آخر تحديث للموقع :

الجمعة 4 رمضان 1442هـ الموافق:16 أبريل 2021م 02:04:11 بتوقيت مكة

جديد الموقع

مسألة دفن الأولياء داخل المساجد أو بناء المساجد على قبورهم ..

تاريخ الإضافة 2020/05/20م

أولاً : بالنسبة لمسألة دفن الأولياء داخل المساجد أو بناء المساجد على قبورهم فقد قال بعض أهل العلم بأن ذلك محرم وقال البعض الآخر بأن ذلك مكروه وقصد بعض من قال بالكراهة الكراهة التحريمية، وأما الشعراوي فيقول بالجواز بدون كراهة كما هو واضح من كلامه .
 
وإليك بعض فتاوى بعض أهل العلم في هذه المسألة:
 
- قال الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه " الأم " (1/317) : ( وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى أو يصلى عليه وهو غير مسوى أو يصلى إليه(

- وقال الإمام النووي رحمه الله : ( واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهوراً بالصلاح أو غيره لعموم الأحاديث. قال الشافعي والأصحاب: وتكره الصلاة إلى القبور سواء كان الميت صالحاً أو غيره ) " المجموع " (5/316) .
 
- قال الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تلميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله : ( لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر ونكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجد ) " كتاب الآثار " (ص45) كما في « تحذير الساجد » للألباني.
 
والكراهة عند الحنفية إذا أطلقت فهي للتحريم، كما هو معروف لديهم.
 
- وقال أيضاً: ( يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد ) المصدر السابق (10/380) .

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله : ( فصلويكره البناء على القبر، وتجصيصه، والكتابة عليه لما روى مسلم في " صحيحه " قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يقعد عليه ". زاد الترمذي وأن يكتب عليه. وقال: هذا حديث حسن صحيح . ولأن ذلك من زينة الدنيا ، فلا حاجة بالميت إليه .
 
وفي هذا الحديث دليل على الرخصة في طين القبر، لتخصيصه التجصيص بالنهي ونهى عمر بن عبد العزيز أن يبنى على القبر بآجر، وأوصى بذلك. وأوصى الأسود بن يزيد أن لا تجعلوا على قبري آجرا وقال إبراهيم كانوا يكرهون الآجر في قبورهم .
 
وكره أحمد أن يضرب على القبر فسطاط وأوصى أبو هريرة حين حضره الموت أن لا تضربوا علي فسطاطا .
 
فصل: ويكره الجلوس على القبر، والاتكاء عليه، والاستناد إليه، والمشي عليه، والتغوط بين القبور؛ لما تقدم من حديث جابروفي حديث أبي مرثد الغنوي: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها "صحيح . وذكر لأحمد أن مالكا يتأول حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يجلس على القبور أي للخلاء .
 
فقال : ليس هذا بشيء، ولم يعجبه رأي مالك وروى الخلال بإسناده عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لأن أطأ على جمرة، أو سيف، أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم، ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي، أووسط السوق "رواه ابن ماجه .
 
فصل: ولا يجوز اتخاذ السرج على القبور لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لعن الله زوارات القبور، المتخذات عليهن المساجد والسرج" رواه أبو داود ، والنسائي ، ولفظه : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
ولو أبيح لم يلعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله، ولأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة ، وإفراطا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر; ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مثل ما صنعوا . متفق عليه .
 
وقالت عائشة : إنما لم يبرز قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يتخذ مسجدا، ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها، والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات، باتخاذ صورهم، ومسحها، والصلاة عندها ... الخ) ." المغني " (3/439-441) من الطبعة الرابعة.
 
 وقال ابن حجر الهيتمي في " الزواجر عن اقتراف الكبائر" (1/244- 246 ) : " الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثاناً، والطواف بها، واستلامها،والصلاة إليها ".
 
" [ تنبيه ] : عد هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية، وكأنه أخذ ذلك مما ذكرته من الأحاديث، ووجه اتخاذ القبر مسجداً منها واضح، لأنه لعن من فعل ذلك بقبور أنبيائه، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله تعالى يوم القيامة، ففيه تحذير لنا كما في رواية : " يحذر ما صنعوا " أي يحذر أمته بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك، فيلعنوا كما لعنوا، ومن ثم قال أصحابنا : تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً، ومثلها الصلاة عليه للتبرك والإعظام، وكون هذا الفعل كبيرة ظاهرة من الأحاديث المذكورة لما علمت، فقال بعض الحنابلة : " قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركاً به عين المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وابتداع دين لم يأذن به الله، للنهي عنها ثم إجماعاً، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، أو بناؤها عليها والقول بالكراهة محمول على غير ذلك، إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعله، ويجب المبادرة لهدمها، وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار، لأنها أسست على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه نهى عن ذلك، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره . انتهى " .

- قال الحافظ العراقي : ( فلو بنى مسجداً يقصد أن يدفن في بعضه دخل في اللعنة، بل يحرم الدفن في المسجد، وإن شرط ان يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفة وقفه مسجداً )نقله المناوي في " فيض القدير " (5/274) وأقره كما في " تحذير الساجد " للألباني.
 
وفيما يلي أنقل فتوى الشيخ عبد المجيد سليم رحمه الله شيخ الأزهر السابق:
 
Al-Fatawa . /
 
من أحكام المساجد . /
 
الموضوع (319) الدفنفى المسجد غير جائز .
 
المفتى : فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم .
 
جمادى الأولى 1359 هجرية - 22 من يونيه 1940 م . 

المبادئ:
 
1 - لا يجوز دفن الموتى فى المساجد .
 
2 - إذا دفن الميت فى المسجد نبش عندالإمام أحمد .
 
سئل: كتبت وزارة الأوقاف ما يأتي - يوجد بوسط مسجد عز الدين أيبك قبران ورد ذكرهما فيالخطط التوفيقية وتقام الشعائر أمامهما وخلفهما.
 
وقد طلب رئيس هذا المسجد إلىمحافظة مصر دفنه في أحد هذين القبرين لأن جده الذي جدد بناء المسجد مدفون بأحدهما.
 
فنرجو التفضل ببيان الحكم الشرعي في ذلك.
 
أجاب:اطلعنا على كتاب الوزارة رقم 2723 المؤرخ 21 - 3 - 1940 المطلوب به بيان الحكمالشرعي فيما طلبه رئيس خدم مسجد عز الدين أيبك من دفنه في أحد القبرين اللذين بهذاالمسجد.
 
ونفيد أنه قد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه لا يجوز أن يدفن فيالمسجد ميت لا صغير ولا كبير ولا جليل ولا غيره

فإن المساجد لا يجوز تشبيهها بالمقابر.
 
وقال في فتوى أخرى إنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غير إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدا الخ وذلك لأن في الدفن في المسجد إخراجا لجزء من المسجد عما جعل له من صلاة المكتوبات وتوابعها من النفل والذكر وتدريس العلم وذلك غير جائز شرعا.
 
ولأن اتخاذ قبر في المسجد على هذا الوجه الوارد في السؤال يؤدى إلى الصلاة إلى هذا القبر أو عنده.
 
وقد وردت أحاديث كثيرة دالة على حظر ذلك قال شيخ الإسلام ابن تيميةفي كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" صفحة 158 ما نصه إن النصوص عن النبي صلى اللّه عليه وسلم تواترت بالنهى عن الصلاة عند القبور مطلقا واتخاذها مساجد أو بناء المساجد عليها.
 
ومن الأحاديث ما رواه مسلم عن أبى مرثد قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها.
 
وقال ابن القيم نص الإمام أحمد وغيره على أنه إذا دفن الميت في المسجد نبش وقال - أي ابن تيمية - لا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر بل أيهما طرأ على الآخر منع منه وكان الحكم للسابق إلى آخر ما قال في كتابه زاد المعاد.
 
وقال الإمام النووي في شرح المهذب صفحة 316 ما نصه اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره لعموم الأحاديث.
 
قال الشافعي والأصحاب - وتكره الصلاة إلى القبور سواء كان الميت صالحا أو غيره قال الحافظ أبو موسى قال الإمام الزعفراني رحمه اللّه.
 
ولا يصلى إلى قبر ولا عنده تبركا به ولا إعظاما له للأحاديث وقد نص الحنفية على كراهة صلاة الجنازة في المسجد لقوله عليه الصلاة والسلام من صلى على جنازة في المسجد فلا أجر له وعلل صاحب الهداية هذه الكراهة بعلتين إحداهما أن المسجد بني لأداء المكتوبات يعنى وتوابعها من النوافل والذكر وتدريس العلم.
 
وإذا كانت صلاة الجنازة في المسجد مكروهة للعلة المذكورة كراهة تحريم كما هو إحدى الروايتين وهى التي اختارها العلامة قاسم وغيره كان الدفن في المسجد أولى بالحظر لأن الدفن في المسجد فيه إخراج الجزء المدفون فيه عما جعل له المسجد من صلاة المكتوبات وتوابعها.
 
وهذا مما لا شك في عدم جوازه شرعا . وبما ذكرنا علم الجواب عن السؤال متى كان الحال كما ذكر . اهـــ.
 
http://www.dar-alifta.org/ViewFatwa.aspx?ID=3171
 
وقال الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق - رحمه الله - (1893-1963م) :
 
( شُرعت الصلاة في الإسلام لتكون رِباطًا بين العبد وربِّه، يقضي فيها بين يديه خاشعًا ضارعًا يُناجيه، مُستشعرًا عظمته، مُستحضرًا جلالَه، مُلتمسًا عَفْوَهُ ورِضاه؛ فتسمو نفسه، وتزكو روحه، وترتفع هِمَّتُه عن ذُلِّ العبودية والخضوع لغير مَوْلاه ( إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) .
 
وكان من لوازم ذلك الموقف، والمُحافظة فيه على قلب المُصلِّي، أن يخلص قلبه في الاتجاه إليه ـ سبحانه ـ وأن يُحال بينه وبين مشاهدَ مِن شأنها أن تبعث في نفسه شيئًا مِن تعظيم غير الله، فيصرف عن تعظيمه إلى تعظيم غيره، أو إلى إشراكِ غيره معه في التعظيم.
 
ولذلك كان مِن أحكام الإسلام فيما يختصُّ بأماكن العبادة تطهيرها من هذه المشاهد ( وعَهِدْنَا إلَى إبراهيمَ وإسماعيلَ أنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ للطَّائِفِينَ والعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ) . ( الآية: 125 من سورة البقرة )، ( وإذْ بَوَّأْنَا لإبراهيمَ مكانَ البيتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شيئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ للطائِفينَ والقَائمينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ) . ( الآية 26 من سورة الحج ) ( إنَّمَا يَعْمُرُ مساجدَ اللهِ مَن ءَامَنَ باللهِ واليومِ الآخِرِ وأقامَ الصلاةَ وآتَى الزكاةَ ولمْ يَخْشَ إلا اللهَ ) . ( الآية: 18 من سورة التوبة ) . ( وأنَّ المَساجدَ للهِ فلا تَدْعُوا معَ اللهِ أحَدًا ) . ( الآية: 18 من سورة الحج ) .
 
تسرُّب الشِّرْكِ إلى العبادة:
 
وما زَلَّ العقل الإنساني وخرج عن فطرة التوحيد الخالص ـ فعبَد غير الله، أو أشرك معه غيره في العبادة والتقديس ـ إلا عن طريق هذه المَشاهد التي اعتقدَ أن لأربابها والثَّاوِينَ فيها صلةً خاصةً بالله، بها يَقْرُبونَ إليه، وبها يَشْفَعُونَ عنده؛ فعظَّمها واتَّجه إليها، واستغاث بها، وأخيرًا طافَ وتعلَّق، وفعَل بين يديها كل ما يفعله أمام الله من عبادةٍ وتقديس.

لا تتخذوا القبور مساجد:
 
والإسلام من قواعده الإصلاحية أن يَسُدَّ بين أهله وذرائعِ الفساد، وتطبيقًالهذه القاعدة، صحَّ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: ( إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتَّخِذون قُبور أنبيائهم وصالحيهم مساجدَ، ألَا فلا تَتَّخِذُوا القُبورَ مساجدَ، إنِّي أنْهَاكمْ عن ذلك ) . نهَى الرسول، وشدَّد في النهْي عن اتِّخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وذلك يَصْدُقُ بالصلاة إليها، وبالصلاة فيها، وأشار الرسول إلى أن ذلك كان سببًا في انحراف الأمم السابقة عن إخلاص العبادة لله.
 
وقد قال العلماء إنه لمَّا كثُر المسلمون، وفكَّر أصحاب الرسول في توسيع مسجده، وامتدت الزيادة إلى أن دخلتْ فيه بيوت أمهات المؤمنين، وفيها حُجرة عائشة، مَدْفَنُ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبيْه أبي بكر وعمر فبَنَوْا على القَبْر حيطانًا مرتفعة تدور حوله مَخافة أن تظهر القبور في المسجد فيُصلي إليها الناس، ويقعوا في الفِتْنة والمَحظور.
 
واجب المسلمين نحو الأضْرحة:
 
وإذا كان الافتتان بالأنبياء والصالحين، كما نراه ونعلمه، شأن كثير من الناس في كل زمان ومكان، فإنه يجب ـ مُحافظةً على عقيدة المسلم ـ إخفاء الأضْرحة من المساجد، وألَّا تُتَّخَذَ لها أبوابٌ ونوافذُ فيها، وبخاصة إذا كانت في جهة القبلة. يجب أن تُفصل عنها فصلًا تامًّا بحيث لا تقع أبصار المُصلين عليها، ولا يتمكَّنون من استقبالها وهم بين يدي الله، ومن بابٍ أولَى يجب منْع الصلاة في نفس الضريح، وإزالة المَحاريب من الأضرحة.
 
وإنَّ ما نراه في المساجد التي فيها الأضرحة، ونراه في نفس الأضرحة، لمَا يبعث في نفوس المؤمنين سرعة العمل في ذلك، وِقايةً لعقائد المسلمين وعباداتهم من مظاهر لا تَتَّفِقُ وواجبَ الإخلاص في العقيدة والتوحيد، ومِن هنا رأى العلماء أنالصلاة إلى القبْر أيًّا كان مُحرَّمةٌ، ونُهِيَ عنها، واستظهر بعضهم بحُكم النهي بُطلانها؛ فليتنبَّه المسلمون إلى ذلك، وليُسرع أولياء الأمر في البلاد الإسلامية إلى إخلاص المساجد للهِ كما قال الله: ( وأَنَّ المَساجدَ للهِ فلا تَدْعُوا معَ اللهِ أحَدًا ) ) . أ.هـ نقلاً من كتابه « الفتاوى » .
 
وقال الشيخ علي محفوظ رحمه الله عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر في كتابه "الابداع في مضار الابتداع" (201-202 ) :
 
( بناء المساجد على القبور:
 
ومن هذه البدع بناء المساجد على القبور ففي الحديث عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج " رواه أبو داود والترمذي وحسنة وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها " أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية فذكرت ما رأته فيها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله " والسر فيه ما تقدم في اتخاذها مساجد ) اهـ .
 
وقال (ص198) : (  وقد أفتى جمع من العلماء بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية منهم العلامة ابن حجر – يقصد الهيتمي – إذ قال في " الزواجر " : ( وتجب المبادرة لهدم المساجد والقباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه نهى عن ذلك وأمر صلى الله عليه وسلم بهدم القبور المشرفة وتجب ازالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا يصح وقفه ونذره ) اهـ، فينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة فيتعين الرفع للإمام...الخ) .

فتوى الشيخ محمد عبد السلام الشقيري رحمه الله وهو من علماء مصر:

قال في كتابه " السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات " ( ص111) : ( أعلم أخي هداني الله وإياك ووفقنا لفهم حقائق شريعتنا الغراء أن بناء القباب على قبور المشايخ، وعمل التوابيت، وكسوتها بالأحمر والأخضر من غالي الأقمشة ونفيسها، وعمل المقاصير النحاس المفضضة والمذهبة وتعليق القناديل والمصابيح عليها، أو اسم المقبور، أو الأبيات الشعرية للإشادة بذكر الميت، وكذا بناء المساجد عليها لا شك أنه من اشتداد غضب الله على هذه الأمة، ولعنها وطردها من رحمته. ولا ريب أن هذا من أكبر الكبائر في الإسلام، وأفحش المعاصي التي يظن كثير من الطغام والجهلة والعوام أنها من أفضل القربات، وأعظم وأجل الطاعات، وإليكم بعض الأحاديث الواردة ... ) ثم ذكر بعض الاحاديث ومنها حديث " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " وحديث " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة " .
 
- وقال الشيخ محمد الغزالي في كتابه " ليس من الإسلام " (ص218) : ( فشا في بلاد كثيرة بناء المساجد على قبور الموتى إعزازاً لذكراهم وتقرباً إلى الله – كما يقال – بمحبتهم ومجاورتهم، مع أن النصوص قاطعة بمنع هذا العمل ولعن مرتكبيه.

وكان الأولى بهؤلاء البانين أن يَدَعُو الموتى إلى ما قدموا وأن يقفوا عند حدود الله فلا يعصون وصاياه، وهذه البدعة تسربت إلى المسلمين عن النصرانية بعد تحريفها.

فقد صح عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية وذكرت ما رأته فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور ! أولئك شرار الخلق عند الله " متفق عليه، وهذه البدعة دخلت النصرانية من الوثنية الأولى.

...ونهى رسول الله عن تجصيص القبور والبناء عليها، وكان يوصي جيوشه – وهو يطارد الوثنية في جزيرة العرب – ألا تدع صنماً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سوتيه ... وقد دعا رسول الله ربه ألا يكون قبره بعده عيداً – موسماً – تتلقى إليه الوفود.
 
والخبراء بحقائق الإيمان وطبائع النفوس يعرفون وجه الحكمة فيما أمر الله ورسوله، من تحريم اتخاذ القبور مساجد، إن رجاء البركة أول ما يذكره الخارجون على هذه النصوص، أو المحرفون لها، لكن هذه البركة المزعومة سرعان ما تتحول إلى تقديس للهالكين واتجاه إليهم بالأدعية والنذور، واستصراخ بهم في الأزمات والنوائب.
 
فإن لم يكن الأمر شركاً محضاً، فهو مزلقة إليه، مهما كابر المعاندون، وقد رأيت عشرات من الظلامات المكتوبة، ترمى في ضريح الإمام الشافعي، أو ترسل إليه بالبريد!! وسمعت المئات من سفهاء العامة يلهثون بالنجوى الحارة حول قبر الإمام الحسين وغيره!! ولم أر أسفه من هؤلاء وأولئك إلا الذين يعتذرون عنهم، من صعاليك المتصوفة وأدعياء المعرفة ) .
 
وقال الشيخ سيد سابق رحمه الله في "فقه السنة" (1/295-296) طبعة مكتبة العبيكان:
 
( تحريم المساجد والسرج على المقابر
 
جاءت الأحاديث الصحيحة الصريحة بتحريم بناء المساجد في المقابر واتخاذ السرج عليها

1 - روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".
 
2 - روى أحمد وأصحاب السنن إلا ابن ماجه ، وحسنه الترمذي ، عن ابن عباس قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج.
 
3 - وفي صحيح مسلم عن عبد الله البجلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس ، وهو يقول : " إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل ، فان الله عز وجل قد اتخذني خليلا ، كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، وان من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، إني أنهاكم عن ذلك . "
 
4 - وفيه عن أبي هريرة قالقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " .
 
5 - وروى البخاري ومسلم عن عائشة ، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة - رأتاها بالحبشة فيها تصاوير - لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة " . قال صاحب المغني : ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لعن الله زوارات القبور والمتخذات عليهن المساجد والسرج " رواه أبو داود والنسائي ولفظه : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . الخ " ولو أبيح لم يلعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله ، ولان فيه تضييعا للمال في غير فائدة وإفراطا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام ، ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر ، ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر مثل ما صنعوا . متفق عليه . وقالت عائشة : إنما لم يبرز قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يتخذ مسجدا ، ولان تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام لها والتقرب إليها ، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عليها ) .
 
- وقال الشيخ يوسف القرضاوي في " فتاوى معاصرة " ( 1/156-158) الطبعة الخامسة أثناء إجابته على أحد الأسئلة:
 
( الأحاديث النبوية الصحيحة جاءت تنهى عن اتخاذ المساجد على القبور، وتلعن اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وتحذر مما صنعوا.
 
ولهذا قرر المحققون أن الطارئ منهما على الآخر يزال، فإن كان المسجد قد بني أولا ثم طرأ عليه القبر أزيل القبر، وإن كان الأمر بالعكس أزيل المسجد الذي لم يبن على تقوى من الله ورضوان.
 
وبهذين الوجهين لم يعد لهذا المسجد حرمة، وشأنه شأن مسجد الضرار الذي قص علينا قصته في سورة "التوبة" من كتابه العزيز فقال: (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون. لا تقم فيه أبدا، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المتطهرين. أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين) .
 
وكان أصحاب مسجد الضرار من المنافقين قد أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه!! فقال: إني على جناح سفر، وحال شغل. ولو قدمنا إن شاء الله لأتيناكم، فصلينا لكم فيه. فلما نزل بذي أوان - موضع في الطريق إلى المدينة من تبوك - وجاءه خبر المسجد من السماء، فدعا رجلين من أصحابه، وقال لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه ففعلا وأشعلا فيه نارا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه، وفيه أهله. فحرقاه وهدماه فتفرقوا عنه، فأنزل الله فيه ما أنزل من الآيات، وقد ذكر المحقق ابن القيم فيما يؤخذ من هذه القصة أمرين:
 
أولهما: مشروعية تحريق أماكن المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها. كما حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه، وهو مسجد يصلى فيه، ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضرارا وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا ومأوى للمنافقين المحاربين لله ورسوله. وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله: إما بهدم وتحريق، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له.
 
قال: وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله أحق من ذلك وأوجب، وكذلك محال المعاصي والفسوق كالحانات، وبيوت الخمارين، وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر بن الخطاب قرية بكاملها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت "رويشد" الثقفي وسماه "فويسقا".

الثاني: أن الوقف لا يصح على غير بر ولا قربة. كما لا يصح وقف هذا المسجد.
 
قال: "وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد. نص على ذلك الإمام أحمد وغيرهفلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر. بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق. فلو وضعا معا لم يجز، ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز، ولا يصح الصلاة في هذا المسجد، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجدا، أو أوقد عليه سراجا. فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه، وغربته بين الناس كما ترى". (زاد المعاد في هدي خير العباد ج3 ص35-36 ط السنة المحمدية) .
 
فليت شعري إذا كان هذا الحكم في مسجد بني على قبر على سبيل الوقف أي برضا الواقفين، الذين يظنون الثواب فيما فعلوا وهم جاهلون، فماذا يكون الحكم في مسجد وقبر بنيا في أرض مملوكة للغير بغير إذنه ولا رضاه؟
 
إننا إذا وجدنا من الناس من يجادل في الصورة الأولى، فلن نجد من يجادل في الصورة الأخرى، لأنها واضحة البطلان. والحق أحق أن يتبع، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. وبالله التوفيق) اهـ.
 
- وفيما يلي أنقل رأي الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي حول هذه المسألة !!
 
حيث قال في كتابه " فقه السيرة " ( ص360-361) طبعة دار الفكر الطبعة السابعة :
 
( النهى عن اتخاذ القبور مساجد :
 
ولقد رأيت من صيغة الحديث الدال على ذلك شدة النهى و المبالغة في التحذير من الإقدام على هذا العمل، قال العلماء: وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية.
 
وتتحقق صورة النهى عنه بأن يشاد فوق القبر مسجد فيصبح ما حول القبر مصلى بذلك للناس، أو بأن يصلى عند القبر وأن يتخذ مسجداً، والعلماء في حكمهم على الصلاة عند القبور بين محرم ومكره و الذين قالوا بالكراهة شددوا بها عندما تكون الصلاة إلى القبر أي بأن يكون القبر بين المصلي و القبلة، ولكنها صحيحة على كلٍ، لأن الحرمة لا تستلزم البطلان فيكون حكمها كحكم الصلاة في الأرض المغصوبة.
 
قال الإمام النووي : ولما احتاج الصحابة رضوان الله عليهم و التابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيها، ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبى بكر وعمر رضي الله عنهما: بنوا على القبر حيطاناً مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدى إلى المحذور، ثم بنوا جدارين على ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ) .
 
فهل يصح أن يقال في هؤلاء أنهم ( أغبياء في الاستشهاد ) ؟!! 

و ( جايبين دليل ما يعرفوش هم مستدلين به ازاي ) !!
 
وأنبه أن كل هذه الفتاوى لم تصدر ممن يلمزون بالوهابية فتنبه !!
 
ــــــــــــ



* ثانياً: بخصوص معنى اتخاذ القبور مساجد:
 
اتخاذ القبور مساجد له ثلاث معاني ذكرها أهل العلم، وهي:

الأول : الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها.
 
قال ابن حجر الهيتمي في " الزواجر " (1/ 121)" واتخاذ القبر مسجداُ معناه الصلاة عليه، أو إليه " .
 
فهذا نص منه على أنه يفهم الاتخاذ المذكور شاملاً لمعنيين، أحدهما الصلاة على القبر
 
ويدل على هذا المعنى ما جاء عن عن أبي سعيد الخدري : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبنى على القبور، أو يقعد عليها، أو يصلى عليها "
 
رواه أبو يعلى في " مسنده " (ق 66/ 2) وإسناده صحيح، وقال الهيثمي (3/61) : " ورجاله ثقات " .
 
الثاني : السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.
 
قال المناوي في " فيض القدير " :
 
أي اتخذوها جهة قبلتهم، مع اعتقادهم الباطل، وإن اتخاذها مساجد، لازم لاتخاذ المساجد عليها كعكسه، وهذا بين به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم . قال القاضي ( يعني البيضاوي ) : لما كانت اليهود يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة، ويتوجهون في الصلاة نحوها، فاتخذوها أوثاناً لعنهم الله، ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه … " .
 
قلت : وهذا المعنى قد جاء النهي الصريح عنه فقال صلى الله عليه وسلم : " لا تجلسوا على القبور، و لا تصلوا إليها "رواه مسلم.
 
الثالث : بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها.
 
وقد قال به الإمام البخاريُّ ، حيث بوب في صحيحه « باب ما يكره من اتخاذ القبور مسجدا على القبور » .
 
ويشهد لهذا المعنى حديث :
 
« أولئك قوم إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً... أولئك شرار الخلق.. » رواه البخاري ومسلم.
 
ــــــــــــــ
 
ثالثاًأما بخصوص استدلاله بقبر النبي صلى الله عليه وسلم وأنه موجود في داخل المسجد النبوي فيجاب عنه بما يلي:

أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دفن في حجرة عائشة ـ رضي الله عنها ـ شرقي المسجد، فلم يدفن في المسجد، والأنبياء يدفنون حيث يموتون ـ كما جاءت بذلك الأحاديث ـ.
 
كما أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ دفنوه في حجرة عائشة كي لا يتمكن أحد بعدهم من اتخاذ قبره مسجداً؛ كما في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه: ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت: فلولا ذلك أُبرِزَ قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً ) أخرجه البخاري ومسلم.
 
وأمر آخر وهو أن الحجرة النبوية إنما أُدخلت في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة؛ حيث أمر الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وثمانين بهدم المسجد النبوي وإضافة حُجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه على سبيل التوسعة، فأدخل فيه الحجرةَ النبويةَ حجرةَ عائشة، فصار القبر بذلك في المسجد.
 
فلا يصح الاحتجاج بما وقع بعد الصحابة؛ لأنه مخالف للأحاديث الثابتة وما فهمه سلف الأمة، وقد أخطأ الوليد في إدخاله الحجرة النبوية ضمن المسجد، وكان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة النبوية.
 
وأما دعوى عدم الإنكار فهذه دعوى بلا دليل، وعدم العلم ليس علماً بالعدم، وسكوت العلماء لا يعني الرضا والإقرار؛ لاسيما وأن الذي أدخل القبر النبوي ضمن المسجد خليفة ذو شوكة وسلطان ـ وهو الوليد بن عبد الملك ـ وكذا الذي اتخذ القبة ـ هو السلطان قلاوون.
 
ومع ذلك فإن المعوّل عليه هو الدليل والبرهان وليس واقع الناس وحالهم. والله المستعان. انتهى نقلا من " القبور والأضرحة دراسة وتقويم ".
 
وجاء في كتاب " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " للإمام الألباني رحمه الله :
 
( قال العلامة الحافظ محمد ابن عبد الهادي في " الصارم المنكي " ) ص 136) :
 
وإنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبدالملك، بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان آخرهم موتاً جابر بن عبدالله، وتوفي في خلافة عبدالملك، فإنه توفي سنة ثمان وسبعين، والوليد تولى سنة ست وثمانين، وتوفي سنة ست وتسعين، فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك ، وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري، في " كتاب أخبار المدينة " مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن أشياخه عمن حدثوا عنه أن ابن عمر بن عبد العزيز لما كان نائباً للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة بالساج، وماء الذهب، وهدم حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأدخل القبر فيه ".
 
يتبين لنا مما أوردناه أن القبر الشريف إنما ادخل إلى المسجد النبوي حين لم يكن في المدينة أحد من الصحابة وإن ذلك كان على خلاف غرضهم الذي رموا إليه حين دفنوه في حجرته صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لمسلم بعد أن عرف هذه الحقيقة أن يحتج بما وقع بعد الصحابة، لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة وما فهم الصحابة والأئمة منها كما سبق بيانه، وهو مخالف أيضاً لصنيع عمر وعثمان حين وسعا المسجد ولم يدخلا القبر فيه، ولهذا نقطع بخطأ ما فعله الوليد بن عبد الملك عفا الله عنه، ولئن كان مضطراً إلى توسيع المسجد، فإنه كان باستطاعته أن يوسعه من الجهات الأخرى دون أن يتعرض للحجرة الشريفة، وقد أشار عمر بن الخطاب إلى هذا النوع من الخطأ حين قام هو رضي الله عنه بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة، بل قال " إنه لا سبيل إليها " فأشار رضي الله عنه إلى المحذور الذي يترقب من جراء هدمها وضمها إلى المسجد .
 
ومع هذه المخالفة الصريحة للأحاديث المتقدمة وسنة الخلفاء الراشدين، فإن المخالفين لما أدخلوا القبر النبوي في المسجد الشريف احتاطوا للأمر شيئاً ما، فحاولوا تقليل المخالفة ما أمكنهم، قال النووي في " شرح مسلم " (5/14) : " ولما احتاجت الصحابة - عزو هذا إلى الصحابة لا يثبت كما تقدم - والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة رضي الله عنها مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوام، ويؤدي إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا، حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ".
 
ونقل الحافظ ابن رجب في " الفتح " نحوه عن القرطبي كما في " الكوكب " (65/91/1)، وذكر ابن تيمية في " الجواب الباهر " (ق9/2): " أن الحجرة لما أدخلت إلى المسجد سُد بابها، وبني عليها حائط آخر، صيانة له صلى الله عليه وسلم أن يتخذ بيته عيداً، وقبره وثناً ".
 
ـــــــــــ
 
رابعاً: أما بخصوص استدلاله بقول الله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ) فيجاب عنه بما يلي:



أَنَّ هَذِهِ الآية َ ليْسَتْ مُخالفة ً- وَلا تَصْلحْ أَنْ تَكوْنَ مُخالِفة ً– لِلأَحَادِيْثِ المتوَاتِرَةِ النّاهِيَةِ عَنْ ذلِك َ، وَإنمَا هِيَ مُوَافِقة ٌ لهَا ، مُصَدِّقة ٌ بهَا . فقدْ أَخْبَرَ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باِتخاذِ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى قبوْرَ أَنبيَائِهمْ وَصَالِحِيْهمْ مَسَاجِدَ ، وَقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَإنَّ أُوْلئِكَِ إذا مَاتَ فِيْهمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ ، بنوْا عَلى قبْرِهِ مَسْجدًا ، وَصَوَّرُوْا فِيْهِ تِلك َ التَّصَاوِيْر» رَوَاهُ البخارِيُّ في«صَحِيْحِهِ» (427)، (1341)،(3873) وَمُسْلِم(528).
 
وَالله ُ أَخْبَرَ كذَلِك َ في كِتَابهِ بذَلِك َ، فقالَ سُبْحَانهُ:{ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً } . فالآية ُ مُصَدِّقة ٌ لِلأَحَادِيْثِ لا مُخالِفة .

قالَ الحافِظ ُ ابْنُ رَجَبٍ(795ه) فيشَرْحِهِ عَلى صَحِيْحِ البُخارِي(2/397) عَلى حَدِيْثِ «لعَنَ الله ُ اليَهُوْدَ ، اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِد»: ( وَقدْ دَلَّ القرْآنُ عَلى مِثْل ِ مَا دَلَّ عَليْهِ هَذَا الحدِيْثُ ، وَهُوَ قوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ في قِصَّةِ أَصْحَابِ الكهْفِ: ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ) .
 
فجَعَلَ اتخاذَ القبوْرِ عَلى المسَاجِدِ ، مِنْ فِعْل ِ أَهْل ِ الغلبةِ عَلى الأُمُوْرِ ، وَذلِك َ يشْعِرُ بأَنَّ مُسْتندَهُ : القهْرُ وَالغلبة ُ وَاتباعُ الهوَى ، وَأَنهُ ليْسَ مِنْ فِعْل ِ أَهْل ِ العِلمِ وَالفضْل ِ، المتبعِينَ لِمَا أَنزَلَ الله ُ عَلى رُسُلِهِ مِنَ الهدَى )اهـ.
 
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: (( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً ) حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين ( أحدهما ) أنهم المسلمون منهم. ( والثاني ) أهل الشرك منهم, فالله أعلم, والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ, ولكن هل هم محمودون أم لا ؟
 
فيه نظر, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» يحذر ما فعلوا, وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق, أمر أن يخفى عن الناس, وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده,فيها شيء من الملاحم وغيرها ) اهـ .

وقال الإمام القرطبي رحمه الله في أثناء تفسيره لهذه الآية: (وتنشأ هنا مسائل ممنوعة وجائزة؛ فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها، إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع لا يجوز؛ لما روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة حديث ابن عباس حديث حسن. وروى الصحيحان عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة) . لفظ مسلم.
 
قال علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد.
 
وروى الأئمة عن أبي مرثد الغنوي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) لفظ مسلمأي لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى، فيؤدي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام. فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد). وروى الصحيحان عن عائشة وعبدالله بن عباس قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا.

وروى مسلم عن جابر قال: نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه. وخرجه أبو داود والترمذي أيضا عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى الصحيح عن أبي الهياج الأسدي قال قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته - في رواية - ولا صورة إلا طمستها. وأخرجه أبو داود والترمذي.
 
قال علماؤنا: ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون لاطئة. وقد قال به بعض أهل العلم. وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على التسنيم، ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم، وذلك صفة قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما - على ما ذكر مالك في الموطأ - وقبر أبينا آدم صلى الله عليه وسلم، على ما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس. وأما تعلية البناء الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيما وتعظيما فذلك يهدم ويزال؛ فإن فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبها بمن كان يعظم القبور ويعبدها. وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي أن ينبغي أن يقال: هو حرام.
 
والتسنيم في القبر: ارتفاعه قدر شبر؛ مأخوذ من سنام البعير ...الخ ) .
 
وقال العلامة محمد أمين الشنقيطي رحمه الله: 
وعلى القول بأنهم مسلمون.. فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية: إنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من طمس الله بصيرته ، فقابل قولهم: "لنتخذن عليهم مسجداً" بقوله صلى الله عليه وسلم في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "، يظهر لك أن من اتبع هؤلاء القوم في اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم

ثم أنه لا يصح أن يعتبر عدم الرد عليهم إقراراً لهم، إلا إذا ثبت أنهم كانوا مسلمين وصالحين متمسكين بشريعة نبيهم، وليس في الآية ما يشير أدنى إشارة إلى أنهم كانوا كذلك، بل يحتمل أنهم لم يكونوا كذلك، وهذا هو الأقرب ؛ أنهم كانوا كفاراً أو فجاراً، كما سبق، وحينئذ فعدم الرد عليهم لا يعد إقراراً بل إنكاراً، لأن حكاية القول عن الكفار والفجار يكفي في رده عزوه إليهم! فلا يعتبر السكوت عليه إقراراً كما لا يخفى، ويؤيده الوجه الآتي :
 
الثاني : أن الاستدلال المذكور إنما يستقيم على طريقة أهل الأهواء من الماضين والمعاصرين، الذين يكتفون بالقرآن فقط ديناً، و لا يقيمون للسنة وزناً، وأما طريقة أهل السنة والحديث الذين يؤمنون بالوحيين، مصدقين بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور :" ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ". وفي رواية :" ألا إن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله ".
 
فهذا الاستدلال عندهم ـ والمستدل يزعم أنه منهم ! ـ باطل ظاهر البطلان، لأن الرد الذي نفاه، قد وقع في السنة المتواترة كما سيق، فكيف يقول : إن الله أقرهم ولم يرد عليهم، مع أن الله لعنهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فأي رد أوضح وأبين من هذا ؟! .
 
وما مثل من يستدل بهذه الآية على خلاف الأحاديث المتقدمة ؛ إلا كمثل من يستدل على جواز صنع التماثيل والأصنام بقوله تعالى في الجن الذين كانوا مذللين لسليمان عليه السلام : ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفانٍ كالجواب وقدور راسيات ) يستدل بها على خلاف الأحاديث الصحيحة التي تحرم التماثيل والتصاوير! وما يفعل ذلك مسلم يؤمن بحديثه صلى الله عليه وسلم .
 
المصدر
اسم الموضوع / الرد على فتوى الشعراوي حول جواز الدفن في داخل المسجد
http://www.soufia-h.net/showthread.php?t=481

عدد مرات القراءة:
211
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :