آخر تحديث للموقع :

الجمعة 4 رمضان 1442هـ الموافق:16 أبريل 2021م 02:04:11 بتوقيت مكة

جديد الموقع

نسب إلى الإمام مالك والمنصور العباسي قصة لتأييد احتجاجاتهم بتوسلاتهم بذوات المخلوقين ..

تاريخ الإضافة 2020/05/20م

ذكر قول الإمام مالك للخليفة المنصور لما حجّ فزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟


ونختِمُ هذا المقالَ بقولِ الإمامِ مالكٍ للخليفةِ المنصورِ لما حَجَّ فزارَ قبرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وسألَ مالكًا قائلاً: "يا أبا عبدِ الله أستقبلُ القِبلَةَ وأدعو أم أستقبلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وَلِمَ تَصرِفُ وجهَكَ عنه وهو وَسيلَتُكَ ووسيلةُ أبيكَ ءادم عليه السلام إلى الله تعالى؟ بل استقبِلهُ واستشفع بهِ فيشفّعهُ الله" ذكرهُ القاضي عياضٌ في كتابِ الشّفا.

الجواب:

الرواية مردودة بضعف الراوي وانقطاع السند ومخالفة الرواية لما تواتر من مذهب مالك.

1 -
إسناد هذه الرواية مظلم، فيه محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف كثير المناكير، قال البخاري: في حديثه نظر. وقال الجوزجاني والنسائي ليس بثقة.

2 -
ومحمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً إذ توفي سنة 248 هـ ، بينما توفي مالك سنة 179.

3 -
من كراهية استقبال القبر عند الدعاء وإنما يستقبله عند السلام فقط . ويستقبل القبلة عند الدعاء. قال الحافظ في الفتح " أما مالك فقد كان رحمه الله يكره أن يقول الرجل : زرت قبر النبي ونص عليه القرافي في الذخيرة والزبيدي في شرح الإحياء أن دليل مالك قوله اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"
(فتح الباري 3 / 66 وانظر الذخيرة للقرافي 3 / 375 ).
 
الرواية عند القاضي عياض مع الجــــــــواب
 
القاضي عياض رحمه الله في كتابه " الشفا " (2/595 – 596) بسنده: حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري ، وأبو القاسم أحمد بن بَقِي الحاكم ، وغير واحد ، فيما أجازُونيه ؛ قالوا: أنبأنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دِلهات ؛ قال: حدثنا أبو الحسن علي بن فِهر ، حدثنا أبو بكر محمد بن الفرج ، حدثنا أبو الحسن بن المُنتاب ، حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدثنا ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في المسجد ، فإن الله تعالى أدب قوماً فقال: " لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ " [الحجرات: 2] .
ومدح قوما فقال: " إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ " [الحجرات: 3] .
وذم قوما فقال: " إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ " [الحجرات: 4].
وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً . فاستكان لها أبو جعفر ، وقال: يا أبا عبد الله ؛ أأستقبل القبلة وأدنو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى إلى يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به ، فيشفعك الله ؛ قال تعالى: " وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا " [النساء: 64]. اهـ وهذه القصة لا تصح لعدة أمور ، منها:
     من جهةِ السندِ:
قال في " الفتاوى " (1/228):
فَهَذَا كُلُّهُ نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمَعْرُوفَةِ ثُمَّ ذَكَرَ حِكَايَةً بِإِسْنَادِ غَرِيبٍ مُنْقَطِعٍ رَوَاهَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ إجَازَةً ... فذكرها بسندها عن القاضي عياض ، ثم قال: قُلْت: وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ مُنْقَطِعَةٌ ؛ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ حميد الرَّازِيَّ لَمْ يُدْرِكْ مَالِكًا ، لَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ ، فَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ مَالِكٌ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ . وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ حميد الرازي سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَلَدِهِ حِينَ رَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا وَهُوَ كَبِيرٌ مَعَ أَبِيهِ ، وَهُوَ مَعَ هَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، كَذَّبَهُ أَبُو زُرْعَةَ ، وَمحمد بن مسلم بْنُ وارة.
وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ الأسدي: مَا رَأَيْت أَحَدًا أَجْرَأَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ وَأَحْذَقَ بِالْكَذِبِ مِنْهُ .
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَبِيبَةَ: كَثِيرُ الْمَنَاكِيرِ .
وَقَالَ النسائي: لَيْسَ بِثِقَةِ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: يَنْفَرِدُ عَنْ الثِّقَاتِ بِالْمَقْلُوبَاتِ .
وقال ابن خراش: حدثنا ابن حميد ، وكان والله يكذب !
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: فرأيت بعد ذلك أبي إذا ذكر ابن حميد: نفض يده !
     وَآخِرُ مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأَ عَنْ مَالِكٍ هُوَ أَبُو مُصْعَبٍ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ .
     وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ أَبُو حُذَيْفَةَ أَحْمَدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ السَّهْمِيُّ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَفِي الْإِسْنَادِ أَيْضًا مَنْ لَا تُعْرَفُ حَالُهُ.ا.هـ
     وقال أيضا في " الفتاوى " (1/225):
     وَكَذَلِكَ مَنْ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَوَّزَ سُؤَالَ الرَّسُولِ أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ أَوْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ إمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ - غَيْرِ مَالِكٍ - كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمْ ، وَلَكِنْ بَعْضُ الْجُهَّالِ يَنْقُلُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ، وَيَسْتَنِدُ إلَى حِكَايَةٍ مَكْذُوبَةٍ عَنْ مَالِكٍ ... وَأَصْلُهَا ضَعِيفٌ .ا.هـ.
     وقال أيضا في " الفتاوى " (1/353): وَالْحِكَايَةُ الَّتِي تُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لِلْمَنْصُورِ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْحُجْرَةِ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ ، وقال: " هُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ " كَذِبٌ عَلَى مَالِكٍ ، لَيْسَ لَهَا إسْنَادٌ مَعْرُوفٌ .
     من جهةِ نقلها عن أصحابِ مالك:
     قال شيخ الإسلام ابن تيمية (1/228):
وَهَذِهِ الْحِكَايَةُ لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمَعْرُوفِينَ بِالْأَخْذِ عَنْهُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حميد ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ إذَا أَسْنَدَ ، فَكَيْفَ إذَا أَرْسَلَ حِكَايَةً لَا تُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ ؟ هَذَا إنْ ثَبَتَ عَنْهُ ، وَأَصْحَابُ مَالِكٍ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ بِمِثْلِ هَذَا النَّقْلِ لَا يَثْبُتُ عَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ لَهُ فِي مَسْأَلَةٍ فِي الْفِقْهِ ؛ بَلْ إذَا رَوَى عَنْهُ الشَّامِيُّونَ كَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطاطري ضَعَّفُوا رِوَايَةَ هَؤُلَاءِ ، وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ فَكَيْفَ بِحِكَايَةِ تُنَاقِضُ مَذْهَبَهُ الْمَعْرُوفَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ رَوَاهَا وَاحِدٌ مِنْ الْخُراسانِيِّينَ لَمْ يُدْرِكْهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ؟ .ا.هـ.
      سببُ إيرادِ القاضي عياضٍ لها:
     قال في " الفتاوى " (1/225 – 226): وَالْقَاضِي عِيَاضٌ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي كِتَابِهِ فِي بَابِ زِيَارَةِ قَبْرِهِ ؛ بَلْ ذَكَرَ هُنَاكَ مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي سِيَاقِ أَنَّ حُرْمَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ وَتَوْقِيرَهُ وَتَعْظِيمَهُ لَازِمٌ ؛ كَمَا كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ وَكَذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِهِ وَذِكْرِ حَدِيثِهِ وَسُنَّتِهِ وَسَمَاعِ اسْمِهِ.ا.هـ.
      الثابتَ عن مالكٍ خلافُ القصةِ:
     قال في " الفتاوى " (1/353): وَهُوَ خِلَافُ الثَّابِتِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ بِأَسَانِيدِ الثِّقَاتِ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ كَمَا ذَكَرَهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِثْلَ مَا ذَكَرُوا عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَقْوَامٍ يُطِيلُونَ الْقِيَامَ مُسْتَقْبِلِي الْحُجْرَةِ يَدْعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ، فَأَنْكَرَ مَالِكٌ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَقَالَ: لَا يُصْلِحُ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إلَّا مَا أَصْلَحَ أَوَّلَهَا .
     وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ ، فَإِنَّ الْآثَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ تُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ عَمَلِهِمْ وَعَادَتِهِمْ ، وَلَوْ كَانَ اسْتِقْبَالُ الْحُجْرَةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ مَشْرُوعًا لَكَانُوا هُمْ أَعْلَمَ بِذَلِكَ ، وَكَانُوا أَسْبَقَ إلَيْهِ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ وَالدَّاعِي يَدْعُو اللَّهَ وَحْدَهُ .ا.هـ.
     نقدُ بعضِ عباراتها:
     وقف شيخ الإسلام مع بعض عباراتها بشيء من التفصيل والإيضاح ، فمن ذلك أنه قال (1/229 – 230): مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ " وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَوَسُّلِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَذَا هُوَ التَّوَسُّلُ بِشَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَذَا حَقٌّ ؛ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ حِينَ تَأْتِي النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آدَمَ لِيَشْفَعَ لَهُمْ فَيَرُدَّهُمْ آدَمَ إلَى نُوحٍ ثُمَّ يَرُدَّهُمْ نُوحٌ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِبْرَاهِيمُ إلَى مُوسَى وَمُوسَى إلَى عِيسَى وَيَرُدَّهُمْ عِيسَى إلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ: " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ آدَمَ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ " ، وَلَكِنَّهَا مُنَاقِضَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ الْمَعْرُوفِ مِنْ وُجُوهٍ:
     أَحَدُهَا: قَوْلُهُ " أَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَأَدْعُو أَمْ أَسْتَقْبِلُ رَسُولَ اللَّهِ وَأَدْعُو ؟ " فَقَالَ " وَلِمَ تَصْرِفُ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ " فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَسَائِر السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ الدَّاعِيَ إذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، وَيَدْعُو فِي مَسْجِدِهِ ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ ؛ بَلْ إنَّمَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ عِنْدَ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدُّعَاءِ لَهُ .ا.هـ.
     وقال أيضا (1/233) بعد تقرير طويل لمذهب مالك في المسألة:
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا فِي الْحِكَايَةِ الْمُنْقَطِعَةِ مِنْ قَوْلِهِ: " اسْتَقْبِلْهُ وَاسْتَشْفِعْ بِهِ " كَذِبٌ عَلَى مَالِكٍ مُخَالِفٌ لِأَقْوَالِهِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَفْعَالِهِمْ الَّتِي يَفْعَلُهَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَنَقَلَهَا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ إذْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهُمْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ الْقَبْرَ لِلدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ وَيَسْتَشْفِعَ بِهِ يَقُولُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ اشْفَعْ لِي أَوْ اُدْعُ لِي ، أَوْ يَشْتَكِي إلَيْهِ مَصَائِبَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ، أَوْ يَطْلُبُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَوْتَى مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ أَوْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَا يَرَاهُمْ أَنْ يَشْفَعُوا لَهُ ، أَوْ يَشْتَكِيَ إلَيْهِمْ الْمَصَائِبَ ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، وَمَنْ ضَاهَاهُمْ مِنْ مُبْتَدِعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ؛ لَيْسَ هَذَا مِنْ فِعْلِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ ، وَلَا مِمَّا أَمَرَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ إذْ كَانَ يَسْمَعُ السَّلَامَ عَلَيْهِ مِنْ الْقَرِيبِ وَيُبَلَّغُ سَلَامَ الْبَعِيدِ .ا.هـ.
     وقال أيضا (1/239):
     وَمِمَّا يُوهِنُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا " وَلَمْ تَصْرِفْ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ إلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَتَوَسَّلُ النَّاسُ بِشَفَاعَتِهِ ، وَهَذَا حَقٌّ كَمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ ، لَكِنْ إذَا كَانَ النَّاسُ يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا كَانَ أَصْحَابُهُ يَتَوَسَّلُونَ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّمَا ذَاكَ طَلَبٌ لِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ فَنَظِيرُ هَذَا - لَوْ كَانَتْ الْحِكَايَةُ صَحِيحَةً - أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ الدُّعَاءُ وَالشَّفَاعَةُ فِي الدُّنْيَا عِنْدَ قَبْرِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا سَنَّهُ لِأُمَّتِهِ ، وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا اسْتَحَبَّهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا مَالِكٌ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى مَالِكٍ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَقُولُهُ إلَّا جَاهِلٌ لَا يَعْرِفُ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ ، وَلَا الْأَحْكَامَ الْمَعْلُومَةَ أَدِلَّتُهَا الشَّرْعِيَّةُ مَعَ عُلُوِّ قَدْرِ مَالِكٍ وَعِظَمِ فَضِيلَتِهِ وَإِمَامَتِهِ ، وَتَمَامِ رَغْبَتِهِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَذَمِّ الْبِدَعِ وَأَهْلِهَا ؟ وَهَلْ يَأْمُرُ بِهَذَا أَوْ يَشْرَعُهُ إلَّا مُبْتَدِعٌ ؟ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ يُنَاقِضُ هَذَا لَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَقُولُ مِثْلَ هَذَا .
ثُمَّ قَالَ فِي الْحِكَايَةِ: " اسْتَقْبِلْهُ وَاسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعْك اللَّهُ " وَالِاسْتِشْفَاعُ بِهِ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الشَّفَاعَةَ كَمَا يَسْتَشْفِعُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَمَا كَانَ أَصْحَابُهُ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ .ا.هـ.
فهذا هو نقد شيخ الإسلام ابن تيمية للقصة ، رحمه الله رحمة واسعة .
       وممن نقد القصة أيضا الإمام ابن عبد الهادي في " الصارم المنكي في الرد على السبكي " (ص 259 – 267) .
     قال عن سندها (ص 260): ذكرها القاضي عياض ورواها بإسناده عن مالك ليست بصحيحة عنه ، وقد ذكر المعترض – يعني ابن عبد الهادي بالمعترض السبكي – في موضع من كتابه أن إسنادها إسناد جيد ، وهو مخطىء في هذا القول خطأ فاحشاً ، بل إسنادها إسناد ليس بجيد ، بل هو إسناد مظلم منقطع ، وهو مشتمل على من يتهم بالكذب وعلى من يجهل حاله ، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي ، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته ، ولم يسمع من مالك شيئاً ولم يلقه ، بل روايته عنه منقطعة غير متصلة ، وقد ظن المعترض أنه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري أحد الثقات المخرج لهم في صحيح مسلم قال: فإن الخطيب ذكره في الرواة عن مالك ، وقد أخطأ فيما ظنه خطأ فاحشاً ووهم وهما قبيحا .ا.هـ.
 
                                                       كتبه عبد الله زقيل 
 
 
http://www.alsoufia.com/main/articles.aspx?article_no=1245


عجيب هوس هؤلاء القوم بالأقاصيص المختلقة ، وتتبعهم للحكايات المخالفة للنصوص المعتبرة ، وعدم رفع الرأس بالآيات القامعة لأباطيل عقائد المبتدعة ، وعزوفهم
وتأويلاتهم للأحاديث الصريحة الصحيحة ؛ بأقاصيص وأحاديث مكذوبة
موضوعة!!
ثم هم يزعمون المحبة؟!
أي محبة في عدم الاتباع ، وبناء العقائد على الحكايات التي لا ترتفع إلى الضعف-في الغالب- فما بالك إلى الصحة ، ظلمات موضوعة ، وأقاصيص مكذوبة!
وما على أهل السنة إلا البيان ليحييا من حيي على بينه ويهلك من هلك على بينه.

تكاثر عند القوم ، محبي الاستغاثات الشركية ، كلام يكذبونه ويتناقلونه على الأئمة ، ونحن أمة إسناد ، ولذلك سنذكر روايتهم ثم نأتي بأقوال العلماء المُحدِّثين المحققين في سند القصة ، ثم نقف مع متن القصة.

ينسب إلى مالك بن أنس رحمه الله مع أبي جعفر المنصور العباسي قصة لتأييد احتجاجاتهم بتوسلاتهم بذوات المخلوقين ، وفيها وهو الشاهد من المتن:
(
أنه-أي أبو جعفر- سأل مالكاً فقال:يا أبا عبدالله أأستقبل القبلة وأدعوا ، أم أستقبلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه ، وهو وسيلتك ووسيلةُ أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة ؛ بل استقبله واستشفع به،فيشفعه الله) خرج لها القاضي عياض في الشفا وسندها: (حدثنا القاضي ألو عبدالله محمد بن عبدالرحمن الأشعري ، وأبو القاسم أحمد بن لقي الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه ، قالوا:حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهاث،حدثنا أبو الحسن علي بن فهر ،حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج،حدثنا أبو الحسن عبدالله بن النتاب،حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل،حدثنا ابن حميد قال:ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله )
الكلام على سند هذه القصة

قال ابن عبدالهادي رحمه الله في "الصارم المنكي" :
( وهذه الحكاية التي ذكرها القاضي عياض ورواها باسناده عن مالك ليست بصحيحة عنه ، وقد ذكر المعترض في موضع من كتابه أن إسنادها إسناد جيد ، وهو مخطئ في هذا القول خطأ فاحشاً ، بل إسناده إسناد ليس بجيد ؛ بل هو إسناد مظلم منقطع ، وهو مشتمل على من يتهم بالكذب وعلى من يجهل حاله ، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي ، وهو ضعيف كثير المناكير غير محتج بروايته ، ولم يسمع من مالك شيئاً ولم يلقه ؛ بل روايته عنه منقطعة غير متصلة ؛ وقد ظن المعترض أنه أبو سفيان محمد بن حميد المعمري أحد الثقات المخرج لهم في صحيح مسلم قال فإن الخطيب ذكره في الرواة عن مالك ، وقد أخطأ فيما ظنه خطأ فاحشاً ووهم وهماً قبيحاً.

فإن محمد بن حميد المعمري رجل متقدم لم يدركه يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل راوي الحكاية عن ابن حميد ؛ بل بينهما مفازة بعيدة ، وقد روى المعمري عن هشام بن حسان ومعمر والثوري ، وتوفي سنة اثنين وثمانين ومائة قبل أن يولد يعقوب بن إسحاق أبي إسرائيل ، وأما محمد بن حميد الرازي فإنه في طبقة الرواة عن المعمري كأبي خثيمة فإنه في طبقة الرواة عن يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل.

وأما محمد بن حميد الرازي فإنه من طبقة الرواة عن المعمري كأبي خثيمة وابن نمير وعمرو الناقد وغيرهم ، وكانت وفاته سنة ثمان وأربعين ومائتين ، فرواية يعقوب بن إسحاق عنه ممكنة ، بخلاف روايته عن المعمري فإنها غير ممكنة.

وقد تكلم في محمد بن حميد الرازي –وهو الذي رويت عنه هذه الحكاية- من غير واحد من الأئمة ، ونسبه بعضهم إلى الكذب.

قال يعقوب بن شيبة السدوسي:محمد بن حميد الرازي كثير المناكير. وقال البخاري:حديثه فيه نظر. وقال النسائي:ليس بثقة. وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني:ردئ المذهب ، غير ثقة.
وقال فضلك الرازي:عندي عن ابن حميد خمسون ألف حديث لا أحدث عنه بحرف.
وقال أبو العباس أحمد لمن محمد الأزهري ، سمعت إسحاق بن منصور يقول: أشهـد على محمد بن حميد وعبيد بن إسحاق العطار بين يدي الله أنهما كذابان.
وقال صالح بن محمد الحافظ:كان كل ما بلغه من حديث سفيان يحيله على مهران ، وما بلغه من حديث منصور يحيله على عمرو بن قيس ، وما بلغه من حديث الأعمش يحيله على مثل هؤلاء وعلى عنبسة ، ثم قال: كل شيء كان يحدثنا ابن حميد كنا نتهمه فيه.

وقال في موضع آخر:كان أحاديثه تزيد ، وما رأيت أحد أجرأ على الله منه ، وكان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض.
وقال في موضع آخر:ما رأيت أحداً أحذق بالكذب من رجلين ، سليمان الشاذكوني ومحمد بن حميد الرازي ، كان يحفظ حديثه كله ، وكان كل يوم يزيد.
وقال أبو القاسم عبدالله بن محمد بن عبدالكريم الرازي ابن أخي أبي زرعة:سألت أبا زرعة عن محمد بن حميد فأومأ بأصبعه إلى فمه ، فقلت له: كان يكذب؟ فقال برأسه:نعم.قلت له:قد شاخ ، لعله كان يعمل عليه ويدلس عليه؟فقال: لا يا بني ، كان يعتمد.
وقال أبو حاتم الرازي:حضرت محمد بن حميد وحضره عون بن جرير ، فجعل ابن حميد يحدث بحديث عن جرير فيه شعر ، فقال عون:ليس هذا الشعر في الحديث ، إنما هو من كلام أبي.فتغافل ابن حميد فمر فيه.

وقال أبو نعيم عبدالملك بن محمد بن عدي:سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الرازي في منزله وعنده عبدالرحمن بن يوسف بن خراش وجماعة من مشايخ أهل الري وحفاظهم للحديث ، فذكروا ابن حميد ، فأجمعوا على أنه ضعيف في الحديث جداً ، وأنه يحدث بما لم يسمعه وأنه يأخذ أحاديث لأهل البصرة والكوفة فيحدث به الرازيين.

وقال أبو العباس بن سعيد سمعت داود بن يحيى يقول:حدثنا عنه –يعني محمد بن حميد- أبو حاتم قديماً ثم تركه بآخرة ، قال:سمعت عبدالرحمن بن يوسف بن خراش يقول حدثنا ابن حميد ، وكان والله يكذب.

وقال أبو حاتم بن حبان البستيفي كتاب الضعفاء: محمد بن حميد الرازي كنيته أبو عبدالله:يروي عن ابن المبارك وجرير ، حدثنا عنه شيوخنا مات سنة ثمان وأربعين ومائتين ، كان ممن ينفرد عن الثقات بالأشياء المقلوبات ، ولا سيما إذا حدث عن شيوخ بلده ، سمعت إبراهيم بن عبدالواحد البغدادي يقول:قال صالح بن أحمد بن حنبل: كنت يوماً عن أبي إذ دق عليه الباب ،فخرجت فإذا أبو زرعة ومحمد بن مسلم بن وارة فباس يده فلم ينكر عليه ذلك ، وأما أبو زرعة فصافحه ، فتحدثوا ساعة،قال ابن وارة: يا أبا عبدالله إن رأيت أن تذكر حديث أبي القاسم بن أبي الزناد،فقال: نعم حدثنا أبو القاسم بن أبي الزناد،عن إسحاق بن حازم،عن ابن مقسم يعني عبيدالله ،عن جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ماء البحر؟فقال: ((الطهور ماؤه،الحل ميتته)) وقام فقالوا:ماله،قلنا شك في شيء ثم خرج والكتاب بيده فقال في كتابه ميته بتاء واحدة والناس يقولون ميتته،ثم تحدثوا ساعة فقال له ابن وارة:يا أبا عبدالله رأيت محمد بن حميد،قال:نعم،قال:كيف رأيت حديثه؟قال:إذا حدث عن العراقيين يأتي بأشياء مستقيمة،وإذا حدث عن أهل بلده مثل إبراهيم المختار وغيره أتى بأشياء لا تعرف لا يدري ما هي.
قال:فقال أبو زرعة وابن وارة: صح عندنا أنه يكذب، قال:فرأيت أبي بعد ذلك إذا ذكر ابن حميد نفض يده.

وقال العقيلي في الضعفاء:حدثني إبراهيم بن يوسف، قال كتب أبو زرعة ومحمد بن مسلم،عن محمد بن حميد،حديثاً كثيراً، ثم تركا الرواية عنه،وقال الحاكم أبو أحمد في كتاب الكنى: أبو عبدالله بن محمد بن حميد الرازي ليس بالقوي عندهم تركه أبو عبدالله بن يحيى الذهلي، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة.

فإذا كانت هذه حال محمد بن حميد الرازي عند أئمة هذا الشأن،فكيف يقال في حكايته رواتها منقطعة:إسناد جيد مع أن طريقها إليه من ليس بمعروف.

وقد قال المعترض بعد أن ذكر هذه الحكاية ، وتكلم في رواتها:فانظر هذه الحكاية وثقة رواتها وموافقتها ، لما رواه ابن وهب عن مالك.هكذا قال! والذي حمله على ارتكاب هذه السقطة قلة علمه وارتكاب هواه،نسـال الله التوفيق.

والذي ينبغي أن يقال:فأنظر هذه الحكاية وضعفها وانقطاعها ونكارتها وجهالة بعض رواتها ونسبة بعضهم إلى الكذب ومخالفتها لما ثبت عن مالك وغيره من العلماء) .

وقريب من هذا نقل الذهبي وحكم عليه بالضعف كما في الميزان ؛ وقال:
"
قلتُ:ولم يكن يحفظ القرآن"

وحكم على القصة عبدالله بن عبدالحميد في (أنواع وأحكام التوسل)  :
( قصة مكذوبة ، وسندها غريب ومنقطع)

وقال محقق قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة الدكتور ربيع بن هادي:
( لقد بحثت عن رجال هذا الإسناد بدءً من أبي العباس أحمد بن عمر بن دلهات إلى أبي الحسن ابن المنتاب في "ترتيب المدارك" للقاضي عياض ، و"الصلة" لابن بشكوال ؛ فلم أقف لأحد منهم على ترجمة ، فهو إسناد غريب حقاً كما وصفه شيخ الإسلام)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) :
(  وهذه الحكاية منقطعة ؛ فإن محمد بن حميد الرازي لم يدرك مالكاً لا سيما في زمن أبي جعفر المنصور ؛ فإن أبا جعفر توفي بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة ، وتوفي مالك سنة تسع وسبعين ومائة ، وتوفي محمد بن حميد الرازي سنة ثمان وأربعين ومائتين ، ولم يخرج من بلده حين رحل لطلب العلم إلا وهو كبير مع أبيه ، وهو مع هذا ضعيف عند أكثر أهل الحديث ؛ كذبه أبو زرعة وابن وارة ، وقال صالح بن محمد الأسدي: مات رأيت أحد أجرأ على الله منه ، وأحذق بالكذب منه. وقال يعقوب بن شيبة :كثير المناكير .وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: يتفرد عن الثقات بالمقلوبات.

وآخر من روى "الموطأ" عن مالك هو أبو مصعب ، وتوفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين ، وآخر من روى عن مالك على الإطلاق هو أبو حذيفة أحمد بن إسماعيل السهمي توفي سنة تسع وخمسين ومائتين ، وفي الإسناد أيضاً من لا يعرف حاله.

وهذه الحكاية لم يذكرها أحدٌ من أصحاب مالك المعروفين بالأخذ عنه ، ومحمَّد بن حميد ضعيف عند أهل الحديث إذا أسند ، فكيف إذا أرسل حكاية لا تعرف إلا من جهته!!.

هذا إن ثبت عنه ، وأصحاب مالك متفقون على أنه بمثل هذا النقل لا يثبت عن مالك قول له في مسألة في الفقه ؛ بل إذا روى عنه الشاميون كالوليد بن مسلم ، ومروان بن محمد الطاطري ؛ ضعفوا رواية هؤلاء ، وإنما يعتمدون على رواية المدنيين والمصريين ، فكيف بحكاية تناقض مذهبه المعروف عنه من وجوه ، رواها واحد من الخراسانيين لم يدركه، وهو ضعيف عند أهل الحديث!! )
الكلام على متن القصة

ووقد ناقش غرائب هذا المتن المكذوب أهل العلم ، ولعلي أنقل لك مناقشة الرفاعي في (التوصّل) ثم أسوق لك الأدلة الدامغة بعد أن بيان سقوط إسناد هذه القصة المكذوبة من كلام شيخ الإسلام ، وكما قال ابن عبدالهادي رحمه الله: (المعروف عن مالك أنه لا يستقبل القبر عند الدُّعاء) وقد ساق البيان على سقوط القصة سنداً-ونقلناه- ومتناً-فليرجع إليه في الصارم المنكي.

يقول شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيمية-رحمه الله- في كتابه (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) بعد أن بين فحص الإسناد وحكم بوضعه وبين أن من ينقله وهو بن حميد كذاب،فيقول:
(
مع أن قوله: "وهو وسيلتُكَ ووسيلةُ أبيك آدمَ –عليه السلام-إلى الله تعالى يوم القيامة" إنما يدل على توسل آدم وذريته به يوم القيامة ، وهذا هو التوسل بشفاعته يوم القيامة ، وهذا حقٌّ ، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة .. ولكنها مناقضة لمذهب مالك المعروف من وجوه:
أحدهما قوله: "أستقبل القبلة وأدعوا أم استقبل رسول الله وأدعو" فقال: "ولِمَ تصرفُ وجهَكَ عنه ، وهو وسيلتُكَ ووسيلةُ أبيكَ آدم" فإنَّ المعروف عن مالك وغيره من الأئمَّة ، وسائر السلف من الصحابة والتابعين ؛ أنَّ الداعي إذا سلم على النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- ثمَّ أراد أن يدعو لنفسه ؛ فإنه يستقبل القبلة ويدعو في مسجده ، ولا يستقبل القبر عند السَّلام على النبي –صلى الله عليه وسلم- والدُّعاء له ، هذا قول أكثر العلماء كمالك في إحدى الروايتين والشافعي وأحمد وغيرهم.

وعند أصحاب أبي حنيفة ، لا يستقبل القبر وقت السلام عليه أيضاً ، ثمَّ منهم من قال: يجعل الحجرة عن يساره-وقد رواه ابن وهب عن مالك- ويسلم عليه.

ومنهم من قال: بل يستدبر الحجرة ، ويسلم عليه ، وهذا هو المشهور عندهم ، ومع هذا فكره مالك أن يطيل القيام عند القبر.

لذلك قال القاضي بن عياض في "المبسوط" عن مالك قال:لا أرى أن يقف عند قبر النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- يدعو ، ولكن يسلم ويمضي.

قال:وقال نافع:كان ابن عمر يُسلم على القبر ، رأيته مائة مرة أو أكثر يجيءُ إلى القبر فيقول:السَّـلام على النَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- السَّـلام على أبي بكر، الَّـلام على أبي، ثم ينصرف … وقال مالك في "المبسوط": ولي يلزم من دخل المسجد وخرج من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنَّما ذلك للغرباء.

فهذا قول مالك وأصحابه ، وما نقلوه عن الصَّحابة يبين أنَّهم لم يكونوا يقصدون القبر إلاَّ للسَّـلام على النبي –صلى الله عليه وسلم- والدُّعاء له ، وقد كره مالك إطالة القيام لذلك ، وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه ، وإنما يفعل ذلك الغرباء ومن قدم من سفر أو خرج له ، فإن تحية للنَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- فأمَّا إذا قصد الرجل الدُّعاء لنفسه فإنَّما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- ولم ينقل عن أحدٍ من الصحابة أنَّه فعل ذلك عند القبر ؛ بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدُّعاء للنَّبِيِّ –صلى الله عليه وسلم- فكيف بدعائه لنفسه؟

وأما دعاء الرَّسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته فهذا لم يفعله أحدٌ من السَّلف ، ومعلوم أنَّه لو كان قصدُ الدُّعاء عند القبر مشروعاً لفعله الصَّحابة والتابعون ،وكذلك السؤال به ، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟!

فدلَّ ذلك على أنَّ ما في الحكاية المنقطعة من قوله: "استقبله واستشفع به" كذب على مالك ، مخالف لأقواله ، وأقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم التي نقلها مالك وأصحابه ، ونقلها سائر العلماء ، كل أحد منهم لم يستقبل القبر للدُّعاء لنفسه فضلاً عن أن يستقبله ويستشفع به،ويقول له:بل رسول الله اشفع لي أو ادع لي ، أو يشكو إليه المصائب في الدِّين والدُّنيا ، أو يطلب منه أو من غيره من الموتى من الأنبياء والصالحين ، أو الملائكة الذين لا يراهم أن يشفعوا له ، أو يشكو إليه المصائب ؛ فإنَّ هذا كله من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ، ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأُمَّة ، ليس هذا من فعل السَّـابقين الأولين من المهاجرين والأنصـار والذين اتبعوهم بإحسانٍ ،ولا مَّما أمر به أحد من أئمة المسلمين ، وإن كانوا يسلمون عليه إذ كان يسمع السَّـلام عليه من القريب ويبلغ سلام البعيد)


ويناقش الرفاعي رحمه الله هذا المتن فيقول:
(  إن من يتأمل هذه القصة ، يحكم عليها بالوضع والكذب على الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه وعلى أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي. ) وذكر أسباباً قوية ، ورأيت الاكتفاء بكلام شيخ الإسلام ومن أراد الرجوع لكلام الرفاعي في (التوصّل) فليرجع إليه ..

وهناك مآخذات على المتن نكملها في وقت لاحق ، وإن كان في ما سبق كفاية ، لمن كان باحثاً عن الحق متجرداً له ، أما أهل الإضلال والمطموس على قلوبهم فهم أشبه بكلام الصادق المصدوق ((كالكوز مجخياً)) فأين يعرف للنور بصيص أمل،والله الهادي.

عدد مرات القراءة:
159
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :