جديد الموقع

الرد على محمد الباز طعنه في أبي هريرة ..

الرد على محمد الباز طعنه في أبي هريرة

كل يوم يخرج علينا من يريد أن يعلمنا ما أفنينا أعمارنا في تعلمه ، حتى صار كل من طالت يده شيئاً يهرول به مسرعاً ضاحكاً مسروراً ، ليطرحه في المنتديات ، قص ولصق ، وخبط عشواء وحرب شعواء..

يخرج بين الفينة والأخرى من يريد أن يعلم المسلمين أمور دينهم ليخبرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه الذي جهلوه - زعموا - ، ابتداء من الحفاظ الأوائل وعمالقة المحدثين الفطاحل ، كالبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان ، وقبلهم علي بن المديني ، وأحمد بن حنبل ، والشافعي ، ومالك بن أنس ، وعبد الرزاق الصنعاني ، وسفيان الثوري ، وابن عيينة ، وأيوب السختياني وغيرهم كثير ، ومن جاء بعد هؤلاء كالإمام الحاكم ، والبيهقي ، والخطيب البغدادي ، وابن حزم الظاهري ، وأبي نعيم الأصبهاني ، وابن عساكر وغيرهم كثير ، وممن توالوا بعدهم من عظماء الحفاظ وكبار المحدثين كالحافظ المزي ، والعراقي ، والهيثمي ، والنووي وبعدهم الحافظ الذهبي وابن كثير وابن حجر العسقلاني والسخاوي والسيوطي وغيرهم كثير ممن تحار العقول في عظيم علمهم وسعة اطلاعهم وتبحرهم في علوم السنة ، ممن يحفظون آلاف بل مئات الآلاف من الأسانيد ويعرفون آلاف الرواة وأحوالهم من صدق وعدالة وضبط وحفظ ، وممن مرت عليهم من كتب السنة والجرح والتعديل وأخذوها وتلقوها على شيوخهم ما لا يعلمه إلا الله ، كل هؤلاء جهلوا أبا هريرة رضي الله عنه وما عرفوه ، حتى جاءت صعاليك الزمان وسخرية العالم ليكشفوا لنا - بزعمهم - المستور ، ويخرجونا من الظلمات إلى النور.

أبو هريرة رضي الله عنه كما يقول البخاري رحمه الله : (( روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم)) انتهى , تهذيب التهذيب ( 12/ 239 ).

وذكر منهم الحافظ المزي في كتابه "التهذيب" (34 / 367 - 377) ما يقرب من أربعمائة مقتصراً فقط على الذين ذكروا في الكتب الستة ، وكلهم من التابعين ، بل فيهم من كبار محدثي الصحابة : كأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ومن الصحابة أيضاً عبد الله بن ثعلبة وواثلة بن الأسقع ، ومن كبار التابعين وأعلامهم : كسعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، ومحمد بن سيرين ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وعروة ابن الزبير ، وعطاء بن أبي رباح ، ونافع مولى ابن عمر , وسليمان بن يسار ، والشعبي عامر بن شراحيل ، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وحميد بن عبد الرحمن الحميري.... وغيرهم كثير جداً من كبار التابعين وأئمتهم الذين بلغوا المئات و رأوا أبا هريرة وعاصروه وسمعوا منه الحديث وأخذوا عنه العلم..

فكلهم عزيزي القارئ جهلوا أبا هريرة ولم يعرفوه ، حتى جاء أعجوبة الزمان وعالم العصر والأوان المدعو "محمد الباز" ومن على شاكلته من الجهلة بعد ألف وأربعمئة سنة ، فكشفوا النقاب ورفعوا الحجاب وأزاحوا الستار في وضح النهار عن حقيقة أبي هريرة - رضي الله عنه - التي جهلها أصحاب أبي هريرة وأقرباؤه وجلساؤه الذين صحبوه وعاشروه أعواماً طويلة.
ثم تتابع السر المخفي عن حالة أبي هريرة ، واغتر بعدالته وحفظه العلماء والفقهاء وكبار الحفاظ قاطبة ممن توالوا بعد أئمة التابعين على مدار القرون المتعاقبة ، وكلهم على نفس الخطى في عماء البصيرة وجهلهم وانخداعهم بأبي هريرة ، حتى فار التنور وانكشف المستور بفضل عباقرة وفطاحلة متنورين كأبي رية الباحث النزيه ومن نفخ ببوقه من التلاميذ النجباء والمقلدين الأوفياء...

ومن هؤلاء المقلدين صحفي يدعى محمد الباز ، كتب مقالًا في جريدة الفجر بعنوان ( سقوط أكبر «راوي» لأحاديث الرسول ) يطعن فيه على أبي هريرة رضي الله عنه ، وحشاه أكاذيب كثيرة ، وملأه جهلًا وحقدًا كبيرين.

يقول محمد الباز :
(( ولما اتصل أبو هريرة بمعاوية وأصبح من دعاته وأقبل علي أطعمته الفاخرة يلتهمها وبخاصة المضيرة التي كانت من أطايب أطعمة العرب الثلاثة المشهورة والتي كان أبوهريرة نهماً فيها فأطلقوا عليه اسم شيخ المضيرة واشتهر بذلك في جميع الأزمان حتي جعلها العلماء والأدباء مما يتندرون به عليه في أحاديثهم الخاصة وكتبهم العامة علي مدي التاريخ )).

الجواب :
قصة المضيرة وردت عند الثعالبي في كتابه "ثمار القلوب" والزمخشري في ربيع الأبرار وهي كتب في الأدب ، وأهل الأدب يتلقفون كل غريب وعجيب ويودعونه في كتبهم للتسلية والتندر ، ومثل هذه الكتب لا يُعتمد عليها ، وحسبك أنها مرسلة دون إسناد.
والكاتب الفهامة الباز نقل هذه الرواية عن أبي رية عدو السنة ، وقلده تقليدًا أعمى ، ولم يلتفت إلى صحة القصة من عدمه ، لأن الهدف ليس الحق ، وما كان كذلك ، فلا داعي للتثبت ، المهم هو الطعن والتهويش ، ثم يتظاهر الباحث الجاد بأنه يكشف لنا الحقائق التي أخفاها شيوخ المساجد وبرامج التلفزيون الهزيلة ، فنِعْمَ البحث النزيه.

وهذه القصة كما ذكرها أبو رية نقلاً عن الثعالبي :
(( وكان يعجبه المضيرة جدا فيأكل مع معاوية ، فإذا حضرت الصلاة صلى خلف على رضى الله عنه ، فإذا قيل له في ذلك قال : مضيرة معاوية أدسم وأطيب ، والصلاة خلف على أفضل ، وكان يقال له " شيخ المضيرة ")).

قلت : بالرغم من أنها دون سند وهذا كاف لردها ، إلا أن متنها يقطع بأنها رواية ملفقة موضوعة ، ففيها أن أبا هريرة كان يأكل عند معاوية ويصلي مع علي ، والمعروف أن أبا هريرة كان بالحجاز ، ومعاوية بالشام ، وعلي بالعراق ، فهل كان أبو هريرة يسافر من الحجاز إلى الشام ليأكل عند معاوية ثم يحمل متاعه ويشد الرحال إلى العراق لأداء الصلاة مع علي - رضي الله عنهم جميعًا - ؟ فهل يُعقل هذا ؟

يقول الشيخ أبو شهبة رحمه الله في " دفاع عن السنة " (ص 99) :
"كيف يصح هذا فى العقول ، وعلىّ كان بالعراق ، ومعاوية كان بالشام ، وأبو هريرة كان بالحجاز، إذ الثابت أنه بعد أن تولى إمارة البحرين فى عهد عمر رضي الله عنه لم يفارق الحجاز.
وقال الإمام ابن عبد البر : استعمله عمر على البحرين ثم عزله ، ثم أراده على العمل، فأبى عليه ، ولم يزل يسكن المدينة وبها كانت وفاته.
اللهم إلا إذا كان المؤلف يرى أن أبا هريرة أعطى بساط سليمان أو كانت الأرض تطوى له طياً ! "
انتهى.

فانظروا إلى سخافة هذه العقول التي تريد التدليس بمثل هذه الترهات ، واعجبوا لمن يرون أنفسهم باحثين جادين بكل هذا التدليس والغش الذي يقومون به باسم البحث النزيه !

ولقد ابتدأ الكاتب النزيه والباحث الجاد قصة أبي هريرة رضي الله عنه بالكذب والافتراء عليه ، فغاص في نوايا أبي هريرة واستخرج أسرار القلوب ، فيقول :
( لقد كان أبو هريرة فقيراً معدماً يخدم الناس بطعام بطنه وكان يجب (يحب؟؟) عندما ينتهي إلي سمعه أن نبياً ظهر بمكة بدين يدعو إلي مساعدة البائسين وسد عوز المحتاجين فإنه يسعي إليه ليكون إلي جواره ).

قلت : هنا يظهر التحامل والحقد الدفين من الكاتب النزيه ، والباحث الجاد ، فيلصق بأبي هريرة ما يجود به ضميره الأسود ، فيتهمه بأنه أسلم من أجل الطعام وسد حاجته !!!

تماماً كما افترى أستاذه أبو رية وغيره..
اتهموا أبا هريرة بأنه أسلم لملء بطنه !

انظروا إلى هذا الافتراء والحقد ، رجل جاء من اليمن إلى يثرب ، قطع الصحراء والقفار ومئات الأميال ، وتكبد عناء السفر والغربة من أجل ماذا ؟ من أجل ملء البطن ، هل يُعقل هذا الكلام ؟
لو أنه كما يفترون عليه بأنه أسلم من أجل الطعام ، أفما كان أهون عليه أن يتسول في اليمن بدلاً من الهجرة البعيدة ؟
إن تسول الطعام متيسر في كل مكان - وخصوصاً أن العرب معروفة بإكرام الضيف - ، فلا يحتاج أن ينتظر بعثة نبي حتى يذهب ويشد الرحال ويتكبد عناء السفر من اليمن إلى الحجاز من أجل أكلة يأكلها أو يقتات على حسنات هذا أو ذاك ، خصوصاً أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه تكبد الجوع وقلة الطعام ، بل إن أغلب المهاجرين كانوا فقراء ، فهل يُطمع بطعام من قوم لا يجدون ما يقتاتون به ؟

ففي البخاري عن عائشة رضي الله عنها : "ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض"
وعند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : " خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير ".

فهل يهاجر الإنسان من أقاصي اليمن إلى الحجاز ويترك بلده وعشيرته ويغير دينه ويتملق من أجل أكلة عند من لم يشبع من خبز الشعير ؟؟

لا يقول بهذا عاقل ، ولكن خسة نفس الكاتب جعلته يهذي ويصب حقده بحثالة أفكاره فيقول ( كان يجب (يحب؟؟) عندما ينتهي إلي سمعه أن نبياً ظهر بمكة...) ، وهنا العجب من هذا الباحث النزيه ، لكثرة النزاهة أصبح يعلم الغيوب ويحصل ما في الصدور ، فيا ليت شعري ، من أخبره بأن أبا هريرة كان يحب أو لا يحب ؟
هل كان معه وأخبره بذلك أم يعلم الغيب ؟
أم هو الإفتراء والحقد لا غير ؟
وأنبه إلى أن المقال جاء فيه ( كان يجب) بالجيم المعجمة ، ولا معنى لها ، والظاهر أنها خطأ ، وربما يقصد "يحب" بالمهملة ، وأيها أراد فقوله تحامل وقفز على خفايا الصدور.

وما استند إليه أبو رية في حبك افترائه على أبي هريرة هو قوله :
((كان أبو هريرة صريحًا صادقًا في الإبانة عن سبب صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم... فلم يقل إنه صاحبه للمحبة والهدايا كما كان يصاحبه غيره من سائر المسلمين ، وإنما قال: إنه قد صاحبه على ملء بطنه ففي حديث رواه أحمد والشيخان عن سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج قال سمعت أبا هريرة يقول: إني كنت امرءا مسكينا أصحب رسول الله على ملء بطني)).

قلت : ففسر أبو رية بجهل أو بسوء طوية وتبعه الباز كالأعمى بأن قوله رضي الله عنه "كنت امرءًا مسكينًا أصحب رسول الله على ملء بطني" بأنه صحبه "من أجل ملء بطنه" ، بينما الرواية تقول " على ملء بطني" ، وبينهما فرق لا يخفى ، ولننظر إلى الرواية في صحيح البخاري :
(( إن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم وكنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة أعي حين ينسون... الحديث )).

فأبو هريرة رضي الله عنه كان يشرح سبب كثرة حديثه ، وهو أن المهاجرين والأنصار كان يشغلهم الصفق بالأسواق أي التجارة والقيام على أعمالهم ، ففاتهم الكثير من مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بينما لم يكن لأبي هريرة تجارة ولم يكن صاحب مال ، فلذلك لم يكن عنده هذه المشاغل لتشغله عن ملازمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل يقنع بالحصول على قوت يومه ، فإذا حصل عليه ترك الدنيا بما فيها ليلتصق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يفارقه ما استطاع ، لأن قربه صلى الله عليه وسلم أحب إلى أبي هريرة من الاشتغال بمال الدنيا وزينتها ، ولو كان الطعام مما يستغنى عنه ولا يفضي إلى الهلاك لتركه مفضلًًا ملازمة النبي عليه السلام ، فهذا معنى "على ملء بطني" وليس كما فسرها أبو رية ومقلدوه بفهمهم السقيم.

هذا والحديث بلفظ "ألزم" وليس "أصحب" كما نقله أبو رية.
يقول المعلمي في "أنواره" :
((فأبو هريرة لم يتكلم عن إسلامه ولا هجرته ولا صحبته المشتركة بينه وبين غيره من الصحابة وإنما تكلم عن مزيته وهي لزومه للنبي صلى الله عليه وسلم دونهم، ولم يعلل هذه المزية بزيادة محبته أو زيادة رغبته في الخير أو العلم أو نحو ذلك مما يجعل له فضيلة على إخوانه، وإنما عللها على أسلوبه في التواضع بقول (( على ملء بطني )) فإنه جعل المزية لهم عليه بأنهم أقوياء يسعون في معاشهم وهو مسكين، هذا والله أدب بالغ تخضع له الأعناق، ولكن أبا رية يهتبل تواضع أبي هريرة ويبدل الكلمة ويحرف المعنى ويركب العنوان على تحريفه ويحاول صرف الناظر عن التحري والتثبت بذكره رواية مسلم ليوهم أنه قد تحرى الدقة البالغة، ويبنى على صنيعه تلك الدعوى الفاجرة)).

وانظر عزيزي القارئ إلى سماحة نفس أبي هريرة لما أقبل يريد الإسلام ومعه غلامه ضل كل واحد منهما عن صاحبه ، فأقبل بعد ذلك وأبو هريرة جالس مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا هريرة هذا غلامك قد أتاك ، فقال : أما إني أشهدك أنه حر... أخرجه البخاري.

يُعتق عبده ، ثم يتهمونه بأنه جاء من اليمن من أجل ولعه بالطعام.

يقول عبد الله بن عبد العزيز بن علي الناصر في كتابه "البرهان في تبرئة أبي هريرة من البُهتان":
((ومن هذا نرى أن في قصة إسلام أبي هريرة رضي الله عنه مثلاً من أمثلة الصدق في محبة الرسول واعتناق الإسلام ، وفي الشكر على نعمة الله بلقاء رسوله ومبايعته بإعتاق عبده الذي ليس له غيره.
ولعمري إنه مَثلٌ يجد فيه المؤمنون الصادقون ما تفيض به النفس ثقة ورضى واطمئناناً )).


ثم يتابع الكاتب صب جام حقده وجهله على أبي هريرة فيقول :
( وهو بطبعه الانتهازي يريد الأمر سهلاً لأنه ليس من أبطال الحروب ولا عهد له بميادين القتال ولم يخلق إلا ليخدم ويطعم من أجر خدمته للآخرين ).

أقول:
هذه السطور تبين لك مدى التحامل والحقد ، فإنه يشكل الصورة التي يشتهيها هواه عن أبي هريرة ، ويصورها بما يرضي حقده وتحامله دون دليل أو برهان ، فخياله فقط يكفي لجعله حقيقة دامغة ، وترهاته تكفيه ليكون باحثاً نزيهاً جادًّا.

لقد تلقف الكاتب هذه الافتراءات من معلمه الأوحد أبي رية إذ يقول :
(( ولا - عُدًّ - من المجاهدين بأموالهم ولا بأنفسهم ))

ويرد عليه العلامة المعلمي في "أنواره" قائلاً:
((بل هو منهم، فقد غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم غزواته بعد خيبر)) انتهى.

قلت :
وللتدليل على كذبهم في زعمهم بأن أبا هريرة ليس من المجاهدين ولا عهد له بميادين القتال ، أسوق بعض الروايات التي تثبت جهاده رضي الله عنه :
1 – أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما عن مروان بن الحكم أنه سأل أبا هريرة : هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ؟ ، قال أبو هريرة : نعم ، قال مروان : متى ؟ ، فقال أبو هريرة : عام غزوة نجد ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة العصر فقامت معه طائفة وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلى القبلة فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود وصحيح سنن النسائي.

وعند ابن حبان في صحيحه عن عروة بن الزبير قال : سمعت أبا هريرة ، ومروان بن الحكم يسأله عن صلاة الخوف ، فقال أبو هريرة : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة قال : فصدع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس صدعين... فذكر الحديث بمثل معناه

2 - وأخرج أبو عوانة في "مستخرجه" عن أبي هريرة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فنزلنا منزلا فقال بعض القوم : « يا رسول الله ، لو ذبحنا بعض الظهر ، فأصبنا منه فيرى المشركون حسن حالنا.... الحديث.

3 - البيهقي في "الدلائل" عن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ، فأصابهم عوز من الطعام ، فقال : يا أبا هريرة ، عندك شيء ؟ قال : قلت : شيء من تمر في مزود لي ، قال : جئ به قال : فجئت بالمزود ، قال : هات نطعا ، فجئت بالنطع فبسطته ، فأدخل يده فقبض على التمر فإذا هو إحدى وعشرون تمرة ، ثم قال : بسم الله ، فجعل يضع كل تمرة ويسمي ، حتى أتى على التمر ، فقال به هكذا ، فجمعه ، فقال : ادع فلانا وأصحابه ، فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا ، ثم قال : ادع فلانا وأصحابه ، فأكلوا وشبعوا وخرجوا.... الحديث.

وفي رواية (حتى أكل الجيش كلهم وشبعوا) الشريعة للآجري.

وكان رضي الله عنه يُنتدب للمهمات
4 - ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:
بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج : إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما.

فهذه عينة بسيطة تدل على أن أبا هريرة شهد الحروب والغزوات وخاض الميادين ، وكتب التاريخ طافحة بجهاده رضي الله عنه ، وليس كما يدعي الكاتب وأضرابه كذباً وزوراً وبهتاناً.

وبالإضافة إلى ما ذكرنا ، فإن أبا هريرة روى الكثير من أحاديث الجهاد وفضله والحث عليه ، فهل يُعقل أن من وصفه الكاتب بأنه انتهازي يريد الأمر سهلاً ويلمزه بالجبن والتأخر عن الجهاد ، أن يروي الكثير الكثير من أحاديث الجهاد وفضله والحض عليه ؟؟

وهاك أمثلة من صحيح البخاري :
قال رضي الله عنه :
1 - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة.

2 - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لقاب قوس في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب ، وقال : لغدوة أو روحة في سبيل الله خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب.

3 - سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : والذي نفسي بيده لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ، ولا أجد ما أحملهم عليه ، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله ، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل.

4 - إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله.

5 - قال النبي صلى الله عليه وسلم : من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة.


فإن من يُكثر من أحاديث الجهاد وفضلها والحض عليها لا يمكن أن يكون جباناً ممن يخافون الحرب والجهاد ، بل من شجعانها.

فهل بقي من كذب هذا الكاتب شيء بعد هذا ؟ نعوذ بالله من الكذب والحقد والجهل.

ثم يذكر الكاتب قصة خلاف أبي هريرة مع أبان بن سعيد بن العاص ، ونحن نسأل : وماذا في هذا ؟
هل زعمنا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملائكة لا يختصمون ؟

سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.

ثم يسترسل الكاتب الفهامة في تحصيل ما في الصدور وكشف الغيوب ، فيقول :

((وقد يكون الرسول بهذا الموقف أسقط أبا هريرة من عينيه فلم يقم له من يومها وزناً ووضعه بين أصحابه في المكان الذي يليق به.. )).

قلت : هذا هو البحث الجاد الذي تحدث عنه الكاتب ، يتخيل ، ثم يقذف ما يتخيله فيخرج بحثاً جاداً نزيهاً...

من أخبره بأن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط أبا هريرة من عينه ؟
وأين وجد أنه صلى الله عليه وسلم لم يقم له من يومها وزناً ؟؟
تالله إنه ليفتري افتراء من لا يستحي ولا يخجل..

ثم أراد أن يستدل على أحلامه الساقطة فقال :
((والدليل علي ذلك أن الرسول لم يؤاخذ أبان بعد أن أغلظ لأبي هريرة في القول علي حين أنه كان يغضب غضباً شديداً عندما ينال أحد أصحابه إهانة من صحابي آخر)).

أقول :
لنستعرض أولاً الرواية عند البخاري رحمه الله في صحيحه:
(( عن عنبسة بن سعيد أن أبا هريرة رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله ، قال له بعض بني سعيد بن العاص : لا تعطه ، فقال أبو هريرة : هذا قاتل ابن قوقل ، فقال واعجباه ! لوبر تدلى من قدوم الضأن )).

وعند أبي داود في سننه عن أبي هريرة:
(( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد بن العاص على سرية من المدينة قبل نجد ، فقدم أبان بن سعيد وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها وإن حزم خيلهم ليف ، فقال أبان : اقسم لنا يا رسول الله فقال أبو هريرة : فقلت لا تقسم لهم يا رسول الله ، فقال أبان : أنت بها يا وبر تحدر علينا من رأس ضال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اجلس يا أبان ، ولم يقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ))


وبالنظر في هاتين الروايتين نرى أن أبان أغلظ لأبي هريرة في القول ، وكذلك أبو هريرة أغلظ له ، فلقد قال له - كما في البخاري - ( هذا قاتل ابن قوقل ) ، ولقد ساء أبان هذا كثيراً ، فرد عليه أبان بغليظ القول وقال له ما قال.

فكل واحد منهما أغلظ للآخر في القول ، لهذا اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بتهدئة الوضع وطلب من أبان الجلوس ، إذ أن كل واحد منهما رد على الآخر ، وليس لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقم لأبي هريرة وزناً كما يفتري الباحث الجاد.

وكذلك نلاحظ من جمع الروايتين أن أبان سأل القسمة من الغنيمة وكذلك أبو هريرة سألها.
ونلاحظ أن كليهما أغلظ في القول للآخر، ومع ذلك نرى الكاتب ينقم على أبي هريرة فقط ولا ينقم على أبان ؟
ولك أن تتساءل عزيزي القارئ ، لماذا لم ينقم الكاتب النزيه على أبان مثلما نقم على أبي هريرة ؟
إنه التحامل وسوء النية وخبث الطوية.

أما قوله إن أبا هريرة تدخل فيما لا يعنيه ، فلم يكن هو من بدأ ، فلقد سبقه أبان وقال للنبي صلى الله عليه وسلم "لا تعطه" أي من الغنيمة ، ولكن الكاتب لم ينقم على أبان ونقم على أبي هريرة.
ورداً على قول الكاتب ( فلم يقم له من يومها وزناً ) نورد بعض الروايات التي تكذبه :
- فعند الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :
أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمَرَاتٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ فَضَمَّهُنَّ ثُمَّ دَعَا لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ فَقَالَ خُذْهُنَّ وَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدِكَ هَذَا أَوْ فِي هَذَا الْمِزْوَدِ كُلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَدْخِلْ فِيهِ يَدَكَ فَخُذْهُ وَلَا تَنْثُرْهُ نَثْرًا فَقَدْ حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ وَسْقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَكُنَّا نَأْكُلُ مِنْهُ وَنُطْعِمُ وَكَانَ لَا يُفَارِقُ حِقْوِي حَتَّى كَانَ يَوْمُ قَتْلِ عُثْمَانَ فَإِنَّهُ انْقَطَعَ.

وهذه الرواية ذكرها الإمام الترمذي في باب مناقب أبي هريرة

- وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عنه في حديث طويل أنه قَالَ :
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِمْ الْمُؤْمِنِينَ.
فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي.


قلت : فهل الكاتب من المؤمنين الذين يحبون أبا هريرة ؟
بهذا الحديث تنكشف الأقنعة الزائفة.

- وله كذلك عنه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَبْسُطْ ثَوْبَهُ فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي فَبَسَطْتُ ثَوْبِي حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ ثُمَّ ضَمَمْتُهُ إِلَيَّ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ.

- وأخرج البخاري عنه قال :
قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ.

قلت ( العميد ) : هذا وبعد أن وصلت إلى هنا في الرد على محمد الباز ، وجدت ردًا للشيخ اشرف عبد المقصود ، فتوقفت هنا مكتفيًا برد الشيخ حفطه الله ، فإذا وجد الماء بطل التيمم ، والله ولي التوفيق.

عدد مرات القراءة:
1086
إرسال لصديق طباعة
 
اسمك :  
نص التعليق :