف : الحافظ الذهبـيّ:محمد بن أحمد بن عثمان بن قايـمازالذهبي ، التركمانـيّ ، أبو عبد الله،شمس الدين ( ت:748هـ) ، تحقيق : شعيب الأرناؤوط ، ومحمد نعيم العرقسوسيّ ،الطبعة التاسعة ، عام 1413هـ ، مؤسسة الرسالة ، بيروت لبنان.

 (3)قال في سير أعلام النبلاء ( شيخ الصوفية أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة النيسابوري "شيخ الصوفية الملامتية الذين يقولون بتخريب الظاهر مع عمارة الباطن مع التزام الشريعة توفي سنة271هـ ومن كلامه "لايجزع من المصيبة إلا من أتهم ربه"وسئل عن الملامة فقال "خوف القدرية ورجاء المرجئة".أ
وقال في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء " كان فقيهاً على مذهب الثوري وهو شيخ الملامتين "ومماساق من كلامه "قيل لحمدون بن أحمد ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا قال لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضاء الرحمن ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا وقبول الخلق"وسئل من العلماء ""قال :المستعملون لعلمهم والمتهمون آراءهم ,والمقتدون بسير السلف,والمتبعون لكتاب الله وسنة محمدr  "ب .
-(أ)سير أعلام النبلاء للحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة 748هـ ص50,-5مؤسسةرسالةبيروت.
(ب) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء للحافظ أحمد بن عبدالله الأصبهاني المتوفى سنة 430هـ ص231-232ط الثالثة 1400هـ دار الكتاب بيروت.  

4الإمام إبراهيم بن موسى بن محمداللخمي الغرناطي الشاطي من أئمة المذهب المالكي فى غرناطة بالأندلس من كتبه الموافقات فى أصول الفقه توفى سنه790هـ ترجمته في الأعلام 1/ 75 وفهرس الفهارس1 / 134 ونيل الابتهاج على هامش الديباج

([30]) الاعتصام للإمام أبي اسحاق ابراهيم بن موسى الشاطبي- دار المعرفة- بيروت 1/95.

([31]) مجموع الفتاوى 4/158.

([32]) المرجع السابق4/155

([33]) سنن أبي داود- دار إحياء السنة النبوية 4/214.

([34]) سنن أبي داود- كتاب الملاحم  حديث رقم (4291) 4/ 109.

([35]) كتاب لوامع الأنوارالبهيه وسواطع الأسرارالأثريه لشرح الدره المضيه فى عقد الفرقه المرضيه تاليف العلامه محمد بن احمدبن سالم السفاريني الأثري الحنبلى ط حاكم قطر علي ال ثاني ص9 وكتاب فضل علم السلف على علم الخلف للحافظ بن رجب- تحقيق يحيى مختار ص(96).

([36]) مجموع الفتاوى 4/ 22.

([37]) الشذرات 3/ 9.

([38]) العبر في خبر من غبر 2/ 326.

([39]) من مقدمة كتاب (الحجة في علل القراءات السبع) لأبي علي الفارسي المتوفى سنة (377هـ) تحقيق علي النجدي ناصف، والدكتور عبد الحليم النجار، والدكتور عبد الفتاح شلبي 1/ 1-2.

([40]) مستشرق سويسري الماني  استاذ اللغات الشرقية بجامعة"بال"بسويسرا مات سنة 1335هـ 1917م ترجمته في الأعلام ج1 ص282.

([41]) مستشرق فرنسي عضو في المجمع العربي في دمشق والمجمع العربي في القاهرة مات سنة 1382هـ 1962م  ترجمته في الأعلام ج5 ص247.

([42]) إغناطيوس كراتشكوفسكي مستشرق روسي من كبار المستشرقين مات سنة 1370هـ 1951م ترجمته في الأعلام ج1 ص335.

([43]) سير أعلام النبلاء 14/375.

([44]) الصحاح للجوهري- تحقيق أحمد عطار 4/1376، ومختار الصحاح ص(264)، والمفردات للراغب الأصفهاني ص(339)، وتعريف الخلف بمنهج السلف للدكتور إبراهيم البريكان ص(11).

(2)العلامه الشيخ محمد بن احمد بن سالم بن سليمان السفاريني الأثري الحنبلي محدث اصولى توفي سنه1188هـ له تصانيف كثيرة منهاالبحورالزاهرة في أمورالآخرة ومنهالوامع الأنوار.ترجمته فى مختصرطبقات الحنابلة للشطي140 ومعجم المؤلفين لكحالة8 / 262

(3) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية تأليف العلامة
الشيخ محمد بن احمد السفاريني الاثري الحنبلي المتوفى 1188هـ ص20 ط حاكم قطر علي الثاني .
 

([45]) سورة التوبة- من الآية (100).

([46]) سورة الفتح- من الآية (29).

([47]) رواه أبو داوود في كتاب السنة رقم 4607وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داوود ج3 ص871 نشر مكتب التربية العربي لدول الخليج ط الأولى 1409هـ ، ورواه  الترمذي في باب العلم رقم 2676وقال حديث حسن صحيح ج5 ص44 ط الأولى 1408هـ دار الكتب العلمية بيروت.

([48]) رواه الترمذي في سننه برقم 2641 وقال حديث مفسر غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ورواه الحاكم في المستدرك في آخر كتاب العلم ج1 ص129.

([49]) عون المعبود شرح سنن أبي داوود ج11 ص342.

([50]) صحيح البخاري كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة حديث رقم 7311

([51])مجموعة الرسائل والمسائل النجدية لبعض علماء نجد الأعلام المجلد الثاني رسائل وفتاوى الشيخ عبدالرحمن بن حسن ابن محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة 1285 ص74 الطبعة الثانية 1409هـ دار العاصمة الرياض.

[52] العلامة الشيخ الدكتور/ صالح الفوزان مدير المعهد العالي للقضاء والأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض-سابقاً-وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية حالياً.

[53] من مقال الدكتور/ صالح الفوزان(نظرات وتعقيبات على ما في كتاب السلفية لمحمد سعيد رمضان من الهفوات)مجلة البحوث الإسلامية التي تصدرها الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية عدد26 ذو الحجة 1409 ومحرم وصفر 1410ص188-189.

2 سورة الحشراية7

3 رواه مسلم في كتاب المناسك حديث رقم 1905 صحيح ج1 ص534 وأبو داود في كتاب المناسك رقم 1905 ج2 ص462 وابن ماجه في كتاب المناسك رقم 3074 ج2 ص1025 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي في دار أحياء التراث العربي 

1 رواه الحاكم في المستدرك1/93وصححه الاالباني في سلسلةا لأحاديث الصحيحة رقم1761

2 رواه الحاكم المرجع السابق وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ا السيوطي رقم 2934

3 رواه  ابوداود رقم 4607 وصححه الالباني في صحيح سنن أبي داود ورواه الترمذي في كتاب العلم باب ما جاءفي الاخذ بالسنة واجتناب البدع رقم 2676 وقال هذا حديث حسن صحيح 

1 سوره البقره آيه177

2 سوره البقره آيه280

3 سوره القمرآيه49

4 رواه البخاري فى كتاب الإيمان ج1 ص 40حديث رقم50 ورواه مسلم فى كتاب الإيمان ج1 ص40 حديث رقم1029

5 رواه مسلم فى كتاب الإيمان المرجع السابق حديث رقم8

1 سوره الذاريات آلايات من1الى 4

2 القصة اوردها الإمام الاجري في كتاب الشريعة للاجري ص 74 والامام أبي عثمان اسماعيل الصايوني في كتابه عقيدة السلف وا صحاب الحديث ص 45 - 47ط الأولى 1413 دار طيبة بالرياض او ص 237 – 242 تحقيق د. ناصر الجديع ط والثانية 1419 دار العاصمة بالرياض

3 رواه البخاري في كتاب التوحيد رقم 7434 ص237 ورواه مسلم رقم633

4 عقيدة السلف الصالح للصابوني المرجع السابق

5 هو الإمام مالك بن انس بن مالك الأصبحي الحميري ابوعبدالله إمام دار الهجرة واحد الأمة الأربعة  صاحب كتاب المواطأ ولدعام 93هـ وتوفى عام179 هجري ترجمته الديباج المذهب17/30 والوفيات1 :439 وتهذيب التهذيب وغيرها

6سوره طه أيه5

7 مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 3/58وكتاب عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ص181

1 مجموع فتاوى شيخ الإسلام بن تيمية  5/26

2 شرح اصول اعتقاد أهل السنه والجماعة رقم 777

3 -هو الإمام العلامه المفسرشيخ الإسلام ابو عثمان اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني إمام أهل الحديث في فرسان  ولقبه أهل السنة في عصره بشيخ  الأسلام ولدسنه373 وتوفي سنه449 هـ  بنيسابورترجمته فى طبقات الشافعية3 / 117 وتهذيب بن عساكرج3 ص27-33 وغيرهما

4عقيده السلف واصحاب الحديث للإمام المحدث شيخ الإسلام ابى عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني المتوفى سنه449ص3

5 العلامه محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني  فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن ولد بقرية شوكان سنة1173هـ وولي قضاءها وله كتابه المشهورنيل الأوطارمن أسرار منتقى الأخبار.وغيره من الكتب توفي بصنعاءسنه1250هـ ترجمته فى الأعلام6/  298  أبجدالعلوم ص877 البدرالطالع2 / 214-225

6 التحف في مذهب السلف الإمام محمدبن علي الشوكاني ص9 ضمن مجموعة عقيدة الفرقة الناجيه أهل السنه والجماعة جمع عبد الله   حجاج نشر شركة السلام العالميه1400 للهجره

1 - شرح العقيدة الأصفهانية لشيخ الإسلام بن تيميه المتوفى سنة 728 هـ ص 40 ط الأولى 1422 مكتبة الرشد بالرياض      
 
 

([54]) الصحاح للجوهري 6/2179، والبحر المحيط لأبي حيان 4/65-66.

([55]) بيت من بحر الطويل لم ينسب لقائل في الصحاح 6/2180، والبحر المحيط 4/66.

([56]) صحيح البخاري باب فضائل أصحاب النبي  e  5/3 .

([57]) 4/65.

([58]) المستدرك على الصحيحين للحاكم 2/599 دار الكتب العلمية تحقيق مصطفى عطا، والإصابة في تمييز الصحابة    4/ 23 دار الجيل بيروت.

([59])  متفق عليه.صحيح البخاري باب السمر في طلب العلم ج1 ص40، وصحيح مسلم باب قولـه r: (لا تأتي مائة سنة وعلى ظهر الأرض نفر) رقم 2537 ج4 رقم1965.

([60])  أخرجه أبو يعلى في مسنده، وقال فيه الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري ج11 ص288 ط الأولى 1421هـ دار السلام بالرياض عندما تحدث عن حديث (من بلغ الستين فقد أعذره الله): "ويدخل في هذا حديث معترك المنايا بين ستين وسبعين أخرجه أبو يعلى من طريق إبراهيم بن الفضل عن سعيد بن أبي هريرة وإبراهيم ضعيف".

([61]) سورة الأنعام- من الآية (6).

([62]) رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابه رقم 2533 ج4 ص19-63.

([63]) كتاب صحيح مسلم ج 4 الحديث رقم209  ص1962.

([64]) نقلاً عن (عون المعبود في شرح سنن أبي داود) 12/410.

([65]) كتاب الثقات للإمام أبي حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي ج1/ص10-11. الطبعة الأولى1393هـ مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد الدكن- الهند.

([66]) سورة البقرة- من الآية (38).

([67]) سورة الأنعام- من الآية (153).

([68]) سورة الأعراف- الآية (181).

([69]) تفسير الامام ابن جرير الطبري 10/  600,تحقيق الدكتور عبدالله بن عبد المحسن التركي ط1422هـ مركز البحوث والدراسات العربية و الاسلامية بالقاهرة. 

([70]) الإمام العلامة ابوالفضل عياض بن موسى اليحصبي المولود سنة 496هـ في سبته وتولى قضاء سبته وغرناطه وتوفي بمراكش سنة544هـ .

([71]) شرح صحيح مسلم 13/ 67.

([72]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني.

([73]) من كلام أبي سليمان الخطابي في كتابه (الغنية عن الكلام وأهله) نقلاً عن كتاب (صون المنطوق) للسيوطي ص(139).

([74]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني(ص:290)

([75]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني(ص:596)

([76]) صون المنطوق ص(139).

([77])   الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري تأليف آدم متز تعريب محمد عبد الهادي أبو ريدة ج1 ص6 ط1387هـ دار الكتاب.

([78]) سورة المائدة- من الآية (3).

([79]) صحيح البخاري ج9/63 كتاب الفتن ط دار إحياء التراث العربي بيروت نشر دار الباز.

([80]) سورة المائدة- الآية (67).

([81]) سورة النحل- من الآية (44).

([82]) سبق تخريجه ص(16).

([83]) رواه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين رقم 6933 ج4 ص2164.ورواه مسلم في كتاب الزكاة رقم 1064 ج3 ص742.ورواه ابن تيمية في كتاب مجموع الفتاوى ج3 ص350.

([84]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج3/ص350.

([85]) الملل والنحل للشهرستاني ج1 ص114.

([86]) المرجع السابق ص115.

([87]) منها كتاب الكامل في التاريخ لأبي الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني المعروف بابن الأثير المتوفى سنة 630هـ  3/165-176 ط دار الفكر بيروت 1398هـ.

([88]) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيميه 3/349.

([89]) سجستان يكسر أوله وثانيه ناحية كبيرة واسعة تقع شرق بلاد فارس مما يلي بلاد الافغان ,فتحها المسلمون في سنة ثلاثين للهجرة 30هـ وذكر ياقوت الحموي ان كثير من الخوارج يظهرون مذهبهم ولا يتحاشون منه ويفتخرون به عند المعاملة.للإستزادة معجم البلدان,تأليف ياقوت بن عبدالله الحموي ج3 ص190-192ط 1376هـ دار بيروت.وآثار البلاد وأخبار العباد تأليف زكريا بن محمد بن محمود القزويني المتوفى سنة 1283م ص201 ط399هـ دار بيروت. فتوح البلدان تأليف العلامة أبوالحسن أحمد بن يحيى البغدادي البلاذري المتوفى سنة 279هـ ص553 ط1377 دار النشر للجامعيين.

([90]) يضم اوله وتخفيف ثانيه وآخره نون ,اسم مكان معروف في جزيرة العرب بين اليمن وساحل بحر الهند يقول ياقوت الحموي "أكثر أهلها في أيامنا خوارج اباضية ليس بها غير هذا المذهب إلا طارئ غريب وهم لا يخفون ذلك.للإستزادة معجم البلدان ج4 ص150.

([91])  الجزيرة هي بالعراق مابين دجله والفرات مجاورة الشام وبها مدن وحصون وقلاع كثيرة من مدنها حران ونصيبين والموصل. للإستزادة معجم البلدان ج2 ص134.

([92]) الفرق بين الفرق تأليف عبد القادر بن طاهر البغدادي المتوفى سنة 429هـ ص(61) ط الثالثة 1978م دار الآفاق الجديدة بيروت.

([93]) مجموع الفتاوى ج3 ص355.

([94]) الفرق بين الفرق ص(54).

([95]) الكامل في التاريخ لابن الأثير 6/ 81.

([96]) الكامل في التاريخ لابن الأثير 6/ 303, والبداية والنهاية لابن كثير 11/ 211.

([97]) معالم الإيمان تأليف عبد الرحمن بن محمد الأنصاري الدباغ المتوفى سنة 696هـ 3/ 29.

([98]) معالم الإيمان للدباغ 3/ 34.

([99]) الفهرست لابن النديم المتوفى سنة 385هـ دار المعرفة بيروت وتوزيع دار الباز بمكة المكرمة ص(329-330).

 (1) اذربيجان بالفتح ثم السكون وفتح الراء وكسر الباء الموحدة وياء ساكنة وجيم مملكة عظيمة في بلاد فارس فتحها المسلمون في عهد عمر الخطاب رضي الله عنه . معجم البلدان للحموي ج1 ص 128/129. فتوح البلدان للبلاذري ص 455

(2) كرخ  بفتح الكاف ثم السكون وخاء معجمه أسماء لأماكن متعددة في العراق ولكن لعل المقصود بها إما كرخ بالبصرة لقدمه أو كرخ خوزستان مدينة ببلاد فارس وهذا الأقرب . معجم البلدان ج4 ص447-449 

(3) تل عُكْبرا بضم العين وسكون الكاف وفتح الباء وهي بليدة في  نواحي العراق بينها وبين بغداد عشرة فراسخ
 وتل عكبرا موضع بجوارها معجم البلدان لياقوت الحموي ج2 ص 42، ج4 ص142  

 (4) حزة بالفتح ثم التشديد موضع بالعراق قريب نصيبن  أو الموصل . معجم البلدان ج2 ص256.

 (5) شهر زور بالفتح ثم سكون وراء مفتوحة بعدها زاي ووا ساكنة وراء وهي من بلاد الأكراد بين اربل وهمذان وذكر ياقوت الحموي أن أهلها عصاة على السلطان استطعموا الخلاف واستعذبوا العصيان ج3 ص 375 

(5) رواه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم رقم 6930 ج4 ص2163 ط الأولى 1417هـ المكتبة العصرية بيروت .ورواه مسلم في كتاب الزكاة رقم 1066 ج3 ص746 نشر دار الإفتاء ط 1400هـ.

([106]) رواه النسائي عن أبي برزةt  ج7 ص120 ط الثالثة 1414هـ الناشر مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب   ونقله ابن تيمية في الفتاوى 28/ 498.

([107]) صحيح مسلم كتاب الإيمان رقم8 ج1 ص36 ط رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة عام 1400هـ.

([108]) الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية لعبد القاهر البغدادي ص(14) ط الثالثة 1978م دار الآفاق الجديدة بيروت.

([109]) المرجع السابق ص(18).

([110]) الفرق بين الفرق للبغدادي ص200.

([111]) الملل والنحل للشهرستاني 1/86 تحقيق محمد سيد كيلاني ط 2 دار بيروت 1395 هـ.

([112]) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيميه  12/420.

([113]) أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي من فقهاء الشافعية يميل في الاعتقاد إلى مذهب الأشعري توفي سنة 429هـ ترجمته في طبقات الشافعية للسبكي 5/136 وغيره.

([114]) الفرق بين الفرق ص200.

([115])علي احمد بن سعيد بن حزم الظاهري عالم الأندلس في عصره واحد  كبار علماء المذهب الظاهري ولد سنة 384 وتوفى سنة 456 كانت له ولأبيه من قبل  رياسة الوزارة وتدبير المملكة فزهد بها وانصرف إلى العلم والتأليف وكان في الأندلس خلق كثير ينتسبون إلى مذهبه يقال لهم الحزمية وكان قوي الحجة ينتقد كل من خالفه من العلماء حتى قيل لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان . ترجمته في نفح الطيب  1/364 و البداية والنهاية12/92, وسير أعلام النبلاء والأعلام 4/254, 255 وغيرها.

([116]) الفصل في الملل والأهواء والنحل للإمام ابن حزم ج2 ص 112-113ط الثانية 1395هـ دار المعرفة بيروت.

([117]) مجموع الفتاوى 8/ 228-230.

([118]) هو أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد الإيادي القاضي. عينه المعتصم قاضياً للقضاة، وتولى فتنة الإمام أحمد بن حنبل بإلزامه بالقول بخلق القرآن. توفي سنة 240هـ ,ترجمته في شذارات الذهب-93وغيره.
 
 

([119]) الملل والنحل لمحمد بن عبد الكريم الشهرسناني 1/46طبعة 1396 مطبعة مصطفى البار الحلبي بمصر وانظر أيضا  اعتقادات فرق المسلمين والمشركين لفخر الدين الرازي ص 39 طبعة 1356مكتبة النهضة بمصر.

([120]) انظر الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم تأليف عبد القاهر بن طاهر البغدادي ص 97-98 طبعة دار الآفاق الجديدة 1408 وانظر أيضا الملل والنحل " المرجع السابق " .

([121]) الفتاوى لابن تيميه4/21.

([122]) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة للإمام ابن قيم الجوزية اختصار محمد بن الموصلي 1/226 توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والإرشاد بالرياض .

([123]) الفرق بين الفرق المرجع السابق ص157.

([124]) المرجع السابق ص (179).

([125]) المرجع السابق ص (169).

([126]) شذرات الذهب 2/281.

([127]) البداية والنهاية 11/164.

([128]) سورة القصص – جزء من آية (68) .

([129]) سورة البقرة – جزء من آية (253) .

([130]) سورة السجدة – جزء من آية (13) .

([131]) سورة الإسراء – جزء من آية (16) .

([132]) البداية والنهاية 11/291.

([133]) النجوم الزاهرة 3/187.

([134]) القيروان ودورها في الحضارة الإسلامية ص (460) ط دار المنار بالقاهرة.

([135]) الأغاني للأصبهاني ط القاهرة 1323هـ 3/ 24.

([136]) الوفيات 1/ 685.

([137]) المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها ص(46-47) بتصرف.

([138]) هو الإمام المقرئ المحدث الثقة أبو الحسين محمد بن أحمد الملطي الشافعي المتوفى سنة 377هـ بعسقلان ترجمته في تاريخ دمشق لابن العساكر, وطبقات أبن السبكي.

([139]) التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص44- 45 ط 1368هـ نشر عزت العطار المكتبة الأهلية بيروت.

([140])مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور ناصر القفاري1/ 134ط الخامسة 1418هـ دار طيبة.

([141]) الفصل في الملل والهواء والنحل لابن حزم 2/ 8.

([142]) مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة للدكتور ناصر القفاري ص(135) .

([143]) ابن حزم الفصل في الأهواء والملل والنحل ج2 ص107.

(2)محدث الكوفة واحد علمائها الأعيان ولد بعد الستين  ذكر الذهبي أقوال العلماء فيه وتضعيفه ونقل عن الدار قطني    قوله صاحب سنة يخرج حديثه ثم قال أنما أنكروا الجمع بين عطاء وطاووس ومجاهد حسب وقال الذهبي قلت بعض  الأئمه يحسن لليث ولا يبلغ حديثه مرتبه الحسن . انظر السير ج 6ص 179- 184

([144]) الفصل في الأهواء والملل والنحل 4/186.

([145]) رسالة في الرد على الرافضة تأليف أبو حامد محمد المقدسي ص 409 , الطبعة الأولى 1403 الدار السلفية بالهند.

([146]) الملل والنحل للشهرستاني 1/ 146-147.

([147]) الملل والنحل 1/165 الطبعة الثانية 1395 دار المعرفة ببيروت .

([148]) راجع مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة للقفاري1/142-143.

([149]) مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري 1/65.

([150]) المرجع السابق.

([151]) الملل والنحل 1/164.

([152]) الملل والنحل 1/ 155.

([153]) المرجع السابق 1/ 157.

([154]) الملل والنحل1/165.

([155]) مقصوده بالسلفيه سلفية الشيعة أي على طريقة سلفهم الأوائل.

([156]) الملل والنحل1/ 155.

([157]) منهاج السنة النبوية لأبن تيمية1/ 68-70.

([158]) المرجع السابق 1/71-73.

([159]) ناصر القفاري مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة 1/ 171.

([160])  منهاج السنة النبوية لابن تيمية 1/ 68.

([161]) مختصر التحفة الاثني عشرية تأليف شاه عبد العزيز علام حكيم الدهلوي باللغة الفارسية وترجمه للعربية غلام محي الدين الأسلمي، اختصار محمود شكري الألوسي ص(23) طبع بالمطبعة السلفية في الهند 1403هـ.

([162]) المرجع السابق.

([163]) أخبار الدول المنقطعة تاريخ الدولة العباسية ص (213).

([164]) تاريخ الأمم والملوك للطبري (التكملة) 11/284، والكامل في التاريخ لأبن الاثير 6/238.

([165]) المختصر في أخبار البشر لعماد الدين إسماعيل أبي الفداء المتوفى 732هـ 2/ 239، ويُرجع لتاريخ بغداد 2/ 143، والكامل لابن الأثير أحداث سنة (329هـ).

([166]) البداية والنهاية 11/ 184.

([167]) أخبار الراضي والمتقي للصولي ص(148).

([168]) المرجع السابق ص(9).

([169]) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان المتوفى سنة 681هـ، تحقيق حسان عباس ص 176 ط 1398 دار صادر بيروت.

([170]) البداية والنهاية 11/ 173، وتاريخ ابن خلدون 3/394 ط1391هـ.

([171]) الكامل في التاريخ 6/314، والبداية والنهاية 11/212.

([172]) تجارب الأمم 2/86-87.

([173]) تجارب الأمم 2/ 308.

([174]) أخبار الدول المنقطعة/ تاريخ الدولة العباسية ص(252).

([175]) الكامل لابن الأثير 6/314، والبداية والنهاية 11/ 212.

([176]) الكامل في التاريخ 6/ 233، والنجوم الزاهرة 3/ 238.

([177]) الكامل لابن الأثير 6/ 332، والنجوم الزاهرة 3/ 238.

 ([178]) تاريخ الدولة البويهية السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي (324-447هـ) ص(282) للدكتور حسن مغنية ط 1987م.

([179]) التقريب بين السنة والشيعة 1/ 349.

([180]) النجوم الزاهرة 3/ 238.

([181]) البداية والنهاية 11/ 240.

([182]) الكامل 7/ 7.

([183]) مرآة الجنان وعبرة اليقظان لأبي محمد اليافعي اليمني 2/ 346 الطبعة الثانية 1413هـ دار الكتاب الإسلامي القاهرة، والعبر في خبر من غبر 2/290.

([184]) البداية والنهاية 11/ 240.

([185]) شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد ج2 ص(511).
 

([186]) النجوم الزاهرة 3/334.

([187]) المرجع السابق.

([188]) المرجع السابق.

([189]) شذرات الذهب 3/ 13.

([190]) صحيح مسلم- باب (من فضائل علي بن أبي طالب t).

([191]) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم بتحقيق محمد حامد الفقي ص(293) طبعة دار الباز.

([192]) شذرات الذهب 3/ 13.

([193]) المختصر في أخبار البشر 2/ 98 أحداث سنة (338هـ).

([194]) سير أعلام النبلاء 11/250.

([195]) البداية والنهاية  11/300.

([196]) النجوم الزاهرة  3/142.

([197]) البداية والنهاية: أخبار عضد الدولة (ج11).

([198]) المرجع السابق ص (275).

([199]) شذرات الذهب 3/130 .

([200]) المرجع السابق.

([201]) 16/ 252.

([202]) أخبار الدولة الحمدانية بالموصل وحلب وديار بكر والثغور. تأليف علي بن ظافر الأزدي 567-623هـ تحقيق تميمة الرواف ص(12) ط الأولى 1406هـ، دار حسان للطباعة والنشر.

([203]) المرجع السابق ص (20).

([204]) المرجع السابق ص(17).

([205]) المرجع  السابق ص (24).

([206]) البداية والنهاية 10/240-241.

([207]) المرجع السابق ص(53).

([208]) سيف الدولة الحمداني أو مملكة السيف ودولة الأقلام د/ مصطفى الشكعة ص(166) ط الثانية عالم الكتب بيروت ومكتبة المتنبي بالقاهرة.

([209]) أخبار الراضي والمتقي بالله, تألبف محمد بن يحيى الصولي, تحقيق هبورت ط: مطبعة الصاوي بالقاهرة 1355هـ  ص (236- 249).

([210]) المرجع السابق.

([211]) المرجع السابق.

([212]) الكامل في التاريخ 6/ 241.

([213]) سيف الدولة الحمداني أو مملكة السيف والأقلام.

([214]) أخبار الدولة الحمدانية بالموصل وحلب وديار بكر والثغور ص (37-38).

([215]) تاريخ الموصل تأليف سعيد الديوان مطبوعات المجمع العراقي 1402هـ.

([216]) فيصل السامر في كتابه الدولة الحمدانية في الموصل وحلب 1/  353، ط الأولى مطبعة الإيمان بغداد 1970م.

([217]) ديوان أبي فراس برواية أبي عبد الله الحسين بن خالويه ص (255) طبعة دار بيروت للطباعة والنشر 1407هـ.

([218]) الملل والنحل للشهرستاني 1/ 154.

([219]) طبقات فقهاء اليمن تأليف عمر بن علي بن سمرة المتوفى سنة ست وثمانين و خمسمائة ص 75 ط دار الكتب العلمية بيروت 1981م.

([220]) غاية الأماني في أخبار القطر اليماني تأليف يحيى بن الحسين بن القاسم بن علي ت 1100هـ ص (204), ط دار الكتاب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة 1388هـ.

([221]) الكامل 6/ 146.

([222]) المرجع السابق 6/ 148.

([223]) الملل و النحل 1/ 156.

([224]) المرجع السابق.

([225]) تاريخ الدولة الفاطمية للدكتور محمد جمال الدين سرور ص(19-20).

([226]) للزيادة حول ابتداء القرامطة ينظر كتاب تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر الطبري 10/23.تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط دار سويدان بيروت.وتاريخ أخبار القرامطة لثابت بن سنان وابن العديم تحقيق د/سهيل زاكار        ص(7)ط دار الأمانة ومؤسسة الرسالة بيروت 1391هـ.

([227]) الطبري10/25، وتاريخ أخبار القرامطة ص(10).

([228]) تاريخ القرامطة ص(10-12).

([229]) تاريخ القرامطة ص(96)، واتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا لأحمد بن علي المقريزي تحقيق د/ جمال الدين الشيال ص(151) ط 1387هـ القاهرة.

([230]) سورة التوبة-  الآية (103).

([231]) سورة البقرة- من الآية (111).

([232]) سورة الأنفال- من الآية (41).

([233]) سورة آل عمران- من الآية (103).
 

([234]) سورة الأنفال- الآية (63).

([235]) اتعاظ الحنفا ص(158).

([236]) اتعاظ الحنفا ص(159).

([237]) الكامل في التاريخ 6/ 108، وتاريخ القرامطة ص(15-27).

([238]) الكامل في التاريخ 6/ 92، وتاريخ ابن خلدون 3/ 377، وتاريخ القرامطة ص(117).

([239]) الكامل في التاريخ 6/ 180-191.

([240]) الكامل في التاريخ 6/ 204، وتاريخ ابن خلدون 3/ 379.

([241]) غاية الأماني ص(191-192).

([242]) الزيدية تأليف أحمد محمود صبحي- الأستاذ في جامعتي صنعاء و الإسكندرية ص(151) ط 1980منشأة المعارف بالإسكندرية.

([243]) غاية الأماني ص(202).

([244]) غاية الأماني ص(206).

([245]) تاريخ اليمن عمارة اليمني ص

([246]) غاية الأماني ص (208).

([247]) اتعاظ الحنفا للمقريزي، وتاريخ أخبار القرامطة لابن سنان وابن العديم، والكامل لابن الأثير.

([248]) اتعاظ الحنفا- ص(189).

([249]) سورة الإسراء- من الآية (15).

([250]) سورة يوسف- الآية (108).

([251]) سورة البقرة- من الآية (137).

([252]) كتاب النفوذ الفاطمي في جزيرة العرب للدكتور محمد جمال الدين سرور ص(62-63).

(2) السند بكسر أوله وسكون ثانيه آخره دال مهملة بلاد بين بلاد الهند وسجستان وهي على البحر افتتحها محمد بن القاسم الثقفي أيام ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق وهي مقاطعة. معجم البلدان ج3 ص267 فتوح البلدان للبلاذري ص 607 . وهي الآن مقاطعة كبيرة في باكستان.

([254]) تاريخ ابن خلدون 4/31.

([255]) اتعاظ الحنفا للمقريزي ص(74-75).

([256]) اتعاظ الحنفا ص(75).

([257]) النفوذ الفاطمي في جزيرة العرب لمحمد سرور ص(64-66).

([258]) النجوم الزاهرة 3/145.

([259]) تاريخ الدولة الفاطمية ص(25).

([260]) ابن الأثير 8/14.

([261]) اتعاظ الحنفا ص(78-90).

([262]) اتعاظ الحنفا ص(92)، وتاريخ الدولة الفاطمية ص(26).

([263]) اتعاظ الحنفا ص(95).

([264]) اتعاظ الحنفا ص(97).

([265]) تاريخ ابن خلدون 7/17-18.

([266]) اتعاظ الحنفا ص(137-138).

([267]) تاريخ الدولة الفاطمية ص(31-33).

([268]) ينظر: تاريخ الدولة الفاطمية ص(59-60).
 
 

([269]) تاريخ الدولة الفاطمية ص(62).

([270]) يُنظر: اتعاظ الحنفا ص(147-153).

([271]) المختصر في اخبار البشر لأبي الفداء 2/ 109 ط دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت.

([272]) تاريخ الخلفاء للسيوطي تحقيق محي الدين عبد الحميد ص(402) ط الأولى سنة 1371هـ مطبعة السعادة بمصر.

([273]) تاريخ أبي يعلى المعروف بذيل تاريخ دمشق ص(1-2) ط 1908م مطبعة الآباء اليسوعيين بيروت.

([274]) ينظر: اتعاظ الحنفا ص(157-158)، وتاريخ الدولة الفاطمية ص(65-68).

([275]) تاريخ الدولة الفاطمية ص(66-67).

([276]) تاريخ الدولة الفاطمية ص(67).

([277]) يُنظر: اتعاظ الحنفاء ص(164-169).

([278]) تاريخ الدولة الفاطمية ص(69).

([279]) الكامل في التاريخ لابن الأثير8/205.

([280]) العبر في خير من غبر 2/ 326.

([281]) يُنظر: اتعاظ الحنفا ص(189)، وتاريخ الدولة الفاطمية ص(69-72).

([282]) النعمان بن محمد بن منصور القيرواني قاضي قضاة الدولة العبيدية قال عنه الذهبي: الشيعي ظاهر الزندقة باطني، وكتبه كثيرة وتدل على انسلاخه من الدين توفي سنة 363هـ. انظر العبر في خير من غبر 2/ 331.

([283]) من التعليق على  كتاب المجالس والمسايرات للنعمان بن محمد القاضي الفاطمي ص(432).ط الأولى 1978نشر الجامعة التونسية.

([284]) كتاب المجالس والمسايرات المرجع السابق ص(112) وما بعدها.

([285]) المجالس والمسايرات ص(125).

([286]) المرجع السابق ص(396).

([287]) المرجع السابق ص(124).

([288]) المجالس والمسايرات ص(439).

([289]) المرجع السابق ص(437).

([290]) كتاب المجالس والمسايرات ص(111).

([291]) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي 2/286.

([292]) المواعظ والاعتبار للمقريزي 2/286، ووفيات الأعيان لابن خلكان 2/166.

([293]) تاريخ الدولة الفاطمية ص(81-83).

([294]) الدرر والفرائد المنظمة في أخبار الحاج وطريق مكة المعظمة, تأليف عبد القادر محمد بن عبد القادر الجزيري الحنبلي من أهالي القرن العاشر الهجري 1/532 ط الأولى 1403هـ من منشورات دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر-الرياض.

([295]) تاريخ الدولة الفاطمية ص(89).

([296]) ترجمته في سير أعلام النبلاء 11/ 174، ولسان الميزان لابن حجر 4/ 26 ترجمة رقم(4621).

([297]) سير أعلام النبلاء 11/ 175.

([298]) الفهرست لابن النديم المتوفى سنة 385هـ دار المعرفة بيروت ص255.

([299]) سير أعلام النبلاء المرجع السابق.

([300]) مقالات الإسلاميين للأشعري ص(350).

([301]) منهاج السنة النبوية لابن تيمية تحقيق محمد رشاد سالم 2 / 108 الطبعة الأولى 1408هـ.

([302]) الفهرست لابن النديم ص(256).

([303]) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم 12/ 366- 367.

([304]) مجموع الفتاوى 6/520.

([305]) هو الحارث بن أسد المحاسبي البغدادي أبو عبد الله ولد بالبصرة سنة 165هـ ولكنه انتقل إلى بغداد وكانت وفاته سنة 234هـ.

([306]) هو أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن خالد القلانسي الرا زي.ترجمته فى كتاب تبين كذب الفترى لابن عساكر وذكرت أراؤه فى كتب الفرق مثل الفرق بين الفرق ص80, 96, 213, 221 والملل والنحل1/ 85 وغيرها وذكر د/ محمدرشادسالم أنه لم يترجم له فى كتب الرجال انظر تحقيقه لكتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية ج1ص249ط الأولى جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية.

([307]) هو أبوالحسن علي بن محمد الطبري المعروف بابن المهدي توفي سنة338هـ كان من تلاميذ أبي الحسن الأشعري ذكر ذلك في تبيين كذب المفتري لابن عساكر 195- 196.قال ابن السبكي لم أر من أرخ وفاته 3/467.

([308]) شرح الكوكب المنير تأليف محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار توفي سنة 472هـ تحقيق      د/ محمد الزحيلي ود/ نزيه حماد 2/ 108 ط 1413هـ.

([309]) تلبيس إبليس لابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ ص(186) ط الثانية 1421هـ. دار الخير دمشق سوريا.

([310]) مجموع الفتاوى 6/ 522.

([311]) هو محمد بن عبد الوهاب الثقفي النيسابوري من ولد الحجاج كان فقيها مال إلى الجدل والنظر فأم بيته ولم يخرج منه إلى أن مات. سير أعلام النبلاء 15/ 282.

([312]) هو أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري ولد سنة 258هـ وأقام بنيسابور سبعاً وخمسين سنة وتوفي سنة 342هـ. شذرات الذهب 2/ 361، والنجوم الزاهرة 3/ 33، والأعلام 1/91.

([313]) سير أعلام النبلاء المرجع السابق .

([314]) درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق د. محمد رشاد سالم 2/77- 84.

([315]) تذكرة الحفاظ 2/ 168.

([316]) طبقات الشافعية لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى سنة 771هـ  3/346 ط الأولى مطابع عيسى البابي الحلبي وشركاه 1384هـ.

([317]) المرجع السابق.

([318]) الخطط المقريزية لتقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي 3/ 314 مطبعة الساحل الجنوبي لبنان.

([319]) الفهرست لابن النديم ص(257).

([320]) البداية والنهاية 11/ 187.

([321]) مجموع الفتاوى لابن تيمية 12/ 178.

([322]) سيأتي ذكره في الباب الثاني ومواقفه .

([323]) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى تصحيح محمد حامد الفقي 2/ 18 ط 1371هـ مطبعة السنة المحمدية القاهرة.

([324]) شذرات الذهب 2/ 303.

([325]) المرجع السابق.

([326]) مجموع الفتاوى 12/ 205.

([327]) كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص(115) الطبعة الثالثة.

([328]) هو أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل توفي سنة 548هـ.ترجمته في وفيات الأعيان1/482, لسان الميزان5/ 263 ,طبقات السبكي4/ 78 ,الوافي بالوفيات
3/ 278

([329]) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن الباقلاني البصري ثم البغدادي توفي سنة 403هـ.ترجمته في تاريخ بغداد5/ 379-383 ,الوفيات1/ 609 ,تذكره الحفاظ1079 ,البداية والنهايه11/ 350-351

([330]) الملل والنحل المرجع السابق ص(95).

([331]) هو أبو هاشم عبد السلام بن عبد الوهاب الجبائي المعتزلي من معتزلة البصرة تنسب إليه فرقة البهشمية من المعتزلة انفرد عن أصحابه بمسائل وتوفي سنة 321هـ. للزيادة عن أقواله يرجع للملل والنحل ص(79)ج1ط الثانية1395هـ, دار المعرفة, بيروت.

([332]) عقيدة السلف أصحاب الحديث الأبي إسماعيل عبدالرحمن الصابوني, تحقيق: بدرالبدر, ط الأولى1404هـ دار الفتح بالشارقة

([333]) موقف ابن تيمية من الأشاعرة تأليف الدكتور عبدالرحمن المحمود 2/ 554.

([334]) المرجع السابق ص(567).

([335]) مجموع الفتاوى 3/ 228.

([336]) الخطط المقريزية تأليف تقي الدين أحمد بن علي عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزي 3/ 313ط مطبعة الساحل الجنوبي لبنان.

([337]) مسألة خلق القرآن وموقف علماء القيروان منها ودورهم في الذب عن مذهب السلف فيها. تأليف الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي ص(28-29).

([338]) ستأتي الإشارة إلى ذلك في مبحث الكرامية.

([339]) الخطط المقريزية المرجع السابق ص( 313).

([340]) مجموع الفتاوى.

([341]) كتاب (الأنساب) للسمعاني ص(498) ط لندن 1912م.

([342]) مقدمة كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي للدكتور فتح الله خليف أستاذ الفلسفة بجامعة قطر ص(2) ط دار الجامعات المصرية.

([343]) كتاب التوحيد لأبي منصور الماتريدي- حققه وقدم لـه د/فتح الله خليف- الناشر دار الجامعات المصرية الإسكندرية.

([344]) المرجع السابق ص(47).

([345]) المرجع السابق ص(49).

([346]) الكعبي هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي من رؤوس المعتزلة توفي سنة 319هـ وتمت الإشارة إليه في مبحث المعتزلة.ص65

([347]) مقدمة كتاب التوحيد المرجع السابق، وكتاب الماتريدية تأليف أحمد اللهيبي الحربي ص(79-84) ط الأولى.

([348]) الخطط المقريزية المرجع السابق ص(314).

([349]) الكامل في التاريخ 5/ 351 ط دار الفكر بيروت 1398 هـ.

([350]) البداية والنهاية 11/ 20, ولسان الميزان لابن حجر العسقلاني 6/ 478- 482.

([351]) للزيادة في معرفة الأقوال في مسمى الإيمان وما يقع عليه يراجع كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي تحقيق د/ عبد الله التركي وشعيب الأرنؤوط 2/ 459- 488.

([352]) سورة النساء- من الآية (48) والآية (116).

([353]) شذرات الذهب 2/ 131

([354]) مجموع الفتاوى 3/ 103.

([355]) مجموع الفتاوى 12/ 177.

([356]) الملل والنحل 1/ 108.

([357]) لسان الميزان ج5 – ص355-356 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت ط الثانيه1971م

([358]) المرجع السابق.

([359]) الفرق بين الفرق للبغدادي ص(213).

([360]) سبكتكين كان من غلمان أبي إسحاق بن البتكين صاحب جيش غزنة للسامانيين وكان مشهوراً بالفقه وجودة الرأي والعقل فلما توفي أبو إسحاق اجتمع عليه الجند حتى توفي سنة 387 هـ سيرته في الكامل 7/ 85-87.

([361]) سير أعلام النبلاء 16/ 500.

([362]) البداية والنهاية 12/ 30، والأعلام 7/ 177.

([363]) دراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها للدكتور ناصر العقل ص(185) ط الأولى 1418هـ دار إشبيليا.

([364]) شذرات الذهب 3/ 120.

([365]) البداية والنهاية 11/ 319.

([366]) ترتيب المدارك 4/ 495، ومعالم الإيمان 3/ 144.

([367]) سمي الحلاج بهذا الاسم لأن والده كان يحلج القطن. وقيل أيضا هو حلاج قبل أبيه. وقيل سمي بذلك لأنه كان يتكلم على أسرار الناس وما في قلوبهم ويخبر عنها فسمي حلاج الأسرار. انظر تاريخ بغداد 8/ 120.

([368])  شذرات الذهب 2/ 253.

([369]) تاريخ بغداد 8/ 112.

([370]) العبر في خبر من غبر للذهبي 2/ 111-117، وشذرات الذهب 2/ 253-258.

([371]) العبر في خبر من غبر 2/ 139-140، وشذرات الذهب 2/ 254.

([372]) أخبار الدول المنقطعة (تاريخ الدولة العباسية) تأليف جمال الدين أبي الحسن على بن ظافر الأزدي توفي 613هـ  ص(217-218) تحقيق مسفر الزهراني ط1408.

([373]) شذرات الذهب 2/ 257.

([374]) سير أعلام النبلاء 16/ 265. وترجمة الحلاج في ج14.

([375]) المختصر في أخبار البشر 2/ 80.

([376]) الكامل في التاريخ 6/ 241، والبداية والنهاية 11/ 179.

([377]) البداية والنهاية 11/ 256.

([378]) المرجع السابق، والمختصر في تاريخ البشر 2/ 105.

([379]) البداية والنهاية 11/ 257.

([380]) بالشين المعجمة وهي ما وراء نهر سيمون فأهلها شافعية المذهب خلاف من جاورهم من البلدان حيث أشاعه أبوبكر محمد بن علي بن اسماعيل القفال الشاشي المتوفى سنة 366هـ وقد افتتح عامة الشاش قتيبة بن مسلم الباهلي رحمه الله للإستزادة معجم البلدن ج3 ص308 وفتوح البلدان ص593.

([381]) الكامل في التاريخ 6/ 240.

([382]) تاريخ العلماء والرواة للعلم لعبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي المعروف بابن الفرضي 1/ 13 ط 1373 مكتبة الخانجي القاهرة.

([383]) الكامل في التاريخ 6/ 360.

([384]) نفح الطيب لأحمد بن أحمد التلمساني 1/ 353 ط دار الكتاب العربي بيروت.

([385]) تاريخ العلم ورواة العلم بالأندلس لعبد الله بن محمد الأزدي المعروف بابن الفرضي 2/ 41.

([386]) عالم الأندلس المشهور توفي سنة 276هـ. المرجع السابق 1/ 108, 2/ 18.

([387]) المرجع السابق.

([388]) تاريخ العلماء ورواة العلم بالأندلس 1/ 165 رقم(419).

([389]) تاريخ العلماء والرواة المرجع السابق 1/ 325.

([390]) المرجع السابق 2/ 41.

([391]) طبقات الأمم للقاضي أبي القاسم صاعد بن أحمد الأندلسي المتوفى سنة 463هـ ص(88-89) مطبعة التقدم بشارع محمد علي بمصر.

([392]) المرجع السابق ص(373).

([393]) المرجع السابق.

([394]) المرجع السابق .

([395]) تأليف الدكتورة/ منيرة بنت عبد الرحمن الشرقي من مطبوعات مكتبة الملك فهد 1423هـ.

([396]) المرجع السابق ص(226).

([397]) سورة الزخرف- الآية (33).

([398]) الكامل في التاريخ 7/ 82.

([399]) سورة الشعراء- الآيتان (128-129).

([400]) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 1/ 352- 355.

([401]) تاريخ العلماء والرواة للعلم بالأندلس 1/ 285- 289 ترجمة رقم (753).

([402]) ترتيب المدارك للقاضي عياض 7/ 183-186.

([403]) القاموس المحيط للفيروزآبادي مادة (نهج)، ولسان العرب لابن منظور 2/ 383 ط 1388هـ دار صادر بيروت والمصباح المنير للفيومي مادة (نهج).

([404]) سورة المائدة- من الآية (48).

([405]) تفسير ابن كثير 2/ 75 الطبعة الأولى 1413هـ الناشر مكتبة دار السلام بالرياض.

([406]) غريب القرآن لأبي بكر السجستاني المتوفى سنة 330هـ ص(334).

([407]) تفسير ابن كثير 2/ 75.

([408]) هو محمد بن أحمد القرطبي الفقيه الفيلسوف، صاحب كتاب بداية المجتهد. توفي سنة خمس وتسعين وخمسمائة. انظر: شذرات الذهب 4/320.

([409]) هو أبو زكريا يحيى بن شرف الدين الإمام الحافظ الفقيه القدوة، صاحب رياض الصالحين والمجموع وغيرها. توفي سنة ست وسبعين وستمائة. انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي 4/1470.

([410]) سورة النحل- الآية (125).

([411]) الانتصار لأهل الحديث للسمعاني نقلاً عن صون المنطوق للسيوطي ص(167).

([412]) سورة الأحزاب- من الآية (4).

([413]) سورة النساء- من الآية (122).

([414]) أخرجه البخاري في كتاب الأدب 8/ 31.

([415]) سورة النجم- الآيتان (3-4).

([416]) سورة يوسف- من الآية (108).

([417]) سورة طه- من الآية (123).

([418]) كتاب التوحيد لابن خزيمة.

([419]) كتاب متن العقيدة للإمام الطحاوي ص(22).

([420]) كتاب الإبانة للإمام الأشعري ص(15).

([421]) كتاب الشريعة للإمام الآجري ص(54).

([422]) كتاب شرح السنة للإمام البربهاري ص(22) المرجع السابق ص35.

([423])  المرجع السابق ص(35).

([424]) سورة الشورى- من الآية (10).

([425]) سورة النساء- الآية (59).

([426]) سورة الإسراء- من الآية (9).

([427]) سورة فصلت- من الآيتين (41-42).

([428]) سورة النور- من الآية (54).

([429]) كتاب متن العقيدة ص(19).

([430]) كتاب الإبانة ص(19).

([431]) هو الإمام المحدث الحافظ الفقيه شيخ الشافعية وصاحب الصحيح أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني توفي سنة 371هـ. انظر: سير أعلام النبلاء 16/ 292، وتذكرة الحفاظ 3/ 947.

([432]) كتاب اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي تحقيق جمال عزون ص(31) ط الأولى 1413هـ دار الريان في الإمارات.

([433]) سورة النساء- آية 82.

([434]) رواه ابن ماجة في كتاب المقدمة- باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين- حديث رقم (43).

([435]) اجتماع الجيوش الإسلامية ص(171) النسخة المحققة د/ عواد.

([436]) كتاب التوحيد للإمام ابن خزيمة ص(125).

([437]) كتاب التوحيد ص(101).

([438]) كتاب الشريعة ص(311).

([439]) نزهة الفضلاء بتهذيب سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي 2/ 107.

([440]) رسالة إلى أهل الثغر للإمام الآجري ص(213).

([441]) التنبيه والرد على أهل الأهواء ص(58).

([442]) سورة آل عمران- من الآية (7).

([443]) اجتماع الجيوش الإسلامية ص(157).

([444]) كتاب متن العقيدة للإمام الطحاوي ص(21- 22).

([445]) سورة البقرة- الآيتان (85- 86).

([446]) فتح رب البرية بتلخيص الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية تأليف الشيخ محمد الصالح العثيمين ص(4) مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر بجدة.

([447]) طبقات الحنابلة 2/ 19.

([448]) كتاب شرح السنة.

([449]) كتاب الإبانة ص(12).

([450]) هو أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي صوفي شافعي اشتهر عنه التمسك بالكتاب والسنة توفي سنة 371هـ. ترجمته في طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة 1/ 147، وشذرات الذهب 3/ 76، والأعلام 6/ 114.

([451]) نقله الإمام ابن تيمية في الفتوى الحموية ص(107) من مجموعة المختار.

([452]) سورة لقمان- الآية (34).

([453]) سورة آل عمران- الآية (7).

([454]) رواه أحمد في المسند 2/ 241. رقم الحديث (6699).

([455]) كتاب مختصر العلو للذهبي ص(227).

([456]) كتاب متن العقيدة للإمام الطحاوي ص(14).

([457]) المرجع السابق ص(24).

([458]) المرجع السابق ص(28).

([459]) نقله الإمام أبو إسماعيل الصابوني في كتابه (عقيدة السلف أهل الحديث) ص(45).

([460]) كتاب التنبيه المرجع السابق.

([461]) كتاب الإبانة الكبرى لابن بطة 1/ 423.

([462]) هو الإمام القدوة وشيخ قرطبة وصاحب التصانيف في الفقه والزاهد أبو عبد الله بن أبي زمنين -بفتح الميم وكسر النون- محمد بن عبد الله بن عيسى المري الأندلسي الألبيري المالكي ت 399هـ.

([463]) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 5/ 57.

([464]) سورة الشورى- من الآية (11).

([465]) سورة الشورى- من الآية (11).

([466]) سورة الإسراء- الآية (36).

([467]) هو أحمد بن عمر بن سريح البغدادي الإمام الفقيه القاضي توفي سنة 303. سير أعلام النبلاء 14/ 201- 204.

([468]) اجتماع الجيوش الإسلامية ص (64).

([469]) كتاب التوحيد للإمام ابن خزيمة ص(10-11).

([470]) شرح السنة للإمام البربهاري ص(24).

([471]) اعتقاد أهل السنة للإمام الحافظ الإسماعيلي ص(35-37).

([472]) عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ص(192).

([473]) سورة الشورى- من الآية(11).

([474]) سورة فصلت- من الآية(46).

([475]) سورة البقرة- من الآية(255).

([476]) سورة فصلت- من الآية(46).

([477]) متن العقيدة للإمام الطحاوي ص(8)ط الأولى1415هـ,مكتبة ابن تيمية بالقاهرة ومكتبة العلم بجدة.

([478]) ستأتي ترجمته قي الباب الثاني

([479]) الإبانة ص(11).

([480]) المرجع السابق ص(143).

([481]) المرجع السابق ص(166).

([482]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([483]) المرجع السابق ص(7).

([484]) المرجع السابق ص(32).

([485]) الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري ص(15) ط جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1400هـ.

([486]) المرجع السابق ص(15).

([487]) المرجع السابق ص(17).

([488]) المرجع السابق ص(17).

([489]) المرجع السابق ص(17).

([490]) المرجع السابق ص(15).

([491]) الإبانة ص(16).

([492]) المرجع السابق ص(17).

([493]) المرجع السابق ص(17).

([494]) المرجع السابق ص(19).

([495]) المرجع السابق ص(19).

([496]) كتاب الشريعة ص(103- 109).

([497]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([498]) الإبانة الكبرى ص(50) مقدمة التحقيق.

([499]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([500]) كتاب التوحيد لابن منده 1/ 33.

([501]) المرجع السابق ص(54).

([502]) المرجع السابق ص(61- 69).

([503]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([504]) كتاب الفتوى الحموية المرجع السابق ص(90- 94).

([505]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

(3) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([507]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

(5) هو الإمام الحافظ الفقيه وشيخ الحنابلة أحمد بن محمد بن هارون البغدادي المعروف بالخلال(ت311هـ).انظر: طبقات الحنابلة2\12,والبدايةوالنهاية11\12,وغيرها,وستأتي ترجمته(ص280).

(6)هو الشهير أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الحنظلي الرازي(ص382).

([508])    ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([509]) هو عبد الملك بن محمد بن بكر أبو مروان السعدي فقيه مالكي أصله من طليطلة نشأ بقرطبة. الأعلام 4/ 163.

([510]) جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس تأليف محمد بن فتوح الحميدي سنة 488هـ ص(326) ط الأولى1372مكتبة نشر الثقافة القاهرة.

([511]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([512]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([513]) هو أبو بكر عبد العزيز بن جعفر تلميذ أبي بكر الخلال، إمام علامة وأحد شيوخ الحنابلة (ت 363هـ).

([514]) هو أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الأزهري الإمام المشهور في اللغة كان فقيها شافعيا متفقا على فضله وثقته ولد سنة (282هـ) وتوفي سنة (370هـ) بهراة. انظر ترجمته في: طبقات ابن السبكي 2/ 106، ووفيات الأعيان 4/334، ومقدمة كتابه تهذيب اللغة.

([515]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([516]) هو الإمام محمد بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي.

([517]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([518]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([519]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([520]) ستأتي ترجمته في الباب الثاني
 

([521]) هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأنصاري الإمام الحافظ. قال الذهبي في كتاب مختصر العلو: كان  من العلماء العاملين صاحب سنة واتباع. توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة.

([522]) هو الإمام العالم الحافظ أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي الغازي المجاهد المعروف بالقصاب لكثرة ما قتل في مغازيه المتوفى في حدود أربعمائة هـ. ترجمته في مختصر العلو ص(259).

([523]) مختصر العلو للذهبي ص(259).

([524]) تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) 1/ 124 تحقيق د/ عبد الله التركي- ط الأولى 1422هـ- دار هجر بمصر.

([525]) المرجع السابق ص(123).

([526]) المرجع السابق ص(133).

([527]) المرجع السابق ص(139).

([528]) سورة البقرة- من الآية (7).

([529]) سورة المائدة- من الآية (64).

([530]) جامع البيان 6/ 359.

([531]) سورة الأنعام- من الآية (158).

([532]) 10/ 12.

([533]) هو أبو بكر محمد بن عُزَيز العُزَيزي وقيل: اسم والده عزير العز يري بإهمال الراء الأخيرة أي بزاي و راء وقد أثنى العلماء عليه وكان أديباً فاضلاً متواضعاً ديناً خيراً صالحاً توفي سنة 336هـ. ترجمته في سير أعلام النبلاء        15/ 217، وفي المؤتلف و المختلف 4/ 1750، وتاريخ بغداد 10/ 374 وغيرها.

([534]) (رؤوف) شديد الرحمة سورة البقرة 143.ص7 من تحقيق محمد الصادق قمحاوي طبعة مكتبة عالم الفكر القاهرة.

([535]) ص(202) من دراسة وتحقيق أحمد عبد القادر صلاحية الطبعة الأولى 1993 دار طلاس دمشق.

([536]) سورة البقرة- من الآية (9).

([537]) ص374 من تحقيق محمد الصادق قمحاوي طبعة عالم الفكر القاهرة.

([538]) المرجع السابق ص(97).

([539]) ص(167) تحقيق أحمد صلاحية.

([540]) المرجع السابق ص(320).

([541]) المرجع السابق ص(263).

([542]) المرجع السابق ص(311).

([543]) المرجع السابق ص(369).

([544]) تفسير النسائي تحقيق صبري الشافعي وسيد الجليسي 1/ 34-36 ط الأولى 1410هـ مكتبة الرشد بالرياض.

([545]) تفسير النسائي تحقيق صبري الشافعي وسيد الجليسي ص (414-502).

([546]) سورة النساء- من الآية (164).

([547]) سورة الأعراف- من الآية (145).

([548])  سورة البقرة- من الآية (16).

([549]) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجنائز رقم 1238. ومسلم في صحيحه في كتاب الإيمان 92/150.

([550]) تفسير النسائي 1/ 207.

([551]) سورة آل عمران- من الآية (123).

([552]) أخرجه مسلم في صحيحه رقم 2495/11،  والترمذي في جامعه رقم 3864.

([553]) سورة يونس- من الآية (26).

([554]) أخرجه مسلم في صحيحه رقم 181/298،297.

([555]) تفسير النسائي ص(570).

([556])   ستأتي ترجمته في الباب الثاني

([557]) تفسير أبي حاتم تحيق أحمد عبد الله العماري الزهراني 1/ 11-13 ط الأولى 1408هـ مكتبة دار طيبة بالرياض.

([558]) سورة البقرة- من الآية (2).

([559]) حسب ترقيم أسعد محمد الطيب في تحقيقه للكتاب ط الثانية 1419هـ ص33.

([560]) سورة البقرة- من الآية (3).

([561]) المرجع السابق ص35

([562]) سورة البقرة- من الآية (15).

([563]) المرجع السابق ص56.

([564]) سورة البقرة- من الآية (29).

([565]) المرجع السابق ص56

([566]) سورة المائدة- من الآية (64).

([567]) المرجع السابق 4/ 1168.

([568]) سورة المائدة- من الآية (43).

([569]) المرجع السابق 4/ 1142-1143.
 

([570])  سورة الأحزاب- من الآية (36).

([571]) صحيح ابن خزيمة 1/ 75.

([572]) المرجع السابق ص (83).

([573]) سورة المائدة- من الآية (6).

([574]) المرجع السابق ص(85).

([575]) صحيح ابن خزيمة 2/ 6.

([576]) المرجع السابق ص(7).

([577]) المرجع السابق 2/ 31.

([578]) المرجع السابق 2/ 61.

([579]) صحيح بن خزيمة 4/ 6.

([580]) المرجع السابق ص(182).

([581]) المرجع السابق ص(185).

([582]) المرجع السابق ص(128).

([583]) المرجع السابق ص(132).

([584]) المرجع السابق ص(142).

([585]) صحيح ابن خزيمة 1/ 110.

([586]) المرجع السابق ص(158-159).

([587]) - المعجم الكبير 1/51 تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي ط الثانية دار إحياء التراث العربي.

([588]) الجزء الأول ط الثانية تحقيق حمدي عبد المجيد.

([589]) المعجم الكبير 2/294.

([590]) المعجم الكبير 2/307.

([591]) المعجم الكبير 23/16-185.

([592])  الصغير 1/148.

([593])  الصغير 1/222.

([594])  الصغير 2/352.

([595])  المعجم الصغير 2/412.

([596]) المعجم الصغير 2/422رقم 1161,تقديم وضبط كمال يوسف الحوت ط الأولى 1406هـ مؤسسة الكتب الثقافية بيروت.

([597]) المعجم الصغير 2/387.

([598]) المعجم الصغير 2/385 رقم 1068.

([599]) كتاب تدريب الراوي للحافظ السيوطي ص(32).

([600]) صحيح ابن حبان بترتيب الأمير علاء الدين الفارسي المتوفى سنة 739هـ, تحقيق أحمد محمد شاكر ص(51-55) ط دار المعارف بمصر.

([601]) كتاب صحيح ابن حبان ص(56).

([602]) المرجع السابق ص(57).

([603]) المرجع السابق ص(140).

([604]) كتاب صحيح ابن حبان ص(153).

([605]) المرجع السابق ص(248).

([606]) المرجع السابق ص(212-213).

([607]) المرجع السابق ص(216-217).

([608]) كتابه الصحيح ص(130).

([609]) الصحيح ص(284).

([610]) الصحيح ص(255).

([611]) سورة النحل- من الآية (103).

([612]) سورة الشعراء- الآيات (193-195).

([613]) سورة يوسف- من الآية (2).

([614]) سورة طه- من الآية (113).

([615]) سورة الزمر- الآية (28).

([616]) سورة فصلت- الآية (3).

([617]) سورة الشورى- من الآية (7).

([618]) سورة الجمعة- الآية (2).

([619]) سورة الأحزاب- من الآية (44).

([620]) كتاب التصديق بالنظر إلى الله تعالى في الآخرة ص(29).

([621]) هو أحمد بن أبي دؤاد القاضي كان رأس التجهم وهو الذي أغوى المأمون والمعتصم وبسببه وفتياه امتحن الإمام أحمد بن حنبل وأهل السنة بالقول بخلق القرآن توفي سنة 240هـ. ترجمته في: شذرات الذهب 2/ 93 وغبرها.

([622]) هو أبو عبد الله محمد بن زياد بن الأعرابي من أكبر علماء اللغة في زمانه ولد سنة 151هـ وتوفي سنة 231هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد 1/ 364، وغيره.

([623]) ذكرت الحادثة في تاريخ بغداد 5/ 283، ورواها البيهقي في الأسماء في الصفات، وابن القيم في اجتماع الجيوش، والذهبي في مختصر العلو، وقال الألباني إسناده صحيح.

([624]) مختصر العلو للذهبي.

([625]) لسان العرب لأبي الفضل محمد بن منظور ت711  1/7ط 1388هـ دار صادر بيروت.

([626]) نزهة الالباء في طبقات الأولياء لأبي البرهات بن الانباري تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم ص324 ط دار النهضة بمصر.

([627]) تهذيب اللغة للإمام الازهري 1/14تحقيق عبد السلام هارون ط 1384هـ المؤسسة المصرية.

([628]) المصدر السابق 1/19.

([629]) المرجع السابق 1/30.

([630]) سورة طه اية 5.

([631]) سورة الحاقة اية 17.

([632]) تهذيب اللغة 1/413.

([633]) تهذيب اللغة 9/19وقد أشار للقدر في 11/59,14/12,19/22,21.

([634]) سورة النساء الآية 164.

([635]) تهذيب اللغة 10/265.

([636]) سورة الأنعام آية 103.

([637]) المرجع السابق 12/178.

([638]) اجتماع الجيوش الإسلامية ص(265-266).

([639]) سورة المائدة- من الآية (3).

([640]) هو أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج اللغوي كان من أهل الدين والفضل حسن الاعتقاد ومن كتبه عدا إعراب القرآن: تفسير أسماء الله الحسنى توفي سنة 311هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد 6/ 89, والنجوم الزاهرة 209 وغيرها.

([641]) معاني القرآن وإعرابه للزجاج تحقيق د/ عبد الجليل شلبي 1/ 185 الطبعة الأولى 1408 دار علم الكتاب بيروت.

([642]) سورة النساء- من الآية(82).

([643]) المرجع السابق 1/ 43.

([644]) سورة النساء- من الآية(155).

([645]) معاني القرآن وإعرابه 1/ 86.

([646]) سورة التوبة- من الآية (124).

([647]) سورة التوبة- من الآية (125).

([648]) المرجع السابق 2/189.

([649]) سورة المائدة- من الآية (64).

([650]) سورة الإسراء- من الآية (29).

([651]) سورة المائدة- من الآية (64).

([652]) تفسير أسماء الله الحسنى ط الرابعة 1403هـ ص(21),(26).

([653]) أخرجه البخاري في الدعوات وفي التوحيد، ومسلم في الذكر والدعاء.

([654]) تحقيق أحمد يوسف الدقاق توزيع الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الرياض المملكة العربية السعودية ط دار المأمون للتراث دمشق ط الرابعة 1403هـ.


عدد مرات القراءة:
893
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :